Verse. 5108 (AR)

٥٨ - ٱلْمُجَادِلَة

58 - Al-Mujadila (AR)

فَمَنْ لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَہْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ اَنْ يَّتَمَـاۗسَّا۝۰ۚ فَمَنْ لَّمْ يَسْتَطِعْ فَاِطْعَامُ سِـتِّيْنَ مِسْكِيْنًا۝۰ۭ ذٰلِكَ لِتُؤْمِنُوْا بِاللہِ وَرَسُوْلِہٖ۝۰ۭ وَتِلْكَ حُدُوْدُ اؘ۝۰ۭ وَلِلْكٰفِرِيْنَ عَذَابٌ اَلِيْمٌ۝۴
Faman lam yajid fasiyamu shahrayni mutatabiAAayni min qabli an yatamassa faman lam yastatiAA faitAAamu sitteena miskeenan thalika lituminoo biAllahi warasoolihi watilka hudoodu Allahi walilkafireena AAathabun aleemun

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«فمن لم يجد» رقبة «فصيام شهرين متتابعين من قبل أن يتماسا فمن لم يستطع» أي الصيام «فإطعام ستين مسكينا» عليه: أي من قبل أن يتماسا حملا للمطلق عل المقيد لكل مسكين مد من غالب قوت البلد «ذلك» أي التخفيف في الكفارة «لتؤمنوا بالله ورسوله وتلك» أي الأحكام المذكورة «حدود الله وللكافرين» بها «عذاب أليم» مؤلم.

4

Tafseer

الرازي

تفسير : ثم ذكر تعالى حكم العاجز عن الرقبة فقال: {فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا فَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتّينَ مِسْكِيناً } فدلت الآية على أن التتابع شرط، وذكر في تحرير الرقبة والصوم أنه لا بد وأن يوجدا من قبل أن يتماسا، ثم ذكر تعالى أن من لم يستطع ذلك فإطعام ستين مسكيناً، ولم يذكر أنه لا بد من وقوعه قبل المماسة، إلا أنه كالأولين بدلالة الإجماع، والمسائل الفقهية المفرعة على هذه الآية كثيرة مذكورة في كتاب الفقه. ثم قال تعالى: {ذَلِكَ لِتُؤْمِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ وَلِلْكَـٰفِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ } وفي قوله: {ذٰلِكَ } وجهان الأول: قال الزجاج: إنه في محل الرفع، والمعنى الفرض ذلك الذي وضعناه، الثاني: فعلنا ذلك البيان والتعليم للأحكام لتصدقوا بالله ورسوله في العمل بشرائعه، ولا تستمروا على أحكام الجاهلية من جعل الظهار أقوى أنواع الطلاق، وفي الآية مسائل. المسألة الأولى: استدلت المعتزلة باللام في قوله: {لّتُؤْمِنُواْ } على أن فعل الله معلل بالغرض وعلى أن غرضه أن تؤمنوا بالله، ولا تستمروا على ما كانوا عليه في الجاهلية من الكفر، وهذا يدل على أنه تعالى أراد منهم الإيمان وعدم الكفر. المسألة الثانية: استدل من أدخل العمل في مسمى الإيمان بهذه الآية، فقال: أمرهم بهذه الأعمال، وبين أنه أمرهم بها ليصيروا بعملها مؤمنين، فدلت الآية على أن العمل من الإيمان ومن أنكر ذلك قال: إنه تعالى لم يقل: (ذلك لتؤمنوا بالله بعمل هذه الأشياء)، ونحن نقول المعنى ذلك لتؤمنوا بالله بالإقرار بهذه الأحكام، ثم إنه تعالى أكد في بيان أنه لا بد لهم من الطاعة {وَتِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ وَلِلْكَـٰفِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ } أي لمن جحد هذا وكذب به.

المحلي و السيوطي

تفسير : {فَمَن لَّمْ يَجِدْ } رقبة {فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا فَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ } أي الصيام {فَإِطْعَامُ سِتّينَ مِسْكِيناً } عليه: أي من قبل أن يتماسا حملاً للمطلق على المقيد لكل مسكين مدٌّ من غالب قوت البلد {ذٰلِكَ } أي التخفيف في الكفارة {لِتُؤْمِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتِلْكَ } أي الأحكام المذكورة {حُدُودُ ٱللَّهِ وَلِلْكَٰفِرِينَ } بها {عَذَابٌ أَلِيمٌ } مؤلم.

الخازن

تفسير : {فمن لم يجد} أي الرقبة {فصيام شهرين} أي فكفارته وقيل فعليه صيام شهرين {متتابعين من قبل أن يتماسّا فمن لم يستطع} أي الصيام (فـ) ــكفارته {إطعام ستين مسكيناً ذلك} أي الفرض الذي وصفناه، {لتؤمنوا بالله ورسوله} أي لتصدقوا الله فيما أمر به وتصدقوا الرسول صلى الله عليه وسلم فيما أخبر به عن الله تعالى: {وتلك حدود الله} يعني ما وصف من الكفارة في الظهار {وللكافرين} أي لمن جحد هذا وكذب به {عذاب أليم} أي في نار جهنم يوم القيامة. (فصل: في أحكام الكفارة، وما يتعلق بالظهار) وفيه مسائل: المسألة الأولى: اختلفوا فيما يحرمه الظهار فللشافعي قولان: أحدهما أنه يحرم الجماع فقط. والقول الثاني وهو الأظهر أنه يحرم جميع جهات الاستمتاع وهو قول أبي حنيفة. المسألة الثانية: اختلفوا فيمن ظاهر مراراً فقال الشافعي وأبو حنيفة لكل ظهار كفارة إلا أن يكون في مجلس واحد وأراد التكرار للتأكيد فإن عليه كفارة واحدة وقال مالك من ظاهر من امرأته في مجالس متفرقة فليس عليه إلا كفارة واحدة. المسألة الثالثة: الآية تدل على إيجاب الكفارة قبل المماسّة سواء أراد التكفير بالإعتاق أو بالصيام أو بالإطعام وعند مالك إن أراد التكفير بالإطعام يجوز له الوطء قبله لأن الله تعالى قيد العتق والصوم بما قبل المسيس ولم يقل في الإطعام {من قبل أن يتماسا} فدل على ذلك. وعند الآخرين الإطلاق في الطعام محمول على المقيد في العتق والصيام فإن جامع قبل أن يكفر لم يجب عليه إلا كفارة واحدة وهو قول أكثر أهل العلم كمالك وأبي حنيفة والشافعي وأحمد وسفيان وقال بعضهم وإن واقعها قبل أن يكفر فعليه كفارتان وهو قول عبد الرحمن بن مهدي. المسألة الرابعة: كفارة الظهار مرتبة فيجب عليه عتق رقبة مؤمنة وقال أبو حنيفة هذه الرقبة تجزي سواء كانت مؤمنة أو كافرة لقوله تعالى: {أية : فتحرير رقبة} تفسير : [المجادلاة: 3] فهذا اللفظ يفيد العموم في جميع الرقاب. دليلنا أنا أجمعنا على أن الرقبة في كفارة القتل مقيدة بالايمان فكذا هنا وحمل المطلق على المقيد أولى. المسألة الخامسة: الصوم فمن لم يجد الرقبة فعليه صيام شهرين متتابعين فإن أفطر يوماً متعمداً أو نسي النية يجب عليه استئناف الشهرين ولو شرع في الصوم ثم جامع في خلال الشهرين بالليل عصى الله تعالى بتقديم الجماع على الكفارة لكن لا يجب عليه استئناف الشهرين وعند أبي حنيفة يجب عليه استئناف الشهرين. المسألة السادسة: إن عجز عن الصوم لمرض أو كبر أو فرط شهوة بحيث لا يصبر عن الجماع يجب عليه إطعام ستين مسكيناً كل مسكين مد من الطعام الذي يقتات به أهل البلد من حنطة أو شعير أو أرز أو ذرة أو تمر أو نحو ذلك وقال أبو حنيفة يعطي لكل مسكين نصف صاع من بر أو دقيق أو سويق أو صاعاً من تمر أو صاعاً من شعير ولو أطعم مسكيناً واحداً ستين جزءاً لا يجزيه عند الشافعي وقال أبو حنيفة يجزيه. حجة الشافعي ظاهر الآية وهو أن الله تعالى أوجب إطعام ستين مسكيناً فوجب رعاية ظاهر الآية وحجة أبي حنيفة أن المقصود دفع الحاجة وهو حاصل. وأجيب عنه بأن إدخال السرور على قلب ستين مسكيناً أولى من إدخال السرور على قلب مسكين واحد. المسألة السابعة: إذا كانت له رقبة إلا أنه محتاج إلى الخدمة أو له ثمن الرقبة لكنه محتاج إليه لنفقته ونفقة عياله فله أن ينتقل إلى الصوم وقال مالك والأوزاعي يلزمه الإعتاق إذا كان واجداً للرقبة أو ثمنها وإن كان محتاجاً إليه وقال أبو حنيفة إن كان واجداً لعين الرقبة يجب عليه إعتاقها وإن كان محتاجاً إليه، وإن كان واجداً لثمن الرقبة لكنه محتاج إليه فله أن يصوم. المسألة الثامنة: قال أصحاب الشافعي الشبق المفرط والغلمة الهائجة عذر في الانتقال من الصيام إلى الإطعام والدليل عليه ما روي "حديث : عن سلمة بن صخر البياضي قال "كنت امرأ أصيب من النساء ما لا يصيب غيري فلما دخل شهر رمضان خفت أن أصيب من امرأتي شيئاً تتايع بي حتى أصبحت فظاهرت منها حتى ينسلخ شهر رمضان فبينما هي تخدمني ذات ليلة إذ انكشف لي منها شيء فما لبثت أن نزوت عليها فلما أصبحت خرجت إلى قومي فأخبرتهم الخبر قال فقلت امشوا معي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا لا والله فانطلقت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته فقال أنت بذاك يا سلمة قلت أنا بذاك يا رسول الله مرتين وأنا صابر لأمر الله فاحكم بما أمرك الله به. قال حرر رقبة قلت والذي بعثك بالحق نبياً ما أملك رقبة غيرها وضربت صفحة رقبتي قال فصم شهرين متتابعين قال وهل أصبت الذي أصبت إلا من الصيام قال فأطعم وسقاً من تمر ستين مسكيناً قلت والذي بعثك بالحق نبياً لقد بتنا وحشين لا نملك لنا طعاماً قال فانطلق إلى صاحب صدقة بني زريق فليدفعها إليك فأطعم ستين مسكيناً وسقاً من تمر وكُل أنت وعيالك بقيتها فرجعت إلى قومي فقلت وجدت عندكم الضيق وسوء الرأي ووجدت عند النبي صلى الله عليه وسلم السعة وحسن الرأي وقد أمر لي بصدقتكم وبنو بياضة بطن من بني زريق"" تفسير : أخرجه أبو داود. قوله نزوت عليها أي وثبت عليها وأراد به الجماع وقوله تتايع به التتايع الوقوع في الشر واللجاج فيه والوسق ستون صاعاً، وقوله وحشين يقال رجل وحش إذا لم يكن له طعام وأوحش الرجل إذا جاع. "حديث : وعن خولة بنت مالك بن ثعلبة قالت "ظاهر مني زوجي أوس بن الصامت فجئت رسول الله صلى الله عليه وسلم أشكو إليه ورسول الله صلى الله عليه وسلم يجادلني فيه ويقول اتقي الله فإنه ابن عمك فما برحت حتى نزل القرآن قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها إلى الفرض قال يعتق رقبة قلت لا يجد قال فليصم شهرين متتابعين قلت يا رسول الله إنه شيخ كبير ما به من صيام قال فليطعم ستين مسكيناً قلت ما عنده شيء يتصدق به قال فإني سأعينه بعرق من تمر قلت يا رسول الله وأنا أعينه بعرق آخر قال قد أحسنت اذهبي فأطعمي بهما عنه ستين مسكيناً ارجعي إلى ابن عمك"" تفسير : أخرجه أبو داود وفي رواية "قلت إن أوساً ظاهر مني وذكرت أن به لمماً وقالت والذي بعثك بالحق ما جئتك إلا رحمة له إن له في منافع وذكرت نحوه" العرق بفتح العين والراء المهملتين زنبيل يسع ثلاثين صاعاً وقيل خمسة عشر صاعاً وقولها إن به لمماً اللمم طرف من الجنون وقال الخطابي لبس المراد من اللمم هنا الجنون والخبل إن لو كان به ذلك ثم ظاهر في تلك الحال لم يلزمه شيء بل معنى اللمم هاهنا الإلمام بالنساء وشدة الحرص والشبق والله أعلم.

ابو السعود

تفسير : {فَمَن لَّمْ يَجِدْ} أيْ الرقبةَ {فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ} أيْ فعليهِ صيامُ شهرينِ {مُتَتَابِعَيْنِ مِن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا} ليلاً أوْ نهاراً عمداً أَوْ خطأً {فَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ} أيْ الصيامَ لسببٍ منَ الأسبابِ {فَإِطْعَامُ سِتّينَ مِسْكِيناً} لكُلِّ مسكينٍ نصفُ صاعٍ منْ بُرَ أَوْ صاعٌ منْ غيرِهِ ويجبُ تقديمُهُ عَلَى المسيسِ لكن لا يستأنفُ إنْ مسَّ في خلالِ الإطعامِ {ذٰلِكَ} إِشارةٌ إِلى مَامرَّ من الباينِ والتعليمِ للأحكامِ والتنبـيُهُ عليهَا وَمَا فيهِ منْ معنى البُعدِ قَد مَرَّ سرُّهُ مِراراً ومحلُّه إمَّا الرفعُ عَلَى الابتداءِ أو النصبُ بمضمرٍ معللٌ بَما بعدَهُ أيْ ذلكَ واقعٌ أو فعلُنَا ذلكَ {لّتُؤْمِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ} وتعملُوا بشرائعِهِ التي شرعَهَا لكُم وترفضُوا ما كنتُم عليه في جاهليتِكُم {وَتِلْكَ} إشارةٌ إِلى الأحكامُ المذكورةِ وما فيه من مَعْنى البُعدِ لتعظيمِها كما مَرَّ غيرَ مرةٍ {حُدُودَ ٱللَّهِ} التِي لا يجوزُ تعدِّيهَا {وَلِلْكَـٰفِرِينَ} أي الذينَ لا يعملونَ بَها {عَذَابٌ أَلِيمٌ} عبرَ عنْهُ بذلكَ للتغليظِ عَلَى طريقةِ قولِهِ تَعَالَى: { أية : وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ ٱلله غَنِىٌّ عَنِ ٱلْعَـٰلَمِينَ} تفسير : [سورة آل عمران، الآية 97]. {إِنَّ ٱلَّذِينَ يُحَادُّونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ} أيْ يعادونَهُمَا ويشاقونهُمَا فإنَّ كلاًّ منَ المتعاديـينِ كَما أنَّه يكونُ في عُدوةٍ وشقٍ غيرِ عُدوةِ الآخرِ وشقِّهِ كذلكَ يكونُ في حدَ غيرِ حَدِّ الآخرِ غيرَ أنَّ لورودِ المحادّةِ في أثناءِ ذكرِ حدودِ الله دونَ المعاداةِ والمشاقةِ من حسنِ الموقعِ ما لا غايةَ وراءَهُ {كُبِتُواْ} أيْ أخزُوا وَقيلَ خُذِلُوا وقيلَ أذلُّوا وقيل أهلكُوا وقيلَ لُعنُوا وقيلَ غِيظُوا وهُوَ ما وقعَ يومَ الخندقِ قالُوا معَنْى كُبتوا سيكبتونَ عَلَى طريقةِ قولِه تَعَالَى: { أية : أَتَىٰ أَمْرُ ٱللَّهِ} تفسير : [سورة النحل، الآية 1] وقيلَ: أصلُ الكبتِ الكبُّ {كَمَا كُبِتَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ} منْ كُفَّارِ الأممِ الماضيةِ المعادينَ للرسلِ عليهمْ الصلاةُ والسلامُ {وَقَدْ أَنزَلْنَا ءايَـٰتٍ بَيّنَـٰتٍ} حالٌ منْ واوِ كُبتوا أيْ كُبتوا لمحادّتِهم والحالُ أنا قدْ أنزلنا آياتٍ واضحاتٍ فيمنَ حادَّ الله ورسولَهُ ممنْ قبلَهُم من الأَممِ وفيمَا فعلْنَا بهمْ وقيلَ: آياتٌ تدلُّ عَلى صدقِ الرسولِ وصحةِ ما جَاء بهِ {وَلِلْكَـٰفِرِينَ} أيْ بتلكَ الآياتِ أو بكلِّ ما يجبُ الإيمانُ بهِ فيدخلُ فيهِ تلكَ الآياتُ دُخولاً أولياً {عَذَابٌ مُّهِينٌ} يذهبُ بعزِّهم وَكِبْرِهم.

اسماعيل حقي

تفسير : {فمن لم يجد} اى فالمظاهر الذى لم يجد الرقبة وعجز عنها بأن كان فقيرا وقت التكفير وهو من حين العزم الى أن تقرب الشمس من الغروب من اليوم الاخير مما صام فيه من الشهرين فلا يتحقق العجز الحقيقى الا به والاعتبار بالمسكن والثياب التى لابد منها فان المعتبر فى ذلك هو الفضل والذى غاب ماله فهو واجد {فصيام شهرين} اى فعليه صيام شهرين {متتابعين} ليس فيهما رمضان ولا الايام الخمسة المحرم وصومها اى يوما العيد وايام التشريق فيصلهما بحيث لايفصل يوما عن يوم ولاشهرا عن شهر بالافطار فان افطر فيهما يوما أو اكثر بعذر او بغير عذر استأنف ولم يحسب ماصام الا بالحيض كما سيجيىء {من قبل أن يتماسا} ليلا او نهارا عمدا او خطأ ولو جامع زوجة اخرى ناسيا لا يستأنف ولو أفطرت المرأة للحيض فى كفار القتل او الفطر فى رمضان لا تستأنف لكنها تصل صومها بأيام حيضها ثم انه ان صام بالاهلة أجزأه وان صام ثمانية وخمسين بأن كان كل من الشهرين ناقصا وان صامها بغيرها فلا بد من ستين يوما حتى لو أفطر صبيحة تسعة وخمسين وجب عليه الاستئناف {فمن لم يستطع} اى الصيام بسبب من الاسباب كالهرم والمرض المزمن اى الممتد الغير المرجو برؤه فانه بمنزلة العاجز من كبر السن وان كان يرجى برؤه واشتدت حاجته الى وطىء امرأته فالمختار أن ينتظر البرء حتى يقدر على الصيام ولو كفر بالاطعام ولم ينتظر القدرة على الصيام أجزأه ومن الاعذار الشبق المفرط وهو أن لايصبر على الجماع فانه عليه السلام رخص للاعرابى أن يعطى الفدية لاجله {فاطعام ستين مسكينا} الاطعام جعله الغير طاعما ففيه رمز الى جواز التمليك والاباحة فى الكفارة والمسكين ويفتح ميمه من لاشىء له او له مالايكفيه وأسكنه الفقر اى قلل حركته والذليل والضعيف كما فى القاموس قال القهستانى فى شرح مختصر الوقاية قيد المسكين اتفاقى لجواز صرفه الى غيره من مصارف الزكاة. يقول الفقير انما خص المسكين بالذكر لكونه أحق بالصدقة من سائر مصارف الزكاة كما ينبىء عنه ماسبق آنفا من تفسير القاموس واطعام ستين مسكينا وان أعطاه فى يوم واحد وبدفعات لايجوز على الصحيح فيطعم لكل مسكين نصف صاع من بر او صاعا من غيره كما فى الفطرة والصاع اربعة امداد ونصفه مدان ويجب تقديمه على المسيس لكن لايستأنف ان مس فى خلال الاطعام لان الله تعالى لم يذكر التماس مع الاطعام هذا عند أبى حنيفة رحمه الله واما عند الآخرين فالاطعام محمول على المقيد فى العتق والصيام ويجوز دفع الكفارة لكافر واخراج القيمة عند ابى حنيفة رحمه الله خلافا للثلاثة وفى الفقه هذا اذا كان المظاهر حرا فلو كان عبدا كفر بالصوم وان اعطاه المولى المال وليس له منعه عن الصوم فان أعتق وأيسر قبل التكفير كفر بالمال {ذلك} اى ذلك البيان والتعليم للاحكام والتنبيه عليها واقع او فعلنا ذلك {لتؤمنوا بالله ورسوله} وتعملوا بشرآئعه التى شرعها لكم وترفضوا ما كنتم عليه من جاهليتكم ان قيل اذا كان ترك الظهار مفروضا فما بال الفقهاء يجعلونه بابا فى الفقه أجيب بأن الله وان أنكر الظهار وشنع على من تعود به من الجاهلين الا انه تعالى وضع له احكاما يعمل بها من ابتلى به من الغافلين فبهذا الاعتبار جعلوه بابا ليبينوا تلك الاحكام وزادوا قدر مايحتاج اليه من ان المحققين قالوا ان اكثر الاحكام الشرعية للجهال فان الناس لو احترزوا عن سوء المقال والفعال لما احتيج الى تكثير القيل والقال ودلت الآية على ان الظهار أكثر خطأ من الحنث فى اليمين لكون كفارته اغلظ من كفارة الحنث واللام فى لتؤمنوا للحكمة والمصلحة لانها اذا قارنت فعل الله تكون للمصلحة لانه الغنى المطلق واذا قارنت فعل العبد تكون للغرض لانه المحتاج المطلق فأهل السنة لايقولون لتلك المصلحة غرضا اذ الغرض فى العرف مايستكمل به طالبه استدفاعا لنقصان فيه تنفر عنه طبعه والله منزه عن هذا بلا خلاف والمعتزلة يقولون بناء على انه هو الشىء الذى لاجله يراد المراد ويفعل عندهم ولو قلنا بهذا المعنى لكنا قائلين بالغرض وهم لو قالوا بالمعنى لما كنا قائلين به {وتلك} اشارة الاحكام المذكورة من تحريم الظهار وايجاب العتق للواجد وايجاب الصوم لغير الواجد ان استطاع وايجاب الاطعام لمن لم يسطع {حدود الله} التى لايجوز تعديها وشرآئعه الموضوعة لعباده التى لايصح تجاوزها الى مايخالفها جمع حد وهو فى اللغة المنع والحاجز بين الشيئين الذى يمنع اختلاط احدهما بالآخر وحد الزنى وحد الخمر سمى بذلك لكونه مانعا لمتعاطيه عن المعاودة لمثله وجميع حدود الله على اربعة اضرب اما شىء لايجوز أن يتعدى بالزيادة عليه والا القصور عنه كأعداد ركعات صلاة الفرض واما شىء يجوز الزيادة عليه ولا يجوز النقصان منه واما شىء يجوز النقصان منه ولايجوز الزيادة عليه واما شىء يجوز الزيادة عليه والنقصان منه كما فى المفردات {وللكافرين} اى الذين لايعلمون بها ولا يقبلونها {عذاب اليم} عبر عنه بذلك للتغليظ على طريقة قوله تعالى {أية : ومن كفر فان الله غنى عن العالمين}تفسير : يعنى ان اطلاق الكفر لتأكيد الوجوب والتغليظ على تارك العمل لا لانه كفر حقيقة كما يزعمه الخوارج قال بعضهم فى قوله عليه السلام "حديث : من ترك الصلاة فقد كفر"تفسير : اى قارب الكفر يقال دخل البلدة لمن قاربها قال فى برهان القرءآن قوله {وللكافرين عذاب اليم} وبعده {أية : وللكافرين عذاب مهين}تفسير : لان الاول متصل بضده وهو الايمان فتوعدهم على الكفر العذاب الاليم هو جزاء الكافرين والثانى متصل بقوله {أية : كبتوا}تفسير : وهو الاذلال والاهانة فوصف العذاب مثل ذلك فقال {أية : وللكافرين عذاب مهين}تفسير : انتهى والأليم بمعنى المؤلم اى الموجع كالبديع بمعنى المبدع او بمعنى المتألم لكن اسند مجازا الى العذاب مبالغة كأنه فى الشدة بدرجة تتألم بها نفسه وفى اثبات العذاب للكافرين حث المؤمنين على قبول الطاعة ولما نزلت هذه الآيات الاربع تلاها عليه السلام فقال لاوس بن الصامت رضى الله عنه "حديث : هل تستطيع عتق رقبة" قال اذن يذهب جل مالى قال "فصيام شهرين متتابعين" قال يارسول الله اذا لم آكل فى اليوم ثلاث مرات كل بصرى وخشيت أن تعشو عينى قال "فاطعام ستين مسكينا" قال لا الا أن تعيننى عليه قال "اعينك بخمسة عشر صاعا وانا داع لك بالبركة"تفسير : وتلك البركة بقيت فى آله كما فى عين المعانى. يقول الفقير فى وجوه الاحكام المذكورة اما وجه العتق فلان العاصى استحق النار بعصيانه العظيم فجعل عتق المملوك فدآء لنفسه من النار كما قال عليه السلام "حديث : من أعتق رقبة مؤمنة أعتق الله بكل ارب منها اربا منه من النار"تفسير : ودل تقييد الرقبة بالمؤمنة على أفضلية اعتاق المؤمن وايضا ان ثمن العبد اكثر غالبا من فدية الاطعام والمال يعد من النفس لشدة علاقة النفس به ففى بذله تخليص لها من رذيلة البخل وتنحية لها عن النار واما الوجه فى الصيام فلأن الاصل فيه صيام شهر رمضان وهو ثلاثون يوما ففى صيام ستين يوما تضعيف المشقة وتشديد المحنة على النفس واما الوجه فى اطعام المساكين اما فى نفس الاطعام فلأن الصوم التخلق بوصف الصمدية فاذا فات عنه ذلك لزوم المعالجة بضده وهو الاطعام لان فى بذل المال اذابة النفس كما فى الصوم ومن هذا يعرف سر التنزيل من الرقبة الى الصوم ثم منه الى الاطعام واما فى عدد المساكين فلأن الاطعام بدل من الصيام وخلف له فروعى فيه من العدد ماروعى فى الصيام ويجوز أن يقال ان الله تعالى خلق آدم عليه السلام من ستين نوعا من طبقات الارض فأمر باطعام ستين مسكينا من اولاد آدم حتى تقع المكافأة لجميع اولاده لانه لايخرج احد منهم عن هذه الستين نوعا وايضا سر العدد كون عمر هذه الامة بين الستين والسبيعن فمن راعى العدد فكانما عبد الله ستين سنة التى هى مبلغ عمره ومنتهى امده بحسب الغالب فيتخلص من النار ولكن فيه اشارة الى فضيلة الوقت فانه اذا فات العمل من محله لاينجبر بالقضاء بكماله الاولى بل يصير ساقطا عن درجة الكمال الاولى بستين درجة ولذا وجب صيام ستين واطعامها (قال المولى الجامى) شعر : هردم از عمر كرامى هست كنج بى بدل ميرود كنجى جنين هر لحظه برباد آخ آخ تفسير : (وقال الشيخ سعدى) شعر : مكن عمر ضايع بافسوس وحيف كه فرصت عزيزست والوقت سيف تفسير : وفى الاية الاشارة الى أن النفس مطية الروح وزوجته فاذا ظاهر زوج الروح من زوجة النفس بقطع الاستمتاع عنها لغلبة الروحانية عليها ثم بحسب الحكمة الالهية المقتضية لتعلق زوج الروح مع زوجة النفس أراد أن يستمتع منها فعلى زوج الروح يجب من طريق الكفارة تحرير رقبة عن ذلك الاستمتاع والتصرف فيها بأن لايستمتع ولا يتصرف فيها الا بامر الحق ومقتضى حكمته لا بمقتضى طبعه ومشتهيات هواه فانه لايجوز له وعلى تقدير شدة اشتباك زوج الروح بزوجة النفس وقوة ارتباطهما الذاتية ارتباط الراكب بالمركوب وارتباط ربان السفينة بالسفينة ان لم يقدر على تحرير رقبة عن هذا الارتباط فيجب على زوج الروح أن يصوم شهرين متتابعين من قبل أن يتماسا يعنى أن يمسك نفسه عن الالتفات الى الكونين على الدوام والاستمرار من غير تخلل التفات وان لم يتمكن من قطع هذا التفات لبقاء من بقايا انانيته فيه فيجب عليه اطعام ستين مسكينا من مساكين القوى الروحانية المستهلكة تحت سلطنة النفس وصفاتها ليقيمهم على التخلق بالاخلاق الالهية والتحقق بالصفات الروحانية

الالوسي

تفسير : {فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا } / أي فمن لم يجد رقبة فالواجب عليه صيام شهرين متتابعين من قبل التماس، والمراد بمن لم يجد من لم يملك رقبة ولا ثمنها فاضلاً عن قدر كفايته لأن قدرها مستحق الصرف فصار كالعدم، وقدر الكفاية من القوت للمحترف قوت يوم، وللذي يعمل قوت شهر ـ على ما في «البحر» ـ ومن له عبد يحتاج لخدمته واجد فلا يجزئه الصوم، وهذا بخلاف من له مسكن لأنه كلباسه ولباس أهله. وعند الشافعية المراد به «من لم يملك رقبة أو ثمنها فاضلاً كل منهما عن كفاية نفسه وعياله العمر الغالب نفقة وكسوة وسكنى وأثاثاً لا بد منه، وعن دَيْنه ولو مؤجلاً. وقالوا: إذا لم يفضل القنّ أو ثمنه عما ذكر لاحتياجه لخدمته لمنصب يأبـى خدمته بنفسه أو ضخامة كذلك بحيث يحصل له بعتقه مشقة شديدة لا تحتمل عادة ولا أثر لفوات رفاهية أو مرض به أو بممونه فلا عتق عليه لأنه فاقد شرعاً كمن وجد ماءاً وهو يحتاجه لعطش». وإلى اعتبار كون ذلك فاقداً ـ كواجد الماء المذكور ـ ذهب الليث أيضاً. والفرق عندنا على ما ذكره الرازي في «أحكام القرآن» أن الماء مأمور بإمساكه لعطشه، واستعمالُه محظور عليه بخلاف الخادم. واليسار والإعسار معتبران وقت التكفير والأداء، وبه قال مالك، وعن الشافعي أقوال في وقتهما أظهرها كما هو عندنا، قالوا: «لأن الكفارة أعني الإعتاق عبادة لها بدل من غير جنسها كوضوء وتيمم وقيام صلاة وقعودها فاعتبر وقت أدائها، وغلب الثاني - كمذهب أحمد والظاهرية - شائبة العقوبة فاعتبر وقت الوجوب ـ كما لو زنى قنّ ثم عتق فإنه يحدّ حدّ القنّ ـ والثالث الأغلظ من الوجوب إلى الأداء، والرابع الأغلظ منهما، وأعرض عما بينهما». ومن يملك ثمن رقبة إلا أنه دين على الناس فإن لم يقدر على أخذه من مديونه فهو فاقد فيجزئه الصوم وإن قدر فواجد فلا يجزئه وإن كان له مال ووجب عليه دين مثله فهو فاقد بعد قضاء الدين، وأما قبله فقيل فاقد أيضاً بناءاً على قول محمد إنه تحل له الصدقة المشير إلى أن ماله لكونه مستحقاً الصرف إلى الدين ملحق بالعدم حكماً، وقيل: واجد لأن ملك المديون في ماله كامل بدليل أنه يملك جميع التصرفات فيه. وفي «البدائع» «لو كان في ملكه رقبة صالحة للتكفير فعليه تحريرها سواء كان عليه دين أو لم يكن لأنه واحد حقيقة»، وحاصله أن الدين لا يمنع تحرير الرقبة الموجودة، ويمنع وجوب شرائها بما عنده من مثل الدين على أحد القولين، والظاهر أن الشراء متى وجب يعتبر فيه ثمن المثل، وصرح بذلك النووي وغيره من الشافعية فقالوا: «لا يجب شراء الرقبة بغبن أي زيادة على ثمن مثلها نظير ما يذكر في شراء الماء للطهارة، والفرق بينهما بتكرر ذلك ضعيف، وعلى الأول ـ كما قال الأذرعي وغيره نقلاً عن الماوردي واعتمدوه ـ لا يجوز العدول للصوم بل يلزمه الصبر إلى الوجود بثمن المثل، وكذا لو غاب ماله فيكلف الصبر إلى وصوله أيضاً، ولا نظر إلى تضررهما بفوات التمتع مدة الصبر لأنه الذي ورط نفسه فيه» انتهى. وما ذكروه فيما لو غاب ماله موافق لمذهبنا فيه. ولو كان عليه كفارتا ظهار لامرأتين وفي ملكه رقبة فقط فصام عن ظهار إحداهما، ثم أعتق عن ظهار الأخرى، ففي «المحيط» في نظير المسألة ما يقتضي عدم إجزاء الصوم عن الأولى قال: عليه كفارتا يمين، وعنده طعام يكفي لإحداهما فصام عن إحداهما ثم أطعم عن الأخرى لا يجوز صومه لأنه صام وهو قادر على التكفير بالمال فلا يجزئه. ويعتبر الشهر بالهلال فلا فرق بين التام والناقص / فمن صام بالأهلة واتفق أن كل شهر تسعة وعشرون حتى صار مجموع الشهرين ثمانية وخمسين أجزأه ذلك وإن غم الهلال اعتبر ـ كما في «المحيط» ـ كل شهر ثلاثين وإن صام بغير الأهلة فلا بدّ من ستين يوماً كما في «فتح القدير»، ويعتبر الشهر بالهلال عند الشافعية أيضاً، وقالوا: «إن بدأ في أثناء شهر حسب الشهر بعده بالهلال لتمامه وأتم الأول من الثالث ثلاثين لتعذر [اعتبار] الهلال فيه بتلفقه من شهرين»، وعلى هذا يتفق كون صيامه ستين وكونه تسعة وخمسين، ولا يتعين الأول كما لا يخفى فلا تغفل. وإن أفطر يوماً من الشهرين ولو الأخير بعذر من مرض أو سفر لزم الاستئناف لزوال التتابع وهو قادر عليه عادة، وقال أبو حيان: إن أفطر بعذر كسفر فقال ابن المسيب والحسن وعطاء وعمرو بن دينار والشعبـي ومالك والشافعي في أحد قوليه: يبني اهـ. وإن جامع التي ظاهر منها في خلال الشهرين ليلاً عامداً أو نهاراً ناسياً استأنف الصوم عند أبـي حنيفة ومحمد، وقال أبو يوسف: لا يستأنف لأنه لا يمنع التتابع إذ لا يفسد به الصوم وهو الشرط، ولهما أن المأمور به صيام شهرين متتابعين لا مسيس فيهما فإذا جامعها في خلالها لم يأت بالمأمور به، وإن جامع زوجة أخرى غير المظاهر منها ناسياً لا يستأنف عند الإمام أيضاً كما لو أكل ناسياً لأن حرمة الأكل والجماع إنما هو للصوم لئلا ينقطع التتابع ولا ينقطع بالنسيان فلا استئناف بخلاف حرمة جماع المظاهرة فإنه ليس للصوم بل لوقوعه قبل الكفارة، وتقدمها على المسيس شرط حلها، فبالجماع ناسياً في أثنائه يبطل حكم الصوم المتقدم في حق الكفارة. ثم إنه يلزم في الشهرين أن لا يكون فيهما صوم رمضان لأن التتابع منصوص عليه وشهر رمضان لا يقع عن الظهار لما فيه من إبطال ما أوجب الله تعالى، وأن لا يكون فيهما الأيام التي نهي عن الصوم فيها وهي يوما العيدين وأيام التشريق لأن الصوم فيها ناقص بسبب النهي عنه فلا ينوب عن الواجب الكامل. وفي «البحر»: المسافر في رمضان له أن يصومه عن واجب آخر، وفي المريض روايتان، وصوم أيام نذر معينة في أثناء الشهرين بنية الكفارة لا يقطع التتابع، ومن قدر على الإعتاق في اليوم الأخير من الشهرين قبل غروب الشمس وجب عليه الإعتاق لأن المراد استمرار عدم الوجود إلى فراغ صومهما وكان صومه حينئذٍ تطوعاً، والأفضل إتمام ذلك اليوم وإن أفطر لا قضاء عليه لأنه شرع فيه مسقطاً لا ملتزماً خلافاً لزفر. وفي «تحفة الشافعية» «لو بان بعد صومهما أن له مالاً ورثه ولم يكن عالماً به لم يعتدّ بصومه على الأوجه اعتباراً بما في نفس الأمر» أي وهو واجد بذلك الاعتبار، وليس في بالي حكم ذلك عند أصحابنا، ومقتضى ظاهر ما ذكروه فيمن تيمم وفي رحله ماء وضعه غيره ولم يعلم به من صحة تيممه الاعتداد بالصوم هٰهنا، وقد صرح الشافعية فيمن أدرج في رحله ماءاً ولم يقصر في طلبه أو كان بقربه بئر خفية الآثار بعدم بطلان تيممه فلينظر الفرق بين ما هنا وما هناك، ولعله التغليظ في أمر الكفارة دون التيمم فليراجع. {فَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ } أي صيام شهرين متتابعين، وذلك بأن لم يستطع أصل الصيام أو بأن لم يستطع تتابعه لسبب من الأسباب ككبر أو مرض لا يرجى زواله كما قيده بذلك ابن الهمام وغيره ـ وعليه أكثر الشافعية ـ وقال الأقلون منهم ـ كالإمام ومن تبعه ـ وصححه في «الروضة»: يعتبر دوامه في ظنه مدة شهرين بالعادة الغالبة في مثله أو بقول الأطباء، قال ابن حجر: ويظهر الاكتفاء بقول عدل منهم، وصرح الشافعية بأن من تلحقه بالصيام أو تتابعه مشقة شديدة لا تحتمل عادة وإن لم تبح التيمم فيما يظهر غير مستطيع، وكذا من خاف زيادة مرض، « حديث : وفي حديث أوس على ما ذكر أبو حيان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟ فقال: والله يا رسول الله / إني إذا لم آكل في اليوم والليلة ثلاث مرات كَلَّ بصري وخشيت أن تعشو عيني » تفسير : الخبر. وعدوا من أسباب عدم الاستطاعة الشبق وهو شدة الغلمة. واستدل له بما أخرج الإمام أحمد وأبو داود وابن ماجه والترمذي وحسنه والحاكم وصححه وغيرهم « حديث : عن سلمة بن صخر قال: كنت رجلاً قد أوتيت من جماع النساء ما لم يؤت غيري فلما دخل رمضان ظاهرت من امرأتي حتى ينسلخ رمضان فرقاً من أن أصيب منها في ليلي فأتتابع في ذلك ولا أستطيع أن أنزع حتى يدركني الصبح فبينما هي تخدمني ذات ليلة إذ تكشف لي منها شيء فوثبت عليها ـ إلى أن قال ـ فخرجت فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته بخبري فقال:أنت بذاك؟ قلت: أنا بذاك، فقال: أنت بذاك؟ قلت: أنا بذاك وها أنا ذا فامض في حكم الله تعالى فإني صابر لذلك قال: أعتق رقبة فضربت صفحة عنقي بيدي فقلت: لا والذي بعثك بالحق ما أصبحت أملك غيرها، قال: فصم شهرين متتابعين، فقلت: وهل أصابني ما أصابني إلا في الصيام، قال: فأطعم ستين مسكيناً » تفسير : الحديث فإنه أشار بقوله: « حديث : وهل أصابني » تفسير : الخ إلى شدة شبقه الذي لا يستطيع معه صيام شهرين متتابعين، وإنما لم يكن عذراً في صوم رمضان قال ابن حجر: لأنه لا بدل له، وَذَكَرَ [أي ابن حجر] أن غلبة الجوع ليست عذراً ابتداءاً لفقده حينئذٍ فيلزمه الشروع في الصيام فإذا عجز عنه أفطر وانتقل عنه للإطعام بخلاف الشبق لوجوده عند الشروع فيدخل صاحبه في عموم قوله تعالى: {فَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ }. {فَإِطْعَامُ سِتّينَ مِسْكِيناً } لكل مسكين نصف صاع من بر أو صاع من تمر أو شعير، ودقيق كل كأصله، وكذا السويق، وذلك لأخبار ذكرها ابن الهمام في «فتح القدير»، والصاع أربعة أمداد. وقال الشافعية: لكل مسكين مدّ لأنه صح في رواية، وصح في الأخرى صاع، وهي محمولة على بيان الجواز الصادق بالندب لتعذر النسخ فتعين الجمع بما ذكر مما يكون فطرة بأن يكون من غالب قوت محل المكفر في غالب السنة كالأقط ولو للبلدي فلا يجزىء نحو دقيق مما لا يجزي في الفطرة عندهم. ومذهب مالك كما قال أبو حيان مدّ وثلث بالمدّ النبوي. وروى عنه ابن وهب مدّان. وقيل: مدّ وثلثا مدّ، وقيل: ما يشبع من غير تحديد، ولا فرق بين التمليك والإباحة عندنا فإن غدى الستين وعشاهم أو غدّاهم مرتين أو عشاهم كذلك أو غداهم وسحرهم أو سحرهم مرتين وأشبعهم بخبز بر أو شعير أو نحوه كذرة بإدام أجزأه، وإن لم يبلغ ما شبعوا به المقدار المعتبر في التمليك، ويعتبر اتحاد الستين فلو غدى مثلاً ستين مسكيناً وعشى ستين غيرهم لم يجز إلا أن يعيد على إحدى الطائفتين غداء أو عشاء، ولو أطعم مائة وعشرين مسكيناً في يوم واحد أكلة واحدة مشبعة لم يجز إلا عن نصف الإطعام فإن أعاده على ستين منهم أجزأه. واشترط الشافعية التمليك اعتباراً بالزكاة وصدقة الفطر، وهذا لأن التمليك أدفع للحاجة فلا ينوب منابه الإباحة، ونحن نقول: المنصوص عليه هنا هو الإطعام وهو حقيقة في التمكين من الطعم، وفي الإباحة ذلك كما في التمليك، وفي الزكاة الإيتاء، وفي صدقة الفطر الأداء، وهما للتمليك حقيقة ـ كذا في «الهداية» ـ قال العلامة ابن الهمام: «لا يقال: اتفقوا على جواز التمليك فلو كان حقيقة الإطعام ما ذكر كان مشتركاً معمماً أو في حقيقته ومجازه لأنا نقول: جواز التمليك عندنا بدلالة النص، والدلالة لا تمنع العمل بالحقيقة كما في حرمة الشتم والضرب مع التأفيف / فكذا هذا فلما نص على دفع حاجة الأكل فالتمليك الذي هو سبب لدفع كل الحاجات التي من جملتها الأكل أجوز فإنه حينئذٍ دافع لحاجة الأكل وغيره»، وذكر الواني أن الإطعام جعل الغير طاعماً أي آكلاً لأن حقيقة طعمت الطعام أكلته، والهمزة تعديه إلى المفعول الثاني أي جعلته آكلاً، وأما نحو أطعمتك هذا الطعام فيكون هبة وتمليكاً بقرينة الحال، قالوا: والضابط أنه إذا ذكر المفعول الثاني فهو للتمليك وإلا فللإباحة، هذا والمذكور في كتب اللغة أن الإطعام إعطاء الطعام وهو أعم من أن يكون تمليكاً أو إباحة انتهى فلا تغفل. ويجوز الجمع بين الإباحة والتمليك لبعض المساكين دون البعض كما إذا ملك ثلاثين وأطعم ثلاثين غداءاً وعشاءاً وكذا لرجل واحد في إحدى روايتين كأن غداه مثلاً وأعطاه مدّاً وإن أعطى مسكيناً واحداً ستين يوماً أجزأه وإن أعطاه في يوم واحد لم يجزه إلا عن يومه لأن المقصود سدّ خلة المحتاج، والحاجة تتجدد في كل يوم، فالدفع إليه في اليوم الثاني كالدفع إليه في غيره، وهذا في الإباحة من غير خلاف، وأما التمليك من مسكين واحد بدفعات فقد قيل: لا يجزيه، وقيل: يجزيه لأن الحاجة إلى التمليك قد تتجدد في يوم واحد بخلاف ما إذا دفع بدفعة لأن التفريق واجب بالنص، وخالف الشافعية فقالوا: لا بد من الدفع إلى ستين مسكيناً حقيقة فلا يجزي الدفع لواحد في ستين يوماً، وهو مذهب مالك والصحيح من مذهب أحمد وبه قال أكثر العلماء لأنه تعالى نص على ستين مسكيناً، وبتكرر الحاجة في مسكين واحد لا يصير هو ستين فكان التعليل بأن المقصود سدّ خلة المحتاج الخ مبطلاً لمقتضى النص فلا يجوز، وأصحابنا أشدّ موافقة لهذا الأصل، ولذا قالوا: لا يجزىء الدفع لمسكين واحد وظيفة ستين بدفعة واحدة معللين له بأن التفريق واجب بالنص مع أن تفريق الدفع غير مصرح به، وإنما هو مدلول التزامي لعدد المساكين فالنص على العدد أولى لأنه المستلزم، وغاية ما يعطيه كلامهم أنه بتكرر الحاجة يتكرر المسكين حكماً فكان تعدداً حكماً، وتمامه موقوف على أن ستين مسكيناً في الآية مراد به الأعم من الستين حقيقة أو حكماً. ولا يخفى أنه مجاز فلا مصير إليه بموجبه، فإن قلت: المعنى الذي باعتباره يصير اللفظ مجازاً ويندرج فيه التعدد الحكمي ما هو؟ قلت: هو الحاجة فيكون ستين مسكيناً مجازاً عن ستين حاجة، وهو أعم من كونها حاجات ستين أو حاجات واحد إذا تحقق تكررها إلا أن الظاهر إنما هو عدد معدوده ذوات المساكين مع عقلية أن العدد مما يقصد لما في تعميم الجميع من بركة الجماعة وشمول المنفعة واجتماع القلوب على المحبة والدعاء ـ قاله في «فتح القدير» ـ وهو كلام متين يظهر منه ترجيح مذهب الجمهور. وذهب الأصحاب إلى أنه لا يشترط اتحاد نوع المدفوع لكل من المساكين فلو دفع لواحد بعضاً من الحنطة وبعضاً من الشعير مثلاً جاز إذا كان المجموع قدر الواجب كأن دفع ربع صاع من بر ونصف صاع من شعير، وجاز نحو هذا التكميل لاتحاد المقصود ـ وهو الإطعام ـ ولا يجوز دفع قيمة القدر الواجب من منصوص عليه، وهو البر والشعير ودقيق كل وسويقه والزبيب والتمر إذا كانت من منصوص عليه آخر إلا أن يبلغ المدفوع الكمية المقدرة شرعاً فلو دفع نصف صاع تمر يبلغ قيمة نصف صاع بر لا يجوز، فالواجب عليه أن يتم للذين أعطاهم القدر المقدر من ذلك الجنس الذي دفعه إليهم فإن لم يجدهم بأعيانهم استأنف في غيرهم، ومن غير المنصوص كالأرز والعدس يجوز كما إذا دفع ربع صاع من أرز يساوي قيمة نصف صاع من بر مثلاً، وذلك لأنه لا اعتبار لمعنى النص في المنصوص عليه وإنما الاعتبار في غير المنصوص عليه، ونقل في ذلك خلاف الشافعي رحمه الله تعالى فلا يجوز دفع القيمة عنده مطلقاً. / ولا يجوز في الكفارة إعطاء المسكين أقل من نصف صاع من البر مثلاً فقط، ففي «التاتار خانية» لو أعطى ستين مسكيناً كل مسكين مدّاً من الحنطة لم يجز، وعليه أن يعيد مدّاً آخر على كل فإن لم يجد الأولين فأعطى ستين آخرين كلاً مدّاً لم يجز، ولو أعطى كلاً من المساكين مدّاً ثم استغنوا ثم افتقروا فأعاد على كل مدّاً لم يجز، وكذا لو أعطى المكاتبين مدّاً مدّاً ثم ردوا إلى الرق ومواليهم أغنياء ثم كوتبوا ثانياً ثم أعاد عليهم لم يجز لأنهم صاروا بحال لا يجوز دفع الكفارة إليهم فصاروا كجنس آخر، وعليه فالمراد بستين مسكيناً ستون مسكيناً لم يعرض لهم في أثناء الإطعام ما ينافي ذلك، والظاهر أن فاعل إطعام هو المظاهر الغير المستطيع للصيام، ولا فرق بين أن يباشر ذلك أو يأمر به غيره، فإن أمر غيره فأطعم أجزأ لأنه استقراض معنى، فالفقير قابض له أولاً ثم يتحقق تملكه ثم تمليكه، والمراد بالمسكين ما يعم الفقير، وقد قالوا: المسكين والفقير إذا اجتمعا افترقا وإذا اقترفا اجتمعا. ويشترط أن لا يكون المطعم أصله أو فرعه أو زوجته أو مملوكه أو هاشمياً لمزيد شرفه فيجل عن هذه الغسالة، ولا حربياً ولو مستأمناً لمزيد خسته فليس أهلاً لأدنى منفعة، ويجوز أن يكون ذمياً ولو دفع بتحرّ فبان أنه ليس بمصرف أجزأه عندهما خلافاً لأبـي يوسف كما في «البدائع». واستنبط الشافعية من التعبير بعدم الوجود عند الانتقال إلى الصوم، وبعدم الاستطاعة عند الانتقال إلى الإطعام أنه لو كان له مال غائب ينتظره ولا يصوم ولو كان مريضاً يرجى برؤه يطعم ولا ينتظر الصحة ليصوم، وهو موافق لمذهبنا في الصوم لا في الإطعام كما سمعت، ثم هذا الحكم في الأحرار أما العبد فلا يجوز له إلا الصوم لأنه لا يملك وإن ملك والإعتاق والإطعام شرطهما الملك فإن أعتق عنه المولى أو أطعم لم يجز ولو بأمره، ويجب تقديم الإطعام على المسيس فإن قرب المظاهر المظاهرة في خلاله أثم، ولم يستأنف لأنه عز وجل ما شرط فيه أن يكون قبل المسيس كما شرط فيما قبل، ونحن لا نحمل المطلق على المقيد وإن كانا في حادثة واحدة بعد أن يكونا حكمين، والوجوب قيل: لم يثبت إلا لتوهم وقوع الكفارة بعد التماس، بيانه أنه لو قدر على العتق أو الصيام في خلال الإطعام أو قبله يلزمه التكفير بالمقدور عليه فلو جوز للعاجز عنهم القربان قبل الإطعام، ثم اتفق قدرته فلزم التكفير به لزم أن يقع العتق بعد التماس، والمفضي إلى الممتنع ممتنع. وتعقب بأن فيه نظراً فإن القدرة حال قيام العجز بالفقر والكبر والمرض الذي لا يرجى زواله أمر موهوم، وباعتبار الأمور الموهومة لا تثبت الأحكام ابتداءاً بل يثبت الاستحباب ورعاً فالأولى الاستدلال على حرمة المسيس قبل الإطعام لمن يتعين كفارة له بما ورد من حديث « حديث : اعتزلها حتى تكفر » تفسير : ونحوه، وما ذكر من أنه لو قدر على العتق مثلا خلال الإطعام لزم التكفير به خالف فيه الشافعية. قال ابن حجر عليه الرحمة: لا أثر لقدرته على صوم أو عتق بعد الإطعام ولو لمدّ كما لو شرع في صوم يوم من الشهرين فقدر على العتق، وأجاز بعض المسيس في خلال الإطعام من غير إثم، ونقل ذلك عن أبـي حنيفة رضي الله تعالى عنه وهو توهم نشأ من عدم إيجابه الاستئناف، وقد صرح في «الكشاف» بأنه لا فرق عند أبـي حنيفة بين الكفارات الثلاث في وجوب تقديمها على المساس وإن ترك ذكره عند الإطعام للدلالة على أنه إذا وجد في خلال الإطعام لم يستأنف كما يستأنف الصوم. وجعل بعضهم ذكر القيد فيما قبل وتركه في الإطعام دليلاً لأبـي حنيفة في قوله بعدم الاستئناف أي مع الإثم. وتعقبه ابن المنير في «الانتصاف» بأن لقائل أن يقول لأبـي حنيفة: إذا جعلت الفائدة في ذكر عدم التماس / في بعضها وإسقاطه من بعضها الفرق بين أنواعها فلم جعلته مؤثراً في أحد الحكمين دون الآخر؟ وهل التخصيص إلا نوع من التحكم؟ ثم قال: وله أن يقول: اتفقنا على التسوية بين الثلاث في هذا الحكم أعني حرمة المساس قبل التكفير، وقد نطقت الآية بالتفرقة فلم يمكن صرفها إلى ما وقع الاتفاق على التسوية فيه فتعين صرفه إلى الآخر، هذا منتهى النظر مع أبـي حنيفة؛ وأطال الكلام في هذا المقام بما لا يخلو عن بحث على أصول الإمام. وإذا عجز المظاهر عن الجميع قال الشافعية: استقرت في ذمته فإذا قدر على خصلة فعلها ولا أثر لقدرته على بعض عتق أو صوم بخلاف بعض الطعام ولو بعض ما يجب لواحد من المساكين فيخرجه، ثم الباقي إذا أيسر. والظاهر بقاء حرمة المسيس إلى أن يؤدي الكفارة تماماً ولم يبال بإضرار المرأة بذلك لأن الإيسار مترقب كزوال المرض المانع من الجماع، ولم أراجع حكم المسألة في الظهار عند الحنفية، وأما في الجماع في نهار رمضان الموجب للكفارة فقد « حديث : قال ابن الهمام بعد نقل حديث الأعرابـي الواقع على امرأته فيه العاجر عن الخصال الثلاثة، وفيه: فأتي النبـي صلى الله عليه وسلم بعرق فيه تمر فقال: تصدق به، فقال: أعلى أفقر مني يا رسول الله؟ فوالله ما بين لابتيها أفقر مني ولا أهل بيت أفقر من أهل بيتي، فضحك صلى الله عليه وسلم حتى بدت نواجذه ثم قال: خذه فأطعمه أهلك » تفسير : في لفظ لأبـي داود ـ زاد الزهري ـ وإنما كان هذا رخصة له خاصة، ولو أن رجلاً فعل ذلك اليوم لم يكن له بدّ من التكفير، وجمهور العلماء على قوله، وذكر النووي في «شرح صحيح مسلم» أن للشافعي في هذا العاجز قولين: أحدهما لا شيء عليه ـ واحتج له بحديث الأعرابـي المذكور لأنه عليه الصلاة والسلام لم يقل له: إن الكفارة ثابتة في ذمته بل أذن له في إطعام عياله ـ والثاني ـ وهو الصحيح عند أصحابنا وهو المختار ـ أن الكفارة لا تسقط بل تستقر في ذمته حتى يتمكن قياساً على سائر الديون والحقوق والمؤاخذات كجزاء الصيد وغيره، وأما الحديث فليس فيه نفي استقرار الكفارة بل فيه دليل لاستقرارها لأنه أخبر النبـي صلى الله عليه وسلم بالعجز عن الخصال ثم أتى عليه الصلاة والسلام بعرق التمر فأمره بإخراجه في الكفارة فلو كانت تسقط بالعجز لم يكن عليه شيء فلم يأمره بالإخراج فدل على ثبوتها في ذمته، وإنما أذن له في إطعام عياله لأنه محتاج إلى الإنفاق عليهم في الحال والكفارة واجبة على التراخي، وإنما لم يبين عليه الصلاة والسلام بقاءها في ذمته لأن تأخير البيان إلى وقت الحاجة جائز عند جماهير الأصوليين فهذا هو الصواب في معنى الحديث وحكم المسألة، وفيها أقوال وتأويلات أخر ضعيفة انتهى. ومن الناس من قال: لم يكن هناك تأخير بيان وإنما اكتفى صلى الله عليه وسلم بفهم الأعرابـي عن التصريح له بالاستقرار، والاخبار في وقوع مثل ذلك للمظاهر مضطربة كما لا يخفى على من راجع «الدر المنثور» للسيوطي. ومسائل الظاهر كثيرة والمذاهب في ذلك مختلفة، ومن أراد كمال الاطلاع فليرجع إلى كتب الفروع، ولولا التأسي ببعض الأجلة لما ذكرنا شيئاً منها، ومع هذا لا يخلو أكثره عن تعلق بتفسير الآية والله تعالى أعلم. {ذٰلِكَ } إشارة إلى ما مر من البيان والتعليم. ومحله إما الرفع على الابتداء أو النصب بمضمر معلل بما بعده أي ذلك واقع أو فعلنا ذلك {لّتُؤْمِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ } وتعملوا بشرائعه التي شرعها لكم وترفضوا ما كنتم / عليه في جاهليتكم {وَتِلْكَ } الأحكام المذكورة {حُدُودَ ٱللَّهِ } التي لا يجوز تعديها فالزموها وقفوا عندها {وَلِلْكَـٰفِرِينَ } أي الذين يتعدونها ولا يعملون بها {عَذَابٌ أَلِيمٌ } على كفرهم وأطلق الكافر على متعدي الحدود تغليظاً لزجره، ونظير ذلك قوله تعالى: { أية : وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ ٱلله غَنِىٌّ عَنِ ٱلْعَـٰلَمِينَ } تفسير : [آل عمران: 97].

ابن عاشور

تفسير : {فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِن قَبْلِ أَن يَتَمَآسَّا فَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِيناً} رخصة لمن لم يجد عتق رقبة أن ينتقل إلى صيام شهرين متتابعين لأنه لما لم يجد رقبة يعتاض بفكّها عن فكّ عصمة الزوجة نقل إلى كفارة فيها مشقة النفس بالصبر على لذة الطعام والشراب ليدفع ما التزمه بالظهار من مشقة الصبر على ابتعاد حَليلته فكان الصوم درجة ثانية قريبة من درجة تحرير الرقبة في المناسبة. وأعيد قيد {من قبل أن يتماسا} للدلالة على أنه لا يكون المسّ إلا بعد انقضاء الصيام، فلا يظن أن مجرد شروعه في الصيام كافٍ في العود إلى الاستمتاع. {فمن لم يستطع}، أي لعجزه أو ضعفه رخص الله له أن ينتقل إلى إطعام ستين مسكيناً عوضاً عن الصيام فالإِطعام درجة ثالثة يدفع عن ستين مسكيناً ألم الجوع عوضاً عما كان التزمه على نفسه من مشقة الابتعاد عن لذّاته، وإنما حددت بستين مسكيناً إلحاقاً لهذا بكفارة فطر يوم من رمضان عمداً بجامع أن كليهما كفارة عن صيام فكانت الكفارة متناسبة مع المكفر عنه مرتبة ترتيباً مناسباً. وقد أجمل مقدار الطعام في الآية اكتفاء بتسميته إطعاماً فيحمل على ما يقصده الناس من الطعام وهو الشبع الواحد كما هو المتعارف في فعل طعم. فحمله علماؤنا على ما به شبع الجائع فيقدر في كل قوم بحسب ما به شبع معتاد الجائعين. وعن مالك رحمه الله في ذلك روايتان، إحداهما: أنه مُدّ واحد لكل مسكين بمدّ النبي صلى الله عليه وسلم والثانية: أنه مُدَّان أو مَا يقرب من المدّين وهو مدّ بمدّ هشام (بن إسماعيل المخزومي أمير المدينة) وقدرُه مدَّان إلا ثلثَ مدّ قال: قال أشهب: قلت لمالك: أيختلف الشبع عندنا وعندكم؟ قال: نعم الشبع عندنا مدّ بمدّ النبي صلى الله عليه وسلم والشبع عندكم أكثر (أي لأن النبي صلى الله عليه وسلم دعا لأهل المدينة بالبركة). وقوله هذا يقتضي أن يكون الإِطعام في المدينة مدًّا بمُدّ النبي صلى الله عليه وسلم مثل كفارة الفطر في رمضان فكيف جعله مالك مقدّراً بمدَّين أو بمُدّ وثلثين، وقال: لو أطعم مدّاً ونصفَ مدّ أجزأه. فتعين أن تضعيف المقدار في الإِطعام مراعىً فيه معنى العقوبة على ما صنع، وإلا فلا دليل عليه من نص ولا قياس. قال أبو الحسن القابسي: إنما أخذ أهل المدينة بمدّ هشام في كفارة الظهار تغليظاً على المتظاهرين الذين شهد الله عليهم أنهم يقولون منكراً من القول وزوراً فهذا مما ثبت بعمل أهل المدينة. وقدّر أبو حنيفة الشبع بمدّين بمدّ النبي صلى الله عليه وسلم فلعله راعى الشبع في معظم الأقطار غير المدينة، وقدّره الشافعي بمدّ واحد لكل مسكين قياساً على ما ثبت في السنة في كفارة الإِفطار وكفارة اليمين. ولم يذكر مع الإِطعام قيدُ {من قبل أن يتماسا} اكتفاء بذكره مع تحرير الرقبة وصيام الشهرين ولأنه بدل عن الصيام ومجزَّأ لمثل أيام الصيام. هذا قول جمهور الفقهاء. وعن أبي حنيفة أن الإِطعام لا يشترط فيه وقوعه من قبل أن يتماسّا. ثم إن وقع المسيس قبل الكفارة أو قبل إتمامها لم يترتب على ذلك إلا أنه آثم إذ لا يمكن أن يترتب عليه أثر آخر، وهذا ما بيّنه حديث سلمة ابن صخر الذي شكا إلى النبي صلى الله عليه وسلم أنه وقع على امرأته بعد أن ظاهر منها، فأمره بأن لا يعود إلى مثل ذلك حتى يكفّر. وهذا قول جمهور الفقهاء، وقال مجاهد: عليه كفّارتان. وصريح الآية أن تتابع الصيام شرط في التكفير، وعليه فلو أفطر في خلاله دون عذر وجب عليه إعادته. ولا يمَسّ امرأته حتى يتم الشهران متتابعين فإن مسها في خلال الشهرين أثِم ووجب عليه إعادة الشهرين. وقال الشافعي: إذا كان الوطء ليلاً لم يبطل التتابع لأن الليل ليس محلاً للصوم، وهذا هو الجاري على القياس وعلى مقتضى حديث سلمة بن صخر. وأما كون آثماً بالمسيس قبل تمام الكفارة فمسألة أخرى، فمن العجب قول أبي بكر ابن العربي في كلام الشافعي أنه كلام من لم يذق طعم الفقه لأن الوطء الواقع في خلال الصوم ليس بالمحل المأذون فيه بالكفارة فإنه وطء تعدِّ فلا بدّ من الامتثال للأمر بصوم لا يكون في أثنائه وطء اهـ. والمسكين: الشديد الفقر، وتقدّم في سورة براءة. والمظاهر إن كان قادراً على بعض خصال الكفارة وأبى أن يكفّر انقلب ظهارُه إيلاءً. فإن لم ترض المرأة بالبقاء على ذلك فله أجل الإِيلاء فإن انقضى الأجل طلقت عليه امرأته إن طلبت الطلاق. وإن كان عاجزاً عن خصال الكفارة كلها كان كالعاجز عن الوطء بعد وقوعه منه فتبقى العصمة بين المتظاهر وامرأته ولا يقربها حتى يكفر. وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بكفارة سلمة بن صخر من أموال بيت المال فحقّ على ولاة الأمور أن يدفعوا عن العاجز كفارة ظهاره فإن تعذر ذلك فالظاهر أن الكفارة ساقطة عنه، وأنه يَعود إلى مسيس امرأته، وتبقى الكفارة ذنباً عليه في ذمته لأن الله أبطل طلاق الظهار. {ذَلِكَ لِتُؤْمِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ وَلِلْكَـٰفِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ}. الإِشارة إلى ما ذكر من الأحكام، أي ذلك المذكورُ لتؤمنوا بالله ورسوله، أي لتؤمنوا إيماناً كاملاً بالامتثال لما أمركم الله ورسوله فلا تشوبوا أعمال الإِيمان بأعمال أهل الجاهلية، وهذا زيادة في تشنيع الظهار، وتحذير للمسلمين من إيقاعه فيما بعد، أو ذلك النقل من حرج الفراق بسبب قول الظهار إلى الرخصةِ في عدم الاعتداد به وفي الخلاص منه بالكفارة، لتيسير الإِيمان عليكم فهذا في معنى قوله تعالى: {أية : وما جعل عليكم في الدين من حرج}تفسير : [الحج: 78]. و{لتؤمنوا} خبر عن اسم الإِشارة، واللام للتعليل. ولما كان المشار إليه وهو صيام شهرين أو إطعام ستين مسكيناً عِوضاً عن تحرير رقبة كان من عُلّل به تحريرُ رقبة منسحباً على الصيام والإِطعام، وما علّل به الصيام والإِطعام منسحباً على تحرير رقبة، فأفاد أن كلاّ من تحرير رقبة وصيام شهرين وإطعام ستين مسكيناً مشتمل على كلتا العلّتين وهما: الموعظة والإِيمان بالله ورسوله. والإِشارة في {وتلك حدود الله} إلى ما أشير إليه بـ{ذلك}، وجيء له باسم إشارةِ التأنيث نظراً للإخبار عنه بلفظ {حدود} إذ هو جمع يجوز تأنيث إشارته كما يجوز تأنيث ضميره ومثله قوله تعالى: {أية : تلك حدود الله فلا تعتدوها}تفسير : في سورة [البقرة: 229]. وجملة {وللكافرين عذاب أليم} تتميم لجملة {ذلك لتؤمنوا بالله ورسوله}، أي: ذلك الحكم وهو إبطال التحريم بالظهار حكم الإِسلام. وأما ما كانوا عليه فهو من آثار الجاهلية فهو سنة قوم لهم عذاب أليم على الكفر وما تولد منه من الأباطيل، فالظهار شرع الجاهلية. وهذا كقوله تعالى: {أية : إنما النسيء زيادة في الكفر}تفسير : [التوبة: 37]، لأنه وضعه المشركون ولم يكن من الحنيفية.

د. أسعد حومد

تفسير : {لِلْكَافِرِينَ} (4) - فَمَنْ لَمْ يَجِدْ رَقَبَةً يُعْتِقُهَا، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ فِي قُدْرَتِهِ أَنْ يَشتَرِيَ رَقَبَةً يُعْتِقُهَا، فَإِنَّ عَلَيْهِ أَنْ يَصُومَ شَهْرَينِ مُتَتَابِعَينِ، قَبْلَ التَّمَاسِّ، فَإِنْ أَفْطَرَ يَوْماً وَاحِداً مِنَ الشَّهْرَينِ، وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ الإِفْطَارُ لِعُذْرٍ أَوْ سَفَرٍ، لِزَمَهُ أَنْ يَسْتَأْنِفَ الصِّيَامَ مِنْ جَدِيدٍ لِزَوَالِ التَّتَابُعِ. وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ هَذَا الصَّوْمَ، لِكِبَرِ سِنِّهِ، أَوْ لِمَرَضٍ أَصَابَهُ، فَعَلَيْهِ أَنْ يُطْعِمَ سِتِّينَ مِسْكِيناً، لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ نِصْفُ صَاعٍ مِنَ الحِنْطَةِ، أَوْ صَاعٌ مِنَ الشَّعِيرِ، قَبْلَ أَنْ يَتِمَّ التَّمَاسُّ بَيْنَهُمَا؛ وَقَدْ فَرَضَ اللهُ تَعَالَى عَلَى المُؤْمِنِينَ هَذِهِ الكَفَّارَةَ لِيُقِرُّوا بِوَحْدَانِيَّتِهِ تَعَالَى، وَيُصَدِّقُوا بِرَسُولِهِ، وَيَتَقَيَّدُوا بِحُدُودِ مَا فَرَضَ اللهُ، وَلاَ يَتَجَاوَزُوهَا. وَلِلْكَافِرِينَ بِفَرَائِضِ اللهِ وَحُدُودِهِ، عَذَابٌ أَلِيمٌ.

مجاهد بن جبر المخزومي

تفسير : أَنبا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: ثنا آدم قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِيناً} [الآية: 4]. قال: كنا نطعم في كفارة اليمين لكل مسكين مُدّين. أَنبا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: نا حماد بن سلمة، عن عطاءِ بن السائب، عن أَبيه عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: جاءَت اليهود إِلى النبي صلى الله عليه [وسلم]، فقالوا له: السلام عليك، يريدون بذلك شتمه، وقالوا في أَنفسهم: {لَوْلاَ يُعَذِّبُنَا ٱللَّهُ بِمَا نَقُولُ} [الآية: 8] يعنون: أَلا يعذبنا الله بما نقول، حين نشتم محمداً. فأَنزل الله عز وجل: {حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ} [الآية: 8].

همام الصنعاني

تفسير : 3167- عبد الرزاق، عن معمر، عن أيوب أحسبه ذكره عن عِكْرِمة، أَنَّ الرجل قال: والله يا نبي الله، ما أجد رقبة! فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "ما أنا بزائدك"؛ فأنزل الله تعالى عليه: {فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِن قَبْلِ أَن يَتَمَآسَّا}: [الآية: 4]، فقال: والله يا نبي الله ما أطيق الصَّوْمَ، إني إذا لم آكل في اليومَ كذا وكذا أكلةً لقيت ولقيت، فجعل يشكو إليه. فقال: "ما أنا بزائدك". فنزلت: {فَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِيناً}: [الآية: 4].