٥٧ - ٱلْحَدِيد
57 - Al-Hadeed (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
28
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أنه لما قال في الآية الأولى: {فآتينا الذين آمنوا منهم } أي من قوم عيسى: {أية : أَجْرَهُمْ } تفسير : [الحديد: 27] قال في هذه الآية: {يا أيها الذين آمنوا } والمراد به أولئك فأمرهم أن يتقوا الله ويؤمنوا بمحمد عليه الصلاة والسلام ثم قال: {يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ } أي نصيبين من رحمته لإيمانكم أولاً بعيسى، وثانياً بمحمد عليه الصلاة والسلام، ونظيره قوله تعالى: {أية : أُوْلَـٰئِكَ يُؤْتُونَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنِ } تفسير : [القصص: 54] عن ابن عباس أنه نزل في قوم جاءوا من اليمن من أهل الكتاب إلى الرسول وأسلموا فجعل الله لهم أجرين، وههنا سؤالان: السؤال الأول: ما الكفل في اللغة؟ الجواب: قال المؤرج: الكفل النصيب بلغة هذيل وقال غيره بل هذه لغة الحبشة، وقال المفضل ابن مسلمة: الكفل كساء يديره الراكب حول السنام حتى يتمكن من القعود على البعير. السؤال الثاني: أنه تعالى لما آتاهم كفلين وأعطى المؤمنين كفلاً واحداً كان حالهم أعظم والجواب: روي أن أهل الكتاب افتخروا بهذا السبب على المسلمين، وهو ضعيف لأنه لا يبعد أن يكون النصيب الواحد أزيد قدراً من النصيبين، فإن المال إذا قسم بنصفين كان الكفل الواحد نصفاً، وإذا قسم بمائة قسم كان الكفل الواحد جزء من مائة جزء، فالنصيب الواحد من القسمة الأولى أزيد من عشرين نصيباً من القسمة الثانية، فكذا ههنا، ثم قال تعالى: {وَيَجْعَل لَّكُمْ } أي يوم القيامة {نُوراً تَمْشُونَ بِهِ } وهو النور المذكور في قوله {أية : يَسْعَىٰ نُورُهُم } تفسير : [الحديد: 12] {وَيَغْفِرْ لَكُمْ } ما أسلفتم من المعاصي {وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ }.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} أي آمنوا بموسى وعيسى {ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَآمِنُواْ بِرَسُولِهِ} بمحمد صلى الله عليه وسلم {يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ} أي مثلين من الأجر على إيمانكم بعيسى ومحمد صلى الله عليهما وسلم، وهذا مثل قوله تعالى: {أية : أُوْلَـٰئِكَ يُؤْتَونَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُواْ} تفسير : [القصص:54] وقد تقدم القول فيه. والكِفل الحظ والنصيب وقد مضى في «النساء» وهو في الأصل كِساء يكتفل به الراكب فيحفظه من السقوط؛ قاله ٱبن جريج. ونحوه قال الأزهري، قال: ٱشتقاقه من الكِساء الذي يحويه راكب البعير على سنامه إذا ٱرتدفه لئلا يسقط؛ فتأويله يؤتكم نصيبين يحفظانكم من هلكة المعاصي كما يحفظ الكِفل الراكب. وقال أبو موسى الأشعري: {كِفْلَيْنِ} ضعفين بلسان الحبشة. وعن ٱبن زيد: «كِفْلَيْن» أجر الدنيا والآخرة. وقيل: لما نزلت {أُوْلَـٰئِكَ يُؤْتَونَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُواْ} ٱفتخر مؤمنو أهل الكتاب على أصحاب النبيّ صلى الله عليه وسلم فنزلت هذه الآية. وقد ٱستدل بعض العلماء بهذه الآية على أن الحسنة إنما لها من الأجر مِثْل واحد؛ فقال: الحسنة ٱسم عام ينطلق على كل نوع من الإيمان، وينطلق على عمومه، فإذا ٱنطلقت الحسنة على نوع واحد فليس له عليها من الثواب إلا مِثْل واحد. وإن ٱنطلقت على حسنة تشتمل على نوعين كان الثواب عليها مثلين؛ بدليل هذه الآية فإنه قال: {كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ} والكفل النصيب كالمثل، فجعل لمن ٱتقى الله وآمن برسوله نصيبين؛ نصيباً لتقوى الله ونصيباً لإيمانه برسوله. فدل على أن الحسنة التي جعل لها عشر هي التي جمعت عشرة أنواع من الحسنات، وهو الإيمان الذي جمع الله تعالى في صفته عشرة أنواع، لقوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱلْمُسْلِمِينَ وَٱلْمُسْلِمَاتِ} تفسير : [الأحزاب:35] الآية بكمالها. فكانت هذه الأنواع العشرة التي هي ثوابها أمثالها فيكون لكل نوع منها مِثْل. وهذا تأويل فاسد، لخروجه عن عموم الظاهر، في قوله تعالى: {مَن جَآءَ بِٱلْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا} بما لا يحتمله تخصيص العموم، لأن ما جمع عشر حسنات فليس يُجزَى عن كل حسنة إلا بمثلها. وبطل أن يكون جزاء الحسنة عشر أمثالها والأخبار دالة عليه. وقد تقدم ذكرها. ولو كان كما ذكر لما كان بين الحسنة والسيئة فرق. {وَيَجْعَل لَّكُمْ نُوراً} أي بياناً وهدًى، عن مجاهد. وقال ٱبن عباس: هو القرآن. وقيل: ضياء {تَمْشُونَ بِهِ} في الآخرة على الصراط، وفي القيامة إلى الجنة. وقيل تمشون به في الناس تدعونهم إلى الإسلام فتكونون رؤساء في دين الإسلام لا تزول عنكم رياسة كنتم فيها. وذلك أنهم خافوا أن تزول رياستهم لو آمنوا بمحمد عليه السلام. وإنما كان يفوتهم أخذ رشوة يسيرة من الضعفة بتحريف أحكام الله، لا الرياسة الحقيقية في الدين. {وَيَغْفِرْ لَكُمْ} ذنوبكم {وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}. قوله تعالى: {لِّئَلاَّ يَعْلَمَ أَهْلُ ٱلْكِتَابِ} أي ليعلم، و«أن لا» صلة زائدة مؤكدة؛ قاله الأخفش. وقال الفراء: معناه لأن يعلم و«لا» صلة زائدة في كل كلام دخل عليه جَحْد. قال قتادة: حسد أهل الكتاب المسلمين فنزلت: {لِّئَلاَّ يَعْلَمَ أَهْلُ ٱلْكِتَابِ} أي لأن يعلم أهل الكتاب أنهم {أَلاَّ يَقْدِرُونَ عَلَىٰ شَيْءٍ مِّن فَضْلِ ٱللَّهِ وَأَنَّ ٱلْفَضْلَ بِيَدِ ٱللَّهِ}. وقال مجاهد: قالت اليهود يوشك أن يخرج منا نبيّ يقطع الأيدي والأرجل. فلما خرج من العرب كفروا فنزلت: {لِّئَلاَّ يَعْلَمَ} أي ليعلم أهل الكتاب «أَنْ لاَ يَقْدِرُونَ» أي أنهم لا يقدرون؛ كقوله تعالى: {أية : أَلاَّ يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلاً} تفسير : [طه:89]. وعن الحسن: «لَيْلاَ يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ» وروي ذلك عن ٱبن مجاهد. وروى قُطْرُب بكسر اللام وإسكان الياء. وفتح لام الجر لغة معروفة. ووجه إسكان الياء أنّ همزة «أَنْ» حذفت فصارت «لَنْ» فأدغمت النون في اللام فصار «لِلاَّ» فلما ٱجتمعت اللامات أبدلت الوسطى منها ياء؛ كما قالوا في أَمّا: أَيْمَا. وكذلك القول في قراءة من قرأ «لِيْلاَ» بكسر اللام إلا أنه أبقى اللام على اللغة المشهورة فيها فهو أقوى من هذه الجهة. وعن ٱبن مسعود «لِكَيْلاَ يَعْلَمَ» وعن حِطّان بن عبد الله «لأَنْ يَعْلَمَ». وعن عِكرمة «لِيَعْلَمَ» وهو خلاف المرسوم. «مِنْ فَضْلِ اللَّهِ» قيل: الإسلام. وقيل: الثواب. وقال الكلبي: من رزق الله. وقيل: نعم الله التي لا تحصى. {وَأَنَّ ٱلْفَضْلَ بِيَدِ ٱللَّهِ} ليس بأيديهم فيصرفون النبوّة عن محمد صلى الله عليه وسلم إلى من يحبون. وقيل: {وَأَنَّ ٱلْفَضْلَ بِيَدِ ٱللَّهِ} أي هو له {يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ}. وفي البخاري: حدثنا الحكم بن نافع، قال حدثنا شعيب عن الزهري، قال أخبرني سالم بن عبد الله، أن عبد الله بن عمر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول وهو قائم على المنبر: «حديث : إنما بقاؤكم فيما سلف قبلكم من الأمم كما بين صلاة العصر إلى غروب الشمس أعطى أهل التوراة التوراة فعملوا بها حتى ٱنتصف النهار ثم عجزوا فأعطوا قيراطاً قيراطاً ثم أعطى أهل الإنجيل الإنجيل فعملوا به حتى صلاة العصر ثم عجزوا فأعطوا قيراطاً قيراطاً ثم أعطيتم القرآن فعملتم به حتى الشمس فأعطيتم قيراطين قيراطين قال أهل التوراة ربنا هؤلاءِ أقل عملاً وأكثر أجراً قال: هل ظلمتكم من أجركم من شيء قالوا لا فقال فذلك فضلي أوتيه من أشاء» تفسير : في رواية: «حديث : فغضبت اليهود والنصارى وقالوا ربنا» تفسير : الحديث {وَٱللَّهُ ذُو ٱلْفَضْلِ ٱلْعَظِيمِ}. (تم تفسير سورة «الحديد» والحمد لله).
ابن كثير
تفسير : قد تقدم في رواية النسائي عن ابن عباس: أنه حمل هذه الآية على مؤمني أهل الكتاب، وأنهم يؤتون أجرهم مرتين؛ كما في الآية التي في القصص، وكما في حديث الشعبي عن أبي بردة عن أبيه عن أبي موسى الأشعري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين: رجل من أهل الكتاب آمن بنبيه وآمن بي فله أجران، وعبد مملوك أدى حق الله وحق مواليه فله أجران، ورجل أدب أمته فأحسن تأديبها، ثم أعتقها وتزوجها فله أجران» تفسير : أخرجاه في الصحيحين. ووافق ابن عباس على هذا التفسير الضحاك وعتبة بن أبي حكيم وغيرهما، وهو اختيار ابن جرير. وقال سعيد بن جبير: لما افتخر أهل الكتاب بأنهم يؤتون أجرهم مرتين، أنزل الله تعالى عليه هذه الآية في حق هذه الأمة: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَءَامِنُواْ بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ} أي: ضعفين {مِّن رَّحْمَتِهِ} وزادهم: {وَيَجْعَل لَّكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ} يعني: هدى يتبصر به من العمى والجهالة، ويغفر لكم، ففضلهم بالنور والمغفرة. رواه ابن جرير عنه. وهذه الآية كقوله تعالى: {أية : يِـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوۤاْ إَن تَتَّقُواْ ٱللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَٱللَّهُ ذُو ٱلْفَضْلِ ٱلْعَظِيمِ} تفسير : [الأنفال:29] وقال سعيد بن عبد العزيز: سأل عمر بن الخطاب حبراً من أحبار يهود: كم أفضل ما ضعفت لكم حسنة؟ قال: كفل: ثلاثمائة وخمسين حسنة، قال: فحمد الله عمر على أنه أعطانا كفلين، ثم ذكر سعيد قول الله، عز وجل: {يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ} قال سعيد: والكفلان في الجمعة مثل ذلك، رواه ابن جرير. ومما يؤيد هذا القول مارواه الإمام أحمد: حدثنا إسماعيل، حدثنا أيوب عن نافع عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : مثلكم ومثل اليهود والنصارى كمثل رجل استعمل عمالاً، فقال: من يعمل لي من صلاة الصبح إلى نصف النهار على قيراط قيراط؟ ألا فعملت اليهود، ثم قال: من يعمل لي من صلاة الظهر إلى صلاة العصر على قيراط قيراط؟ ألا فعملت النصارى، ثم قال: من يعمل لي من صلاة العصر إلى غروب الشمس على قيراطين قيراطين؟ ألا فأنتم الذين عملتم، فغضب النصارى واليهود، وقالوا: نحن أكثر عملاً، وأقل عطاءً، قال: هل ظلمتكم من أجركم شيئاً؟ قالوا: لا، قال: فإنما هو فضلي أوتيه من أشاء.»تفسير : قال أحمد: وحدثناه مؤمل عن سفيان عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر نحو حديث نافع، عنه. انفرد بإخراجه البخاري، فرواه عن سليمان بن حرب عن حماد عن نافع به، وعن قتيبة عن الليث عن نافع بمثله. وقال البخاري: حدثني محمد بن العلاء، حدثنا أبو أسامة عن بريد عن أبي بردة عن أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : مثل المسلمين واليهود والنصارى، كمثل رجل استعمل قوماً يعملون له عملاً يوماً إلى الليل على أجر معلوم، فعملوا إلى نصف النهار، فقالوا: لا حاجة لنا في أجرك الذي شرطت لنا، وما عملنا باطل، فقال لهم: لا تفعلوا، أكملوا بقية عملكم، وخذوا أجركم كاملاً، فأبوا وتركوا، واستأجر آخرين بعدهم، فقال: أكملوا بقية يومكم، ولكم الذي شرطت لهم من الأجر، فعملوا حتى إذا كان حين صلوا العصر، قالوا: ما عملنا باطل، ولك الأجر الذي جعلت لنا فيه، فقال: أكملوا بقية عملكم؛ فإنما بقي من النهار شيء يسير، فأبوا. فاستأجر قوماً أن يعملوا له بقية يومهم، فعملوا له بقية يومهم حتى غابت الشمس، فاستكملوا أجرة الفريقين كليهما، فذلك مثلهم ومثل ما قبلوا من هذا النور» تفسير : انفرد به البخاري. ولهذا قال تعالى: {لِّئَلاَّ يَعْلَمَ أَهْلُ ٱلْكِتَـٰبِ أَلاَّ يَقْدِرُونَ عَلَىٰ شَىْءٍ مِّن فَضْلِ ٱللَّهِ} أي: ليتحققوا أنهم لا يقدرون على رد ما أعطاه الله، ولا إعطاء مامنع الله {وَأَنَّ ٱلْفَضْلَ بِيَدِ ٱللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ وَٱللَّهُ ذُو ٱلْفَضْلِ ٱلْعَظِيمِ}. قال ابن جرير: {لِّئَلاَّ يَعْلَمَ أَهْلُ ٱلْكِتَـٰبِ} أي: ليعلم. وقد ذكر عن ابن مسعود أنه قرأها: (لكي يعلم) وكذا عطاء بن عبد الله وسعيد بن جبير. قال ابن جرير: لأن العرب تجعل (لا) صلة في كل كلام دخل في أوله أو آخره جحد غير مصرح، فالسابق كقوله: {أية : مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ} تفسير : [الأعراف: 12] {أية : وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَآ إِذَا جَآءَتْ لاَ يُؤْمِنُونَ} تفسير : [الأنعام: 109] بالله {أية : وَحَرَامٌ عَلَىٰ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَـٰهَآ أَنَّهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ} تفسير : [الأنبياء: 95].
المحلي و السيوطي
تفسير : {يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِين ءَامَنُواْ} بعيسى {ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَءامِنُواْ بِرَسُولِهِ } محمد صلى الله عليه وسلم {يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ } نصيبين {مّن رَّحْمَتِهِ } لإِيمانكم بالنبيَّيْن {وَيَجْعَل لَّكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ } على الصراط {وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ }.
الماوردي
تفسير : {يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ اتَّقُواْ اللَّهَ وَءَامِنُواْ بِرَسُولِهِ} معناه يا أيها الذين آمنوا بموسى وعيسى آمنوا بمحمد. {يُؤْتِكُم كِفْلَينِ مِن رَّحْمَتِهِ} فيه وجهان: أحدهما: أن أحد الأجرين لإيمانهم بمن تقدم من الأنبياء، والآخر لإيمانهم بمحمد صلى الله عليه وسلم، قاله ابن عباس. الثاني: أن أحدهما: أجر الدنيا، والآخر أجر الآخرة، قاله ابن زيد. ويحتمل ثالثاً: أن أحدهما أجر اجتناب المعاصي، والثاني أجر فعل الطاعات. ويحتمل رابعاً: أن أحدهما أجر القيام بحقوق الله والثاني أجر القيام بحقوق العباد. {وَيَجْعَلَ لَّكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ} فيه قولان: أحدهما: أنه القرآن، قاله ابن عباس. الثاني: أنه الهدى، قاله مجاهد. ويحتمل ثالثاً: أنه الدين المتبوع في مصالح الدنيا وثواب الآخرة. وقد روى أبو بريدة بن أبي موسى الأشعري عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : ثَلاَثَةٌ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُم مَّرَّتَينِ: رَجُلٌ آمَنَ بِالكِتَابِ الأَوَّلِ وَالْكِتَابِ الآخِرِ، وَرَجُلٌ كَانَتْ لَه أَمَةٌ فَأَدَّبَهَا وَأَحْسَنَ تَأْدِيبَهَا ثُمَّ أَعْتَقَهَا فَتَزَوَّجَهَا، وَعَبْدٌ مَمْلُوكٌ أَحْسَنَ عِبَادَةَ رَبِّهِ وَنَصَحَ لَسَيِّدِهِ ". تفسير : {لِئَلاَّ يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ} قال الأخفش: معناه ليعلم أهل الكتاب وأن "لا" صلة زائدة وقال الفراء: لأنْ لا يعلم أهل الكتاب و "لا" صلة زائدة في كلام دخل عليه جحد. {أَلاَّ يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِّن فَضْلِ اللَّهِ} فيه وجهان: أحدهما: من دين الله وهو الإسلام قاله مقاتل. الثاني: من رزق الله، قاله الكلبي. وفيه ثالث: أن الفضل نعم الله التي لا تحصى.
ابن عبد السلام
تفسير : {يَآأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ} بموسى وعيسى أمِنوا بمحمد {كِفْلَيْنِ} ضعفين بلغة الحبشة، أو أجرين أحدهما لإيمانهم بمن تقدم من الأنبياء، والآخر لإيمانهم بمحمد صلى الله عليه وسلم "ع"، أو أجر الدنيا وأجر الآخرة {نُوراً} القرآن، أو الهدى.
الخازن
تفسير : {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا برسوله يؤتكم كفلين من رحمته} أجرين بإيمانهم بعيسى وبالتوراة والإنجيل وبإيمانهم بمحمد صلى الله عليه وسلم وتصديقهم له وقال {ويجعل لكم نوراً تمشون به} القرآن واتباعهم النبي صلى الله عليه وسلم وقال {لئلا يعلم أهل الكتاب} الذين يتشبهون بكم {ألا يقدرون على شيء من فضل الله} الآية أخرجه النسائي موقوفاً على ابن عباس وقال قوم انقطع الكلام عند قوله ورحمة ثم قال ورهبانية ابتدعوها وذلك أنهم تركوا الحق فأكلوا الخنزير وشربوا الخمر وتركوا الوضوء والغسل من الجنابة والختان، {أية : فما رعوها} تفسير : [الحديد: 27] يعني الملة والطاعة حق رعايتها كناية عن غير مذكور {فآتينا الذين آمنوا منهم أجرهم} وهم أهل الرأفة والرحمة {وكثير منهم فاسقون} هم الذين غيروا وبدلوا وابتدعوا الرهبانية ويكون معنى قوله: {ابتغاء رضوان الله} على هذا التأويل: {ما كتبناها عليهم} ولكن ابتغاء رضوان الله وابتغاء رضوان الله اتباع ما أمر به دون الترهب لأنه لم يأمر به. قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله} الخطاب لأهل الكتابين من اليهود والنصارى يعني يا أيها الذين آمنوا بموسى وعيسى اتقوا الله في محمد وآمنوا به وهو قوله تعالى: {وآمنوا برسوله} يعني بمحمد صلى الله عليه وسلم {يؤتكم كفلين} أي نصيبين {من رحمته} يعني يؤتكم أجرين لإيمانكم بعيسى والإنجيل وبمحمد صلى الله عليه وسلم والقرآن (ق) عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : ثلاثة لهم أجران رجل من أهل الكتاب آمن بنبيه وآمن بمحمد صلى الله عليه وسلم والعبد المملوك الذي أدى حق مواليه وحق الله ورجل كانت عنده أمة يطؤها فأدبها فأحسن تأديبها وعلمها فأحسن تعليمها ثم أعتقها فتزوجها فله أجران"تفسير : ، {ويجعل لكم نوراً تمشون به} يعني على الصراط وقال ابن عباس: النور هو القرآن وقيل هو الهدى والبيان أي يجعل لكم سبيلاً واضحاً في الدين تهتدون به {ويغفر لكم} أي ما سلف من ذنوبكم قبل الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم، {والله غفور رحيم لئلا يعلم أهل الكتاب} قيل لما سمع من لم يؤمن من أهل الكتاب قوله: {أولئك يؤتون أجرهم مرتين}، قالوا للمسلمين أما من آمن منا بكتابكم فله أجره مرتين لإيمانه بكتابكم وكتابنا ومن لم يؤمن فله أجر كأجركم فما فضلكم علينا فنزل {لئلا يعلم} أي ليعلم ولا صلة أهل الكتاب يعني الذين لم يؤمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم وحسدوا المؤمنين {ألا يقدرون} يعني أنهم لا يقدرون {على شيء من فضل الله} والمعنى جعلنا الأجرين لمن آمن بمحمد صلى الله عليه وسلم ليعلم الذين لم يؤمنوا به أنهم لا أجر لهم ولا نصيب من فضل الله وقيل لما نزل في مسلمي أهل الكتاب {أولئك يؤتون أجرهم مرتين} افتخروا على المسلمين بزيادة الأجر فشق ذلك على المسلمين فنزل لئلا يعلم أهل الكتاب يعني المؤمنين منهم أن لا يقدرون على شيء من فضل الله، {وأن الفضل بيد الله} يعني الذي خصكم به فإنه فضلكم على جميع الخلائق وقيل يحتمل أن يكون الأجر الواحد أكثر من الأجرين وقيل قالت اليهود يوشك أن يخرج منا نبي يقطع الأيدي والأرجل فلما خرج من العرب كفروا به فأنزل هذه الآية فعلى هذا يكون فضل الله النبوة {يؤتيه من يشاء} يعني محمداً صلى الله عليه وسلم وهو قوله {وأن الفضل بيد الله} أي في ملكه وتصرفه يؤتيه من يشاء لأنه قادر مختار، {والله ذو الفضل العظيم} (خ) عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو قائم على المنبر يقول "حديث : إنما بقاؤكم فيمن سلف قبلكم من الأمم كما بين صلاة العصر إلى غروب الشمس أوتي أهل التوراة التوراة فعملوا بها حتى انتصف النهار ثم عجزوا فأعطوا قيراطاً قيراطاً ثم أوتي أهل الإنجيل الإنجيل فعملوا إلى صلاة العصر ثم عجزوا فأعطوا قيراطاً قيراطاً ثم أوتينا القرآن فعملنا إلى غروب الشمس فأعطينا قراطين قيراطين فقال أهل الكتابين أي ربنا أعطيت هؤلاء قيراطين قيراطين وأعطيتنا قيراطاً ونحن أكثر عملاً قال الله تعالى هل ظلمتكم من أجركم شيئاً قالوا لا قال فهو فضلي أوتيه من أشاء" تفسير : وفي رواية "حديث : إنما أجلكم في أجل من خلا من الأمم كما بين صلاة العصر إلى غروب الشمس وإنما مثلكم ومثل اليهود والنصارى كرجل استعمل عمالاً فقال من يعمل لي إلى نصف النهار على قيراط قيراط فعملت اليهود إلى نصف النهار على قيراط قيراط ثم قال من يعمل لي من نصف النهار إلى صلاة العصر على قيراط قيراط فعملت النصارى من نصف النهار إلى صلاة العصر على قيراط قيراط ثم قال من يعمل لي من صلاة العصر إلى غروب الشمس على قيراطين قيراطين ألا فأنتم الذين يعملون من صلاة العصر إلى غروب الشمس ألا لكم الأجر مرتين فغضبت اليهود والنصارى وقالوا نحن أكثر عملاً وأقل عطاء قال الله عز وجل وهل ظلمتكم من حقكم شيئاً قالوا لا قال فإنه فضلي أصيب به من شئت" تفسير : أي أعطيه من شئت (خ) عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "حديث : مثل المسلمين واليهود والنصارى كمثل رجل استأجر قوماً يعملون له إلى الليل على أجر معلوم فعملوا إلى نصف النهار فقالوا لا حاجة لنا إلى أجرك الذي شرطت لنا وما عملنا باطل فقال لهم لا تفعلوا اعملوا بقية يومكم وخذوا أجركم كاملاً فأبوا وتركوا واستأجر آخرين بعدهم فقال اعملوا بقية يومكم ولكم الذي شرطت لهم من الأجر فعملوا حتى إذا كان حين صلاة العصر قالوا ما عملنا باطل ولك الأجر الذي جعلت لنا فيه فقال أكملوا بقية عملكم فإن ما بقي من النهار شيء يسير فأبوا فاستأجر قوماً أن يعملوا بقية يومهم فعملوا بقية يومهم حتى غابت الشمس واستكملوا أجر الفريقين كليهما فذلك مثلهم ومثل ما قبلوا من هذا النور" تفسير : والله سبحانه وتعالى أعلم.
الثعالبي
تفسير : وقوله تعالى: {يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَءَامِنُواْ بِرَسُولِهِ} قالت فرقة: الخطاب بهذه الآية لأهل الكتاب، ويؤيده الحديث الصحيح: «حديث : ثَلاَثَةٌ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ: رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمَنَ بِنَبِيِّهِ وَآمَنَ بي» تفسير : الحديث، وقال آخرون: الخطاب للمؤمنين من هذه الأمة، ومعنى {وَءَامِنُواْ بِرَسُولِهِ} أي: اثبتوا على ذلك ودوموا عليه، {يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ} أي: نصيبين بالإضافة إلى ما كان الأمم قبل يعطونه، قال أبو موسى: {كِفْلَيْنِ}: ضعفين بلسان الحبشة، والنور هنا: إمَّا أَنْ يكونَ وعداً بالنور الذي يسعى بين الأيدي يومَ القيامة، وإمَّا أَنْ يكون استعارة للهُدَى الذي يمشي به في طاعة اللَّه. وقوله تعالى: {لِّئَلاَّ يَعْلَمَ أَهْلُ ٱلْكِتَـٰبِ أَلاَّ يَقْدِرُونَ عَلَىٰ شَىْءٍ مِّن فَضْلِ ٱللَّهِ...} الآية: رُوِيَ أَنَّه لما نزل هذا الوعدُ المتقدم للمؤمنين، حسدهم أهلُ الكتاب على ذلك، وكانتِ اليهودُ تُعَظِّمُ دِينَهَا وأَنْفُسَهَا، وتزعم أَنَّهم أحِبَّاءُ اللَّه وأهلُ رضوانه، فنزلت هذه الآية مُعْلِمَةً أَنَّ اللَّه فعل ذلك، وأعلم به؛ ليعلمَ أَهل الكتابِ أَنَّهم ليسوا كما يزعمون، و«لا» في قوله: {لِّئَلاَّ} زائدة، وقرأ ابن عباس والجَحْدَرِيُّ: «لِيَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ»، وروى إبراهيم التيمي عن ابن عباس: «كَيْ يَعْلَمَ» وروي عن حِطَّانَ الرُّقَاشِيِّ أنه قرأ: «لأَنْ يَعْلَمَ». وقوله تعالى: {أَلاَّ يَقْدِرُونَ} معناه: أَنَّهم لا يملكون فضلَ اللَّه، ولا يدخل تحت قُدَرهم، وباقي الآية بَيِّنٌ.
البقاعي
تفسير : ولما قرر سبحانه أن الرسل دعاة للحق إلى سيدهم طوعاً أو كرهاً بالكتاب والحديد، وقرر أن السعادة كلها في اتباعهم، وأن البدع لا تأتي بخير وإن زين الشيطان أمرها وخيل أنه خير، وأن أصحاب الذي كان نسخ شريعة من قبله ابتدعوا بدعة حسنة فوكلوا إليها ففسق أكثرهم، فاقتضى ذلك إرسال من ينسخ كل شريعة تقدمته نسخاً لا زوال له لأنه لا نبي بعده ونهى عن البدع نهياً لم يتقدمه أحد إلى مثله، أنتج ذلك قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا} أي أقروا بذلك إقراراً صحيحاً بنبي مما تقدم أو بالنبي صلى الله عليه وسلم {اتقوا الله} أي خافوا عقابه فاجعلوا بينكم وبين سخطه - لأنه الملك الأعظم - وقاية بحفظ الأدب معه ولا تأمنوا مكره، فكونوا على حذر من أن يسلبكم ما وهبكم، فاتبعوا الرسول تسلموا، وحافظوا على اتباعه لئلا تهلكوا {وآمنوا برسوله} أي الذي لا رسول له الآن غيره، إيماناً مضموماً إلى إيمانكم بالله فإنه لا يصح الإيمان به إلا مع الإيمان برسوله، وبأن تثبتوا على الإيمان به، وتضموا الإيمان به إلى الإيمان بمن تقدمه يا أهل الكتاب، لأن رسالته عامة، لقد نسخ جميع ما تقدمه من الأديان فإياكم أن يميلكم عنه ميل من حسد أو غيره، فبادروا إلى إجابته والزموا جميعاً حذره فلا تميلوا إلى بدعة أصلاً {يؤتكم} ثواباً على اتباعه {كفلين} أي نصيبين ضخمين {من رحمته} تحصيناً لكم من العذاب كما يحصن الكفل الراكب من الوقوع، وهو كساء يعقد على ظهر البعير فيلقى مقدمه على الكاهل ومؤخره على العجز، وهذا التحصين لأجل إيمانكم به صلى الله عليه وسلم وإيمانكم بمن تقدمه مع خفة العمل ورفع الأصار وهو أعلى بالأجر من الذي عمل الخير في الجاهلية، وقال النبي صلى الله عليه وسلم لمن سأله عنه"حديث : أسلمت على ما أسلفت من خير"تفسير : ودل على أن الكفلين برفع الدرجات وإفاضة خواص من الخيرات بقوله: {ويجعل لكم} أي مع ذلك {نوراً} مجازياً في الأولى بالتوفيق للعمل من المعلوم والمعارف القلبية وحسياً في الآخرة بسبب العمل {تمشون به} أي مجازاً في الأولى بالتوفيق للعمل، وحقيقة في الآخرة بسبب العمل. ولما كان الإنسان لا يخلو من نقصان، فلا يبلغ جميع ما يحق للرحمن، قال: {ويغفر لكم} أي ما فرط منكم من سهو وعمد وهزل وجد. ولما قرر سبحانه وذلك، أتبعه التعريف بأن الغفران وما يتبعه صفة له شاملة لمن يريده فقال: {والله} أي المحيط بجميع صفات الكمال والعظمة والكبرياء {غفور} أي بليغ المحو للذنب عيناً وأثراً {رحيم *} أي بليغ الإكرام لمن يغفر له ويوفقه للعمل بما يرضيه. ولما كان أهل الكتاب قد تابعوا أهويتهم على بغض الأميين، وأشربت قلوبهم أن النبوة مختصة بهم لأنهم أولاد إبراهيم عليه السلام من ابنة عمه، والعرب - وإن كانوا أولاده - فإنهم من الأمة وما دروا أن كونهم من أولاده مرشح لنبوة بعضهم وكونهم من الأمة، مهيئ لعموم الرسالة لأجل عموم النسب، قال دالاً على أنهم صاروا كالبهائم لا يبصرون إلا المحسوسات معلقاً الجار بـ{آمنوا} و {يؤتكم} وما بعده: {لئلا يعلم} أي ليعلم علماً عظيماً يثبت مضمون خبره وينتفي ضده - بما أفاده زيادة النافي {أهل الكتاب} أي من الفريقين الذي اقتصروا على كتابهم وأنبيائهم ولم يؤمنوا بالنبي الخاتم وما أنزل {ألا} أي أنهم لا {يقدرون} أي في زمن من الأزمان {على شيء} أي وإن قل {من فضل الله} أي الملك الأعلى الذي خصكم بما خصكم به لا يمنع ولا بإعطائكم حيث نزع النبوة منهم ووضها في بني عمهم إسماعيل عليه السلام الذي كانوا لا يقيمون لهم وزناً فيقولون: إنهم بنو الأمة، وإنهم أميون، وإنهم ليس عليهم منهم سبيل، وجعل النبوة التي خصكم بها عامة - كما أشار إليه ما في ابن الأمة من شمول بنسبته وانشعابه وحيث عملوا كثيراً وأعطوا قليلاً: "اليهود من أول النهار على قيراط قيراط، والنصارى من الظهر على قيراط قيراط، وهذه الأمة من صلاة العصر على قيراطين قيراطين، فقال الفريقان: ما لنا أكثر عملاً وأقل أجراً، قالك هل ظلمتكم من حقكم شيئاً، قالوا: لا، قال: ذلك فضلي أوتيه من أشاء" وذكر ابن برجان معنى هذا الحديث - كما تقدم عنه قريباً - من الإنجيل وطبقه عليه وذكرته أنا في الأعراف، روى الإمام أحمد في مواضع من المسند والبخاري في سبعة مواضع في الصلاة والإجارة وذكر بني إسرائيل وفضائل القرآن والتوحيد، والترمذي في الأمثال - وقال: حسن صحيح - من وجوه شتى جمعت بين ألفاظها عن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"حديث : مثلكمتفسير : - وفي هذه الرواية:حديث : مثل هذه الأمةتفسير : ، وفي رواية:حديث : مثل أمتيتفسير : وفي رواية: إنما مثلكم ومثل اليهود والنصارى كرجل، وفي رواية:حديث : مثلكم ومثل أهل الكتابين كمثل رجل استعمل عملاءتفسير : ، وفي رواية:حديث : استأجر أجراء تفسير : فقال:حديث : من يعمل لي من صلاة الصبحتفسير : وفي رواية أخرى:حديث : من غدوة إلى نصف النهار على قيراط، ألا فعملت اليهودتفسير : - وفي رواية: حديث : قالت اليهود: نحن - فعملوا، ثم قال: من يعمل لي من نصف النهار إلى صلاة العصر على قيراط، ألا فعملته النصارىتفسير : ، وفي رواية:حديث : قالت النصارى: نحن، فعملوا، ثم قال: من يعمل لي من صلاة العصر إلى غروب الشمستفسير : - وفي رواية: إلى أن تغيب الشمس - حديث : على قيراطين قيراطين، ألا فأنتم الذين عملتمتفسير : ، وفي رواية:حديث : تعملونتفسير : ، وفي رواية حديث : وأنتم المسلمون تعملون من صلاة العصر إلى الليلتفسير : ، وفي روايةحديث : إلى مغاربتفسير : ، وفي رواية: حديث : مغرب الشمس على قيراطين قيراطين قيراطين ألا لكم الأجر مرتين، فغضبت اليهود والنصارى تفسير : وقالوا:حديث : نحنتفسير : - وفي رواية:حديث : ما لنا - أكثر عملاً وأقل عطاءتفسير : ، وفي روايةحديث : أجراً، قال الله تعالى هلتفسير : - وفي رواية:حديث : وهل - نقصتكم -تفسير : وفي رواية:حديث : هل ظلمتكم - من حقكم شيئاً - تفسير : وفي رواية:حديث : أجركم شيئاً، قالوا: لا، قال: فإنهتفسير : - وفي رواية:حديث : فإنما - هو فضلتفسير : ، وفي رواية:حديث : فذلك فضلي أوتيه من أشاءتفسير : ، وفي رواية:حديث : أعطيه من شئتتفسير : . وفي رواية: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم وهو قائم على المنبر يقول:حديث : ألا إن بقاءكمتفسير : ، وفي رواية:حديث : إنما بقاؤكمتفسير : ، وفي رواية:حديث : إنما أجلكم في أجل من خلا من الأممتفسير : - وفي رواية:حديث : فيما سلف من قبلكم من الأمم كما بين صلاة العصر والمغربتفسير : - وفي رواية:حديث : إلى غروب الشمستفسير : ، وفي رواية:حديث : ألا إن مثل آجالكم في آجال الأمم قبلكم كما بين صلاة العصر إلى مغيربانتفسير : ، وفي رواية: حديث : إلى مغربتفسير : ، وفي رواية:حديث : إلى مغارب الشمس، أعطيتفسير : - وفي رواية:حديث : أوتي - أهل التوراة التوراة، فعملوا بها حتى انتصف النهار فعجزوا، فأعطوا قيراطاً قيراطاً، وأعطيتفسير : - وفي رواية:حديث : ثم أوتي - أهل الإنجيل الإنجيل فعملوا به حتىتفسير : - وفي رواية:حديث : إلى - صلاة العصر تفسير : ،وفي روايةحديث : حتى صليت العصر، ثم عجزوا فأعطوا قيراطاً قيراطاً، ثم أعطيتم القرآن فعملتم به حتى غربت الشمستفسير : ، وفي رواية:حديث : حتى غروب الشمس فأعطيتم قيراطين قيراطينتفسير : ، وفي رواية:حديث : ثم أوتينا القرآن فعملنا إلى غروب الشمس فأعطينا قيراطين قيراطين، فقال أهل الكتابينتفسير : - وفي رواية:حديث : أهل التوراة والإنجيل - ربنا هؤلاء أقل منا عملاً وأكثر أجراً تفسير : ، وفي رواية:حديث : جزاءتفسير : ، وفي رواية: حديث : أي ربنا أعطيت هؤلاء قيراطين قيراطين وأعطتينا قيراطاً قيراطاً، ونحن أكثر عملاً منهم، قال الله تبارك وتعالى: هلتفسير : وفي رواية: حديث : فهل ظلمتكم من أجركمتفسير : - وفي رواية: حديث : من أجوركم - من شي؟ فقالوا: لا، فقال: فهو فضليتفسير : ، وفي روايةحديث : فذلك فضلي، أوتيه من أشاء"تفسير : وقد أخذ بعض العلماء من هذا الحديث ما قبل هذه الأمم وترك على ذلك أحوالهم فقال: إنه دال على قوم نوح وإبراهيم عليهما السلام، كان لهم الليل، فكان قوم نوح في أوله في ظلام صرف طويل لم يلح لهم شيء من تباشير الضياء ولا أمارات الصبح، ونوح عليه السلام يخبرهم به ويأمرهم بالتهيؤ له، فلذلك طال بلاؤه عليه السلام بهم، وما آمن معه إلا قليل، وأما قوم إبراهيم عليه السلام فكانوا كأنهم في أواخر الليل، قد لاحت لهم تباشير الصباح وأومضت لهم بوارق الفلاح، فلذلك آمن لوط عليه السلام وكذا سارة زوجته وأولاده منها ومن غيرها كلهم، واستمر الإسلام في أولاده والنبوة حتى جاء موسى عليه السلام، فكان وقته كما بين الصبح والظهر، فكان قومه تارة وتارة، تارة يحسبون أنهم في ضياء كيفما كانوا، فيروغون يميناً وشمالاً فيكونون كمن دخل غيراناً وكهوفاً وأسراباً ثم يخرجون منها فيرجعون إلى الضياء، فكانت غلطاتهم تارة كباراً وتارة صغاراً، وأما قوم عيسى عليه السلام فكانوا كمن هو في الظهيرة في شدة الضياء فالغلط منه لا يكون إلا عن عمى عظيم، فلذلك كان غلطهم أفظع الغلط وأفحشه - والله الموفق - {وإن} أي ولتعلموا أن {الفضل} أي الذي لا يحتاج إليه من هو عنده {بيد الله} أي الذي له الأمر كله {يؤتيه من يشاء} منهم أو من غيرهم نبوة كانت أو غيرها. ولما كان ربما ظن ظان أنه لا يخص به إلا لأنه لا يسع جميع الناس دفع ذلك بقوله: {والله} أي الذي أحاط بجميع صفات الكمال {ذو الفضل العظيم *} أي مالكه ملكاً لا ينفك عنه ولا ملك لأحد فيه معه ولا تصرف بوجه أصلاً، فلذلك يخص من يشاء بما يشاء، فلا يقدر أحد على اعتراض بوجه، فقد نزه له التنزيه الأعظم جميع ما في السماوات والأرض فهو العزيز الحكيم الذي لا عزيز غيره ولا حكيم سواه، فقد انطبق كما ترى آخرها على أولها، ورجع مفصلها على موصلها - والله الهادي للصواب وإليه المرجع والمآب.
السيوطي
تفسير : أخرج الطبراني في الأوسط عن ابن عباس أن أربعين من أصحاب النجاشي قدموا على النبي صلى الله عليه وسلم فشهدوا معه أحداً فكانت فيهم جراحات ولم يقتل منهم أحد، فلما رأوا ما بالمؤمنين من الحاجة قالوا يا رسول الله: إنا أهل ميسرة فائذن لنا نجيء بأموالنا نواسي بها المسلمين فأنزل الله فيهم {الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون} إلى قوله: {أولئك يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا} فجعل لهم أجرين، قال: {ويدرءون بالحسنة السيئة} قال: أي النفقة التي واسوا بها المسلمين فلما نزلت هذه الآية قالوا: يا معاشر المسلمين أما من آمن منا بكتابكم فله أجران ومن لم يؤمن بكتابكم فله أجر كأجوركم فأنزل الله {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا برسوله يؤتكم كفلين من رحمته ويجعل لكم نوراً تمشون به ويغفر لكم} فزادهم النور والمغفرة. وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير مثله. وأخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل بن حيان قال: لما نزلت {أولئك يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا} فخر مؤمنو أهل الكتاب على أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: لنا أجران ولكم أجر، فاشتد ذلك على الصحابة فأنزل الله {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا برسوله يؤتكم كفلين من رحمته} فجعل لهم أجرين مثل أجور مؤمني أهل الكتاب وسوى بينهم في الأجر. وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس {يؤتكم كفلين من رحمته} قال: أجرين {ويجعل لكم نوراً تمشون به} قال: القرآن. وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد {يؤتكم كفلين من رحمته} قال: ضعفين {ويجعل لكم نوراً تمشون به} قال: هدى. وأخرج عبد بن حميد عن الضحاك في قوله: {كفلين} قال: أجرين. وأخرج عبد بن حميد عن قتادة {كفلين} قال: حظين. وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس في قوله: {كفلين} قال: ضعفين. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي موسى في قوله: {كفلين} قال: ضعفين، وهي بلسان الحبشة. وأخرج الفريابي وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عمر في قوله: {يؤتكم كفلين من رحمته} قال: الكفل ثلاثمائة جزء وخمسون جزءاً من رحمة الله. وأخرج عبد بن حميد عن أبي قلابة في قوله: {يؤتكم كفلين من رحمته} قال: الكفل ثلاثمائة جزء من الرحمة. وأخرج ابن الضريس عن سعيد بن جبير {ويجعل لكم نوراً تمشون به} قال: القرآن. وأخرج عبد بن حميد عن يزيد بن حازم قال: سمعت عكرمة وعبد الله بن أبي سلمة رضي الله عنهما قرأ أحدهما {لئلا يعلم أهل الكتاب} وقرأ الآخر "ليعلم أهل الكتاب". وأخرج ابن مردويه عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن الله قسم العمل وقسم الأجر، وفي لفظ: وقسم الأجل، فقيل لليهود: اعملوا فعملوا إلى نصف النهار، فقيل: لكم قيراط، وقيل للنصارى: اعملوا فعملوا من نصف النهار إلى العصر، فقيل: لكم قيراط، وقيل للمسلمين: اعملوا فعملوا من العصر إلى غروب الشمس فقيل: لكم قيراطان، فتكلمت اليهود والنصارى في ذلك، فقالت اليهود: أنعمل إلى نصف النهار فيكون لنا قيراط؟ وقالت النصارى: أنعمل من نصف النهار إلى العصر فيكون لنا قيراط؟ ويعمل هؤلاء من العصر إلىغروب الشمس فيكون لهم قيراطان؟ فأنزل الله {لئلا يعلم أهل الكتاب أن لا يقدرون على شيء من فضل اللهْ} إلى آخر الآية ثم قال: إن مثلكم فيما قبلكم من الأمم كما بين العصر إلى غروب الشمس ". تفسير : وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة رضي الله عنه قال: لما نزلت {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله} الآية حسدهم أهل الكتاب عليها فأنزل الله {لئلا يعلم أهل الكتاب} الآية. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه قال: قالت اليهود: يوشك أن يخرج منا نبي فيقطع الأيدي والأرجل، فلما خرج من العرب كفروا فأنزل الله {لئلا يعلم أهل الكتاب} الآية يعني بالفضل النبوة. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن سعيد بن جبير رضي الله عنه أنه قرأ "كي لا يعلم أهل الكتاب،" والله أعلم.
ابو السعود
تفسير : {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ} أي بالرسلِ المتقدمةِ {ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ} فيما نهاكُم عنْهُ { وَءَامَنُواْ بِرَسُولِهِ} أي بمحمدٍ عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وفي إطلاقهِ إيذانٌ بأنَّه عَلَمٌ فَردٌ في الرسالةِ لا يذهبُ الوهمُ إلى غيرِه {يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ} نصيبـينِ {مّن رَّحْمَتِهِ} لإيمانِكم بالرسولِ وبمَنْ قبلَهُ من الرسلِ عليهم الصَّلاةُ والسَّلامُ لكنْ لا على مَعْنى أنَّ شريعتَهُم باقيةٌ بعد البعثةِ بلْ على أنَّها كانتْ حقَّة قبلَ النسخِ {وَيَجْعَل لَّكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ} يومَ القيامةِ حسبَما نطقَ به قولُه تعالى: { أية : يَسْعَىٰ نُورُهُم بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَـٰنِهِم} تفسير : [سورة الحديد، الآية 12] {وَيَغْفِرْ لَكُمْ} ما أسلفتُم من الكُفر والمَعَاصِي {وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} أي مبالغٌ في المغفرةِ والرحمةِ. وقولُه تعالَى: {لّئَلاَّ يَعْلَمَ أَهْلُ ٱلْكِتَـٰبِ} متعلقٌ بمضمونِ الجملةِ الطلبـيةِ المتضمنةِ لمَعْنى الشرطِ إذِ التقديرُ إنْ تتقُوا الله وتُؤمنوا برسوله يُؤتكم كَذَا وكَذَا لئلاَّ يعلمَ الذينَ لم يُسلموا من أهل الكتابِ أي ليعلمُوا ولا مزيدةٌ كما ينبىءُ عنه قراءةُ ليعلَم ولكي يعلمَ ولأن يعلمَ بإدغامِ النونِ في الياءِ وأنْ في قولِه تعالَى: {أَن لا يَقْدِرُونَ عَلَىٰ شَىْء مّن فَضْلِ ٱللَّهِ} مخففةٌ من الثقيلةِ واسمُها الذي هُو ضميرُ الشأنِ محذوفٌ والجملةُ في حيز النصبِ على أنَّها مفعولُ يعلمَ أيْ ليعلمُوا أنَّه لا ينالونَ شيئاً مما ذُكِرَ من فضله من الكفلين والنورِ والمغفرةِ ولا يتمكنون من نيله حيثُ لم يأتُوا بشرطه الذي هُو الإيمانُ برسوله. وقولُه تعالَى: {وَأَنَّ ٱلْفَضْلَ بِيَدِ ٱللَّهِ} عطفٌ على أنْ لا يقدرونَ. وقولُه تعالَى: {يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء} خبرٌ ثانٍ لأَنَّ، وقيلَ: هُو الخبرُ والجارُّ حالٌ لازمةٌ. وقولُه تعالى: {وَٱللَّهُ ذُو ٱلْفَضْلِ ٱلْعَظِيمِ} اعتراضٌ تذيـيليّ مقررٌ لمضمون ما قبلَهُ وقد جُوِّزَ أنْ يكونَ الأمرُ بالتقوى والإيمانِ لغير أهلِ الكتابِ فالمَعْنى اتقُوا الله واثبتُوا على إيمانكم برسول الله صلى الله عليه وسلم يُؤتكُم ما وعدَ مَنْ آمنَ مِنْ أهلِ الكتابِ من الكفلينِ في قولِه تعالَى: { أية : أُوْلَـئِكَ يُؤْتُونَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنِ} تفسير : [سورة القصص، الآية 54] ولا ينقصكُم من مثلِ أجرِهم لأنَّكُم مثلُهم في الإيمانينِ لا تفرقون بـين أحدٍ من رسلِه. ورُويَ أنَّ مُؤمني أهلِ الكتابِ افتخرُوا على سائرِ المؤمنينَ بأنَّهم يُؤتون أجرَهُم مرتين وادَّعوا الفضل عليهم فنزلت. وقرىء لِيَلاَ بقلب الهمزة ياءً لانفتاحها بعد كسرةٍ، وقُرِىءَ بسكونِ الياءِ وفتحِ اللامِ كاسمِ المرأةِ، وبكسرِ اللامِ مع سكونِ الياءِ. وقُرِىءَ أنْ لا يقدرُوا. هَذا وقد قيل: لاَ غيرُ مزيدةٍ وضميرُ لا يقدرونَ للنبـيِّ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ وأصحابِه والمَعْنى لئلا يعتقدَ أهلُ الكتابِ أنَّه لا يقدرُ النبـيُّ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ والمؤمنونَ به على شيءٍ من فضلِ الله الذي هو عبارةٌ عمَّا أُوتُوه من سعادةِ الدارينِ على أنَّ عدمَ علمِهم بعدمِ قُدرتِهم على ذلكَ كنايةٌ عن علمهِم بقدرتِهم عليه فيكونُ قولُه تعالَى وأنَّ الفضلَ بـيدِ الله إلخ عطفاً على أنْ لا يعلمَ. عنِ النبـيِّ صلَّى الله عليهِ وسلَّم: " حديث : مَنْ قرأَ سورةَ الحديدِ كُتبَ من الذينَ آمنُوا بالله ورسلِه".
التستري
تفسير : قوله عزَّ وجلَّ: {يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ}[28] قال: يعني الرحمة وعين الرحمة، فالسر سر المعرفة، والعين عين الطاعة لله ولرسوله. والله سبحانه وتعالى أعلم.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَآمِنُواْ بِرَسُولِهِ} [الآية: 28]. سمعت محمد بن عبد الله يقول: سمعت أبا الحسن المالكى يقول: من كان رأس ماله التقوى كلت الألسن عن وصف ربحه. قوله تعالى: {يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ} [الآية: 28]. قال سهل: هو السر والغنى والسر سر المعرفة والغنى غنى الطاعة لله ورسوله. قوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} يا أيها المؤمنون اتقوا الله أن يسلبكم حلاوة معرفته وسرور محبته وآمنوا برسوله أى اقتدوا به فى محبته لمولاه واستلام نفسه إليه يؤتكم كفلين من رحمته: نور من نوره وهو نور تقوون به فى ذكره ونور تقوون به ويؤيدكم بنوره الساطع فى أرواح أهل محبته الذى يقوون به على سماع كلامه والتمتع بمخاطبته لهم على الانقطاع عن الأكوان والاتصال به ويغفر لكم ذنوبكم وملاحظاتكم أنفسكم.
القشيري
تفسير : قوله جلّ ذكره: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَءَامِنُواْ بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ وَيَجْعَل لَّكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}. نزلت في قوم من أهل الكتاب أسلموا. {كِفْلَيْنِ}: أي نَصِيبَيْنِ؛ نصيباً على الإيمان بالله، وآخَرَ على تصديقهم وإيمانهم بالرُّسُل. قوله جل ذكره: {لِّئَلاَّ يَعْلَمَ أَهْلُ ٱلْكِتَابِ أَلاَّ يَقْدِرُونَ عَلَىٰ شَيْءٍ مِّن فَضْلِ ٱللَّهِ وَأَنَّ ٱلْفَضْلَ بِيَدِ ٱللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ وَٱللَّهُ ذُو ٱلْفَضْلِ ٱلْعَظِيمِ}. ومعناه: يعلم أهل الكتاب، و"لا" صلة. أي: ليعلم أهل الكتاب أنهم لا يقدرون على شيء من فضل الله، فإن الفضل بيد الله. و"اليد" هنا بمعنى: القدرة، فالفضلُ بقدرة الله. والإشارة في هذا: اتَّقُوا الله بحِفْظِ الأدبِ معه، ولا تأمنوا مَكْرَه أن يَسْلَبكم ما وَهَبَكم من أوقاتكم. وكونوا على حَذَرٍ من بَغَتَاتِ تقديره في تغيير ما أذاقكم من أُنْسِ محبته. واتَّبِعوا السُّفَراء والرُسُل، وحافظوا على اتِّباعهم حتى يُؤتِيَكُم نصيبين من فضله: عصمةً ونعمةً؛ فالعصمة من البقاء عنه، والنعمة هي البقاء به. ويقال: يؤتكم نصيبين: نصيباً من التوفيق في طَلَبِه، ونصيباً من التحقيق في وجوده.
البقلي
تفسير : قوله تعالى {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَآمِنُواْ بِرَسُولِهِ} حقيقة الاشارة مع الشاهدين لله بنعت المحبة وحلاوة الوصلة ايها المشاهدون اتقونى فيما وجدتم منى من لذة الوصال والشغف بالجمال حتى لا يحجبكم عن السير فى انوار أزلى وأبادى والسباحة فى بحار ذاتى بسفن العجز فمن احتجب لى عنى فهو منقطع عنى واقتدوا بسنة الانبياء والمرسلين والمشاهدين والعارفين فيها وجد منى واستقام فى طلب المزيد وما احتجب به عنى حيث استغفر فى كل يوم سبعين مرة من الخطاب الوقوف والسكون فى المعروف حين سلك مسالك الازل والاباد بمراكب الاصطفائية الازلية {يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ} نصيبين اى عينين من عيون ذاتى وصفاتى فترونى بالعين الصفاتية مشاهدة صفاتى وبالعين الذاتية مشاهدة ذاتى كما انى حبيبه هذين الكفين وهذين العينين وبهما رانى وبهما عرفنى {وَيَجْعَل لَّكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ} يعطيكم نورا من نوره يمشون بمركبة فى ميادين الازل والابد بنعت المعرفة والمحبة {وَيَغْفِرْ لَكُمْ} قصور ارداككم حقيقة وجوده {وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} غفور بحيث هداكم الى نفسه رحيم بانه يغيثكم من الاستهلاك والاستغراق فى بحار عظمته ويبقيكم به بعد الفناء فيه حتى تعيشوا فى مشاهدة جماله ابدا قال الجنيد اى يا ايها الموحدون اتقوا الله ان لا يسلبكم حلاوة معرفته وسرور محتبه وأمنوا برسوله اى اقتدوا به فى محبة لمولاه واستسلام نفسه اليه يوتكم كفلين من رحمته نورا من نوره تقوون به فى ذكره ونور تقون به على مشاهدته ويؤيدكم بنوره الساطع فى ارواح اهل محبته الذى به يقومون على استماع كلامه والتمتع بمخاطبته ويغفر لكم ذنوبكم ملاحظتكم انفسكم قال سهل فى قوله يؤتكم كفلين من رحمة هو السر والعين فالسر سر المعرفة والعين عين الطاعة وقال الاستاذ نصيبين من فضله عصمةً ونعمة فالعصمة من البقاء عنه والنعمة فى البقاء به ثم ان الله سحبانه بين ان الموصول الى هذه المقامات من النبوة والولاية لا يكون الا بفضله وهدايته وارادته وقدرته بقوله {لِّئَلاَّ يَعْلَمَ أَهْلُ ٱلْكِتَابِ أَلاَّ يَقْدِرُونَ عَلَىٰ شَيْءٍ مِّن فَضْلِ ٱللَّهِ وَأَنَّ ٱلْفَضْلَ بِيَدِ ٱللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ} اخرج فضله من الاكتساب وعلل الجهد والطلب يؤتى هذه الكرامات من يشاء من عباده المصطفين فى ازله بالعناية والكفاية {وَٱللَّهُ ذُو ٱلْفَضْلِ ٱلْعَظِيمِ} ذو العطاء فى الازل الى الابد عظم فضله بعظمة والفضل العظيم ما لا ينقطع عن المنعم عليه ابدا.
اسماعيل حقي
تفسير : {يا أيها الذين آمنوا} اى بالرسل المتقدمة {اتقوا الله} فيما نهاكم عنه {وآمنوا برسوله} اى بمحمد عليه السلام وفى اطلاقه ايذان بأنه علم فرد الرسالة لايذهب الوهم الى غيره {يؤتكم كفلين} نصيبين وأجرين نقل عن الراغب الكفل الحظ الذى فيه الكفالة كأنه تكفل بأمره والكفلان هما النصيبان المرغوب فيهما بقوله تعالى {أية : ربنا آتنا فى الدنيا حسنة وفى الآخرة حسنة}تفسير : {من رحمته} از بخشايش خود، وذلك لايمانكم بالرسول وبمن قبله من الرسل لكن لاعلى ان شريعتهم باقية بعد البعثة بل على انها كانت حقا قبل النسخ وعن أبى موسى رضى الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين الرجل يكون له الامة فيعلمها فيحسن تعليمها يؤدبها فيحس تأديبها ثم يعتقها ويتزوجها فله اجران ومؤمن اهل الكتاب الذى كان مؤمنا ثم آمن بالنبى فله أجران والعبد الذى يؤدى حق الله وينصح لسيده"تفسير : ولذا بكى بعض العبيد حين أعتق لانه ذهب اجر النصح لسيده وبقى أجر ادآء حق الله شعر : تالد هست اسير عشق سليم مسند تخت سلطنت مطلب تفسير : (وقال الشيخ سعدى) شعر : اسيرش نخواهد رهايى زيند شكارش نجويد خلاص از كمند تفسير : (وقال المولى الجامى) شعر : مريض عشق توجون مائل شفا كردد اسير قيد توكى طالب نجات شود تفسير : {ويجعل لكم نورا تمشون به} يوم القيامة حسبما نطق به قوله تعالى {أية : يسعى نورهم بين ايديهم وبايمانهم}تفسير : فهو الضياء الذى يمشون به على الصراط الى أن يصلوا الى الجنة وذلك لان جهنم خلقت من الظلمة اذ هى صورة النفس الامارة وهى ظلمانية فنور الايمان والتقوى يدفعها ويزيلها {ويغفر لكم} ماأسلفتم من الكفر والمعاصى فاما حسنات الكفر فمقبولة بعد اسلامهم على مارود فى الحديث الصحيح {والله غفور رحيم} اى مبالغ فى المغفرة والرحمة وفيه اشارة الى مغفرة الذنب الذى هو ملاحظة النفس فانه من اكبر الذنوب والمعاصى كما قالوا وجودك ذنب لايقاس عليه ذنب آخر (مصراع) جومرد راهشدى بكذراز سر ودستار
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {يأيها الذين آمنوا} بالرسل المتقدمة {اتقوا اللهَ} أي: خافوه {وآمِنوا برسوله} محمدٍ صلى الله عليه وسلم، المذكور في كتابكم، {يُؤتِكم كِفْلَين} نصيبين {من رحمته} لإيمانكم بالرسول صلى الله عليه وسلم وبمَن قبله، لكن لا بمعنى أن شريعتهم باقية بعد البعثة، بل على أنها كانت حقاً قبل النسخ، وإنما أعطى مَن آمن بنبينا كفلين مع بطلان شريعته، لصعوبة الخروج عن الإلف والعادة، {ويجعل لكم نوراً تمشون به} يوم القيامة، كما سبق للمؤمنين في قوله:{أية : يَسْعَى نُورُهُم...}تفسير : [الحديد: 12] الخ، {ويغفرْ لكم} ما أسلفتم من الكفر والمعاصي، {واللهُ غفور رحيم} ويؤيد هذا التأويل وأنَّ الخطاب لأهل الكتاب: قوله صلى الله عليه وسلم:"حديث : ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين: رجل من أهل الكتاب آمن بنبيه وآمن بي..."تفسير : الحديث. وقيل: الخطاب للمؤمنين، أي: يأيها الذين آمنوا اتقوا الله فيما نهاكم عنه، ودُوموا على إيمانكم، يؤتكم كفلين...الخ، ويؤيد هذا حديث الصحيحين:"حديث : مَثَلُ أهل الكتاب قبلنا كمثل رجل استأجر أُجراء يعملون إلى الليل على قيراط قيراط، فعملت اليهود إلى نصف النهار، ثم عجزوا، ثم عملت النصارى إلى العصر، فعجزوا، ثم عملتم إلى الليل، فاستوفيتم أجر الفريقين، فقيل: ما شأن هؤلاء أقل عملاً وأعظم أجراً؟ فقال: هل ظلمتكم من حقكم شيئاً؟ قالوا: لا، قال: ذلك فضلي أوتيه مَن أشاء ". تفسير : قيل: لمّا نزل قوله: {أولئك يُؤتون أجرهم مرتين بما صبروا} افتخر مؤمنو أهل الكتاب على أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فنزل. {يا أيها الذين آمنوا...} الخ. ولمّا نزلت هذه الآية الكريمة في هذا الوعد الكريم للمؤمنين حسدتهم اليهود، فأنزل الله: {لئلا يعلم أهل الكتاب ألاَّ يقدرون على شيء...} الخ، أي: إنما خصصت المسلمين بذلك ليعلم أهل الكتاب أنه، أي: الأمر والشأن لا يملكون فضل الله، ولا يدخل تحت قدرتهم، فـ"إن" مخففة، واسمها: ضمير الشأن، و(لا) مزيدة، أي: ليعلم أهل الكتاب أنه لا يقدرون {على شيءٍ من فضل الله} ولا يملكونه، حتى يخصوا به مَن شاؤوا، {و} ليعلموا أيضاً {أنَّ الفضلَ بيد الله} في ملكه وتصرفه، {يُؤتيه من يشاء} من عباده {واللّهُ ذو الفضل العظيم} لا نهاية لفضله. وعلى أنَّ الخطاب لأهل الكتاب يكون قوله: {لئلا يعلم أهل الكتاب} أي: مَن لم يؤمن منهم، فيكون راجعاً لمضمون الجملة الطلبية، المتضمنة لمعنى الشرط، أي: {يا أيها الذين آمنوا} بموسى وعيسى {اتقوا الله وآمنوا برسوله} فإن فعلتم ذلك {يُؤتكم كفلين من رحمته...} الخ، وإنما جَعلتُ هذا لمَن آمن بمحمد صلى الله عليه وسلم، ليعلم أهل الكتاب الذين لم يؤمنوا به أنهم لا يملكون من فضل الله شيئاً، وأنَّ الفضل بيد الله... الخ. الإشارة: تنسحب هذه الآية من طريق الإشارة على مَن كانت في أسلافه خصوصية ولاية، أو صلاح، أو شرف علم أو رئاسة مَّا، ثم ظهرت التربية الحقيقية في غير أسلافه، فإن حطّ رأسه وصَدّق بالخصوصية لغيره أعطي أجره مرتين، وعظم قدره في مقام الولاية، وإنما كانت تنتقل دولة الولاية؛ ليعلم أهلُ الخصوصية المتقدمة أنّ الفضل بيد الله، يُؤتيه مَن يشاء، والله ذو الفضل العظيم. والله الموفق، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. وصلّى الله على سيدنا محمد، وآله وصحبه، وسلّم.
صدر المتألهين الشيرازي
تفسير : الكِفْل: النصيب. يا أيها الذين آمنوا - أي: اعتقدوا توحيده وعلمه وقدرته وصدّقوا بأنبيائه (عليهم السلام)، - اتقوا الله - فيما نهاكم عنه من قبائح الأفعال ورذائل الصفات - وآمِنوا برسوله -: محمد (صلّى الله عليه وآله وسلّم). أو: يا أهل الكتاب الذين آمنوا بموسى وعيسى آمنوا بمحمد (صلّى الله عليه وآله وسلّم). وعن ابن عباس: يا أيها الذين آمَنوا ظاهراً، آمِنوا باطناً، يعطكم نصيبين من رحمته، نصيباً لإيمانكم بمحمد (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، ونصيباً لإيمانكم بمن قبله من الأنبياء (عليهم السلام)، إن كان خطاباً لمؤمني أهل الكتاب، ولا يبعد أن يُثابوا بما عملوا في دينهم السابق وإن كان منسوخاً. هكذا قيل، وفيه تفصيل: فإنهم إن لم يكونوا معاندين، بل كانوا منقادين للحق إذا ظهر عليهم، فكل ما عملوا سابقاً طلباً لمرضاة الله، كانوا مثابين به إلى أن وصل إليهم صيت الإسلام، فإذا اجتهدوا في تحقيق الأمر حتى ظهر لهم، فلا شبهة في أن لهم كفلين من رحمة الله، وان لم يكونوا كذلك، بل كانوا متعصبين لدينهم، متصامّين عن استماع الحق، فلا اعتداد بالأعمال التي فعلها الإنسان تعصباً وتجاهلاً من غير طلب البصيرة. وقيل: الخطاب للنصارى، الذين كانوا في عهده (صلّى الله عليه وآله وسلّم). وان كان خطاباً لغير أهل الكتاب فالمعنى: اتقوا الله وأثبتوا على إيمانكم برسوله يؤتكم ما وعد مؤمني أهل الكتاب من الكِفْلَين في قوله: {أية : أُوْلَـٰئِكَ يُؤْتُونَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنِ}تفسير : [القصص:54]. ولا ننقصكم من مثل أجرهم لإنكم مثلهم في أنكم لا تفرقون بين أحد من رسله. ويجعل لكم يوم القيامة نوراً تمشون به - اي: هدى يهتدون به. وعن ابن عباس: "النور": القرآن، لما فيه من الأدلة النيّرة على كل حق، والهداية إلى كل خير، وبه الاستحقاق لحصول الضياء في القلب الذي يمشي به يوم القيامة. ويغفر لكم - أي: يستر عليكم ذنوبكم التي أسلفتم من الكفر والمعاصي. روى سعيد بن جبير: بعث رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) جعفراً في سبعين راكباً إلى النجاشي يدعوه، فقدم عليه ودعاه، فاستجاب له وآمن به، فقال أناس ممن آمن به من أهل مملكته، وهم أربعون رجلاً: "إئذن لنا فنأتي هذا النبي فنسلم". فأذن لهم. فقدموا مع جعفر، وقد تهيأ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) لوقعة أحد، فلما رأوا ما بالمسلمين من خصاصة، استأذنوا رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فرجعوا وقدِموا لهم بأموال لهم، فواسوا بها المسلمين، فأنزل الله فيهم: {أية : ٱلَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ ٱلْكِتَابَ مِن قَبْلِهِ هُم بِهِ يُؤْمِنُونَ} تفسير : [القصص:52] الى قوله: {أية : وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ}تفسير : [القصص:54]. فلما سمع أهل الكتاب ممن لم يؤمن به قوله {أية : أُوْلَـٰئِكَ يُؤْتُونَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُواْ}تفسير : [القصص:54] فخروا على المسلمين فقالوا: "أمّا من آمن بكتابكم وكتابنا فله أجره مرتين، وأما من لم يؤمن بكتابكم فله أجر كأجركم، فما فَضْلُكُم علينا"؟ فنزلت الآية، فجعل لهم أجرين، وزادهم النور والمغفرة. وروي ان مؤمني أهل الكتاب افتخروا على غيرهم من المؤمنين بأنهم يؤتون أجرهم مرتين وادعوا الفضل عليهم، فنزلت. مكاشفة يا أيها المعدودون من أهل الإيمان، اتقوا الله بتكثير الحسنات وتنقيص السيآت، وآمنوا برسوله أي: حصّلوا لأنفسكم مَلكة المعرفة بالله، وكيفية إرسال الرسول، وإنزال الكتب عليه، وإفاضة الحقائق العلمية على قلبه بواسطة المَلَك الموحى إليه بإذن الله، والتصديق برسالته واطلاعه على المغيّبات وحقيّته في كل ما أتى به. والأول: رعاية للجزء العملي من النفس الإنسانية، ومحافظة على حصول ثمرته التي هي تصفية وجود (وجه) النفس بتقوى الله، والزهد الحقيقي عن كدورات الشهوات الدنيوية من المعاصي والقبائح. والثاني: رعاية للجزء النظري منها، وايصاله بكماله الذي هو المقصود من وجود الإنسان، وهو اكتساب المعارف الحقة الباقية معه أبداً مخلداً. وحيث كان كمال الإنسان ومنزلته عند الله، وحصوله المثوبة الأخروية له، منوطاً بثمرة استكمال كل من هاتين القوتين، فلا بد لكل من آمن بالله واليوم الآخر، أن لا يتوانى عن اكتساب الأحوال والأعمال، واقتناء العلوم والمَلَكات المؤدية إلى هاتين الثمرتين. أما ثمرة الأعمال الصالحة، فالتخلص من ذمائم الأخلاق ورداءة الأوصاف والتعلقات الدنيوية المانعة عن قبول الرحمة والهداية، وإلاَّ فالجود مبذول والرحمة واسعة عند عدم المانع. وأما ثمرة العقائد الحقة، فمشاهدة الأعيان الشريفة النورية، ومنادمة الملائكة القدسية، وأهل الصفوة، وعباد الله المقربين، وقبول التجليات الإلهية. أما صاحب رتبة العمل دون العلم، فهمّته متوجهة نحو لذّات الجنان، والمشتهيات من الحور والغلمان، وكل ما تشتهيه الأنفس وتلذّ الأعين بقوة التخيّل وتصل همّتها إليه - وان كان نازلاً عما يهمّه ويقصده المقرّبون من العرفاء، كالسِدر المخضود والطلْح المنضود. واما صاحب المعرفة، فهمّته متوجهة نحو عالم القدس والوحدة، ومشاهدة الجمال والجلال، فله المثوبة الكبرى والدرجة الكبرى والدرجة العظمى، والمشرب الكافوري - وما هو دون ذلك إن أراد كالمشرب الزنجبيلي - فلما أمر سبحانه أهل الإيمان بالتقوى والمعرفة، وكل منهما ينتج ثمرة خاصة ونصيباً مخصوصاً من فيضه ورحمته، وقعت الإشارة إلى حصول النصيبين لهم من الرحمة، نصيباً لأجل العلم، ونصيباً لأجل العمل. ولما كانت ثمرة العلم أجلّ رتبة وأفضل قدراً من ثمرة العمل - فضيلة الإدراك على الحركة، وشرافة العين على القدم -، أشار أولاً إلى ذكر ثمرة العلم وتعيين ماهيّتها بقوله: {وَيَجْعَل لَّكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ} [الحديد:28]، فإن هذا النور بعينه هو النور المذكور في قوله: {أية : نُورُهُمْ يَسْعَىٰ}تفسير : [التحريم:8]. ثم أشار إلى ثمرة العمل بقوله: {وَيَغْفِرْ لَكُمْ}، ثم أشار إلى كون ذاته تعالى منشأ جميع الخيرات ومبدأ فنون المبرّات بقوله: {وَٱللَّهُ غَفُورٌ}، نظراً إلى إمداد لطفه في اجتناب الإنسان عن الرذائل، وقبول توبته {رَّحِيمٌ}، نظراً إلى إفاضة جوده في تلبّس الإنسان للفضائل.
الجنابذي
تفسير : {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} بعد ما مدح المؤمنين من اهل الكتاب وذمّ الّذين بقوا على صورة ملّتهم ولم يؤمنوا بمحمّدٍ (ص) بقوله: وكثير منهم فاسقون نادى مطلق من آمن بمحمّدٍ (ص) بالبيعة العامّة النّبويّة، او نادى المؤمنين بمحمّدٍ (ص) من اهل الكتاب بالبيعة العامّة وقال: لو كان يكفى للنّجاة الاسلام الحاصل بالبيعة العامّة وقبول الملّة لكان يكفى اهل الكتاب قبول ملّتهم ولم يكونوا يسمّون فاسقين فلا تقفوا انتم ايّها المؤمنون على صورة ملّة محمّدٍ (ص) ولا تكتفوا بالبيعة العامّة بل {ٱتَّقُواْ} فى جميع اوامره ونواهيه او اتّقوا الله فى مخالفة الرّسول (ص) ومخالفة قوله فى علىٍّ (ع) {وَآمِنُواْ بِرَسُولِهِ} بالايمان الحقيقىّ الّذى يحصل بالبيعة الخاصّة الولويّة {يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ} نصيبين {مِن رَّحْمَتِهِ} نصيباً على قبول الرّسالة ونصيباً على قبول الولاية، وبعبارةٍ اخرى نصيباً على البيعة العامّة ونصيباً على البيعة الخاصّة، وبعبارةٍ اخرى نصيباً على الاسلام ونصيباً على الايمان، وبعبارةٍ اخرى نصيباً فى مقام النّفس الانسانيّة ونصيباً فى مقام القلب، وبعبارةٍ اخرى نصيباً من جنّات النّعيم ونصيباً من جنّة الرّضوان، وبعبارةٍ اخرى نصيباً للقوّة العمّالة ونصيباً للقوّة العلاّمة {وَيَجْعَل لَّكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ} والمقصود من النّور هو صورة ولىّ الامر الّذى يدخل بالبيعة الخاصّة فى قلب البائع المعبّر عنه بالايمان الدّاخل فى القلب واذا خرج تلك الصّورة من حجب الاهواء والتّعلّقات ظهر نورها بحيث كان الانسان يستغنى من نور الشّمس واشرقت الارض بنور ربّها اشارة الى ظهور تلك الصّورة ومعرفة علىٍّ (ع) بالنّورانيّة الّتى هى معرفة الله، وليست الاّ للمؤمن الممتحن قلبه للايمان عبارة عن ظهور هذه الصّورة، واذا خلعت تلك الصّورة من حجب النّفس وتعلّقاتها استغنى صاحبها من كلّ ما سواها وكانت تلك الصّورة قرينةً للنّصر ونزول الملائكة، وظهور تلك الصّورة هى نزول السّكينة ولذلك قال: نوراً تمشون به فى النّاس فانّ تلك الصّورة هى الفعليّة الاخيرة للانسان وجميع افعال الشّيء تكون بفعليّته الاخيرة فيجعل الله بتلك البيعة نوراً مختفياً او ظاهراً يكون جميع حركاته وسكناته وعباداته ومكاسبه بذلك النّور {وَيَغْفِرْ لَكُمْ} بذلك النّور فانّ هذا النّور هو باعث غفران الله، فانّ الله يستحيى ان يعذّب امّة دانت بامامة امامٍ عادلٍ من الله وان كانت الامّة فى اعمالها فجرةً {وَٱللَّهُ غَفُورٌ} سجيّته المغفرة سواء كان لها باعث او لم يكن، فمن كان له مادّة المغفرة الّتى هى الولاية كان مغفوراً لا محالة {رَّحِيمٌ} سجّيّته الرّحمة سواء كان لها باعث او لم يكن، وقد فسّر النّور بالامام الّذى يأتمّون به، وروى عن الصّادق (ع) انّه قال: كفلين من رحمته الحسن (ع) والحسين (ع) ونوراً تمشون به يعنى اماماً يأتمّون به، وفى روايةٍ والنّور علىّ (ع).
فرات الكوفي
تفسير : {يا أيُّها الّذينَ آمَنوا اتَّقوا اللّهَ وَآمِنوا بِرَسولِهِ يَؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَ يَجْعَلْ لَكُمْ نوراً تَمْشونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ 28} فرات قال: حدثني جعفر بن محمد الفزاري [قال: حدثنا محمد بن مروان قال: حدثنا علي بن هلال الأحمسي عن عبيد بن عبد الرحمان التيمي عن الكلبي عن أبي صالح. ش]: عن ابن عباس رضي الله عنه في قول الله تبارك وتعالى: {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا برسوله يؤتكم كفلين من رحمته} قال: الحسن والحسين {ويجعل لكم نوراً تمشون به} قال: [أمير المؤمنين. ر] علي بن أبي طالب عليه السلام. فرات قال حدثني [أ: ثنا] علي بن محمد الزهري معنعناً: عن جابر عن أبي جعفر عليه السلام في قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا برسوله يؤتكم كفلين من رحمته} يعني: حسناً وحسيناً قال: ما ضر من أكرمه الله من يكون من شيعتنا ما أصابه في الدنيا ولو لم يقدر على شيءٍ يأكله إلا الحشيش.
الأعقم
تفسير : {يأيها الذين آمنوا} يجوز أن يكون خطأ باللذين آمنوا من أهل الكتاب والذين آمنوا من غيرهم {اتقوا الله وآمنوا برسوله} قيل: آمنوا بعيسى وموسى واتقوا عذاب الله وآمنوا بمحمد، وقيل: آمنوا بالأنبياء وبمحمد (صلى الله عليه وآله وسلم) {يُؤتكم كفلين} نصيبين {من رحمته} بإيمانكم بمحمد وإيمانكم بعيسى ومن قبله {ويجعل لكم نوراً} يوم القيامة {تمشون به}، وقيل: النور المذكور في قوله: {أية : يسعى نورهم} تفسير : [الحديد: 12] {ويغفر لكم} ما سلف من الكفر والمعاصي {لئلا يعلم أهل الكتاب ألاَّ يقدرون على شيء من فضل الله} قيل: ليعلم أهل الكتاب الذين حسدوا المؤمنين على ما وعدوا أنهم لا يقدرون على شيء من فضل الله، وقيل: يتصل بما قبله في قوله: {أرسلنا رسلاً} أي يعلم أهل الكتاب أنهم لا يقدرون على فضل الله الذين يصرفون النبوة عن محمد إلى بني إسرائيل، فعلى هذا لا صلة محذوف، وقيل: المعنى لئلا يعلم أهل الكتاب ألا يقدر الرسول والمؤمنون على شيء من فضل الله لأن من لا يعلم أنه لا يقدر يعلم أنه لا يقدر، ومتى قيل: لما سمى الثواب فضلاً وهو مستحق؟ قالوا: لأنه بالتكليف والتمكين عرضه للثواب فكأنه منه، وقيل: لأنه يحصل بالإِيمان بتمكينه ولطفه وهدايته فكأنه منه {وأن الفضل بيد الله} أي هو القادر على ذلك {يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم}.
الهواري
تفسير : قوله: {يَآ أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ} أي أجرين {وَيَجْعَل لَّكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ} أي: ويجعل لكم إيماناً [تهتدون به] كقوله عز وجل: (أية : أَوَ مَن كَانَ مَيتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ) تفسير : [الأنعام: 122] {وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} أي: لمن تاب. قوله: {لِّئَلاَّ يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ} أي: ليعلم أهل الكتاب. وهذه كلمة عربية (لِئَلاَّ يَعْلَمَ) وَ (لِيَعْلَمَ) بمعنى واحد. وهو كقول الرجل: أجل، وأجل لا، ويقول الله: (لاَ أُقْسِمُ) وأقسم، وهذا قسم، وهو واحد. {أَلاَّ يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ} أي: إنهم لا يقدرون على شيء. {مِّن فَضْلِ اللهِ}. قال تعالى: {وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللهِ يُؤْتِيهِ مَن يَّشَآءُُ} ذكروا عن نافع عن [ابن عمر عن] النبي صلى الله عليه وسلم قال: حديث : إنما مثلكم ومثل اليهود والنصارى قبلكم كرجل استأجر عمالاً فقال: من يعمل لي إلى نصف النهار على قيراط قيراط, فعملت اليهود إلى نصف النهار. ثم قال: من يعمل من نصف النهار إلى العصر على قيراط قيراط، فعملت النصارى من نصف النهار إلى صلاة العصر على قيراط. ثم قال: من يعمل لي من صلاة العصر إلى أن تغيب الشمس على قيراطين قيراطين. ألا وأنتم أصحاب القيراطين، ألا فلكم الأجر مرتين. فغضبت اليهود والنصارى فقالوا: نحن أكثر عملاً وأقل أجراً. قال: فهل ظلمتكم من حقكم شيئاً. قالوا: لا. قال: فهو فضلي أوتيه من أشاء. تفسير : قالت العلماء: فالنهار في هذا اثنتا عشرة ساعة. وكانت لليهود ست ساعات إلى نصف النهار. ثم كانت للنصارى من بعدها أربع ساعات من نصف النهار إلى صلاة العصر. ولأمة محمد عليه السلام ساعتان من صلاة العصر إلى أن تغيب الشمس. ذكروا عن نافع عن ابن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : إنما آجالكم في آجال من مضى قبلكم كما بين صلاة العصر إلى أن تغيب الشمس . تفسير : ذكروا عن الحسن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يوماً من آخر النهار حين صارت الشمس على سعف النخيل وعلى شرف المسجد: حديث : إنما بقي من زمانكم هذا فيما مضى منه كما بقي من يومكم هذا فيما مضى منه . تفسير : ذكروا عن زيد بن أسلم عن ابن عمر قال: وقفت مع النبي عليه السلام عشية عرفة حتى إذا تدلت الشمس إلى الغروب واصفرت وعادت كالورس قال: حديث : إنما بقي من الدنيا فيما مضى كما بقي من شمس يومنا هذا . تفسير : قال: {وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ} فلا أعظم منه ولا أجل سبحانه.
اطفيش
تفسير : {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} من اليهود والنصارى بموسى وعيسى {اتَّقُوا اللهَ وَآمَنُوا بِرَسُولِهِ} محمد صلى الله عليه وسلم {يُؤْتِكُمْ} يعطم {كِفْلَيْنِ} نصيبين {مِن رَّحْمَتِهِ} كفل لإيمانكم بعيسى والانجيل وكفل لايمانكم بمحمد والقرآن وفي الحديث: "حديث : ثلاثة يؤتون اجرهم مرتين رجل من أهل الكتاب آمن بنبيه وآمن بمحمد صلى الله عليه وسلم والعبد المملوك الذي أدى حق مولاه وحق الله ورجل كانت عنده أمة يطأها فادبها فاحسن تأديبها وعلمها فأحسن تعليمها ثم عتقها فتزوجها فله أجران"تفسير : هذا ولا يبعد ان يثابوا على دينهم بعد نسخة ببركة الاسلام ان آمنوا. وقيل: الخطاب للنصارى والذين كانوا في عصره صلى الله عليه وسلم، وقالت فرقة: الخطاب للمؤمنين من الامة فمعنى آمنوا دوموا على الايمان يؤتكم كفلين بالاضافة الى ما كان قبل يعطونه أو كفلين كأهل الكتاب في قوله يؤتون أجرهم مرتين لانكم مثلهم في الايمان لا نفرق بين احد من رسله قال ابو موسى: كفلين ضعفين بلغة الحبشة. {وَيَجْعَل لَّكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ} في ظلمات الصراط كما مر وقيل: الهدى والبيان وقيل: القرآن {وَيَغْفِرْ لَكُمْ} ذنوبكم {وَاللهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} لمن تاب.
الالوسي
تفسير : {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} استظهر أبو حيان كون الخطاب لمن آمن من أمته صلى الله عليه وسلم غير أهل الكتاب، والآثار تؤيد ذلك، أخرج الطبراني في «الأوسط» عن ابن عباس وابن أبـي حاتم عن سعيد بن جبير قالا: إن أربعين من أصحاب النجاشي قدموا على النبـي صلى الله عليه وسلم فشهدوا معه أُحُداً فكانت فيهم جراحات ولم يقتل منهم أَحَدٌ فلما رأوا ما بالمؤمنين من الحاجة قالوا: يا رسول الله إنا أهل ميسرة فأذن لنا نجيء بأموالنا نواسي بها المسلمين فأنزل الله تعالى فيهم: {أية : ٱلَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ ٱلْكِتَابَ مِن قَبْلِهِ هُم بِهِ يُؤْمِنُونَ}تفسير : [القصص: 52] إلى قوله سبحانه: { أية : أُوْلَٰئِكَ يُؤْتُونَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُواْ } تفسير : [القصص: 54] فجعل لهم أجرين فلما نزلت هذه الآية قالوا: يا معشر المسلمين أما من آمن منا بكتابكم فله أجران ومن لم يؤمن بكتابكم فله أجر كأجوركم فأنزل الله تعالى {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} الآية أي راداً عليهم قولهم: ومن لم يؤمن بكتابكم فله أجر كأجوركم. وفي «الكشاف» إن قائل ذلك من لم يكن آمن من أهل الكتاب قالوه حين سمعوا تلك الآية يفخرون به على المسلمين، والمعنى يا أيها الذين اتصفوا بالإيمان. {ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ } أثبتوا على تقواه عز وجل فيما نهاكم عنه. {وَءامِنُواْ بِرَسُولِهِ } واثبتوا على الإيمان برسوله الذي أرسله إليكم وهو محمد صلى الله عليه وسلم، وفي التعبير عنه بذلك ما لا يخفى من الدلالة على جلالة قدره عليه الصلاة والسلام {يُؤْتِكُمْ } بسبب ذلك. {كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ } قال أبو موسى الأشعري: ضعفين بلسان الحبشة، وقال غير واحد: نصيبين، والمراد إيتاؤهم أجرين كمؤمني أهل الكتاب كأنه قيل: يؤتكم ما وعد من آمن من أهل الكتاب من الأجرين لأنكم مثلهم في الإيمان بالرسل المتقدمين وبخاتمهم صلى الله عليه وسلم عليهم أجمعين لا تفرقون بين أحد من رسله. وقال الراغب: الكفل الحظ الذي فيه الكفاية كأنه تكفل بأمره، والكفلان هما المرغوب فيهما بقوله تعالى: { أية : رَبَّنَا ءاتِنَا فِى ٱلدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي ٱلأَخِرَةِ حَسَنَةً } تفسير : [البقرة: 201] ولا دلالة على تخصيص {وَيَجْعَل لَّكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ } يوم القيامة وهو النور المذكور في قوله تعالى: { أية : يَسْعَىٰ نُورُهُم بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَـٰنِهِم } تفسير : [الحديد: 12] {وَيَغْفِرْ لَكُمْ } ما سلف منكم {وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } أي مبالغ في المغفرة والرحمة فلا بدع إذا فعل سبحانه ما فعل.
ابن عاشور
تفسير : الغالب في القرآن أن الذين آمنوا لقب للمؤمنين بمحمد صلى الله عليه وسلم ولكن لما وقع {يا أيها الذين آمنوا} هنا عقب قوله: {أية : فآتينا الذين آمنوا منهم أجرهم}تفسير : [الحديد: 27]، أي من الذين اتبعوا عيسى عليه السلام، احتمل قوله: {يا أيها الذين آمنوا} أن يكون مستعملاً استعماله اللَّقبي أعني: كونه كالعلَم بالغلبة على مؤمني ملّة الإسلام. واحتمل أن يكون قد استُعمل استعمالَه اللُّغوي الأعَمَّ، أعني: من حصل منه إيمان، وهو هنا من آمن بعيسى. والأظهر أن هذين الاحتمالين مقصودَانِ ليأخذ خُلص النصارى من هذا الكلام حظهم وهو دعوتهم إلى الإِيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم ليستكملوا ما سبق من اتباعهم عيسى فيكون الخطاب موجهاً إلى الموجودين ممن آمنوا بعيسى، أي يا أيها الذين آمنوا إيماناً خالصاً بشريعة عيسى اتقوا الله واخشَوْا عقابه واتركوا العصبية والحسد وسوء النظر وآمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم وأما احتمال أن يراد بالذين آمنوا الإِطلاق اللقبي فيأخذَ منه المؤمنون من أهل الملة الإِسلامية بشارةً بأنهم لا يقلّ أجرهم عن أجر مؤمني أهل الكتاب لأنهم لما آمنوا بالرسل السابقين أعطاهم الله أجر مؤمني أهل مِللهم، ويكون قوله: {وآمنوا} مستعملاً في الدوام على الإِيمان كقوله: {أية : يا أيها الذين آمنوا آمنوا بالله ورسوله}تفسير : في سورة [النساء: 136]، ويكون إقحام الأمر بالتقوى في هذا الاحتمالِ قصداً لأن يحصل في الكلام أمر بشيء يتجدد ثم يُردفَ عليه أمر يفهم منه أن المراد به طلب الدوام وهذا من بديع نظم القرآن. ومعنى إيتاء المؤمنين من أهل ملة الإسلام كفلين من الأجر: أن لهم مثل أجرَي من آمن من أهل الكتاب. ويشرح هذا حديث أبي موسى الأشعري عن النبي في صحيح البخاري الذي فيه «حديث : مثل المسلمين واليهود والنصارى كمثَل رجل استأجر أَجراء يعملون له، فعملت اليهود إلى نصف النهار، وعملت النصارى من الظهر إلى العصر على قيراط، ثم عمل المسلمون من العصر إلى الغروب على قيراطين، قال فيه: واستكمَلُوا أجر الفريقين كليهما»تفسير : ، أي استكملوا مثل أجر الفريقين، أي أخذوا ضعف كل فريق. وتقوى الله تتعلق بالأعمال وبالاعتقاد، وبعلم الشريعة (وقد استدل أصحابنا على وجوب الاجتهاد للمتأهل إليه بقوله تعالى: {أية : فاتقوا الله ما استطعتم}تفسير : [التغابن: 16]. وقوله: {اتقوا الله} أمر لهم بما هو وسيلة ومقدمة للمقصود وهو الأمر بقوله: {وآمنوا برسوله}. ورتب على هذا الأمر ما هو جواب شرط محذوف وهو جملة {يؤتكم كفلين} الخ المجزوم في جواب الأمر، أي يؤتكم جزاءً في الآخرة وجزاء في الدنيا فجزاء الآخرة قوله: {يؤتكم كفلين من رحمته} وقوله: {ويغفر لكم}، وجزاء الدنيا قوله: {ويجعل لكم نوراً تمشون به}. والكِفل: بكسر الكاف وسكون الفاء: النصيب. وأصله: الأجر المضاعف، وهو معرب من الحبشية كما قاله أبو موسى الأشعري، أي يؤتكم أجرين عظيمين، وكل أجر منهما هو ضِعف الآخر مماثل له فلذلك ثُني كفلين كما يقال: زوج، لأحد المتقاربين، وهذا مثل قوله تعالى: {أية : ربنا آتهم ضعفين من العذاب}تفسير : [الأحزاب: 68] وقوله: {أية : يضاعف لها العذاب ضعفين}تفسير : [الأحزاب: 30]. وفي الحديث الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : ثلاثة يوتَوْن أجورهم مرتيْن: رجل من أهل الكتاب آمن بنبيئه وآمن بي، واتبعني، وصدقني فله أجران»تفسير : الحديث. ويتعلق {من رحمته} بــــ {يؤتكم}، و(من) ابتدائية مجازياً، أي ذلك من رحمة الله بكم، وهذا في جانب النصارى معناه لإِيمانهم بمحمد وإيمانهم بعيسى، أي من فضل الله وإكرامه وإلا فإن الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم واجب عليهم كإيمانهم بعيسى وهو متمم للإِيمان بعيسى وإنما ضوعف أجرهم لما في النفوس من التعلق بما تدين به فيعسر عليها تركه، وأما في جانب المسلمين فهو إكرام لهم لئلا يفوقهم بعض من آمن بمحمد صلى الله عليه وسلم من النصارى. ويجوز أن يكون {من رحمته} صفةً لــــ {كفلين} وتكون (من) بيانية، والكلام على حذف مضاف، تقديره: من أثر رحمته، وهو ثواب الجنة ونعيمها. وقوله: {ويجعل لكم نوراً تمشون به} تمثيل لحالة القوم الطالبين التحصيل على رضى الله تعالى والفوز بالنعيم الخائفين من الوقوع في ضد ذلك بحالة قوم يمشون في طريق بليل يخشون الخطأ فيه فيعطون نوراً يتبصرون بالثنايا فيأمنون الضلال فيه. والمعنى: ويجعل لكم حالة كحالة نور تمشون به، والباء للاستعانة مثل: كتبت بالقلم. والمعنى: ويُيسّر لكم دلالة تهتدون بها إلى الحق. وجميع أجزاء هذا التمثيل صالحة لتكون استعارات مفردة، وهذا أبلغ أحوال التمثيل، وقد عرف في القرآن تشبيه الهدى بالنور، والضلال بالظلمة، والبرهان بالطريق، وإعمالِ النظر بالمشي، وشاع ذلك بعد القرآن في كلام أدباء العربية. والمغفرة: جزاء على امتثالهم ما أمروا به، أي يغفر لكم ما فرط منكم من الكفر والضلال.
الشنقيطي
تفسير : قد قدمنا أن التحقيق أن هذه الآية الكريمة من سورة الحديد في المؤمنين من هذه الأمة، وأن سياقها واضح في ذلك، وأن من زعم من أهل العلم أنها في أهل الكتاب فقد غلط، وأن ما وعد الله به المؤمنين من هذه الأمة أعظم مما وعد به مؤمني أهل الكتاب وإتيانهم أجرهم مرتين كما قال تعالى فيهم: {أية : ٱلَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ ٱلْكِتَابَ مِن قَبْلِهِ هُم بِهِ يُؤْمِنُونَ وَإِذَا يُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ قَالُوۤاْ آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّنَآ إنَّا كُنَّا مِن قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ أُوْلَـٰئِكَ يُؤْتُونَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنِ}تفسير : [القصص: 52-54] الآية. وكون ما وعد به المؤمنين من هذه الأمة أعظم من أن إيتاء أهل الكتاب أجرهم مرتنين أعطى المؤمنين من هذه الأمة مثله كما بينه بقوله: {يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ}، وزادهم بقوله: {وَيَجْعَل لَّكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ}.
د. أسعد حومد
تفسير : {يٰأَيُّهَا} {آمَنُواْ} {آمِنُواْ} (28) - يَحُثُّ اللهُ تَعَالَى المُؤْمِنِينَ مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ، مِنَ اليَهُودِ والنَّصَارَى، عَلَى تَقْوى اللهِ، وَاجْتِنَابِ مَعَاصِيهِ، وَيَأْمُرُهُمْ بِالإِيْمَانِ بِرَسُولِهِ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم، وَيَعِدُهُمْ إِنْ هُمْ آمَنُوا بِمُحَمَّدٍ، وَاتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا العَمَلَ بِأنَّهُ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أَجْرَهُمْ ضِعْفَيْنِ جَزَاءً لَهُمْ عَلَى إِيْمَانِهِمْ بِنَبِيِّهِمْ وَبِالأَنْبِيَاءِ السَّابِقِينَ قَبْلَهُ، وَأَجْراً آخَرَ لإِيْمَانِهِمْ بِمُحَمَّدٍ، وَأَنَّهُ سَيَجْعَلُ لَهُمْ هُدى وَنُوراً يَمْشُونَ بِهِ فَيُجَنِّبُهُمْ العَمَى وَالضَّلاَلَةَ، وَأَنَّهُ سَوْفَ يَغْفِرُ لَهُمْ مَا سَلَفَ مِنْ ذُنُوبِهِمْ، وَيُعْلِمُهُمْ بِأَنَّ اللهَ وَاسِعُ المَغْفِرَةِ لِمَنْ شَاءَ، رَحِيمٌ بِعِبَادِهِ، يَقْبَلُ تَوْبَتَهُمْ إِنْ أَحْسَنُوا التَّوْبَةَ إِلَيهِ. (وَرُوِيَ أَنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ حِينَمَا فَخَرَ مُؤْمِنُو أَهْلِ الكِتَابِ عَلَى أَصْحَابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم لَمَّا نَزَلَتِ الآيَةُ (أية : أُوْلَـٰئِكَ يُؤْتُونَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنِ) تفسير : فَجَعَلَ اللهُ لِلْمُسْلِمِينَ أَجْرَينِ وَزَادَهُمْ نُوراً). وَفِي الحَدِيثِ الشَّرِيفِ: "حديث : ثَلاَثَةٌ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ: - رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ آمَنَ بِنَبِيِّهِ وَآمَنَ بِي فَلَهُ أَجْرَانِ. - وَعَبَدٌ مَمْلُوكٌ أَدَّى حَقَّ اللهِ وَحَقَّ مَوَالِيهِ فَلَهُ أَجْرَانِ. - وَرَجُلٌ أَدَّبَ أَمَتَهُ فَأَحْسَنَ تَأَدِيبَهَا ثُمَّ أَعْتَقَهَا وَتَزَوَّجَهَا فَلَهُ أَجْرَانِ"تفسير : ). (رَوَاهُ البُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ).
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ} معناه ضعفان بلسان الحَبشةِ.
الجيلاني
تفسير : {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ} بالله على مقتضى دين الرسل الماضين - صلوات الرحمن عليهم وسلامه - المبعوثين؛ لتبيين طريق توحيد الصفات والأفعال {ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ} واحذروا عن بطشه بمخالفة أمره {وَءَامِنُواْ بِرَسُولِهِ} المرسل من عنده بطريق التوحيد الذاتي {يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ} نصيبين {مِن رَّحْمَتِهِ} سبحانه، نصيباً عظيماً لإيمانكم بمحمد صلى الله عليه وسلم، ونصيباً آخر لإيمانكم لمن قبله من الرسل {وَيَجْعَل لَّكُمْ} سبحانه ببركة إيمانكم بمحمد صلى الله عليه وسلم {نُوراً} مقتبساً من مشكاة النبوة والرسالة، المخصوص بالحضرة الختمية المحمدية {تَمْشُونَ بِهِ} بذلك النور إلى المحشر {وَيَغْفِرْ لَكُمْ} سبحانه ببركته ذنوبكم {وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [الحديد: 28] لذنوب عباده، يرحمهم ويقبل منهم توبتهم إن أخلصوا فيها. وإنما يفعل بهم سبحانه ما يفعل من الكرامات المتضاعفة {لِّئَلاَّ يَعْلَمَ} أي: ليعلم يقيناً {أَهْلُ ٱلْكِتَابِ أَلاَّ يَقْدِرُونَ} ولا يستطيعون {عَلَىٰ شَيْءٍ مِّن فَضْلِ ٱللَّهِ} وثوابه، بأن يجلبوه بإيمانهم وأعمالهم لو لم يرد سبحانه إتيانه إياهم تفضلاً وإحساناً {وَ} يعلمون أيضاً يقيناً {أَنَّ ٱلْفَضْلَ} المطلق والإنعام والإحسان الكامل {بِيَدِ ٱللَّهِ} وفي قبضة قدرته، وتحت حكمه وحكمته {يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ} من عباده إرادةً واختياراً {وَٱللَّهُ} المتعزز برداء العظمة والكبرياء {ذُو ٱلْفَضْلِ ٱلْعَظِيمِ} [الحديد: 29] والطول العميم، والكرم الجسيم على أرباب العناية من عباده. جعلنا الله من تفضل علينا بمقتضى كرمه وجوده. خاتمة السورة عليك أيها المحمدي المترقب للفضل الإلهي وسعة لطفه وجوده أن تلازم على أداء ما افترض عليك من الطاعات والعبادات، وتداوم على الاتصاف بالآداب السنية والأخلاق المرضية المقتبسة من كتاب الله المنزل من عنده؛ لإرشاد منهج الرشاد وعموم السعادات، ومن سنن سيد السادات، وسند أرباب الولاية والكرامات، وتقتفي بآثار السلف المجتازين في مضمار المعارف والمكاشفات المشاهدات، وإياك إياك الالتفات إلى مزخرفات الدنيا وما فيها من اللذات والشهوات العائقة عن التوجه إلى المولى والوصول إلى سدرة المنتهى {وَأَنَّ ٱلْفَضْلَ بِيَدِ ٱللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ} [الحديد: 29].
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ} [الحديد: 28] يا أيتها القوى المؤمنة اتقوا الله عن التكاسل في الذكر، ومحافظة الأوقات ومراقبة الأنفاس {وَءَامِنُواْ بِرَسُولِهِ} [الحديد: 28] يعني: آمنوا باللطيفة الخفية بعد أن آمنتم باللطائف المرسلة من قبيل أن {يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ} [الحديد: 28] يعني: نصيبين: نصيباً من معارف الصفات الفعلية، ونصيباً من معارف الصفات الذاتية {وَيَجْعَل لَّكُمْ نُوراً} [الحديد: 28] من نور ذاته {تَمْشُونَ بِهِ} [الحديد: 28] بين القوى القالبية والنفسية والقلبية والسرية والروحية والخفية والحقية {وَيَغْفِرْ لَكُمْ} [الحديد: 28] مما سلف من عصيانكم {وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [الحديد: 28] {لِّئَلاَّ يَعْلَمَ أَهْلُ ٱلْكِتَابِ} [الحديد: 29] من القوى السرية والخفية المجاهدة اللطيفة الخفية {أَلاَّ يَقْدِرُونَ عَلَىٰ شَيْءٍ مِّن فَضْلِ ٱللَّهِ} [الحديد: 29] وهو النور الذاتية الذي يعطى للمؤمن باللطيفة الخفية بعد إيمانه باللطائف المرسلة {وَأَنَّ ٱلْفَضْلَ بِيَدِ ٱللَّهِ} [الحديد: 29] يعني: الفضل على الأجر المستحق به على عمله بيد لطف الله {يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ وَٱللَّهُ ذُو ٱلْفَضْلِ ٱلْعَظِيمِ} [الحديد: 29] لأنه خلقنا من لا شيء، وهدانا إلى الإيمان وأرسل إلينا اللطائف وعلمنا سلوك سبيل الرشاد، وقوانا على السلوك في طريق السلوك، ثم يؤتينا آجر العمل التي يقومه علمنا وبهدايته علمنا الحق من الباطل، ثم يؤتينا نور ذاته فضلاً على الأجور لنمشي بنوره بين الخلق، وليس هذا الأفضل عظيم اللهم لا تحرمنا من فضلك العظيم ولطفك العميم وثبتنا على متابعة حبيبك الكريم صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه والتابعين لهم بإحسان الثابتين على الصراط المستقيم.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : وهذا الخطاب، يحتمل أنه [خطاب] لأهل الكتاب الذين آمنوا بموسى وعيسى عليهما السلام، يأمرهم أن يعملوا بمقتضى إيمانهم، بأن يتقوا الله فيتركوا معاصيه، ويؤمنوا برسوله محمد صلى الله عليه وسلم، وأنهم إن فعلوا ذلك أعطاهم الله { كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ } أي: نصيبين من الأجر نصيب على إيمانهم بالأنبياء الأقدمين، ونصيب على إيمانهم بمحمد صلى الله عليه وسلم. ويحتمل أن يكون الأمر عاما يدخل فيه أهل الكتاب وغيرهم، وهذا الظاهر، وأن الله أمرهم بالإيمان والتقوى الذي يدخل فيه جميع الدين، ظاهره وباطنه، أصوله وفروعه، وأنهم إن امتثلوا هذا الأمر العظيم، أعطاهم الله { كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ } لا يعلم وصفهما وقدرهما إلا الله تعالى أجر على الإيمان، وأجر على التقوى، أو أجر على امتثال الأوامر، وأجر على اجتناب النواهي، أو أن التثنية المراد بها تكرار الإيتاء مرة بعد أخرى. { وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ } أي: يعطيكم علما وهدى ونورا تمشون به في ظلمات الجهل، ويغفر لكم السيئات. { وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ } فلا يستكثر هذا الثواب على فضل ذي الفضل العظيم، الذي عم فضله أهل السماوات والأرض، فلا يخلو مخلوق من فضله طرفة عين ولا أقل من ذلك. [وقوله] { لِئَلا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ } أي: بينا لكم فضلنا وإحساننا لمن آمن إيمانا عاما، واتقى الله، وآمن برسوله، لأجل أن أهل الكتاب يكون لديهم علم بأنهم لا يقدرون على شيء من فضل الله أي: لا يحجرون على الله بحسب أهوائهم وعقولهم الفاسدة، فيقولون: {أية : لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى } تفسير : ويتمنون على الله الأماني الفاسدة، فأخبر الله تعالى أن المؤمنين برسوله محمد صلى الله عليه وسلم، المتقين لله، لهم كفلان من رحمته، ونور، ومغفرة، رغما على أنوف أهل الكتاب، وليعلموا { أن الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ } ممن اقتضت حكمته تعالى أن يؤتيه من فضله، { وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ } [الذي لا يقادر قدره]. تم تفسير سورة الحديد، ولله الحمد والمنة، والحمد لله.
همام الصنعاني
تفسير : 3162- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله: {كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ}: [الآية: 28]، قال: بلغنا أنها حين نزلت حَسَدَهَا أهل الكتاب المسلمين، فأنزل الله تعالى: {لِّئَلاَّ يَعْلَمَ أَهْلُ ٱلْكِتَابِ أَلاَّ يَقْدِرُونَ عَلَىٰ شَيْءٍ مِّن فَضْلِ ٱللَّهِ}: [الآية: 29]، قال معمر، وسمعت آخر يقول: لما نزلت: {أية : أُوْلَـٰئِكَ}تفسير : الذين {أية : يُؤْتُونَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنِ}تفسير : : [القصص: 54]، أنزل الله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَءَامِنُواْ بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ}: [الآية: 28].
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):