٥٧ - ٱلْحَدِيد
57 - Al-Hadeed (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
29
Tafseer
الرازي
تفسير : فيه مسألتان: المسألة الأولى: قال الواحدي هذه آية مشكلة وليس للمفسرين فيها كلام واضح في كيفية اتصال هذه الآية بما قبلها. واعلم أن أكثر المفسرين على أن (لا) ههنا صلة زائدة، والتقدير: ليعلم أهل الكتاب، وقال أبو مسلم الأصفهاني وجمع آخرون: هذه الكلمة ليست بزائدة، ونحن نفسر الآية على القولين بعون الله تعالى وتوفيقه. أما القول المشهور: وهو أن هذه اللفظة زائدة، فاعلم أنه لا بد ههنا من تقديم مقدمة وهي: أن أهل الكتاب وهم بنو إسرائيل كانوا يقولون: الوحي والرسالة فينا، والكتاب والشرع ليس إلا لنا، والله تعالى خصنا بهذه الفضيلة العظيمة من بين جميع العالمين، إذا عرفت هذا فنقول: إنه تعالى لما أمر أهل الكتاب بالإيمان بمحمد عليه الصلاة والسلام وعدهم بالأجر العظيم على ذلك الإيمان أتبعه بهذه الآية، والغرض منها أن يزيل عن قلبهم اعتقادهم بأن النبوة مختصة بهم وغير حاصلة إلا في قومهم، فقال: إنما بالغنا في هذا البيان، وأطنبنا في الوعد والوعيد ليعلم أهل الكتاب أنهم لا يقدرون على تخصيص فضل الله بقوم معينين، ولا يمكنهم حصر الرسالة والنبوة في قوم مخصوصين، وأن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء ولا اعتراض عليه في ذلك أصلاً أما القول الثاني: وهو أن لفظة (لا) غير زائدة، فاعلم أن الضمير في قوله: {أَلاَّ يَقْدِرُونَ } عائد إلى الرسول وأصحابه، والتقدير: لئلا يعلم أهل الكتاب أن النبي والمؤمنين لا يقدرون على شيء من فضل الله، وأنهم إذا لم يعلموا أنهم لا يقدرون عليه فقد علموا أنهم يقدرون عليه، ثم قال: {وَأَنَّ ٱلْفَضْلَ بِيَدِ ٱللَّهِ } أي وليعلموا أن الفضل بيد الله، فيصير التقدير: إنا فعلنا كذا وكذا لئلا يعتقد أهل الكتاب أنهم يقدرون على حصر فضل الله وإحسانه في أقوام معينين، وليعتقدوا أن الفضل بيد الله، واعلم أن هذا القول ليس فيه إلا أنا أضمرنا فيه زيادة، فقلنا في قوله: {وَأَنَّ ٱلْفَضْلَ بِيَدِ ٱللَّهِ } تقدير وليعتقدوا أن الفضل بيد الله وأما القول الأول: فقد افتقرنا فيه إلى حذف شيء موجد، ومن المعلوم أن الإضمار أولى من الحذف، لأن الكلام إذا افتقر إلى الإضمار لم يوهم ظاهره باطلاً أصلاً، أماإذا افتقر إلى الحذف كان ظاهره موهماً للباطل، فعلمنا أن هذا القول أولى، والله أعلم. المسألة الثانية: قال صاحب الكشاف قرىء: (لكي يعلم)، و (لكيلا يعلم)، و (ليعلم)، و (لأن يعلم)، بأدغام النون في الياء، وحكى ابن جني في «المحتسب» عن قطرب: أنه روي عن الحسن: (ليلا)، بكسر اللام وسكون الياء، وحكى ابن مجاهد عنه ليلاً بفتح اللام وجزم الياء من غير همز، قال ابن جني: وما ذكر قطرب أقرب، وذلك لأن الهمزة إذا حذفت بقي للا فيجب إدغام النون في اللام فيصير للا فتجتمع اللامات فتجعل الوسطى لسكونها وانكسار ما قبلها ياء فيصير ليلاً، وأما رواية ابن مجاهد عنه، فالوجه فيه أن لام الجر إذا أضفته إلى المضمر فتحته تقول له: فمنهم من قاس المظهر عليه، حكى أبو عبيدة أن بعضهم قرأ: {أية : وَإِن كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ ٱلْجِبَالُ } تفسير : [إبراهيم: 46]. وأما قوله تعالى: {وَأَنَّ ٱلْفَضْلَ بِيَدِ ٱللَّهِ } أي في ملكه وتصرفه واليد مثل {يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء } لأنه قارد مختار يفعل بحسب الاختيار {وَٱللَّهُ ذُو ٱلْفَضْلِ ٱلْعَظِيمِ } والعظيم لا بد وأن يكون إحسانه عظيماً، والمراد تعظيم حال محمد صلى الله عليه وسلم في نبوته وشرعه وكتابه، والله أعلم بالصواب وإليه المرجع والمآب، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
المحلي و السيوطي
تفسير : {لِّئَلاَّ يَعْلَمَ } أي أعلمكم بذلك ليعلم {أَهْلُ ٱلْكِتَٰبِ } التوراة الذين لم يؤمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم {أَ} نْ مخففة من الثقيلة واسمها ضمير الشأن والمعنى أنهم {لاَّ يَقْدِرُونَ عَلَىٰ شَىْءٍ مِن فَضْلِ ٱللَّهِ } خلاف ما في زعمهم أنهم أحباء الله وأهل رضوانه {وَأَنَّ ٱلْفَضْلَ بِيَدِ ٱللَّهِ يُؤْتِيهِ } يعطيه {مَن يَشَآءُ } فآتى المؤمنين منهم أجرهم مرتين كما تقدّم {وَٱللَّهُ ذُو ٱلْفَضْلِ ٱلْعَظِيمِ }.
ابن عطية
تفسير : روي أنه لما نزل هذا الوعد للمؤمنين حسد أهل الكتاب على ذلك، وكانت اليهود تعظم دينها وأنفسها وتزعم أنها أحباء الله وأهل رضوانه، فنزلت هذه الآية معلمة أن الله تعالى فعل ذلك وأعلم به ليعلم أهل الكتاب أنهم ليسوا كما يزعمون، و "لا" في قوله: {لئلا} زائدة كما هي في قوله تعالى: {أية : وحرام على قرية أهلكناها أنهم لا يرجعون} تفسير : [الأنبياء: 95] على بعض التأويلات. وقرأ ابن عباس "ليعلم أهل الكتاب"، وروى إبراهيم التيمي عن ابن عباس: "كي يعلم"، وروي عن ابن عباس: "لكي لا يعلم". وروي عن حطان الرقاشي أنه قرأ: "لأي يعلم". وقرأ ابن مسعود وابن جبير وعكرمة: "لكي يعلم أهل الكتاب"، وقرأ الحسن فيما روى ابن مجاهد: "لَيْلا يعلم" بفتح اللام وسكون الياء. فأما فتح اللام فلغة في لام الجر مشهورة وأصل هذه القراءة "لأن لا"، استغني عن الهمزة بلام الجر فحذفت فجاء "لأن لا"، أدغمت النون في اللام للتشابه فجاء "للا"، اجتمعت أمثلة فقلبت اللام الواحدة ياء. وقرأ الحسن فيما روى قطرب: "لِيْلا" بكسر اللام وسكون الياء وتعليلها كالتي تقدم. وقوله تعالى: {ألا يقدرون} معناه: أنهم لا يملكون فضل الله ويدخل تحت قدرهم، وقرأ ابن مسعود: "ألا يقدروا" بغير نون، وباقي الآية بين.
ابن عبد السلام
تفسير : {لِّئَلاَّ يَعْلَمَ} ليعلم و "لا" صلة {فَضْلِ اللَّهِ} الإسلام، أو الرزق.
اسماعيل حقي
تفسير : {لئلا يعلم اهل الكتاب} متعلق بمضموم الجملة الطلبية المتضمنة معنى الشرط اذا التقدير ان تتقوا الله وتؤمنوا برسوله يؤتكم كذا وكذا لئلا يعلم الذين لم يسلموا من اهل الكتاب اى ليعلموا ولا مزيدة كهى فى مامنعك أن لاتسجد كما ينبىء عنه قرآءة ليعلم ولكى يعلم ولان يعلم بادغام النون فى الباء قال فى كشف الاسرار وانما يحسن ادخالها فى كلام يدخل فى اواخره او أوآئله جحد {ان لايقدرون على شىء من فضل الله} أن مخففة من الثقيلة واسمها الذى هو ضمير الشان محذوف والجملة فى حيز النصب على انها مفعول يعلم اى ليعلمون اهم لاينالون شيأ مما ذكر من فضلة من الكفلين والنور والمغفرة ولا يتمكنون من نيله حيث لم يأتوا بشرطه الذى هو الايمان برسوله {وأن الفضل بيد الله} عطف على أن لا يقدرون يعنى آفزونىء ثواب وجزآء وامثال آن بدست قدرت خداست {يؤتيه} عطا كند {من يشاء} هركرا خواهد، وهو خبر ثان لأن {والله ذو الفضل العظيم} والعظيم لابد أن يكن احسانه عظيما (قال الكاشفى) وخداى تعالى خداوند فضل بزركست يعنى نعمتى تمام كه خواص وعوام را فرا رسيده شعر : فيض كرم راسنده از شرق تا بغرب خوان نعم نهاده ازقاف تابقاف هستند بيش وكم زنوال تو بهره مند دارند نيك وبد بعطاء تو اعتراف تفسير : وقد جوز أن يكون الامر بالتقوى والايمان لغير اهل الكتاب فالمعنى اتقو الله واثبتوا على ايمانكم برسول الله يؤتكم ماوعد من آمن من أهل الكتاب من الكفلين فى قوله تعالى {أية : اولئك يؤتون أجرهم مرتين}تفسير : ولا ينقصكم من مثل أجرهم لانكم مثلهم فى الايمانين لاتفرقون بين أحد من رسله (وروى) ان مؤمنى أهل الكتاب افتخروا على سائر المؤمنين بأنهم يؤتون أجرهم مرتين وادعوا الفضل عليهم فنزلت وفى الحديث "حديث : انما مثلنا ومثل الذين اوتوا الكتاب من قبلنا مثل رجل استأجر اجراء فقال من يعمل الى آخر النهار على قيراط قيراط فعمل قوم ثم تركوا العمل نصف النهار ثم قال من يعمل نصف النهار الى آخر النهار قيراط قيراط فعمل قوم الى العصر على قيراط قيراط ثم تركوا العمل ثم قال من يعمل على قيراطين قيراطين فعمل قوم الى الليل على قيراطين قيراطين فقالت الطائفتان الاوليان مالنا اكثر عملا واقل اجرا فقال هل نقصتكم من حقكم شيئا قالوا لا قال ذلك فضلى اوتيه من أشاء"تفسير : ففيه اشارة الى ان أهل الكتاب أطول زمانا وعمرا واكثر اجتهادا واقل أجرا وهذه الامة اقصر مدة واقل سعيا واعظم أجرا والى ان الثواب على الاعمال ليس من جهة الاستحقاق لان العبد لايستحق على مولاه بخدمته اجرة بل من جهة الفضل ولله ان يتفضل على من يشاء بما يشاء قال البقلى رحمه الله اخرج فضله من الاكتساب وعلل الجهد والطلب يؤتى كراماته من يشاء من عباده المصطفين وهو ذو العطاء فى الازل الى الابد والفضل العظيم مالا ينقطع عن المنعم عليه ابدا (روى) ان رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقرأ المسبحات قبل أن يرقد ويقول ان فيهن آية افضل من الف آية ويعنى بالمسبحات الحديد والحشر والصف والجمعة والتغابن، يقول الفقير انما اخفى عليه السلام تلك الآية ولم يصرح بها لتجتهد الامة بتلاوة جميع السور كما أخفى الله ساعة الاجابة وليلة القدر ونحوهما بعثا للعباد على الاجتهاد واحياء الليالى (قال الشيخ سعدى) شعر : جوهر كوشه تير نياز افكنى اميدست نا كه كه صيدى زنى همه سنكها باس دار اى بسر كه لعل از ميانش نباشد بدر غم جمله خور در هواى يكى مراعات صد كن براى يكى تفسير : تمت سورة الحديد بعون الملك المجيد فى اواخر شهر ربيع الاول من سنة خمس عشرة ومائة والف من الهجرة
صدر المتألهين الشيرازي
تفسير : "لا" في "لئلاّ يعلم" زائدة. و"أن" في "أن لا يقدرون" مخففة من الثقيلة، واسمها محذوف وهو الشأن، أو ضمير راجع إلى أهل الكتاب أي: لأن يعلم أهل الكتاب أنهم لا يقدرون على شيء مما ذكر من فضل الله من الكِفلين والنور والمغفرة، ولا يتمكنون من نيل شيء منه، لأن جميعه مشروط بالاعتقاد الصحيح في حق الله ورسوله، وهم لم يؤمنوا برسول الله، فلا ينفعهم إيمانهم بغيره من الأنبياء بعدما فرقوا بين رسل الله، وليعلموا أن الفضل بيد الله وقدرته، ويؤتيه من يشاء بمشيّته السابقة، وارادته الأزلية المنبعثة عن علمه باختلاف القوابل وتفنن الماهيات - والله ذو الفضل العظيم -، بإفاضة نور الوجود على هياكل الممكنات. وقيل: إن المراد بفضل الله ها هنا النبوة، أي: لا يقدرون على نبوة الأنبياء، ولا على صرفها عمن يشاء الله أن يخصّه بها، فيصرفوها عن محمد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) إلى من يحبونه، بل النبوة كسائر الفضائل الموهبية بيد الله، لا مدخل لتعمّل الناس في استجلابها، يعطيها من يشاء ممن هو أهلها ومستحقها. وقيل: "لا" ها هنا في حكم الثبات، والمعنى: لأن لا يعتقد أهل الكتاب أن النبي والمؤمنين به لا يقدرون على شيء من فضل الله ولا ينالونه، فعلى هذا يكون الضمير في "يقدرون" للنبي والمؤمنين، ويكون "أن الفضل" عطفاً على "أن لا يعلم". أو لأن لا يعلم أهل الكتاب أنهم لا يقدرون أن يؤمنوا، ويكون المراد: لكي يعلموا أنهم يقدرون على الإيمان وطلب الفضل والثواب. وقرأ الحسن: "لَيْلا يعلم" - بفتح اللام وسكون الياء -، وروي بكسر اللام أيضاً - وتوجيهه على ما قيل، بأن حذفت الهمزة من "لان" لثقلها حتى صار "لن"، ثم أدغمت "النون" في "اللام" للمجانسة بينهما، فصار "لِّلا" - بالكسر - ثم أبدلت اللام الثانية المدغمة في الثالثة "ياء"، كإبدالهم الواو المدغمة وغير المدغمة ياء في "ديوان" و "قيراط"، فإن الانتقال من المضاعف إلى المعتلّ متعارف عند أهل اللسان. وأما الفتح - كما في قراءة الحسن: فعلى أن أصل لام الجر هو الفتح، وقرئ: "لكي يعلم"، و"لكيلا يعلم"، و"ليعلم"، و"لأن يّعلم" - بادغام النون في الياء، "ولين يّعلم" بقلب الهمزة ياء، وإدغام النون في الياء، كما ذكر في الكشاف. مكاشفة إنما يستشعر من الآية الكريمة، أن لأهل الإيمان اقتداراً على استجلاب فضل الله وتمكناً من استدرار رحمته، ومفهوم الخلاف وان لم يكن معتبراً عند الأكثر، سيما في مثل هذا المقام حيث عقّب بقوله: {وَأَنَّ ٱلْفَضْلَ بِيَدِ ٱللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ} [الحديد:29]، إلا أنه مما يمكن تصحيحه ها هنا بوجه عقلي، فإن الفضل وان كان كله من عند الله بحسب مشيئته بلا تأثير لغيره في الإجارة، وتوسيط لما سواه في الإفاضة، لكن لا بد من تعلق المشيّة بواحد دون واحد من مخصص، لامتناع الترجيح من غير مرجّح، - كما هو المذهب المنصور -. فللعبد اختيار في اكتساب المرجّح بتحصيل المعارف الإيمانية والعقائد الحقة - أولاً -، ثم العمل بمقتضاها - ثانياً -، ثم الانتظار لهبوب رحمة الله وفضله - ثالثاً -. فإن من حصّل المعرفة بالله ورسوله واليوم الآخر، والاعتقاد والثواب للمحسن، والعقاب للمسيء - وان كان على وجه التقليد والظن -، حَصَل لنفسه تشوّق إلى تكميل جوهره بتحصيل اليقين والوصول إلى ثواب الله والتقرب إليه، فيبعثه ذلك على قمع الشهوات الظاهرة عن النفس - أولاً -، ثم على قلع الصفات الذميمة الباطنة عن القلب - ثانياً -، ثم يختار العزلة والخلوة عمّا يشوّش ذكره ويوسوس طبعه، فيجلس للمراقبة والذكر والفكر، ثم يؤدي به ذلك إلى أن يجعل همومه ومقاصده وأغراضه واحداً - هو التشوق إلى طلب الحق -. وإذا غلب ذلك على قلبه، فهو بعدُ ناقص محروم، ما لم يكن من المتفكرين وأهل العلم، فإن كان له مجال في التفكر، وحركة معنوية في الباطن، شغله ذلك عند التجرد عن محاربة الشيطان ووساوس الوهم، بإبداء الشبهات والشكوك في قلبه، حتى يضلّه ذلك عن الطريق، وان لم يكن له سير في الباطن، وحركة معنوية في الملكوت، فلا تنجيه الأوراد المتواصلة والصلوات المتعاقبة، بل يحتاج معها إلى تكليف الحضور لقلبه بالأفكار المعنوية، فإن التفكر في الباطن هو الذي يستغرق القلب ويسخّر النفس دون الأوراد الظاهرة. وربما لم يسلم مع ذلك من الآفات الشاغلة له في بعض الأوقات من الفكر والذكر ضرورية كانت أو غير ضرورية، كمرض وخوف، أو إيذاء من مخاصم، أو طغيان من مخالط لضرورة المعيشة أو اشتغال بمطعم أو ملبس مما يُحْوِجُهُ إلى شغل تولاه بنفسه، فإن تيسر له قطع هذه العلائق لتسلم له أكثر الأوقات، فيصفو قلبه، وينشر فكره في عالم الملكوت، وينكشف له من أسرار الله ما لا يقدر على شيء قليل منه جملة الأذكياء المشتغلين بقلوبهم بالدنيا وعلائقها. وهذا أقصى المقامات التي لاختيار العبد مدخلية في أن تنالها بالاكتساب والجهد، فأما مقادير ما ينكشف له من فضل الله، ومبالغ ما يرد عليه من رحمته، فهو خارج عن اختياره واقتداره، فإنه يجري مجرى الصيد، وهو بحسب الرزق والطالع الأسمائي، الذي طالع طالعه السمائي، فقد يقل الجهد ويحلّ الصيد، وقد يطول الجهد ويقصر الحظ، فالمُعَوّل بعد ذلك على جذبة من جذبات الحق التي توازي عمل الثقلين، وليس ذلك باختيار العبد، وان كان له اختيار في أن يتعرض لتلك اجذبة بالاكتساب من الرياضات الفكرية والعملية (العلمية). وإليه الإشارة بقوله: إن لربكم في أيام دهركم نَفَحات، أَلاَ فَتَعَرّضوا لها. وذلك بأن يقطع عن قلبه جواذب الدنيا، فإن المجذوب إلى أسفل السافلين كيف ينجذب إلى أعلى عليين، وذلك لأن تلك النفحات والجذبات أرزاق معنوية بمنزلة الرزق الصوري، فلها أسباب سماوية رحمانية، كما أن للرزق الصوري أسباباً سماوية جسمانية، إذ قال: {أية : وَفِي ٱلسَّمَآءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ}تفسير : [الذاريات:22]. فإن هذه السماء الجسمانية مثال وظل لمبدء رحمانيته تعالى المنبعث عنها الأرزاق الصورية والمعنوية كلها، ولهذا وقعت الإشارة بقوله: {أية : ٱلرَّحْمَـٰنُ عَلَى ٱلْعَرْشِ ٱسْتَوَىٰ} تفسير : [طه:5]. وهذا الذي كلامنا فيه، من أجلّ مراتب الرزق المعنوي، فهو أيضاً من أسباب سماوية قدسية، والأمور السماوية غائبة عنّا فلا يُدرى متى يسّر الله أسباب الرزق، فما علينا إلاَّ تفريغ محل القلب والانتظار لنزول الرحمة وبلوغ الكتاب أَجَله، - كالذي يصلح أرض الزراعة وينقّيها من الحشيش ويبث فيها البذر -، بأن يصفي المريد القلب عن ذمائم الصفات، ويبث فيه بذر المعارف الإلهية - وكل ذلك لا ينفعه إلاَّ بنزول المطر - ولا يدري متى يقدّر الله أسباب المطر، إلاَّ أنه يثق بفضل الله وسنّته في أن لا يخلي الأرض سنة عن مطر، فكذلك قل ما يخلو قلب المريد الصافي في شهر أو يوم عن جذبة من جَذبات الحق. وبالجملة - فقد عُلم أن تطهير القلب عن حشيش الشهوات، والبَذْر فيه ببذر الإيمان بالله ورسله وملكوته، وجعله لمهابّ فضل الله مما لاختيار العبد مدخل فيه، إلاَّ أن يكون في غاية الجمود والقساوة لسبق الكفر المتمادي، أو الفسوق المتراكم كالجاحدين من أهل الكتاب. وأما نزول أمطار الفضل، وهبوب رياح الرحمة، فلا اختيار للعبد فيه، بل كله بيد الله يؤتيه من يشاء. فقوله: ليعلم أهل الكتاب أن لا يقدرون على شيء من فضل الله، نعي عليهم وإبعاد ووَيْل لهم، حيث لا يمكنهم تطهير الباطن وتصفيته عن الرذائل لاستدرار رحمة الله وفضله، وذلك لجمود قرائحهم الجاسية، وفساد قلوبهم القاسية. كما قال: {أية : فَوَيْلٌ لِّلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِّن ذِكْرِ ٱللَّهِ}تفسير : [الزمر:22]. خاتمة هذه السورة مدنية، وهي تسع وعشرون آية، وقيل: ثمان وعشرون والاختلاف في قوله: {أية : مِن قِبَلِهِ ٱلْعَذَابُ} تفسير : [الحديد:13] و {أية : وَآتَيْنَاهُ ٱلإِنجِيلَ}تفسير : [الحديد:27]. وعدد كلماتها خمسمأة وثلاث وسبعون. وحروفها ألفان وأربعمأة وتسعون. وانتظام ختم الواقعة بافتتاحها أنهما في التسبيح. وانتظام السورتين أن تلك السورة في ذكر السابقين وأصحاب اليمين والمكذبين الضالين، وهذه السورة في كيفية الارتقاء إلى درجة السابقين وأصحاب اليمين بالمعارف الحقّة والأعمال الصالحة، وفي حث الفائزين بالوصول إلى درجة المقربين والسعداء بسبب الإيمان، على تقويته وتوسيع دائرته وتكثير فوائده، ودفع المُطْفين لأنواره، والجاهدين لآثاره، من الكَفَرة الفَجَرة، وترغيب المؤمنين في مجاهدة الكافرين والإنفاق على المجاهدين. فافتتحت السورة بتقديس الله عن النقائص وصفات الممكنات، وسمات الحادثات، بلسان كل من في سمٰوات عالم الملكوت، وما في أرض عالم الملك، وبذكر أن جميع ما وقع عليه اسم الوجود ملكه، وتحت تسخيره، جار عليه سلطانه، نافذ فيه حكمه، سار فيه أمره، يصرفه كيف يشاء بالإحياء والإماتة. ثم ذكر أن منشئ مملكة السموات والأرض وبانيها - مع تمادي أزمنة بقائها، واتساع أمكنة أرضها وسمائها -، مما لا يغيب عنده زمان عن زمان، ولا يفوت لديه مكان عن مكان، بل جميع الأزمنة والزمانيات - لإحاطته القيومية - في حكم آن واحد في الحضور لديه، وكافة الأمكنة والكائنات بتمامية الإلهية في حكم نقطة واحدة في المثول بين يديه، من غير تطرّق تجدّد وتغيّر في ذاته، أو احتمال تجزٍ وتكثّر (تجبّر وتكسّر - ن) في صفاته، وذلك لأنه هو الأول في عين آخريّته، وهو الظاهر في عين باطنيّته، ولما كان هذا مستلزماً لشمول علمه بجميع الموجودات، وإحاطة شهوده بجملة الكائنات ذكر عقيبه: {أية : وهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ}تفسير : [الحديد:3] و [الأنعام:101]. ثم أشير إلى أن عمله بكل شيء بنحو العلم بأسباب ذلك الشيء وعلله، - الذي هو أجلّ مراتب العلم وأوثقها وأتقنها -، ليعلم أن عالميّته بالأشياء بأي نحو من ضروب العالِميّة وليعلم أنه ليس باحساس ولا بانفعال، وإلاَّ يلزم استكمال الكامل بالناقص، وانفعال العالي عن السافل، فذكر أنه مبدع الأشياء وخالق الأرض والسماء في أقل من عدد كامل - هو السبعة - أعني الستة. ثم لمّا كان أسباب وجود الكائنات وشرائط حفظها وبقائها: من الأرزاق والآجال، ينزل من عنده بواسطة السمٰوات وقواها المحرّكة لها شوقاً إلى طاعة بارئها فنون الحركات، وصنوف اختلاف الأوضاع والنسب التي تنشأ منها الكائنات، وينبعث منها الحيوان والنبات على ما جرت عليه سنّة الله التي لا تبديل لها، وجملة المتحركات السماوية والأكر الكوكبية في فلك واحد عظيم مشتمل على الجميع اشتمال الشخص الإنساني على أعضائه وجوارحه وأركانه، هو المحدد بجسميّته للجهات والأبعاد، وبمقدار حركته للأزمنة والحركات، فهو بنفسه وعقله يدبّر الكل، ويَسُوس الجميع بإذن مبدعه ومحرّكه ومدوره وموجد نفسها ومحركها، تحريكاً شوقياً بالحركات النفسانية، والأوراد والأذكار القدسية، والانتقالات العلمية، والطاعات الملكية، كل ذلك تشوقاً إلى جنابه، وتقرباً إلى طاعته، وامتثالاً لأمره، وتضرعاً وابتهالاً نحوه وتشفعاً لديه لإنجاح مقاصد الملهوفين، واستغاثة عنده لإغاثة المحتاجين، واصلاح أحوال الهابطين إلى معدن الظلمات، وإعلاء مرتبة النازلين في مهوى عالم الجهالات من أهل الاستعداد، وإصعادهم عن رتبة السافلين إلى أوْج العليّين بالهامهم معرفة المبدأ والمعاد، وتوسطاً لجبر كسير وخلاص أسير، فاريد التنبيه على أن هذه الوسائط، مما لا مدخلية لها في الإيجاد والإعطاء، بل هي مظهر الرحمة ومستوى الرحمن، وهو الذي استوى على العرش لانتظام ما في الكون، وتسبيب الأسباب، وتهييج الأشواق، وانشاء الدواعي، وتوسيط القوى الفعّالة، ووضع القوابل المنفعلة، كل ذلك على سبيل العناية بالسافلات، وترشيح الخير الدائم على المنفعلات الكائنات بوساطة عالم الحركات العاليات، الصادرات بأمره تعالى عن الملائكة المدبّرات، وعباده الساجدات الراكعات، كما أشير إليهم بقوله تعالى: {أية : غِلاَظٌ شِدَادٌ لاَّ يَعْصُونَ ٱللَّهَ مَآ أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ}تفسير : [التحريم:6]. ثم عاد إلى بيان علمه بالجزئيات، بزيادة استيضاح على هذا الوجه المذكور من سبيل أخرى، فأشار إلى أن من هو شأنه هكذا، لا بد وأن لا يعزب عن علمه مثقال ذرّة في الأرض ولا في السماء، بل يعلم الوالج في الأرض من أسباب قابلية الوجود للكائنات - كالبذور والنُطَف وغيرها من المقادير والكيفيات الاستعدادية -، والخارج منها -، كاجساد المواليد الثلاثة وأبدانها، من الجماد والنبات والحيوان -، والنازل من السماء، - كقواها وصُوَرها ونفوسها وما يتحصّل ويتقّوى به أعضاؤها وأحجامها كالأمطار والثلوج وغيرهما -، والعارج فيها من العقول الصافية الإنسانية التي صارت طيوراً سماوية طائرة إليها من أقفاص الأبدان بجناحَي العلم والعمل، بخلاف النفوس المتعلقة المقيدة بشهوات هذا العالم، التي تكون أبدانهم بالقياس إلى نفوسهم البهيمية اسطبل الدواب لا أقفاص الطيور، فليس لهم قوة الارتقاء إلى ملكوت السماء، ولا لهم سبيل إلى عالم التقديس وعالم المعنى. ثم لمّا تقدم أنه سبحانه مما لا يتجدد عليه شيء بالغيبة والحضور، والوجود والدثور، ولا يفوته شيء من الأشياء، بل الماضي والمستقبل بالنسبة إليه كالآن في الحضور لديه، ومع ذلك هو القائم على كل نفس بما كسبت بيديه، لاستوائه برحمانيته على عرش وجود الحوادث والكائنات، واستقلاله بالإفاضة والإيجاد على الموجودات من غير تأثير لغيره إلاَّ في الإعداد. فظهر أن لا واسطة بينه وبين كل موجود، ولا تفاوت فيها عنده، ولا تعاقب لوجود على وجود لديه، بل هو بوحدته مقَوّم ذات الجميع، وبفردانيّته مقرّر ماهية الكل، أثبت معيّته لنا أينما كنّا ومتى كنّا، عالين أو سافلين، سابقين أو لاحقين، فإذا كان كذلك، كان علمه حضورياً شهودياً، إشراقياً نورياً، فعبّر عن ذلك بأنه {أية : بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} تفسير : [الحديد:4]. ولما علم مما ذكر سابقاً كونه مبدأً فاعلياً للجميع، أراد التنبيه على أنه المبدأ الغائيّ أيضاً للكل، وحيث كان الأول كاشفاً عن الثاني مستلزماً له، ذكر رجوع الأمور إليه بعدما أعاد ذكر نسبة ملك السمٰوات والأرض إليه، ليعلم أنه الغاية القصوى للكل، كما أنه المبدأ الأعلى للجميع بتوسط (بتوسيط - ن) المنافع والغايات الجزئية، وتسبيب (تسبب - ن) الأسباب المتوسطة لوجود الأشياء على الوجه الذي أراد وشاء. ثم لما مرت الإشارة إلى الأسباب القابليّة الأرضية والفاعلية السماوية لخلق المركبات العنصرية، أراد أن يشير إلى أن تأثير الأسباب العالية في القوابل السافلة متوقف على الحركة المتجددة، ليقرب المعلول إلى علّته - فإن الأمور مرهونة بأوقاتها الحاصلة من حركات أسبابها وتغيّراتها، فاختلاف الحركات والأوقات سبب لاختلاف الحوادث والكائنات، كما يشاهد تبدل الفصول الموجب لتخالف الليالي والأيام، المستلزم لاختلاف أحوال الخلائق والأنام -، عبّر عن تفاوت الليل والنهار على الوجه المشاهد المستلزم لاعتدال الكائنات بولوج كل منهما في صاحبه، مومياً إلى المنافع والغايات المترتبة على تفاوتهما في المقدار واختلافهما في الآثار، وبيّن أن الجاعل لهما على هذا الوجه المقرر، والمولج لكل منهما في الآخر: - هو سبحانه -، لتدبير الكائنات ومصلحة الموجودات. فإنه سبحانه لو لم يجعل الأنوار الكوكبية ذات حركة سريعة مشتركة، واخرى بطيئة مختصة، ولم يجعل دوائر الحركات البطيئة مائلة عن دائرة الحركة السريعة، لَمَا مالت إلى النواحي شمالاً وجنوباً، فلم تنتشر منافعها على بقاع الأرض. ولولا أن حركة الشمس - خصوصاً - على هذا المنوال، من تخالف سَمْتها لسَمْت الحركة السريعة، لَمَا حصلت الفصول الأربعة التي يتم بها الكون والفساد، وتنصلح بها أمزجة البقاع والبلاد، ولما كان القمر نائباً للشمس خليفة لها في النضج والتحليل، والإصلاح والتعديل، وإذا كان قوي النور جعل مجراه يخالف مجراها، فالشمس تكون في الشتاء جنوبيّة والقمر شمالياً لئلا ينعقد السببان، وفي الصيف بعكس ذلك لئلا يجتمع المسخّنان، ولما كانت الشمس في أيام الصيف الطوال شمالية الحركة، وفي أيام الشتاء القصار جنوبيّتها، ولها أوْج وحضيض متقابلان بينهما نصف دور، جعل الله تعالى بحكمته البالغة أوجها في الشمال وحضيضها في الجنوب، لينجبر قُرْب المَيل عن سَمت الرأس ببُعْد المسافة لئلا يشتد التسخين بالتنوير، وينكسر بعده بقربها لئلا تضعف القوة المسخنة عن التأثير، كل ذلك لحكمة العليم القدير، الحاصلة من تخالف الليل والنهار وتفاوتهما في المقدار. ولما كان بيده وجود الأسباب المؤديّة إلى خلقة الإنسان بدناً ونفساً، صورة ومعنى، كان عالماً بصفاته الظاهرة البدنية وملكاته الباطنة النفسانية، فذكر أنه عليم بذات الصدور، ليعلم أنه ناقد بصير لا يخفى عليه قليل ولا كثير، فيجازي على كل عمل قلبي، كما يجازي على كل حركة بدنية. ولما بيّن أنه سبحانه متصف بغاية العظمة والجلال، منعوت بكونه مبدأً أعلى وغاية قصوى للكل، يتضح لذوي البصيرة أن الكل محتاجون إليه في الوجود، وخصوصاً المعلول الذي تضاعفت فيه وجوه الحاجة، وكثرت عنده جهات الإمكانات الذاتيّة والاستعدادية، ولا شبهة في أن مَن هو موصوف بغاية الفقر والفاقة، من شأنه التشبث بمن هو منعوت بالكرم والإفضال، ومَن دَأبه التضرع والابتهال وطلب التخلّص عن القصور والوبال، ممن هو على غاية التمام والكمال، واستدعاء الاستمداد والاستكمال ممن هو في نهاية العظمة والجلال، متبرّئ الذات عن النقص والعدم والزوال، كائناً بذاته الفردانية الأحدية، منبع كل صورة وكمال، ومنشأ كل خير وجمال. ثم لا يخفى إن كل ناقص يسوغ له الانتقال من حدود النقص إلى ذروة الكمال، فله طريق خاص ومنهج معيّن في الترقي إلى أوج الترفع والإقبال، فللأجسام - بما هي أجسام - الحصول في مطلق الحَيْز والفضاء وللعناصر في الحركة نحو المكان الأسفل والأعلى، وللنبات في الاغتذاء والنماء، وللعُجْم من الحيوان في حياته الدنيوية بأنفاسه وحركته بإرادته وإحساسه، وما من دابة فما دونها إلاَّ ومن شأنه البلوغ إلى أقصى ما لها في ذاتها ما لم يعقها عائق، ولنوع الإنسان كمال يخصه هو الإيمان بالله وأفعاله القريبة بحسب جزئه العلمي، والتجرد عن الدنيا واللذات البهيمية بحسب جزئه العملي، ولهذا وقع له الأمر بالإيمان بالله ورسوله والإنفاق مما زاد على ضرورات بقائه الكوني. ثم بيّن سبحانه عِظَمَ أجْر الإنسان الذي سلك مسلك المعرفة والتجرد بقوله: {أية : لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ} تفسير : [الحديد:7]، لأنه بهذين الأمرين يقرب من الملكوت ويتخلّص عن الناسوت. ثم أظهر سبحانه الاستنكار والتعجب ممن لم يتفطن بالمعرفة بالله عند تحقق الرسول - المعلّم للبشر الداعي إلى طريق الحق -، مع قابلية الذوات ومناسبتها لمعرفة الحق بحسب الفطرة الأصلية المعبّر عنها "بأخذ الميثاق". ثم بيّن عظم رتبة هذا المعلم البشري وكيفية ارتقائه إلى مرتبة الرسالة ودرجة التبليغ، وهو إنما يكون بتنزيل الله سبحانه على عبده المستجمع للفضائل والملكات البشرية الآيات البيّنة والمعارف الحقّة، لتتنور ذاته بالأنوار القيوميّة، ويستشرق عقله المنفعل بالأضواء الأحَدية، وتستضيء نفسه التي يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار بالإشراقات الصَمَدية، ويصير عندما مسّته نار الأنوار والشعلات الجبروتيّة نوراً على نور، ليتنور بنور ذاته المستضيئة بأنوار الله المنتكسينَ في دياجير الجهل والظلمات، الهابطين إلى مهوى الغفلة والشهوات، المتزحزحين لضعف الأحداق عن عالم الإشراق، ويخرجهم من ظلمات الأجسام إلى نور عالم الأرواح ومرجع نفوس السعداء والكرام. ولما كان إرسال الرسول وانزال الوحي وتنزيل الآيات إلى قلبه منه تعالى على وجه لطيف، حيث صار موجباً لنظم أمور الدنيا، وتَعَيّش الإنسان على أبلغ نظام مع تحصيل الأهبَّة في سفر الآخرة له، وأخذه الزاد وربح التجارة في المعاد، والفوز بأرفع مقام ومراد - فقد كان فيه نفع العاجل مشفوعاً بسعادة الآجل -، أشار إلى هذا التلطف في الهداية والتكميل والإخبار عن تعلّق صفتي الرأفة والرحمة بالعباد لترتبهم في الوجود والبقاء من جهتي المعاش والمعاد. ولما أمر أولاً بالإيمان والإنفاق اللذين هما خلاصتا الكمال العلمي والعملي. ثم أخذ يسأل شبه المتعجب المستفهم عن التاركين للإيمان في تركهم إياه مع دعوة الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وأخذ الميثاق - أي وجود المعلّم وقابلية المتعلّم -، وتأييده سبحانه هذا المعلّم بصنوف أسباب الهداية والتعليم، فعاد ثانياً شبه المتعجب المستفهم عن التاركين للإنفاق في تركهم إيّاه، محتجاً عليهم في استقباح هذا البخل والإمساك منهم بأن ما في تملّكهم ليس باقياً لهم، بل في معرض الزوال، هو عنهم وهم عنه، وأن الجميع بالحقيقة ملكه يعود إليه، وله ميراث كل شيء، سواء في ذلك المال وذو المال. ثم ذكر تفاضل المنفقين والمجاهدين قبلَ الفتح وبعدَه، وتفاوتهم في درجة الجزاء والثواب، فإن أفضل الأعمال أحْمَزُها، مع أنه وعد الجميع بالحسنى لاشتراكهم في أصل الفعل الحَسَن، وذكر أنه خبير بمراتب الإخلاص في العمل وحسن النيات، كما أنه خبير بظواهر الأعمال وبواعث الأفعال. ثم وعد الأجر الكبير مع المضاعفة في مقدار الثواب لمن يقرض الله قرضاً حسناً. ثم بيّن الموضع الذي تتحقق فيه المجازاة على الأعمال، وتتبيّن فيه الدرجات والأحوال، ويتميّز فيه السعداء عن الأشقياء، فذكر شيئاً من أحوال المؤمنين، وشيئاً من أحوال المنافقين في ذلك اليوم، وذكر تخلّف المنافقين عن المؤمنين في سلوكهم طريق النجاة بنور المعرفة والسداد، وتمنّيهم الاقتباس من نور معرفة المؤمنين مع استحالة ذلك ببطلان استعدادهم الفطري، وزوال قابليّتهم الجِبِلّيّة. وذكر ردّ المؤمنين ملتمسهم ومقترحهم بالتنبيه على فقدان القبول لهذا الاقتباس، والإشعار بما يوجب لهم الخذلان واليأس. ثم ذكر أنّه وقع عند ذلك حاجز ذو باب باطنه يلي عالم القدس والرحمة والنعمة، وظاهره يلي عالم الظلمة والغضب والنقمة. ثم أشار إلى نداء أهل الجحيم لأهل النعيم، وسؤالهم إياهم بسبب علوّ مرتبتهم وانحطاط مرتبة مرتبتهم مع الاتفاق بينهم في ظواهر الأعمال البدنية، والتساوي في مزاولة العلوم الدينيّة، وبطلان ترجيح أحد المتساويين على الآخر بلا مرجح، فحكى الجواب لهذه الشبهة الواهية التي هي أوهن من بيت العنكبوت من قِبل البارعين في العلم من أفاضل المؤمنين: إن ملاك التقرب إلى الله تعالى، والصعود إلى معارج القدس، إنما هو بالإخلاص في النيّات، والسير المعنوي في الملكوت، والتفكر في بدائع الفطرة مع صدق الطويّات، وأنتم سلكتم مسالك الأمانيّ والشهوات، والاغترار بالدنيا واللذّات، بتسلط الغارّ المغوي عليكم، وإراءة الشيطان لكم الباطل في صورة الحق، حتى ترسخت فيكم ذمائم الصفات، وتراكمت في قلوبكم ريون المعاصي والشهوات. فلن ينفعكم اليوم إذ ظلمتم، ولا يسمع منكم معذرة، ولا يؤخذ منكم فدية ولا من الكفار، النار مأواكم، والجحيم مولاكم، إذ كل شيء يصير إلى أصله، وكل مريض يداوى بعقاقير بلده، ومأواكم بئس المأوى (وموليكم بئس المولى - ن)، ومصيركم بئس المصير. ثم لما ذكر حسن أحوال المخلَصين، ووخامة عاقبة المنافقين لأجل اغترارهم بالدنيا، عاتب المؤمنين المشتغلين باكتساب الدنيا وقلّة التشوق إلى دار الآخرة، حيث تطرقت فيهم قساوة القلوب لتطاول الأمد، كما في بني إسرائيل، ونهاهم عن مماثلة أهل الكتاب في قسوة القلب. ثم تداركهم باللطف بعد هذا التوبيخ بأن قلوبكم وان قست وقصرت عمّا كان في سابق الإسلام، وماتت بنسيان المعرفة وقلّة تلاوة الآيات والذِكّر الحكيم، لكن الله يحييها بنور المعرفة والتلاوة والذكر، لبقاء قابليتها بثبوت أصل الإيمان فيها، كما يحيى الأرض بعد يبسها، لبقاء جوهرها، وان عدمت عنها الطراوة التي هي بمنزلة تذكر الآيات في الإنسان. والقلوب التي لم يبق فيها أصل الاعتقاد، بمنزلة الأرض التي فسدت ذاتها وأرضيّتها، وانقلبت سبخة أو رماداً أو ملحاً، لا يمكن إحياؤها بأنوار المعارف الحقّة، ومياه الأعمال الصالحة، كما لا تنصلح المملحة للعشب بأضواء الشمس ومياه المطر. ثم رجع إلى الترغيب والحث للإنسان على اكتساب العلم والعمل، بحكاية حال العاملين والعالمين، بذكر الوعد للذين تصدّقوا واقرضوا الله قرضاً حسناً، - بتضعيف جزائهم وكرامة أجرهم -، وبذكر الفضيلة للمؤمنين بالله ورسله إيماناً حقيقياً، بأنهم هم الصدّيقون والشهداء عند ربهم، والوعد لهم بأجر ونور مخصوصين بهم لمزيد شرفهم ومنزلتهم عند الله، لمكان المعرفة اليقينية والعمل المنبعث عن محض المعرفة، والإخلاص الذي لا يوجد مثله في غيرهم، أما الأجر ففي مقابلة أعمالهم الخالصة، وأما النور فمن لوازم معرفتهم المحضة بلا شوب غرض ورياء في الأول، ولا تطرّق شبهة وريب في الثاني. ثم ذكر لتوضيح هذه المنزلة في الاعتقاد والعمل وشرافته، بذكر ضدها فيهما، وهو الكفر الذي هو أفسد مراتب الجهل - بازاء فضيلة المعرفة بالله -، والتكذيب بآيات الله الذي هو أقبح القبائح العملية - بازاء فضيلة العمل الصالح -، وذلك لأن الأشياء تُعرف بأضدادها. وأخبر بأنهم أصحاب الجحيم بحسب غريزتهم الأصلية، كما أنهم من أهل هذه الدنيا بحسب طبيعتهم الفطرية، إذ الجحيم من سنخ هذه الدار الفانية الهالكة الباطلة، ولهذا وقع الاشتراك بينهما في الخصائص والأحوال. أما ترى أن شأن كل منهما الإحالة والتحليل، ودأبهما الإماتة والتبديل، أشخاصهما أبداً في الذوبان والانتقال، وأجسامهما دائماً في الحركة والارتحال، حال الساكنين في الدينا نظير ما حكى الله عن حال سكّان الجحيم بقوله: {أية : كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا لِيَذُوقُواْ ٱلْعَذَابَ} تفسير : [النساء:56]. فاشتركوا في الاستحالة والذوبان، وكذا حال أهل الدنيا في تضاد عناصرهم في الكيفيات المحسوسة، وتباغض نفوسهم في الأغراض الخسيسة النفسانية، والدواعي القبيحة الدنيّة، وتخالف مذاهبهم الناشئة عن المخاصمة والعناد، والمناقشة في الحسد واللداد، كحال أصحاب الجحيم فيما ذكره سبحانه بقوله: {أية : كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَّعَنَتْ أُخْتَهَا} تفسير : [الأعراف:38]. وبقوله: {أية : إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ ٱلنَّارِ} تفسير : [ص:64]. إلى غير ذلك من الخصائص الجامعة للدنيا والجحيم، والصفات المشتركة بينهما، التي تدل على أن الدنيا بعينها صورة الجحيم، والجحيم بعينها حقيقة الدنيا. وعلى هذا الرأي شواهد عقليّة، ومؤيدات نقليّة، وإشارات قرآنيّة، ورموزات نبويّة، ونصوص الهاميّة، وبراهين حدسيّة، يستيقنها من يعرفها، ويستنكرها من ينكرها. وإذ قد ثبتت جهة الاتحاد بين الجحيم والدنيا، وان أصحاب الجحيم هم بأعيانهم من أصحاب الدنيا أشار سبحانه إلى بيان ماهية الدنيا ليعلم كيفية استتباعها للنار، واستلزام التلذذ بشهواتها للتعذب بعقوبات الجحيم، فأمر بمعرفة ماهيّتها وخصائصها، وحقيقة زهراتها ولذاتها، بكونها لعب ولهو، وما ينبعث منها كالتفاخر في الأمور الخسيسة والتكاثر فيها، وهي أمور باطلة وهمية لا حقيقة لها، كما لا حقيقة للنار إلاَّ كونها قطّاعة نزّاعة مفرّقة للاتصال، معدمة للكون والحياة، وجميع ما ذكرناه أمور عَدَمية لا حقيقة لها. وهذأ الإشراق والنورية، والتلوّن الذي يتراءى من هذه النار الدنيوية ليست داخلة في حقيقة ناريّتها، لأنها ليست ناراً صرفة، بل نار مخلوطة بنور، ولها مرتبة في الكون والتحصّل، وأما النار الصرفة الأخروية فهي ليست إلاَّ إهلاكاً وإيلاماً، ولذلك قيل: "هذه النار الدنيوية غسلت بسبعين ماء عند مراتب تنزّلها إلى هذه الدنيا"، ليمكن الانتفاع بها رحمة من الله تعالى، والنار الأخروية مخلوقة من عين غضبه تعالى على من يستحقه. ثم ذكر مثالاً مناسباً لدثورها وزوالها، ثم أشار إلى أن المتوغلين فيها، المطمئنين إليها مآلهم إلى الجحيم، حيث عقّب ذكر التمثيل في فنائها وفسادها واعجاب الكفار بزينتها بقوله: {أية : وَفِي ٱلآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ}تفسير : [الحديد:20]، ولما كان من عادة القرآن أن لا يتجرد ذكر الغضب والعذاب فيه عن ذكر الرحمة والمغفرة، عطف عليه قوله: {أية : وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ ٱللَّهِ وَرِضْوَانٌ} تفسير : [الحديد:20]. ثم رجع إلى تأكيد ذم الحياة الدنيا بأنها متاع الغرور. ثم أكّد في بيان الاجتناب عن الدنيا بأن أمر بالمسارعة في التباعد عنها للوصول إلى المغفرة والجنّة، كمسارعة السابقين في المضمار، وذكر تشويقاً للعباد في هذه المسارعة بوصف عظمة الجنّة وسعة ملكها بما يتصور من البسطة والسعة، وأنها معدّة للعارفين بالله ورسله، وأنها من مراتب فضل الله ودرجات تجلّيه على الأفعال والآثار وتطوره بالأطوار، وذكر أنه ذو الفضل العظيم، فإن جميع العوالم والنشآت من فضائل ذاته المتعالية عن الشَبَه والنظير، ومن رشحات فيضه المتعالي عن القصور والتقتير، وهذه الفضائل الأفعالية زائدة على شؤونات ذاته وتجلّيات وجهه في غيب غيوبه التي لا يحيط بها العدّ والإحصاء، ولا يمكن لها النعت والثناء. ولهذا ذكر عقيبه بأن كل ما يوجد في هذا العالم، سواء كانت أموراً خارجية أو ذهنية، آفاقية أو أنفسية، فهي مما كانت قبل خلقها في كتاب من علمه تعالى الذي هو من مراتب شؤونه الصفاتية تفصيلاً، أو الذاتية إجمالاً. وذكر أن من نتائج هذ المعرفة عدم الأسىٰ على الفائت ونفي الفرح عن الآتي. ومن نتائج الجهل بها الخيلاء والفخر المبغوضان له تعالى المنهيّات بنهيه. وينبعث عنهما كثير من الصفات الذميمة والأخلاق الردية، كالبخل وحمل الناس عليه، وجميع ذلك مما يورث البعد عن الحق، والتولي عنه إلى الأمور الباطلة، ويضر في معاد الشخص من غير نقصان في سلطانه تعالى وملكه، ولذلك عقّب ذلك بقوله: ومن يتولّ فإن الله غني - في ذاته - حميد - في صفاته. وحيث يمكن أن يختلج لأحد في قلبه أن صفة الغناء المطلق تنافي طلب الصدقات والطاعات وسائر حقوق الله على العباد بألسنة الرسل والكتب، أشار إلى دفع هذا التوهم، بأن الغاية في ارسال الرسل بالمعجزات وإنزال الكتب، وقانون العدالة في الأفعال والصفات، ليس إلاَّ استقامة الناس واصلاح نفوسهم بمَلَكة العدالة، وحصول المعاملة بينهم بالقسط والإنصاف، من غير تعد وجَوْر، وتفريط ونقص لتدوم معيشتهم الدنيوية وصولاً إلى سعادتهم الأخروية. وكما انه ليس المقصود في خلق أسباب الهداية من الرسل والكتب والقوانين إلاَّ تبقية الناس بحسب الدارين، لا منفعة تعود إلى ذاته - تعالى عن ذلك علوّاً كبيراً - كذلك في خلق الأسباب الجسمانيّة من أدوات الحروب وغيرها ليس المقصود منه إلاَّ منفعة العباد لا غيرها، ولذلك عقّب ذكر المقصود من الأولى بذكر المقصود من إنزال ما هو من قبيل الثانية، وذكر أن في إنزال الحديد وخلق آلات الحروب وآلات الصنائع، ليس الداعي فيه إلاَّ ما يرجع إلى الخلائق، إذ الفائدة فيه بأس شديد ومنافع للناس، ولأن في استعمال الأسلحة المتخذة منه تبيّن رتبة حال المجاهدين في سبيل الله، والناصرين له ولرسله حين الغيبة عنهم، لا لحاجته - تعالى عن ذلك - إلى الناصر له في إهلاك أعدائه، لأن الله إذا أراد إهلاكهم، قوي على ذلك، عزيز لا نقص في قدرته ولا قصور في عزته. وللإشعار بأن المقصود من إيجاد الممكنات وهدايتهم طريق الحق بارسال الرسل ونصب الأدلة والآيات، ليس غرضاً يعود إلى ذاته، بل إنما هو مجرد عناية بالقياس إليهم، وفيض رحمة عليهم على سبيل الرشح، ونظم للأمور وترتيب للأسباب وصولاً إلى المسببات، مترتبة عليها الغايات الجزئية، ومصالح للعباد، من غير التفات من جنابه العالي إلى السافل، أخبر سبحانه أنه قد خلق الأنبياء وأرسلهم وذريّتهم إلى الخلق، مع تأييده إياهم بجنود لم تروها من الملائكة، وتنويره قلوبهم بالوحي والكتاب، والحال أنهم مع ذلك لم يقع الاهتداء بهم إلاَّ من بعض الناس دون بعض، وكثير منهم فاسقون. ولو كان له تعالى ارادة جزافيّة، وأغراض جزئيّة، ومقاصد سفليّة - كما يتصوره العامة -، لم يتصور ذلك، ولما كان أولياء الله وأحباؤه ممتحنين بيد الأعادي، مقهورين بقهر الكَفَرة الفَجَرة، ممنوعين عن ارشاد الخلق معوقين عن هدايتهم مدة مديدة بسبب كيد المنافقين وافساد الظلمة. ثم أكّد هذا المعنى بالإخبار عن اتّصال سلسلة الرسل والمصطفَين الأخيار على ما هو مقتضى حكمته البالغة، من عدم تخلية العالم عمن يوحّده، ويمجّده ويعظّمه، ويعرّفه، ويصفه بصفات العظمة والجمال، ويثني عليه بنعوت الكبرياء والجلال من الأنبياء والأولياء والعرفاء، ثم الأمثل فالأمثل، إلى أن بلغت نوبة الإجادة والإفضال إلى الأداني والأرذال، من غير تعلّق قصد بوجود هذا القسم إلاَّ على سبيل الاستجرار والاستتباع، كما ان الصانع الحاذق والنجّار المحدق إذا تمت صنعته في موضوع معيّن لها كالخشب مثلاً للسرير أو الباب، وبقي من الموضوع شيء، لا يضيع حق قابليّة هذه الفضالة، بل يصنع منه ما هو أدون منزلة من الأول، وهكذا، كالوتد والخلال، إلى أن يبقى شيء من الموضوع الجسماني، فهكذا الباري تعالى - وهو أشرف الصانعين -، يقع من صنعة وجوده الأشرف فالأشرف إلى الأخس فالأخسّ، حتى ينتهي إلى وجود الأشرار والفَسَقة والكَفَرة، فكان الغرض المقدم في إيجاد المكونات (الممكنات - ن) خلقه أشراف نوع الإنسان، فخلق من فضالته سائر الأكوان، لئلا يفوت كل ذي حق حقّه، ولا يضيع عن القابل مستحقّه، كل ذلك على سبيل الحكمة والعناية الخاليتين عن النقص والشَّين. وذكر أنه عقّب الرسل بالرسل، وقفّى بعضهم على أثر بعض، مؤيداً بالآيات من لدن نوح وابراهيم إلى عيسى بن مريم (عليه السلام)، وكان في كل أمّة الغلبة للفساق والنجاة للمهتدين - وهم الأقلّون عدداً من المتوسطين والهالكين -، وكذا في أمّة عيسى (عليه السلام) كان بعضهم ممن آمنوا به واتبعوه، وكان في قلوبهم رأفة ورحمة فأُتوا أجرهم، وكثير منهم فاسقون. ولما أخبر تعالى عن ارسال الأنبياء متّصلين إلى عيسى، وذكر حال قومهم وقومه الغابرين، شرع في ذكر نبينا (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وحال قوّته الظاهر الحاضر، مخاطباً إياهم، آمراً لهم بالتقوى والإيمان، واعداً لهم كِفْلين من رحمته ونصيبَيْن من فضله وجوده، لشرافتهم وفضيلتهم على سائر الأمم، لقوله: {أية : كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ}تفسير : [آل عمران:110]. جاعلاً لهم نوراً يمشون به يوم القيامة - وهو نور المعرفة - جزاء إيمانهم بالرسول، وجزاء تقواهم المغفرة لذنوبهم السابقة، لأن العلم شرف وتحلية، والعمل نجاة وتخلية. وهذه المراتب السنيّة لهم فوق سائر الأمم، لأجل استحقاقهم الذاتي، وصفاء قرائحهم الفطرية، فإن الناس معادن كمعادن الذهب والفضة، بعضهم أصفى وبعضهم أكدر، ولهذا أشار سبحانه تنبيهاً على تفاوت طبقات الخلق في الكمال بحسب الجواهر والاستعدادات بقوله: {لِّئَلاَّ يَعْلَمَ أَهْلُ ٱلْكِتَابِ أَلاَّ يَقْدِرُونَ عَلَىٰ شَيْءٍ}، لخسّة جوهرهم ونقصان قابليّتهم، والفاعل الفيّاض وان كان متشابهاً في فيضه وجوده، كما أشار بقوله: {وَأَنَّ ٱلْفَضْلَ بِيَدِ ٱللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ وَٱللَّهُ ذُو ٱلْفَضْلِ ٱلْعَظِيمِ}، لكن تختلف آثاره باختلاف القابليات: {أية : يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً} تفسير : [البقرة:26]. أما ترى أن الماء حقيقة واحدة متشابهة لكن تختلف آثاره حسب اختلاف الأراضي كما في قوله تعالى: {أية : هُوَ ٱلَّذِي أَنْزَلَ مِنَ ٱلسَّمَاءِ مَآءً لَّكُم مَّنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ * يُنبِتُ لَكُمْ بِهِ ٱلزَّرْعَ وَٱلزَّيْتُونَ وَٱلنَّخِيلَ وَٱلأَعْنَابَ وَمِن كُلِّ ٱلثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} تفسير : [النحل:10 - 11]. والشمس ذات واحدة وفعلها الخاص بها الإضاءَة والإشراق، ومع ذلك يكون لفعلها الوحداني أثران متضادان كتبييض ثوب القصّار وتسويد وجهه. فهذا ما خطر ببالي المنكسر، وحضر في ذهني الفاتر والقاصر، من النكات المتعلقة بهذه الكريمة، مع تضيّق المجال وتعسر الحال وفشوّ داء الجهل والوبال في الأطراف والأكناف، وترفّع حال الجهلة والأرذال، وتصدّرهم على الأخيار والأشراف، وخلو البقاع والبلاد عمن يعرف قدر المعارف والأسرار، الفائضة على قلوب العباد من خبايا علوم المبدأ والمعاد، والى الله المشتكى من زمان شاع فيه الجهل والعناد (والفساد)، وكثر فيه الحسد واللّداد، وانسد طريق المعرفة والسداد، واستكبر الناس عن تعلم الحق بحسب ما حصّلوه بالوسواس، وسمّوه علم المذهب لتوصلهم به إلى مراجعة الخلائق إليهم والاستيناس. وله الشكر فيما أخرجنا الله به عن مضائق ظلمات الأبحاث الجدلية والكلامية، إلى أفضية الأنوار الإلهية القرآنية، ولرسوله الهادي إلى طريق التوحيد بأسرار كلماته ورموز آياته - محمد وآله - الصلاة والدعاء، كفى ارشادهم للخلق وافضالهم، وجزاء هدايتهم للناس وإكمالهم أولاً وآخراً.
الجنابذي
تفسير : {لِّئَلاَّ يَعْلَمَ أَهْلُ ٱلْكِتَابِ} لا زائدة والمعنى على ما ذكر فى نزول الآية ليعلم اهل الكتاب اى اليهود والنّصارى {أَلاَّ يَقْدِرُونَ عَلَىٰ شَيْءٍ مِّن فَضْلِ ٱللَّهِ} قيل فى نزوله: انّ رسول الله (ص) بعث جعفراً فى سبعين راكباً الى النّجاشىّ يدعوه فقدم عليه ودعاه فاستجاب له وآمن به، فلمّا كان عند انصرافه قال ناس ممّن آمن به من اهل مملكته وهم اربعون رجلاً: ائذن لنا فنأتى هذا النّبى فنسلّم به فقدموا مع جعفرٍ فلمّا رأوا ما بالمسلمين من الخصاصة استأذنوا رسول الله (ص) وقالوا: يا نبىّ الله انّ لنا اموالاً ونحن نرى ما بالمسلمين من الخصاصة فان اذنت لنا انصرفنا فجئنا باموالنا فواسينا المسلمين بها، فأذن لهم فانصرفوا فأتوا باموالهم فواسوا بها المسلمين فانزل الله فيهم: {أية : ٱلَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ ٱلْكِتَابَ مِن قَبْلِهِ هُم بِهِ يُؤْمِنُونَ} تفسير : [القصص:52] (الى قوله) {أية : وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ} تفسير : [القصص:54] فلمّا سمع اهل الكتاب ممّن لم يؤمن به قوله {أية : أُوْلَـٰئِكَ يُؤْتُونَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُواْ} تفسير : [القصص:54] فخروا على المسلمين فقالوا: يا معاشر المسلمين امّا من آمن منّا بكتابكم وكتابنا فله اجران، ومن آمن منّا بكتابنا فله اجر كاجوركم فما فضلكم علينا؟ - فنزل قوله تعالى:{يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَآمِنُواْ بِرَسُولِهِ} (الآية) فجعل لهم اجرين وزادهم النّور والمغفرة يعنى جعلنا لمن آمن بمحمّدٍ (ص) واتّقى اجرين، ليعلم اهل الكتاب انّهم لا يقدرون على شيءٍ من فضل الله {وَأَنَّ ٱلْفَضْلَ بِيَدِ ٱللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ وَٱللَّهُ ذُو ٱلْفَضْلِ ٱلْعَظِيمِ} ولكن نقول على ما ذكر من الفرق بين الاسلام والايمان والملّة والدّين وانّ المراد بقوله: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} يا ايّها الّذين اسلموا بقبول الدّعوة الظّاهرة والبيعة العامّة وانّ قوله آمنوا امر بالايمان الحقيقىّ وقبول الدّعوة الباطنة بالبيعة الخاصّة الولويّة يجوز ان يراد باهل الكتاب اهل الملّة سواء كان بنحو النّحلة او بقبول الرّسالة بالبيعة العامّة وسواء كانوا اهل ملّة محمّدٍ (ص) او اهل سائر الملل وان لا يكون لا فى قوله لئلاّ يعلم اهل الكتاب زائدة، ويكون تعليلاً للقول المستفاد من قوله: {آمِنُواْ بِرَسُولِهِ} بالبيعة الخاصّة يعنى قلنا آمنوا برسوله بقبول الدّعوة الباطنة لانّ القانعين بالبيعة الاسلاميّة الّذين كانوا اهل كتاب الرّسالة لا يعلمون انّهم لا يقدرون على شيءٍ من فضل الله بل يظنّون انّهم قادرون على فضل الله الظّاهر من اموال الدّنيا وفضل الله الباطن من درجات الايمان ومقامات الرّسالة والنّبوّة والولاية كما كنّا نسمع من بعضٍ يقول: اذا خلونا اربعين يحصل لنا كثير من المراتب الغيبيّة، واذا آمنتم بالرّسول (ص) بالبيعة الخاصّة الولويّة وقبلتم الولاية ظهر لكم قصوركم وانّكم لا تقدرون على شيءٍ من فضل الله وبذلك تتدرّجون فى نقصان الانانيّة الّتى هى اعظم المعاصى فى الطّريق، واذا لم تعلموا ذلك تتدرّجون فى ازدياد الانانيّة.
اطفيش
تفسير : {لِّئَلا يَعْلَمَ} بحذف الهمزة وادغام النون في اللام وبقلب الهمزة ياء ونحن نقرأها بالتسهيل قرىء لئلا بفتح اللام الاولى على الاصل في ما كان على حرف وهي قراءة الحسن لا زائدة للتوكيد أي ليعلم {أَهْلُ الكِتَابِ} وقرأ ابن عباس والجذري: ليعلم وروى ابراهيم التميمي عن ابن عباس: كي يعلم وروي عن حطان الرقاشي: لان يعلم وقرىء لان يعلم بادغام النون في الياء وقرىء ليعلم بقلب الهمزة ياء وادغام النون في الباء وقرىء لكي يعلم وهذه القراءات دلائل على زيادة لا واللام متعلقة بمحذوف أي اعلمكم بذلك ليعلم أهل الكتاب الذين لم يؤمنوا. {أَلا} مخففة {يَقْدِرُونَ عَلَى شَىْءٍ مِّن فَضْلِ اللهِ} من الكلفين والنور والمغفرة لانهم لم يؤمنوا برسول الله فلم ينفعهم ايمانهم عن قبله أو لايتمكنون من نيل شيء منه فضلا عن ان يتصرفوا في اعظمه وهو النبوة فيخصونها بمن ارادوا ويدل له قوله {وَأَنَّ الفَضْلَ بِيَدِ اللهِ} في حكمه {يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ} كمحمد {وَاللهُ ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ} وقرىء ان لا يقدروا بالنصب وقيل لا غير زائدة أي لئلا يعتقد أهل الكتاب انه لا يقدر النبي والمؤمنون على شيء من فضل الله فيكون قوله وان الفضل عطفاً على ان لا يعلم. وروي انه لما نزل الوعد المذكور للمؤمنين حسدهم أهل الكتاب وكانوا يعظمون انفسهم ودينهم ويزعمون انهم احباء الله وأهل رضوانه فنزل لئلا يعلم أهل...الخ وروي انه صلى الله عليه وسلم بعث جعفر رضي الله عنه في سبعين راكبا إلى النجاشي يدعونه فقدم جعفر عليه فدعاه فاستجاب له فقال ناس ممن آمن من أهل الكتاب وهم أربعون رجلا أيأذن لنا في الوفادة على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأذن لهم فقدموا مع جعفر وقد تهيأ لوقعة أحد فلما رأوا ما بالمسلمين من خصاصة استأذنوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فرجعوا وقدموا بأموال لهم فواسوا بها المسلمين فأنزل الله {الذين آتيانهم الكتاب} إلى {ينفقون} فلما سمع من لم يؤمن من أهل الكتاب قوله {أية : يؤتون أجرهم مرتين}تفسير : فخروا على المسلمين وقالوا: أما من آمن بكتابكم وكتابنا فله أجره مرتين وأما من لم يؤمن بكتابكم فله أجر كأجركم فما فضلكم علينا فشق ذلك على المسلمين فنزل لئلا يعلم إلى الخ وعن بعض يحتمل أن يكون الأجر الواحد أكثر من الأجرين. ولا حاجة إلى هذا لان من آمن بنبينا فهو من امته فله اجر عمله قبل واجر عمله بعد فلا يستوي بغيره إلا من عمر كعمره وعمل كعمله ومن لم يؤمن فجزاؤه جهنم ولو عبد عبادة الملائكة وقيل: قالت اليهود: يوشك أن يخرج منا نبي يقطع الايدي والارجل ولما خرج من العرب كفروا به فنزل لئلا يعلم الخ وبعد فقد ظهر أن عمل المؤمنين من أهل الكتاب قيل ان يؤمنوا بنبينا ناقص ففي الحديث رواه نافع "حديث : إنما مثلكم ومثل اليهود والنصارى قبلكم كرجل استأجر عمالا فقال: من يعمل لي الى نصف النهار إلى قيراط فعملت اليهود على ذلك وقال: من يعمل لي من نصف النهار الى العصر على قيراط فعملت النصارى على ذلك وقال: من يعمل لي من العصر الى المغرب على قيراطين إلا وأنتم أصحاب القيراطين الا فلكم الأجر مرتين" فغضب اليهود والنصارى فقالوا نحن أكثر عملا وأقل أجرا قال: فهل ظلمتم من حقكم شيئا قالوا: لا قال: فهو فضلي أوتيه من أشاء . تفسير : ولليهود ست ساعات وللنصارى اربع ولأمة محمد صلى الله عليه وسلم ساعتان فذلك اثنتا عشرة ساعة في النهار وعن نافع عن ابن عمر عنه صلى الله عليه وسلم "حديث : إنما آجالكم في آجال من مضى قبلكم كما بين صلاة العصر إلى ان تغيب الشمس"تفسير : وقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : إِنما بقي من زمانكم فيما مضى كما بقي من يومكم فيما مضى منه وقد كانت الشمس على سعف النخل وشرف المسجد"تفسير : قال ابن عمر: حديث : وقفت عشية عرفة مع النبي صلى الله عليه وسلم حتى إذا تدلك الشمس للغروب واصفرت فقال: "انما بقي من الدنيا فيما مضى كما بقي من الشمس في يومنا"تفسير : وفي رواية الحديث السابق انه قاله على المنبر وان اليهود استؤجروا للعمل فخدموا الى نصف النهار فعجزوا فاعطوا قيراطا وعمل النصارى من النصف للعصر فعجزوا فاعطوا قيراطا وعملنا الى الغروب من العصر فاعطينا قيراطين...الخ. وعن ابي موسى عنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : مثل المسلمين واليهود والنصارى كمثل رجل استأجر قوما يعملون له الى الليل فعملوا الى نصف النهار فقالوا لا حاجة لنا الى اجرك الذي شرطت لنا وما عملنا باطل فقال لهم اعملوا بقية يومكم وخذوا اجركم كاملا فابوا وتركوا واستأجروا آخرين بعدهم فقالوا لهم: اعملوا بقية يومكم ولكم الذي شرطنا لهم من الاجر فعملوا الى صلاة العصر فقالوا: ما عملنا باطل ولكم الأجر الذي جعلتم لنا فقالوا أكملوا بقية يومكم فإنما بقي من النهار شيء يسير فأبوا فاستأجروا قوما بقية اليوم واستكملوا أجر الفريقين ". تفسير : اللهم بحق هذه السورة ونبيك محمد صلى الله عليه وسلم اخز النصارى واهنهم واكسر شوكتهم وغلب المسلمين والموحدين عليهم صلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.
اطفيش
تفسير : {لِئَلاَّ يَعْلَمَ أهْلُ الْكِتَابِ أَلاَّ يَقْدِرُونَ عَلَى شَىْءٍ مِّن فَضْلِ اللهِ} متعلق بمحذوف، أى فعل ذلك لئلا يعلم أهل الكتاب أو أنزل ذلك لئلا يعلم.. إِلخ. أو علم الناس بذلك لئلا يعلم، وادعى بعض أنه متعلق بيؤت أو بيجعل أو بيغفر ويقدر الآخرين، وأنه يجوز التنازع فيضمر للمهمل ضمير المصدر، ولا نافية أى لينتفى علمهم بقدرتهم على أن ينالوا فضل الله بأَن يؤمنوا ويعملوا الصالحات وواو يقدرون لأَهل الكتاب ويجوز أن يكون للنبى صلى الله عليه وسلم والمؤمنين، أى لئلا يعتقد أهل الكتاب أن محمداً والمؤمنين لا ينالون شيئاً من فضل الله تعالى، وقد نالوا سعادة الدارين، أو أن النبى والمؤمنين لا يقدرون.. إِلخ على أن علمهم بعدم قدرتهم على نيل الفضل كناية عن علمهم بقدرتهم على نيل الفضل وعلى هذا يكون أن الفضل معطوفاً على ألا يعلم داخلا معه فى التعليل، وشهر أن لا زائدة كما فى قوله تعالى: {أية : ما منعك ألا تسجد} تفسير : [الأعراف: 12]، ومر كلام فيه وذلك لظهور المراد، ويدل للزيادة أيضاً قراءة ابن عباس رضى الله عنهما كى يعلم، وقراءة سعيد بن جبير لكى يعلم، وأن مخففة واسم أن ضمير أهل الكتاب، أى أنهم لا يقدرون أو ضمير الشأَن أى أنه والمعنى على الزيادة ليعلم أهل الكتاب بأَنهم لا ينالون شيئا من فضل الله تعالى ما لم يؤمنوا بمحمد - صلى الله عليه وسلم - ويتبعوا شريعته. {وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللهِ} عطف على أن لا يقدرون {يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ} ايتاؤه خبر ثان أو مستأنف، ويجوز أن يكون خبراً، وبيد الله حالا لأن الفضل حدث، ولأَنه مقيد بتأْكيد أن وبعض أجاز الحال من المبتدأ مطلقا مع أن الحال لا يكون قيداً للعامل الذى هو الابتداء {وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ} لا يعجزه إِجزال العطية. قالت اليهود: يوشك أن يبعث نبى يقطع الأَيدى والأَرجل، فلما خرج من العرب كفروا به، إِذ تفضل به على العرب، وكذا عمل اليهود إِلى نصف النهار وقد استأْجرهم إِلى الليل، وعجزوا وأعطوا قيراطا والنصارى من نصف النهار إِلى العصر، وعجزوا وأعطوا قيراطا وعملت هذه الأُمة من العصر إِلى الغروب، وأعطوا قيراطين وتركوا قراريطهم وقالوا نحن أكثر عملا، وهذه الأُمة أقل عملا فقال الله جل وعلا: هل أنقصتكم أجركم، ذلك فضلى أوتيه من أشاء ولو شئتم لأَتممتم العمل، فيكون لكم قيراطان، وفى رواية استأْجر اليهود من أول مرة إِلى نصف النهار، وذلك تمثيل، والروايتان فى البخارى.
الالوسي
تفسير : وقوله تعالى: {لّئَلاَّ يَعْلَمَ أَهْلُ ٱلْكِتَـٰبِ أَلاَّ يَقْدِرُونَ عَلَىٰ شَىْء مّن فَضْلِ ٱللَّهِ } قيل: متعلق بمضمون الجملة الطلبية المتضمنة لمعنى الشرط إذ التقدير إن تتقوا الله وتؤمنوا برسوله يؤتكم كذا وكذا لئلا الخ، وقيل: متعلق بالأفعال الثلاثة قبله على التنازع، أو بمقدر كفعل ذلك وأعلمهم ونحوه و {لا } مزيدة مثلها في قوله تعالى: { أية : مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ } تفسير : [الأعراف: 12] ويجوز زيادتها مع القرينة كثيراً و {أَن} مخففة من الثقيلة واسمها المحذوف ضمير أهل الكتاب أي أنهم، وقيل: ضمير الشأن وما بعد خبرها والجملة في حيز النصب على أنها مفعول {يَعْلَمَ } أي ليعلم أهل الكتاب القائلون من آمن بكتابكم منا فله أجران ومن لم يؤمن بكتابكم فله أجر كأجوركم أنهم لا ينالون شيئاً من فضل الله من الأجرين وغيرهما ولا يتمكنون من نيله ما لم يؤمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم وحاصله الإعلام بأن إيمانهم بنبيهم لا ينفعهم شيئاً ما لم يؤمنوا بالنبـي عليه الصلاة والسلام فقولهم: من لم يؤمن بكتابكم فله أجر باطل. / وأخرج ابن أبـي حاتم عن مقاتل بن حيان قال: لما نزلت { أية : أُوْلَٰئِكَ يُؤْتُونَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُواْ } تفسير : [القصص: 54] فخر مؤمنو أهل الكتاب على أصحاب النبـي صلى الله عليه وسلم فقالوا: لنا أجران ولكم أجر فاشتد ذلك على أصحابه عليه الصلاة والسلام فأنزل الله تعالى: { أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ } تفسير : [الحديد: 28] الخ فجعل لهم سبحانه أجرين مثل ما لمؤمني أهل الكتاب، وقال الثعلبـي: فأنزل الله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ } الآية فجعل لهم أجرين وزادهم النور ثم قال سبحانه: {لّئَلاَّ يَعْلَمَ } الخ، وحاصله على هذا ليعلموا أنهم ليسوا ملاك فضله عز وجل فيزووه عن المؤمنين ويستبدوا به دونهم. وقوله تعالى: {وَأَنَّ ٱلْفَضْلَ بِيَدِ ٱللَّهِ } عطف على {أَلاَّ يَقْدِرُونَ} داخل معه في حيز العلم، وقوله سبحانه: {يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء } خبر ثان لأن أو هو الخبر وما قبله على ما قيل: حال لازمة أو استئناف، وقوله عز وجل: {وَٱللَّهُ ذُو ٱلْفَضْلِ ٱلْعَظِيمِ } اعتراض تذييلي مقرر لمضمون ما قبله. وذهب بعض إلى أن الخطاب لمن آمن من أهل الكتاب اليهود والنصارى أو لمن يؤمن منهم بعد، فالمعنى يا أيها الذين آمنوا بموسى وعيسى عليهما السلام آمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم أي أثبتوا على الإيمان به أو أحدثوا الإيمان به عليه الصلاة والسلام يؤتكم نصيبين من رحمته نصيباً على إيمانكم بمن آمنتم به أولاً ونصيباً على إيمانكم بمحمد صلى الله عليه وسلم آخراً ليعلم الذين لم يؤمنوا من أهل الكتاب أنهم لا ينالون شيئاً مما يناله المؤمنون منهم ولا يتمكنون من نيله حيث لم يأتوا بشرطه الذي هو الإيمان برسوله صلى الله عليه وسلم، وأيد ذلك بما في «صحيح البخاري» « حديث : من كانت له أمة علمها فأحسن تعليمها وأدبها فأحسن تأديبها وأعتقها وتزوجها فله أجران، وأيما رجل من أهل الكتاب آمن بنبيه وآمن بـي فله أجران، وأيما مملوك أدى حق الله تعالى وحق مواليه فله أجران » تفسير : ولا إشكال في ذلك بالنسبة إلى النصارى، ولذا قيل: الخطاب لهم لأن ملتهم غير منسوخة قيل ظهور الملة المحمدية ومعرفتهم بها فيثابون على العمل بها حتى يجب عليهم الإيمان بالنبـي صلى الله عليه وسلم فإذا آمنوا أثيبوا أيضاً فكان لهم ثوابان، نعم قد يستشكل بالنسبة إلى غيرهم لأن مللهم منسوخة بملة عيسى عليه السلام والمنسوخ لا ثواب في العمل به، ويجاب بأنه لا يبعد أن يثابوا على العمل بملتهم السابقة وإن كانت منسوخة ببركة الإسلام. وأجاب بعضهم أن الإثابة على نفس إيمان ذلك الكتابـي بنبيه وإن كان منسوخ الشريعة فإن الإيمان بكل نبـي فرض سواء كان منسوخ الشريعة أم لا، وقيل: إن {لا } في {لّئَلاَّ يَعْلَمَ } غير مزيدة وضمير (لا يقدرون) للنبـي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين أي فعلنا ما فعلنا لئلا يعتقد أهل الكتاب أن الشأن لا يقدر النبـي صلى الله عليه وسلم والمؤمنون به على شيء من فضل الله تعالى الذي هو عبارة عما أوتوه من سعادة الدارين ولا ينالونه، أو أنهم أي النبـي عليه الصلاة والسلام والمؤمنون لا يقدرون الخ، على أن عدم علمهم بعدم قدرتهم على ذلك كناية عن علمهم بقدرتهم عليه فيكون قوله سبحانه: {وَأَنَّ ٱلْفَضْلَ } الخ معطوفاً على ـ أن لا يعلم ـ داخلاً معه في حيز التعليل دون أن لا يقدر فكأنه قيل: فعلنا لئلا يعتقدوا كذا ولأن الفضل بيد الله فيكون من عطف الغاية على الغاية بناءاً على المشهور ولتكلف هذا القيل مع مخالفته لبعض القراءات لم يذهب إليه معظم المفسرين. وقرأ خطاب بن عبد الله ـ لأن لا يعلم ـ بالإظهار، وعبد الله بن مسعود وابن عباس وعكرمة والجحدري وعبد الله بن سلمة على اختلاف (ليعلم)، وقرأ الجحدري أيضاً ـ ولييعلم ـ على أن أصله لئن يعلم فقلبت الهمزة ياءاً / لكسرة ما قبلها وأدغمت النون في الياء بغير غنة، وروى ابن مجاهد عن الحسن ـ ليلا ـ مثل ليلى اسم المرأة {يعلم } بالرفع، ووجه بأن أصله ـ لأن لا ـ بفتح لام الجر وهي لغة وعليه قوله: شعر : أريد لأنسى ذكرها فكأنما تمثل لي ليلى بكل سبيل تفسير : فحذفت الهمزة اعتباطاً وأدغمت النون في اللام فصار ـ للا ـ فاجتمعت الأمثال وثقل النطق بها فأبدلوا من اللام المدغمة ياءاً نظير ما فعلوا في قيراط ودينار حيث إن الأصل قراط ودنار فأبدلوا أحد المثلين فيهما ياءاً للتخفيف فصار ـ ليلا ـ ورفع الفعل لأن أن هي المخففة من الثقيلة لا الناصبة للمضارع، وروى قطرب عن الحسن أيضاً ـ ليلاً ـ بكسر اللام ووجهه كالذي قبله إلا أن كسر اللام على اللغة الشهيرة في لام الجر؛ وعن ابن عباس (كي يعلم)، وعنه أيضاً (لكيلا يعلم)، وعن عبد الله وابن جبير وعكرمة (لكي يعلم). وقرأ عبد الله (أن لا يقدروا) بحذف النون على أن إن هي الناصبة للمضارع، والله تعالى أعلم. ومما ذكره المتصوفة قدست أسرارهم في بعض آياتها: { أية : هُوَ ٱلأَوَّلُ وَٱلأَخِرُ وَٱلظَّـٰهِرُ وَٱلْبَـٰطِنُ } تفسير : [الحديد: 3] قالوا: هو إشارة إلى وحدانية ذاته سبحانه المحيطة بالكل، وقالوا في قوله تعالى: { أية : وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ } تفسير : [الحديد: 4] إشارة إلى أنهم لا وجود لهم في جميع مراتبهم بدون وجوده عز وجل، وقوله تعالى: { أية : يُولِجُ ٱلَّيْلَ فِى ٱلنَّهَارِ وَيُولِجُ ٱلنَّهَارَ فِى ٱلَّيْلِ } تفسير : [الحديد: 6] إشارة إلى ظهور تجلي الجلال في تجلي الجمال وبالعكس { أية : وَأَنفِقُواْ مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ } تفسير : [الحديد: 7] إشارة للمشايخ الكاملين إلى تربية المريدين بإفاضة ما يقوي استعدادهم مما جعلهم الله تعالى متمكنين فيه من الأحوال والملكات. وقال سبحانه: { أية : ٱعْلَمُواْ أَنَّ ٱللَّهَ يُحْىِ ٱلأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا } تفسير : [الحديد: 17] لئلا يقنط القاسي من رحمته تعالى ويترك الاشتغال بمداواة القلب الميت { أية : فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا } تفسير : [الحديد: 27] أوردها الصوفية في باب الرعاية وقسموها إلى رعاية الأعمال والأحوال والأوقات ـ ويرجع ما قالوه فيها ـ على ما قيل ـ إلى حفظها عن إيقاع خلل فيها {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَءامِنُواْ بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ } أي نصيبين نصيباً من معارف الصفات الفعلية ونصيباً من معارف الصفات الذاتية {وَيَجْعَل لَّكُمْ نُوراً } من نور ذاته عز وجل وهو على ما قيل: إشارة إلى البقاء بعد الفناء، وقيل: هذا النور إشارة إلى نور الكشف والمشاهدة رتب سبحانه جعله للمؤمن على تقواه وإيمانه برسوله الأعظم صلى الله عليه وسلم، وقيل: هو نور العلم النافع الذي يتمكن معه من السير في الحضرات الإلٰهية كما يشير إليه وصفه بقوله عز وجل: { أية : تَمْشُونَ بِهِ } تفسير : [الحديد: 28]؛ وفي بعض الآثار « حديث : من عمل بما علم علمه الله تعالى علم ما لم يعلم » تفسير : وقال سبحانه: { أية : وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ ٱللَّهُ } تفسير : [البقرة: 282] وكل ذلك في الحقيقة فضل الله تعالى والله عز وجل ذو الفضل العظيم نسأله سبحانه أن لا يحرمنا من فضله العظيم ولطفه العميم وأن يثبتنا على متابعة حبيبه الكريم عليه من الله تعالى أفضل الصلاة وأكمل التسليم.
ابن عاشور
تفسير : اسم {أهل الكتاب} لقب في القرآن لليهود والنصارى الذين لم يتديّنوا بالإِسلام لأن المراد بالكتاب التوراة والإِنجيل إذا أضيف إليه (أهل)، فلا يطلق على المسلمين: أهل الكتاب، وإن كان لهم كتاب، فمن صار مسلماً من اليهود والنصارى لا يوصف بأنه من أهل الكتاب في اصطلاح القرآن، ولذلك لما وصف عبد الله بن سلام في القرآن وصف بقوله: {أية : ومن عنده علم الكتاب}تفسير : [الرعد: 43] وقوله: {أية : وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثله}تفسير : [الأحقاف: 10]، فلما كان المتحدث عنهم آنفاً صاروا مؤمنين بمحمد صلى الله عليه وسلم فقد انسلخ عنهم وصف أهل الكتاب، فبقي الوصف بذلك خاصاً باليهود والنصارى، فلما دعا الله الذين اتبعوا المسيح إلى الإيمان برسوله محمد صلى الله عليه وسلم ووعدهم بمضاعفة ثواب ذلك الإِيمان، أعلمهم أن إيمانهم يُبطل ما ينتحلُه أتباع المسيحية بعد ذلك من الفضل والشرف لأنفسهم بدوامهم على متابعة عيسى عليه السلام فيغالطوا الناس بأنهم إن فاتهم فضل الإِسلام لم يفتهم شيء من الفضل باتباع عيسى مع كونهم لم يغيروا دينهم. وقد أفاد هذا المعنى قوله تعالى: {لئلا يعلم أهل الكتاب ألا يقدرون على شيء من فضل الله}. قال الفخر: قال الواحدي: هذه آية مشكلة وليس للمفسرين كلام واضح في اتصالها بما قبلها اهــــ أي هل هي متصلة بقوله: {أية : يؤتكم كفلين من رحمته}تفسير : [الحديد: 28] الآية، أو متصلة {أية : فآتينا الذين آمنوا منهم أجرهم}تفسير : [الحديد: 27] إلى قوله: {أية : والله غفور رحيم}تفسير : [الحديد: 28]. يريد الواحدي أن اتصال الآية بما قبلها ينبني عليه معنى قوله تعالى: {لئلا يعلم أهل الكتاب ألا يقدرون على شيء من فضل الله}. فاللام في قوله: {لئلا يعلم أهل الكتاب} يحتمل أن تكون تعليلية فيكون ما بعدها معلولاً بما قبلها، وعليه فحرف (لا) يجوز أن يكون زائداً للتأكيد والتقوية. والمعلَّل هو ما يرجع إلى فضل الله لا محالة وذلك ما تضمنه قوله: {يؤتكم كفلين من رحمته ويجعل لكم نوراً تمشون به ويغفر لكم} أو قوله: {أية : فآتينا الذين آمنوا منهم أجرهم} تفسير : [الحديد: 27] إلى {أية : غفور رحيم}تفسير : [الحديد: 28]. وذهب جمهور المفسرين إلى جعل (لا) زائدة. وأن المعنى على الإِثبات، أي لأن يعلم، وهو قول ابن عباس وقرأ {ليعلم}، وقرأ أيضاً {لكي يعلم} (وقراءته تفسير). وهذا قول الفرّاء والأخفش، ودرج عليه الزمخشري في «الكشاف» وابن عطية وابن هشام في «مغني اللبيب»، وهو بناء على أن (لا) قد تقع زائدة وهو ما أثبته الأخفش، ومنه قوله تعالى: {أية : ما منعك إذ رأيتهم ضلوا أن لا تتبعني}تفسير : [طه: 92، 93] وقوله: {أية : ما منعك أن لا تسجد إذ أمرتك}تفسير : [الأعراف: 12] وقوله: {أية : فلا أقسم بمواقع النجوم}تفسير : [الواقعة: 75] ونحو ذلك وقوله: {أية : وحرام على قرية أهلكناها أنهم لا يرجعون}تفسير : [الأنبياء: 95] على أحد تأويلات، وروي أن العرب جعلتها حشواً في قول الشاعر أنشده أبو عمرو بن العلاء:شعر : أَبَى جُودُه لا البخلَ واستعجلت به «نعم» من فتى لا يمنع الجود قائلُه تفسير : في رواية بنصب (البخل)، البخل وأن العرب فسروا البيتَ بمعنى أبَى جودُه البخلَ. والمعنى: على هذا الوجه أن المعلَّل هو تبليغ هذا الخبر إلى أهل الكتاب ليعلموا أن فضل الله أُعطيَ غيرهم فلا يتبجحوا بأنهم على فضل لا ينقص عن فضل غيرهم إذا كان لغيرهم فضل وهو الموافق لتفسير مجاهد وقتادة. وعندي: أنه لا يعطي معنى لأن إخبار القرآن بأن للمسلمين أجرين لا يصدِّق به أهل الكتاب فلا يستقر به علمهم بأنهم لا فضل لهم فكيف يعلل إخبار الله به بأنه يُزيل علم أهل الكتاب بفضل أنفسهم فيعلمون أنهم لا فضل لهم. وذهب أبو مسلم الأصفهاني وتبعه جماعة إلى أن (لا) نافية، وقرره الفخر بأن ضمير {يقدرون} عائد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم والذين آمنوا به (أي على طريق الالتفات من الخطاب إلى الغيبة وأصله أن لا تقدروا) وإذا انتفى علم أهل الكتاب بأن الرسول صلى الله عليه وسلم والمسلمين لا يقدرون على شيء من فضل الله ثبت ضد ذلك في علمهم أي كيف أن الرسول صلى الله عليه وسلم والمسلمين يقدرون على فضل الله، ويكون {يقدرون} مستعاراً لمعنى: ينالون، وأن الفضل بيد الله، فهو الذي فضلهم، ويكون ذلك كناية عن انتفاء الفضل عن أهل الكتاب الذين لم يؤمنوا بالرسول صلى الله عليه وسلم. ويرد على هذا التفسير ما ورد على الذي قبله لأن علم أهل الكتاب لا يحصل بإخبار القرآن لأنهم يكذبون به. وأنا أرى أن دعوى زيادة (لا) لا داعي إليها، وأن بقاءها على أصل معناها وهو النفي متعينّ، وتجعل اللام للعاقبة، أي أعطيناكم هذا الفضل وحرم منه أهل الكتاب، فبقي أهل الكتاب في جهلهم وغرورهم بأن لهم الفضل المستمر ولا يحصل لهم علم بانتفاء أن يكونوا يملكون فضل الله ولا أن الله قد أعطى الفضل قوماً آخرين وحَرمَهَم إيّاه فينسون أن الفضل بيد الله، وليس أحد يستحقه بالذات. وبهذا الغرور استمروا على التمسك بدينهم القديم، ومعلوم أن لام العاقبة أصلها التعليل المجازي كما علمته في تفسير قوله تعالى: {أية : فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدواً وحزناً}تفسير : في سورة [القصص: 8]. وقوله: {أهل الكتاب} يجوز أن يكون صادقاً على اليهود خاصة إن جعل التعليل تعليلاً لمجموع قوله: {أية : فآتينا الذين آمنوا منهم أجرهم}تفسير : [الحديد: 27] وقوله: {أية : يؤتكم كفلين من رحمته}تفسير : [الحديد: 28]. ويجوز أن يكون صادقاً على اليهود والنصارى إن جعل لام التعليل علة لقوله: {يؤتكم كفلين من رحمته}. و (أن) من قوله: {أن لا يقدرون} مخفّفة من (أنَّ) واسمها ضمير شأن محذوف. والمعنى: لا تكترثوا بعدم علم أهل الكتاب بأنهم لا يقدرون على شيء من فضل الله وبأن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء، أي لا تكترثوا بجهلهم المركب في استمرارهم على الاغترار بأن لهم منزلة عند الله تعالى فإن الله عالم بذلك وهو خلقهم فهم لا يقلعون عنه، وهذا مثل قوله تعالى: {أية : ختم الله على قلوبهم}تفسير : في سورة [البقرة: 7]. وجملة {والله ذو الفضل العظيم} تذييل يعمّ الفضلَ الذي آتاه الله أهل الكتاب المؤمنين بمحمد صلى الله عليه وسلم وغيرَه من الفضل.
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {وَأَنَّ ٱلْفَضْلَ بِيَدِ ٱللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ وَٱللَّهُ ذُو ٱلْفَضْلِ ٱلْعَظِيمِ}. ما تضمنته هذه الآية الكريمة من أن الفضل بيد الله وحده وأنه يؤتيه من يشاء جاء موضحاً في آيات كثيرة كقوله تعالى {أية : وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلاَ رَآدَّ لِفَضْلِهِ}تفسير : [يونس: 107]. وقد قدمنا الآيات الموضحة له في أول سورة فاطر في الكلام على قوله تعالى: {أية : مَّا يَفْتَحِ ٱللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلاَ مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلاَ مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ}تفسير : [فاطر: 2].
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات يا أيها الذين آمنوا: أي بعيسى بن مريم وموسى من قبله. اتقوا الله وآمنوا برسوله: أي خافوا عقاب الله وآمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم واتبعوه. يؤتكم كفلين: يعطكم الله نصيبين من الأجر مقابل إيمانكم بنبيكم وبمحمد صلى الله عليه وسلم. ويجعل لكم نوراً تمشون فيه: أي في الدنيا إذ تعيشون على هداية الله وفي الآخرة تمشون به على الصراط. لئلا يعلم أهل الكتاب: أي لكي يعلم أهل الكتاب أنهم لا يقدرون على شيء من فضل الله. واللام في لئلا مزيدة لتقوية الكلام. معنى الآيتين: هذا نداء الله لأهل الكتاب بعد أن ذكر نبذة عن رسلهم وأتباعهم نادى الموجودين منهم بعنوان الإِيمان أي يا من آمنتم بالرسل السابقين حسب ادعائكم اتقوا الله فلا تفرقوا بين رسل الله وآمنوا برسوله محمد صلى الله عليه وسلم يؤتكم أي يعطكم كفلين أي حظين ونصيبين من رحمته ومثوبته ويجعل لكم نوراً تمشون به في الدنيا وهو الهداية الإِسلامية إذ الإِسلام صراط مستقيم صاحبه لا يضل ولا يشقى وتمشون به في الآخرة على الصراط إلى دار السلام الجنة، ويغفر لكم ذنوبكم الماضية والحاضرة والله غفور رحيم. وذلك ليعلم أهل الكتاب من اليهود والنصارى الذين رفضوا الإِيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم والدخول في الإِسلام أنهم لا يقدرون على شيء من فضل الله أي لا يقدرون على الحصول على شيء من فضل الله، وأن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم. هداية الآيتين من هداية الآيتين: 1- أعظم نصيحة تقدم لأهل الكتاب لو أخذوا بها تضمنها نداء الله لهم وما وعدهم به في هذه الآية الكريمة. 2- فضل الإِيمان والتقوى إذ هما سبيل الولاية والكرامة في الدنيا والآخرة. 3- إبطال مزاعم أهل الكتاب في احتكار الجنة لهم، وإعلامهم بأنهم محرمون منها ما لم يؤمنوا برسول الله ويتقوا الله بفعل أوامره واجتناب نواهيه.
د. أسعد حومد
تفسير : {ٱلْكِتَابِ} (29) - وَقَدْ فَعَلَ اللهُ ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَهْلُ الكِتَابِ أَنَّهُمْ لاَ يَنَالُونَ مِنْ فَضْلِ اللهِ مِنَ الأَجْرَينِ شَيئاً، وَلاَ يَتَمَكَّنُونَ مِنْ نَيْلِهِ مَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِمُحَمَّدٍ؛ وَاللهُ وَاسِعُ الفَضْلِ، كَثِيرُ العَطَاءِ، يَمْنَحُ فَضْلَهُ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ، وَلاَ يَخُصُّ قَوْماً دُونَ قَوْمٍ. لِئَلاَّ يَعْلَمَ - لِيَعْلَمَ.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {لِّئَلاَّ يَعْلَمَ} معناه ليعلمَ.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):