Verse. 5111 (AR)

٥٨ - ٱلْمُجَادِلَة

58 - Al-Mujadila (AR)

اَلَمْ تَرَ اَنَّ اللہَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمٰوٰتِ وَمَا فِي الْاَرْضِ۝۰ۭ مَا يَكُوْنُ مِنْ نَّجْوٰى ثَلٰثَۃٍ اِلَّا ہُوَرَابِعُہُمْ وَلَا خَمْسَۃٍ اِلَّا ہُوَسَادِسُہُمْ وَلَاۗ اَدْنٰى مِنْ ذٰلِكَ وَلَاۗ اَكْثَرَ اِلَّا ہُوَمَعَہُمْ اَيْنَ مَا كَانُوْا۝۰ۚ ثُمَّ يُنَبِّئُہُمْ بِمَا عَمِلُوْا يَوْمَ الْقِيٰمَۃِ۝۰ۭ اِنَّ اللہَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيْمٌ۝۷
Alam tara anna Allaha yaAAlamu ma fee alssamawati wama fee alardi ma yakoonu min najwa thalathatin illa huwa rabiAAuhum wala khamsatin illa huwa sadisuhum wala adna min thalika wala akthara illa huwa maAAahum ayna ma kanoo thumma yunabbiohum bima AAamiloo yawma alqiyamati inna Allaha bikulli shayin AAaleemun

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«ألم تر» تعلم «أن الله يعلم ما في السماوات وما في الأرض ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم» بعلمه «ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أين ما كانوا ثم ينبئهم بما عملوا يوم القيامة إن الله بكل شيء عليم».

7

Tafseer

الرازي

تفسير : ثم إنه تعالى أكد بيان كونه عالماً بكل المعلومات فقال: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ }. قال ابن عباس: {أَلَمْ تَرَ } أي ألم تعلم وأقول هذا حق لأن كونه تعالى عالماً بالأشياء لا يرى، ولكنه معلوم بواسطة الدلائل، وإنما أطلق لفظ الرؤية على هذا العلم، لأن الدليل على كونه عالماً، هو أن أفعاله محكمة متقنة منتسقة منتظمة، وكل من كانت أفعاله كذلك فهو عالم. أما المقدمة الأولى: فمحسوسة مشاهدة في عجائب السموات والأرض، وتركيبات النبات والحيوان. أما المقدمة الثانية: فبديهية، ولما كان الدليل الدال على كونه تعالى كذلك ظاهراً لا جرم بلغ هذا العلم والاستدلال إلى أعلى درجات الظهور والجلاء، صار جارياً مجرى المحسوس المشاهد، فلذلك أطلق لفظ الرؤية فقال: {أَلَمْ تَرَ } وأما أنه تعالى عالم بجميع المعلومات، فلأن علمه علم قديم، فلو تعلق بالبعض دون البعض من أن جميع المعلومات مشتركة في صحة المعلومية لافتقر ذلك العلم في ذلك التخصيص إلى مخصص، وهو على الله تعالى محال، فلا جرم وجب كونه تعالى عالماً بجميع المعلومات، واعلم أنه سبحانه قال: {يَعْلَمُ مَا فِي ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ } ولم يقل: يعلم ما في الأرض وما في السموات وفي رعاية هذا الترتيب سر عجيب. ثم إنه تعالى خص ما يكون من العباد من النجوى فقال: {مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَىٰ ثَلَـٰثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ وَلاَ خَمْسَةٍ إِلاَّ هُوَ سَادِسُهُمْ وَلاَ أَدْنَىٰ مِن ذَلِكَ وَلاَ أَكْثَرَ }. وفيه مسائل: المسألة الأولى: قال ابن جني: قرأ أبو حيوة {مَا تَكُون مِن نَّجْوَىٰ ثَلَـٰثَةٍ } بالتاء ثم قال والتذكير الذي عليه العامة هو الوجه، لما هناك من الشياع وعموم الجنسية، كقولك: ما جاءني من امرأة، وما حضرني من جارية، ولأنه وقع الفاصل بين الفاعل والمفعول، وهو كلمة من، ولأن النجوى تأنيثه ليس تأنيثاً حقيقياً، وأما التأنيث فلأن تقدير الآية: ما تكون نجوى، كما يقال: ما قامت امرأة وما حضرت جارية. المسألة الثانية: قوله: {مَّا يَكُونُ } من كان التامة، أي ما يوجد ولا يحصل من نجوى ثلاثة. المسألة الثالثة: النجوى التناجي وهو مصدر، ومنه قوله تعالى: {أية : لاَّ خَيْرَ فِى كَثِيرٍ مّن نَّجْوَاهُمْ } تفسير : [النساء: 114] وقال الزجاج: النجوى مشتق من النجوة، وهي ما ارتفع ونجا، فالكلام المذكور سراً لما خلا عن استماع الغير صار كالأرض المرتفعة، فإنها لارتفاعها خلت عن اتصال الغير، ويجوز أيضاً أن تجعل النجوى وصفاً، فيقال: قوم نجوى، وقوله تعالى: {أية : وَإِذْ هُمْ نَجْوَىٰ } تفسير : [الإسراء: 47] والمعنى، هم ذوو نجوى، فحذف المضاف، وكذلك كل مصدر وصف به. المسألة الرابعة: جر ثلاثة في قوله: {مِن نَّجْوَىٰ ثَلَـٰثَةٍ } يحتمل وجهين أحدهما: أن يكون مجروراً بالإضافة والثاني: أن يكون النجوى بمعنى المتناجين، ويكون التقدير: ما يكون من متناجين ثلاثة فيكون صفة. المسألة الخامسة: قرأ ابن أبي عبلة (ثلاثة) و (خمسة) بالنصب على الحال، بإضمار يتناجون لأن نجوى يدل عليه. المسألة السادسة: أنه تعالى ذكر الثلاثة والخمسة، وأهمل أمر الأربعة في البين، وذكروا فيه وجوهاً: أحدها: أن هذا إشارة إلى كمال الرحمة، وذلك لأن الثلاثة إذا اجتمعوا، فإذا أخذ إثنان في التناجي والمشاورة، بقي الواحد ضائعاً وحيداً، فيضيق قلبه فيقول الله تعالى: أنا جليسك وأنيسك، وكذا الخمسة إذا اجتمعوا بقي الخامس وحيداً فريداً، أما إذا كانوا أربعة لم يبق واحد منهم فريداً، فهذا إشارة إلى أن كل من انقطع عن الخلق ما يتركه الله تعالى ضائعاً وثانيها: أن العدد الفرد أشرف من الزوج، لأن الله وتر يحب الوتر، فخص الأعداد الفرد بالذكر تنبيهاً على أنه لا بد من رعاية الأمور الإلهية في جميع الأمور وثالثها: أن أقل مالا بد منه في المشاورة التي يكون الغرض منها تمهيد مصلحة ثلاثة، حتى يكون الإثنان كالمتنازعين في النفي والإثبات، والثالث كالمتوسط الحاكم بينهما، فحينئذ تكمل تلك المشورة ويتم ذلك الغرض، وهكذا في كل جمع اجتمعوا للمشاورة، فلا بد فيهم من واحد يكون حكماً مقبول القول، فلهذا السبب لا بد وأن تكون أرباب المشاورة عددهم فرداً، فذكر سبحانه الفردين الأولين واكتفى بذكرهما تنبيهاً على الباقي ورابعها: أن الآية نزلت في قوم من المنافقين، اجتمعوا على التناجي مغايظة للمؤمنين، وكانوا على هذين العددين، قال ابن عباس نزلت هذه الآية في ربيعة وحبيب ابني عمرو، وصفوان بن أمية، كانوا يوماً يتحدثون، فقال أحدهم: هل يعلم الله ما تقول؟ وقال الثاني: يعلم البعض دون البعض، وقال الثالث: إن كان يعلم البعض فيعلم الكل وخامسها: أن في مصحف عبدالله: (ما يكون من نجوى ثلاثة إلا الله رابعهم، ولا أربعة إلا الله خامسهم، ولا خمسة إلا الله سادسهم، ولا أقل من ذلك ولا أكثر إلا الله معهم إذا أخذوا في التناجي). المسألة السابعة: قرىء: {وَلاَ أَدْنَىٰ مِن ذَلِكَ وَلاَ أَكْثَرَ } بالنصب على أن لا لنفي الجنس، ويجوز أن يكون {وَلاَ أَكْثَرَ } بالرفع معطوفاً على محل (لا) مع (أدنى)، كقولك: لا حول ولا قوة إلا بالله، بفتح الحول ورفع القوة والثالث: يجوز أن يكونا مرفوعين على الابتداء، كقولك: لا حول ولا قوة إلا بالله والرابع: أن يكون ارتفاعهما عطفاً على محل {مِن نَّجْوَىٰ } كأنه قيل: ما يكون أدنى ولا أكثر إلا هو معهم، والخامس: يجوز أن يكونا مجرورين عطفاً على {نَجْوَىٰ } كأنه قيل: ما يكون من أدنى ولا أكثر إلا هو معهم. المسألة الثامنة: قرىء: {وَلا أَكْبَرَ } بالباء المنقطعة من تحت. المسألة التاسعة: المراد من كونه تعالى رابعاً لهم، والمراد من كونه تعالى معهم كونه تعالى عالماً بكلامهم وضميرهم وسرهم وعلنهم، وكأنه تعالى حاضر معهم ومشاهد لهم، وقد تعالى عن المكان والمشاهدة. المسألة العاشرة: قرأ بعضهم: {ثُمَّ يُنَبِّئُهُم } بسكون النون، وأنبأ ونبأ واحد في المعنى، وقوله: {ثُمَّ يُنَبّئُهُم بِمَا عَمِلُواْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ } أي يحاسب على ذلك ويجازي على قدر الاستحقاق، ثم قال: {أَنَّ ٱللَّهَ بِكُلّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } وهو تحذير من المعاصي وترغيب في الطاعات.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ} فلا يخفى عليه سرٌّ ولا علانية. {مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَىٰ} قراءة العامة بالياء؛ لأجل الحائل بينهما. وقرأ أبو جعفر بن القَعْقاع والأعرج وأبو حَيْوة وعيسى «مَا تَكُونُ» بالتاء لتأنيث الفعل. والنَّجوى: السِّرَار؛ وهو مصدر والمصدر قد يوصف به؛ يقال: قوم نجوى أي ذوو نجوى؛ ومنه قوله تعالى: {أية : وَإِذْ هُمْ نَجْوَىٰ} تفسير : [الإسراء:47]. وقوله تعالى: {ثَلاَثَةٍ} خفض بإضافة «نَجْوَى» إليها. قال الفرّاء: «ثَلاَثَةٍ» نعت للنجوى فٱنخفضت وإن شئت أضفت «نَجْوَى» إليها. ولو نصبت على إضمار فعل جاز؛ وهي قراءة ٱبن أبي عبلة «ثَلاَثَةً» و «خَمْسَةً» بالنصب على الحال بإضمار يتناجون؛ لأن نجوى يدل عليه؛ قاله الزمخشري. ويجوز رفع «ثلاثة» على البدل من موضع «نَجْوَى». ثم قيل: كل سِرَار نجوى. وقيل: النجوى ما يكون من خلوة ثلاثة يسرون شيئاً ويتناجون به. والسرار ما كان بين ٱثنين. {إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ} يعلم ويسمع نجواهم؛ يدل عليه ٱفتتاح الآية بالعلم ثم ختمها بالعلم. وقيل: النجوى من النَّجْوة وهي ما ٱرتفع من الأرض، فالمتناجيان يتناجيان ويخلوان بسرهما كخلو المرتفع من الأرض عما يتصل به، والمعنى: أنّ سَمْع الله محيط بكل كلام، وقد سمع الله مجادلة المرأة التي ظاهر منها زوجها. {وَلاَ أَدْنَىٰ مِن ذَلِكَ وَلاَ أَكْثَرَ} قرأ سلاّم ويعقوب وأبو العالية ونصر وعيسى بالرفع على موضع {مِن نَّجْوَىٰ} قبل دخول «مِنْ» لأن تقديره ما يكون نجوى، و {ثَلاَثَةٍ} يجوز أن يكون مرفوعاً على محل «لاَ» مع «أَدْنَى» كقولك: لا حولَ ولا قوّةٌ إلا بالله بفتح الحول ورفع القوّة. ويجوز أن يكونا مرفوعين على الابتداء؛ كقولك لا حولٌ ولا قوّة إلا بالله. وقد مضى في «البقرة» بيان هذا مستوفىً. وقرأ الزهري وعكرمة «أكبر» بالباء. والعامة بالثاء وفتح الراء على اللفظ وموضعها جر. وقال الفرّاء في قوله: {مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَىٰ ثَلاَثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ وَلاَ خَمْسَةٍ إِلاَّ هُوَ سَادِسُهُمْ} قال: المعنى غير مصمود والعدد غير مقصود لأنه تعالى إنما قصد وهو أعلم أنه مع كل عدد قلّ أو كثر، يعلم ما يقولون سرًّا وجهراً ولا تخفى عليه خافية؛ فمن أجل ذلك ٱكتفى بذكر بعض العدد دون بعض. وقيل: معنى ذلك أن الله معهم بعلمه حيث كانوا من غير زوال ولا ٱنتقال. ونزل ذلك في قوم من المنافقين كانوا فعلوا شيئاً سرًّا فأعلم الله أنه لا يخفى عليه ذلك؛ قاله ٱبن عباس. وقال قتادة ومجاهد: نزلت في اليهود. {ثُمَّ يُنَبِّئُهُم} يخبرهم {بِمَا عَمِلُواْ} من حسَن وسيّىء {يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ إِنَّ ٱللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ}.

المحلي و السيوطي

تفسير : {أَلَمْ تَرَ } تعلم {أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِى ٱلسَّمَٰوٰتِ وَمَا فِى ٱلأَرْضِ مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَىٰ ثَلَٰثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ } بعلمه {وَلاَ خَمْسَةٍ إِلاَّ هُوَ سَادِسُهُمْ وَلاَ أَدْنَىٰ مِن ذَلِكَ وَلاَ أَكْثَرَ إِلاَّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُواْ ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُواْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ إِنَّ ٱللَّه بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ}.

ابن عادل

تفسير : ثم إنه - تعالى - أكد بيان كونه عالماً بكل المعلومات، فقال جل ذكره: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ} فلا يخفى عليه سرّ ولا علانية. قوله تعالى: {مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَىٰ}. "يكون" تامة، و "من نجوى" فاعلها، و "من" مزيدة فيه، و "نجوى" في الأصل مصدر، فيجوز أن يكون باقياً على أصله، ويكون مضافاً لفاعله، أي: ما يوجد من تناجي ثلاثة، ويجوز أن يكون على حذف، أي: من ذي نَجْوَى، ويجوز أن يكون أطلق على الأشخاص المتناجين مبالغة. فعلى هذين الوجهين ينخفض "ثلاثة" على أحد وجهين: إما البدل من "ذوي" المحذوفة، وإما الوصف لها على التقدير الثاني، وإما البدل، أو الصفة لـ "نجوى" على التقدير الثالث. وقرأ ابن أبي عبلة: "ثلاثة"، و "خمسة" نصباً على الحال، وفي صاحبها وجهان: أحدهما: أنه محذوف مع رافعه تقديره: يتناجون ثلاثة، وحذف لدلالة "نجوى". والثاني: أنه الضمير المستكن في "نجوى" إذا جعلناها بمعنى المتناجين [قاله الزمخشري، رحمه الله. قال مكي: "ويجوز في الكلام رفع "ثلاثة" على البدل من موضع "نجوى"؛ لأن موضعها رفع و "من" زائدة، ولو نصبت "ثلاثة" على الحال من الضمير المرفوع إذا جعلت "نجوى" بمعنى المتناجين جاز في الكلام"]. قال شهاب الدين: "ولا يقرأ به فيما علمت، وهو جائز في غير القرآن كما قال، وأما النصب فقد قرىء به، وكأنه لم يطلع عليه". قوله: {إلا هو رابعهم}، {إلا هو خامسهم}، {إلا هو معهم} كل هذه الجمل بعد "إلا" في موضع نصب على الحال أي: ما يوجد شيء من هذه الأشياء إلا في حال من هذه الأحوال، فالاستثناء مفرغ من الأحوال العامة. وقرأ أبو جعفر: "ما تكون" بتاء التأنيث لتأنيث النجوى. قال أبو الفضل: إلا أنَّ الأكثر في هذا الباب التذكير على ما في قراءة العامة؛ لأنه مسند إلى "من نجوى" وهو اسم جنس مذكر. قال ابن جني: التذكير الذي عليه العامة هو الوجه؛ لوقوع الفاصل بين الفعل والفاعل، وهو كلمة "من"، ولأن تأنيث النجوى غير حقيقي. قوله: "ولا أكْثرَ". العامة على الجر عطفاً على لفظ "نجوى". وقرأ الحسن، والأعمش، وابن أبي إسحاق، وأبو حيوة ويعقوب: "ولا أكثر" بالرفع، وفيه وجهان: أحدهما: أنه معطوف على موضع "نجوى" لأنه مرفوع، و "من" مزيدة، فإن كان مصدراً كان على حذف مضاف كما تقدم، أي: من ذوي نجوى، وإن كان بمعنى متناجين، فلا حاجة إلى ذلك. الثاني: "أدنى" مبتدأ، و {إلاَّ هو معهم} خبره، فيكون "ولا أكثر" عطفاً على المبتدأ، وحينئذ يكون "ولا أدنى" من باب عطف الجمل لا المفردات. وقرأ الحسن ويعقوب أيضاً ومجاهد والخليل: "ولا أكبر" بالباء الموحدة والرفع على ما تقدم. وزيد بن علي: "ينبيهم" - بسكون النون - من أنبأ إلاَّ أنه حذف الهمزة وكسر الهاء. وقرىء كذلك إلا أنه بإثبات الهمزة وضم الهاء، والعامة بالتشديد من "نبأ". فصل في النجوى "النَّجْوَى": التناجي، وهو السرار وهو مصدر يوصف به، يقال: قوم نجوى، وذوو نجوى. قال تعالى: {أية : وَإِذْ هُمْ نَجْوَىٰ} تفسير : [الإسراء: 47]. قال الزجاج: "النجوى" مشتقة من النجوة وهي ما ارتفع وتنجى، فالكلام المذكور سرًّا، لما خلا عن استماع الغير صار كالأرض المرتفعة، فإنها لارتفاعها خلت عن اتصال الغير، والسرار ما كان بين اثنين. قوله: {إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ} أي: يعلم، ويسمع نجواهم بدليل افتتاح الآية بالعلم. فإن قلت: ما الحكمة في ذكره - سبحانه وتعالى - الثلاثة والخمسة، وأهمل الأربعة؟. فالجواب من وجوه: الأول: أن ذلك إشارة إلى كمال الرحمة؛ لأن الثلاثة إذا اجتمعوا، فإذا تناجى اثنان منهم بقي الثالث ضائعاً وحيداً، فيضيق عليه، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : إذَا كُنْتُمْ ثلاثَةً فَلا يَتَنَاجَى اثْنَان دُونَ الثَّالثِ إلاَّ بإذْنِهِ فإنَّ ذلِكَ يُحْزنهُ ". تفسير : فكأنه - تعالى - يقول: أنا جليسك وأنيسك، وكذا الخمسة إذا اجتمعوا بقي الخامس وحيداً فريداً. الثاني: أن العدد الفرد أشرف من الزوج؛ لأن الله - تبارك وتعالى - وتر يحب الوتر، فخص أعداد الفرد بالذكر تنبيهاً على أنه لا بد من رعاية الأمور الإلهية في جميع الأمور. الثالث: أن أقل ما لا بد منه في المشاورة التي يكون الغرض منها تمهيد مصلحة ثلاثة حتى يكون الاثنان كالمتنازعين في النفي والإثبات، والثالث كالحاكم بينهما، فحينئذ تكمل المشورة، ويتم ذلك الغرض، فلهذا السبب لا بد وأن يكون أرباب المشورة عددهم فرداً، فذكر الله - تعالى - الفردين الأولين، واكتفى بذكرهما تنبيهاً على الباقي. الرابع: أن الآية نزلت في قوم منافقين اجتمعوا على التناجي، وكانوا على هذين العددين. وقال ابن عباس رضي الله عنهما: نزلت هذه الآية في ربيعة، وحبيب بن أبي عمرو، وصفوان بن أمية كانوا يتحدّثون، فقال أحدهم: هل يعلم الله ما نقول؟ وقال الثالث: يعلم البعض. الخامس: أنه في مصحف عبد الله بن مسعود: {ما يكون من نجوى ثلاثة إلاَّ الله رابعهم، ولا أربعة إلا الله خامسهم، ولا خمسة إلا الله سادسهم، ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم إذا أخذوا في التناجي}. قوله: {ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُواْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ} أي: يحاسب على ذلك، ويجازي عليه. {إِنَّ ٱللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} وهذا تحذير من المعاصي، وترغيب في الطاعات. قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ نُهُواْ عَنِ ٱلنَّجْوَىٰ} الآية. قيل: هم اليهود. وقيل: هم المنافقون. وقيل: فريق من الكفار. وقيل: فريق من المسلمين، لما روى أبو سعيد الخدري - رضي الله عنه - قال: حديث : كنا ذات ليلةٍ نتحدَّث إذ خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "مَا هَذِهِ النَّجْوَى"؟ فقلنا: تُبْنَا إلى الله يا رسول الله صلى الله عليه وسلم إنا كُنَّا في ذكر المسيخ، يعني: الدجال فرقاً منه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ألا أخْبِرُكُمْ بِمَا هُوَ أخْوَفُ عِنْدِي مِنْهُ؟" قلنا: بلى، يا رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: "الشِّرْكُ الخَفِيُّ أن يَقُومَ الرَّجلُ يعْمَلُ لمكانِ رَجُل"تفسير : . ذكره الماوردي. وقال ابن عباس رضي الله عنهما: نزلت في اليهود والمنافقين كانوا يتناجون فيما بينهم، وينظرون للمؤمنين، ويتغامزون بأعينهم، فقال المؤمنون: لعلهم بلغهم عن إخواننا وقرابتنا من المهاجرين والأنصار قتل، أو مصيبة، أو هزيمة؛ ويسوؤهم ذلك، وكثرت شكواهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فنهاهم عن النجوى فلم ينتهوا، فنزلت الآية. وقال مقاتل: كان بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين اليهود موادعة، فإذا مرَّ بهم رجل من المؤمنين تناجوا بينهم حتى يظنّ المؤمن شرًّا، فيعرج عن طريقه فنهاهم الله - سبحانه - فلم ينتهوا فنزلت. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: كان الرجل يأتي النبي صلى الله عليه وسلم فيسأله الحاجة ويناجيه، والأرض يومئذ خرب فيتوهّموا أنه يناجيه في حرب أو بليَّة أو أمر فيفزعون لذلك فنزلت. قال ابن الخطيب رحمه الله: والأولى أن تكون نزلت في اليهود؛ لأنه - عز وجل - حكى عنهم، فقال: {وَإِذَا جَآءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ ٱللَّهُ} وهذا إنما وقع من اليهود، كانوا إذا سلموا على الرسول صلى الله عليه وسلم قالوا: السَّامُ عليكم، يعنون الموت. قوله: {ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ} أي: يرجعون إلى المُناجاة التي نهوا عنها. قوله: "ويَتَنَاجَوْنَ". قرأ حمزة: "وينْتَجُون" بغير ألف من "الانتجاء" من "النجوى" على وزن "يَفْتَعلُون". والباقون: "ويتناجون" من "التَّناجي" من "النجوى" أيضاً. قال أبو علي: والافتعال، والتفاعل يجريان مجرى واحداً، ومن ثمَّ صححوا "ازْدَوجُوا واعتورُوا" لما كانا في معنى تزاوجوا وتعاوروا، وجاء {أية : حَتَّىٰ إِذَا ٱدَّارَكُواْ} تفسير : [الأعراف: 28] وادَّرَكُوا. قال شهاب الدين: ويؤيد قراءة العامة الإجماع على تناجيهم، و "فلا تتناجوا" و "تناجوا"، فهذا من "التفاعل" لا غير، إلاَّ ما روي عن عبد الله، أنه قرأ {إذا انْتَجَيْتُم فلا تنتجوا}. ونقل أبو حيان عن الكوفيين والأعمش: "فلا تنتجوا" كقراءة عبد الله. وأصل: "تَنْتَجُونَ" "تَنْتَجِيونَ" و "تَنَاجَوْن" فاستثقلت الضَّمَّة على الياء، فحذفت فالتقى ساكنان فحذفت لالتقائهما، أو تقول: تحرك حرف العلة وانفتح ما قبله، فقلبت ألفاً فالتقى ساكنان، فحذف أولهما وبقيت الفتحة دالة على الألف. قوله: {بِٱلإِثْمِ وَٱلْعُدْوَانِ}. قرأ أبو حيوة: "بالعِدْوان" بكسر العين. والمراد "بالإثم والعدوان": الكذب والظلم، {وَمَعْصِيَتِ ٱلرَّسُولِ} صلى الله عليه وسلم مخالفته. وقرأ الضَّحاك: "ومعصيات الرَّسُول" صلى الله عليه وسلم. قوله: {وَإِذَا جَآءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ ٱللَّهُ}. قال القرطبي: لا خلاف بين أهل النقل أن المراد به اليهود، وكانوا إذا سلموا على النبي صلى الله عليه وسلم قالوا: السَّام عليك يعنون الموت. كما روت عائشة - رضي الله عنها - "حديث : أن اليهود أتوا النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: السَّام عليك، قال النبي صلى الله عليه وسلم: "عَلَيْكُمْ" فقالت عائشة رضي الله عنها: السَّام عليكم، ولعنة الله، وغضبه عليكم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مَهْلاً يا عَائِشَةُ، عليْكِ بالرِّفْقِ وإيَّاكِ والعُنْفَ والفُحْشَ"، قالت: أو لم تسمع ما قالوا يا رسول الله؟، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ذلك "أو لَمْ تَسْمَعِي مَا قُلْتُ ورَدَدْتُ عليْهِمْ فَيُسْتجَابُ لي فيْهِمْ ولا يُسْتجابُ لهُمْ فِيْ؟". وقال النبي صلى الله عليه وسلم عند ذلك: "إذَا سَلَّمَ عَليْكُمْ أهْلُ الكتابِ، فقُولُوا: علَيْكَ مَا قُلْتَ"، فأنزل الله تعالى: {وَإِذَا جَآءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ ٱللَّهُ} ". تفسير : وروى أنس - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إذَا سَلمَ علَيْكُمْ أهْلُ الكتابِ فقُولُوا: وعَليْكُمْ" تفسير : بالواو. فقال بعض العلماء رضي الله عنهم: إن الواو العاطفة تقتضي التشريك، فيلزم منه أن يدخل معهم فيما دعوا به علينا من الموت، أو من سآمة ديننا وهو الهلاك، يقال: سَئِمَ يَسْأمُ سَآمةً وسَآماً. وقال بعضهم "الواو" زائدة كما زيدت في قول الشاعر: [الطويل] شعر : 4732- فَلَمَّا أجَزْنَا سَاحَةَ الحَيِّ وانْتَحَى ........................... تفسير : أي: لما أجزنا انتحى، فزاد "الواو". وقال آخرون: هي للاستئناف، كأنه قال: والسام عليكم، وقال آخرون: هي على بابها من العطف ولا يضرنا ذلك؛ لأنا نجاب عليهم ولا يجابون علينا كما تقدم في قوله صلى الله عليه وسلم لـ "عائشة" رضي الله عنها. فصل في رد السَّلام على أهل الذمة اختلفوا في ردّ السَّلام على أهل الذِّمة، فقال ابن عباس والشعبي وقتادة: هو واجب لظاهر الأمْرِ بذلك. وقال مالك رضي الله عنه: ليس بواجب، فإن رددت فقل: عليك. وقال بعضهم: نقول في الرد: علاك السَّلام، أي: ارتفع عنك. وقال بعض المالكية: تقول في الرد: السلام عليك - بكسر السين - يعني الحجارة. قوله تعالى: {وَيَقُولُونَ فِيۤ أَنفُسِهِمْ لَوْلاَ يُعَذِّبُنَا}. هذه الجملة التحضيضية في موضع نصب بالقول، ومعنى الآية: أن اليهود - لعنهم الله - لما كانوا يقولون: السام عليك، ويوهمون أنهم يسلمون، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يرد عليهم بقوله: "عليكم" فإذا خرجوا قالوا: "لولا يعذبنا الله" أي: هلا يعذبنا بما نقول، أي: لو كان نبيًّا لعذبنا الله بما نقول. وقيل: قالوا: إنه يرد علينا، ويقول: وعليكم السَّام، فلو كان نبيًّا لاستجيب له فينا ومتنا، وهذا موضع تعجب منهم، فإنهم كانوا أهل الكتاب، وكانوا يعلمون أنَّ الأنبياء - صلوات الله وسلامه عليهم - قد يغضبون، فلا يعاجل من يغضبهم بالعذاب. قوله: {حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ} أي: كافيهم جهنم عقاباً غداً {يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ}. قوله تعالى: {يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلاَ تَتَنَاجَوْاْ بِٱلإِثْمِ وَٱلْعُدْوَانِ}. أي: كفعل المنافقين واليهود. قال مقاتل: أراد بقوله: "آمنوا" المنافقين آمنوا بلسانهم. وقال عطاء: يريد الذين آمنوا بزعمهم قال لهم: لا تتناجوا بالإثم والعدوان، ومعصية الرسول صلى الله عليه وسلم. وقيل: يا أيها الذين آمنوا بموسى صلوات الله وسلامه عليه. قوله: {وَتَنَاجَوْاْ بِٱلْبِرِّ وَٱلتَّقْوَىٰ} والمراد بالبر: الطاعة، وبالتقوى: العفاف عما نهى الله عنه. {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ٱلَّذِيۤ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ} [أي]: تجمعون في الآخرة.

البقاعي

تفسير : ولما كان هذا الإخبار عن إحاطة علمه وشمول قدرته مع أنه بديهي التصور - يحتاج عند من جره الهوى إلى الشرك المقتضي للنقص إلى دليل معه فقد كان العرب ينكرون أن يسع الناس كلهم إله واحد، قال تعالى دالاًّ على ذلك بدليل شهودي ليفيد الإنسان بما يراه من المحسوسات، قاصراً الخطاب على أعلى الخلق إشارة إلى أنه لا يفهم ذلك حق فهمه غيره: {ألم تر} أي تعلم علماً هو في وضوحه كالرؤية بالعين {أن الله} أي الذي له صفات الكمال كلها {يعلم ما في السماوات} كلها. ولما كان الخطاب لأعلى الخلق، وكان المقام لإحاطة العلم، وكان خطابه صلى الله عليه وسلم بذلك إشارة للسامعين إلى وعورة هذا المقام وأنه بحيث لا يكاد يتصوره ولا يفهمه حق فهمه إلا هو صلى الله عليه وسلم ومن ألحق به ممن صفا فهمه وسوى ذهنه وانخلع من الهوى والعوائق، جمع وأكد بإعادة الموصول، فإفراده صلى الله عليه وسلم بالخطاب بعد أن كان مع المظاهرين ثم المحادين إشارة إلى التعظيم وتأكيده تنبيه على صعوبة المقام بالتعميم ليرعى حق الرعي توفية بحق التعليم كما رعته الصديقة أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها في قولها (سبحان من وسع سمعه الأصوات) يعني في سماعه مجادلة المرأة وهو في غاية الخفاء فقال تعالى: {وما في الأرض} أي كليات ذلك وجزئياته، لا يغيب عنه شيء منه، بدليل أن تدبيره محيط بذلك على أتم ما يكون، وهو يخبر من يشاء من أنبيائه وأصفيائه بما يشاء من أخبار ذلك، القاصية والدانية، الحاضرة والغائبة، الماضية والآتية، فيكون كما أخبر. ولما كان ذلك وإن كان معلوماً يتعذر إحاطة الإنسان بكل جزئي منه، دل عليه بما هو أقرب منه فقال: {ما تكون} بالفوقانية في قراءة أبي جعفر لتأنيث النجوى إشارة إلى العلم بها ولو ضعفت إلى أعظم حد، وقرأ الباقون بالتحتانية للحائل، ولأن التأنيث غير حقيقي، وهي على كل حال من "كان" التامة، وعمم النفي بقوله: {من نجوى} أي تناجي متناجين، جعلوا نجوى مبالغة، والنجوى: السر والمسارون، اسم ومصدر - قاله في القاموس، وقال عبد الحق في الواعي: النجوى الكلام بين الاثنين كالسر والتشاور - انتهى. وأصله من النجوى - للمرتفع من الأرض، والنجو: الخلوص والقطع وكشط الجلد والحدث والكشف، لأن المسارر يرفع ما كان في ضميره إلى صاحبه ويخلصه بمساررته له ويقطعه من ضميره ويكشطه منه ويحدثه ويكشفه. ولما كانت النجوى لا تكمل إلا بثالث يحفظ الأنس بإدامة الاجتماع لأن الاثنين ينفردان عند عروض حاجة لأحجهما ويكونان في التناجي والتشاور كالمتنازعين، والثالث وسط بينهما مع أنه سبحانه وتر يحب الوتر، والثلاثة أول أوتار العدد، كما كان حافظاً لها في أزل الأزل قال: {ثلاثة} أي في حال من الأحوال {إلا هو رابعهم} أي مصيرهم أربعة، فهو اسم فاعل والمعنى بعلمه وقدرته كما يكون كل من المتناجين عالماً بنجوى البعض، فروح النجوى العلم بالسر. ولما كان الثلاثة قد يريد أحدهم أن ينفرد بآخر منهم، فيصير الثالث وحده، فإذا كانوا أربعة دام الأنس بينهم ثم لا يكمل إلا بخامس يحفظ الاجتماع إذا عرضت لأحد الاثنين حاجة قال: {ولا خمسة} أي من نجواهم {إلا هو سادسهم} كذلك، فالحاصل أنه ما يكون من وتر إلا كان هو سبحانه شافع وتريته، وأما وتريته هو سبحانه فقد كانت ولا شيء معها أصلاً، وستكون ولا حي معها، فلا وتر في الوجود على الحقيقة غيره. ولما علم بالتكرير أن ما ذكر على سبيل المثال لا لمعنى يخصه من جهة بالعلم، عم بقوله: {ولا أدنى} فبدأ بالقليل لأنه قبل الكثير وهو أخفى منه {من ذلك} أي الذي ذكر وهو الواحد والاثنان والأربعة الذي بعيد عن رتبته وإن كان قد شرفه سبحانه بإطلاق معيته بعد أن لا نسبة له منها. ولما كان العلم بالكثير أعسر من أجل انتشاره قال: {ولا} أي يكون من نجوى {أكثر} أي من ذلك كالستة فما فوقها لا إلى نهاية - هذا التقدير على قراءة الجماعة بالجر بفتحة الراء ورفع يعقوب على محل من {نجوى} {إلا هو معهم} أي يعلم ما يجري منهم وبينهم، ويلزم من إحاطة علمه إحاطة قدرته كما تقدم في طه لتكمل شهادته. ولما كان العموم في المكان يستلزم العموم في الزمان، وكان المكان أظهر في الحس قال: {أين ما} أي في أيّ مكان {كانوا} فإنه لا مسافة بينه وبين شيء من الأشياء لأنه الذي خلق المسافة، وعلمه بالأشياء ليس لقرب مكان حتى يتفاوت باختلاف الأمكنة ولا بسبب من الأسباب غير وجوده على ما هو عليه من صفات الكمال، قال الرازي: ما فارق الأكوان الحق ولا قارنها، كيف يفارقها وهو موجدها وحافظها ومظهرها، وكيف يقارن الحدث القدم وهو به قوام الكل، وهو القيوم على الكل - انتهى. والحاصل أنه سبحانه لا يخفى عليه شيء من العالم وإن بلغ في دقته إلى ما لا ينقسم، وهو شاهد لذلك كله حفظاً وعلماً وإحاطة وحضوراً، وآية ذلك في خلقه أن جملة الجسم يحيا بالروح، فلا يبقى جزء منه إلا وهو محفوظ بالروح يحس بسببها وهو سبحانه لا يحجب علمه ولا شيئاً من صفاته حجاب، فقد صحت المعية وهو بحيث لا يحويه المكان ولا يحصره العد، يقبض المخلوق ويبسطه، لا يصعد المخلوق ولا صفته ولا فعله ولا معنى من معانيه إلى صفة من صفاته، إنما له من المكان المكانة، ومن العلم العلا، ومن الأسماء والصفات مقتضاها - أشار إلى لك ابن برجان وقال: ومن تدبر ما قرأه وتفهم ما تعلمه أدرك من التحقيق ما نحن بسبيل تبيانه ما قدر له، ألا ترى إلى الجن أين مكانهم وإن كانوا موصوفين به ثم الملائكة أرفع قدراً ومكانة، بل إن الروح من جميع الجملة التي تحمله، به حييت وبه تدبيرها وبه قيامها بإن الله خالقه، حديث : قال عليه الصلاة والسلام في خطبته الكبرى وهي آخر خطبة خطبها أخرجها الحارث بن أبي أسامة: رقي المنبر وقال: "أيها الناس ادنو وأوسعوا لمن خلقكم"- ثلاث مرات، فدنا الناس وانضم بعضهم إلى بعض، التفتوا فلم يروا أحداً، فقال رجل منهم بعد الثالثة: لمن نوسع يا رسول الله أللملائكة؟ فقال: "لا إنهم إذ كانوا معكم لم يكونوا بين أيديكم ولا من خلفكم ولكن عن أيمانكم وعن شمائلكم" تفسير : وعلى ذلك فليسوا في مكان الأيمان هنا والشمائل بل في المكان من ذلك، فالله جل جلاله أعلى وأجل وأنزه مكانة وأكرم استواء - انتهى. ولما كان الإنسان نساءً ولا سيما إن تمادى به الزمان، قال عاطفاً على ما تقديره، فيضبط عليهم حركاتهم وسكناتهم من أقوالهم وأفعالهم وأحوالهم، ويحفظها على طول الزمان كما كان حافظاً لها قبل خلقها ثم أزل الأزل {ثم ينبئهم} أي يخبر أصحابها إخباراً عظيماً {بما عملوا} دقيقة وجليلة {يوم القيامة} الذي هو المراد الأعظم من الوجود لإظهار الصفات العلى فيه أتم إظهار. ولما أخبر تعالى بهذا الأمر العظيم، علله بما هو دليل على الشهادة فقال مؤكداً لما لهم من الإنكار قولاً أو فعلاً بالاشتراك الذي يلزم منه النقص {إن الله} أي الذي له الكمال كله. ولما كان المقام للإبلاغ في إحاطة العلم، قدم الجار كما مضت الإشارة إليه غير مرة قال: {بكل شيء} مما ذكر وغيره {عليم *} أي بالغ العلم فهو على كل شيء قدير، فهو على كل شيء شهيد، لأن نسبة ذاته الأقدس إلى الأشياء كلها على حد سواء لا فرق أصلاً بين شيء وآخر، قال القشيري: معية الحق سبحانه وإن كانت على العموم بالعلم والرؤية وعلى الخصوص بالفضل والنصرة، فلهذا الخطاب في قلوب أهل المعرفة أثر عظيم إلى أن ينتهي الأمر بهم إلى التأويل، فللوله والهيمان في خمار هذا عين رغد.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَىٰ ثَلاَثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ} [الآية: 7]. علمًا وحكمًا ولا نفسًا وذاتًا.

القشيري

تفسير : مَعِيَّةُ الحقِّ - سبحانه - وإن كانت على العموم بالعلم والرواية، وعلى الخصوص بالفضل والنصرة - فلهذا الخطاب في قلوب أهل المعرفة أثرٌ عظيمٌ، ولهم إلى أنْ ينتهيَ الأمرُ بهم إلى التولُّه فالوَلَهِ فالهيمان في غمار سماع هذا عيش راغد. ويقال: أصحابُ الكهف - وإن جَلَّتْ رتبتُهم واختصت من بين الناس مرتبتهم - فالحقُّ سبحانه يقول: {أية : سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رَّابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ}تفسير : [الكهف: 22] ولمَّا انتهى إلى هذه الآية قال: {مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَىٰ ثَلاَثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ وَلاَ خَمْسَةٍ} فشتَّان بين مَنْ رابِعُهُ كَلْبُه وبين من رابِعُه ربُّه!! ويقال: أهلُ التوحيد، وأصحابُ العقولِ من أهل الأصولِ يقولون: اللَّهُ واحدٌ لا من طريق العدد، والحقُّ يقول: {مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَىٰ ثَلاَثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ} ويقال حيثما كنتَ فأنا معك؛ إن كنت في المسجد فأنا معك، وإن كنت في المصطبة فأنا معك، إن طَلَبَ العلماء التأويلَ وشوَّشوا قلوبَ أُولي المواجيد فلا بأس - فأنا معهم. إن حضرْتَ المسجد فأنا معك بإسباغ النعمة ولكن وَعْداً، وإن أتيتَ المصطبة فأنا معك بالرحمة وإسبالِ ستر المغفرة ولكن نَقْداً: شعر : هَبْكَ تباعَدْتَ وخالَفْتَني تقدِرُ أن تخرجَ عن لُطْفي

البقلي

تفسير : قوله تعالى {مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَىٰ ثَلاَثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ} المعية بالعلم عموم وبالقرب خصوص والقرب بالعلم عموم وبظهور التجلى خصوص وذلك دنو دنا فتدلى فكان قاب قوسين او ادنى فاذا ارتفع الاين والبين والمكان والجهات واتصل الانوار كشوف الذات والصفات بالعارف فذلك حقيقة المعية اذ هو سبحانه منزه عن الانفصال والاتصال بالحدث لو ترى اهل النجوى الذين مجالستهم لله وفى الله لترى من وجوههم انوار المعية اين انت من العلم الظاهر الذى يدل على الرسوم لم يعلم ان علمه ازل وبالعلم يتجلى للمعلومات فالصفات شاملة على الافعال ظاهرة من مشاهد المعلومات فاذا كان الذرات لا تخلو من قرب الصفات كيف تخلوا عن قرب الذات الارواح العالية المقدسة العاشقة المستغرقة فى بحر وجوده لا تظن فى حقى انى جاهل بان القديم لا يكون محل الحوادث فانه حديث المحدثين اعبر من هذا البحر حتى لا تجد الحدثان والانسان فى مشاهدة الرحمن قال الحسين اصحاب اقواما بارواح طاهرة وملاحظات دائمة وانوار قائمة قال ما يكون من نجوى ثلثة الا هو رابعهم علما وحكما الا نفسا وذاتا قال النصر ابادى من شهد معية الحق معه زجره عن كل مخالفة وارتكاب كل ما لا يجب ومن لا يشاهده معية فانه مخطى الى الشبهات والمحارم.

اسماعيل حقي

تفسير : {ألم تر أن الله يعلم مافى السموات وما فى الارض} استشهاد على شمول شهوده تعالى والهمزة للانكار المقرر بالرؤية لما أن الانكار نفى معنى ونفى النفى يقرر الاثبات فتكون الرؤية ثابتة مقررة والخطاب للرسول عليه السلام او لكل من يستحق الخطاب والمعنى ألم تعلم علما يقينيا بمرتبة المشاهدة انه تعالى يعلم مافى السموات ومافى الارض من الموجودات سوآء كان ذلك بالاستقرار فيهما او بالجزئية منهما (روى) عن ابن عباس رضى الله عنهما انها نزلت فى ربيعة وحبيب ابنى عمرو وصفوان بن امية كانوا يوما يتحدثون فقال أحدهم اترى الله يعلم ما نقول فقال الآخر يعلم بعضا وقال الثالث ان كان يعلم بعضه فهو يعلم كله وصدق لان من علم بعض الاشياء بغير سبب فقط علمها كلها لان كونه عالما بغير سبب ثابت له مع كل معلوم فنزلت الآية {مايكون من نجوى ثلاثة} ما نافية ويكون تامة بمعنى يوجع ويقع ومن مقحم ونجوى فاعله وهو مصدر بمعنى التناجى كالشكوى بمعنى الشكاية يقال نجاه نجوى ونجوى ساره كناجاه مناجاة والنجوى السر الذى يكتم اسم ومصدر كما فى القاموس وأصله أن تخلو فى نجوة من الارض اى مكان مرتفع منفصل بارتفاعه عما حوله كأن المتناجى بنجوة من الارض لئلا يطلع عليه احد والمعنى مايقع من تناجى ثلاثة نفر ومسارتهم فالنجوى مصدر مضاف الى فاعله {الا هو} اى الله تعالى {رابعهم} اى جاعلهم اربعة من حيث انه تعالى يشاركهم فى الاطلاع عليها كما قال الحسين النورى قدس سره الا هو رابعهم علما وحكما لا نفسا وذاتا وهو استثناء مفرغ من اعم الاحوال اى مايوجد فى حال ما الا فى هذه الحال وفى الكلام اعتبار التصيير قال النصر ابادى من شهد معية الحق معه زجره عن كل مخالقة وعن ارتكاب كل محذور ومن لايشاهد معيته فانه متخط الى الشبهات والمحارم {ولا خمسة} اى ولا نجوى خمسة نفر {الا هو سادسهم} الا وهو تعالى جاعلهم ستة فى الاطلاع على ما وقع بينهم وتخصيص العددين بالذكر لخصوص الواقعة لان المنافقين المجتمعين فى النجوى كانوا مرة ثلاثة واخرى خمسة ويقال ان التشاور غالبا انما يكون من ثلاثة الى ستة ليكونوا اقل لفظا واجدر رأيا واكتم سرا ولذا ترك عمر رضى الله عنه حين علم بالموت امر الخلافة شورى بين ستة اى على أن يكون امر الخلافة بين ستة ومشاورتهم واتفاق رأيهم وفى الثلاثة اشارة الى الروح والسر والقلب وفى الخمسة اليها باضافة النفس والهوى ثم عمم الحكم فقال {ولا أدنى من ذلك} اى اقل مما ذكر كالاثنين والواحد فان الواحد ايضا يناجى نفسه وبالفارسية ونه كمتر باشد ازسه عدد {ولا اكثر} كالستة ومافوقها {الا هو معهم} اى الله مع المتناجين بالعلم والسماع يعلم مايجرى بينهم و لايخفى عليه ماهم فيه فكأنه مشاهدهم ومحاضرهم وقد تعالى عن المشاهدة والحضور معهم حضورا جسمانيا {اينما كانوا} اى فى اى مكان كانوا من الاماكن ولو كانوا تحت الارض فان علمه تعالى بالاشياء ليس لقرب مكانى حتى يتفاوت باختلاف الامكنة ولو كانوا تحت الارض فان علمه تعالى بالاشياء ليس لقرب مكانى حتى يتفاوت باختلاف الامكنة قربا وبعدا شعر : اين معيت دربيابد عقل وهوش زين معيت دم مزن بتشين خموش قرب حق بابنده دورست از قياس بر قياس خود منه آنرا اساس تفسير : قال بعض العارفين، اكر مؤمنات امت احمد را خود اين تشريف بودى كه رب العاليمن درين سوره ميكويد كه مايكون من نجوى ثلاثة الا هو رابعهم الى قوله {هو معهم} تمام بودى اصحاب كهف را باجلال رتبت ايشان وكمال منزلت ميكويد، ثلاثة رابعهم كلبهم ويقولون خمسة سادسهم كلبهم فانظر كم من فرق بين من كان الله رابعهم وسادسهم وبين من كان اخس الحيوانات رابعهم وسادسهم وحظية المؤمن من المعية أن يعلم ان الخير فى أن يكون جليسه صالحا وكلامه نافعا ولا يتكلم بمالا طائل تحته فيكون عيبا فى حصيفته وعبثا فى صحبته ومعية الله تعالى على العموم كما صرح به قوله تعالى {أية : وهو معكم أينما كنتم}تفسير : ثم انه قد يكون له تعالى معية مخصوصة ببعض عباده بحسب فيضه وايصال لطفه اليه ونحو ذلك {ثم ينبئهم بما عملوا} اى يخبرهم بالذى عملوه فى الدنيا {يوم القيامة} تفضيحا لهم واظهارا لما يوجب عذابهم {ان الله بكل شىء عليم} لان نسبة ذاته المقتضية للعلم الى الكل سوآء، يعنى نسبت علم او باهمة معلومات يكسانست حالات اهل آسمانرا جنان داندكه حالات اهل زمين را وعلم او بمخفيات امور بدان وجه احاطه كندكه بحليات شعر : نهان وأشكارا هردوا يكسانست بر علمت نه اين رازود تربينى نه آنرا ديد تردانى تفسير : من عرف انه العالم بكل شىء راقبه فى كل شىء واكتفى بعلمه فى كل شىء فكان واثقابه عند كل شىء ومتوجها له بكل شىء قال ابن عطاء الله متى علمت عدم اقبال الناس عليكم او توجههم بالذم اليكم فارجع الى علم الله فيك فان كان لايقنعك علمه فيك فمصيبتك بعدم قناعتك بعلمه أشد من مصيبتك بوجود الاذى منهم انتهى والتخلق بهذا الاسم تحصيل العلم وافادته للمحتاجين اليه ومن أدمن ذكر ياعلام الغيوب بصيغة الندآء الى أن يغلب عليه منه حال فانه يتكلم بالمغيبات ويكشف مافى الضمائر وترقى روحه الى أن يرقى فى العالم العلوى ويتحدث بامور الكائنات والحوادث قال الفقهاء من قال بأن الله تعالى علام بذاته اى لا عالم بعلمه قادر بذاته اى لاقادر بقدرته يعنى لايثبت له صفة العلم القائمة بذاته ولا صفة القدرة كالمعتزلة والجهمية يحكم بكفره لان نفى الصفات الالهية كفر قال الرهاوى من اقر بوحدانية الله وانكر الصفات كالفلاسفة والمعتزلة لايكون ايمانه معتبرا كذا قالوا وفيه شىء بالنسبة الى المعتزلة فانهم من اهل القبلة ومن ثمة قال فى شرح العقائد والجمع بين قولهم لايكفر أحد من أهل القبلة وقولهم بكفر من قال بخلق القرءآن واستحالة الرؤية وسب الشيخين وامثال ذلك مشكل انتهى

الجنابذي

تفسير : {أَلَمْ تَرَ} خطاب لمحمّدٍ (ص) او لكلّ من يتأتّى منه الخطاب، وان كان خطاباً لمحمّدٍ (ص) فالمعنى لا ينبغى لك الاستغراب عن كونه على كلّ شيءٍ شهيداً لانّك ترى وتنظر الى آثار احاطة علمه تعالى بما فى السّماوات وما فى الارض، وان كان الخطاب عامّاً فالمعنى لا ينبغى الاستغراب لظهور آثار احاطة علمه تعالى وينبغى ان يراها كلّ راءٍ لظهورها {أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَىٰ ثَلاَثَةٍ} نجوى جمع نجّى او مصدر نجاه بمعنى سارّه، او اسم مصدرٍ بمعنى السّرّ، وعلى الاوّل جاز ان يكون مضافاً الى ثلثة بدلاً منه ومعنى النّجوى المصدرىّ المسارّة بين اثنين او اكثر لكنّه يطلق على حديث النّفس وخطرات القلوب والرّؤيا الصّادقة والاحلام الكاذبة لانّها مسّارة الشّيطان او الملك مع الانسان، وقد يطلق على مطلق المحاورة {إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ وَلاَ خَمْسَةٍ إِلاَّ هُوَ سَادِسُهُمْ} اختيار المتناجين اى المتسارّين لانّ المتناجين يكونون بحالٍ لا يطّلع على نجواهم غيرهم فيكون الاطّلاع عليهم ابلغ فى الدّلالة على الاطّلاع على خفيّات الامور، واختيار الثّلاثة والخمسة من بين مراتب العدد لانّ العدد الوتر اشرف مراتب العدد، الا ترى انّه تعالى قال {أية : سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رَّابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ، وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْماً بِٱلْغَيْبِ، وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ} تفسير : [الكهف:22] ولانّ الله وتر يحبّ الوتر، واقلّ مراتب العدد الوتر الثّلاثة، واضاف اليها الخمسة ليعلم انّ خصوص مرتبة الثّلاثة ليس مقصوداً، وقيل: كان من انزلت الآية فيهم ثلاثة وخمسة والفرق بين ثالث الثّلاثة ورابع الثّلاثة انّ ثالث الثّلاثة يكون واحداً من الثّلاثة مقابلاً للآخرين متمّماً عددهم ولذا قال تعالى: لقد كفر الّذين قالوا انّ الله ثالث ثلاثة وامّا رابع الثّلاثة فهو الّذى يجعل الثّلاثة اربعة سواء كان من جنسهم وفى عدادهم او لم يكن، وسواء جعل الثّلاثة اربعة بنفسه او بغيره فهذه العبارة لا تستلزم التّحدّد وكونه تعالى ثانياً لغيره وغير ذلك ممّا ينافى الوجوب كالعبارة الاولى فانّه تعالى يجعل كلّ ثلاثة اربعة بان يوكّل عليهم واحداً من وكلائه او اكثر، وايضاً يجعل الثّلاثة اربعة بان يكون هو بنفسه مقوّماً للثّلاثة ومعهم لا معيّة الاثنين من الانسان بل معيّة قيّوميّة لا ينفك شيءٌ من الاشياء عنها منفرداً كان او منضمّاً الى واحدٍ او اكثر وهذا المعنى لا يلزم شيئاً من لوازم الامكان ولذلك لم يكتف بهذا وقال {وَلاَ أَدْنَىٰ مِن ذَلِكَ} العدد {وَلاَ أَكْثَرَ إِلاَّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُواْ ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُواْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ إِنَّ ٱللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} تعليل وتأكيد ونتيجة للسّابق ونزول الآية كما روى عن الصّادق (ع) فى ابى عبيدة الجرّاح وعبد الرّحمن بن عوفٍ وسالمٍ مولى ابى حذيفة والمغيرة بن شعبة وعدّة اُخر حيث كتبوا الكتاب بينهم وتعاهدوا وتواثقوا لئن مضى محمّدٌ (ص) لا يكون الخلافة فى بنى هاشم ولا النّبوّة ابداً.

اطفيش

تفسير : {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ مَافِى السَّمَٰوَاتِ وَمَافِى الأَرْضِ} تفصيلا واجمالا {مَايَكُونَ مِن نَّجْوَى ثَلاثَةٍ} من صلة في أسم الكون وما نافية أو للاستفهام الانكاري والخبر ما بعد إلا أو الكون تام وما بعد إلا حال واستغنى في الربط بضمير المضاف اليه والنجوى مؤنث مجازا ظاهر ولذلك ذكر الفعل وايضاً قد فصل أو لان الاصل شيء من نجوى فتكون من غير زائدة وقرىء بالمثناة فوق والنجوى التناجي إما أن تكون مضافة لثلاثة أو موصوفة بها على تأويلها بمتناجين أو على تقدير مضاف أي من أهل نجوى فيكون ثلاثة نعتا للاهل أو جعلوا نجوى في انفسهم مبالغة وعليهما فعدم التنوين لالف التأنيث واشتقاق النجوى من النجوة وهي ما ارتفع من الارض فإن السر مرفوع الى الذهن يعسر الاطلاع عليه. {إِلا هُوَ رَابِعُهُمْ} شاهد عالم بنجواهم أي ما يتناجون في حال من الاحوال إلا والله خبير {وَلا خَمْسَةٍ إِلا هُوَ سَادِسُهُمْ} هذا عطف على معمولين وهما ثلاثة وقوله رابعهم لعاملين وهما يكون ونجوى وان عطفنا خمسة على نجوى كان كذلك ولكن احد العامين حينئذ هو من وكان العطف حينئذ على معمولي عامل وهو يكون لان من زائدة ولكن لا بد من تقدير مضاف على هذا الاخير ولعل مانع العطف على معمولي عاملين يقول بهذا الاخير. وقرأ ابن ابي عبلة بنصب ثلاثة وخمسة على الحالية باضمار يتناجون للادلة نجوى عليه أو على تأويل نجوى بمتناجين وصاحب الحال الضمير المستتر في متناجين وخصص العددين الثلاثة أو الخمسة إما لأن قوما من المنافقين تخالفوا للتناجي مغاءطه للمؤمنين على هذين العديين ثلاثة وخمسة أي ما يتناجى منهم ثلاثة ولا أربعة كما ترونهم إلا وهو يسمعهم كما يسمع الرابع منهم إذا تناجى ثلاثة والخامس إذا تناجى اربعة فهو كالرابع والخامس وهذا معنى الآية. وقيل: تناجوا ثلاثة وتناجوا اربعة لا غير والرابع والخامس الله وقد روي عن ابن عباس انها نزلت في ربيعة وحبيب ابني عمرو وصفوان بن امية تحدثوا فقال احدهم اترى ان الله يعلم ما نقول فقال الآخر يعلم بعضاً وقال الثالث ان علم بعضا علم كلاً وقد صدق لان من علم بعضا بلا سبب علم الكل وأما لانه قصد ان يذكر ما جرت به العادة من ان المتخالين للشورى ليسوا بكل احد وانماهم طائفة مجتباه من أولى النهى والاحلام واول عددهم الاثنان فصاعدا الى خمسة إلى ستة الى ما اقتضته الحكمة. كما ترك عمر الامامة شورى بين الستة وقد ذكر الاكثر والاقل بقوله {وَلا أَدْنَى} أقل {مِن ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلا هُوَ مَعَهُمْ} بالعلم والقدرة أو خص الثلاثة لانها اقل ما يتم التشاور اثنان كالخصمين ويرجعان لرأي الثالث ولا بد لكل مشاورة من واحد يكون حكما فيها وذكر خمسة لانها اول فرد بعد الثلاثة وقيل: خص الثلاثة والخمسة لان الفرد اشرف من الزوج وفي مصحف ابن مسعود إلا الله رابعهم ولا اربعة إلا الله خامسهم ولا خمسة إلا الله سادسهم ولا أقل من ذلك ولا أكثر إلا الله معهم إذا تناجوا. وقرأ يعقوب ولا اكثر بالرفع عطفا على محل نجوى أو محل لا ادنى أن جعلت لا في أدنى لنفي الجنس وأدنى على رفع اكثر يجوز عطفه جراً ورفعا وكون لا لنفي الجنس ويجوز رفعهما على الابتداء وفتح اكثر جر وكذا الفتح المقدر في اذني أو نصب اما اكثر فعطف على ادنى وما ادنى فعلى انه اسم لا العاملة عمل ان وهو شبيه بالمضاف أو الفتح في لا اكثر للبناء على ان لا عملت عمل ان وقرىء اكبر بالباء الموحدة. {أَيْنَمَا كَانُوا} لأن ذاته تقتضي العلم لا بواسطة صماخ أو قرب مكان فضلا عن ان يتفاوت عنده الاضمار والاسرار والجهر واين شرطية متعلقة بجوابها المحذوف. {ثُمَّ يُنَبِّئُهُم} يوم القيامة وقرىء باسكان النون وتخفيف الباء. {بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ القِيَامَةِ إِنَّ اللهَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ0أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوَى ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَيَتَنَاجَوْنَ} وقرأ حمزة قيل ويعقوب ينتجون بفتح الياء واسكان النون بعدها تاء مفتوحة وضم الجيم ليفتعل من النجوى. {بِالإِثْمِ وَالعِدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ} أي بما هو اثم وعدوان للمؤمنين وتواص بمعصية الرسول صلى الله عليه وسلم قال ابن عباس نزلت في اليهود والمنافقون يتناجون ويتغامزون بأعينهم إذا رأوا المؤمنين يريدون أن يغيظوهم فحزن المؤمنون لذلك وقالوا ما نراهم إلا وقد بلغهم عن اخواننا الذين غزوا قول أو هزيمة ولما طال ذلك وكثرت شكواهم الى رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرهم ان لا يتناجوا دون المؤمنين فلم ينتهوا وقيل معصية الرسول عودهم للتناجي وقرأ حمزة بكسر العين وقرىء ومعصية معصيات الرسول اللهم بحقك يا من احب هذه الامة حتى غار عليهم في التناجي اغفر لي ولشيخي ووالدي والمسلمين. {وَإِذَا جَآءُوكَ حَيُّوكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِه اللهُ} هذا خاص باليهود إذا مروا عليه صلى الله عليه وسلم قالوا "السام عليك" أي الموت دعاء وتمن لموته وكذا يقولون للمؤمنين ويردون عليهم على حد السلام فاتاه جبريل فقال ليسوا يقولون ذلك على وجه التحية فقال لاصحابه حديث : إذا سلموا عليكم فقولوا وعليكم أي السام علينا وعليكم تفسير : أي كل يموت أو عليكم ما قلتم والله يقول وسلام على عباده الذين اصطفى، ويا أيها الرسول ويا أيها النبي والظاهر انه لا خصوصية لليهود بل هم يقولون ذلك والمنافقون يقولون عم صباحا وعموا صباحا وهو تحية الجاهلية. قالت عائشة: حديث : دخل رهط من اليهود على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا السام عليك فقلت عليكم السام واللعنة فقال: مهلا يا عائشة ان الله يحب الرفق في الامر كله فقلت: يا رسول الله ألم تسمع ما قالوا قال: قد قلت وعليكم تفسير : وفي رواية حديث : السام عليكم ولعنكم الله وعضب عليكم فقال: يا عائشة عليك بالفرق واياك والعنف والفحش قالت: أولم تسمع ما قالوا قال لو لم تسمعي ما قلت رددت عليهم فيستجاب لي فيهم ولا يستجاب لهم في،تفسير : وعامة المحدثين يقولون إذا سلم كتابي فقل وعليك بالواو وقال سفيان بن عيينة بغير واو ليرد عليه ما قال دون ان يجمع نفسه معه. {وَيَقُولُونَ فِى أَنفُسِهِمْ لَوْلا} أي هلا {يُعَذِّبُنَا اللهُ بِمَا نَقُولُ} من الطعن فيه وانكار نبوته السام وغير ذلك لو كان نبياً لعذبنا باقوالنا فيه ومعنى في انفسهم في قلوبهم والقول يطلق مجازاً على ما في القلب وزعم بعض أنه حقيقة وقيل المعنى فهما بينهما اذا خلوا عنه. {حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ} فامرهم مؤخر اليها. {يَصْلَوْنَهَا} يدخلونها {فَبِئْسَ المَصِيرُ} المخصوص بالذم مقدر أي جهنم أو هي.

الالوسي

تفسير : قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي ٱلسَّمَـٰوٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ } استشهاد على شمول شهادته تعالى أي ألم تعلم أنه عز وجل يعلم ما فيهما من الموجودات سواء كان ذلك بالاستقرار فيهما أو بالجزئية منهما. وقوله تعالى: {مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَىٰ ثَلَـٰثَةٍ } الخ استئناف مقرر لما قبله من سعة علمه تعالى. و {يَكُونَ } من كان التامة، و {مِنْ } مزيدة، و {نَجْوَىٰ } فاعل وهي مصدر بمعنى التناجي وهو المسارة مأخوذة من النجوة وهي ما ارتفع من الأرض لأن المتسارين يخلوان وحدهما بنجوة من الأرض، أو لأن السر يصان فكأنه رفع من حضيض الظهور إلى أوج الخفاء، وقيل: أصل ناجيته من النجاة وهو أن تعاونه على ما فيه خلاصه أو أن تنجو بسرك من أن يطلع عليه وهي مضافة إلى {ثَلَـٰثَةً } أي ما يقع من تناجي ثلاثة نفر وقد يقدر مضاف أي من ذوي نجوى، أو يؤول نجوى بمتناجين ـ فثلاثة ـ صفة للمضاف المقدر، أو لنجوى المؤوّل بما ذكر. وجوز أن يكون بدلاً أيضاً والتأويل والتقدير المذكوران ليتأتى الاستثناء الآتي من غير تكلف، وفي «القاموس» النجوى السر والمسارون اسم مصدر، وظاهره أن استعماله في كل حقيقة فإذا أريد المسارون لم يحتج إلى تقدير أو تأويل لكن قال الراغب: إن النجوى أصله المصدر كما في الآيات بعد، وقد يوصف به فيقال: هو نجوى وهم نجوى، قال تعالى: { أية : وَإِذْ هُمْ نَجْوَىٰ } تفسير : [الإسراء: 47] وعليه يحتمل أن يكون من باب زيد عدل. وقرأ أبو جعفر وأبو حيوة وشيبة ـ ما تكون ـ بالتاء الفوقية لتأنيث الفاعل، والقراءة بالياء التحتية قال الزمخشري: ((على أن النجوى تأنيثها غير حقيقي، و {مِنْ } فاصلة أو على أن المعنى ما يكون شيء من النجوى))، واختار في «الكشف» الثاني، فقال: هو الوجه لأن المؤنث وحده لم يجعل فاعلاً لفظاً لوجود {مِنْ } ولا معنى لأن المعنى شيء منها، فالتذكير هو الوجه لفظاً ومعنى، وهو قراءة العامة انتهى، وإلى نحوه يشير كلام صاحب «اللوامح»، وصرح بأن الأكثر في هذا الباب التذكير، وتعقبه أبو حيان بالمنع وأن الأكثر التأنيث وأنه القياس / قال تعالى: { أية : وَمَا تَأْتِيهِم مّنْ ءايَةٍ مّنْ ءايَـٰتِ رَبّهِمْ } تفسير : [الأنعام: 4] { أية : مَّا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا } تفسير : [الحجر: 5] فتأمل. وقوله سبحانه: {إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ } استثناء مفرغ من أعم الأحوال، والرابع لإضافته إلى غير مماثله هنا بمعنى الجاعل المصير لهم أربعة أي ما يكونون في حال من الأحوال إلا في حال تصيير الله تعالى لهم أربعة حيث إنه عز وجل يطلع أيضاً على نجواهم، وكذا قوله تعالى: {وَلاَ خَمْسَةٍ } أي ولا نجوى خمسة {إِلاَّ هُوَ سَادِسُهُمْ وَلاَ أَدْنَىٰ } أي ولا نجوى أدنى {مّن ذٰلِكَ } أي مما ذكر كالاثنين والأربعة {وَلاَ أَكْثَرَ } كالستة وما فوقها {إِلاَّ هُوَ مَعَهُمْ } يعلم ما يجري بينهم {أَيْنَ مَا كَانُواْ } من الأماكن، ولو كانوا في بطن الأرض فإن علمه تعالى بالأشياء ليس لقرب مكاني حتى يتفاوت باختلاف الأمكنة قرباً وبعداً. وفي الداعي إلى تخصيص الثلاثة والخمسة وجهان: أحدهما أن قوماً من المنافقين تخلقوا للتناجي مغايظة للمؤمنين على هذين العددين ثلاثة وخمسة، فقيل: ما يتناجى منهم ثلاثة ولا خمسة كما ترونهم يتناجون كذلك ولا أدنى من عدديهم ولا أكثر إلا والله تعالى معهم يعلم ما يقولون، فالآية تعريض بالواقع على هذا، وقد روي عن ابن عباس أنها نزلت في ربيعة وحبيب ابني عمرو وصفوان بن أمية كانوا يوماً يتحدثون فقال: أحدهم أترى أن الله يعلم ما نقول؟ فقال الآخر: يعلم بعضاً ولا يعلم بعضاً، وقال الثالث: إن كان يعلم بعضاً فهو يعلمه كله أي لأن من علم بعض الأشياء بغير سبب فقد علمها كلها لأن كونه عالماً بغير سبب ثابت له مع كل معلوم، والثاني أنه قصد أن يذكر ما جرت عليه العادة من أعداد أهل النجوى والجالسين في خلوة للشورى والمنتدبون لذلك إنما هم طائفة مجتباة من أولي الأحلام والنهي، وأول عددهم الاثنان فصاعداً إلى خمسة إلى ستة إلى ما اقتضته الحال وحكم به الاستصواب، فذكر عز وجل الثلاثة والخمسة، وقال سبحانه: {وَلاَ أَدْنَىٰ مِن ذَلِكَ } فدل على الاثنين والأربعة، وقال تعالى: {وَلاَ أَكْثَرَ } فدل على ما يلي هذا العدد ويقاربه كذا في «الكشاف». وفي «الكشف» في خلاصة الوجه الثاني أنه خص العددان على المعتاد من عدد أهل النجوى فإنهم قليلو العدد غالباً فلزم أن يخص بالذكر نحو الثلاثة والأربعة إلى الثمانية والتسعة فأوثر الثلاثة ليكون قوله تعالى: {وَلاَ أَدْنَىٰ مِن ذَلِكَ } دالاً على ما تحتها إذ لو أوثر الأربعة والستة مثلاً كان الأدنى الثلاثة دون الاثنين إلا على التوسع ولما أوثرت جيء بالخمسة لتناسب الوترين وكان الأمر دائراً بين الثلاثة والخمسة والأربعة والستة فأوثرا بالتصريح لذلك، ولأنه تعالى وتر يحب الوتر انتهى. وقد يقال: إن التناجي يكون في الغالب للشورى وهي لا تكون إلا بين عدد، وأهلُها قليلو العدد غالباً، والأليق أن يكون وتراً من الأعداد كالثلاثة والخمسة والسبعة والتسعة ليتحقق عند الاختلاف طرف يترجح بالزيادة على الطرف الآخر فيرجع إليه دونه كما هو العادة اليوم عند اختلاف أهل الشورى. وجعل عمر رضي الله تعالى عنه الشورى في ستة لانحصار الأمر فيهم كما يدل عليه قوله لهم: نظرت فوجدتكم رؤساء الناس وقادتهم، ولا يكون هذا الأمر إلا فيكم، وقد قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عنكم راض، ومع هذا أمر ابنه عبد الله رضي الله تعالى عنه أن يحضر معهم وإن لم يكن له من أمر الخلافة شيء، فدار الأمر بعد اعتبار ما ذكر من وترية العدد وقلته بين الثلاثة والخمسة والسبعة والتسعة فاختيرت الثلاثة لأنها أول الأوتار العددية وإذا ضربت في نفسها حصل منتهاها من الآحاد ولا يخلو منها اعتبار كل ممكن حتى / أن المطالب الفكرية للمتناجين مثلاً لا تتم بدون ثلاثة أشياء: الموضوع والمحمول والحدّ الأوسط بل القضية التي يتناجى لها لا بد فيها من ثلاثة أجزاء، والخمسة لأنها عدد دائر لا تنعدم بالضرب في نفسها، وكذا بضرب الحاصل في نفسه إلى ما لا يتناهى فلها شبه بالثلاثة من حيث إنها دائرة مع مراتب الضرب لا تنعدم أصلاً كما أن الثلاثة دائرة مع اعتبارات الممكن لا تنعدم أصلاً، ومع ذلك هي عدد المشاعر التي يحتاج إليها في التناجي، وكذا عدد الحواس الظاهرة، ويدخل ما عداهما في عموم قوله تعالى: {وَلاَ أَدْنَىٰ مِن ذَلِكَ وَلاَ أَكْثَرَ إِلاَّ هُوَ مَعَهُمْ } ولا يدخل في العموم الواحد لأن التناجي للمشاورة لا بد فيه من اثنين فأكثر، ومن أدخله لم يعتبر التناجي لها ولا يضر دخول الأشفاع فيه لأن أليقية كون المتناجين وتراً إنما كانت نكتة للتصريح بالعددين السابقين ولا تأبى تحقق النجوى في الأشفاع كما لا يخفى. وادعى ابن سراقة أن النجوى مختصة بما كان بين أكثر من اثنين وأن ما يكون بين اثنين يسمى سراراً، وقال ابن عيسى: كل سرار نجوى. وفي الآية لطائف وأسرار لا يعقلها إلا العالمون فليتأمل. وقرأ ابن أبـي عبلة {ثَلَـٰثَةً } و {خَمْسَةً} بالنصب على الحال بإضمار يتناجون يدل عليه (نجوى)، أو على تأويل (نجوى) بمتناجين ونصبهما من المستكن فيه، وفي مصحف عبد الله ـ إلا الله رابعهم ولا أربعة إلا الله خامسهم ولا خمسة إلا الله سادسهم ولا أقل من ذلك ولا أكثر إلا الله معهم إذا انتجوا ـ وقرأ الحسن وابن أبـي إسحٰق والأعمش وأبو حيوة وسلام ويعقوب {وَلاَ أَكْثَرَ } بالرفع قال الزمخشري: على أنه معطوف على محل ـ لا أدنى ـ كقولك: لا حول ولا قوة إلا بالله بفتح الحول ورفع القوة، ويجوز أن يعتبر {أَدْنَىٰ } مرفوعاً على هذه القراءة ورفعهما على الابتداء، والجملة التي بعد {إِلا } هي الخبر، أو على العطف على محل {مِن نَّجْوَىٰ } كأنه قيل: ما يكون أدنى ولا أكثر إلا هو معهم، و {أَكْثَرَ } على قراءة الجمهور يحتمل أن يكون مجروراً بالفتح معطوفاً على لفظ {نَجْوَىٰ } كأنه قيل: ما يكون من أدنى ولا أكثر إلا هو معهم، وأن يكون مفتوحاً لأن {لا } لنفي الجنس، وقرأ كل من الحسن ويعقوب أيضاً ومجاهد والخليل بن أحمد ـ ولا أكبر ـ بالباء الموحدة والرفع وهو على ما سمعت. {ثُمَّ يُنَبّئُهُم بِمَا عَمِلُواْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ } تفضيحاً لهم وإظهاراً لما يوجب عذابهم. وقرىء {يُنَبّئُهُمُ } بالتخفيف والهمز، وقرأ زيد بن علي بالتخفيف وترك الهمز وكسر الهاء. {إِنَّ ٱللَّهَ بِكُلّ شَىْء عَلِيمٌ } لأن نسبة ذاته المقتضي للعلم إلى الكل على السواء. وقد بدأ الله تعالى في هذه الآيات بالعلم حيث قال سبحانه: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ } الخ، وختم جل وعلا بالعلم أيضاً حيث قال الله تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ } الخ، ومن هنا قال معظم السلف فيما ذكر في البين من قوله عز وجل: {رَّابِعُهُمْ } و {سَادِسُهُمْ } و {مَعَهُمْ } أن المراد به كونه تعالى كذلك بحسب العلم مع أنهم الذين لا يؤوّلون، وكأنهم لم يعدّوا ذلك تأويلاً لغاية ظهوره واحتفافه بما يدل عليه دلالة لا خفاء فيها، ويعلم من هذا أن ما شاع من أن السلف لا يؤولون ليس على إطلاقه.

ابن عاشور

تفسير : استئناف ابتدائي هو تخلص من قوله تعالى: {أية : أحصاه الله ونَسُوه}تفسير : [المجادلة: 6] إلى ذكر علم الله بأحوال المنافقين وأحلافهم اليهود. فكان المنافقون يناجي بعضهم بعضاً ليُرِيَ للمسلمين مودة بعض المنافقين لبعض فإن المنافقين بتناجيهم يظهرون أنهم طائفة أمرها واحد وكلمتها واحدة، وهم وإن كانوا يظهرون الإِسلام يحِبّون أن تكون لهم خيفة في قلوب المسلمين يتقون بها بأسهم إن اتهَموا بعضهم بالنفاق أو بدرت من أحدهم بادرة تنمّ بنفاقه، فلا يُقدم المؤمنون على أذاه لعلمهم بأن له بطانة تدافع عنه. وكانوا إذا مرّ بهم المسلمون نظروا إليهم فحسب المارّون لعلّ حدثاً حدث من مصيبة، وكان المسلمون يومئذٍ على توقع حرب مع المشركين في كل حين فيتوهّمون أن مناجاة المتناجين حديث عن قرب العدوّ أو عن هزيمة للمسلمين في السرايَا التي يَخرجون فيها، فنزلت هذه الآيات لإِشعار المنافقين بعلم الله بماذا يتناجون، وأنه مُطلع رسوله على دخيلتهم ليكفُّوا عن الكيد للمسلمين. فهذه الآية تمهيد لقوله تعالى: {أية : ألم ترَ إلى الذين نُهُوا عن النجوى}تفسير : الآية [المجادلة: 8]. و{ألم ترَ} من الرؤية العلمية لأن علم الله لا يُرى وسَدَّ المصدر مسدَّ المفعول. والتقدير: ألم ترَ الله عالماً. و{ما في السمٰوات وما في الأرض} يعمّ المبصرات والمسموعات فهو أعم من قوله: {أية : والله على كل شيء شهيد}تفسير : [المجادلة: 6] لاختصاصه بعلم المشاهدات لأن الغرض المفتتح به هذه الجملة هو علم المسموعات. وجملة {ما يكون من نجوى ثلاثة} إلى آخرها بدل البعض من الكل فإن معنى قوله: {إلا هو رابعهم}. وقوله: {إلا هو سادسهم} وقوله: {إلا هو معهم}، أنه مطلع على ما يتناجون فيه فكأنه تعالى نجيّ معهم. و{ما} نافية. و{يكون} مضارع (كان) التامة، و{من} زائدة في النفي لقصد العموم، و{نجوى} في معنى فاعل {يكون}. وقرأ الجمهور {يكون} بياء الغائب لأن تأنيث {نجوى} غير حقيقي، فيجوز فيه جري فعله على أصل التذكير ولا سيما وقد فصل بينه وبين فاعله بحرف {من} الزائدة. وقرأه أبو جعفر بتاء المؤنث رعياً لصورة تأنيث لفظه. والنجوى: اسم مصدر ناجاهُ، إذا سارَّه. و{ثلاثة} مضاف إليه {نجوى}. أي ما يكون تناجي ثلاثة من الناس إلا الله مطلع عليهم كرابع لهم، ولا خمسة إلا هو كسادس لهم، ولا أدنى ولا أكثر إلاّ هو كواحد منهم. وضمائر الغيبة عائدة إلى {ثلاثةٍ} وإلى {خمسة} وإلى {ذلك} و{أكثر}. والمقصود من هذا الخبر الإِنذار والوعيد. وتخصيص عددي الثلاثة والخمسة بالذكر لأن بعض المتناجين الذي نزلت الآية بسببهم كانوا حلفاً بعضها من ثلاثة وبعضها من خمسة. وقال الفراء: المعنى غير مصمود والعدد غير مقصود. وفي «الكشاف» عن ابن عباس: نزلت في ربيعة وحبيب ابني عمرو (بنِ عمير من ثقيف) وصفوان بن أمية (السلمي حليف بني أسد) كانوا يتحدثون فقال أحدهم: أَترى أن الله يعلم ما نقول؟ فقال الآخر: يعلم بعضاً ولا يعلم بعضاً. وقال الثالث: إن كان يعلم بعضاً فهو يعلم كله. اهـ. ولم أرَ هذا في غير «الكشاف» ولا مناسبة لهذا بالوعيد في قوله تعالى: {ثم ينبئهم بما عملوا يوم القيامة} فإن أولئك الثلاثة كانوا مسلمين وعدّوا في الصحابة وكأنَّ هذا تخليط من الراوي بين سبب نزول آية {أية : وما كنتم تستترون أن يشهد عليكم سمعكم ولا أبصاركم}تفسير : في سورة [فصلت: 22]. كما في صحيح البخاري وبين هذه الآية. وركبت أسماء ثلاثة آخرين كانوا بالمدينة لأن الآية مدنية فآية النجوى إنما هي في تناجي المنافقين أو فيهم وفي اليهود عن ابن عباس. والاستثناء في {إلا هو رابعهم} {إلا هو سادسهم} {إلا هو معهم} مفرع من أكوان وأحوال دل عليها قوله تعالى: {ما يكون} والجمل التي بعد حرف الاستثناء في مواضع أحوال. والتقدير: ما يكون من نجوى ثلاثة في حال من علم غيرهم بهم واطلاعه عليهم إلا حالة الله مطلع عليهم. وتكرير حرف النفي في المعطوفات على المنفي أسلوب عربي وخاصة حيث كان مع كل من المعاطيف استثناء. وقرأ الجمهور {ولا أكثر} بنصب {أكثر} عطفاً على لفظ {نجوى}. وقرأه يعقوب بالرفع عطفاً على محل {نجوى} لأنه مجرور بحرف جر زائد. و(أينما) مركب من (أين) التي هي ظرف مكان و(ما) الزائدة. وأضيف (أين) إلى جملة {كانوا}، أي في أي مكان كانوا فيه، ونظيره قوله: {أية : وهو معكم أينما كنتم}تفسير : في سورة [الحديد: 4]. {وثمّ} للتراخي الرتبي لأن إنباءهم بما تكلموا وما عملوه في الدنيا في يوم القيامة أدل على سعة علم الله من علمه بحديثهم في الدنيا لأن معظم علم العالِمين يعتريه النسيان في مثل ذلك الزمان من الطول وكثرة تدبير الأمور في الدنيا والآخرة. وفي هذا وعيد لهم بأن نجواهم إثم عظيم فنهي عنه ويشمل هذا تحذير من يشاركهم. وجملة {إن الله بكل شيء عليم} تذييل لجملة {ثم ينبئهم بما عملوا} فأغنت {إنّ} غناء فاء السببية كقول بشار: شعر : إن ذاك النجاح في التبكير تفسير : وتأكيد الجملة بـ{إن} للاهتمام به وإلا فإن المخاطب لا يتردد في ذلك. وهذا التعريض بالوعيد يدلّ على أن النهي عن التناجي كان سابقاً على نزول هذه الآية والآيات بعدها.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَىٰ ثَلاَثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ} إلى قوله {إِنَّ ٱللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ}. قد قدمنا الكلام عليه في آخر سورة النحل في الكلام على قوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ وَّٱلَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ}تفسير : [النحل: 128]، وذكرنا هناك معنى المعية الخاصة، والمعية العامة، والآيات القرآنية الدالة على كل واحدة منهما.

د. أسعد حومد

تفسير : {ٱلسَّمَاوَاتِ} {ثَلاَثَةٍ} {ٱلْقِيَامَةِ} {أَيْنَ مَا} (7) - وَكَيْفَ لاَ يَعْلَمُ اللهُ مَا عَمِلَ هَؤُلاَءِ، وَهُوَ خَالقُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَالِكُهُمَا، وَالمُتَصَرِّفُ فِيهِمَا، وَيَعْلَمُ مَا فِيهِمَا، فَلاَ يَتَنَاجَى ثَلاَثَةٌ إِلاَّ كَانَ مَعَهُمْ يَسْمَعُ مَا يَقُولُونَ، وَيَعْلَمُ مَا يُدَبِّرُونَ، وَلاَ يَجْتَمِعُ خَمْسَةٌ إِلاَّ وَيَكُونُ اللهُ تَعَالَى سَادِسَهُمْ، وَلاَ يَجْتَمِعُ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ العَدَدِ وَلاَ أَقَلُّ، وَلاَ يَتَنَاجَوْنَ إِلاَّ كَانَ مَعَهُمْ يسْمَعُ وَيَرى، وَيُثْبِتُ ذَلِكَ عِنْدَهُ، ثُمَّ يَوْمَ القِيَامَةِ يُنَبِّئُهُمْ بِنَجْوَاهُمْ وَأَسْرَارِهِمْ، وَاللهُ تَعَالَى عَالمٌ وَلاَ تَخْفَى عَلَيْهِ خَافِيَةٌ مِنْ تَصَرُّفَاتِ خَلْقِهِ. نَجْوَى ثَلاَثَةٍ - تَنَاجِيهِمْ وَمسَارَّتُهُمْ. هُوَ رَابِعُهُمْ - يَعْلَمُهُ لأَِنَّهُ مُطَّلِعٌ عَلَى حَدِيثِهِمْ وَمسَارَّتِهِمْ.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَىٰ ثَلاَثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ} فالنَّجوى: السِّرُ. والله عزَّ وجلَّ بكلِ الأَمكنةِ، مُحيطٌ بهَا، ومدبرٌ لَها، وشاهدٌ لها، غير غائبٍ عنها. وكلُّ ذلك منهُ بخلافِ ما يَعقِلُ من خَلقهِ.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : {أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ} [المجادلة: 7] يعني: يعلم ما في قوى الروحانية والجسمانية والاستعدادات العلوية والسفلية التي هي ودائعه، وهو بيده خمرها في طينة، ونفخ فيها من روحه {مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَىٰ ثَلاَثَةٍ} [المجادلة: 7] أي: نجوى قوة معدنية ونباتية وحيوانية وسفلية أرضية، ومن نجوى قوة جنية وملكية وعقلية علوية سماوية {إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ} [المجادلة: 7] يعني: بالنقطة الحكمية المتفننة يتم أمر نجوى النقطات الثلاث العلمية والإرادية والقدرية {وَلاَ خَمْسَةٍ إِلاَّ هُوَ سَادِسُهُمْ} [المجادلة: 7] يعني: ولا نجوى حواسهم الخمسة إلا هو سادسهم بالإظهار، وهذا سر عظيم أشير إليه إن كنت حديد السمع شهيد القلب تفطن له إن شاء الله تعالى. اعلم أن الله خلق الحواس الخمسة؛ لأن تكون الآت الإدراك ونفس الإدراك يتعلق به فكيف يمكن المستعملة حركة من غير شعور المستعمل لها بها، والمبالغة في الكشف في هذا المقام يقرع باب مطلع القرآن فسددناه {وَلاَ أَدْنَىٰ مِن ذَلِكَ وَلاَ أَكْثَرَ إِلاَّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُواْ} [المجادلة: 7] هذه إشارة إلى نظرة وجودية إلى الأشياء إن كانت الوسائط أكثر والروابط أدنى من الثلاثة والخمسة هو معهم أينما كانوا، وسر هذا لا يعرف إلا بعد معرفة الذات الواحد، ثم معرفة الواحدة في الكثرة مقدسة عن الحلول والاتحاد والأثقال من حيث الصورة والانفعال من حيث الحقيقة منزهة عن أن يكون لها مثل وشريك بل أقول: ولا أخاف من جحود الأوداء وإنكار الأخلاء، قول الحق هو: الحق وما تدعون من دونه هو الباطل: والباطل معدوم، والمعدوم ليس شيء، وحق ما قال جنيد البغدادي - قدس الله سره - ليس في الوجود إلا الله، وهو الوجود المحض تعالى الله عما يصفه الظالمون علواً كبيراً {ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُواْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ} [المجادلة: 7] يعني: يوم يكشف الغطاء عنهم الغطاء القالبي يجرهم، ولكنهم موتى في قبور قوالبهم لا يسمعون، كما يقول اللطيفة الخفية: و{أية : إِنَّكَ لاَ تُسْمِعُ ٱلْمَوْتَىٰ}تفسير : [النمل: 80] {أية : وَمَآ أَنتَ بِمُسْمِعٍ مَّن فِي ٱلْقُبُورِ}تفسير : [فاطر: 22] دعهم حتى أجزهم يوم النشور يعلمون في ذلك اليوم {إِنَّ ٱللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [المجادلة: 7] ويستحيون من أعمالهم من اطلاعنا على أحوالهم حتى يعرفوا في عرف خجالتهم، ولا ينفعهم الخجالة بعد كشف الحجاب، وانتزاع الآلات، والأدوات وسد باب التوبة، والإنابة إلى رب الأرباب {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ نُهُواْ عَنِ ٱلنَّجْوَىٰ} [المجادلة: 8] النجوى يعني: ألم ترى إلى القوة السرية الجاحدة، والقوة النفسية المنافقة الذين يتناجون، ويستهزئون بالقوى المؤمنة ويتغامزون بأعينهم، فأمرناهم بترك النجوى بما تركوا {ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ وَيَتَنَاجَوْنَ بِٱلإِثْمِ} [المجادلة: 8] أي: بالكفر الوارد {وَٱلْعُدْوَانِ} [المجادلة: 8] أي: معاداة القوى المؤمنة {وَمَعْصِيَتِ ٱلرَّسُولِ} [المجادلة: 8] أي: معصية أمر اللطيفة الخفية {وَإِذَا جَآءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ ٱللَّهُ} [المجادلة: 8] يعني: القوى السرية الجاحدة والنفسية المنافقة يسلمون عليك من حيث باطنهم وإظمارهم إن رعاهم وإضمارهم إن رعاهم لك نصرك {وَيَقُولُونَ فِيۤ أَنفُسِهِمْ لَوْلاَ يُعَذِّبُنَا ٱللَّهُ بِمَا نَقُولُ} [المجادلة: 8] يعني: يمنحونك بهذا الدعاء عليك لو كنت مرسلاً من عند ربك للحقهم العذاب، ولا يعلمون أن الله يمهلهم؛ ليزدادوا في جميع حطب الخواطر الردية وإشعال نيران الحسد والحقد والبغض والكبر؛ ليعذبهم عذاباً شديداً {حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ} [المجادلة: 8] يعني: حسبهم جهنم قالبهم.