Verse. 5106 (AR)

٥٨ - ٱلْمُجَادِلَة

58 - Al-Mujadila (AR)

اَلَّذِيْنَ يُظٰہِرُوْنَ مِنْكُمْ مِّنْ نِّسَاۗىِٕــہِمْ مَّا ہُنَّ اُمَّہٰتِہِمْ۝۰ۭ اِنْ اُمَّہٰتُہُمْ اِلَّا اڿ وَلَدْنَہُمْ۝۰ۭ وَاِنَّہُمْ لَيَقُوْلُوْنَ مُنْكَرًا مِّنَ الْقَوْلِ وَزُوْرًا۝۰ۭ وَ اِنَّ اللہَ لَعَفُوٌّ غَفُوْرٌ۝۲
Allatheena yuthahiroona minkum min nisaihim ma hunna ommahatihim in ommahatuhum illa allaee waladnahum wainnahum layaqooloona munkaran mina alqawli wazooran wainna Allaha laAAafuwwun ghafoorun

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«الذين يظَّهَّرون» أصله يتظهرون أدغمت التاء في الظاء، وفي قراءة بألف بين الظاء والهاء الخفيفة وفي أخرى كيقاتلون والموضع الثاني كذلك «منكم من نسائهم ما هن أمهاتهم إن أمهاتهم إلا اللأئي» بهمزة وياء وبلا ياء «ولدنهم وإنهم ْ» بالظهار «ليقولن منكرا من القول وزورا» كذبا «وإن الله لعفو غفور».

2

Tafseer

الرازي

تفسير : قوله تعالى: {ٱلَّذِينَ يُظَـٰهِرُونَ مِنكُمْ مّن نّسَائِهِمْ مَّا هُنَّ أُمَّهَـٰتِهِمْ } اعلم أن قوله: {ٱلَّذِينَ يُظَـٰهِرُونَ } فيه مسألتان: المسألة الأولى: ما يتعلق بالمباحث اللغوية والفقهية، فنقول في هذه الآية بحثان. أحدهما: أن الظهار ما هو؟. الثاني: أن المظاهر من هو؟ وقوله: {مِن نّسَائِهِمْ } فيه بحث: وهو أن المظاهر منها من هي؟. أما البحث الأول: وهو أن الظهار ما هو؟ ففيه مقامان: المقام الأول: في البحث عن هذه اللفظة بحسب اللغة وفيه قولان: أحدهما: أنه عبارة عن قول الرجل لإمرأته: أنت علي كظهر أمي، فهو مشتق من الظهر. والثاني: وهو صاحب «النظم»، أنه ليس مأخوذاً من الظهر الذي هو عضو من الجسد، لأنه ليس الظهر أولى بالذكر في هذا الموضع من سائر الأعضاء التي هي مواضع المباضعة والتلذذ، بل الظهر ههنا مأخوذ من العلو، ومنه قوله تعالى: {أية : فَمَا ٱسْطَـٰعُواْ أَن يَظْهَرُوهُ } تفسير : [الكهف: 97] أي يعلوه، وكل من علا شيئاً فقد ظهره، ومنه سمي المركوب ظهراً، لأن راكبه يعلوه، وكذلك امرأة الرجل ظهره، لأنه يعلوها بملك البضع، وإن لم يكن من ناحية الظهر، فكأن امرأة الرجل مركب للرجل وظهر له، ويدل على صحة هذا المعنى أن العرب تقول في الطلاق: نزلت عن امرأتي أي طلقتها، وفي قولهم: أنت عليَّ كظهر أمي، حذف وإضمار، لأن تأويله: ظهرك علي، أي ملكي إياك، وعلوي عليك حرام، كما أن علوي على أمي وملكها حرام علي. المقام الثاني: في الألفاظ المستعملة بهذا المعنى في عرف الشريعة. الأصل في هذا الباب أن يقال: أنت علي كظهر أمي، فإما أن يكون لفظ الظهر، ولفظ الأم مذكورين وإما أن يكون لفظ الأم مذكوراً دون لفظ الظهر، وإما أن يكون لفظ الظهر مذكوراً دون لفظ الأم، وإما أن لا يكون واحد منهما مذكوراً، فهذه أقسام أربعة. القسم الأول: إذا كانا مذكورين وهو معتبر بالاتفاق، ثم لا مناقشة في الصلات إذا انتظم الكلام، فلو قال: أنت علي كظهر أمي، أو أنت مني كظهر أمي، فهذه الصلات كلها جائزة ولو لم يستعمل صلة، وقال: أنت كظهر أمي، فقيل: إنه صريح، وقيل: يحتمل أن يريد إنها كظهر أمه في حق غيره، ولكن هذا الاحتمال كما لو قال لامرأته: أنت طالق، ثم قال: أردت بذلك الإخبار عن كونها طالقاً من جهة فلان. القسم الثاني: أن تكون الأم مذكورة، ولا يكون الظهر مذكوراً، وتفصيل مذهب الشافعي فيه أن الأعضاء قسمان، منها ما يكون التشبيه بها غير مشعر بالإكرام، ومنها ما يكون التشبيه بها مشعر بالإكرام، أما الأول: فهو كقوله: أنت علي كرجل أمي، أو كيد أمي، أو كبطن أمي، وللشافعي فيه قولان: الجديد أن الظهار يثبت، والقديم أنه لا يثبت، أما الأعضاء التي يكون التشبيه بها سبباً للإكرام، فهو كقوله: أنت علي كعين أمي، أو روح أمي، فإن أراد الظهار كان ظهاراً، وإن أراد الكرامة فليس بظهار، فإن لفظه محتمل لذلك، وإن أطلق ففيه تردد، هذا تفصيل مذهب الشافعي، وأما مذهب أبي حنيفة، فقال أبو بكر الرازي في «أحكام القرآن»: إذا شبه زوجته بعضو من الأم يحل له النظر إليه لم يكن ظهاراً، وهو قوله: أنت علي كيد أمي أو كرأسها، أما إذا شبهها بعضو من الأم يحرم عليه النظر إليه كان ظهاراً، كما إذا قال: أنت علي كبطن أمي أو فخذها، والأقرب عندي هو القول القديم للشافعي، وهو أنه لا يصح الظهار بشيء من هذه الألفاظ، والدليل عليه أن حل الزوجة كان ثابتاً، وبراءة الذمة عن وجوب الكفارة كانت ثابتة، والأصل في الثابت البقاء على ما كان ترك العمل به فيما إذا قال: أنت علي كظهر أمي لمعنى مفقود في سائر الصور، وذلك لأن اللفظ المعهود في الجاهلية هو قوله: أنت علي كظهر أمي، ولذلك سمي ظهاراً، فكان هذا اللفظ بسبب العرف مشعراً بالتحريم، ولم يوجد هذا المعنى في سائر الألفاظ، فوجب البقاء على حكم الأصل. القسم الثالث: ما إذا كان الظهر مذكوراً ولم تكن الأم مذكورة، فهذا يدل على ثلاثة مراتب: المرتبة الأولى: أن يجري التشبيه بالمحرمات من النسب والرضاع، وفيه قولان: القديم أنه لا يكون ظهاراً، والقول الجديد أنه يكون ظهاراً، وهو قول أبي حنيفة. المرتبة الثانية: تشبيهها بالمرأة المحرمة تحريماً مؤقتاً مثل أن يقول لامرأته: أنت علي كظهر فلانة، وكان طلقها والمختار عندي أن شيئاً من هذا لا يكون ظهاراً، ودليله ما ذكرناه في المسألة السالفة، وحجة أبي حنيفة أنه تعالى قال: {وَٱلَّذِينَ يُظَـٰهِرُونَ } وظاهر هذه الآية يقتضي حصول الظهار بكل محرم فمن قصره على الأم فقد خص والجواب: أنه تعالى لما قال بعده: {مَّا هُنَّ أُمَّهَـٰتِهِمْ إِنْ أُمَّهَـٰتُهُمْ إِلاَّ ٱللاَّئِى وَلَدْنَهُمْ } دل على أن المراد هو الظهار بذكر الأم، ولأن حرمة الأم أشد من حرمة سائر المحارم، فنقول: المقتضي لبقاء الحل قائم على ما بيناه، وهذا الفارق موجود، فوجب أن لا يجوز القياس. القسم الرابع: ما إذا لم يذكر لا الظهر ولا الأم، كما لو قال: أنت علي كبطن أختي، وعلى قياس ما تقدم يجب أن لا يكون ذلك ظهاراً. البحث الثاني: في المظاهر، وفيه مسألتان: المسألة الأولى: قال الشافعي رحمه الله: الضابط أن كل من صح طلاقه صح ظهاره، فعلى هذا ظهار الذمي عنده صحيح، وقال أبو حنيفة لا يصح، واحتج الشافعي بعموم قوله تعالى: {وَٱلَّذِينَ يُظَـٰهِرُونَ مِن نّسَائِهِمْ } وأما القياس فمن وجهين الأول: أن تأثير الظهار في التحريم والذمي أهل لذلك، بدليل صحة طلاقه، وإذا ثبت هذا وجب أن يصح هذا التصرف منه قياساً على سائر التصرفات الثاني: أن الكفارة إنما وجبت على المسلم زجراً له عن هذا الفعل الذي هو منكر من القول وزور، وهذا المعنى قائم في حق الذمي فوجب أن يصح، واحتجوا لقول أبي حنيفة بهذه الآية من وجهين الأول: احتج أبو بكر الرازي بقوله تعالى: {وَٱلَّذِينَ يُظَـٰهِرُونَ مِنكُمْ مّن نّسَائِهِمْ } وذلك خطاب للمؤمنين فيدل على أن الظهار مخصوص بالمؤمنين الثاني: من لوازم الظهار الصحيح، وجوب الصوم على العائد العاجز عن الإعتاق بدليل قوله تعالى: {أية : وَٱلَّذِينَ يُظَـٰهِرُونَ مِن نّسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُواْ} تفسير : إلى قوله {أية : فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ } تفسير : [المجادلة: 3 ـ 4] وإيجاب الصوم على الذمي ممتنع، لأنه لو وجب لوجب، إما مع الكفر وهو باطل بالإجماع، أو بعد الإيمان وهو باطل، لقوله عليه السلام: «حديث : الإسلام يجب ما قبله» تفسير : والجواب: عن الأول من وجوه أحدها: أن قوله: {مِّنكُمْ } خطاب مشافهة فيتناول جميع الحاضرين، فلم قلتم: إنه مختص بالمؤمنين؟ سلمنا أنه مختص بالمؤمنين، فلم قلتم: إن تخصيصه بالمؤمنين في الذكر يدل على أن حال غيرهم بخلاف ذلك، لا سيما ومن مذهب هذا القائل: أن التخصيص بالذكر لا يدل على أن حال ما عداه بخلافه، سلمنا بأنه يدل عليه، لكن دلالة المفهوم أضعف من دلالة المنطوق، فكان التمسك بعموم قوله: {وَٱلَّذِينَ يُظَـٰهِرُونَ } أولى، سلمنا الاستواء في القوة، لكن مذهب أبي حنيفة أن العام إذا ورد بعد الخاص كان ناسخاً للخاص، والذي تمسكنا به وهو قوله: {أية : وَٱلَّذِينَ يُظَـٰهِرُونَ مِن نّسَائِهِمْ } تفسير : [المجادلة: 3] متأخر في الذكر عن قوله: {ٱلَّذِينَ يُظَـٰهِرُونَ مِنكُمْ } والظاهر أنه كان متأخراً في النزول أيضاً لأن قوله: {ٱلَّذِينَ يُظَـٰهِرُونَ مِنكُمْ } ليس فيه بيان حكم الظهار، وقوله: {وَٱلَّذِينَ يُظَـٰهِرُونَ مِن نّسَائِهِمْ } فيه بيان حكم الظهار، وكون المبين متأخراً في النزول عن المجمل أولى والجواب عن الثاني من وجوه الأول: أن لوازمه أيضاً أنه متى عجز عن الصوم اكتفى منه بالإطعام فههنا إن تحقق العجز وجب أن يكتفى منه بالإطعام، وإن لم يتحقق العجز فقد زال السؤال، والثاني: أن الصوم يدل عن الإعتاق، والبدل أضعف من المبدل، ثم إن العبد عاجز عن الإعتاق مع أنه يصح ظهاره، فإذا كان فوات أقوى اللازمين لا يوجب المنع، مع صحة الظهار، ففوات أضعف اللازمين كيف يمنع من القول بصحة الظهار الثالث: قال القاضي حسين من أصحابنا إنه يقال: إن أردت الخلاص من التحريم، فأسلم وصم، أما قوله عليه والسلام: «حديث : الإسلام يجب ما قبله» تفسير : قلنا: إنه عام، والتكليف بالتكفير خاص، والخاص مقدم على العام، وأيضاً فنحن لا نكلفه بالصوم بل نقول: إذا أردت إزالة التحريم فصم، وإلا فلا تصم. المسألة الثانية: قال الشافعي وأبو حنيفة ومالك رحمهم الله: لا يصح ظهار المرأة من زوجها وهو أن تقول المرأة لزوجها: أنت علي كظهر أمي، وقال الأزواعي: هو يمين تكفرها، وهذا خطأ لأن الرجل لا يلزمه بذلك كفارة يمين، وهو الأصل فكيف يلزم المرأة ذلك؟ ولأن الظهار يوجب تحريماً بالقول، والمرأة لا تملك ذلك بدليل أنها لا تملك الطلاق. المسألة الثالثة: قال الشافعي وأبو حنيفة إذا قال أنت علي كظهر أمي اليوم، بطل الظهار بمضي اليوم، وقال مالك وابن أبي ليلى، هو مظاهر أبداً لنا أن التحريم الحاصل بالظهار قابل للتوقيت وإلا لما انحل بالتفكير، وإذا كان قابلاً للتوقيت، فإذا وقته وجب أن يتقدر بحسب ذلك التوقيت قياساً على اليمين، فهذا ما يتعلق من المسائل بقوله تعالى: {ٱلَّذِينَ يُظَـٰهِرُونَ }، أما قوله تعالى: {مِن نّسَائِهِمْ } فيتعلق به أحكام المظاهر منه، واختلفوا في أنه هل يصح الظهار عن الأمة؟ فقال أبو حنيفة والشافعي: لا يصح، وقال مالك والأوزاعي: يصح، حجة الشافعي أن الحل كان ثابتاً، والتكفير لم يكن واجباً، والأصل في الثابت البقاء، والآية لا تتناول هذه الصورة لأن قوله: {أية : وَٱلَّذِينَ يُظَـٰهِرُونَ مِن نّسَائِهِمْ } تفسير : [المجادلة: 3] يتناول الحرائر دون الإماء، والدليل عليه قوله: {أية : أَوْ نِسَائِهِنَّ } تفسير : [النور: 31] والمفهوم منه الحرائر ولولا ذلك لما صح عطف قوله: {أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُهُنَّ } لأن الشيء لا يعطف على نفسه، وقال تعالى: {أية : وَأُمَّهَـٰتُ نِسَائِكُمْ } تفسير : [النساء: 23] فكان ذلك على الزوجات دون ملك اليمين. المسألة الرابعة: فيما يتعلق بهذه الآية من القراءات، قال أبو علي: قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمر: {وَٱلَّذِينَ يُظَـٰهِرُونَ } بغير الألف، وقرأ عاصم: {يُظَـٰهِرُونَ } بضم الياء وتخفيف الظاء والألف، وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي يظاهرون بفتح الياء وبالألف مشددة الظاء، قال أبو علي: ظاهر من امرأته، ظهر مثل ضاعف وضعف، وتدخل التاء على كل واحد منهما فيصير تظاهر وتظهر، ويدخل حرف المضارعة فيصير يتظاهر ويتظهر، ثم تدغم التاء في الظاء لمقاربتها لها، فيصير يظاهر ويظهر، وتفتح الياء التي هي حرف المضارعة، لأنها للمطاوعة كما يفتحها في يتدحرج الذي هو مطاوع، دحرجته فتدحرج، وإنما فتح الياء في يظاهر ويظهر، لأنه المطاوع كما أن يتدحرج كذلك، ولأنه على وزنهما، وإن لم يكونا للإلحاق، وأما قراءة عاصم يظاهرون فهو مشتق من ظاهر يظاهر إذا أتى بمثل هذا التصرف. المسألة الخامسة: لفظة: {مِنكُمْ } في قوله: {ٱلَّذِينَ يُظَـٰهِرُونَ مِنكُمْ } توبيخ للعرب وتهجين لعادتهم في الظهار لأنه كان من أيمان أهل الجاهلية خاصة دون سائر الأمم، وقوله تعالى: {مَّا هُنَّ أُمَّهَـٰتِهِمْ } فيه مسألتان: المسألة الأولى: قرأ عاصم في رواية المفضل: {أُمَّهَـٰتِهِمْ } بالرفع والباقون بالنصب على لفظ الخفض، وجه الرفع أنه لغة تميم، قال سيبويه: وهو أقيس الوجهين، وذلك أن النفي كالاستفهام فكما لا يغير الاستفهام الكلام عما كان عليه، فكذا ينبغي أن لا يغير النفي الكلام عما كان عليه، ووجه النصب أنه لغة أهل الحجاز والأخذ في التنزيل بلغتهم أولى، وعليها جاء قوله: {أية : مَا هَـٰذَا بَشَرًا } تفسير : [يوسف: 31] ووجهه من القياس أن ما تشبه ليس في أمرين أحدهما: أن: (ما) تدخل على المبتدأ والخبر، كما أن (ليس) تدخل عليهما والثاني: أن (ما) تنفي ما في الحال، كما أن (ليس) تنفي ما في الحال، وإذا حصلت المشابهة من وجهين وجب حصول المساواة في سائر الأحكام، إلا ما خص بالدليل قياساً على باب مالا ينصرف. المسألة الثانية: في الآية إشكال: وهو أن من قال لامرأته: أنت علي كظهر أمي، فهو شبه الزوجة بالأم، ولم يقل: إنها أم، فكيف يليق أن يقال على سبيل الإبطال لقوله: {مَّا هُنَّ أُمَّهَـٰتِهِمْ } وكيف يليق أن يقال: {وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنكَراً مّنَ ٱلْقَوْلِ وَزُوراً } والجواب: أما الكذب إنما لزم لأن قوله: أنت علي كظهر أمي، إما أن يجعله إخباراً أو إنشاء وعلى التقدير الأول أنه كذب، لأن الزوجة محللة والأم محرمة، وتشبيه المحللة بالمحرمة في وصف الحل والحرمة كذب، وإن جعلناه إنشاء كان ذلك أيضاً كذباً، لأن كونه إنشاء معناه أن الشرع جعله سبباً في حصول الحرمة، فلما لم يرد الشرع بهذا التشبيه، كان جعله إنشاء في وقوع هذا الحكم يكون كذباً وزوراً، وقال بعضهم: إنه تعالى إنما وصفه بكونه: {مُنكَراً مّنَ ٱلْقَوْلِ وَزُوراً } لأن الأم محرمة تحريماً مؤبداً، والزوجة لا تحرم عليه بهذا القول تحريماً مؤبداً، فلا جرم كان ذلك منكراً من القول وزوراً، وهذا الوجه ضعيف لأن تشبيه الشيء بالشيء لا يقتضي وقوع المشابهة بينهما من كل الوجوه، فلا يلزم من تشبيه الزوجة بالأم في الحرمة تشبيهها بها في كون الحرمة مؤبدة، لأن مسمى الحرمة أعم من الحرمة المؤبدة والمؤقتة. قوله تعالى: {إِنْ أُمَّهَـٰتُهُمْ إِلاَّ ٱللاَّئِى وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنكَراً مّنَ ٱلْقَوْلِ وَزُوراً } أما الكلام في تفسير لفظة اللائي، فقد تقدم في سورة الأحزاب عند قوله: {أية : وَمَا جَعَلَ أَزْوٰجَكُمُ ٱللاَّئِى تُظَـٰهِرُونَ } تفسير : [الأحزاب: 4] ثم في الآية سؤالان: وهو أن ظاهرها يقتضي أنه لا أم إلا الوالدة، وهذا مشكل، لأنه قال في آية آخرى: {أية : وَأُمَّهَـٰتُكُمُ الْلاَّتِى أَرْضَعْنَكُمْ } تفسير : [النساء: 23] وفي آية أخرى: {أية : وَأَزْوٰجُهُ أُمَّهَـٰتُهُمْ } تفسير : [الأحزاب: 6] ولا يمكن أن يدفع هذا السؤال بأن المعنى من كون المرضعة أماً، وزوجة الرسول أماً، حرمة النكاح، وذلك لأنا نقول: إن بهذا الطريق ظهر أنه لا يلزم من عدم الأمومة الحقيقية عدم الحرمة، فإذاً لا يلزم من عدم كون الزوجة أماً عدم الحرمة، وظاهر الآية يوهم أنه تعالى استدل بعدم الأمومة على عدم الحرمة، وحينئذ يتوجه السؤال والجواب: أنه ليس المراد من ظاهر الآية ما ذكره السائل بل تقدير الآية كأنه قيل: الزوجة ليست بأم، حتى تحصل الحرمة بسبب الأمومة، ولم يرد الشرع بجعل هذا اللفظ سبباً لوقوع الحرمة حتى تحصل الحرمة، فإذاً لا تحصل الحرمة هناك ألبتة فكان وصفهم لها بالحرمة كذباً وزوراً. ثم قال تعالى: {وَإِنَّ ٱللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ } إما من غير التوبة لمن شاء كما قال: {وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء } أو بعد التوبة.

القرطبي

تفسير : فيه ثلاث وعشرون مسألة: الأولى: قوله تعالى: {ٱلَّذِينَ يُظَـٰهِرُونَ} قرأ ٱبن عامر وحمزة والكسائي وخلف «يظَّاهُرونَ» بفتح الياء وتشديد الظاء وألف. وقرأ نافع وٱبن كثير وأبو عمرو ويعقوب «يَظَّهّرُونَ» بحذف الألف وتشديد الهاء والظاء وفتح الياء. وقرأ أبو العالية وعاصم وزِرّ بن حُبَيش «يُظاهِرُونَ» بضم الياء وتخفيف الظاء وألف وكسر الهاء. وقد تقدّم هذا في «الأحزاب». وفي قراءة أبَي «يَتَظَاهَرُونَ» وهي معنى قراءة ٱبن عامر وحمزة. وذِكر الظهر كناية عن معنى الركوب، والآدمية إنما يركب بطنها ولكن كنّي عنه بالظهر؛ لأن ما يركب من غير الآدميات فإنما يركب ظهره، فكنّي بالظهر عن الركوب. ويقال: نزل عن ٱمرأته أي طلقها كأنه نزل عن مركوب. ومعنى أنت عليّ كظهر أمّي: أي أنت عليّ محرّمة لا يحلّ لي ركوبك. الثانية: حقيقة الظهار تشبيه ظهر بظهر، والموجب للحكم منه تشبيه ظهرٍ محلل بظهرٍ محرّم؛ ولهذا أجمع الفقهاء على أن من قال لزوجته: أنت عليّ كظهر أمي أنه مظاهر. وأكثرهم على أنه إن قال لها: أنت عليّ كظهر ٱبنتي أو أختي أو غير ذلك من ذوات المحارم أنه مظاهر. وهو مذهب مالك وأبي حنيفة وغيرهما. وٱختلف فيه عن الشافعي رضي الله عنه؛ فروي عنه نحو قول مالك؛ لأنه شبّه ٱمرأته بظهر محرّم عليه مؤبَّد كالأم. وروى عنه أبو ثور: أن الظهار لا يكون إلا بالأم وحدها. وهو مذهب قتادة والشعبي. والأوّل قول الحسن والنخعي والزهري والأوزاعي والثوري. الثالثة: أصل الظهار أن يقول الرجل لامرأته: أنت عليّ كظهر أمي. وإنما ذكر الله الظهر كناية عن البطن وستراً. فإن قال: أنت عليّ كأمي ولم يذكر الظهر، أو قال: أنت عليّ مثل أمي؛ فإن أراد الظهار فله نيته، وإن أراد الطلاق كان مطلقاً الْبَتَّة عند مالك، وإن لم تكن له نية في طلاق ولا ظهار كان مظاهراً. ولا ينصرف صريح الظهار بالنية إلى الطلاق؛ كما لا ينصرف صريح الطلاق وكنايته المعروفة له إلى الظهار، وكناية الظهار خاصة تنصرف بالنية إلى الطلاق الْبَتّ. الرابعة: ألفاظ الظهار ضربان: صريح وكناية؛ فالصريح أنت عليّ كظهر أمي، وأنت عندي وأنتِ مني وأنتِ معي كظهر أمي. وكذلك أنت عليّ كبطن أمي أو كرأسها أو فرجها أو نحوه، وكذلك فرجك أو رأسك أو ظهرك أو بطنك أو رجلك عليّ كظهر أمي فهو مظاهر؛ مثل قوله: يدك أو رجلك أو رأسك أو فرجك طالق تطلق عليه. وقال الشافعي في أحد قوليه: لا يكون ظهاراً. وهذا ضعيف منه؛ لأنه قد وافقنا على أنه يصح إضافة الطلاق إليه خاصة حقيقة خلافاً لأبي حنيفة فصح إضافة الظهار إليه. ومتى شبهها بأمه أو بإحدى جداته من قبل أبيه أو أمه فهو ظهار بلا خلاف. وإن شبهها بغيرهن من ذوات المحارم التي لا تحل له بحال كالبنت والأخت والعمة والخالة كان مظاهراً عند أكثر الفقهاء، وعند الإمام الشافعي رضي الله عنه على الصحيح من المذهب على ما ذكرنا. والكناية أن يقول: أنت عليّ كأمي أو مثل أمي فإنه يعتبر فيه النية. فإن أراد الظهار كان ظهاراً، وإن لم يرد الظهار لم يكن مظاهراً عند الشافعي وأبي حنيفة. وقد تقدّم مذهب مالك رضي الله عنه في ذلك؛ والدليل عليه أنه أطلق تشبيه ٱمرأته بأمّه فكان ظهاراً. أصله إذا ذكر الظهر وهذا قوي فإن معنى اللفظ فيه موجود ـ واللفظ بمعناه ـ ولم يلزم حكم الظهر للفظه وإنما ألْزِمَه بمعناه وهو التحريم؛ قاله ٱبن العربي. الخامسة: إذا شبه جملة أهله بعضو من أعضاء أمّه كان مظاهراً؛ خلافاً لأبي حنيفة في قوله: إنه إن شبهها بعضو يحلّ له النظر إليه لم يكن مظاهراً. وهذا لا يصح؛ لأن النظر إليه على طريق الاستمتاع لا يحل له، وفيه وقع التشبيه وإياه قصد المظاهر؛ وقد قال الإمام الشافعي في قول: إنه لا يكون ظهاراً إلا في الظهر وحده. وهذا فاسد؛ لأن كل عضو منها محرّم، فكان التشبيه به ظهاراً كالظهر؛ ولأن المظاهر إنما يقصد تشبيه المحلل بالمحرم فلزم على المعنى. السادسة: إن شبه ٱمرأته بأجنبية فإن ذكر الظهر كان ظهاراً حملاً على الأوّل، وإن لم يذكر الظهر فاختلف فيه علماؤنا؛ فمنهم من قال: يكون ظهاراً. ومنهم من قال: يكون طلاقاً. وقال أبو حنيفة والشافعي: لا يكون شيئاً. قال ٱبن العربي: وهذا فاسد؛ لأنه شبه محللا من المرأة بمحرم فكان مقيَّداً بحكمه كالظهر، والأسماء بمعانيها عندنا، وعندهم بألفاظها وهذا نقض للأصل منهم. قلت: الخلاف في الظهار بالأجنبية قوي عند مالك. وأصحابه منهم من لا يرى الظهار إلا بذوات المحارم خاصم ولا يرى الظهار بغيرهن. ومنهم من لا يجعله شيئاً. ومنهم من يجعله في الأجنبية طلاقاً. وهو عند مالك إذا قال: كظهر ٱبني أو غلامي أو كظهر زيد أو كظهر أجنبية ظهار لا يحل له وطؤها في حين يمينه. وقد روى عنه أيضاً: أن الظهار بغير ذوات المحارم ليس بشيء؛ كما قال الكوفي والشافعي. وقال الأوزاعي: لو قال لها أنت عليّ كظهر فلان رجل فهو يمين يكفرها. والله أعلم. السابعة: إذا قال: أنت عليّ حرام كظهر أمي كان ظهاراً ولم يكن طلاقاً؛ لأن قوله: أنت حرام عليّ يحتمل التحريم بالطلاق فهي مطلقة، ويحتمل التحريم بالظهار فلما صرح به كان تفسيراً لأحد الاحتمالين يقضي به فيه. الثامنة: الظهار لازم في كل زوجة مدخول بها أو غير مدخول بها على أي الأحوال كانت من زوج يجوز طلاقه. وكذلك عند مالك من يجوز له وطؤها من إمائه، إذا ظاهر منهن لزمه الظهار فيهن. وقال أبو حنيفة والشافعي: لا يلزم. قال القاضي أبو بكر بن العربي: وهي مسألة عسيرة جدًّا علينا؛ لأن مالكاً يقول: إذا قال لأمته أنت عليّ حرام لا يلزم. فكيف يبطل فيها صريح التحريم وتصح كنايته. ولكن تدخل الأمَة في عموم قوله: {مِّن نِّسَآئِهِمْ} لأنه أراد من محللاتهم. والمعنى فيه أنه لفظ يتعلق بالبُضع دون رفع العقد فصح في الأمة؛ أصله الحلف بالله تعالى. التاسعة: ويلزم الظهار قبل النكاح إذا نكح التي ظاهر منها عند مالك. ولا يلزم عند الشافعي وأبي حنيفة؛ لقوله تعالى: {مِّن نِّسَآئِهِمْ} وهذه ليست من نسائه. وقد مضى أصل هذه المسألة في سورة «براءة» عند قوله تعالى: {أية : وَمِنْهُمْ مَّنْ عَاهَدَ ٱللَّهَ} تفسير : [التوبة:75] الآية. العاشرة: الذمي لا يلزم ظهاره. وبه قال أبو حنيفة. وقال الشافعي: يصح ظهار الذمي؛ ودليلنا قوله تعالى: {مِنكُمْ} يعني من المسلمين. وهذا يقتضي خروج الذميّ من الخطاب. فإن قيل: هذا ٱستدلال بدليل الخطاب. قلنا: هو ٱستدلال بٱلاشتقاق والمعنى، فإن أنكحة الكفار فاسدة مستحقة الفسخ فلا يتعلق بها حكم طلاقٍ ولا ظِهار، وذلك كقوله تعالى: {أية : وَأَشْهِدُواْ ذَوَي عَدْلٍ مِّنكُمْ} تفسير : [الطلاق:2] وإذا خلت الأنكحة عن شروط الصحة فهي فاسدة، ولا ظهار في النكاح الفاسد بحال. الحادية عشرة: قوله تعالى: {مِنكُمْ} يقتضي صحة ظهار العبد خلافاً لمن منعه. وحكاه الثعلبي عن مالك، لأنه من جملة المسلمين وأحكام النكاح في حقه ثابتة وإن تعذر عليه العتق والإطعام فإنه قادر على الصيام. الثانية عشرة: وقال مالك رضي الله عنه: ليس على النساء تظاهر، وإنما قال الله تعالى: {وَٱلَّذِينَ يُظَـٰهِرُونَ مِنكُمْ مِّن نِّسَآئِهِمْ} ولم يقل اللائي يظهرن منكن من أزواجهن، إنما الظهار على الرجال. قال ٱبن العربي: هكذا روي عن ٱبن القاسم وسالم ويحيـى بن سعيد وربيعة وأبي الزناد. وهو صحيح معنًى؛ لأن الحل والعقد والتحليل والتحريم في النكاح بيد الرجال ليس بيد المرأة منه شيء وهذا إجماع. قال أبو عمر: ليس على النساء ظهار في قول جمهور العلماء. وقال الحسن بن زياد: هي مظاهرة. وقال الثوري وأبو حنيفة ومحمد: ليس ظهار المرأة من الرجل بشيء قبل النكاح كان أو بعده. وقال الشافعي: لا ظهار للمرأة من الرجل. وقال الأوزاعي: إذا قالت المرأة لزوجها: أنت عليّ كظهر أمّي فلانة فهي يمين تكفِّرُهَا. وكذلك قال إسحاق: قال: لا تكون ٱمرأة متظاهرة من رجل ولكن عليها يمين تكفرها. وقال الزهري: أرى أن تكفر كفارة الظهار، ولا يحول قولها هذا بينها وبين زوجها أن يصيبها؛ رواه عنه معمر. وابن جريج عن عطاء قال: حرمت ما أحل الله، عليها كفارة يمين. وهو قول أبي يوسف. وقال محمد بن الحسن: لا شيء عليها. الثالثة عشرة: من به لَمَمٌ وٱنتظمت له في بعض الأوقات الكلم إذا ظاهر لزم ظهاره؛ لما روي في الحديث: أن خَوْلة بنت ثعلبة وكان زوجها أَوْس بن الصّامت وكان به لَمَم فأصابه بعض لَمَمِه فظاهر من ٱمرأته. الرابعة عشرة: من غضب وظاهر من امرأته أو طلق لم يسقط عنه غضبه حكمه. وفي بعض طرق هذا الحديث، قال يوسف بن عبد الله بن سلام: حدّثتني خَوْلَة ٱمرأة أَوْس بن الصّامت، قالت: كان بيني وبينه شيء، فقال: أنت عليّ كظهر أمي ثم خرج إلى نادي قومه. فقولها: كان بيني وبينه شيء؛ دليل على منازعة أحرجته فظاهر منها. والغضب لغو لا يرفع حكماً ولا يغيِّر شرعاً وكذلك السكران. وهي: الخامسة عشرة: يلزمه حكم الظهار والطلاق في حال سكره إذا عقَل قولَه ونظَم كلامَه؛ لقوله تعالى: {أية : حَتَّىٰ تَعْلَمُواْ مَا تَقُولُونَ} تفسير : [النساء:43] على ما تقدم في «النساء» بيانه. والله أعلم. السادسة عشرة: ولا يقرب المظاهر ٱمرأته ولا يباشرها ولا يتلذذ منها بشيء حتى يكفّر، خلافاً للشافعي في أحد قوليه؛ لأن قوله: أنت عليّ كظهر أمي يقتضي تحريم كل ٱستمتاع بلفظه ومعناه، فإن وطئها قبل أن يكفّر، وهي: السابعة عشرة: ٱستغفر الله تعالى وأمسك عنها حتى يكفّر كفارة واحدة. وقال مجاهد وغيره: عليه كفارتان. روى سعيد عن قتادة، ومطرّف عن رجاء بن حَيْوة عن قَبيصة بن ذؤيب عن عمرو بن العاص في المظاهر: إذا وطىء قبل أن يكفّر عليه كفارتان. ومعمر عن قتادة قال: قال قبيصة بن ذؤيب: عليه كفارتان. وروى جماعة من الأئمة منهم ٱبن ماجه والنسائي عن ٱبن عباس: حديث : أن رجلاً ظاهر من ٱمرأته فغشيها قبل أن يكفّر فأتى النبيّ صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له فقال: «ما حملك على ذلك» فقال: يا رسول الله! رأيت بياض خلخالها في ضوء القمر فلم أملك نفسي أن وقعت عليها. فضحك النبيّ صلى الله عليه وسلم وأمره ألاّ يقربها حتى يكفّر تفسير : . وروى ٱبن ماجه والدَّارَقُطْني عن سليمان بن يسار عن سلمة بن صخر أنه ظاهر في زمان النبيّ صلى الله عليه وسلم، ثم وقع بٱمرأته قبل أن يكفّر، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له فأمره أن يكفّر تكفيراً واحداً. الثامنة عشرة: إذا ظاهر من أربع نسوة في كلمة واحدة؛ كقوله: أنتن عليّ كظهر أمّي كان مظاهراً من كل واحدة منهن، ولم يجز له وطء إحداهن وأجزأته كفارة واحدة. وقال الشافعي: تلزمه أربع كفارات. وليس في الآية دليل على شيء من ذلك؛ لأن لفظ الجمع إنما وقع في عامة المؤمنين والمعوّل على المعنى. وقد روى الدَّارَقُطْنيّ عن ٱبن عباس قال: كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول: إذا كان تحت الرجل أربع نسوة فظاهر منهن يجزيه كفارة واحدة، فإن ظاهر من واحدة بعد أخرى لزمه في كل واحدة منهن كفارة. وهذا إجماع. التاسعة عشرة: فإن قال لأربع نسوة: إن تزوجتكن فأنتن عليّ كظهر أمي فتزوّج إحداهن لم يقربها حتى يكفّر، ثم قد سقط عنه اليمين في سائرهن. وقد قيل: لا يطأ البواقي منهن حتى يكفر. والأوّل هو المذهب. الموفية عشرين: وإن قال لامرأته: أنت عليّ كظهر أمي وأنت طالق البَتّة؛ لزمه الطلاق والظهار معاً، ولم يكفر حتى ينكحها بعد زوج آخر ولا يطأها إذا نكحها حتى يكفّر، فإن قال لها: أنت طالق البتة وأنت عليّ كظهر أمي لزمه الطلاق ولم يلزمه الظهار؛ لأن المبتوتة لا يلحقها طلاق. الحادية والعشرون: قال بعض العلماء: لا يصح ظهار غير المدخول بها. وقال المزني: لا يصح الظهار من المطلقة الرجعية، وهذا ليس بشيء؛ لأن أحكام الزوجية في الموضعين ثابتة، وكما يلحقها الطلاق كذلك يلحقها الظهار قياساً ونظراً. والله أعلم. الثانية والعشرون: قوله تعالى: {مَّا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ} أي ما نساؤهم بأمهاتهم. وقراءة العامة {أُمَّهَاتِهِمْ} بخفض التاء على لغة أهل الحجاز؛ كقوله تعالى: {أية : مَا هَـٰذَا بَشَراً} تفسير : [يوسف:31]. وقرأ أبو معمر والسلمي وغيرهما «أُمَّهَاتُهُمْ» بالرفع على لغة تميم. قال الفراء: أهل نجد وبنو تميم يقولون «مَا هَذَا بَشَرٌ»، و«مَا هُنَّ أُمَّهَاتُهُمْ» بالرفع. {إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلاَّ ٱللاَّئِي وَلَدْنَهُمْ} أي ما أمهاتهم إلا الوالدات. وفي المثل: ولدِك مَنْ دَمَّى عَقِبَيْكِ. وقد تقدم القول في اللائي في «الأحزاب». الثالثة والعشرون: قوله تعالى: {وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنكَراً مِّنَ ٱلْقَوْلِ وَزُوراً} أي فظيعاً من القول لا يعرف في الشرع. والزور الكذب {وَإِنَّ ٱللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ} إذ جعل الكفارة عليهم مخلّصة لهم من هذا القول المنكر.

البيضاوي

تفسير : {ٱلَّذِينَ يُظَـٰهِرُونَ مِنكُمْ مّن نّسَائِهِمْ } الظهار أن يقول الرجل لامرأته أنت عليّ كظهر أمي مشتق من الظهر، وألحق به الفقهاء تشبيهها بجزء أنثى محرم، وفي {مّنكُمْ } تهجين لعادتهم فيه فإنه كان من إيمان أهل الجاهلية، وأصل {يُظَـٰهِرُونَ } يتظاهرون وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي «يُظَـٰهِرُونَ» من أظاهر وعاصم {يُظَـٰهِرُونَ } من ظاهر. {مَّا هُنَّ أُمَّهَـٰتِهِمْ } أي على الحقيقة. {إِنْ أُمَّهَـٰتُهُمْ إِلاَّ ٱللاَّئِى وَلَدْنَهُمْ } فلا تشبه بهن في الحرمة إلا من ألحقها الله بهن كالمرضعات وأزواج الرسول صلى الله عليه وسلم، وعن عاصم أمهاتهم بالرفع على لغة بني تميم، وقرىء بـ «أُمَّهَـٰتِهِمْ» وهو أيضاً على لغة من ينصب. {وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنكَراً مّنَ ٱلْقَوْلِ } إذ الشرع أنكره. {وَزُوراً} منحرفاً عن الحق فإن الزوجة لا تشبه الأم. {وَإِنَّ ٱللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ} لما سلف منه مطلقاً، أو إذا تيب عنه. {وَٱلَّذِينَ يُظَـٰهِرُونَ مِن نّسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُواْ} أي إلى قولهم بالتدارك ومنه المثل: عاد الغيث على ما أفسد، وهو بنقض ما يقتضيه وذلك عند الشافعي بإمساك المظاهر عنها في النكاح زماناً يمكنه مفارقتها فيه، إذ التشبيه يتناول حرمته لصحة استثنائها عنه وهو أقل ما ينتقض به. وعند أبي حنيفة باستباحة استمتاعها ولو بنظرة شهوة. وعند مالك بالعزم على الجماع، وعند الحسن بالجماع. أو بالظهار في الإِسلام على أن قوله {يُظَـٰهِرُونَ} بمعنى يعتادون الظهار إذ كانوا يظاهرون في الجاهلية، وهو قول الثوري أو بتكراره لفظاً وهو قول الظاهرية، أو معنى بأن يحلف على ما قال وهو قول أبي مسلم أو إلى المقول فيها بامساكها، أو استباحة استمتاعها أو وطئها. {فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ} أي فعليهم أو فالواجب اعتقاق رقبة والفاء للسببية، ومن فوائدها الدلالة على تكرر وجوب التحرير بتكرر الظهار، والرقبة مقيدة بالإيمان عندنا قياساً على كفارة القتل. {مّن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا } أن يستمتع كل من المظاهر عنها بالآخر لعموم اللفظ ومقتضى التشبيه، أو أن يجامعها وفيه دليل على حرمة ذلك قبل التكفير. {ذٰلِكُمْ } أي ذلكم الحكم بالكفارة. {تُوعَظُونَ بِهِ } لأنه يدل على ارتكاب الجناية الموجبة للغرامة ويردع عنه. {وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ } لا تخفى عليه خافية. {فَمَن لَّمْ يَجِدْ } أي الرقبة والذي غاب ماله واجد. {فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا } فإن أفطر بغير عذر لزمه الاستئناف وإن أفطر لعذر ففيه خلاف، وإن جامع المظاهر عنها ليلاً لم ينقطع التتابع عندنا خلافاً لأبي حنيفة ومالك رضي الله تعالى عنهما. {فَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ } أي الصوم لهرم أو مرض مزمن أو شبق مفرط فإنه صلى الله عليه وسلم رخص للأعرابي المفطر أن يعدل لأجله. {فَإِطْعَامُ سِتّينَ مِسْكِيناً } ستين مداً بمد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو رطل وثلث لأنه أقل ما قيل في الكفارات وجنسه المخرج في الفطرة، وقال أبو حنيفة رضي الله تعالى عنه يعطي كل مسكين نصف صاع من بر أو صاعاً من غيره، وإنما لم يذكر التماس مع الطعام اكتفاء بذكره مع الآخرين، أو لجوازه في خلال الإطعام كما قال أبو حنيفة رضي الله تعالى عنه. {ذٰلِكَ } أي ذلك البيان أو التعليم للأحكام ومحله النصب بفعل معلل بقوله: {لّتُؤْمِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ }، أي فَرضَ ذَلِكَ لتصدقوا بالله وَرَسُولِهِ في قبول شرائعهِ وَرَفْض مَا كُنْتُمْ عَلَيْهِ في جاهليتكم {وَتِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ } لا يجوز تعديها. {وَلِلْكَـٰفِرِينَ } أي الذين لا يقبلونها. {عَذَابٌ أَلِيمٌ } هو نظير قوله تعالى: {أية : وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ ٱلله غَنِىٌّ عَنِ ٱلْعَـٰلَمِينَ }تفسير : [آل عمرآن: 97] {إِنَّ ٱلَّذِينَ يُحَادُّونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ } يعادونهما فإن كلاً من المتعادين في حد غير حد الآخر، أو يضعون أو يختارون حدوداً غير حدودهما. {كُبِتُواْ } أخزوا وأهلكوا وأصل الكبت الكب. {كَمَا كُبِتَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ } يعني كفار الأمم الماضية. {وَقَدْ أَنزَلْنَا ءايَـٰتٍ بَيّنَـٰتٍ } تدل على صدق الرسول وما جاء به. {وَلِلْكَـٰفِرِينَ عَذَابٌ مُّهِينٌ } يذهب عزهم وتكبرهم. {يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ ٱللَّهِ } منصوب بـ {مُّهِينٌ } أو بإضمار اذكر. {جَمِيعاً } كلهم لا يدع أحداً غير مبعوث أو مجتمعين. {فَيُنَبّئُهُمْ بِمَا عَمِلُواْ } أي على رؤوس الأشهاد تشهيراً لحالهم وتقريراً لعذابهم. {أَحْصَـٰهُ ٱللَّهُ } أحاط به عدداً لم يغب منه شيء. {وَنَسُوهُ } لكثرته أو تعاونهم به. {وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلّ شَىْءٍ شَهِيدٌ } لا يغيب عنه شيء. {أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ } كلياً وجزئياً. {مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَىٰ ثَلَـٰثَةٍ} أي ما يقع من تناجي ثلاثة، ويجوز أن يقدر مضاف أو يؤول {نَجْوَىٰ} بمتناجين ويجعل {ثَلَـٰثَةً } صفة لها، واشتقاقها من النجوة وهي ما ارتفع من الأرض فإن السر أمر مرفوع إلى الذهن لا يتيسر لكل أحد أن يطلع عليه. {إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ} إلا الله يجعلهم أربعة من حيث أنه يشاركهم في الاطلاع عليها، والاستثناء من أعم الأحوال. {وَلاَ خَمْسَةٍ} ولا نجوى خمسة. {إِلاَّ هُوَ سَادِسُهُمْ} وتخصيص العددين إما لخصوص الواقعة فإن الآية نزلت في تناجي المنافقين، أو لأن الله تعالى وتر يحب الوتر، والثلاثة أول الأوتار أو لأن التشاور لا بد له من اثنين يكونان كالمتنازعين وثالث يتوسط بينهما، وقرىء {ثَلَـٰثَةً} و {خَمْسَةٍ} بالنصب على الحال بإضمار {يتناجون} أو تأويل {نَجْوَىٰ} بمتناجين. {وَلاَ أَدْنَىٰ مِن ذَلِكَ} ولا أقل مما ذكر كالواحد والاثنين. {وَلاَ أَكْثَرَ} كالستة وما فوقها. {إِلاَّ هُوَ مَعَهُمْ} يعلم ما يجري بينهم. وقرأ يعقوب ولا أكثر بالرفع عطفاً على محل من {نَجْوَىٰ } أو محل لا أدنى بأن جعلت لا لنفي الجنس. {أَيْنَمَا كَانُواْ} فإن علمه بالأشياء ليس لقرب مكاني حتى يتفاوت باختلاف الأمكنة. {ثُمَّ يُنَبّئُهُم بِمَا عَمِلُواْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ } تفضيحاً لهم وتقريراً لما يستحقونه من الجزاء. {إِنَّ ٱللَّهَ بِكُلّ شَىْءٍ عَلِيمٌ} لأن نسبة ذاته المقتضية للعلم إلى الكل على السواء.

ابن كثير

تفسير : قال الإمام أحمد: حدثنا سعد بن إبراهيم ويعقوب قالا: حدثنا أبي، حدثنا محمد بن إسحاق، حدثني معمر بن عبد الله ابن حنظلة عن يوسف بن عبد الله بن سلام، عن خويلة بنت ثعلبة قالت: فيّ والله وفي أوس ابن الصامت أنزل الله صدر سورة "المجادلة"، قالت: كنت عنده، وكان شيخاً كبيراً قد ساء خلقه، قالت: فدخل علي يوماً، فراجعته بشيء، فغضب فقال: أنت عليّ كظهر أمي. قالت: ثم خرج فجلس في نادي قومه ساعة، ثم دخل علي، فإذا هو يريدني عن نفسي، قالت: قلت: كلا، والذي نفس خويلة بيده لا تخلص إِلي، وقد قلت ما قلت، حتى يحكم الله ورسوله فينا بحكمه، قالت: فواثبني، وامتنعت منه، فغلبته بما تغلب به المرأة الشيخ الضعيف، فألقيته عني، قالت: ثم خرجت إلى بعض جاراتي، فاستعرت منها ثياباً، ثم خرجت حتى جئت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجلست بين يديه، فذكرت له ما لقيت منه، وجعلت أشكو إليه ماألقى من سوء خلقه، قالت: فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : ياخويلة ابن عمك شيخ كبير، فاتقي الله فيه.»تفسير : قالت: فو الله ما برحت حتى نزل فيَّ قرآن، فتغشى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما كان يتغشاه، ثم سُرِّي عنه، فقال لي: «حديث : يا خويلة قد أنزل الله فيك وفي صاحبك» تفسير : ثم قرأ علي: {قَدْ سَمِعَ ٱللَّهُ قَوْلَ ٱلَّتِى تُجَادِلُكَ فِى زَوْجِهَا وَتَشْتَكِىۤ إِلَى ٱللَّهِ وَٱللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمآ إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ} إلى قوله تعالى: {وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ}، قالت: فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : مريه فليعتق رقبة» تفسير : قالت: فقلت: يا رسول الله، ما عنده ما يعتق، قال: «حديث : فليصم شهرين متتابعين» تفسير : قالت: فقلت: والله إنه لشيخ كبير، ما به من صيام، قال: «حديث : فليطعم ستين مسكيناً وسقاً من تمر» تفسير : قالت: فقلت: يا رسول الله، ما ذاك عنده، قالت: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : فإنا سنعينه بعَرَقٍ من تمر» تفسير : قالت: فقلت: يا رسول الله وأنا سأعينه بعَرَقٍ آخر، قال: «حديث : قد أصبت وأحسنت، فاذهبي فتصدقي به عنه، ثم استوصي بابن عمك خيراً» تفسير : قالت: ففعلت. ورواه أبو داود في كتاب الطلاق من سننه من طريقين عن محمد بن إسحاق بن يسار به، وعنده: خولة بنت ثعلبة، ويقال فيها: خولة بنت مالك بن ثعلبة، وقد تصغر فيقال: خويلة، ولا منافاة بين هذه الأقوال، فالأمر فيها قريب، والله أعلم. هذا هو الصحيح في سبب نزول هذه السورة، فأما حديث سلمة بن صخر، فليس فيه أنه كانت سبب النزول، ولكن أمر بما أنزل الله في هذه السورة؛ من العتق أو الصيام أو الإطعام، كما قال الإمام أحمد: حدثنا يزيد بن هارون، أخبرنا محمد بن إسحاق عن محمد بن عمرو بن عطاء عن سليمان بن يسار عن سلمة بن صخر الأنصاري قال: كنت امرأً قد أوتيت من جماع النساء ما لم يؤت غيري، فلما دخل رمضان، ظاهرت من امرأتي حتى ينسلخ رمضان؛ فرقاً من أن أصيب في ليلتي شيئاً، فأتتابع في ذلك إلى أن يدركني النهار، وأنا لا أقدر أن أنزع، فبينما هي تخدمني من الليل، إذ تكشف لي منها شيء، فوثبت عليها، فلما أصبحت، غدوت على قومي، فأخبرتهم خبري، وقلت: انطلقوا معي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره بأمري، فقالوا: لا والله لا نفعل، نتخوف أن ينزل فينا، أو يقول فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم مقالة يبقى علينا عارها، ولكن اذهب أنت، فاصنع ما بدا لك. قال: فخرجت حتى أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فأخبرته خبري، فقال لي: «حديث : أنت بذاك» تفسير : فقلت: أنا بذاك، فقال: «حديث : أنت بذاك» تفسير : فقلت: أنا بذاك، قال: «حديث : أنت بذاك»تفسير : ؟ قلت: نعم، ها أنا ذا، فأمض فيَّ حكم الله عز وجل؛ فإني صابر له، قال: «حديث : أعتق رقبة» تفسير : قال: فضربت صفحة رقبتي بيدي وقلت: لا والذي بعثك بالحق ما أصبحت أملك غيرها، قال: «حديث : فصم شهرين متتابعين» تفسير : قلت: يا رسول الله وهل أصابني ما أصابني إلا في الصيام؟ قال: «حديث : فتصدق» تفسير : فقلت: والذي بعثك بالحق لقد بتنا ليلتنا هذه وحشَى ما لنا عشاء، قال: «حديث : اذهب إلى صاحب صدقة بني رزيق، فقل له فليدفعها إليك، فأطعم عنك منها وسقاً من تمر ستين مسكيناً، ثم استعن بسائره عليك وعلى عيالك» تفسير : قال: فرجعت إلى قومي، فقلت: وجدت عندكم الضيق وسوء الرأي، ووجدت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم السعة والبركة، قد أمر لي بصدقتكم، فادفعوها إليّ، فدفعوها إليَّ، وهكذا رواه أبو داود وابن ماجه، واختصره الترمذي وحسنه. وظاهر السياق أن هذه القصة كانت بعد قصة أوس بن الصامت وزوجته خويلة بنت ثعلبة، كما دل عليه سياق تلك وهذه بعد التأمل. قال خصيف، عن مجاهد، عن ابن عباس: أول من ظاهر من امرأته أوس بن الصامت أخو عبادة بن الصامت، وامرأته خولة بنت ثعلبة بن مالك، فلما ظاهر منها، خشيت أن يكون ذلك طلاقاً، فأتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله إن أوساً ظاهر مني، وإنا إن افترقنا هلكنا، وقد نثرت بطني منه وقدمت صحبته، وهي تشكو ذلك وتبكي، ولم يكن جاء في ذلك شيء، فأنزل الله تعالى: {قَدْ سَمِعَ ٱللَّهُ قَوْلَ ٱلَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِيۤ إِلَى ٱللَّهِ} إلى قوله تعالى: {وَلِلْكَـٰفِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ} فدعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «حديث : أتقدر على رقبة تعتقها»تفسير : ؟ قال: لا والله يا رسول الله ما أقدر عليها. قال: فجمع له رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أعتق عنه، ثم راجع أهله، رواه ابن جرير. ولهذا ذهب ابن عباس والأكثرون إلى ما قلناه، والله أعلم. فقوله تعالى: {ٱلَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنكُمْ مِّن نِّسَآئِهِمْ} أصل الظهار مشتق من الظهر، وذلك أن الجاهلية كانوا إذا ظاهر أحدهم من امرأته قال لها: أنت علي كظهر أمي، ثم في الشرع كان الظهار في سائر الأعضاء قياساً على الظهر، وكان الظهار عند الجاهلية طلاقاً، فأرخص الله لهذه الأمة، وجعل فيه كفارة، ولم يجعله طلاقاً كما كانوا يعتمدونه في جاهليتهم، هكذا قال غير واحد من السلف. قال ابن جرير: حدثنا أبو كريب، حدثنا عبيد الله بن موسى عن أبي حمزة عن عكرمة عن ابن عباس قال: كان الرجل إذا قال لامرأته في الجاهلية: أنت علي كظهر أمي، حرمت عليه، فكان أول من ظاهر في الإسلام أوس، وكان تحته ابنة عم له يقال لها: خويلة بنت ثعلبة، فظاهر منها، فأسقط في يديه، وقال: ما أراك إلا قد حرمت علي، وقالت له مثل ذلك، قال: فانطلقي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فوجدت عنده ماشطة تمشط رأسه، فقال: «حديث : يا خويلة ما أمرنا في أمرك بشيء» تفسير : فأنزل الله على رسوله فقال: «حديث : يا خويلة أبشري» تفسير : قالت: خيراً ــــ فقرأ عليها: {قَدْ سَمِعَ ٱللَّهُ قَوْلَ ٱلَّتِى تُجَادِلُكَ فِى زَوْجِهَا وَتَشْتَكِىۤ إِلَى ٱللَّهِ وَٱللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمآ} ــــ إلى قوله تعالى ــــ {وَٱلَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِن نِّسَآئِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُواْ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَآسَّا} قالت: وأي رقبة لنا؟ والله ما يجد رقبة غيري، قال: {فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ} قالت: والله لولا أنه يشرب في اليوم ثلاث مرات، لذهب بصره، قال: {فَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِيناً} قالت: من أين؟ ما هي إلا أكلة إلى مثلها، قال: فدعا بشطر وسق ثلاثين صاعاً، والوسق ستون صاعاً، فقال: «حديث : ليطعم ستين مسكيناً وليراجعك» تفسير : وهذا إسناد جيد قوي، وسياق غريب، وقد روي عن أبي العالية نحو هذا. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد ابن عبد الرحمن الهروي، حدثنا علي بن العاصم عن داود بن أبي هند عن أبي العالية قال: كانت خولة بنت دليج تحت رجل من الأنصار، وكان ضرير البصر فقيراً سيىء الخلق، وكان طلاق أهل الجاهلية إذا أراد رجل أن يطلق امرأته قال: أنت علي كظهر أمي، وكان لها منه عيل أو عيلان، فنازعته يوماً في شيء، فقال: أنت علي كظهر أمي، فاحتملت عليها ثيابها حتى دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم وهو في بيت عائشة، وعائشة تغسل شق رأسه، فقدمت عليه ومعها عيلها، فقالت: يا رسول الله إن زوجي ضرير البصر فقير لا شيء له، سيىء الخلق، وإني نازعته في شيء، فغضب فقال: أنت علي كظهر أمي، ولم يرد به الطلاق، ولي منه عيل أو عيلان، فقال: «حديث : ما أعلمك إلا قد حرمت عليه» تفسير : فقالت: أشكو إلى الله ما نزل بي أنا وصبيتي، قالت: ودارت عائشة فغسلت شق رأسه الآخر، فدارت معها فقالت: يا رسول الله زوجي ضرير البصر فقير سيىء الخلق، وإن لي منه عيل أو عيلان، وإني نازعته في شيء فغضب وقال: أنت علي كظهر أمي ولم يرد به الطلاق، قالت: فرفع إلي رأسه وقال: «حديث : ما أعلمك إلا قد حرمت عليه» تفسير : فقالت: أشكو إلى الله ما نزل بي أنا وصبيتي، قال: ورأت عائشة وجه النبي صلى الله عليه وسلم تغير، فقالت لها: وراءك، فتنحت، فمكث رسول الله صلى الله عليه وسلم في غشيانه ذلك ما شاء الله، فلما انقطع الوحي قال: «حديث : يا عائشة أين المرأة؟» تفسير : فدعتها، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : اذهبي فأتيني بزوجك» تفسير : فانطلقت تسعى، فجاءت به، فإذا هو كما قالت ضرير البصر فقير سيىء الخلق. فقال النبي صلى الله عليه وسلم «حديث : أستعيذ بالله السميع العليم بسم الله الرحمن الرحيم {قَدْ سَمِعَ ٱللَّهُ قَوْلَ ٱلَّتِى تُجَادِلُكَ فِى زَوْجِهَا وَتَشْتَكِيۤ} ــــ إلى قوله ــــ {وَٱلَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِن نِّسَآئِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُواْ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ} قال النبي صلى الله عليه وسلم: أتجد رقبة تعتقها من قبل أن تمسها» تفسير : قال: لا، قال: «حديث : أتستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟» تفسير : قال: والذي بعثك بالحق، إني إذا لم آكل المرتين والثلاث يكاد يعشو بصري. قال: «حديث : أفتستطيع أن تطعم ستين مسكيناً؟» تفسير : قال: لا، إلا أن تعينني. قال: فأعانه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «حديث : أطعم ستين مسكيناً» تفسير : قال: وحول الله الطلاق، فجعله ظهاراً. ورواه ابن جرير عن ابن المثنى عن عبد الأعلى عن داود: سمعت أبا العالية، فذكر نحوه بأخصر من هذا السياق. وقال سعيد بن جبير: كان الإيلاء والظهار من طلاق الجاهلية، فوقت الله الإيلاء أربعة أشهر، وجعل في الظهار الكفارة، رواه ابن أبي حاتم بنحوه. وقد استدل الإمام مالك على أن الكافر لا يدخل في هذه الآية بقوله: {منكم}، فالخطاب للمؤمنين، وأجاب الجمهور بأن هذا خرج مخرج الغالب، فلا مفهوم له، واستدل الجمهور عليه بقوله: {مِن نِّسَآئِهِمْ} على أن الأمة لا ظهار منها، ولا تدخل في هذا الخطاب. وقوله تعالى: {مَّا هُنَّ أُمَّهَـٰتِهِمْ إِنْ أُمَّهَـٰتُهُمْ إِلاَّ ٱللاَّئِى وَلَدْنَهُمْ} أي: لا تصير المرأة بقول الرجل: "أنت علي كأمي"، أو "مثل أمي"، أو "كظهر أمي"، وما أشبه ذلك، لا تصير أمه بذلك، إنما أمه التي ولدته، ولهذا قال تعالى: {وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنكَراً مِّنَ ٱلْقَوْلِ وَزُوراً} أي: كلاماً فاحشاً باطلاً، {وَإِنَّ ٱللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ} أي: عما كان منكم في حال الجاهلية، وهكذا أيضاً عما خرج من سبق اللسان، ولم يقصد إليه المتكلم، كما رواه أبو داود: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سمع رجلاً يقول لامرأته: يا أختي فقال: «حديث : أختك هي؟» تفسير : فهذا إنكار، ولكن لم يحرمها عليه بمجرد ذلك؛ لأنه لم يقصده، ولو قصده لحرمت عليه؛ لأنه لا فرق على الصحيح بين الأم وبين غيرها من سائر المحارم من أخت وعمة وخالة وما أشبه ذلك. وقوله تعالى: {وَٱلَّذِينَ يُظَـٰهِرُونَ مِن نِّسَآئِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُواْ} اختلف السلف والأئمة في المراد بقوله تعالى: {ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُواْ} فقال بعض الناس: العود هو أن يعود إلى لفظ الظهار فيكرره، وهذا القول باطل، وهو اختيار ابن حزم، وقول داود، وحكاه أبو عمر بن عبد البر عن بكير بن الأشج والفراء وفرقة من أهل الكلام. وقال الشافعي: هو أن يمسكها بعد المظاهرة زماناً يمكنه أن يطلق فيه فلا يطلق، وقال أحمد بن حنبل: هو أن يعود إلى الجماع، أو يعزم عليه، فلا تحل له حتى يكفر بهذه الكفارة. وقد حكي عن مالك: أنه العزم على الجماع والإمساك، وعنه أنه الجماع. وقال أبو حنيفة: هو أن يعود إلى الظهار بعد تحريمه، ورفع ما كان عليه أمر الجاهلية، فمتى ظاهر الرجل من امرأته، فقد حرمها تحريماً لا يرفعه إلا الكفارة، وإليه ذهب أصحابه والليث بن سعد. وقال ابن لهيعة: حدثني عطاء عن سعيد بن جبير: {ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُواْ} يعني: يريدون أن يعودوا في الجماع الذي حرموه على أنفسهم. وقال الحسن البصري: يعني: الغشيان في الفرج، وكان لا يرى بأساً أن يغشى فيما دون الفرج قبل أن يكفر. وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: {مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَآسَّا} والمس: النكاح، وكذا قال عطاء والزهري وقتادة ومقاتل بن حيان. وقال الزهري: ليس له أن يقبلها ولا يمسها حتى يكفر. وقد روى أهل السنن من حديث عكرمة عن ابن عباس: أن رجلاً قال: يا رسول الله إني ظاهرت من امرأتي، فوقعت عليها قبل أن أكفر. فقال: «حديث : ما حملك على ذلك يرحمك الله» تفسير : قال: رأيت خلخالها في ضوء القمر. قال: «حديث : فلا تقربها حتى تفعل ما أمرك الله عز وجل»تفسير : ، وقال الترمذي: حسن غريب صحيح، ورواه أبو داود والنسائي من حديث عكرمة مرسلاً، قال النسائي: وهو أولى بالصواب. وقوله تعالى: {فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ} أي: فإعتاق رقبة كاملة من قبل أن يتماسا، فههنا الرقبة مطلقة غير مقيدة بالإيمان، وفي كفارة القتل مقيدة بالإيمان، فحمل الشافعي رحمه الله ما أطلق ههنا على ما قيد هناك؛ لاتحاد الموجب، وهو عتق الرقبة، واعتضد في ذلك بما رواه عن مالك بسنده عن معاوية بن الحكم السلمي في قصة الجارية السوداء، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : أعتقها فإنها مؤمنة» تفسير : وقد رواه أحمد في مسنده ومسلم في صحيحه. وقال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا يوسف بن موسى، حدثنا عبد الله بن نمير عن إسماعيل بن يسار عن عمرو بن دينار عن طاوس عن ابن عباس، قال: أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم رجل، فقال: إني ظاهرت من امرأتي، ثم وقعت عليها قبل أن أكفر، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : ألم يقل الله تعالى: من قبل أن يتماسا»تفسير : ؟ قال: أعجبتني، قال: «حديث : أمسك حتى تكفر» تفسير : ثم قال البزار: لا يروى عن ابن عباس بأحسن من هذا، وإسماعيل بن مسلم تكلم فيه، وروى عنه جماعة كثيرة من أهل العلم، وفيه من الفقه أنه لم يأمره إلا بكفارة واحدة. وقوله تعالى: {ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ} أي: تزجرون به {وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} أي: خبير بما يصلحكم، عليم بأحوالكم. وقوله تعالى: {فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِن قَبْلِ أَن يَتَمَآسَّا فَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِيناً} قد تقدمت الأحاديث الآمرة بهذا على الترتيب كما ثبت في الصحيحين في قصة الذي جامع امرأته في رمضان. {ذَلِكَ لِتُؤْمِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ} أي: شرعنا هذا لهذا. وقوله تعالى: {وَتِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ} أي: محارمه، فلا تنتهكوها. وقوله تعالى: {وَلِلكَـٰفِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ} أي: الذين لم يؤمنوا، ولا التزموا بأحكام هذه الشريعة، لا تعتقدوا أنهم ناجون من البلاء، كلا ليس الأمر كما زعموا، بل لهم عذاب أليم، أي: في الدنيا والآخرة.

المحلي و السيوطي

تفسير : {ٱلَّذِينَ يُظَٰهِرُونَ } أصله (يتظهرون) أدغمت التاء في الظاء وفي قراءة (يتظاهرون) بألف بين الظاء والهاء الخفيفة وفي أخرى كـيقاتِلُونَ والموضع الثاني كذلك {مِنكُمْ مِّن نِّسَائِهِمْ مَّا هُنَّ أُمَّهَٰتِهِمْ إِنْ أُمَّهَٰتُهُمْ إِلاَّ ٱلَّٰئِى } بهمزة وياء وبلا ياء {وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ } بالظهار {لَيَقُولُونَ مُنكَراً مّنَ ٱلْقَوْلِ وَزُوراً } كذباً {وَإِنَّ ٱللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ } للمظاهر بالكفارة.

الماوردي

تفسير : ثم قال: {.. ما هن أمهاتهم إن أمهاتهم إلا اللائي ولدنهم} تكذيباً من الله تعالى لقول الرجل لامرأته: أنت علي كظهر أمي. {وإنهم ليقولون منكراً من القول وزوراً} يعني بمنكر القول الظاهر، وبالزور كذبهم في جعل الزوجات أمهات.

ابن عبد السلام

تفسير : {يظَّهَّرُون} سمي ظهاراً لأنه حرم ظهرها عليه، أو شبهها بظهر أمه وكان في الجاهلية طلاقاً لا رجعة فيه ولا إباحة بعده فنسخ بوجوب الكفارة بالعود.

الخازن

تفسير : {الذين يظاهرون منكم من نسائهم} يعني يقولون لهن أنتن كظهور أمهاتنا {ما هن أمهاتهم} أي ما اللواتي يجعلونهن من زوجاتهن كالأمهات بأمهات والمعنى ليس هن بأمهاتهم {إن أمهاتهم} أي ما أمهاتهم {إلا اللائي ولدنهم وإنهم} يعني المظاهرين {ليقولون منكراً من القول} يعني لا يعرف في الشرع {وزوراً} يعني كذباً وقيل إنما وصفه بكونه منكراً من القول وزوراً لأن الأم محرمة تحريماً مؤبداً والزوجة لا تحرم عليه بهذا القول تحريماً مؤبداً فلا جرم صار ذلك منكراً من القول وزوراً {وإن الله لعفو غفور} عفا الله عنهم وغفر لهم بإيجاب الكفارة عليهم. (فصل في أحكام الظهار: وفيه مسائل) المسألة الأولى: في معناه لغة قيل إن مشتق من الظهر وهو العلو وليس هو من ظهر الإنسان إذ ليس الظهر بأولى من سائر الأعضاء التي هي مواضع التلذذ والمباضعة فثبت بهذا أنه مأخوذ من الظهر الذي هو العلو لأن امرأة الرجل مركب له وظهر يدل عليه قول العرب في الطلاق نزلت عن امرأتي أي طلقتها وفي قولهم أنت علي كظهر أمي حذف وإظمار لأن تأويله ظهرك علي أي ملكي إياك وعلوي عليك حرام كعلوي أمي وعلوه عليها حرام. المسألة الثانية: كان الظهار من أشد طلاق أهل الجاهلية لأنه في التحريم آكد ما يمكن فإن كان ذلك الحكم صار مقرراً بالشرع كانت الآية ناسخة له وإلا لم يعد نسخاً لأن النسخ إنما يدخل في الشرائع لا في أحكام الجاهلية وعادتهم. المسألة الثالثة: في الألفاظ المستعملة لهذا المعنى في الشريعة وعرف الفقهاء الأصل في هذا قوله أنت عليّ كظهر أمي وأنت مني أو معي أو عندي كظهر أمي وكذا لو قال أنت عليّ كبطن أمي أو كرأس أمي أو كيد أمي أو قال بطنك أو رأسك أو يدك عليّ كظهر أمي أو شبه عضواً منها بعضو من أعضاء أمه يكون ذلك ظهاراً وقال أبو حنيفة إن شبهها ببطن أمه أو بفرجها أو بفخذها يكون ظهاراً وإن بشبهها بعضو غير هذه الأعضاء لا يكون ظهاراً ولو قال أنت عليّ كأمي أو كروح أمي وأراد به الإعزاز والإكرام لا يكون ظهاراً حتى ينويه ويريده ولو شبهها بجدته فقال أنت عليّ كظهر جدتي يكون ظهاراً وكذلك لو شبهها بامرأة محرمة عليه بالقرابة بأن قال أنت علي كظهر أختي أو عمتي أو خالتي أو شبهها بامرأة محرمة عليه بالرضاع يكون ظهاراً على الأصح. المسألة الرابعة: فيمن يصح ظهاره قال الشافعي الضابط في هذا أن كل من صح طلاقه صح ظهاره فعلى هذا يصح ظهار الذمي وقال أبو حنيفة لا يصح احتج الشافعي بعموم قوله {والذين يظاهرون من نسائهم} واحتج أبو حنيفة بأن هذا خطاب للمؤمنين فيدل على أن الظهار مخصوص بالمؤمنين وأجيب عنه بأن هذا خطاب يتناول جميع الحاضرين فلم قلتم إنه مختص بالمؤمنين.

البقاعي

تفسير : ولما أتم تعالى الخبر عن إحاطة العلم، استأنف الإخبار عن حكم الأمر المجادل بسببه، فقال ذاماً للظهار، وكاسياً له ثوب العار: {الذين} ولما كان الظهار منكراً لكونه كذباً، عبر بصيغة التفعل الدالة عليه فقال: {يظهرون} أي يوجدون الظهار في أي رمضان كان وكأنه أدغم تاء التفعل والمفاعلة لأن حقيقته أنه يذهب ما أحل الله له من مجامعة زوجته. ولما كان الظهار خاصاً بالعرب دون سائر الأمم، نبه على ذلك تهجيناً له عليهم وتقبيحاً لعادتهم فيه، تنبيهاً على أن اللائق بهم أن يكونوا أبعد الناس من هذا الكلام لأن الكذب لم يزل مستهجناً عندهم في الجاهلية، ثم ما زاده الإسلام إلا استهجاناً فقال: {منكم} أي أيها العرب المسلمون الذين يستقبحون الكذب ما لا يستقبحه غيرهم وكذا من دان دينهم {من نسائهم} أي يحرمون نساءهم على أنفسهم تحريم الله عليهم ظهور أمهاتهم بأن يقول أحدهم لزوجته شيئاً من صرائحه مثل أنت عليّ كظهر أمي وكناياته كأنت أمي، وكل زوج صح طلاقه صح ظهاره من حر أو عبد مسلم أو ذمي دخل بالزوجة أو لا قادراً على الجماع أو عاجزاً، صغير كانت الزوجة أو كبيرة، عاقلة كانت أم مجنونة، سليمة كانت أو رتقاء، مسلمة كانت أو ذميمة، ولو كانت رجعية. ولما كان وجه الشبه التحريم، وكان للتحريم رتبتان: عليا موصوفة بالتأبيد والاحترام، ودنيا خالية عن كل من الوصفين، وكان التقدير خبراً للمبتدأ: مخطئون في ذلك لأنه كذب، لأن التشبيه إن أسقطت أداته لم يكن حمله على الحقيقة ليكون من الرتبة العليا ولو على أدنى أحوالها من أنه طلاق لا رجعة فيه، كما كانوا يعتقدونه، وإن أثبتت ليكون من الدنيا لم يكن صحيحاً لأنه ممنوع منه لأن التشريع إنما هو لله، والله لم يكن يشرع ذلك، وكان تعليل شقي التشبيه يفيد معنى الخبر بزيادة التعليل، حذف الخبر، واكتفى بالتعليل فقال معللاً له مهجناً للظهار الذي تعوده العرب من غير أن يشاركهم فيه أحد من الأمم: {ما هن} أي نساؤهم {أمهاتهم} على تقدير إرادة أحدهم أعلى رتبتي التحريم، والحاصل أنهم لما كانوا يعتقدون أنه طلاق لا رجعة فيه جعلوا معتقدين أن المرأة أم لأن الحرمة المؤبدة من خصائص الأم فخوطبوا بذلك تقريعاً لهم لأنه أردع، وفي سورة الأحزاب ما يوضح هذا. ولما كانوا قد مرنوا على هذا الحكم في الجاهلية، واستقر في أنفسهم استقراراً لا يزول إلا بغاية التأكيد، ساق الكلام كذلك في الشقين فقال: {إن} أي ما {أمهاتهم} أي حقيقة {إلا اللاَّئي ولدنهم} ونساؤهم لم تلدهم، فلا يحرمن عليهم حرمة مؤبدة للإكرام والاحترام، ولا هن ممن ألحق بالأمهات بوجه يصح وكأزواج النبي صلى الله عليه وسلم فإنهن أمهات لما لهن من حق الإكرام والاحترام والإعظام ما لم يكن لغيرهن لأن النبي صلى الله عليه وسلم أعظم في أبوة الدين من أب النسب وكذلك المرضعات لما لهن من الإرضاع الذي هو وظيفة الأم بالأصالة، وأما الزوجة فمباينة لجميع ذلك. ولما فرغ من تعليل الشق الأول على أتم وجه، أتبعه تعليل الآخر كذلك، فقال عاطفاً عليه مؤكداً لأنهم كانوا قد ألفوا قوله فأشربته قلوبهم: {وإنهم} أي المظهرون {ليقولون} أي في هذا التظهر على كل حالة {منكراً من القول} ينكره الحقيقة والأحكام، قال ابن الملقن في عمدة المحتاج: وهو حرام اتفاقاً كما ذكره الرافعي في الشهادات. {وزوراً} أي قولاً مائلاً عن السداد، منحرفاً عن القصد، لأن الزوجة معدة للاستمتاع الذي هو في الغاية من الامتهان، والأم في غاية البعد عن ذلك لأنها أهل لكل احترام، فلا هي أم حقيقة ولا شبيهة بها بأمر نصبه الشارع للاحترام كالإرضاع، وكونها فراشاً لعظيم كالنبي أو للأب أو للحرمة كاللعان، فقد علم أن ذلك الكلام ليس بصدق ولا جاء به مسوغ، فهو زور محض، وأخصر من هذا أن يقال: ولما كان ظهارهم هذا يشتمل على فعل وقول، وكان الفعل هو التحريم الذي هو موضع وجه الشبه، وكانت العادة في وجه الشبه أن يقنع منه بأدنى ما ينطلق عليه الاسم، وكانوا قد خالفوا ذلك فجعلوه في أعلى طبقاته وهو الحرمة المؤبدة التي يلزم منها أن تكون المشابهة من كل وجه في الحرمة مع أن ذلك بغير مستند من الله تعالى الذي لا حكم لغيره، ألزمهم أن يكون الشبه من كل وجه مطلقاً ليكونوا جاعلين الزوجة إما حقيقة لا دعوى كما جعلوا الحرمتين كذلك من غير فرق بل أولى لأن الشبه إنما وقع بين الحيثيتين لا بين الحرمتين - ثم وقفهم على جهلهم فيه فقال {ما هن} إلى آخره، ولما وقفهم على جهلهم في الفعل وقفهم على جهلهم في القول: فقال: وأنهم إلى آخره، قال النووي في الروضة: قال الأصحاب: الظهار حرام، وله حكمان: أحدهما تحريم الوطء إذا وجبت الكفارة إلى أن يكفر، والثاني وجوب الكفارة بالعود - انتهى، وهذا القول وإن أفاد التحريم فإنه يفيد لكونه ممنوعاً منه على وجه ضيق حرج المورد عسر المخرج ليكون عسره زاجراً عن الوقوع فيه، قال أبو عبد الله القزاز في ديوانه الجامع: وظاهر الرجل امرأته وظاهر من امرأته إذا قال: أنت عليّ كظهر أمي أو كذاب محرم، وإنما استخصوا الظهر في الظهار لأن الظهر موضع الركوب، والمرأة مركب الرجل في النكاح فكني به عن ذلك، فكأنه قال: ركوبك عليّ للنكاح كركوب أمي، وكان الظهار في الجاهلية طلاقاً، ولذلك أشكل معنى قوله تعالى {ثم يعودون لما قالوا} وقال ابن الأثير في النهاية: ظاهر الرجل من امرأته ظهاراً وتظهر وتظاهر إذا قال لها: أنت عليّ كظهر أمي، وكان في الجاهلية طلاقاً، وقيل: إنهم أرادوا أنت عليّ كبطن أمي أي كجماعها، فكنوا بالظهر عن البطن للمجاورة، وقيل إن إتيان المرأة وظهرها إلى السماء كان حراماً عندهم، وكان أهل المدينة يقولون: إذا أتيت المرأة ووجهها إلى الأرض جاء الولد أحول، فلقصد الرجل المطلق منهم إلى التغليظ في تحريم امرأته عليه شبهها بالظهر ثم لم يقنع بذلك حتى جعلها كظهر أمه، وإنما عدى الظهار بـ {من} لأنهم كانوا إذا ظاهروا المرأة تجنبوها كما يتجنبون المطلقة ويحترزون منها، فكأن قوله: ظاهر من امرأته، أي بعد واحترز منها كما قيل: آلى من امرأته، لما ضمن معنى التباعد عدى بـ {من} - انتهى، قال: وقال ابن الملقن في العمدة شرح المنهاج: وكان طلاقاً في الجاهلية، ونقل عن صاحب الحاوي أنه عندهم لا رجعة فيه، قال: فنقل الشارع حكمه إلى تحريم بعد العود ووجوب الكفارة - انتهى وقال أبو حيان: قال أبو قلابة وغيره: كان الظهار في الجاهلية يوجب عندهم فرقة مؤبدة. ولما كان التقدير: فإن الله حرمه، عطف عليه مرغباً في التوبة وداعياً إليها قوله مؤكداً لأجل ما يعتقدون من غلظه وأنه لا مثنوية فيه {وإن الله} أي الملك الأعظم الذي لا أمر لأحد معه في شرع ولا غيره {لعفو} من صفاته أن يترك عقاب من شاء {غفور *} من صفاته أن يمحو عين الذنب وأثره حتى أنه كما لا يعاقب عليه لا يعاتب، فهل من تائب طلباً للعفو عن زلله، والإصلاح لما كان من خلله.

ابو السعود

تفسير : وَقَوْلُه تَعَالَى: {ٱلَّذِينَ يُظَـٰهِرُونَ مِنكُمْ مّن نّسَائِهِمْ} شروعٌ في بـيانِ شأنِ الظهارِ في نفسِهِ وحكمِه المترتبُ عليه شَرْعاً بطريقِ الاستئنافِ والظهارُ أنْ يقولَ الرجلُ لامرأتِهِ أنتِ عليَّ كظهرِ أُمِّي مشتقٌ منَ الظهرِ وَقدْ مرَّ تفصيلُهُ في الأحزابِ وألحقَ بهِ الفقهاءُ تشبـيهَهَا بجزءٍ مُحرمٍ. وَفي منكُمْ مزيدُ توبـيخٍ للعربِ وتهجينٌ لعادتهمْ فيه فإنَّهُ كانَ منْ أيمانِ أهلِ جاهليتهِمْ خَاصَّة دونَ سائرِ الأممِ وَقُرىءَ يُظّاهرونَ منْ اظّاهرَ ويظَاهرونَ ويظْهرونَ وقولُه تَعَالَى: {مَّا هُنَّ أُمَّهَـٰتِهِمْ} خبرٌ للموصولِ أَيْ ما نساؤُهُم أمهاتُهُم عَلَى الحقيقةِ فهُوَ كذبٌ بحتٌ وَقَرىءَ أمهاتُهم بالرفعِ عَلى لُغةِ تميمٍ وبأمهاتِهم {إِنْ أُمَّهَـٰتِهِمْ} أيْ مَا هُنَّ {إِلاَّ ٱللاَّئِى وَلَدْنَهُمْ} فَلاَ تشبَّهُ بهنَّ فِي الحُرمةِ إِلا منْ ألحقَهَا الشرعُ بهنَّ منَ المرضعاتِ وأزواجِ النبـيَّ عليهِ الصلاةُ والسلامُ فدخلنَ بذلكَ في حُكمِ الأمهاتِ وَأمَّا الزوجاتُ فأبعدُ شيءٍ منَ الأُمومةِ {وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ} بقولِهم ذلكَ {مُنكَراً مّنَ ٱلْقَوْلِ} عَلى أنَّ مناطَ التأكيدِ ليسَ صدورَ القولِ عنْهمْ فإنَّه أمرٌ محققٌ بلْ كونَهُ منكراً أيْ عندَ الشرعِ وعند العقلِ والطبعِ أيضاً كما يشعرُ بهِ تنكيره ونظيرُهِ قَولُهُ تعالَى إنكُمْ لتقولونَ قولاً عظيماً {وَزُوراً} أيْ محرفاً عنِ الحَقِّ {وَإِنَّ ٱللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ} أيْ مبالغٌ في العفو والمغفرةِ فيغفرُ لمَا سلفَ منْهُ عَلَى الإطلاقِ أَوْ بالمتابِ عنْهُ وقولُه تَعَالَى: {وَٱلَّذِينَ يُظَـٰهِرُونَ مِن نّسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُواْ} تفصيلٌ لحكمِ الظهارِ بعدَ بـيانِ كونِهِ أمراً منكراً بطريقِ التشريعِ الكليِّ المنتظمِ لحكمِ الحادثةِ انتظاماً أولياً أيْ والذينَ يقولونَ ذلكَ القولَ المنكرَ ثمَّ يعودونَ لما قالُوا أَيْ إِلى مَا قالُوا بالتداركِ والتلافِي لاَ بالتقريرِ والتكريرِ كَما في قولِه تَعَالَى: { أية : أَن تَعُودُواْ لِمِثْلِهِ أَبَداً} تفسير : [سورة النور، الآية 17] فإِنَّ اللامَ وإِلى تتعاقبان كَثيراً كَما في قولِهِ تَعَالى: { أية : هَدَانَا لِهَـٰذَا} تفسير : [سورة الأعراف، الآية 43] وقولِهِ تَعَالَى: { أية : فَٱهْدُوهُمْ إِلَىٰ صِرٰطِ ٱلْجَحِيمِ} تفسير : [سورة الصافات، الآية 23] وقوله تعالى: { أية : بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَىٰ لَهَا} تفسير : [سورة الزمر، الآية 5] وقوله تعالى: { أية : وَأُوحِىَ إِلَىٰ نُوحٍ}. تفسير : [سورة هود، الآية 36] {فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ} أي فتداركُهُ أو فعليهِ أوْ فالواجبُ إعتاقُ رقبةٍ أيَّ رقبةٍ كانتْ وعندَ الشافعيِّ رحمَهُ الله تَعَالَى يشترطُ الإيمانُ، والفاءُ للسببـيةِ ومن فوائدِها الدلالةُ على تكررِ وجوبِ التحريرِ بتكررِ الظهارِ وَقيلَ: (ما قالُوا) عبارةٌ عَمَّا حرَّمُوهُ عَلى أنفسِهمْ بلفظِ الظهارِ تنزيلاً للقولِ منزلةَ المقُولِ فيهِ كَما ذُكرَ في قولِهِ تَعَالَى: { أية : وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ} تفسير : [سورة مريم، الآية 80] أَي المقولُ فيهِ منَ المالِ والولدِ فالمَعْنَى ثُمَّ يريدونَ العودَ للاستمتاعِ فتحريرُ رقبةٍ {مّن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا} أيْ مِنْ قبلِ أنْ يستمتعَ كلٌ منَ المُظاهِرِ وَالمُظاهَرِ منْهَا بالآخرِ جماعاً وَلَمساً ونظراً إلى الفرجِ بشهوةٍ وإنْ وقعَ شيءٌ من ذلكَ قبلَ التكفيرِ يجبُ عليهِ أنْ يستغفرَ ولا يعودَ حتَّى يكفرَ وإنْ أعتقَ بعضَ الرقبةِ ثمَّ مسَّ عليهِ أنْ يستأنفَ عندَ أبـي حنيفةَ رحمَهُ الله تَعَالَى {ذٰلِكُمْ} إشارةٌ إِلى الحكمِ المذكورِ وَهُوَ مبتدأٌ خبرُهُ {تُوعَظُونَ بِهِ} أيْ تزجرونَ بهِ عنِ ارتكابِ المنكرِ المذكورِ فإنَّ الغراماتِ مزاجرٌ عنْ تعاطِي الجناياتِ والمرادُ بذكرِهِ بـيانُ أنَّ المقصودَ منْ شرعِ هَذَا الحكمِ ليسَ تعريضكُمْ للثوابِ بمباشرتكُمْ لتحريرِ الرقبةِ الذِي هُوَ علمٌ في استتباعِ الثوابِ العظيمِ بلْ هُوَ ردعُكم وزجرُكم عنَ مباشرةِ ما يوجبُهُ {وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ} منَ الأعمالِ التي منْ جُملتِها التكفيرُ ومَا يوجبُهُ من جنايةِ الظهارُ {خَبِيرٌ} أَيْ عالمٌ بظواهِرِهَا وبواطِنَها ومجازيكُم بهَا فحافظُوا على حدود ما شرعَ لكُمْ وَلاَ تُخلُّوا بشيءٍ منْهَا.

القشيري

تفسير : قوله جلّ ذكره: {ٱلَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنكُمْ مِّن نِّسَآئِهِمْ مَّا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلاَّ ٱللاَّئِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنكَراً مِّنَ ٱلْقَوْلِ وَزُوراً وَإِنَّ ٱللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ}. قَوْلُ الذين يقولون لنسائهم - جرياً على عادة أهل الشِرْكِ - أنتِ عليَّ كظهر أمي.. هذا شيءٌ لم يَحْكُمْ الله به؛ ولا هذا الكلامُ في نَفْسِه صِدْقٌ، ولم يثبت فيه شَرْعٌ، وإنما هو زورٌ مَحْضٌ وكَذِبٌ صِرْفٌ. فَعَلِمَ الكافةُ أن الحقائق بالتلبيسِ لا تتعزّز؛ والسَّبَبُ إذا لم يكن صحيحاً فبالمعاودةِ لا يثبت؛ فالمرأةُ لمَّا سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم قولَه "بِنْتِ عنه" - كان واجباً عليها السكونُ والصبرُ؛ ولكنَّ الضرورةَ أنطقتها وحَمَلتْهَا على المعاودة، وحصلت من ذلك مسألة: وهي أن كثيراً من الأشياء يحكم فيها ظاهرُ العلمِ بشيء؛ ثم تُغَيِّر الضرورة ذلك الحُكْمَ لصاحبها. قوله جلّ ذكره: {وَٱلَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِن نِّسَآئِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُواْ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَآسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ}. الظَّهار - وإن لم يكن له في الحقيقة أصل، ولا بتصحيحه نطق أو دلالة شرع، فإنه بعد ما رُفعَ أمرُه إلى الرسول صلى الله عليه وسلم ولوّح بشيء ما، وقال فيه حُكمه، لم يُخِلْ الله ذلك من بيانٍ ساق به شَرعه؛ فقضى فيه بما انتظم جوانب الأمر كلِّه. فارتفاعُ الأمر حتى وصوله إلى مجلس النبي صلى الله عليه وسلم، والتحاكُم لديه حَمَّل المتعدِّي عناء فعلته، وأعاد للمرأة حقَّها، وكان سَبيلاً لتحديد المسألة برُمَّتها... وهكذا فإنَّ كلَّ صعبٍ إلى زوالٍ... وكلُّ ليلة - وإنْ طالَتْ - فإلى إسفار.

اسماعيل حقي

تفسير : {الذين يظاهرون منكم} أيها المؤمنون فلا يلحق بهم الذمى لانه ليس من اهل الكفارة لغلبة جهة العبادة فيها فلا يصح ظهاره {من نسائهم} هذا شروع فى بيان الظهار فى نفسه وحكمه المترتب عليه شرعا بطريق الاستئناف والظهار لغة مصدر ظاهر الرجل اى قال لزوجته أنت على كظهر امى و الظهر العضو والجارحة ويعبر عن البطن بالظهر اى أنت على حرام كبطن امى فكنى عن البطن بالظهر الذى هو عمود البطن لئلا يذكر مايقارب الفرج تأدبا ثم قيل ظاهر من امرأته فعدى بمن لتضمين معنى التجنب لاجتناب أهل الجاهلية من المرأة المظاهر منها اذ الظهار طلاق عندهم كما مر فى قولهم آلى منها لما ضمنه من معنى التباعد من الالية بمعنى الحلف وفى القرءآن واجنبنى وبنى أن نعبد الاصنام اى بعدنى واياهم من عبادة الاصنام فمعنى البعد انما هو الاجتناب ونحوه المتعدى بمن لان معنى الابتدآء الذى هو معنى من لايخلو عن البعد فان من معانى عن لا من ثم انه ألحق الفقهاء بالظهر نحو البطن والفخذ والفرج مما يحرم النظر اليها من الام فمن قال أنت على كبطن امى او فخذها او فرجها كان ظهارا بخلاف مثل اليد أو الرجل وكذا ألحقوا بالام سائر المحارم فلو وضع المظاهر مكان الام ذات رحم محرم منه من نسب كالخالة والعمة او رضاع او صهر كان ظهارا مثل أن يقول أنت عليه كظهر خالتى او عمتى او اختى نسبا او رضاعا او كظهر امرأة ابنى او أبى ولو شبهها بالخمر والخنزير أو الدم او الميتة او قتل المسلم او الغيبة والنميمة او الزنى او الربا او الرشوة فانه ظهار اذا نوى وفى أنت على كأمى صح نية الكرامة اى استحقاق البر فلا يقع طلاق ولا ظهار وصح نية الظهار بأن يقصد التشبيه بالام فى الحرمة فيترتب عليه احكام الظهار لاغير ونية الطلاق بأن يقصد ايجاب الحرمة فان لم ينو شيأ لغا وأنت على حرام كأمى صح فيه مانوى من ظهار او طلاق وايلاء ولو قال أنت امى او اختى او بنتى بدون التشبيه فهو ليس بظهار يعنى ان قال ان فعلت كذا فانت امى وفعلته فهو باطل وان نوى التحريم ولو قالت لزوجها أنت على كظهر امى فانه ليس بشىء. وقال الحسن انه يمين وفى ايراد منكم مع كفاية من نسائهم مزيد توبيخ للعرب وتقبيح لعادتهم فى الظهار فانه كان من أيمان جاهليتهم خاصة دون سائر الامم فلا يليق بهم بعد الاسم أن يراعوا تلك العادة المستهجنة فكأنه قيل منكم على عادتكم القبيحة المستنكرة ويحتمل أن يكون لتخصيص نفع الحكم الشرعى للمؤمنين بالقبول والاقتدآء به اى منكم أيها المؤمنون المصدقون بكلام الله المؤتمرون بأمر الله اذا الكافرون لايستمعون الخطاب ولا يعلمون بالصواب وفى من نسائهم اشارة الى أن الظهار لايكون فى الامة ومن ذلك قالوا ان للظهار ركنا وهو التشبيه المذكور وشرطا وهو أن يكون المشبه منكوحة حتى لايصح من الامة واهلا وهو من كان من اهل الكفارة حتى لايصح للذمى والصبى والمجنون وحكما وهو حرمة الوطىء حتى يكفر مع بقاء اصل الملك {ماهن امهاتهم} خبر للموصول اى مانساؤهم امهاتهم على الحقيقة فهو كذب بحت يعنى ان من يقول لامرأته أنت على كظهر أمى ملحق فى كلامه هذا للزوج بالام وجاعلها مثلها وهذا تشبيه باطل لتباين الحالين وكانوا يريدون بالتشبيه الحرمة فى المظاهر منها كالحرمة فى الام تغليظا وتشديدا فان قيل فحاصل الظهار مثلا أنت محرمة على كما حرمت على امى وليس فيه دعوى الامومة حتى تنفى وتثبت للوالدات يقال ان ذلك التحريم فى حكم دعوى الامومة او أن المراد نفى المشابهة لكن نفى الامومة للمبالغة فيه {ان} نافية بمعنى ما {امهاتهم} فى الحقيقة والصدق {الا اللائى} جمع التى اى النساء اللاتى {ولدنهم} اى ولدن المظاهرين فلا تشبه بهن فى الحرمة الا من ألحقها الشرع بهن من ازواج النبى عليه السلام والمرضعات ومنكوحات الآباء لكرامتهن وحرمتهن قد خلى بذلك فى حكم الامهات واما الزوجات فأبعد شىء من الامومة فلا تلحق بهن بوجه من الوجوه {وانهم} اى وان المظاهرين منكم {ليقولن} بقولهم ذلك {منكرا من القول} على ان مناط التأكيد ليس صدور القول عنهم فان أمر محقق بل كونه منكرا اى عند الشرع وعند العقل والطبع ايضا كما يشعر به تنكيره وذلك لان زوجته ليست بامه حقيقة ولا ممن ألحقه الشرع بها فكان التشبيه بها الحاقا لأحد المتباينين بالآخر فكان منكرا مطلقا غير معروف {وزورا} اى كذبا باطلا منحرفا عن الحق فان الزور بالتحريك الميل فقيل للكذب زور بالضم لكونه مائلا عن الحق قال بعضهم ولعل قوله وزورا من قبيل عطف السبب على المسبب فان قلت قوله أنت على كظهر امى انشاء لتحريم الاستمتاع بها وليس بخبر والانشاء لايوصف بالكذب قلت هذا الانشاء يتضمن الحاق الزوجة المحللة بالام المحرمة ابدا وهذا الحاق مناف لمقتضى الزوجية فيكون كاذبا وعن أبى بكر رضى الله عنه انه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : ألا أنبئكم باكبر الكبائر"تفسير : قلنا بلى يارسول الله قال "حديث : الاشراك بالله وعقوق الوالدين"تفسير : وكان متكئا فجلس وقال "حديث : ألا وقول الزور وشهادة الزور الا وقول الزور وشهادة الزور الا وقول الزور وشهادة الزور"تفسير : فما زال يقولها حتى قلت لايسكت رواه البخارى قال بعضهم لما كان مبنى طلاق الجاهلية الامر المنكر الزور لم يجعله الله طلاقا ولم تبق الحرمة الا الى وقت التكفير وقال الظهار الذى هو من طلاق الجاهلية ان كان فى الشرع بمقدار من الزمان اولا طلاقا كانت الآية ناسخة والا فلا لان النسخ انما يدخل فى الشرآئع وما قال عليه السلام انها حرمت فلا يعين شيأ من الطرفين الا أن بعض المفسرين جعله مؤيدا للوجه الاول {وان الله لعفو غفور} اى مبالغ فى العفو والمغفرة لما سلف منه على الاطلاق على المذهب الحق او بالمناب عنه على مذهب الاعتزال وذلك ان مادون الشرك حكمه موكول الى مشيئة الله ان شاء يغفره وان لم يتب العبد عنه وان شاء يغفره بعد التوبة واما اذا لم يتب عنه فعذبه عليه فانما يعذبه على حسب ذنبه لكن الظاهر هنا الحث على التوبة لكون الكلام فى ذم الظهار وانكاره

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {وَالَّذِينَ يَظَّهَّرُونَ} وأصله: يتظهرون، فأدمغت التاء في الظاء، وقرأ عاصم: بضم الياء وتخفيف الظاء، مضارع ظاهر؛ لأنّ كل واحد يباعد صاحبه، وقرأ ابن عامر والأخوان وأبو جعفر وخلف بفتح الياء وشد الظاء بالمد، مضارع "تظاهر"، والحاصل في فعل الظهار ثلاث لغات: ظاهر وتظاهر وتظهر، مأخذة من الظهر؛ لأنه يُشَبِّه امرأته بظهر أُمه، ولا مفهوم للظهر، بل كل جزء منها مثل الظهر. وفي قوله: {منكم} توبيخ للعرب، لأنه كان من أيْمان الجاهلية خاصة، دون سائر الأمم، {مِن نسائهم} من زوجاتهم، {ما هن أمهاتِهم}: خبر الموصول، أي: ليسوا بأمهاتهم حقيقة، فهو كذب محض، {إِنْ أمهاتُهم} حقيقة {إِلاّ اللائي وَلَدنَهُمْ} مِن بطونهن، فلا تشبّه بهن في الحرمة إلاّ مَن ألحقها الشرع بهن من المرضعات وأزواج النبي صلى الله عليه وسلم، فيدخلن بذلك في حكم الأمهات، وأما الزوجات فأبعد شيء من الأمومة. {وزُوراً} كذباً باطلاً، منحرفاً عن الحق، {وإنّ الله لعفوٌّ غفور} لما سلف منهم. ثم ذَكَر الحُكم بعد بيان إنكاره، فقال: {والذين يَظَهِرون مِن نسائهم ثم يعودون لِما قالوا} أي: والذين يقولون ذلك القول المُنكَر، ثم يعودون إلى ما قالوا بالتدارك والتلافي ورفع التضرُّر، أو: لِنقيض ما قالوا: قال ابن جزي: في معنى العود ستة أقوال: الأول: إيقاع الظِّهار في الإسلام، فالمعنى أنهم كانوا يُظاهرون في الجاهلية، فإذا فعلوه في الإسلام فذلك عود إليه، هذا قول ابن قتيبة، فتجب الكفارة عنده بنفس الظَّهار، بخلاف أقوال غيره، فإنَّ الكفارة لا تجب إلاّ بالظهار والعود معاً. القول الثاني: إنّ العود هو وطء الزوجة، رُوي ذلك عن مالك، فلا تجب الكفارة على هذا حتى يطأ، فإذا وطئها وجبت عليه الكفارة، أمسك الزوجةَ أو طلّقها، أو ماتت. الثالث: إنَّ العَوْد هو العزم على الوطء، ورُوي هذا أيضاً عن مالك، فإذا عزم على الوطء وجبت الكفارة، أمسك، أو طلَّق، أو ماتت. الرابع: إن العود هو العزم على الوطء والإمساك، وهذا أصح الروايات عن مالك. الخامس: إنه العزم على الإمساك خاصة، وهذا مذهب الشافعي، فإذا ظاهر ولم يُطَلَّقها بعد الظَّهار لزمته الكفارة. السادس: إنه تكرار الظهار مرة أخرى، وهذا مذهب الظاهرية، وهو ضعيف، لأنهم لا يرون الظَّهار موجباً حكماً في أول مرة، وإنما يُوجبه في الثانية، وإنما نزلت فيما ظاهر أول مرة، فذلك يرد عليهم، ويختلف معنى "لِما قالوه" باختلاف هذه الأقوال، فالمعنى: يعودون للوطء الذي حرَّموه، أو للعزم عليه، أو للإمساك الذي تركوه، أو للعزم عليه. هـ. {فتحريرُ رقبةٍ} أي: فتداركه، أو فعليه، أو فالواجب تحرير رقبة. واشترط مالك والشافعي أن تكون مؤمنة، حملاً للمُطْلَق على المقيد؛ لأنه قيّدها في القتل بالإيمان، والفاء للسببية، ومِن فوائدها: الدلالة على تكرُّر وجوب التحرير بتكرُّر الظهار. {مِن قبل أن يتماسا} أي: المظاهِر والمظاهَر منها، ومذهب مالك والجمهور: أن المسّ هنا يُراد به الوطء، وما دونه من اللمس والقُبلة، فلا يجوز للمظاهِر أن يفعل شيئاً من ذلك حتى يُكفِّر، فإن فعل شيئاً من ذلك تاب ولا يعود. وقال الحسن والثوري: أراد الوطء خاصة، فأباحا ما دونه من قبل الكفارة. {ذالكم} الحُكم {تُوعظون به} لأنَّ الحُكم بالكفارة دليل على ارتكاب الجناية، فيجب أن تتعظوا بهذا الحُكم حتى لا تعودوا إلى الظهار، وتخافوا عقابَ الله عليه، {واللهُ بما تعملون خبيرٌ} مُطَّلِع على ما ظهر مِن أعمالكم، التي مِن جملتها الظاهر. {فمن لم يجد} الرقبة {فصيامُ شهرين} أي: فعليه صيام شهرين {مُتتابعين مِن قبل أن يتماسا} فإنْ أفسده باختياره من أوله باتفاق، وإن أفسده بعذر، كمرض أو نسيان، فقال مالك: يبني على ما كان معه، في رواية عنه، وقال أبو حنيفة: يبتدئ، ورُوي القولان عن الشافعي. {فمَن لا يستطعْ} الصيام {فإِطعام ستين مسكيناً} بمُدّ هشام على مذهب مالك. واختلف في قدره، فقيل: إنه مدان غير ثلث بمُد النبي صلى الله عليه وسلم وقيل: إنه مُد وثلث، وقيل: إنه مُدان، وبه قال أبو حنيفة، وقال الشافعي وابن القصار: يُطعم مُدّاً بمُد النبي صلى الله عليه وسلم لكل مسكين، ولا يجزئه إلاّ كمالُ الستين، فإنْ أطعم مسكيناً واحداً ستين يوماً لم يجزه عند مالك والشافعي، خلافاً لأبي حنيفة، وكذلك إن أطعم ثلاثين مرتين، والطعام يكون من غالب قوت البلد. وذكر الحق جلّ جلاله: {من قبل أن يتماسا} في العتق والصوم، ولم يذكره في الإطعام، فاختلف العلماءُ في ذلك، فَحَمل مالك الإطعامَ على ما قبله، ورأى أنه لا يكون إلاّ قبل المسيس، وجعل ذلك مِن المُطْلَق الذي يُحمل على المقَيد. وقال ابو حنيفة: يجوز للمظاهِر إذا كان من أهل الإطعام أن يطأ قبل الكفارة؛ لأن الله لم ينص في الإطعام أنه قبل المسيس، وقال الشافعي: يجب تقديمه على المسيس، لكن لا يستانف إن مسّ في حال الإطعام. وجعل الأطعام. وجعل الحق جلّ جلاله كفارة الظهار مُرتّبة، فلا ينتقل عن الأول حتى يعجز عنه، ومثلها كفارة القتل والتمتُّع، وقد نظم بعضهم أنواع الكفارات، ما فيه الترتيب وما فيه التخيير، فقال: شعر : خيِّرْ بصوم ثم صيد وأذى وقل لكل خصلةٍ يا حبذا ورتّب الظهار والتمتعا والقتل ثم في اليمين اجتمعا تفسير : {ذلك لتؤمنوا} الإشارة إلى ما مرّ من البيان والتعليم للأحكام، ومحله رفع أو نصب، أي: ذلك واقع، أو فصّلنا ذلك لتؤمنوا {بالله ورسولِه} وتعملوا بشرائعه التي شرعها لكم، وترفُضوا ما كنتم عليه في جاهليتكم، {وتلك} أي: الأحكام التي وصفنا في الظِهار والكفارة، {حدودُ الله} التي لا يجوز تعدّيها، {وللكافرين} أي: الذين لا يعملون بها {عذابٌ أليم} عبّر عنه بالكفر تغليظاً على طريق:{أية : وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ}تفسير : [آل عمران: 97]. الإشارة: الذين يباعدون من أنفسهم، فيُحرِّمون عليها التمتُّع بما أحلّ الله من الطيبات، تضييقاً وتشديداً عليها، مفْرطين في ذلك، محتجين لذلك بأنهم كانوا في بطن الشهوات، فقد ملكتهم ملك الأم لولدها، قال تعالى:{ما هن أمهاتِهم إنْ أُمهاتهم إلاّ اللائي ولدنهم، وإنهم ليقولون مُنكراً من القول وزوراً} حيث حرّموا ما أحلّ الله، والمراد بذلك الإفراط المؤدي إلى التلف. قال القشيري: لأنّ النفس مطية الروح، فلا تسلك طريق السير إلاّ بها، وهي مددها ومعونتها، كما قال عليه السلام:"حديث : إنّ لنفسك عليك حقاً"تفسير : فلا بد للروح من مسامحة النفس ومداراتها في بضع الأوقات، لتميل النفس إلى تصرفها وحكمها فيها، وإلاّ ضعفت وكَلَّت عن موافقتها، فتنقطع الروح عن السلوك إلى الله.هـ. قلت: وإليه الإشارة بقوله صلى الله عليه وسلم:"حديث : لا يكن أحدكم كالمنبت، لا أرضاً قطع، ولا ظهراً أبقى"تفسير : . {وإن الله لعفو غفور} لمَن وقع له شيء من هذا ورجع. والذين يُظاهرون من نسائهم، يُباعدون من أنفسهم، ثم يعودون إلى الترفُّق بها والاستمتاع بما أحلّ الله لها، فكفارته تحرير رقبةً مِن ملك الشهوة، فلا يتناول شيئاً من المباحات الطيبة، إلاّ بنية التقرُّب إلى الله والشكر، لا بنية مجرد الاستمتاع، ولا يتناول من الشهوات التي شرهت إليها النفس، وحرصت على تحصيلها قبل حصولها، شيئاً قط، فإن لم يقدر عليها على هذا النمط، فعليه صيام شهرين أو أكثر، مجاهدةً ورياضةً، حتى تقف على حد الضرورة، فإن لم يتسطع فإطعام ستين مسكيناً أو أكثر، بكل ما يدخل عليه من الحظوظ. وقال القشيري: وإن لم يقدر على تحرير رقبته على هذا الارتباط؛ فيجب على الروح أن تصوم شهرين متتابعين، يعني يمسك نفسَه عن الالتفات إلى الكونين على الدوام والاستمرار، من غير تخلُّل التفات، وإن لم يتمكن مِن قطع هذا الالتفات، لبقية من بقايا أنانيته، فيجب عليه إطعام ستين مسكيناً من مساكين القوى الروحانية، المستهلك لسلطنة النفس وصفاتها، ليقيمهم على التخلُّق بالأخلاق الإلهية، والتحقق بالصفات الروحانية، هـ. ذلك لتؤمنوا بالله ورسوله الإيمان الكامل، وتلك حدود الله لا يجوز تعدِّيها بالأهوية والبدع، وللكافرين لهذه الحِكم عذاب البُعد ونار القطيعة، المؤلم للروح والقلب، بغم الحجاب وسوء الحساب. ثم ذكر وبال مَن خالف أمره، فقال: {إِنَّ ٱلَّذِينَ يُحَآدُّونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ}.

الجنابذي

تفسير : {ٱلَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنكُمْ مِّن نِّسَآئِهِمْ مَّا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلاَّ ٱللاَّئِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنكَراً مِّنَ ٱلْقَوْلِ وَزُوراً وَإِنَّ ٱللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ} يعفو عنهم ويغفر لهم اذا تابوا.

اطفيش

تفسير : {الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ} اصله يتظهرون ابدلت التاء ظاء وادغمت في الظاء وقرأ عاصم يظاهرون بضم الياء وتخفيف الظاء بعدها الف وكسر الهاء وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي بفتح الباء والهاء وتشديد الظاء بعدها الف وفي الموضع الثاني كذلك. {مِنكُم} من للتعبيض {مِّن نِّسَآئِهِم} من للابتداء {مَّا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ} الجملة خبر الذين والمراد توبيخ العرب وتهجير عادتهم في الظهار لانه من إيمان جاهليتهم خاصة دون الامم وقرأ عاصم برفع أمهات على لغة تميم من اهمال ما وقرأ ابن مسعود بأمهاتهم بزيادة الباء في خبر ما الحجازية واجاز بعضهم زيادتها في خبر المبتدأ على لغة تميم بعد ما. والظهار ان يقول الرجل لامرأته انت علي كظهر امي ولا يقع بغير الظهر ولا بغير الام اخذا بظاهر الآية والحق الجمهور غير الظهر والام بهما قال الشيخ العلامة عبدالعزيز: الظهار تشبيه المسلم المكلف من تحل أو جزءها بظهر محرم أو جزء آخر وان بصهر أو رضاع ولا يصح ظهار المشركين وهو مذهب ابي حنيفة واحتج بأن الخطاب في الآية للمؤمنين ويصح عند الشافعي والخطاب للناس كلهم وعن ابي حنيفة لا يكون الظهار إلا بالظهر أو البطن أو الفرج واختلفوا ان قال كأمي فقيل ظهار وقيل لا وكان الظهار اشد طلاق الجاهلية في التحريم واثبته الشرع اثباتا وجعل له كفارة وليس تحليلة بالكفارة نسخا له إلا ان النسخ يدخل الشرائع الجاهلية وهو مأخوذ من الظهر وقيل من الظهر بمعنى العلو لأن امرأة الرجل مركب له يعلوه بدليل قول العرب نزل عن امرته أي طلقها لأن الظهر ليس بأولى من سائر الأعضاء كالوجه والثديين والبطن والفرج. ودخل في الامهات نساء النبي صلى الله عليه وسلم وممن قال الظهار لا يكون إلا بالام الوالدة الشافعي وقتادة والشعبي قال الشعبي: لن ينسى الله ان يذكر البنات والاخوات والعمات والخالات. {إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلا الَّىءِ وَلَدْنَهُمْ} وفي حكمهن المرضعات لارضاعهن ونساء النبي لتحريمهن اما الزوجة فليست بأم ولا في حكم الأم فكان قول المظاهر منكراً نكره الحقيقة والاحكام الشرعية كما قال {وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنكَراً مِّنَ القَوْلِ وَزُوراً} كذبا باطلا منحرفا عن الحق وقيل: قال منكرا وزوراً لان الام تحرم عليه ابدا والزوجة لا تحرم بهذا القول واخذ بعضهم بظاهر الآية وقال: ان الظهار كبيرة وقيل: عصى مظاهر لم يعلق لشيء يفعله أو لا يفعله وان قال كأمه أو مثلها وقال: أردت محبة أو برا أو شفقة أو نحو ذلك دين وقيل: تحريم الظهار تحريم المكروهات جدا وكان قنبل وقالون يقرآن اللاء بالهمزة من غير ياء وورش بباء مختلسة الكسرة خلفا من الهمزة وإذا وقف صيرها ياء ساكنة والبزي وابو عمرو بياء ساكنة بدلا من الهمزة في الحالين والباقون بالهمزة وياء بعدها في الحالين وحمزة اذا وقف جعل الهمزة بين بين عن أصله ومن همز أشبع التمكين للالف في الحالين إلا ورشا فان المد والقصر جائزان في مذهبه واتفقت المصاحف على كتابه "الئي" بلام واحدة هنا وفي الطلاق والاحزاب. {وَإِنَّ اللهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ} للمظاهر بالكفارة ولما سلف منه اذا تاب يعفو عن منكره وزوره ويحل زوجته ويغفر ذنوب التائب مطلقا.

الالوسي

تفسير : وقوله عز وجل: {ٱلَّذِينَ يُظَـٰهِرُونَ مِنكُمْ مّن نّسَائِهِمْ } شروع في بيان شأن الظهار في نفسه وحكمه المترتب عليه شرعاً، وفي ذلك تحقيق قبول تضرع تلك المرأة وإشكاؤها بطريق الاستئناف. والظهار لغة مصدر ظاهر وهو مفاعلة من الظهر، ويراد به معان مختلفة راجعة إلى الظهر معنى ولفظاً باختلاف الأغراض، فيقال: ظاهر زيد عمراً أي قابل ظهره بظهره حقيقة وكذا إذا غايظه، وإن لم يقابل حقيقة باعتبار أن المغايظة تقتضي هذه المقابلة، وظاهره إذا نصره باعتبار أنه يقال: قوي ظهره إذا نصره، وظاهر بين ثوبين إذا لبس أحدهما فوق الآخر باعتبار جعل ما يلي به كل منهما الآخر ظهراً للثوب. وظاهر من امرأته إذا قال لها: أنت علي كظهر أمي، وغاية ما يلزم كون لفظ الظهر في بعض هذه التراكيب مجازاً، وهو لا يمنع الاشتقاق منه ويكون المشتق مجازاً أيضاً، وهذا الأخير هو المعنى الذي نزلت فيه الآيات. وعرفه الحنفية شرعاً بأنه تشبيه المنكوحة أو عضواً منها يعبر به عن الكل كالرأس أو جزء شائع منها كالثلث بقريب محرم عليه على التأبيد أو بعضو منه يحرم عليه النظر إليه. وحكي عن الشافعية أن تشبيهها أو عضو منها بمحرم من نسب أو رضاع أو مصاهرة أو عضو منه لا يذكر للكرامة كاليد والصدر، وكذا العضو الذي يذكر لها كالعين والرأس إن قصد معنى الظهار، وهو التشبيه بتحريم نحو الأم لا إن قصد الكرامة أو أطلق في الأصح، وتخصيص المحرم بالأم قول قديم للشافعي عليه الرحمة، وتفصيل ذلك في كتب الفقه للفريقين. وكان الظهار بالمعنى السابق طلاقاً في الجاهلية قيل: وأول الإسلام. وحكى بعضهم أنه كان طلاقاً يوجب حرمة مؤبدة لا رجعة فيه، وقيل: لم يكن طلاقاً من كل وجه بل لتبقى معلقة لا ذات زوج ولا خلية تنكح غيره. وذكر بعض الأجلة أنهم كانوا يعدونه طلاقاً مؤكداً باليمين على الاجتناب، ولذا قال الشافعية: إن فيه الشائبتين، وسيأتي إن شاء الله تعالى الإشارة إلى حكمه الشرعي. وعدي بِمِنْ مع أنه يتعدى بنفسه لتضمنه معنى التبعيد ولما سمعت أنه كان طلاقاً وهو مبعد، والظهر في قولهم: أنت علي كظهر أمي قيل: مجاز عن البطن لأنه إنما يركب البطن ـ فكظهر أمي ـ أي كبطنها بعلاقة المجاورة، ولأنه عموده لكن لا يظهر ما هو الصارف عن الحقيقة من النكات، وقيل: خص الظهر لأنه محل الركوب والمرأة مركوب الزوج، ومن ثَمَّ سمي المركوب ظهراً، وقيل: خص ذلك لأن إتيان المرأة من ظهرها في قبلها كان حراماً فإتيانه أمه من ظهرها أحرم فكثر التغليظ. وإقحام {مّنكُمْ } في الآية للتصوير والتهجين لأن الظهار كان مخصوصاً بالعرب، ومنه يعلم أنه ليس من مفهوم الصفة ليستدل به على عدم صحة ظهار الذمي كما حكي عن المالكية، ومن هنا قال الشافعية: «يصح من الذمي والحربـي لعموم الآية»، وكذا الحنابلة، والحنفية / يقولون: لا يصح منهما، وفي رواية عن أبـي حنيفة صحته من الذمي، والرواية المعول عليها عدم الصحة لأنه ليس من أهل الكفارة، وشنع على الشافعية في قولهم بصحته منه مع اشتراطهم النية في الكفارة والإيمان في الرقبة، وتعذر ملكه لها لأن الكافر لا يملك المؤمن. وقال بعض أجلتهم «إن في الكفارة شائبة الغرامات ونيتها في كافر كفر بالإعتاق للتمييز كما في قضاء الديون لا الصوم لأنه لا يصح منه لأنه عبادة بدنية ولا ينتقل عنه للإطعام لقدرته عليه بالإسلام فإن عجز انتقل ونوى للتمييز أيضاً، ويتصور ملكه للمسلم بنحو إرث أو إسلام قنه، أو يقول لمسلم: أعتق قنك عن كفارتي، فيجيب فإن لم يمكنه شيء من ذلك وهو مظاهر موسر منع من الوطء لقدرته على ملكه بأن يسلم فيشتريه» انتهى. وفي كتب بعض الأصحاب «كالبحر» وغيره كلام مع الشافعية في هذه المسألة فيه نقض وإبرام لا يخلو عن شيء والسبب في ذلك قلة تتبع معتبرات كتبهم. وقرأ الحرميان وأبو عمرو ـ يظهرون ـ بشد الظاء والهاء، والأخوان وابن عامر {يظاهرون } مضارع اظاهر، وأبـي ـ يتظاهرون ـ مضارع تظاهر، وعنه أيضاً ـ يتظهرون ـ مضارع تظهر. والموصول مبتدأ خبره محذوف أي مخطئون، وأقيم دليله وهو قوله تعالى: {مَّا هُنَّ أُمَّهَـٰتِهِمْ } مقامه أو هو الخبر نفسه أي ما نساؤهم أمهاتهم على الحقيقة فهو كذب بحت. وقرأ المفضل عن عاصم {أُمَّهَـٰتِهِمْ } بالرفع على لغة تميم، وقرأ ابن مسعود ـ بأمهاتهم ـ بزيادة الباء، قال الزمخشري: في لغة من ينصب أي بما الخبر ـ وهم الحجازيون ـ يعني أنهم الذين يزيدون الباء دون التميميين وقد تبع في ذلك أبا علي الفارسي، ورد بأنه سمع خلافه كقول الفرزدق وهو تميمي: شعر : لعمرك ما معن بتارك حقه ولا منسيء معن ولا متيسر تفسير : {إِنْ أُمَّهَـٰتُهُمْ } أي ما أمهاتهم على الحقيقة {إِلاَّ ٱللاَّئِي وَلَدْنَهُمْ} فلا يشبه بهن في الحرمة إلا من ألحقها الله تعالى بهن كالمرضعات ومنكوحات الرسول صلى الله عليه وسلم فدخلن في حكم الأمهات، وأما الزوجات فأبعد شيء من الأمومة. {وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنكَراً مّنَ ٱلْقَوْلِ } ينكره الشرع والعقل والطبع أيضاً كما يشعر به التنكير. ومناط التأكيد كونه منكراً، وإلا فصدور القول عنهم أمر محقق {وَزُوراً } أي وكذباً باطلاً منحرفاً عن الحق، ووجه كون الظهار كذلك عند من جعله إخباراً كاذباً ـ علق عليه الشارع الحرمة والكفارة ـ ظاهر، وأما عند من جعله إنشاء لتحريم الاستمتاع في الشرع ـ كالطلاق على ما هو الظاهر ـ فوجهه أن ذلك باعتبار ما تضمنه من إلحاق الزوجة بالأم المنافي لمقتضى الزوجية {وَإِنَّ ٱللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ } أي مبالغ في العفو والمغفرة فيغفر ما سلف منه ويعفو عمن ارتكبه مطلقاً أو بالتوبة. ويعلم من الآيات أن الظهار حرام بل قالوا: «إنه كبيرة لأن فيه إقداماً على إحالة حكم الله تعالى وتبديله بدون إذنه، وهذا أخطر من كثير من الكبائر إذ قضيته الكفر لولا خلو الاعتقاد عن ذلك، واحتمال التشبيه لذلك وغيره، ومن ثم سماه عز وجل {مُنكَراً مّنَ ٱلْقَوْلِ وَزُوراً }، وإنما كره على ما ذكره بعض الشافعية أنت علي حرام لأن الزوجية ومطلق الحرمة يجتمعان بخلافها مع التحريم المشابه لتحريم نحو الأم، ومن ثَمَّ وجب هنا الكفارة العظمى وثَمَّ على ما قالوا: كفارة يمين».

ابن عاشور

تفسير : تتنزل جملة {الذين يظاهرون منكم من نسائهم} وما يتم أحكامها منزلةَ البيان لجملة {أية : قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها}تفسير : [المجادلة: 1] الآية لأن فيها مخرجاً ممَّا لحق بالمجادِلة من ضُر بظهار زوجها، وإبطالاً له، ولها أيضاً موقع الاستئناف البياني لجملة {قد سمع الله} لأن قوله {قد سمع الله} يثير سؤالاً في النفس أن تقول: فماذَا نشأ عن استجابة الله لشكوى المجادلة فيجاب بما فيه المخرج لها منه. وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو ويعقوب "يَظّهّرون" بفتح الياء وتشديد الظاء والهاء مفتوحتين بدون ألف بعد الظاء على أن أصله: يتَظهرون، فأدغمت التاء في الظاء لقرب مخرجيهما، وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي وأبو جعفر وخلف "يَظَّاهرون" بفتح الياء وتشديد الظاء وألف بعدها على أن أصله: يتظاهرون، فأدغمت التاء كما تقدم، وقرأ عاصم {يُظَاهِرون} بضم الياء وتخفيف الظاء وألف وكسر الهاء على أنه مضارع ظَاهَر. ولم يأت مصدره إلاّ على وزن الفِعال ووزن المفاعلة. يقال: صدر منه ظِهار ومُظاهرة، ولم يقولوا في مصدره بوزن التظَهر، فقراءة نافع قد استُغني فيها عن مصدره بمصْدر مرادفه. ومعناه أن يقول الرجل لزوجه: أنتِ عليَّ كظهر أمِّي. وكانَ هذا قولاً يقولونه في الجاهلية يريدون به تأبيد تحريم نكاحها وبتّ عصمته. وهو مشتق من الظهر ضد البطن لأن الذي يقول لامرأته: أنتِ عليَّ كظهر أمي، يُريد بذلك أنه حرمها على نفسه. كما أن أُمه حرام عليه، فإسناد تركيب التشبيه إلى ضمير المرأة على تقدير حالة من حالاتها، وهي حالة الاستمتاع المعروف، سَلكوا في هذا التحريم مسلك الاستعارة المكنية بتشبيه الزوجة حينَ يقربها زوجها بالراحلة، وإثباتُ الظهر لها تخيّل للاستعارة، ثم تشبيهِ ظهر زوجته بظهر أمه، أي في حالة من أحواله، وهي حالة الاستمتاع المعروف. وجُعل المشبه ذات الزوجة. والمقصود أخصُّ أحوال الزوجة وهو حال قربانها فآل إلى إضافة الأحكام إلى الأعيان. فالتقدير: قربانكِ كقربان ظهرِ أُمي، أي اعتلائها الخاص. ففي هذه الصيغة حذف ومجيء حروف لفظ ظهر في صيغة ظهار أو مظاهرة يشير إلى صيغة التحريم التي هي «أنت عليّ كظهر أمّي» إيماء إلى تلك الصيغة على نحو ما يستعمل في النحت وليس هو من النحت لأن النحت يشتمل على حروف من عدة كلمات. قال المفسرون وأهل اللغة: كان الظهار طلاقاً في الجاهلية يقتضي تأبيد التحريم. وأحسب أنه كان طلاقاً عند أهل يثرب وما حولها لكثرة مخالطتهم اليهود ولا أحسب أنّه كان معروفاً عند العرب في مكة وتهامة ونجد وغيرها ولم أقف على ذلك في كلامهم. وحسبك أن لم يذكر في القرآن إلا في المدني هنا وفي سورة الأحزاب. والذي يلوح لي أن أهل يثرب ابتدعوا هذه الصيغة للمبالغة في التحريم، فإنهم كانوا قبل الإِسلام ممتزجين باليهود متخلّقين بعوائدهم، وكان اليهود يمنعون أن يأتي الرجل امرأتَه من جهة خلفها كما تقدم في قوله تعالى: {أية : فأتوا حرثكم أنى شئتم}تفسير : في سورة [البقرة: 223]. فلذلك جاء في هذه الصيغة لفظ الظَّهر، فجمعوا في هذه الصيغة تغليظاً من التحريم وهي أنها كأُمّه، بل كظهر أمه. فجاءت صيغة شنيعة فظيعة. وأخذوا من صيغة أنت علي كظهر أمي أصرح ألفاظها وأخصها بغرضها وهو لفظ ظَهر فاشتقّوا منه الفعل بزِنَات متعددة، يقولون: ظاهر من امرأته، وظهّر مثل ضاعف وضعَّف، ويدخلون عليهما تاء المطاوعة. فيقولون: تَظاهر منها وتظَهر، وليس هذا من قبيل النحت نحو: بسمل، وهَلّل، لعدم وجود حرف من الكلمات الموجودة في الجملة كلها. والخطاب في قوله: {منكم} يجوز أن يكون للمسلمين، فيكون ذكر هذا الوصف للتعميم بياناً لمدلول الصلة من قوله: {الذين يظّهّرون} لئلا يُتوهّم إرادة معيّن بالصلة. و{مِن} بيانية كشأنها بعد الأسماء المبهمة فعلم أن هذا الحكم تشريع عام لكل مظاهر. وليس خصوصية لخَولة ولا لأمثالها من النساء ذوات الخصاصة وكثرة الأولاَد. وأما {مِن} في قوله: {من نسائهم} فابتدائية متعلقة بـ {يظّهّرون} لتضمنه معنى البعد إذ هو قد كان طلاقاً والطلاق يبعد أحد الزوجين من الآخر، فاجتلب له حرف الابتداء. كما يقال: خرج من البلد. وقد تبين أن المتعارف في صيغة الظهار أن تشتمل على ما يدل على الزوجة والظهر والأم دون التفات إلى ما يربط هذه الكلمات الثلاث من أدوات الربط من أفعال وحروف نحو: أنتِ عليّ كظهر أمّي، وأنتِ مِنّي مثل ظهر أمي، أو كوني لي كظهر أمي، أو نحو ذلك. فأما إذا فُقِد بعض الألفاظ الثلاثة أو جميعها. نحو: وجهُك عليّ كظهر أمي. أو كجَنب أمّي، أو كظهر جدتي، أو ابنتي، من كل كلام يفيد تشبيه الزوجة، أو إلحاقها بإحدى النساء من مَحارِمِه بقصد تحريم قربانها، فذلك كله من الظهار في أشهر أقوال مالك وأقوالِ أصحابه وجمهور الفقهاء، ولا ينتقل إلى صيغة الطلاق أو التحريم لأن الله أراد التوسعة على الناس وعدمَ المؤاخذة. ولم يُشِر القرآن إلى اسم الظهر ولا إلى اسم الأم إلا مراعاة للصيغة المتعارفة بين الناس يومئذٍ بحيث لا ينتقل الحكم من الظهار إلى صيغة الطلاق إلا إذا تجرد عن تلك الكلمات الثلاث تجرداً واضحاً. والصور عديدة وليست الإِحاطة بها مفيدة، وذلك من مجال الفتوى وليس من مهيع التفسير. وجملة {ما هن أمهاتهم} خبر عن {الذين}، أي ليس أزواجهم أمهات لهم بقول أحدهم: أنت عليّ كظهر أمّي، أي لا تصير الزوج بذلك أمًّا لقائل تلك المقالة. وهذا تمهيد لإِبطال أثر صيغة الظهار في تحريم الزوجة، بما يشير إلى أن الأمومةَ حقيقةٌ ثابتة لا تُصنع بالقول إذ القول لا يبدل حقائق الأشياء، كما قال تعالى في سورة [الأحزاب: 4]: {أية : ذلكم قولكم بأفواهكم} تفسير : ولذلك أعقب هنا بقوله: {إن أمهاتهم إلا اللائي ولدنهم} أي فليست الزوجاتُ المظاهَرُ منهن بصائرات أمهات بذلك الظهار لانعدام حقيقة الأمومة منهن إذ هن لم يلدن القائلين: أنتِ عليّ كظهر أمي، فلا يحرمْن عليهم، فالقصر في الآية حقيقي، أي فالتحريم بالظهار أمر باطل لا يقتضيه سبب يؤثِّر إيجاده. وجملة {إن أمهاتهم} الخ واقعة موقع التعليل لجملة {ما هُنّ أمهاتهم}، وهو تعليل للمقصود من هذا الكلام. أعني إبطال التحريم بلفظ الظهار، إذ كونهن غير أمهاتهم ضروري لا يحتاج إلى التعليل. وزيد صنيعهم ذَمّاً بقوله: {وإنهم ليقولون منكَراً من القول وزوراً} توبيخاً لهم على صنيعهم، أي هو مع كونه لا يوجب تحريم المرأة هو قول منكر، أي قبيح لما فيه من تعريض حُرمة الأم لتخيُّلات شنيعة تخطر بمخيلة السامع عند ما يسمع قول المظاهر: أنتِ عليّ كظهر أمّي. وهي حالة يستلزمها ذكر الظهر في قوله: «كظهر أمي». وأحسب أن الفكر الذي أملى صيغة الظهار على أوّل من نطقَ بها كان مليئاً بالغضب الذي يبعث على بذيء الكلام مثل قولهم: امصُصْ بَظْر أمك في المشاتمة، وهو أيضاً قول زور لأنه كذب إذ لم يحرمها الله. وقد قال تعالى في سورة [الأحزاب: 4]: {أية : وما جعل أزواجكم اللائي تظّاهّرون منهن أمهاتكم}تفسير : . وتأكيد الخبر (بإنّ) واللامِ، للاهتمام بإيقاظ الناس لشناعته إذ كانوا قد اعتادوه فنُزلوا منزلة من يتردد في كونه منكراً أو زوراً، وفي هذا دلالة على أن الظهار لم يكن مشروعاً في شَرع قديم ولا في شريعة الإِسلام، وأنه شيء وضعَه أهل الجاهلية كما نبه عليه عَدُّه مع تكاذيب الجاهلية في قوله تعالى: {أية : ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه وما جعل أزواجكم اللائي تظّاهّرون منهن أمهاتكم وما جعل أدعياءكم أبناءكم}تفسير : وقد تقدم في سورة [الأحزاب: 4]. وبعد هذا التوبيخ عَطف عليه جملة {وإن الله لعفوٌّ} كناية عن عدم مواخذتهم بما صدر منهم من الظهار قبل هذه الآية، إذ كان عذرهم أن ذلك قول تابعوا فيه أسلافهم وجرَى على ألسنتهم دون تفكر في مدلولاته. وأما بعد نزول هذه الآية فمذهب المالكية: أن حكم إيقاعه الحُرمة كما صرح به ابن راشد القفصي في «اللُّباب» لقوله بعده: {أية : وتلك حدود الله}تفسير : [المجادلة: 4] أن إيقاع الظهار معصية، ولكونه معصية فسّر ابن عطية قوله تعالى: {وإنهم ليقولون منكراً من القول وزوراً}. وبذلك أيضاً فسّر القرطبي قوله تعالى: {وتلك حدود الله}. وقال ابن الفرس: هو حرام لا يحلّ إيقاعه. ودَل على تحريمه ثلاثة أشياء: أحدها: تكذيب الله تعالى من فعل ذلك. الثاني: أنه سمّاه منكراً وزوراً، والزور الكذب وهو محرّم بإجماع. الثالث: إخباره تعالى عنه بأنه يعفو عنه ويغفر ولا يُعْفَى ويُغفر إلاّ على المذنبين. وأقوال فقهاء الحنفية تدل على أن الظهار معصية ولم يصفه أحد من المالكية ولا الحنفية بأنه كبيرة. ولا حجة في وصفه في الآية بزور، لأن الكذب لا يكون كبيرة إلا إذا أفضى إلى مضرة. وعَدّ السبْكي في «جمع الجوامع» الظهارَ من جملة الكبائر وسلمه المحلي. والكاتبون قالوا: لأن الله سماه زوراً والزور كبيرة فكون الظهار كبيرة قول الشافعية، وفيه نظر فإنهم لم يَعدوا الكذب على الإِطلاق كبيرة. وإنما عدوا شهادة الزور كبيرة. وأعقب {لَعَفُوٌّ} بقوله: {غفور} فقوله: {وإن الله لعفو غفور} في معنى: أن الله عفا عنهم وغفر لهم لأنه عفوّ غفور، يغفر هذا وما هو أشد. والعفو: الكثير العفو، والعفو عدم المؤاخذة بالفعل أي عفو عن قولهم: الذي هو منكر وزور. والغفور: الكثير الغفران، والغفران الصفح عن فاعل فعل من شأنه أن يعاقبه عليه، فذكر وصف {غفور} بعد وصف (عفوّ) تتميم لتمجيد الله إذ لا ذنب في المظاهرة حيث لم يسبق فيها نهي، ومع ما فيه من مقابلة شيئين وهما {منكراً} و{زوراً}، بشيْئين هما (عفوّ غفور). وتأكيد الخبر في قوله تعالى: {وإن الله لعفو غفور} لمشاكلة تأكيد مقابله في قوله: {وإنهم ليقولون منكراً من القول وزوراً}. وقوله: {وإن الله لعفو غفور} يدل على أن المظاهرة بعد نزول هذه الآية منهي عنها وسنذكر ذلك. وقد أَومَأ قوله تعالى: {وإن الله لعفو غفور} إلى أن مراد الله من هذا الحكم التوسعة على الناس، فعلمنا أن مقصد الشريعة الإِسلامية أن تدور أحكام الظهار على محور التخفيف والتوسعة، فعلى هذا الاعتبار يجب أن يجري الفقهاء فيما يفتون. ولذلك لا ينبغي أن تلاحظ فيه قاعدة الأخذ بالأحوط ولا قاعدة سدّ الذريعة، بل يجب أن نسير وراء ما أضاء لنا قوله تعالى: {وإنهم ليقولون منكراً من القول وزوراً وإن الله لعفوّ غفور}. وقد قال مالك في «المدونة»: لا يقبّل المظاهر ولا يباشر ولا ينظر إلى صدر ولا إلى شعَر. قال الباجي في «المنتقى»: فمن أصحابنا من حمل ذلك على التحريم، ومنهم من حمله على الكراهة لئلا يدعوه إلى الجماع. وبه قال الشافعي وعبد الملك. قلت: وهذا هو الوجه لأن القرآن ذكر المسيس وهو حقيقة شرعية في الجماع. وقال مالك: لو تظاهر من أربع نسوة بلفظ واحد في مجلس واحد لم تجب عليه إلا كفارة واحدة عند مالك قولاً واحداً. وعند أبي حنيفة والشافعي في أحد قوليهما. والمقصود من هذه الآية إبطال تحريم المرآة التي يظاهر منها زوجها. وتحميق أهل الجاهلية الذين جعلوا الظهار محرّماً على المظاهر زوجَه التي ظاهر منها. وجعل الله الكفارة فدية لذلك وزجراً ليكفّ الناس عن هذا القول. ومن هذا المعنى قول النبي صلى الله عليه وسلم «حديث : من قال لصاحبه: تعال أَقامرْك فليتصدقْ»تفسير : أي من جَرى ذلك على لسانه بعد أن حرم الله الميسر.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {ٱلَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنكُمْ مِّن نِّسَآئِهِمْ مَّا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ} إلى قوله: {فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِيناً}. قد قدمنا الكلام عليه موضحاً في سورة الأحزاب في الكلام على قوله تعالى: {أية : وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ ٱللاَّئِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ}تفسير : [الأحزاب: 4] وبينا هناك كلام أهل العلم، وأدلتهم ومناقشتها في مسائل الظهار، ومسائل أحكام الكفارة بالعتق، والصيام، والإطعام، وأوجه القراءة في الآية.

د. أسعد حومد

تفسير : {يُظَاهِرُونَ} {نِّسَآئِهِمْ} {أُمَّهَاتِهِمْ} {ٱللاَّئِي} (2) - الذِينَ يَقَعُ مِنْهُم الظِّهَارُ مِنْ نِسَائِهِمْ، فَيَقُولُ أَحَدُهُمْ لامْرَأَتِهِ: (أَنْتِ عَليَّ كَظَهْرِ أُمِّي)، وَهُوَ يُريدُ بِذَلِكَ تَحْرِيمَهَا عَلَى نَفْسِهِ، كَمَا تَحْرُمُ الأُمُّ عَلَى ابْنِهَا، هُمْ مُخْطِئونَ فِيمَا يَصْنَعُونَ، فَزَوْجَةُ المَرءِ لَيْسَتْ أُمَّهُ، لأَِنَّ أُمَّهُ هِيَ التِي وَلَدَتْهُ دُونَ غَيِرِهَا مِنَ النِّسَاءِ، فَلاَ يَنْبَغِي أَنْ يُشَبِّهَ المَرْءُ أُمَّهُ بِغَيرِهَا مِنَ النِّسَاءِ. وَهَؤُلاَءِ الذِينَ يَقُولُونَ هَذَا القَوْلَ، وَيُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ، يَقُولُونَ قَوْلاً نُكراً لاَ يُجِيزُهُ الشَّرْعُ وَيَقُولُونَ كَذِباً وَزُوراً وَبَاطِلاً، لأَِنَّ رَابِطَةَ الزَّوْجَةِ بِزَوْجِهَا هِيَ رَابِطَةٌ وَاسِعَةٌ خَاصَّةٌ، لَيْسَ مِثْلَهَا رَابِطَةُ الأُمِّ بِابْنِهَا، لأِنَّهَا رَابَطةٌ تَقُومُ عَلَى الاحْتِرَامِ وَالإِجْلاَلِ. وَاللهُ كَثِيرُ العَفْوِ وَالغُفْرَانِ لِذُنُوبِ مَنْ تَابَ إِلَيهِ مِمَا قَالَ، وَرَجَعَ إِلَى رَبِّهِ تَائِباً مُنِيبا.ً يُظَاهِرُونَ - يُحَرِّمُونَ نِسَاءَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ كَمَا تَحْرُمُ الأُمُّ عَلَى الوَلَدِ. مُنْكَراً مِنَ القَوْلِ - قَوْلاً مُنْكَراً يُنْكِرُهُ الشَّرْعُ وَالعَقْلُ. زُوراً - كَذِباً وَبَاطِلاً مُنْحَرِفاً عَنِ الحَقِّ.