Verse. 5109 (AR)

٥٨ - ٱلْمُجَادِلَة

58 - Al-Mujadila (AR)

اِنَّ الَّذِيْنَ يُحَاۗدُّوْنَ اللہَ وَرَسُوْلَہٗ كُبِتُوْا كَـمَا كُبِتَ الَّذِيْنَ مِنْ قَبْلِہِمْ وَقَدْ اَنْزَلْنَاۗ اٰيٰتٍؚبَيِّنٰتٍ۝۰ۭ وَ لِلْكٰفِرِيْنَ عَذَابٌ مُّہِيْنٌ۝۵ۚ
Inna allatheena yuhaddoona Allaha warasoolahu kubitoo kama kubita allatheena min qablihim waqad anzalna ayatin bayyinatin walilkafireena AAathabun muheenun

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«إن الذين ُيَحادُّونَ» يخالفون «الله ورسوله كبتوا» أذلوا «كما كبت الذين من قبلهم» في مخالفتهم رسلهم «وقد أنزلنا آيات بينات» دالة على صدق الرسول «وللكافرين» بالآيات «عذاب مهين» ذو إهانة.

5

Tafseer

الرازي

تفسير : وفيه مسألتان: المسألة الأولى: في المحادة قولان قال المبرد: أصل المحادة الممانعة، ومنه يقال للبواب: حداد، وللمنوع الرزق محدود، قال أبو مسلم الأصفهاني: المحادة مفاعلة من لفظ الحديد، والمراد المقابلة بالحديد سواء كان ذلك في الحقيقة، أو كان ذلك منازعة شديدة شبيهة بالخصومة بالحديد، أما المفسرون فقالوا: يحادون أي يعادون ويشاقون، وذلك تارة بالمحاربة مع أولياء الله وتارة بالتكذيب والصد عن دين الله. المسألة الثانية: الضمير في قوله: {يُحَادُّونَ } يمكن أن يكون راجعاً إلى المنافقين، فإنهم كانوا يوادون الكافرين ويظاهرون على الرسول عليه السلام فأذلهم الله تعالى، ويحتمل سائر الكفار فأعلم الله رسوله أنهم {كُبِتُواْ } أي خذلوا، قال المبرد: يقال: كبت الله فلاناً إذا أذله، والمردود بالذل يقال له: مكبوت، ثم قال: {كَمَا كُبِتَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ } من أعداء الرسل: {وَقَدْ أَنزَلْنَا ءايَـٰتٍ بَيّنَـٰتٍ } تدل على صدق الرسول: {وَلِلْكَـٰفِرِينَ } بهذه الآيات: {عَذَابٌ مُّهِينٌ } يذهب بعزهم وكبرهم، فبين سبحانه أن عذاب هؤلاء المحادين في الدنيا الذل والهوان، وفي الآخرة العذاب الشديد. ثم ذكر تعالى ما به يتكامل هذا الوعيد فقال:

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ يُحَآدُّونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ} لما ذكر المؤمنين الواقفين عند حدوده ذكر المحادين المخالفين لها. والمحادة المعاداة والمخالفة في الحدود؛ وهو مثل قوله تعالى: {أية : ذٰلِكَ بِأَنَّهُمْ شَآقُّواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ} تفسير : [الأنفال:13]. وقيل: {يُحَآدُّونَ ٱللَّهَ} أي أولياء الله كما في الخبر: «من أهان لي ولياً فقد بارزني بالمحاربة». وقال الزجاج: المحادّة أن تكون في حدّ يخالف حدّ صاحبك. وأصلها الممانعة؛ ومنه الحديد، ومنه الحدّاد للبوّاب. {كُبِتُواْ} قال أبو عبيدة والأخفش: أهلكوا. وقال قتادة: اخْزُوا كما أُخْزِي الذين من قبلهم. وقال ٱبن زيد: عذبوا. وقال السدي: لعنوا. وقال الفراء: غيظوا يوم الخندق. وقيل: يوم بدر. والمراد المشركون. وقيل: المنافقون. {كَمَا كُبِتَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ}. وقيل: «كُبِتُوا» أي سيكبتون، وهو بشارة من الله تعالى للمؤمنين بالنصر، وأخرج الكلام بلفظ الماضي تقريباً للمخبر عنه. وقيل: هي بلغة مَذْحج. {وَقَدْ أَنزَلْنَآ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ} فيمن حادّ الله ورسوله من الذين قبلهم فيما فعلنا بهم. {وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُّهِينٌ}. قوله تعالى: {يَوْمَ} نصب بـ «ـعَذَابٍ مُهِينٍ» أو بفعل مضمر تقديره وٱذكر تعظيماً لليوم. {يَبْعَثُهُمُ ٱللَّهُ جَمِيعاً} أي الرجال والنساء يبعثهم من قبورهم في حالة واحدة {فَيُنَبِّئُهُمْ} أي يخبرهم {بِمَا عَمِلُوۤاْ} في الدنيا {أَحْصَاهُ ٱللَّهُ} عليهم في صحائف أعمالهم {وَنَسُوهُ} هم حتى ذكرهم به في صحائفهم ليكون أبلغ في الحجة عليهم. {وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} مطّلع وناظر لا يخفى عليه شيء.

ابن كثير

تفسير : يخبر تعالى عمن شاقوا الله ورسوله وعاندوا شرعه {كُبِتُواْ كَمَا كُبِتَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ} أي: أهينوا ولعنوا وأخزوا؛ كما فعل بمن أشبههم ممن قبلهم {وَقَدْ أَنزَلْنَآ ءَايَـٰتٍ بَيِّنَـٰتٍ} أي: واضحات، لا يعاندها ولا يخالفها إلا كافر فاجر مكابر {وَلِلْكَـٰفِرِينَ عَذَابٌ مُّهِينٌ} أي: في مقابلة ما استكبروا عن اتباع شرع الله والانقياد له والخضوع لديه. ثم قال تعالى: {يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ ٱللَّهُ جَمِيعاً} وذلك يوم القيامة يجمع الله الأولين والآخرين في صعيد واحد {فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُواْ} أي: فيخبرهم بالذي صنعوا من خير وشر {أَحْصَـٰهُ ٱللَّهُ وَنَسُوهُ} أي: ضبطه الله، وحفظه عليهم، وهم قد نسوا ما كانوا عملوا {وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ شَهِيدٌ} أي: لا يغيب عنه شيء، ولا يخفى، ولا ينسى شيئاً. ثم قال تعالى مخبراً عن إحاطة علمه بخلقه، واطلاعه عليهم وسماعه كلامهم، ورؤيته مكانهم حيث كانوا، وأين كانوا، فقال تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلأَرْضِ مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَىٰ ثَلَـٰثَةٍ} أي: من سر ثلاثة {إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ وَلاَ خَمْسَةٍ إِلاَّ هُوَ سَادِسُهُمْ وَلاَ أَدْنَىٰ مِن ذَلِكَ وَلاَ أَكْثَرَ إِلاَّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُواْ} أي: مطلع عليهم، يسمع كلامهم وسرهم ونجواهم، ورسله أيضاً مع ذلك تكتب ما يتناجون به، مع علم الله به وسمعه له؛ كما قال تعالى: {أية : أَلَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ وَأَنَّ ٱللَّهَ عَلَّـٰمُ ٱلْغُيُوبِ} تفسير : [التوبة: 78] وقال تعالى: {أية : أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لاَ نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَٰهُم بَلَىٰ وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ} تفسير : [الزخرف: 80] ولهذا حكى غير واحد الإجماع على أن المراد بهذه الآية معية علمه تعالى، ولا شك في إرادة ذلك، ولكن سمعه أيضاً مع علمه بهم محيط بهم، وبصره نافذ فيهم، فهو سبحانه وتعالى مطلع على خلقه، لا يغيب عنه من أمورهم شيء. ثم قال تعالى: {ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُواْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ إِنَّ ٱللَّهَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ} وقال الإمام أحمد: افتتح الآية بالعلم، واختتمها بالعلم.

المحلي و السيوطي

تفسير : {إِنَّ ٱلَّذِينَ يُحَادُّونَ } يخالفون {ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ كُبِتُواْ } أذلوا {كَمَا كُبِتَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ } في مخالفتهم رسلهم {وَقَدْ أَنزَلْنَا ءايَٰتٍ بَيّنَٰتٍ } دالة على صدق الرسول {وَلِلْكَٰفِرِينَ } بالآيات {عَذَابٌ مُّهِينٌ } ذو إهانة.

الشوكاني

تفسير : قوله: {إِنَّ ٱلَّذِينَ يُحَادُّونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ } لما ذكر سبحانه المؤمنين الواقفين عند حدوده ذكر المحادّين، والمحادّة: المشاقة، والمعاداة، والمخالفة، ومثله قوله: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ يُحَادُّونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ}تفسير : [المجادلة: 20] قال الزجاج: المحادّة أن تكون في حدّ يخالف صاحبك، وأصلها الممانعة، ومنه الحديد، ومنه الحدّاد للبوّاب {كُبِتُواْ كَمَا كُبِتَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ } أي: أذلوا وأخزوا، يقال: كبت الله فلاناً: إذا أذله، والمردود بالذلّ يقال له: مكبوت. قال المقاتلان: أخزوا، كما أخزي الذين من قبلهم من أهل الشرك، وكذا قال قتادة، وقال أبو عبيدة، والأخفش: أهلكوا. وقال ابن زيد: عذبوا. وقال السديّ: لعنوا. وقال الفرّاء: أغيظوا، والمراد بمن قبلهم: كفار الأمم الماضية المعادين لرسل الله، وعبّر عن المستقبل بلفظ الماضي تنبيهاً على تحقق وقوعه، وقيل المعنى: على المضيّ، وذلك ما وقع للمشركين يوم بدر، فإن الله كبتهم بالقتل والأسر، والقهر، وجملة {وَقَدْ أَنزَلْنَا ءايَـٰتٍ بَيّنَـٰتٍ } في محل نصب على الحال من الواو في كبتوا، أي: والحال أنا قد أنزلنا آيات واضحات فيمن حادّ الله ورسله من الأمم المتقدّمة، وقيل: المراد الفرائض التي أنزلها الله سبحانه، وقيل: هي المعجزات {وَلِلْكَـٰفِرِينَ عَذَابٌ مُّهِينٌ } أي: للكافرين بكل ما يجب الإيمان به. فتدخل الآيات المذكورة هنا دخولاً أوّلياً، والعذاب المهين: الذي يهين صاحبه، ويذله، ويذهب بعزّه {يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ ٱللَّهِ جَمِيعاً } الظرف منتصب بإضمار اذكر، أو بمهين، أو بما تعلق به اللام من الاستقرار، أو بأحصاه المذكور بعده، وانتصاب {جميعاً} على الحال، أي: مجتمعين في حالة واحدة، أو يبعثهم كلهم لا يبقي منهم أحد غير مبعوث {فَيُنَبّئُهُمْ بِمَا عَمِلُواْ } أي: يخبرهم بما عملوه في الدنيا من الأعمال القبيحة توبيخاً لهم وتبكيتاً، ولتكميل الحجة عليهم، وجملة {أَحْصَـٰهُ ٱللَّهُ وَنَسُوهُ } مستأنفة جواب سؤال مقدّر، كأنه قيل كيف ينبئهم بذلك على كثرته واختلاف أنواعه، فقيل: أحصاه الله جميعاً، ولم يفته منه شيء، والحال أنهم قد نسوه ولم يحفظوه، بل وجدوه حاضراً مكتوباً في صحائفهم {وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلّ شَىْء شَهِيدٌ } لا يخفى عليه شيء من الأشياء، بل هو مطلع وناظر. ثم أكّد سبحانه بيان كونه عالماً بكل شيء، فقال: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَمَا فِي ٱلأرْضِ} أي: ألم تعلم أن علمه محيط بما فيهما بحيث لا يخفى عليه شيء مما فيهما، وجملة: {مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَىٰ ثَلَـٰثَةٍ } إلخ مستأنفة؛ لتقرير شمول علمه وإحاطته بكل المعلومات. قرأ الجمهور: {يكون} بالتحتية. وقرأ أبو جعفر بن القعقاع، والأعرج، وأبو حيوة بالفوقية، وكان على القراءتين تامة، و"من" مزيدة للتأكيد، ونجوى فاعل كان، والنجوى: السرار، يقال: قوم نجوى، أي: ذو نجوى، وهي مصدر. والمعنى: ما يوجد من تناجي ثلاثة، أو من ذوي نجوى،ويجوز أن تطلق النجوى على الأشخاص المتناجين، فعلى الوجه الأوّل انخفاض ثلاثة بإضافة نجوى إليه، وعلى الوجهين الآخرين يكون انخفاضها على البدل من نجوى، أو الصفة لها. قال الفرّاء: ثلاثة نعت للنجوى، فانخفضت، وإن شئت أضفت نجوى إليها، ولو نصبت على إضمار فعل جاز، وهي قراءة ابن أبي عبلة، ويجوز رفع ثلاثة على البدل من موضع نجوى {إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ } هذه الجملة في موضع نصب على الحال، وكذا قوله: {إِلاَّ هُوَ سَادِسُهُمْ } {إِلاَّ هُوَ مَعَهُمْ } أي: ما يوجد شيء من هذه الأشياء إلاّ في حال من هذه الأحوال، فالاستثناء مفرّغ من أعمّ الأحوال، ومعنى رابعهم جاعلهم أربعة، وكذا سادسهم: جاعلهم ستة من حيث إنه يشاركهم في الاطلاع على تلك النجوى {وَلاَ خَمْسَةٍ } أي: ولا نجوى خمسة، وتخصيص العددين بالذكر؛ لأن أغلب عادات المتناجين أن يكونوا ثلاثة، أو خمسة؛ أو كانت الواقعة التي هي سبب النزول في متناجين كانوا ثلاثة في موضع، وخمسة في موضع. قال الفراء: العدد غير مقصود؛ لأنه سبحانه مع كل عدد قلّ أو كثر، يعلم السر والجهر، لا تخفى عليه خافية {وَلاَ أَدْنَىٰ مِن ذَلِكَ وَلاَ أَكْثَرَ إِلاَّ هُوَ مَعَهُمْ } أي: ولا أقلّ من العدد المذكور: كالواحد والاثنين، ولا أكثر منه كالستة والسبعة إلاّ هو معهم يعلم ما يتناجون به لا يخفى عليه منه شيء. قرأ الجمهور: {ولا أكثر} بالجرّ بالفتحة عطفاً على لفظ نجوى. وقرأ الحسن، والأعمش، وابن أبي إسحاق، وأبو حيوة، ويعقوب، وأبو العالية، ونصر، وعيسى بن عمر، وسلام بالرفع عطفاً على محل نجوى. وقرأ الجمهور: {ولا أكثر} بالمثلثة. وقرأ الزهري، وعكرمة بالموحدة. قال الواحدي: قال المفسرون: إن المنافقين واليهود كانوا يتناجون فيما بينهم، ويوهمون المؤمنين أنهم يتناجون فيما يسوءهم، فيحزنون لذلك، فلما طال ذلك وكثر شكوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأمرهم أن لا يتناجوا دون المسلمين، فلم ينتهوا عن ذلك، وعادوا إلى مناجاتهم، فأنزل الله هذه الآيات، ومعنى {أَيْنَمَا كَانُواْ } إحاطة علمه بكل تناج يكون منهم في أيّ مكان من الأمكنة {ثُمَّ يُنَبّئُهُم } أي: يخبرهم {بِمَا عَمِلُواْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ } توبيخاً لهم، وتبكيتاً، وإلزاماً للحجة {أَنَّ ٱللَّهَ بِكُلّ شَىْء عَلِيمٌ } لا يخفى عليه شيء كائناً ما كان. {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ نُهُواْ عَنِ ٱلنَّجْوَىٰ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ } هؤلاء الذين نهوا، ثم عادوا لما نهوا عنه، هم من تقدّم ذكره من المنافقين واليهود. قال مقاتل: كان بين النبيّ صلى الله عليه وسلم وبين اليهود مواعدة، فإذا مرّ بهم الرجل من المؤمنين تناجوا بينهم حتى يظنّ المؤمن شرّاً، فنهاهم الله، فلم ينتهوا، فنزلت. وقال ابن زيد: كان الرجل يأتي النبيّ صلى الله عليه وسلم، فيسأله الحاجة، ويناجيه، والأرض يومئذٍ حرب، فيتوهمون أنه يناجيه في حرب، أو بلية، أو أمر مهمّ، فيفزعون لذلك {وَيَتَنَـٰجَوْنَ بِٱلإثْمِ وَٱلْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ ٱلرَّسُولِ } قرأ الجمهور: {يتناجون} بوزن يتفاعلون، واختار هذه القراءة أبو عبيد، وأبو حاتم، لقوله فيما بعد: {إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلاَ تَتَنَـٰجَوْاْ }. وقرأ حمزة، وخلف، وورش عن يعقوب: (وينتجون) بوزن يفتعلون، وهي قراءة ابن مسعود وأصحابه، وحكى سيبويه أن تفاعلوا وافتعلوا يأتيان بمعنى واحد نحو تخاصموا واختصموا، وتقاتلوا واقتتلوا، ومعنى الإثم: ما هو إثم في نفسه كالكذب والظلم، والعدوان: ما فيه عدوان على المؤمنين، ومعصية الرسول: مخالفته. قرأ الجمهور: {ومعصية} بالإفراد. وقرأ الضحاك، وحميد، ومجاهد: (ومعصيات) بالجمع {وَإِذَا جَاءوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيّكَ بِهِ ٱللَّهُ } قال القرطبي: إن المراد بها اليهود كانوا يأتون النبيّ صلى الله عليه وسلم، فيقولون: السام عليك يريدون بذلك السلام ظاهراً، وهم يعنون الموت باطناً، فيقول النبيّ صلى الله عليه وسلم:«حديث : عليكم»تفسير : . وفي رواية أخرى:«حديث : وعليكم» تفسير : {وَيَقُولُونَ فِى أَنفُسِهِمْ } أي: فيما بينهم {لَوْلاَ يُعَذّبُنَا ٱللَّهُ بِمَا نَقُولُ } أي: هلا يعذبنا بذلك، ولو كان محمد نبياً لعذبنا بما يتضمنه قولنا من الاستخفاف به. وقيل المعنى: لو كان نبياً لاستجيب له فينا حيث يقول: وعليكم، ووقع علينا الموت عند ذلك {حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ } عذاباً {يَصْلَوْنَهَا } يدخلونها {فَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ } أي: المرجع، وهو جهنم. {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلاَ تَتَنَـٰجَوْاْ بِٱلإثْمِ وَٱلْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَةِ ٱلرَّسُولِ } لما فرغ سبحانه عن نهي اليهود والمنافقين عن النجوى أرشد المؤمنين إذا تناجوا فيما بينهم أن لا يتناجوا بما فيه إثم وعدوان، ومعصية لرسول الله، كما يفعله اليهود والمنافقون. ثم بيّن لهم ما يتناجون به في أنديتهم وخلواتهم، فقال: {وَتَنَـٰجَوْاْ بِٱلْبِرّ وَٱلتَّقْوَىٰ } أي: بالطاعة وترك المعصية، وقيل: الخطاب للمنافقين، والمعنى: يا أيها الذين آمنوا ظاهراً، أو بزعمهم، واختار هذا الزجاج. وقيل: الخطاب لليهود. والمعنى: يا أيها الذين آمنوا بموسى، والأوّل أولى، ثم خوفهم سبحانه، فقال: {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ٱلَّذِى إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ }، فيجزيكم بأعمالكم. ثم بيّن سبحانه أن ما يفعله اليهود والمنافقون من التناجي هو من جهة الشيطان، فقال: {إِنَّمَا ٱلنَّجْوَىٰ } يعني: بالإثم والعدوان، ومعصية الرسول {مِنَ ٱلشَّيْطَـٰنِ } لا من غيره، أي: من تزيينه وتسويله {لِيَحْزُنَ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ } أي: لأجل أن يوقعهم في الحزن بما يحصل لهم من التوهم أنها في مكيدة يكادون بها {وَلَيْسَ بِضَارّهِمْ شَيْئاً } أو، وليس الشيطان، أو التناجي الذي يزينه الشيطان بضارّ المؤمنين شيئًا من الضرر {إِلاَّ بِإِذْنِ ٱللَّهِ } أي: بمشيئته، وقيل: بعلمه {وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ } أي: يكلون أمرهم إليه، ويفوّضونه في جميع شؤونهم، ويستعيذون بالله من الشيطان، ولا يبالون بما يزينه من النجوى. وقد أخرج أحمد، وعبد بن حميد، والبزار، وابن المنذر، والطبراني، وابن مردويه، والبيهقي في الشعب. قال السيوطي بسندٍ جيد عن ابن عمر: إن اليهود كانوا يقولون لرسول الله صلى الله عليه وسلم: السام عليك، يريدون بذلك شتمه، ثم يقولون في أنفسهم: {لولا يعذبنا الله بما نقول}، فنزلت هذه الآية: {وَإِذَا جَاءوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيّكَ بِهِ ٱللَّهُ }. وأخرج أحمد، وعبد بن حميد، والبخاري، والترمذي وصححه عن أنس: أن يهودياً أتى النبيّ صلى الله عليه وسلم وأصحابه فقال: السام عليكم، فردّ عليه القوم، فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم: «حديث : هل تدرون ما قال هذا»تفسير : ؟ قالوا: الله أعلم، سلم يا نبيّ الله، قال: «حديث : لا، ولكنه قال كذا، وكذا، ردّوه عليّ» تفسير : فردّوه، قال: «حديث : قلت: السام عليكم؟» تفسير : قال: نعم، قال النبيّ صلى الله عليه وسلم عند ذلك: «حديث : إذا سلم عليكم أحد من أهل الكتاب، فقولوا: عليك، ما قلت»تفسير : . قال: {وَإِذَا جَاءوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيّكَ بِهِ ٱللَّهُ }. وأخرج البخاري، ومسلم، وغيرهما عن عائشة قالت: دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم يهود، فقالوا: السام عليك يا أبا القاسم، فقالت عائشة: عليكم السام واللعنة، فقال: «حديث : يا عائشة إن الله لا يحب الفحش ولا المتفحش»تفسير : ، قلت: ألا تسمعهم يقولون السام؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:حديث : أو ما سمعتني أقول: وعليكمتفسير : : فأنزل الله: {وَإِذَا جَاءوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيّكَ بِهِ ٱللَّهُ }. وأخرج ابن أبي حاتم، وابن مردويه عن ابن عباس في هذه الآية قال: كان المنافقون يقولون لرسول الله صلى الله عليه وسلم إذا حيوه: سام عليك، فنزلت. وأخرج ابن مردويه عنه قال: كان النبيّ صلى الله عليه وسلم إذا بعث سرية وأغزاها، التقى المنافقون، فأنغضوا رءوسهم إلى المسلمين، ويقولون: قتل القوم، وإذا رأوا رسول الله تناجوا وأظهروا الحزن، فبلغ ذلك من النبيّ صلى الله عليه وسلم ومن المسلمين، فأنزل الله: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلاَ تَتَنَـٰجَوْاْ بِٱلإثْمِ وَٱلْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَةِ ٱلرَّسُولِ } الآية. وأخرج البخاري، ومسلم، وغيرهما عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إذا كنتم ثلاثة، فلا يتناجى اثنان دون الثالث، فإن ذلك يحزنه»تفسير : . وأخرج ابن أبي حاتم، وابن مردويه عن أبي سعيد قال: كنا نتناوب رسول الله صلى الله عليه وسلم يطرقه أمر، أو يأمر بشيء، فكثر أهل النوب والمحتسبون ليلة حتى إذا كنا أنداء نتحدّث، فخرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم من الليل فقال:حديث : ما هذه النجوى؟ ألم تنهوا عن النجوىتفسير : ؟ قلنا: يا رسول الله إنا كنا في ذكر المسيح فرقاً منه، فقال: حديث : ألا أخبركم مما هو أخوف عليكم عندي منهتفسير : ؟ قلنا: بلى يا رسول الله. قال: حديث : الشرك الخفيّ أن يقوم الرجل يعمل لمكان رجل»تفسير : . قال ابن كثير: هذا إسناد غريب، وفيه بعض الضعفاء.

الماوردي

تفسير : {إن الذين يحادُّون الله ورسوله} فيه وجهان: أحدهما: يعادون الله ورسوله، قاله مجاهد. الثاني: يخالفون الله ورسوله، قاله الكلبي. وفي أصل المحادة وجهان: أحدهما: أن تكون في حد يخالف حد صاحبك، قاله الزجاج. الثاني: أنه مأخوذ من الحديد المعد للمحادة. {كبتوا كما كبت الذين من قبلهم} فيه أربعة أوجه: أحدها: [أخزوا] كما أخزي الذين من قبلهم، قاله قتادة. الثاني: معناه أهلكوا كما أهلك الذين من قبلهم، قاله الأخفش وأبو عبيدة. الثالث: لعنوا كما لعن الذين من قبلهم، قاله السدي، وقيل هي بلغة مذحج الرابع: ردوا مقهورين.

ابن عطية

تفسير : هذه الآيات نزلت في منافقين وقوم من اليهود كانوا في المدينة يتمرسون برسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين، ويتربصون بهم الدوائر، ويدبرون عليهم ويتمنون فيهم المكروه ويتناجون بذلك، فنزلت هذه الآيات إلى آخر أمر النجوى فيهم، والمحادة: أن يعطي الإنسان صاحبه حد قوله أو سلاحه وسائر أفعاله. وقال قوم: هو أن يكون الإنسان في حد، وصاحبه في حد مخالف. و: كبت الرجل: إذا بقي خزيان يبصر ما يكره ولا يقدر على دفعه. وقال قوم منهم أبو عبيدة أصله كبدوا، أي أصابهم داء في أكبادهم، فأبدلت الدال تاء. قال القاضي أبو محمد: وهذا غير قوي. و: {الذين من قبلهم} سابقو الأمم الماضية الذين حادوا الرسل قديماً. وقوله تعالى: {وقد أنزلنا آيات بينات} يريد في هذا القرآن، فليس هؤلاء المنافقون بأعذر من المتقدمين. وقوله تعالى: {يوم يبعثهم الله} العامل في: {يوم} قوله: {مهين}، ويحتمل أن يكون فعلاً مضمراً تقديره: اذكر. وقوله: {ونسوه} نسيان على بابه، لأن الكافر لا يحفظ تفاصيل أعماله ولما أخبر تعالى أنه {على كل شيء شهيد} وقف محمد عليه السلام توقيفاً تشاركه فيه أمته. وقوله تعالى: {من نجوى ثلاثة}، يحتمل {من نجوى} أن يكون مصدراً مضافاً إلى {ثلاثة}، كأنه قال: من سرار ثلاثة، ويحتمل {نجوى} أن يكون المراد به جمعاً من الناس مسمى بالمصدر كما قال في آية أخرى: {أية : وإذ هم نجوى} تفسير : [الإسراء: 47] أي أولو نجوى، فيكون قوله تعالى: {ثلاثة} على هذا بدلاً {من نجوى} وفي هذا نظر. وقوله تعالى: {إلا هو رابعهم} أي بعلمه وإحاطته ومقدرته. وقرأ جمهور الناس: "ما يكون" وقرأ أبو جعفر القارئ وأبو جيوة: "ما تكون" بالتاء منقوطة من فوق. وفي مصحف ابن مسعود: "ولا أربعة إلا الله خامسهم"، وكذلك: "إلا الله رابعهم"، و: "إلا الله سادسهم". وقرأ جمهور القراء: "ولا أكثر" عطفاً على اللفظ المخفوض، وقرأ الأعمش والحسن وابن أبي إسحاق: "ولا أكثرُ" بالرفع عطفاً على الموضع، لأن التقدير ما يكون نجوى، ومن جعل النجوى مصدراً محضاً قدر قبل {أدنى} فعلاً تقديره: ولا يكون أدنى. وقرأ الخليل بن أحمد: "ولا أكبر"، بالباء واحدة من تحت، وباقي الآية بين.

ابن عبد السلام

تفسير : {يُحَآدُّونَ} يعادون، أو يخالفون، من الحديد المعد للمحاربة، أو أن تكون في حد يخالف حد صاحبك {كُبِتُواْ} أخزوا، أو أهلكوا، أو لعنوا، بلغة مذحج، أو ردوا مقهورين.

الخازن

تفسير : قوله عز وجل: {إن الذين يحادون الله ورسوله} أي يعادون الله ورسوله ويشاقون ويخالفون أمرهما، {كبتوا} أي ذلوا وأخزوا وأهلكوا {كما كبت الذين من قبلهم} أي كما أخزي من كان قبلهم من أهل الشرك، {وقد أنزلنا آيات بينات} يعني فرائض وأحكاماً. {وللكافرين} أي الذين لم يعملوا بها وجحدوها {عذاب مهين يوم يبعثهم الله جميعاً فينبئهم بما عملوا أحصاه الله} أي حفظ الله أعمالهم {ونسوه} أي نسوا ما كانوا يعملون في الدنيا، {والله على كل شيء شهيد} قوله تعالى: {ألم تر} أي ألم تعلم {أن الله يعلم ما في السموات وما في الأرض} يعني أنه سبحانه وتعالى عالم بجميع المعلومات لا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماوات ثم أكد ذلك بقوله تعالى: {ما يكون من نجوى ثلاثة} أي من أسرار ثلاثة وهي المسارة والمشاورة والمعني ما من شيء يناجي به الرجل صاحبه وقيل ما يكون من متناجين ثلاثة يسارر بعضهم بعضاً {إلا هو رابعهم} أي بالعلم يعني يعلم نجواهم كأنه حاضر معهم ومشاهدهم كما تكون نجواهم معلومة عند الرابع الذي يكون معهم {ولا خمسة إلا هو سادسهم} فإن قلت لما خص الثلاثة والخمسة. قلت: أقل ما يكفي في المشاورة ثلاثة حتى يتم الغرض فيكون اثنان كالمتنازعين في النفي والإثبات والثالث كالمتوسط الحاكم بينهما فحينئذ تحمد تلك المشاورة ويتم ذلك الغرض وهكذا كل جمع يجتمع للمشاورة لا بد من واحد يكون حكماً بينهم مقبول القول وقيل إن العدد الفرد أشرف من الزوج فلهذا خص الله تعالى الثلاثة والخمسة ثم قال تعالى: {ولا أدنى من ذلك ولا أكثر} يعني ولا أقل من ثلاثة وخمسة ولا أكثر من ذلك العدد {إلا هو معهم أينما كانوا} أي بالعلم والقدرة، {ثم ينبئهم بما عملوا يوم القيامة إن الله بكل شيء عليم} قوله عز وجل: {ألم تر إلى الذين نهوا عن النجوى} نزلت في اليهود والمنافقين وذلك أنهم كانوا يتناجون فيما بينهم دون المؤمنين وينظرون إلى المؤمنين ويتغامزون بأعينهم ويوهمون المؤمنين أنهم يتناجون بما يسوءهم فيحزن المؤمنين لذلك ويقولون ما نراهم إلا قد بلغهم عن إخواننا الذين خرجوا في السرايا قتل أو هزيمة فيقع ذلك في قلوبهم ويحزنهم فلما طال على المؤمنين وكثر شكوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمرهم أن لا يتناجوا دون المؤمنين فلم ينتهوا فأنزل الله ألم تر إلى الذين نهوا عن النجوى أي المناجاة فيما بينهم، {ثم يعودون لما نهوا عنه} أي يرجعون إلى المناجاة التي نهوا عنها {ويتناجون بالإثم والعدوان} يعني ذلك السر الذي كان بينهم لأنه إما مكر وكيد بالمسلمين أي شيء يسوءهم وكلاهما إثم وعدوان، {ومعصية الرسول} وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان قد نهاهم عن النجوى فعصوه وعادوا إليها وقيل معناه يوصي بعضهم بعضاً بمعصية الرسول {وإذا جاؤوك} يعني اليهود {حيوك بما لم يحيك به الله} وذلك أن اليهود كانوا يدخلون على النبي صلى الله عليه وسلم ويقولون السام عليك والسام الموت وهم يوهمونه بأنهم يسلمون عليه وكان النبي صلى الله عليه وسلم يرد فيقول عليكم {ويقولون في أنفسهم} يعني إذا خرجوا من عنده قالوا {لولا يعذبنا الله بما نقول} يريدون لو كان نبياً لعذبنا الله بما نقول من الاستخفاف به قال الله تعالى: {حسبهم جهنم يصلونها فبئس المصير} المعنى أن تقديم العذاب إنما يكون بحسب المشيئة والمصلحة وإذا لم تقتض المشيئة والمصلحة تقديم العذاب فعذاب جهنم يوم القيامة كافيهم (ق) عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت "حديث : دخل رهط من اليهود على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا السام عليك قالت عائشة ففهمتها فقلت عليكم السام واللعنة قالت فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم مهلاً يا عائشة إن الله يحب الرفق في الأمر كله فقلت يا رسول الله ألم تسمع ما قالوا؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قلت عليكم" تفسير : وللبخاري "حديث : إن اليهود أتوا النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا السام عليك فقال وعليكم فقالت عائشة السام عليكم ولعنكم الله وغضب عليكم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم يا عائشة عليك بالرفق وإياك والعنف والفحش قالت أولم تسمع ما قالوا؟ قال أولم تسمعي ما قلت رددت عليهم فيستجاب لي فيهم ولا يستجاب لهم في" تفسير : السام الموت قال الخطابي عامة المحدثين يروون إذا سلم عليكم أهل الكتاب فإنما يقولون السام عليكم فقولوا وعليكم الحديث فيثبتون الواو في وعليكم وكان سفيان بن عيينة يرويه بغير واو قال وهو الصواب لأنه إذا حذف الواو صار قولهم الذي قالوا مردوداً عليهم بعينه وإذا أثبت الواو وقع الاشتراك معهم لأن الواو تجمع بين الشيئين، والعنف ضد الرفق واللين، والفحش الرديء من القول.

الثعالبي

تفسير : وقوله سبحانه: {إِنَّ ٱلَّذِينَ يُحَادُّونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ كُبِتُواْ...} الآية: نزلت في قوم من المنافقين واليهود، كانوا يتربَّصُون برسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وبالمؤمنين الدوائرَ، ويتمنَّون فيهم المكروهَ، ويتناجون بذلك؛ وكُبِتَ الرجل: إذا بَقِيَ خَزْيَانَ يُبْصِرُ ما يكره، ولا يَقْدِرُ على دفعه، وقال قوم منهم أبو عبيدة: أصله كبدوا، أي: أصابهم داء في أكبادهم، فأُبْدِلَتِ الدَّالُ تاءً، وهذا غير قويٍّ، و{ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ}: منافقو الأمم الماضية، ولفظ البخاريِّ: {كُبِتُواْ}: أُحْزِنُوا. وقوله تعالى: {وَلِلْكَـٰفِرِينَ عَذَابٌ مُّهِينٌ * يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ ٱللَّهُ}: العامل في {يَوْمَ} قوله: {مُّهِينٌ}، ويحتمل أنْ يكون فعلاً مُضْمَراً تقديره: اذكر. وقوله تعالى: {إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ} أي: بعلمه وإحاطته وقُدْرَتِهِ، وعبارة الثعلبيِّ {إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ}: يعلم ويسمع نجواهم، يدل على ذلك افتتاح الآية وخاتمتُها، انتهى.

البقاعي

تفسير : ولما ذكر حدوده، ولوح بالعطف على غير معطوف عليه إلى بشارة حافظها، وصرح بتهديد متجاوزيها أتبع ذلك تفصيل عذابهم الذي منه بشارة المؤمنين بالنصر عليهم، فقال مؤكداً لأجل إنكارهم لأن يغلبوا على كثرتهم وقوتهم وضعف حزبه وقلتهم: {إن الذين يحادّون الله} أي يغالبون الملك الأعلى على حدوده ليجعلوا حدوداً غيرها، وذلك صورته صورة العداوة، مجددين ذلك مستمرين عليه بأي محادة كانت ولو كانت خفية - بما أشار إليه الإدغام كمحادة أهل الاتحاد الذين يتبعون المتشابه فيجرونه على ظاهره فيخلون به المحكم لتخل الشريعة بأسرها، فإن كثيراً من السورة نزل في المنافقين واليهود والمهادنين كما يأتي في النجوى وغيرها {ورسوله} الذي عزه من عزه {كبتوا} أي صرعوا وكبوا لوجوههم وكسروا وأذلوا وأخزوا فلم يظفروا وردوا بغيظهم في كل أمر يرومونه من أي كانت كان بأيسر أمر وأسهله، وعبر بالماضي إشارة إلى تحقق وقوعه والفراغ من قضائه كما فرغ مما مضى، فلا قال لتكون الدعوى مقرونة بدليلها: {كما كبت الذين} ولما كان المحادون لم يستغرقوا جميع الأزمان الماضية والأماكن، أدخل الجارّ فقال: {من قبلهم} أي المحادين كقوم نوح ومن بعدهم ممن أصر على العصيان، ولم ينقد لدليل ولا برهان، قال القشيري: ومن ضيع لرسول الله صلى الله عليه وسلم سنة وأحدث في دينه بدعة انخرط في هذا السلك، ووقع في هذا الذل. ولما استوفى المقام حظه بياناً وترغيباً وترهيباً، عطف على أول السورة أو على ما يقدر من نحو: فقد كان لكم فيما مضى من أول الإسلام إلى هذا الأوان مما يدل على كونه سبحانه بالنصر والمعونة مع نبيه صلى الله عليه وسلم وأتباعه رضي الله عنهم معتبر، قوله: {وقد أنزلنا} أي بما لنا من العظمة عليكم وعلى من قبلكم {آيات بينات} أي دلالات عظيمة هي في غاية البيان لذلك ولكل ما يتوقف عليه الإيمان بترك المحادة ويحصل الإذعان. ولما كان التقدير: فللمؤمنين بها نعيم مقيم في مقام أمين، عطف عليه قوله: {وللكافرين} أي الراسخين في الكفر بها وتغيرها من أمر الله {عذاب مهين *} بما تكبروا واغتروا على أولياء الله وشرائعه، يهينهم ذلك العذاب ويذهب عزهم وشماختهم ويتركون به محادتهم. ولما ذكر عذابهم، ذكر وقته على وجه مقرر لما مضى من شمول علمه وكمال قدرته فقال: {يوم يبعثهم الله} أي يكون ذلك في وقت إعادة الملك الأعظم للكافرين المصرح بهم والمؤمنين المشار إليهم أحياء كما كانوا {جميعاً} في حال كونهم مجتمعين في البعث. ولمان كان لا أوجع من التبكيت بحضرة بعض الناس فكيف إذا كان بحضرتهم كلهم فكيف إذا كان بمرأى من جميع الخلائق ومسمع، سبب عن ذلك وعقب قوله: {فينبئهم} أي يخبرهم إخباراً عظيماً مستقصى {بما عملوا} إخزاء لهم وإقامة للحجة عليهم. ولما كان ضبط ذلك أمراً عظيماً، استأنف قوله بياناً لهوانه عليه: {أحصاه الله} أي أحاط به عدداً كمّاً وكيفاً وزماناً ومكاناً بما له من صفات الجلال والجمال. ولم ذكر إحصاءه له، فكان ربما ظن أنه مما يمكن في العادة إحصاؤه، نفى ذلك بقوله: {ونسوه} أي كلهم مجتمعين لخروجه عن الحد في الكثرة فكيف بكل واحد على انفراده ونسوا ما فيه المعاصي تهاوناً بها، وذلك عين التهاون بالله والاجتراء عليه، قال القشيري: إذا حوسب أحد في القيامة على عمل عمله تصور له ما فعله ثم يذكر حتى كأنه في تلك الحالة قام من بساط الزلة فيقع عليه من الخجل والندم ما ينسى في جنبه كل عقوبة، فسبيل المسلم أن لا يخالف أمر مولاه ولا يحوم حوله مخالفة أمره، فإن جرى المقدور ووقع في هجنة التقصير فليكن من زلته على بال، وليتضرع إلى الله بحسن الابتهال. ولما كان التقدير بما أرشد إليه العطف على غير مذكور: فالله بكل شيء من ذلك وغيره عليم، عطف عليه قوله: {والله} أي بما له من القدرة الشاملة والعلم المحيط {على كل شيء} على الإطلاق من غير مثنوية أصلاً {شهيد *} أي حفيظ حاضر لا يغيب، ورقيب لا يفعل، حفظه له ورقبه وحضوره إياه مستعل عليه قاهر له بإحاطة قهره بكل شيء ليمكن حفظه له على أتم وجه يريده. وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير: لما نزه سبحانه نفسه عن تقول الملحدين، وأعلم أن العالم بأسره ينزهه عن ذلك بألسنة أحوالهم لشهادة العوالم على أنفسها بافتقارها لحكيم أوجدها، لا يمكن أن يشبه شيئاً منها بل يتنزه من أوصافها ويتقدس عن سماتها، فقال{أية : سبح لله ما في السماوات والأرض}تفسير : [الحديد: 1] ومضت أي تعرف بعظيم سلطانه وعليّ ملكه، ثم انصرف الخطاب إلى عباده في قوله:{أية : آمنوا بالله ورسوله} تفسير : [الحديد: 7] إلى ما بعد ذلك من الآي، وكان ذلك ضرب من الالتفات، والواقع هنا منه أشبه بقوله سبحانه في سورة البقرة{أية : وإذ قال ربك للملائكة}تفسير : [البقرة: 30] فإنه بعد تفصيل حال المتقين وحال من جعل في طرف منهم وحال من يشبه بظاهره بالمتقين وهو معدود في شرار الكافرين، فلما تم هذا النمط عدل بعده إلى دعاء الخلق إلى عبادة الله وتوحيده{أية : يا أيها الناس اعبدوا ربكم}تفسير : [البقرة: 21] ثم عدل بالكلام جملة وصرف الخطاب إلى تعريف نبيه عليه الصلاة والسلام بين أيدي الخلق{أية : وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة}تفسير : [البقرة: 30] فجاء ضرباً من الالتفات فكذا الواقع هنا بين سبحانه حال مشركي العرب وقبح عنادهم وقرعهم ووبخهم في عدة سور غالب آيها جارٍ على ذلك ومجدد له أولها سورة "ص" كما نبه عليه في سورة القمر، وإلى الغاية التي ذكرت فيها إلى أن وردت سورة القمر منبئة بقطع دابرهم، وانجر فيها الإعذار المنبه عليه وكذا في سورة الرحمن بعدها، ثم أعقب ذلك بالتعريف بحال النزل الأخراوي في سورة الواقعة مع زيادة تقريع وتوبيخ على مرتكبات استدعت تسبيحه تعالى وتقديسه عن شنيع افترائهم فأتبعت بسورة الحديد، ثم صرف فيها الخطاب إلى المؤمنين، واستمر ذلك إلى آخر السورة، جرت سورة المجادلة على هذا القصد مصروفاً خطابها إلى نازلة تشوف المؤمنين إلى تعرف حكمها، وهو الظهار المبين أمره فيها، فلم يعد في الكلام بعد كما كان قد صرف إليه في قوله {آمنوا بالله ورسوله} بأكثر من التعرض لبيان حكم يقع منهم، ثم أن السور الواردة بعد إلى آخر الكتاب استمر معظمها على هذا الغرض لانقضاء ما قصد من التعريف بأخبار القرون السالفة والأمم الماضية، وتقريع من عاند وتوبيخه، وذكر مثال الخلق واستقرارهم الأخراوي، وذكر تفاصيل التكاليف والجزاء عليها من الثواب والعقاب، وما به استقامة من استجاب وآمن وما يجب أن يلتزمه على درجات التكاليف وتأكيدها، فلما كمل ذلك صرف الكلام إلى ما يخص المؤمنين في أحكامهم وتعريفهم بما فيه من خلاصهم، فمعظم آي سورة بعد هذا شأنها، وإن اتجر غيرها فلا استدعاء موجب وهو الأقل كما بينا - انتهى.

السيوطي

تفسير : أخرج الفريابي وعبد بن حميد عن مجاهد ‏ {‏يحادون‏} ‏ قال‏:‏ يتشاقون‏. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله‏:‏ ‏ {‏إن الذين يحادون الله رسوله‏} ‏ قال‏:‏ يجادلون الله ورسوله ‏{‏كبتوا كما كبت الذين من قبلهم‏} ‏ قال‏:‏ خزوا كما خزي الذين من قبلهم‏.‏ وأخرج البيهقي في الأسماء والصفات عن الضحاك ‏ {‏ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم‏} ‏ قال‏:‏ هو الله على العرش وعلمه معهم‏. وأخرج ابن المنذر عن مجاهد في قوله‏:‏ ‏ {‏ألم تر إلى الذين نهوا عن النجوى‏} ‏ قال‏:‏ اليهود‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل بن حيان قال‏:‏ كان بين يهود وبين النبي صلى الله عليه وسلم موادعة فكانوا إذا مر بهم رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم جلسوا يتناجون بينهم حتى يظن المؤمن أنهم يتناجون بقتله أو بما يكره المؤمن، فإذا رأى المؤمن ذلك خشيهم فترك طريقه عليهم فنهاهم النبي صلى الله عليه وسلم عن النجوى فلم ينتهوا، فأنزل الله ‏ {‏ألم تر إلى الذين نهوا عن النجوى‏} ‏ الآية‏. وأخرج أحمد وعبد بن حميد والبزار وابن المنذر والطبراني وابن مردويه والبيهقي في شعب الإِيمان بسند جيد عن ابن عمرو رضي الله عنه أن اليهود كانوا يقولون لرسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ سام عليك، يريدون بذلك شتمه - ثم يقولون في أنفسهم‏:‏ ‏ {‏لولا يعذبنا الله بما نقول‏} ‏ فنزلت هذه الآية ‏ {‏وإذا جاؤوك حيوك بما لم يحيك به الله‏}‏ ‏. وأخرج أحمد وعبد بن حميد والبخاري والترمذي وصححه عن أنس ‏"‏حديث : أن يهودياً أتى على النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه فقال‏:‏ السام عليكم، فرد عليه القوم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ هل تدرون ما قال هذا‏؟ قالوا‏:‏ الله ورسوله أعلم يا نبي الله، قال‏: لا. ولكنه قال‏:‏ كذا وكذا، ردوه عليّ فردوه، قال‏: قلت السام عليكم، قال‏:‏ نعم قال النبي صلى الله عليه وسلم عند ذلك: إذا سلم عليكم أحد من أهل الكتاب فقولوا عليك ما قلت، قال‏:‏ ‏ {‏وإذا جاؤوك حيوك بما لم يحيك به الله‏}‏ ‏ . تفسير : وأخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور وعبد بن حميد والبخاري ومسلم وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في الشعب عن عائشة قالت‏:‏ ‏"حديث : ‏دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم يهود فقالوا‏:‏ السام عليك يا أبا القاسم، فقالت عائشة‏:‏ وعليكم السام واللعنة، فقال‏: يا عائشة إن الله لا يحب الفحش ولا التفحش، قلت‏:‏ ألا تسمعهم يقولون السام عليك‏؟‏ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏: أو ما سمعت ما أقول‏:‏ وعليكم، فأنزل الله ‏ {‏وإذا جاؤوك حيوك بما لم يحيك به الله‏}‏ ‏ "‏‏. تفسير : وأخرج عبد الرزاق وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس في هذه الآية قال‏:‏ كان المنافقون يقولون لرسول الله صلى الله عليه وسلم إذا حيوه‏:‏ سام عليك فنزلت‏. وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد ‏ {‏وإذا جاؤوك حيوك بما لم يحيك به الله‏} ‏ يقولون‏:‏ سام عليك هم أيضاً يهود‏.

القشيري

تفسير : الذين يخالفون أمر الله ويتركون طاعةَ رسولِ الله أُذِلُّوا وخُذِلوا، كما أُذِلَّ الذين من قَبْلهم من الكفَّار والعُصَاة. وقد أجرى اللَّهُ سُنَّتَه بالانتقام من أهل الإجرام؛ فَمَنْ ضيَّعَ للرسولِ سُنَّةً، وأحْدَثَ في دينه بدعة انخرط في هذا السلك، ووقع في هذا الذُّلِّ.

اسماعيل حقي

تفسير : {ان الذين يحادون الله ورسوله} اى يعادونهما ويشاقونهما وكذا اولياء الله فان من عادى اولياء الله فقد عادى الله وذلك لان كلا من المتعاديين كما انه يكون فى عدوة وشق غيره عدوه الآخر وشقه كذلك يكون فى حد غير حد الآخر غير ان لورود المحادة فى اثناء ذكر حدود الله دون المعاداة والمشاقة من حسن الموقع مالا غاية ورآءه وبالفارسية مخالفت ميكنند باخدا ورسول او از حدود امر ونهى تجاوز مينمايند، وقال بعضم المحادة مفاعلة من لفظ الحديد والمراد المقابلة بالحديد سوآء كان فى ذلك حديد حقيقة او كان ذلك منازعة شديدة شبيهة بالخصومة بالحديد وقال بعضهم فى معنى الآية يحادون اى يضعون او يختارون حدودا غير حدودهما ففيه وعيد عظيم للملوك والامرآء السوء الذين وضعوا امورا خلاف ماحده الشرع وسموها القانون و نحوه شعر : بادشاهى كه طرح ظلم افكند باى ديوان ملك خويش بكند تفسير : {كبتوا} اى اخزوا يعنى خوار ونكو سار كرده شوند، وفى المفردات الكبت الرد بعنف وتذليل وفى القاموس كبته يكبته صرعه وأخزاه وصرفه وكسره ورد العدو بغيظه واذله قال ابن الشيخ وهو يصلح لان يكون دعاء عليهم واخبارا عما سيكون بالماضى لتحققه اى سيكبتون ويدخل فيهم المنافقون والكافرون جمعيا اما الكافرون فمحادتهم فى الظاهر والباطن واما المنافقون ففى الباطن فقط {كما كبت الذين من قبلهم} من كفار الامم الماضية المعادين للرسل عليهم السلام مثل اقوام نوح وهود وصالح وغيرهم، وكان السرى رحمه الله يقول عجبت من ضعيف عصى قويا فيقال له كيف ذلك ويقول وخلق الانسان ضعيفا {وقد أنزلنا آيات بينات} حال من واو كبتوا اى كبتوا لمحادتهم والحال انا قد أنزلنا آيات واضحات فيمن حاد الله ورسوله ممن قبلهم من الامم وفيما فعلنا بهم او آيات بينات تدل على صدق الرسول وصحة ماجاء به والسؤال بأن الانزال نقل الشىء من الأعلى الى الأسفل وهو انما يتصور فى الاجسام والآيات التى هى من الكلام من الاعراض الغير القارة فكيف يتصور الانزال فيها مجاب عنه بأن المراد منه انزال من يتلقف من الله ويرسل الى عباده تعالى فيسند اليها مجازا لكونها المقصودة منه أو المراد منه الايصال والاعلام على الاستعارة {وللكافرين} بتلك الآيات او بكل مايجب الايمان به {عذاب مهين} يذهب بعزهم وكبرهم من الاهانة بمعنى التحقير والمراد عذاب الكبت الذى هو فى الدنيا فيكون ابتدآء كلام او عذاب الآخر فيكون للعطف بمعنى ان لهم الكبت فى الدنيا ولهم عذاب مهين فى الآخرة فهم معذبون فى الدارين قال بعضهم وصف الله العذاب الملحق بالكافرين اولا بالايلام وثانيا بالاهانة لان الايلام يلحق بهم اولا ثم يهانون به واذا كانت الاهانة مافى الآخرة فالتقديم ظاهر وقد سبق غير هذا وفى الآية اشارة الى أن من يعادون مظاهر الله وهم الاولياء المتحققون بالله المجتمعون باسماء الله ويشاققون مظاهر رسوله وهم العلماء القائمون باحكام الشرآئع حجوا وافحموا بأبلغ الحجج واظهر البراهين من الكرامات الظاهرة ونشر العلوم الباهرة وكيف لا وقد أنزلنا بصحة ولايتهم وآثار وراثتهم آيات بينات فمن سترها بستائر ظلمات انكاره قله عذاب القطعية الفظيعة والاهانة من غير ابانة

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {إِنَّ الذين يُحادون اللّهَ ورسولَه} أي: يُعادونهما ويُشاقونهما؛ فإنَّ كُلاَّ من المتعادين في عدوةٍ وشِقٍّ غير الآخر، وكذلك يكون كُلُّ واحدٍ منهما في حدّ غير حدّ الآخر،غير أنَّ لذكر المُحادَّة هنا لمّا ذكر حدود الله مِن حسن الموقع ما لا غاية وراءه. ثم أخبر عنهم فقال: {كُبِتُوا} أي: أُخذوا وأُهلكوا، أو: لُعنوا {كما كُبِتَ الذين من قبلهم} من كُفار الأمم الماضية المعادين للرسل عليهم السلام. وقال القشيري: يُحادّون: يُخالفون أمر الله، ويتركون طاعة رسول الله، أذِلُّوا وأُخْزوا كما أُذِلَّ مَنْ قبلهم من الكفار والعصاة. نزلت في المستهزئين يوم ا لخندق، إذ الله أجرى سُنته بالانتقام من أهل الإجرام، ومَن ضيَّعَ لرسول الله سُنةً واحدة في دينه ببدعة انخرط في سلك هذا الخزي، ووقع في هذا الذُّل. هـ. وقال ابن عطية: الآية نزلت في المنافقين واليهود، وكانوا يتربصون بالرسول والمؤمنين الدوائر، ويتمنون فيهم المكروه، ويتناجون بذلك. هـ. {وقد أنزلنا آياتٍ بيناتٍ}: حال من ضمير" كُبتوا" أي: كُبتوا بمحادتهم، والحال أنَّا قد أنزلنا آيات واضحات فيمن حاد الله ورسولَه، ممن قبلهم من الأمم وفيما فعلنا بهم، أو: آيات على صدق الرسول وصحة ما جاء به، {وللكافرين} بهذه الآيات، أو: بكل ما يجب الإيمان به، فيدخل فيه تلك الآيات دخولاً أوليّاً، {عذابٌ مهين} يذهب بعزِّهم وكِبْرهم. واذكر {يومَ يبعثهم اللهُ جميعاً} أو: لهم ذلك العذاب {يومَ يبعثهم اللهُ جميعاً} أي: لا يترك أحداً منهم، أو مجتمعين في حال واحد وصعيدٍ واحد، {فيُنَبئهم بما عمِلوا} من القبائح، تخجيلاً لهم، وتشهيراً لحالهم، وتشديداً لعذابهم، فيتمنون حينئذ المسارعة إلى النار، لِما يلحقهم من الخزي على رؤوس الأشهاد، {أحصاه اللهُ} أحاط به عدداً، لم يفته منه شيء، والجملة استئناف بياني، كأنه قيل: كيف ينبئهم بما عملوا، وهي أعراض مُنقضية متلاشية، فقيل: {أحصاه اللهُ ونَسًوه} أي: قد نسوه لأنهم تهاونوا به حين ارتكبوه وإنما تحفظ معظّمات الأمور. وهو حال أيضاً. {واللهُ على كل شيءٍ شهيدٌ} لا يغيب عنه شيء. والجملة اعتراض تذييلي، مقرِّرة لإحصائه تعالى. ثم استشهد على شمول شهادته تعالى، فقال: {ألم تَرَ أن الله يعلم ما في السماوات وما في الأرض} فهو كقوله تعالى:{أية : أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَآجَّ إِبْرَاهِيمَ فِى رَبِّهِ}تفسير : [البقرة: 258]،{أية : أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِى كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ}تفسير : [الشعراء: 225] أي: ألم تعلم علماً مزاحماً للمشاهدة أنَّ الله يعلم ما استقر في السماوات وما في الأرض من الموجودات، {ما يكونُ من نجْوَى ثلاثةٍ}: استئناف مُقَرِّر لِما قبله مِن سعة علمه تعالى، ومُبَيّن لكيفيته، و"كان" تامة، أي: ما يقع من تناجي ثلاثة نفر في مساررتهم {إِلاَّ هو} أي: الله تعالى {رابعُهم} أي: جاعلهم أربعة من حيث إنه تعالى يُشاركهم في الاطلاع عليها، {ولا خمسةٍ} أي: ولا نجوى خمسة {إِلاّ هو سادسُهم ولا أدنَى} ولا أقل {من ذلك ولا أكثرَ إِلاّ هو معهم} يعلم ما يتناجون به، فلا يخفى عليهم ما هم فيه. وتخصيص العددين إما لخصوص الواقعة، فإنّ الآية نزلت في المنافقين، وكانوا يتناجون مغايظةً للمؤمنين على هذين العددين، وقيل: المعنى: ما يتناجى منهم ثلاثة ولا خمسة ولا أدنى من عددهم ولا أكثر، إلا والله معهم، يسمع ما يقولون، ولأنّ أهل التناجي في العادة طائفة من أهل الرأي والتجارب، وأول عَدَدهم الاثنان فصاعداً، إلى خمسة، إلى ستة، إلى ما اقتضته الحال، فذكر عزَ وجل الثلاثة والخمسة، وقال: {ولا أدنى من ذلك} فدلّ على الاثنين والأربعة، وقال: {ولا أكثرَ} فدلّ على ما فوق هذا العدد. قاله النسفي. {ثم يُنبِّئُهم} يُخبرهم {بما عَمِلوا} تفضيحاً وإظهاراً لِما يوجب عذابهم. {إِنّ الله بكل شيء عليم} لأنَّ نسبة ذاته المقتضية للعلم إلى الكل سواء، فلا يخلو منه زمان ولا مكان. الإشارة: في الحديث:"حديث : مَن عادى لي وليّاً فقد آذنته بالحرب"تفسير : فمَن حادّ أولياءَ الله فقد حادّ الله ورسولَه، فيُكبت كما كُبِتَ مَن قبله ممن اشتغل بإذايتهم، وقد أنزلنا آيات واضحات على ثبوت الولاية في كل زمان، قال تعالى:{أية : مَا نَنسَخْ مِنْ ءَايَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَآ أَوْ مِثْلِهَا}تفسير : [البقرة: 106]، وللكافرين الجاحدين لخصوصيتهم عذاب مهين، وهو البُعد والطرد وغم الحجاب وسوء الحساب. يوم يبعثهم الله جميعاً، أي: أهل الإنكار، فيُنبئهم بما عملوا من الانتقاد والإذاية، أحصاه اللّهُ ونسوه، لأنهم يعتقدون أنهم في ذلك على صواب؛ لجهلهم المُرَكَّب، فإذا تناجوا في شأنهم بما يسؤوهم فيقال في حقهم: {ما يكون من نجوى ثلاثةٍ إلاّ هو رابعهم...} الآية. قال القشيري: {إنّ الذين يُحادون الله ورسولَه}، يعني: يُحادون مظاهر الله، وهم الأولياء المحققون، العارفون القائمون بأسرار الحقائق، ومظاهر رسول الله، وهم العلماء العاملون، القائمون بأحكام الشرائع، كُبتوا: أُفحموا بالحُجج وإظهار البراهين من الكرامات الظاهرة، وخرق العادات الباهرة، أو نشر العلوم الشريعة، ونشر الأحكام الفرعية، وقد أنزلنا بصحة ولايتهم، وقوة وراثتهم، علامات ظاهرة، ودلالات زاهرة، من المشاهدات والمعاينات، أو الحجج القاطعة والبراهين الساطعة، ومن ستر أنوار ولايتهم، وآثارَ وراثتهم، بساتر إنكاره، فله عذاب القطيعة والفضيحة مع إهانة من غير إبانة هـ. ببعض البيان. قال الورتجبي: قوله تعالى: {إلا هو معهم} المعية بالعلم عموم، وبالقرب خصوص، والقرب بالعلم عموم، وبظهور التجلِّي خصوص، وذلك دنو {دنا فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى}، فإذا ارتفع الأين والبين والمكان والجهات، واتصل أنوارُ كشوف الذات والصفات بالعارف، فذلك حقيقة المعية، إذ هو سبحانه مُنزّه عن الانفصال والاتصال بالحدث. ولو ترى أهل النجوى، الذين مجالستهم لله وفي الله، لترَى من وجوههم أنوار المعية، أين أنت من العلم الظاهر، الذي يدل على الرسوم. ألم تعلم أنَّ علمه تعالى أزلي، وبالعلم يتجلّى للمعلومات، فالصفات شاملة على الأفعال، ظاهرة من مشاهد الملعومات، فإذا كان الذرات لا تخلو من قرب الصفات، كيف تخلو عن قرب الذات الأرواحُ العالية المقدّسة العاشقة المستغرقة في بحر وُجوده، لا تظن في حقي أني جاهل بأنّ القديم لا يكون محل للحوادث، فإنه حديث المُحدَثين، أعبرْ من هذا البحر حتى لا تجد الحدثان ولا الإنسان في مشاهدة الرحمان هـ. قلت: وحاصل كلامه: أنَّ المعيّة بالعلم تستلزم المعية بالذات، إذا الصفة لا تفارق الموصوف، وإنَّ بحر الذات اللطيف محيط بالكثيف منه من غير انفصال، وأما كون القديم لا يكون محل الحوادث فصحيح، لكن الحوادث عندنا فانية متلاشية، إذ ما ثَمَّ إلا تلوينات الخمرة الأزلية، وقد قال الجنيد: "إذا قرن الحادث بالقديم تلاشى الحادث وبقي القديم"، فاعبُرْ عن عالَم الحس إلى بحر المعاني، حتى لا تجد إلاَّ القديم الأزلي، فافهم وسلِّم. شعر : إن لم ترَ الهلالَ فسَلِّم لأناس رأوه بالأبصار تفسير : ولمّا ذَكَرَ المؤمنين الواقفين عند حدوده، ذكر الحادّين المخالفين لها، فقال {ألم تر ...} الخ. وأحسن منه: أنه لمّا هددهم في النجوى بقوله: {فينبئهم بما عَمِلوا} وبكونه مُطّلعاً عليهم، عقبه بقوله: {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ نُهُواْ عَنِ ٱلنَّجْوَىٰ}.

الأعقم

تفسير : {إن الذين يحادّون الله ورسوله} أي يخالفون أمره ويحادون رسوله {كبتوا} قيل: أهلكوا، وقيل: أذلوا {كما كبت الذين من قبلهم} من الكفار {وقد أنزلنا آيات بينات} حجج واضحات {وللكافرين عذاب مهين} يذلهم وهو عذاب النار {يوم يبعثهم الله جميعاً} من القبور وهو يوم القيامة ويحشر الخلق للجزاء والحساب {فينبّهم بما عملوا} أي يجزيهم بما عملوا من الخير والشر {ألم تر أن الله يعلم ما في السماوات وما في الأرض} يعني جميع المعلومات {ما يكون من نجوى ثلاثة إلاَّ هو رابعهم} بالعلم والحفظ والتدبير والسماع يسمع قولهم ويعلم ضمائرهم ولا يحمل على أنه معهم في المكان لأن ذلك من صفات الأجسام تعالى الله عن ذلك {ولا خمسة إلاَّ هو سادسهم ولا أدنى من ذلك} بأن يكونا اثنين {ولا أكثر} بأن يزيد على الخمسة {إلاَّ هو معهم أين ما كانوا ثم ينبئهم بما عملوا} يجزيهم بأعمالهم توبيخاً، وقيل: يجازيهم {يوم القيامة إن الله بكل شيء عليم} {ألم تر إلى الذين نهوا عن النجوى} قيل: أنها نزلت في اليهود والمنافقين وكانوا يتناجون بين المؤمنين وينظرون إلى المؤمنين ويتغامزون بأعينهم فيظن المؤمنون أنه بلغهم عن قرابتهم وإخوانهم الذين خرجوا في السرايا قتل أو موت أو هزيمة فشكوا إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فنهاهم عن ذلك فلم ينتهوا فنزلت: {ألم تر إلى الذين نهوا عن النجوى} أي المناجاة وأسرّوا الكلام بينهم دون المسلمين مما يغم المسلمين ويحزنهم وهم اليهود والمنافقون {ثم يعودون لما نهوا عنه} أي يرجعون بعد النهي {ويتناجون بالإِثم والعدوان} بالأمر الذي يأثمون به ويخرجون عن الدين والعدوان الظلم والله أعلم {ومعصية الرسول وإذا جاؤوك حيّوك} أي حضروك في مجلسك يا محمد {بما لم يحيّك به الله} لأنهم يقولون: السام عليك، والآية نزلت في اليهود، والله أمر أن يقال: السلام عليك يا رسول الله ويا نبي الله {ويقولون في أنفسهم لولا يعذبنا الله بما نقول} كانوا يقولون ما له إن كان نبيّاً لا يدعو علينا حتى يعذبنا الله بما نقول، فقال تعالى: {حسبهم جهنم يصلونها فبئس المصير}.

الهواري

تفسير : قوله عز وجل: {إِنَّ الَّذِينَ يُحَآدُّونَ اللهَ وَرَسُولَهُ} أي يعادون الله ورسوله {كُبِتُواْ} أي: أُخزوا {كَمَا كُبِتَ} أي: أُخزيَ {الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَقَدْ أَنزَلْنَآ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ} أي: القرآن {وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُّهِينٌ} وقد فسّرنا مهيناً. {يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللهُ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُواْ أَحْصَاهُ اللهُ وَنَسُوهُ} أي: أحصى عليهم ما عملوا في الدنيا ونسوه. {وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} أي: شاهد على أعمالهم. قوله: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَلاَثَةٍ} أي: يتناجون، أي: يتسارون {إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ وَلاَ خَمْسَةٍ إِلاَّ هُوَ سَادِسُهُمْ} أي حاضرهم ولأعمالهم {وَلآ أَدْنَى مِن ذَلِكَ وَلآ أَكْثَرَ إِلاَّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُواْ ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُواْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} في سرِّهم وعلانيتهم. قال: {إِنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ}.

اطفيش

تفسير : {إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللهَ وَرَسُولَهُ} يعادونهما لان كلا من المتعاديين في حد غير حد الاخر أو يخالفونها أو يضعيون حدودهما أو يختارون حدودا غير حدودهما. {كُبِتُوا} اخذوا واهلكوا قيل اصله الكب وقيل: كبت الرجل بقي خزيان يبصر مايكره ولا يقدر على دفعه وقال ابو عبيدة: اصله كبدوا أي أصابهم داء في اكبادهم وابدلت الدال تاء وهو ضعيف قيل: اريد كبتهم يوم الخندق قيل: نزلت في قوم من المنافقين واليهود يتربصون بالنبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين الدوائر ويتمنونها ويتناجون بذلك. {كَمَا كُبِتَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ} من المنافقين والمشركين من الامم. {وَقَدْ أَنزَلْنَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ} تدل على صدق الرسول صلى الله عليه وسلم وهي القرآن، وقيل: فرائضاً وأحكاماً {وَلِلكَافِرِينَ عَذَابٌ مُّهِينٌ} يذهب عزمهم وتكبرهم.

الالوسي

تفسير : {إِنَّ ٱلَّذِينَ يُحَادُّونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ } أي يعادونهما ويشاقونهما لأن كلاً من المتعاديين في حدّ وجهة غير حدّ الآخر وجهته كما أن كلاً منهما في عدوة وشق غير عدوة الآخر وشقه، وقيل: إطلاق ذلك على المتعاديين باعتبار استعمال الحديد لكثرة ما يقع بينهما من المحاربة بالحديد كالسيوف والنصال وغيرها، والأول أظهر. وفي ذكر المحادّة في أثناء ذكر حدود الله تعالى دون المعاداة والمشاقة حسن موقع جاوز الحد، وقال ناصر الدين البيضاوي: أو يضعون أو يختارون حدوداً غير حدود الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم. ومناسبته لما قبله في غاية الظهور. قال الملوى شيخ الإسلام سعد الله جلبـي: وعلى هذا ففيه وعيد عظيم للملوك وأمراء السوء الذين وضعوا أموراً خلاف ما حده الشرع وسموها اليسا والقانون، والله تعالى المستعان على ما يصفون اهـ. وقال شهاب الدين الخفاجي بعد نقله: وقد صنف العارف بالله الشيخ بهاء الدين قدس الله تعالى روحه «رسالة» في كفر من يقول: يعمل بالقانون والشرع إذا قابل بينهما، وقد قال الله تعالى: { أية : ٱلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ } تفسير : [المائدة: 3] وقد وصل الدين إلى مرتبة من الكمال لا يقبل التكميل، وإذا جاء نهر الله بطل نهر معقل، ولكن أين من يعقل؟! انتهى. وليتني رأيت هذه الرسالة وقفت على ما فيها فإن إطلاق القول بالكفر مشكل عندي فتأمل، ثم إنه لا شبهة في أنه لا بأس بالقوانين السياسية إذا وقعت باتفاق ذوي الآراء من أهل الحل والعقد على وجه يحسن به / الانتظام ويصلح أمر الخاص والعام، ومنها تعيين مراتب التأديب، والزجر على معاص وجنايات لم ينص الشارع فيها على حد معين بل فوض الأمر في ذلك الرأي الإمام فليس ذلك من المحادّة لله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم في شيء بل فيه استيفاء حقه تعالى على أتم وجه لما فيه من الزجر عن المعاصي وهو أمر مهم للشارع عليه الصلاة والسلام، ويرشد إليه ما في «تحفة المحتاج» أن للإمام أن يستوفي التعزير إذا عفى صاحب الحق لأن الساقط بالعفو هو حق الآدمي، والذي يستوفيه الإمام هو حق الله تعالى للمصلحة. وفي كتاب «الخراج» للإمام أبي يوسف عليه الرحمة إشارة إلى ذلك أيضاً؛ ولا يعكر على ذلك ونحوه قوله تعالى: { أية : ٱلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ } تفسير : [المائدة: 3] لأن المراد إكماله من حيث تضمنه ما يدل على حكمه تعالى خصوصاً أو عموماً، ويرشد إلى هذا عدم النكير على أحد من المجتهدين إذا قال بشيء لم يكن منصوصاً عليه بخصوصه، ومن ذلك ما ثبت بالقياس بأقسامه. نعم القانون الذي يكون وراء ذلك بأن كان مصادماً لما نطقت به الشريعة الغراء زائغاً عن سنن المحجة البيضاء فيه ما فيه كما لا يخفى على العارف النبيه. وقد يقال في الآية على المعنى الذي ذكره البيضاوي: إن المراد بالموصول الواضعون لحدود الكفر وقوانينه كأئمة الكفر أو المختارون لها العاملون بها كأتباعهم. ثم إن الآية ـ على ما في «البحر» ـ نزلت في كفار قريش. {كُبِتُواْ } أي أخزوا كما قال قتادة، أو غيظوا كما قال الفراء أو ردّوا مخذولين كما قال ابن زيد أو أهلكوا كما قال أبو عبيدة والأخفش. وعن أبـي عبيدة أن تاءه بدل من الدال، والأصل ـ كبدوا ـ أي أصابهم داء في أكبادهم، وقال السدي: لعنوا، وقيل: الكبت الكب وهو الإلقاء على الوجه، وفسره الراغب هنا بالرد بعنف وتذليل، وذلك إشارة عند الأكثرين إلى ما كان يوم الخندق، وقيل: إلى ما كان يوم بدر. وقيل: معنى {كُبِتُواْ } سيكبتون على طريقة قوله تعالى: { أية : اتِى أَمْرُ ٱللَّهِ } تفسير : [النحل: 1] وهو بشارة للمؤمنين بالنصر على الكفار وتحقق كبتهم. {كَمَا كُبِتَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ } من كفار الأمم الماضية المحادّين لله عز وجل ورسله عليهم الصلاة والسلام {وَقَدْ أَنزَلْنَا ءايَـٰتٍ بَيّنَـٰتٍ } حال من واو {كُبِتُواْ } أي كبتوا لمحادّتهم، والحال أنا قد أنزلنا آيات واضحات فيمن حاد الله تعالى ورسوله من قبلهم من الأمم وفيما فعلنا بهم، وقيل: آيات تدل على صدق الرسول وصحة ما جاء به {وَلِلْكَـٰفِرِينَ } أي بتلك الآيات أو بكل ما يجب الإيمان به فتدخل فيه تلك الآيات دخولاً أولياً {عَذَابٌ مُّهِينٌ } يذهب بعزهم وكبرهم.

ابن عاشور

تفسير : {إِنَّ ٱلَّذِينَ يُحَآدُّونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ كُبِتُواْ كَمَا كُبِتَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ} لما جرى ذكر الكافرين وجرى ذكر حدود الله وكان في المدينة منافقون من المشركين نقل الكلام إلى تهديدهم وإيقاظ المسلمين للاحتراز منهم. والمحادَّة: المشاقَّة والمعاداة، وقد أوثر هذا الفعل هنا لوقوع الكلام عقب ذكر حدود الله، فإن المحادة مشتقّة من الحد لأن كل واحد من المتعاديَين كأنّه في حَدّ مخالف لحدّ الآخر، مثل ما قيل أن العداوة مشتقة من عُدْوَة الوادي لأن كلاً من المتعاديَين يشبه من هو من الآخر في عُدوة أخرى. وقيل: اشتقت المشاقّة من الشقة لأن كلاً من المتخالفين كأنه في شقة غير شقة الآخر. والمراد بهم الذين يُحَادُون رسول الله صلى الله عليه وسلم المرسَلَ بدين الله فمحادته محادة لله. والكبت: الخزي والإِذلالُ وفعل {كبتوا} مستعمل في الوعيد أي سيكبَتون، فعبّر عنه بالمضيّ تنبيهاً على تحقيق وقوعه لصدوره عمّن لا خلاف في خبره مثل {أية : أتى أمر الله}تفسير : [النحل: 1] ولأنه مُؤيِّدٌ بتنظيره بما وقع لأمثالهم. وقرينة ذلك تأكيد الخبر بـ{إنّ} لأن الكلام لو كان إخباراً عن كبت وقع لم يكن ثم مقتضى لتأكيد الخبر إذ لا ينازع أحد فيما وقع، ويزيد ذلك وضوحاً قوله: {كما كبت الذين من قبلهم} يعني الذين حادُّوا الله في غزوة الخندق. وتقدم ذكرها في سورة الأحزاب. وما كان من المنافقين فيها فالمراد بصلة {من قبلهم} من كان من قبلهم من أهل النفاق وهم يعرفونهم. {وَقَدْ أَنزَلْنَآ ءَايَـٰتٍ}. معترضة بين جملة {إن الذين يحادون الله ورسوله} وجملة {وللكافرين عذاب مهين} أي لا عذر لهم في محادّة الله ورسوله فإن مع الرسول صلى الله عليه وسلم آيات القرآن بيّنة على صدقه. {وَلِلْكَـٰفِرِينَ عَذَابٌ مُّهِينٌ}. عطف على جملة {كبتوا كما كبت الذين من قبلهم}، أي لهم بعد الكبت عذاب مهين في الآخرة. وتعريف (الكافرين) تعريف الجنس ليستغرق كل الكافرين. ووصف عذابهم بالمهين لمناسبة وعيدهم بالكبت الذي هو الذل والإِهانة.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: إن الذين يحادون الله ورسوله: أي يخالفون الله ورسوله ويعادونهما. كُبتوا كما كبت الذين من قبلهم: أي ذُلُّوا وأهينوا كما ذل وأهين من قبلهم لمخالفتهم رسولهم. وقد أنزلنا آيات بينات: أي والحال أنا قد أنزلنا آيات واضحات دالة على صدق الرسول. عذاب مهين: أي يوقعهم في الذل والهوان. يوم يبعثهم الله جميعاً: أي يوم القيامة. أحصاه الله ونسوه: أي جمعه وعدّه ونسوه هم. والله على كل شيء شهيد: أي لا يغيب عنه شيء من الأشياء. ما يكون من نجوى: أي من متناجين. ثلاثة إلا هو رابعهم: إلا هو تعالى رابعهم بعلمه بهم، وقدرته عليهم. ولا أدنى من ذلك: أي أقل من الثلاثة وهما الاثنان. إلا هو معهم أينما كانوا: أي في أيّ مكان من الأرض أو السماء. معنى الآيات: قوله تعالى {إِنَّ ٱلَّذِينَ يُحَآدُّونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ} هذه الآية تحمل بشرى لرسول الله صلى الله عليه وسلم بإعلامه بهزيمة قريش وهي تحزب الأحزاب لحربه في غزوة الخندق فقال تعالى {إِنَّ ٱلَّذِينَ يُحَآدُّونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ} أي يخالفون الله ورسوله ويعادونهما كبتوا أي ذُلوا وأهينوا كما كبت الذين من قبلهم الذين كذبوا رسلهم فأكبتهم الله أي أذلهم وأهانهم. وقوله تعالى: {وَقَدْ أَنزَلْنَآ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ} كلها دالة على صدق رسولنا فيما جاءهم به ودعاهم إليه، ومع هذا عادوه وحاربوه فلهذا يكبتهم الله ويذلهم في الدنيا وللكافرين أمثالهم عذاب مهين يوم القيامة يوم يبعثهم الله جميعاً لا يتخلف منهم أحد فينبئهم بما عملوا من الشر والفساد. أحصاه الله إذ كتبته ملائكته وكتب قبل فعلهم له في كتاب المقادير اللوح المحفوظ ونسوه لِعَمَى قلوبهم وكفرهم بربهم ولقائه فلا يذكرون لهم ذنباً حتى يتوبوا منه ويستغفروا. وقوله تعالى {وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} أي زيادة على أن أعمالهم كتبها في اللوح المحفوظ وأن الملائكة من الكرام الكاتبين قد كتبوها فإن الله تعالى شهيد على كل شيء فلا يقع شيء إلا تحت بصره وعلمه. وقوله تعالى {أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ} تقرير لما سبق من إحاطة علم الله بكل شيء وأن أعمال أولئك المخالفين المحادين محصية معلومة وسيجزيهم بها. أي ألم تعلم يا رسولنا أن الله تعالى يعلم ما في السماوات وما في الأرض من دقيق الأشياء وجليلها ورد أن جماعة من المنافقين تخلفوا يتناجون بينهم إغاظة للمؤمنين فنزلت هذه الآية تعرض بهم وتكشف الستار عن نياتهم. {مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَىٰ} أي من ذوي نجوى أو من متناجين ثلاثة إلا وهو رابعهم، أي إلا والله تعالى رابعهم بعلمه بهم وقدرته عليهم وهذه فائدة المعية العلم والقدرة على الأخذ والعطاء ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك كالأثنين. ولا أكثر إلا هو معهم بعلمه وقدرته وإحاطته أينما كانوا تحت الأرض أو فوقها في السماء أو دونها، ثم ينبئهم أي يخبرهم ويعلمهم بما عملوا يوم القيامة ليجزيهم به {إِنَّ ٱللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} تقرير لما سبق من علمه بالمحادين له وبالمنافقين المناوئين للمؤمنين وسيجزى الكل بعدله وهو العزيز الحكيم. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- وعيد الله الشديد بالإِكبات والذل والهوان لكل من يحاد الله ورسوله. 2- إحاطة علم الله بكل شيء وشهوده لكل شيء وإحصاه لكل أعمال العباد حال توجب مراقبة الله تعالى والخشية منه والحياء منه أشد الحياء. 3- الإِرشاد إلى أن التناجي للمشاورة في الخير ينبغي أن يكون عدد المتناجين ثلاثة أو خمسة أو سبعة ليكون الواحد عدلا مرجحا للخلاف قاضيا فيه إذ اختلف اثنان لا بد من واحد يرجح جانب الخلاف وإذا اختلف أربعة لا بد من خامس يرجح جانب الخلاف.

القطان

تفسير : يحادّون: يعصونه ويعادونه. كُبتوا: خذلوا وقهروا وأُذلوا. عذاب مهين: مذل. أحصاه الله: أحاط به وحفظه عنده. شهيد: مشاهد. ألم تَرَ: الم تعلم. النجوى: المناجاة سراً بين اثنين فأكثر. الذين نهوا عن النجوى: اليهود والمنافقون. لولا يعذّبُنا الله: هلا يعذبنا الله بسبب ذلك. حَسْبُهم جهنم: كافيهم جهنم يدخلونها. بعد ان بيّن الكتابُ شرعَ اللهِ وحدودَه أردف مشيراً إلى من يتجاوزها، ووصفهم بالمخالفة والعداء وانه سَيَلحقُهم الخزيُ والنّكال في الدنيا كما لحق الذين من قبلهم من كفار الأمم الماضية، ولهم في الآخرة العذابُ المهين في نار جهنم. وذلك يوم تُجمع الخلائقُ جميعاً للحساب والجزاء ويخبرهم الله بما عملوه بالتفصيل. {أَحْصَاهُ ٱللَّهُ وَنَسُوهُ}. هو مسجل عند الله يجدونه مفصَّلا مع انهم نسوه، {وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} لا تخفى عليه خافية. ألم تعلم أيها الرسول أن الله تعالى يعلم ما في السماوات وما في الأرض، فلا يتناجى ثلاثةٌ إلا واللهُ معهم، ولا خمسةٌ إلا هو سادسُهم، يعلم ما يقولون وما يدبّرون، ولا أقلّ من ذلك ولا اكثر إلا هو معهم، يعلم ما يتناجَون به اينما كانوا، ثم يخبرهم يوم القيامة بكل ما عملوا {إِنَّ ٱللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ}. ألم تر أيها الرسول الى الذين نُهُوا عن النَّجوى فيما بينهم بما يثير الشكّ في نفوس المؤمنين ثم يعودون الى ما نُهوا عنه، وهم يتحدثون فيما بينهم بما هو إثم، وبما هو مؤذٍ للمؤمنين وما يضمرون من العداوة للرسول. {وَإِذَا جَآءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ ٱللَّهُ}. كان أناسٌ من اليهود اذا دخلوا على الرسول الكريم يقولون: السامُ عليك يا أبا القاسم. فيقول لهم الرسول: وعليكم. ويقولون في أنفسهم: هلا يعذِّبنا الله بما نقول لو كان نبيا حقا! فرد الله عليهم بقوله: {حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ}. وسبب التناجي المذكور أنه كان بين المسلمين واليهود معاهدة، فكانوا إذا مر الرجلُ من المسلمين بجماعة منهم - يتحدثون سراً ويتناجَون بينهم حتى يظنَّ أنهم يتآمرون على قتله، فيعدلَ عن المرور بهم. فنهاهُم النبيُّ صلى الله عليه وسلم عن ذلك، فلم ينتهوا، وعادوا الى ما نهوا عنه. وكانوا إذا جاؤا النبيَّ حَيَّوه بالدعاء عليه في صورة التحية كما تقدم، فنزلت هذه الآية. ثم أمر الله عباده المؤمنين ان لا يكونوا مثلَ اليهود المنافقين في التناجي بالإثم والعدوان، فقال: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلاَ تَتَنَاجَوْاْ بِٱلإِثْمِ وَٱلْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَةِ ٱلرَّسُولِ}. يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كاليهودِ والمنافقين في تناجِيكم بينكم، فاذا حدث تناجٍ او مسارّة في اجتماعاتكم فلا تفعلوا مثل ما يفعلون. {وَتَنَاجَوْاْ بِٱلْبِرِّ وَٱلتَّقْوَىٰ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ٱلَّذِيۤ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ}. تناجَوا أنتم بما هو خير ينفع المؤمنين، واتقوا الله فيما تأتون وتذَرون، فإليه تحشَرون فيخبركم بجميع أعمالكم وأقوالكم. ثم بين الباعثَ على هذه النجوى بالشر والمزَيِّن لها فقال: {إِنَّمَا ٱلنَّجْوَىٰ مِنَ ٱلشَّيْطَانِ....}. إنما الحديث بالسّر والتناجي المثير للشكّ - من وسوسةِ الشيطان وتزيينه، ليدخلَ الحزنَ على قلوب المؤمنين، لكنّ المؤمنين في حِصن من إيمانهم فلا يستطيع الشيطان ان يضرَّهم، ولا تنالهم اية مضرّة إلا بمشيئة الله. {وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ}. في جميع أمورهم، ولا يخافوا أحداً ما داموا محصّنين بالإيمان والاتكال على الله. وقد ورد في الاحاديث الصحيحة النهيُ عن التناجي إذا كان في ذلك أذىً لمؤمن. عن ابن مسعود رضي الله عنه ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: حديث : إذا كنتم ثلاثةً فلا يتناج اثنان دون الثالث إلا بإذنه، فإن ذلك يُحزِنهتفسير : . رواه البخاري ومسلم والترمذي وأبو داود. قراءات: قرأ حمزة وخلف وورش عن يعقوب: وينتجون بفتح الياء وسكون النون بلا الف، والباقون: ويتناجون بالألف.

د. أسعد حومد

تفسير : {آيَاتٍ} {بَيِّنَاتٍ} {لِلْكَافِرِينَ} (5) - إِنَّ الذِينَ يُعَانِدُونَ اللهَ، وَيَخْتَارُونَ لأَِنْفُسِهِمْ حُدُوداً غَيْرَ الحُدُودِ التِي شَرَعَهَا اللهُ تَعَالَى وَرَسُولُهُ، سَيَلْحَقُهُمْ الخِزْيُ وَالنَّكَالُ، وَالخِذلاَنُ فِي الدُّنْيَا، كَمَا لَحِقَ مَنْ قَبْلَهُمْ مِنَ الكُفَّارِ مِنَ الأُمَمِ السَّابِقَةِ. وَكَيْفَ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ وَقَدْ أَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى آيَاتٍ وَاضِحَاتٍ تُبَيِّنُ قَوَاعِدَ الشَّرْعِ، وَتَحدُّ حُدُودَهُ، وَتُفَصِّلُ أَحْكَامَهُ، فَلاَ عُذْرَ لَهُمْ فِي مُخَالَفَتِهَا، وَالانْحِرَافِ عَنْهَا، وَلِلجَاحِدِينَ بِتِلْكَ الآيَاتِ عَذَابٌ مُهِينٌ يَوْمَ القِيَامَةِ. يُحَادُّونَ - يُعَادُونَ وَيُشَاقُّونَ وَيُخَالِفُونَ. كُبِتُوا - نَزَلَ بِهِمْ الهَوَانُ وَالخِزْيُ.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {كُبِتُواْ كَمَا كُبِتَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ} معناه أُهلِكُوا كما أُهلِكَ الذين من قَبلِهِم.

الجيلاني

تفسير : ثمَّ قال سبحانه على سبيل الوعيد والتهديد: {إِنَّ} المسرفين المفرطين {ٱلَّذِينَ يُحَآدُّونَ} ويعادون {ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ} أي: يضعون حدوداً مخالفة لحدود الله ورسوله، ويختارونها مراءً ومجادلةً، ومعاداة مع الله ورسوله {كُبِتُواْ} أي: أكب وأحاط عليهم العذاب النازل من الله فهلكوا {كَمَا كُبِتَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ} من كفار الأمم الماضية {وَ} كيف لا نهلكهم ولا نستأصلهم؛ إذ {قَدْ أَنزَلْنَآ} لإصلاح أحوالهم وأخلاقهم، وعموم أطوارهم {آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ} واضحات مشتملات على حكم ومصالح لا تخفى فأبو عنها، ولم يقبلوها، بل كذبوها وأنكروا عليها، وعلى من أُنزلت عليه عتواً وعناداً؟! {وَ} بالجملة: {لِلْكَافِرِينَ} المستكبرين بما عندهم من الثروة والرئاسة {عَذَابٌ مُّهِينٌ} [المجادلة: 5] بحيث يبدل عزهم ذلاً، ونخوتهم لعنةً وطرداً. اذكر لهم يا أكمل الرسل {يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ ٱللَّهُ} من قبورهم {جَمِيعاً} بحيث لا يشذ أحد منهم {فَيُنَبِّئُهُمْ} ويخبرهم {بِمَا عَمِلُوۤاْ} أي: بجميع أعمالهم تفضيحاً وتشهيراً لهم على رءوس الأشهاد، بحيث {أَحْصَاهُ ٱللَّهُ} وفصله عليهم على وجه لا يغيب عن حيطة علمه وإحصائه سبحانه من عملهم {وَ} هم قد {نَسُوهُ} لكثرته أو تهاونهم عليه {وَ} كيف لا يحصي سبحانه عليهم أعمالهم؛ إذ {ٱللَّهُ} بمقتضى ألوهيته، وحيطة ظهوره {عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ} من مظاهره {شَهِيدٌ} [المجادلة: 6] حاضر غير مغيب؟! {أَ} تستبعد شهادته سبحانه، وحضوره عند عموم مظاهره ومصنوعاته {لَمْ تَرَ} أيها المعتبر الرائي، ولم تعلم {أَنَّ ٱللَّهَ} المحيط بالكل بالألوهية والظهور {يَعْلَمُ} بعلمه الحضوري عموم {مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ} أي: الكائنات العلوية {وَمَا فِي ٱلأَرْضِ} أي: الكائنات السفلية كلياها وجزئياتها، محسوساتها ومعقولاتها، بحيث {مَا يَكُونُ} ويقع {مِن نَّجْوَىٰ} وسر معهود بين {ثَلاَثَةٍ} يسرون بها ويضمرونها في نفوسهم {إِلاَّ هُوَ} سبحانه {رَابِعُهُمْ} بل هو أعلم منهم بنجواهم، وأعرف بما في ضمائرهم منهم، بل هو العالم حقيقة {وَلاَ خَمْسَةٍ} أي: وكذا لا يقع نجوى بين خمسة مكنونة في ضمائرهم ، مصونة عن غيرهم {إِلاَّ هُوَ} سبحانه {سَادِسُهُمْ} بل علمه بها أتم وأكمل من عملهم. {وَ} بالجملة: {لاَ} يقع {أَدْنَىٰ مِن ذَلِكَ} الجمع {وَلاَ أَكْثَرَ} منه {إِلاَّ هُوَ} سبحانه {مَعَهُمْ} بل العالم العارف هو سبحانه بذاته ووحدته، إلاَّ أنه ظهر في أشباحهم، وهو يأتيهم لا على سبيل المقارنة الذاتية والزمانية، ولا على سبيل الحلول والإتحاد، بل على طريق معية الظل مع ذي الظل، ومعية الأمواج مع الماء، والصور مع ذي الصورة، ولا يقيد أيضاً معيته بالمكان، بل {أَيْنَ مَا كَانُواْ} كان معهم؛ لاستواء عموم الأمكنة دونه سبحانه، وتنزهه عن المكان مطلقاً. وبالجملة: يعلم سبحانه منهم جميع ما صدر عنهم، لكن لم يطلعهم بعلمه إياهم؛ لئلا يبطل حكمة التكاليف الواقعة منه سبحانه بالنسبة إلى عموم عباده {ثُمَّ} بعد انقضاء أوان التكليف، وانقراض نشأة الاختبار {يُنَبِّئُهُم} سبحانه {بِمَا عَمِلُواْ} أي: يخبرهم بجميع أعمالهم {يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ} المعدة؛ لتنقيد الأعمال وترتب الجزاء، الموعودة عليها تفضيحاً لهم، وتقريراً لما يستحق ويليق بهم من العذاب والنكال؛ لئلا يكون لهم على الله حجة، ولا ينسبوه إلى الظلم؛ إذ الإنسان جبل أكثر شيء جدلاً، وبالجملة: {إِنَّ ٱللَّهَ} المطلع على عموم ما كان ويكون، غيباً وشهادةً، ظاهراً وباطناً {بِكُلِّ شَيْءٍ} لمع عليه برق الوجود {عَلِيمٌ} [المجادلة: 7] بعلمه الحضوري، لا يعزب عن حيطة علمه شيء. ثمَّ قال سبحانه على سبيل التوبيخ والتقريع للمنافقين: {أَلَمْ تَرَ} أيها الرائي {إِلَى} المنافقين {ٱلَّذِينَ نُهُواْ} ومنعوا {عَنِ ٱلنَّجْوَىٰ} والتغامز فيما بينهم بالعيون والحواجب، حين جلسوا في مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم مع المؤمنين فمنعهم صلى الله عليه وسلم عن ذلك {ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ} إصراراً ومكابرةً {وَ} هم حينئذٍ {يَتَنَاجَوْنَ بِٱلإِثْمِ} الموجب للحد الشرعي، أو ظهروا به وأفشوه {وَٱلْعُدْوَانِ} عن الأوضاع الشرعية {وَمَعْصِيَتِ ٱلرَّسُولِ} وتكذيبه، والإعراض عنه وعن دينه مهما أمكن لهم. {وَ} بالجملة: هم من جملة شكيمتهم وغيظهم: {إِذَا جَآءُوكَ} يا أكمل الرسل {حَيَّوْكَ} على وجه النفاق {بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ ٱللَّهُ} فيقولون: السام عليك، أو انعم صباحاً، مع أن الله سبحانه يقول: {أية : وَسَلاَمٌ عَلَىٰ عِبَادِهِ ٱلَّذِينَ ٱصْطَفَىٰ}تفسير : [النمل: 59] {وَ} بعدما حيوك على مقتضى أهويتهم، وقصدوا مقتك في تحيتهم {يَقُولُونَ} حينئذٍ {فِيۤ أَنفُسِهِمْ} ونجواهم: {لَوْلاَ} أي: هلاَّ {يُعَذِّبُنَا ٱللَّهُ بِمَا نَقُولُ} لو كان محمد نبياً؟! فظهر من عدم تعذيب الله إيانا أنه ليس بنبي، قيل لهم حينئذٍ من قِبَل الحق: {حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ} عذاباً {يَصْلَوْنَهَا} ويدخلونها {فَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ} [المجادلة: 8] مصيرهم جنهم.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : محادة الله ورسوله: مخالفتهما ومعصيتهما خصوصا في الأمور الفظيعة، كمحادة الله ورسوله بالكفر، ومعاداة أولياء الله. وقوله: { كُبِتُوا كَمَا كُبِتَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ } أي: أذلوا وأهينوا كما فعل بمن قبلهم، جزاء وفاقا. وليس لهم حجة على الله، فإن الله قد قامت حجته البالغة على الخلق، وقد أنزل من الآيات البينات والبراهين ما يبين الحقائق ويوضح المقاصد، فمن اتبعها وعمل عليها، فهو من المهتدين الفائزين، { وَلِلْكَافِرِينَ } بها { عَذَابٌ مُهِينٌ } أي: يهينهم ويذلهم، كما تكبروا عن آيات الله، أهانهم الله وأذلهم.