Verse. 5105 (AR)

٥٨ - ٱلْمُجَادِلَة

58 - Al-Mujadila (AR)

قَدْسَمِعَ اللہُ قَوْلَ الَّتِيْ تُجَادِلُكَ فِيْ زَوْجِہَا وَ تَشْـتَكِيْۗ اِلَى اؘ۝۰ۤۖ وَاللہُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا۝۰ۭ اِنَّ اللہَ سَمِيْعٌۢ بَصِيْرٌ۝۱
Qad samiAAa Allahu qawla allatee tujadiluka fee zawjiha watashtakee ila Allahi waAllahu yasmaAAu tahawurakuma inna Allaha sameeAAun baseerun

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«قد سمع الله قول التي تجادلك» تراجعك أيها النبي «في زوجها» المظاهر منها وكان قال لها: أنت عليَّ كظهر أمي، وقد سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك فأجابها بأنها حرمت عليه على ما هو المعهود عندهم من أن الظهار موجبه فرقة مؤبدة وهي خولة بنت ثعلبة، وهو أوس بن الصامت «وتشتكي إلى الله» وحدتها وفاقتها وصبية صغارا إن ضمتهم إليه ضاعوا أو إليها جاعوا «والله يسمع تحاوركما» تراجعكما «إن الله سميع بصير» عالم.

1

جزء

٢٨

Tafseer

الرازي

تفسير : روي أن خولة بنت ثعلبة امرأة أوس بن الصامت أخي عبادة بن الصامت رآها زوجها وهي تصلي، وكانت حسنة الجسم، وكان بالرجل لمم، فلما سلمت راودها، فأبت، فغضب، وكان به خفة فظاهر منها، فأتت رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالت: إن أوساً تزوجني وأنا شابة مرغوب فيَّ، فلما خلا سني وكثر ولدي جعلني كأمه، وإن لي صبية صغاراً إن ضممتهم إليه ضاعوا، وإن ضممتهم إليَّ جاعوا، ثم ههنا روايتان: يروي أنه عليه السلام قال لها: «حديث : ما عندي في أمرك شيء» تفسير : وروي أنه عليه السلام قال لها: «حديث : حرمت عليه» تفسير : فقالت: يا رسول الله ما ذكر طلاقاً، وإنما هو أبو ولدي وأحب الناس إليَّ، فقال: «حديث : حرمت عليه» تفسير : فقالت: أشكو إلى الله فاقتي ووجدي، وكلما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : حرمت عليه» تفسير : هتفت وشكت إلى الله، فبينما هي كذلك إذ تربد وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنزلت هذه الآية، ثم إنه عليه الصلاة والسلام أرسل إلى زوجها، وقال: «حديث : ما حملك على ما صنعت؟ تفسير : فقال: الشيطان فهل من رخصة؟ فقال: نعم، وقرأ عليه الأربع آيات، وقال له: حديث : هل تستطيع العتق؟ تفسير : فقال: لا والله، فقال: حديث : هل تستطيع الصوم؟ تفسير : فقال: لا والله لولا أني آكل في اليوم مرة أو مرتين لكلَّ بصري ولظننت أني أموت، فقال له: حديث : هل تستطيع أن تطعم ستين مسكيناً؟ تفسير : فقال: لا والله يا رسول الله إلا أن تعينني منك بصدقة، فأعانه بخمسة عشر صاعاً، وأخرج أوس من عنده مثله فتصدق به على ستين مسكيناً» واعلم أن في هذا الخبر مباحث: الأول: قال أبو سليمان الخطابي: ليس المراد من قوله في هذا الخبر: (وكان به لمم)، الخبل والجنون إذ لو كان به ذلك ثم ظاهر في تلك الحالة لم يكن يلزمه شيء، بل معنى اللمم هنا: الإلمام بالنساء، وشدة الحرص، والتوقان إليهن. البحث الثاني: أن الظهار كان من أشد طلاق الجاهلية، لأنه في التحريم أوكد ما يمكن، وإن كان ذلك الحكم صار مقرراً بالشرع كانت الآية ناسخة له، وإلا لم يعد نسخاً، لأن النسخ إنما يدخل في الشرائع لا في عادة الجاهلية، لكن الذي روى أنه صلى الله عليه وسلم قال لها: «حديث : حرمت» تفسير : أو قال: «حديث : ما أراك إلا قد حرمت» تفسير : كالدلالة على أنه كان شرعاً. وأما ما روي أنه توقف في الحكم فلا يدل على ذلك. البحث الثالث: أن هذه الواقعة تدل على أن من انقطع رجاؤه عن الخلق، ولم يبق له في مهمه أحد سوى الخالق كفاه الله ذلك المهم، ولنرجع إلى التفسير، أماقوله: {قَدْ سَمِعَ ٱللَّهُ } ففيه مسألتان: المسألة الأولى: قوله: {قَدْ } معناه التوقع، لأن رسول الله والمجادلة كانا يتوقعان أن يسمع الله مجادلتها وشكواها، وينزل في ذلك ما يفرج عنها. المسألة الثانية: كان حمزة يدغم الدال في السين من: {قَدْ سَمِعَ } وكذلك في نظائره، واعلم أن الله تعالى حكى عن هذه المرأة أمرين أولهما: المجادلة وهي قوله: {تُجَادِلُكَ فِى زَوْجِهَا } أي تجادلك في شأن زوجها، وتلك المجادلة أنه عليه الصلاة والسلام كلما قال لها: «حديث : حرمت عليه» تفسير : قالت: والله ما ذكر طلاقاً وثانيهما: شكواها إلى الله، وهو قولها: أشكو إلى الله فاقتي ووجدي، وقولها: إن لي صبية صغاراً، ثم قال سبحانه: {وَٱللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُما } والمحاورة المراجعة في الكلام، من حار الشيء يحور حوراً، أي رجع يرجع رجوعاً، ومنها نعوذ بالله من الحور بعد الكور، ومنه فما أحار بكلمة، أي فما أجاب، ثم قال: {إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ } أي يسمع كلام من يناديه، ويبصر من يتضرع إليه.

القرطبي

تفسير : فيه مسألتان: الأولى قوله تعالى: {قَدْ سَمِعَ ٱللَّهُ قَوْلَ ٱلَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِيۤ إِلَى ٱللَّهِ} التي ٱشتكت إلى الله هي خَوْلَة بنت ثعلبة. وقيل بنت حكيم. وقيل ٱسمها جميلة. وخَوْلَة أصح؛ وزوجها أَوْس بن الصَّامِت أخو عُبَادة بن الصامت، وقد مرّ بها عمر بن الخطاب رضي الله عنه في خلافته والناس معه على حمار فٱستوقفته طويلاً ووعظته وقالت: يا عمر قد كنت تدعى عُمَيْراً، ثم قيل لك عمر، ثم قيل لك أمير المؤمنين؛ فٱتق الله يا عمر؛ فإنه من أيقن بالموت خاف الفوت، ومن أيقن بالحساب خاف العذاب؛ وهو واقف يسمع كلامها؛ فقيل له: يا أمير المؤمنين أتقف لهذه العجوز هذا الوقوف؟ فقال: والله لو حبستني من أوّل النهار إلى آخره لازلت إلا للصلاة المكتوبة، أتدرون من هذه العجوز؟ هي خَوْلَة بنت ثعلبة سمع الله قولها من فوق سبع سموات، أيسمع ربّ العالمين قولها ولا يسمعه عمر؟ وقالت عائشة رضي الله عنها: تبارك الذي وسِع سمعه كل شيء، إني لأسمع كلام خَوْلَة بنت ثعلبة ويخفى عليّ بعضه، وهي تشتكي زوجها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ وهي تقول: يا رسول الله! أكل شبابي ونثرت له بطني، حتى إذا كبر سني وٱنقطع ولدي ظاهر مني؛ اللهم إني أشكو إليك! فما برحت حتى نزل جبريل بهذه الآية: {قَدْ سَمِعَ ٱللَّهُ قَوْلَ ٱلَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِيۤ إِلَى ٱللَّهِ} خرجه ٱبن ماجه في السنن. والذي في البخاري من هذا عن عائشة قالت: الحمد لله الذي وسع سمعه الأصوات، لقد جاءت المجادِلة تشكو إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنا في ناحية البيت ما أسمع ما تقول، فأنزل الله عز وجل: {قَدْ سَمِعَ ٱللَّهُ قَوْلَ ٱلَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا}. وقال الماوردي: هي خَوْلَة بنت ثعلبة. وقيل: بنت خويلد. وليس هذا بمختلف؛ لأن أحدهما أبوها والآخر جدّها فنسبت إلى كل واحد منهما. وزوجها أَوْس بن الصَّامِت أخو عُبَادة بن الصَّامت. وقال الثعلبي قال ٱبن عباس: حديث : هي خَوْلة بنت خويلد الخزرجية، كانت تحت أَوس بن الصَّامت أخو عُبَادة بن الصامت، وكانت حسنة الجِسم؛ فرآها زوجها ساجدة فنظر عجيزتها فأعجبه أمرها، فلما ٱنصرفت أرادها فأبت فغضب عليها ـ قال عُرْوة: وكان ٱمرأً به لَمَم فأصابه بعض لَمَمِه فقال لها: أنت عليّ كظهر أمي. وكان الإيلاء والظهار من الطلاق في الجاهلية، فسألت النبيّ صلى الله عليه وسلم فقال لها: «حرِمت عليه» فقالت: والله ما ذكر طلاقاً؛ ثم قالت: أشكو إلى الله فاقتي ووحدتي ووحشتي وفراق زوجي وٱبن عمي وقد نفضت له بطني؛ فقال: «حرِمت عليه» فما زالت تراجعه ويراجعها حتى نزلت عليه الآية. وروى الحسن: أنها قالت: يا رسول اللهٰ قد نسخ الله سنن الجاهلية وإن زوجي ظاهر مني؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما أوحي إليّ في هذا شيء» فقالت: يا رسول الله، أوحي إليك في كل شيء وطُوِي عنك هذا؟! فقال: «هو ما قلت لكِ» فقالت: إلى الله أشكو لا إلى رسوله. فأنزل الله: {قَدْ سَمِعَ ٱللَّهُ قَوْلَ ٱلَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِيۤ إِلَى ٱللَّهِ} الآيةتفسير : . وروى الدَّارَقطْنِيّ من حديث قتادة أن أنس بن مالك حدّثه قال: حديث : إن أَوْس بن الصَّامت ظاهر من ٱمرأته خُوَيْلة بنت ثعلبة فشكت ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: ظاهر حين كبِرت سنّي ورقّ عظمي. فأنزل الله تعالى آية الظهار، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأوس: «ٱعتق رقبة» قال: مالي بذلك يدان. قال: «فصم شهرين متتابعين» قال: أما إني إذا أخطأني أن آكل في يوم ثلاث مرات يكِلّ بصري. قال: «فأطعم ستين مسكيناً قال: ما أجد إلا أن تعينني منك بعون وصلة. قال: فأعانه رسول الله صلى الله عليه وسلم بخمسة عشر صاعاً حتى جمع الله له والله غفور رحيم. تفسير : {إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ} قال: فكانوا يرون أن عنده مثلها وذلك لستين مسكيناً، وفي الترمذيّ وسنن ٱبن ماجه: حديث : أن سلمة بن صخر البياضيّ ظاهر من ٱمرأته، وأن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال له: «ٱعتق رقبة» قال: فضربت صفحة عنقي بيدي. فقلت: لا والذي بعثك بالحق ما أصبحت أملك غيرها. قال: «فصم شهرين» فقلت: يا رسول اللهٰ وهل أصابني ما أصابني إلا في الصيام. قال: «فأطعم ستين مسكيناً» تفسير : الحديث. وذكر ٱبن العربي في أحكامه: حديث : روي: أن خولة بنت دليج ظاهر منها زوجها، فأتت النبيّ صلى الله عليه وسلم فسألته عن ذلك. فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم: «قد حرمت عليه» فقالت: أشكو إلى الله حاجتي. ثم عادت فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حرمت عليه» فقالت: إلى الله أشكو حاجتي إليه وعائشة تغسل شق رأسه الأيمن، ثم تحوّلت إلى الشق الآخر وقد نزل عليه الوحي، فذهبت أن تعيد، فقالت عائشة: ٱسكتي فإنه قد نزل الوحي. فلما نزل القرآن قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لزوجها:«ٱعتق رقبة» قال: لا أجد. قال: «صم شهرين متتابعين» قال: إن لم آكل في اليوم ثلاث مرات خفت أن يعشو بصري. قال: «فأطعم ستين مسكيناً» تفسير : . قال: فأعني. فأعانه بشيء. قال أبو جعفر النحاس: أهل التفسير على أنها خولة وزوجها أَوْس بن الصّامت، وٱختلفوا في نسبها، قال بعضهم: هي أنصارية وهي بنت ثعلبة، وقال بعضهم: هي بنت دليج، وقيل: هي بنت خُوَيلد، وقال بعضهم: هي بنت الصامت، وقال بعضهم: هي أمَة كانت لعبد الله بن أُبَيّ، وهي التي أنزل الله فيها {وَلاَ تُكْرِهُواْ فَتَيَاتِكُمْ عَلَى ٱلْبِغَآءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً} لأنه كان يُكرهها على الزنى. وقيل: هي بنت حكيم. قال النحاس: وهذا ليس بمتناقض، يجوز أن تنسب مرةً إلى أبيها، ومرةً إلى أمها، ومرةً إلى جدّها، ويجوز أن تكون أَمة كانت لعبد الله بن أبيّ فقيل لها أنصارية بالولاء؛ لأنه كان في عداد الأنصار وإن كان من المنافقين. الثانية قرىء «قَد سَّمِعَ اللَّهُ» بالادغام و«قَدْ سَمِعَ اللَّهُ» بالإظهار. والأصل في السماع إدراك المسموعات، وهو ٱختيار الشيخ أبي الحسن. وقال ٱبن فُورك: الصحيح أنه إدراك المسموع. وقال الحاكم أبو عبد الله في معنى السميع: إنه المدرك للأصوات التي يدركها المخلوقون بآذانهم من غير أن يكون له أُذن، وذلك راجع إلى أن الأصوات لا تخفى عليه؛ وإن كان غير موصوف بالحِس المركب في الأذن؛ كالأصم من الناس لما لم تكن له هذه الحاسة لم يكن أهلاً لإدراك الصوت. والسمع والبصر صفتان كالعلم والقدرة والحياة والإرادة،فهما من صفات الذات لم يزل الخالق سبحانه وتعالى متصفاً بهما. وشكى وٱشتكى بمعنى واحد. وقرِىء «تُحَاوِرُكَ» أي تراجعك الكلام و«تُجَادِلُكَ» أي تسائلك.

البيضاوي

تفسير : مدنية وقيل العشر الأول مكي والباقي مدني، وآيها اثنتان وعشرون آية بسم الله الرحمن الرحيم {قَدْ سَمِعَ ٱللَّهُ قَوْلَ ٱلَّتِى تُجَادِلُكَ فِى زَوْجِهَا وَتَشْتَكِى إِلَى ٱللَّهِ } روي أن خولة بنت ثعلبة ظاهر عنها زوجها أوس بن الصامت، فاستفتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «حديث : حرمت عليه»تفسير : ، فقالت: ما طلقني فقال: «حديث : حرمت عليه»تفسير : ، فاغتمت لصغر أولادها وشكت إلى الله تعالى فنزلت هذه الآيات الأربع، وقد تشعر بأن الرسول عليه الصلاة والسلام أو المجادلة يتوقع أن الله يسمع مجادلتها وشكواها ويفرج عنها كربها، وأدغم حمزة والكسائي وأبو عمرو وهشام عن ابن عامر دالها في السين. {وَٱللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُما } تراجعكما الكلام وهو على تغليب الخطاب. {إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ } للأقوال والأحوال.

ابن كثير

تفسير : قال الإمام أحمد: حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش عن تميم بن سلمة عن عروة عن عائشة قالت: الحمد لله الذي وسع سمعه الأصوات، لقد جاءت المجادلة إلى النبي صلى الله عليه وسلم تكلمه، وأنا في ناحية البيت ما أسمع ما تقوله، فأنزل الله عز وجل: {قَدْ سَمِعَ ٱللَّهُ قَوْلَ ٱلَّتِى تُجَادِلُكَ فِى زَوْجِهَا} إلى آخر الآية. وهكذا رواه البخاري في كتاب التوحيد تعليقاً، فقال: وقال الأعمش عن تميم بن سلمة عن عروة عن عائشة، فذكره. وأخرجه النسائي وابن ماجه وابن أبي حاتم وابن جرير من غير وجه عن الأعمش به. وفي رواية لابن أبي حاتم عن الأعمش عن تميم بن سلمة عن عروة عن عائشة أنها قالت: تبارك الذي أوعى سمعه كل شيء، إني لأسمع كلام خولة بنت ثعلبة، ويخفى علي بعضه، وهي تشتكي زوجها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي تقول: يا رسول الله أكل مالي، وأفنى شبابي، ونثرت له بطني، حتى إذا كبر سني، وانقطع ولدي، ظاهر مني، اللهم إني أشكو إليك، قالت: فما برحت حتى نزل جبريل بهذه الآية: {قَدْ سَمِعَ ٱللَّهُ قَوْلَ ٱلَّتِى تُجَادِلُكَ فِى زَوْجِهَا}. قال: وزوجها أوس ابن الصامت. وقال ابن لهيعة عن أبي الأسود عن عروة: هو أوس بن الصامت، وكان أوس امرءاً به لمم، فكان إذا أخذه لممه، واشتد به، يظاهر من امرأته، وإذا ذهب، لم يقل شيئاً، فأتت رسول الله صلى الله عليه وسلم تستفتيه في ذلك، وتشتكي إلى الله، فأنزل الله: {قَدْ سَمِعَ ٱللَّهُ قَوْلَ ٱلَّتِى تُجَادِلُكَ فِى زَوْجِهَا وَتَشْتَكِىۤ إِلَى ٱللَّهِ} الآية. وهكذا روى هشام بن عروة عن أبيه: أن رجلاً كان به لمم، فذكر مثله. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي: حدثنا موسى بن إسماعيل أبو سلمة، حدثنا جرير، يعني: ابن حازم، قال: سمعت أبا يزيد يحدث قال: لقيت امرأة عمر يقال لها: خولة بنت ثعلبة، وهو يسير مع الناس، فاستوقفته فوقف لها، ودنا منها، وأصغى إليها رأسه، ووضع يديه على منكبيها حتى قضت حاجتها وانصرفت، فقال له رجل: ياأمير المؤمنين حبست رجالات قريش على هذه العجوز، قال: ويحك وتدري من هذه؟ قال: لا. قال: هذه امرأة سمع الله شكواها من فوق سبع سموات، هذه خولة بنت ثعلبة، والله لو لم تنصرف عني إلى الليل، ما انصرفت عنها حتى تقضي حاجتها، إلا أن تحضر صلاة فأصليها، ثم أرجع إليها حتى تقضي حاجتها. هذا منقطع بين أبي يزيد وعمر بن الخطاب، وقد روي من غير هذا الوجه. وقال ابن أبي حاتم أيضاً: حدثنا المنذر بن شاذان، حدثنا يعلى، حدثنا زكريا عن عامر قال: المرأة التي جادلت في زوجها خولة بنت الصامت، وأمها معاذة التي أنزل الله فيها: {أية : وَلاَ تُكْرِهُواْ فَتَيَـٰتِكُمْ عَلَى ٱلْبِغَآءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً} تفسير : [النور: 33] صوابه: خولة امرأة أوس بن الصامت.

المحلي و السيوطي

تفسير : {قَدْ سَمِعَ ٱللَّهُ قَوْلَ ٱلَّتِى تُجَٰدِلُكَ } تراجعك أيها النبيّ {فِى زَوْجِهَا } المظاهر منها، وكان قال لها: أنتِ عَلَيَّ كظهر أمي، وقد سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك فأجابها بأنها حرمت عليه على ما هو المعهود عندهم من أن الظهار موجبه فرقة مؤبدة وهي خولة بنت ثعلبة وهو أوس بن الصامت {وَتَشْتَكِى إِلَى ٱللَّهِ } وحدتها وفاقتها وصبية صغاراً إن ضمتهم إليه ضاعوا أو إليها جاعوا {وَٱللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُما } تراجعكما {إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ } عالم.

الشوكاني

تفسير : قوله: {قَدْ سَمِعَ ٱللَّهُ } قرأ أبو عمرو، وحمزة، والكسائي بإدغام الدال في السين، وقرأ الباقون بالإظهار. قال الكسائي: من بيَّن الدال عند السين، فلسانه أعجميّ وليس بعربيّ {قَوْلَ ٱلَّتِى تُجَادِلُكَ فِى زَوْجِهَا } أي: تراجعك الكلام في شأنه {وَتَشْتَكِى إِلَى ٱللَّهِ } معطوف على تجادلك. والمجادلة هذه الكائنة منها مع رسول الله أنه كان كلما قال لها: "قد حرمت عليه"، قالت: والله ما ذكر طلاقاً، ثم تقول: أشكو إلى الله فاقتي ووحدتي، وإن لي صبية صغاراً إن ضممتهم إليه ضاعوا، وإن ضممتهم إليّ جاعوا، وجعلت ترفع رأسها إلى السماء، وتقول: اللَّهم إني أشكو إليك، فهذا معنى قوله: {وَتَشْتَكِى إِلَى ٱللَّهِ } قال الواحدي: قال المفسرون: نزلت هذه الآية في خولة بنت ثعلبة، وزوجها أوس بن الصامت، وكان به لمم، فاشتد به لممه ذات يوم، فظاهر منها، ثم ندم على ذلك، وكان الظهار طلاقاً في الجاهلية، وقيل: هي خولة بنت حكيم، وقيل: اسمها جميلة، والأوّل أصح، وقيل: هي بنت خويلد، وقال الماوردي: إنها نسبت تارة إلى أبيها، وتارة إلى جدّها، وأحدهما أبوها، والآخر جدّها، فهي: خولة بنت ثعلبة بن خويلد، وجملة {وَٱللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُما } في محل نصب على الحال، أو مستأنفة جارية مجرى التعليل لما قبلها أي: والله يعلم تراجعكما في الكلام {إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ } يسمع كل مسموع، ويبصر كل مبصر، ومن جملة ذلك ما جادلتك به هذه المرأة. ثم بيّن سبحانه شأن الظهار في نفسه، وذكر حكمه، فقال: {ٱلَّذِينَ يُظَـٰهِرُونَ مِنكُمْ مّن نّسَائِهِمْ } قرأ الجمهور: {يظهرون} بالتشديد مع فتح حرف المضارعة. وقرأ ابن عامر، وحمزة، والكسائي: (يظاهرون) بفتح الياء، وتشديد الظاء، وزيادة ألف، وقرأ أبو العالية، وعاصم، وزرّ بن حبيش: (يظاهرون) بفك الإدغام، ومعنى الظهار: أن يقول لامرأته: أنت عليّ كظهر أمي، ولا خلاف في كون هذا ظهاراً. واختلفوا إذا قال: أنت عليّ كظهر ابنتي، أو أختي، أو غير ذلك من ذوات المحارم، فذهب جماعة منهم أبو حنيفة ومالك إلى أنه ظهار، وبه قال الحسن، والنخعي، والزهري، والأوزاعي، والثوري. وقال جماعة منهم قتادة والشعبي: إنه لا يكون ظهاراً بل يختصّ الظهار بالأمّ وحدها. واختلفت الرواية عن الشافعي، فروي عنه كالقول الأوّل، وروي عنه كالقول الثاني، وأصل الظهار مشتق من الظهر. واختلفوا إذا قال لامرأته: أنت عليّ كرأس أمي، أو يدها، أو رجلها، أو نحو ذلك؟ هل يكون ظهاراً أم لا وهكذا إذا قال: أنت عليّ كأمي ولم يذكر الظهر، والظاهر أنه إذا قصد بذلك الظهار كان ظهاراً. وروي عن أبي حنيفة أنه إذا شبهها بعضو من أمه يحلّ له النظر إليه لم يكن ظهاراً، وروي عن الشافعي أنه لا يكون الظهار إلاّ في الظهر وحده. واختلفوا إذا شبّه امرأته بأجنبية فقيل: يكون ظهاراً وقيل: لا، والكلام في هذا مبسوط في كتب الفروع. وجملة: {مَّا هُنَّ أُمَّهَـٰتِهِمْ } في محل رفع على أنها خبر الموصول، أي: ما نساؤهم بأمهاتهم، فذلك كذب منهم، وفي هذا توبيخ للمظاهرين وتبكيت لهم. قرأ الجمهور {أمهاتهم} بالنصب على اللغة الحجازية في إعمال «ما» عمل ليس. وقرأ أبو عمرو، والسلمي بالرّفع على عدم الإعمال، وهي لغة نجد، وبني أسد. ثم بيّن سبحانه لهم أمهاتهم على الحقيقة فقال: {إِنْ أُمَّهَـٰتُهُمْ إِلاَّ ٱللاَّئِى وَلَدْنَهُمْ } أي: ما أمهاتهم إلاّ النساء اللائي ولدنهم، ثم زاد سبحانه في توبيخهم وتقريعهم، فقال: {وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنكَراً مّنَ ٱلْقَوْلِ وَزُوراً } أي: وإن المظاهرين ليقولون بقولهم هذا منكراً من القول، أي: فظيعاً من القول ينكره الشرع، والزور: الكذب، وانتصاب {منكراً}، و{زوراً} على أنهما صفة لمصدر محذوف، أي: قولاً منكراً وزوراً {وَإِنَّ ٱللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ } أي: بليغ العفو والمغفرة إذ جعل الكفارة عليهم مخلصة لهم عن هذا القول المنكر. {وَٱلَّذِينَ يُظَـٰهِرُونَ مِن نّسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُواْ } لما ذكر سبحانه الظهار إجمالاً ووبخ فاعليه شرع في تفصيل أحكامه، والمعنى: والذين يقولون ذلك القول المنكر الزور، ثم يعودون لما قالوا، أي: إلى ما قالوا بالتدارك والتلافي، كما في قوله: {أية : أَن تَعُودُواْ لِمِثْلِهِ }تفسير : [النور: 17] أي: إلى مثله، قال الأخفش: {لِمَا قَالُواْ } وإلى ما قالوا يتعاقبان. قال: {أية : وَقَالُواْ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِى هَدَانَا لِهَـٰذَا }تفسير : [الأعراف: 43] وقال: {أية : فَٱهْدُوهُمْ إِلَىٰ صِرٰطِ ٱلْجَحِيمِ }تفسير : [الصافات: 23] وقال: {أية : بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَىٰ لَهَا }تفسير : [الزلزلة: 5] وقال: {أية : وَأُوحِىَ إِلَىٰ نُوحٍ }تفسير : [هود: 36] وقال الفرّاء: اللام بمعنى عن، والمعنى: ثم يرجعون عما قالوا، ويريدون الوطء. وقال الزجاج: المعنى: ثم يعودون إلى إرادة الجماع من أجل ما قالوا. قال الأخفش أيضاً: الآية فيها تقديم وتأخير، والمعنى: والذين يظهرون من نسائهم، ثم يعودون لما كانوا عليه من الجماع {فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ } لما قالوا، أي: فعليهم تحرير رقبة من أجل ما قالوا. فالجار في قوله: {لِمَا قَالُواْ } متعلق بالمحذوف الذي هو خبر المبتدأ، وهو فعليهم. واختلف أهل العلم في تفسير العود المذكور على أقوال: الأوّل: أنه العزم على الوطء، وبه قال العراقيون أبو حنيفة وأصحابه، وروي عن مالك. وقيل: هو الوطء نفسه، وبه قال الحسن، وروي أيضاً عن مالك. وقيل: هو أن يمسكها زوجة بعد الظهار مع القدرة على الطلاق، وبه قال الشافعي. وقيل: هو الكفارة، والمعنى: أنه لا يستبيح وطأها إلاّ بكفارة، وبه قال الليث بن سعد، وروي عن أبي حنيفة. وقيل: هو تكرير الظهار بلفظه، وبه قال أهل الظاهر. وروي عن بكير بن الأشبح، وأبي العالية، والفراء. والمعنى: ثم يعودون إلى قول ما قالوا. والموصول مبتدأ، وخبره: {فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ } على تقدير، فعليهم تحرير رقبة، كما تقدّم، أو قالوا وجب عليهم إعتاق رقبة، يقال: حررته، أي: جعلته حرّاً، والظاهر أنها تجزىء أيّ رقبة كانت، وقيل: يشترط أن تكون مؤمنة كالرقبة في كفارة القتل؛ وبالأول: قال أبو حنيفة وأصحابه، وبالثاني: قال مالك، والشافعي، واشترطا أيضاً سلامتها من كل عيب {مّن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا } المراد بالتماس هنا: الجماع، وبه قال الجمهور، فلا يجوز للمظاهر الوطء حتى يُكَفّر، وقيل: إن المراد به الاستمتاع بالجماع، أو اللمس، أو النظر إلى الفرج بشهوة، وبه قال مالك، وهو أحد قولي الشافعي، والإشارة بقوله: {ذٰلِكُمْ } إلى الحكم المذكور وهو مبتدأ، وخبره: {تُوعَظُونَ بِهِ } أي: تؤمرون به، أو تزجرون به عن ارتكاب الظهار، وفيه بيان لما هو المقصود من شرع الكفارة. قال الزجاج: معنى الآية ذلكم التغليظ في الكفارة توعظون به أي: إن غلظ الكفارة وعظ لكم حتى تتركوا الظهار {وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ } لا يخفى عليه شيء من أعمالكم، فهو مجازيكم عليها. ثم ذكر سبحانه حكم العاجز عن الكفارة، فقال: {فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا } أي: فمن لم يجد الرّقبة في ملكه، ولا تمكن من قيمتها، فعليه صيام شهرين متتابعين متواليين لا يفطر فيهما، فإن أفطر استأنف إن كان الإفطار لغير عذر، وإن كان لعذر من سفر أو مرض، فقال سعيد بن المسيب، والحسن، وعطاء بن أبي رباح، وعمرو بن دينار، والشعبي، والشافعي، ومالك: إنه يبني، ولا يستأنف. وقال أبو حنيفة: إنه يستأنف، وهو مرويّ عن الشافعي؛ ومعنى {مّن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا }: هو ما تقدّم قريباً، فلو وطىء ليلاً أو نهاراً عمداً أو خطأ استأنف، وبه قال أبو حنيفة، ومالك. وقال الشافعي: لا يستأنف إذا وطىء ليلاً؛ لأنه ليس محلاً للصوم، والأول أولى {فَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ } يعني: صيام شهرين متتابعين {فَإِطْعَامُ سِتّينَ مِسْكِيناً } أي: فعليه أن يطعم ستين مسكيناً، لكل مسكين مدّان، وهما نصف صاع، وبه قال أبو حنيفة وأصحابه. وقال الشافعي وغيره: لكل مسكين مدّ واحد، والظاهر من الآية أن يطعمهم حتى يشبعوا مرّة واحدة، أو يدفع إليهم ما يشبعهم، ولا يلزمه أن يجمعهم مرّة واحدة، بل يجوز له أن يطعم بعض الستين في يوم، وبعضهم في يوم آخر، والإشارة بقوله: {ذٰلِكَ } إلى ما تقدّم ذكره من الأحكام، وهو مبتدأ، وخبره مقدّر، أي: ذلك واقع {لّتُؤْمِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ } ويجوز أن يكون اسم الإشارة في محل نصب، والتقدير: فعلنا ذلك لتؤمنوا، أي: لتصدّقوا أن الله أمر به وشرعه، أو لتطيعوا الله ورسوله في الأوامر والنواهي، وتقفوا عند حدود الشرع ولا تتعدّوها، ولا تعودوا إلى الظهار الذي هو منكر من القول وزور، والإشارة بقوله: {وَتِلْكَ } إلى الأحكام المذكورة، وهو مبتدأ، وخبره: {حُدُود ٱللَّهِ } فلا تجاوزوا حدوده التي حدّها لكم، فإنه قد بيّن لكم أن الظهار معصية، وأن كفارته المذكورة توجب العفو والمغفرة {وَلِلْكَـٰفِرِينَ } الذين لا يقفون عند حدود الله، ولا يعملون بما حدّه الله لعباده {عَذَابٌ أَلِيمٌ } وهو عذاب جهنم، وسماه كفراً تغليظاً وتشديداً. وقد أخرج ابن ماجه، وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه، وابن مردويه، والبيهقي عن عائشة قالت: تبارك الذي وسع سمعه كل شيء إني لأسمع كلام خولة بنت ثعلبة، ويخفى عليّ بعضه، وهي تشتكي زوجها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهي تقول: يا رسول الله أكل شبابي، ونثرت له بطني حتى إذا كبر سني وانقطع ولدي ظاهر مني، اللَّهمّ إني أشكو إليك، قالت: فما برحت حتى نزل جبريل بهؤلاء الآيات: {َقَدْ سَمِعَ ٱللَّهُ قَوْلَ ٱلَّتِى تُجَادِلُكَ فِى زَوْجِهَا } وهو أوس بن الصامت. وأخرج النحاس، وابن مردويه، والبيهقي عن ابن عباس قال: كان أوّل من ظاهر في الإسلام أوس، وكانت تحته ابنة عمّ له يقال لها: خولة بنت خويلد، فظاهر منها، فأسقط في يده وقال: ما أراك إلاّ قد حرمت عليّ، فانطلقي إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم، فاسأليه، فأتت النبيّ صلى الله عليه وسلم، فوجدت عنده ماشطة تمشط رأسه، فأخبرته، فقال: «حديث : يا خولة ما أمرنا في أمرك بشيء»تفسير : ، فأنزل الله على النبيّ صلى الله عليه وسلم فقال:« حديث : يا خولة أبشري»تفسير : قالت: خيراً. قال:« حديث : خيراً»تفسير : ، فقرأ عليها {قَدْ سَمِعَ ٱللَّهُ قَوْلَ ٱلَّتِى تُجَادِلُكَ فِى زَوْجِهَا } الآيات. وأخرج أحمد، وأبو داود، وابن المنذر، والطبراني، وابن مردويه، والبيهقيّ من طريق يوسف بن عبد الله بن سلام قال: حدّثتني خولة بنت ثعلبة قالت: فيّ، والله، وفي أوس بن الصامت أنزل الله صدر سورة المجادلة، قالت: كنت عنده، وكان شيخاً كبيراً قد ساء خلقه، فدخل عليّ يوماً فراجعته بشيء، فغضب فقال: أنت عليّ كظهر أمي، ثم رجع، فجلس في نادي قومه ساعة، ثم دخل عليّ، فإذا هو يريدني عن نفسي، قلت: كلا والذي نفس خولة بيده لا تصل إليّ، وقد قلت ما قلت حتى يحكم الله ورسوله فينا، ثم جئت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكرت ذلك له، فما برحت حتى نزل القرآن، فتغشى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما كان يتغشاه، ثم سري عنه، فقال لي: «حديث : يا خولة قد أنزل الله فيك وفي صاحبك»تفسير : ، ثم قرأ عليّ: {قَدْ سَمِعَ ٱللَّهُ قَوْلَ ٱلَّتِى تُجَادِلُكَ } إلى قوله: {عَذَابٌ أَلِيمٌ } فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:« مريه، فليعتق رقبة»، قلت: يا رسول الله ما عنده ما يعتق، قال:«حديث : فليصم شهرين متتابعين»تفسير : ، قلت: والله إنه لشيخ كبير ما به من صيام، قال: «حديث : فليطعم ستين مسكيناً وسقاً من تمر»تفسير : ، قلت: والله ما ذاك عنده، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«حديث : فأنا سأعينه بعرق من تمر»تفسير : ، فقلت: وأنا يا رسول الله سأعينه بعرق آخر، فقال:«حديث : قد أصبت، وأحسنت، فاذهبي، فتصدّقي به عنه، ثم استوصي بابن عمك خيراً،»تفسير : قالت، ففعلت وفي الباب أحاديث. وأخرج ابن المنذر، والبيهقي في سننه عن ابن عباس في قوله: {ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُواْ } قال: هو الرجل يقول لامرأته: أنت عليّ كظهر أمي، فإذا قال ذلك فليس يحلّ له أن يقربها بنكاح، ولا غيره حتى يُكَفر بعتق رقبة {فَمَنْ } فإن {لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا } والمسّ: النكاح {فَمَنْ } فإن {لَّمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتّينَ مِسْكِيناً } وإن هو قال لها: أنت عليّ كظهر أمي إن فعلت كذا، فليس يقع في ذلك ظهار حتى يحنث، فإن حنث، فلا يقربها حتى يُكَفّر، ولا يقع في الظهار طلاق. وأخرج ابن المنذر عن أبي هريرة قال: ثلاث فيه مدّ: كفارة اليمين، وكفارة الظهار، وكفارة الصيام. وأخرج البزار، والطبراني، والحاكم، وابن مردويه، والبيهقي عن ابن عباس قال: أتى رجل النبيّ صلى الله عليه وسلم فقال: إني ظاهرت من امرأتي، فرأيت بياض خلخالها في ضوء القمر، فوقعت عليها قبل أن أُكفر، فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم:«حديث : ألم يقل الله: {مّن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا }»تفسير : ، قال: قد فعلت يا رسول الله، قال:«حديث : أمسك عنها حتى تُكَفر»تفسير : . وأخرج عبد الرزاق، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، والحاكم، والبيهقيّ عن ابن عباس أن رجلاً قال: يا رسول الله إني ظاهرت من امرأتي، فوقعت عليها من قبل أن أُكفر، فقال:«حديث : وما حملك على ذلك»تفسير : ؟ قال: رأيت خلخالها في ضوء القمر، قال: «حديث : فلا تقربها حتى تفعل ما أمرك الله»تفسير : . وأخرج عبد الرّزاق، وأحمد، وعبد بن حميد، وأبو داود، والترمذيّ وحسنه، وابن ماجه، والطبراني، والبغوي في معجمه، والحاكم وصححه عن سلمة بن صخر الأنصاريّ قال: كنت رجلاً قد أوتيت من جماع النساء ما لم يؤت غيري، فلما دخل رمضان ظاهرت من امرأتي حتى ينسلخ رمضان، فرقا من أن أصيب منها في ليلي، فأتتابع في ذلك، ولا أستطيع أن أنزع حتى يدركني الصبح، فبينما هي تخدمني ذات ليلة إذ انكشف لي منها شيء، فوثبت عليها، فلما أصبحت غدوت على قومي، فأخبرتهم خبري، فقلت: انطلقوا معي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخبره بأمري، فقالوا: لا، والله لا نفعل نتخوّف أن ينزل فينا القرآن، أو يقول فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم مقالة يبقى علينا عارها؛ ولكن اذهب أنت، فاصنع ما بدا لك قال: فخرجت، فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخبرته خبري، فقال: "حديث : أنت بذاك؟"تفسير : قلت: أنا بذاك، قال: "حديث : أنت بذاك؟"تفسير : قلت: أنا بذاك، قال: "حديث : أنت بذاك؟"تفسير : قلت: أنا بذاك، وها أنا ذا، فأمض فيّ حكم الله، فإني صابر لذلك، قال: «حديث : أعتق رقبة»تفسير : ، فضربت عنقي بيدي، فقلت: لا والذي بعثك بالحقّ ما أصبحت أملك غيرها، قال:«حديث : فصم شهرين متتابعين»تفسير : ، فقلت: هل أصابني ما أصابني إلاّ في الصيام؟ قال: «حديث : فأطعم ستين مسكيناً»تفسير : ، قلت: والذي بعثك بالحقّ لقد بتنا ليلتنا هذه وحشاً ما لنا عشاء، قال: «حديث : اذهب إلى صاحب صدقة بني زريق، فقل له، فليدفعها إليك، فأطعم عنك منها وسقاً ستين مسكيناً، ثم استعن بسائرها عليك، وعلى عيالك»تفسير : فرجعت إلى قومي فقلت: وجدت عندكم الضيق، وسوء الرأي، ووجدت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم السعة والبركة، أمر لي بصدقتكم، فادفعوها إليّ، فدفعوها إليه.

الماوردي

تفسير : قوله تعالى: {قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها} وهي خولة بنت ثعلبة، وقيل بنت خويلد، وليس هذا بمختلف لأن أحدهما أبوها والآخر جدها، فنسبت إلى كل واحد منهما. وزوجها أوس بن الصامت. قال عروة: وكان امرأً به لمم فأصابه بعض لممه فظاهر من امرأته، فأتت رسول الله صلى الله عليه وسلم تستفتيه في ذلك. {وتشتكي إلى الله} فيه وجهان: أحدهما: تستغيث بالله. والثاني: تسترحم الله. وروى الحسن أنها قالت: يا رسول الله قد نسخ الله سنن الجاهلية وإن زوجي ظاهر مني، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : ما أوحي إليّ في هذا شيء" تفسير : فقالت: يا رسول الله أوحي إليك في كل شيء وطوي عنك هذا؟ فقال: "حديث : هو ما قلت لك" تفسير : فقالت: إلى الله أشكو لا إلى رسوله، فأنزل الله تعالى: {قد سمع الله قول التي تجادلك} الآية. وقرأ ابن مسعود: {قَد سَّمِعَ}. قالت عائشة: تبارك الله الذي أوعى سمعه كل شيء، سمع كلام خولة بنت ثعلبة وأنا في ناحية البيت ما أسمع بعض ما تقول، وهي تقول: يا رسول الله أكل شبابي وانقطع ولدي ونثرت له بطني حتى إذا كبرت سني ظاهر مني اللهم إني أشكو إليك، فما برحت حتى نزل جبريل بهذه الأية. {والله يسمع تحاوركما إن الله سميع بصير} والمحاورة مراجعة الكلام، قال عنترة: شعر : لو كان يدري ما المحاورة اشتكى ولكان لو علم الكلام مكلمي. تفسير : {الذين يظاهرون منكم من نسائهم}الظهار قول الرجل لامرأته. أنت عليّ كظهر أمي، سمي ظهاراً لأنه قصد تحريم ظهرها عليه، وقيل: لأنه قد جعلها عليه كظهر أمه، وقد كان في الجاهلية طلاقاً ثلاثاً لا رجعة فيه ولا إباحة بعده فنسخه الله إلى ما استقر عليه الشرع من وجوب الكفارة فيه بالعود.

ابن عطية

تفسير : {سمع الله} عبارة عن إدراكه المسموعات على ما هي ما عليه بأكمل وجوه ذلك دون جارحة ولا محاداة ولا تكييف ولا تحديد تعالى الله عن ذلك. وقرأ الجمهور: {قد سمع} بالبيان: وقرأ ابن محيصن: {قد سمع} بالإدغام، وفي قراءة ابن مسعود: "قد يسمع الله قول التي"، وفيها: "والله قد يسمع تحاوركما". واختلف الناس في اسم التي تجادل، فقال قتادة هي خويلة بنت ثعلبة، وقيل عن عمر بن الخطاب أنه قال: هي خولة بنت حكيم. وقال بعض الرواة وأبو العالية هي خويلة بنت دليج، وقال المهدوي، وقيل: خولة بنت دليج، وقالت عائشة: هي خميلة. وقال ابن إسحاق: هي خولة بنت الصامت. وقال ابن عباس فيها: خولة بنت خويلد، وقال محمد بن كعب القرظي ومنذر بن سعيد: هي خولة بنت ثعلبة، قال ابن سلام: "تجادل" معناه تقاتل في القول، وأصل الجدل القتل، وأكثر الرواة على أن الزوج في هذه النازلة: أوس بن الصامت أو عبادة بن الصامت. وحكى النقاش وهو في المصنفات حديثاً حديث : عن سلمة بن صخر البياضي أنه ظاهر من امرأته أن واقعها مدة شهر رمضان فواقعها ليلة فسأل قومه أن يسألوا له رسول الله صلى الله عليه وسلم فأبوا وهابوا ذلك وعظموا عليه، فذهب هو إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بنفسه وسأله واسترشدوه فنزلت الآية. وقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أتعتق رقبة؟ فقال له والله ما أملك رقبة غير رقبتي، فقال: أتصوم شهرين متتابعين؟ فقال يا رسول الله وهل أتيت إلا في الصوم، فقال: تطعم ستين مسكيناً؟" فقال: لا أجد، فأعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم صدقات قومه فكفر بها فرجع سلمة إلى قومه فقال: إني وجدت عندكم الشدة والغلظة، ووجدت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم الرخصة والرفق وقد أعطاني صدقاتكم . تفسير : وأما ما رواه الجمهور في شأن أوس بن الصامت، فاختصاره: حديث : أن أوساً ظاهر من امرأته خولة بنت خويلد، وكان الظهار في الجاهلية يوجب عندهم فرقة مؤيدة، قاله أبو قلابة وغيره، فلما فعل ذلك أوس، جاءت زوجته رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله، إن أوساً أكل شبابي، ونثرت له بطني فلما كبرت ومات أهلي، ظاهر مني، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما أراك إلا قد حرمت عليه"، فقالت يا رسول الله: لا تفعل فإني وحيدة ليس لي أهل سواه، فراجعها رسول الله صلى الله عليه وسلم بمثل مقالته، فراجعته، فهذا هو جدالها، وكانت في خلال جدالها تقول: اللهم إليك أشكو حالي وفقري وانفرادي إليه، وروي أنها كانت تقول: اللهم إن لي منه صبية صغاراً إن ضممتهم إليه ضاعوا، وإن ضممتهم إلي جاعوا، فهذا هو اشتكاؤها إلى الله، فنزل الوحي عند جدالها على رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذه الآيات. وكانت عائشة حاضرة لهذه القصة كلها فكانت تقول: سبحان من وسع سمعه الأصوات، لقد كنت حاضرة وكان بعض كلام خولة يخفى علي، وسمع الله جدالها، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم في أوس فقال له: "أتعتق رقبة؟ فقال والله ما أملكها، فقال أتصوم شهرين متتابعين؟ فقال: والله ما أقدر أن أصبر إلا على أكلات ثلاث في اليوم، ومتى لم أفعل ذلك غشي بصري فقال له: أتطعم؟" فقال له لا أجد إلا أن تعينني يا رسول الله بمعونة وصلاة يريد الدعاء، فأعانه رسول الله بخمسة عشر صاعاً ودعا له، وقيل بثلاثين صاعاً، فكفر بالإطعام وأمسك أهله . تفسير : وفي مصحف عبد الله بن مسعود: "تحاورك في زوجها"، والمحاورة مراجعة القول ومعاطاته. وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو: "يظهرون"، وقرأ أبي بن كعب بخلاف عنه: "يتظهرون". وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي: "يظاهرون". وقرأ أبي بن كعب أيضاً: "يتظاهرون". وقرأ عاصم والحسن وأبو جعفر وقتادة: "يُظاهرون" بضم الياء من قولك فاعل، وهذه مستعملة جداً وقولهم الظهار دليل عليها، والمراد بهذا كله قول الرجل لزوجته: أنت علي كظهر أمي، يريد في التحريم كأنها إشارة إلى الركوب، إذ عرفه في ظهور الحيوان، وكان أهل الجاهلية يفعلون ذلك، فرد الله بهذه الآية فعلهم، وأخبر بالحقيقة من أن الأم هي الوالدة، وأما الزوجة فلا يكون حكمها حكم الأم. وقرأ جمهور الناس: "أمهاتِهم" بنصب الأمهات، وقرأ عاصم في رواية المفضل عنه: "أمهاتُهم" بالرفع وهذا على اللغتين في {ما} لغة الحجاز ولغة تميم، وقرأ ابن مسعود "ما هنّ بأمهاتهم" بزيادة باء الجر، وجعل الله تعالى القول بالظهار {منكراً} {وزوراً}، فهو محرم، لكنه، إذا وقع لزم، هكذا قال فيه أهل العلم، لكن تحريمه تحريم المكروهات جداً، وقد رجى الله تعالى بعده بأنه {لعفو غفور} مع الكفارة.

ابن عبد السلام

تفسير : {الَّتِى تُجَادِلُكَ} " حديث : خولة بن خويلد، أو بنت ثعلبة أحدهما أبوها والآخر جدها، زوجها أوس بن الصامت كان به لمم فأصابه بعض لممه فظاهر منها فأتت الرسول صلى الله عليه سلم تستفتيه فقالت: يا رسول الله إن الله قد نسخ سنن الجاهلية وإن زوجي ظاهر مني فقال: "ما أوحي إليَّ في هذا شيء" فقالت: أوحي إليك في كل شيء وطوي عنك هذا فقال: "هو ما قلت" " تفسير : . فقالت أشكو إلى الله لا إلى رسوله فنزلت وكانت تقول يا رسول الله أكل شبابي وانقطع ولدي ونثرت له بطني حتى إذا كبرت سني ظاهر مني اللهم إليك أشكو فما برحت حتى نزلت {وَتَشْتَكِى إِلَى اللَّهِ} تستغيث به، أو تسترحمه {تَحَاوُرَكُمَآ} المحاورة: مراجعة الكلام.

النسفي

تفسير : {قَدْ سَمِعَ ٱللَّهُ قَوْلَ ٱلَّتِى تُجَادِلُكَ } تحاورك وقرىء بها، وهي خولة بنت ثعلبة امرأة أوس بن الصامت أخي عبادة رآها وهي تصلي وكانت حسنة الجسم، فلما سلمت راودها فأبت فغضب فظاهر منها فأتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: إن أوساً تزوجني وأنا شابة مرغوب فيّ فلما خلا سني ونثرت بطني ـ أي كثر ولدي ـ جعلني عليه كأمه. ورُوي أنها قالت: إن لي صبية صغاراً إن ضممتهم إليه ضاعوا وإن ضممتهم إليّ جاعوا. فقال صلى الله عليه وسلم: «حديث : ما عندي في أمرك شيء»تفسير : وروي أنه قال لها:« حديث : حرمت عليه»تفسير : فقالت: يا رسول الله ما ذكر طلاقاً وإنما هو أبو ولدي وأحب الناس إليّ. فقال: حرمت عليه فقالت: أشكو إلى الله فاقتي ووجدي فكلما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم« حديث : حرمت عليه»تفسير : هتفت وشكت فنزلت {فِى زَوْجِهَا } في شأنه ومعناه {وَتَشْتَكِى إِلَى ٱللَّهِ } تظهر ما بها من المكروه {وَٱللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُما } مراجعتكما الكلام من حار إذا رجع {إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ } يسمع شكوى المضطر {بَصِيرٌ } بحاله {ٱلَّذِينَ يُظَـٰهِرُونَ } عاصم {يظَّهرون}: حجازي وبصري غيرهم {يَظَّـٰهرون} وفي {مّنكُمْ } توبيخ للعرب لأنه كان من أيمان أهل جاهليتهم خاصة دون سائر الأمم {مِن نّسَائِهِمْ } زوجاتهم {مَّا هُنَّ أُمَّهَـٰتِهِمْ } أمهاتهم المفضل، الأول حجازي والثاني تميمي {إِنْ أُمَّهَـٰتُهُمْ إِلاَّ ٱللاَّئِى وَلَدْنَهُمْ } يريد أن الأمهات على الحقيقة الوالدات والمرضعات ملحقات بالوالدات بواسطة الرضاع، وكذا أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم لزيادة حرمتهن، وأما الزوجات فأبعد شيء من الأمومة فلذا قال {وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنكَراً مّنَ ٱلْقَوْلِ } تنكره الحقيقة والأحكام الشرعية {وَزُوراً } وكذباً باطلاً منحرفاً عن الحق {وَإِنَّ ٱللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ } لما سلف منهم. {وَٱلَّذِينَ يُظَـٰهِرُونَ مِن نّسَائِهِمْ } بين في الآية الأولى أن ذلك من قائله منكر وزور، وبين في الثانية حكم الظهار {ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُواْ } العود الصيرورة ابتداء أو بناء فمن الأول قوله تعالى: {أية : حَتَّىٰ عَادَ كَٱلعُرجُونِ ٱلْقَدِيمِ }تفسير : [يس: 39]. ومن الثاني: {أية : وَإِنْ عُدتُّمْ عُدْنَا }تفسير : [الإسراء: 8] ويعدى بنفسه كقولك: عدته إذا أتيته وصرت إليه، وبحرف الجر بـ «إلى» وعلى وفي واللام كقوله: {أية : وَلَوْ رُدُّواْ لَعَـٰدُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ }تفسير : [الأنعام: 28] ومنه {ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُواْ } أي يعودون لنقض ما قالوا أو لتداركه على حذف المضاف، وعن ثعلبة: يعودون لتحليل ما حرموا على حذف المضاف أيضاً غير أنه أراد بما قالوا ما حرموه على أنفسهم بلفظ الظهار تنزيلاً للقول منزلة المقول فيه كقوله {أية : وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ }تفسير : [مريم: 80] أراد المقول فيه وهو المال والولد. ثم اختلفوا أن النقض بماذا يحصل؟ فعندنا بالعزم على الوطء وهو قول ابن عباس والحسن وقتادة، وعند الشافعي بمجرد الإمساك وهو أن لا يطلقها عقيب الظهار. {فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ } فعليه اعتاق رقبة مؤمنة أو كافرة ولم يجز المدبر وأم الولد والمكاتب الذي أدى شيئاً {مّن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا } الضمير يرجع إلى ما دل عليه الكلام من المظاهر والمظاهر منها. والمماسة الاستمتاع بها من جماع أو لمس بشهوة أو نظر إلى فرجها بشهوة {ذٰلِكُمْ } الحكم {تُوعَظُونَ بِهِ } لأن الحكم بالكفارة دليل على ارتكاب الجناية فيجب أن تتعظوا بهذا الحكم حتى لا تعودوا إلى الظهار وتخافوا عقاب الله عليه {وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ } والظهار أن يقول الرجل لامرأته: أنت عليّ كظهر أمي. وإذا وضع موضع أنت عضواً منها يعبر به عن الجملة أو مكان الظهر عضواً آخر يحرم النظر إليه من الأم كالبطن والفخذ، أو مكان الأم ذات رحم محرم منه بنسب أو رضاع أو صهر أو جماع نحو أن يقول: أنت عليّ كظهر أختي من الرضاع، أو عمتي من النسب، أو امرأة ابني، أو أبي أو أم امرأتي أو ابنتها فهو مظاهر، وإذا امتنع المظاهر من الكفارة للمرأة أن ترافعه، وعلى القاضي أن يجبره على أن يكفر وأن يحبسه، ولا شيء من الكفارات يجبر عليه ويحبس إلا كفارة الظهار لأنه يضر بها في ترك التكفير. والامتناع من الاستمتاع فإن مس قبل أن يكفر استغفر الله ولا يعود حتى يكفر، وإن أعتق بعض الرقبة ثم مس عليه أن يستأنف عند أبي حنيفة رضي الله عنه. {فَمَن لَّمْ يَجِدْ } الرقبة {فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ } فعليه صيام شهرين {مُتَتَابِعَيْنِ مِن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا فَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ } الصيام {فَإِطْعَامُ } فعليه إطعام {سِتّينَ مِسْكِيناً } لكل مسكين نصف صاع من بر أو صاع من غيره، ويجب أن يقدمه على المسيس ولكن لا يستأنف إن جامع في خلال الإطعام {ذٰلِكَ } البيان والتعليم للأحكام {لّتُؤْمِنُواْ } لتصدقوا {بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ } في العمل بشرائعه التي شرعها من الظهار وغيره ورفض ما كنتم عليه في جاهليتكم {وَتِلْكَ } أي الأحكام التي وصفنا في الظهار والكفارة {حُدُودَ ٱللَّهِ } التي لا يجوز تعديها {وَلِلْكَـٰفِرِينَ } الذين لا يتبعونها {عَذَابٌ أَلِيمٌ } مؤلم {إِنَّ ٱلَّذِينَ يُحَادُّونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ } يعادون ويشاقون {كُبِتُواْ } أخزوا وأهلكوا {كَمَا كُبِتَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ } من أعداء الرسل {وَقَدْ أَنزَلْنَا ءايَـٰتٍ بَيّنَـٰتٍ } تدل على صدق الرسول وصحة ما جاء به {وَلِلْكَـٰفِرِينَ } بهذه الآيات {عَذَابٌ مُّهِينٌ } يذهب بعزهم وكبرهم {يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ } منصوب بـ {مُّهِينٌ } أو بإضمار «اذكر» تعظيماً لليوم {ٱللَّهُ جَمِيعًا } كلهم لا يترك منهم أحداً غير مبعوث أو مجتمعين في حال واحدة {فَيُنَبّئُهُمْ بِمَا عَمِلُواْ } تخجيلاً لهم وتوبيخاً وتشهيراً بحالهم يتمنون عنده المسارعة بهم إلى النار لما يلحقهم من الخزي على رؤوس الأشهاد {أَحْصَـٰهُ ٱللَّهُ } أحاط به عدداً لم يفته منه شيء {وَنَسُوهُ } لأنهم تهاونوا به حين ارتكبوه وإنما تحفظ معظمات الأمور {وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلّ شَىْء شَهِيدٌ } لا يغيب عنه شيء. {أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوٰتِ وَمَا فِى ٱلأَرْضِ مَا يَكُونُ } من «كان» التامة أي ما يقع {مِن نَّجْوَىٰ ثَلَـٰثَةٍ } النجوى التناجي وقد أضيفت إلى ثلاثة أي من نجوى ثلاثة نفر {إِلاَّ هُوَ } أي الله {رَابِعُهُمْ وَلاَ خَمْسَةٍ إِلاَّ هُوَ سَادِسُهُمْ وَلاَ أَدْنَىٰ } ولا أقل {مِن ذَلِكَ وَلاَ أَكْثَرَ إِلاَّ هُوَ مَعَهُمْ } يعلم ما يتناجون به ولا يخفى عليه ما هم فيه وقد تعالى عن المكان علواً كبيراً وتخصيص الثلاثة والخمسة لأنها نزلت في المنافقين وكانوا يتحلقون للتناجي مغايظة للمؤمنين على هذين العددين. وقيل: ما يتناجى منهم ثلاثة ولا خمسة ولا أدنى من عدديهم ولا أكثر إلا والله معهم يسمع ما يقولون، ولأن أهل التناجي في العادة طائفة من أهل الرأي والتجارب، وأول عددهم الاثنان فصاعداً إلى خمسة إلى ستة إلى ما اقتضته الحال، فذكر عز وعلا الثلاثة والخمسة وقال: {وَلاَ أَدْنَىٰ مِن ذَلِكَ } فدل على الاثنين والأربعة، وقال {وَلاَ أَكْثَرَ } فدل على ما يقارب هذا العدد {أَيْنَ مَا كَانُواْ ثُمَّ يُنَبّئُهُم بِمَا عَمِلُواْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ } فيجازيهم عليه {إِنَّ ٱللَّهَ بِكُلّ شَىْء عَلِيمٌ }.

الخازن

تفسير : قوله عز وجل: "حديث : {قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها} نزلت في خولة بنت ثعلبة وقيل اسمها جميلة وزوجها أوس بن الصامت أخو عبادة بن الصامت وكان به لمم وكانت هي حسنة الجسم فأرادها فأبت عليه فقال لها أنت عليّ كظهر أمي ثم ندم على ما قال وكان الظهار والإيلاء من طلاق أهل الجاهلية فقال ما أظنك إلا قد حرمت عليّ فقالت والله ما ذاك طلاق فأتت رسول الله صلى الله عليه وسلم وعائشة تغسل شق رأسه فقالت يا رسول الله إن زوجي أوس بن الصامت تزوجني وأنا شابة غنية ذات أهل ومال حتى إذا أكل مالي وأفنى شبابي وتفرق أهلي وكبر سني ظاهر مني وقد ندم فهل من شيء يجمعني وإياه وتنعشني به فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم حرمت عليه فقالت يا رسول الله والذي أنزل عليك الكتاب ما ذكر الطلاق وإنه أبو ولدي وأحب الناس إليّ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم حرمت عليه فقالت أشكو إلى الله فاقتي ووحدتي قد طالت له صحبتي ونثرت له بطني فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أراك إلا قد حرمت عليه ولم أومر في شأنك بشيء فجعلت تراجع رسول الله صلى الله عليه وسلم وكلما قال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم حرمت عليه هتفت وقالت أشكو إلى الله فاقتي ووحدتي وشدة حالي وإن لي صبية صغاراً إن ضممتهم إليّ جاعوا وإن ضممتهم إليه ضاعوا وجعلت ترفع رأسها إلى السماء وتقول اللهم أشكو إليك اللهم فأنزل على لسان نبيك فرجي وهذا كان أول ظهار في الإسلام، فقامت عائشة تغسل شق رأسه الآخر فقالت انظر في أمري جعلني الله فداءك يا نبي الله فقالت عائشة أقصري حديثك ومجادلتك أما ترين وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا نزل عليه الوحي أخذه مثل السبات فلما قضي الوحي قال ادعي لي زوجك فتلا عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها الآية تفسير : (ق) عن عائشة قالت الحمد لله الذي وسع سمعه الأصوات لقد جاءت المجادلة خولة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وكلمته في جانب البيت وما أسمع ما تقول فأنزل الله {قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله} الآية وأما تفسير الآية فقوله تعالى قد سمع الله قول التي تجادلك أي تحاورك وتخاصمك وتراجعك في زوجها أي في أمر زوجها {وتشتكي إلى الله} أي شدة حالها وفاقتها ووحدتها، {والله يسمع تحاوركما} أي مراجعتكما الكلام {إن الله سميع} أي لمن يناجيه ويتضرع إليه {بصير} أي بمن يشكو إليه ثم ذم الظهار فقال تعالى: {الذين يظاهرون منكم من نسائهم}.

القمي النيسابوري

تفسير : القراءات {يظاهرون} من المظاهرة: عاصم {يظهرون} بتشديد الظاء والهاء من الظهر وأصله " يتظهرون " أدغمت التاء في الظاء: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو وسهل ويعقوب. والباقون {يظاهرون} بتشديد الظاء ويزادة الألف من التظاهر وأصله " يتظاهرون" {ما هن أمهاتهم} بالرفع: المفضل. الآخرون: بكسر التاء على إعمال " ما " عمل ليس هذه هي الفصحى {ما تكون} بتاء التأنيث: يزيد وهو ظاهر. الآخرون: على التذكير بناء على أن التقدير ما يقع شيء من نجوى. {ولا أكثر} بالرفع: يعقوب إما على الابتداء كقولك " لا حول ولا قوة" أو للعطف على محل {من نجوى} الباقون: بالنصب على أن " لا " لنفي الجنس أو على أنهما مجروران عطفاً على {نجوى} كأنه قيل: ما يكون من أدنى ولا أكثر إلا هو معهم. أو عطفاً على العدد والتقدير: ما يكون من نجوى أكثر من ذلك {وتتناجوا} على باب الافتعال: حمزة ورويس {ولا تتناجوا} من الافتعال أيضاً. رويس. {المجالس} على الجمع: عاصم {انشزوا} بضم الشين فيهما: أبو جعفر ونافع وأبن عامر وعاصم غير يحيى وحماد والهراز. الآخرون: بالكسر فيهما وهما لغتان مثل {يعرشون} و {يعرشون} {ورسلي} بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وابن عامر {عشيراتهم} على الجمع: الشموني {كتب} مجهولاً الإيمان بالرفع: المفضل. الوقوف: {تحاوركما} ط {بصير} ه {ما هن أمهاتهم} ط {ولدنهم} ط {وزوراً} ط {غفور} ه {يتماسا} ط {به} ط {خبير} ه {يتماسا} ج {مسكيناً} ط {ورسوله} ط {الله} ط {أليم} ه {بينات} ق {مهين} ه ط لاحتمال تعلق الظرف بما قبله وكونه مفعولاً لاذكر {عملوا} ط {ونسوه} ط {شهيد} ه {وما في الأرض} ه {كانوا} ج لأن " ثم " للعطف أو لترتيب الاخبار {القيامة} ط {عليم} ه {الرسول} ز لعطف الجملتين المتفقتين معنى مع أن {جاؤك} فعل ماض لفظاً {به الله} لا لأن ما بعده حال أو عطف على {جاؤك} لمستقبل معنى {نقول} ط {جهنم} ط لاحتمال الحال وكونه مستأنفاً {يصلونها} ج {المصير} ه {والتقوى} ج {تحشرون} ه {بإذن الله} ط {المؤمنون} ه {يفسح الله لكم} ج لابتداء شرط آخر مع العطف {منكم} لا للعطف {درجات} ط {خبير} ه {صدقة} ط {وأطهر} ط {رحيم} ه {صدقات} ط لتناهي الاستفهام إلى الشرط {ورسوله} ط {تعملون} ه {عيلهم} ط لتناهي الاستفهام إلى الإخبار {منهم} لا بناء على أن ما بعده حاله والعامل معنى الفعل في الجار أي وهم يحلفون قاله السجاوندي ولا يبعد عندي أن يكون مستأنفاً فيحسن الوقف. {يعلمون} ه {شديداً} ط {يعملون} ه {مهين} ه {شيئاً} ط {النار} ط {خالدون} ه {على شيء} ط {الكاذبون} ه {ذكر الله} ط {أولئك حزب الشيطان} ط {الخاسرون} ه ه {الأذلين} ه {رسلي} ط {عزيز} ه {عشيرتهم} ط {بروح منه} ط للعدول عن الماضي إلى المستقبل {فيها} ط {عنه} ط {أولئك حزب الله} ط {المفلحون} ه. التفسير: عن عائشة قالت: الحمد لله الذي وسع سمعه الأصوات، لقد كلمت المجادلة رسول الله صلى الله عليه وسلم في جانب البيت وأنا عنده لا أسمع وقد سمع الله لها. وعن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا دخلت عليه أكرمها وقال: قد سمع الله لها أي أجاب وهي خولة بنت ثعلبة امرأة أوس بن الصامت أخي عبادة. ورآها وهي تصلي وكانت حسنة الجسم فلما سلمت راودها فأبت فغضب وكان به حدة فظاهر منها، فأتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: إن أوساً تزوّجني وأنا شابة مرغوب فيّ، فلما كبر سني ونثرت بطني أي كثر منه ولدي جعلني منه كأمه. وفي رواية أنها قالت: إن لي صبية صغاراً إن ضممتهم إليه ضاعوا وإن ضممتهم إليّ جاعوا. فقال صلى الله عليه وسلم لها: ما عندي في أمرك شيء. وروي أنه قال لها مراراً: حرمت عليه. وهي تقول: أشكو إلى الله فاقتي ووجدي فنزلت. ومعنى {في زوجها} في شأنه ومعنى " قد" في {قد سمع الله} التوقع لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم والمجادلة كانا يتوقعان أن يسمع الله عز وجل مجادلتها وشكواها وينزل في شأنها ما يفرج عنها. والتحاور التراجع في الكلام وفي الآية دلالة على أن من انقطع رجاؤه عن الخلق كفاه الله همه. حديث : يروى أنه صلى الله عليه وسلم أرسل إلى زوجها وقال: ما حملك على ما صنعت؟ فقال: الشيطان، فهل من رخصة؟ فقال صلى الله عليه وسلم: نعم وقرأ عليه الآيات الأربع وقال صلى الله عليه وسلم له: هل تستطيع العتق؟ فقال: لا والله. فقال: فهل تستطيع أن تطعم ستين مسكيناً؟ فقال: لا والله يا رسول الله إلا أن تعينني منك بصدقة فأعانه بخمسة عشر صاعاً وأخرج أوس من عنده مثله فتصدق به على ستين تفسير : . وعلم أن الظهار كان من أشد طلاق الجاهلية لأنه في التحريم غاية فإن كان شرعاً متقدماً فالآية ناسخة له ولا سيما فيمن روى أنه صلى الله عليه وسلم قال لها: حرمت عليه. وإن كان عادة الجاهلية فلا نسخ لأن النسخ لا يوجد إلا في الشرائع. ثم إنه سبحانه وبخ العرب أوّلاً بقوله {الذين يُظاهِرُونَ منكم} ثم بين الحكم العام في الآية الثانية ولهذا لم يورد لفظة منكم ونحن نبني تفسير الآية على أبحاث الأول في معنى الظهار وهو عبارة عن قول الرجل لامرأته "أنت عليّ كظهر أمي" فاشتقاقه من الظهر. وقال صاحب النظم: ليس الظهر بذلك أولى في هذا المطلوب من سائر الأعضاء التي هي موضع التلذذ فهو مأخوذ من ظهر إذا علا وغلب وبه سمي المركوب ظهراً لأن راكبه يعلوه، وكذلك امرأة الرجل مركبه وظهر له. والدليل على صحة هذا المعنى أن العرب تقول في الطلاق: نزلت عن امرأتي أي طلقتها. وفي لفظ الظهار إضمار والتقدير: ظهرك عليّ أي علوي وركوبي عليك حرام علي كعلو أمي. ثم لا مناقشة بين العلماء في الصلات فلو قال: أنت معي أو عندي أو مني أو لي كظهر أمي صح ظهاره. وكذا لو ترك الصلات كلها وقال: أنت كظهر أمي كما أن قوله "أنت طالق" صريح وإن لم يقل "مني" أما إذا شبهها بغير الظهر فذهب الشافعي إلى أن ذلك العضو إن كان مشعراً بالإكرام كقوله أنت علي كروح أمي أو عين أمي صح ظهاره إن أراد الظهار لا الإكرام وإلا فلا. وإن لم ينو شيئاً ففيه قولان، وإن لم يكن مشعراً بالكرامة كقوله أنت كرجل أمي أو كيدها أو بطنها ففي الجديد ظهار، وفي القديم لا، وقد يرجح هذا البراءة الأصلية. وقال أبو حنيفة: إن شبهها بعضو من الأم يحل له النظر إليه كاليد أو الرأس لم يكن ظهاراً، وإن شبهها بعضو يحرم النظر إليه كالبطن والفخذ كان ظهاراً. وفي التشبيه بالمحرمات الأخر من النسب أو الرضاع سوى الأم في الجديد وعليه أبو حنيفة أنه ظهار لعموم قوله {يظاهرون} ومن قصره على الأم احتج بقوله بعده {ما هنّ أمهاتهم} وبأن حرمة الأم أشد. البحث الثاني في المظاهر وفيه مسائل: الأولى: قال الشافعي: كل من صح طلاقه صح ظهاره وإن كان خصياً أو مجبوباً، ويتفرع عليه أن ظهار الذمي صحيح. حجة الشافعي عموم قوله تعالى {والذين يظاهرون} وأيضاً تأثير الظهار في التحريم والذمي أهل لذلك بدليل صحة طلاقه. وأيضاً إيجاب الكفارة للزجر عن هذا الفعل الذي هو منكر من القول وزور وهذا المعنى قائم في حق الذمي. وقال أبو حنيفة ومالك: لا يصح ظهاره. واحتج أبو بكر الرازي لهما بأن قوله {والذين يظاهرون منكم} خطاب للمؤمنين. وأيضاً من لوازم الظهار تصحيح وجوب الصوم على العائد العاجز عن الإعتاق وإيجاب الصوم على الذمي ممتنع لأنه مع الكفر باطل، وبعد الإسلام غير لازم لأنه يجب ما قبله. وأجيب عن الأول بأن قوله {منكم} خطاب للحاضرين فلم قلتم: إنه يختص بالمؤمنين؟ على أن التخصيص بالذكر عندكم لا يدل على نفي ما عداه. وأيضاً العام عندكم إذا أورد بعد الخاص كان ناسخاً للخاص. وعن الثاني أن من لوازم الظهار أيضاً أنه حين عجز عن الصوم اكتفي منه بالإطعام فهو ههنا إن تحقق العجز وجب أن يكتفي فيه بالإطعام، وإن لم يتحقق العجز زال السؤال. وأيضاً الصوم بدل عن الإعتاق والبدل أضعف عن المبدل. ثم إن العبد عاجز عن الإعتاق مع أنه يصح ظهاره بالاتفاق فإذا كان فوات أقوى اللازمين لا يوجب منع الظهار ففوات الأضعف كيف يمنع؟ وقال القاضي حسين من أصحاب الشافعي في الجواب: نقول للذمي إن أردت الخلاص من التحريم فأسلم وصم قوله الإسلام يجب ما قبله. قلنا: إنه عام والتكفير خاص والخاص مقدّم على العام. الثانية قال مالك وأبو حنيفة والشافعي: لا يصح ظهار المرأة من زوجها وهو ظاهر ولو قال شهراً فقد قال أبو حنيفة والشافعي: بطل ظهاره بمضي المدة وكان قبل ذلك صحيحاً لام روي أن سلمة بن صخر ظاهر من امرأته حتى ينسلخ رمضان ثم وطئها في المدة فأمره النبي صلى الله عليه وسلم بتحرير رقبة. وأما بطلان ظهاره بعد المدة فلمقتضى اللفظ كما في الأيمان. فإذا مضت المدة حل الوطء لارتفاع الظهار وبقيت الكفارة في ذمته. وقال مالك وابن أبى ليلى: هو مظاهر أبداً. البحث الثالث في المظاهر عنها. ويصح الظهار عن الصغيرة والمجنونة والأمة المتزوّجة والذمية والرتقاء والحائض والنفساء، ولا يصح عن الأجنبية سواء أطلق أو علق بالنكاح فقال "إذا نكحتك فأنت عليّ كظهر أمي". ويصح عن الرجعية ولا يصح عن الأمة وأم الولد عند أبي حنيفة والشافعي لأن قوله تعالى {والذين يظاهرون من نسائهم} يتناول الحرائر دون الاماء كما في قوله {أية : أو نسائهن} تفسير : [النور: 31] بدليل أنه عطف عليه قوله {أية : أو ما ملكت أيمانهن}تفسير : [النور: 31] وقال مالك والأوزاعي: يصح لأن قوله {من نسائهم} يشمل ملك اليمين لغة. وفي الآية سؤال وهو أن المظاهر شبّه الزوجة بالأم ولم يقل إنها أم فيكف أنكر الله عليه بقوله {ما هن أمهاتهم} وحكم بأنه منكر وزور؟ والجواب أن قوله " أنت عليّ كظهر أمي " إن كان إخباراً فهو كذب لأن الزوجة حلال والأم حرام وتشبيه المحللة بالمحرمة في وصف الحل والحرمة كذب، وإن كان إنشاء كان معناه أن الشرع جعله سبباً في حصول الحرمة، ولما لم يرد الشرع بهذا السبب كان الحكم به كذباً وزوراً ولهذا أوجب الله سبحانه الكفارة على صاحب القول بعد العود. سؤال آخر قوله تعالى {إن أمهاتهم إلا اللائي ولدنهم} ظاهره يقتضي أنه لا أم إلا الوالدة لكنه قال في موضع آخر{أية : وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم} تفسير : [النساء: 23] وقال {أية : وأزواجه أمهاتهم} تفسير : [الأحزاب: 6] أجاب في الكشاف بأنه يريد أن الأمهات على الحقيقة إنما هن الوالدات وغيرهن ملحقات بهن لدخولهن في حكمهن بسبب الإرضاع، أو لكونها زوجة النبي صلى الله عليه وسلم الذي هو أبو الأمة. وأما الزوجات فلسن من أحد القبيلين وكان قول المظاهر منكراً لمخالفة الحقيقة وزوراً لعدم موافقة الشرع. قوله {ثم يعودون لما قالوا} قال الفراء: لا فرق في اللغة بين قولك عاد لما قال وإلى ما قال وفيما قال. وقال أبو علي الفارسي: كلمة إلى واللام يتعاقبان قال الله تعالى {أية : الحمد لله الذي هدانا لهذا}تفسير : [الأعراف: 43] وقال {أية : فاهدوهم إلى صراط الجحيم} تفسير : [الصافات: 23] وقال أهل اللغة: إذا قال قائل عاد لما فعل جاز أن يريد أنه فعله مرة أخرى وهذا ظاهر، وجاز أن يريد أن نقض ما فعل لأن التصرف في الشيء بالإعدام لا يمكن إلا بالعودة إليه، وإلى هذا ذهب أكثر المجتهدين إلا أن الشافعي قال: معنى العود لما قالوا السكوت عن الطلاق قعد الظهار زماناً يمكنه أن يطلقها فيه، وذلك أنه لما ظاهر فقد قصد التحريم فإن وصل ذلك بالطلاق فقد تمم ما شرع فيه من إيقاع التحريم ولا كفارة عليه، فإذا سكت عن الطلاق دل على أنه ندم على ما ابتدأه من التحريم فحينئذ تجب عليه الكفارة. واعترض أبو بكر الرازي في أحكام القرآن عليه من وجهين: الأول أنه تعالى قال {ثم يعودون} وكلمة " ثم " تقتضي التراخي. وعلى قول الشافعي يكون المظاهر عائداً عقيب القول بلا تراخ وهذا خلاف مفهوم الآية. الثاني أنه شبهها بالأم والأم لا يحرم إمساكها فلا يكون إمساك الزوجة نقضاً لما قال. وأجيب عن الأول بأنه يوجب أن لا يتمكن المظاهر من العود إليها بهذا التفسير عقيب فراغه من التلفظ بلفظ الظهار حتى يحصل التراخي مع أن الأمة مجمعة على أن له ذلك. والتحقيق أن العبرة بالحكم ونحن لا نحكم بالعود ما لم ينقض زمان يمكنه أن يطلقها فيه فقد تأخر كونه عائداً عن كونه مظاهراً بهذا القدر من الزمان وهذا يكفي في العمل بمقتضى كلمة " ثم ". وعن الثاني أن المراد إمساكها على سبيل الزوجية واللفظ محتمل لهذا وإمساك الأم بهذا الوجه محرم. وقال أبو حنيفة: معناه استباحة الوطء والملامسة والنظر إليها بالشهوة، وذلك أنه لام شبهها بالأم في حرمة هذه الأشياء ثم قصد استباحتها كان مناقضاً لقوله " أنت عليّ كظهر أمي". وقال مالك: العود إليها عبارة عن العزم على جماعها، وضعف بأن العزم على جماعها لا يناقض كونها محرمة إنما المناقض لكونها محرمة هو القصد إلى استحلال جماعها فيرجع إلى قول أبي حنيفة. ولا يرد عليه إلا أنه خص وجه التشبيه من غير دليل، والذي ذكره الشافعي أعم وأقل ما يطلق عليه اسم العود فكان أولى. وعن طاوس والحسن أن العود إليها عبارة عن جماعها وخطىء لقوله {فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا} وإذا كان التكفير قبل الجماع والتكفير لا يثبت إلا بعد العود فالعود غير الجماع. وأما الاحتمال الأول وهو أن العود لما فعل هو فعلة مرة أخرى ففيه أيضاً وجوه: الأول: قول الثوري: إن العود هو الإتيان بالظهار في الإسلام وزيف بأنه يرجع حاصل المعنى إلى قوله {والذين} كانوا {يظاهرون من نسائهم} في الجاهلية {ثم يعودون لما قالوا} في الإسلام {فكفارته} كذا وكذا وهذا إضمار من غير دليل مع أنه خلاف الأصل. الثاني قال أبو العالية: إذا كرر لفظ الظهار فهو عود وإلا فلا. وضعف بحديث أوس وحديث سلمة بن صخر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لزمهما الكفارة مع أنهما لم يكررا الظهار. الثالثة: قال أبو مسلم الأصفهاني: العود هو أن يحلف على ما قال أوّلاً من لفظ الظهار فإذا لم يحلف لم تلزمه الكفارة قياساً على ما لو قال في بعض الأطعمة " إنه حرام عليّ كلحم الآدمي " فإنه لا يلزمه الكفارة إلا إذا حلف عليه. ورد بأن الكفارة قد تجب بالإجماع في المناسك ولا يمين. وعندي أن هذا الرد مردود لأنه لا يلزم من وجوب الكفارة في الصورتين من غير يمين وجوبها في كل صورة بلا يمين. نعم يرد على أبي مسلم أن تفسير العود بالحلف إثبات اللغة بالقياس، ولا يخفى أن العود لما قالوا على هذا الاحتمال ظاهر لأنه أريد بالقول اللفظ. وأما الاحتمال الآخر فيحتاج إلى تأويل القول بالمقول فيه وهو ما حرموه على أنفسهم بلفظ الظهار كما مر في قوله {أية : ونرثه ما يقول}تفسير : [مريم: 81] أي المال والواو للحال. مسائل: الأولى: الجديد وأبو حنيفة أن الظهار يحرم جميع جهات الاستمتاعات لأن قوله سبحانه {من قبل أن يتماسا} يعم جميع ضروب المس من المس بيد وغيرها. حديث : وروى عكرمة أن رجلاً ظاهر من امرأته ثم واقعها قبل أن يكفر فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره بذلك فقال: اعتزلها حتى تكفِّر تفسير : . الثانية: اختلفوا فيمن ظاهر مراراً فقال أبو حنيفة والشافعي: لكل ظهار كفّارة إلا أن يكون في مجلس واحد وأراد التكرار للتأكيد. وقال مالك: من ظاهر من امرأته في مجالس متفرقة فليس عليه إلا كفّارة واحدة. وحجتهما أنه تعالى رتب الكفّارة على التلفظ بكلمة الظهار والمعلول يتكرر بتكرر العلة، ويتفرع عليه أنه لو كانت تحته أربع نسوة وقال لهن: أنتن عليّ كظهر أمي لزمه أربع كفارات لأن الحكم يتكرر ويتعدّد المحل. حجته أنه رتب الكفارة على مطلق الظهار والمطلق شامل للمتعدد، ونوقض باليمين فإن الكفارة لازمة في كل يمين. الثالثة: دلت على إيجاب الكفارة قبل التماس فإن جامع قبل أن يكفر لم يجب عليه إلا كفارة واحدة وهو قول أكثر أهل العلم كمالك وأبي حنيفة والشافعي وسفيان وأحمد وإسحق، لأن سلمة بن صخر قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: ظاهرت من امرأتي ثم أبصرت خلخالها في ليلة قمراء فواقعتها. فقال عليه الصلاة والسلام: استغفر ربك ولا تعد حتى تكفّر. وقال بعضهم ومنهم بعد الرحمن بن مهدي: إذا واقعها قبل أن يكفر فعليه كفارتان. الرابعة: لا ينبغي للمرأة أن تدع الزوج يقربها حتى يكفّر فإن تهاون حال الإمام بينهما ويجبره على التكفير وإن كان بالضرب حتى يوفيها حقها من الجماع. قال الفقهاء: ولا شيء من الكفارات يجبر عليه ويحبس إلا كفارة الظهار لأن ترك التكفير إضرار بالمرأة وامتناع من إيفاء حقها. الخامسة: قد ذكرنا أن الاستمتاعات محرمة عليه إلى أن يكفّر وذلك صريح في تحرير الربة وفي الصيام والآن نقول: إن التكفير بالإطعام أيضاً كذلك وإن لم يتعرض للتماس في قوله {فإطعام ستين مسكيناً} حملاً للمطلق على المقيد عند اتحاد الواقعة، وللأقل وهو صورة واحدة على الأكثر وهذه من فصاحات القرآن. السادسة: مذهب أبي حنيفة أن هذه الرقبة تجزي وإن كانت كافرة لإطلاق الآية. وقال الشافعي: لا بد أن تكون مؤمنة قياساً على كفارة القتل. والجامع أن الإعتاق إنعام والمؤمن أولى به، ولأن المشركين نجس وكل نجس خبيث بالإجماع. وقال الله تعالى {أية : ولا تيمموا الخبيث} تفسير : [البقرة: 267] ولا تجزي أم الولد ولا المكاتب عند الشافعي لضعف الملكية فيه ولا يحصل الجزم بالخروج عن العهدة. وقال أبو حنيفة: إن أعتقه قبل أن يؤدي شيئاً جاز عن الكفارة لأنه رقبة بدليل قوله {أية : وفي الرقاب}تفسير : [البقرة: 177] وإن أعتقه بعد أن يؤدي شيئاً لم يجز. والمدبر يجزي عند الشافعي ولا يجزي عند أبي حنيفة. السابعة: يعتبر في الرقبة بعد الإيمان على خلاف فيه السلامة عن العيوب لا التي يثبت بها الرد في البيع ولكن التي تخل بالعمل والاكتساب لأن المقصود هناك المالية وههنا تكميل حاله ليتفرغ للعبادات والوظائف المخصوصة بالأحرار، فلا يجزي مقطوع اليدين أو الرجلين أو إحداهما ولا المجنون، ويجزي الأعور والأصم والأخرس ومقطوع الأذنين أو الأنف أو أصابع الرجلين لا أصابع اليد لأن البطش والعمل يتعلق بها. والعبد الغائب. إن انقطع خبره لا يجزي ولو أعتق بعده عن كفارته شرط أن يردّ ديناراًَ أو غيره لم يجز بل يجب أن يكون الإعتاق خالياً من شوائب العوض. الثامنة: كفارة الظهار مرتبة على ما في الآية. فإن كان في ملكه عبد فاضل عن حاجته فواجبه هو، وإن احتاج إلى خدمته لمرض أو كبر أو لأن منصبه يأبى أن يخدم نفسه لم يكلف صرفه إلى الكفارة، ولو وجد ثمن العبد فكالعبد. والشرط أن يفضل عن حاجة نفقته وكسوته ونفقة عياله وكسوتهم وعن المسكن وما لا بدّ له من الأثاث ولو كانت له ضيعة أو رأس مال يتجر فيه ويفي ما يحصل منهما بكفايته بلا مزيد ولو باعهما لارتدّ إلى حد المساكين لم يكلف صرفه إلى الكفارة. ولو وجد ثمن العبد فكالعبد والشرط بيعها وإن كان ماله غائباً أو لم يجد الرقبة في الحال لم يجز العدول إلى الصوم بل يصبر، وإن كان يتضرر بامتناع الابتياع لأنه تعالى قال {فمن لم يجد} وهو واجد. أما من كان مريضاً في الحال ولا يقدر على الصوم فإنه ينتقل إلى الإطعام لأنه تعالى قال {فمن لم يستطع} وهو غير مستطيع، والمآل غير معلوم ولا هو متعلق باختياره بخلاف إحضار المال أو تحصيل الرقبة فإن ذلك قد يمكنه. التاسعة: لو أطعم مسكيناً واحداً ستين مرة لا يجزي عند الشافعي لظاهر الآية، ولأن إدخال السرور في قلب ستين أجمع وأقرب من رضا الله. وقال أبو حنيفة: يجزي. العاشرة: الشبق المفرط والغلمة عذر عند الأكثرين في الانتقال إلى الإطعام كما في قصة الأعرابي وهل أتيت إلا من قبل الصوم فأمره النبي صلى الله عليه وسلم وقال: أطعم. وحمله آخرون على خاصة الأعرابي. ولنكتف بهذا القدر من المسائل الفقهية في تفسير آية الظهار. قال الزجاج {ذلكم توعظون} أي ذلك التغليظ وعظ لكم حتى تتركوا الظهار. وحين ذكر حكم الآية عقبه بقوله ذلك فيحتمل أن يعود إلى مطلق بيان كفارة الظهار، ويحتمل أن يعود إلى التخفيف والتوسيع لتصدقوا بالله ورسوله فإن التخفيف مناسب للتصديق والعمل بالشريعة {وللكافرين} الذين استمروا على أحكام الجاهلية {عذاب أليم} وإنما قال في الآية الثانية {عذاب مهين} ليناسب قوله {كبتوا} أي أخزوا وأهلكوا. قيل: أريد كبتهم يوم الخندق. وفي الحدود مع المحادة نوع من التجانس، والمحادّة المشاقة من الحد الطرف كأن كلاً من المتخاصمين في طرف آخر كالمشاقة من الشق. وقال أبو مسلم: هي من الحديد كأن كلا منهما يكاد يستعمل الحديد أي السيف وهم المنافقون أو الكافرون على الإطلاق. قوله {أحصاه الله} أي أحاط بما عمل كل منهم كماً وكيفاً وزماناً ومكاناً {ونسوه} لكثرته أو لقلة اكتراثهم بالمعاصي وإنما يحفظ معظمات الأمور. ثم قرر كمال علمه بقوله {ما يكون من نجوى ثلاثة} نفر ويجوز أن يكون ثلاثة وصفاً للنجوى على حذف المضاف أي من أهل نجوى، أو لأنهم جعلوا نجوى مبالغة وكذلك كل مصدر وصف به. قال الزجاج: هي مشتقة من النجوة المكان المرتفع لأن الكلام المذكور سراً يجل عن استماع الغير. سؤال: لم ذكر الثلاثة والخمسة وأهمل ذكر الاثنين والاربعة؟ الجواب من وجوه أحدها: أن الآية نزلت في قوم من المنافقين اجتمعوا على التناجي مغايظة للمؤمنين وكانوا على هذين العددين فحص صورة الواقعة بالذكر. عن ابن عباس أن ربيعة وحبيباً ابني عمرو وصفوان بن أمية كانوا يوماً مّا يتحدثون فقال أحدهم: أترى أن الله يعلم ما نقول. فقال الآخر: يعلم بعضاً ولا يعلم بعضاً. وقال الثالث: إن كان يعلم بعضاً فهو يعلم كله فنزلت. قالت جماعة: الحق مع الثالث فلعل الآخر كان فلسفي الاعتقاد القائل بأنه تعالى يعلم الكليات دون الجزئيات. ثانيها أن العدد الفرد أشرف من الزوج لأن الله تعالى وتر ولأن الزوج يحتاج إلى الوتر دون العكس كالواحد. وثالثها أن المتشاورين الاثنين كالمتنازعين في النفي والإثبات، والثالث كالمتوسط الحكم وهكذا في كل زوج اجتمعوا للمشاورة فلا بد فيهم من واحد يكون حكماً فذكر سبحانه الفردين الأولين تنبيهاً على الأفراد الباقية. ورابعها أن هذا إشارة إلى كمال المرحمة، وذلك أن الثلاثة إذا أخذ اثنان منهم في التناجي والمسارّة بقي الواحد ضائعاً وحيداً فيضيق قلبه فيقول الله تعالى: أنا جليسك وأنيسك. وكذا الخمسة إذا اجتمع اثنان اثنان منهم بقي الخامس فريداً فنفس الله تعالى عنه ببشارة المعية. وهذا التأويل لا يتأتى في الاثنين والأربعة فأهمل ذكرهما. وفيه أن من انقطع عن الخلق لم يتركه الله ضائعاً. وخامسها وهو من السوانح. أنه سبحانه لما أراد تكميل الكلام بقوله {ولا أدنى من ذلك ولا أكثر} لم يكن بد من الابتداء بالثلاثة مع أنها عدد أكثري في التشاور، ثم بالخمسة ليكون لكل من العددين طرفا قلة وكثرة. وفيه أيضاً من الفصاحة أنه لم يقع حروف الأربعة مكرراً إذ لو قال " ولا أربعة إلا وهو خامسهم " على ما وقع في مصحف عبد الله لكان في ذكر الرابع والأربعة شبه تكرار. ولعل في الآية إشارة إلى التناجي لا ينبغي أن يكون إلا بين اثنين إلى ستة لتكون الزيادة على الخمسة بقدر احتمال النقصان على الثلاثة، ويعضده ما روي أن عمر بن الخطاب ترك الأمر شورى بين ستة ولم يتجاوز بها إلى سابع، وهذه من نكت القرآن زادنا الله اطلاعاً عليها. قال أكثر المفسرين: كانت اليهود والمنافقون يتناجون فيما بينهم ويتغامزون بأعينهم إذا رأوا المؤمنين يريدون بذلك غيظهم، فنهاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك فعادوا لمثله وكان تناجيهم بما هو إثم وعدوان للمؤمنين وتواص بمحالفة الرسول صلى الله عليه وسلم فنزل {ألم تر إلى الذين} الآية منهم من قال: هم المنافقون ومنهم من قال: فريق من الكفار. والأول أقرب بدليل قوله {وإذا جاؤك حيوك بما لم يحيك} وذلك أنهم كانوا يقولون " السلام عليك يا محمد " والله تعالى يقول {أية : وسلام على عباده الذين اصطفى} تفسير : [النمل: 59] و " يا أيها الرسول " و " يا أيها النبي ". وحديث عائشة مع اليهود في هذا المعنى مذكور مع شهرته وكانوا يقولون: ما له إن كان نبياً لا يدعو علينا حتى يعذبنا الله بما نقول، فأجاب الله تعالى عن قولهم بأن جهنم تكفيهم. قال أبو علي: التناجي والانتجاء بمعنى نحو اجتوروا واعتوروا في معنى تجاوروا وتعاوروا. ثم نهى المؤمنين عن مثل تلك النجوى وهو ظاهر. وقال جمع من المفسرين: وهو خطاب المنافقين الذين آمنوا باللسان دون مواطأة القلوب. وأعلم أن المناجاة إذا كانت على طريقة البر والتقوى فقلما تقع الداعية إلى كتمانها فلا تكره النجوى ولا يتأذى بها أحد إذا عرفت سيرة المناجي فلهذا أمر الله سبحانه أن لا يقع التناجي إلا على وجه البر. قوله {إنما النجوى} الألف واللام فيه لا يمكن أن تكون للاستغراق أو للجنس، فمن النجوى ما تكون ممدوحة لاشتمالها على مصلحة دينية أو دنيوية فهي إذن للعهد وهو التناجي بالإثم والعدوان زينة الشيطان لأجلهم {ليحزن} الشيطان، أو التناجي المؤمنين وكانوا يقولون ما نراهم متناجين إلا وقد بلغهم عن أقاربنا الذين خرجوا إلى الغزوات أنهم قتلوا أو هربوا. ثم بين أن الشيطان أو الحزن لا يضر المؤمن أصلاً إلا بمشيئة الله وإرادته. عن النبي صلى الله عليه وسلم "حديث : إذا كنتم ثلاثة فلا يتناجى اثنان دون صاحبهما فإن ذلك يحزنه" تفسير : وفي رواية " دون الثالث". وحين نهى تعالى عباده المؤمنين عما يكون سبباً للتباغض والتنافر حثهم على ما يوجب مزيد المحبة والألفة. والتفسح في المجلس التوسع لله والمراد مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا يتضامّون فيه تنافساً في القرب منه وحرصاً على استماع كلامه. ومن قرأ على الجمع جعل لكل جالس مجلساً على حدة. وقيل: هو المجلس من مجالس القتال أي مراكز القتال. كان الرجل يأتي الصف فيقول: تفسحوا. فيأبون حرصاً على الشهادة. والقول الأول أصح. قال مقاتل بن حيان: كان صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة في الصفة وفي المكان ضيق وكان يكرم أهل بدر من المهاجرين والأنصار، فجاء ناس من أهل بدر وقد سبقوا إلى المجلس فقاموا حيال النبي صلى الله عليه وسلم ينتظرون أن يوسع لهم، فعرف رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يحملهم على القيام وشق ذلك على الرسول فقال لمن حوله من غير أهل بدر: قم يا فلان قم يا فلان. فلم يزل كذلك حتى أقعد النفر الذين هم قيام بين يديه فعرفت الكراهية في وجه من أقيم من مجلسه، وطعن المنافقون في ذلك قالوا: والله ما عدل على هؤلاء وإن قوماً أخذوا مجالسهم وأحبوا القرب منه فأقامهم فأجلس من أبطأ عنه فنزلت {وإذا قيل انشزوا} أي انهضوا للتوسعة على المقبلين فانشزوا ولا تملوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالارتكاز فيه {يرفع الله الذين آمنوا منكم} أيها الممتثلون والعالمين منهم خاصة {درجات} قال بعض أهل العلم: المراد به الرفعة في مجلس النبي صلى الله عليه وسلم وهو مناسب للمقام لقوله "حديث : ليليني منكم أولو الأحلام والنهي " تفسير : والمشهور أنه الرفعة في درجات ثواب الآخرة وقد أطنبنا في فضيلة العلم في أوائل البقرة عند قوله {أية : وعلم آدم الأسماء كلها}تفسير : [البقرة: 31] والأمر يقتضي أن يقتدى بالعالم في كل شيء ولا يقتدى بالجاهل في شيء، وذلك أنه يعلم من كيفية الاحتراز عن الحرام والشبهات ومحاسبة النفس ما لا يعرفه الغير، ويعلم من كيفية التوبة وأوقاتها وصفاتها ما لا خبر فيه عند غيره، ويتحفظ فيما يلزمه من الحقوق ما لا يتحفظ غيره ولكنه كما تعظم منزلته عند الطاعة ينبغى أن يعظم عتابه عند التقصيرات حتى كاد تكون الصغيرة بالنسبة إليه كبيرة، واللهم ثبتنا على صراطك المستقيم ووفقنا للعمل بما فهمنا من كتابك الكريم. قال ابن عباس: كان المسلمون أكثروا المسائل على رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى شقوا عليه وأراد الله أن يخفف عن نبيه، فلما نزلت آية النجوى شح كثير من الناس فكفوا عن المسئلة. وقال مقاتل بن حيان: إن الأغنياء غلبوا الفقراء في مجلس النبي صلى الله عليه وسلم وأكثروا مناجاته فأمر الله بالصدقة عند المناجاة فازدادت درجة الفقراء وانحطت رتبة الأغنياء وتميز محب الآخرة عن محب الدنيا. قال بعضهم: هذه الصدقة مندوبة لقوله {ذلك خير لكم} ولأنه أزيل العمل به بكلام متصل وهو قوله {أأشفقتم} والأكثرون على أنها كانت واجبة لظاهر الأمر , والواجب قد يوصف بكونه خيراً ولا يلزم من اتصال الآيتين في القراءة اتصالهما في النزول. وقد يكون الناسخ متقدماً على المنسوخ كما مر في آية الاعتداد بالحول في البقرة. واختلفوا في مقدار تأخرها: فعن الكلبي ما بقى ذلك التكليف إلا ساعة من نهار. وعن مقاتل بقي عشرة أيام. وعن علي رضي الله عنه: لما نزلت الآية دعاني رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ما تقول في دينار؟ قلت: لا يطيقونه. قال: كم؟ قلت: حبة أو شعيرة. قال: إنك لزهيد أي إنك لقليل المال فقدرت على حسب مالك. وعنه عليه السلام: إن في كتاب الله آية ما عمل بها أحد قبلي ولا يعمل بها أحد بعدي. كان لي دينار فاشتريت به عشرة دراهم فكنت إذا ناجيته تصدّقت بدرهم. قال الكلبي: تصدق به في عشر كلمات سألهن رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال القاضي: هذا لا يدل على فضله على أكابر الصحابة لأن الوقت لعله لم يتسع للعمل بهذا الفرض. وقال فخر الدين الرازي: سلمنا أن الوقت قد وسع إلا أن الاقدام على هذا العمل مما يضيق قلب الفقير الذي لا يجد شيئاً وينفر الرجل الغني ولم يكن في تركه مضرة.لأن الذي يكون سبباً للألفة أولى مما يكون سبباً للوحشة. وأيضاً الصدقة عند المناجاة واجبة: أما المناجاة فليست بواجبة ولا مندوبة بل الأولى ترك المناجاة لما بيّنا من أنها كانت سبباً لسآمة النبي صلى الله عليه وسلم. قلت: هذا الكلام لا يخلو عن تعصب مّا. ومن أين يلزمنا أن نثبت مفضولية علي رضي الله عنه في كل خصلة، ولم لا يجوز أن يحصل له فضيلة لم توجد لغيره من أكابر الصحابة. فقد روي عن ابن عمر كان لعلي رضي الله عنه ثلاث لو كانت لي واحدة منهن كانت أحب إليّ من حمر النعم: تزويجه فاطمة رضي الله عنها وإعطاؤه الراية يوم خيبر وآية النجوى. وهل يقول منصف إن مناجاة النبي صلى الله عليه وسلم نقيصة على أنه لم يرد في الآية نهي عن المناجاة وإنما ورد تقديم الصدقة على المناجاة فمن عمل بالآية حصل له الفضيلة من جهتين: سدّ خلة بعض الفقراء، ومن جهة محبة نجوى الرسول صلى الله عليه وسلم ففيها القرب منه وحل المسائل العويصة وإظهار أن نجواه أحب إلى المناجي من المال والظاهر أن الآية منسوخة بما بعدها وهو قوله {أأشفقتم} إلى آخرها. قاله ابن عباس. وقيل: نسخت بآية الزكاة. أما أبو مسلم الذي يدعي أن لا نسخ في القرآن فإنه يقول: كان هذا التكليف مقدراً بغاية مخصوصة ليتميز الموافق من المنافق والمخلص من المرائي، وانتهاء أمد الحكم لا يكون نسخاً له. ومعنى الآية أخفتم تقديم الصدقات لما فيه من الإنفاق المنقص للمال الذي هو أحب الأشياء إليكم {فإذا لم تفعلوا} ما أمرتم به {وتاب الله عليكم} ورخص لكم في أن لا تفعلوا فلا تفرطوا في الصلاة والزكاة وسائر الطاعات. ومن زعم أن العمل بآية النجوى لم يكن من الطاعات قال: إنه لا يمتنع أن الله تعالى علم ضيق صدر كثير منهم عن إعطاء الصدقة في المستقبل لو دام الوجوب فقال: إذا كنتم تائبين راجعين إلى الله وأقمتم الصلاة وأتيتم الزكاة فقد كفاكم هذا التكليف. قال المفسرون: كان عبد الله بن نبتل المنافق يجالس رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم يرفع حديثه إلى اليهود. فبينا رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجرة من حجراته إذ قال: يدخل عليكم الآن رجل قلبه قلب جبار وينظر بعين شيطان، فدخل ابن نبتل وكان أزرق فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: علام تشتمني أنت وأصحابك؟ فحلف بالله ما فعل. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: بل فعلت. فانطلق فجاء بأصحابه فحلفوا بالله ما سبوه فنزل {ألم تر إلى الذين تولوا} أي وادّوا {قوماً غضب الله عليهم} وهم اليهود {ما هم منكم} لأنهم ليسوا مسلمين بالحقيقة {ولا منهم} لأنهم كانوا مشركين في الأصل {ويحلفون على الكذب} وهو ادعاء الإسلام. وفي قوله {وهم يعلمون} دلالة على إبطال قول الجاحظ إن الخبر الكذب هو الذي يكون مخالفاً للمخبر عنه مع أن المخبر يعلم المخالفة وذلك أنه لو كان كما زعم لم يكن لقوله {وهم يعلمون} فائدة بل يكون تكراراً صرفاً. قال بعض المحققين: العذاب الشديد هو عذاب القبر، العذاب المهين الذي يجيء عقيبه هو عذاب الآخرة. وقيل: الكل عذاب الآخرة لقوله {أية : الذين كفروا وصدّوا عن سبيل الله زدناهم عذاباً فوق العذاب} تفسير : [النحل: 88] قال جار الله: معنى قوله {إنهم ساء ما كانوا يعملون} إنهم كانوا في الزمان الماضي المتطاول مصرين على سور العمل، أو هي حكاية ما يقال لهم في الآخرة. ومعنى الفاء في {فصدوا} أنهم حين دخلوا في حماية الايمان بالأيمان الكاذبة وأمنوا على النفس والمال اشتغلوا بصدّ الناس عن الدخول في الإسلام بإلقاء الشبهات وتقبيح حال المسلمين. ويروى أن رجلاً منهم قال: لننصرن يوم القيامة بأنفسنا وأموالنا وأولادنا فنزل {لن تغني عنهم} الآية. ثم أخبر عن حالهم العجيبة الشأن وهو أنهم يحلفون يوم المحشر لعلام الغيوب كما يحلفون لكم في الدنيا وأنتم بشر يخفى عليكم السرائر {ويحسبون أنهم على شيء} من النفع. والمراد أنهم كما عاشوا على النفاق والحلف الكاذب يموتون ويبعثون على ذلك الوصف. قال القاضي والجبائي: إن أهل الآخرة لا يكذبون. ومعنى الآية أنهم يحلفون في الآخرة إما ما كنا كافرين عند أنفسنا. وقوله {ألا أنهم هم الكاذبون} في الدنيا. ولا يخفى ما في هذا التأويل من التعسف وقد مر البحث في قوله {أية : والله ما كنا مشركين} تفسير : [الأنعام: 23] ثم بين أن الشيطان هو الذي زين لهم ذلك. ومعنى استحوذ استولى وغلب ومنه قول عائشة في حق عمر: كان أحوذياً أي سائساً غالباً على الأمور وهو أحد ما جاء على الأصل نحو " استصوب واستنوق" احتج القاضي به في خلق الأعمال بأن ذلك النسيان لو حصل بخلق الله لكانت إضافتها إلى الشيطان كذباً، ولكانوا كالمؤمنين في كونهم حزب الله لا حزب الشيطان. والجواب ظاهر مما سلف مراراً فإن الكلام في الانتهاء لا في الوسط. قوله {أولئك في الأذلين} قال أهل المعنى: إن ذل أحد الخصمين تابع لعز الخصم الآخر. ولما كانت عزة أولياء الله تعالى غير متناهية فذل أعدائه لا نهاية له فهم إذن أذل خلق الله. ثم قرر سبب ذلهم بقوله {كتب الله} في اللوح {لأغلبن أنا ورسلي} إما بالحجة وحدها أو بها وبالسيف. قال مقاتل: إن المسلمين قالوا: إنا لنرجو أن يظهرنا الله على فارس والروم. فقال عبد الله بن أبيّ: أتظنون أن فارس والروم كبعض القرى التي غلبتموهم عليها؟ كلا والله إنهم أكثر عدداً وعدّة فنزلت الآية. ثم بين أن الجمع بين الإيمان الخالص وموادّة من حادّ الله ورسوله غير ممكن ولو كان المحادّون بعض الأقربين. وقال جار الله: هذا من باب التمثيل والغرض أنه لا ينبغي أن يكون وحقه أن يمتنع ولا يوجد. قلت: لو اعتبر كل من الأمرين من حيث الحقيقة كان بينهما أشد التباين ولا حاجة إلى هذا التكلف إلا أن يحمل أحدهما على الحقيقة والآخر على الظاهر فحينذ قد يجتمعان كما في حق أهل النفاق، وكما يوجد بعض أهل الإيمان يخالط بعض الكفرة ويعاشرهم لأسباب دنيوية ضرورية.عن النبي صلى الله عليه وسلم " حديث : لا تجعل لفاجر ولا لفاسق عندي نعمة فإني أجد فيما أوحي إليّ" تفسير : {لا تجد قوماً} يروى أنها نزلت في أبي بكر، وذلك أن أبا قحافة سب رسول الله صلى الله عليه وسلم فصكه صكة سقط منها فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: أو قد فعلته؟ قال: نعم. قال: لا تعد. قال: والله لو كان السيف قريباً مني لقتلته. وقيل: في أبي عبيدة بن الجراح فقتل أباه عبد الله بن الجراح يوم أحد، وفي كثير من أكابر الصحابة أعرضوا عن عشائرهم وعادوهم لحب الله ورسوله. فذهب جمع من المفسرين إلى أنها نزلت في حاطب ابن أبي بلتعة وإخباره أهل مكة بمسير النبي صلى الله عليه وسلم إليهم عام الفتح وسيجيء في الممتحنة. والأظهر عندي نزولها في المؤمنين الخلص لقوله {أولئك كتب} أي أثبت {في قلوبهم الإيمان} إثبات المكتوب في القرطاس. وقيل: معناه جمع. والتركيب يدور عليه أي استكلموا أجزاء الإيمان بحذافيرها ليسوا ممن يقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض. قوله {وأيدهم بروح منه} قال ابن عباس: أي نصرهم على عدوّهم. وسمي النصرة روحاً لأن الأمر يحيا بها. ويحتمل أن يكون الضمير للإيمان على أنه في نفسه روح فيه حياة القلوب والباقي ظاهر والله أعلم وإليه المصير وبيده التوفيق والإتمام بالصواب.

الثعالبي

تفسير : قوله عز وجل: {قَدْ سَمِعَ ٱللَّهُ قَوْلَ ٱلَّتِى تُجَادِلُكَ فِى زَوْجِهَا...} الآية: اختلف الناس في اسم هذه المرأة على أقوال، واختصار ما رواه ابن عباس والجمهور «حديث : أَنَّ أَوْسَ بْنَ الصَّامِتِ الأَنْصَارِيَّ، أخا عبادة بن الصامت، ظَاهَرَ من امرأته خَوْلَةَ بنت خُوَيْلِدٍ، وكان الظهارُ في الجاهلية يُوجِبُ عندهم فُرْقَةً مُؤَبَّدَةً، فلما فعل ذلك أَوسٌ جَاءَتْ زَوْجَتُهُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّ أَوساً أَكَلَ شَبَابِي، وَنَثَرْتُ لَهُ بَطْنِي، فَلَمَّا كَبِرْتُ وَمَاتَ أَهْلِي، ظَاهَر مِنِّي! فَقَالَ رَسُولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم: مَا أَرَاكِ إلاَّ حُرِّمْتِ عَلَيْهِ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لاَ تَفْعَلْ؛ فَإنِّي وَحِيدَةٌ لَيْسَ لِي أَهْلٌ سِوَاهُ، فَرَاجَعَهَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِمِثْلِ مَقَالَتِهِ فَرَاجَعَتْهُ، فَهَذَا هُوَ جِدَالُهَا، وَكَانَتْ في خِلاَلِ جِدَالِهَا تَقُولُ: اللَّهُمَّ إَلَيْكَ أَشْكُو حَالِي وٱنْفِرَادِي وَفَقْرِي إلَيْهِ»تفسير : ، وَرُوِيَ أَنَّها كَانَتْ تَقُولُ: حديث : اللَّهُمَّ، إنَّ لي مِنْهُ صِبْيَةً صِغَاراً، إنْ ضَمَمْتُهُمْ إلَيْهِ ضَاعُوا، وَإنْ ضَمَمْتُهُمْ إليَّ جَاعُوا، فَهَذَا هُوَ ٱشْتِكَاؤُهَا إلَى اللَّهِ، فَنَزَلَتِ الآيةُ: فَبَعَثَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم في أَوْسٍ، وأَمَرَهُ بِالتَّكْفِيرِ، فَكَفَّرَ بِالإطْعَامِ، وَأَمْسَكَ أَهْلَهُ تفسير : قال ابن العربي في «أحكامه»: والأشبه في اسم هذه المرأة أَنَّها خَوْلَةُ بِنْتُ ثَعْلَبَةَ، امرأةُ أَوْسِ بْنِ الصَّامِتِ، وعلى هذا اعتمد الفخر؛ قال الفخر: هذه الواقعة تَدُلُّ على أَنَّ مَنِ انقطع رجاؤه من الخلق، ولم يبق له في مُهِمِّة أحدٌ إلاَّ الخالق ـــ كفاه اللَّهُ ذلك المهم، انتهى، والمحاورة: مراجعةُ القولِ ومعاطاته، وفي مصحف ابن مسعود: «تُحَاوِرُكَ في زَوْجِهَا» والظِّهَارُ: قولُ الرجلِ لامرأته: أنتِ عليَّ كَظَهْرِ أُمِّي، يريد في التحريم؛ كَأَنَّها إشارة إلى الركوبِ، إذ عُرْفُهُ في ظهور الحيوان، وكان أهلُ الجاهلية يفعلون ذلك، فَرَدَّ اللَّه بهذه الآية على فعلهم، وأخبر بالحقيقة من أَنَّ الأُمَّ هي الوالدة، وأَمَّا الزوجةُ فلا يكونُ حكمُهَا حُكْمَ الأُمِّ، وجعل اللَّه سبحانه القول بالظهار مُنْكَراً وزوراً، فهو مُحَرَّمٌ، لَكِنَّهُ إذَا وقع لزم؛ هكذا قال فيه أهل العلم، لكنَّ تحريمه تحريمُ المكروهات جدًّا، وقد رَجَّى اللَّه تعالى بعده بأَنَّهُ عَفُوٌّ غفور مع الكَفَّارَةِ. وقوله سبحانه: {ثُمَّ يَعُودُونَ...} الآية. * ت *: اخْتُلِفَ في معنى العَوْدِ، والعود في «المُوَطَّإ»: العزم على الوطء والإمساك مَعاً، وفي «المُدَوَّنَةِ»: العزمُ على الوطء خاصَّةً. وقوله تعالى: {مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا}، قال الجمهور: وهذا عامٌّ في نوع المسيس الوطء والمباشرة، فلا يجوز لِمُظَاهِرٍ أَنْ يطأَ، ولا أَنْ يُقَبِّلَ أو يَلْمَسَ بيده، أو يفعَلَ شيئاً من هذا النوع إلاَّ بعد الكفارة؛ وهذا قول مالك رحمه اللَّه. وقوله تعالى: {ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ}: إشارة إلى التحذير، أي: فَعَلَ ذلك؛ عظةً لكم لتنتهوا عن الظهار. وقوله سبحانه: {فَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ}: قال الفخر: الاستطاعة فوق الوسع؛ والوسع فوق الطاقة، فالاستطاعة هي أَنْ يتمكَّنَ الإنسان من الفعل على سبيل السهولة، انتهى، وفروع الظهار مُسْتَوفَاةً في كتب الفقه، فلا نطيل بذكرها. وقوله سبحانه: {ذَلِكَ لِتُؤْمِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ...} الآية: إشارة إلى الرخصة والتسهيل في النقل من التحرير إلى الصوم والإطعام، ثم شَدَّدَ سبحانه بقوله: {وَتِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ} أي: فالتزموها، ثم تَوَعَّدَ الكافرين بقوله: {وَلِلكَـٰفِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ}.

ابن عادل

تفسير : قوله تعالى: {قَدْ سَمِعَ ٱللَّهُ قَوْلَ ٱلَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا} الآية. "قَدْ" هنا للتوقع. قال الزمخشري: "لأنه - عليه الصلاة والسلام - والمجادلة كانا يتوقعان أن يسمع اللَّه مجادلتهما وشكواها، وينزل في ذلك ما يفرج عنهما". وإظهار الدال عند السين قراءة الجماعة إلا أبا عمرو والأخوين. ونقل عن الكسائي أنه قال: من بيَّن الدال عند السين فلسانه أعجمي، وليس بعربي. وهذا غير معرج عليه. و "في زوجها" في شأنه من ظهاره إياها. فصل فيمن جادلت الرسول صلى الله عليه وسلم التي اشتكت هي خولة بنت ثعلبة. وقيل: بنت حكيمٍ. وقيل: بنت خُويلد. قال الماوردي: وليس هذا بمختلف؛ لأن أحدهما: أبوها، والآخر: جدها، فنسبت إلى كل منهما. قيل: كانت أمة. وقيل: هي ابنة صامت. وقيل: أمة لعبد الله بن أبي. وهي التي أنزل الله فيها: {أية : وَلاَ تُكْرِهُواْ فَتَيَاتِكُمْ عَلَى ٱلْبِغَآءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً} تفسير : [النور: 33] أي لا يكرهها على الزنا. وقيل: هي ابنة حكيم. قال النحاس: وهذا ليس بمُتناقض، يجوز مرَّة أن تنسب إلى أبيها، ومرَّة إلى أمها، ومرَّة إلى جدِّها، ويجوز أن تكون أمةً كانت لعبد الله بن أبي، فقيل لها: أنصارية بالولاء؛ لأنه كان في عداد الأنصاريين وأنه كان من المنافقين. نقله القرطبي. وقيل: اسمها جميلة، وخولة أصح، وزوجها أوسُ بن الصَّامت أخو عبادة بن الصَّامت. وروي أن عمر بن الخطاب مرَّ بها في خلافته، وهو على حمارٍ والناس معه، فاستوقفته طويلاً ووعظته، وقالت: يا عمرُ، قد كنت تدعى عُمَيراً ثم قيل لك: عمر، ثم قيل: أمير المؤمنين، فاتَّقِ الله يا عمر، فإنه من أيقن بالموت خاف الفوت، ومن أيقن بالحساب خاف العذاب، وهو واقف يسمع كلامها، فقيل له: يا أمير المؤمنين أتقفُ لهذه العجوز هذا الوقوف. فقال: والله لو حَبَسَتْنِي من أول النهار إلى آخره لا زلت إلاَّ للصَّلاة المكتوبة، أتدرون من هذه العجوز؟ هذه خولة بنت ثعلبة، سمع الله قولها من فوق سبع سموات، أيسمع رب العالمين قولها ولا يسمعه عمر؟!. وقالت عائشة: تبارك الذي وسِعَ سمعهُ كُلَّ شيء إني لأسمع كلام خولة بنت ثعلبة ويخفى عليّ بعضه، وهي تشتكي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي تقول: يا رسول الله أكَلَ شَبَابي، ونَثرْتُ له بطني حتَّى إذا كبرت سنّي، وانقطع ولدي ظاهر منِّي، اللهم إني أشكو إليك فما برحت حتى نزل جبريل بهذه الآيات: {قَدْ سَمِعَ ٱللَّهُ قَوْلَ ٱلَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا} الآية. "حديث : روي أنها كانت حسنة الجِسْمِ، فرآها زوجها ساجدةً فنظر عجيزتها، فأعجبه أمرها، فلما انصرفت أرادها فأبَتْ فغضب عليها، قال عروة: وكان امرأ به لممٌ فأصابه بعض لممهِ، فقال لها: أنْتِ عليَّ كظهْرِ أمِّي وكان الإيْلاء والظِّهار من الطلاق في الجاهلية، فسألت النبي صلى الله عليه وسلم فقال لها: "حَرُمْتِ عليْهِ"، فقالت: والله ما ذكر طلاقاً، وإنه أبو ولدي وأحبّ الناس إليَّ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حَرُمْتِ عَليْهِ"، فقالت: أشكو إلى الله فَاقتِي ووحْدتِي، فقد طالت له صُحْبتي ونفَضَتْ له بَطْني، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مَا أرَاك إلاَّ قَدْ حَرُمْتِ عليْهِ ولَمْ أومر فِي شأنِك بِشيءٍ"، فجعلت تراجع رسول الله صلى الله عليه وسلم وإذا قال لها رسول الله: "حَرُمْتِ عليْهِ" هتفت وقالت: أشكو إلى الله فاقتِي وشدة حالي، وإن لي صبيةً صغاراً إن ضَممتُهُمْ إليَّ جاعُوا، وإن ضَممتُهُمْ إليه ضاعُوا، وجعلت ترفع رأسها إلى السماء وتقول: اللهُم إني أشكو إليك فأنزل على لسان نبيك، وكان هذا أول ظهارٍ في الإسلام فأنزل الله تعالى: {قَدْ سَمِعَ ٱللَّهُ قَوْلَ ٱلَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا} الآية. فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى زوجها، وقال: "مَا حَمَلَكَ عَلى ما صَنَعْتَ"؟ فقال: الشيطان، فهل من رُخْصَة؟ فقال: "نَعَمْ"، وقرأ عليه الأربع آيات، فقال: "هَلْ تَسْتطِيْعُ الصَّوْمَ"؟ فقال: لا والله، فقال: "هَلْ تَسْتطيعُ العِتْقَ"؟ فقال: لا والله، إني أن أخطأ في أن آكل في اليوم مرة أو مرتين لكلَّ بصري وظننت أني أموت، قال: "فأطْعِمْ ستِّيْنَ مِسْكيناً"، فقال: ما أجد إلا أن تعينني منك بعونٍ وصلةٍ، فأعانه رسول الله صلى الله عليه وسلم بخمسةَ عشر صاعاً، وأخرج أوس من عنده مثله، فتصدق به على ستين مسكيناً ". تفسير : فصل في اللمم الذي كان بأوس بن الصامت قال أبو سليمان الخطَّابي: ليس المراد من قوله في هذا الخبر: وكان بن لَمَم الخبل والجنون، إذ لو كان به ثُمَّ ظاهر في تلك الحال لم يكن يلزمه شيء، بل معنى اللَّمَم هاهنا: الإلمام بالنساء وشدة الحِرْصِ والتَّوقَانِ إليهن. فصل في الظهار اعلم أن الظِّهار كان من أشدّ طلاق الجاهلية؛ لأنه في التحريم أوكدُ ما يمكن، فإن كان الحكم صار مقرّراً في الشرع كانت الآية ناسخة له، وإلا لم يفد نسخاً؛ لأن النسخ إنما يدخل في الشَّرائع لا في عادة الجاهلية، لكن الذي روي أنه - عليه الصلاة والسلام - قال لها: "حَرُمْتِ" أوْ "مَا أَرَاكَ إلاَّ قَدْ حَرُمْتِ" كالدلالة على أنه كان شرعاً. فأما ما روي أنه توقف في الحكم فلا يدل على ذلك. وفي الآية دليل على أن من انقطع رجاؤه عن الخلق ولم يَبْقَ له في مهمه أحد سوى الخالق كفاه الله ذلك المُهِمّ. فصل فيما حكاه الله عن هذه المرأة اعلم أنَّ الله - تعالى - حكى عن هذه المرأة أمرين: أحدهما: المجادلة وهو قوله تعالى: {تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا} أي: في شأن زوجها، وتلك المجادلة هي أنه - عليه الصلاة والسلام - كلما قال لها: "حَرُمَتْ عَليْهِ"، قالت: والله ما ذكر طلاقاً. والثاني: شكواها إلى الله فَاقتَهَا ووحْدتهَا، وقولها: إن لي صبية صغاراً. فصل في سمع الله تعالى قال القرطبي: الأصل في السماع إدراك المسمُوعات وهو اختيار أبي الحسن، وقال ابن فورك: الصحيح أنه إدراك المسمُوع. وقال الحاكم أبو عبد الله: "السميع" هو المدرك للأصوات التي يدركها المخلوقون بآذانهم من غير أن يكون له أذن، وذلك راجع إلى أن الأصوات لا تخفى عليه، وإن كان غير موصوف بالحس المركب في الأذُن كالأصَم من النَّاس لما لم يكن له هذه الحاسة لم يكن أهلاً لإدراك الصوت، والسمع والبصر صفتان كالعلم والقدرة، والحياة والإرادة، فهما من صفات الذات لم يزل الخالق سبحانه متّصفاً بهما. وقرىء: "تُحَاوِرُكَ" أي: تراجعك الكلام. قوله: {وَتَشْتَكِيۤ إِلَى ٱللَّهِ} يجوز فيه وجهان: أظهرهما: أنه عطف على "تجادلك" فهي صلة أيضاً. والثاني: أنها في موضع نصب على الحال، أي: تجادلك شاكيةً حالها إلى الله. وكذا الجملة من قوله: {وَٱللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمآ} والحالية فيها أبعد. و "شكا" و "اشتكى" بمعنى واحد. و "المُحَاورة": المراجعة في الكلام، حار الشيء يحُور حَوْراً، أي: رجع يرجع رجوعاً. ومنه: "نعوذ بالله من الحور بعد الكورِ"، وكلمته فما أحار بكلمة، أي: فما أجاب. {إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ}. أي: يسمع كلام من يناديه، ويبصر من يتضرع إليه. قوله: {ٱلَّذِينَ يُظَاهِرُونَ} تقدم الخلاف في "تُظَاهرون" في سورة "الأحزاب"، وكذا في {ٱللاَّئِي} [الأحزاب: 4]. وقرأ أبيّ هنا: "يَتَظَاهرون". وعنه أيضاً: "يتظهرون". وفي "الذين" وجهان: أحدهما: أنه مبتدأ، وخبره: قوله {مَّا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ}. الثاني: أنه منصوب بـ "بصير" على مذهب سيبويه في جواز إعمال "فعيل" قاله مكي. يعني: أن سيبويه يعمل "فعيلاً" من أمثلة المبالغةِ، وهو مذهب مطعُون فيه على سيبويه؛ لأنه استدلّ على إعماله بقول الشاعر: [البسيط] شعر : 4729- حَتَّى شَآهَا كَلِيلٌ مَوْهِناً عَمِلٌ بَاتَتْ طِرَاباً وبَاتَ اللَّيْلَ لَمْ يَنَمِ تفسير : ورد عليه بأن "موهناً" ظرف زمان، والظروف يعمل فيها روائح الأفعال، والمعنى: يأتي "ما" قاله مكي. وقرأ العامة: "أمَّهاتِهِمْ" بالنصب على اللغة الحجازية الفصحى، كقوله {أية : مَا هَـٰذَا بَشَراً} تفسير : [يوسف: 31]. وعاصم في رواية بالرفع على اللغة التميمية، وإن كانت هي القياس لعدم اختصاص الحرف، وقرأ عبد الله: "بأمَّهاتهم" بزيادة الباء وهي تحتمل اللغتين. وقال الزمخشري: "وزيادة الباء في لغة من يَنْصِبُ". قال شهاب الدين: هذا هو مذهب أبي عليّ، يرى أن "الباء" لا تزاد إلا إذا كانت عاملة، فلا تزاد في التميمية، ولا في الحجازية إذا منع من عملها مانع، نحو: "ما إن زيد بقَائمٍ"، وهذا مردُود بقول الفرزدق وهو تميمي: [الطويل] شعر : 4730- لَعَمْرُكَ ما مَعْنٌ بتَارِكِ حَقِّهِ ولا مُنْسِىءٌ مَعْنٌ ولا مُتَيَسِّرُ تفسير : وبقول الآخر: [المتقارب] شعر : 4731- لَعَمْرُكَ مَا إنْ أبُو مالكٍ بِوَاهٍ ولا بِضَعيفٍ قُوَاه تفسير : فزادها مع "ما" الواقع بعدها "إن". فصل في التعبير بلفظ الظهار ذكر الظَّهْر كناية عن معنى الركوب، والآدمية إنما يُرْكَب بطنُها، ولكن كنَّى عنه بالظَّهر؛ لأن ما يركب من غير الآدميات فإنما يركب ظهره فكنَّى بالظهر على الركوب، ويقال: نزل عن امرأته أي: طلقها كأنه نزل عن مركُوبه، ومعنى: أنت عليَّ كظهرِ أمي، أي: أنت عليَّ محرمة لا يحلّ لي ركوبك نقله القرطبي. ونقل ابن الخطيب عن صاحب "النظم": أنه ليس مأخوذاً من الظَّهر الذي هو عضو من الجسد؛ لأنه ليس الظَّهر بأولى بالذكر في هذا الوضع من سائر الأعضاء التي هي مواضع المباضعةِ والتلذُّذ، بل الظهر هاهنا مأخوذ من العُلوّ، ومنه قوله تعالى: {أية : فَمَا ٱسْطَاعُوۤاْ أَن يَظْهَرُوهُ} تفسير : [الكهف: 97] أي: يعلوه وكذلك امرأة الرجل ظهره؛ لأنه يعلوها بملك البضع وإن لم يكن ناحية الظَّهر، فكأن امرأة الرجل مركب للرجل وظهر له. ويدلُّ على صحة هذا المعنى ما نقل عن العرب أنهم يقولون في الطلاق: نزلت عن امرأتي، أي: طلقتها، وفي قولهم: أنت عليّ كظهر أمي حذف وإضمار؛ لأن تقديره: ظهرك عليّ، أي ملكي إياك، وعلوي عليك حرام كما عُلوي على أمي وملكها عليّ. فصل في حقيقة الظهار حقيقة الظهار: تشبيه ظهر بظهر، والموجب للحكم منه تشبيه ظَهْر محلّل بظهر محرم، ولهذا أجمع الفقهاء على أنَّ من قال لزوجته: أنت عليَّ كظهرِ أمي، أنه مظاهر. وقال أكثرهم، إذا قال لها: أنت عليّ كظهرِ ابنتي، أو أختي، أو من تحرم عليه على التأبيد من ذوات المحارم أنه مظاهر. فصل في ألفاظ الظهار وألفاظ الظِّهار: صريح وكناية: فالصريح: أنت علي كظهر أمي، وأنت عندي، وأنت منّي، وأنت معي كظهر أمي، وكذلك أنت عليَّ كبطن أمي، أو كرأسها أو فرجها ونحوه، وكذلك فرجك، أو رأسك، أو ظهرك، أو بطنك، أو رجلك عليَّ كظهر أمي، فهو مظاهر مثل قوله: يدك، أو رجلك، أو رأسك، أو فرجك طالق تطلق عليه، ومتى شبهها بأمّه، أو بإحدى جداته من قبل أبيه، أو أمه فهو ظهار بلا خلاف، وإن شبهها بغيرهن من ذوات المحارم التي لا تحلّ له بحال كالبنت، والأخت، والعمة، والخالة كان مظاهراً عند أكثر الفقهاء. والكناية: أن يقول: أنت عليَّ كأمي، أو مثل أمي، فإنه يعتبر فيه النية، فإن أراد الظهار كان ظهاراً، وإن لم ينو الظهار لم يكن مظاهراً على خلاف في ذلك، فإن شبه امرأته بأجنبيّة، فإن ذكر الظهر كان ظهاراً، وإن لم يذكر الظهر، فقيل: يكون ظهاراً. وقيل: طلاقاً. وقال: أبو حنيفة والشافعي: لا يكون شيئاً. وقيل: وهذا فاسد؛ لأنه شبّه محللاً من المرأة بمحرم، فأشبه الظهر. نقله القرطبي. فإن قال: أنت عليَّ حرام كظهر أمي، كان ظهاراً ولم يكن طلاقاً؛ لأن قوله: أنت عليَّ حرام يحتمل التحريم بالطلاق، فيكون طلقة، ويحتمل التحريم بالظِّهار، فلما صرح به كان تفسيراً لأحد الاحتمالين، فقضي به فيه. فصل والظِّهار لازم في كلّ زوجة مدخول بها، أو غير مدخُول بها من كل زوج يجوز طلاقه. وقال مالك: يجوز الظِّهار من كل من يجوز له وطؤها من إمائِهِ إذا ظاهر منهن لزمه الظِّهارُ فيهن، وقال غيره: لا يلزم. قال ابن العربي: وهي مسألة عسيرةٌ جدًّا؛ لأن مالكاً يقول: إذا قال لأمته: أنت عليَّ حرام لا يلزم، فكيف يبطل فيها صريح التحريم، وتصح كنايته. قوله: {مُنكَراً مِّنَ ٱلْقَوْلِ وَزُوراً} نعتان لمصدر محذوف أي قولاً منكراً وزوراً أي: كذباً وبهتاناً. قاله مكي. وفيه نظر؛ إذ يصير التقدير: ليقولون قولاً منكراً من القولِ، فيصير قوله: "مِنَ القَوْلِ" لا فائدة فيه، والأولى أن يقال: نعتان لمفعول محذوف، لفهم المعنى، أي: ليقولن شيئاً منكراً من القول لتفيد الصفة غير ما أفاده الموصوف. والمنكر من القول: ما لا يعرف في الشَّرْع، والزور: الكذب. {وَإِنَّ ٱللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ} إذ جعل الكفارة عليهم مُخلصةً لهُمْ من هذا القَوْل المنكر. وقيل: "لعفو غفور" إما من قبل التوبة لمن يشاء، كما قال تعالى: {أية : وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَآءُ} تفسير : [النساء: 116]. أو بعد التوبة. فإن قيل: المظاهر إنما قال: أنْتِ عليَّ كظهرِ أمِّي، فشبه بأمه، ولم يقل: إنها أمه، فما معنى أنه جعله منكراً من القوْلِ وزوراً. والزُّور: الكذب، وهذا ليس بكذب؟. فالجواب: أنَّ قوله إنْ كان خبراً فهو كذب، وإنْ كَانَ إنشاء فكذلك؛ لأنه جعله سبباً للتَّحريم، والشَّرْع لم يجعله سبباً لذلك. وأيضاً فإنما وصف بذلك، لأن الأم مؤبدة التحريم، والزَّوْجة لا يتأبّد تحريمها بالظِّهار، وهذا ضعيف؛ لأنَّ المشبه لا يلزم أن يساوي المشبه به من كُلِّ وجهٍ. فإن قيل: قوله: {إِلاَّ ٱللاَّئِي وَلَدْنَهُمْ} يقتضي أن لا أم إلا الوالدة، وهذا مشكل لقوله تعالى: {أية : وَأُمَّهَاتُكُمُ اللاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ} تفسير : [النساء: 23]. وقوله تعالى: {أية : وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ} تفسير : [الأحزاب: 6]. والحمل على حرمة النكاح لا يفيد؛ إذْ لا يلزمُ مِنْ عدم كوْنِ الزَّوجة أمًّا عدمُ الحُرمةِ، فظاهر الآية الاستدلال بعدم الأمومة على عدم الحرمة؟. فالجواب: أنا نقول: هذه الزَّوجة ليست بأم حتى تحصل الحرمة بسبب الأمومة، ولم يرد الشرع بجعل هذه اللفظة سبباً للحرمةِ، فإذن لا تحصل الحرمة هناك ألبتّة فكان وصفهم لها بالحرمة كذباً وزوراً.

البقاعي

تفسير : لما ختمت الحديد بعث إثبات عجز الخلق بعظيم الفضل له سبحانه، وكان سماع أصوات جميع الخلائق من غير أن يشغل صوت عن صوت وكلام عن كلام من الفضل العظيم، وكان قد تقدم ابتداع بعض المتعبدين من الرهبانية بما لم يصرح لهم بالإذن فيه، فكان سبباً للتضييع، وكان الظهار على نوعين: موقت ومطلق، وكان الموقت مما يدخل في الرهبانية لأنه من التبتل وتحريم ما أحل الله من الطيبات، وكان بعض الصحابة رضي الله عنهم قد منع نفسه بالموقت منه من مرغوبها مما لم يأت عن الله، فظاهر من امرأته محافظة على كمال التعبد خوفاً من الجماع في نهار رمضان، وكان ذلك مما لم يأذن به بل نهى عنه كما روى أبو داود عن أنس رضي الله عنه والطبراني في الأوسط على سهل بن حنيف رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم:"حديث : لا تشددوا على أنفسكم، فإنما هلك من كان قبلكم بتشديدهم على أنفسهم، وستجدون بقاياهم في الصوامع والديارات" تفسير : وكان بعض الصحابة - رضي الله عنهم أجمعين - قد ظاهر مطلقاً فشكت امرأته ما لحقها من الضرر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهتفت باسم الله، وكان علمه سبحانه بخصوص شكاية هذه المرأة المسكينة وإزالة ضررها بحكم عام لها ولغيرها من عباده حتى صارت واقعتها رخصة عامة للمسلمين إلى يوم القيامة معلماً بأنه ذو الفضل العظيم، وأنه الظاهر الباطن، ذو الملك كله، وكان قد أمر بالإيمان به وبرسوله ووعد على ذلك بالنور، كان السامع لذلك جديراً بتوقع البيان الذي هو النور في هذه الرهبانية التي ابتدعت في هذه الأمة، وتخفيف الشديد الذي وقع عن بعضهم ليعلم أهل الكتاب ما لهذه الأمة من الكرامة على ربها وأنه يختص برحمته من يشاء فقال: {قد سمع الله} أي أجاب بعظيم فضله الذي أحاط بجميع صفات الكمال فوسع سمعه الأصوات {قول} وعبر بالوصف دون الاسم تعريفاً برحمته الشاملة فقال: {التي تجادلك} أي تبالغ في أن تقبلك إلى مرادها {في زوجها} أي في الأمر المخلص له من ظهاره رحمة لها {وتشتكي} أي تتعمد بتلك المجادلة الشكوى، منتهية {إلى الله} أي الملك العظيم الرحيم الذي أحاط بكل شيء علماً، ولصدقها في شكواها وقطع رجائها في كشف ما بها من غير الله كانت هي والنبيُّ صلى الله عليه وسلم متوقعين أن الله يكشف ضرها {والله} أي والحال أن الذي وسعت رحمته كل شيء لأنه له الأمر كله {يسمع تحاوركما} أي مراجعتكما التي يحور - أي يرجع فيها إلى كل منكما جواب كلامه من الآخر كأنها لثقل ما قدح في أمرها ونزل من ضرها ناشئة عن حيرة. ولما كان ذلك في غاية ما يكون من خرق العادة بحيث إن الصديقة عائشة رضي الله عنها قالت عند نزول الآية: "الحمد لله الذي وسع سمعه الأصوات، لقد كلمت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا في جانب البيت ما أسمع كثيراً مما تقول" أكده تنبيهاً على شدة غرابته ولأنه ربما استبعده من اشتد جهله لعراقته في التقيد بالعادات فقال: {إن الله} أي الذي أحاط بجميع صفات الكمال فلا كفؤ له {سميع بصير *} أي بالغ السمع لكل مسموع، والبصر لكل ما يبصر والعلم لكل ما يصح أن يعلم أزلاً وأبداً، وقد مضى نحو هذا التناسب في المائدة حين أتبع تعالى آية القسيسين والرهبان قوله تعالى{أية : يأيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم}تفسير : [المائدة: 87] غير أن هذا خاص وذاك عام، فهذا فرد منه، فالمناسبة واحدة لأن الأخص في ضمن الأعم، والحاصل أنه سبحانه امتنَّ عليهم بما جعل في قلوبهم من الرهبانية وغيرها، وأخبر أنهم لم يوفوها حقها، وأنه آتى مؤمنيهم الأجر، وأمر المسلمين بالتقوى واتباع الرسول صلى الله عليه وسلم ليحصل لهم من فضله العظيم ضعف ما حصل لأهل الكتاب، ونهاهم عن التشديد على أنفسهم بالرهبانية، فصاروا مفضلين من وجهين: كثرة الأجر وخفة العمل، ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء - والله أعلم، روى البزار من طريق خصيف عن عطاء من غيرهما أيضاً عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رجلاً قال: يا رسول الله! إني ظاهرت من امرأتي ورأيت ساقها في القمر فواقعتها قبل أن أكفر، قال "كفِّر ولا تعد" وروى أبو داود عن عكرمة أن رجلاً ظاهر من امرأته ثم واقعها قبل أن يكفر، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره فقال: "حديث : ما حملك على ما صنعت؟ قال: رأيت بياض ساقيها في القمر، قال: فاعتزلها حتى تكفر عنك"تفسير : قال المنذري: وأخرجه أيضاً عن عكرمة عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم بمعناه، وأخرجه النسائي وابن ماجة والترمذي - وقال: حديث حسن غريب صحيح - وقال النسائي: المرسل أولى بالصواب من المسند، وقال أبو بكر المعافري: ليس في الظهار حديث صحيح يعول عليه، قال المنذري: وفيما قاله نظر، فقد صححه الترمذي كما ترى، ورجال إسناده ثقات، وسماع بعضهم من بعض مشهور، وترجمة عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهم احتج بها البخاري في غير موضع - انتهى. وللترمذي - وقال حسن غريب - عن سلمة بن صخر رضي الله عنه في المظاهر يواقع قبل أن يكفر قال: "كفّار واحدة" حديث : وروى أحمد والحاكم وأصحاب السنن إلا النسائي وحسنه الترمذي، قال ابن الملقن: وصححه ابن حبان والحاكم - من طريق سليمان بن يسار عن سلمة بن صخر البياضي رضي الله عنه قال: كنت أمرأ أصيب من النساء ما لا يصيب غيري، فلما دخل شهر رمضان خفت أن أصيب من امرأتي شيئاً يتابع بي حتى أصبح فظاهرت منها حتى ينسلخ شهر رمضان، فبينا هي تخدمني ذات ليلة تكشف لي منها شيء فما لبث أن نزوت عليها، فلما أصبحت خرجت إلى قومي فأخبرتهم الخبر وقلت: امشوا معي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، قالوا: لا والله: فانطلقت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبرته، فقال "أنت بذاك يا سلمة؟ قلت: أنا بذاك يا رسول الله مرتين، وأنا صابر لأمر الله، فاحكم فيّ بما أراك الله، وفي رواية: فأمض فيَّ حكم الله فإني صابر لذلك، قال حرر رقبة. قلت: والذي بعثك بالحق ما أملك غيرها - وضربت صفحة رقبتي، قال: فصم شهرين متتابعين، قلت: وهل أصبت الذي أصبت إلا من الصيام، قال: فاطعم وسقاً من تمر بين ستين مسكيناً، قال: والذي بعثك بالحق، لقد بتنا وحشين ما لنا طعام، قال: فانطلق إلى صاحب صدقة بني زريق فليدفعها إليك فأطعم ستين مسكيناً وسقاً من تمر وكل أنت وعيالك بقيتهاتفسير : . فرجعت إلى قومي فقلت: وجدت عندكم الضيق وسوء الرأي، ووجدت عند النبي صلى الله عليه وسلم السعة وحسن الرأي، وفي رواية: والبركة وقد أمرني - أو أمر لي - بصدقتكم، وفي رواية: فادفعوها إليّ، فدفعوها إليّ). وأعله عبد الحق بالانقطاع، وأن سليمان لم يدرك سلمة، حكى ذلك الترمذي عن البخاري، وقال الترمذي: إن سلمة بن صخر يقال له سلمان أيضاً، ورواه الإمام أحمد أيضاً من طريق أخرى قال حديث : حدثنا عبد الله بن إدريس - هو الأودي - عن محمد بن إسحاق عن محمد بن عمرو بن عطاء عن سليمان بن يسار عن سلمة بن صخر البياضي رضي الله عنه قال: كنت أمرأ أصيب من النساء ما لا يصيب غيري، فلما دخل شهر رمضان خفت فتظاهرت من امرأتي في الشهر فبينا هي تخدمني ذات ليلة إذ تكشف لي منها شيء فلم ألبث أن وقعت عليها، فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته فقال "حرر رقبة، فقلت: والذي بعثك بالحق، ما أملك غير رقبتي، قال: صم شهرين متتابعين، قلت: وهل أصابني ما أصابني إلا في الصيام؟ قال: فأطعم ستين مسكيناً" تفسير : وهذا سند حسن متصل إن شاء الله إن سلم من تدليس ابن إسحاق، وروى الحاكم والبيهقي من طريق محمد بن عبد الرحمن بن إسحاق، وروى الحاكم والبيهقي من طريق محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان وأبي سلمة بن عبد الرحمن "حديث : أن سلمة بن صخر البياضي رضي الله عنه جعل امرأته عليه كظهر أنه إن غشيها حتى يمضي رمضان، فذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: اعتق رقبة"تفسير : . وقصة سلمة هذه أصل الظهار المؤقت، وقد دلت على أنه لا عود فيه لا كفارة عليه إلا بوطئها في مدة الظهار،حديث : وروى أبو داود عن خويلة بنت مالك بن ثعلبة رضي الله عنها قال: "ظاهر مني زوجي أوس بن الصامت رضي الله عنه فجئت رسول الله صلى الله عليه وسلم أشكوا إليه ورسول الله صلى الله عليه وسلم يجادلني فيه ويقول:اتقي الله فإنه ابن عمك، فما برحت حتى نزل القرآن {قد سمع الله} إلى الفرض، فقال: يعتق رقبة، قالت: لا يجد، قال: يصوم شهرين متتابعين، قالت: يا رسول الله، إنه شيخ كبير ما به من صيام، قال فليطعم ستين مسكيناً، قالت: ما عنده من شيء يتصدق به قالت: فأتي ساعتئذ بعرق منّ تمر، قلت: يا رسول الله، فإني أعينه بعرق آخر، قال: قد أحسنت أذهبي فأطعمي بها عنه ستين مسكيناً، وارجعي إلى ابن عمك"تفسير : قال: والعرق ستون صاعاً، وفي رواية: والعرق مكتل يسع ثلاثين صاعاً، حديث : وروى الدارقطني أن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: "إن أوس بن الصامت رضي الله عنه ظاهر من امرأته خويلة بنت ثعلبة رضي الله عنها فشكت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: ظاهر مني حين كبر سني ورق عظمي، فأنزل الله آية الظهار، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأوس اعتق رقبة، قال: مالي بذلك يدان، قال: فصم شهرين متتابعين، قال: أما إني إذا أخطأني أن آكل في اليوم مرتين يكل بصري، قال فأطعم ستين مسكيناً تفسير : ، قال: ما أجد إلا أن تعينني منك بعون وصلة، فأعانه رسول الله صلى الله عليه وسلم بخمسة عشر صاعاً حتى جمع الله له، والله رحيم" قال: وكانوا يرون أن عنده مثلها، وذلك لستين مسكيناً، وللدراقطني أيضاً والبيهقي "أن خولة بنت ثعلبة رضي الله عنها رآها زوجها وهو أوس بن الصامت أخو عبادة رضي الله عنهما وهي تصلي فراودها فأبت فغضب، وكان به لمم وخفة فظاهر منها، فأتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت إن أوساً تزوجني وأنا شابة مرغوب فيَّ، فلما خلا سني ونثرت له بطني جعلني عليه كأمه" وللطبراني من طريق أبي معشر عن محمد بن كعب القرظي قال: "حديث : كانت خولة بنت ثعلبة تحت أوس بن الصامت وكان به لمم، فقال في بعض هجراته: أنت عليّ كظهر أمي، قال: ما أظنك إلا قد حرمت عليّ، فجاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله إن أوس بن الصامت أبو ولديَّ وأحب الناس إليّ والذي أنزل عليك الكتاب ما ذكر طلاقاً، قال: ما أراك إلا قد حرمت عليه، فقالت: يا رسول الله لا تقل كذلك والله ما ذكر طلاقاً، فرادّت النبي صلى الله عليه وسلم مراراً، ثم قالت: اللهم إني أشكو إليك فاقتي ووحدتي وما يشق عليّ من فراقه" تفسير : الحديث، ومن طريق أبي العالية قال: فجعل كلما قال لها "حديث : حرمت عليه"تفسير : هتفت وقالت: أشكو إلى الله، فلم ترم مكانها حتى نزلت الآية، وروى أبو داود عن هشام بن عروة أن جميلة كانت تحت أوس ابن الصامت وكان رجلاً به لمم فكان إذا اشتد به لممه ظاهر من امرأته فأنزل الله عز وجل فيه كفارة الظهار، وأخرجه من حديث عروة عن عائشة رضي الله عنها مثله. وقال القشيري: وفي الخبر أنها قالت: يا سول الله إن أوساً تزوجني شابة غنية ذات أهل ومال كثير، فلما كبر عنده سني، وذهب مالي وتفرق أهلي، جعلني عليه كظهر أمه، وقد ندم وندمت، وإن لي صبية صغاراً إن ضممتهم إليه ضاعوا، وإن ضممتهم إليّ جاعوا، يعني ففرج الله عنها، وقد حصل من هذا مسألة، وهو أن كثيراً من الأشياء ظاهر العلم يحكم فيه بشيء ثم الضرورة تغير ذلك الحكم لصاحبها، قال البغوي: وكان هذا أول ظهار في الإسلام، وقال أبو حيان: وكان عمر رضي الله عنه يكرم خولة رضي الله عنها إذا دخلت عليه ويقول: سمع الله لها، فالمظاهرة في حديث سلمة رضي الله عنه ومن نحا نحوه رهبانية مبتدعة لم ترع حق رعايتها كرهبانية النصارى، ولم يتبع النبي صلى الله عليه وسلم في ابتداعها حق الاتباع، وأما في قصة خولة رضي الله عنها فهي مصيبة كأن ينبغي فيها التسليم وعدم الحزم كما في آية{أية : لكيلا تأسوا}تفسير : [الحديد: 23] الآية على أن امتناعها من زوجها حين راودها فيه إلمام بالرهبانية، وإزالة شكايتها مع أنها امرأة ضعيفة من عظيم الفضل، وزاده عظماً جعله حكماً عاماً لمن وقع فيه من جميع الأمة.

السيوطي

تفسير : أخرج سعيد بن منصور والبخاري تعليقاً وعبد بن حميد والنسائي وابن ماجة وابن المنذر وابن مردويه في سننه عن عائشة قالت‏:‏ الحمد لله الذي وسع سمعه الأصوات، لقد جاءت المجادلة إلى النبي صلى الله عليه وسلم تكلمه وأنا في ناحية البيت لا أسمع ما تقول فأنزل الله ‏{‏قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها‏} ‏ إلى آخر الآية‏. وأخرج ابن ماجة وابن أبي حاتم والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي عن عائشة قالت‏:‏ تبارك الذي وسع سمعه كل شيء إني لأسمع كلام خولة بنت ثعلبة ويخفى عليّ بعضه، وهي تشتكي زوجها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي تقول‏:‏ يا رسول الله أكل شبابي ونثرت له بطني حتى إذا كبر سني وانقطع ولدي ظاهر مني، اللهم إني أشكو إليك، فما برحت حتى نزل جبريل بهؤلاء الآيات ‏ {‏قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها‏} ‏ وهو أوس بن الصامت‏. وأخرج ابن أبي حاتم والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن زيد قال‏:‏ لقي عمر بن الخطاب امرأة يقال لها خولة وهو يسير مع الناس فاستوقفته، فوقف لها ودنا منها وأصغى إليها رأسه ووضع يديه على منكبيها حتى قضت حاجتها وانصرفت، فقال له رجل يا أمير المؤمنين‏:‏ حبست رجال قريش على هذه العجوز، قال‏:‏ ويحك وتدري من هذه‏؟‏ قال‏:‏ لا. قال‏:‏ هذه امرأة سمع الله شكواها من فوق سبع سموات، هذه خولة بنت ثعلبة والله لو لم تنصرف عني إلى الليل ما انصرفت حتى تقضي حاجتها‏. وأخرج البخاري في تاريخه وابن مردويه عن ثمامة بن حزن قال‏:‏ بينما عمر بن الخطاب يسير على حماره لقيته امرأة فقالت‏:‏ قف يا عمر، فوقف، فأغلظت له القول، فقال رجل‏:‏ يا أمير المؤمنين ما رأيت كاليوم، فقال‏:‏ وما يمنعني أن أستمع إليها وهي التي استمع الله لها أنزل فيها ما نزل ‏ {‏قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها‏}‏ .‏ وأخرج أحمد وأبو داود وابن المنذر والطبراني وابن مردويه والبيهقي من طريق يوسف بن عبد الله بن سلام قال‏:‏ حديث : حدثتني خولة بنت ثعلبة قالت‏:‏ فيّ والله وفي أوس بن الصامت أنزل الله صدر سورة المجادلة، قالت‏:‏ كنت عنده وكان شيخاً كبيراً قد ساء خلقه فدخل عليّ يوماً فراجعته بشيء فغضب فقال‏:‏ أنت علي كظهر أمي، ثم رجع فجلس في نادي قومه ساعة، ثم دخل عليّ فإذا هو يريدني عن نفسي، قلت‏:‏ كلا والذي نفس خولة بيده لا تصل إليّ وقد قلت ما قلت حتى يحكم الله ورسوله فينا، ثم جئت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكرت له ذلك، فما برحت حتى نزل القرآن، فتغشى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما كان يتغشاه، ثم سرّي عنه، فقال لي‏: يا خولة قد أنزل الله فيك وفي صاحبك ثم قرأ عليَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏{‏قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها‏}‏ إلى قوله‏:‏ ‏{‏عذاب أليم‏}‏ فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ مريه فليعتق رقبة قلت يا رسول الله‏:‏ ما عنده ما يعتق، قال‏:‏ فليصم شهرين متتابعين، قلت‏:‏ والله إنه لشيخ كبير ما به من صيام، قال‏: فليطعم ستين مسكيناً وسقاً من تمر، قلت‏:‏ والله ما ذاك عنده، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ فإنا سنعينه بعرق من تمر، قلت‏:‏ وأنا يا رسول الله سأعينه بعرق آخر، قال‏: فقد أصبت وأحسنت فاذهبي فتصدقي به عنه ثم استوصي بابن عمك خيراً‏. قالت‏:‏ ففعلت‏ .‏ تفسير : وأخرج سعيد بن منصور وابن مردويه والبيهقي حديث : عن عطاء بن يسار أن أوس بن الصامت ظاهر من امرأته خولة بنت ثعلبة، فجاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته، وكان أوس بن لمم، فنزل القرآن ‏ {‏والذين يظاهرون من نسائهم ثم يعودون لما قالوا فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا‏} ‏ فقال لامرأته‏:‏ مريه فليعتق رقبة، فقالت يا رسول الله‏:‏ والذي أعطاك ما أعطاك ما جئت إلا رحمة له إن له فيّ منافع والله ما عنده رقبة ولا يملكها، قالت‏:‏ فنزل القرآن وهي عنده في البيت، قال‏: مريه فليصم شهرين متتابعين، فقالت‏:‏ والذي أعطاك ما أعطاك ما قدر عليه، فقال‏: مريه فليتصدق على ستين مسكيناً، فقالت‏:‏ يا رسول الله ما عنده ما يتصدق به، فقال‏: يذهب إلى فلان الأنصاري فإن عنده شطر وسق تمر أخبرني أنه يريد أن يتصدق به فليأخذ منه ثم ليتصدق على ستين مسكيناً‏ ‏. تفسير : وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن مردويه والحاكم وصححه والبيهقي في السنن عن عائشة أن خولة كانت امرأة أوس بن الصامت، وكان إمرأ به لمم فإذا اشتد لممه ظاهر من امرأته فأنزل الله فيه كفارة الظهار‏.‏ وأخرج النحاس وابن مردويه والبيهقي من طريق عكرمة عن ابن عباس قال‏:‏ كان الرجل في الجاهلية لو قال لامرأته‏:‏ أنت عليّ كظهر أمي حرمت عليه، وكان أول من ظاهر في الإِسلام أوس بن الصامت، وكانت تحته ابنة عم له يقال لها خولة فظاهر منها فأسقط في يده وقال‏:‏ ما أراك إلا قد حرمت عليّ فانطلقي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فاسأليه، فأتت النبي صلى الله عليه وسلم، فوجدت عنده ماشطة تمشط رأسه فأخبرته فقال‏:‏ يا خولة ما أمرنا في أمرك بشيء، فأنزل الله على النبي صلى الله عليه وسلم، فقال‏:‏ يا خولة ابشري قالت‏:‏ خيراً قال‏: خيراً فأنزل الله على النبي صلى الله عليه وسلم فقرأ عليها ‏{‏قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها‏}‏ الآيات‏. وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس حديث : أن خولة أو خويلة أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت‏:‏ يا رسول الله إن زوجي ظاهر مني، فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم‏: ما أراك إلا قد حرمت عليه، فقالت أشكو إلى الله فاقتي، فأنزل الله ‏{‏قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله‏}‏‏ ‏ . تفسير : وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال في القرآن‏ ما أنزل الله جملة واحدة ‏{‏قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله‏} ‏ كان هذا قبل أن تخلق خولة لو أن خولة أرادت أن لا تجادل لم يكن ذلك لأن الله كان قد قدر ذلك عليها قبل أن يخلقها‏.‏ وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏ {‏قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها‏} ‏ وذلك حديث : أن خولة امرأة من الأنصار ظاهر منها زوجها، فقال‏:‏ أنت عليّ كظهر أمي فأتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت‏:‏ إن زوجي كان تزوجني وأنا أحب الناس إليه حتى إذا كبرت ودخلت في السن قال‏:‏ أنت عليّ كظهر أمي وتركني إلى غير أحد، فإن كنت تجد لي رخصة يا رسول الله تنعشني وإياه بها فحدثني بها، قال‏: والله ما أمرت في شأنك بشيء حتى الآن، ولكن ارجعي إلى بيتك فإن أومر بشيء لا أعميه عليك إن شاء الله، فرجعت إلى بيتها فأنزل الله على رسوله صلى الله عليه وسلم في الكتاب رخصتها ورخصة زوجها فقال‏:‏ ‏{‏قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها‏} ‏ إلى قوله‏:‏ ‏ {‏عذاب أليم‏} ‏ فأرسل إلى زوجها، فقال‏:‏ هل تستطيع أن تعتق رقبة‏؟‏ قال‏:‏ إذن يذهب مالي كله، الرقبة غالية وأنا قليل المال، قال‏:‏ هل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين‏؟ قال‏:‏ والله لولا أني آكل كل يوم ثلاث مرات لكلّ بصري، قال‏: هل تستطيع أن تطعم ستين مسكينا‏ً؟‏ قال‏:‏ لا والله إلا أن تعينني، قال‏:‏ إني معينك بخمسة عشر صاعا‏ً . تفسير : وأخرج ابن مردويه عن أنس رضي الله عنه حديث : أن أوس بن الصامت ظاهر من امرأته خولة بنت ثعلبة فشكت ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت‏:‏ ظاهر مني زوجي حين كبر سني ودق عظمي فأنزل الله آية الظهار، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ "أعتق رقبة قال‏:‏ مالي بذلك يدان، فصم شهرين متتابعين، قال‏:‏ إني إذا أخطأني أن آكل في اليوم ثلاث مرات يكل بصري، فأطعم ستين مسكيناً قال‏:‏ ما أجد إلا أن تعينني فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم خمسة عشر صاعاً حتى جمع الله له أهله‏"‏‏ . تفسير : وأخرج ابن مردويه عن الشعبي قال‏:‏ المرأة التي جادلت في زوجها خولة بنت ثعلبة وأمها معاذة التي أنزل الله فيها ‏{أية : ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء‏}‏تفسير : ‏[النور: 33‏]‏ وكانت أمة لعبد الله بن أبيّ‏. وأخرج عبد بن حميد وابن مردويه عن محمد بن سيرين قال‏:‏ حديث : إن أول من ظاهر في الإِسلام زوج خويلة، فأتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت‏:‏ إن زوجي ظاهر مني وجعلت تشكو إلى الله فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ما جاءني في هذا شيء، قالت‏:‏ فإلى من يا رسول الله إن زوجي ظاهر مني، فبينما هي كذلك إذ نزل الوحي ‏{‏قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها‏} ‏ حتى بلغ ‏{‏فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا‏}‏ ثم حبس الوحي فانصرف إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم فتلاها عليها، فقالت: لا يجد، فقال النبي صلى الله عليه وسلم‏: هو ذاك فبينما هي كذلك إذا نزل الوحي ‏ {‏فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين من قبل أن يتماسا‏}‏ ثم حبس الوحي فانصرف إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتلاها عليها فقالت‏:‏ لا يستطيع أن يصوم يوماً واحداً قال‏: هو ذاك فبينما هي كذلك إذ نزل الوحي ‏ {‏فمن لم يستطع فإطعام ستين مسكينا‏ً} ‏ فانصرف إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم فتلاها عليها فقالت‏:‏ لا يجد يا رسول الله قال‏: إنا سنعينه‏ ". تفسير : وأخرج عبد بن حميد عن عطاء الخراساني قال‏:‏ أعانه النبي صلى الله عليه وسلم بخمسة عشر صاعاً‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن أبي زيد المدني رضي الله عنه أن امرأة جاءت بشطر وسق من شعير فأعطاه النبي صلى الله عليه وسلم أي مدين من شعير مكان مدّ من بر‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن عبد الرحمن بن أبي ليلى أن النبي صلى الله عليه وسلم أعانه بخمسة عشر صاعاً من شعير‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن الحسن رضي الله عنه حديث : أن رجلاً ظاهر من امرأته على عهد النبي صلى الله عليه وسلم وكان الظهار أشد من الطلاق وأحرم الحرام، إذا ظاهر من امرأته لم ترجع إليه أبداً فأتت النبي صلى الله عليه وسلم، فقالت‏:‏ يانبي الله إن زوجي وأبا ولدي ظاهر مني وما يطلع إلا الله على ما يدخل عليّ من فراقه، فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ قد قال ما قال‏:‏ قالت‏:‏ فكيف أصنع ودعت الله واشتكت إليه فأنزل الله ‏ {‏قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله‏}‏ إلى آخر الآيات فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم زوجها فقال‏: تعتق رقبة‏ قال‏:‏ ما في الأرض رقبة أملكها قال‏: تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين قال يا رسول الله‏:‏ إني بلغت سناً وبي دوران فإذا لم آكل في اليوم مراراً أدير عليّ حتى أقع قال‏: تستطيع أن تطعم ستين مسكيناً قال‏:‏ والله ما أجد فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏: سنعينك‏ ". تفسير : وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة رضي الله عنهحديث : أن امرأة أخي عبادة بن الصامت جاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم تشكو زوجها تظاهر عنها وامرأة تفلي رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم أو قال‏:‏ تدهنه فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم نظره إلى السماء فقالت التي تفلي لامرأة أخي عبادة بن الصامت رضي الله عنه واسمها خولة بنت ثعلبة يا خولة ألا تسكتي فقد ترينه ينظر إلى السماء فأنزل الله فيها {‏قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها‏} ‏ فعرض عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم عتق رقبة فقال‏:‏ لا أجد فعرض عليه صيام شهرين متتابعين فقال‏:‏ لا أطيق إن لم آكل كل يوم ثلاث مرات شق بي فقال له النبي صلى الله عليه وسلم فأطعم ستين مسكيناً قال‏:‏ لا أجد فأتى النبي صلى الله عليه وسلم بشيء من تمر فقال له‏:‏ خذ هذا فأقسمه فقال الرجل‏:‏ ما بين لابتيها أفقر مني فقال له النبي صلى الله عليه وسلم‏: كله أنت وأهلك‏ ". تفسير : وأخرح عبد بن حميد حديث : عن يزيد بن زيد الهمداني في قوله‏:‏ ‏ {‏قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها‏} ‏ قال‏:‏ هي خولة بنت الصامت، وكان زوجها مريضاً فدعاها فلم تجبه وأبطأت عليه فقال‏:‏ أنت عليّ كظهر أمي، فأتت النبي صلى الله عليه وسلم، فنزلت هذه الآية ‏{‏فتحرير رقبة‏}‏ فقال له النبي صلى الله عليه وسلم‏: أعتق رقبة، قال‏:‏ لا أجد، قال‏:‏ فصم شهرين متتابعين، قال‏:‏ لا أستطيع، قال‏:‏ فأطعم ستين مسكيناً، قال‏:‏ لا والله ما عندي إلا أن تعينني فأعانه النبي صلى الله عليه وسلم بخمسة عشر صاعاً، فقال‏:‏ والله ما في المدينة أحوج إليها مني، فقال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ فكلها أنت وأهلك‏ . تفسير : وأخرج ابن سعد عن عمران بن أنس قال‏:‏ ‏"‏حديث : كان أول من ظاهر في الإِسلام أوس بن الصامت، وكان به لمم، وكان يفيق أحياناً فَلاحَ امرأته خولة بنت ثعلبة في بعض صحواته، فقال‏:‏ أنت عليّ كظهر أمي، ثم ندم فقال‏:‏ ما أراك إلا قد حرمت عليّ، قالت‏:‏ ما ذكرت طلاقاً فأتت النبيّ صلى الله عليه وسلم، فأخبرته بما قال، قال‏:‏ وجادلت رسول الله صلى الله عليه وسلم مراراً، ثم قالت‏:‏ اللهم إني أشكو إليك شدة وحدتي وما يشق عليّ من فراقه، قالت عائشة‏:‏ فلقد بكيت وبكى من كان في البيت رحمة لها ورقة عليها، ونزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم الوحي فسري عنه وهو يبتسم فقال‏:‏ يا خولة قد أنزل الله فيك وفيه ‏{‏قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها‏} ثم قال‏: مريه أن يعتق رقبة، قالت‏:‏ لا يجد، قال‏:‏ فمريه أن يصوم شهرين متتابعين، قالت‏:‏ لا يطيق ذلك، قال‏:‏ فمريه فليطعم ستين مسكيناً قالت‏:‏ وأنّى له‏؟‏ فمريه فليأت أم المنذر بنت قيس فليأخذ منها شطر وسق تمر فليتصدق به على ستين مسكيناً فرجعت إلى أوس، فقال‏:‏ ما وراءك‏؟‏ قالت‏:‏ خير وأنت ذميم، ثم أخبرته فأتى أم المنذر فأخذ ذلك منها فجعل يطعم مدين من تمر كل مسكين‏ "‏. تفسير : وأخرج عبد بن حميد عن أبي قلابة قال‏:‏ إنما كان طلاقهم في الجاهلية الظهار والإِيلاء حتى قال ما سمعت‏.‏ وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة في قوله‏:‏ ‏{‏وإنهم ليقولون منكراً من القول وزورا‏ً}‏ قال‏:‏ الزور الكذب‏.‏ وأخرج ابن المنذر والبيهقي في سننه عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏ {‏والذين يظاهرون من نسائهم ثم يعودون لما قالوا‏}‏ قال‏:‏ هو الرجل يقول لامرأته‏:‏ أنت عليّ كظهر أمي، فإذا قال ذلك‏:‏ فليس له أن يقربها بنكاح ولا غيره حتى يكفر بعتق رقبة فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين من قبل أن يتماسّا، والمس النكاح، فإن لم يستطع فإطعام ستين مسكيناً، وإن هو قال لها‏:‏ أنت عليّ كظهر أمي، فإذا قال‏:‏ إن فعلت كذا فليس يقع في ذلك ظهار حتى يحنث فلا يقربها حتى يكفر ولا يقع في الظهار طلاق‏.‏ وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر عن قتادة رضي الله عنه ‏{‏ثم يعودون لم قالوا‏} ‏ قال‏:‏ يعود لمسها‏.‏ وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر عن طاووس ‏{‏ثم يعودون لما قالوا‏} ‏ قال‏:‏ الوطء‏.‏ وأخرج ابن المنذر عن طاووس قال‏:‏ إذا تكلم الرجل بالظهار المنكر والزور فقد وجبت عليه الكفارة حنث أو لم يحنث‏.‏ وأخرج عبد الرزاق عن طاووس قال‏:‏ كان طلاق أهل الجاهلية الظهار فظاهر رجل في الإِسلام وهو يريد الطلاق فأنزل الله فيه الكفارة‏.‏ وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن عطاء أنه سئل عن هذه الآية من قبل أن يتماسّا قال‏:‏ هو الجماع‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد ‏ {‏فإطعام ستين مسكينا‏ً}‏ قال‏:‏ كهيئة الطعام في اليمين مدين لكل مسكين‏.‏ وأخرج ابن المنذر عن أبي هريرة قال‏:‏ ثلاث فيهن مد كفارة اليمين وكفارة الظهار وكفارة الصيام‏.‏ وأخرج ابن مردويه عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر الذي أتى أهله في رمضان بكفارة الظهار‏.‏ وأخرج عبد الرزاق عن عطاء والزهري وقتادة قالوا‏:‏ العتق في الظهار والصيام والطعام كل ذلك من قبل أن يتماسّا‏.‏ وأخرج الطبراني عن ابن عباس قال‏:‏ ‏"‏حديث : كان الظهار في الجاهلية يحرم النساء فكان أوّل من ظاهر في الإِسلام أوس بن الصامت، وكانت امرأته خولة بنت خويلد، وكان الرجل ضعيفاً، وكانت المرأة جلدة، فلما تكلم بالظّهار قال‏:‏ لا أراك إلا قد حرمت عليّ فانطلقي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلك تبتغي شيئاً يردّك عليّ فانطلقت، وجلس ينتظرها، فأتت النبي صلى الله عليه وسلم وماشطة تمشط رأسه، فقالت‏:‏ يا رسول الله إن أوس بن الصامت من قد علمت من ضعف رأيه وعجز مقدرته، وقد ظاهر مني فابتغ لي يا رسول الله شيئاً إليه قال يا خويلة‏: ما أمرنا بشيء في أمرك وأن نؤمر فسأخبرك، فبينا ماشطته قد فرغت من شق رأسه وأخذت في الشق الآخر أنزل الله عز وجل، وكان إذا أنزل عليه الوحي تربد لذلك وجهه حتى يجد بردة فإذا سرّي عنه عاد وجهه أبيض كالقلب، ثم تكلم بما أمر به، فقالت ماشطته‏:‏ يا خويلة إني لأظنه الآن في شأنك فأخذها أفكل ثم قالت‏:‏ اللهم بك أعوذ أن تنزل فيّ إلا خيراً فإني لم أبغ من رسولك إلا خيراً فلما سرّي عنه قال‏: يا خويلة قد أنزل الله فيك وفي صاحبك فقرأ ‏ {‏قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله‏} ‏ إلى قوله‏:‏ ‏ {‏فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا‏} ‏ فقالت‏:‏ والله يا رسول الله ما له خادم غيري ولا لي خادم غيره، قال‏:‏ ‏{‏فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين‏}‏ قالت‏:‏ والله إنه إذا لم يأكل في اليوم مرتين يسدر بصره، قال‏:‏ ‏ {‏فمن لم يستطع فإطعام ستين مسكينا‏ً} ‏ قالت‏:‏ والله ما لنا في اليوم إلا وقية، قال‏: فمريه فلينطلق إلى فلان فليأخذ منه شطر وسق من تمر فليتصدق به على ستين مسكيناً وليراجعك ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج عبد الرزاق في المصنف من طريق أبي سلمة بن عبد الرحمن حديث : عن سلمة بن صخر الأنصاري أنه جعل امرأته عليه كظهر أمه، حتى يمضي رمضان فسمنت وتربصت فوقع عليها في النصف من رمضان، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم كأنه يعظم ذلك، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏أتستطيع أن تعتق رقبة‏؟‏ فقال‏:‏ لا، قال‏: أفتستطيع أن تصوم شهرين متتابعين‏؟ قال‏:‏ لا، قال‏:‏ أفتستطيع أن تطعم ستين مسكينا‏ً؟ قال‏:‏ لا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ يا فروة بن عمرو أعطه ذلك العرق وهو مكتل يأخذ خمسة عشر أو ستة عشر صاعاً فليطعمه ستين مسكيناً، فقال‏:‏ أعليّ أفقر مني فوالذي بعثك بالحق ما بين لابتيها أهل بيت أحوج إليه منا فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال‏: اذهب به إلى أهلك"‏ ‏‏.‏ تفسير : وأخرج عبد بن حميد وابن مردويه والبيهقي في السنن عن أبي العالية قال‏:‏ ‏"‏حديث : كانت خولة بنت ودبيج تحت رجل من الأنصار، وكان سييء الخلق ضرير البصر فقيراً، وكانت الجاهلية إذا أراد الرجل أن يفارق امرأته قال‏:‏ أنت عليّ كظهر أمي، فادارعته بعض الشيء فقال‏:‏ أنت عليّ كظهر أمي، وكان له عيل أو عيلان، فلما سمعته يقول ما قال احتملت صبيانها فانطلقت تسعى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فوافقته عند عائشة، وإذا عائشة تغسل شق رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقامت عليه، ثم قالت‏:‏ يا رسول الله إن زوجي فقير ضرير البصر سييء الخلق، وإني نازعته في شيء فقال‏:‏ أنت عليّ كظهر أمي، ولم يرد الطلاق، فرفع النبي صلى الله عليه وسلم رأسه فقال‏: ما أعلم إلا قد حرمت عليه، فاستكانت وقالت‏:‏ أشتكي إلى الله ما نزل بي ومصيبتي، وتحولت عائشة تغسل شق رأسه الآخر فتحولت معها فقالت‏:‏ مثل ذلك قالت‏:‏ ولي منه عيل أو عيلان، فرفع النبي رأسه إليها فقال‏: ما أعلم إلا قد حرمت عليه، فبكت وقالت‏:‏ أشتكي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم مصيبتي، وتغير وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت عائشة‏:‏ وراءك فتنحت ومكث رسول الله صلى الله عليه وسلم ما شاء الله ثم انقطع الوحي، فقال يا عائشة‏:‏ أين المرأة‏؟ قالت‏:‏ ها هي، قال‏:‏ ادعيها، فدعتها فقال النبي صلى الله عليه وسلم‏: اذهبي فجيئي بزوجك، فانطلقت تسعى فلم تلبث أن جاءت فأدخلته على النبي صلى الله عليه وسلم، فإذا هو كما قالت‏:‏ ضرير فقير سييء الخلق، فقال النبي صلى الله عليه وسلم‏: أستعيذ بالسميع العليم من الشيطان الرجيم ‏{‏بسم الله الرحمن الرحيم قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي‏} إلى آخر الآية، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ أتجد رقبة‏؟ قال‏:‏ لا، قال‏:‏ أفتستطيع صوم شهرين متتابعين‏؟‏ قال‏:‏ والذي بعثك بالحق إني إذا لم آكل المرة والمرتين والثلاثة يكاد يغشى عليّ، قال‏: أفتستطيع أن تطعم ستين مسكيناً‏؟ قال‏:‏ لا إلا أن تعينني فيها فأعانه رسول الله صلى الله عليه وسلم فكفر يمينه‏ "‏‏. تفسير : وأخرج البزار والحاكم والطبراني وابن مردويه والبيهقي عن ابن عباس قال‏:‏ "حديث : ‏‏أتى رجل النبي صلى الله عليه وسلم، فقال‏:‏ إني ظاهرت من امرأتي فرأيت بياض خلخالها في ضوء القمر فأعجبتني فوقعت عليها قبل أن أكفر، فقال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ألم يقل الله ‏{‏من قبل أن يتماسّا‏}‏ قال‏:‏ قد فعلت يا رسول الله، قال‏: أمسك حتى تكفّر‏ ". تفسير : وأخرج عبد الرزاق وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة والحاكم والبيهقي من طريق عكرمة عن ابن عباس ‏"حديث : ‏أن رجلاً قال‏:‏ يا رسول الله إني ظاهرت من امرأتي فوقعت عليها قبل أن أكفر، قال‏:‏ وما حملك على ذلك‏؟ قال‏:‏ ضوء خلخالها في ضوء القمر، قال‏:‏ فلا تقربها حتى تفعل ما أمرك الله ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وأحمد وأبو داود والترمذي وحسنه وابن ماجة والطبراني والبغوي في معجمه والحاكم وصححه والبيهقي حديث : عن سلمة بن صخر الأنصاري قال‏:‏ كنت رجلاً قد أوتيت من جماع النساء ما لم يؤت غيري، فلما دخل رمضان ظاهرت من امرأتي حتى ينسلخ رمضان فرقاً من أن أصيب منها في ليلى فأتتابع في ذلك ولا أستطيع أن أنزع حتى يدركني الصبح، فبينما هي تخدمني ذات ليلة إذ انكشف لي منها شيء، فوثبت عليها فلما أصبحت غدوت على قومي فأخبرتهم خبري، فقلت‏:‏ انطلقوا معي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخبره بأمري، فقالوا‏:‏ لا والله لا نفعل نتخوف أن ينزل فينا القرآن، أو يقول فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم مقالة يبقى علينا عارها، ولكن اذهب أنت فاصنع ما بدا لك، فخرجت فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته خبري فقال‏:‏ أنت بذاك‏؟‏ قلت‏:‏ أنا بذاك، قال‏:‏ أنت بذاك‏؟‏ قلت‏:‏ أنا بذاك قال‏: أنت بذاك‏؟‏‏ قلت‏:‏ أنا بذاك، وها أنا ذا فامض فيّ حكم الله فإني صابر لذلك قال‏: أعتق رقبة فضربت صفحة عنقي بيدي قلت‏:‏ لا والذي بعثك بالحق ما أصبحت أملك غيرها، فصم شهرين متتابعين، قلت‏:‏ وهل أصابني ما اصابني إلا في الصيام‏؟‏ قال‏:‏ فأطعم ستين مسكيناً، قلت‏:‏ والذي بعثك بالحق لقد بتنا ليلتنا هذه وبني ما لنا عشاء، قال‏: اذهب إلى صاحب صدقة بني زريق فقل له، فليدفعها إليك، فأطعم عنك منها وسقاً ستين مسكيناً، ثم استعن بسائرها عليك وعلى عيالك، فرجعت إلى قومي فقلت‏:‏ وجدت عندكم الضيق وسوء الرأي ووجدت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم السعة والبركة، أمر لي بصدقتكم فدفعوها إليه‏ "‏‏.

ابو السعود

تفسير : مدنية. وقيل العشر الأول مكي والباقي مدني وآيُها اثنتان وعشرون {قَدْ سَمِعَ ٱللَّهُ} بإظهارِ الدالِ وَقُرىءَ بإدغامِهَا في السِّينِ {قَوْلَ ٱلَّتِى تُجَادِلُكَ فِى زَوْجِهَا} أيْ تراجعكَ الكلامَ في شأنِهِ وفيمَا صدرَ عنْهُ في حَقِّهَا من الظهارِ وَقُرىءَ تُحاوركَ وَتُحاولكَ أَيْ تسائلكَ {وَتَشْتَكِى إِلَى ٱللَّهِ} عطفٌ عَلَى تجادلكَ أيْ تتضرعُ إليهِ تَعَالَى وَقيلَ حالٌ منْ فاعله أيْ تجادلكَ وَهيَ مُتضرعةٌ إليهِ تَعَالَى وَهِيَ خَوْلَة بنتُ ثَعْلبةَ بنِ مالكِ بنِ خُزامةَ الخزرجيةُ، ظاهرَ عنْهَا زوجُهَا أَوْسُ بْنُ الصامتِ أخُو عُبَادةَ ثُمَّ ندِمَ عَلَى مَا قالَ فقالَ لَها مَا أظنكَ إِلاَّ قَدْ حرمتِ عليَّ فشقَّ عَلَيْهَا ذلكَ فاستفتتْ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم فقالَ حرُمتِ عليهِ فقالتْ يا رسولَ الله ما ذكَرَ طَلاقاً فقالَ حرمتِ عليهِ. وَفي روايةٍ: مَا أُراكِ إلا قدْ حرمتِ عليه في المرارِ كُلِّها فقالتْ أشكُو إِلى الله فَاقتِي وَوَجْدِي وجعلتْ تراجعُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم وَكُلَّما قالَ عليه الصلاةُ والسلامُ حرمتِ عليهِ هتفتْ وشكتْ إِلَى الله تَعَالَى فنزلتْ وَفي كلمةِ قَدْ إِشعارٌ بأنَّ الرسولَ عليهِ الصلاةُ والسلامُ والمجادلةَ كانَا يتوقعانِ أنْ يُنزلَ الله تعالَى حكَم الحادثةِ ويفرجَ عَنْهَا كَرْبَهَا كَمَا يلوحُ بهِ مَا رُويَ أنَّه عليه الصلاةُ والسلامُ قالَ لها عندَ استفتائِها مَا عندِي في أمركِ شيءٌ وَأَنَّها كانتْ ترفعُ رأْسَهَا إِلى السماءِ وتقولُ: اللهمَّ إني أشكُو إليكَ فأنزلْ عَلى لسانِ نبـيكَ ومَعنْى سَمْعِهِ تَعَالَى لقولِهَا إجابةُ دُعائِها لاَ مجردَ علمِهِ تَعَالى بذلكَ كما هُوَ المَعْنِيُّ بقولِهِ تَعَالَى: {وَٱللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُما} أيْ يعلُم تراجعَكُمَا الكلامَ وَصيغةُ المضارعِ للدلالةِ على استمرار السمعِ حسَبُ استمرارِ التحاورِ وتجددِهِ وَفي نَظْمِها في سلك الخطابِ تغليباً تشريفٌ لَهَا منْ جهتينِ وَالجملةُ استئنافٌ جارٍ مَجْرَى التعليلِ لِمَا قبلَهُ فإنَّ إلحافَهَا في المسألةِ ومبالغَتَها في التضرعِ إِلى الله تَعَالَى ومدافعتَهُ عليهِ الصلاةُ والسلامُ إِيَّاهَا بجوابٍ منبىءٍ عنِ التوقفِ وترقبِ الوحِي وَعِلمَهُ تَعَالَى بحالهِمَا منْ دَواعي الإجابةِ وَقيلَ هيَ حالٌ وهُوَ بعيدٌ وَقَولُهُ عزَّ وَجَلَّ: {إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ} تعليلٌ لِمَا قبلَهُ بطريق التحقيقِ أيْ مبالغٌ في العلمِ بالمسموعات والمبصَراتِ وَمنْ قضيتِهِ أنْ يسمعَ تحاورَهُمَا ويَرَى ما يقارنُهُ منَ الهيئاتِ التي منْ جُملِتَها رفعُ رأسِهَا إلى السماءِ وسائرُ آثارِ التضرعِ. وإظهارُ الاسمِ الجليلِ في الموقعينِ لتربـيةِ المهابةِ وتعليلِ الحكمِ بوصفِ الألوهيةِ وتأكيدِ استقلالِ الجملتينِ.

القشيري

تفسير : قوله جلّ ذكره: {قَدْ سَمِعَ ٱللَّهُ قَوْلَ ٱلَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِيۤ إِلَى ٱللَّهِ}. لمَّا صَدَقَت في شكواها إلى الله وأيِسَتْ من استكشاف ضُرِّها من غير الله - أنزل الله في شأنها: {قَدْ سَمِعَ ٱللَّهُ}. تَضَرَّعَتْ إلى الله، ورَفَعَتْ قِصَّتَها إلى الله، ونَشَرت غُصَّتَها بين يدي الله - فنَظرَ إليها الله، وقال: {قَدْ سَمِعَ ٱللَّهُ}. ويقال: صارت فرجةً ورخصةً للمسلمين إلى القيامة في مسألة الظِّهار، وليعلم العالِمون أنَّ أحداً لا يخسر عَلَى الله. وفي الخبر: أنها قالت: "يا رسول الله، إنَّ أوساً تزوَّجنِي شابَّةً غنيةً ذات أهلٍ، ومالٍ كثير، فلما كبرت سِنِّي، وذَهَبَ مالي، وتَفَرَّق أهلي جعلني عليه كظَهْرِ أُمِّه، وقد ندِم وندمِت، وإنَّ لي منه صبيةً صِغَاراً إن ضَمَمْتُهم إليه ضاعوا، وإن ضممتُهم إليّ جاعوا". فقال لها الرسول صلى الله عليه وسلم - في رواية -: "حديث : ما أُمِرْتُ بشيءٍ في شأنك ". تفسير : وفي رواية أخرى انه قال لها: "حديث : بنْتِ عنه" تفسير : (أي حرمت عليه). فترددت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك، وشكت.. إلى أن أنزل الله حُكْم الظِّهار.

البقلي

تفسير : {قَدْ سَمِعَ ٱللَّهُ قَوْلَ ٱلَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا} بين الله سبحانه فى اول هذه السورة مقام الانبساط حيث انبسطت المجادلة مع الحبيب ثم استحسن الله انباسطها ومجادلتها حين خلصت من الالتفات الى غيره بقوله {وَتَشْتَكِيۤ إِلَى ٱللَّهِ} اى لا الى غير الله ومنزل الشكوى مقام النجوى وبين النجوى والشكوى انبسطت الى المولى ثم زاد الكرم فى اظهار فضله عليها حين سمع كلامها واجابها بخطابه فاين انت من مقام الشكوى عنه عنده به له عليه والنجوى فى السر وسر السر وبث الحزن والعربدة فى الانبساط حتى يسمع منك سبحانه نجواك وانبساطك واعطاك سولك وما مولك انه سبحانه اذا اصطفى عبد من عبيده لا ينظر الى ضعفه وكسبه ونسبه وسببه وحسنه وقبحه وعمله وعلمه وانه رجل او مرأة بل ينظر الى صميم اسراره المنبسطة على بساط الربوبية بنعت الذل والخضوع وينظر الى طلبات سره ويهجان قلبه وحركات روحه وتوجهه اليه بنعت الاقبال عليه فيقبله بحسن قباله ويراعيه بكشف مشاهدته ويصرف عنه هجوم عساكر قهر امتحانه ويورى قلبه الى قرب قربه ومعادن جوده فيملا من نور العرفان وسنا الايقان وضياء الايمان ويطيبه بطيب محبته حتى يطير بجناح لطفه فى هواء هويته وبساتين مشاهدته فيجتنى من اشجار حقائقها ثمرات الزلفات والمدانة فيقوى بها فى حمل ومرادات التجلى والتدلى قال الاستاذ لما صدقت فى شكواها الى الله وايست من استكشاف ضرها من غير الله انزل الله فى شانها هذه الأية.

اسماعيل حقي

تفسير : {قد سمع الله قول التى تجادلك فى زوجها} سمع مجاز مرسل عن أجاب بعلاقة السببية والمجادلة المفاوضة على سبيل المنازعة والمبالغة يعنى كار براندن باكسى بر سبيل نزاع، واصله من جدلت الحبل اى احكمت فتله فكأن المتجادلين يفتل كل واحد الآخر عن رأيه والمراد هنا المكالمة ومراجعة الكلام اى معاودته والمعنى قد أجاب الله دعاء المرأة التى تكالمك فى حق زوجها استفتاء وتراجعك الكلام فى شأنه وفيما صدر عنه فى حقها من ظهاره اياها بغير وجه مشروع وسبب مقبول {وتشتكى الى الله} عطف على تجادلك اى تتضرع الى الله وتظهر مابها من المكروه قال فى المفردات الشكاية والشكاة والشكوى اظهار البث يقال شكوت واشتكيت واصل الشكوى فتح الشكوة واظهار مافيها وهى سقاء صغير يجعل فيه الماء وكان فى الاصل استعارة كقوله بثثت له مافى وعائى ونفضت مافى جرابى اذا اظهرت مافى قلبك وفى كشف الاسرار الاشتكاء اظهار مايقع بالانسان من المكروه والشكوى اظهار مايصنعه غيره به وفى تاج المصادر الاشتكاء كله كردن وشكوه كرفتن، وهى قربة صغيرة والمجادلة هى خولة بنت ثعلب بن ماللك ابن خزاعة الخزرجية وزوجها اوس بن الصامت اخو عبادة روى انها كانت حسنة البدن رآها اوس وهى تصلى فاشتهى مواقعتها فلما سلمت روادها فأبت وكان به خفة فغضب عليها بمقتضى البشرية وقال انت على كظهر امى وكان اول اظهار وقع فى الاسلام ثم ندم على ماقال بناء على ان الظهار والايلاء كانا من طلاق الجاهلية فقال لها ما اظنك الى وقد حرمت على فشق ذلك عليها فاتت رسول الله صلى الله عليه وسلم وعائشة رضى الله عنها تغسل شق رأسه فقالت يارسول الله ان زوجى اوس بن الصامت أبو ولدى وابن عمى واحب الناس الى ظاهر منى وما ذكر طلاقا وقد ندم على فعله فهل من شىء يجمعنى واياه فقال عليه السلام "حديث : ماأراك الا وقد حرمت عليه"تفسير : فقالت لاتقل ذلك يارسول الله وذكرت فاقتها ووحدتها بتفانى اهلها وان لها صبية صغارا فقالت ان ضممتهم الى جاعوا وان ضممتهم الى أبيهم ضاعوا فاعاد النبى عليه السلام قوله الاول وهو حرمت عليه فجعلت تراجع رسول الله مقالتها الاولى وكلما قال لها رسول الله حرمت عليه هتفت وقالت أشكو الى الله مما لقيت من زوجى حال فاقتى ووحدتى وقد طالت معه صبحتى ونفضت له بطنى تريد بذلك انى قد بلغت عنده سن الكبر وصرت عقيما لا ألد بعد وكانت فى كل ذلك ترفع رأسها الى السماء على ماهو عادة الناس استنزالا للامر الالهى من جانب العرش وتقول اللهم أنزل على لسان نبيك فقامت عائشة تغسل الشق الآخر من رأسه عليه السلام وهى مازالت فى مراجعة الكلام مع رسول الله وبث الشكوى الى الله حتى نزل جبريل عليه السلام بهذه الآيات الاربع سمعا لدعائها وقبولا لشكواها فكانت سببا لظهور امر الظهار وفى قد اشعار بأن الرسول والمجادلة كانا يتوقعان أن ينزل الله حكم الحادثة ويفرج عنها كربها لانها انما تدخل على ماض متوقع {والله يسمع تحاوركما} اى يعلم تراجعكما وتخاطبكما وتجاوبكما فى أمر الظهار فان التحاور بمعنى التجاوب وهو رجع الكلام وجوابه يعنى يكديكر را جواب دادان، من الحور بمعنى الرجوع وذلك كان برجوع الرسول الى الحكم بالحرمة مرة بعد أخرى ورجوع المجادلة الى طلب التحليل كذلك ومثله المحاروة فى البحث ومنه قولهم فى الدعاء نعوذ بالله من الحور بعد الكور اى الرجوع الى النقصان بعد الوصول الى الزيادة او الى الوحشة بعد الانس وقال الراغب الحور التردد اما بالذات واما بالتفكر وقيل نعوذ بالله من الحور بعد الكور اى من التردد بالامر بعد المضى فيه او من نقصان وتردد فى الحال بعد الزيادة فيها وصيغة المضارع للدلالة على استمرار السمع حسب استمرار التحاور وتجدده وفى نظمها فى سلك الخطاب مع أفضل البريات تغليب اذ القياس تحاورها وتحاورك تشريفا لها من جهتين والجملة استئناف جار مجرى التعليل لما قبله فان الحافها فى المسألة ومبالغتها فى التضرع الى الله ومدافعته عليه السلام اياها بجواب منبىء عن التوقف وترقب الوحى وعلمه تعالى بحالهما من دواعى الاجابة وفى كشف الاسرار ليس هذا تكرارا لان الاولى لما حكته عن زوجها والثانى لما كان يجرى بينها وبين رسول الله لان الاول ماضى والثانى مستقبل {ان الله سميع بصير} مبالغ فى العلم بالمسموعات والمبصرات ومن قضيته أن يسمع تحاروهما ويرى مايقارنه من الهيئات التى من جملتها رفع رأسها الى السماء وسائر آثار التضرع شعر : يامن يرى مافى الضمير ويسمع أنت المعد لكل مايتوقع يامن يرجى للشدآئد كلها يامن اليه المشتكى والمفزع مالى سوى قرعى لبابك حيلة ولئن رددت فاى باب أقرع حاشى للطفك أن تقنط عاصيا الفضل أجزل والمواهب اوسع تفسير : وفى الآية دليل على ان من انقطع رجاؤه عن الخلق ولم يبق له فى مهمه احد سوى ربه وصدق فى دعائه وشكواه كفاه الله ذلك من كان اضعف فالرب به ألطف شعر : دعاى ضعيفان اميد وار زباروى مردى به آيد بكار تفسير : وفيها ان من استمع الله ورسوله والورثة الى كلامه فسائر الناس اولى (روى) ان عمر بن الخطاب رضى الله عنه مر بهذه المرأة فى خلافته وهو على حمار والناس معه فاستوقفته طويلا ووعظته وقالت ياعمر قد كنت تدعى عميرا ثم قيل لك عمر ثم قيل لك امير المؤمنين فاتق الله ياعمر فانه من أيقن الموت خاف الفوت ومن أيقن الحساب خاف العذاب وهو واقف يسمع كلامها فقيل له يا امير المؤمنين أتقف لهذه العجوز هذا الوقوف الطويل فقال والله لو حبستنى من اول النهار الى آخره مازلت الا للصلاة المكتوبة أتدرون من هذه العجوز هى خولة بن ثعلب سمع الله قولها من فوق سبع سموات أيسمع رب العالمين قولها ولايسمعه عمر وهذه الفوقية لايلزم منها الجهة لان الله هو العلى المتعال فاعرف ثم انه من اكبر الذنوب أن يقول الرجل لاخيه اتقى الله فيقول فى جوابه عليك نفسك اى الزم نفسك أنت تأمرنى بهذا وذلك لانه اذا ذكر اسم الله يلزم التعظيم له سوآء صدر من مسلم او كافر وأعلم الناس لايستغنى عن تنبيه وايقاظ شعر : بكوى آنجه دانى سخن سود مند وكرهيج كس رانيا يد بسند تفسير : يقال اللائق بالعاقل أن يكون كالنحل يأخذ من كل شىء ثم يخرجه عسلا فيه شفاء من كل دآء وشمعا له منافع لاسيما الضياء فطالب الحكمة يأخذها من كل مقام سوآء قعد او قام (المرء لولا عرفه فهو الدمى ولامسك لولا عرفه فهو الدم) العرف الاول بالضم بمعنى المعروف والثانى بالفتح الرآئحة و الدمى بضم الدال وفتح الميم جمع دمية وهى الصورة المنقشة من رخام او عاج

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {قد سَمِعَ اللّهُ قولَ التي تُجادِلُك} وهي خولة، {في زوجها} أوس، أي: تُراجعك الكلام في شانه، وفيما صدر منه صدر منه في حقها مِن الظِّهار، أو تسألك وتستفيتك. وقال الكواشي: "قد سمع" أي: عَلِمَ وأجاب قولها، أي: دعاءها. وفي "قد" هنا معنى التوقُّ؛ لأنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم والمرأة كانا يتوقعان أن يُنزل اللّهُ في مجادلتهما ما يفرج الله به عنهما. هـ. وقال الفخر: هذه الواقعة تدل على أنّ مَن انقطع رجاؤه من الخلق، ولم يبقَ له في مُهمه أحدٌ إلاَّ الخالق، كفاه الله ذلك المُهم. وقال القشيري: لمّا صدقت في شكواها إلى الله، وأيِسَتْ مِن كشف ضُرِّها من غير الله، أنزل الله في شأنها: {قد سمع الله...} ويقال: صارت قصتها فرجةً ورحمةً للمؤمنين إلى يوم القيامة، في قضية الظهار، ليعلم العالمون أنه لا يخسر على الله أحد. هـ. ولمّا نزلت السورة بإثر الشكوى، قالت عائشة رضي الله عنها: "ما أسمع الله" تعجُّباً من سرعة نزولها. {وتشتكي إلى اللهِ} أي: تتضرع إليه، وتُظهر ما بها من الكرب، {واللهُ يسمع تحاورَكما} مراجعتكما الكلام، من: حاور إذا رجع. وصيغة المضارع للدلالة على استمرار السمع، حسب استمرار التحاور وتجدُّده، وفي نظمها في سلك الخطاب تشريفٌ لها. والجملة استئناف، جار مجرى التعليل لِمَا قبله، فإنّ إلحافَها في المسألة، ومبالغتها في التضرُّع إلى الله تعالى، ومدافعته صلى الله عليه وسلم إياها، منبئٌ عن التوقف وترقُّب الوحي، وعلمه تعالى بحالهما من دواعي الإجابة، أي: قد سمع قول المرأة وأجاب طلبتها؛ لأنه يسمع تحاوركما. وقيل: هو حال، وهو بعيد. {إِنَّ الله سميع بصير} تعليل لِما قبله، أي: مُبالغ في العلم بالمسموعات والمبصرات، ومِن قضيته: أن يسمع تحاوركما، ويرى ما يقارنه من الهيئات، التي مِن جملتها: رفع رأسها إلى السماء، وإثارة التضرُّع، وإظهار الاسم الجليل في الموضعين لتربية المهابة، وتعليل الحكم بوصف الألوهية، وتأكيد الجملتين. الإشارة: قد سمع الله قولَ الروح، التي تُجادل في شأن القلب؛ لأنه مقرها ومسكنها، إن صلح صلحت، وإن فسد بحب الدنيا ومتابعة الهوى، فسدت، فهي تُجادل رسولَ الإلهام وتشتكي إلى الله من القلب الفاسد، والله يسمع تحاورهما وتضرعَها إن صدقت في طلب الحق، فيُجيب دعاءها، ويُقيض لها طبيباً يُعالجه، حتى ترجع لأصلها منه، إنّ الله سميعٌ بصير. ثم عاتبهم على استعمال الظِهار، وذَكَر حُكمه، فقال: {ٱلَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنكُمْ مِّن نِّسَآئِهِمْ}.

الطوسي

تفسير : قرأ المفضل عن عاصم {ما هن أمهاتهم} على الرفع على لغة بني تميم. الباقون بنصب {أمهاتهم} على لغة أهل الحجاز، وهي لغة القرآن، كقوله {أية : ما هذا بشراً } تفسير : وقرأ عاصم {يظاهرون} بضم الياء بألف. وقرأ ابن كثير ونافع وابو عمرو {يظهرون} بغير الف مشددة الظاء والهاء. وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي {يظاهرون} بتشديد الظاء والف، وفتح الياء. وقال ابو علي النحوي: ظاهر من امرأته وظهر مثل ضاعف وضعف وتدخل التاء على كل واحد منهما، فيصير تظاهر وتظهر، ويدخل حرف المضارعة، فيصير تتظاهر، ويتظهر. ثم يدغم التاء في الظاء لمقاربتهما، فيصير يظاهرون ويظهرون - بفتح الياء - التي هي للمضارعة، لانها للمطاوعة، كما تفتحها في (يتدحرج) الذي هو مطاوع (دحرجته، فتدحرج) واختار عاصم أن المظاهرة من المضارعة، لان المفاعلة لا يكون إلا من نفسين. والظهار يكون بين الرجل وامرأته. ومن قرأ {يظاهرون} فأصله يتظاهرون فأدغم التاء في الظاء. والظهار قول الرجل لامرأته: انت عليّ كظهر أمي، وكان أهل الجاهلية إذا قال الرجل منهم هذا لامرأته بانت منه وطلقت. وفى الشرع لا تبين المرأة إلا انه لا يجوز له وطؤها إلا بعد ان يكفر. وعندنا ان شروط الظهار هي شروط الطلاق سواء من كون المرأة طاهراً طهراً لم يقربها فيه بجماع، ويحضره شاهدين ويقصد التحريم فان اختل شيء من ذلك لم يقع به ظهار. ويقال فيه ظاهر فلان من امرأته ظهاراً ومظاهرة وإظهاراً، فلان ظاهر وتظاهر تظاهراً إلا انه ادغم واظهر إظهاراً. وأصله تظهر تظهراً إلا انه ادغمت التاء في الظاء. وقيل: إن هذه الآية نزلت في خولة بنت ثعلبة وزوجها أوس ابن الصامت - في قول قتادة - وكان مجادلتها إياه مراجعتها في أمر زوجها. وقد كان ظاهر منها، وهي تقول: كبرت سني ودق عظمي، وان اوساً تزوجني وانا شابة، فلما علت سني يريد أن يطلقني. ورسول الله صلى الله عليه وآله يقول بنت منه - على ما رواه ابو العالية - وفي رواية غيره انه قال لها: ليس عندي في هذا شيء، فنزلت الآية. وقال ابن عباس: نزلت الآية في أوس بن الصامت. وكانت تحته بنت عم له، فقال لها: أنت عليّ كظهر أمي، فهو اول من ظاهر في الاسلام. وقيل كان يقال للمرأة خولة بنت خويلد. وكان الرجل في الجاهلية إذا قال لامرأته: انت عليّ كظهر أمي حرمت عليه، فأنزل الله تعالى في قصة الظهار آيات. ولا خلاف أن الحكم عام في جميع من يظاهر، وإن نزلت الآية على سبب خاص. فقال الله تعالى لنبيه {قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها} فالجدال والمجادلة هي المخاصمة. وقد يقال: للمراجعة والمقابلة للمعنى بما يخالفه مجادلة. واصل الجدال الفتل. ومن قابل المعنى بخلافه طلباً للفائدة فليس بمجادل. فمجادلة المرأة لرسول الله كان مراجعتها إياه في أمر زوجها، وذكرها أن كبرت سني ودق عظمي، والنبي صلى الله عليه وآله يقول بنت منه - على ما رواه ابو العالية - لأنه لم يكن نزل عليه في ذلك وحي ولا حكم. وقوله {وتشتكى إلى الله} أي تظهر ما بها من المكروه، تقول: اللهم إنك تعلم حالي فارحمني، فالاشتكاء إظهار ما بالانسان من المكروه. والشكاية إظهار ما يصنعه به غيره من المكروه. وقوله {والله يسمع تحاوركما} أي مراجعة بعضكما لبعض. والتحاور التراجع وهو المحاورة، تقول: تحاورا تحاوراً وحاور محاورة أي راجعه في الكلام، قال عنترة: شعر : لو كان يدري ما المحاورة اشتكى ولكان لو علم الكلام مكلمي تفسير : و {إن الله سميع بصير} أي على صفة يصح معها ان يسمع المسموعات إذا وجدت، ويبصر المبصرات إذا وجدت. ثم قال {الذين يظاهرون منكم من نسائهم} أي الذين يقولون لنسائهم: أنت عليّ كظهر أمي، ومعناه إن ظهرك عليّ حرام كظهر أمي، فقال الله تعالى {ما هن أمهاتهم} أي ليست أزواجهم امهاتهم على الحقيقة {إن أمهاتهم} أي وليست امهاتهم في الحقيقة {إلا اللائي ولدنهم} من الأم وجداته. ثم اخبر {إنهم ليقولون} أي ان القائل لهذا يقول قولا {منكراً من القول} قبيحاً {وزوراً} أي كذباً، لأنه اذا جعل ظهرها كظهر أمه وليست كذلك كان كاذباً في قوله. ثم قال تعالى {وإن الله لعفو غفور} أي رحيم بهم منعم عليهم متجاوز عن ذنبهم. وفى ذلك دلالة على ان الله رحمها وغيرها من النساء لرغبتها فى زوجها بالتوسعة من جهة الكفارة التي تحل بها. ثم بين تعالى ما يلزمه من الحكم، فقال {والذين يظاهرون من نسائهم} يعني الذين يقولون هذا القول الذي حكيناه {ثم يعودون لما قالوا} واختلفوا فى معنى العود، فقال قتادة العود هو العزم على وطئها. وقال قوم: العود الامساك عزم او لم يعزم وقال الشافعي: هو أن يمسكها بالعقد، ولا يتبع الظهار بطلاق. وحكى الطبري عن قوم انهم قالوا: فيه تقديم وتأخير وتقديره: والذين يظاهرون من نسائهم فتحرير رقبة من قبل ان يتماسا فمن لم يجد فصيام شهرين فمن لم يستطع فاطعام ستين مسكينا ثم يعودون لما قالوا. وقال قوم: معناه ثم يعودون لنقض ما قالوا وإرتفاع حكمه. وقال قوم: لا تجب عليه الكفارة حتى يعاود القول ثانية. وهو خلاف اكثر اهل العلم. والذي هو مذهبنا أن العود المراد به إرادة الوطىء او نقض القول الذي قاله، فانه لا يجوز له الوطىء إلا بعد الكفارة ولا يبطل حكم القول الأول إلا بعد ان يكفرّ. وقال الفراء: يحتمل ان يكون المراد ثم يعودون إلى ما قالوا، وفيما قالوا، وفي نقض ما قالوا، أي يرجعون عما قالوا، ويجوز فى العربية أن تقول: إن عاد لما فعل، تريد ان فعله مرة أخرى، ويجوز إن عاد لما فعل أي نقض ما فعل، كما تقول: حلف ان يضربك بمعنى حلف ألا يضربك، وحلف ليضربنك. وقوله {فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا} بيان لكيفية الكفارة، فان أول ما يلزمه من الكفارة عتق رقبة فالتحرير هو ان يجعل الرقبة المملوكة حرة بالعتق بأن يقول المالك انه حر. والرقبة ينبغي ان تكون مؤمنة سواء كانت ذكراً او انثى صغيرة او كبيرة إذا كانت صحيحة الاعضاء. فان الاجماع واقع على انه يقع الاجزاء بها، وقال الحسن وكثير من الفقهاء: إن كانت كافرة أجزأت. وفيه خلاف وتفاصيل. ذكرناه فى كتب الفقه. وتحرير الرقبة واجب قبل المجامعة لظاهر قوله {من قبل أن يتماسا} أي من قبل ان يجامعها فيتماسا. وهو قول ابن عباس، فكان الحسن لا يرى بأساً ان يغشى المظاهر دون الفرج. وفى رواية اخرى عنه أنه يكره للمظاهر أن يقبل. والذي يقتضيه الظاهر ألا يقربها بجماع على حال ولا بمماسة شهوة وقوله {ذلكم توعظون به} ان تظاهروا ثم قال {والله بما تعملون خبير} أي عالم بما تفعلونه من خير وشر، فيجازيكم بحسبه. ثم قال {فمن لم يجد} يعني الرقبة وعجز عنها {فصيام شهرين متتابعين من قبل أن يتماسا} والتتابع عند أكثر العلماء ان يوالي بين أيام الشهرين الهلاليين او يصوم ستين يوماً. وعندنا انه إذا صام شهراً ومن الآخر ولو يوماً، فقد تابع، فان فرق فيما بعد جاز. وعند قوم: ان يصوم شهراً ونصف شهر لا يفطر فيما بينهما فان افطر لا لعذر استأنف. وان افطر لعذر من مرض اختلفوا، فمنهم من قال يستأنف من عذر وغير عذر. وبه قال إبراهيم النخعي ورواه جابر عن ابي جعفر عليه السلام وقال قوم: يبني، وبه قال سعيد بن المسيب والحسن وعطاء والشعبي. واجمعوا على ان المرأة إذا افطرت للحيض فى الشهرين المتتابعين فى كفارة قتل الخطأ او فطر يوم انها تبني فقاسوا عليه الظهار. وروى اصحابنا انه اذا صام شهراً ومن الثاني بعضه ولو يوماً ثم افطر لغير عذر، فقد اخطأ إلا انه يبني على ما قدمناه. وإن افطر قبل ذلك استأنف. ومتى بدأ بالصوم وصام بعضه ثم وجد العتق لا يلزمه العتق وإن رجع كان افضل. وقال قوم: يلزمه الرجوع الى العتق. ومتى جامع فى ليالي الصوم وجب عليه الاستئناف وبطل حكم التتابع، لانه خلاف الظاهر. ومتى جامع قبل الكفارة لزمته كفارة ثانية عند اصحابنا، وكلما وطأ لزمته كفارة بعدد الوطىء. وقوله {فمن لم يستطع} يعني من لم يقدر على الصوم {فإطعام ستين مسكيناً} يعني - عندنا - لكل مسكين نصف صاع، فان لم يقدر أعطاه مداً. و حديث : روي عن النبي صلى الله عليه وآله انه اعطى المظاهر نصف وسق ثلاثين صاعاً. وقال أطعم ستين مسكيناً وراجعها تفسير : وذلك انه كان فقيراً عاجزاً عن جميع الكفارات. وقال الحسن: اعانه رسول الله صلى الله عليه وآله بخمسة عشر صاعاً. والعدد مراعى، فان لم يجد العدد كرر على الموجودين تمام الستين. وإن جامعها قبل ان يتم الاطعام، فظاهر المذهب يقتضي انه يلزمه كفارة اخرى، لأنه وطأ قبل الكفارة. وقال قوم: لا يلزمه. وقال آخرون: يستأنف الكفارة وقوله {ذلك لتؤمنوا بالله ورسوله} معناه إنا شرعنا لكم ما ذكرناه فى حكم الظهار لما علمناه من مصلحتكم لتؤمنوا بالله ورسوله، فتصدقوهما وتقروا بتوحيد الله، وبنبوة نبيه. ثم قال {وتلك حدود الله} يعني ما ذكرناه من حكم الظهار. ثم قال {وللكافرين} أي للجاحدين لصحة ما قلناه {عذاب أليم} ومتى نوى بلفظ الظهار الطلاق لم يقع به طلاق. وفيه خلاف بين الفقهاء، والاطعام لا يجوز إلا للمسلمين دون اهل الذمة. وفيه خلاف. ومسائل الظهار وفروعها ذكرناها فى كتب الفقه. ثم قال {إن الذين يحادون الله ورسوله} والمحادة المخالفة فى الحدود أي من خالف الله ورسوله فيما ذكراه من الحدود {كبتوا} أي اخذوا - فى قول قتادة - وقال غيره: اذلوا. وقال الفراء: معناه اغيظوا واحزنوا يوم الخندق {كما كبت الذين من قبلهم} يعني من قاتل الانبياء من قبلهم. ثم قال تعالى {وقد أنزلنا آيات بينات} اي حجج واضحات من القرآن وما فيه من الادلة. ثم قال {وللكافرين} أي للجاحدين لما انزلناه من القرآن والآيات {عذاب مهين} أي يهينهم ويخزيهم.

الجنابذي

تفسير : {قَدْ سَمِعَ ٱللَّهُ قَوْلَ ٱلَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِيۤ إِلَى ٱللَّهِ وَٱللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمآ إِنَّ &# 1649;للَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ} نزلت فى امرأةٍ من الانصار اسمها خولة وزوجها اوس بن الصّامت وكانت امرأةً حسن الجسم فأرادها زوجها فأبت فغضب عليها وقال: انت علىّ كظهر امّى، وكان فى الجاهليّة اذا قال الرّجل لاهله: انت علىّ كظهر امّى، حرمت عليه آخر الابد، فندم الرّجل وقال لامرأته قد اتانا الاسلام فاذهبى الى رسول الله (ص) فاسأليه فأتت الى رسول الله (ص) فقالت: "حديث : بابى أنت وامّى انّ اوس بن الصّامت هو زوجى وابو ولدى وابن عمّى فقال لى: انت علىّ كظهر امّى، وانّا نحرّم ذلك فى الجاهليّة، وقد اتانا الله بالاسلام بك فقال لها رسول الله (ص): ايّتها المرأة ما اراك الاّ حرّمت عليه، فأعادت عليه قوله الاوّل، فقال (ص): ما اراك الا حرّمت عليه ولم اومر فى شأنك بشيءٍ، فجعلت تراجع رسول الله (ص) وكلّما قال لها رسول الله (ص)، حرّمت عليه هتفت وقالت: اشكو الى الله فاقتى وحاجتى وشدّة حالى، اللّهمّ فأنزل على لسان نبيّك وكان هذا اوّل ظهارٍ فى الاسلام فنزل عليه الآيات فقال: ادعى زوجك، فدعته، فتلا عليه رسول الله (ص) هذه الآيات (الى قوله) وللكافرين عذابٌ اليم ".

الأعقم

تفسير : {قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها} قيل: حديث : أن الآيات نزلت في رجل من الأنصار وامرأته خولة بنت ثعلبة وزوجها أوس بن الصامت رآها وهي تصلي وكانت حسينة الجسم فلما سلمت راودها فأبت فغضب فظاهر منها، فأتت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فقالت: أن أوساً تزوجني وأنا شابة مرغوبٌ فيَّ فلما نحل سني وثمرة بطني أي كثر ولدي جعلني عليه كأمه، وروي أنها قالت له: إن لي صِبيَة صغاراً إن ضممتهم إليه ضاعوا، وإن ضممتهم إليَّ جاعوا، فقال: "ما عندي في أمرك شيء"، وروي أنه قال لها: "حرمتِ عليه"، فقالت: يا رسول الله ما ذكر طلاقاً وإنما هو أبو ولدي وأحب الناس إليَّ، فقال: "حرمت عليه" فقالت: أشكو إلى الله فاقتي ووحدتي، كلما قال لها رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): "حرمت عليه" تفسير : هتفت وشكت إلى الله فنزلت المجادلة وهي مراجعتها في أمر زوجها {وتشتكي إلى الله} أي تظهر شكواها {والله يسمع تحاوركما} أي مراجعة كلامكما {إن الله سميع بصير} {الذين يظاهرون منكم من نسائهم} أي يقولون لها أنت عليّ كظهر أمي {ما هنّ أمهاتهم} ليس هذه المرأة بأم الزوج {إن أمهاتهم إلاَّ اللائي ولدنهم ليقولون منكراً من القول وزوراً} أي قولاً ينكره العقل والشرع، وزوراً كذباً لأنهم للمرأة أم وللحلال حرام {وإن الله لعفوّ غفور} حيث لم يعاجلهم بالعقوبة {والذين يظاهرون من نسائهم ثم يعودون لما قالوا} الظهار أن يقول: أنت عليّ كظهر أمي، واختلفوا في العود، فقيل: هو العزم على الوطء وهو قول الهادي، وعن قتادة وأبي حنيفة ومالك مثل ذلك، وقيل: هو إمساكها عقيب الظهار مدة يتمكن أن يطلقها عند شى، وقيل: هو أن يكرر لفظ الظهار عن أصحاب الظاهر، وقيل: أن تجامعها عن الحسن {فتحرير رقبة} أي عتق مملوك، يعني إذا ظاهر ثم عاد في ذلك فعليه تحرير رقبة {من قبل أن يتماسا} أي يجامعها {ذلك توعظون به} أي تؤمرون به {والله بما تعملون خبير} أي عالم بأعمالكم {فمن لم يجد} يعني الرقبة ولا ثمنها {فصيام شهرين متتابعين} لا يتخللهما فطرٌ {فمن لم يستطع} الصوم لعلة أو كبر {فإطعام ستين مسكيناً} فقيراً {ذلك لتؤمنوا بالله} يعني تقروا بالله لتعبدكم بما شاء من أحكامه، وقيل: لتؤمنوا بالله وما شرع، وقيل: لتتركوا عادة الجاهلية {وتلك حدود الله} شرائعه وأحكامه {وللكافرين عذاب أليم} موجع.

الهواري

تفسير : تفسير سورة المجادلة، وهي مدنية كلها. {بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} قوله عز وجل: {قَدْ سَمِعَ اللهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا}. كان طلاق أهل الجاهلية ظِهاراً؛ يقول الرجل: أنتِ عليّ كظهر أمي. وكانت خويلة بنت ثعلبة تحت أوس بن الصامت فظاهر منها. فأتت التي عليه السلام فقالت: يا رسول الله، إنه حين كبرت سني ظاهر مني زوجي، فلم يجر عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئاً، فأنزل الله آية الظهار. وفي تفسير الكلبي: إن من قولها لرسول الله عليه السلام: فهل من شيء يجمعني وإياه يا رسول الله، فقال لها: حديث : ما أمرتُ فيكِ بشيء، ارجعي إلى بيتك فإن يأتني شيء أعلمتك به تفسير : . فلما خرجت من عنده رفعت يديها إلى السماء تدعو الله فأنزل الله: {قَدْ سَمِعَ اللهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا}. قال: {وَتَشْتَكِي إلَى اللهِ وَاللهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَآ إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ الَّذِينَ يَظَاهِرُونَ مِنكُم مِّن نِّسَآئِهِم مَّا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُم إِلاَّ اللاَّئِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنكَراً مِّنَ الْقَوْلِ وَزُوراً} أي: كذباً حيث يقول: أنتِ علي كظهر أمي، يحرّم ما أحلّ الله. قال: {وَإِنَّ اللهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ}.

اطفيش

تفسير : {قَدْ سَمِعَ اللهُ} علم وقيل: قد للتحقيق أو التوقع فهي مشعرة بأن الرسول صلى الله عليه وسلم ان المجادلة أو كليهما يتوقعان أن الله يسمع مجادلتهما وشكواهما أي يقبلها ويفرج عنها قال ابن هشام: وأنكر بعضهم كونها للتوقع مع الماضي وقال: التوقع انتظار الوقوع والماضي قد وقع. وقد تبين بما ذكرنا ان مراد المثبتين لذلك انها تدل على ان الماضي كان قبل الاخبار متوقعا لا انه الآن متوقع والذي يظهر لي انها لا تفيد التوقع إلا من المضارع لان الظاهر من حال المخبر عن مستقبل انه متوقع له بلا قد ولا مع الماضي والاصح أن يقال لا حرف استفهام في قولك لا رجل لانه جواب لقول القائل هل من رجل وعبارة ابن مالك انها تدخل ماضي متوقع ولم يقل انها تفيد التوقع. وما أجاب به الدماميني غير نافع وابدل حمزة والكسائي وابو عمرو وهشام دالها سينا وادغمها في السين. {قَوْلَ الَّتِى تُجَادِلُكَ} تخاصمك وتراجعك وفي مصحف ابن مسعود تحاورك أي تسائلك {فِى زَوْجِهَا} أي في أمر زوجها قالت عائشة رضي الله عنها الحمد لله الذي وسع سمعه الاصوات لقد كلمت المجادلة رسول الله صلى الله عليه وسلم في جانب البيت وانا عنده لا أسمع وقد سمع لها وعن عمر أنه أي عمر كان اذا دخلت عليه اكرمها وقال: قد سمع الله لها وهي خولة بنت ثعلبة امرأة أوس بن الصامت اخي عبادة بن الصامت الانصاري هذا اسمها عن ابن العربي والفخر وقال ابن عباس وغيره اسمها خولة بن خويلد وقيل اسمها جميلة وزوجها هو أوس المذكور رآها تصلي وكانت حسنة الجسم فلما سلمت روادها فأبت فغضب وكان له خفة ولمم أي شدة حرص على النكاح وقيل حنون ولكنه لو ظاهر حال الجنون لم يلزمه. فقال لها أنت علي كظهر أمي ثم ندم وكان الظهار وطلاق الجاهلية يوجب عندهم فرقة مؤبدة فقال: ما اظنك إلا حرمت علي فقالت: والله ما ذاك طلاق فاتت رسول الله صلى الله عليه وسلم وعائشة تغسل شرق رأسه فقالت: حديث : يا رسول الله إن زوجي أوس بن الصامت تزوجني وانا شابة مرغوب في فلما خلا سني ونثرث بطني ـ أي اكثرت الولادة ـ واكل مالي وكنت ذات مال وأهل وافنى شبابي وتفرق أهلي جعلني عليه كأمه، وقد ندم فهل من شيء يجمعني وإياه . تفسير : وروي أنها قالت: حديث : ان لي صبية صغاراً ان ضممتهم إليه ضاعوا وان ضممتهم إلي جاعوا فقال صلى الله عليه وسلم: "حرمت عليه"تفسير : وروي انه قال: "حديث : ما عندي في امرك شيء"تفسير : وروي انه لما قال لها حرمت عليه قالت: لا تعجل فإني وحيدة ليس لي أهل سواه وروي انها قالت لما قال حرمت عليه: حديث : يا رسول الله والذي انزل عليك الكتاب ما ذكر الطلاق وإنما هو ابو ولدي واعز الناس علي واحبهم فقال: "حرمت عليه"تفسير : وكانت تراجعه كلما قال حرمت عليه هتفت بربها وشكت اليه فتارة قالت: اللهم اليك اشكوا حالي وانفرادي وفقري اليه وتارة قالت: اللهم إن لي صبية صغارا الخ.. مامر، وتارة قالت: أشكو إلى الله وحدتي وفاقتي قد طالت له صحبتي وحفظت له بطني وتارة قالت اللهم أشكو إليك اللهم انزل على لسان نبيك فرجي. فمراجعتها رسول الله صلى الله عليه وسلم هي جدالها وهذا أول ظهار في الاسلام وقالت انظر في أمري يا نبي الله جعلني الله فداك فقالت عائشة ـ رضي الله عنها ـ: اقصري حديثك اما ترين وجهه وكان إذا نزل عليه الوحي أخذه مثل النعاس فلما قضى الوحي قال: ادعي لي زوجك فتلا عليه: {قَدْ سَمِعَ اللهُ..} الخ.. القصة. وعن يوسف بن عبدالله بن سلام انه قال: حديث : حدثتني خولة بنت ثعلبة وكانت عن أوس بن الصامت أنه دخل عليها فكلمها فروادته فغضب فظاهر منها فخرج الى نادي قومه ثم رجع فروادها فامتنعت كل الامتناع فشادها فشاددته فغلبته فقالت له كلا والذي نفس خولة بيده لا تصل الي حتى يحكم الله بيني وبينك بحكمه فأتت رسول الله صلى الله عليه وسلم شاكية قالت: يا رسول الله هذا أوس بن الصامت أبلى شبابي حتى اذا انقطع ولدي وكبر سني ظاهر مني اللهم إني أشكوا اليك فقال لها: زوجك وابن عمك اتقي الله واحسني صحبته وكانت ترفع رأسها في الدعاء الى السماء لأن الوحي من السماء فأجاب دعاءها . تفسير : قال الفخر: هذه الواقعة تدل على ان من انقطع رجاؤه من الخلق ولم يبق له في مهمة إلا الخالق كفاه الله مهمة ولما جاء اخبره بالآية ولم يقدر إلا على الاطعام فاطعم وامسكها وروي حديث : انه لما نزلت الآية بمحضرها قرأها وقال: مريه أن يعتق رقبة، فقالت: ماعنده شيء يا رسول الله، فقال: مرية أن يصوم شهرين، فقالت شيخ كبير لا يستطيع فقال: فليطعم ستين مسكينا قالت ما عنده ما يطعم يا رسول الله قال: سنعينه بقرق من تمر قالت: وانا يا رسول الله اعينه بآخر، قال: قد احسنت اذهبي فاطعمي عنه ستين مسكينا وارجعي الى ابن عمك وقالت والذي بعثك بالحق ما جئت إلا رحمة له من منافع تفسير : والفرق يسع ثلاثين صاعاً وقيل خمسة عشرة وعن الكلبي انها لما شكت الى النبي صلى الله عليه وسلم قال ما عندي في امرك شيء ارجعي إلى بيتك فإن امرني بشيء اعلمتك ولما خرجت رفعت يديها تدعو فنزلت اربع الآيات. {وَتَشْتَكِى إِلَى اللهِ} الوحدة والفاقة والصبية {واللهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا} أي مارجعتكما الكلام وغلب الخطاب على الغيبة والمضارعة لحكاية الحال الماضية.{إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ} للاقوال {بَصِيرٌ} بالاحوال فهو سميع من ناجيه بصير بمن يشكو.

اطفيش

تفسير : {بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. قَدْ} لتوقع المخاطب لأَن النبى - صلى الله عليه وسلم - وخولة وزوجها أوس الأَنصاريين يتوقعون الجواب أو القبول من الله والمعنى أن قد استعملت في كلام ينتظره أحد كقول المقيم للصلاة قد قامت الصلاة فإِن الناس الحاضرين ينتظرونها كذلك النبى والزوجان ينتظرون نزول الوحى بالجواب أو القبول والسمع المتوقع هو جواب الله عز وجل أو قبوله شكواها على التجوز الإِرسالى لأَن السمع سبب للجواب أو القبول وملزوم أو السمع كناية عن الجواب أو القبول ويجوز أن تكون قد للتحقيق {سَمِعَ اللهُ} أجاب أو قبل وإِلا فسمعه تعالى علمه بالأَصوات التى تأْتى بعد الأَزل {قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ} هى ثعلبة بنت مالك على الصحيح وعليه الاكثر أو خولة بنت خويلد أو خولة بنت حكيم أو خولة بنت الصامت أو خويلة بنت الصامت بالتصغير وقيل خويلة بنت مالك بن ثعلبة بالتصغير وقيل جميلة وقيل وقيل وكانت حسنة الجسم، والمجادلة المراجعة فى الكلام كما قرئ تحاورك وقرئ تسائلك وأصله معالجة الصرع على الجدالة وهى الأَرض وكما قال والله يسمع تحاوركما {فِي زَوْجِهَا} أوس بن الصامت أخى عبادة بن الصامت على الصحيح أو مسلمة بن صخر والمراد فى شأن زوجها {وَتَشْتَكِي إِلَى اللهِ} عطف على تجادلك ومن العجب جعل الواو للحال داخلة على مضارع مثبت مجرد من قد على القلة أو داخلة على مبدأ محذوف أى وهى تشتكى بلا دليل على ذلك وبلا داع، والاشتكاء إظهار ما فيها من غم لله عز وجل أى النطق به أو التضرع فى قلبها إِليه تعالى والله لا يخفى عليه شئ ومن العجائب جعل الشكوى من الشكو بمعنى فتح الشكوة واظهار ما فيها وهى سقاء صغير بل كلمة وضعت لمعان وذلك أن خولة دخل عليها أوس فراجعته فى كلام وكان كبير السن قد ساء خلقه فغضب، وقيل كان به لمم أى خفة عقل وقيل رغبة فى النساء فقال أنت عليَّ كظهر أُمى وقيل رآها تصلى ولما سلمت راودها فأبت فقال ذلك وهو كلام محرم للمرأة فى الجاهلية، وهذا أول ظهار فى الإِسلام وندم ودعاها فقالت والله لا تصل إِلىَّ إلا بحكم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأَتت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقالت يا رسول الله إن أوساً تزوجنى شابة مرغوباً فىَّ ولما كبرت وكثر ولدى وفرغ ما فى بطنى وأكل مالى وأفنى شبابى وكبر سنى وتفرق أهل وطالت صحبتى له وهو أحب الناس إِلىَّ وأبو ولدى، جعلنى كأمه فهل تجد لنا مخرجا؟ فقال والله ما أمرت فى شأنك بشئ إِلى الآن وهذا ظاهر فى أنه - صلى الله عليه وسلم علم بظهاره قبل مجيئها، ويروى والله ما أراك إلا حرمت عليه وقالت ما ذكر طلاقا وراجعت كلاما مراراً وقالت اللهم أشكو إِليك وحدتى وفراقه وفاقتى إن ضممت إِليه صبية صغاراً ضاعوا وإن ضممتهم إِلىَّ جاعوا وجعلت ترفع رأسها إِلى السماء وتقول اللهم إنى أشكو إِليك اللهم أنزل على نبيك، وكلما قالت ذلك قال لها ما أراك إِلا حرمت عليه، فنزلت الآيات فى حينها فقال - صلى الله عليه وسلم - "حديث : يا خولة أبشري فقالت خيراً" تفسير : فقرأهن عليها وإِذا دخلت على عمر أكرمها وقال سمع الله قولها ولقيته يمشى مع رجال وقالت قف يا عمر فوقف وغلظت عليه ودنا منها ووضع يده على كتفها واستمع لها حتى قضت حاجتها، فقيل له وقفت لعجوز عن قريش وقد أغلظت عليك؟ فقال ويحك أتعرف من هذه؟ قال هذه امرأة سمع الله شكواها من فوق سبع سماوات هذه خولة بنت ثعلبة، والله لو لم تنصرف حتى أتى الليل ما انصرفت حتى تقضى حاجتها وما لى لا أستمع لها وقد سمع الله تعالى لها وإِنما وضع يده على كتفها من فوق ثوبها بدون غمزها ولأَنها عجوز لا تشتهى ولانه وضعها بلا اشتهاء كما غمز الصديق عائشة فى فخذها من فوقها {والله يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا} الآن بسمعه الأَزلى لا بعلم متجدد وإلا لزم جهل الله تعالى عنه والسمع العلم بالأَصوات الواقعة الآن فليس كما قال قومنا سمعه للأَصوات صفة يدرك بها الأَصوات غير صفة العلم ولا يخفى أن فى وصفه بالإِدراك وصفاً بتقدم الجهل بما أدرك حاشاه والمحاورة المراجعة وليس المضارع للتجدد كما قيل بل لبيان أن علمه الأَزلى متعلق بهذه الواقعة الحالية والخطاب له - صلى الله عليه وسلم - وللتى تجادله تغليب له على الغيبة وتشريف لها إِذ ضمها إِليه - صلى الله عليه وسلم - فى الخطاب والواو للحال من ضمير تجادل أو ضمير تشتكى أو من لفظ الجلالة بعد إِلى أو من الكاف أو للعطف على تجادلك فتحتاج إِلى رابط يعود إِلى الموصول إِذ عطفت على الصلة وهو حصتها من كاف الخطاب {إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ} عليم بكل صوت تسمعه الأذن عليم بكل شئ تدركه العين من ذات وهيئة كرفع رأسها إِلى السماء وهيآت تضرعها لما نزلت الآيات قالت عائشة رضى الله عنها الحمد لله الذى وسع سمعه الأَصوات، لقد جاءت المجادلة إِلى النبى - صلى الله عليه وسلم - تكلمه وأنا فى ناحية البيت ما أسمع ما تقول فأنزل الله: قد سمع الله الآيات، وكرر لفظ الجلالة لتأْكيد الحكم وتأكيد الزجر عما يخالف مضمون الأُلوهية وشرع فى بيان حكم الظهار بقوله {الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ} يتفعل من الظهر أصله يتظهر أبدلت التاء ظاء وأدغمت الظاء فى الظاء والتظهر تشبيه الرجل زوجه أو بعضها على نفسه أو زوج عبده أو بعضها على عبده بمن تحرم عليه أو على عبده لنسب أو رضاع أو صهر أو حرمة ما كنساء النبى أو نساء الرجال وكالرجل والدبر والمطلقة التى لا تحل له بعد طلاقها ومزنيته وزوج ربيبه فى قول فلو ظاهر بمطلقته ثلاثا لم يكن ظهاراً إلا أنها تحل له بعد نكاح زوج غيره وإن نوى ما لم تتزوج كان ظهاراً وإن ظاهر بنساء الرجال ونوى ما دمن نساء لهم كان ظهاراً وإِن لم ينو لم يكن ظهاراً لحلهن له بعد الفرقة وإِن ظاهر بمعتدة ونوى ما دامت فى العدة كان ظهاراً وإِلا فلا ظهار واصل التظاهر علاج ركوب الظهر وزوج الرجل كمركوبه وأصل قوله أنت عليَّ كظهر أُمى، ظهرك عليَّ كظهر أُمى وذلك كما يقال فى الطلاق نزل عن امرأته وكأَنه كان راكباً عليها ونزل كما تركب الدابة وينزل عنها، وقيل الأَصل يتبطنون وعبر عنه بيتظهرون والأَصل إِتيان المرأة من بطنها ولكن عبر بيتظهرون لجوار الظهر للبطن وكأَنه عمود للبطن وحكمته التلويح بأَن ذلك فى الحرمة كحرمة الدبر وكحرمة إِتيان القبل من الدبر، قبل أن يحلله الله عز وجل ولا ظهار بكتابية لحل الكتابية بنص القرآن وقيل الظهار من الظهر بمعنى العلو أى علوى عليك كعلوى على أُمى فيكون لفظ الظهار شاملاً للظهر وغيره وإِن شبهها بكتابية محاربة كان ظهاراً، لأَن ابن عباس قال لا يحل نكاح الكتابية التى لا تعطى الجزية وكذا يكون ظهاراً إن شبه عضواً من زوجه بمحرم {مِنكُم} أيها المؤمنون فلا يتصور الظهار من المشرك لأَنه لا يتصور أن يملك رقبة مؤمنة فيعتقها وكذا لا يصح منه الصوم لأَنه عبادة بدنية غير معقولة المعنى ولا يقال بعد غير مستطيع لأنه يستطيع الإِسلام فيتصور أن منه على الترتيب نعم يتصور أن يقول لمملوكه أسلم على قصدى حريتك تكفيراً أو يقول لمسلم أعتق عنى وقال الشافعية بصحة الظهار من المشرك وبأن قوله تعالى منكم غير قيد وإِنما هو لأَنه لم يكن فى غيرهم مستعملا كذا قيل وفيه أنه كان فى الجاهلية والصواب أن يقال خاطب المؤمنين لأَنهم المنتفعون بالقرآن المتبعون له أو الخطاب للناس عموما كما هو ظاهر قوله والذين يظاهرون من نسائهم، والخصم يقول هذه الآية فى المؤمنين أيضاً والموصول للعهد والذى يكون راجحاً صحة الظهار من المشرك فتفوته الرجعة إِن لم يعتق عنه مسلم رقبة مؤمنة كما يصح طلاق المشرك وإِعتاقه وإنكاحه وذكر بعض أنه يصح ظهار الذمى {مِن نِّسَائِهِم} أى أزواجهم فتدخل الذمية وتخرج السرية فلا ظهار منها والمراد ما يشمل المدخول بها وغير المدخول بها ويشمل المطلقة رجعيا خلافاً لبعض فى المسأَلتين والمراد أيضاً ما يشمل البعض من المرأة ولو ظفراً أو شعرة وإِن قال كروح أمى كان ظهاراً لأَن الروح فى أُمه كجزء منها بل جزء لا يحس وإِن أراد العزة عليه والإِكرام لم يكن ظهاراً وإِن قال كأُمى حكم عليه بالظهار وقيل إِن ادعى الإِكرام لم يكن ظهاراً ولا يخفى أن الأَولى اعتبار الحال حين التكلم وقال الحنفية بشرط أن يكون البعض مما يعبر عن الكل كالوجه والرأس أو يحرم النظر إِليه كالفرج والثدى وعن أبى حنيفة الظهار بالظهر والبطن والفرج والفخذ لا بغير هذه الأَعضاء ومن الأَولى للتبعيض وهذه للابتداء أو للمجاوزة وعنفهم الله عز وجل بقوله {مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ} إِنكاراً عليهم وليس ذلك كذباً منهم إِذ لم يقصد بذلك كذباً عمداً ولا خطأَ بل التشبيه فى الحرمة وكان الظهار طلاقا فى الجاهلية قيل وفى أول الإِسلام ويناسبه قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لخولة قبل نزول الآية ما أراك إِلا محرمة عليه وقيل كان طلاقا يوجب حرمة مؤبدة لا رجعة فيه وقيل لم يكن طلاقاً من كل وجه بل لتبقى معلقة لا ذات زوج ولا خلية تنكح غيره وقيل يعدونه طلاقاً مؤكداً باليمين على الاجتناب {إِنْ أُمَّهَاتُهُم إِلاَّ اللاَّئِى وَلَدْنَهُمْ} لا يشبههن فى الحرمة إِلا من ألحق الله بهن كالمرضعات وازواج الرسول صلى الله عليه وسلم إِذ دخلن فى حكم الأَمهات، وقد علمت أن الظهار لا يختص بالأُم إِلا أن العرب تظاهر بها وخصه الشافعى فى القديم بها {وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا} ما ينكره الطبع والعقل والشرع وهذا العموم مأْخوذ من المشاهدة لا من التنكير كما قيل منكراً {مِنَ الْقَوْلِ} من للتبعيض والبعض الآخر سائر المناكر بل يدخل فى القول ما هو حق لأَنه ليس المراد أنهم يقولون بل المراد أن القول عام أخذوا منه الظهار كما أخذوا منه الشرك ومناط التأَكيد القول من حيث تعلقه بما هو منكر {وَزُورًا} ما مال عن الحق وكان باطلا ولو كان لا يسمى كذبا إِلا تجوزاً ولا يحسن لأَحد أن يقول المظاهر مخبر فضلا عن أن يكذب بل منشئ لحرمة والإنشاء لا يكون كذبا إلا عن عرض مثل أن يتضمن إخباراً مثل أن يقول إِنشاء للبيع: بعت لك هذه العبد وهو لغيره فإِنه يتضمن إخباراً بأَن هذا العبد ملك له بل إن كان المظاهر مخبراً فليس كلامه كذبا لأَنه لم يتعمد كذباً ولا أخطأ إِليه بل أنشأ تشبيها، وقيل سماه منكراً من القول وزوراً لأَن الأُم محرمة أبداً، ومن أول الأَمر بالشرع والزوجة لا تحرم عليه بهذا القول تحريماً مؤبداً، بل هو تحريم من جانب الزوج. وظاهر الآية أن الظهار من الكبائر ويقويه قوله عز وجل {وَإِنَّ اللهَ لَعَفُوٌ غفُورٌ} للتائب إِذ العفو والغفران عن الذنب لكنهما كثيراً ما يطلقان فى المكروه وما لا ينبغى وفى الصغيرة ووجه كونه كبيرة أن فيه إِقداماً على إِحالة حكم الله تعالى وتبديله بدون إِذنه وهذا أشد خطراً من كثير من الكبائر لأَن فيه تحريم ما أحله الله جل وعلا وهو من باب الإِشراك فى المعنى وأما قول الرجل لزوجه أنها حرام عليه فمكروه، وقد فعله رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال جل وعلا الله غفور رحيم وهو دون الظهار لأَن الزوجية ومطلق الحرمة لا يجتمعان بخلاف الزوجية مع التحريم المشابه لتحريم الأُم ونحوها، ولهذا وجبت المغلظة فى الظهار وكفارة اليمين فى تحريم الزوجة وأطلق بعض كراهة الظهار كراهة شديدة ولم يسمها كبيرة فى شأن الموحدة لأَنه ما أراد إِلا عبارة عن طلاق مخصوص ولم يرد بدعة ولا تشريعاً وتأول الآية بذلك. {وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِن نِّسائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا} من التحريم أى إِليه بالإِبطال أو بالتحليل أو يقدر مضاف أى يعودون لإِبطال ما قالوا أى ذكروا من التحريم وثم للترتيب الذكرى مطلقاً لا بقيد التراخى وفيها تلويح إِلى تباعد ما بين جعلها كالأم والرجوع إِلى مسها، واللام بمعنى إِلى كما هو المتبادر ويقال يتعدى العود باللام أيضاً فلا حاجة إِلى تأْويلها بإِلى، كما يتعدى بفى أيضاً يقال عاد إِلى كذا وعاد لكذا وعاد فى كذا. قال الله عز وجل: {أية : وأُوحي إِلى نوح} تفسير : [هود: 36]. وقال {أية : بأن ربك أوحى لها} تفسير : [الزلزلة: 5]. {أية : ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه} تفسير : [الأنعام: 28] وعليه فهى كلام المصلحة ولام الاستحقاق، وقيل العود لما قالوا العزم على الوطء كما يقال عاد على الشئ بمعنى تداركه بالإِصلاح وعاد الغيث على ما أفسد أى تداركه بالإِصلاح، والمعنى يتداركون ذلك القول بنقضه ونقضه الوطء أو العزم عليه، وقيل العود إِلى إمساكها بعد الظهار منها وقيل إِلى الوطء وقيل إِلى الإِمساك والوطء وما موصول اسمى. أى لما قالوا قالوا من التحريم قيل أو موصول حرفى وفيه أنه إِن لم يبق المصدر على حاله صح وضعف المعنى كأَنه قيل يعودون إِلى كلامهم وإِن أول بمفعول كان كالعبث فى القرآن لأضنه يغنى عنه جعلها اسما موصولا أو نكرة مقصودة وقيل العود لما قالوا وقيل العود بمعنى الرجوع واللام بمعنى عن، أى يرجعون عما قالوا من التحريم ويريدون الوطء وهو فى معنى الوجه الأَول وهو حسن إِلا أن اللام بمعنى عن خلاف الظاهر. وقالت الظاهرية العود لما قالوا أن يقول هى على كظهر أُمى بعد ما قاله فالعود التكرير وعليه أبو العالية وبكير بن عبد الله بن الأَشج والفراء قيل وأبو حنيفة ويرده أن لا تكرير فى قصة خولة وأنه لم يسأَل عنه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقال أبو مسلم الأَصفهانى العود ذكر جواب القسم فلا ظهار عنده إِلا بالقسم مثل أن يقول والله أنت عليَّ كظهر أُمى فأنت عليَّ الخ، تأَكيد للتحريم بعد التأْكيد بالقسم ويرده أن هذا إِلغاء للظهار إِلى أن الكفارة لحنثه بالكذب وأنه لا حلف فى قصة خولة ولا سأَل عنه - صلى الله عليه وسلم - خولة وقيل العود الحنث فى شرطه فلا ظهار عليه إِلا أن شرط مثل أن يقول أنت عليَّ كظهر أُمى إن دخلت الدار فدخلها فدخوله تكرير للظهار وليس كذلك وإِذا علق كذلك وقع الظهار من حيث حنث. وعن الشافعى العود لما قالوا ترك الطلاق بعد الظهار فإِذا سكت عن الطلاق فقد ندم على ما ابتدأ به فلزمته الكفارة وعن ابن عباس العود الندم إِلى الأُلفة وعن أبى حنيفة العود استباحة الوطء وإِرادة التمتع بالمس والنظر، وعن مالك العود عزمه على وطئها وهو قريب من قول أبى حنيفة وعن الحسن وقتادة ومجاهد وطاووس العود العزم على الوطء وقالوا لا كفارة عليه ما لم يطأَها، ومراد الشافعى بالطلاق مطلق الفرقة وكان الظهار طلاق الجاهلية وكان أشد فرقة ولا رجعة عندهم وقد فسر مجاهد والثورى العود بالرجوع إِلى طلاق الجاهلية وهو الظهار وفسره أبو العالية بإِعادة الظهار فى حينه فإِن لم يعده فلا كفارة وهو كلام لا يسمع. {فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ} مؤمنة وذلك حمل للمطلق على المقيد وأجاز أبو حنيفة الرقبة المشركة لأَن الإِيمان ورد فى غير الظهار وهو الظاهر والأَول لأَصحابنا وهو الأَحوط، أى فعليه تحرير رقبة أو فالواجب عليه تحرير رقبة قيل أو فيلزمهم تحرير رقبة وفيه أنه لو قيل فى جواب الشرط فيلزمهم لقدر قد أو المبتدأ أى فقد يلزمهم أو فهم يلزمهم {مِن قَبْلِ أن يَتَمَاسَّا} بذكره وغيوب الحشفة أو ولو لم تغب أو ولو فى سائر بدنها أقوال فإِن مس قبل التحرير حرمت وقال مالك والأَوزاعى والزهرى والنخعى تحرم ولو بالتقبيل أو نحوه من دواعى الجماع لأَن الأَصل تحريم الدواعى إِلى ما حرم ولم تحرم الدواعى فى الصوم والحيض لكثرتها وهو المطابق للتشبيه، ألا ترى أنه لا يحل الاستمتاع بالأُم مطلقا ولا تحرم بنظر الفرج قبل التحرير والمذهب حرمتها أبداً بالمس قبل التحرير ولا كفارة عليه بالمس ولا بالظهار ويعترض مما ذكر قومنا "حديث : أن سلمة بن صخر الأَنصارى ظاهر من زوجه ومسها قبل التكفير فقال صلى الله عليه وسلم "ما حملك على ذلك" فقال رأيت خلخالها، ويروى بياض ساقها فى ضوء القمر فضحك - صلى الله عليه وسلم - فقال "اعتزلها حتى تكفر""تفسير : ، ولعل الحديث لم يثبت عند أصحابنا ورد بهذا على مجاهد وعمرو بن العاص وسعيد ابن جبير وقبيصة والزهرى وقتادة إِذ قال تلزمه كفارة أخرى بالمس قبل التكفير وعلى من قال تلزمه ثلاث كفارات كما هو قول عن الحسن والنخعى ولزم المرأة أن تمنعه من المس حتى تكفر ويحرم عندنا وعند أبى حنيفة الجماع وكل تمتع ولو بنظر وهو قول للشافعى وعنه أيضاً أنه يحرم الجماع فقط {ذَلِكُمْ} خطاب للمؤمنين الموجودين عند النزول وقيل للمؤمنين مطلقاً من الأَمة والإِشارة إِلى الحكم بالكفارة {تُوعَظُونَ بِهِ} تزجرون به عن العود إِلى أزواجكم بالوطء قبل التكفير فإِنه حرام وزنى والكفارة جبر للخلل عند بعض كسجود السهو وعقوبة محضة قولان ثالثهما أنها محو للذنب أو تخفيف له، وقد قيل أيضاً أنها دائرة بين العبادة والعقوبة {وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ} مطلقا ومنه الظهار والعود والتكفير {خَبِيرٌ} عالم بباطنها وظاهرها فهو مجازيكم فاحذروا {فَمَن لَّمْ يَجِدْ} رقبة أو وجدها ولم يجد ثمناً يشتريها به وذلك كله فى الآية والثمن هو معتبر بعد قدر كفايته له ولعياله لأَن قدرها مستحق الصرف فهو كالعدم وقدر الكفاية من القوت للمحترف قوت يوم وللذى يعمل قوت شهر ومن له عبد يحتاج لخدمته واجد فلا يجزيه الصوم بخلاف مسكنه فإِنه كلباسه ولباس عياله وعن مالك والأَوزاعى من له رقبة وهو محتاج إِلى الخدمة أو له ثمنها لكنه محتاج إِليه فى نفقته ونفقة عياله لزمه الاعتاق وقيل يصوم والثمن معتبر أيضاً بعد دينه ولو مؤجلا ومن له دين على غيره لا طاقة له على قبضه غير واحد ويعتبر وقت الظهار أو وقت التكفير قولان ومن له دين على غيره مؤجل يفوت أجل الظهار به غير واحد ومن له دين وعليه دين مثله أو اكثر فغير واجد إِلا إن كان ما عليه مؤجلا ومن ملك رقبة فهو واجد ولو كان عليه دين لأَنه لو أعتقها لم يمنع الدين من صحة عتقها ومن لم يجد شراءها إلا بغبن فهو غير واجد كما فى شراء الماء لنحو الوضوء {فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِن قَبْلِ أن يَتَمَاسَّا} فالواجب عليه صيام أو فعليه صيام ويكفيه شهران كل منهما تسعة وعشرون يوماً وهما ثمانية وخمسون يوماً، وإِن بدأ بالأَيام فلا بد من ستين يوماً وإِن بدأ من أول الشهر ناوياً الصوم بالأَيام كمن صام من وسط الشهر كفاه الشهران ولو نقصا وقيل من بدأ بالأَيام من وسط الشهر أعنى غير اليوم الأَول حسب الشهر بعده بالهلال وأتم الأَول من الثالث ثلاثين وإِن أفطر ولو بعذر كمرض وسفر ونسيان أو عدم النية من الليل إِن كان ينوى لكل يوم استأْنف ولو أفطر فى اليوم الأَخير لعدم التتابع؛ وعن عمر بن دينار راوى جابر بن زيد وسعيد بن المسيب والحسن وعطاء والشعبى ومالك والشافعى فى قول له يبنى والذى يظهر أنه يستأْنف إن أفطر لسفر لا لمرض ونحوه من الضرائر، وإِن جامع التى ظاهر منها ولو ليلا أو ناسياً حرمت عليه لأَنه جامعها قبل تمام التكفير وقال الشافعية لا تحرم ولو عمداً وعصى ولم يفسدوه صومه إِن جامع ليلا، وقيل لا تحرم للنسيان وقال أبو حنيفة ومحمد يستأْنف الصوم للنسيان وقال أبو يوسف لا يستأْنف لأَنه لا يفسد به الصوم عنده للنسيان ويرده أن المأْمور به فى الآية صيام شهرين متتابعين لا مسيس فيهما وإِن جامع زوجاً أُخرى غير التى ظاهر منها ولو ناسياً نهاراً استأنف ولا يستأْنف إِن كان ليلا ولو عمداً وإن ظاهر من امرأتين فصام عن إحداهما وعتق عن الأُخرى لم يصح للأُخرى وبطل عن الأُولى لصومه مع القدرة على العتق وإِن قدم العتق صح هو والصوم وكذا ما بين الصوم والإِطعام إِن قدم الإطعام وإِذا فسد التكفير بالعتق أو الصوم أو الإِطعام استأْنف ما قدر عليه من ترتيب الآية وإِن ظاهر من اثنتين فصاعدا بلفظ واحد فلكل واحدة كفارة وزعم بعض قومنا أنه تجزى واحدة، وإِن صام مسافر عن الظهار فى شهر رمضان لم يجزه وقيل يجزيه وهو أصح، وإِن عالج مريض الصوم عنه فى رمضان مع المشقة لم يجزه وزعم بعض أنه يجزيه وإِن نسى المظاهر الرقبة أو لم يعلم بها وكذا ثمنها فصام لم يجزه وقيل يجزيه كالخلاف فى نسيان الماء فى رحله وفى وجود ماء لا يدرى به وبير قريبة منه لا يدرى بها قال الله تعالى فى العتق والصوم من قبل أن يتماسا ولم يقله فى الإِطعام فقيل المراد فيه أيضاً من قبل أن يتماسا حملاً للمطلق على المقيد وذلك مذهبنا وعندى أن الحمل على المقيد يكون إِذا كان الإِطلاق والتقييد فى مسأَلة واحدة نحو أطعم أهلك براً حتى يشبعوا أطعمهم براً صبحا، وقيل يجوز المس قبل الإِطعام إِذ لم يقيد والأَول قولنا وهو أحوط ونسب الثانى لمالك {فَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ} صيام شهرين متتابعين بل استطاع الصوم بلا تتابع أو لم يستطع العدد كاملا أو لم يستطع الصوم البتة وذلك لكبر أو مرض لا يرجى برؤه أو خاف حدث مرض أو تأَخير برء أو زيادة مرض وذكر بعض قومنا أنه يعتبر دوام المرض فى ظنه شهرين بالعادة الغالبة فى مثله أو بطبيب عدل ولما أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أوساً إِذ ظاهر من خولة بالإِعتاق ولم يقدر قال صم شهرين متتابعين فقال: والله يا رسول الله إِن لم آكل فى اليوم والليلة ثلاث مرات كَلَّ بصرى وخشيت أن تعشوعينى، وعد قومنا من أسباب عدم الاستطاعة شدة الرغبة فى الجماع ورووا فى ذلك أن سلمة بن صخر وصف نفسه بذلك وأنه دخل رمضان فظاهر من امرأته حتى يخرج رمضان لئلا يصيبها قرب ا لفجر حتى لا يدرك الغسل أو فى النهار ووثبت عليها ليلا إِذ كانت تخدمنى ورأيت منها شيئاً فأَخبرت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بذلك فقال: أنت بذاك؟ فقلت: أنا بذاك وقال: أنت بذاك؟ فقلت: أنا بذاك، أى مصاب بذاك أو تلم بذاك فامض حكم الله تعالى علىَّ قال: اعتق رقبة فضربت صفحة عنقى بيدى وقلت: والذى بعثك بالحق ما أملك غيرها أى غير رقبتى. فقال: صم شهرين متتابعين فقلت ما أصابنى ذلك إِلا فى الصيام فقال أطعم ستين مسكيناً. وفيه عدم الحرمة فى المظاهر منها قبل التكفير قال والذى بعثك بالحق ما أملك طعاماً. قال انطلق إِلى صاحب صدقة بنى زريق يدفعها إِليك ففعل، وروى أنه قال له كل أنت وعيالك منها وتصدق وذلك لك خاصة وقال لقومه وقد سأَلهم أن يمشوا معه إِلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأبوا، وجدت عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - السعة لا عندكم. وروى أنه أعانه - صلى الله عليه وسلم - بعَرَق بفتح العين والراء وهو زنبيل يسع ثلاثين صاعا فقالت زوجه وأنا أعينه بثلاثين، ويروى أنها قالت لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - يا رسول الله لا يجد رقبة. قال: فليصم شهرين متتابعين. قالت: شيخ كبير لا يطيق الصوم قال: فليطعم ستين مسكينا. قالت: ماله شئ قال: أعينه بعرق من ثمر قالت: وأنا أعينه بعرق آخر قال: قد أحسنت. قال اذهبى فأَطعمى بها ستين مسكينا وارجعى إِلى ابن عمك. رواه أبو داود فإِما أن يتكرر منه ذلك وإما أن تكون قصة واحدة، سأَلت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وسأَله زوجها أيضا وبعدها قال اذهب إِلى بنى زريق أعطاه عرقا وأعطته آخر فلم يسأَلهم، وفى أكله هو وزوجه وعيالة من كفارة نفسه خصوصية له رحمة الله تعالى {فَإِطْعَامُ} فالواجب عليه إِطعام أو فعليه إِطعام {سِتِّينَ مِسْكِينًا} مدان من بر أو دقيقة أو من تمر جيد وقيل صاع من ثمر وقيل ثلاثة ولو جيدا أو صاع من شعير وقيل ثلاثة أو من دقيقه لكل مسكين وأجاز الشافعية حدا لكل مسكين عن بر لحديث ورد به، فحديث المدين ندب ويجوز إِطعام بعض غداء وعشاء والصائم فطور أو سحور أو كيل لبعض اتفق نوع الطعام أو اختلف فى تلك المسائل وأُجيز من غالب طعام البلد فى غالب السنة، وعن مالك مد وثلث وعنه مد وثلثا مد وقيل ما يشبع به ولو نصف مد وإن غدى الستين مرتين أو عشاهم مرتين أو غداهم وسحرهم أو سحرهم مرتين، ولو غدى ستين وعشى آخرين لم يجز إِلا إِن أعاد لأَحد الفريقين فى غير وقتهم ولم تجز الشافعية الإِطعام وأوجبوا الكيل لأَنه أدفع للحاجة ولوجوب الكيل فى الزكاة وزكاة الفطر، ويرده أن النص فى الآية الإِطعام وهو صادق على الإِيكال والكيل والوارد فى الزكاة الإِيتاء وفى زكاة الفطر التأدية وهما للتمليك، وورد أطعمه وسقا وإِن أطعم مسكينا واحدا ستين يوما لم يجز لأَن النص ستين مسكينا، وهو قولنا وقول مالك والشافعى وصحيح أحمد والجمهور وأجازه أبو حنيفة وقوم لأَن المقصود سد الخلة والخلة تتجدد فى كل يوم ويرده أنه لا يجوز أن يحمل على المجاز إِلا بقرينة فوجب الحمل على ستين إِنسان وهو الحقيقة وهو ظاهر الآية، وأما الحمل على الستين حقيقة أو حكما فمجاز بلا دليل وكذا يرد على من قال المراد طعام الستين ولو لواحد وأيضا إِدخال السرور على ستين أولى مما دونه لاجتماع قلوب كثيرة على الفرح به والحب والدعاء، واختلف فى إِعطاء القيمة وفى إِعطاء مسكين من نوعين فصاعدا ومن مكيل وقيمة ومن طعام وقيمة ومن ذلك أن يعطى مدا زبيبا يسوى مدين برا وإن مضت أربعة أشهر ولم يكفر خرجت بالإِيلاء، وقال قومنا لا تحرم بالمس قبل التكفير إِلا أنه لا يترك عليه ولا تخرج بالإِيلاء عند تمام أربعة الأَشهر عندهم وإِذا لم يجد التكفير بأَحد الثلاثة أخر حتى يجد وهو خطأ واستظهروا بقاء حرمة المسيس إِلى أن يكفر ولو كفر ببعض طعام ولم يتم وينتظر باقيه وإِن كرر الظهار فلكل ظهار كفارة إلا إن أراد التأكيد أو كان التكرار فى مجلس واحد وقال مالك عليه واحدة ولو كرر فى مجالس {ذَلِكَ} المذكور من البيان والتعليم مبتدأ خبره قوله تعالى {لِتُؤْمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ} أى ثابت أو مثبت أو يقدر كون خاص أى واقع أو مشروع لتؤمنوا بالله ورسوله أو ذلك مفعول لمحذوف أى أنزلنا ذلك لتؤمنوا بالله ورسوله إِيمانا مستتبعا لاتباع الشريعة وترك أُمور الجاهلية. {وَتِلْكَ} الأَحكام {حُدُودُ اللهِ} لا يسوغ لأَحد مجاوزتها بتركها ولا بنقضها لما يخالفها {وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ} على ترك القيام بها. قيل الكفر هنا يشمل الشرك وكفر النعمة المسمى عند قومنا بكفر الجارحة فشملت الآية الموحد المخالف لأَحكام الظهار والملوك الجائرين من أهل التوحيد وأصحاب الكبائر، قلت المعنى المذكور كله صحيح إِلا أنه لا يصح تفسير الآية به لأَنها ظاهرة فى المشركين ألا ترى إِلى قوله تعالى {إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللهَ وَرَسُولَهُ كُبِتُوا كَمَا كُبِتَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ} ألا ترى قوله من قبلهم فان من قبلهم المشركون ولو جاءت المحادة فى الفاسق معبرا عنها فى الحديث بالمبارزة لله تعالى والمحاربة وإِنما يجوز للسلاطين ومن ينحو نحوهم وضع قوانين لا تخالف الشرع بل ترجع إِليه استنباطا وقد قال الله عز وجل: {أية : اليوم أكملت لكم دينكم} تفسير : [المائدة: 3]، فكل شئ يحتاج إِليه الدين يؤخذ من القرآن نصا وفهما أو ضمنا وبالقياس والكامل لا يكمل، والآية نزلت فى قريش المخالفين لأَحكام الظهار المتبعين لمن قبلهم فى حدود الكفر، الواضعين لبعض ما لم يتقدم قبلهم ومعنى يحادون الخ يخالفون الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم - كأَنهم فى حد ورسوله فى حد آخر أى جهة كعدوتى الوادى وعدوتى البحر، وهذا أولى من أن يجعل من المفاعلة بالحديد كالسيف والنصال والسنان كما يقابل العدو بذلك لعدم شهرة هذا ولتقدم الحد قبله لا الحديد إِذ قال وتلك حدود الله ومعنى كبتوا أُخزوا أو غيظوا أو ردوا مخذولين أو أُهلكوا أو ردوا بعنف وإِذلال أو أُلقوا على الوجوه أو لعنوا أو كبدوا أى أُصيبوا بداء الكبد أو أُصيب كبدهم، أُبدلت الدال تاء وذلك الكبت بأَوجهه يوم بدر أو يوم الخندق وعليه الأَكثر، أو مستقبل ليوم القيامة تنزيلا منزلة ما وضع للتحقق، وذلك تبشير للمؤمنين بالنصر وإِذلال العدو {وَقَدْ أنزَلْنَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ} فيمن حاد الله ورسوله قبلهم من الأُمم والآيات آيات الإِخبار عن هلاكهم أو نفس إِهلاكهم المخبر به أو آيات تدل على صدقه - صلى الله عليه وسلم - والعطف على كبتوا وقيل الجملة حال من واو كبتوا، على أن الكبت متأَخر عن الإِنزال محكية أو متأَخر فهى مقدرة {وَلِلْكَافِرِينَ} مطلقا فتدخل هؤلاء الكفرة بهؤلاء الآيات بالأَولى أو المراد هؤلاء الكافرون بهذه الآيات {عَذَابٌ مُّهِينٌ} مذهب لعزهم وكبرهم. {يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللهُ} متعلق بما تعلق به للكافرين، أو بقوله للكافرين لنيابته عنه ولا يوجد قائل أنه يتعلق بالكافرين وإِنما قيل يتعلق بكافرين يتعلق بالجار والمجرور معا، وهو شئ لا بأس به وقيل مفعول لأذكر تعظيما لذلك اليوم وقيل متعلق بكون تام جواب لمن قال متى يكون {جَمِيعًا} حال من الهاء للتأكيد لا بمعنى لا شئ منهم غير مبعوث وقيل حال مؤسسة مقدرة أى مجتمعين فى صعيد واحد {فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا} من المعاصى كناية عن العقاب عليها قيل أو يصورها لهم بصورة فظيعة بحضرة الناس زيادة فى إِذلالهم وتحسرهم، قيل كأَنه قيل كيف هذه التنبئة أو كيف سببها وهى أعراض منقضية أو لماذا ينبئهم فأَجاب بقوله {أحْصَاهُ للهُ وَنَسُوهُ} حال من الهاء فى أحصاه أو من لفظ الجلالة بتقدير قد أو حال مع مبتدأ محذوف أى وهم نسوه أو بلا تقدير على قول ويتحقق عندهم أن العذاب لأَعمالهم أو الواو عاطفة {واللهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ شَهِيدٌ} شاهد عليه شهادة عظيمة أو مشاهد له. {أَلَمْ تَرَ أنَّ اللهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ} شامل لأَجزائهما وما فيهما من غيرهما {مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَلاَثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ وَلاَ خَمْسَةٍ إِلاَّ هُوَ سَادِسُهُمْ وَلاَ أدْنَى مِن ذَلِكَ وَلاَ أكْثَرَ إِلاَّ هُوَ مَعَهُمْ أيْنَمَا كَانُوا} زيادة تقرير لعموم علمه ولا خبر للكون فى الموضعين وما نافية ونجوى فاعل يكون ومن صلة للتأكيد ونجوى اسم للمصدر الذى هو التناجى بمعنى المسارة كأَنهم يطلعون نجوة من الأَرض وهى الموضع المرتفع من الأَرض يتكلمون عليه بسر لئلا يسهل للناس الحضور معهم أو المعنى الرفعة إِلى غاية الخفاء وأعلاه أو الترفع عن ظهوره أيسرونه أو التناجى التعاون على ما فيه النجاة مما يكره أو من ظهر السر ويقدر مضاف أى من ذوى نجوى ثلاثة كذا قيل ولا يصح هذا على إِضافة نجوى لثلاثة لأَن ثلاثة هم ذوى ولا يصح مع جعل نجوى وصفا بمعنى متناجين لأَن نجوى هم ذوى أيضا بل إِذا جعل نجوى وصفا فلا حذف وإِذا جعل مصدرا قدر ذوى نجوى وجعل ثلاثة نعتا لذوى المقدر، وإِنما قلت ذلك لأَن التناجى ليس ثلاثة الله رابعهم وإِنما هو رابع للثلاثة المتناجين ولا دليل على كون النجوى بمعنى المتناجين فى قوله تعالى: {أية : وإِذ هم نجوى} تفسير : [الإسراء: 47] لجواز أن يكون المراد وإِذ هم تناج بالإخبار بالتناجى مبالغة كزيد صوم وعلم ويجوز أن لا يقدر، ولو بقى نجوى على معنى المصدر كما تقول لا يكون سفر زيد إِلا معه أبوه وخمسة معطوف بالواو على ثلاثة وقد انسحب عليهم معنى التناجى لعطفه على ما أُضيف إِلى الثلاثة وهو نجوى وإن جعل نجوى وصفا فالعطف عليه. وقوله هو سادسهم معطوف بتلك الواو على هو رابعهم من العطف على معمولى عامل واحد وهو يكون العامل الرفع فى محل نجوى والنصب فى جملة الحال، وقدر بعض ولا نجوى خمسة وأدنى معطوف على ثلاثة وكذا أكثر وإِلا هو معهم معطوف على هو رابعهم، ويجوز أن تكون اللاءان عاملتين عمل إِن ومعية الله علمه بما يقولون وبما فى قلوبهم وبخلق ذلك منهم وأين متعلق بكانوا أى ولو فى بطن الأَرض السابعة أو تحتها وخص الخمسة والثلاثة لأَن قوما منافقين خلوا للتناجى على العددين ليغيظوا المؤمنين فالآية تعريض بهم وعن ابن عباس نزلت فى ربيعة بن عمرو وأخيه حبيب بن عمرو وصفوان بن أُمية قال أحدهم أترى أن الله يعلم ما تقول؟ وقال الآخر: يعلم بعضا: وقال الثالث: إِن كان يعلم بعضا علم الكل أى لأَن علمه بلا سبب ولا واسطة وهو ذاتى فلا وجه لاختصاصه بالبعض أو خص العددين لجريان العادة بهما وما يقرب منهما فوق وتحت، ولأَن الله عز وجل وتر فبدأ بالوتر الأَول من العدد وهو ثلاثة وهم لا يعدون الواحد عدداً وثنى بوتر ليرجع إِلى الوتر لزيادته على الإِشفاع وينبغى أن لا تجاوز التسعة وجعلها عمر رضى الله عنه ستة لأَنهم هم رؤساء الناس كما قال لهم أنتم رؤساء الناس وأيضا الثلاثة معتبرة كما هى أقل الجمع وكما قال موسى عليه السلام إِن سأَلتك عن شئ الخ ولأَن التناجى بالقلب واللسان والأُذن وكالتوضئ ثلاثا وغير ذلك والخمسة عدد الحواس، ويدخل غيرها من الإِشفاع والأَوتار بقوله عز وجل: ولا أدنى الخ. ولا نجوى الواحد وجاء الحديث حديث : إن الله وتر يحب الوتر تفسير : وقيل أقل ما يكفى فى المشاورة ثلاثة فاثنان كالمتنازعين والثالث كالحاكم بينهما وكذا جمع للمشاورة لا بد من واحد يحكم بينهم مقبول القول {ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ} ليفتضحوا فى أنفسهم وعند الناس وغيرهم وإِظهار لما يوجب عذابهم {إِنَّ اللهَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ} لأَن علمه ذاتى فلا يختلف بالأَشياء، بدأ الله عز وجل هذه الآيات بالعلم وختمها بالعلم وكانت اليهود والمنافقون يتناجون ويتغامزون بمرأى المؤمنين يوهمونهم موت أقاربهم والمؤمنين فى القتال، ولا يزالون كذلك حتى تقدم الأَقارب والمؤمنون وكثر ذلك منهم فشكا المؤمنون إِلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذلك فناهم ولم ينتهوا ونزل قوله تعالى {ألَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُو عَنِ النَّجْوَى} الخطاب له - صلى الله عليه وسلم - أولى من أن يكون لكل صالح له، لأَنه هو الذى نهاهم. كان اليهود والمنافقون يتناجون بغير سوء بمرأى المؤمنين فيظن المؤمنون أن ذلك تناج فيهم أو فى السرايا بأَنهم قتلوا أو هزموا وذلك إِثم وعدوان ويناجون أيضا بما هو كذب، وثقل ذلك على المؤمنين لأَنهم أكثروا من ذلك ونهاهم الله عز وجل ولم ينتهوا والاستفهام تعجيب {ثُمَّ يَعُودُونَ} المُضارع للتجدد والاستحضار للصورة {لِمَا} اللام للتعدية والاستحقاق أو بمعنى إِلى أو فى {نُهُوا عَنْهُ} وهو جنس ما فعلوا أولا هكذا نفسه أو غيره بل لو كان عينه لكان غيره لأَن ذكره الآن غير ذكره فى الوقت الآخر {وَيَتَنَاجَوْنَ بِالإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} المعاداة لله ورسوله {وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ} معصية الرسول داخلة فى الإِثم والعدوان وذكره استعظاما لمعصيتهم لمن هو رسول الله أو اعتبر معصية الرسول هى المراد بالإِثم والعدوان فيكون تفسيرا لهما بمعصيته - صلى الله عليه وسلم - وذلك أنه نهاهم عن النجوى وعصوه بالعود إِليها أو يوصى بعض بعضا بمعصية الرسول - صلى الله عليه وسلم - وكأَن معصية مجرورة فى السطر كتاء رحمة الله لما كانت الإِضافة لما بعد واتصال به ناسب امتداد التاء إِليه والتلويح فى الخط إِلى معنى أو إِلى نوع وارد كثير، كما يحذف الحرف نطقا وهو مراد فيتبعه الحذف خطا أيضا فى بعض الكلمات مثل ويصح الله الباطل {وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللهُ} يحييه الله عز وجل بسلام عليك أيها النبى ورحمة الله وبركاته ونحوه من ألفاظ الخير والذى يحييه اليهود لعنهم الله السَّامُ عليك، ولكون المجيبين به اليهود قال مجاهد نزلت فى اليهود وقال ابن السائب نزلت فى المنافقين، ولعل من قال به من الصحابة علم أنهم يقولون ذلك ولم يعلم أن اليهود قالوه فلعلهم قالوا جميعا فنزلت فيهم جميعا، وإِن قاله فريق دون آخر فالآخر يرضى به ويفرح فهو قائل به أو المراد المجموع لا الجميع، ولعل تحية المنافقين عم صباحا وعدت سبا لقصدهم التهاون بالسلام عليكم كما رواه البخارى ومسلم وغيرهما عن عائشة رضى الله عنها إِن ناسا من اليهود دخلوا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقالوا السام أى الموت عليك يا أبا القاسم فقال - صلى الله عليه وسلم - وعليكم يعنى كلنا يموت، وقالت عائشة رضى الله عنها عليكم السام ولعنكم الله وغضب عليكم، وروى أنها قالت عليكم السام والذام واللعنة على كل حال قال لها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "حديث : "يا عائشة إِنَّ الله لا يحب الفاحش ولا المتفحش". فقالت: ألم تسمع ما قالوا؟ فقال: - صلى الله عليه وسلم - "أو ما سمعت أقول وعليكم""تفسير : ، وفى البخارى قال حديث : يا عائشة عليك الرفق وإِياك والعنف والفحش. قالت: أو لم تسمع ما قالوا؟ قال: أو لم تسمعي ما قلت رددت عليهم فيستجاب لي فيهم ولا يستجاب لهم في تفسير : وفى الحديث "حديث : إِذا سلم عليكم أهل الكتاب فإِنما يقولون السام عليكم فقولوا وعليكم بالواو بمعنى إِن الموت علينا وعليكم" تفسير : والسام الموت واختار ابن عيينة أنه بلا واو لا يكون الكلام ردا لسوئهم عليهم بدون التلفظ بالشركة معهم، وله - صلى الله عليه وسلم - زيادة عفو إِذ لم يذكر ما قالوا بل قال وعليكم ولو كان مرادا له فهو أبدا فى ارتفاع شأَن وكرم ومعادوه أبدا فى سفال فأَنزل الله عز وجل فى ذلك الآية وعن ابن عمر يقولون سام عليك يريدون الشتم فيقولون ما ذكر الله عز وجل عنهم بقوله {وَيَقُولُونَ فِي أنفُسِهِمْ لَوْلاَ يُعَذِّبُنَا اللهُ بِمَا نَقُولُ} لو كان نبيا لعذبنا الله عز وجل بذلك والسام بأَلف ويروى بالهمز ومعناهما الموت أو المهموز بمعنى تسامون دينكم ويجوز فى غير المهموز بمعنى تسامون دينكم قلبت ألفا إِلا أن الأَصل عدم القلب ويبعد أن يكون تحية اليهود عم صباحا ومثله أنعم صباحا وهو خير وعد ذما لأَنهم قصدوا به مخالفة تحية الإِسلام ويكره الآن لأَنه تحية الجاهلية ويجوز أن لا يرد لقائله تأَديبا له {حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ} جزاء {يَصْلَوْنَهَا} يدخلونها أو يقاسون حرها أو يصطلون بها وفى هذا الأَخير تهكم إِذ شبهوا بمن يعامل النار لإِزالة البرد. {فَبِئْسَ الْمَصِيرُ} جهنم {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَنَاجَيْتُمْ} إِذا أردتم المناجاة فى مجامعكم أو غيرها {فَلاَ تَتَنَاجَوْا بِالإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ومَعْصِيةِ الرَّسُولِ} كما تفعل اليهود والمنافقون نهاهم عنه وهم لا يفعلونه ولا فعلوه تحذيرا لهم وإِنذاراً لغيرهم أو قد فعله بعضهم فنهاهم أو الذين آمنوا المنافقون وهو الصحيح عند بعض وصفهم بالإِيمان على دعواهم واعتبارا للفظهم إِذ آمنوا بأَلسنتهم {وَتَنَاجَوْا بِالْبِرِّ} ما يتضمن للمؤمنين خيراً وسائر العبادات {وَالتَّقْوَى} ما ليس معصية لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - فى أمر من الدين ولا ذماً له أى اجعلوا بدل التناجى بالشر التناجى بالخير إِذا كان الصواب التناجى وإِلا فأَظهروا الدين ولا تتناجوا ويجوز أن يراد بالتناجى هنا مطلق التكلم استعمالا للمقيد فى المطلق أو إِذا أردتم التناجى بالسوء فاجعلوا بدلها التكلم بالخير {وَاتَّقُوا} فيما تأتون وما تدرون {اللهَ الَّذِى إِلَيْهِ} وحده لا إِلى غيره ولا إِليه غيره {تُحْشَرُونَ} تجمعون للثواب والعقاب. {إِنَّمَا النَّجْوَى} بالإِثم والعدوان ومعصية الرسول {مِنَ الشَّيْطَان} بتزيينه والله خالقها وناه عنها {لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا} تعليل متعلق بقوله من الشيطان أو متعلقه أو خبر ثان للنجوى قيل أحزان المؤمنين بها أنهم يتوهمون أنها فى نكبة أصابتهم {وَلَيْسَ} الشيطان أو التناجى الذى يزينها ويأمر بها فى السوء وقيل ليس الحزن بضارهم ورد بأَن الآية لإِزالة الحزن وأُجيب بأَنه إِذا علموا أن هذا الحزن لا يضرهم إِلا بإِذن الله اندفع {بِضَارِّهِمْ شَيئًا} ضرا ما فهو مفعول مطلق ولا يجوز أن يفسر بشئ ما من الأَشياء وهو مفعول لأَنه يتعدى لواحد وقد أخذه وأُضيف إِليه {إِلاَّ بِإِذْنِ اللهِ} كموت قضاه الله وكغلبة العدو والضار فى الاستثناء هو ما قضاه الله لا تناجيهم فالاستثناء منقطع فإِن المضرة اللاحقة لهم بالتناجى غير اللاحقة لهم بما قضاه الله تعالى وإِن كان المعنى أن تناجيهم لا يغيظهم إِلا إن أراد الله تعالى أن يغيظهم كان متصلا {وَعَلَى اللهِ} لا على غيره ولا مع غيره متعلق بما بعده والفاء صلة {فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ} من توكل على الله تعالى لا يخب عمله ولا يبطل سعيه فلا يبالون بنجواهم وذلك إِزالة لحزن المؤمنين، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "حديث : إِذا كنتم ثلاثة فلا يتناج اثنان عن واحد"تفسير : . رواه البخارى ومسلم وفى رواية زيادة حتى يختلطوا بالناس فإِن ذلك يسوؤه، ولفظ أبى داود عن ابن مسعود فإِن ذلك يحزنه أى فإِذا اختلطوا بالناس بأَن كانوا أربعة فصاعداً جاز تناجى اثنين عن اثنين فصاعدا. تناجى ابن عمر مع واحد فقال لرجل تناج أنت مع هذا فهم أربعة فإِن كانوا أربعة فلا يتناج ثلاثة عن واحد وهكذا لا يبقى واحد ومن ذلك أن يتكلم اثنان بلغة لا يعلمها الثالث أو يرمز فى كلامه أو يكتب إِليه. {يَا أيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا} توسعوا لأَخيكم فى الدين بضم ما انبسط من ثيابكم أو جسدكم لا بانتقال من موضعكم {فِي الْمَجَالِسِ} موضع الجلوس متعلق بقيل أو بتفسحوا وهو أولى لقربه وليشمل القول من خارج المجلس والمراد مجلس رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وال للعهد وقيل مجالس القوم فهى للجنس كل أحد له مجالس، كما قرئ: وإِذا قيل لكم تفسحوا فى المجالس بالجمع {فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللهُ لَكُمْ} يجازيكم على فسحكم وسمى الجزاء فسحا مشاكلة لأَنه كان للفسح وهو مجاز لعلاقة اللزوم والتسبب أو الشبه بأَن شبه التوسع فى الخير بالتوسيع الحسى على طريق الاستعارة التبعية أو المراد يوسع الله لكم فى رحمته من كل ما تريدون من الدنيا والآخرة فحذف المفعول للعموم أو فى منازلكم فى الجنة أو فى قبوركم أو فى صدوركم أو فى رزقكم أقوال والأَول أولى وأنت خبير بأَن الفسح التوسعة الشاملة للحسية والعقلية كما فيه استعمال الكلمة المجازية فى معان متعددة كان - صلى الله عليه وسلم - فى الصفة، وقيل فيها يوم الجمعة وضاق الموضع وكان يكرم أهل بدر من المهاجرين والأَنصار، فجاء ناس من أهل بدر منهم ثابت بن قيس بن شماء وقد قيل نزلت فيه إِذ كان ثقيل السمع وأراد القرب فأَبى بعضهم الفسح له فعيره ثابت فقاموا حيال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقالوا السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله وبركاته ويروى أيها النبى، فرد عليهم السلام وسلموا على القوم فردوا عليهم وداموا قائمين على أرجلهم ينتظرون أن يفسح لهم فقال - صلى الله عليه وسلم - لبعض من حوله قم يا فلان قم يا فلان بعدد من وقفوا فشق ذلك عليهم وعرفت الكراهة فى وجوههم وقال المنافقون ما عدل إِذ قدم من تأَخر حضوره فنزلت الآية وكانوا يتناجون فى القرب منه - صلى الله عليه وسلم - وقيل الآية فى تضامهم فى صف القتال رغبة فى الجهاد والشهادة وكانوا يتضامون فى صف القتال حرصاً على القتال لوجه الله عز وجل وعلى الشهادة والشجاع يحتاج إِليه خصوصاً، وقد قيل الآية فى مجالس القربات والقتال ومنها مجلس العلم والقرآن والذكر والوعظ والدعاء والجمهور على ما تقدم، فنقول بكل ذلك وفى كل مجلس للمباح أيضاً كما عم اللفظ ولو كان سبب النزول خاصاً. {وَإِذَا قِيلَ انشُزُوا} ارتفعوا عن مجلسكم للقادمين من مواضعكم بالانتقال عنها {فَانشُزُوا} بنهوض لا ببطء وأصل النشز المرتفع من الأَرض، وليس كل مجلس فيه ارتفاع موضع عن موضع فالمراد ارتفاع عن موضعه، وهو ذهابه عنه أو سمى النهوض ارتفاعاً أو سمى الارتفاع نشزا لأَنه صعب على النفس كطلوع جبل، وهذا تأكيد لما قبله أو الأَول فى ضم الإِنسان نفسه وثيابه والثانى فى تحوله عن مجلسه. وعن الحسن وقتادة والضحاك إِذا دعيتم إِلى قتال أو صلاة أو طاعة فأَجيبوا. وقيل إِذا قال لكم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قوموا عن المجلس فقوموا لحاجة دينية أو دنيوية أو حاجة لأَهله وأراد الانفراد لذلك أو مع بعض خاصته فقوموا وكذا غير النبى - صلى الله عليه وسلم - وإِذا ترتبت مفسدة على إِقامتهم فلا يفعل إِلا لمفسدة أعظم ولا يقيم أحد أحداً عن مجلسه فيقيم فيه إِلا السيد والزوج والأَب والأُم والأَجداد. قال ابن عمر عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "حديث : لا يقيم الرجل الرجلَ عن مجلسه ولكن تفسحوا وتوسعوا" تفسير : ويستثنى ما ذكرت ومن هوجر، وكل من لا يستحق الحضور فى المجلس وفى البخارى ومسلم عن ابن عمر أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "حديث : لا يقيمن أحدكم رجلاً عن مجلسه ثم يجلس فيه ولكن توسعوا وتفسحوا يفسح الله لكم ". تفسير : وفى مسلم عن جابر بن عبد الله موقوفاً عند بعض وفى رواية مرفوعاً إِلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "حديث : لا يقيمن أحدكم أخاه يوم الجمعة ثم يخالف إِلى مقعده فيقعد فيه"تفسير : ، ولكن يقول أفسحوا. يوم الجمعة تمثيل بوقت الازدحام والمراد العموم لكل وقت ازدحام لطاعة أو مباح أو هو بفتح الجيم وإِسكان الميم فيعم، وقيل إِذا قال انهضوا إِلى الصلاة أو الجهاد أو خير ما، فانهضوا وكان رجال يتثاقلون عن صلاة الجماعة إِذا نادى المؤذن لها فنزل وإِذا قيل انشزوا فانشزوا. {يَرْفَعِ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ} الجزم فى جواب انشزوا والمعمول محذوف أى رفعه واحدة أى درجة واحدة بالنصر والجنة وحسن الذكر {وَالَّذِينَ أُوتُوالعلم} سواء حضروا المجلس وفسح لهم أو لم يحضروا وإِنما لم أعطف الذين على الذين ودرجات المذكورة على الدرجة المحذوفة، لأَن النشز ممن نشز ليس فعلاً من الذين أوتوا العلم اللهم إِلا باعتبار أنهم السبب فى نشز الناشز فكأَنه النشز فعلهم فيثابوا فيراعوا فى الجزم فى جواب الأَمر فيصبح ذلك العطف، ويجوز أن يكون الذين آمنوا والذين أوتوا العلم متحدين بالذات مختلفين بالصفة وهى الإِيمان وإِيتاء العلم فتنزل التخالف بالصفة منزلة التغاير بالذات فساغ العطف وساغ العطف أيضاً من وجه آخر هو أن العلماء فى الآية أريدوا بالتفسح لهم فهم مع سائر المؤمنين يضمهم مجلس ويتفسح لهم، وعلى كل حال فى تمييزهم تسهيل للتفسح لهم على النفوس إِذ كان من شأْنها كراهة التفضيل عليها ويحتمل أن درجات المذكور لهم جميعاً - بلا حذف فلعامة المؤمنين، لإِكراههم النفوس على ما صعب عليها من التفسح وللعلماء المتفسح لهم لعلمهم، وقد جاء من تواضع الله رفعه الله، وكما أن للعلماء رفعة يوم القيامة وفى الجنة على سائر المؤمنين تكون لهم رفعة فى المجلس فى الدنيا. وقد قيل يحصل للعالم ما لا يحصل لغيره فإِنه يقتدى به فى أقواله وأفعاله كلها وشهر أنه يقتدى بقوله لا بفعله وعن أبى الدرداء مرفوعاً: حديث : فضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على الكواكب تفسير : وجاء عنه - صلى الله عليه وسلم - "حديث : من جاءه الموت وهو يطلب العلم ليحيي به الإِسلام فبينه وبين النبيين درجة ". تفسير : وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "حديث : بين العالم والعابد مائة درجة بين كل درجتين حضر الجواد المضمر سبعين سنة"تفسير : ، وقال - صلى الله عليه وسلم - يجمع الله العلماء يوم القيامة فيقول إِنى لم أجعل حكمتى فى قلوبكم إِلا وأنا أريد لكم الخير، اذهبوا إِلى الجنة فقد غفرت لكم على ما كان منكم أى لموتكم تَائبين، ولو خلطوا عملا صالحاً وآخر سيئاً. ويروى فى الأَثر: إِذا ورد المؤمن من باب الجنة قيل له ادخل وإِذا ورد المؤمن العالم قيل له قف اشفع للناس، وعن عبد الله بن عمرو ابن العاص أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -مَرَّ بمجلسين فى مسجده، أحد المجلسين يدعون الله ويرغبون إِليه والآخر يتعلمون الفقه ويعلمونه، فقال - صلى الله عليه وسلم -: "حديث : كلا المجلسين على خير وأحدهما أفضل من صاحبه"تفسير : ، أما هؤلاء فيدعون الله ويرغبون إِليه، وفى رواية زيادة: فإِن شاء أعطاهم وإِن شاء ردهم، وأما هؤلاء فيتعلمون الفقه ويعلمون الجاهل فهؤلاء أفضل، وإِنما بعثت معلماً ثم جلس فيهم وكأَنه لا يرد المعلم والمتعلم فذلك مبالغة فى فضلهما، إِذ لم يقل فيهما إِن شاء أعطاهم وإِن شاء ردهم. وعن معاوية سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول "حديث : من يرد الله به خيراً يفقهه فى الدين". تفسير : رواه البخارى ومسلم، ومثله فى الترمذى عن ابن عباس، وروى عن قيس ابن كثير قدم رجل من المدينة على أبى الدرداء وهو بدمشق فقال: ما أقدمك يا أخى؟ قال: حديث بلغنى أنك تحدثه عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: أما جئت لحاجة غيره؟ قال: لا. قال: أما قدمت فى تجارة؟ قال: لا. قال: ما جئت إِلا فى طلب هذا الحديث؟ قال: نعم. قال: فإِنى سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: "حديث : من سلك طريقاً يبتغي فيه علماً سلك الله به طريقاً إِلى الجنة وإِن الملائكة تضع أجنحتها رضاً لطالب العلم، وإِن العالم يستغفر له من في السماوات ومن في الأَرض حتى الحيتان في الماء، وفضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب، وإِن العلماء ورثة الأَنبياء لم يورثوا ديناراً ولا درهماً، وإِنما أورثوا العلم فمن أخذه فقد أخذ بحظ وافر"تفسير : . رواه الترمذى وأبو داود، وكأَنه حديث شهر عن أبى الدرداء فعلم أبو الدرداء أنه مراد الرجل أو ذكر له الرجل بعضه فعلم مراده {وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} هذا تهديد لمن لم يمتثل الأَمر.

الالوسي

تفسير : {قَدْ سَمِعَ ٱللَّهُ } بإظهار الدال، وقرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي وابن محيصن بإدغامها في السين، قال خلف بن هشام البزار: سمعت الكسائي يقول: من قرأ {قَدْ سَمِعَ} فبين الدال فلسانه أعجمي ليس بعربـي، ولا يلتفت إلى هذا فكلا الأمرين فصيح متواتر بل الجمهور على البيان {قَوْلَ ٱلَّتِى تُجَادِلُكَ فِى زَوْجِهَا } أي تراجعك الكلام في شأنه وفيما صدر عنه في حقها من الظهار. وقرئ ـ تحاورك ـ والمعنى على ما تقدم، و(تحاولك) أي تسائلك {وَتَشْتَكِى إِلَى ٱللَّهِ } عطف على {تُجَادِلُكَ } فلا محل للجملة من الإعراب، وجوز كونها حالاً أي تجادلك شاكية حالها إلى الله تعالى، وفيه بعد معنى، ومع هذا يقدر معها مبتدأ أي وهي تشتكي لأن المضارعية لا تقترن بالواو في الفصيح فيقدر معها المبتدأ لتكون اسمية. واشتكاؤها إليه تعالى إظهار بثها وما انطوت عليه من الغم والهم وتضرعها إليه عز وجل وهو من الشكو، وأصله فتح الشكوة وإظهار ما فيها، وهي سقاء صغير يجعل فيه الماء ثم شاع في ذلك. وهي امرأة صحابية من الأنصار اختلف في اسمها واسم أبيها، / فقيل: خولة بنت ثعلبة بن مالك، وقيل: بنت خويلد، وقيل: بنت حكيم، وقيل: بنت الصامت، وقيل: خويلة بالتصغير بنت ثعلبة، وقيل: بنت مالك بن ثعلبة، وقيل: جميلة بنت الصامت، وقيل: غير ذلك، والأكثرون على أنها خولة بنت ثعلبة بن مالك الخزرجية، وأكثر الرواة على أن الزوج في هذه النازلة أوس بن الصامت أخو عبادة بن الصامت، وقيل: هو سلمة بن صخر الأنصاري، والحق أن لهذا قصة أخرى. « حديث : والآية نزلت في خولة وزوجها أوس، وذلك أن زوجها أوساً كان شيخاً كبيراً قد ساء خلقه فدخل عليها يوماً فراجعته بشيء فغضب، فقال: أنت علي كظهر أمي، وكان الرجل في الجاهلية إذا قال ذلك لامرأته حرمت عليه وكان هذا أول ظهار في الإسلام فندم من ساعته فدعاها فأبت، وقالت: والذي نفس خولة بيده لا تصل إليّ وقد قلت ما قلت حتى يحكم الله ورسوله صلى الله عليه وسلم فينا، فأتت رسول الله عليه الصلاة والسلام فقالت: يا رسول الله إن أوساً تزوجني وأنا شابة مرغوب فيَّ فلما خلا سني ونثرت بطني ـ أي كثر ولدي ـ جعلني عليه كأمه وتركني إلى غير أحد فإن كنت تجد لي رخصة يا رسول الله تنعشني بها وإياه فحدثني بها؟ فقال عليه الصلاة والسلام: «والله ما أمرت في شأنك بشيء حتى الآن»، وفي رواية «ما أراك إلا قد حرمت عليه» قالت: ما ذَكَرَ طلاقاً، وجادلت رسول الله عليه الصلاة والسلام مراراً ثم قالت: اللهم إني أشكو إليك شدة وحدتي وما يشق علي من فراقه، وفي رواية قالت: أشكو إلى الله تعالى فاقتي وشدة حالي وإن لي صبية صغاراً إن ضممتهم إليه ضاعوا وإن ضممتهم إلي جاعوا، وجعلت ترفع رأسها إلى السماء وتقول: اللهم إني أشكو إليك اللهم فأنزلْ علي لسان نبيك وما برحت حتى نزل القرآن فيها، فقال صلى الله عليه وسلم: يا خولة أبشري قالت: خيراً؟ فقرأ عليه الصلاة والسلام عليها {قَدْ سَمِعَ ٱللَّهُ} الآيات.تفسير : وكان عمر رضي الله تعالى عنه يكرمها إذا دخلت عليه ويقول: قد سمع الله تعالى لها. وروى ابن أبـي حاتم والبيهقي في «الأسماء والصفات» أنها لقيته رضي الله تعالى عنه وهو يسير مع الناس فاستوقفته فوقف لها ودنا منها وأصغى إليها ووضع يده على منكبيها حتى قضت حاجتها وانصرفت، فقال له رجل: يا أمير المؤمنين حبست رجال قريش على هذه العجوز قال: ويحك أتدري من هذه؟ قال: لا قال: هذه امرأة سمع الله تعالى شكواها من فوق سبع سمٰوات هذه خولة بنت ثعلبة، والله لو لم تنصرف حتى أتى الليل ما انصرفت حتى تقضى حاجتها، وفي رواية للبخاري في «تاريخه» أنها قالت له: قف يا عمر فوقف فأغلظت له القول، فقال رجل: يا أمير المؤمنين ما رأيت كاليوم فقال رضي الله تعالى عنه: وما يمنعني أن أستمع إليها وهي التي استمع الله تعالى لها فأنزل فيها ما أنزل {قَدْ سَمِعَ ٱللَّهُ } الآيات. والسماع مجاز عن القبول والإجابة بعلاقة السببية أو كناية عن ذلك. و {قَدْ } للتحقيق أو للتوقع، وهو مصروف إلى تفريج الكرب لا إلى السمع لأنه محقق أو إلى السمع لأنه مجاز أو كناية عن القبول، والمراد توقع المخاطب ذلك، وقد كان صلى الله عليه وسلم يتوقع أن ينزل الله تعالى حكم الحادثة ويفرج عن المجادلة كربها، وفي الأخبار ما يشعر بذلك. والسمع في قوله تعالى: {وَٱللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُما } على ما هو المعروف فيه من كونه صفة يدرك بها الأصوات غير صفة العلم، أو كونه راجعاً إلى صفة العلم. والتحاور المرادّة في الكلام، وجوز أن يراد به الكلام المردد، ويقال: كلمته فما رجع إليَّ حواراً وحويراً ومحورة أي مارد عليَّ بشيء. وصيغة المضارع للدلالة على استمرار السمع حسب استمرار التحاور وتجدده، وفي نظمها في سلك الخطاب تغليباً تشريف لها من جهتين. والجملة استئناف / جار مجرى التعليل لما قبله فإن إلحافها في المسألة ومبالغتها في التضرع إلى الله تعالى ومدافعته عليه الصلاة والسلام إياها وعلمه عز وجل بحالهما من دواعي الإجابة، وقيل: هي حال كالجملة السابقة، وفيه أيضاً بعد. وقوله تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ } تعليل لما قبله بطريق التحقيق أي إنه تعالى يسمع كل المسموعات ويبصر كل المبصرات على أتم وجه وأكمله ومن قضية ذلك أن يسمع سبحانه تحاورهما، ويرى ما يقارنه من الهيئات التي من جملتها رفع رأسها إلى السماء وسائر آثار التضرع. و[إظهار] الاسم الجليل في الموضعين لتربية المهابة وتعليل الحكم بما اشتهر به الاسم الجليل من وصف الألوهية وتأكيد استقلال الجملتين.

سيد قطب

تفسير : نحن في هذه السورة ـ وفي هذا الجزء كله تقريباً ـ مع أحداث السيرة في المجتمع المدني. مع الجماعة المسلمة الناشئة؛ حيث تُربى وتقوّم، وتعد للنهوض بدورها العالمي، بل بدورها الكوني، الذي قدره الله لها في دورة هذا الكون ومقدّراته. وهو دور ضخم يبدأ من إنشاء تصور جديد كامل شامل لهذه الحياة، في نفوس هذه الجماعة، وإقامة حياة واقعية على أساس هذا التصور، ثم تحمله هذه الجماعة إلى العالم كله لتنشئ للبشرية حياة إنسانية قائمة على أساس هذا التصور كذلك.. وهو دور ضخم إذن يقتضي إعداداً كاملاً. ولقد كان أولئك المسلمون الذين يعدهم القدر لهذا الدور الضخم، ناساً من الناس. منهم السابقون من المهاجرين والأنصار الذين نضج إيمانهم، واكتمل تصورهم للعقيدة الجديدة، وخلصت نفوسهم لها، ووصلوا.. وصلوا إلى حقيقة وجودهم وحقيقة هذا الوجود الكبير؛ واندمجت حقيقتهم مع حقيقة الوجود، فأصبحوا بهذا طرفاً من قدر الله في الكون؛ لا يجدون في أنفسهم عوجاً عنه، ولا يجدون في خطاهم تخلفاً عن خطاه، ولا يجدون في قلوبهم شيئاً إلا الله.. كانوا كما جاء عنهم في هذه السورة: {لا تجد قوماً يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله، ولو كانوا آباءهم او أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم. أولئك كتب في قلوبهم الإيمان، وأيدهم بروح منه، ويدخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها. رضي الله عنهم ورضوا عنه. أولئك حزب الله. ألا إن حزب الله هم المفلحون}.. ولكن هؤلاء السابقين كانوا قلة بالقياس إلى الجماعة المسلمة المتزايدة العدد ـ وبخاصة بعد أن أصبح الإسلام قوة ترهب ـ حتى قبل الفتح ـ ودخل فيه من لم يتلق من التربية الإسلامية القسط الكافي، ولم يتنفس في الجو الإسلامي فترة طويلة. كما دخل فيه من المنافقين من آثر المصلحة أو العافية على دَخل في القلوب، وتربص بالفرص، وذبذبة بين المعسكر الإسلامي والمعسكرات القوية المناوئة له في ذلك الحين. سواء معسكرات المشركين أو اليهود! ولقد اقتضت تربية النفوس وإعدادها للدور الكوني الكبير المقدر لها في الأرض جهوداً ضخمة، وصبراً طويلاً، وعلاجاً بطيئاً، في صغار الأمور وفي كبارها.. كانت حركة بناء هائلة هذه التي قام بها الإسلام، وقام بها رسول الإسلام ـ صلى الله عليه وسلم ـ بناء النفوس التي تنهض ببناء المجتمع الإسلامي والدولة الإسلامية، وتقوم على منهج الله، تفهمه وتحققه، وتنقله إلى أطراف الأرض في صورة حية متحركة، لا في صحائف وكلمات. ونحن نشهد في هذه السورة ـ وفي هذا الجزء كله ـ طرفاً من تلك الجهود الضخمة، وطرفاً من الأسلوب القرآني كذلك في بناء تلك النفوس، وفي علاج الأحداث والعادات والنزوات؛ كما نشهد جانباً من الصراع الطويل بين الإسلام وخصومه المختلفين من مشركين ويهود ومنافقين. وفي هذه السورة بصفة خاصة نشهد صورة موحية من رعاية الله للجماعة الناشئة؛ وهو يصنعها على عينه، ويربيها بمنهجه، ويشعرها برعايته، ويبني في ضميرها الشعور الحي بوجوده ـ سبحانه ـ معها في أخص خصائصها، وأصغر شؤونها، وأخفى طواياها؛ وحراسته لها من كيد أعدائها خفيه وظاهره؛ وأخذها في حماه وكنفه، وضمها إلى لوائه وظله؛ وتربية أخلاقها وعاداتها وتقاليدها تربية تليق بالجماعة التي تنضوي إلى كنف الله، وتنتسب إليه، وتؤلف حزبه في الأرض، وترفع لواءه لتعرف به في الأرض جميعاً. ومن ثم تبدأ السورة بصورة عجيبة من صور هذه الفترة الفريدة في تاريخ البشرية. فترة اتصال السماء بالأرض في صورة مباشرة محسوسة، ومشاركتها في الحياة اليومية لجماعة من الناس مشاركة ظاهرة: {قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله، والله يسمع تحاوركمآ إن الله سميع بصير}.. فنشهد السماء تتدخل في شأن يومي لأسرة صغيرة فقيرة مغمورة، لتقرر حكم الله في قضيتها، وقد سمع ـ سبحانه ـ للمرأة وهي تحاور رسول الله فيها، ولم تكد تسمعها عائشة وهي قريبة منها! وهي صورة تملأ القلب بوجود الله وقربه وعطفه ورعايته. يليها في سياق السورة توكيد أن الذين يحادون الله ورسوله ـ وهم أعداء الجماعة المسلمة التي تعيش في كنف الله ـ مكتوب عليهم الكبت والقهر في الأرض، والعذاب المهين في الآخرة، مأخوذون بما عملوا مما أحصاه الله عليهم، ونسوه هم وهم فاعلوه! {والله على كل شيء شهيد}.. ثم توكيد وتذكير بحضور الله ـ سبحانه ـ وشهوده لكل نجوى في خلوة، يحسب أصحابها أنهم منفردون بها. والله معهم أينما كانوا: {ثم ينبئهم بما عملوا يوم القيامة، إن الله بكل شيء عليم}.. وهي صورة تملأ القلب كذلك بوجود الله وحضوره، كما تملؤه برقابته واطلاعه. وهذا التوكيد مقدمة لتهديد الذين يتناجون في خلواتهم لتدبير المكايد للمسلمين، وملء قلوبهم بالحزن والهم والتوجس. تهديد بأن أمرهم مكشوف، وأن عين الله مطلعة عليهم، ونجواهم بالإثم والعدوان ومعصية الرسول مسجلة، وأن الله آخذهم بها ومعذبهم عليها. ونهي للمسلمين عن التناجي بغير البر والتقوى، وتربية نفوسهم وتقويمها بهذا الخصوص. ثم يستطرد في تربية هذه النفوس المؤمنة؛ فيأخذها بأدب السماحة وبالطاعة في مجلس رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ومجالس العلم والذكر. كما يأخذها بأدب السؤال والحديث مع الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ والجد في هذا الأمر والتوقير. أما بقية السورة بعد هذا فتنصرف إلى الحديث عن المنافقين الذين يتولون اليهود؛ ويتآمرون معهم، ويدارون تآمرهم بالكذب والحلف للرسول وللمؤمنين. وتصورهم في الآخرة كذلك حلافين كذابين؛ يتقون بالحلف والكذب ما يواجههم من عذاب الله، كما كانوا يتقون بهما في الدنيا ما يواجههم من غضب رسول الله والمؤمنين! مع توكيد أن الذين يحادون الله ورسوله كتب الله عليهم أنهم في الأذلين وأنهم هم الأخسرون. كما كتب أنه ورسله هم الغالبون. وذلك تهويناً لشأنهم، الذي كان بعض المنتسبين إلى الإسلام ـ وبعض المسلمين ـ يستعظمه، فيحافظ على مودته معهم، ولا يدرك ضرورة تميز الصف المسلم تحت راية الله وحدها، والاعتزاز برعاية الله وحده، والاطمئنان إلى حراسته الساهرة للفئة التي يصنعها على عينه، ويهيئها لدورها الكوني المرسوم. وفي ختام السورة تجيء تلك الصورة الوضيئة لحزب الله. هذه الصورة التي كان يمثلها بالفعل أولئك السابقون من المهاجرين والأنصار.. والتي كانت الآية الكريمة تشير لها كي ينتهي إليها أولئك الذين ما زالوا بعد في الطريق! {لا تجد قوماً يؤمنون بالله واليوم الآخر يوآدون من حآد الله ورسوله..} الخ الآية.. كما وردت في أول هذا التقديم.. {قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله، والله يسمع تحاوركمآ، إن الله سميع بصير. الذين يظاهرون منكم من نسآئهم ما هن أمهاتهم، إن أمهاتهم إلا اللائي ولدنهم، وإنهم ليقولون منكراً من القول وزوراً، وإن الله لعفو غفور. والذين يظاهرون من نسآئهم ثم يعودون لما قالوا فتحرير رقبة من قبل أن يتمآسا، ذلكم توعظون به، والله بما تعملون خبير. فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين من قبل أن يتمآسا، فمن لم يستطع فإطعام ستين مسكيناً، ذلك لتؤمنوا بالله ورسوله. وتلك حدود الله، وللكافرين عذاب أليم}.. كان الرجل في الجاهلية يغضب لأمر من امرأته فيقول: انت عليّ كظهر أمي. فتحرم عليه، ولا تطلق منه. وتبقى هكذا، لا هي حل له فتقوم بينهما الصلات الزوجية؛ ولا هي مطلقة منه فتجد لها طريقاً آخر. وكان هذا طرفاً من العنت الذي تلاقيه المرأة في الجاهلية. فلما كان الإسلام وقعت هذه الحادثة التي تشير إليها هذه الآيات، ولم يكن قد شرع حكم للظهار. قال الإمام أحمد: حدثنا سعد بن إبراهيم ويعقوب، قالا: حدثنا أبي، حدثنا محمد بن إسحاق، حدثني معمر ابن عبد الله بن حنظلة، عن يوسف بن عبد الله بن سلام، عن خويلة بنت ثعلبة. قالت: "حديث : فيّ والله وفي أوس بن الصامت أنزل الله صدر سورة المجادلة. قالت: كنت عنده، وكان شيخاً كبيراً قد ساء خلقه، قالت: فدخل علي يوماً فراجعته بشيء فغضب، فقال: أنت علي كظهر أمي. قالت: ثم خرج فجلس في نادي قومه ساعة، ثم دخل علي، فإذا هو يريدني عن نفسي، قالت: قلت: كلا والذي نفس خويلة بيده، لا تخلص إلي وقد قلت ما قلت حتى يحكم الله ورسوله فينا بحكمه. قالت: فواثبني، فامتنعت منه فغلبته بما تغلب به المرأة الشيخ الضعيف، فألقيته عني. قالت: ثم خرجت إلى بعض جاراتي فاستعرت منها ثياباً، ثم خرجت حتى جئت رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فجلست بين يديه ـ فذكرت له ما لقيت منه، وجعلت أشكو إليه ما ألقى من سوء خلقه. قالت: فجعل رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقول: "يا خويلة ابن عمك شيخ كبير فاتقي الله فيه" قالت: فوالله ما برحت حتى نزل فيّ قرآن؛ فتغشى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ما كان يتغشاه، ثم سري عنه، فقال لي: "يا خويلة قد أنزل الله فيك وفي صاحبك قرآناً".. ثم قرأ علي ـ: {قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله، والله يسمع تحاوركمآ إن الله سميع بصير}.. إلى قوله تعالى: {وللكافرين عذاب أليم}.. قالت: فقال لي رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم -: "مريه فليعتق رقبة". قالت: فقلت: يا رسول الله ما عنده ما يعتق. قال: "ليصم شهرين متتابعين". قالت: فقلت: والله إنه لشيخ ماله من صيام. قال: "فليطعم ستين مسكيناً وسقاً من تمر". قالت: فقلت: والله يا رسول الله ما ذاك عنده. قالت: فقال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم -: "فإنا سنعينه بعرق من تمر". قالت: فقلت يا رسول الله وأنا سأعينه بعرق آخر. قال: "قد أصبت وأحسنت فاذهبي فتصدقي به عنه، ثم استوصي بابن عمك خيراً". قالت: ففعلت ". تفسير : فهذا هو الشأن الذي سمع الله ما دار فيه من حوار بين رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ والمرأة التي جاءت تجادله فيه. وهذا هو الشأن الذي أنزل الله فيه حكمه من فوق سبع سماوات، ليعطي هذه المرأة حقها، ويريح بالها وبال زوجها، ويرسم للمسلمين الطريق في مثل هذه المشكلة العائلية اليومية! وهذا هو الشأن الذي تفتتح به سورة من سور القرآن: كتاب الله الخالد، الذي تتجاوب جنبات الوجود بكل كلمة من كلماته، وهي تتنزل من الملأ الأعلى.. تفتتح بمثل هذا الإعلان: {قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها..} فإذا الله حاضر هذا الشأن الفردي لامرأة من عامة المسلمين، لا يشغله عن سماعه تدبيره لملكوت السماوات والأرض؛ ولا يشغله عن الحكم فيه شأن من شؤون السماوات والأرض! وإنه لأمر.. إنه لأمر أن يقع مثل هذا الحادث العجيب؛ وأن تشعر جماعة من الناس أن الله هكذا معها، حاضر شؤونها، جليلها وصغيرها، معنيّ بمشكلاتها اليومية، مستجيب لأزماتها العادية.. وهو الله.. الكبير المتعال، العظيم الجليل، القهار المتكبر، الذي له ملك السماوات والأرض وهو الغني الحميد. تقول عائشة ـ رضي الله عنها ـ: الحمد لله الذي وسع سمعه الأصوات. لقد جاءت المجادلة خولة إلى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ في جانب البيت، ما أسمع ما تقول. فأنزل الله عز وجل: {قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله.. الآية}. وفي رواية خولة ـ أو خويلة للتصغير والتدليل ـ للحادث، وتصرفها هي فيه، وذهابها إلى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ومجادلتها له، ونزول القرآن بالحكم.. في هذا كله صورة من حياة تلك الجماعة الفريدة في تلك الفترة العجيبة. وشعورها بتلك الصلة المباشرة، وانتظارها التوجيه من السماء في كل شأن من شؤونها واستجابة السماء لهذا الانتظار، الذي يجعل الجماعة كلها ـ عيال الله ـ هو يرعاها وهي تتطلع إليه تطلع الطفل الصغير لأبيه وراعيه! وننظر في رواية الحادث في النص القرآني، فنجد عناصر التأثير والإيحاء والتربية والتوجيه تسير جنباً إلى جنب مع الحكم وتتخلله وتعقب عليه، كما هو أسلوب القرآن الفريد: {قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله، والله يسمع تحاوركمآ، إن الله سميع بصير}.. وهو مطلع ذو إيقاع عجيب.. إنكما لم تكونا وحدكما.. لقد كان الله معكما. وكان يسمع لكما. لقد سمع قول المرأة. سمعها تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله. وعلم القصة كلها. وهو يعلم تحاوركما وما كان فيه.. إن الله سميع بصير.. يسمع ويرى. هذا شأنه وهذه صورة منه في الحادث الذي كان الله ثالثكما فيه.. وكلها إيقاعات ولمسات تهز القلوب.. ثم يقرر أصل القضية، وحقيقة الوضع فيها: {الذين يظاهرون منكم من نسآئهم ما هن أمهاتهم. إن أمهاتهم إلا اللائي ولدنهم. وإنهم ليقولون منكراً من القول وزوراً، وإن الله لعفو غفور}.. فهو علاج للقضية من أساسها. إن هذا الظهار قائم على غير أصل. فالزوجة ليست أماً حتى تكون محرمة كالأم. فالأم هي التي ولدت. ولا يمكن أن تستحيل الزوجة أماً بكلمة تقال. إنها كلمة منكرة ينكرها الواقع. وكلمة مزورة ينكرها الحق. والأمور في الحياة يجب أن تقوم على الحق والواقع، في وضوح وتحديد، فلا تختلط ذلك الاختلاط، ولا تضطرب هذا الاضطراب.. {وإن الله لعفو غفور} فيما سلف من هذه الأمور. وبعد تقرير أصل القضية على هذا النحو المحدد الواضح يجيء الحكم القضائي في الموضوع. {والذين يظاهرون من نسآئهم ثم يعودون لما قالوا فتحرير رقبة من قبل أن يتمآسا. ذلكم توعظون به، والله بما تعملون خبير}.. وقد جعل الله العتق في كفارات متنوعة، وسيلة من وسائل التحرير للرقاب التي أوقعها نظام الحروب في الرق إلى أجل، ينتهي بوسائل شتى هذه واحدة منها. وهناك أقوال كثيرة في معنى: {ثم يعودون لما قالوا}.. نختار منها أنهم يعودون إلى الوطء الذي حرموه على أنفسهم بالظهار. فهذا أقرب ما يناسب السياق. فتحرير رقبة من قبل العودة إلى حله.. ثم التعقيب: {ذلكم توعظون به}.. فالكفارة مذكر وواعظ بعدم العودة إلى الظهار الذي لا يقوم على حق ولا معروف {والله بما تعملون خبير}.. خبير بحقيقته، وخبير بوقوعه، وخبير بنيتكم فيه. وهذا التعقيب يجيء قبل إتمام الحكم لإيقاظ القلوب، وتربية النفوس، وتنبيهها إلى قيام الله على الأمر بخبرته وعلمه بظاهره وخافيه. ثم يتابع بيان الحكم فيه: {فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين من قبل أن يتمآسا. فمن لم يستطع فإطعام ستين مسكيناً}.. ثم التعقيب للبيان والتوجيه: {ذلك لتؤمنوا بالله ورسوله}.. وهم مؤمنون.. ولكن هذا البيان، وهذه الكفارات وما فيها من ربط أحوالهم بأمر الله وقضائه.. ذلك مما يحقق الإيمان، ويربط به الحياة؛ ويجعل له سلطاناً بارزاً في واقع الحياة. {وتلك حدود الله}.. أقامها ليقف الناس عندها لا يتعدونها. وهو يغضب على من لا يرعاها ولا يتحرج دونها: {وللكافرين عذاب أليم}.. بتعديهم وتحديهم وعدم إيمانهم وعدم وقوفهم عند حدود الله كالمؤمنين.. وتلك العبارة الأخيرة: {وللكافرين عذاب أليم}.. تناسب ختام الآية السابقة، وهي في الوقت ذاته قنطرة تربط بينها وبين الآية اللاحقة التي تتحدث عمن يحادّون الله ورسوله. على طريقة القرآن في الانتقال من حديث لحديث في تسلسل عجيب: {إن الذين يحآدّون الله ورسوله كبتوا كما كبت الذين من قبلهم، وقد أنزلنآ آيات بينات وللكافرين عذاب مهين. يوم يبعثهم الله جميعاً، فينبئهم بما عملوا أحصاه الله ونسوه، والله على كل شيء شهيد}.. إن المقطع الأول في السورة كان صورة من صور الرعاية والعناية بالجماعة المسلمة. وهذا المقطع الثاني صورة من صور الحرب والنكاية للفريق الآخر. فريق الذين يحادون الله ورسوله، أي الذين يأخذون لهم موقفاً عند الحد الآخر في مواجهة الله ورسوله! وذكر المحادّة بمناسبة ذكره قبلها لحدود الله. فهؤلاء لا يقفون عند حد الله ورسوله، بل عند الحد الآخر المواجه! وهو تمثيل للمتخاصمين المتنازعين، لتفظيع عملهم وتقبيح موقفهم. وساء موقف مخلوق يتحدى فيه خالقه ورازقه، ويقف في تبجح عند الحد المواجه لحده! هؤلاء المحادون المشاقون المتبجحون: {كبتوا كما كبت الذين من قبلهم}.. والأرجح أن هذا دعاء عليهم. والدعاء من الله ـ سبحانه ـ حكم. فهو المريد وهو الفعال لما يريد. والكبت القهر والذل. والذين من قبلهم إما أن يكونوا هم الغابرين من الأقوام الذين أخذهم الله بنكاله وإما أن يكونوا الذين قهرهم المسلمون في بعض المواقع التي تقدمت نزول هذه الآية، كما حدث في غزوة بدر مثلاً. {وقد أنزلنا آيات بينات}.. تفصل هذه العبارة بين مصير الذين يحادون الله ورسوله في الدنيا ومصيرهم في الآخرة.. لتقرير أن هذا المصير وذاك تكفلت ببيانه هذه الآيات. وكذلك لتقرير أنهم يلاقون هذه المصائر لا عن جهل ولا عن غموض في الحقيقة، فقد وضحت لهم وعلموها بهذه الآيات البينات. ثم يعرض مصيرهم في الآخرة مع التعقيب الموحي الموقظ المربي للنفوس: {وللكافرين عذاب مهين. يوم يبعثهم الله جميعاً، فينبئهم بما عملوا أحصاه الله ونسوه. والله على كل شيء شهيد}.. والمهانة جزاء التبجح. وهي مهانة يوم يبعثهم الله جميعاً. مهانة على رؤوس الجموع، وهو عذاب يقوم على حق وبيان لما عملوا. إن كانوا هم قد نسوه فإن الله أحصاه بعلمه الذي لا يند عنه شيء، ولا يغيب عنه خاف: {والله على كل شيء شهيد}.. وتلتقي صورة الرعاية والعناية، بصورة الحرب والنكاية، في علم الله واطلاعه، وشهوده وحضوره. فهو شاهد حاضر للعون والرعاية؛ وهو شاهد حاضر للحرب والنكاية. فليطمئن بحضوره وشهوده المؤمنون. وليحذر من حضوره وشهوده الكافرون! ويستطرد السياق من تقرير حقيقة: {والله على كل شيء شهيد}.. إلى رسم صورة حية من هذا الشهود، تمس أوتار القلوب: {ألم تر أن الله يعلم ما في السماوات وما في الأرض، ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم، ولا خمسة إلا هو سادسهم، ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم، أين ما كانوا، ثم ينبئهم بما عملوا يوم القيامة، إن الله بكل شيء عليم}.. تبدأ الآية بتقرير علم الله الشامل لما في السماوات وما في الأرض على إطلاقه، فتدع القلب يرود آفاق السماوات وأرجاء الأرض مع علم الله المحيط بكل شيء في هذا المدى الوسيع المتطاول. من صغير وكبير، وخاف وظاهر، ومعلوم ومجهول.. ثم تتدرج من هذه الآفاق وتلك الأرجاء، وتزحف وتقرب حتى تلمس ذوات المخاطبين وتمس قلوبهم بصورة من ذلك العلم الإلهي تهز القلوب: {ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم، ولا خمسة إلا هو سادسهم، ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أين ما كانوا}.. وهي حقيقة في ذاتها، ولكنها تخرج في صورة لفظية عميقة التأثير. صورة تترك القلوب وجلة ترتعش مرة، وتأنس مرة، وهي مأخوذة بمحضر الله الجليل المأنوس. وحيثما اختلى ثلاثة تلفتوا ليشعروا بالله رابعهم. وحيثما اجتمع خمسة تلفتوا ليشعروا بالله سادسهم. وحيثما كان اثنان يتناجيان فالله هناك! وحيثما كانوا أكثر فالله هناك! إنها حالة لا يثبت لها قلب؛ ولا يقوى على مواجهتها إلا وهو يرتعش ويهتز.. وهو محضر مأنوس نعم.. ولكنه كذلك جليل رهيب. محضر الله: {هو معهم أين ما كانوا}.. {ثم ينبئهم بما عملوا يوم القيامة}.. وهذه لمسة أخرى تُرجف وتزلزل.. إن مجرد حضور الله وسماعه أمر هائل. فكيف إذا كان لهذا الحضور والسماع ما بعده من حساب وعقاب؟ وكيف إذا كان ما يسره المتناجون وينعزلون به ليخفوه، سيعرض على الأشهاد يوم القيامة وينبئهم الله به في الملأ الأعلى في ذلك اليوم المشهود؟! وتنتهي الآية بصورة عامة كما بدأت: {إن الله بكل شيء عليم}. وهكذا تستقر حقيقة العلم الإلهي في القلوب، بهذه الأساليب المنوعة في عرضها في الآية الواحدة. الأساليب التي تعمق هذه الحقيقة في القلب البشري، وهي تدخل بها عليه من شتى المسالك والدروب! ذلك التقرير العميق لحقيقة حضور الله وشهوده في تلك الصورة المؤثرة المرهوبة تمهد لتهديد المنافقين، الذين كانوا يتناجون فيما بينهم بالمؤامرات ضد الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ وضد الجماعة المسلمة بالمدينة. مع التعجيب من موقفهم المريب: {ألم تر إلى الذين نهوا عن النجوى ثم يعودون لما نهوا عنه، ويتناجون بالإثم والعدوان ومعصية الرسول، وإذا جآءوك حيوك بما لم يحيك به الله، ويقولون في أنفسهم: لولا يعذبنا الله بما نقول! حسبهم جهنم يصلونها فبئس المصير}. والآية توحي بأن خطة رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ مع المنافقين في أول الأمر كانت هي النصح لهم بالاستقامة والإخلاص، ونهيهم عن الدسائس والمؤامرات التي يدبرونها بالاتفاق مع اليهود في المدينة وبوحيهم. وأنهم بعد هذا كانوا يلجون في خطتهم اللئيمة، وفي دسائسهم الخفية، وفي التدبير السيئ للجماعة المسلمة، وفي اختيار الطرق والوسائل التي يعصون بها أوامر الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ ويفسدون عليه أمره وأمر المسلمين المخلصين. كما أنها توحي بأن بعضهم كان يلتوي في صيغة التحية فيحورها إلى معنى سيِّئ خفي: {وإذا جاءوك حيوك بما لم يحيك به الله}. كأن يقولوا ـ كما كان اليهود يقولون ـ السام عليكم. وهم يوهمون أنهم يقولون: السلام عليكم. بمعنى الموت لكم أو بمعنى تسامون في دينكم! أو أية صيغة أخرى ظاهرها برئ وباطنها لئيم! وهم يقولون في أنفسهم: لو كان نبياً حقاً لعاقبنا الله على قولنا هذا. أي في تحيتهم، أو في مجالسهم التي يتناجون فيها ويدبرون الدسائس والمؤامرات. وظاهر من سياق السورة من مطلعها أن الله قد أخبر الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ بما كانوا يقولونه في أنفسهم، وبمجالسهم ومؤامراتهم. فقد سبق في السورة إعلان أن الله قد سمع للمرأة المجادلة؛ وأنه ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم.. الخ. مما يوحي بأنه أطلع رسوله على مؤامرات أولئك المنافقين وهو حاضر مجالسهم! وبما يقولونه كذلك في أنفسهم. ثم رد عليهم بقوله تعالى: {حسبهم جهنم يصلونها فبئس المصير}.. وكشف هذه المؤامرات الخفية، وإفشاء نجواهم التي عادوا إليها بعدما نهوا عنها، وكذلك فضح ما كانوا يقولونه في أنفسهم: {لولا يعذبنا الله بما نقول}.. هذا كله هو تصديق وتطبيق لحقيقة علم الله بما في السماوات وما في الأرض، وحضوره لكل نجوى، وشهوده لكل اجتماع. وهو يوقع في نفوس المنافقين أن أمرهم مفضوح، كما يوحي للمؤمنين بالاطمئنان والوثوق. وهنا يلتفت إلى الذين آمنوا، يخاطبهم بهذا النداء: {يا أيها الذين آمنوا} لينهاهم عن التناجي بما يتناجي به المنافقون من الإثم والعدوان ومعصية الرسول، ويذكرهم تقوى الله، ويبين لهم أن النجوى على هذا النحو هي من إيحاء الشيطان ليحزن الذين آمنوا، فليست تليق بالمؤمنين: {يا أيها الذين آمنوا إذا تناجيتم فلا تتناجوا بالإثم والعدوان ومعصية الرسول، وتناجوا بالبر والتقوى، واتقوا الله الذي إليه تحشرون. إنما النجوى من الشيطان ليحزن الذين آمنوا وليس بضآرهم شيئاً إلا بإذن الله، وعلى الله فليتوكل المؤمنون}.. ويبدو أن بعض المسلمين ممن لم تنطبع نفوسهم بعد بحاسة التنظيم الإسلامي، كانوا يتجمعون عندما تحزب الأمور، ليتناجوا فيما بينهم ويتشاوروا بعيداً عن قيادتهم. الأمر الذي لا تقره طبيعة الجماعة الإسلامية، وروح التنظيم الإسلامي، التي تقتضي عرض كل رأي وكل فكرة وكل اقتراح على القيادة ابتداء، وعدم التجمعات الجانبية في الجماعة. كما يبدو أن بعض هذه التجمعات كان يدور فيها ما قد يؤدي إلى البلبلة، وما يؤذي الجماعة المسلمة ـ ولو لم يكن قصد الإيذاء قائماً في نفوس المتناجين ـ ولكن مجرد إثارتهم للمسائل الجارية وإبداء الآراء فيها على غير علم، قد يؤدي إلى الإيذاء، وإلى عدم الطاعة. وهنا يناديهم الله بصفتهم التي تربطهم به، وتجعل للنداء وقعه وتأثيره: {يا أيها الذين آمنوا} لينهاهم عن التناجي ـ إذا تناجوا ـ بالإثم والعدوان ومعصية الرسول. ويبين لهم ما يليق بهم من الموضوعات التي يتناجى بها المؤمنون: {وتناجوا بالبر والتقوى}.. لتدبير وسائلهما وتحقيق مدلولهما. والبر: الخير عامة. والتقوى: اليقظة والرقابة لله سبحانه، وهي لا توحي إلا بالخير. ويذكرهم بمخافة الله الذي يحشرون إليه، فيحاسبهم بما كسبوا. وهو شاهده ومحصيه. مهما ستروه وأخفوه. قال الإمام أحمد: حدثنا بهز وعفان، قالا: أخبرنا همام، عن قتادة، عن صفوان بن محرز، قال: "حديث : كنت آخذاً بيد ابن عمر، إذ عرض له رجل، فقال: كيف سمعت رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقول في النجوى يوم القيامة؟ قال: سمعت رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: يقول إن الله يدني المؤمن، فيضع عليه كنفه، ويستره من الناس، ويقرره بذنوبه، ويقول له: أتعرف ذنب كذا؟ أتعرف ذنب كذا؟ أتعرف ذنب كذا؟ حتى إذا قرره بذنوبه، ورأى في نفسه أنه قد هلك قال: فإني قد سترتها عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم. ثم يعطى كتاب حسناته. وأما الكفار والمنافقون فيقول الأشهاد هؤلاء الذين كذبوا على ربهم، ألا لعنة الله على الظالمين ". تفسير : ثم ينفرهم من التناجي والمسارة والتدسس بالقول في خفية عن الجماعة المسلمة، التي هم منها، ومصلحتهم مصلحتها، وينبغي ألا يشعروا بالانفصال عنها في شأن من الشئون. فيقول لهم: إن رؤية المسلمين للوسوسة والهمس والانعزال بالحديث تبث في قلوبهم الحزن والتوجس، وتخلق جواً من عدم الثقة؛ وأن الشيطان يغري المتناجين ليحزنوا نفوس إخوانهم ويدخلوا إليها الوساوس والهموم. ويطمئن المؤمنين بأن الشيطان لن يبلغ فيهم ما يريد: {إنما النجوى من الشيطان ليحزن الذين آمنوا، وليس بضآرهم شيئاً ـ إلا بإذن الله ـ وعلى الله فليتوكل المؤمنون}.. فالمؤمنون لا يتوكلون إلا على الله. فليس وراء ذلك توكل، وليس من دون الله من يتوكل عليه المؤمنون! وقد وردت الأحاديث النبوية الكريمة بالنهي عن التناجي في الحالات التي توقع الريبة وتزعزع الثقة وتبعث التوجس: جاء في الصحيحين من حديث الأعمش ـ بإسناده ـ عن عبد الله بن مسعود ـ رضي الله عنه ـ قال: "حديث : قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم -:إذا كنتم ثلاثة فلا يتناجى اثنان دون صاحبهما فإن ذلك يحزنه ". تفسير : وهو أدب رفيع، كما أنه تحفظ حكيم لإبعاد كل الريب والشكوك. فأما حيث تكون هناك مصلحة في كتمان سر، أو ستر عورة، في شأن عام او خاص، فلا مانع من التشاور في سر وتكتم. وهذا يكون عادة بين القادة المسئولين عن الجماعة. ولا يجوز أن يكون تجمعاً جانبياً بعيداً عن علم الجماعة. فهذا هو الذي نهى عنه القرآن ونهي عنه الرسول. وهذا هو الذي يفتت الجماعة أو يوقع في صفوفها الشك وفقدان الثقة. وهذا هو الذي يدبره الشيطان ليحزن الذين آمنوا. ووعد الله قاطع في أن الشيطان لن يبلغ بهذه الوسيلة ما يريد في الجماعة المؤمنة، لأن الله حارسها وكالئها؛ وهو شاهد حاضر في كل مناجاه، وعالم بما يدور فيها من كيد ودس وتآمر. ولن يضر الشيطان المؤمنين.. {إلا بإذن الله}.. وهو استثناء تحفظي لتقرير طلاقة المشيئة في كل موطن من مواطن الوعد والجزم، لتبقى المشيئة حرة وراء الوعد والجزم.. {وعلى الله فليتوكل المؤمنون}.. فهو الحارس الحامي، وهو القوي العزيز، وهو العليم الخبير. وهو الشاهد الحاضر الذي لا يغيب. ولا يكون في الكون إلا ما يريد. وقد وعد بحراسة المؤمنين. فأي طمأنينة بعد هذا وأي يقين؟ ثم يأخذ الذين آمنوا بأدب آخر من آداب الجماعة: {يا أيها الذين آمنوا إذا قيل لكم: تفسحوا في المجالس فافسحوا يفسح الله لكم. وإذا قيل: انشزوا فانشزوا، يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات. والله بما تعملون خبير}.. ويظهر من بعض الروايات التي حكت سبب نزول الآية أن لها علاقة واقعية بالمنافقين، مما يجعل بينها وبين الآيات قبلها أكثر من ارتباط واحد في السياق. قال قتادة: نزلت هذه الآية في مجالس الذكر، وذلك أنهم كانوا إذا رأوا أحدهم مقبلاً ضنوا بمجالسهم عند رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فأمرهم الله تعالى أن يفسح بعضهم لبعض. وقال مقاتل بن حيان: أنزلت هذه الآية يوم الجمعة. وكان رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يومئذ في الصفة، وفي المكان ضيق. وكان يكرم أهل بدر من المهاجرين والأنصار. فجاء ناس من أهل بدر وقد سُبقوا إلى المجالس فقاموا حيال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقالوا: السلام عليكم أيها النبي ورحمة الله وبركاته، فرد النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ عليهم. ثم سلموا على القوم بعد ذلك فردوا عليهم فقاموا على أرجلهم ينتظرون أن يوسع لهم. فعرف النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ما يحملهم على القيام، فلم يُفسح لهم.. فشق ذلك على النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقال لمن حوله من المهاجرين والأنصار من غير أهل بدر:حديث : قم يا فلان. وأنت يا فلانتفسير : . فلم يزل يقيمهم بعدة النفر الذين هم قيام بين يديه من المهاجرين والأنصار أهل بدر. فشق ذلك على من أقيم من مجلسه، وعرف النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ الكراهة في وجوههم. فقال المنافقون: ألستم تزعمون أن صاحبكم هذا يعدل بين الناس؟ والله ما رأيناه قد عدل على هؤلاء! إن قوماً أخذوا مجالسهم وأحبوا القرب من نبيهم، فأقامهم وأجلس من أبطأ عنه.. فبلغنا أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: "حديث : رحم الله رجلاً يفسح لأخيه"تفسير : . فجعلوا يقومون بعد ذلك سراعاً، فيفسح القوم لإخوانهم. ونزلت هذه الآية يوم الجمعة وإذا صحت هذه الرواية فإنها لاتتنافى مع الأحاديث الأخرى التي تنهى عن أن يقيم الرجل الرجل من مكانه ليجلس فيه. كما جاء في الصحيحين: "حديث : لا يقيم الرجل الرجل من مجلسه فيجلس فيه، ولكن تفسحوا وتوسعوا ".. تفسير : وما ورد كذلك من ضرورة استقرار القادم حيث انتهى به المجلس. فلا يتخطى رقاب الناس ليأخذ مكاناً في الصدر! فالآية تحض على الإفساح للقادم ليجلس، كما تحض على إطاعة الأمر إذا قيل لجالس أن يرفع فيرفع. وهذا الأمر يجيء من القائد المسئول عن تنظيم الجماعة. لا من القادم. والغرض هو إيجاد الفسحة في النفس قبل إيجاد الفسحة في المكان. ومتى رحب القلب اتسع وتسامح، واستقبل الجالس إخوانه بالحب والسماحة، فأفسح لهم في المكان عن رضى وارتياح، فأما إذا رأى القائد أن هناك اعتباراً من الاعتبارات يقتضي إخلاء المكان فالطاعة يجب أن ترعى عن طواعية نفس ورضى خاطر وطمأنينة بال. مع بقاء القواعد الكلية مرعية كذلك، من عدم تخطي الرقاب أو إقامة الرجل للرجل ليأخذ مكانه. وإنما هي السماحة والنظام يقررهما الإسلام. والأدب الواجب في كل حال. وعلى طريقة القرآن في استجاشة الشعور عند كل تكليف، فإنه يعد المفسحين في المجالس بفسحة من الله لهم وسعة: {فافسحوا يفسح الله لكم}.. ويعد الناشزين الذين يرفعون من المكان ويخلونه عن طاعة لأمر الرسول برفعة في المقام: {وإذا قيل انشزوا فانشزوا يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات}.. وذلك جزاء تواضعهم وقيامهم عند تلقي الأمر بالقيام. وقد كانت المناسبة مناسبة قرب من الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ لتلقي العلم في مجلسه. فالآية تعلمهم: أن الإيمان الذي يدفع إلى فسحة الصدر وطاعة الأمر، والعلم الذي يهذب القلب فيتسع ويطيع؛ يؤديان إلى الرفعة عند الله درجات. وفي هذا مقابل لرفعة المكان الذي تطوعوا بتركه ورفعوا عنه لاعتبار رآه الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ {والله بما تعملون خبير}.. فهو يجزي به عن علم ومعرفة بحقيقة ما تعملون، وبما وراءه من شعور مكنون. وهكذا يتولى القرآن تربية النفوس وتهذيبها، وتعليمها الفسحة والسماحة والطاعة بأسلوب التشويق والاستجاشة. فالدين ليس بالتكاليف الحرفية، ولكنه تحول في الشعور، وحساسية في الضمير.. كذلك يعلمهم القرآن أدباً آخر في علاقتهم برسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فيبدو أنه كان هناك تزاحم على الخلوة برسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ليحدثه كل فرد في شأن يخصه؛ ويأخذ فيه توجيهه ورأية؛ أو ليستمتع بالانفراد به مع عدم التقدير لمهام رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ الجماعية؛ وعدم الشعور بقيمة وقته، وبجدية الخلوة به، وأنها لا تكون إلا لأمر ذي بال. فشاء الله أن يشعرهم بهذه المعاني بتقرير ضريبة للجماعة من مال الذي يريد أن يخلو برسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ويقتطع من وقته الذي هو من حق الجماعة. في صورة صدقة يقدمها قبل أن يطلب المناجاة والخلوة: {يا أيها الذين آمنوا إذا ناجيتم الرسول فقدموا بين يدي نجواكم صدقة. ذلك خير لكم وأطهر. فإن لم تجدوا فإن الله غفور رحيم}.. وقد عمل بهذه الآية الإمام علي ـ كرم الله وجهه ـ فكان معه ـ كما روي عنه ـ دينار فصرفه دراهم.. وكان كلما أراد خلوة برسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ لأمر تصدق بدرهم! ولكن الأمر شق على المسلمين. وعلم الله ذلك منهم. وكان الأمر قد أدى غايته، وأشعرهم بقيمة الخلوة التي يطلبونها. فخفف الله عنهم ونزلت الآية التالية برفع هذا التكليف؛ وتوجيههم إلى العبادات والطاعات المصلحة للقلوب: {أأشفقتم أن تقدموا بين يدي نجواكم صدقات؟ فإذ لم تفعلوا وتاب الله عليكم فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وأطيعوا الله ورسوله. والله خبير بما تعملون}.. وفي هاتين الآيتين والروايات التي ذكرت أسباب نزولهما نجد لوناً من ألوان الجهود التربوية لإعداد هذه الجماعة المسلمة في الصغير والكبير من شؤون الشعور والسلوك. ثم يعود السياق إلى المنافقين الذين يتولون اليهود، فيصور بعض أحوالهم ومواقفهم، ويتوعدهم بافتضاح أمرهم، وسوء مصيرهم، وانتصار الدعوة الإسلامية وأصحابها على الرغم من كل تدبيراتهم: {ألم تر إلى الذين تولوا قوماً غضب الله عليهم؟ ما هم منكم ولا منهم، ويحلفون على الكذب وهم يعلمون. أعد الله لهم عذاباً شديداً، إنهم سآء ما كانوا يعملون. اتخذوا أيمانهم جُنة فصدوا عن سبيل الله، فلهم عذاب مهين. لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئاً. أولـئك أصحاب النار هم فيها خالدون. يوم يبعثهم الله جميعاً فيحلفون له كما يحلفون لكم ويحسبون أنهم على شيء. ألا إنهم هم الكاذبون. استحوذ عليهم الشيطان فأنساهم ذكر الله، أولـئك حزب الشيطان، ألا إن حزب الشيطان هم الخاسرون}.. وهذه الحملة القوية على المنافقين الذين يتولون قوماً غضب الله عليهم ـ وهم اليهود ـ تدل على أنهم كانوا يمعنون في الكيد للمسلمين، ويتآمرون مع ألد أعدائهم عليهم؛ كما تدل على أن سلطة الإسلام كانت قد عظمت، بحيث يخافها المنافقون، فيضطرون ـ عندما يواجههم رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ والمؤمنون بما يكشفه الله من تدبيراتهم ومؤمراتهم ـ إلى الحلف بالكذب لإنكار ما ينسب إليهم من مؤامرات وأقوال؛ وهم يعلمون أنهم كاذبون في هذه الأيمان. إنما هم يتقون بأيمانهم ما يتوقعونه من مؤاخذتهم بما ينكشف من دسائسهم: {اتخذوا أيمانهم جنة} أي وقاية. وبذلك يستمرون في دسائسهم للصد عن سبيل الله! والله يتوعدهم مرات في خلال هذه الآيات: {أعد الله لهم عذاباً شديداً. إنهم ساء ما كانوا يعملون}.. {فلهم عذاب مهين}.. {لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئاً. أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون}.. ويصور مشهدهم يوم القيامة في وضع مزر مهين، وهم يحلفون لله كما يحلفون للناس: {يوم يبعثهم الله جميعاً فيحلفون له كما يحلفون لكم}.. مما يشير إلى أن النفاق قد تأصل في كيانهم، حتى ليصاحبهم إلى يوم القيامة. وفي حضرة الله ذي الجلال. الذي يعلم خفايا القلوب وذوات الصدور! {ويحسبون أنهم على شيء}.. وهم على هواء لا يستندون إلى شيء. أي شيء! ويدمغهم بالكذب الأصيل الثابت: {ألا إنهم هم الكاذبون}.. ثم يكشف عن علة حالهم هذه. فقد استولى عليهم الشيطان كلية {فأنساهم ذكر الله}.. والقلب الذي ينسى ذكر الله يفسد ويتمحض للشر: {أولئك حزب الشيطان}.. الخالص للشيطان الذي يقف تحت لوائه، ويعمل باسمه، وينفذ غاياته، وهو الشر الخالص الذي ينتهي إلى الخسران الخالص: {ألا إن حزب الشيطان هم الخاسرون}.. وهي حملة شديدة عنيفة تناسب الشر والأذى والفتنة التي يدبرونها للمسلمين مع أعدائهم الماكرين. وتطمئن قلوب المسلمين. والله ـ سبحانه وتعالى ـ يتولى عنهم الحملة على أعدائهم المستورين! ولما كان أولئك المنافقون يأوون إلى اليهود شعوراً بأنهم قوة تخشى وترجى. ويطلبون عندهم العون والمشورة. فإن الله ييئسهم منهم، ويقرر أنه كتب على أعدائه الذلة والهزيمة، وكتب لنفسه ولرسوله الغلبة والتمكين: {إن الذين يحآدون الله ورسوله أولـئك في الأذلين. كتب الله لأغلبن أنا ورسلي. إن الله قوي عزيز}.. وهذا وعد الله الصادق الذي كان والذي لا بد أن يكون على الرغم مما قد يبدو أحياناً من الظاهر الذي يخالف هذا الوعد الصادق. فالذي وقع بالفعل أن الإيمان والتوحيد قد غلبا على الكفر والشرك. واستقرت العقيدة في الله في هذه الأرض؛ ودانت لها البشرية بعد كل ما وقف في طريقها من عقبات الشرك والوثنية، وبعد الصراع الطويل مع الكفر والشرك والإلحاد. وإذا كانت هناك فترات عاد فيها الإلحاد أو الشرك إلى الظهور في بعض بقاع الأرض ـ كما يقع الآن في الدول الملحدة والوثنية ـ فإن العقيدة في الله ظلت هي المسيطرة بصفة عامة. فضلاً على أن فترات الإلحاد. والوثنية إلى زوال مؤكد، لأنها غير صالحة للبقاء. والبشرية تهتدي في كل يوم إلى أدلة جديدة تهدي إلى الاعتقاد في الله والتمكين لعقيدة الإيمان والتوحيد. والمؤمن يتعامل مع وعد الله على أنه الحقيقة الواقعة. فإذا كان الواقع الصغير في جيل محدود أو في رقعة محدودة يخالف تلك الحقيقة، فهذا الواقع هو الباطل الزائل. الذي يوجد فترة في الأرض لحكمة خاصة. لعلها استجاشة الإيمان وإهاجته لتحقيق وعد الله في وقته المرسوم. وحين ينظر الإنسان اليوم إلى الحرب الهائلة التي شنها أعداء الإيمان على أهل الإيمان في صورها المتنوعة، من بطش ومن ضغط ومن كيد بكل صنوف الكيد في عهود متطاولة، بلغ في بعضها من عنف الحملة على المؤمنين أن قتلوا وشردوا وعذبوا وقطعت أرزاقهم وسلطت عليهم جميع أنواع النكاية. ثم بقي الإيمان في قلوب المؤمنين، يحميهم من الانهيار، ويحمي شعوبهم كلها من ضياع شخصيتها وذوبانها في الأمم الهاجمة عليها، ومن خضوعها للطغيان الغاشم إلا ريثما تنقض عليه وتحطمه.. حين ينظر الإنسان إلى هذا الواقع في المدى المتطاول يجد مصداق قول الله تعالى. يجده في هذا الواقع ذاته بدون حاجة إلى الانتظار الطويل!! وعلى أية حال فلا يخالج المؤمن شك في أن وعد الله هو الحقيقة الكائنة التي لا بد أن تظهر في الوجود، وأن الذين يحادون الله ورسوله هم الأذلون، وأن الله ورسله هم الغالبون. وأن هذا هو الكائن والذي لا بد أن يكون. ولتكن الظواهر غير هذا ما تكون! وفي النهاية تجيء القاعدة الثابتة التي يقف عليها المؤمنون، أو الميزان الدقيق للإيمان في النفوس: {لا تجد قوماً يؤمنون بالله واليوم الآخر يوآدون من حآدّ الله ورسوله، ولو كانوا آبآءهم أو أبنآءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم. أولـئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه، ويدخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها. رضي الله عنهم ورضوا عنه. أولـئك حزب الله. ألا إن حزب الله هم المفلحون}.. إنها المفاضلة الكاملة بين حزب الله وحزب الشيطان، والانحياز النهائي للصف المتميز، والتجرد من كل عائق وكل جاذب، والارتباط في العروة الواحدة بالحبل الواحد. {لا تجد قوماً يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله}.. فما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه، وما يجمع إنسان في قلب واحد ودّين: ودّاً لله ورسوله ووداً لأعداء الله ورسوله! فإما إيمان أو لا إيمان. أما هما معاً فلا يجتمعان. {ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم}.. فروابط الدم والقرابة هذه تتقطع عند حد الإيمان: إنها يمكن أن ترعى إذا لم تكن هناك محادة وخصومة بين اللوائين: لواء الله ولواء الشيطان. والصحبة بالمعروف للوالدين المشركين مأمور بها حين لا تكون هناك حرب بين حزب الله وحزب الشيطان. فأما إذا كانت المحادة والمشاقة والحرب والخصومة فقد تقطعت تلك الأواصر التي لا ترتبط بالعروة الواحدة وبالحبل الواحد. ولقد قتل أبو عبيدة أباه في يوم بدر. وهم الصديق أبو بكر بقتل ولده عبد الرحمن. وقتل مصعب بن عمير أخاه عبيد بن عمير. وقتل عمر وحمزة وعلي وعبيدة والحارث أقرباءهم وعشيرتهم. متجردين من علائق الدم والقرابة إلى آصرة الدين والعقيدة. وكان هذا أبلغ ما ارتقى إليه تصور الروابط والقيم في ميزان الله. {أولئك كتب في قلوبهم الإيمان}.. فهو مثبت في قلوبهم بيد الله مكتوب في صدورهم بيمين الرحمن. فلا زوال له ولا اندثار، ولا انطماس فيه ولا غموض! {وأيدهم بروح منه}.. وما يمكن أن يعزموا هذه العزمة إلا بروح من الله. وما يمكن أن تشرق قلوبهم بهذا النور إلا بهذا الروح الذي يمدهم بالقوة والإشراق، ويصلهم بمصدر القوة والإشراق. {ويدخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها}.. جزاء ما تجردوا في الأرض من كل رابطة وآصرة؛ ونفضوا عن قلوبهم كل عرض من أعراضها الفانية. {رضي الله عنهم ورضوا عنه}.. وهذه صورة وضيئة راضية مطمئنة، ترسم حالة المؤمنين هؤلاء، في مقام عال رفيع. وفي جو راض وديع.. ربهم راض عنهم وهم راضون عن ربهم. انقطعوا عن كل شيء ووصلوا أنفسهم به؛ فتقبلهم في كنفه، وأفسح لهم في جنابه، وأشعرهم برضاه. فرضوا. رضيت نفوسهم هذا القرب وأنست به واطمأنت إليه.. {أولئك حزب الله}.. فهم جماعته. المتجمعة تحت لوائه. المتحركة بقيادته. المهتدية بهديه. المحققة لمنهجه. الفاعلة في الأرض ما قدره وقضاه. فهي قدر من قدر الله. {ألا إن حزب الله هم المفلحون}. ومن يفلح إذن إذا لم يفلح أنصار الله المختارون؟ وهكذا تنقسم البشرية إلى حزبين اثنين: حزب الله وحزب الشيطان. وإلى رايتين اثنتين: راية الحق وراية الباطل. فإما أن يكون الفرد من حزب الله فهو واقف تحت راية الحق، وإما أن يكون من حزب الشيطان فهو واقف تحت راية الباطل.. وهما صفان متميزان لا يختلطان ولا يتميعان! لا نسب ولا صهر، ولا أهل ولا قرابة، ولا وطن ولا جنس، ولا عصبية ولا قومية.. إنما هي العقيدة، والعقيدة وحدها. فمن انحاز إلى حزب الله ووقف تحت راية الحق فهو وجميع الواقفين تحت هذه الراية إخوة في الله. تختلف ألوانهم وتختلف أوطانهم، وتختلف عشائرهم وتختلف أسرهم، ولكنهم يلتقون في الرابطة التي تؤلف حزب الله، فتذوب الفوارق كلها تحت الراية الواحدة. ومن استحوذ عليه الشيطان فوقف تحت راية الباطل، فلن تربطه بأحد من حزب الله رابطة. لا من أرض، ولا من جنس، ولا من وطن ولا من لون، ولا من عشيرة ولا من نسب ولا من صهر.. لقد انبتت الوشيجة الأولى التي تقوم عليها هذه الوشائج فانبتت هذه الوشائج جميعاً.. ومع إيحاء هذه الآية بأنه كان هناك في الجماعة المسلمة من تشده أواصر الدم والقرابة وجواذب المصلحة والصداقة، مما تعالجه في هذه الآية في النفوس، وهي تضع ميزان الإيمان بهذا الحسم الجازم، والمفاضلة القاطعة.. إلا أنها في الوقت ذاته ترسم صورة لطائفة كانت قائمة كذلك في الجماعة المسلمة، ممن تجردوا وخلصوا ووصلوا إلى ذلك المقام. وهذه الصورة هي أنسب ختام للسورة التي بدأت بتصوير رعاية الله وعنايته بهذه الأمة في واقعة المرأة الفقيرة التي سمع الله لها وهي تجادل رسوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ في شأنها وشأن زوجها! فالانقطاع لله الذي يرعى هذه الأمة مثل هذه الرعاية هو الاستجابة الطبيعية. والمفاضلة بين حزب الله وحزب الشيطان هي الأمر الذي لا ينبغي غيره للأمة التي اختارها الله للدور الكوني الذي كلفها إياه.

ابن عاشور

تفسير : افتتحت آيات أحكام الظهار بذكر سبب نزولها تنويهاً بالمرأة التي وجَّهت شَكواها إلى الله تعالى بأنها لم تقصّر في طلب العدل في حقها وحق بَنِيها. ولم ترضَ بعُنجهية زوجها وابتداره إلى ما ينثر عقد عائلته دون تبصّر ولا روية، وتعليماً لنساء الأمة الإِسلامية ورجالها واجب الذود عن مصالحها. تلك هي قضية المرأة خولة أو خُويلة مصغراً أو جميلة بنت مالك بن ثعلبة أو بنت دُلَيْج (مصغراً) العَوْفية. وربما قالوا: الخزرجية، وهي من بني عوف بن مالك بن الخزرج، من بطون الأنصار مع زوجها أوس بن الصامت الخزرجي أخي عُبادة بن الصامت. قيل: إن سبب حدوث هذه القضية أن زوجها رآها وهي تصلي وكانت حسنة الجسم، فلما سلمت أرادها فأبت فغضب وكان قد ساء خلقه فقال لها: أنتِ عليّ كظهر أمي. قال ابن عباس: وكان هذا في الجاهلية تحريماً للمرأة مؤبَّداً (أي وعمل به المسلمون في المدينة بعلم من النبي صلى الله عليه وسلم وإقراره الناس عليه فاستقرّ مشروعاً) فجاءت خولة رسول الله صلى الله عليه وسلم وذكرت له ذلك، فقال لها: حَرُمتِ عليه، فقالت للرسول صلى الله عليه وسلم إن لي صبية صغاراً إن ضممتهم إليه ضاعوا وإن ضممتهم إليّ جاعوا، فقال: «ما عندي في أمرككِ شيء»، فقالت: يا رسول الله ما ذكَر طلاقاً. وإنما هو أبو وَلَدِي وأحب الناس إليّ فقال: «حَرُمتِ عليه». فقالت: أشكو إلى الله فاقتي ووجدي. كلما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حَرُمتِ عليه» هتفت وشكت إلى الله، فأنزل الله هذه الآيات. وهذا الحديث رواه داود في كتاب الظهار مجملاً بسند صحيح. وأما تفصيل قصته فمن روايات أهل التفسير وأسباب النزول يزيد بعضها على بعض، وقد استقصاها الطبري بأسانيده عن ابن عباس وقتادة وأبي العالية ومحمد بن كعب القرظي وكلها متفقة على أن المرأة المجادِلة خولة أو خويلة أو جميلة، وعلى أن زوجها أَوس بن الصامت. وروى الترمذي وأبو داود حديثاً في الظهار في قصة أخرى منسوبة إلى سَلمة بن صخر البَيَاضي تشبه قصة خولة أنه ظاهرَ من امرأته ظهاراً موقناً برمضان ثم غلبته نفسهُ فَوطئها واستفتى في ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى آخر القصة، إلاّ أنهما لم يذكرا أن الآية نزلت في ذلك. وإنما نسب ابنُ عطية إلى النقاش أن الآية نزلت بسبب قصة سلمة ولا يعرف هذا لغيره. وَأحسب أن ذلك اختلاط بين القصتين وكيف يصح ذلك وصريح الآية أن السائلة امرأة والذي في حديث سلمة بن صخر أنه هو السائل. و{قد} أصله حرف تحقيق للخبر، فهو من حروف توكيد الخبر ولكن الخطاب هنا للنبيء صلى الله عليه وسلم وهو لا يخامره تردد في أن الله يعلم ما قالته المرأة التي جادلت في زوجها. فتعيّن أن حرف {قد} هنا مستعمل في التوقع، أي الإِشعار بحصول ما يتوقعه السامع. قال في «الكشاف»: لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم والمجادِلة كانا يتوقعان أن يسمع الله لمجادلتها وشكواها وينزل في ذلك ما يفرج عنها ا هـ. ومعنى التوقع الذي يؤذن به حرف {قد} في مثل هذا يؤول إلى تنزيل الذي يَتوقع حصول أمر لشدة استشرافه له منزلةَ المتردد الطالب فتحقيق الخبر من تخريج الكلام على خلاف مقتضى الظاهر لنكتة كما قالوا في تأكيد الخبر بـ (إنَّ) في قوله تعالى: {أية : ولا تخاطبني في الذين ظلموا إنهم مغرقون}تفسير : [المؤمنون: 27] إنه جُعل غير السائل كالسائل حيث قُدم إليه ما يلوِّح إليه بالخبر فيستشرف له استشراف الطالب المتردد. ولهذا جزم الرضيّ في «شرح الكافية» بأن {قَد} لا بدّ فيها من معنى التحقيق. ثم يضاف إليه في بعض المواضع معان أخرى. والسماع في قوله: {سمِع} معناه الاستجابة للمطلوب وقبُوله بقرينة دخول {قد} التوقعية عليه فإن المتوقَّع هو استجابة شكواها. وقد استُحضرت المرأة بعنوان الصلة تنويهاً بمجادلتها وشكواها لأنها دلت على توكلها الصادق على رحمة ربها بها وبأبنائها وبزوجها. والمجادلة: الاحتجاج والاستدلال، وتقدمت في قوله: {أية : يجادلونك في الحق بعد ما تبين}تفسير : في سورة [الأنفال: 6]. والاشتكاء: مبالغة في الشكوى وهي ذكر ما آذاه، يقال: شكا وتشكى واشتكى وأكثرها مبالغة. اشتكى، والأكثر أن تكون الشكاية لقصد طلب إزالة الضرّ الذي يشتكي منه بحكم أو نصر أو إشارة بحيلةِ خلاص. وتعلق فعل التجادل بالكون في زوجها على نية مضاف معلوم من المقام في مثل هذا بكثرة: أي في شأن زوجها وقضيته كقوله تعالى:{ أية : يجادلنا في قوم لوط}تفسير : [هود: 74]، وقوله: {أية : ولا تخاطبني في الذين ظلموا}تفسير : [المؤمنون: 27] وهو من المسألة الملقبة في «أصول الفقه» بإضافة التحليل والتحريم إلى الأعْيان في نحو {أية : حُرِّمتْ عليكم الميتة}تفسير : [المائدة: 3]. والتحاور تفاعل من حار إذا أجاب. فالتحاور حصول الجواب من جانبين، فاقتضت مراجعةً بين شخصين. والسماع في قوله: {والله يسمع تحاوركما} مستعمل في معناه الحقيقي المناسب لصفات الله إذ لا صارف يصرف عن الحقيقة. وكون الله تعالى عالماً بما جرى من المحاورة معلوم لا يراد من الإِخبار به إفادة الحكم، فتعيّن صرف الخبر إلى إرادة الاعتناء بذلك التحاور والتنويه به وبعظيم منزلته لاشتماله على ترقّب النبي صلى الله عليه وسلم ما ينزله عليه من وحي، وترقب المرأة الرحمةَ، وإلا فإن المسلمين يعلمون أن الله عالم بتحاورهما. وجملة {والله يسمع تحاوركما} في موضع الحال من ضمير {تُجادلك}. وجيء بصيغة المضارع لاستحضار حالة مقارنة علم الله لتحاورهما زيادة في التنويه بشأن ذلك التحاور. وجملة {الله سميع بصير} تذييل لجملة {والله يسمع تحاوركما} أي: أن الله عالم بكل صوت وبكل مرئيّ. ومن ذلك محاورة المجادلة ووقوعها عند النبي صلى الله عليه وسلم وتكرير اسم الجلالة في موضع إضماره ثلاث مرات لتربية المهابة وإثارة تعظيم منته تعالى ودواعي شكره.

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 1- قد سمع الله قول المرأة التى تراجعك فى شأن زوجها الذى ظاهَر منها، وتضرع إلى الله، والله يسمع ما تتراجعان به من الكلام. إن الله محيط سمعه بكل ما يسمع، محيط بصره بكل ما يبصر. 2- والذين يظاهرون منكم - أيها المؤمنون - من نسائهم بتشبيههن فى التحريم بأمهاتهم مخطئون، ما الزوجات أمهاتهم. ما أمهاتهم - حقاَّ - إلا اللآئى ولدنهم، وإن المظاهرين ليقولون منكراً من القول تنفر منه الأذواق السليمة، وكذباً منحرفاً عن الحق، وإن الله لعظيم العفو والمغفرة عما سلف منكم. &

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها: أي تراجعك أيها النبي في شأن زوجها أوس بن الصامت. وتشتكي إلى الله: أي وحدتها وفاقتها وصبية صغاراً إن ضمتهم إليه ضاعوا وإن ضمهم إليها جاعوا. والله يسم تحاوركما: أي تراجعكما أنت أيها الرسول والمحاورة لك وهي خولة بنت ثعلبة. إن الله سميع بصير: أي لأقوالكما بصير بأحوالكما. الذين يظاهرون منكم من نسائهم: أي يحرمون نساءهم بقول أنت عليَّ كظهر أمي. ما هن أمهاتهم: أي ليس هن بأمهاتهم. إن أمهاتهم إلا اللائي ولدنهم: ما أمهاتهم إلا اللائي ولدنهم، أو أرضعنهم. وإنهم ليقولون منكراً من القول وزوراً: أي وإنهم بالظهار ليقولون منكراً من القول وزوراً أي كذباً. وإن الله لغفو غفور: أي على عباده أي ذو صفح عليهم غفورٌ لذنوبهم إن تابوا منها. والذين يظاهرون من نسائهم: أي بأن يقول لها أنت عليّ كظهر أمي أو أختي ونحوها من المحارم. ثم يعودون لما قالوا: أي يعزمون على العودة للتي ظاهروا منها، إذ كان الظهار في الجاهلية طلاقاً. فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا: أي فالواجب عليه تحرير رقبة مؤمنة قبل أن يجامعها. ذلكم توعظون به: أي تؤمرون به فافعلوه على سبيل الوجوب. فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين: أي فمن لم يجد الرقبة لانعدامها أو غلاء ثمنها فالواجب صيام شهرين متتابعين. من قبل أن يتماسا: أي من قبل الوطء لها. فمن لم يستطع: أي الصيام لمرض أو كبر سن. فإطعام ستين مسكيناً: أي فعليه قبل الوطء، أن يطعم ستين مسكيناً يعطى لكل مسكين مداً من بر أو مدين من غير البر كالتمر والشعير ونحوهما من غالب قوت أهل البلد. ذلك: أي ما تقدم من بيان حكم الظهار الذي شرع لكم. لتؤمنوا بالله ورسوله: أي لأن الطاعة إيمان والمعصية من الكفران. وتلك حدود الله: أي أحكام شرعه. وللكافرين عذاب أليم: أي وللكافرين بها الجاحدين لها عذاب أليم أي ذو ألمٍ. معنى الآيات: قوله تعالى {قَدْ سَمِعَ ٱللَّهُ} هذه الآية الكريمة نزلت في خولة بنت ثعلبة الأنصارية وفي زوجها أوس بن الصامت أخى عبادة بن الصامت رضي الله عنهم أجمعين كان قد ظاهر منها زوجها أوس، فقال لها في غضب غير مغلق أنت عليّ كظهر أمي، وكان الظهار يومئذٍ طلاقاً، وكانت المرأة ذات أطفال صغر وتقدم بها وبزوجها السن فجاءت لرسول الله صلى الله عليه وسلم تشكوا إليه ما قال زوجها فذكرت للرسول صلى الله عليه وسلم ضعفها وضعف زوجها وضعف أطفالها الصغار، وما زالت تراجع الرسول صلى الله عليه وسلم وتحاوره في شأنها وشأن زوجها حتى نزلت هذه الآيات الأربع من فاتحة سورة المجادلة التي سميت بها السورة فقيل سورة المجادِلة بكسر الدال، ويصح فتحها فقال تعالى مُخاطباً رسوله {قَدْ سَمِعَ ٱللَّهُ قَوْلَ ٱلَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا} أي قد سمع الله قول المرأة التي تجادلك أي تراجعك في شأن زوجها الذي ظاهر منها، وتشتكي إلى الله بعد أن قلت لها: والله ما أمرت في شأنك بشيء، تشكو إلى الله ضعف حالها. {وَٱللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمآ} أي مراجعتكما لبعضكما بعضاً الحديث وأجابكما {إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ} أي سميع لأقوال عباده عليم بأحوالهم وهذا حكم الظهار فافهموه واعملوا به. أولاً: أن الظهار الذي هو قول الرجل لامرأته أنت عليّ كظهر أمي لا يجعل المظاهر منها أمّاً له إذ أمه هي التي ولدته وخرج من بطنها، والزوجة لا تكون أمّاً بحال من الأحوال. ثانياً: هذا القول كذب وزور ومنكر من القول وقائله آثم فليتب إلى الله ويستغفره. ثالثاً: لولا عفو الله وصفحه على عباده والمؤمنين ومغفرته للتائبين لعاقبهم على هذا القول الكذب الباطل. رابعاً: على الذين يظاهرون من نسائهم ثم يعودون لما قالوا أي يعزمون على وطئها بعد الظهار منها فالواجب عليهم قبل الوطء لها تحرير رقبة ذكراً كانت أو أنثى صغيرة أو كبيرة لكن مؤمنة لا كافرة، فمن لم يجد الرقبة لانعدامها، أو غلاء ثمنها فيجزئه صيام شهرين متتابعين فإن لم يستطع لعلة قامت به فالواجب إطعام ستين مسكيناً يعطى كل مسكين مدّاً من برّ أو نصف صاع من غير البر كالشعير والتمر ونحوهما كل ذلك من قبل أن يتماسَّا من باب حمل المطلق على المقيد إذ قيد الأول بقبل المسيس فيحمل هذا الأخير عليه. وقوله {ذَلِكَ لِتُؤْمِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ} أي ذلك الذي تقدم من بيان حكم الظهار شرعه لكم لتؤمنوا بالله ورسوله إذ الإِيمان اعتقاد وقول وعمل، فطاعة الله ورسوله إيمان ومعصيتهما من الكفران. وقوله تعالى {وَتِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ} أي لا تعتدوها بل قفوا عندها وللكافرين بها المتعدين لها عذاب أليم أي ذو ألم موجع جزاء تعديهم حدود الله. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- إجابة الله لأوليائه بتفريج كروبهم وقضاء حوائجهم فله الحمد وله الشكر. 2- حرمة الظهار باعتباره منكراً وكذباً وزوراً فيجب التوبة منه. 3- بيان حكم المظاهر وهو أن عليه عتق رقبة قبل أن يجامع امرأته المظاهر منها. فإن لم يجد الرقبة المؤمنة صام شهرين متتابعين من الهلال إلى الهلال وإذا انقطع التتابع لمرض بنى على ما صامه. فإِن لم يستطع لمرض ونحوه أطعم ستين مسكيناً فأعطى لكل مسكين على حدة مدّاً من بر أو مدين من غير البر كالشعير والتمر. 4- لو جامع المظاهر قبل إخراج الكفارة أثم فليستغفر ربّه وليخرج كفارته. ولا شيء عليه لحديث الترمذي الصحيح. 5- طاعة الله ورسوله إيمان، ومعصية الله ورسوله من الكفران.

القطان

تفسير : تُجادلك: تراجعك في أمرها، وهي خولة بنت ثعلبة بن مالك الخزرجية الانصارية، وزوجها: أوس بن الصامت، أخو عبادة بن الصامت الصحابيّ الجليل المدفون بالقدس. واللهُ يسمع تحاوركما: يسمع ما يدور بينكما من الكلام. والظهار هنا: ان يقول الرجل لزوجته: أنت عليَّ كظهرِ أمي، يريد انها حرمت عليه كما تحرم امه عليه. منكرا: ينكره الدين ويأباه. وزورا: كذبا لا حقيقة له. يعودون لِما قالوا: ينقضون ما قالوه ويريدون الرجوع الى زوجاتهم. تحرير رقبة: عتق عبد. حدود الله: شريعته واحكامه. قد سمع اللهُ قولَ التي تراجعك في موضوع طلاقها من زوجها، وتشتكي الى الله ما أصابها، والله يسمع ما يدور بينكما من المحاورة والكلام {إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ}. وقد أبطل الإسلامُ هذه العادةَ، فالذي يقول لزوجته انت عليَّ كظهرِ أمي كلامُهُ باطل، ولا تحرم زوجته عليه ولا تكون كأمه. فان أمه هي التي ولدَتْهُ، وان الذين يستعملون هذه الالفاظ من الظهار {لَيَقُولُونَ مُنكَراً مِّنَ ٱلْقَوْلِ وَزُوراً} يأباه اللهُ ورسوله. فالله تعالى أبطلَ هذا الطلاق {وَإِنَّ ٱللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ} لما سلَفَ من الذنوب، وهذا من فضل الله ولطفه بعباده. ثم فصّل الله تعالى حكم الظِهار فقال: {وَٱلَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِن نِّسَآئِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُواْ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَآسَّا}. 1- كل من استعمل هذا اللفظ ثم أراد الرجوع الى زوجته فعليه ان يعتق عبداً من قبلِ ان يمسَّ زوجته. {ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ}. هذا الذي أوجبه اللهُ عليكم من عِتقِ الرقبة عظةٌ لكم وجزاء توعَظون به حتى لا تعودوا لمثله، {وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ}. 2- {فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِن قَبْلِ أَن يَتَمَآسَّا}. فالذي لا يستطيع ان يعتق عبداً عليه ان يصوم شهرين متتابعين من قبلِ ان يمسّ زوجته. 3- {فَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِيناً}. فمن لم يستطع ان يصوم شهرين متتابعين لعذرٍ شرعي، فعليه ان يطعمَ ستين مسكيناً من الطعام المتعارف عليه. ذلك الذي بينّاه وشرعناه لتؤمنوا بالله ورسوله، وتعملوا بما شرعنا لكم. وهذا تسهيل من الله على عباده ولطفِهِ بهم، وتلك حدود الله فلا تتجاوزوها {وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ}، وفي هذا تهديد كبير. قراءات: قرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي بإدغام الدال في السين في قوله: قد سمع. والباقون: بالاظهار: قد سمع، بإسكان الدال وفتح السين. وقرأ عاصم: يظاهرون من ظاهَرَ، يظاهِر، بكسر الهاء بغير تشديد. وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو يظَّهَّرون، بفتح الظاء والهاء المشددتين من ظهَّر يظهر. وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي: يَظّاهرون بفتح الظاء المشددة بعدها الف، من اظّاهرَ يظاهر.

د. أسعد حومد

تفسير : {تُجَادِلُكَ} (1) - هَذِهِ الآيَةُ نَزَلَتْ فِي خَوْلَةَ بِنْتِ ثَعْلَبَةَ وَزَوْجِها أَوْسِ بْنِ الصَّامِتِ، رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، وَكَانَ أَوْسٌ قَدْ كَبرَ، وَسَاءَ خُلُقُهُ، فَدَخَلَ عَلَى زَوْجِهِ يَوْماً فَرَاجَعَتْهُ فِي شَيءٍ فَغَضِبَ، وَقَالَ لَهَا: أَنْتِ عَلِيَّ كَظَهْرِ أُمِّي. وَكَانَ الرَّجُلُ فِي الجَاهِلِيَّةِ إِذَا قَالَ هَذَا القَوْلَ حَرُمَتْ عَلَيْهِ زَوْجُهُ أَبَداً. ثُمَّ أَرَادَ أَوْسٌ مُرَاجَعَةَ زَوْجَتِهِ فَأَبَتْ، وَقَالَتْ: وَاللهِ لاَ تَمسُّنِي حَتَّى يَحْكُمَ اللهُ وَرَسُولُُهُ، وَذَهَبَتْ إِلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم تَقُصُّ عَلَيهِ قِصَّتَهَا، وَتَشْتَكِي إِليهِ أَنَّها إِذَا فَارَقَتْهُ، وَضَمَّتْ أَوْلاَدَهَا إِليهَا جَاعُوا، لأَِنَّهَا لاَ مَالَ لَهَا، وَإِنْ تَرَكَتْهُمْ لأَِبِيهِمْ ضَاعُوا. ثُمَّ رَفَعَتْ رَأْسَهَا إِلَى السَّمَاءِ وَأَخَذَتْ تَبُثُّ شَكْوَاهَا إِلَى اللهِ، فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى هَذِهِ الآيَاتِ. (وَتُعْرَفُ بِآيَاتِ الظِّهَارِ). يَقُولُ تَعَالَى: إِنَّهُ سَمِعَ شَكْوَى المَرْأَةِ التِي جَاءَتْ تُرَاجِعُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فِي شَأْنِ زَوْجِهَا، وَتَبُتُّ شَكْوَاهَا إِلَى رَبِّهَا، وَهُوَ تَعَالَى يَسْمَعُ كُلَّ مَا تَتَرَاجَعَانِ بِهِ مِنَ الكَلاَمِ، وَهُوَ مُحِيطٌ سَمْعُهُ بِكُلِّ مَا يُسْمَعُ، وَمُحِيطٌ بَصَرُهُ بِكُلِّ مَا يُبْصَرُ. تُجَادِلُكَ - تُحَاوِرُكَ وَتُرَاجِعُكَ الكَلاَمَ. تَحَاوُرَكُمَا - مُرَاجَعَتَكُمَا القَوْلَ.

الثعلبي

تفسير : {قَدْ سَمِعَ ٱللَّهُ قَوْلَ ٱلَّتِي تُجَادِلُكَ}: تخاصمك وتحاورك وتراجعك {فِي زَوْجِهَا} وهي امرأة من الأنصار ثمّ من الخزرج، واختلفوا في اسمها ونسبها، فقال ابن عباس: هي خولة بنت خولد. وقال أبو العالية: خويلة بنت الدليم. وقال قتادة: خويلة بنت ثعلبة. وقال المقاتلان: خولة بنت ثعلبة ابن مالك بن خزامة الخزرجية من بني عمرو بن عوف. عطية عن ابن عباس: خولة بنت الصامت. وروى هشام بن عروة، عن أبيه، حديث : عن عائشة رضي الله عنها أنّ اسمها جميلة، وزوجها أوس بن الصامت أخو عبادة بن الصامت وذلك أنّها كانت حسنة الجسم فرآها زوجها ساجدة في صلاتها فنظر إلى عجزها، فلمّا انصرفت أرادها فأبت عليه فغضب عليها، وكان امرءاً فيه سرعة ولمم. فقال لها: أنتِ عليَّ كظهر أُمّي. ثم ندم على ما قال، وكان الظهار والإيلاء من طلاق أهل الجاهلية. فقال لها: ما أظنك إلاّ قد حرمتِ عليَّ. قالت: لا تقل ذلك، ائتِ رسول الله صلى الله عليه وسلم فسله. فقال: إني أجدني استحي منه أن أسأله عن هذا. قالت: فدعني أسأله. قال: سليه. فأتت النبي صلى الله عليه وسلم وعائشة تغسل شقّ رأسه، فقالت: يا رسول الله، إنّ زوجي أوس بن الصامت تزوّجني، وكنت شابّة جميلة ذات مال وأهل، حتى إذا أكل مالي وأفنى شبابي وتفرّق وكبرت سنّي ظاهر منّي وقد ندم، فهل من شيء يجمعني وإيّاه ينعشني؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حرمت عليه". فقالت: يا رسول الله، والذي أنزل عليك الكتاب ما ذكر طلاقاً، وإنّه أبو ولدي وأحبّ الناس إليّ. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حرمت عليه". فقالت: أشكو إلى الله فاقتي ووحدتي، قد طالت صحبتي ونقصت له بطني. فقال رسول الله (عليه السلام): "ما أراك إلاّ وقد حرمتِ عليه ولم أومر في شأنك بشيء". فجعلت تراجع رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا قال لها رسول الله (عليه السلام): "حرمت عليه" هتفت وقالت: أشكو إلى الله فاقتي وشدّة حالي، اللهمّ، فأنزلْ على لسان نبيّك. وكان هذا أول ظهار في الإسلام. فقامت عائشة تغسل شقّ رأسه الآخر فقالت: انظر في أمري، جعلني الله فداك يا نبيّ الله. فقالت عائشة: اقصري حديثك ومحادثتك، أما ترين وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أُنزل عليه أخذه مثل السبات؟ فلمّا قضى الوحي قال: "ادعي زوجك". فجاء، فقرأ ما نزل عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم {قَدْ سَمِعَ ٱللَّهُ قَوْلَ ٱلَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِيۤ إِلَى ٱللَّهِ وَٱللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمآ إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ} ثم بيّن حكم الظهار، وجعل فيه الكفّارة، فقال سبحانه: {ٱلَّذِينَ يُظَاهِرُونَ} إلى آخرها، قالت عائشة: تبارك الذي وسع سمعه الأصوات كلّها، إنّ المرأة لتحاور رسول الله وأنا في ناحية البيت أسمع بعض كلامها ويخفى عليَّ بعضه، إذ أنزل سبحانه: {قَدْ سَمِعَ ٱللَّهُ} الآيات. فلمّا نزلت هذه الآيات وتلاها عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له: "هل تستطيع أن تعتق رقبة؟". قال: إذن يذهب مالي كلّه. الرقبة غالية وأنا قليل المال. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟". قال: والله يا رسول الله، إني إذا لم آكل في اليوم ثلاث مرات كلّ بصري وخشيت أن تعشو عيني. قال: "فهل تستطيع أن تطعم ستّين مسكيناً؟". قال: لا والله، إلاّ أن تعينني على ذلك يا رسول الله. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إنّي معينك بخمسة عشر صاعاً، وأنا داع لك بالبركة". فأعانه رسول الله صلى الله عليه وسلم بخمسة عشر صاعاً واجتمع لهما أمرهماتفسير : . فذلك قوله: {وَٱلَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِن نِّسَآئِهِمْ}، قد ذكرنا اختلاف القرّاء في هذا الحرف في سورة الأحزاب. {مَّا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ} قرأ العامّة بخفض التاء ومحلّه نصب، كقوله سبحانه: {أية : هَـٰذَا بَشَراً} تفسير : [يوسف: 31] . وقيل: (بأمهاتهم). وقرأ المفضّل بضمِّ التاء. {إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلاَّ ٱللاَّئِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنكَراً مِّنَ ٱلْقَوْلِ وَزُوراً} أي كذباً، والمنكر: الذي لا تعرف صحّته. {وَإِنَّ ٱللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ} {وَٱلَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِن نِّسَآئِهِمْ}، اعلم أنّ الألفاظ التي يصير المرء بها مظاهراً على ضربين: صريح، وكناية. فالصريح هو أن يقول: أنتِ عليَّ كظهر أُمّي، وكذلك إذا قال: أنتِ عليَّ كبطن أمّي أو كرأس أمّي أو كفرج أمّي، وهكذا إذا قال: فرجك أو رأسك أو ظهرك أو صدرك أو بطنك أو يدك أو رجلك عليَّ كظهر أُمّي، فإنّه يصير مظاهراً، وكلّ ذلك محلّ قوله: يدك أو رجلك أو رأسك أو بطنك طالق فإنّها تطلق، والخلاف في هذه المسألة بين الفريقين كالخلاف في الطلاق. ومتى ما شبّهها بأمّه أو بإحدى جدّاته من قبل أبيه وأُمّه كان ذلك ظهاراً بلا خلاف. وإن شبّهها بغير الأمّ والجدّة من ذوات المحارم التي لا تحلّ له بحال كالإبنة والأخت والعمّة والخالة ونحوها، كان مظاهراً على الصحيح من المذاهب. فصريح الظهار هو أن يشبّه زوجته أو عضواً من أعضائها بعضو من أعضاء أُمّه، أو أعضاء واحدة من ذوات محارمه. والكناية أن يقول: أنتِ عليَّ كأُمّي، أو مثل أمّي أو نحوها، فإنّه يعتبر فيه نيّته. فإن أراد ظهاراً كان مظاهراً وإن لم ينو الظهار لا يصِرْ مظاهراً. وكلّ زوج صحّ طلاقه صحّ ظهاره، سواءً كان عبداً أو حراً أو ذمّياً أو دخل بالمرأة أو لم يدخل بها، أو كان قادراً على جماعها أو عاجزاً عنه. وكذلك يصحّ الظهار من كلّ زوجة، صغيرة كانت أو كبيرة، أو عاقلة أومجنونة، أو رتقاء أو سليمة، أو صائمة أو محرمة، أو ذمّية، أو مسلمة، أو في عدّة يملك رجعتها. وقال أبو حنيفة: لا يصحّ ظهار الذمّيّ. وقال مالك: لا يصحّ ظهار العبد، قال بعض العلماء: لا يصحّ ظهار غير المدخول بها. وقال المزني: إذا طلّق الرجل امرأته طلقة رجعيّة ثم ظاهر فإنّه لا يصحّ. {ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُواْ} اعلم أنّ الكفارة تلزم بالظهار وبالعود جميعاً، ولا تلزم بأحدهما دون الآخر. كما أنّ الكفارة في باب اليمين تجب باليمين والحنث جميعاً معاً، فإذا عاد في ظهاره لزمته الكفّارة. واختلف العلماء والفقهاء في معنى العود؛ فقال الشافعي: العود الموجب للكفّارة أن يمسك عن طلاقها بعد الظهار وتمضي مدّة يمكنهُ أن يطلّقها فلم يطلّقها. وقال قتادة: {ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُواْ} يريد أن يغشاها ويطأها بعدما حرّمها. وإليه ذهب أبو حنيفة، قال: إن عزم على وطئها ونوى أن يغشاها كان عوداً. وقال مالك: إن وطئها كان عوداً، وإن لم يطأها لم يكن عوداً. وقال أصحاب الظاهر: إن كرّر اللفظ كان عوداً وإن لم يكرّر لم يكن عوداً. وهو قول أبي العالية، وظاهر الآية يشهد له، وهو قوله: {ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُواْ} أي إلى ما قالوا، {فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَآسَّا} ؛ لأنّ الله سبحانه قيّد الرقبة بالإيمان في كفّارة القتل وأطلق في هذا الموضع، ومن حكم المطلق أن يحمل على القيد. وقوله: {مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَآسَّا} أي يتجامعا، فالجماع نفسه محرّم على المظاهر حتى يكفّر، فإن وطئ قبل التكفير فقد فعل محرّماً، ولا تسقط عنه الكفّارة بل يأتي بها على وجه القضاء، كما لو أخّر الصلاة عن وقتها، فإنّه لا يسقط عنه إتيانها بل يلزمه قضاؤها. وسواء كفّر بالإعتاق أو الصيام أو الإطعام فإنّه يجب عليه تقديم الكفّارة، ولا يجوز له أن يطأها قبل الكفّارة. وقال أبو حنيفة: إن كفّر بالإطعام جاز له أن يطأ ثم يطعم ولم يخالف في العتق والصيام. فهذا حكم وطء المظاهر قبل التكفير. وأمّا غير الوطء من التقبيل والتلذّذ فإنّه لا يحرم في قول أكثر العلماء. وهو قول الحسن وسفيان، والصحيح من مذهب الشافعي. وقال بعضهم: عنى به جميع معاني المسيس؛ لأنّه عامّ وهو أحد قولي الشافعي رضي الله عنه. {ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ}: تؤمرون به، {وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ * فَمَن لَّمْ يَجِدْ} الرقبة ولا ثمنها، أو يكون مالكاً للرقبة إلاّ إنّه محتاج إليها لخدمته، أو يكون مالكاً للثمن ولكن يحتاج إليه لنفقته أو كان له مسكن يسكنه، فله الانتقال إلى الصوم. وقال أبو حنيفة: ليس له أن يصوم وعليه أن يعتق الرقبة وإن كان محتاجاً إليها وإلى ثمنها، فإن عجر عن الرقبة {فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِن قَبْلِ أَن يَتَمَآسَّا} فإنْ أفطر في أثنائها بغير عذر قطع التتابع وعليه أن يستأنف شهرين متتابعين. وإن أفطر بعذر المرض أو السفر، فاختلف الفقهاء فيه، فقال قوم: لا ينقطع التتابع وله أن يبني ويقضي الباقي، وإليه ذهب سعيد بن المسيّب والحسن وعطاء بن أبي رباح وعمرو بن دينار والشعبي، وهو أحد قولي الشافعي. وقال آخرون: ليس له أن يبني بل يلزمه أن يستأنف ويبتدئ، وهو قول النخعي وأصحابه، والأصحّ من قولي الشافعي. وإن تخلّل صوم الشهرين زمان لا يصّح فيه الصوم عن الكفّارة كالعيدين وأيام التشريق وأيام شهر رمضان، فإنّ التتابع ينقطع بذلك ويجب الاستئناف. ولو وطئ المظاهر في الشهرين، نظرَ؛ فإن وطِئها نهاراً بطل التتابع وعليه الابتداء، وإن وطِئها ليلا لم يبطل التتابع. وقال أبو حنيفة: سواء وطئ ليلا أو نهاراً فإنّه يبطل التتابع وعليه أن يستأنف صوم شهرين متتابعين. {فَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ} الصيام، وعدمُ الاستطاعة مثلُ أن يخاف من الصوم لعلة أو لحوق ومشقّة شديدة ومضرّة ظاهرة، {فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِيناً} لكلّ مسكين مدّ من غالب قوت بلده، والخلاف فيه بين الفريقين كالاختلاف في زكاة الفطرة. {ذَلِكَ لِتُؤْمِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ}. {إِنَّ ٱلَّذِينَ يُحَآدُّونَ}: يخالفون ويعادون {ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ كُبِتُواْ}: أُهلكوا وأُخّروا وأُحربوا { كَمَا كُبِتَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَقَدْ أَنزَلْنَآ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُّهِينٌ * يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ ٱللَّهُ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوۤاْ أَحْصَاهُ ٱللَّهُ وَنَسُوهُ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ * أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ مَا يَكُونُ} قراءة العامّة بالياء لأجل الحائل، وقرأ أبو جعفر القارئ (تكون) بالتاء لتأنيث النجوى، والأول أفصح وأصحّ {مِن نَّجْوَىٰ} متناجين {ثَلاَثَةٍ}، قال الفراء: إن شئت خفضت الثلاثة على نعت النجوى وإن شئت أضفت النجوى إليها، ولو نصبت على أنّها [حال] لكان صواباً. {إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ} بالعلم يسمع نجواهم ويعلم فحواهم، {وَلاَ خَمْسَةٍ إِلاَّ هُوَ سَادِسُهُمْ وَلاَ أَدْنَىٰ مِن ذَلِكَ وَلاَ أَكْثَرَ}، قراءة العامّة بالنصب في محلّ الخفض عطفاً. وقرأ يعقوب وأبو حاتم (أَكْثَرَ) بالرفع على محلّ الكلام قبل دخول {مِنْ}، وقرأ الزهري (أَكْثَرَ) بالباء، {إِلاَّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُواْ ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُواْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ إِنَّ ٱللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ}.

الصابوني

تفسير : اللغَة: {تَحَاوُرَكُمآ} المحاورة: المراجعة في الكلام من حار الشيء يحور إِذا رجع يرجع ومنه الدعاء المأثور "نعوذ بالله من الحَوْر بعد الكَوْر" قال عنترة في فرسه: شعر : لو كان يدري ما المحاورة اشتكى ولكان لو علم الكلام مكلمي تفسير : {يُظَاهِرُونَ} الظهار مشتق من الظهر يقال: ظاهر من امرأته إِذا حرمها على نفسه بقوله: أنتِ عليَّ كظهر أُمي {مُنكَراً} المنكر: كل ما قبَّحه الشرع وحرَّمه ونفَّر منه، وهو خلاف المعروف {يُحَآدُّونَ} المحادَّة: المعاداة والمخالفة في الحدود والأحكام وهي مثل المشاقة قال الزجاج: المحادَّة أن تكون في حدٍّ يخالف حد صاحبك، وأصلها الممانعة {كُبِتُواْ} الكبتُ: القهر والإِذلال والخزي يقال: كبته أي قهره وأخزاه {نَّجْوَىٰ} النجوى: الكلام بين اثنين فأكثر سراً، تناجى القوم تحدثوا فيما بينهم سراً {حَسْبُهُمْ} كافيهم. سَبَبُ النّزول: أ- روي حديث : أن "خولة بنت ثعلبة" امرأة "أوس بن الصامت" أراد زوجها مواقعتها يوماً فأبت، فغضب وظاهر منها، فأتت رسول اله صلى الله عليه وسلم وقالت يا رسول الله: إن أوساً ظاهر مني بعد أن كبرت سني، ورقَّ عظمي، وإِنَّ لي منه صبيةً صغاراً، إِن ضممتُهم إِليه ضاعوا، وإِن ضممتهم إِليَّ جاعوا فما ترى!! فقال لها: ما أراك إِلا قد حرمت عليه، فقالتْ يا رسول الله: واللهِ ما ذكر طلاقاً وهو أبو ولدي وأحبُّ الناس إِليَّ، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يعيد قوله: ما أراك إِلا قد حرمتِ عليه، وهي تكرر قولها، فما زالت تراجعه ويراجعها حتى نزل قول الله تعالى {قَدْ سَمِعَ ٱللَّهُ قَوْلَ ٱلَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِيۤ إِلَى ٱللَّهِ..} تفسير : الآيات. ب - وروى البخاري حديث : عن عائشة أنها قالت: تبارك الذي وسع سمعُه الأصواتَ، لقد جاءت المجادلة - خولة بنت ثعلبة - فكلمت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا في جانب البيت أسمع كلامها ويخفى عليَّ بعضه، وهي تشتكي زوجها وتقول يا رسول الله: أبلى شبابي، ونثرت له بطني، حتى إِذا كبر سني وانقطع ولدي ظاهر مني، اللهم إِني أشكو إِليك، فما برحت حتى نزل جبريل بهذه الآيات . تفسير : التفسِير: {قَدْ سَمِعَ ٱللَّهُ قَوْلَ ٱلَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا} "قد" لا تدخل إِلا على الأفعال، وإِذا دخلت على الماضي أفادت التحقيق، وإِذا دخلت على المضارع أفادت التقليل كقولك: قد يجودُ البخيلُ، وقد ينزل المطر والمعنى: حقاً لقد سمع الله قول المرأة التي تراجعك وتحاورك في شأن زوجها قال الزمخشري: ومعنى سماعه تعالى لقولها إِجابة دعائها، لا مجرد علمه تعالى بذلك، وهو كقول المصلي: سمع اللهُ لمن حمده {وَتَشْتَكِيۤ إِلَى ٱللَّهِ} أي وتتضرع إِلى الله في تفريج كربتها {وَٱللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمآ} أي واللهُ جلَّ وعلا يسمع حديثكما ومراجعتكما الكلام، ماذا قالت لك، وماذا رددت عليها {إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ} أي سميع بمن يناجيه ويتضرع إِليه، بصير بأعمال العباد، وهو كالتعليل لما قبله، وكلاهما من صيغ المبالغة أي مبالغ في العلم بالمسموعات والمبصرات.. ثم ذمَّ تعالى الظهار وبيَّن حكمه وجزاء فاعله فقال {ٱلَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنكُمْ مِّن نِّسَآئِهِمْ مَّا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ} أي الذين يقولون لنسائهم: أنتن كظهور أمهاتنا يقصدون بذلك تحريمهن عليهم كتحريم أمهاتهن، لسن في الحقيقة أمهاتهم وإِنما هنَّ زوجاتهم قال الإِمام الفخر: الظهار هو عبارة عن قول الرجل لامرأته: أنتِ عليَّ كظهر أمي، يقصد عُلُوّي عليك حرامٌ كعلوي على أمي، والعربُ تقول في الطلاق: نزلتُ عن أمرأتي أي طلقتها، فغرضهم من هذه اللفظة تحريم معاشرتها تشبيهاً بالأم وقوله {مِنكُمْ} توبيخٌ للعرب وتهجينٌ لعادتهم في الظهار لأنه كان من أيمان أهل الجاهلية خاصةً دون سائر الأمم {إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلاَّ ٱللاَّئِي وَلَدْنَهُمْ} أي ما أمهاتهم في الحقيقة إِلاَّ الوالدات اللاتي ولدنهم من بطونهن وفي المثل "ولدك من دمَّى عقبيك" وهو تأكيد لقوله {مَّا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ} زيادة في التوضيح والبيان {وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنكَراً مِّنَ ٱلْقَوْلِ وَزُوراً} أي والحال إِن هؤلاء المظاهرين ليقولون كلاماً منكراً تنكره الحقيقة وينكره الشرع، وهو كذبٌ وزورٌ وبهتان {وَإِنَّ ٱللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ} أي مبالغ في العفو والمغفرة لمن تاب وأناب قال في التسهيل: أخبر تعالى أن الظهار منكر وزور، فالمنكر هو الذي لا تعرف له حقيقة، والزور هو الكذب، وإِنما جعله كذباً لأن المظاهر يجعل امرأته كأمه. وهي لا تصير كذلك أبداً والظهار محرم ويدل على تحريمه أربعة أشياء: أحدها قوله {مَّا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ} فإِن ذلك تكذيب للمظاهر والثاني أنه سمَّاه منكراً والثالث أنه سماه زوراً والرابع قوله تعالى {وَإِنَّ ٱللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ} فإِنَّ العفو والمغفرة لا تقع إِلا عن ذنب، والذنب مع ذلك لازمٌ للمظاهر حتى يرفعه بالكفارة.. ثم بيَّن تعالى طريق الكفارة عن هذا القول الشنيع فقال {وَٱلَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِن نِّسَآئِهِمْ} أي يظاهرون من زوجاتهم بتشبيههنَّ بالأمهات {ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُواْ} أي يعودون عمَّا قالوا، ويندمون على ما فرط منهم، ويرغبون في إِعادة أزواجهم إِليهم {فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَآسَّا} أي فعليهم إِعتاقُ رقبةٍ - عبداً كان أو أمةً - من قبل أن يعاشر زوجته التي ظاهر منها أو يجامعها، والتَّماسُّ كنايةٌ عن الجماع ودواعيه من التقبيل واللمس عند الجمهور قال الخازن: المرادُ من التماسِّ المجامعةُ فلا يحل للمظاهر وطءُ امرأته التي ظاهر منها ما لم يُكفِّر وقال القرطبي: لا يجوز للمظاهر الوطءُ قبل التكفير، فإِن جامعها قبل التكفير أثم وعصى ولا يسقط عنه التكفير، وعن مجاهد تلزمه كفارتان {ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ} أي ذلكم هو حكم الله فيمن ظاهر ليتعظ به المؤمنون، حتى تتركوا الظهار ولا تعودوا إليه {وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} أي عالم بظواهر الأمور وبواطنها ومجازيكم بها، فحافظوا على حدود ما شرع لكم من الأحكام {فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِن قَبْلِ أَن يَتَمَآسَّا} أي فمن لم يجد الرقبة التي يعتقها فعليه صيام شهرين متواليين من قبل الجماع قال المفسرون: لو أفطر يوماً منها انقطع التتابع ووجب عليه أن يستأنفها {فَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِيناً} أي فمن لم يستطع الصيام لكبرٍ أو مرض، فعليه أن يُطعم ستين مسكيناً ما يشبعهم {ذَلِكَ لِتُؤْمِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ} أي ذلك الذي بيناه من أحكام الظهار من أجل أن تصدقوا بالله ورسوله في العمل بشرائعه، ولا تستمروا على أحكام الجاهلية {وَتِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ} أي وتلك هي أوامرُ الله وحدوده فلا تعتدوها {وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ} أي وللجاحدين والمكذبين بهذه الحدود عذاب مؤلم موجع قال الألوسي: أطلق الكافر على متعدي الحدود تغليظاً وزجراً.. {إِنَّ ٱلَّذِينَ يُحَآدُّونَ} ولما ذكر المؤمنين الواقفين عند حدوده، ذكر المحادين المخالفين لها فقال {إِنَّ ٱلَّذِينَ يُحَآدُّونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ} أي يخالفون أمر الله ورسوله، ويعادون الله ورسوله قال أبو السعود: أي يعادونهما ويشاقونهما لأن كلاً من المتعاديين في حدٍّ وجهة غير حدِّ الآخر وجهته، وإِنما ذكرت المحادَّة هنا دون المعاداة والمشاقّة لمناسبة ذكر "حدود الله" فكان بينهما من حسن الموقع ما لا غاية وراءه {كُبِتُواْ كَمَا كُبِتَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ} أي خُذلوا وأهينوا كما خُذل من قبلهم من المنافقين والكفار الذين حادُّوا الله ورسله وأُذلوا وأُهينوا {وَقَدْ أَنزَلْنَآ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ} أي والحال أنا قد أنزلنا آياتٍ واضحات، فيها الحلال والحرام، والفرائض والأحكام {وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُّهِينٌ} أي وللكافرين الذين جحدوها ولم يعملوا بها عذاب شديد يهينهم ويذهب عزَّهم قال الصاوي: وقد نزلت هذه الآية في كفار مكة يوم الأحزاب حين أرادوا التحزب على رسول الله صلى الله عليه وسلم والمقصودُ بها تسلية رسول الله صلى الله عليه وسلم وبشارته مع المؤمنين بأن أعداءهم المتحزبين سيذلون ويخذلون ويفرق جمعهم فلا تخشوا بأسهم {يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ ٱللَّهُ جَمِيعاً} أي اذكر ذلك اليوم الرهيب حين يحشر الله المجرمين كلهم في صعيد واحد {فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوۤاْ} أي فيخبرهم بما ارتكبوا في الدنيا من جرائم وآثام {أَحْصَاهُ ٱللَّهُ وَنَسُوهُ} أي ضبطه الله وحفظه عليهم في صحائف أعمالهم، بينما هم نسوا تلك الجرائم لاعتقادهم أن لا حساب ولا جزاء {وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} أي وهو جل وعلا مطَّلع وناظر لا يغيب عنه شيء، ولا يخفى عليه شيء.. ثم بيَّن تعالى سعة علمه، وإِحاطته بجميع الأشياء، وأنه تعالى يرى الخلق ويسمع كلامهم ويرى مكانهم حيث كانوا وأين كانوا فقال {أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَىٰ ثَلاَثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ} أي ألم تعلم أيها السامع العاقل أن الله مطَّلع على كل ذرةٍ في الكون، لا يغيب عنه شيء في الأرض ولا في السماء، ولا يخفى عليه سرٌّ ولا علانية، ما يقع من حديثٍ وسرٍّ بين ثلاثة أشخاص إِلا كان الله رابعهم بعلمه ومشاركاً لهم فيما يتحدثون ويتهامسون به في خفية عن الناس. {وَلاَ خَمْسَةٍ إِلاَّ هُوَ سَادِسُهُمْ} أي ولا يقع مناجاةٌ وحديث بالسر بين خمسة أشخاص إِلا كان الله معهم بعلمه حتى يكون هو سادسهم {وَلاَ أَدْنَىٰ مِن ذَلِكَ وَلاَ أَكْثَرَ إِلاَّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُواْ} أي ولا أقلَّ من ذلك العدد ولا أكثر منه إِلاّ واللهُ معهم يعلم ما يجري بينهم من حديثٍ ونجوى، والغرض: أنه تعالى حاضر مع عباده، مطَّلع على أحوالهم وأعمالهم، وما تهجس به أفئدتهم، لا يخفى عليه شيء من أمور العباد، ولهذا ختم الآية بقوله {ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُواْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ إِنَّ ٱللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} أي ثم يخبرهم تعالى بما عملوا من حسن وسيء ويجازيهم عليه يوم القيامة، لأنه عالم بكل شيء من الأشياء قال المفسرون: ابتدأ الله هذه الآيات بالعلم بقوله {أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ} واختتمها بالعلم بقوله {إِنَّ ٱللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} لينبه إِلى إِحاطة علمه جل وعلا بالجزئيات والكليات، وأنه لا يغيب عنه شيء في الكائنات لأنه قد أحاط بكل شيء علماً، قال ابن كثير: وقد حكى غير واحد الإِجماع على أن المراد بالمعية في هذه الآية {إِلاَّ هُوَ مَعَهُمْ} معية علمه تعالى، ولا شك في إِرادة ذلك، فسمعه مع علمه محيط بهم، وبصره نافذ فيهم، فهو سبحانه مطَّلع على خلقه لا يغيب عنه من أمورهم شيء.. ثم أخبر تعالى عن أحوال اليهود والمنافقين فقال: {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ نُهُواْ عَنِ ٱلنَّجْوَىٰ} قال القرطبي: نزلت في اليهود والمنافقين كانوا يتناجون فيما بينهم وينظرون للمؤمنين ويتغامزون بأعينهم، فشكوا ذلك إِلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فنهاهم عن النجوى فلم ينتهوا فنزلت {ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ} أي ثم يرجعون إِلى المناجاة التي نهُوا عنها قال أبو السعود: والهمزة {أَلَمْ تَرَ} للتعجيب من حالهم، وصيغة المضارع {ثُمَّ يَعُودُونَ} للدلالة على تكرر عودهم وتجدده واستحضار صورته العجيبة {وَيَتَنَاجَوْنَ بِٱلإِثْمِ وَٱلْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ ٱلرَّسُولِ} أي ويتحدثون فيما بينهم بما هو إِثم وعدوان ومخالفة لأمر الرسول صلى الله عليه وسلم لأن حديثهم يدور حول المكر والكيد بالمسلمين، قال أبو حيان: بدأ بالإِثم لعمومه، ثم بالعُدوان لعظمته في النفوس إِذ هي ظُلامات العباد، ثم ترقَّى إِلى ما هو أعظم وهو معصية الرسول عليه الصلاة والسلام، وفي هذا طعنٌ على المنافقين إِذ كان تناجيهم في ذلك {وَإِذَا جَآءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ ٱللَّهُ} أي وإِذا حضروا عندك يا محمد حيَّوك بتحيةٍ ظالمةٍ لم يشرعها الله ولم يأذن فيها، وهي قولهم "السامُ عليكم" أي الموت عليكم قال المفسرون: حديث : كان اليهود يأتون رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقولون: السامُ عليكم بدلاً من السلام عليكم، والسامُ الموتُ وهو ما أرادوه بقولهم ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لهم: وعليكم لا يزيد عليها، فسمعتهم عائشة يوماً فقالت: بل عليكم السامُ واللعنة، فلما انصرفوا قال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: مهلاً يا عائشة، إِن الله يكره الفُحش والتفحش فقالت يا رسول الله: أما سمعتَ ما قالوا؟ فقال لها: أما سمعتِ ما قلت لهم؟ إِني قلت لهم: وعليكم، فيستجيب الله لي فيهم، ولا يستجيب لهم فيَّ تفسير : {وَيَقُولُونَ فِيۤ أَنفُسِهِمْ لَوْلاَ يُعَذِّبُنَا ٱللَّهُ بِمَا نَقُولُ} أي ويقولون فيما بينهم، هلاَّ يعذبنا الله بهذا القول لو كان محمداً نبياً؟ فلو كان نبياً حقاً لعذبنا الله على هذا الكلام قال تعالى رداً عليهم {حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا} أي يكفيهم عذاباً أن يدخلوا نار جهنم ويصلوا حرها {فَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ} أي بئست جهنم مرجعاً ومستقراً لهم قال ابن العربي: كانوا يقولون: لو كان محمد نبياً لما أمهلنا الله بسبّه والاستخفاف به، وجهلوا أن الباري تعالى حليمٌ لا يعاجل العقوبة لمن سبَّه فكيف من سبَّ نبيه!! وقد ثبت في الصحيح "حديث : لا أحد أصبر على الأذى من الله، يدعون له الصاحبة والولد وهو يعافيهم ويرزقهم"تفسير : فـأنزل الله تعالى هذا كشفاً لسرائرهم، وفضحاً لبواطنهم، وتكريماً لرسوله صلى الله عليه وسلم، وأما إمهالهم في الدنيا فمن كراماته صلى الله عليه وسلم على ربه لكونه بعث رحمةً للعالمين.. ثم نهى تعالى المؤمنين عن التناجي بما هو إِثم ومعصية فقال {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلاَ تَتَنَاجَوْاْ بِٱلإِثْمِ وَٱلْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ ٱلرَّسُولِ} أي إِذا تحدثتم فيما بينكم سراً فلا تتحدثوا بما فيه إِثم كالقبيح من القول، أو بما هو عدوان على الغير، أو مخالفة ومعصية لأمر الرسول صلى الله عليه وسلم {وَتَنَاجَوْاْ بِٱلْبِرِّ وَٱلتَّقْوَىٰ} أي وتحدثوا بما فيه خيرٌ وطاعة وإِحسان قال القرطبي: نهى تعالى المؤمنين أن يتناجوا فيما بينهم كفعل المنافقين واليهود، وأمرهم أن يتناجوا بالطاعة والتقوى والعفاف عما نهى الله عنه {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ٱلَّذِيۤ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ} أي وخافوا الله بامتثالكم أوامره واجتنابكم نواهيه، الذي سيجمعكم للحساب، ويجازي كلاً بعمله {إِنَّمَا ٱلنَّجْوَىٰ مِنَ ٱلشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} أي ليست النجوى بالإِثم والعدوان إِلا من تزيين الشيطان، ليُدخل به الحزن على المؤمنين قال ابن كثير: أي إِنما يصدر هذا من المتناجين عن تزيين الشيطان وتسويله {وَلَيْسَ بِضَآرِّهِمْ شَيْئاً إِلاَّ بِإِذْنِ ٱللَّهِ} أي وليس هذا التناجي بضارٍ للمؤمنين شيئاً إِلا بمشيئة الله وإرادته {وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ} أي وعلى الله وحده فليعتمد ولْيثق المؤمنون، ولا يبالوا بنجوى المنافقين فإِن الله يعصمهم من شرهم وكيدهم، وفي الحديث "حديث : إِذا كنتم ثلاثة فلا يتناجى اثنان دون صاحبهما فإِن ذلك يحزنه ".

الصابوني

تفسير : [1] الظهار وكفارته في الإسلام التحليل اللفظي {سَمِعَ ٱللَّهُ}: السمع والبصر صفتان كالعلم والقدرة، والحياة والإرادة، فهما من صفات الذات لم يزل الخالق سبحانه متصفاً بهما. ومعنى السميع: المدرك الأصوات من غير أن يكون له أذن لأنها لا تخفى عليه. قال أبو السعود: ومعنى سمعه تعالى لقولها: إجابة دعائها، لا مجرد علمه تعالى بذلك: كما هو المعنيُّ بقوله تعالى: {وَٱللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمآ} أي يعلم تراجعكما الكلام. {تُجَٰدِلُكَ}: أي تراجعك في شأن زوجها، والمجادلة: المناظرة والمخاصمة وفي الحديث: "حديث : ما أوتي قوم الجدل إلاّ ضلّوا"تفسير : والمراد بالحديث الجدل على الباطل، وطلب المغالبة به، لا إظهار الحق فإنّ ذلك محمود لقوله تعالى: {أية : وَجَادِلْهُم بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} تفسير : [النحل: 125] والمراد هنا: المراجعة في الكلام. {وَتَشْتَكِيۤ}: الشكوى إظهار البث وما انطوت عليه النفس من الهمّ والغم، وفي التنزيل: {أية : قَالَ إِنَّمَآ أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى ٱللَّهِ} تفسير : [يوسف: 86] وشكا واشتكى بمعنى واحد. {تَحَاوُرَكُمآ}: المحاورة المراجعة في الكلام، من حار الشيء يحور حوراً أي رجع يرجع رجوعاً، ومنه حديث: "حديث : نعوذ بالله من الحَوْر بعد الكَوْر"تفسير : ومنه فما أحار بكلمة أي فما أجاب. قال عنترة: شعر : لو كان يدري ما المحاورةُ اشتكى ولكان لو علم الكلام مكلّمي تفسير : يريد به فرسه أي لو كان يعلم الكلام لكلَّمني. {يُظَٰهِرُونَ}: الظهار مشتق من الظهر، وهو قول الرجل لزوجته: أنت عليّ كظهر أمي. ومعناه الأصلي: مقابلة الظهر بالظهر يقال: ظاهر فلان فلاناً أي قابل ظهره بظهره، ثم استعمل في تحريم الزوجة بجعلها كظهر أمه. قال الألوسي: الظهار لغة مصدر ظاهر، وهو (مفاعلة) من الظهر، ويراد به معانٍ مختلفة، راجعة إلى الظهر معنى ولفظاً باختلاف الأغراض. فيقال: ظاهر زيد عمراً أي قابل ظهره بظهره حقيقة. وظاهره إذا غايظه وإن لم يقابل حقيقة، باعتبار أن المغايظة تقتضي ذلك. وظاهره إذا ناصره، باعتبار أنه يقال: قوّى ظهره إذا نصره. وظاهر بين ثوبين إذا لبس أحدهما فوق الآخر. وظاهر من امرأته إذا قال لها: أنتِ عليّ كظهر أمي. وهذا الأخير هو المعنى الذي نزلت فيه الآيات. قال في "الفتح": "وإنما خصّ الظهر بذلك دون سائر الأعضاء، لأنه محل الركوب غالباً، ولذلك سُمّي المركوب ظهراً، فشبهت المرأة بذلك لأنها مركوب الرجل". {ٱللاَّئِي}: جمع التي، فيقال: اللاتي، واللائي قال تعالى: {أية : وَٱلَّٰتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ} تفسير : [النساء: 34]. {مُنكَراً}: المنكر من الأمر خلاف المعروف، وكلّ ما قبّحه الشرع وحرّمه وكرهه فهو منكر. {وَزُوراً}: الزور: الكذب، والباطل الواضح، ومنه شهادة الزور. {تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ}: حرّرته أي جعلته حراً لوجه الله. والرقبة في الأصل: العُنُق ثم أطلقت على ذات الإنسان تسمية للشيء ببعضه، والمراد بها المملوك عبداً أو أمة. قال الألوسي: وذلك من تسمية الكل باسم الجزء. {يَتَمَآسَّا}: المسّ: مسكُ الشيء باليد، ثم استعير للجماع لأنه لمس والتصاق، لأن فيه التصاقَ الجسم بالجسم، والتماس هنا: كناية عن الجماع. {مِسْكِيناً}: المسكين الذي لا شيء له، وقيل الذي لا شيء له يكفي عياله، وأصل المسكين في اللغة الخاضع... والمراد به هنا ما يعم الفقير، والمسكينُ أحسن حالاً من الفقير. وقد قالوا: المسكينُ والفقيرُ إذا اجتمعا يعني (في اللفظ) افترقا (في المعنى) وإذا افترقا اجتمعا. {حُدُودُ}: الحد: الفصل بين الشيئين لئلا يختلط أحدهما بالآخر أو لئلا يتعدى أحدهما على الآخر وجمعه حدود. وحدود الله: الأشياء التي بيّن تحريمها وتحليلها، وأمرَ أن لا يتعدى شيء منها فيتجاوز إلى غير ما أمر فيها أو نهى عنه منها ومنع من مخالفتها. وهنا قوله {تِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ} يعني الحدود بين معصيته وطاعته، فمعصيتُه الظهارُ، وطاعتهُ الكفارة. المعنى الإجمالي إن الله تعالى سميع قريب، يجيب دعوة الداعي إذا دعاه، وهذه امرأة جاءت رسول الله صلى الله عليه وسلم تشكو ظلم زوجها لها، حيث حرّمها على نفسه بلفظٍ كانت الجاهلية تستعمله، أفيبقى هذا اللفظ محرماً في الإسلام؟! جادلت رسول الله صلى الله عليه وسلم وتوجّهت بالدعاء إلى المولى جلّ وعلا، الذي لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، تشكو إليه وحدتها، فلا أهل لها، ولا معيل ولا نصير، وقد كبر سنّها، وأولادُها صغارٌ، إن أبقتهم عنده ضاعوا، وإن ضمّتهم إليها جاعوا... ورسولُ الله صلوات الله عليه لا يشرّع من قبل نفسه، وإنما يتّبع الوحي الذي يأتيه من ربه، ولم يوح إليه في الظهار بشيء، ولذلك ما كان يجزم بالتحريم، وإنما كان يقول: "ما أُرَاك إلا قد حَرُمتِ عليه" فكانت تجادله. استجاب الله دعاء هذه المرأة الضعيفة الوحيدة، ونزل الوحي ليقول للزوج: زوجُكَ التي ظاهرت منها ليست بأمك، فأمك هي التي ولدتك حقيقة، وحرّمت عليك بذلك، فكيف تصف ما أباحه الله لك بما حرَّمه عليك؟ إنك تقول قولاً يمقته الشرع فضلاً عن كونه كذباً وزوراً، ومع ذلك فإن الله عفوّ عمن أخطأ ثمّ تاب، غفور لمن وقف عند حدود الشرع، واتَّبع أمر الله الذي أنزله على نبيّه. فمن ظاهر من زوجه وقال لها: أنتِ عليّ كظهر أمي، ثمّ أراد أن ينقض قوله، ويعود إلى ما أحلّه الله له من زوجه، فالواجب عليه أن يحرّر عبداً مملوكاً قبل أن يمسّ زوجه، هذا حكمُ مَنْ ظاهر ليتعظ به المؤمنون، ويعلموا أن الله جلّ وعلا خبير بكل ما يعملونه، فعليهم أن ينتهوا عما نهاهم عنه. فمن لم يجد الرقبة بأن كان لا يملك ثمنها، أو لا يجد عبداً يشتريه ويعتقه فليصم شهرين متتابعين من قبل أن يقرب زوجه، فإذا كان ضعيفاً لا يقوى على الصوم، أو مريضاً يُضعفه الصوم، فعليه أن يطعم ستين مسكيناً ما يشبعهم، ذلك هو حكم الله في الظهار، لتؤمنوا بأن هذا منزّل من عند الله تعالى وتتبعوه، وتقفوا عند حدود ما شرع لكم فلا تتعدوها. سبب النزول أولاً: عن عائشة رضي الله عنها قالت: "تبارك الذي وسع سمعه الأصوات، لقد جاءت المجادلة، فكلَّمت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا في جانب البيت أسمع كلامها، ويخفى عليَّ بعضه، وهي تشتكي زوجها وتقول: يا رسول الله: أَبْلى شبابي، ونثرت له بطني، حتى إذا كبر سنِّي، وانقطع ولدي ظاهر مني، اللهم إني أشكو إليك. قالت: فما برحتْ حتى نزل جبريل بهذه الآيات". ثانياً: وقال ابن عباس رضي الله عنهما: "كان الرجل إذا قال لامرأته في الجاهلية: أنتِ علي كظهر أمي، حرمت عليه فكان أول من ظاهر في الإسلام (أوس) ثمّ ندم، وقال لامرأته: انطلقي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسليه، فأتته، فنزلت هذه الآيات". ثالثاً: وعن خولة بنت مالك بن ثعلبة قالت: ظاهر مني زوجي أوس بن الصامت، فجئت رسول الله صلى الله عليه وسلم أشكو إليه وهو يجادلني فيه ويقول: اتقي الله فإنه ابن عمك. فما برحتُ حتى نزل القرآن {قَدْ سَمِعَ ٱللَّهُ قَوْلَ ٱلَّتِي تُجَٰدِلُكَ فِي زَوْجِهَا...} إلى الفرض قال: يعتق رقبة، قلت لا يجد، قال: فيصوم شهرين متتابعين قلت: يا رسول الله إنه شيخ كبير ما به من صيام، قال: فليطعم ستين مسكيناً. قلت: ما عنده شيء يتصدق به، قال: فإني سأعينه بعَرَقَ من تمر. قلت: يا رسول الله وإني أعينه بعَرَق آخر. قال: قد أحسنتِ اذهبي فأطعمي بهما عنه ستين مسكيناً وارجعي إلى ابن عمك. قال: والعَرَق ستون صاعاً. وجوه القراءات أولاً: قوله تعالى: {قَدْ سَمِعَ ٱللَّهُ} بإظهار الدال. وقرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي بإدغام الدال في السين. قال الكسائي: من قرأ {قَدْ سَمِعَ} فبيَّنَ الدَّال فلسانه أعجمي ليس بعربي. قال الألوسي: "ولا يلتفت إلى هذا فكلا الأمرين فصيح متواتر، بل الجمهور على البيان". ثانياً: قوله تعالى: {تُجَٰدِلُكَ فِي زَوْجِهَا} قراءة الجمهور تجادلك من المجادلة وهي المراجعة في الكلام. وقرئ {تحاروك} أي تراجعك الكلام. ثالثاً: قوله تعالى: {يُظَٰهِرُونَ مِن نِّسَآئِهِمْ} قرأ حفص وعاصم (يُظَاهِرون) بضم الياء وكسر الهاء. وقرأ نافع وابن كثير وعمرو (يَظَّهَّرون) بتشديد الظاء والهاء وحذف الألف وفتح الياء. وقرأ حمزة والكسائي وخلف (يَظّاهرون) بفتح الياء وتشديد الظاء وألف. وقرأ الحسن وقتادة (يَظَهّرون) بفتح الياء وفتح الظاء مخففة مكسورة الهاء مشددة، والمعنى (يقولون لهنَّ أنتُنَّ كظهور أمهاتنا). رابعاً: قوله تعالى: {مَّا هُنَّ أُمَّهَٰتِهِمْ} الجمهور بكسر التاء وهي لغة أهل الحجاز. وقرأ المفضل عن عاصم (أمهاتُهم) بالرفع على لغة تميم. وقرأ ابن مسعود (بأمهاتِهم) بزيادة الباء. وجوه الإعراب أولاً: قوله تعالى: {وَتَشْتَكِيۤ إِلَى ٱللَّهِ} عطف على {تُجَٰدِلُكَ} فهو من عطف الجمل لا محل لها من الإعراب لكونها صلة للتي. وجوّز بعضهم أن تكون حالاً، أي تجادلك شاكية حالها إلى الله تعالى ويقدر مبتدأ أي وهي تشتكي؛ لأن المضارعية لا تقترن بالواو في الفصيح فيقدر معها المبتدأ لتكون اسمية. ثانياً: قوله تعالى: {ٱلَّذِينَ يُظَٰهِرُونَ مِنكُمْ مِّن نِّسَآئِهِمْ} اسم الموصول {ٱلَّذِينَ} مبتدأ خبره محذوف أي مخطئون، وأقيم دليله هو قوله تعالى: {مَّا هُنَّ أُمَّهَٰتِهِمْ} مقامه. وقال ابن الأنباري: خبره (ما هن أمهاتهم) أي ما نساؤهم أمهاتهم. ثالثاً: قوله تعالى: {مَّا هُنَّ أُمَّهَٰتِهِمْ}. قال الفراء: وانتصابُ الأمهات هٰهنا بإلقاء الباء، وهي قراءة عبد الله {ما هن بإمهاتهم} ومثله {ما هذا بشراً} أي ما هذا ببشر، فلما ألقيت الباء أبقى أثرها، وهو النصب، وعلى هذا كلام أهل الحجاز، فأما أهل نجد فإنهم إذا ألقوا رفعوا وقالوا: (ما هنّ أمهاتُهم) و(ما هذا بشرٌ). وقال أبو حيان: أجرى (ما) مُجْرَى (ليس) في رفع الاسم ونصب الخبر كما في قوله تعالى: {أية : مَا هَـٰذَا بَشَراً} تفسير : [يوسف: 31] وقوله: {أية : فَمَا مِنكُمْ مِّنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ} تفسير : [الحاقة: 47]. أقول: هذا هو الصحيح لأن (ما) بمعنى ليس فهي نافية حجازية وهي لغة القرآن. رابعاً: قوله تعالى: {وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنكَراً مِّنَ ٱلْقَوْلِ وَزُوراً} انتصب (منكراً وزوراً) على الوصف لمصدر محذوف، وتقديره وإنهم ليقولون قولاً منكراً، وقولاً زوراً. خامساً: قوله تعالى: {وَٱلَّذِينَ يُظَٰهِرُونَ مِن نِّسَآئِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُواْ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ} اسم الموصول (الذين) مبتدأ، وقوله تعالى: {فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ} مبتدأ آخر خبره مقدر أي فعليهم تحرير رقبة، أو فكفارتهم تحرير رقبة. والجملة من المبتدأ وخبره خبر الموصول، ودخلته الفاء لتضمن المبتدأ معنى الشرط. سادساً: قوله تعالى: {ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُواْ}. قال ابن الأنباري: الجار والمجرور في موضع نصب لأنه يتعلق بـ (يعودون) و(ما) مصدرية، وتقديره (يعودون لقولهم). والمصدر في موضع المفعول كقولك (هذا الثوب نسج اليمن)، أي منسوجه، ومعناه يعودون للإمساك المقول فيه الظهار ولا يطلِّق. وقيل: اللامُ في {لِمَا قَالُواْ} بمعنى (إلى) أي يعودون إلى قول الكلمة التي قالوها أولاً من قولهم: أنت علي كظهر أمي وهذا مذهب أهل الظاهر. لطائف التفسير اللطيفة الأولى: يقول علماء اللغة: (قَدْ) حرف يُوجَب به الشيء وهي إذا دخلت على الماضي تفيد (التحقيق) وإذا دخلت على المضارع تفيد (التقليل) لأنها تميل إلى الشك تقول: قد ينزل المطر، وقد يجود البخيل، وأمّا في كلام الله فهي للتحقيق سواءً دخلت على الماضي أو المضارع كقوله تعالى: {أية : قَدْ يَعْلَمُ ٱللَّهُ ٱلْمُعَوِّقِينَ مِنكُمْ} تفسير : [الأحزاب: 18]. قال الجوهري: (قد) حرف لا يدخل إلاّ على الأفعال. قال الزمخشري: "معنى (قد) التوقع لأنه صلى الله عليه وسلم والمجادِلة كانا متوقعين أن ينزل الله في شكواها ما يفرّج عنها". ومعنى سمعه تعالى لقولها إجابة دعائها، لا مجرد علمه تعالى بذلك، وهو كقول المصلي: سمع الله لمن حمده. اللطيفة الثانية: قوله تعالى: {وَٱللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمآ إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ} قال الإمام الفخر: هذه الواقعة تدل على أنّ من انقطع رجاؤه عن الخلق، ولم يبق له فيما أهمّه أحد سوى الخالق كفاه الله ذلك الأمر. وصيغةُ المضارع (يسمع) تفيد التجدّد، للدلالة على استمرار السمع حسب استمرار التحاور وتجدّده، وذكْرُهَا مع الرسول في سلك الخطاب (تحاوركما) تشريف لها بهذا الخطاب الكريم، وإظهارُ الاسم الجليل في الموضعين لتربية المهابة والروعة في قلوب المؤمنين. اللطيفة الثالثة: قال ابن منظور: كانت العرب تطلّق النساء في الجاهلية بهذه الكلمة (أنت عليّ كظهر أمي) وإنما خصّوا (الظَّهر) دون البطن، والفخذ، والفرج - وهذه أولى بالتحريم - لأنّ الظهر موضع الركوب، والمرأة مركوبة إذا غشيت، فكأنه أراد أنْ يقول: ركوُبك للنكاح عليّ حرام كركوب أمّي للنكاح، فأقام الظهر مقام الركوب، وهذا من لطيف الاستعارات للكناية. وقال الفخر الرازي: ليس الظهار مأخوذاً من الظهر الذي هو عضو من الجسد، لأنه ليس الظهر أولى بالذكر في هذا الموضع من سائر الأعضاء، التي هي مواضع المباضعة والتلذذ، بل الظهر هٰهنا مأخوذ من العلو ومنه قوله تعالى: {أية : فَمَا ٱسْطَاعُوۤاْ أَن يَظْهَرُوهُ} تفسير : [الكهف: 97] أي يعلوه، وكلّ من علا شيئاً فقد ظهره، ومنه سُمّي المركوب ظهراً لأنَّ راكبَه يعلوه، وكذا امرأة الرجل ظهره لأنه يعلوها بملك البضع، وكأن امرأة الرجل مركوب للرجل وظهر له. ويدل على صحة هذا المعنى أن العرب تقول في الطلاق: نزلت عن امرأتي أي طلَّقتُها، وفي قولهم: أنتِ عليّ كظهر أمي (حذف وإضمار) لأن تأويله: ظهرك عليّ أي ملكي إيّاك، وعلوّي عليك حرام، كما أنّ علوّي على أمي وملكها حرام عليّ. اللطيفة الرابعة: المظاهِر شبّه الزوجة بالأم، ولم يقل هي أم، فكيف كان ذلك منكراً وزوراً؟ قال الإمام الفخر في الجواب عن ذلك: "إن الكذب إنما لزم لأن قوله: (أنتِ عليّ كظهر أمي) إمّا أن يكون إخباراً، أو إنشاءً". فعلى الأولى: إنه كذب لأن الزوجة محلّلة، والأم محرمة، وتشبيه المحلّلة بالمحرمة في وصف الحل والحرمة كذب. وعلى الإنشاء: كان ذلك أيضاً كذباً، لأن معناه أن الشرع جعله سبباً في حصول الحرمة، فلمّا لم يرد الشرع بهذا التشبيه كان جعله إنشاءً في وقوع هذا الحكم كذباً وزوراً. اللطيفة الخامسة: روي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه مرّ في خلافته على امرأة، وكان راكباً على حمار والناس معه، فاستوقفته تلك المرأة طويلاً، ووعظته وقالت له: عهدي بك يا عمر وأنت صغير تدعى عميراً، ثمّ قيل لك: يا عمر، ثمّ قيل لك: يا أمير المؤمنين، فاتّق الله يا عمر في الرعيّة، واعلم أن من أيقن بالموت خاف الفوت، ومن أيقن بالحساب خاف العذاب. وهو واقف يسمع كلامها، فقيل له: يا أمير المؤمنين أتقف لهذه العجوز هذا الوقوف؟ فقال: والله لو حبستني من أول النهار إلى آخره، لا زِلتُ إلاّ للصلاة المكتوبة، أتدرون من هذه العجوز؟! هذه (خولة بنت ثعلبة) التي سمع الله قولها من فوق سبع سمٰوات، أيسمع ربّ العالمين قولها ولا يسمعه عمر؟!. أقول: رضي الله عنك يا عمر فهذه أخلاق الصدّيقين. اللطيفة السادسة: قوله تعالى: {ٱلَّذِينَ يُظَٰهِرُونَ مِنكُمْ} الخطاب بلفظ (منكم) فيه مزيد توبيخ للعرب، وتهجين لعادتهم في الظهار، لأنه كان من أيمان الجاهلية خاصة، دون سائر الأمم. اللطيفة السابعة: روى الإمام الترمذي عن (سلمة بن صخر البياضي) أنه قال: "كنت امرأ أصيب من النساء ما لا يصيب غيري، فلما دخل رمضان خفت أن أصيب امرأتي شيئاً يتابع بي حتى أصبح، فظاهرت منها حتى ينسلخ رمضان، فبينا هي تخدمني ذات ليلة إذ انكشف لي منها شيء، فما لبثتُ أن نزوتُ عليها، فلما أصبحتُ أخبرتُ قومي، فقلت: امشوا معي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: لا والله. فانطلقت فأخبرته صلى الله عليه وسلم فقال: "حديث : أنتَ بذاك يا سلمة! قلت: أنا بذاك يا رسول الله مرتين، وأنا صابر لأمر الله، فاحكم فيما أراك الله؟ قال: "حرّر رقبة"، قلت: والذي بعثك بالحق ما أملك رقبةً غيرها وضربت صفحة رقبتي. قال: "فصم شهرين متتابعين". قالت: وهل أصبتُ الذي أصبتُ إلاّ من الصيام؟ قال: "فأطعم وسقاً من تمر بين ستين مسكيناً". قلت: والذي بعثك بالحق لقد بتنا وَحْشين ما لنا طعام!! قال: "فانطلق إلى صاحب صدقة بني زريق فليدفعها إليك، فأطعم ستين مسكيناً وسقاً من تمر، وكُلْ أنت وعيالك بقيتها ". تفسير : فرجعت إلى قومي فقلتُ: وجدت عندكم الضيق، وسوء الرأي، ووجدت عن النبي صلى الله عليه وسلم السعة وحسن الرأي، وقد أمر لي بصدقتكم". الأحكام الشرعية الحكم الأول: هل الظهار مشروع كالطلاق أم هو محرَّم؟ كان الظهار في الجاهلية طلاقاً، بل هو أشد أنواع الطلاق عندهم، لما فيه من تشبيه الزوجة بالأم التيّ تحرم حرمة على التأبيد، بل لا تجوز بحالٍ من الأحوال، وجاء الإسلام فأبطل هذا الحكم، وجعل الظهّار محرّماً قربان المرأة حتى يكفّر زوجها، ولم يجعله طلاقاً كما كانوا يعتبرونه في الجاهلية. فلو ظاهر الرجل يريد الطلاق كان ظهاراً، ولو طلّق يريد به الظهار كان طلاقاً، العبرةُ باللفظ لا بالنيّة، فلا يقوم أحدهما مقام الآخر. قال ابن القيم: "وهذا لأنّ الظهار كان طلاقاً في الجاهلية فنسخ، فلم يجز أن يُعاد إلى الحكم المنسوخ، وأيضاً فإنّ (أوس بن الصامت) إنما نوى به الطلاق على ما كان عليه، وأجرى عليه حكم الظهار دون الطلاق، وأيضاً فإنه صريح في حكمه، فلم يجز جعله كناية في الحكم الذي أبطله الله بشرعه، وقضاءُ الله أحقُّ، وحكمُ الله أوجب". وقد دلت الآية الكريمة وهي قوله تعالى: {وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنكَراً مِّنَ ٱلْقَوْلِ وَزُوراً} على أن الظهار حرام، بل لقد قال فقهاء الشافعية إنه من الكبائر، فمن أقدم عليه اعتبر كاذباً معانداً للشرع. وقد اتفق العلماء على حرمته فلا يجوز الإقدام عليه، لأنه كذب وزور وبهتان، وهو يختلف عن الطلاق، فالطلاقُ مشروع، وهذا ممنوع، ولو أقدم الإنسان عليه يكون قد ارتكب محرماً ويجب عليه الكفارة. الحكم الثاني: ماذا يترتب على الظهار من أحكام؟ إذا ظاهر الرجل من امرأته ترتّب عليه أمران: الأول: حرمة إتيان الزوجة حتى يكفّر كفارة الظهار لقوله تعالى: {فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَآسَّا}. والثاني: وجوب الكفارة بالعود لقوله تعالى: {وَٱلَّذِينَ يُظَٰهِرُونَ مِن نِّسَآئِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُواْ...} الآية وسنتحدث عن معنى العود في الحكم الثالث إن شاء الله. وكما يحرم المسيس فإنه يحرم كذلك مقدماته، من التقبيل، والمعانقة وغيرها من وجوه الاستمتاع، وهذا مذهب جمهور الفقهاء (الحنفية والمالكية، والحنابلة). وقال الثوري والشافعي (في أحد قوليه): إن المحرّم هو الوطء فقط، لأن المسيس كناية عن الجماع. حجة الجمهور: أ - العموم الوارد في الآية (من قبل أن يتماسّا) فإنه يشمل جميع وجوه الاستمتاع. ب - مقتضى التشبيه الذي هو سبب الحرمة (كظهر أمي) فكما يحرم مباشرة الأم والاستمتاع بها بجميع الوجوه، فكذلك يحرم الاستمتاع بالزوجة المظاهر منها بجميع الوجوه عملاً بالتشبيه. جـ - أمر الرسول صلى الله عليه وسلم للرجل الذي ظاهر من زوجته بالاعتزال حتى يكفّر. حجة الشافعي والثوري: أ - الآية ذكرت المسيس وهو كناية عن الجماع فيقتصر عليه. ب - الحرمة ليست لمعنى يُخلُّ بالنكاح فأشبه الحيض، الذي يحرم الاستمتاع فيه فيما بين السرة والركبة. أقول: رأي الجمهور أحوط لأنّ من حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه، سيّما وقد نقل الإمام الفخر أنّ للشافعي فيه قولين: (أحدهما) أنه يحرم الجماع فقط. (والثاني) أنه يحرم جميع جهات الاستمتاعات، قال: وهو الأظهر. وكفى الله المؤمنين القتال. الحكم الثالث: ما المراد بالعود في الآية الكريمة؟ اختلف الفقهاء في المراد من العود في قوله تعالى: {ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُواْ} على عدة أقوال. أ - قال أبو حنيفة: العود: هو عبارة عن العزم على استباحة الوطء والملامسة. ب - وقال الشافعي: العود: هو أن يمسكها بعد الظهار مع القدرة على الطّلاق. جـ - وقال مالك وأحمد: العود: هو العزم على الوطء، أو على الوطء والإمساك. د - وقال أهل الظاهر: العود: أن يكرّر لفظ الظهار مرة ثانية فإن لم يكرّر لا يقع الظهار. والآراء الثلاثة الأولى متقاربة في المعنى لأن العود إلى الإمساك، أو الوطء، أو إبقاءها بعد الظهار بدون طلاق، كلّها تدل على معنى الندم وإرادة المعاشرة لزوجه التي ظاهر منها، فاللام في (لما) بمعنى (إلى). والمعنى: يرجعون إلى تحليل ما حرّموا على أنفسهم بالعزم على الوطء، وقد عدّد (القرطبي) فيها سبعة أقوال. قال الفراء: معنى الآية يرجعون عمّا قالوا، وفي نقض ما قالوا. دليل الظاهرية: قال أهل الظاهر: إن العود معناه تكرار لفظ الظهار وإعادته، فلا تلزم الكفارة إلاّ إذا أعاد اللفظ - يعني ظاهر مرة ثانية - وقالوا: الذي يعقل من قولهم: عاد إلى الشيء أي أنه فعله مرة ثانية كما قال تعالى: {أية : وَلَوْ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ} تفسير : [الأنعام: 28] فإذا لم يتكرر الظهار لا يقع التحريم. قال الزجّاج: وهذا قول من لا يدري اللغة. وقال أبو علي الفارسي: ليس هو كما ادّعوا، لأن العود قد يكون إلى شيء لم يكن عليه الإنسان قبل، وسميت الآخرة معاداً ولم يكن فيها أحد ثم عاد الناس إليها، قال الهُذلي: شعر : وعاد الفتى كالكهل ليس بقائلٍ سوى الحقّ شيئاً واستراح العواذل تفسير : وقال ابن العربي: "ويشبه أن يكون هذا من جهالة داود وأشياعه، وهو باطل قطعاً، لأنه قد رويت قصص المظاهرين وليس فيه ذكرٌ لعودِ القول منهم، وأيضاً فإن المعنى ينقضه؛ لأن الله تعالى وصفه بأنه منكر من القول وزور، فكيف يقال له: إذا أعدت القول المحرّم والسبب المحظور وجبت عليك الكفارة". أقول: ما قاله جمهور الفقهاء أن المراد بالعود ليس تكرار اللفظ، إنما هو العود إلى معاشرتها والعزم على وطئها هو الصحيح المعقول لغة وشرعاً لأن المظاهر قد حرّم على نفسه قربان الزوجة، فهو يريد أن ينقض ذلك ويعيدها إلى نفسه فيلزمه التكفير بهذا العزم. وأما ما قاله أهل الظاهر فباطل لا يقوم عليه دليل، بل هو من آثار الفهم السقيم الذي تخبّط فيه هؤلاء في كثير من الأحكام الشرعية ويكفي لبطلانه حديث (أوس بن الصامت) فإنه لم يكرّر الظهار وقد ألزمه صلى الله عليه وسلم الكفارة؛ وحديث (سلمة بن صخر) فقد أمره صلى الله عليه وسلم بالكفارة مع أنه لم يكرّر اللفظ وقد تقدّما، وكفى بذلك حجة قاطعة، لا رأي لأحدٍ أمام قول المعصوم صلى الله عليه وسلم. الحكم الرابع: هل يصح ظهار غير المسلم كالذمي والكتابي؟ ذهب الجمهور (الحنفية والمالكية والحنابلة) إلى أن ظهار الذمي لا يقع لأن الله تعالى يقول: (الذين يظاهرون منكم) وظاهرُ قوله: (منكم) أنَّ غير المسلم لا يتناوله الحكم. وقالوا أيضاً: إن الذميّ ليس من أهل الكفارة، لأن فيها إعتاق رقبة، والصوم، ولما كان (الصوم) عبادة لا يصحّ من غير المسلم إذن فلا يصح ظهاره. فالظهار عندهم لا يكون إلاّ من الزوج العاقل البالغ المسلم. مذهب الشافعي: قال الشافعية: كما يصح طلاق الذمي وتترتب عليه أحكامه، كذلك يقع ظهاره. وقالوا: يكفّر بالإعتاق، والإطعام، ولا يكفّر بالصوم لأنه عبادة لا تصح إلاّ من المسلم. قال الألوسي: والعجب من الإمام الشافعي عليه الرحمة أن يقول بصحته مع أنه يشترط النيّة في الكفارة، والإيمان في الرقبة، والكافر لا يملك المؤمن؟ أقول: الراجح رأي الجمهور، واستدلالهم بالكفارة في (العتق والصيام) قوي، وأمّا استدلالهم بمفهوم الصفة في الآية الكريمة (منكم) فليس بذاك لأن الآية وردت مورد (التهجين والتشنيع) لما مرّ أن الظهار لم يعرف إلاّ عند العرب فليس فيها ما يدل لهم والله أعلم. الحكم الخامس: هل يصح الظهار من الأمة؟. أ - ذهب (الحنفية والحنبلية والشافعية) إلى أن الرجل لو ظاهر من أمته لا يصح، ولا يترتب عليه أحكام الظهار، لقوله تعالى: {مِّن نِّسَآئِهِمْ} لأن حقيقة إطلاق النساء على (الزوجات) دون (الإماء) بدليل قوله تعالى: {أية : أَوْ نِسَآئِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ}تفسير : [النور: 31] فقد غاير بينهنّ، فالمراد بالنساء في الآية الحرائر. ب - وذهب مالك: إلى صحة الظهار في الأمة مطلقاً لأنها مثل الحرّة. جـ - وروي عن الإمام أحمد: أنه لا يكون مظاهراً، ولكن تلزمه كفارة الظهار. الحكم السادس: هل يقع ظهار المرأة؟ اتفق الفقهاء على أنه ليس للنساء ظهار، فلو ظاهرت امرأة من زوجها بقولها: (أنت عليّ كظهر أمي فلا كفارة عليها ولا يلزمها شيء) وكلامها لغو. قال ابن العربي: وهو صحيح في المعنى، لأن الحَلَّ والعقد، والتحليل التحريم في النكاح من الرجال ليس بيد النساء منه شيء. وروي عن الإمام أحمد (في أحد قوليه) أنه يجب عليها الكفارة إذا وطئها وهي التي اختارها الخرقي. الحكم السابع: هل الظهار مختص بالأم؟ أ - ذهب الجمهور إلى أن الظهار يختص بالأم، كما ورد في القرآن الكريم، وكما جاء في السنة المطهّرة، فلو قال لزوجته: أنتِ عليّ كظهر أمي كان مظاهراً، ولو قال لها: أنت عليّ كظهر أختي أو بنّتي لم يكن ذلك ظهاراً. ب - وذهب أبو حنيفة (والشافعي في أحد قوليه): إلى أنه يقاس على الأم جميع المحارم. فالظهار عندهم هو تشبيه الرجل زوجته في التحريم، بإحدى المحرمات عليه على وجه التأبيد بالنسب، أو المصاهرة، أو الرضاع، إذ العلة هي التحريم المؤبد. وأمّا من قال لامرأته: يا أختي أو يا أمي على سبيل الكرامة والتوقير فإنه لا يكون مظاهراً، ولكن يكره له ذلك لما رواه أبو داود عن (أبي تميمة الهجيمي) أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم سمع رجلاً يقول لامرأته: يا أُخَيّة، فكره ذلك ونهى عنه. الحكم الثامن: ما هي كفارة الظهار؟ الكفارة هي: عتق رقبة، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع فإطعام ستين مسكيناً كما دلت عليه الآية. أ - الإعتاق: وقد أطلقت الرقبة في الآية فهل تجزئ أي رقبة ولو كانت كافرة؟ ذهب الحنفية: إلى أنه يجزئ في الكفارة إعتاق الرقبة الكافرة والمؤمنة، والذكر والأنثى، والكبير والصغير، ولو رضيعاً لأن الاسم ينطلق على كل ذلك. وذهب الشافعية والمالكية: إلى اشتراط الإيمان في الرقبة، فلا يصح عتق غير المؤمن حملا للمطلق على المقيد في آية القتل لقوله تعالى: {أية : فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ}تفسير : [النساء: 92] بجامع عدم الإذن في السبب في كل منهما. وقال الحنفية: لا يحمل المطلق على المقيد إلا في حكم واحد في حادثة واحدة، لأنه حينئذٍ يلزم ذلك لزوماً عقلياً إذ الشيء لا يكون نفسه مطلوباً إدخاله في الوجود مطلقاً ومقيداً، كالصوم في كفارة اليمين، ورد مطلقاً ومقيداً بالتتابع في القراءة المشهورة التي تجوز القراءة بمثلها. والمناقشة: بين القولين تنظر في كتب الأصول والفروع. وأما الإمام أحمد: ففي المسألة عنه روايتان. ب - صيام شهرين متتابعين: من عجز عن إعتاق الرقبة فعليه صوم شهرين متتابعين. ويعتبر الشهر بالهلال فلا فرق بين التام والناقص، وإن صام بغير الأهلة فلا بد من ستين يوماً عند الحنفية. وعند الشافعية والمالكية: يصوم إلى الهلال ثم شهراً بالهلال ثم يتم الأول بالعدد. جـ - إطعام ستين مسكيناً: من لم يستطع صيام شهرين متتابعين بأن لم يستطع أصل الصيام، أو بأن لم يستطع تتابعه لسبب من كبر أو مرض لا يرجى زواله عادة أو بقول طبيب فعليه إطعام ستين مسكيناً. واختلف الفقهاء في قدر الإطعام لكل مسكين. قال أبو حيان: والظاهر مطلق الإطعام وتخصّصه ما كانت العادة في الإطعام وقت النزول وهو ما يشبع من غير تحديدٍ بمد. ولا يجزئ عند مالك والشافعي أن يطعم أقل من ستين مسكيناً. وقال أبو حنيفة وأصحابه لو أطعم مسكيناً واحداً كل يوم نصف صاع حتى يكمل العدد أجزأه. الحكم التاسع: هل تتغلّظ الكفارة بالمسيس قبل التكفير؟ أ - ذهب أبو حنيفة: إلى أنّ المظاهر إذا جامع زوجته قبل أن يكفر أثم وعصى الله، وتسقط عنه الكفارة لفوات وقتها. ب - وذهب جمهور الفقهاء إلى أنه أثم وعصى ويستغفر ويتوب ويمسك عن زوجه حتى يكفِّر كفارة واحدة. قال أبو بكر الرازي: "إن الظهار لا يوجب كفارة، وإنما يوجب تحريم الوطء، ولا يرتفع إلا بالكفارة، فإذا لم يرد وطأها فلا كفارة عليه، وإن ماتت أو عاشت فلا شيء عليه إذ كان حكم الظهار إيجاب التحريم فقط مؤقتاً بأداء الكفارة، وأنه متى لم يكفر فالوطء محظور عليه، فإن وطئ سقط الظهار والكفارة، وذلك لأنه علَّق حكم الظهار وما أوجب به من الكفارة بأدائها قبل الوطء لقوله: {مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَآسَّا} فمتى وقع المسيس فقد فات الشرط فلا تجب الكفارة بالآية، لأن كل فرض محصور بوقت أو معلق على شرط، فإنه متى فات الوقت، وعُدِم الشرط، لم يجب باللفظ الأول واحتيج إلى دلالة أخرى في إيجاب مثله في الوقت الثاني، فهذا حكم الظهار إذا وقع المسيس قبل التكفير إلا أنه قد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أن رجلاً ظاهر من امرأته فوطئها قبل التكفير ثم سأل النبي صلى الله عليه وسلم فقال له: استغفر الله ولا تعد حتى تكفِّر، فصار التحريم الذي بعد الوطء واجباً بالسنة". الترجيح: والصحيح ما ذهب إليه الجمهور أنه يأثم بهذا الفعل وتجب عليه كفارة واحدة والله أعلم. ما ترشد إليه الآيات الكريمة أولاً: استجابة الله دعاء الشاكي الصادق إذا أخلص الدعاء. ثانياً: عدم جواز تشبيه الزوجة بمحرم من المحرمات على التأبيد. ثالثاً: عدم جواز مس المرأة قبل أداء كفارة الظهار. رابعاً: خصال الكفارة مرتبة لا يصار إلى التالية قبل العجز عن التي قبلها. خامساً: حدود الله يجب التزامها، ولا يجوز تعديها. حكمة التشريع لقد شرع الإسلام الزواج عقداً دائماً غير مؤقت، لا يقطعه إلا هاذم اللذات، أو أبغض الحلال إلى الله، وبالزواج يَحِلُّ للرجل كلُّ شيء من زوجه، في حدود ما أباحه الله تعالى له، فإذا جاء الإنسان يريد أن يغيَّر ما أباحه الله له فيجعل الحلال حراماً، فقد ارتكب كبيرة لا محالة، وتجاوز بذلك الحدود التي شرعها الله له، فلهذا كان عقابه كبيراً، وكانت أولى خصال الكفارة ما فيه فائدة للمجتمع، ألا وهي تحرير رقاب العبيد، وهذه إحدى سبل تحريرهم، فإذا لم يستطع شراء العبد وعتقه، فليصم شهرين متتابعين، والصوم مدرسة تهذب خلقه، وتربيَّ نفسه، وتقوّم ما أعوج من تربيته. هذا إن كان صحيح الجسم، موفور الصحة، والله لا يكلف نفساً إلا وسعها، فالمريض الذي لا يستطيع الصوم، ينتقل الواجب في حقه إلى المجتمع أيضاً فيطعم ستين مسكيناً، وهكذا تنتقل خصال الكفارة بين فائدة المجتمع، وفائدة الرجل نفسه. هذا جزاء من حرَّم حلالاً، فليتعظ المؤمنون بهذا الجزاء الزاجر.

الأندلسي

تفسير : {بِسمِ ٱلله الرَّحْمٰنِ الرَّحِيـمِ * قَدْ سَمِعَ ٱللَّهُ قَوْلَ ٱلَّتِي تُجَادِلُكَ} الآية هذه السورة مكية وقيل غير ذلك والتي تجادلك خولة بنت ثعلبة وقيل غير ذلك وأكثر الرواية على أن الزوج في هذه النازلة أوس بن الصامت أخو عبادة بن الصامت ظاهر من امرأته قال أبو قلابة وغيره: كان الظهار في الجاهلية يوجب عندهم فرقة مؤبدة ولما ظاهر أوس بن أسامة قالت زوجته: حديث : يا رسول الله أكل أوس شبابي ونثرت له بطني فلما كبرت ومات أهلي ظاهر مني فقال لها: ما أراك إلا قد حرمت عليه فقالت: يا رسول الله لا تفعل فإِني وحيدة ليس لي أهل سواه فراجعها بمثل مقالته فراجعته فهذا هو جدالها وكانت تقول في خلال ذلك اللهم إن لي منه صبية صغار إن ضممتهم إليّ جاعوا وإن ضممتهم إليه ضاعوا فهذا هو اشتكاؤها إلى الله تعالى فنزل الوحي عند جدالها قالت عائشة رضي الله عنها: سبحان من وسع سمعه الأصوات كان بعض كلام خولة يخفى علي وسمع الله جدالها فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم خلف أوس وعرض عليه كفارة الظهار العتق فقال: ما أملك والصوم قال: ما أقدر والإِطعام فقال لا أجد إلا أن تعينني فأعانه صلى الله عليه وسلم بخمسة عشر صاعاً ودعا له فكفر بالإِطعام وأمسك أهله تفسير : وكان عمر يكرم خولة إذا دخلت عليه ويقول قد سمع الله تعالى لها والظهار قول الرجل لامرأته أنت علي كظهر أمي يريد في التحريم وقوله: {مِنكُمْ} إشارة إلى التوبيخ العرب وتهجين عاداتهم في الظهار لأنه كان من إيمان الجاهلية خاصة دون سائر الأمم والظاهر أن قوله: {مِّن نِّسَآئِهِمْ} يشمل المدخول بها وغير المدخول بها من الزوجات لا من ظاهر منها قبل عقد نكاحها. {مَّا هُنَّ} أجري مجرى ليس في رفع الإِسم ونصب الخبر كما في قوله تعالى: {أية : مَا هَـٰذَا بَشَراً}تفسير : [يوسف: 31] وقوله: {أية : فَمَا مِنكُمْ مِّنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ}تفسير : [الحاقة: 47] وقرأ المفضل عن عاصم أمهاتهم بالرفع على لغة تميم وابن مسعود بأمهاتهم بزيادة الباء. قال الزمخشري: في لغة من ينصب "انتهى"، يعني أنه لا تزاد الباء إلا في لغة تميم وهذا ليس بشىء وقد ردّ ذلك الزمخشري وزيادة الباء في مثل ما زيد بقائم كثير في لغة تميم والزمخشري تبع في ذلك أبا علي الفارسي ولما كان معنى كظهر أمي أي كأمي التحريم ولا يراد خصوصية الظهر الذي هو من الجسد جاء النفي بقوله: {مَّا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ} ثم أكد ذلك بقوله: {إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ} أي حقيقة. {إِلاَّ ٱللاَّئِي وَلَدْنَهُمْ} والحق بهن في التحريم أمهات الرضاع وأمهات المؤمنين أزواج الرسول عليه السلام وان نافية واللائي أحد جموع التي وقول المظاهر منكر من القول تنكره الحقيقة وينكره الشرع وزور كذب وباطل منحرف عن الحق وهو محرم تحريم المكروهات جداً وإذا وقع لزم وقد رجى تعالى بعده بأنه عفو غفور مع الكفارة والظاهر أن الظهار لا يكون إلا بالأم وحدها فلو قال: أنت علي كظهر أختي أو ابنتي، لم يكن ظهاراً والظاهر أن قوله: {ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُواْ} أن يعودوا اللفظ الذي سبق منهم وهو قول الرجل ثانياً: أنت علي كظهر أمي فلا تلزم الكفارة بالقول الأول وإنما تلزم بالثاني وهو قول أهل الظاهر. وروي أيضاً عن بكير بن عبد الله بن الأشج وأبي العالية وأبي حنيفة وهو قول الفراء وقال طاوس وقتادة والزهري والحسن ومالك وجماعة لما قالوا: أي للوطء والمعنى لما قالوا انهم لا يعودون إليه فإِذا ظاهر ثم وطىء فحينئذٍ تلزمه الكفارة وإن طلق أو ماتت، وقال أبو حنيفة ومالك أيضاً والشافعي وجماعة: معناه يعودون لما قالوا بالعزم على الإِمساك والوطء فمتى عزم على ذلك لزمته الكفارة طلق أو ماتت. وقال الشافعي: العود الموجب للكفارة أن يمسك على طلاقتها بعد الظهار ويمضي بعده زمان يمكن أن يطلقها فيه فلا يطلق. {وَٱلَّذِينَ} مبتدأ ضمن معنى إسم الشرط فلذلك دخلت الفاء في خبره وتحرير خبر مبتدأ محذوف تقديره فالواجب تحرير رقبة والظاهر في التماس الحقيقة فلا يجوز تماسهما بقبلة أو مضاجعة أو غيرك ذلك من وجوه الاستمتاع وهو أحد قولي الشافعي وقول مالك وقال الأكثرون هو الوطء فيجوز له الاستمتاع بغيره قبل التكفير. وهو الصحيح من مذهب الشافعي والضمير في يتماسا عائد على ما دل عليه الكلام في المظاهر والمظاهر منها. {ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ} إشارة إلى التحرير. {فَمَن لَّمْ يَجِدْ} أي الرقبة ولا ثمنها أو وجدها أو ثمنها وكان محتاجاً إلى ذلك فقال أبو حنيفة: يلزمه العتق ولو كان محتاجاً إلى ذلك ولا ينتقل إلى الصوم وهو الظاهر. وقال الشافعي ينتقل إلى الصوم والظاهر وجوب التتابع. {فَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ} أي الصوم لزمانة به أو كونه يضعف به ضعفاً شديداً والظاهر مطلق الإِطعام ويخصصه ما كانت العادة في الإِطعام وقت النزول وهو ما يشبع من غير تحديد بحد. {ذَلِكَ لِتُؤْمِنُواْ} إشارة إلى الرخصة والتسهيل في النقل من التحرير إلى الصوم والإِطعام ثم شدّد بقوله: {وَتِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ} تعالى أي فالتزموها وقفوا عندها ثم توعد الكافرين بهذا الحكم الشرعي. {إِنَّ ٱلَّذِينَ يُحَآدُّونَ} نزلت في مشركي قريش أخذوا يوم الخندق بالهزيمة كما أخزي من قاتل الرسل من قبلهم ولما ذكر المؤمنين الواقفين عند حدوده ذكر المحادين المخالفين لها والمحادة المخالفة والمعاداة في الحدود. {كُبِتُواْ} أي أخذوا ولعنوا والذين من قبلهم منافقو الأمم وهي بشارة للمؤمنين بالنصر وعبر بالماضي لتحقق وجوده ووقوعه. {وَقَدْ أَنزَلْنَآ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ} أي على صدق محمد صلى الله عليه وسلم وصحة ما جاء به. {وَلِلْكَافِرِينَ} أي الذين يحادونه. {عَذَابٌ مُّهِينٌ} أي يهينهم ويذلهم والناصب ليوم يبعثهم العامل في الكافرين أو مهين أو أذكر أو يكون على أنه جواب لمن سأل متى يكون عذاب هؤلاء فقيل له يوم يبعثهم أي يكون يوم يبعثهم وانتصب جميعاً على الحال أي مجتمعين في صعيد واحد. {فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوۤاْ} تخجيلاً لهم وتوبيخاً. {أَحْصَاهُ ٱللَّهُ} تعالى بجميع تفاصيله من كميته وكيفيته وزمانه ومكانه. {وَنَسُوهُ} هم لاستحقارهم إياه واعتقادهم أنه لا يقع عليه حساب. {شَهِيدٌ} لا يخفى عليه شىء. {رَابِعُهُمْ} رابع إسم فاعل من ربعت القوم ومعنى رابع ثلاثة الذي صير الثلاثة أربعة وكذلك سادسهم. {وَلاَ أَدْنَىٰ مِن ذَلِكَ} إشارة إلى الثلاثة والخمسة والأدنى من الثلاثة الاثنان ومن الخمسة الأربعة. {وَلاَ أَكْثَرَ} يدل على ما يلي الستة فصاعداً. {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ نُهُواْ عَنِ ٱلنَّجْوَىٰ} نزلت في اليهود والمنافقين كانوا يتناجون دون المؤمنين وينظرون إليهم ويتغامزون بأعينهم عليهم موهمين المؤمنين من أقربائهم أنهم أصابهم شر فلا يزالون كذلك حتى تقدم أقرباؤهم فلما كثر ذلك منهم شكا المؤمنون إلى رسول الله صلى الله فأمرهم أن لا يتناجوا دون المؤمنين فلم ينتهوا فنزلت قاله ابن عباس رضي الله عنهما. {بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ ٱللَّهُ} كانوا يقولون السام عليك وهو الموت فيرد عليهم وعليكم وتحية الله تعالى لأنبيائه وسلام على عباد الله الذين اصطفى. {لَوْلاَ يُعَذِّبُنَا ٱللَّهُ بِمَا نَقُولُ} أي إن كان نبياً فما له لا يدعو علينا حتى نعذب بما تقول فقال تعالى: {حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ} ثم نهى المؤمنين أن يكون تناجيهم مثل تناجي الكفار وبدأ بالاثم لعمومه ثم بالعدوان لعظمته في النفوس إذ هي ظلامات العباد ثم ترقى إلى ما هو أعظم وهو معصية الرسول عليه السلام وفي هذا طعن على المنافقين إذ كان تناجيهم في ذلك.

الجيلاني

تفسير : {قَدْ سَمِعَ ٱللَّهُ} السميع المجيب لمناجاة خُلَّص عباده، العليم بحاجاتهم {قَوْلَ ٱلَّتِي} أي: دعاء المرأة التي {تُجَادِلُكَ} يا أكمل الرسل {فِي} حق {زَوْجِهَا} حين وقع بينهما ظهار. رُوي أن خولة بنت ثعلبة ظاهر عنها أوس بن الصامت، وكان الظهار والإيلاء حينئذٍ من عداد الطلاق، فاستفتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : حرمت عليه"تفسير : فكررها، فأجاب صلى الله عليه وسلم كذكل {وَ} بعدما أيست أخذت {تَشْتَكِيۤ إِلَى ٱللَّهِ} متضرعة خاشعة فجيعة؛ إذ لها أولاد صغار، ولا متعهد لهم سواها، فقالت مناجية إلى الله مشتكية: اللهم إني أشكو إليك، وأتضرع نحوك، فأنْزِل على نبيك ما يؤلف بيني وبين زوجي، وترحم على أولادي المعصومين، وهي على هذا فأوحى سبحانه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم: {قَدْ سَمِعَ ٱللَّهُ...}، {وَٱللَّهُ} على ما جرى بينكما {يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمآ} وتراجعكما في الكلام، وكيف لا {إِنَّ ٱللَّهَ} العلم بالسرائر والخفايا {سَمِيعٌ} لأقوال عباده {بَصِيرٌ} [المجادلة: 1] بأحوالهم ونياتهم؟! ثمَّ بيَّن سبحانه حكم الظهار فقال: {ٱلَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنكُمْ مِّن نِّسَآئِهِمْ} والظهار هو أن يقول الرجل لامرأته عند الخصومة: أنت عليَّ كظهر أمي؛ أي: شبهها بأمه المحمرة عليه، فكانت هي أيضاً محرمة على زوجها في عادة الجاهلية؛ لأن الحرمة سرت إليها بمجرد التشبيه، فصارت بمنزلة الأم، رد الله عليهم أمرهم هذا بقوله: {مَّا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ} بمجرد هذا القول الباطل {إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ} أي: ما أمهاتهم {إِلاَّ ٱللاَّئِي وَلَدْنَهُمْ} فلا يشبه بهن في الحرمة غيرهن إلاَّ ما ورد الشرع بتحريمهن، مثل أمهات الرضاع، وأزواج النبي صلى الله لعيه وسلم اللاتي هن أمهات المؤمنين {وَإِنَّهُمْ} من شدة إفراطهم وطغيانهم {لَيَقُولُونَ مُنكَراً مِّنَ ٱلْقَوْلِ} مردوداً في الشرع {وَزُوراً} باطلاً منحرفاً عن الحق في نفسه؛ إذ لا يشبه الزوجة بالأم {وَإِنَّ ٱللَّهَ} المطلع لضمائر عباده ونياتهم {لَعَفُوٌّ} لفرطات القائلين {غَفُورٌ} [المجادلة: 2] لذنوبهم لو تابوا واستغفروا. {وَٱلَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِن نِّسَآئِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ} للتلافي والتدارك مناقضين {لِمَا قَالُواْ} نادمين عنه، مسترجعين {فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ} أي: يلزمهم في الشرع تحرير رقبة في كل مرة؛ ليكون كفارة قولهم المنكر الباطل {مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَآسَّا} أي: يستمتعا ويجتمعا؛ أي: المظاهِر والمظاهَر عنها {ذَلِكُمْ} أي: إلزام الكفارة عليكم {تُوعَظُونَ بِهِ} وترتدعون عنه خوفاً من الغرامة؛ إذ ليس هو من شيم أهل الإيمان، بل من ديدنة الجاهلية الأولى {وَٱللَّهُ} المراقب على عموم أحوالكم وأعمالكم {بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} [المجادلة: 3] أي: بجميع أعمالكم ونياتكم فيها. {فَمَن لَّمْ يَجِدْ} ولم يقدر على تحرير الرقبة {فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ} أي: كفارة ظهاره: صيام شهرين {مُتَتَابِعَيْنِ} متصلين، متوالي الأيام، فإن فصل وأفطر يوماً استأنف، واشتراط التتابع والتوالي؛ لتنزجر نفسه وترتدع عنه، ولا يفعله قط، ولا يتكلم به مرة أخرى، ذلك أيضاً {مِن قَبْلِ أَن يَتَمَآسَّا} ويتجامعا {فَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ} ولم يقدر للصوم؛ لهرم أو مرض أو شبق مفرط {فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِيناً} يُعطى كل مسكين مداً من الطعام {ذَلِكَ} أي: لزوم الصوم والإطعام عند فقدان التجريد المذكور {لِتُؤْمِنُواْ} وتصدقوا {بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ} في أصول الأحكام الشرع والأوامر والنواهي الإلهية الجارية فيه، وتتركوا ما أنتم عليه من الرسوم والعادات الجاهلية بينكم في جاهليتكم الأولى {وَ} بالجملة: {تِلْكَ} الحدود المذكورة {حُدُودُ ٱللَّهِ} المصلح لأحوالكم، إنما وضعها بينكم؛ لتصلحوا بها ما أفسدتم على أنفسكم بمقتضى أهويتكم الفاسدة، وآرائكم الباطلة {وَ} اعلموا أن {لِلْكَافِرِينَ} الجاحدين الخارجين عن مقتضى الحدود الإلهية والأحكام الشرعية {عَذَابٌ أَلِيمٌ} [المجادلة: 4] في الدنيا والآخرة.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : أيتها القوى القابلة المجادلة مع القوة الفاعلة المماثلة بشكل العلم أن الله يسمع تحاوركما في وجود المحارث على وفق ما يعلم بعلم القدم، والعلم يظهر ما في القدم على القدم من الحكم ولا تحسبي أن ما يقول الله تعالى في كتابه المحكم {قَدْ سَمِعَ ٱللَّهُ قَوْلَ ٱلَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِيۤ إِلَى ٱللَّهِ وَٱللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمآ إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ} [المجادلة: 1] يكون سمعه مثل سمعك، وتجدد له العلم في استماع تحاوركما مما لم يكن به عالم، أو لم يكن لتحاروكما سميعاً لئلا تكفري بذات الله وصفاته تعالى وتقدس عما يصفه الكافرون والمشتهون والمعطلون. واعلم أيها السالك أن القوة الفاعلة الروحانية ربما تسأم من القوة القابلة الجسمانية عند إيصال الذكر إلى وجوده باشتغالها بالوارد الجديد وضبطه، وجعل القوة القابلة كظهر أمها وهي اللوح فتشكو القوة القابلة إلى ربها من القوة الفاعلة المعرضة عنها، فيرحم الله على شدة حرصها على ذوق الذكر، وأوحى اللطيفة الخفية بأني سمعت تحاوركما يعني: مراجعتكما الكلام في مراجعة القوة القابلة، وإني سميع بصير أسمع مناجاة من يناجني، ويتضرع إلي وأبصر أحوال المشتكي والمشتكى عنه، وأقول {ٱلَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنكُمْ مِّن نِّسَآئِهِمْ مَّا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلاَّ ٱللاَّئِي وَلَدْنَهُمْ} [المجادلة: 2] يعني: ليس الظاهرة في حساب؛ لأنه كلام كذب تكلم به الرجل على وفق هواه من غير أن يكون له حقيقة، وليست القوة القابلة الجسمية مثل القوة القابلة الروحية في المرتبة، فكيف يكون حراماً على القوى الفاعلة الروحية، والقوى الفاعلة الروحية ليست مثل قوة العلم الفاعل؛ لأنه في قبضته تعالى وتقدس، فالواجب للقوة الفاعلة المراجعة للقوة القابلة والاشتغال بالذكر اللساني؛ ليوصل الحرارة إلى القلب الصنبوري الشكل؛ لأن هذا القلب الصنبوري الشكل مثل الفرج للقوة القابلة، واللسان مثل الذكر للقوة الفاعلة وحرارته وريحه مثل القوة التي تظهر للذكر عند النهوض في العالم الجسماني، فإن في العالم الروحاني يكون صورة الذكر التلقيني مثل الذكر والقلب الحقيقي الذي هو معدن الفقه مثل الفرج، وهلم جرا إلى أن يصل إلى اللوح والقلم ومعرفة مماثلة اللسان والذكر والقلم والألف وآدم من حد القرآن مما لايؤذن إفشاؤه. فاعلم أن المظاهر ليست بشيء والمراجعة واجبة للقوة الفعلية؛ لأن الله تعالى يقول: {وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنكَراً مِّنَ ٱلْقَوْلِ وَزُوراً} [المجادلة: 2] يعني: منكراً الإيمان القابل في مقام النكرة اضطر إلى هذا القول المنكر لا في مقام المعرفة؛ لأن المعرفة تمنعه عن ترك الذكر اللساني ولو كان واصلاً كاملاً؛ لأن القوة ما دامت المرابطة واصلة بين الروح والبدن الاشتغال بالعبادة البدنية واجب، وتركها لصار متروكاً نعوذ بالله منه وزوراً؛ لأن القوة القابلة تحت القلم وبعبارة أخرى يسمونه العقل { وَإِنَّ ٱللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ} [المجادلة: 2] يعني: يعفو ويغفر ذنب الجاهل تحقيقه فعله إثر الذنب ويتوب بعد علمه بأن تلك الفعلة كانت ذنباً، ويكفر عن قوله كما أوجب عليه الحق كفارة لذلك القول الزور عقوبة لقائله؛ لئلا يكلم بتلك الكلمة بعد. ثم يقول تعالى: {وَٱلَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِن نِّسَآئِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُواْ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَآسَّا} [المجادلة: 3] فالواجب على السالك أن يرجع إلى الذكر اللساني ولا يلتفت إلى ما قال وقت اشتغاله بالوارد القدسي، وعليه أن يعتق رقبة مما أسر من القوى النفسية وأسلمت على يده. والإشارة إلى تحرير الرقبة هي أن تركه الذكر اللساني كان من أثر تلك القوة النفسية المسلمة على يد القوة الفاعلة الروحية، ولا يعرف هذه الإشياء إلا سالك واصل إلى حقائق القوى النفسية بالذكر اللساني، وإن لم يستطع السالك تحرير الرقبة. {فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِيناً} [المجادلة: 4] يعني: إطعام الخواطر دخلت عليه من السكينة بطعام الذكر القالبي والنفسي والقلبي والسري والروحي والخفي عشراً عشراً عدد السنين، والمراد من العشر في كل مقام أن الحواس الظاهرة والباطنة ينبغي أن تكون حاضرة وقت الذكر، فإن كانت [متغافلة] لا يحاسب به، ولا يقبل منه ولا يخرج من عهده الكفارة {ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} [المجادلة: 3] يعني: هذا الحكم أوجب عليكم ليكون لكم موعظة وعبرة وتذكرة؛ لئلا ترجعوا إلى قول الزور والمنكر الذي يلوث مجاري الذكر ويظهر فيه الضعف حتى يترك الذكر اللسان، وهذا الضعف من شؤم ما يجري على لسان السالك من الفحش، ومما لا يعنيه في دينه ودنياه {فَمَن لَّمْ يَجِدْ} [المجادلة: 4] الرقبة والطعام لفاقته {فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِن قَبْلِ أَن يَتَمَآسَّا} [المجادلة: 4] وهو السكوت عن غير الذكر القالبي والنفسي والقلبي والسري والروحي والخفي في شهرين الجسماني والروحاني من غير فترة ليظهر بذلك مجاري الذكر الكريم {فَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ} [المجادلة: 4] الصوم والإطعام لمساكين خواطر السكينة بأذكار اللطائف الستة مع حضور الحواس العشرة الظاهرة والباطنة وتحرير الرقبة {فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِيناً} [المجادلة: 4] من مساكين حرم [الصدر] وهم أهل الصفة من نزاع القبائل اجتمعوا للذكر من قبائل قوة العناصر الأربعة والصورة والمادة الجامعة في مسجد [قبالة] الدماغ، فيجب على السالك أن يطعمهم من طعام الذكر اللساني حتى يشبعوا {ذَلِكَ لِتُؤْمِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ} [المجادلة: 4] يعني: ذلك الحكم حكمنا به ليصدقوا أمر الحق، واللطيفة الخفية {وَتِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ} [المجادلة: 4] يعني: تحرير الرقبة وإطعام المساكين والقوم ولا تحسب أيها السالك أن تكرار لفظ إطعام المساكين في عالم الأنفس بلا معنى؛ لأن الله لا يكرر لفظاً إلا وله تكراره حكمة خاصة، وأشرنا إلى بعض تلك الحكمة من قبل فاجتهد أن تفهمها {وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [المجادلة: 4] يعني: من يكفر بحدودنا ولم يصدق نبينا، ولم يؤمن بواردنا من القوى القالبية والنفسية المعاندة الكافرة يعذب بها عذاباً أليماً وقت كشف الغطاء بأن يطلع على حكمتنا المودعة في تلك الأحكام المنتجة للمؤتمر بها تعم المعارف وتجعلها سبب إنزاع الآلات والأدوات عنها بالائتمار بها عذاب خسرة الفوت، وهو أشد العذاب {إِنَّ ٱلَّذِينَ يُحَآدُّونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ} [المجادلة: 5] يعني: الكافرة والمشركة القالبية والنفسية يحادون الله واللطيفة المرسلة الخفية، ويخالفون أمر الوارد ويتعدون حدود الله {كُبِتُواْ كَمَا كُبِتَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ} [المجادلة: 5] يعني: أذلوا وأهلكوا وكبوا على وجوههم لاستكبارهم وإبائهم الحق، كما أذل وأهلك من القوى المستكبرة على اللطائف المرسلة {وَقَدْ أَنزَلْنَآ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ} [المجادلة: 5] أنفسية على السالك، فإذا لم يؤمن بها، ويكفر بنعمة الآيات النعمة الأنفسية {أية : وَلَهُ عَذَابٌ مُّهِينٌ}تفسير : [النساء: 14]. كما يقول تعالى: {وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُّهِينٌ} [المجادلة: 5] والعذاب المهين: هو أن يكون السالك في أعين أهل الحق مهيناً ذليلاً [كثيف] على قلوبهم ثقيلاً وللقوى الكافرة أن تكون مدركة بعد اطلاعها على إهانتها على تضييع أوقات كسبها لعزة الدائمة لنفسها {يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ ٱللَّهُ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوۤاْ أَحْصَاهُ ٱللَّهُ وَنَسُوهُ} [المجادلة: 6] يوم يكشف الغطاء ويبعثهم من قبور القوالب المظلمة؛ فيجزيهم الله بأعمالهم التي أحصاها وحفظها حين نسيها عملوها {وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} [المجادلة: 6] يعني: عليم مطلع على جميع ما يصدر منهم حاضر معهم، ولكنهم لكثافة حجبهم وظلام وجودهم كانوا غافلين عنه، جاهلين بحضوره وسر معانيه، كافرين بأحكامه.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : نزلت هذه الآيات الكريمات في رجل من الأنصار اشتكته زوجته [إلى الله، وجادلته] إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لما حرمها على نفسه، بعد الصحبة الطويلة، والأولاد، وكان هو رجلا شيخا كبيرا، فشكت حالها وحاله إلى الله وإلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وكررت ذلك، وأبدت فيه وأعادت. فقال تعالى: { قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا } أي: تخاطبكما فيما بينكما، { إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ } لجميع الأصوات، في جميع الأوقات، على تفنن الحاجات. { بَصِيرٌ } يبصر دبيب النملة السوداء، على الصخرة الصماء في الليلة الظلماء، وهذا إخبار عن كمال سمعه وبصره، وإحاطتهما بالأمور الدقيقة والجليلة، وفي ضمن ذلك الإشارة بأن الله [تعالى] سيزيل شكواها، ويرفع بلواها، ولهذا ذكر حكمها، وحكم غيرها على وجه العموم، فقال: { الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلا اللائِي وَلَدْنَهُمْ }. المظاهرة من الزوجة: أن يقول الرجل لزوجته: "أنت علي كظهر أمي" أو غيرها من محارمه، أو "أنت علي حرام" وكان المعتاد عندهم في هذا لفظ "الظهر" ولهذا سماه الله "ظهارا" فقال: { الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ } أي: كيف يتكلمون بهذا الكلام الذي يعلم أنه لا حقيقة له، فيشبهون أزواجهم بأمهاتهم اللاتي ولدنهم؟ ولهذا عظم الله أمره وقبحه، فقال: { وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا } أي: قولا شنيعا، { وزورا } أي: كذبا. { وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ } عمن صدر منه بعض المخالفات، فتداركها بالتوبة النصوح. { وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا } اختلف العلماء في معنى العود، فقيل: معناه العزم على جماع من ظاهر منها، وأنه بمجرد عزمه تجب عليه الكفارة المذكورة، ويدل على هذا، أن الله تعالى ذكر في الكفارة أنها تكون قبل المسيس، وذلك إنما يكون بمجرد العزم، وقيل: معناه حقيقة الوطء، ويدل على ذلك أن الله قال: { ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا } والذي قالوا إنما هو الوطء. وعلى كل من القولين { فـ } إذا وجد العود، صار كفارة هذا التحريم { تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ } مُؤْمِنَةٍ كما قيدت في آية أخرىذكر أو أنثى، بشرط أن تكون سالمة من العيوب المضرة بالعمل. { مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا } أي: يلزم الزوج أن يترك وطء زوجته التي ظاهر منها حتى يكفر برقبة. { ذَلِكُمْ } الحكم الذي ذكرناه لكم، { تُوعَظُونَ بِهِ } أي: يبين لكم حكمه مع الترهيب المقرون به، لأن معنى الوعظ ذكر الحكم مع الترغيب والترهيب، فالذي يريد أن يظاهر، إذا ذكر أنه يجب عليه عتق رقبة كف نفسه عنه، { وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ } فيجازي كل عامل بعمله. { فَمَنْ لَمْ يَجِدْ } رقبة يعتقها، بأن لم يجدها أو [لم] يجد ثمنها { فـ } عليه { صِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ } الصيام { فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا } إما بأن يطعمهم من قوت بلده ما يكفيهم، كما هو قول كثير من المفسرين، وإما بأن يطعم كل مسكين مُدَّ بُرٍّ أو نصف صاع من غيره مما يجزي في الفطرة، كما هو قول طائفة أخرى. ذلك الحكم الذي بيناه لكم، ووضحناه لكم { لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ } وذلك بالتزام هذا الحكم وغيره من الأحكام، والعمل به، فإن التزام أحكام الله، والعمل بها من الإيمان، [بل هي المقصودة] ومما يزيد به الإيمان ويكمل وينمو. { وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ } التي تمنع من الوقوع فيها، فيجب أن لا تتعدى ولا يقصر عنها. { وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ } وفي هذه الآيات، عدة أحكام: منها: لطف الله بعباده واعتناؤه بهم، حيث ذكر شكوى هذه المرأة المصابة، وأزالها ورفع عنها البلوى، بل رفع البلوى بحكمه العام لكل من ابتلي بمثل هذه القضية. ومنها: أن الظهار مختص بتحريم الزوجة، لأن الله قال { مِنْ نِسَائِهِمْ } فلو حرم أمته، لم يكن [ذلك] ظهارا، بل هو من جنس تحريم الطعام والشراب، تجب فيه كفارة اليمين فقط. ومنها: أنه لا يصح الظهار من امرأة قبل أن يتزوجها، لأنها لا تدخل في نسائه وقت الظهار، كما لا يصح طلاقها، سواء نجز ذلك أو علقه. ومنها: أن الظهار محرم، لأن الله سماه منكرا [من القول] وزورا. ومنها: تنبيه الله على وجه الحكم وحكمته، لأن الله تعالى قال: { مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ }. ومنها: أنه يكره للرجل أن ينادي زوجته ويسميها باسم محارمه، كقوله " يا أمي " " يا أختي " ونحوه، لأن ذلك يشبه المحرم. ومنها: أن الكفارة إنما تجب بالعود لما قال المظاهر، على اختلاف القولين السابقين، لا بمجرد الظهار. ومنها: أنه يجزئ في كفارة الرقبة، الصغير والكبير، والذكر والأنثى، لإطلاق الآية في ذلك. ومنها: أنه يجب إخراجها إن كانت عتقا أو صياما قبل المسيس، كما قيده الله. بخلاف كفارة الإطعام، فإنه يجوز المسيس والوطء في أثنائها. ومنها: أنه لعل الحكمة في وجوب الكفارة قبل المسيس، أن ذلك أدعى لإخراجها، فإنه إذا اشتاق إلى الجماع، وعلم أنه لا يمكن من ذلك إلا بعد الكفارة، بادر لإخراجها. ومنها: أنه لا بد من إطعام ستين مسكينا، فلو جمع طعام ستين مسكينا، ودفعها لواحد أو أكثر من ذلك، دون الستين لم يجز ذلك، لأن الله قال: { فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا }.

النسائي

تفسير : بسم الله الرحمن الرحيم سورة المجادلة 590 - أخبرنا إسحاقُ بنُ إبراهيم، قال: أخبرنا جريرٌ، عن الأعمشِ، عن تميم بن سلمة، عن عُروةَ، عن عائشة، أنها قالت: الحمدُ لله الذي وسع سمعُهُ الأصوات، لقد جاءت خولةُ إلى رسولِ الله صلى الله عليه وسلم تشكو زوجها، فكان يخفي عليّ كلامُها، فأنزل اللهُ (عزَّ وجلَّ) {قَدْ سَمِعَ ٱللَّهُ قَوْلَ ٱلَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِيۤ إِلَى ٱللَّهِ وَٱللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمآ} الآية [1].

همام الصنعاني

تفسير : 3166- عبد الرزاق، عن معمر، عن أبي إسحاق، في قوله تعالى: {قَدْ سَمِعَ ٱللَّهُ قَوْلَ ٱلَّتِي تُجَادِلُكَ}: [الآية: 1]، قال: حديث : نزلت في امرأة اسمها خولة. قال معمر، قال عِكْرِمة أيضاً: اسمها خولة بنت ثعلبة، وزوجها أوس بن الصامت فقال: جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إن زوجي حعلها عليه كظهْرِ أُمِّهِ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "ما أرَاكِ إلاَّ وقد حُرِمتِ عليه" وهو حينئذ يغسل رأسه، فقالت: انظر، جعلني الله فِداك يا نبي الله، قال: "ما أراكِ إلاَّ قد حرمت عليه" قالت: انظر في شأني، فجعلت تجادله، ثم حَوَّلَ شق رأسهِ الآخر ليغسله، فتحولت من الجانب الآخر فقالت: انظر جعلني الله فداك يا نبي الله، فقالت الغاسلة: أقصري مِنْ حَديثكِ ومجادلتك ياخولة، أمَا ترينَ وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم قد تربَّد ليوحى إليه،تفسير : فأنزل الله تعالى: {قَدْ سَمِعَ ٱللَّهُ قَوْلَ ٱلَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا} [الآية: 1]... حتى بلغ {ثُمَّ يَعُودُونَ}: [الآية: 3]، قال قتادة: حَرَّمَهَا ثم يريد أن يعود لها يطؤها. {فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَآسَّا}: [الآية: 3] ... حَتّى بَلَغَ: {بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ}: [الآية: 3]. 3168- عبد الرزاق، عن معمر، قتاد، في قوله تعالى: {مُنكَراً مِّنَ ٱلْقَوْلِ وَزُوراً}: [الآية: 2]، قال: الزور الكذب. 3169- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن ابن طَاوس، عن أبيه: {ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُواْ}: [الآية: 3]، قال: الوطء. 3170- حدثنا عبد الزراق، عن معمر، عن الزهري، في قوله تعالى: {فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَآسَّا}: [الآية: 3]، قال: يجزئ ها هنا الطفل.