٥٨ - ٱلْمُجَادِلَة
58 - Al-Mujadila (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
3
Tafseer
الرازي
تفسير : قوله تعالى: {وَٱلَّذِينَ يُظَـٰهِرُونَ مِن نّسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُواْ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مّن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا } قال الزجاج: {ٱلَّذِينَ } رفع بالابتداء وخبره فعليهم تحرير رقبة، ولم يذكر عليهم لأن في الكلام دليلاً عليه، وإن شئت أضمرت فكفارتهم تحرير رقبة. أما قوله تعالى: {ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُواْ } فاعلم أنه كثر اختلاف الناس في تفسير هذه الكلمة، ولا بد أولاً من بيان أقوال أهل العربية في هذه الكلمة، وثانياً من بيان أقوال أهل الشريعة، وفيها مسائل: المسألة الأولى: قال الفراء: لا فرق في اللغة بين أن يقال: يعودون لما قالوا، وإلى ما قالوا وفيما قالوا، أبو علي الفارسي: كلمة إلى واللام يتعاقبان، كقوله: {أية : ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِى هَدَانَا لِهَـٰذَا } تفسير : [الأعراف: 43] وقال: {أية : فَٱهْدُوهُمْ إِلَىٰ صِرٰطِ ٱلْجَحِيمِ } تفسير : [الصافات: 23] وقال تعالى: {أية : وَأُوحِىَ إِلَىٰ نُوحٍ } تفسير : [هود: 36] وقال: {أية : بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَىٰ لَهَا } تفسير : [الزلزلة: 5]. المسألة الثانية: لفظ {مَا قَالُواْ } في قوله: {ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُواْ } فيه وجهان أحدهما: أنه لفظ الظهار، والمعنى أنهم يعودون إلى ذلك اللفظ والثاني: أن يكون المراد بقوله: {لِمَا قَالُواْ } المقول فيه، وهو الذي حرموه على أنفسهم بلفظ الظهار، تنزيلاً للقول منزلة المقول فيه، ونظيره قوله تعالى: {أية : وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ } تفسير : [مريم: 80] أي ونرثه المقول، وقال عليه السلام: «حديث : العائد في هبته كالكلب يعود في قيئه» تفسير : وإنما هو عائد في الموهوب، ويقول الرجل: اللهم أنت رجاؤنا، أي مرجونا، وقال تعالى: {أية : وَٱعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّىٰ يَأْتِيَكَ ٱلْيَقِينُ } تفسير : [الحجر: 99] أي الموقن به، وعلى هذا معنى قوله: {ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُواْ } أي يعودون إلى الشيء الذي قالوا فيه ذلك القول، ثم إذا فسرنا هذا اللفظ بالوجه الأول فنقول: قال أهل اللغة، يجوز أن يقال: عاد لما فعل، أي فعله مرة أخرى، ويجوز أن يقال: عاد لما فعل، أي نقض ما فعل، وهذا كلام معقول، لأن من فعل شيئاً ثم أراد أن يقال مثله، فقد عاد إلى تلك الماهية لا محالة أيضاً، وأيضاً من فعل شيئاً ثم أراد إبطاله فقد عاد إليه، لأن التصرف في الشيء بالإعدام لا يمكن إلا بالعود إليه. المسألة الثالثة: ظهر مما قدمنا أن قوله: {ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُواْ } يحتمل أن يكون المراد ثم يعودون إليه بالنقض والرفع والإزالة، ويحتمل أن يكون المراد منه، ثم يعودون إلى تكوين مثله مرة أخرى، أما الاحتمال الأول فهو الذي ذهب إليه أكثر المجتهدين واختلفوا فيه على وجوه: الأول: وهو قول الشافعي أن معنى العود لما قالوا السكوت عن الطلاق بعد الظهار زماناً يمكنه أن يطلقها فيه، وذلك لأنه لما ظاهر فقد قصد التحريم، فإن وصل ذلك بالطلاق فقد تمم ما شرع منه من إيقاع التحريم، ولا كفارة عليه، فإذا سكت عن الطلاق، فذاك يدل على أنه ندم على ما ابتدأ به من التحريم، فحينئذ تجب عليه الكفارة، واحتج أبو بكر الرازي في «أحكام القرآن» على فساد هذا القول من وجهين: الأول: أنه تعالى قال: {ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُواْ } وثم تقتضي التراخي، وعلى هذا القول يكون المظاهر عائداً عقيب القول بلا تراخ، وذلك خلاف مقتضى الآية الثاني: أنه شبهها بالأم والأم لا يحرم إمساكها، فتشبيه الزوجة بالأم لا يقتضي حرمة إمساك الزوجة، فلا يكون إمساك الزوجة نقضاً لقوله: أنت علي كظهر أمي، فوجب أن لا يفسر العود بهذا الإمساك والجواب عن الأول: أن هذا أيضاً وارد على قول أبي حنيفة فإنه جعل تفسير العود استباحة الوطء، فوجب أن لا يتمكن المظاهر من العود إليها بهذا التفسير عقيب فراغه من التلفظ بلفظ الظهار حتى يحصل التراخي، مع أن الأمة مجمعة على أن له ذلك، فثبت أن هذا الإشكال وارد عليه أيضاً، ثم نقول: إنه ما لم ينقض زمان يمكنه أن يطلقها فيه، لا يحكم عليه بكونه عائداً، فقد تأخر كونه عائداً عن كونه مظاهراً بذلك القدر من الزمان، وذلك يكفي في العمل بمقتضى كلمة: ثم والجواب عن الثاني: أن الأم يحرم إمساكها على سبيل الزوجية ويحرم الاستمتاع بها، فقوله: أنت علي كظهر أمي، ليس فيه بيان أن التشبيه وقع في إمساكها على سبيل الزوجية، أو في الاستمتاع بها، فوجب حمله على الكل، فقوله: أنت علي كظهر أمي، يقتضي تشبيهها بالأم في حرمة إمساكها على سبيل الزوجية، فإذا لم يطلقها فقد أمسكها على سبيل الزوجية، فكان هذا الإمساك مناقضاً لمقتضى قوله: أنت علي كظهر أمي، فوجب الحكم عليه بكونه عائداً، وهذا كلام ملخص في تقرير مذهب الشافعي الوجه الثاني: في تفسير العود، وهو قول أبي حنيفة: أنه عبارة عن استباحة الوطء والملامسة والنظر إليها بالشهوة، قالوا: وذلك لأنه لما شبهها بالأم في حرمة هذه الأشياء، ثم قصد استباحة هذه الأشياء كان ذلك مناقضاً لقوله: أنت علي كظهر أمي، واعلم أن هذا الكلام ضعيف، لأنه لما شبهها بالأم، لم يبين أنه في أي الأشياء شبهها بها، فليس صرف هذا التشبيه إلى حرمة الاستمتاع، وحرمة النظر أولى من صرفه إلى حرمة إمساكها على سبيل الزوجية، فوجب أن يحمل هذا التشبيه على الكل، وإذا كان كذلك، فإذا أمسكها على سبيل الزوجية لحظة، فقد نقض حكم قوله: أنت علي كظهر أمي، فوجب أن يتحقق العود الوجه الثالث: في تفسير العود وهو قول مالك: أن العود إليها عبارة عن العزم على جماعها وهذا ضعيف، لأن القصة إلى جماعها لا يناقض كونها محرمة إنما المناقض لكونها محرمة القصد إلى استحلال جماعها، وحينئذ نرجع إلى قول أبي حنيفة رحمه الله الوجه الرابع: في تفسير العود وهو قول طاوس والحسن البصري: أن العود إليها عبارة عن جماعها، وهذا خطأ لأن قوله تعالى: {ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُواْ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مّن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا } بفاء التعقيب في قوله: {فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ } يقتضي كون التكفير بعد العود، ويقتضي قوله: {مّن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا } أن يكون التكفير قبل الجماع، وإذا ثبت أنه لا بد وأن يكون التكفير بعد العود، وقبل الجماع، جب أن يكون العود غير الجماع، واعلم أن أصحابنا قالوا: العود المذكور ههنا، هب أنه صالح للجماع، أو للعزم على الجماع، أو لاستباحة الجماع، إلا أن الذي قاله الشافعي رحمه الله، هو أقل ما ينطلق عليه الاسم فيجب تعليق الحكم عليه لأنه هو الذي به يتحقق مسمى العود، وأما الباقي فزيادة لا دليل عليها ألبتة. الاحتمال الثاني: في قوله: {ثُمَّ يَعُودُونَ } أي يفعلون مثل ما فعلوه، وعلى هذا الاحتمال في الآية أيضاً وجوه الأول: قال الثوري: العود هو الإتيان بالظهار في الإسلام، وتقريره أن أهل الجاهلية كانوا يطلقون بالظهار، فجعل الله تعالى حكم الظهار في الإسلام خلاف حكمه عندهم في الجاهلية، فقال: {وَٱلَّذِينَ يُظَـٰهِرُونَ مِن نّسَائِهِمْ } يريد في الجاهلية: {ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُواْ } أي في الإسلام والمعنى أنهم يقولون في الإسلام مثل ما كانوا يقولونه في الجاهلية، فكفارته كذا وكذا، قال أصحابنا هذا القول ضعيف لأنه تعالى ذكر الظهار وذكر العود بعده بكلمة: ثم وهذا يقتضي أن يكون المراد من العود شيئاً غير الظهار، فإن قالوا: المراد والذين كانوا يظاهرون من نسائهم قبل الإسلام، والعرب تضمر لفظ كان، كما في قوله: {أية : وَٱتَّبَعُواْ مَا تَتْلُواْ ٱلشَّيـٰطِينِ } تفسير : [البقرة:102] أي ما كانت تتلو الشياطين، قلنا: الإضمار خلاف الأصل القول الثاني: قال أبو العالية: إذا كرر لفظ الظهار فقد عاد، فإن لم يكن يكرر لم يكن عوداً، وهذا قول أهل الظاهر، واحتجوا عليه بأن ظاهر قوله: {ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُواْ } يدل على إعادة ما فعلوه، وهذا لا يكون إلا بالتكرير، وهذا أيضاً ضعيف من وجهين: الأول: أنه لو كان المراد هذا لكان يقول، ثم يعيدون ما قالوا الثاني: حديث أوس فإنه لم يكرر الظهار إنما عزم على الجماع وقد ألزمه رسول الله الكفارة، وكذلك حديث سلمة بن صخرة البياضي فإنه قال: كنت لا أصبر عن الجماع فلما دخل شهر رمضان ظاهرت من امرأتي مخافة أن لا أصبر عنها بعد طلوع الفجر فظاهرت منها شهر رمضان كله ثم لم أصبر فواقعتها فأتيت رسول الله فأخبرته بذلك وقلت: أمض في حكم الله، فقال: «حديث : أعتق رقبة» تفسير : فأوجب الرسول عليه السلام عليه الكفارة مع أنه لم يذكر تكرار الظهار القول الثالث: قال أبو مسلم الأصفهاني: معنى العود، هو أن يحلف على ما قال أولاً من لفظ الظهار، فإنه إذا لم يحلف لم تلزمه الكفارة قياساً على مالو قال في بعض الأطعمة، إنه حرام عليَّ كلحم الآدمي، فإنه لا تلزمه الكفارة، فأما إذا حلف عليه لزمه كفارة اليمين، وهذا أيضاً ضعيف لأن الكفارة قد تجب بالإجماع في المناسك ولا يمين هناك وفي قتل الخطأ ولا يمين هناك. أما قوله تعالى: {فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مّن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا } ففيه مسائل: المسألة الأولى: اختلفوا فيما يحرمه الظهار، فللشافعي قولان: أحدهما: أنه يحرم الجماع فقط القول الثاني: وهو الأظهر أنه يحرم جميع جهات الاستمتاعات وهو قول أبي حنيفة رحمه الله ودليله وجوه الأول: قوله تعالى: {فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مّن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا } فكان ذلك عاماً في جميع ضروب المسيس، من لمس بيد أو غيرها والثاني: قوله تعالى: {وَٱلَّذِينَ يُظَـٰهِرُونَ مِن نّسَائِهِمْ } ألزمه حكم التحريم بسبب أنه شبهها بظهر الأم، فكما أن مباشرة ظهر الأم ومسه يحرم عليه، فوجب أن يكون الحال في المرأة كذلك الثالث: روى عكرمة: «حديث : أن رجلاً ظاهر من امرأته ثم واقعها قبل أن يكفر فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره بذلك فقال اعتزلها حتى تكفر»تفسير : . المسألة الثانية: اختلفوا فيمن ظاهر مراراً، فقال الشافعي وأبو حنيفة: لكل ظهار كفارة إلا أن يكون في مجلس واحد، وأراد بالتكرار التأكيد، فإنه يكون عليه كفارة واحدة، وقال مالك: من ظاهر من امرأته في مجالس متفرقة مائة فليس عليه إلا كفارة واحدة، دليلنا أن قوله تعالى: {وَٱلَّذِينَ يُظَـٰهِرُونَ مِن نّسَائِهِمْ... فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ } يقتضي كون الظهار علة لإيجاب الكفارة، فإذا وجد الظهار الثاني فقد وجدت علة وجوب الكفارة، والظهار الثاني إما أن يكون علة للكفارة الأولى، أو لكفارة ثانية والأول باطل لأن الكفارة وجبت بالظهار الأول وتكوين الكائن محال، ولأن تأخر العلة عن الحكم محال، فعلمنا أن الظهار الثاني يوجب كفارة ثانية، واحتج مالك بأن قوله: {وَٱلَّذِينَ يُظَـٰهِرُونَ } يتناول من ظاهر مرة واحدة، ومن ظاهر مراراً كثيرة، ثم إنه تعالى أوجب عليه تحرير رقبة، فعلمنا أن التكفير الواحد كاف في الظهار، سواء كان مرة واحدة أو مراراً كثيرة والجواب: أنه تعالى قال: {أية : لاَ يُؤَاخِذُكُمُ ٱللَّهُ بِٱللَّغْوِ فِى أَيْمَـٰنِكُمْ وَلَـٰكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ ٱلأَيْمَـٰنَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَـٰكِينَ } تفسير : [المائدة: 89] فهذا يقتضي أن لا يجب في الإيمان الكثيرة إلا كفارة واحدة، ولما كان باطلاً، فكذا ما قلتموه. المسألة الثالثة: رجل تحته أربعة نسوة فظاهر منهن بكلمة واحدة وقال: أنتن علي كظهر أمي، للشافعي قولان: أظهرهما أنه يلزمه أربع كفارات، نظراً إلى عدد اللواتي ظاهر منهن، ودليله ما ذكرنا، أنه ظاهر عن هذه، فلزمه كفارة بسبب هذا الظهار، وظاهر أيضاً عن تلك، فالظهار الثاني لا بد وأن يوجب كفارة أخرى. المسألة الرابعة: الآية تدل على إيجاب الكفارة قبل المماسة، فإن جامع قبل أن يكفر لم يجب عليه إلا كفارة واحدة، وهو قول أكثر أهل العلم، كمالك وأبي حنيفة والشافعي وسفيان وأحمد وإسحق رحمهم الله، وقال بعضهم: إذا واقعها قبل أن يكفر فعليه كفارتان، وهو قول عبدالرحمن بن مهدي دليلنا أن الآية دلت على أنه يجب على المظاهر كفارة قبل العود، فههنا فاتت صفة القبلية، فيبقى أصل وجوب الكفارة، وليس في الآية دلالة على أن ترك التقديم يوجب كفارة أخرى. المسألة الخامسة: الأظهر أنه لا ينبغي للمرأة أن تدعه يقربها حتى يكفر، فإن تهاون بالتكفير حال الإمام بينه وبينها ويجبره على التكفير، وإن كان بالضرب حتى يوفيها حقها من الجماع، قال الفقهاء: ولا شيء من الكفارات يجبر عليه ويحبس إلا كفارة الظهار وحدها، لأن ترك التكفير إضرار بالمرأة وامتناع من إيفاء حقها. المسألة السادسة: قال أبو حنيفة رحمه الله هذه الرقبة تجزىء سواء كانت مؤمنة أو كافرة، لقوله تعالى: {فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ } فهذا اللفظ يفيد العموم في جميع الرقاب، وقال الشافعي: لا بد وأن تكون مؤمنة ودليله وجهان الأول: أن المشرك نجس، لقوله تعالى: {أية : إِنَّمَا ٱلْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ } تفسير : [التوبة: 28] وكل نجس خبيث بإجماع الأمة وقال تعالى: {أية : وَلاَ تَيَمَّمُواْ ٱلْخَبِيثَ } تفسير : [البقرة: 267] الثاني: أجمعنا على أن الرقبة في كفارة القتل مقيدة بالإيمان، فكذا ههنا، والجامع أن الإعتاق إنعام، فتقييده بالإيمان يقتضي صرف هذا الإنعام إلى أولياء الله وحرمان أعداء الله، وعدم التقييد بالإيمان قد يفضي إلى حرمان أولياء الله، فوجب أن يتقيد بالإيمان تحصيلاً لهذه المصلحة. المسألة السابعة: إعتاق المكاتب لا يجزىء عند الشافعي رحمه الله، وقال أبو حنيفة رحمه الله إن أعتقه قبل أن يؤدي شيئاً جاز عن الكفارة، وإذا أعتقه بعد أن يؤدي شيئاً، فظاهر الرواية أنه لا يجزىء، وروى الحسن عن أبي حنيفة أنه يجزىء، حجة أبي حنيفة أن المكاتب رقبة لقوله تعالى: {أية : وَفِي ٱلرّقَابِ } تفسير : [البقرة: 117] والرقبة مجزئة لقوله تعالى: {فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ }، حجة الشافعي أن المقتضى لبقاء التكاليف بإعتاق الرقبة قائم، بعد إعتاق المكاتب، وما لأجله ترك العمل به في محل الرقاب غير موجود ههنا، فوجب أن يبقى على الأصل، بيان المقتضي أن الأصل في الثابت البقاء على ما كان، بيان الفارق أن المكاتب كالزائل عن ملك المولى وإن لم يزل عن ملكه، لكنه يمكن نقصان في رقه، بدليل أنه صار أحق بمكاسبه، ويمتنع على المولى التصرفات فيه، ولو أتلفه المولى يضمن قيمته، ولو وطىء مكاتبته يغرم المهر، ومن المعلوم أن إزالة الملك الخالص عن شوائب الضعف أشق على المالك من إزالة الملك الضعيف، ولا يلزم من خروج الرجل عن العهدة بإعتاق العبد القن خروجه عن العهدة بإعتاق المكاتب، والوجه الثاني: أجمعنا على أنه لو أعتقه الوارث بعد موته لا يجزىء عن الكفارة، فكذا إذا أعتقه المورث والجامع كون الملك ضعيفاً. المسألة الثامنة: لو اشترى قريبه الذي يعتق عليه بنية الكفارة عتق عليه، لكنه لا يقع عن الكفارة عند الشافعي، وعند أبي حنيفة يقع، حجة أبي حنيفة التمسك بظاهر الآية، وحجة الشافعي ما تقدم. المسألة التاسعة: قال أبو حنيفة: الإطعام في الكفارات يتأدى بالتمكين من الطعام، وعند الشافعي لا يتأدى إلا بالتمليك من الفقير، حجة أبي حنيفة ظاهر القرآن وهو أن الواجب هو الإطعام، وحقيقة الإطعام هو التمكين، بدليل قول تعالى: {أية : مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ } تفسير : [المائدة: 89] وذلك يتأدى بالتمكين والتمليك، فكذا ههنا، وحجة الشافعي القياس عن الزكاة وصدقة الفطر. المسألة العاشرة: قال الشافعي: لكل مسكين مد من طعام بلده الذي يقتات منه حنطة أو شعيراً أو أرزاً أو تمراً أو أقطاً، وذلك بمد النبي صلى الله عليه وسلم ولا يعتبر مد حدث بعده، وقال أبو حنيفة: يعطى كل مسكين نصف صاع من بر أو دقيق أو سويق أو صاعاً من تمر أو صاعاً من شعير ولا يجزئه دون ذلك، حجة الشافعي أن ظاهر الآية يقتضي الإطعام، ومراتب الإطعام مختلفة بالكمية والكيفية، فليس حمل اللفظ على البعض أولى من حمله على الباقي، فلا بد من حمله على أقل مالا بد منه ظاهراً، وذلك هو المد، حجة أبي حنيفة ما روي في حديث أوس بن الصامت: «حديث : لكل مسكين نصف صاع من بر» تفسير : وعن علي وعائشة قالا: لكل مسكين مدان من بر، ولأن المعتبر حاجة اليوم لكل مسكين، فيكون نظير صدقة الفطر، ولا يتأدى ذلك بالمد، بل بما قلنا، فكذلك هنا. المسألة الحادية عشرة: لو أطعم مسكيناً واحداً ستين مرة لا يجزىء عند الشافعي، وعند أبي حنيفة يجزىء، حجة الشافعي ظاهر الآية، وهو أنه أوجب إطعام ستين مسكيناً، فوجب رعاية ظاهر الآية، وحجة أبي حنيفة أن المقصود دفع الحاجة وهو حاصل، وللشافعي أن يقول: التحكمات غالبة على هذه التقديرات، فوجب الامتناع فيها من القياس، وأيضاً فلعل إدخال السرور في قلب ستين إنساناً، أقرب إلى رضا الله تعالى من إدخال السرور في قلب الإنسان الواحد. المسألة الثانية عشرة: قال أصحاب الشافعي: إنه تعالى قال في الرقبة: {فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ } وقال في الصوم: {فَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتّينَ مِسْكِيناً } فذكر في الأول: {فَمَن لَّمْ يَجِدْ } وفي الثاني: {فَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ } فقالوا: من ماله غائب لم ينتقل إلى الصوم بسبب عجزه عن الإعتاق في الحال أما من كان مريضاً في الحال، فإنه ينتقل إلى الإطعام وإن كان مرضه بحيث يرجى زواله، قالوا: والفرق أنه قال في الانتقال إلى الإطعام: {فَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ } وهو بسبب المرض الناجز، والعجز العاجل غير مستطيع، وقال في الرقبة: {فَمَن لَّمْ يَجِدْ } والمراد فمن لم يجد رقبة أو مالاً يشتري به رقبة، ومن ماله غائب لا يسمى فاقداً للمال، وأيضاً يمكن أن يقال في الفرق إحضار المال يتعلق باختياره وأما إزالة المرض فليس باختياره. المسألة الثالثة عشرة: قال بعض أصحابنا: الشبق المفرط والغلمة الهائجة، عذر في الانتقال إلى الإطعام، والدليل عليه أنه عليه السلام لما أمر الأعرابي بالصوم قال له: وهل أتيت إلا من قبل الصوم فقال عليه السلام «حديث : أطعم» تفسير : دل الحديث على أن الشبق الشديد عذر في الانتقال من الصوم إلى الإطعام، وأيضاً الاستطاعة فوق الوسع، والوسع فوق الطاقة، فالاستطاعة هو أن يتمكن الإنسان من الفعل على سبيل السهولة، ومعلوم أن هذا المعنى لا يتم مع شدة الشبق، فهذه جملة مختصرة مما يتعلق بفقه القرآن في هذه الآية، والله أعلم. قوله تعالى: {ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ } قال الزجاج: {ذٰلِكُمْ } للتغليظ في الكفارة {تُوعَظُونَ بِهِ } أي أن غلظ الكفارة وعظ لكم حتى تتركوا الظهار ولا تعاودوه، وقال غيره {ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ } أي تؤمرون به من الكفارة {وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ } من التكفير وتركه.
القرطبي
تفسير : فيه ٱثنتا عشرة مسألة: الأولى: قوله تعالى: {وَٱلَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِن نِّسَآئِهِمْ} هذا ٱبتداء والخبر {فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ} وحذف عليهم لدلالة الكلام عليه؛ أي فعليهم تحرير رقبة. وقيل: أي فكفارتهم عتق رقبة. والمجمع عليه عند العلماء في الظهار قول الرجل لامرأته: أنت عليّ كظهر أمي. وهو قول المنكر والزور الذي عنى الله بقوله: {وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنكَراً مِّنَ ٱلْقَوْلِ وَزُوراً} فمن قال هذا القول حرم عليه وطء ٱمرأته. فمن عاد لما قال لزمته كفارة الظهار؛ لقوله عز وجل: {وَٱلَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِن نِّسَآئِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُواْ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ} وهذا يدل على أن كفارة الظهار لا تلزم بالقول خاصة حتى ينضم إليها العَوْد، وهذا حرف مشكل ٱختلف الناس فيه على أقوال سبعة: الأوّل: أنه العزم على الوطء، وهو مشهور قول العراقيين أبي حنيفة وأصحابه. وروي عن مالك: فإن عزم على وطئها كان عَوْداً، وإن لم يعزم لم يكن عَوْداً. الثاني: العزم على الإمساك بعد التظاهر منها؛ قاله مالك. الثالث: العزم عليهما. وهو قول مالك في موطئه؛ قال مالك في قول الله عز وجل: {وَٱلَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِن نِّسَآئِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُواْ} قال: سمعت أن تفسير ذلك أن يظاهر الرجل من ٱمرأته ثم يجمع على إصابتها وإمساكها؛ فإن أجمع على ذلك فقد وجبت عليه الكفارة، وإن طلّقها ولم يجمع بعد تظاهره منها على إمساكها وإصابتها فلا كفارة عليه. قال مالك: وإن تزوّجها بعد ذلك لم يمسها حتى يكفّر كفارة التظاهر. القول الرابع: أنه الوطء نفسه فإن لم يطأ لم يكن عَوْداً؛ قاله الحسن ومالك أيضاً. الخامس: وقال الإمام الشافعي رضي الله عنه: هو أن يمسكها زوجة بعد الظهار مع القدرة على الطلاق؛ لأنه لما ظاهر قصد التحريم، فإن وصل به الطلاق فقد جرى على خلاف ما ٱبتدأه من إيقاع التحريم ولا كفارة عليه. وإن أمسك عن الطلاق فقد عاد إلى ما كان عليه فتجب عليه الكفارة. السادس: أن الظهار يوجب تحريماً لا يرفعه إلا الكفارة. ومعنى العَود عند القائلين بهذا: أنه لا يستبيح وطأها إلا بكفارة يقدمها، قاله أبو حنيفة وأصحابه والليث بن سعد. السابع: هو تكرير الظهار بلفظه. وهذا قول أهل الظاهر النافين للقياس، قالوا: إذا كرر اللفظ بالظهار فهو العَوْد، وإن لم يكرر فليس بِعَود. ويسند ذلك إلى بكير بن الأشج وأبي العالية وأبي حنيفة أيضاً، وهو قول الفراء. وقال أبو العالية: وظاهر الآية يشهد له؛ لأنه قال: {ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُواْ} أي إلى قول ما قالوا. وروى عليّ بن أبي طلحة عن ٱبن عباس في قوله عز وجل: {وَٱلَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِن نِّسَآئِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُواْ} هو أن يقول لها أنت عليّ كظهر أمي. فإذا قال لها ذلك فليست تحل له حتى يكفّر كفارة الظهار. قال ٱبن العربي: فأما القول بأنه العَوْد إلى لفظ الظهار فهو باطل قطعاً لا يصح عن بكير، وإنما يشبه أن يكون من جهالة داود وأشياعه. وقد رويت قصص المتظاهرين وليس في ذكر الكفارة عليهم ذكر لِعَود القول منهم، وأيضاً فإن المعنى ينقضه؛ لأن الله تعالى وصفه بأنه منكر من القول وزور، فكيف يقال له إذا أعدت القول المحرم والسبب المحظور وجبت عليه الكفارة، وهذا لا يعقل؛ ألا ترى أن كل سبب يوجب الكفارة لا تشترط فيه الإعادة من قتل ووطء في صوم أو غيره. قلت: قوله يشبه أن يكون من جهالة داود وأشياعه حملٌ منه عليه، وقد قال بقول داود من ذكرناه عنهم، وأما قول الشافعي: بأنه ترك الطلاق مع القدرة عليه فينقضه ثلاثة أمور أمهات: الأوّل: أنه قال: «ثُمَّ» وهذا بظاهره يقتضي التراخي. الثاني: أن قوله تعالى: {ثُمَّ يَعُودُونَ} يقتضي وجود فعل من جهة ومرور الزمان ليس بفعل منه. الثالث: أن الطلاق الرجعي لا ينافي البقاء على الملك فلم يسقط حكم الظهار كالإيلاء. فإن قيل: فإذا رآها كالأم لم يمسكها إذ لا يصح إمساك الأم بالنكاح. وهذه عمدة أهل ما وراء النهر. قلنا: إذا عزم على خلاف ما قال ورآها خلاف الأم كفّر وعاد إلى أهله. وتحقيق هذا القول: أن العزم قولٌ نفسيٌّ، وهذا رجل قال قولاً ٱقتضى التحليل وهو النكاح، وقال قولاً ٱقتضى التحريم وهو الظهار، ثم عاد لما قال وهو التحليل، ولا يصح أن يكون منه ٱبتداء عقد، لأن العقد باق فلم يبق إلا أنه قول عزم يخالف ما ٱعتقده وقاله في نفسه من الظهار الذي أخبر عنه بقوله أنت عليّ كظهر أمي، وإذا كان ذلك كفّر وعاد إلى أهله؛ لقوله: {مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَآسَّا}. وهذا تفسير بالغ (في فنه). الثانية: قال بعض أهل التأويل: الآية فيها تقديم وتأخير، والمعنى {وَٱلَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِن نِّسَآئِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ} إلى ما كانوا عليه من الجماع {فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ} لما قالوا؛ أي فعليهم تحرير رقبة من أجل ما قالوا: فالجار في قوله: «لِمَا قَالُوا» متعلق بالمحذوف الذي هو خبر الابتداء وهو عليهم؛ قاله الأخفش. وقال الزجاج: المعنى ثم يعودون إلى إرادة الجماع من أجل ما قالوا. وقيل: المعنى الذين كانوا يَظَّهَّرون من نسائهم في الجاهلية، ثم يعودون لما كانوا قالوه في الجاهلية في الإسلام فكفارة من عاد أن يحرر رقبة. الفراء: اللام بمعنى عن والمعنى ثم يرجعون عما قالوا ويريدون الوطء. وقال الأخفش: لما قالوا وإلى ما قالوا واحد، واللام وإلى يتعاقبان؛ قال: {أية : ٱلْحَمْدُ للَّهِ ٱلَّذِي هَدَانَا لِهَـٰذَا} تفسير : [الأعراف:43] وقال: {أية : فَٱهْدُوهُمْ إِلَىٰ صِرَاطِ ٱلْجَحِيمِ} تفسير : [الصافات:23] وقال: {أية : بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَىٰ لَهَا} تفسير : [الزلزلة:5] وقال: {أية : وَأُوحِيَ إِلَىٰ نُوحٍ} تفسير : [هود:36]. الثالثة: قوله تعالى: {فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ} أي فعليه إعتاق رقبة؛ يقال: حررته أي جعلته حرًّا. ثم هذه الرقبة يجب أن تكون كاملةً سليمةً من كل عيب، من كمالها إسلامها عند مالك والشافعي؛ كالرقبة في كفارة القتل. وعند أبي حنيفة وأصحابه تجزي الكافرة ومن فيها شائبة رِقٍّ كالمكاتبة وغيرها. الرابعة: فإن أعتق نصفي عبدين فلا يجزيه عندنا ولا عند أبي حنيفة. وقال الشافعي يجزىء؛ لأن نصف العبدين في معنى العبد الواحد؛ ولأن الكفارة بالعتق طريقها المال فجاز أن يدخلها التبعيض والتجزي كالإطعام؛ ودليلنا قوله تعالى: {فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ} وهذا الاسم عبارة عن شخص واحد، وبعض الرقبة ليس برقبة، وليس ذلك مما يدخله التلفيق؛ لأن العبادة المتعلقة بالرقبة لا يقوم النصف من رقبتين مقامها؛ أصله إذا ٱشترك رجلان في أضحيتين؛ ولأنه لو أمر رجلين أن يحجا عنه حجة لم يجز أن يحج عنه واحد منهما نصفها كذلك هذا؛ ولأنه لو أوصى بأن تشتري رقبة فتعتق عنه لم يجز أن يعتق عنه نصف عبدين، كذلك في مسألتنا وبهذا يبطل دليلهم. والإطعام وغيره لا يتَجَزَّى في الكفارة عندنا. الخامسة: قوله تعالى: {مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَآسَّا} أي يجامعها فلا يجوز للمظاهر الوطء قبل التكفير، فإن جامعها قبل التكفير أثم وعصى ولا يسقط عنه التكفير. وحكي عن مجاهد: أنه إذا وطىء قبل أن يشرع في التكفير لزمته كفارة أخرى. وعن غيره: أن الكفارة الواجبة بالظهار تسقط عنه ولا يلزمه شيء أصلاً؛ لأن الله تعالى أوجب الكفارة وأمر بها قبل المسيس، فإذا أخّرها حتى مسّ فقد فات وقتها. والصحيح ثبوت الكفارة؛ لأنه بوطئه ٱرتكب إثماً فلم يكن ذلك مسقطاً للكفارة، ويأتي بها قضاء كما لو أخر الصلاة عن وقتها. وفي حديث أَوْس بن الصامت لما أخبر النبيّ صلى الله عليه وسلم بأنه وطىء ٱمرأته أمره بالكفارة. وهذا نص وسواء كانت كفارة بالعتق أو الصوم أو الإطعام. وقال أبو حنيفة: إن كانت كفارته بالإطعام جاز أن يطأ ثم يطعم؛ فأما غير الوطء من القبلة والمباشرة والتلذذ فلا يحرم في قول أكثر العلماء. وقاله الحسن وسفيان، وهو الصحيح من مذهب الشافعي. وقيل: وكل ذلك محرّم وكل معاني المسيس؛ وهو قول مالك وأحد قولي الشافعي. وقد تقدم. السادسة: قوله تعالى: {ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ} أي تؤمرون به {وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} من التكفير وغيره. السابعة: من لم يجد الرقبة ولا ثمنها، أو كان مالكاً لها إلا أنه شديد الحاجة إليها لخدمته، أو كان مالكاً لثمنها إلا أنه يحتاج إليه لنفقته، أو كان له مسكن ليس له غيره ولا يجد شيئاً سواه، فله أن يصوم عند الشافعي. وقال أبو حنيفة: لا يصوم وعليه عتق ولو كان محتاجاً إلى ذلك. وقال مالك: إذا كان له دار وخادم لزمه العتق فإن عجز عن الرقبة، وهي: الثامنة: فعليه صوم شهرين متتابعين. فإن أفطر في أثنائهما بغير عذر ٱستأنفهما، وإن أفطر لعذر من سفر أو مرض، فقيل: يبني؛ قاله ٱبن المسيّب والحسن وعطاء بن أبي رباح وعمرو بن دينار والشعبي. وهو أحد قولي الشافعي وهو الصحيح من مذهبه. وقال مالك: إنه إذا مرض في صيام كفارة الظهار بنى إذا صح. ومذهب أبي حنيفة رضي الله عنه أنه يبتدىء. وهو أحد قولي الشافعي. التاسعة: إذا ٱبتدأ الصيام ثم وجد الرقبة أتم الصيام وأجزأه عند مالك والشافعي؛ لأنه بذلك أمِر حين دخل فيه. ويهدم الصوم ويعتق عند أبي حنيفة وأصحابه؛ قياساً على الصغيرة المعتدة بالشهور ترى الدم قبل ٱنقضائها، فإنها تستأنف الحيض إجماعاً من العلماء. وإذا ٱبتدأ سفراً في صيامه فأفطر، ٱبتدأ الصيام عند مالك والشافعي وأبي حنيفة؛ لقوله: «مُتَتَابِعَيْنِ». ويبني في قول الحسن البصري؛ لأنه عُذر وقياساً على رمضان، فإن تخللها زمان لا يحلّ صومه في الكفارة كالعيدين وشهر رمضان ٱنقطع. العاشرة: إذا وطىء المتظاهر في خلال الشهرين نهاراً، بطل التتابع في قول الشافعي، وليلاً فلا يبطل؛ لأنه ليس محلاً للصوم. وقال مالك وأبو حنيفة: يبطل بكل حال ووجب عليه ٱبتداء الكفارة؛ لقوله تعالى: «مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا» وهذا الشرط عائد إلى جملة الشهرين، وإلى أبعاضهما، فإذا وطىء قبل ٱنقضائهما فليس هو الصيام المأمور به، فلزمه ٱستئنافه؛ كما لو قال: صلّ قبل أن تكلم زيداً. فكلّم زيداً في الصلاة، أو قال: صلّ قبل أن تبصر زيداً فأبصره في الصلاة لزمه ٱستئنافها؛ لأن هذه الصلاة ليست هي الصلاة المأمور بها كذلك هذا؛ والله أعلم. الحادية عشرة: ومن تطاول مرضه طولاً لا يرجى برؤه كان بمنزلة العاجز من كبر، وجاز له العدول عن الصيام إلى الإطعام. ولو كان مرضه مما يرجى برؤه وٱشتدت حاجته إلى وطء ٱمرأته كان الاختيار له أن ينتظر البرء حتى يقدر على الصيام. ولو كفر بالإطعام ولم ينتظر القدرة على الصيام أجزأه. الثانية عشرة: ومن تظاهر وهو معسر ثم أيسر لم يجزه الصوم. ومن تظاهر وهو موسر ثم أعسر قبل أن يكفّر صام. وإنما يُنْظر إلى حاله يوم يكفّر. ولو جامعها في عدمه وعسره ولم يصم حتى أيسر لزمه العتق. ولو ٱبتدأ بالصوم ثم أيسر فإن كان مضى من صومه صدر صالح نحو الجمعة وشبهها تمادى. وإن كان اليوم واليومين ونحوهما ترك الصوم وعاد إلى العتق وليس ذلك بواجب عليه. ألا ترى أنه غير واجب على من طرأ الماء عليه وهو قد دخل بالتيمم في الصلاة أن يقطع ويبتدىء الطهارة عند مالك. الثالثة عشرة: ولو أعتق رقبتين عن كفارتي ظهار أو قتل أو فطر في رمضان وأشرك بينهما في كل واحدة منهما لم يجزه. وهو بمنزلة من أعتق رقبة واحدة عن كفارتين. وكذلك لو صام عنهما أربعة أشهر حتى يصوم عن كل واحدة منهما شهرين. وقد قيل: إن ذلك يجزيه. ولو ظاهر من ٱمرأتين له فأعتق رقبة عن إحداهما بغير عينها لم يجز له وطء واحدةٍ منهما حتى يكفّر كفارة أخرى. ولو عيّن الكفارة عن إحداهما جاز له أن يطأها قبل أن يكفّر الكفارة عن الأخرى. ولو ظاهر من أربع نسوة فأعتق عنهنّ ثلاث رقاب، وصام شهرين، لم يجزه العتق ولا الصيام؛ لأنه إنما صام عن كل واحدة خمسة عشر يوماً، فإن كفّر عنهنّ بالإطعام جاز أن يطعم عنهنّ مائتي مسكين، وإن لم يقدر فرّق بخلاف العتق والصيام؛ لأن صيام الشهرين لا يفرق والإطعام يفرق. فصل وفيه ست مسائل: الأولى: ذكر الله عز وجل الكفارة هنا مرتبةً؛ فلا سبيل إلى الصيام إلا عند العجز عن الرقبة، وكذلك لا سبيل إلى الإطعام إلا عند عدم الاستطاعة على الصيام، فمن لم يطق الصيام وجب عليه إطعام ستين مسكيناً لكل مسكين مُدّان بمُد النبيّ صلى الله عليه وسلم. وإن أطعم مدّاً بمد هشام، وهو مدّان إلا ثلثاً، أو أطعم مدّاً ونصفاً بمدّ النبيّ صلى الله عليه وسلم أجزأه. قال أبو عمر بن عبد البر: وأفضل ذلك مدّان بمدّ النبيّ صلى الله عليه وسلم؛ لأن الله عز وجل لم يقل في كفارة الظهار {أية : مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ} تفسير : [المائدة:89] فواجب قصد الشبع. قال ٱبن العربي: وقال مالك في رواية ٱبن القاسم وٱبن عبد الحكم: مُدّ بمدّ هشام وهو الشبع ههنا؛ لأن الله تعالى أطلق الطعام ولم يذكر الوسط. وقال في رواية أشهب: مدّان بمدّ النبيّ صلى الله عليه وسلم: قيل له: ألم تكن قلت مدّ هشام؟ قال: بلى، مدّان بمدّ النبيّ صلى الله عليه وسلم أحب إليّ. وكذلك قال عنه ٱبن القاسم أيضاً. قلت: وهي رواية ٱبن وهب ومطرّف عن مالك: أنه يعطي مدّين لكل مسكين بمدّ النبيّ صلى الله عليه وسلم. وهو مذهب أبي حنيفة وأصحابه. ومذهب الشافعيّ وغيره مدّ واحد لكل مسكين لا يلزمه أكثر من ذلك؛ لأنه يكفّر بالإطعام ولم يلزمه صرف زيادة على المدّ؛ أصله كفارة الإفطار واليمين. ودليلنا قوله تعالى: {فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِيناً} وإطلاق الإطعام يتناول الشّبع، وذلك لا يحصل بالعادة بمدّ واحد إلا بزيادة عليه. وكذلك قال أشهب: قلت لمالك أيختلف الشّبع عندنا وعندكم؟ قال نعم! الشّبع عندنا مدّ بمدّ النبيّ صلى الله عليه وسلم والشّبع عندكم أكثر؛ لأن النبيّ صلى الله عليه وسلم دعا لنا بالبركة دونكم، فأنتم تأكلون أكثر مما نأكل نحن. وقال أبو الحسن القابسي: إنما أخذ أهل المدينة بمدّ هشام في كفارة الظهار تغليظاً على المتظاهرين الذين شهد الله عليهم أنهم يقولون منكراً من القول وزوراً. قال ابن العربي: وقع الكلام ههنا في مدّ هشام كما ترون، ووِددت أن يهشم الزمان ذكره، ويمحو من الكتب رسمه؛ فإن المدينة التي نزل الوحي بها وٱستقرّ الرسول بها ووقع عندهم الظهار، وقيل لهم فيه: {فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِيناً} فهموه وعرفوا المراد به وأنه الشّبع، وقدره معروف عندهم متقرر لديهم، وقد ورد ذلك الشّبع في الأخبار كثيراً، وٱستمرّت الحال على ذلك أيام الخلفاء الراشدين المهديين حتى نفخ الشيطان في أذن هشام، فرأى أن مدّ النبيّ صلى الله عليه وسلم لا يشبعه، ولا مثله من حواشيه ونظرائه، فسوّل له أن يتخذ مدّاً يكون فيه شبعه، فجعله رطلين وحمل الناس عليه، فإذا ٱبتلّ عاد نحو الثلاثة الأرطال؛ فغيّر السُّنة وأذهب محل البركة. قال النبيّ صلى الله عليه وسلم حين دعا ربه لأهل المدينة بأن تبقى لهم البركة في مدّهم وصاعهم، مثل ما بارك لإبراهيم بمكة، فكانت البركة تجري بدعوة النبيّ صلى الله عليه وسلم في مدّه، فسعى الشيطان في تغيير هذه السنة وإذهاب هذه البركة، فلم يستجب له في ذلك إلا هِشام، فكان من حق العلماء أن يلغوا ذكره ويمحوا رسمه إذا لم يغيروا أمره، وأما أن يحيلوا على ذكره في الأحكام، ويجعلوه تفسيراً لما ذكر الله ورسوله بعد أن كان مفسراً عند الصحابة الذين نزل عليهم فخطب جسيم، ولذلك كانت رواية أشهب في ذكر مدّين بمدّ النبيّ صلى الله عليه وسلم في كفارة الظهار أحبّ إلينا من الرواية بأنها بمدّ هشام. ألا ترى كيف نبّه مالك على هذا العلم بقوله لأشهب: الشبع عندنا بمدّ النبيّ صلى الله عليه وسلم، والشّبع عندكم أكثر لأن النبيّ صلى الله عليه وسلم دعا لنا بالبركة. وبهذا أقول، فإن العبادة إذا أُديت بالسنة، فإن كانت بالبدن كانت أسرع إلى القبول، وإن كانت بالمال كان قليلها أثقل في الميزان، وأبرك في يد الآخذ، وأطيب في شدقه، وأقل آفة في بطنه، وأكثر إقامة لصلبه. والله أعلم. الثانية: ولا يجزىء عند مالك والشافعي أن يطعم أقل من ستين مسكيناً. وقال أبو حنيفة وأصحابه: إن أطعم مسكيناً واحداً كل يوم نصف صاع حتى يكمل العدد أجزأه. الثالثة: قال القاضي أبو بكر بن العربي: من غريب الأمر أن أبا حنيفة قال إن الحجر على الحر باطل. وٱحتج بقوله تعالى: {فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ} ولم يفرق بين الرشيد والسفيه؛ وهذا فقه ضعيف لا يناسب قدره، فإن هذه الآية عامّة، وقد كان القضاء بالحجر في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فاشياً والنظر يقتضيه، ومن كان عليه حجر لصغرٍ أو لولاية وبلغ سفيهاً قد نهى عن دفع المال إليه، فكيف ينفذ فعله فيه والخاص يقضي على العام. الرابعة: وحكم الظهار عند بعض العلماء ناسخ لما كانوا عليه من كون الظهار طلاقاً؛ وقد روي معنى ذلك عن ٱبن عباس وأبي قِلابة وغيرهما. الخامسة: قوله تعالى: {ذَلِكَ لِتُؤْمِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ} أي ذلك الذي وصفنا من التغليظ في الكفارة «لِتُؤْمِنُوا» أي لتصدقوا أن الله أمر به. وقد ٱستدل بعض العلماء على أن هذه الكفارة إيمان بالله سبحانه وتعالى؛ لما ذكرها وأوجبها قال: {ذَلِكَ لِتُؤْمِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ} أي ذلك لتكونوا مطيعين لله تعالى واقفين عند حدوده لا تتعدّوها؛ فسمى التكفير لأنه طاعة ومراعاة للحد إيماناً، فثبت أن كل ما أشبهه فهو إيمان. فإن قيل: معنى قوله: {ذَلِكَ لِتُؤْمِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ} أي لئلا تعودوا للظهار الذي هو منكر من القول وزور. قيل له: قد يجوز أن يكون هذا مقصوداً والأول مقصوداً، فيكون المعنى ذلك لئلا تعودوا للقول المنكر والزور، بل تدعونهما طاعة لله سبحانه وتعالى إذ كان قد حرمهما، ولتجتنبوا المظاهر منها إلى أن تُكفِّروا؛ إذ كان الله منع من مسيسها، وتكفّروا إذ كان الله تعالى أمر بالكفّارة وألزم إخراجها منكم؛ فتكونوا بهذا كله مؤمنين بالله ورسوله؛ لأنها حدود تحفظونها، وطاعات تؤدّونها والطاعة لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم إيمان. وبالله التوفيق. السادسة: قوله تعالى: {وَتِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ} أي بيّن معصيته وطاعته، فمعصيته الظهار، وطاعته الكفارة. {وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ} أي لمن لم يصدّق بأحكام الله تعالى عذاب جهنم.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَٱلَّذِينَ يُظَٰهِرُونَ مِن نِّسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُواْ } أي فيه بأَن يخالفوه بإمساك المظاهر منها الذي هو خلاف مقصود الظهار من وصف المرأة بالتحريم {فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ } أي إعتاقها عليه {مّن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا } بالوطء {ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ }.
ابن عطية
تفسير : اختلف الناس في معنى قوله عز وجل: {ثم يعودون لما قالوا} فقال قوم: المعنى {والذين يظاهرون من نسائهم} في الجاهلية، كأنه قال: والذين كان الظهار عادتهم ثم يعودون في ذلك في الإسلام، وقاله القتبي وقال أهل الظاهر المعنى: والذين يظاهرون ثم يظاهرون ثم ثانية فلا يلزم عندهم كفارة إلا بأن يعيد الرجل الظهار، قاله منذر بن سعيد، وحينئذ هو عائد إلى القول الذي هو منكر وزور. قال القاضي أبو محمد: وهذا قول ضعيف، وإن كان القشيري قد حكاه عن بكير بن عبد الله بن الأشج وقال بعض الناس في هذه الآية تقديم وتأخير، وتقديرها: "فتحرير رقبة لما قالوا"، وهذا أيضاً قول يفسد نظر الآية، وحكي عن الأخفش، لكنه غير قوي. وقال قتادة وطاوس ومالك والزهري وجماعة كثيرة من أهل العلم معنى: {ثم يعودون لما قالوا} أي للوطء فالمعنى ثم يعودون لما قالوا إنهم لا يعودون فإذا ظاهر الرجل ثم وطئ فحينئذ تلزمه الكفارة في ذمته وإن طلق أو ماتت امرأته. وقال الشافعي وأبو حنيفة ومالك أيضاً وفريق {يعودون} معناه: بالعوم على إمساك الزوجة ووطئها والتزام التكفير لذلك، فمتى وقع من المظاهر هذا العزم لزمت الكفارة ذمته، طلق أو ماتت المرأة. قال القاضي أبو محمد: وهذان القولان في مذهب مالك رحمه الله هما حسنان لزمت الكفارة فيهما بشرطين: ظهار وعود. واختلفا في العود ما هو؟ وقال الشافعي العود الموجب للكفارة: أن يمسك عن طلاقها بعد الظهار ويمضي بعد الظهار ما يمكنه أن يطلق فيه فلا يطلق، والرقبة في الظهار لا تكون عند مالك إلا مؤمنة، رد هذا: إلى المقيد الذي في كفارة القتل الخطأ. واختلف والناس في قوله تعالى: {من قبل أن يتماسا} فقال الحسن والثوري وجماعة من قبل الوطء، وجعلت المسيس هاهنا الوطء، فأباحت للمظاهر التقبيل والمضاجعة والاستمتاع بأعلى المرأة كالحائض. وقال جمهور أهل العلم قوله: {من قبل أن يتماسا} عام في نوع المسيس الوطء والمباشرة، فلا يجوز لمظاهر أن يطأ ولا يقبل ولا يلمس بيده، ولا يفعل شيئاً من هذا النوع إلا بعد الكفارة، وهذا قول مالك رحمه الله. وقوله تعالى: {ذلك} إشارة إلى التحرير أي فعل عظة لكم لتنتهوا عن الظهار، والتتابع في الشهرين صيامهما ولا بين أيامهما، وجائز أن يصومهما الرجل بالعدد، فيصوم ستين يوماً تباعاً، وجائز أن يصومهما بالأهلة، يبدأ مع الهلال ويفطر مع الهلال، وإن جاء أحد شهريه ناقصاً، وذلك مجزئ عنه، وجائز إن بدأ صومه في وسط الشهر أن يبعض الشهر الأول فيصوم إلى الهلال ثم يصوم شهراً بالهلال ثم يتم الشهر الأول بالعدد. ولا خلاف أحفظه من أهل العلم أن الصائم في الظهار إن أفسد التتابع باختياره أنه يبتدأ صومها. واختلف الناس إذا أفسده لعذر غالب: كالمرض والنسيان ونحوه، فقال أصحاب الرأي والشافعي في أحد قوليه والنخعي وابن جبير والحكم بن عيينة والثوري: يبتدئ، وقال مالك والشافعي وغيره: يبني. وأجمعوا على الحائض وأنها تبني في صومها التتابع. وإطعام المساكين في الظهار هو بالمد الهاشمي عند مالك، وهو مد وثلث بمد النبي صلى الله عليه وسلم، وقيل مدان غير ثلث. وروى عنه ابن وهب أنه يطعم كل مسكين مدين بمد النبي عليه السلام وفي العلماء من يرى إطعام الظهار مداً بمد النبي عليه السلام، ولا يجزئ في إطعام الظهار إلا إكمال عدد المساكين، ولا يجوز أن يطعم ثلاثين مرتين ولا ما أشبهه، والطعام عو غالب قوت البلد. قال مالك رحمه الله وعطاء وغيره: إطعام المساكين أيضاً هو قبل التماس حملاً على العتق والصوم. وقال أبو حنيفة وجمهور من أهل العلم لم ينص الله على الشرط هنا، فنحن نلتزمه، فجاز للمظاهر إذا كان من أهل الإطعام أن يطأ قبل الكفارة ويستمتع. وقوله: {ذلك لتؤمنوا} إشارة إلى الرخصة والتسهيل في النقل من التحرير إلى الصوم، والإطعام ثم شدد تعالى بقوله: {تلك حدود الله} أي فالتزموها وقفوا عندها، ثم توعد الكافرين بهذا الحديث والحكم الشرعي.
الخازن
تفسير : قوله تعالى: {والذين يظاهرون من نسائهم} يعني يمتنعون بهذا اللفظ من جماعهن {ثم يعودون لما قالوا} اختلف العلماء في معنى العود في قوله {ثم يعودون لما قالوا} ولا بد أولاً من بيان أقوال أهل العربية ثم بيان أقوال الفقهاء فنقول قال الفراء لا فرق في اللغة بين أن يقال يعودون لما قالوا وفيما قالوا وقال أبو علي الفارسي كلمة إلى اللام تتعاقبان كقوله {أية : وأوحى إلى نوح} تفسير : [هود: 36] و {أية : بأن ربك أوحى لها} تفسير : [الزلزلة: 5] وأما لفظة "ما" في قوله لما فهي بمعنى الذي والمعنى يعودون إلى الذي قالوا وفي الذي قالوا. وفيه وجهان: أحدهما: إنه لفظ الظهار والمعنى أنهم يعودون إلى ذلك اللفظ. الوجه الثاني: أن المراد لما قالوا أي القول فيه وهو الذي حرموه على أنفسهم بلفظ الظهار تنزيلاً للقول منزلة المقول فيه وعلى هذا المعنى قوله ثم يعودون لما قالوا أي يعودون إلى شيء وذلك الشيء هو الذي قالوا فيه ذلك القول ثم إذا فسر هذا اللفظ بالوجه الأول يجوز أن يكون المعنى عاد لما فعل أي فعله مرة أخرى وعلى الوجه الثاني يجوز أن يقال عاد لما فعل أي نقض ما فعل وذلك أن من فعل شيئاً ثم أراد أن يفعله ثانياً فقد عاد إليه وكذا من فعل شيئاً ثم أراد إبطاله فقد عاد إليه بالتصرف فيه فقد ظهر بما تقدم أن قوله ثم يعودون لما قالوا يحتمل أن يكون المراد ثم يعودون إليه بأن يفعلوا مثله مرة أخرى ويحتمل أن يكون المراد ثم يعودون إليه بالنقض والرفع والإزالة وإلى هذا الاحتمال ذهب أكثر المجتهدين ثم اختلفوا فيه على وجوه: الأول: وهو قول الشافعي إن معنى العود لما قالوا هو السكوت عن الطلاق بعد الظهار زماناً يمكنه أن يطلقها فيه وذلك لأنه لما ظاهر فقد قصد التحريم فإن وصله بالطلاق فقد تمم ما شرع فيه من إيقاع التحريم ولا كفارة عليه فإذا سكت عن الطلاق فذلك يدل على أنه ندم على ما ابتدأ به من التحريم فحينئذ تجب عليه الكفارة وفسر ابن عباس العود بالندم فقال يندمون فيرجعون إلى الألفة. الوجه الثاني: في تفسير العود وهو قول أبي حنيفة إنه عبارة عن استباحة الوطء والملامسة والنظر إليها بالشهوة وذلك أنه لما شبهها بالأم في حرمة هذه الأشياء ثم قصد استباحة ذلك كان مناقضاً لقوله أنت علي كظهر أمي. الوجه الثالث: وهو قول مالك إن العود إليها عبارة عن العزم على وطئها وهو قريب من قول أبي حنيفة. الوجه الرابع: وهو قول الحسن وقتادة وطاوس والزهري إن العود إليها عبارة عن جماعها وقالوا لا كفارة عليه ما لم يطأها قال العلماء والعود المذكور هنا هب أنه صالح للجماع أو للعزم عليه أو لاستباحته إلا أن الذي قاله الشافعي هو أقل ما ينطلق عليه الاسم فيجب تعليق الحكم عليه لأنه هو الذي به يتحقق مسمى العود وأما الباقي فزيادة لا دليل عليه وأما الاحتمال الأول في قوله ثم يعودون أي يفعلون مثل ما فعلوه فعلى هذا الاحتمال في الآية وجوه أيضاً الأول قال مجاهد والثوري العود هو الإتيان بالظهار في الإسلام وتجب الكفارة به والمراد من العود هو العود إلى ما كانوا عليه في الجاهلية ذلك أن أهل الجاهلية كانوا يطلقون بالظهار فجعل الله حكم الظهار في الإسلام على خلاف حكمه عندهم فمعنى ثم يعودون لما قالوا أي في الإسلام فيقولون في الإسلام مثل ما كانوا يقولون في الجاهلية فكفارته كذا وكذا على الوجه الثاني قال أبو العالية إذا كرر لفظ الظهار فقد عاد وإلا لم يكن عود وهذا قول أهل الظاهر واحتجوا عليه بأن ظاهر قوله ثم يعودون لما قالوا يدل على إعادة ما فعلوه وهذا لا يكون إلا بالتكرير وإن لم يكرر اللفظ فلا كفارة عليه. وقوله تعالى: {فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا} المراد بالتماس المجامعة فلا يحل للمظاهر وطء امرأته التي ظاهر منها ما لم يكفر، {ذلكم توعظون به} يعني أن غلظ الكفارة وعظ لكم حتى تتركوا الظهار ولا تعاودوه {والله بما تعملون} أي من التكفير وتركه {خبير} ثم ذكر حكم العاجز عن الرقبة فقال تعالى: {فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين...}.
ابن عادل
تفسير : قوله: {وَٱلَّذِينَ يُظَاهِرُونَ} مبتدأ. وقوله: {فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ} مبتدأ ثان وخبره مقدم، أي: فعليهم، أو فاعل بفعل مقدر، أي: فيلزمهم تحرير، أو خبر مبتدأ مضمر، أي: فالواجب عليهم تحرير. فصل ويلزم الظهار قبل النكاح إذا نكح التي ظاهر منها عند مالك، ولا يلزم عند غيره لقوله تعالى: {مِن نِّسَآئِهِم}. وإذا ظاهر صح ظهاره كما يصح طلاقه. وقال مالك: لا يلزم ظهاره؛ لأنه لا يصح تكفيره بالصِّيام، وهذا منقوض بظهار العبد، وهو لا يكفر بالعتقِ والإطعام. فصل في عدم صحة ظهار المرأة من زوجها لا يصح ظهار المرأة من زوجها، وعليها كفَّارة يمين، إنما الظهار على الرجال؛ لأن الحل والعقد في النكاح بيدِ الرجال ليس بيد المرأة منه شيء. وقال الحسن بن زياد: هي مظاهرة. وقال الزهري: أرى أن تكفر كفَّارة الظهار. وقال محمد بن الحسن: لا شيء عليها. فصل في المظاهرة حال الغضب والسكر وإذا ظاهر حال غضبه لزمه حكم الظِّهار، للحديث، ويصح ظهار السكران وطلاقه، وإذا ظاهر من نسائه بكلمة واحدة فكفَّارة واحدة، وإن ظاهر منهنّ بكلمات فعليه لكل واحدة كفَّارة ظهار، وإذا قال لأربع نسوة: إن تزوجتكنّ فأنتن عليَّ كظهرِ أمي، فتزوج إحداهن لم يقربها حتى يكفِّر، ثم قد سقط اليمين فيه في سائرهن. وقيل: لا يَطَأُ البواقي منهن حتى يكفر فإن قال لامرأته: أنت عليَّ كظهرِ أمي، وأنت طالق ألبتة، لزمه الطلاق والظِّهار معاً، ولم يكفر حتى ينكحها بعد زوج ولا يطؤها إذا نكحها حتى يكفر، فإن قال لها: أنت طالق ألبتَّة، وأنت عليّ كظهر أمي لزمه الطَّلاق، ولم يلزمه الظِّهار؛ لأن المبتُوتةَ لا يلحقها طلاق ولا ظهار، ويصح الظهار المؤقّت كما لو قال: أنت اليوم عليَّ كظهرِ أمي فإنَّه يصحّ ويبطل بمضيّ اليوم. وقال مالك: يتأبّد. قوله: "منكم" توبيخ للعرب، وتهجين لعادتهم في الظِّهار؛ لأنه كان من أيمان الجاهلية خاصة، دون سائر الأمم. وقوله: {أية : مَّا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ} تفسير : [المجادلة: 2] أي: ما نساؤهم بأمهاتهم، {أية : إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلاَّ ٱللاَّئِي وَلَدْنَهُمْ} تفسير : [المجادلة: 2] أي إلا الوالدات. وعلى التقادير الثلاثة، فالجملة خبر المبتدأ، ودخلت "الفاء" لما تضمنه المبتدأ من معنى الشرط. قوله: {ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُواْ}. في هذه "اللام" أوجه: أحدها: أنها متعلقة بـ "يعودون". وفيه معان: أحدها: والذين من عادتهم أنهم كانوا يقولون هذا القول في الجاهلية، ثمَّ يعودون لمثله في الإسلام. الثاني: ثم يتداركون ما قالوا؛ لأن المتدارك للأمر عائد إليه، ومنه: "عَادَ غَيْثٌ عَلَى ما أفْسَدَ" أي تداركه بالإصلاح، والمعنى: أن تدارك هذا القول وتلافيه بأن يكفر حتى ترجع حالهما كما كانت قبل الظِّهار. الثالث: أن يراد بما قالوا ما حرَّموه على أنفسهم بلفظ الظِّهار تنزيلاً للقول منزلة المقول فيه نحو ما ذكر في قوله تعالى: {أية : وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ} تفسير : [مريم: 80]، والمعنى: ثم يريد العود للتَّماسِّ. قاله الزمخشري. وهذا الثالث هو معنى ما روي عن مالك، والحسن، والزهري: ثم يعودون للوطءِ، أي: يعودون لما قالوا: إنهم لا يعودون إليه، فإذا ظاهر ثُمَّ وطىء لزمتِ الكفَّارة عند هؤلاء. الرابع: "لما قالوا"، أي: يقولونه ثانياً، فلو قال: أنت عليَّ كظهرِ أمي مرّة واحدة لم يلزمه كفارة؛ لأنه لم يَعُدْ لما قال، وهذا منقول عن بكير بن عبد الله الأشجّ، وأبي حنيفة، وأبي العالية، والفراء في آخرين، وهو مذهب أهل الظَّاهر. قال ابن العربي: وهذا القول باطل قطعاً؛ لأن قصص المتظاهرين قد رويت، وليس في ذكر الكفارة عليهم ذكر لعود القول منهم، والمعنى أيضاً بنقضه؛ لأن الله - تعالى - وصفه بأنه مُنْكَر من القول وزور، فكيف يقال: إذا أعدت القول المحرّم، والسَّبب المحظور وجبت عليك الكفَّارة، وهذا لا يعقل ألا ترى أنَّ كل سبب يوجب الكفَّارة لا يشترط فيه الإعادة من قتلٍ ووطءٍ في صوم؟. الخامس: أن المعنى أن يعزم على إمساكها فلا يطلقها بعد الظِّهار حتى يمضي زمن يمكن أن يطلقها فيه، فهذا هو العودُ لما قال، وهو مذهب الشافعي، ومالك، وأبي حنيفة أيضاً. وقال: العود هنا ليس بتكرير القول، بل بمعنى العزم على الوطء. قال القرطبي: وهذا ينتقض بثلاثة أمور: أحدها: أنه قال: "ثُمَّ" وهي للتراخي. الثاني: قوله: "ثم يعُودُون" يقتضي وجود فعل من جهته، ومرور الزمان ليس بفعل منه. الثالث: أن الطلاق الرَّجْعِي لا ينافي البقاء على الملك، فلم يسقط حكم الظِّهار كالإيلاء. وقال مكي: "واللام متعلقة بـ "يَعُودُون" أي: يعودون لوطءِ المقول فيه الظهار، وهن الأزواج فـ "ما" والفعل مصدر، أي: لقولهم، والمصدر في موضع المفعول به، نحو: "هذا دِرْهم ضرب الأمير" أي: مضروبه، فيصير المعنى، كقولهم للمقول فيه الظِّهار، أي: لوطئه". وهذا معنى قول الزمخشري في الوجه الثالث الذي تقدم تقريره عن الحسن، والزهري، ومالك إلاَّ أن مكيًّا قيد ذلك بكون "ما" مصدرية حتى يقع المصدر المؤول موضع اسم المفعول، وفيه نظر؛ إذ يجوز ذلك وإن كانت "ما" غير مصدرية لكونها بمعنى "الذي" ونكرة موصوفة، بل جعلها غير مصدرية أولى؛ لأن المصدر المؤول فرع المصدر الصريح، إذ الصريح أصل للمؤول به، ووضع المصدر موضع اسم المفعول خلاف الأصل، فيلزم الخروج عن الأصل بشيئين: بالمصدر المؤول، ثم وقوعه موقع اسم المفعول، والمحفوظ من لسانهم إنما هو وضع المصدر الصَّريح موضع المفعول لا المصدر المؤول فاعرفه. لا يقال: إن جعلها غير مصدرية يحوجُ إلى تقدير حذف مضاف ليصحّ المعنى، أي: يعودون لوطء الذي ظاهر منها، أو امرأة ظاهر منها، أو يعودون لإمساكها. والأصل: عدم الحذف؛ لأن هذا مشترك الإلزام لنا ولكم، فإنكم تقولون أيضاً: لا بد من تقدير مضاف، أي: يعودون لوطء أو لإمساك المقول فيه الظهار، ويدل على جواز كون "ما" في هذا الوجه غير مصدرية ما أشار إليه أبو البقاء، فإنه قال: يتعلق بـ "يعودون" بمعنى يعودون للقول فيه، هذا إن جعلت "ما" مصدرية، ويجوز أن تجعلها بمعنى "الذي" ونكرة موصوفة. الثاني: أن "اللام" تتعلق بـ "تحرير"، وفي الكلام تقديم وتأخير، والتقدير: والذين يُظَاهرون من نسائهم فعليهم تحرير رقبة لما نطقوا به من الظِّهار، ثم يعودون للوطء بعد ذلك. وهذ ما نقله مكي وغيره عن الأخفش. قال أبو حيَّان: "وليس بشيء؛ لأنه يفسد نظم الآية". وفيه نظر؛ لأنا لا نسلم فساد النظم مع دلالة المعنى على التقديم والتأخير، ولكن نسلم أن ادِّعاء التقديم والتأخير لا حاجة إليه؛ لأنه خلاف الأصل. الثالث: أن "اللام" بمعنى "إلى"، و "اللام" و "إلى" يتعاقبان، قال تعالى: {أية : هَدَانَا لِهَـٰذَا} تفسير : [الأعراف: 43]، وقال: {أية : فَٱهْدُوهُمْ إِلَىٰ صِرَاطِ ٱلْجَحِيمِ} تفسير : [الصافات: 23] وقال: {أية : بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَىٰ لَهَا} تفسير : [الزلزلة: 5] وقال: {أية : وَأُوحِيَ إِلَىٰ نُوحٍ} تفسير : [هود: 36] قاله الأخفش. الرابع: أنها بمعنى "في"، نقلها أبو البقاء، ومع ذلك فهي متعلقة بـ "يعودون". الخامس: أنها متعلقة بـ "يقولون". [قال مكي: وقال قتادة: ثم يعودون لما قالوا من التحريم فيحلونه، فاللام على هذا تتعلق بـ "يقولون"]. قال شهاب الدين: "ولا أدري ما هذا الذي قاله مكي، وكيف فهم تعلقها بـ "يقولون" على تفسير قتادة، بل تفسير قتادة نص في تعلقها بـ "يعودون"، وليس لتعلقها بـ "يقولون" وجه". ونقل القرطبي عن الفرَّاء قال: اللام بمعنى "عن" والمعنى: ثم يرجعون عما قالوا، ويريدون الوطء. وقال أبو مسلم: العود هو أن يحلف أولاً على ما قال من لفظ الظهار، فلو لم يَحْلف لم تلزمه كفارة كما لو قال في المأكول: هو عليَّ حرام كَلَحْمِ الآدمي فلا كفَّارة عليه، فإذا حلف عليه لزمته كفارة يمين. وهذا ضعيف؛ لأن الكفَّارة قد تجب بالجماعِ في الحجّ، وفي رمضان، وفي قتل الخطأ، ولا يمين هناك. قوله: {فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ} أي: فعلية إعتاق رقبةٍ، يقال: حرَّرته، أي: جعلته حرًّا، ثم هذه الرقبة يجب أن تكون كاملة سالمة من كل عيب، ومن كمالها إسلامها كالرَّقبة في كفَّارة القتل، فإذا أعتق نصفي عبدين لم يجزه. وقال الشافعي: يجزيه لأنَّ النِّصفين في معنى العبد الواحد؛ ولأن الكفَّارة في العتقِ طريقها المال، فجاز أن يدخلها التَّبعيض كالإطعام، ودليل الأول قوله: {فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ} وهذا الاسم عبارة عن شخص واحد، وبعض الرقبة ليس رقبة؛ ولأنه لو أوصى رجلين أن يحجا عنه حجة لم يجز أن يحجّ واحد منهما نصفها، ولو أوصى أن يشتري رقبة فيعتق عنه لم يجز أن يعتق نصف عبدين، كذا ها هنا. وروي عن أحمد - رضي الله عنه - إن كان باقيهما حراً صح وأجزأ، وإلاَّ فلا؛ لأن المقصود تكميل الحرية وقد كملت، ولقوله عليه الصلاة والسلام: "حديث : لَيْسَ لِلَّهِ شَرِيْكٌ فإنْ أعْتِقَ مُكَاتبٌ عَنِ الكفَّارةِ لَمْ يَجْزِهِ ". تفسير : وقال أبو حنيفة: إن أعتقه قبل أن يؤدي شيئاً أجزأه، وإن أعتق بعد أن أدى شيئاً لم يجزه، فإن أعتق ذا رحمه المحرم عن كفارته عتق، ولم يُجْزه عن الكفارة. قوله: {مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَآسَّا}، أي: من قبل أن يجامعها، فلا يجوز للمظاهر الوطء قبل التكفير فإن جامعها قبل التَّكفير عصى، ولا يسقط عنه التكفير. وحكي عن مجاهد: أنه إذا وطىء قبل أن يشرع في التكفير لزمه كفَّارة أخرى، وعن غيره أن الكفَّارة الواجبة بالظِّهار تسقط عنه، ولا يلزمه شيء أصلاً؛ لأن الله - تعالى - أوجب الكفَّارة، وأمر بها قبل المسيسِ، فإذا أخَّرها حتى مسَّ فقد فات وقتُها، والصحيح ثبوت الكفَّارة؛ لأنه بوطئه ارتكب إثماً، وذلك ليس بمسقط للكفَّارة، ويأتي بها قضاء كما لو أخَّر الصلاة عن وقتها، وسواء كانت الكفَّارة بالعِتْقِ، أو الصوم، أو الإطعام. وقال أبو حنيفة رضي الله عنه: إن كانت بالإطعام جاز أن يطأ ثم يطعم، فأما غير الوطء من القبلة والمباشرة والتلذُّذ فلا يحرم في قول أكثر العلماء. فصل فيمن ظاهر من امرأته مراراً إذا ظاهر مراراً من امرأته ولم يُكفر، فكفَّارة واحدة إلا أن يكون قد كفَّر عن الأول، فعليه للثاني كفَّارة. قال: وينبغي للمرأة ألا تدعه يقربها حتى يكفِّر، فإن تهاون بالتكفير حال الإمام بينها وبينه، ويجبره على التكفير وإن كان بالضرب حتى يوفيها حقها من الجماع. قال الفقهاء: ولا شيء من الكفارة يجبر عليه ويحبس إلا كفارة الظِّهار وحدها؛ لأن ترك التكفير إضرار بالمرأة، وامتناع من إيفاء حقّها. قوله تعالى: {ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ} أي: تؤمرون به. {وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} من التَّكفير وغيره. قوله تعالى: {فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ}. وقوله تعالى: {فَإِطْعَامُ} كقوله في الأوجه الثلاثة المتقدمة من قبلُ، متعلق بالفعل أو الاستقرار المتقدم، أي: فيلزم تحرير، أو صيام، أو فعليه كذا من قبل تماسهما. والضمير في "يتماسَّا" للمظاهر والمظاهر منها لدلالة ما تقدم عليها. فصل إذا لم يجد الرقبة من لم يجد الرقبة ولا ثمنها، وكان مالكاً لها إلاَّ أنه شديد الحاجة إليها لخدمته، أو كان مالكاً لثمنها إلاَّ أنه يحتاج إليه لنفقته، أو كان له مسكين ليس له غيره، ولا يجد شيئاً سواه فله أن يصوم. وقال أبو حنيفة رضي الله عنه: لا يصوم وعليه العتق، ولو كان محتاجاً إلى ذلك. والصيام الواجب في هذه الكفَّارة أن يصوم شهرين متتابعين، فإن أفطر في أثنائها بغير عُذْرٍ استأنفهما وإن أفطر بعذر من سفر أو مرض، فقال ابن المسيب والحسن وعطاء بن أبي رباح وعمرو بن دينار والشعبي: يبني على ما مضى، وهو الصحيح من مذهب الشافعي. فإن ابتدأ الصيام، ثم وجد الرقبة لم يلزمه الانتقال عنه؛ لأنه أمر به حين دخل فيه. وقال أبو حنيفة رضي الله عنه يعتق قياساً على الصغيرة المعتدة بالشهور إذا رأت الدَّم قبل انقضاء عدّتها، فإنها تستأنف الحَيْض إجماعاً، فإن وطىء المظاهر في خلال الشهرين نهاراً بطل التتابع، وإن وطىء ليلاً لم يبطل؛ لأنه ليس محلاًّ للصَّوم. وقال أبو حنيفة - رضي الله عنه - ومالك: يبطل بكل حال، ويجب عليه ابتداء الكفَّارة لقوله تعالى: {مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَآسَّا} وهذا شرط عائد إلى جملة الشهرين. ومن طال مرضه طولاً لا يرجى بُرْؤه، وكان بمنزلة العاجز من كبرٍ، فيجوز له العدول عن الصيام إلى الإطعام. فإن كان يرجى بُرْؤه، واشتدت حاجته إلى وَطْءِ امرأته فالاختيار له أن ينتظر البُرْءَ حتى يقدر على الصيام، فإذا كفَّر بالإطعام، ولم ينتظر القدرة على الصيام أجزأه. فإن ظاهر وهو موسرٌ، ثم أعسر قبل أن يكفر صام، وإنما ينظر إلى حاله يوم يكفر، ولو جامعها في عدمه وعسره، فلم يكفر حتى أيسر لزمه العِتْق. ولو ابتدأ بالصوم ثم أيسر، قال القرطبي رحمه الله: فإن كان مضى من صومه صدر صالح كالجمعة وشبهها تمادى، وإن كان يوماً أو يومين ترك الصوم، وعاد إلى العتق، وليس ذلك بواجب عليه. ولو ظاهر عن امرأتين له فأعتق رقبة عن إحداهما لا بعينها لم يجز له وطء واحدة منهما حتى يكفر الكفَّارة الأخرى، ولو عين الكفَّارة عن إحداهما جاز له أن يطأها قبل أن يكفر الكفَّارة عن الأخرى. قال القرطبي: "ولو ظاهر من أربع نسوة، فأعتق عنهن ثلاث رقاب، وصام شهرين لم يجزه العِتْق ولا الصيام؛ لأنه إنما صام عن كل واحدة خمسة عشر يوماً، فإن كفر عنهن بالإطعام جاز أن يطعم عنهن مائتين مسكين، فإن لم يقدر فرّق بخلاف العتق والصيام؛ لأن صيام الشهرين لا يفرق والإطعام يفرق". [قوله تعالى: {فَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِيناً} الآية كقوله تعالى: {فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ} في الأوجه الثلاثة المتقدمة، و "مِنْ قَبْل" متعلق بالفعل، أو الاستقرار المتقدم، أي: فيلزمه تحرير، أو صيام أو فعليه كذا من قبل تماسهما، والضمير في "يتماسّا" للمظاهر والمظاهر منها لدلالة ما تقدم]. فصل في الترتيب في كفَّارة الظهار اعلم أن الله - تعالى - أمر بكفَّارة الظهار مرتبة، فلا سبيل إلى الصيام إلا عند العجز عن الإعتاق، وكذلك لا سبيل إلى الإطعام إلا عند عدم الاستطاعة على الصيام، فمن لم يطق الصيام وجب عليه إطعام ستين مسكيناً لكل مسكين مد من طعام بمدِّ النبي صلى الله عليه وسلم. قال ابن عبد البرّ: والأفضل مُدَّان بمُدِّ النبي صلى الله عليه وسلم ولا يجزىء عند مالك، والشافعي - رضي الله عنهما - أن يطعم أقل من ستين مسكيناً. وقال أبو حنيفة رضي الله عنه: لو أطعم مسكيناً واحداً كل يوم نصف صاعٍ حتى يكمل العدد أجزأه. وعن أحمد - رضي الله عنه - إذا لم يجد إلاَّ مسكيناً واحداً ردد عليه بعدد الأيام. فصل في نسخ الظهار لما كانوا عليه حكم الظِّهار ناسخ لما كانوا عليه من كون الظِّهار طلاقاً في الجاهلية، روي ذلك عن ابن عباس وأبي قلابة وغيرهما. قوله: {ذَلِكَ لِتُؤْمِنُواْ}. قال الزَّجَّاج: "ذلك" فيه وجهان: الأول: أنه في محل رفع، أي: الغرض ذلك الذي وصفنا من التَّغليظ في الكفَّارة، "لتُؤمِنُوا" أي: لتصدقوا أن الله أمر به. الثاني: فعلنا ذلك للبيان والتعظيم للأحكام لتصدقوا بالله ورسوله صلى الله عليه وسلم والعمل بشرائعه، ولا تستمروا على أحكام الجاهلية من جعل الظهار أقوى أنواع الطَّلاق. فصل في أن الكفارة إيمان بالله تعالى استدلّ بعض العلماء على أنَّ هذه الكفَّارة إيمان بالله تعالى؛ لأنه لما ذكرها وأوجبها، قال جل ذكره: {لِتُؤْمِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ}، أي: ذلك لتكونوا مطيعين لله تعالى واقفين عند حدوده لا تتعدّوها، فسمى التكفير إيماناً؛ لأنه طاعة، ومراعاة للحد، فثبت أن كل ما أشبهه فهو إيمان. فصل في معنى الآية معنى قوله تعالى: {ذَلِكَ لِتُؤْمِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ} أي: لئلا تعودوا للظِّهار الذي هو منكر من القول وزور. قيل له: قد يجوز أن يكون كلاهما مقصوداً، فيكون المعنى: ذلك لئلا تعودوا، فتقولوا المنكر والزور، بل تدعونهما طاعة لله - سبحانه وتعالى - إذ كان قد حرمهما، ولتجتنبوا المظاهر منها إلى أن تكفروا إذا كان الله منع من مَسِيْسهَا وتكفروا إذا كان الله - عز وجل - أمر بالكفَّارة، وألزم إخراجها منكم، فتكونوا بهذا كله مؤمنين بالله ورسوله صلى الله عليه وسلم لأنها حدود تحفظونها وطاعات تؤدّونها، والطَّاعة لله ورسوله صلى الله عليه وسلم إيمان بالله ورسوله. فصل في إدخال العمل تحت مسمى الإيمان قال ابن الخطيب: استدل من أدخل العمل في مسمى الإيمان بهذه الآية، فقال: إن الله - تعالى - أمرهم بها ليصيروا بعملها مؤمنين، فدل على أن العمل من الإيمان، ومن أنكر ذلك قال: إنه - تعالى - لم يقل: ذلك لتؤمنوا باللَّهِ بعمل هذه الأشياء، ونحن نقول: المعنى "ذلك لتؤمنوا بالله" والإقرار بهذه الأحكام. فصل فيمن استدل بهذه الآية على أن أفعال الله معللة بالأغراض استدلت المعتزلة في قوله تعالى "لتؤمنوا" على أن فعل الله معلل بالغرض، وعلى أن غرضه أن تؤمنوا، ولا تستمروا على ما كانوا عليه من الكفر، وهذا يدلّ على أنه - تعالى - أراد منهم الإيمان وعدم الكفر. قوله: {وَتِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ} أي بيّن معصيته وطاعته، فمعصيته الظِّهار، وطاعته الكفارة. {وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ} أي: لمن جحد هذا وكذاب به، ولم يصدق بأحكام الله تعالى له عذاب جهنم. قوله تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ يُحَآدُّونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ} الآية. قال المبرد: أصل "المحادّة" الممانعة، ومنه يقال للبواب: حداد، وللممنوع الرزق: محدود. وقال أبو مسلم الأصفهاني: "المحادّة": مفاعلة من لفظ الحديدِ، والمراد المقاتلة بالحديد، سواء كان ذلك في الحقيقة، أو كان منازعة شديدة شبيهة للخصومة بالحديد. فصل في مناسبة الآية لما قبلها لما ذكر المؤمنين الواقفين عند حدوده ذكر المحادّين المخالفين لها، قال المفسرون: المُحادة: المُعَاداة والمخالفة في الحدود، وهو كقوله تعالى: {أية : ذٰلِكَ بِأَنَّهُمْ شَآقُّواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ} تفسير : [الأنفال: 13]. وقيل: يحادون الله، أي: أولياء الله كما جاء في الخبر، "حديث : مَنْ أهَانَ لِي وليًّا فقدْ بَارَزَني بالمُحاربةِ ". تفسير : قال الزجاج: المحادّة: أن تكون في حد يخالف حد صاحبك. والضمير في قوله "يحادّون" يمكن أن يرجع إلى المُنافقين، فإنهم كانوا يوادّون الكافرين، ويظاهرونهم على النبي صلى الله عليه وسلم فأذلهم الله سبحانه وتعالى، ويحتمل أن يرجع لجميع الكُفَّار، فأعلم الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم أنهم كبتوا، أي خذلوا. قال المبرد رحمه الله تعالى: كبت الله فلاناً، أي: أذلّه، والمردود بالذل يقال له مكبوت. وقال أبو عبيدة والأخفش: أهلكوا. وقال قتادة: خزوا كما خزي الذين من قبلهم. وقال ابن زيد: عذبوا. وقال السدي: لعنوا، وقال الفراء: غيظوا يوم الخندق. وقيل: يوم "بدر". وقيل معنى كبتوا: أي سيكبتون، وهو بشارة من الله للمؤمنين بالنصر، وأخرج الكلام بلفظ الماضي تقريباً للمخبر عنه. وقيل: لغة مذحج. ويحتمل أن يكون لتحقق وقوعه، والمراد بالذين من قبلهم أعداء الرسل - صلوات الله وسلامه عليهم - {وَقَدْ أَنزَلْنَآ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ} فيمن حاد الله ورسوله من الذين من قبلهم فيما فعلنا بهم {وَلِلْكَافِرِينَ} بهذه الآيات {عَذَابٌ مُّهِينٌ} يذهب بعزّهم وكبرهم، فبين تعالى أن عذاب المحاربين في الدنيا الذُّل والهوان، وفي الآخرة العذاب الشديد. قوله تعالى: {يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ ٱللَّهُ جَمِيعاً}. فيه أوجه: أحدها: أنه منصوب بـ "عذاب مهين". الثاني: أنه منصوب بفعل مقدر، فقدره أبو البقاء: يهانون أو يعذبون، أو استقر ذلك يوم يبعثهم، وقدره الزمخشري بـ "اذكر" قال: تعظيماً لليوم. الثالث: أنه منصوب بـ "لهم". قاله الزمخشري، أي: بالاستقرار الذي تضمنه لوقوعه خبراً. الرابع: أنه منصوب بـ "أحصاه"، قاله أبو البقاء، وفيه قلق؛ لأن الضمير في "أحصاه" يعود على "ما عملوا". قوله: "جَمِيعاً" أي: الرجال والنساء، أي: كلهم لا يترك منهم واحداً. وقيل: مجتمعين في حال واحدة {فَيُنَبِّئُهُم} أي: يخبرهم بما عملوا في الدنيا تخجيلاً لهم وتوبيخاً. {أَحْصَاهُ ٱللَّهُ} عليهم في صحائف أعمالهم "ونَسُوهُ" حتى ذكرهم به في صحائفهم ليكون أبلغ في الحجة عليهم. {وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} أي شاهد مطلع وناظر لا يخفى عليه شيء.
البقاعي
تفسير : ولما هجن سبحانه الظهار، وأثبت تحريمه على أبلغ وجه وآكده، وكان ما مضت عليه العوائد لا بد أن يبقى منه بقايا، أتبع ذلك بيان حكم هذه الواقعة وما لعله يقع من نظائرها فقال: {والذين يظاهرون} ولما كان في بيان الحكم، أسقط التقييد إعلاماً بعمومه الكفار كعمومه المسلم ليفيد تغليظ العقاب عليه لئلا يتوهم أنه يخص العرب الذين قصد تهجينه عليهم بأنهم انفرادوا به عن سائر الناس فقال: {من نسائهم} بدون {منكم}. ولما كان مقتضى اللفظ المباعدة ممن قيل ذلك فيها، لكان إمساكها بعده ينبغي أن يكون في غاية البعد، قال مشيراً إلى ذلك بأداة البعد {ثم يعودون} أي بعد هذا القول {لما قالوا} بالفعل بأن يعاد هذا القول مرة أخرى أو بالقوة بأن يمسكوا المقول ذلك لها زمناً يمكن أن يعاد فيه هذا القول مرة ثانية من غير مفاقة بلفظ مما ناط الله الفرقة به من طلاق أو سراح أو نحوهما، فيكون المظاهر عائداً إلى هذا القول بالقوة لإمكان هذا القول في ذلك الزمن، وذلك لأن العادة قاضية بأن من قال قولاً ولم يبته وينجزه ويمضه بأن يعود إلى قوله مرة أخرى وهلم جراً، أو يكون التقدير لنقض ما قالوا: فيحلوا ما حرموا على أنفسهم بعدم البت بالطلاق، فإن كان الظهار معلقاً لم يلزم حكمه إلا بالحنث، فإن طلق في الحال وإلا لزمته الكفارة، وحق العبارة التعبير باللام لدلالتها على الاتصال كما يقتضيه الحال بخلاف "إلى" فإنها تدل على مهلة وتراخ، هذا في الظهار المطلق، وأما الموقت بيوم أو شهر أو نحو ذلك فلا يكون عائداً فيه إلا بالوطء في الوقت المظاهر فيه، وأما مجرد إمساكها فليس بعود لأنه إنما أمسكها لما له فيها من الحل بعد وقت الظهار. ولما كان المبتدأ الموصول مضمناً معنى الشرط، أدخل الفاء في خبره ليفيد السببية فيتكرر الوجوب بتكرر سببه فقال: {فتحرير} أي فعليهم بسبب هذا الظهار والعود تحرير {رقبة} أي سليمة عن عيب يخل بالعمل كاملة الرق مقيدة أيضاً بمؤمنة لأنها قيدت بذلك في كفارة القتل، فيحمل هذا على ذاك، ولأن معاوية بن الحكم رضي الله عنه كانت له جارية فقال للنّبيّ صلى الله عليه وسلم: "حديث : عليّ رقبة أفأعتقها، فسألها رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الله فأخبرته بما دل على توحيدها فقال: من أنا؟ فقالت: أنت رسول الله، قال: أعتقها فإنها مؤمنة"تفسير : رواه مالك ومسلم، فعلل الإجزاء بالإيمان ولم يسأله عن سبب الوجوب، فدل على أنه لا فرق بين واجب وواجب، والموجب للكفارة الظهار والعود جميعاً كما أن الموجب في اليمين اليمين والحنث معاً. ولما كان التحرير لا يستغرق زمن القبل بل يكون في بعضه، أدخل الجار فقال: {من قبل} ولما كان المراد المس بعد المظهارة لا مطلقاً قال: {أن يتماسا} أي يتجدد منهما مس وهو الجماع سواء كان ابتداء المباشرة منه أو منها بما أفادته صيغة التفاعل، وهو حرام قبل التكفير ولو كان على أدنى وجوه التماس وأخفاها بما أشار إليه الإدغام ولو كان بإيلاج الحشفة فقط مع الإنزال أو بدونه، وأما مقدمات الجماع فهي فيها كالحائض لا تحرم على الأظهر، فإن جامع عصى ولم تجب كفارة أخرى، لما روى الترمذي عن سلمة بن صخر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم في المظاهر يواقع قبل أن يكفر، قال:"حديث : كفارة واحدة ". تفسير : ولما كان الوعظ هو الزجر عن الفعل الموعوظ لأجله، قال مستأنفاً: {ذلكم} أي الزجر العظيم جد الذي هو عام لكم من غير شبهة {توعظون به} أي يكون بمشقة زاجراً لكم عن العود إلى مقاربة مثل ذلك فضلاً عن مقارفته لأن من حرم من أجلها الله تحريماً متأبداً على زعمه كان كأنه قد قتلها، ولكون ذلك بلفظ اخترعه وانتهك فيه حرمة أمه كان كأنه قد عصى معصية أوبق بها نفسه كلها إيباقاً أخرجه إلى أن يقتلها عضواً عضواً بإعتاق رقبة تماثل رقبته ورقبة من كان قتلها. ولما كان التقدير: فالله بما يردعكم بصير، عطف عليه قوله: {والله} أي الذي له الإحاطة بالكمال، وقدم الجار إشارة إلى إرادة المبالغة للتنبيه على الاهتمام بإلزام الانتهاء. عن ذلك فقال: {بما تعملون} أي تجددون فعله {خبير *} أي عالم بظاهره وباطنه، فهو عالم بما يكفره، فافعلوا ما أمر الله به وقفوا عند حدوده، قال القشيري: والظهار - وإن لم يكن له في الحقيقة أصل ولا بتصحيحه نطق ولا له شرع، بعد ما رفع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أمره ولوح بشيء ما وقال: إنه حكمه لا يخل الله من بيان ساق إليه شرعه فقضى فيه بما انتظم فيه الجواب ارتفاع شكواها. ولما كانت الكفارة مرتبة، وكان المظاهر كأنه قد قتل نفسه بقتل المظاهر عنها كما مضى، فكان مفتقراً إلى ما يحيي نفسه فشرع له العتق الذي هو كالإحياء، شرع له عند العجز عنه ما يميت نفسه التي إماتتها له إحياؤها، وكان الشهران نصف المدة التي ينفخ فيها الروح، فكان صومها كنصف قتل النفس التي قتلها إحياء الروح وإنعاش العقل، فكان كأنه إماتتها فجعله سبحانه بدلاً عن القتل الذي هو كالإحياء فقال: {فمن لم يجد} أي الرقبة المأمور بها بأن كان فقيراً، فإن كان غنياً وماله غائب فهو واجد {فصيام} أي فعليه صيام {شهرين}. ولما كان المراد كسر النفس كما مضى، وكانت المتابعة أنكى ولذلك سمي رمضان شهر الصبر، قيد بقوله: {متتابعين} أي على أكمل وجوه التتابع على حسب الإمكان بما أشار إليه الإظهار، فلو قطع التتابع بشيء ما ولو كان بنسيان النية وجب عليه الاستئناف والإغماء لا يقطع التتابع لأنه ليس في الوسع وكذا الإفطار بحيض أو نفاس أو جنون بخلاف الإفطار بسفر أو مرض أو خوف على حمل أو رضيع لأن الحيض معلوم فهو مستثنى شرعاً، وغيره مغيب للعقل - مزيل للتكليف، وأما المرض ونحوه ففيه تعمد الإفطار مع وجود العقل. ولما كان الإمساك عن المسيس قد يكون أوسع من الشهرين، أدخل الجار فقال: {من قبل} وحل المصدر إفادة لمن يكون بعد المظاهرة فقال: {أن يتماسا} فإن جامع ليلاً عصى ولم ينقطع التتابع. ولما كان إطعام نفس قوت نصف يوم كإماتة نفسه بالصيام يوماً قال تعالى: {فمن لم يستطع} أي يقدر على الصيام قدرة تامة - بما أشار إليه إظهار التاء لهرم أو مرض أو شبق مفرط يهيجه الصوم {فإطعام} أي فعليه إطعام {ستين مسكيناً} لكل مسكين ما يقوته نصف يوم، وهو مد بمد النبي صلى الله عليه وسلم وذلك نحو نصف قدح بالمصري، وهو ملء حفنتين بكفي معتدل الخلق من غالب قوت البلد، وهو كما في الفطرة سواء، وحذف قيد المماسة لذكره في الأولين، ولعل الحكمة في تخصيص هذا به أن ذكره في أول الخصال لا بد منه، وإعادته في الثاني لطول مدته فالصبر عنه فيها مشقة، وهذا يمكن أن يفعل في لحظة لطيفة لا مشقة للصبر فيها عن المماسة، هذا إذا عاد، فإن وصل الظهار بالطلاق أو مات أحدهما في الحال قبل إمكان الطلاق فلا كفارة، قال البغوي: لأن العود في القول هو المخالفة، وفسر ابن عباس رضي الله عنهما العود بالندم فقال: يندمون ويرجعون إلى الألفة، وهذا يدل على ما قال الشافعي رضي الله عنه: فإن ظاهر عن الرجعية انعقد ظهاره فإن راجعها لزمته الكفارة لأن الرجعة عود. ولما ذكر الحكم، بين علته ترغيباً فيه فقال: {ذلك} أي الترخيص العظيم لكم والرفق بكم والبيان الشافي من أمر الله الذي هو موافق للحنيفية السمحة ملة أبيكم إبراهيم عليه الصلاة والسلام كان {لتؤمنوا} أي وهذا الفعل العظيم الشاق ليتجدد إيمانكم ويتحقق وجوده {بالله} أي الملك الذي لا أمر لأحد معه فتطيعوه بالانسلاخ من فعل الجاهلية {ورسوله} الذي تعظيمه من تعظيمه وقد بعث بملة أبيه إبراهيم عليهما الصلاة والسلام، فلو ترك هذا الحكم الشديد على ما كان عليه في الجاهلية لكان مشككاً في البعث بتلك الملة السمحة. ولما رغب في هذا الحكم، رهب من التهاون به فقال: {وتلك} أي هذه الأفعال المزكية وكل ما سلف من أمثالها في هذا الكتاب الأعظم {حدود الله} أي أوامر الملك الأعظم ونواهيه وأحكامه التي يجب امتثالها والتقيد بها لترعى حق رعايتها فالتزموها وقفوا عندها ولا تعتدوها فإنه لا يطاق انتقامه إذا تعدى نقضه أو إبرامه. ولما كان التقدير: فللمؤمنين بها جنات النعيم، عطف عليه قوله {وللكافرين} أي العريقين في الكفر بها أو بشيء من شرائعه {عذاب أليم *} بما آلموا المؤمنين به من الاعتداء.
اسماعيل حقي
تفسير : {والذين يظاهرون من نسائهم ثم يعودون لما قالوا} اللام والى يتعاقبان كثيرا نحو يهدى للحق والى الحق فالمعنى والذين يقولون ذلك القول المنكر ثم يعودون الى ماقالوا والى مافات عنهم بسببه من الاستمتاع بالتدارك والتلافى بالتقرر والتكرر ومنه قولهم عاد الغيث على ماأفسد اى تداركه باصلاح فافسده امساكه واصلاحه احياؤه ففيه اطلاق اسم السبب على المسبب فان العود الى الشىء من اسباب التدارك والوصول اليه فيكون مجازا مرسلا قال ابن الشيخ العود يستعمل على معنيين أحدهما أن يصير الى شىء قد كان عليه قبل ذلك فتركه فيكون بمعنى الرجوع الى مافارق عنه والآخر أن يصير ويتحول الى شىء وان لم يكن ذلك للتدارك والوصول هو العود بهذا المعنى وهو العود الى شىء مطلقا فحاصل المعنى ثم يعودون الى تدارك ماقالوا ودفع مالزم عليهم به من الفساد من حرمة الحلال ويجوز أن يكون المعنى ثم يريدون العود الى ماحرموا على أنفسهم بلفظ الظهار من الاستمتاع ففيه تنزيل للقول منزلة المقول فيه {فتحرير رقبة} التحرير جعل الانسان حرا وهو خلاف العبد والرقية ذات مرقوق مملوك سوآء كان مؤمنا او كافرا ذكرا او انثى صغيرا او كبيرا هنديا او روميا فالمعنى فتداركه او فالواجب اعتاق رقبة اى رقبة كانت وان كان تحرير المؤمن اولى والصالح أحسن فيعتقها مقرونا بالنية وان كان محتاجا الى خدمتها فلو نوى بعد العتق او لم ينو لم يجزىء وان وان وجد ثمن الرقبة وهو محتاج اليه فله الصيام كما فى الكواشى ولا يجزىء ام الولد والمدبر ولمكاتب الذى ادى شيئا فان لم يؤد جاز ويجب أن تكون سليمة من العيوب الفاحشة بالاتفاق وعند الشافعى يشترط الايمان قياسا على كفارة القتل كما قال تعالى {أية : فتحرير رقبة مؤمنة}تفسير : قلنا حمل المطلق على المقيد انما هو عند اتحاد الحادثتين واتحاد الحكم ايضا وهنا ليس كذلك والفاء للسببية ومن فوآئدها الدلالة على تكرير وجوب التحرير بتكرر الظهار لان تكرر السبب يوجب تكرر المسبب كقرآءة آية السجدة فى موضعين فلو ظاهر من امرأته مرتين او ثلاثا فى مجلس واحد او مجالس متفرقة لزمه بكل ظهار كفارة {من قبل أن يتماسا} اى من قبل أن يستمتع كل من المظاهر والمظاهر منها بالآخر جماعا وتقبيلا ولمسا ونظرا الى الفرج بشهوة وذلك لان اسم التماس يتناول الكل وان وقع شىء من ذلك قبل التكفير يجب عليه أن يستغفر لانه ارتكب الحرام ولا يعود حتى يكفر وليس عليه سوى الكفارة الاولى بالاتفاق وان أعتق بعض الرقبة ثم مس عليه أن يستأنف عند أبى حنيفة رحمه الله ولا تسقط الكفارة بل يأتى بها على وجه القضاء كما لو أخر الصلاة عن وقتها فانه لايسقط عنه اتيانها بل يلزمه قضاؤها وفى الآية دليل على ان المرأة لايسعها أن تدع الزوج أن يقربها قبل الكفارة لانه نهاهما جميعا عن المسيس قبل الكفارة قال القهستانى لها مطالبة التكفير والحاكم يجبر عليه بالحبس ثم بالضرب فالنكاح باق والحرمة لا تزول الا بالتكفير وكذا لو طلقها ثم تزوجها بعد العدة او زوج آخر حرم وطئها قبل التكفير ثم العود الموجب لكفارة الظهار عند أبى حنيفة رحمه الله هو العزم على جماعها فمتى عزم على ذلك لم تحل له حتى يكفر ولو ماتت بعد مدة قبل أن يكفر سقطت عنه الكفارة لفوت العزم على جماعها {ذلكم} اى الحكم بالكفارة أيها المؤمنون {توعظون به} الوعظ زجر يقترن بتخويف اى تزجرون به من ارتكاب المنكر المذكور فان الغرامات مزاجر من طعاطى الجنايات والمراد بذكره بيان ان المقصود من شرع هذا الحكم ليس تعريضكم للثواب بمباشرتكم لتحرير الرقبة الذى هو علم فى استتباع الثواب العظيم بل هو ردعكم وزجركم عن مباشرة مايوجبه والحاصل ان فى المؤاخذة الدنيوية نفعا لكل من المظاهر وغير المظاهر بأن يحصل للمظاهر الكفارة والتدارك ولغير المظاهر الاحتياط والاجتناب كما قيل شعر : نرود مرغ سوى دانه فراز جون دكر مرغ بينداندر بند تفسير : {والله بما تعلمون} من جناية الظهار والتكفير ونحو ذلك من قليل وكثير {خبير} اى علام بظواهرها وبواطنها ومجازيكم بها فحافظوا احدود ماشرع لكم ولا تخلوا بشىء منها
الجنابذي
تفسير : {وَٱلَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِن نِّسَآئِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُواْ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَآسَّا} ظاهر الآية انّ من ظاهر فليس عليه شيءٌ ان لم يكرّر القول، او ليس عليه شيءٌ فى المرتبة الاولى فاذا عاد وظاهر ثانياً فعليه الكفّارة المذكورة، وروى عن امير المؤمنين (ع) انّه قال: انّ الله عفى عن المظاهر الاوّل وغفر له بدون الكفّارة، فان عاد احد بعد المظاهر الاوّل فعليه الكفّارة، وقيل: معنى يعودون لما قالوا يعودون عمّا قالوا فانّه يستعمل يعود فيما قال والى ما قال ولما قال بمعنى يعود عمّا قال، وقيل: يعودون الى نسائهم، وقوله تعالى،{لِمَا قَالُواْ}، ابتداء كلامٍ والمعنى فتحرير رقبةٍ لما قالوا {ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ} يعنى ذلكم التّحرير توعظون به لكى ترتدعوا من مثله {وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ} يكفى فى صدق تتابع الشّهرين اتّصال شيءٍ من الشّهر الثّانى بالشّهر الاوّل {مِن قَبْلِ أَن يَتَمَآسَّا} بالمجامعة او مطلقا {فَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِيناً} بقدر شبعهم او اعطاء كلّ مسكين مدّاً من الطّعام {ذَلِكَ} المذكور من عدم الحرمة ابداً بالظّهار كما كانت فى الجاهليّة وجواز الرّجوع الى النّساء بعد الظّهار والتّرتيب فى خصال الكفّارة {لِتُؤْمِنُواْ} اى لترغبوا فى شريعة محمّدٍ (ص) ولا تنفروا عنها لما ترون فيها من التّخفيف وتؤمنوا {بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ} حدود حماه لا يجوز التّجاوز عنها {وَلِلْكَافِرِينَ} بالله ورسوله (ص) او للكافرين بتلك الحدود {عَذَابٌ أَلِيمٌ إِنَّ ٱلَّذِينَ يُحَآدُّونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ} حادّه غاضبه وعادّه وخالفه {كُبِتُواْ} كبته صرعه واخزاه وصرفه وكسره وردّه بغيظه واذلّه والمكتبت الممتلئ غمّاً {كَمَا كُبِتَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ} الّذين حادّوا الله ورسوله من قوم نوحٍ وعادٍ وثمود وقوم ابراهيم (ع) {وَقَدْ أَنزَلْنَآ} عليهم او عليكم {آيَاتٍ} دالاّت على قدرتنا وحكمتنا، او دالاّتٍ على صدقنا فى وعدنا ووعيدنا، او دالاّتٍ على صدق رسولنا {بَيِّنَاتٍ} واضحات او موضحات وهى الآيات التّدوينيّة او الآيات الآفاقيّة والانفسيّة {وَلِلْكَافِرِينَ} بتلك الآيات او بالله ورسوله (ص) {عَذَابٌ مُّهِينٌ يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ ٱللَّهُ} ظرف لمهين، او لقوله للكافرين، او لقوله احصاه الله {جَمِيعاً فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوۤاْ أَحْصَاهُ ٱللَّهُ} رفع لتوهّم متوهّم انّ العاملين لا يحصون اعمال انفسهم فكيف يحصى الله اعمال الجميع {وَنَسُوهُ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} تعميمٌ وتعليلٌ.
الهواري
تفسير : قوله: {وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِن نِّسَآئِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُواْ} أي: يعودون إلى ما حرّموا، أي: يريدون الوطء {فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَآسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِن قَبْلِ أَن يَتَمَآسَّا فَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِيناً}. ذكروا عن الحسن قال: الظهار من كل ذات محرم. ويقول: إذا جعل امرأته عليه كظهر فلانة، لِمحرَم منه، أو سمّى أمَّه، فهو ظهار. قوله: {فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ} قال بعضهم: يجزي الصبي في كفارة الظهار وكل نسمة، صغيرة أو كبيرة، فهي تجزي في عتق الظهار. ويجزي أيضاً عتق يهودي أو نصراني. ولا تجزى أم الولد ولا المدبَّر. وكان إبراهيم يقول في الذي لا يجد رقبة فيصوم شهرين متتابعين، إن مرض قبل الفراغ من الشهرين وأفطر فإنه يستأنف الصوم شهرين متتابعين. وإن أيسر العتق قبل أن يفرغ من الشهرين أعتق. وقال أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة: إذا صام فمرض قبل أن يفرغ من الشهرين، فإذا صح فليبن على ما صام قبل أن يمرض، فذلك يجزيه؛ وليس بأشدَّ من رمضان. وبهذا نأخذ، وعليه نعتمد وهو قول العامة من فقهائنا. قوله: {فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِن قَبْلِ أَن يَتَمَآسَّا فَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِيناً}. ذكروا عن عطاء قال: سمعت أبا هريرة يقول: ثلاثة أشياء منهن مدّ مدّ: كفارة الظهار، وكفارة اليمين، وفدية الصيام. ذكروا عن أبي زيد المدني أن رجلاً ظاهر من امرأته فلم يكن عنده ما يعتق ولم يستطع الصيام فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : تصدق بثلاثين صاعاً من شعير على ستين مسكيناً، ولكل مسكين مدان حتى يكون مكان كل مد مدان . تفسير : ذكروا أن أوس بن الصامت ظاهر من امرأته، فلم يقدر على رقبة، فلم يستطع الصوم فأعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم خمسة عشر صاعاً من تمر فقال له: حديث : تصدق به على ستين مسكيناً، ولكل مسكين مد . تفسير : قال الحسن: إذا ظاهر الرجل من امرأته، فإن كان لم يمسّها قط فلا ظهار عليه، وإن كان قد مسّها مرة واحدة فعليه الكفارة. قال إبراهيم: ليس في الأَمَة ظهار. ذكروا عن نصر بن طريف عن عبد الله بن أبي مليكة عن ابن عباس قال: من شاء باهلته عند الحجرات أن الله لم يجعل في الأَمَةِ ظهاراً. والكوفيون يقولون: لا ظهار عليه من أمته إلا أن تكون زوجته أمة فيجب عليه منها الظهار لأنها زوجة. وقال أبو عبيدة: الظهار عليه من أمته زوجة كانت أو غير زوجة. ذكر الحسن عن عمر بن الخطاب في رجل ظاهر من أربع نسوة بكلام واحد قال: عليه أربع كفارات. وقال بعضهم: إذا أجمل فكفارة واحدة، وإذا فرق فأربع كفارات، وهو قول أبي عبيدة والعامة من فقهائنا. ذكروا عن علي قال: إذا ظاهر الرجل من امرأته مراراً في مقعد واحد في شيء واحد، فكفارة واحدة، وإذا ظاهر في مقاعد شتى في شيء واحد، فعليه كفارات شتى. قوله عز وجل: {ذَلِكَ لِتُؤْمِنُواْ بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللهِ} أي: أحكام الله التي حدَّ في الظهار من العتق والصيام والإطعام. قال تعالى: {وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ} أي: موجع.
اطفيش
تفسير : {وَالَّذِينَ يُظَاِهِرُونَ مِن نِّسَآئِهِم ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا} أي إلى ما قالوا وفيما قالوا واللام على اصلها والمراد يعودون لما حرموه على انفسهم بلفظ الظهار بان يمسكوا المرأة وامساكها خلاف مقصود، الظهار من وصف المرأة بالتحريم فهم يريدون الوطىء والتلذذ والنظر فنزل القول منزلة للقول فيه كقوله عز وجل ونرثه ما يقول وقيل العود تدارك ما قالوا لأن المتدارك للقول عائد اليه يقال: عاد الغيث على ما افسد أي تداركه بالاصلاح وهم يتداركون القول أي يريدون اصلاح ما أفسدوا فذلك بالتكفير. وقال الشافعي: العود السكوت عن الطلاق بعد الظهار وذلك انه طلق فقد تم ما شاع فيه من التحريم ولا كفارة عليه وان لم يطلق فكأنه ندم فليكفر ويمسكها وقد قال ابن عباس: العود الندم وقال ابو حنيفة: العود استباحة وطئها واستباحة النظر اليه واللمس وقال مالك: العود العزم على وطئها وقال الحسن وقتادة وطاووس والزهري: العود الجماع وقالوا: لا كفارة عليه حتى يطأها والطاهر ان العود الندم ولا يخفى ان ذلك كله مناقض لقول الظاهر وقال مجاهد: العود الاتيان بالظهار في الاسلام بعد قطع امور الجاهلية والكفارة تجب بنفس الظهار وقال ابو العالية والظاهرية: العود تكرير الظهار فما لم يكرر لاكفارة عليه وقيل: العود توكيد ما قال بالحلف. قال ابن هشام: اللام متعلقة بيعودون وما مصدرية والمصدر مؤول باسم مفعول أي أو موصولة اسمية وقال أهل الظاهر: مصدرية والمصدر غير ما تأول وقال الاخفش: متعلقة بتحرير وما مصدرية أو اسم موصول ويرده ان ما بعد الفاء لا يعمل فيما قبلها إلا في باب أما وإن المصدر لا يعمل فيما قبله ولو ظرفاً وان التحرير للقول والعود لا للقول فقط انتهى والجواب عن ذلك ظاهر. {فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ} أي تخليصها من العبودية والرقبة الانسان اطلاق لاسم البعض على الكل والفاء زائدة في خبر الذين لشبهه باسم الشرط وتحرير خبر لمحذوف أي فوالجب تحرير أو كفارته تحريرا أو مبتدأ خبره محذوف أي فعليهم تحرير رقبة واجب عليهم والجملة خبر الذين وخبره هو تحرير على حذف مضاف أي حكم الذي يظاهرون أو لازمهم والمراد الرقبة المؤمنة حملا على رقبة القتل وهو قول الشافعية وقيل: الرقبة مطلقا وقيل: المسلمة أو اليهودية أو النصرانية وتجزي عندنا أم الولد لانها أمه. ومن قال حرة لم تجوز عنده ويجزي المدبر قبل أجل التدبير وقيل: لا ولا يجري المكاتب لأنه حر عندنا وقيل: يجزي ما لم يؤد شيئا وقيل: ما لم يؤدا الكل وتجزى كل رقبة صغيرة أو كبيرة وقيل إلا المجنونة و المجذومة والبرصاء والعقلاء ولا فاقدة جارحة وان سناً واحدة ولا شلاء ولا ذات عسم ابطل جارحة وجازت زائدة اصبع أو سن ان لم يمنع انتفاعاً وذات قرع أو جرح أو اثر سوط أو قرح أو كي إن لم يؤد لفقد جارحة ولا يجزي جنين في بطن ولو ولد حيا ويصح ذو اربعة اشهر من يوم ولادته وقيل ذو شهرين ولزمت معتقه نفقته وزعم بعضهم ان الفاء المسببة ومن فوائدها الدلالة على وجوب تكرير التحرير بتكرير الظهار يعني كما انها في جواب الشرط كذلك فليست زائدة محضة وهو صحيح؟ {مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا} من قبل ان يمس كل منهما الآخر بالجماع وان جامعها قيل التكفير حرمت عندنا كما تحرم ان كفر ولم يمسها حتى مضت اربعة اشهر وقيل: عليه الاستغفار ولا يعود حتى يكفر بدليل حديث : ان سلمة بن صخر البياضي قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: ظاهرت من امرأتي ثم ابصرت خلخالها في ليلة قمراء فواقعتها فقال له استغفر ولا تعد حتى تكفر تفسير : والحلف ايضا ان كفر كما لا يجزي وتلزمه الكفارة الواحدة عن الأئمة الاربعة. والجمهور وقيل: كفارتان وكما يحرم الجماع يحرم جميع الاستمتاع عندنا وعند ابي حنيفة الشافعي وروي عنه انه يحرم الجماع فقط وان ظاهر مرارا منها لزمه تكفير واحدة ولو في مواضع عند مالك وقال الشافعي وابو حنيفة: لكل ظهار كفارة إلا ان كان في مجلس واحد واراد التأكيد الخلاف في المذهب وعن علي تلزمه كفارة واحدة في مقعد في شيء وكفارة لكل مقعد ظاهر فيه في شيء واحد وان اعتق بعض الرقبة ومس صح لان اعتاق البعض اعتاق للكل ومن زعم من قومنا غير اعتاق للكل الزمه اعتاق كلها قبل العود. {ذَلِكُمْ} الحكم بالكفارة والتعليم للاحكام. {تُوعَظُونَ بِهِ} لانه يدل على منع ارتكاب الجناية الموجبة للغرمة ويردع عنه. {وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ * فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ} أي فالواجب صيام أو غير ذلك مما مر وكذا في الاطعام . {شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ} وان افطر لغير عذر لزمه الاستئناف وان افطر لعذر فالصحيح عندنا وعند الشافعية انه يبني وليس هذا بأشد من رمضان إلا انه لا يفطر للسفر وان افطر نسيانا أو نسي النية أولا فقيل يعيد ما مضى والصحيح أنه يعيد ان نسي النية وانما ينوي لهما اولا وان جامع نهارا نسيانا فالخلف وان جامع نهارا عمدا استأنف أو ليلا عمدا استأنف عند أبي حنيفة ومالك خلافا لنا وللشافعية وان ايسر قيل: تمام الصوم اعتق ولا يجزي الصوم من عنده ما يعتق وقد نسبه أو لم يعلم به وقيل يجزي ان لم يعلم ويجزي الصوم من له رقبة يحتاج لخدمتها أو ثمنها يحتاج لنفقته أو نفقة عياله خلافا لمالك والاوزاعي وقال ابو حنيفة يجب عليه العتق ان و جد عين الرقبة ولو احتاج للخدمة. {مِن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا فَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ} أن يصوم {فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِيناً} من قبل ان يتماسا كذا نقول نحن والحنيفية حملا للمطلق على المقيد وعن ابي حنيفة لم يذكر الفبيلة اشارة الى انه ان وقع الجمع في خلال الاطعام لم يستأنف وقال مالك: ان اتراد التكفير بالاطعام جاز له الوطىء قبل الاطعام ويعد غير مستطيع من عجز عن الصوم لمرض أو كبر وشدة شهوة الجماع حتى لايصبر عند الشافعية مستدلين بما روي حديث : أَن ابن صخر البياضي قال: كنت اصيب من النساء مالا يصيب غيري كلما دخل رمضان خفت ان اصيب من امرأتي شيئا تتابع بي والتتابع اللحاج في الشر حتى أصبح فظاهرت منها حتى ينسلخ الشهر. فبينما هي تخدمني ذات ليلة انكشف لي شيء منها فنزوت أي وثبت عليها للجماع ولما اصبحت خرجت إلى قومي فاخبرتهم فقلت امشوا معي الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا لا والله، فاتيته فاخبرته وقلت له: أنا صابر لحكم الله فاحكم بما امر الله فقال: حرر رقبة فقلت والذي بعثك بالحق نبياً ما املك رقبة غيرها وضربت صفحة رقبتي يعني رقبته قال: فصم شهرين متتابعين قلت: وهل اصبت الذي اصبت إلا من الصيام قال: فأطعم وأسقي من تمر ستين مسكينا قلت: والذي بعثك بالحق بشيرا لقد بتنا موحشين أي جائعين قال: فانطلق إلى صاحب صدقة بني زريق فليدفعها اليك أي الصدقة فاطعم ستين مسكيناً وسقاً من تمر وهو ستون صاعاً وكل انت وعيالك بقيتها فرجعت إلى قومي وهم بنو بياضه بطن من زريق فقلت وجدت عندكم الضيق بسوء الرأي وعند النبي صلى الله عليه وسلم السعة وحسن الرأي وقد أمر لي بصدقتكم وإنما يطعم المظاهر من غالب قوت البلد أو يكيل لكل مسكين مدا . تفسير : قال ابو هريرة: مد لكل مسكين في كفارة الظهار وكفارة اليمين وفدية رمضان وقد روي حديث : أَنه صلى الله عليه وسلم أَعطى أوس بن الصامت خمسة عشر صاعا من تمر فقال: تصدق بها على ستين مسكينا تفسير : وقال ابو حنيفة: يعطى كل مسكين مدين وروى ابو يزيد المدني أن رجلا ظاهر ولم يستطيع الصوم فأمره صلى الله عليه وسلم ان يتصدق بثلاثين صاعاً من شعير على ستين مسكيناً. لكن أبا حنيفة يرى من غير البر صاعا لكل مسكين والاطعام يكون غداء وعشاء وقيل: مرة ولا يجزى اطعام الواحد ستين مرة عندنا وعند الشافعي لظاهر الآية ولان ادخال السرور على ستين أولى منه على الواحد ويجزى عند أبي حنيفة لحصول دفع الحاجة وهو المقصود والمد رطل وثلث وان ظاهر من اربع نسوة بكلام واحد لزمه اربع كفارات فيما روي عن عمر بن الخطاب وواحدة عند ابي عبيدة وعامة اصحابنا وان فرق فاربع وعن ابن عباس من شاء بأهلته ان الله لم يجعل في الائمة ظهارا وقال الكوفيون لاظهار من الأمة إلا إن كانت زوجة وقال أبو عبيدة: الظهار لازم من الأمة سرية أو زوجة وإن امتنع المظاهر من التكفير فلامرأته أن ترافعه ويجبره القاضي ويحبسه ولا كفارة يجبر عليها ويحبس إلا هذا لأنه يضرها ترك التكفير ولامتناع من الاستمتاع قاله الزمخشري. {ذَلِكَ} البيان للاحكام أو ذلك التخفيف في الكفارة وهو مبتدأ محذوف الخبر أي مفروض أو ثابت أو مفعول لمحذوف أي فرضنا ذلك أو اثبتناه {لِتُؤْمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ} في قبول الشريعة ورفض أمور الجاهلية {وَتِلْكَ} الاحكام {حُدُودُ اللهِ} لا يجوز تعديها {وَلِلكَافِرِينَ} بها {عَذَابٌ أَلِيمٌ} ولا يضره كفرهم.
الالوسي
تفسير : وقوله تعالى: {وَٱلَّذِينَ يُظَـٰهِرُونَ مِن نّسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُواْ } الخ تفصيل لحكم الظهار بعد بيان كونه أمراً منكراً / بطريق التشريع الكلي المنتظم لحكم الحادثة انتظاماً أولياً. والموصول مبتدأ، وقوله تعالى: {فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ } مبتدأ آخر خبره مقدر أي فعليهم تحرير رقبة، أو فاعل فعل مقدر أي فيلزمهم تحرير، أو خبر مبتدأ مقدر أي فالواجب عليهم تحرير، وعلى التقادير الثلاثة الجملة خبر الموصول ودخلته الفاء لتضمن المبتدأ معنى الشرط، و ـ ما ـ موصولة أو مصدرية، واللام متعلقة بـ {يَعُودُونَ } وهو يتعدى بها كما يتعدى بإلى وبفي فلا حاجة إلى تأويله بأحدهما كما فعل البعض. والعود لما قالوا على المشهور عند الحنفية العزم على الوطء كأنه حمل العود على التدارك مجازاً لأن التدارك من أسباب العود إلى الشيء، ومنه المثل عاد غيث على ما أفسد أي تداركه بالإصلاح، فالمعنى والذين يقولون ذلك القول المنكر ثم يتداركونه بنقضه وهو العزم على الوطء فالواجب عليهم إعتاق رقبة: {مّن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا } أي كل من المظاهر والمظاهر منها ـ والتماس ـ قيل: كناية عن الجماع فيحرم قبل التكفير على ما تدل عليه الآية، وكذا دواعيه من التقبيل ونحوه عندنا، قيل: وهو قول مالك والزهري والأوزاعي والنخعي، ورواية عن أحمد فإن الأصل أنه إذا حرم حرم بدواعيه إذ طريق المحرم محرم، وعدم اطراد ذلك في الصوم والحيض لكثرة وجودهما فتحريم الدواعي يفضي إلى مزيد الحرج. وقال العلامة ابن الهمام: التحقيق أن الدواعي منصوص على منعها في الظهار فإنه لا موجب لحمل التماس في الآية على المجاز لإمكان الحقيقة، ويحرم الجماع لأنه من أفراد التماس كالمس والقبلة، وقال غيره: تحرم أقسام الاستمتاع قبل التكفير لعموم لفظ التماس فيشملها بدلالة النص، ومقتضى التشبيه في قوله: كظهر أمي فإن المشبه به لا يحل الاستمتاع به بوجه من الوجوه فكذا المشبه. «ويحرم عند الشافعية أيضاً الجماع قبله، وكذا يحرم لمس ونحوه من كل مباشرة لا نظر بشهوة في الأظهر» كما في «المحرر»، وقال الإمام النووي عليه الرحمة: «الأظهر الجواز لأن الحرمة ليست لمعنى يخل بالنكاح فأشبه الحيض، ومن ثم حرم الاستمتاع فيه فيما بين السرة والركبة»، وسيأتي إن شاء الله تعالى تمام الكلام في هذا المقام. وحكى البيضاوي عن الإمام أبـي حنيفة رضي الله تعالى عنه أن نقض القول المراد بالعود بإباحة التمتع بها ولو بنظرة بشهوة، وحمل ذلك على استباحة التمتع بمباشرته بوجه مّا دون عدّه مباحاً من غير مباشرة. ولعله أريد بالمباشرة بوجه ما مباشرة ليست من التماس الذي قالوا بحرمته قبل التكفير، وأياً مَّا كان فظاهر تعليق الحكم بالموصول يدل على علية ما في حيز الصلة - أعني الظهار والعود له - فهما سببان للكفارة وهذا أحد أقوال في المسألة. قال العلامة ابن الهمام اختلف في سبب وجوبها، فقال في «المنافع»: تجب بالظهار والعود لأن الظهار كبيرة فلا يصلح سبباً للكفارة لأنها عبادة، أو المغلب فيها معنى العبادة ولا يكون المحظور سبباً للعبادة فعلق وجوبها بهما ليخف معنى الحرمة باعتبار العود الذي هو إمساك (بمعروف) فيكون دائراً بين الحظر والإباحة، وعليه فيصلح سبباً للكفارة الدائرة بين العبادة والعقوبة، وقيل: سبب وجوبها العود والظهار شرطه، ولفظ الآية أي المذكورة يحتملهما فيمكن كون ترتيبها عليهما، أو على الأخير لكن إذا أمكن البساطة صير إليها لأنها الأصل بالنسبة إلى التركيب فلهذا قال في «المحيط»: سبب وجوبها العزم على الوطء والظهار شرطه، وهو بناء على أن المراد من العود في الآية العزم على الوطء. واعترض بأن الحكم يتكرر بتكرر سببه لا شرطه والكفارة متكررة بتكرر الظهار لا العزم، وكثير من مشايخنا على أنه العزم على إباحة الوطء بناءاً على إرادة المضاف في الآية أي يعودون لضد ما قالوا أو لتداركه، ويرد عليه ما يرد على ما قبله، ونص صاحب «المبسوط» على أن بمجرد / العزم لا تتقرر الكفارة حتى لو أبانها أو ماتت من بعد العزم فلا كفارة فهذا دليل على أنها غير واجبة لا بالظهار ولا بالعود إذ لو وجبت لما سقطت بل موجب الظهار ثبوت التحريم، فإذا أراد رفعه وجب عليه في رفعه الكفارة [عندنا] كما تقول لمن أراد الصلاة النافلة: يجب عليك إن صليتها أن تقدم الوضوء انتهى. ولا يخفى أن إرادة المضاف غير متعين بناءاً على ما نقل عن الكثير من المشايخ، وأن ظاهر الآية يفيد السببية كما ذكرنا آنفاً، ويكون الموجب للكفارة الأمران، وبه صرح بعض الشافعية وجعل ذلك قياس كفارة اليمين، ثم قال: «ولا ينافي ذلك وجوبها فوراً مع أن أحد سببيها ـ وهو العود ـ غير معصية لأنه إذا اجتمع حلال وحرام ولم يكن تميز أحدهما عن الآخر غلب الحرام»، وظاهر كلام الإمام النووي عليه الرحمة أن موجبها الظهار، والعود شرط فيه وهو بعكس ما نقل عن «المحيط». ثم إن من جعل السبب العزم أراد به العزم المؤكد حتى لو عزم ثم بدا له أن لا يطأها لا كفارة عليه لعدم العزم المؤكد لا أنها وجبت بنفس العزم ثم سقطت ـ كما قال بعضهم ـ لأنها بعد سقوطها لا تعود إلا بسبب جديد كذا في «البدائع»، وذكر ابن نجيم في «البحر» عن «التنقيح» أن سبب الكفارة ما نسيت إليه من أمر دائر بين الحظر والإباحة، ثم قال: إن كون كفارة الظهار كذلك على قول من جعل السبب مركباً من الظهار والعود ظاهر لكون الظهار محظوراً والعود مباحاً لكونه إمساكاً بالمعروف ونقضاً للزور. وأما على القول بأن المضاف إليه - وهو الظهار ـ سبب وهو قول الأصوليين فكونه دائراً بين الحظر والإباحة مع أنه منكر من القول وزور باعتبار أن التشبيه يحتمل أن يكون للكرامة فلم يتمحض كونه جناية، واستظهر بعد أنه لا ثمرة للاختلاف في سببها معللاً بأنهم اتفقوا على أنه لو عجلها بعد الظهار قبل العود جاز ولو كرر الظهار تكررت الكفارة وإن لم يتكرر العزم، ولو عزم ثم ترك فلا وجوب، ولو عزم ثم أبانها سقطت ولو عجلها قبل الظهار لم يصح، ثم إنه لا استحالة في جعل المعصية سبباً للعبادة التي حكمها أن تكفر المعصية وتذهب السيئة خصوصاً إذا صار معنى الزجر فيها مقصوداً وإنما المحال أن تجعل سبباً للعبادة الموصلة إلى الجنة انتهى، ولا يخلو عن حسن ما عدا توجيه كون الظهار دائراً بين الحظر والإباحة فإنه كما ترى. وفسر بعضهم العود بالرجوع واللام بعن كما نقل عن الفراء أي ثم يرجعون عما قالوا فيريدون الوطء، قال الزيلعي: وهذا تأويل حسن لأن الظهار موجبه التحريم المؤبد فإذا قصد وطأها وعزم عليه فقد رجع عما قال، ولا يخفى أن جعل اللام بمعنى عن خلاف الظاهر، وقيل: العود الرجوع، والمراد بما قالوا ما حرموه على أنفسهم بلفظ الظهار وهو التماس تنزيلاً للقول منزلة المقول فيه نحو ما ذكر في قوله تعالى: { أية : وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ } تفسير : [مريم:80] والمعنى ثم يريدون العود للتماس، وفيه تجوزان، وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن معنى {ثُمَّ يَعُودُونَ } ثم يندمون ويتوبون أي يعزمون على التوبة، كأنه حمل العود على التدارك والتائب متدارك لما صدر عنه بالتوبة. واعترض بأنه يقتضي أنه إذا لم يندم لا تلزمه الكفارة وإذا جعلت الكفارة نفس التوبة فأين معنى العود؟ وأيضاً لا معنى لقول القائل ثم يعزمون على الكفارة فتحرير الخ. «والعود عند الشافعية يتحقق في غير مؤقت ورجعية بأن يمسكها على الزوجية ولو جهلاً ونحوه بعد فراغ ظهاره ولو مكرراً للتأكيد وبعد علمه بوجود الصفة في المعلق وإن نسي أو جنّ عند وجودها زمن إمكان فرقة شرعاً فلا عود في نحو حائض إلا بالإمساك بعد انقطاع دمها لأن تشبيهها بالمحرم يقتضي فراقها فبعدم فعله صار ناقضاً له متداركاً لما قال، فلو اتصل بلفظ الظهار فرقة بموت أو فسخ أو انفساخ بنحو ردة قبل وطء أو طلاق بائن أو رجعي، ولم يراجع / أو جن أو أغمي عليه عقب اللفظ ولم يمسكها بعد الإفاقة فلا عود للفرقة أو تعذرها أو لا عنها في الأصح بشرط سبق القذف، والرفع للقاضي ظهاره في الأصح ولو راجع من ظاهر منها رجعية أو من طلقها رجعياً عقب الظهار أو ارتد متصلاً وهي موطوءة ثم أسلم، فالمذهب أنه عائد بالرجعة لأن المقصود بها استباحة الوطء لا بالإسلام لأن المقصود به العود للدين الحق والاستباحة أمر يترتب عليه إلا إذا أمسكها بعده زمناً يسع الفرقة، وفي الظهار المؤقت الواقع كما التزم على الصحيح لخبر صحيح فيه الأصح أن العود لا يحصل بإمساك بل بوطء مشتمل على تغييب الحشفة أو قدرها من مقطوعها في المدة للخبر أيضاً ولأن الحل منتظر بعدها، فالإمساك يحتمل كونه لانتظاره أو للوطء فيها فلم يتحقق الإمساك لأجل الوطء إلا بالوطء فيها فكان المحصل للعود». واعترض ما قالوه بأن {ثُمَّ } تدل على التراخي الزماني، والإمساك المذكور معقب لا متراخ فلا يعطف ـ بثم ـ بل بالفاء، ورد بأن مدة الإمساك ممتدة، ومثله يجوز فيه العطف ـ بثم ـ والعطف بالفاء باعتبار ابتدائه وانتهائه، وعلى هذا لا حاجة إلى القول بأنها للدلالة على أن العود أشد تبعة وأقوى إثماً من نفس الظهار حتى يقال عليه: إنه غير مسلم، ولا إلى قول الإمام أن مشترك الإلزام بين الشافعية والحنفية القائلين: بأن العود استباحة الاستمتاع فيمنع أيضاً لأن الاستباحة المذكورة عقب الظهار ـ قولاً ـ نادرة فلا يتوجه ذلك على الحنفية. واعترض أيضاً بأن الظهار لم يوجب تحريم العقد حتى يكون العود إمساكها، ومن تعليل الشافعية السابق يعلم ما فيه. وفي «التفريع» لابن الجلاب المالكي أنه روي عن الإمام مالك في المراد بالعود روايتان: إحداهما أنه العزم على إمساكها بعد الظهار منها، والرواية الأخرى أنه العزم على وطئها، ثم قال: ومن أصحابنا من قال: العود في إحدى الروايتين عن مالك هو الوطء نفسه، والصحيح عندي ما قدمته انتهى من مدونه. وابن حجر نسب القول: بأنه العزم على الوطء إلى الإمام مالك والإمام أحمد، والقول بأنه الوطء نفسه إلى الإمام أبـي حنيفة، وذكر أنهما قولان للإمام الشافعي في القديم، وما حكاه عن الإمام أبـي حنيفة لم يحكه عنه فيما نعلم أحد من أصحابه، وحكاه الزيلعي عن الإمام مالك، ولم يحك عنه غيره، وحكاه أبو حيان في «البحر» عن الحسن وقتادة وطاوس والزهري وجماعة، وأفاد أنه إحدى روايتين عن مالك وثانيتهما أنه العزم على الإمساك والوطء واعترض القول به ممن كان وكذا القول بأنه العزم على الوطء «بأن الآية لما نزلت، وَأَمَر صلى الله عليه وسلم المظاهر بالكفارة لم يسأله هل وطىء أو عزم على الوطء؟ والأصل عدم ذلك، والوقائع القولية كهذه يعممها الاحتمال، وأنها ناصة على وجوب الكفارة قبل الوطء فيكون العود سابقاً عليه»، فكيف يكون هو الوطء؟! وأجاب القائل بأنه العزم على الوطء عن ترك السؤال بأن ذلك لعلمه عليه الصلاة والسلام به من خولة، فقد أخرج الإمام أحمد وأبو داود وابن المنذر والطبراني وابن مردويه والبيهقي من طريق يوسف بن عبد الله بن سلام قال: حدثتني خولة بنت ثعلبة قالت: فيّ وفي أوس بن الصامت أنزل الله تعالى صدر سورة المجادلة كنت عنده وكان شيخاً كبيراً قد ساء خلقه فدخل علي يوماً فراجعته بشيء فغضب فقال: أنت علي كظهر أمي، ثم رجع فجلس في نادي قومه ساعة ثم دخل علي فإذا هو يريدني عن نفسي قلت: كلا والذي نفس خولة بيده لا تصل إليَّ وقد قلتَ ما قلت حتى يحكم الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم فينا، ثم جئت إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام فذكرت له ذلك فما برحت حتى نزل القرآن الخبر، فإن ظاهر قولها: فذكرت له ذلك أنها ذكرت كل ما وقع، / ومنه طلب أوس وطأها المكنى عنه بيريدني عن نفسي، وذكر ذلك له عليه الصلاة والسلام أهم لها من ذكرها إياه ليوسف بن عبد الله بن سلام. وأجيب من جهة القائل بأنه الوطء عن الأخير بأن المراد من الآية عند ذلك القائل من قبل أن يباح التماس شرعاً، والوطء أولاً حرام موجب للتكفير ـ وهو كما ترى ونقل عن الثوري ومجاهد أن معنى الآية والذين كانت عادتهم أن يقولوا هذا القول المنكر فقطعوه بالإسلام، ثم يعودون لمثله فكفارة من عاد أن يحرر رقبة ثم يماس المظاهر منها، فحملا العود والقول على حقيقتهما، وفي اعتبار العادة دلالة على أن العدول إلى المضارع في الآية للاستمرار فيما مضى وقتاً فوقتاً، وأخذ القطع من دلالة {ثُمَّ } على التراخي؛ وليصح على وجه لا يلزم تعليق وجوب الكفارة بتكرار لفظ الظهار كما سيأتي إن شاء الله تعالى حكايته. وتعقب ذلك بأن فيه أن الاستمرار ينافي القطع، ثم إنهم ما كانوا قطعوه بالإسلام لأن الشرع لم يكن ورد بعد بتحريمه، وظاهر النظم الجليل أنه مظاهرة بعد الإسلام لأنه مسوق لبيان حكمه فيه، وعليه ينطبق سبب النزول وهو يقتضي أن يكون مجرد الظهار من غير عود موجباً للكفارة، وهو خلاف ما عليه علماء الأمصار. وأجيب عن هذا الأخير بأنهما إن نقل عنهما ذلك اجتهاداً فلا يلزمهما موافقة غيرهما وهو المصرح به في كتاب «الاحكام» وغيره، وإن لم ينقل عنهما غير تفسير العود في الآية بما أشير إليه، فيجوز أن يشترطا لوجوب الكفارة شيئاً مما مر لكن لا يقولان: إنه المراد بالعود فيها. وقال أهل الظاهر: المعنى الذين يقولون هذا القول المنكر ثم يعودون له فيكررونه بأن يقول أحدهم: أنت علي كظهر أمي ثم يعود له ويقوله ثانياً فكفارته تحرير رقبة الخ فحملوا العود والقول على حقيقتهما أيضاً. وروي ذلك عن أبـي العالية وبكير بن عبد الله بن الأشج والفراء أيضاً، وحكاه أبو حيان رواية عن الإمام أبـي حنيفة، ولا نعلم أحداً من أصحابه رواه عنه، وتعقب بأنه لو أريد ذلك لقيل: يعودون له فإنه أخصر ولا يبقى لكلمة {ثُمَّ } حسن موقع، هذا ولا فقه فيه من حيث المعنى، والمنزل فيه ـ أعني قصة خولة ـ يدفعه إذ لم ينقل التكرار، ولا سأل عنه صلى الله عليه وسلم، وهذا الدفع قوي، وأما ما قيل: فقد أجيب عنه بأنه يحتمل أن يكون الفقه فيه أنه ليس صريحاً في التحريم فلعله يسبق لفظه به من غير قصد لمعناه، فإذا كرره تعين أنه قصده وأن العدول عن له إلى {لِمَا قَالُواْ } لقصد التأكيد بالإظهار، وأن العطف ـ بثم ـ لتراخي رتبة الثاني وبعده عن الأول لأنه الذي تحقق به الظهار، وقول الزيلعي في الاعتراض عليه: إن اللفظ لا يحتمله ـ لأنه لو أريد ذلك لقيل: يعيدون القول الأول بضم الياء وكسر العين من الإعادة لا من العود ـ جهل ناشىء من قلة العود لكلام الفصحاء والرجوع إلى محاوراتهم. وقال أبو مسلم الأصفهاني: معنى العود أن يحلف أولاً على ما قال من الظهار بأن يقول: والله أنت علي كظهر أمي وهو عود لما قال وتكرار له معنى لأن القسم لكونه مؤكداً للمقسم عليه يفيد ذلك فلا تلزم الكفارة في الظهار من غير قسم عنده، وهذا القول إلغاء للظهار معنى لأن الكفارة لحلفه على أمر كذب فيه، وأيضاً المنزل فيه يدفعه إذ لم ينقل الحلف ولا سأل عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم والأصل عدمه، وقيل: عوده تكراره الظهار معنى بأن يقول: أنت عليّ كظهر أمي إن فعلت كذا ثم يفعله فإنه يحنث وتلزمه الكفارة، وتعد مباشرته ذلك تكريراً للظهار وليس بشيء كما لا يخفى. وأما تعليق الظهار فقد ذكر الشافعية «أنه يصح لأنه لاقتضاء التحريم كالطلاق والكفارة كاليمين وكلاهما يصح تعليقه، فإذا قال: إن دخلت الدار فأنت عليّ كظهر أمي فدخلت ولو في حال جنونه أو نسيانه صح لكن لا عود عندهم في الصورة المفروضة حتى يمسكها عقب الإفاقة أو تذكره وعلمه بوجود الصفة قدر إمكان طلاقها ولم يطلقها»، وقد أطالوا في تفاريع التعليق الكَلامَ بما لا يسعه هذا المقام. وعندنا أيضاً يصح تعليقه وكذا تقييده بيوم أو شهر، ولا يبقى بعد مضي المدة، نعم لو ظاهر واستثنى يوم الجمعة مثلاً لم يجز ولو علق الظهار بشرط ثم أبانها ثم وجد الشرط في العدة لا يصير مظاهراً بخلاف الإبانة المعلقة كما بين في محله، وقال الأخفش: في الآية تقديم وتأخير وتقديرها ـ والذين يظاهرون من نسائهم فتحرير رقبة لما قالوا: ثم يعودون إلى نسائهم ـ ولا يذهب إليه إلا أخفش أو أعشى أو أعمش. وفي قوله تعالى: {مِن نّسَائِهِمْ } دليل لنا وكذا للشافعي وأحمد وجمع كثير من الصحابة والتابعين رضي الله تعالى عليهم أجمعين على أنه لو ظاهر من أمته الموطوأة أو غيرها لا يصح، وبيان ذلك أنه يتناول نساءنا والأمة، وإن صح إطلاق لفظ نسائنا عليها لغة لكن صحة الإطلاق لا تستلزم الحقيقة لأن حقيقة إضافة النساء إلى رجل أو رجال إنما تتحقق مع الزوجات دون الإماء لأنه المتبادر حتى يصح أن يقال: هؤلاء جواريه لا نساؤه، وحرمة بنت الأمة ليس لأن أمها من نسائنا مرادة بالنص بل لأنها موطوءة وطءاً حلالاً عند الجمهور، وبلا هذا القيد عندنا، على أنه لو أريد بالنساء هناك ما تصح به الإضافة حتى يشمل المعنى الحقيقي - وهن الزوجات - والمجازي ـ أعني الإماء بعموم المجاز ـ لأمكن للاتفاق على ثبوت ذلك الحكم في الإماء كثبوته في الزوجات أما هنا فلا اتفاق ولا لزوم عندنا أيضاً ليثبت بطريق الدلالة لأن الإماء لسن في معنى الزوجات لأن الحل فيهن تابع غير مقصود من العقد ولا من الملك حتى يثبتا مع عدمه في الأمة المجوسية والمراضعة بخلاف عقد النكاح لا يصح في موضع لا يحتمل الحل، واستدل أيضاً بأن القياس شأنه أن لا يوجب هذا التشبيه الذي في الظهار سوى التوبة، وورد الشرع بثبوت التحريم فيه في حق من لها حق الاستمتاع ولا حق للأمة فيه فيبقى في حقها على أصل القياس، وبأن الظهار كان طلاقاً فنقل عنه إلى تحريم مغيا بالكفارة ولا طلاق في الأمة، وهذا ليس بشيء للمتأمّل. ونقل عن مالك والثوري صحة الظهار في الأمة مطلقاً، وعن سعيد بن جبير وعكرمة وطاوس والزهري صحته في الموطوءة. ثم إن الشرط كونها زوجة في الابتداء فلو ظاهر من زوجته الأمة ثم ملكها بقي الظهار فلا يجوز له وطؤها حتى يكفر كما صرحوا به، والمراد بالزوجة المنكوحة التي يصح إضافة الطلاق إليها فلا فرق بين مدخول بها وغيرها فلا يصح الظهار من مبانة، ومنه ما سمعت آنفاً ولا من أجنبية إلا إذا أضافه إلى التزوج كأن قال لها: إن تزوجتك فأنت عليّ كظهر أمي ثم تزوجها فإنه يكون مظاهراً، نعم في «التاتارخانية»: لو قال: إذا تزوجتك فأنت طالق، ثم قال: إذا تزوجتك فأنت عليّ كظهر أمي فتزوجها يقع الطلاق، ولا يلزم الظهار في قول أبـي حنيفة، وقال صاحباه: لزماه جميعاً، وعن مالك أنه إذا ظاهر من أجنبية ثم نكحها لزم الظهار أضافه إلى التزوّج أم لا. وقال بعض العلماء لا يصح ظهار غير المدخول بها، وقال المزني: لا يصح ظهار المطلقة الرجعية. وظاهر {ٱلَّذِينَ يُظَـٰهِرُونَ } يشمل العبد فيصح ظهاره، وقد ذكر أصحابنا أنه يصح ظهار الزوج البالغ العاقل المسلم ويكفر العبد بالصوم، ولا ينصف لما فيه من معنى العبادة كصوم رمضان، ومثله المحجور عليه بالسفه على قولهما المفتى به. / وحكى الثعلبـي عن مالك أنه لا يصح ظهار العبد، ولا تدخل المرأة في هذا الحكم فلو ظاهرت من زوجها لم يلزم شيء كما نقل ذلك في «التاتارخانية» عن أبـي يوسف، وقال أبو حيان: قال الحسن بن زياد: تكون مظاهرة، وقال الأوزاعي وعطاء وإسحاق وأبو يوسف: إذا قالت المرأة لزوجها: أنت عليّ كظهر فلانة فهي يمين تكفرها، وقال الزهري: أرى أن تكفر كفارة الظهار ولا يحول قولها هذا بينها وبين زوجها أن يصيبها انتهى. والرقبة من الحيوان معروفة، وتطلق على المملوك، وذلك من تسمية الكل باسم الجزء كما في «المغرب»، وهو المراد هنا. وفي «الهداية» هي عبارة عن الذات المرقوق من كل وجه فيجزىء في الكفارة إعتاق الرقبة الكافرة والمؤمنة والذكر والأنثى والكبير والصغير ولو رضيعاً لأن الاسم ينطلق على كل ذلك، ومقتضى ذلك إجزاء إعتاق المرتد والمرتدة والمستأمن والحربـي، وفي «التاتارخانية» أن المرتد يجوز عند بعض المشايخ، وعند بعضهم لا يجوز، والمرتدة تجوز بلا خلاف أي لأنها لا تقتل، وفي «الفتح» إعتاق الحربـي في دار الحرب لا يجزيه في الكفارة، وإعتاق المستأمن يجزيه، وفي «التاتارخانية» لو أعتق عبداً حربياً في دار الحرب إن لم يخل سبيله لا يجوز وإن خلى سبيله ففيه اختلاف المشايخ، فبعضهم قالوا: لا يجوز. وشمل الرقبة الصحيح والمريض فيجزي كل منهما ـ واستثنى في «الخانية» مريضاً لا يرجى برؤه فإنه لا يجوز لأنه ميت حكماً، وفي جواز إعتاق حلال الدم كلام، فحكى في «البحر» أنه إذا أعتق عبداً حلال الدم قد قضى بدمه ثم عفي عنه فلو كان أبيض العينين فزال البياض أو كان مرتداً فأسلم لا يجوز. وفي «جامع الفقه» جاز المديون والمرهون ومباح الدم، ويجوز إعتاق الآبق إذا علم أنه حي، ولا بد أن تكون الرقبة غير المرأة المظاهر منها لما في «الظهيرية» و«التاتارخانية» أمة تحت رجل ظاهر منها ثم اشتراها وأعتقها كفارة ظهارها قيل: تجزي، وقيل: لا تجزي في قول أبـي حنيفة ومحمد خلافاً لأبـي يوسف، ويجوز الأصم استحساناً إذا كان بحيث إذا صيح عليه يسمع، وفي رواية «النوادر» لا يجوز ولا تجزي العمياء ولا المقطوعة اليدين أو الرجلين، وكذا مقطوع إبهام اليدين ومقطوع إحدى اليدين وإحدى الرجلين من جانب واحد والمجنون الذي لا يعقل، ولا يجوز إعتاق المدبر وأم الولد، وكذا المكاتب الذي أدى بعض المال وإن اشترى أباه أو ابنه ينوي بالشراء الكفارة جاز عنها، وإن أعتق نصف عبد مشترك وهو موسر فضمن قيمة باقيه لم يجز عند الإمام، وجاز عند صاحبيه، وإن أعتق نصف عبده عن كفارته ثم جامع ثم أعتق باقيه لم يجزه عنده لأن الإعتاق يتجزأ عنده، وشرط الإعتاق أن يكون قبل المسيس بالنص؛ وإعتاق النصف حصل بعده، وعندهما إعتاق النصف إعتاق الكل فحصل الكل قبل المسيس. واشترط الشافعي عليه الرحمة كون الرقبة مؤمنة ولو تبعاً لأصل أو دار أو ساب حملاً للمطلق في هذه الآية على المقيد في آية القتل بجامع عدم الإذن في السبب. وقال الحنفية: لا يحمل المطلق على المقيد إلا في حكم واحد في حادثة واحدة لأنه حينئذٍ يلزم ذلك لزوماً عقلياً إذ الشيء لا يكون نفسه مطلوباً إدخاله في الوجود مطلقاً ومقيداً كالصوم في كفارة اليمين، ورد مطلقاً ومقيداً بالتتابع في القراءة المشهورة التي تجوز القراءة بمثلها، والكلام في تحقيق هذا الأصل في الأصول. وقالوا على تقدر التنزل إلى أصل الشافعية من الحمل مطلقاً: إنه لا يلزم من التضييق في كفارة الأمر الأعظم / وهو القتل ثبوت مثله فيما هو أخف منه ليكون التقييد فيه بياناً في المطلق، وما ذكروه من «الجامع» لا يكفي، ووافقوا في كثير مما عدا ذلك، وخالفوا أيضاً في كثير فقالوا: «يشترط في الرقبة أن تكون بلا عيب يخل بالعمل والكسب فيجزىء صغير ولو عقب ولادته وأقرع وأعرج يمكنه من غير مشقة لا تحتمل عادة تتابع المشي وأعور لم يضعف نظر سليمته حتى أخل بالعمل إخلالاً بيناً وأصم وأخرس يفهم إشارة غيره ويفهم غيره إشارته مما يحتاج إليه وأخشم وفاقد أنفه وأذنيه وأصابع رجليه وأسنانه وعنين ومجبوب ورتقاء وقرناء وأبرص ومجذوم وضعيف بطش ومن لا يحسن صنعة وولد زنا وأحمق ـ وهو من يضع الشيء في غير محله مع علمه بقبحه ـ وآبق ومغصوب وغائب علمت حياته أو بانت، وإن جهلت حالة العتق لا زمن وجنين وإن انفصل لدون ستة أشهر من الإعتاق أو فاقد يد أو رجل أو أشل أحدهما أو فاقد خنصر وبنصر معاً من يد أو أنملتين من غيرهما أو أنملة إبهام ـ كما قال النووي عليه الرحمة ـ ولا هرم عاجز؛ ولا من هو في أكثر وقته مجنون ولا مريض لا يرجى عند العتق برء مرضه كسلال فإن برأ بعد إعتاقه بان الإجزاء في الأصح، ولا من قدم لقتل بخلاف من تحتم قتله في المحاربة قبل الرفع للإمام، ولا يجزي شراء أو تملك قريب أصل أو فرع بنية كفارة ولا عتق أم ولد ولا ذو كتابة صحيحة قبل تعجيزه، ويجزي مدبر ومعلق عتقه بصفة غير التدبير، وقالوا: لو أعتق معسر نصفين له من عبدين عن كفارة فالأصح الإجزاء إن كان باقيهما أو باقي أحدهما حرّاً إلى غير ذلك». وفي الإتيان بالفاء في قوله تعالى: {فَتَحْرِيرُ } الخ دلالة على ما قال بعض الأجلة: على تكرر وجوب التحرير بتكرر الظهار، فإذا كان له زوجتان مثلاً فظاهر من كل منهما على حدة لزمه كفارتان. وفي «التلويح» لو ظاهر من امرأته مرتين أو ثلاثاً في مجلس واحد أو مجالس متفرقة لزمه بكل ظهار كفارة، وفي إطلاقه بحث، فقد ذكر بعضهم أنه لو قصد التأكيد في المجلس الواحد لم تتعدد، وفي «شرح الوجيز» للغزالي ما محصله: لو قال لأربع زوجات: أنتن عليّ كظهر أمي فإن كان دفعة واحدة ففيه قولان، وإن كان بأربع كلمات فأربع كفارات، ولو كررها والمرأة واحدة فإما أن يأتي بها متوالية أو لا، فعلى الأول: إن قصد التأكيد فواحدة وإلا ففيه قولان: القديم - وبه قال أحمد ـ واحدة كما لو كرر اليمين على شيء واحد، والقول الجديد التعدد ـ وبه قال أبو حنيفة ومالك ـ وإذا لم تتوال أو قصد بكل واحدة ظهاراً أو أطلق ولم ينو التأكيد فكل مرة ظهار برأسه، وفيه قول: إنه لا يكون الثاني ظهاراً إن لم يكفر عن الأول، وإن قال: أردت إعادة الأول ففيه اختلاف بناءاً على أن الغالب في الظهار أن معنى الطلاق أو اليمين لما فيه من الشبهين انتهى. وظاهر بعض عبارات أصحابنا أنه لو قيد الظهار بعدد اعتبر ذلك العدد؛ ففي «التتارخانية» لو قال لأجنبية: إن تزوجتك فأنت عليّ كظهر أمي مائة مرة فعليه ـ أي إذا تزوجها ـ لكل كفارة. وتدل الآية على أن الكفارة المذكورة قبل المسيس فإن مس أثم ولا يعاود حتى يكفر، فقد روى أصحاب «السنن الأربعة» عن ابن عباس « حديث : أن رجلاً ـ وهو سلمة بن صخر الأنصاري كما في حديث أبـي داود والترمذي وغيرهما ـ ظاهر من امرأته فوقع عليها قبل أن يكفر فقال صلى الله عليه وسلم: ما حملك على ذلك؟! فقال: رأيت خلخالها في ضوء القمر ـ وفي لفظ بياض ساقها ـ قال عليه الصلاة والسلام: فاعتزلها حتى تكفر» ولفظ ابن ماجه «فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمره أن لا يقربها حتى يكفر » تفسير : قال الترمذي: حديث حسن صحيح غريب، ونفي كونه صحيحاً ردّه المنذري في «مختصره» بأنه صححه الترمذي ورجاله ثقات، مشهور سماع بعضهم من بعض. / وروى الترمذي وقال: حسن غريب عن ابن إسحاق بالسند إلى سلمة المذكور « حديث : عن النبـي صلى الله عليه وسلم أنه قال في المظاهر يواقع قبل أن يكفر: «كفارة واحدة تلزمه» » تفسير : ويردّ به على مجاهد في قوله: يلزمه كفارة أخرى، ونقل هذا عن عمرو بن العاص وقبيصة وسعيد بن جبير والزهري وقتادة، وعلى من قال تلزمه ثلاث كفارات، ونقل ذلك عن الحسن والنخعي، وبه وبما تقدم يردّ على ما قيل: من أنه تسقط الكفارة الواجبة عليه ولا يلزمه شيء ولا ترتفع حرمة المسيس إلا بها لا بملك ولا بزوج ثان حتى لو طلقها من بعد الظهار ثلاثاً فعادت إليه من بعد زوج آخر أو كانت أمة فملكها بعد ما ظاهر منها لا يحل قربانها حتى يكفر، وهو واجب على التراخي ـ على الصحيح ـ لكون الأمر الدالة عليه الآية مطلقاً حتى لا يأثم بالتأخير عن أول أوقات الإمكان، ويكون مؤدياً لا قاضياً، ويتعين في آخر عمره، ويأثم بموته قبل الأداء، ولا تؤخذ من تركته إن لم يوص ولو تبرع الورثة في الإعتاق، وكذا في الصوم لا يجوز ـ كذا في «البدائع» ـ فإن أوصى كان من الثلث، وفي «التاتارخانية» لو كان مريد التكفير مريضاً فأعتق عبده عن كفارته وهو لا يخرج من ثلث ماله فمات من ذلك المرض لا يجوز عن كفارته وإن أجازت الورثة، ولو أنه برىء من مرضه جاز، وللمرأة مطالبته بالوطء والتكفير؛ وعليها أن تمنعه من الاستمتاع بها حتى يكفر، وعلى القاضي أن يجبره على التكفير دفعاً للضرر عنها بحبس فإن أبـى ضربه؛ ولو قال: قد كفرت صدّق ما لم يكن معروفاً عند الناس بالكذب. هذا وبقيت مسائل أخر مذكورة في كتب الفقه. {ذٰلِكُمْ } الإشارة إلى الحكم بالكفارة، والخطاب للمؤمنين الموجودين عند النزول أو لهم ولغيرهم من الأمة {تُوعَظُونَ بِهِ } أي تزجرون به عن ارتكاب المنكر، فإن الغرامات مزاجر عن تعاطي الجنايات. والمراد بيان أن المقصود من شرع هذا الحكم ليس تعريضكم للثواب بمباشرتكم لتحرير الرقبة الذي هو علم في استتباع الثواب العظيم بل هو ردعكم وزجركم عن مباشرة ما يوجبه كذا في «الإرشاد»، وهو ظاهر في كون الكفارة عقوبة محضة، وقد تقدم القول بأنها دائرة بين العبادة والعقوبة، وكلام الزيلعي يدل على أن جهة العبادة فيها أغلب. وفي «شرح منهاج النووي» لابن حجر في كتاب كفارة الظهار «الكفارة من الكفر وهو الستر لسترها الذنب بمحوه أو تخفيف إثمه بناءاً على أن الكفارات زواجر كالتعازير أو جوابر للخلل، ورجح ابن عبد السلام الثاني لأنها عبادة لافتقارها للنية أي فهي كسجود السهو. والفرق بينها ـ على الثاني ـ وبين الدفن الكفارة للبصق على ما هو المقرر فيه أنه يقطع دوام الإثم أن الدفن مزيل لعين ما به المعصية فلم يبق بعده شيء يدوم إثمه بخلافها هنا فإنها ليست كذلك، وعلى الأول الممحو هو حق الله تعالى من حيث هو حقه، وأما بالنظر لنحو الفسق بموجبها فلا بد فيه من التوبة نظير نحو الحد» انتهى. ومتى قيل: بأن الإعتاق المذكور كفارة وأن الكفارة تستر الذنب بمحوه أو تخفيف إثمه لم يكن بدّ من استتباعه الثواب وكون ذلك لا يعدّ ثواباً لا يخلو عن نظر؛ ولعل المراد أن المقصود الأعظم من شرع هذا الحكم الردع والزجر عن مباشرة ما يوجبه دون التعريض للثواب، وإن تضمنه في الجملة فتأمل. {وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ } من الأعمال كالتفكير وما يوجبه من جناية الظهار {خَبِيرٌ } أي عالم بظواهرها وبواطنها ومجازيكم بها فحافظوا على حدود ما شرع لكم ولا تخلوا بشيء منها.
ابن عاشور
تفسير : عطف على جملة {أية : الذين يظاهرون منكم من نسائهم ما هن أمهاتهم}تفسير : [المجادلة: 2] أعيد المبتدأ فيها للاهتمام بالحكم والتصريح بأصحابه وكان مقتضى الكلام أن يقال: فإن يعودوا لما قالوا فتحرير رقبة، فيكون عطفاً على جملة الخبر من قوله: {أية : ما هن أمهاتهم}تفسير : [المجادلة: 2.] و{ثمّ} عاطفة جملةَ {يعودون} على جملة {يظاهرون}، وهي للتراخي الرتبي تعريضاً بالتخطئة لهم بأنهم عادوا إلى ما كانوا يفعلونه في الجاهلية بعدَ أن انقطع ذلك بالإِسلام. ولذلك علق بفعل {يعودون} ما يدل على قولهم لفظ الظهار. والعود: الرجوع إلى شيء تركه وفارقه صاحبه. وأصله: الرجوع إلى المكان الذي غادره، وهو هنا عوْد مجازي. ومعنى {يعودون لما قالوا} يحتمل أنهم يعودون لما نطقوا به من الظهار. وهذا يقتضي أن المظاهِر لا يَكون مظاهراً إلا إذا صدر منه لفظ الظهار مرة ثانية بعد أُولى. وبهذا فسر الفراء. وروي عن علي بن طلحة عن ابن عباس: بحيث يكون ما يصدر منه مرة أولى معفواً عنه. غير أن الحديث الصحيح في قضية المجادِلة يدفع هذا الظاهر لأن حديث : النبي صلى الله عليه وسلم قال لأوس بن الصامت: «أعتق رقبة»تفسير : كما سيأتي من حديث أبي داود فتعين أن التكفير واجب على المظاهر من أول مرة ينطلق فيها بلفظ الظهار. ويحتمل أن يراد أنهم يريدون العود إلى أزواجهم، أي لا يحبون الفراق ويرومون العود إلى المعاشرة. وهذا تأويل اتفق عليه الفقهاء عدا داود الظاهري وبُكير بن الأشج وأبا العالية. وفي «الموطأ» قال مالك في قول الله عز وجل: {والذين يظاهرون من نسائهم ثم يعودون لما قالوا} قال سمعت: أن تفسير ذلك أن يُظاهر الرجل من امرأته ثم يُجمع على إصابتها وإمساكها فإن أجمع على ذلك فقد وجبت عليه الكفارة وإن طلقها ولم يجمع بعد تظاهره منها على إمساكها فلا كفارة عليه. وأقوال أبي حنيفة والشافعي والليثِ تحوم حول هذا المعنى على اختلاف في التعبير لا نطيل به. وعليه فقد استعمل فعل {يعودون} في إرادة العودة كما استعمل فعل مستعمل في معنى إرادة العود والعزم عليه لا على العود بالفعل لأنه لو كان عوداً بالفعل لم يكن لاشتراط التفكير قبل المسِيس معنى، فانتظم من هذا معنى: ثم يريدون العود إلى ما حرموه على أنفسهم فعليهم كفارة قبل أن يعودوا إليه على نحو قوله تعالى: {أية : إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم}تفسير : [المائدة: 6] أي إذا أردتم القيام، وقوله: {أية : فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم}تفسير : [النحل: 98]، وقول النبي صلى الله عليه وسلم «حديث : إذا سَألت فاسأل الله وإذا استعَنْت فاستعنْ بالله»تفسير : . وتلك هي قضية سبب النزول لأن المرأة ما جاءت مجادلة إلا لأنها علمت أن زوجها المظاهر منها لم يرد فراقها كما يدل عليه الحديث المروي في ذلك في كتاب أبي داودحديث : عن خويلة بنت مالك بن ثعلبة قالت: ظاهر منّي زوجي أوس بن الصامت فجئت رسول الله صلى الله عليه وسلم أشكو إليه ورسول الله يجادلني ويقول: اتقي الله. فإنه ابن عمك؟ فما برحتُ حتّى نزل القرآن. فقال: «يعتق رقبة». قالت: لا يجد. قال: «فيصوم شهرين متتابعين». قالت: إنه شيخ كبير ما بِه من صيام. قال: «فليطعم ستين مسكيناً». قالت: ما عنده شيء يتصدق به. فأُتي ساعتئذٍ بعَرَق من تمر قلت: يا رسول الله فإني أعينه بعرَق آخر. قال: «قد أحسنتِ اذهبي فأَطعمي بهما عنه ستّين مسكيناً وارجعي إلى ابنِ عمّك»تفسير : . قال أبو داود في هذا: إنها كفرت عنه من غير أن تستأمره. والمراد «بما قالوا» ما قالوا بلفظ الظهار وهو ما حَرموه على أنفسهم من الاستمتاع المفاد من لفظ: أنتِ عليّ كظهر أمي، لأن: أنت عليّ. في معنى: قربانك ونحوه عليّ كمِثله من ظهر أمي. ومنه قوله تعالى: {أية : ونرثه ما يقول}تفسير : [مريم: 80]، أي مالاً وولداً في قوله تعالى: {أية : وقال لأوتين مالاً وولداً}تفسير : [مريم: 77]، وقوله: {أية : قل قد جاءكم رسل من قبلي بالبينات وبالذي قلتم}تفسير : [آل عمران: 183] أي قولكم حتى يأتينا بقربان تأكله النار. ففعل القول في هذا وأمثاله ناصبُ لمفرد لوقوعه في خلال جملة مقولة، وإيثار التعبير عن المعنى الذي وقع التحْريم له. فلفظ الظهار بالموصول وصلته هذه إيجاز وتنزيه للكلام عن التصريح به. فالمعنى: ثم يرومون أن يرجعوا للاستمتاع بأزواجهم بعد أن حرموه على أنفسهم. وفهم من قوله: {ثم يعودون لما قالوا} أن من لم يُرِد العود إلى امرأته لا يخلو حالهُ: فإما أن يريد طلاقها فله أن يوقع علَيها طلاقاً آخر لأن الله أبطل أن يكون الظهار طلاقاً، وإما أن لا يريد طلاقاً ولا عوداً. فهذا قد صار ممتنعاً من معاشرة زوجه مضِرًّا بها فله حكم الإِيلاء الذي في قوله تعالى: {أية : للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر}تفسير : [البقرة: 226] الآية. وقد كانوا يجعلون الظهار إيلاء كما في قصة سلمة بن صخر البياضي. ثم الزرقي في كتاب أبي داود قال: «كنت امرأ أُصِيب من النساء ما لا يصيب غيري فلما دخل شهر رمضان خفت أن أصيب من امرأتي شيئاً يُتايع بي (بتحتية في أوله مضمومة ثم مثناة فوقية ثم ألف ثم تحتية، والظاهر أنها مكسورة. والتتايع الوقوع في الشر فالباء في قوله: (بي) زائدة للتأكيد) حتى أُصبح، فظاهرتُ منها حتى ينسلخ شهر رمضان». الحديث. واللام في قوله: {لما قالوا} بمعنى (إلى) كقوله تعالى: {أية : بأن ربك أوحى لها}تفسير : [الزلزلة: 5] ونظيره قوله: {أية : ولو رُدّوا لعادوا لما نُهوا عنه}تفسير : [الأنعام: 28]. وأحسب أن أصل اللام هو التعليل، وهو أنها في مثل هذه المواضع إن كان الفعل الذي تعلقت به ليس فيه معنى المجيء حملت اللام فيه على معنى التعليل وهو الأصل نحو: {أية : بأن ربك أوحى لها}تفسير : [الزلزلة: 5]، وما يقع فيه حرف (إلى) من ذلك مجاز بتنزيل من يُفعل الفعل لأجله منزلةَ من يجيء الجائي إليه، وإن كان الفعل الذي تعلقت به اللام فيه معنى المجيء مثل فعل العَوْد فإن تعلق اللام به يشير إلى إرادة معنى في ذلك الفعل بتمجّز أو تضمينٍ يناسبه حرف التعليل نحو قوله تعالى: {أية : كل يجري لأجل مسمى}تفسير : [الرعد: 2]، أي جَرْيُه المستمر لقصده أجلاً يبلغه. ومنه قوله تعالى: {أية : ولو رُدُّوا لعادُوا لما نُهوا عنه}تفسير : [الأنعام: 28] أي عاودوا فعله ومنه ما في هذه الآية. وفي «الكشاف» في قوله تعالى: {أية : كل يجري لأجل مسمى}تفسير : في سورة [الزمر: 5] أنه ليس مثل قوله تعالى:{أية : كل يجري إلى أجل مسمى }تفسير : في سورة [لقمان: 29] أي أنه ليس من تعاقب الحرفين ولا يَسلك هذه الطريقة إلا ضيّق العطن، ولكن المعنيين أعني الاستعلاء والتخصيص كلاهما ملائم لصحة الغرض لأن قوله: إلى أجل} معناه يبلغه، وقوله: {لأجل} يريد لإِدراك أجل تجعل الجري مختصاً بالإِدراك ا هـ. فيكون التقدير على هذا الوجه ثم يريدون العود لأجل ما قالوا، أي لأجل رغبتهم في أزواجهم، فيصير متعلَّق فعل {يعودون} مقدّراً يدل عليه الكلام، أي يعودون لما تركوه من العصمة، ويصير الفعل في معنى: يندَمون على الفراق. وتحصل من هذا أن كفارة الظهار شرعت إذا قصد المظاهر الاستمرار على معاشرة زوجه، تحلةً لما قصده من التحريم، وتأديباً له على هذا القصد الفاسد والقول الشنيع. وبهذا يكون محمل قوله: {من قبل أن يتماسا} على أنه من قبل أن يمسّ زوجه مسّ استمتاع قبل أن يكفر وهو كناية عن الجماع في اصطلاح القرآن، كما قال: {أية : وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن}تفسير : [البقرة: 237]. ولذلك جعلت الكفارة عِتق رقبة لأنه يَفتدي بتلك الرقبة رقبةَ زوجه. وقد جعلها الله تعالى موعظة بقوله: {ذلكم توعظون به}. واسم الإِشارة في قوله: {ذلكم} عائد إلى تحرير رقبة. والوعظ: التذكير بالخير والتحذير من الشر بترغيب أو ترهيب، أي فرضُ الكفارة تنبيه لكم لتتفَادَوْا مسيس المرأة التي طلقت أو تستمروا على مفارقتها مع الرغبة في العود إلى معاشرتها لئلا تعودوا إلى الظهار. ولم يسم الله ذلك كفارة هنا وسمّاها النبي صلى الله عليه وسلم كفارة كما في حديث سلمة بن صخر البياضي في «جامع الترمذي» وإنما الكفارة من نوع العقوبة في أحد قولين عن مالك وهو قول الشافعي حكاه عنه ابن العربي في «الأحكام». فالمظاهر ممنوع من الاستمتاع بزوجته المظاهَر منها، أي ممنوع من علائق الزوجية، وذلك يقتضي تعطيل العصمة ما لم يكفر لأنه ألزم نفسه ذلك فإن استمتع بها قبل الكفارة كلها فليتُب إلى الله وليستغفر وتتعين عليه الكفارة ولا تتعدد الكفارة بسبب الاستمتاع قبل التكفير لأنه سبب واحد فلا يضرّ تكرر مسببه، وإنما جعلت الكفارة زجراً ولذلك لم يكن وطء المظاهر امرأته قبل الكفارة زناً. وقد روى أبو داود والترمذي حديث سلمة بن صخر البياضي أنه ظاهر من امرأته ثم وقع عليها قبل أن يكفر فأمره النبي صلى الله عليه وسلم بكفارة واحدة، وهو قول جمهور العلماء. وعن مجاهد وعبد الرحمٰن بن مهدي أن عليه كفارتين. وتفاصيل أحكام الظهار في صيغته وغير ذلك مفصلة في كتب الفقه. وقوله: {والله بما تعملون خبير} تذييل لجملة {ذلكم توعظون به}، أي والله عليم بجميع ما تعملونه من هذا التكفير وغيره.
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 3- والذين يظاهرون من نسائهم ثم يرجعون لقولهم فيظهر لهم خطؤهم، ويودون بقاء الزوجية، فعليهم عتق رقبة قبل أن يتماسا. ذلكم الذى أوجبه الله - من عتق الرقبة - عظة لكم توعظون به كيلا تعودوا والله بما تعملون خبير. 4- فمَن لم يجد رقبة فعليه صيام شهرين متتابعين من قبل أن يتماسا، فمَن لم يستطع ذلك الصوم فعليه إطعام ستين مسْكيناً. شرع الله ذلك لتؤمنوا بالله ورسوله، وتعملوا بمقتضى هذا الإيمان، وتلك حدود الله فلا تتجاوزوها، وللكافرين عذاب شديد الألم. 5- إن الذين يعاندون الله ورسوله خُذلوا كما خُذل الذين من قبلهم، وقد أنزلنا دلائل واضحات على الحق، وللجاحدين بها عذاب شديد الإهانة. 6- يوم يحييهم الله جميعاً بعد موتهم فيخبرهم بما عملوا، أحصاه الله عليهم ونسوه، والله على كل شئ شاهد مطلع. 7- ألم تعلم أن الله يعلم ما فى السموات وما فى الأرض ما يكون من مُسارّة بين ثلاثة إلا هو رابعهم بعلمه بما يتسارون به، ولا خمسة إلا هو سادسهم، ولا أقل من ذلك ولا أكثر إلا وهو معهم. يعلم ما يتناجون به - أينما كانوا - ثم يُخبرهم يوم القيامة بكل ما عملوا. إن الله بكل شئ تام العلم.
د. أسعد حومد
تفسير : {يُظَاهِرُونَ} {نِّسَآئِهِمْ} (3) - والذِينَ يَقُولُونَ هَذَا القَوْلَ المُنْكَرَ ثُمَّ يَرْجِعُونَ عَمَّا قَالُوا، وَيُرِيدُونَ مُوَاقَعَةَ نِسَائِهِمْ، فَعَلَيْهِمْ إِعْتَاقُ رَقَبَةٍ قَبْلَ التَّمَاسِّ، إِنْ كَانَ ذَلِكَ الإِعْتَاقُ فِي طَوْقِهِمْ وَقُدْرَتِهِمْ. وَقَدْ شَرَعَ اللهُ تَعَالَى هَذِهِ الكَفَّارَةَ لِيَكُونَ ذَلِكَ عِظَةً لِلْمُتَسَرِّعِينَ، وَرَادِعاً لَهُمْ عَنْ أَنْ يَقَعُوا فِيهِ، وَاللهُ خَبِيرٌ بِأْعْمَالِ العِبَادِ، لاَ تَخْفَى عَلَيْهِ مِنْهُمْ خَافِيَةٌ. يَتَمَاسَّا - يَسْتَمْتِعَا بِالوِقَاعِ أَوْ دَوَاعِيهِ.
زيد بن علي
تفسير : أخبرنا أبو جعفر. قال: حدّثنا علي بن أحمد. قال: حدّثنا عطاء بن السائب عن أبي خالد عن زيد بن علي عليهما السّلامُ في قولهِ تعالى: {وَٱلَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِن نِّسَآئِهِمْ} وهو أن يَقولَ لامراتهِ أنتِ عليّ كَظهرِ أُمي. فإذا قالَ ذلك فليسَ لهُ أن يَقرُبَها حتّى يَعتقَ رَقبةً. فإنْ لمْ يَجدْ فَصِيام شَهرينِ مُتتابعينِ فإن لَمْ يَقدرْ على ذلكَ أطعمَ ستينَ مِسكيناً. فإذا فعلَ ذلكَ، فلهُ أن يَقرُبَها.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):