٥٨ - ٱلْمُجَادِلَة
58 - Al-Mujadila (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
8
Tafseer
الرازي
تفسير : ثم إنه تعالى بين حال أولئك الذين نهوا عن النجوى فقال: {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ نُهُواْ عَنِ ٱلنَّجْوَىٰ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ } واختلفوا في أنهم من هم؟ فقال الأكثرون: هم اليهود، ومنهم من قال: هم المنافقون، ومنهم من قال: فريق من الكفار، والأول أقرب، لأنه تعالى حكى عنهم فقال: {وَإِذَا جَاءوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيّكَ بِهِ ٱللَّهُ }، وهذا الجنس فيما روي وقع من اليهود، فقد كانوا إذا سلموا على الرسول عليه السلام قالوا: السام عليك، يعنون الموت، والأخبار في ذلك متظاهرة، وقصة عائشة فيها مشهورة. ثم قال تعالى: {وَيَتَنَـٰجَوْنَ بِٱلإثْمِ وَٱلْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ ٱلرَّسُولِ وَإِذَا جَاءوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيّكَ بِهِ ٱللَّهُ وَيَقُولُونَ فِى أَنفُسِهِمْ لَوْلاَ يُعَذّبُنَا ٱللَّهُ بِمَا نَقُولُ } وفيه مسألتان: المسألة الأولى: قال المفسرون: إنه صح أن أولئك الأقوام كانوا يتناجون فيما بينهم ويوهمون المؤمنين أنهم يتناجون فيما يسوءهم، فيحزنون لذلك، فلما أكثروا ذلك شكا المسلمون ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأمرهم أن لا يتناجوا دون المسلمين، فلم ينتهوا عن ذلك وعادوا إلى مناجاتهم، فأنزل الله تعالى هذه الآية، وقوله: {وَيَتَنَـٰجَوْنَ بِٱلإثْمِ وَٱلْعُدْوَانِ } يحتمل وجهين أحدهما: أن الإثم والعدوان هو مخالفتهم للرسل في النهي عن النجوى لأن الإقدام على المنهي يوجب الإثم والعدوان، سيما إذا كان ذلك الإقدام لأجل المناصبة وإظهار التمرد. والثاني: أن الإثم والعدوان هو ذلك السر الذي كان يجري بينهم، لأنه إما مكر وكيد بالمسلمين أو شيء يسوءهم. المسألة الثانية: قرأ حمزة وحده، (ويتنجون) بغير ألف، والباقون: {يتناجون}، قال أبو علي: ينتجون يفتعلون من النجوى، والنجوى مصدر كالدعوى والعدوى، فينتجون ويتناجون واحد، فإن يفتعلون، ويتفاعلون، قد يجريان مجرى واحد، كما يقال: ازدوجوا، واعتوروا، وتزاوجوا وتعاوروا، وقوله تعالى: {أية : حَتَّى إِذَا ٱدَّارَكُواْ فِيهَا } تفسير : [الأعراف: 38] وادركوا فادركوا افتعلوا، وادركوا تفاعلوا وحجة من قرأ: {يتناجون}، قوله: {أية : إِذَا نَـٰجَيْتُمُ ٱلرَّسُولَ } تفسير : [المجادلة: 12] {أية : وَتَنَـٰجَوْاْ بِٱلْبِرّ وَٱلتَّقْوَىٰ } تفسير : [المجادلة: 9] فهذا مطاوع ناجيتم، وليس في هذا رد لقراءة حمزة: ينتجون، لأن هذا مثله في الجواز، وقوله تعالى: {ومعصية الرسول } قال صاحب الكشاف: قرىء (ومعصيات الرسول)، والقولان ههنا كما ذكرناه في الإثم والعدوان وقوله: {وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيّكَ بِهِ ٱللَّهُ } يعني أنهم يقولون في تحيتك: السام عليك يا محمد والسام الموت، والله تعالى يقول: {أية : وَسَلَـٰمٌ عَلَىٰ عِبَادِهِ ٱلَّذِينَ ٱصْطَفَى } تفسير : [النمل: 59] و {يا أيها الرَّسُول } و {يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيّ } ثم ذكر تعالى أنهم {يَقُولُونَ فِي أَنفُسِهِمْ لَوْلاَ يُعَذّبُنَا ٱللَّهُ بِمَا نَقُولُ } يعني أنهم يقولون في أنفسهم: إنه لو كان رسولاً فلم لا يعذبنا الله بهذا الاستخفاف. ثم قال تعالى: {حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ } والمعنى أن تقدم العذاب إنما يكون بحسب المشيئة، أو بحسب المصلحة، فإذا لم تقتض المشيئة تقديم العذاب، ولم يقتض الصلاح أيضاً ذلك، فالعذاب في القيامة كافيهم في الردع عما هم عليه.
القرطبي
تفسير : فيه ثلاث مسائل: الأولى: قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ نُهُواْ عَنِ ٱلنَّجْوَىٰ} قيل: إن هذا في اليهود والمنافقين حسب ما قدمناه. وقيل: في المسلمين. قال ٱبن عباس: نزلت في اليهود والمنافقين كانوا يتناجون فيما بينهم، وينظرون للمؤمنين ويتغامزون بأعينهم، فيقول المؤمنون: لعلهم بلغهم عن إخواننا وقرابتنا من المهاجرين والأنصار قتل أو مصيبة أو هزيمة، ويسوءهم ذلك فكثرت شكواهم إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم، فنهاهم عن النجوى فلم ينتهوا فنزلت. وقال مقاتل: كان بين النبيّ صلى الله عليه وسلم وبين اليهود موادعة، فإذا مر بهم رجل من المؤمنين تناجوا بينهم حتى يظن المؤمن شرًّا، فيعرج عن طريقه، فنهاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم ينتهوا فنزلت. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: كان الرجل يأتي النبيّ صلى الله عليه وسلم فيسأله الحاجة ويناجيه والأرض يومئذ حرب، فيتوهمون أنه يناجيه في حرب أو بلية أو أمر مهِمٍّ فيفزعون لذلك فنزلت. الثانية: حديث : روى أبو سعيد الخدري قال: كنا ذات ليلة نتحدّث إذ خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «ما هذه النجوى ألم تُنهوا عن النجوى» فقلنا: تبنا إلى الله يا رسول الله؛ إنا كنا في ذكر المسيخ ـ يعني الدجال ـ فرقاً منه. فقال: «ألا أخبركم بما هو أخوف عندي منه» قلنا: بلى يا رسول الله؛ قال: «الشرك الخفيّ أن يقوم الرجل يعمل لمكان رجل» تفسير : ذكره الماوردي. وقرأ حمزة وخلف ورُوَيس عن يعقوب «وَيَنْتَجُونَ» في وزن يفتعلون وهي قراءة عبد الله وأصحابه. وقرأ الباقون «وَيَتَنَاجَوْنَ» في وزن يتفاعلون، وٱختاره أبو عبيد وأبو حاتم؛ لقوله تعالى: {إِذَا تَنَاجَيْتُمْ} و {وَتَنَاجَوْاْ}. النحاس: وحكى سيبويه أن تفاعلوا وٱفتعلوا يأتيان بمعنى واحد، نحو تخاصموا وٱختصموا، وتقاتلوا وٱقتتلوا فعلى هذا «يَتَنَاجَوْنَ» و «يَنتجُون» واحد. ومعنى {بِٱلإِثْمِ وَٱلْعُدْوَانِ} أي الكذب والظلم. {وَمَعْصِيَةِ ٱلرَّسُولِ} أي مخالفته. وقرأ الضحاك ومجاهد وحميد «وَمَعْصِيَاتِ الرَّسُول» بالجمع. الثالثة: قوله تعالى: {وَإِذَا جَآءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ ٱللَّهُ} لا خلاف بين النقلة أن المراد بها اليهود؛ كانوا يأتون النبيّ صلى الله عليه وسلم فيقولون: السام عليك. يريدون بذلك السلام ظاهراً وهم يعنون الموت باطناً، فيقول النبيّ صلى الله عليه وسلم: «حديث : عليكم» تفسير : في رواية، وفي رواية أخرى «حديث : وعليكم»تفسير : . قال ٱبن العربي: وهي مشكلة. وكانوا يقولون: لو كان محمد نبيّاً لما أمهلنا الله بسبّه والاستخفاف به، وجهلوا أن الباري تعالى حليم لا يعاجل من سبّه، فكيف من سبّ نبيه. وقد ثبت أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : لا أحدَ أصبر على الأذى من الله يدعون له الصاحبة والولد وهو يعافيهم ويرزقهم» تفسير : فأنزل الله تعالى هذا كشفاً لسرائرهم، وفضحاً لبواطنهم، معجزةً لرسوله صلى الله عليه وسلم. وقد ثبت عن قتادة عن أنس: حديث : أن يهوديًّا أتى على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى أصحابه فقال: السام عليكم. فرد عليه النبيّ صلى الله عليه وسلم وقال:«أتدرون ما قال هذا» قالوا: الله ورسوله أعلم. قال:« قال كذا ردوه عليّ» فردوه؛ قال: «قلت السام عليكم» قال: نعم. فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم عند ذلك: «إذا سلّم عليكم أهل الكتاب فقولوا عليك ما قلت» فأنزل الله تعالى: {وَإِذَا جَآءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ ٱللَّهُ}.تفسير : قلت: خرجه الترمذي وقال هذا حديث حسن صحيح. وثبت عن عائشة أنها قالت: حديث : جاء أناس من اليهود إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم فقالوا: السام عليك يا أبا القاسم. فقلت: السام عليكم وفعل الله بكم وفعل. فقال عليه السلام:«مَهْ يا عائشة فإن الله لا يحبّ الفُحْش ولا التّفحُّش» فقلت: يا رسول الله ألست ترى ما يقولون؟! فقال: «ألستِ ترين أرد عليهم ما يقولون أقول وعليكم» تفسير : فنزلت هذه الآية {بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ ٱللَّهُ} أي إن الله سلّم عليك وهم يقولون السام عليك، والسام الموت. خرجه البخاري ومسلم بمعناه. وفي الصحيحين من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال النبيّ صلى الله عليه وسلم: «حديث : إذا سلّم عليكم أهل الكتاب فقولوا وعليكم» تفسير : كذا الرواية «وعليكم» بالواو وتكلم عليها العلماء؛ لأن الواو العاطفة يقتضي التشريك فيلزم منه أن يدخل معهم فيما دعوا به علينا من الموت، أو من سآمة ديننا وهو الملال. يقال: شئم يسأم سآمةً وسآماً. فقال بعضهم: الواو زائدة كما زيدت في قول الشاعر:شعر : * فَلَمَّا أَجَزْنَا ساحةَ الْحَيِّ وَانْتَحَى تفسير : أي لما أجزنا ٱنتحى فزاد الواو. وقال بعضهم: هي للاستئناف، كأنه قال: والسام عليكم. وقال بعضهم: هي على بابها من العطف ولا يضرنا ذلك؛ لأنا نجاب عليهم ولا يجابون علينا؛ كما قال النبيّ صلى الله عليه وسلم. روي أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: حديث : سلّم ناس من يهود على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: السام عليك يا أبا القاسم، فقال: «وعليكم» فقالت عائشة وغضبت: ألم تسمع ما قالوا؟ قال: «بلى قد سمعت فرددت عليهم وإنا نجاب عليهم ولا يجابون علينا» تفسير : خرجه مسلم. ورواية الواو أحسن معنىً، وإثباتها أصح روايةً وأشهر. وقد ٱختلف في رد السلام على أهل الذمة هل هو واجب كالرد على المسلمين، وإليه ذهب ٱبن عباس والشَّعبي وقتادة؛ للأمر بذلك. وذهب مالك فيما روى عنه أشهب وٱبن وهب إلى أن ذلك ليس بواجب فإن رددت فقل عليك. وقد ٱختار ٱبن طاوس أن يقول في الرد عليهم: علاك السلام أي ٱرتفع عنك. وٱختار بعض أصحابنا: السِّلام بكسر السين يعني الحجارة. وما قاله مالك أولى ٱتباعاً للسنة؛ والله أعلم. وروى مسروق عن عائشة قالت: حديث : أتى النَّبي صلى الله عليه وسلم ناس من اليهود، فقالوا: السام عليك يا أبا القاسم؛ قال: «وعليكم» قالت عائشة: قلت بل عليك السَّامُ والذَّامُ. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا عائشة لا تكوني فاحشة» فقالت: ما سمعت ما قالوا! فقال: «أو ليس قد رددتُ عليهم الذي قالوا قلتُ وعليكم» تفسير : . وفي رواية قال: ففطنت بهم عائشة فسبّتهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : مَهْ يا عائشة فإن الله لا يحبّ الفحش والتفحش» تفسير : وزاد فأنزل الله تبارك وتعالى: {وَإِذَا جَآءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ ٱللَّهُ} إلى آخر الآية. الذام بتخفيف الميم هو العيب؛ وفي المثل (لا تَعْدَم الحسناءُ ذاماً) أي عيباً، ويهمز ولا يهمز؛ يقال: ذَأَمَهُ يَذْأُمه، مثل ذأب يذأب، والمفعول مذؤوم مهموزاً، ومنه {أية : مَذْءُوماً مَّدْحُوراً} تفسير : [الإسراء:18] ويقال: ذامَهُ يَذُومُه مخفَّفاً كرامه يرومه. قوله تعالى: {وَيَقُولُونَ فِيۤ أَنفُسِهِمْ لَوْلاَ يُعَذِّبُنَا ٱللَّهُ بِمَا نَقُولُ} قالوا: لو كان محمد نبيًّا لعذّبنا الله بما نقول فهلاّ يعذبنا الله. وقيل: قالوا إنه يردّ علينا ويقول وعليكم السام والسام الموت، فلو كان نبيًّا لاستجيب له فينا ومتنا. وهذا موضع تعجُّب منهم؛ فإنهم كانوا أهل كتاب، وكانوا يعلمون أن الأنبياء قد يغُضَبون فلا يعاجل من يغضبهم بالعذاب. {حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ} أي كافيهم جهنم عقاباً غداً {فَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ} أي المرجع.
البيضاوي
تفسير : {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ نُهُواْ عَنِ ٱلنَّجْوَىٰ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ }، نزلت في اليهود والمنافقين كانوا يتناجون فيما بينهم ويتغامزون بأعينهم إذا رأوا المؤمنين فنهاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم عادوا لمثل فعلهم. {وَيَتَنَـٰجَوْنَ بِٱلإثْمِ وَٱلْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ ٱلرَّسُولِ} أي بما هو إثم وعدوان للمؤمنين وتواص بمعصية الرسول، وقرأ حمزة «وينتجون» وهو يفتعلون من النجوى وروي عن يعقوب مثله. {وَإِذَا جَاءوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيّكَ بِهِ ٱللَّهُ} فيقولون السام عليك، أو أنعم صباحاً والله تعالى يقول: {أية : وَسَلَـٰمٌ عَلَىٰ عِبَادِهِ ٱلَّذِينَ ٱصْطَفَى }تفسير : [النمل: 59] {وَيَقُولُونَ فِى أَنفُسِهِمْ } فيما بينهم. {لَوْلاَ يُعَذّبُنَا ٱللَّهُ بِمَا نَقُولَ} هلا يعذبنا الله بذلك لو كان محمد نبياً. {حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ } عذاباً. {يَصْلَوْنَهَا } يَدخلونها. {فَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ} جهنم. {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلاَ تَتَنَاجُوْا بِالإِثْمِ وَالعُدْوَانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ} كما يفعله المنافقون وعن يعقوب «فلا تنتجوا». {وَتَنَـٰجَوْاْ بِٱلْبِرّ وَٱلتَّقْوَىٰ} بما يتضمن خير المؤمنين والاتقاء عن معصية الرسول. {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ٱلَّذِى إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ} فيما تأتون وتذرون فإنه مجازيكم عليه. {إِنَّمَا ٱلنَّجْوَىٰ } أَي النجوى بالإِثم والعدوان. {مِنَ ٱلشَّيْطَـٰنِ} فإنه المزين لها والحامل عليها. {لِيَحْزُنَ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ} بتوهمهم أنها في نكبة أصابتهم. {وَلَيْسَ} أي الشيطان أو التناجي. {بِضَارّهِمْ }بضار المؤمنين. {شَيْئاً إِلاَّ بِإِذْنِ ٱللَّهِ} إلا بمشيئته. {وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ} ولا يبالوا بنجواهم. {ٱ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُواْ فِى ٱلْمَجَـٰلِسِ} توسعوا فيه وليفسح بعضكم عن بعض من قولهم: افسح عني أي تنح، وقرىء «تفاسحوا» والمراد بالمجلس الجنس ويدل عليه قراءة عاصم بالجمع، أو مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنهم كانوا يتضامون به تنافساً على القرب منه وحرصاً على استماع كلامه. {فَٱفْسَحُواْ يَفْسَحِ ٱللَّهُ لَكُمْ } فيما تريدون التفسح فيه من المكان والرزق والصدر وغيرها. {وَإِذَا قِيلَ ٱنشُزُواْ} انهضوا للتوسعة أو لما أمرتم به كصلاة أو جهاد، أو ارتفعوا عن المجلس. {فَانشُزُواْ } وقرأ نافع وابن عامر وعاصم بضم الشين فيهما. {يَرْفَعِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ مِنكُمْ } بالنصر وحسن الذكر في الدنيا، وإيوائهم غرف الجنان في الآخرة. {وَٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ دَرَجَـٰتٍ } ويرفع العلماء منهم خاصة درجات بما جمعوا من العلم والعمل، فإن العلم مع علو درجته يقتضي العمل المقرون به مزيد رفعة، ولذلك يقتدى بالعالم في أفعاله ولا يقتدى بغيره. وفي الحديث «حديث : فضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب»تفسير : {وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلَونَ خَبِيرٌ} تهديد لمن لم يتمثل الأمر أو استكرهه. { يأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ إِذَا نَـٰجَيْتُمُ ٱلرَّسُولَ فَقَدّمُواْ بَيْنَ يَدَىْ نَجْوٰكُمْ صَدَقَةً } فتصدقوا قدامها مستعار ممن له يدان، وفي هذا الأمر تعظيم الرسول وإنفاع الفقراء والنهي عن الإِفراط في السؤال، والميز بين المخلص والمنافق ومحب الآخرة ومحب الدنيا، واختلف في أنه للندب أو للوجوب لكنه منسوخ بقوله: {ءأشفقتم} وهو إن اتصل به تلاوة لم يتصل به نزولاً. وعن على كرم الله وجهه إن في كتاب الله آية ما عمل بها أحد غيري، كان لي دينار فصرفته فكنت إذا ناجيته تصدقت بدرهم. وهو على القول بالوجوب لا يقدح في غيره فلعله لم يتفق للأغنياء مناجاة في مدة بقائه، إذ روي أنه لم يبق إلا عشراً وقيل إلا ساعة. {ذٰلِكَ} أي ذلك التصدق. {خَيْرٌ لَّكُمْ وَأَطْهَرُ} أي لانْفُسِكُم من الريبة وحب المال وهو يشعر بالندبية لكن قوله: { فإن لَمْ تَجُِدُوا فَإِنَّ الله غَفُورٌ رَحِيم} أي لمن لم يجده حيث رخص له في المناجاة بلا تصدق أدل على الوجوب. { أَأَشْفَقْتُمْ أَن تُقَدّمُواْ بَيْنَ يَدَىْ نَجْوٰكُمْ صَدَقَـٰتٍ} أخفتم الفقر من تقديم الصدقة أو أخفتم التقديم لما يعدكم الشيطان عليه من الفقر وجمع {صَدَقَـٰتٍ} لجمع المخاطبين، أو لكثرة التناجي. {فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُواْ وَتَابَ ٱللَّهُ عَلَيْكُمْ } بأن رخص لكم أن لا تفعلوه، وفيه إشعار بأن إشفاقهم ذنب تجاوز الله عنه لما رأى منهم مما قام مقام توبتهم وإذ على بابُّها وقيل بمعنى إذا أو إن. {فَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَآتَوُاْ ٱلزَّكَوٰةَ}. فلا تفرطوا في أدائهما. {وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ} في سائر الأوامر، فإن القيام بها كالجابر للتفريط في ذلك. {وَٱللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} ظاهراً وباطناً. {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ تَوَلَّوْاْ} والوا. {قوْماً غَضِبَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ } يعني اليهود. {مَّا هُم مّنكُمْ وَلاَ مِنْهُمْ} لأنهم منافقون مذبذبون بين ذلك. {وَيَحْلِفُونَ عَلَى ٱلْكَذِبِ} وهو ادعاء الإسلام. {وَهُمْ يَعْلَمُونَ } أن المحلوف عليه كذب كمن يحلف بالغموس، وفي هذا التقييد دليل على أن الكذب يعم ما يعلم المخبر عدم مطابقته وما لا يعلم. وروي أنه عليه الصلاة والسلام كان في حجرة من حجراته فقال «حديث : يدخل عليكم الآن رجل قلبه قلب جبار وينظر بعين شيطان، فدخل عبد الله بن نبتل المنافق وكان أزرق فقال عليه الصلاة والسلام له: علام تشتمني أنت وأصحابك، فحلف بالله ما فعل ثم جاء بأصحابه فحلفوا فنزلت».
ابن كثير
تفسير : قال ابن أبي نجيح عن مجاهد [في قوله]: {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ نُهُواْ عَنِ ٱلنَّجْوَىٰ} قال: اليهود، وكذا قال مقاتل بن حيان، وزاد: كان بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين اليهود موادعة، وكانوا إذا مر بهم الرجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم جلسوا يتناجون بينهم حتى يظن المؤمن أنهم يتناجون بقتله، أو بما يكره المؤمن، فإذا رأى المؤمن ذلك، خشيهم فترك طريقه عليهم، فنهاهم النبي صلى الله عليه وسلم عن النجوى فلم ينتهوا، وعادوا إلى النجوى، فأنزل الله تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ نُهُواْ عَنِ ٱلنَّجْوَىٰ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ} وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا إبراهيم بن المنذر الحزامي، حدثني سفيان بن حمزة عن كثير بن زيد عن ربيح بن عبد الرحمن بن أبي سعيد الخدري، عن أبيه عن جده قال: كنا نتناوب رسول الله صلى الله عليه وسلم نبيت عنده؛ يطرقه من الليل أمر، وتبدو له حاجة، فلما كانت ذات ليلة، كثر أهل النوب والمحتسبون حتى كنا أندية نتحدث، فخرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «حديث : ما هذه النجوى؟ ألم تنهوا عن النجوى؟» تفسير : قلنا: تبنا إلى الله يا رسول الله إنا كنا في ذكر المسيح فرقاً منه. فقال: «حديث : ألا أخبركم بما هو أخوف عليكم عندي منه؟» تفسير : قلنا: بلى يا رسول الله قال: «حديث : الشرك الخفي: أن يقوم الرجل يعمل لمكان رجل» تفسير : هذا إسناد غريب، وفيه بعض الضعفاء. وقوله تعالى: {وَيَتَنَـٰجَوْنَ بِٱلإِثْمِ وَٱلْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ ٱلرَّسُولِ} أي: يتحدثون فيما بينهم {بِٱلإِثْمِ} وهو ما يختص بهم {وَالْعُدْوَٰنِ} وهو ما يتعلق بغيرهم، ومنه معصية الرسول ومخالفته، يصرون عليها، ويتواصون بها. وقوله تعالى: {وَإِذَا جَآءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ ٱللَّهُ} قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا ابن نمير، عن الأعمش، عن مسروق عن عائشة قالت: دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم يهود، فقالوا: السام عليك يا أبا القاسم فقالت عائشة: وعليكم السام، قالت: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : يا عائشة إن الله لا يحب الفحش ولا التفحش» تفسير : قلت: ألا تسمعهم يقولون: السام عليك؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : أو ما سمعت أقول: وعليكم»تفسير : ؟ فأنزل الله تعالى: {وَإِذَا جَآءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ ٱللَّهُ} وفي رواية في الصحيح أنها قالت لهم: عليكم السام والذام واللعنة، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إنه يستجاب لنا فيهم، ولا يستجاب لهم فينا»تفسير : وقال ابن جرير: حدثنا بشر، حدثنا يزيد، حدثنا سعيد عن قتادة عن أنس بن مالك: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بينما هو جالس مع أصحابه، إذ أتى عليهم يهودي، فسلم عليهم، فردوا عليه، فقال نبي الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : هل تدرون ما قال؟» تفسير : قالوا: سلم يا رسول الله قال: «حديث : بل قال: سام عليكم» تفسير : أي: تسامون دينكم. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : ردوه» تفسير : فردوه عليه، فقال نبي الله: «حديث : أقلت سام عليكم؟» تفسير : قال: نعم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إذا سلم عليكم أحد من أهل الكتاب، فقولوا: عليك» تفسير : أي: عليك ما قلت. وأصل حديث أنس مخرج في الصحيح، وهذا الحديث في الصحيح عن عائشة بنحوه. وقوله تعالى: {وَيَقُولُونَ فِىۤ أَنفُسِهِمْ لَوْلاَ يُعَذِّبُنَا ٱللَّهُ بِمَا نَقُولُ} أي: يفعلون هذا، ويقولون ما يحرفون من الكلام، وإيهام السلام، وإنما هو شتم في الباطن، ومع هذا يقولون في أنفسهم: لو كان هذا نبياً، لعذبنا الله بما نقول له في الباطن؛ لأن الله يعلم ما نسره، فلو كان هذا نبياً حقاً، لأوشك أن يعاجلنا الله بالعقوبة في الدنيا، فقال الله تعالى: {حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ} أي: جهنم كفايتهم في الدار الآخرة {يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ}. وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الصمد، حدثنا حماد عن عطاء بن السائب عن أبيه عن عبد الله بن عمر: أن اليهود كانوا يقولون لرسول الله صلى الله عليه وسلم سام عليكم، ثم يقولون في أنفسهم: لولا يعذبنا الله بما نقول؟ فنزلت هذه الآية: {وَإِذَا جَآءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ ٱللَّهُ وَيَقُولُونَ فِىۤ أَنفُسِهِمْ لَوْلاَ يُعَذِّبُنَا ٱللَّهُ بِمَا نَقُولُ حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ} إسناد حسن، ولم يخرجوه. وقال العوفي عن ابن عباس: {وَإِذَا جَآءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ ٱللَّهُ} قال: كان المنافقون يقولون لرسول الله صلى الله عليه وسلم إذا حيوه: سام عليك، قال الله تعالى: {حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ} ثم قال الله تعالى مؤدباً عباده المؤمنين أن لا يكونوا مثل الكفرة والمنافقين: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوۤاْ إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلاَ تَتَنَـٰجَوْاْ بِٱلإِثْمِ وَٱلْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَةِ ٱلرَّسُولِ} أي: كما يتناجى به الجهلة من كفرة أهل الكتاب ومن مالأهم على ضلالهم من المنافقين، {وَتَنَـٰجَوْاْ بِٱلْبِرِّ وَٱلتَّقْوَىٰ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ٱلَّذِىۤ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ} أي: فيخبركم بجميع أعمالكم وأقوالكم التي قد أحصاها عليكم، وسيجزيكم بها. قال الإمام أحمد: حدثنا بهز وعفان قالا: أخبرنا همام عن قتادة عن صفوان بن محرز قال: كنت آخذاً بيد ابن عمر إذ عرض له رجل، فقال: كيف سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في النجوى يوم القيامة؟ قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : إن الله يدني المؤمن، فيضع عليه كنفه، ويستره من الناس، ويقرره بذنوبه، ويقول له: أتعرف ذنب كذا؟ أتعرف ذنب كذا؟ أتعرف ذنب كذا؟ حتى إذا قرره بذنوبه، ورأى في نفسه أنه قد هلك، قال: فإني قد سترتها عليك في الدنيا، وأنا أغفرها لك اليوم، ثم يعطى كتاب حسناته، وأما الكفار والمنافقون، فيقول الأشهاد: هؤلاء الذين كذبوا على ربهم، ألا لعنة الله على الظالمين» تفسير : أخرجاه في الصحيحين من حديث قتادة. ثم قال تعالى: { إِنَّمَا ٱلنَّجْوَىٰ مِنَ ٱلشَّيْطَـٰنِ لِيَحْزُنَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَلَيْسَ بِضَآرِّهِمْ شَيْئاً إِلاَّ بِإِذْنِ ٱللَّهِ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ} أي: إنما النجوى، وهي المسارة حيث يتوهم مؤمن بها سوءاً، {مِنَ ٱلشَّيْطَـٰنِ لِيَحْزُنَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ} يعني: إنما يصدر هذا من المتناجين عن تسويل الشيطان وتزيينه؛ {لِيَحْزُنَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ} أي: ليسوءهم، وليس ذلك بضارهم شيئاً إلا بإذن الله، ومن أحسَّ من ذلك شيئاً، فليستعذ بالله، وليتوكل على الله؛ فإنه لا يضره شيء بإذن الله. وقد وردت السنة بالنهي عن التناجي حيث يكون في ذلك تأذ على مؤمن؛ كما قال الإمام أحمد: حدثنا وكيع وأبو معاوية قالا: حدثنا الأعمش عن أبي وائل عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إذا كنتم ثلاثة فلا يتناجين اثنان دون صاحبهما، فإن ذلك يخزنه"تفسير : . أخرجاه من حديث الأعمش. وقال عبد الرزاق، أخبرنا مَعمر، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إذا كنتم ثلاثة، فلا يتناجى اثنان دون الثالث إلا بإذنه؛ فإن ذلك يحزنه» تفسير : انفرد بإخراجه مسلم عن أبي الربيع وأبي كامل، كلاهما عن حماد بن زيد عن أيوب، به.
المحلي و السيوطي
تفسير : {أَلَمْ تَرَ } تنظر { إِلَى ٱلَّذِينَ نُهُواْ عَنِ ٱلنَّجْوَىٰ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ وَيَتَنَٰجَوْنَ بِٱلإثْمِ وَٱلْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ ٱلْرَّسُولِ} هم اليهود نهاهم النبي صلى الله عليه وسلم عما كانوا يفعلون من تناجيهم، أي تحدّثهم سراًّ ناظرين إلى المؤمنين ليوقعوا في قلوبهم الريبة {وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ } أيها النبيّ {بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ ٱللَّهُ } وهو قولهم السَّام عليك، أي الموت {وَيَقُولُونَ فِى أَنفُسِهِمْ لَوْلاَ } هلا {يُعَذِّبُنَا ٱللَّهُ بِمَا نَقُولُ } من التحية وأنه ليس بنبيّ إن كان نبياً؟ {حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ } هي.
الماوردي
تفسير : {ألم تر إلى الذين نهوا عن النجوى} النجوى السرار، ومن ذلك قول جرير: شعر : من النفر البيض الذين إذا انتجوا أقرت بنجواهم لؤي بن غالب تفسير : والنجوى مأخوذة من النجوة وهي ما له ارتفاع وبعد، لبعد الحاضرين عنه، وفيها وجهان: أحدهما: أن كل سرار نجوى، قاله ابن عيسى. الثاني: أن السرار ما كان بن اثنين، والنجوى ما كان بين ثلاثة، حكاه سراقة. وفي المنهي عنه ثلاثة أقاويل: أحدها: أنهم اليهود، كانوا يتناجون بما بين المسلمين، فنهوا عن ذلك، قاله مجاهد. الثاني: أنهم المنافقون، قاله الكلبي. الثالث: أنهم المسلمون. روى أبو سعيد الخدري قال: كنا ذات ليلة نتحدث إذ خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "حديث : ما هذه النجوى ألم تنهوا عن النجوى ". تفسير : فقلنا تبنا إلى الله يا رسول الله إنا كنا في ذكر المسيح يعني الدَّجال فرَقاً منه، فقال: "حديث : ألا أخبركم بما هو أخوف عليكم عندي منه؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: الشرك الخفي أن يقوم الرجل يعمل لمكان الرجل ". تفسير : {وإذا جاءوك حيوك بما لم يحيك به الله} كانت اليهود إذا دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا: السام عليك، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يرد عليهم فيقول: {وعليكم} ويروى أن عائشة حين سمعت ذلك منهم قالت: وعليكم السام والذام، فقال عليه السلام: "حديث : إن الله لا يحب الفحش والتفحش ". تفسير : وفي السام الذي أرادوه ثلاثة أقاويل: أحدها: أنه الموت، قاله ابن زيد. الثاني: أنه السيف. الثالث: أنهم أرادوا بذلك أنكم ستسأمون دينكم، قاله الحسن، وكذا من قال هو الموت لأنه يسأم الحياة. وحكى الكلبي أن اليهود كانوا إذا رد النبي صلى الله عليه وسلم جواب سلامهم قالوا: لو كان هذا نبياً لاستجيب له فينا قوله وعليكم، يعني السام وهو الموت وليس بنا سامة وليس في أجسادنا فترة، فنزلت فيهم {ويقولون في أنفسهم ولولا يعذبنا الله بما نقول} الآية. وفي قوله تعالى: {إنما النجوى من الشيطان ليحزن الذين ءامنوا} وجهان: أحدهما: ما كان يتناجى به اليهود والمنافقون من الأراجيف بالمسلمين. الثاني: أنها الأحلام التي يراها الإنسان في منامه فتحزنه.
ابن عطية
تفسير : هذه الآية نزلت في قوم من اليهود نهاهم رسول الله عن التناجي بحضرة المؤمنين وإظهار ما يستراب منه من ذلك فلم ينتهوا، فنزلت هذه الآية، قاله مجاهد وقتادة. وقال ابن عباس نزلت في اليهود والمنافقين. وقرأ جمهور القراء والناس: "ويتناجون" على وزن يتفاعلون، وقرأ حمزة والأعمش وطلحة وابن وثاب "وينتجون" على وزن يفتعلون وهما بمعنى واحد كيقتتلون ويتقاتلون وفي مصحف عبد الله بن مسعود: "وعصيان الرسول". وقوله تعالى: {وإذا جاؤوك حيوك} الآية، يريد بذلك ما كانت اليهود تفعله من قولهم في التحية السام عليك يا محمد، وذلك أنه روي حديث : أن اليهود كانت تأتي فتقول: السام عليك يا محمد، والسام: الموت، وإياه كانوا يريدون، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "وعليكم", فسمعتهم عائشة يوماً فقالت: بل عليكم السام واللعنة، فقال رسول الله: "مهلاً يا عائشة إن الله يكره الفحش والتفحش"، قالت: أما سمعت ما قالوا؟ قال: "أما سمعت ما قلت لهم؟ إني قلت وعليكم"تفسير : . ثم كشف الله تعالى خبث طويتهم والحجة التي إليها يستروحون، وذلك أنهم كانوا يقولون: نحن الآن نلقى محمداً بهذه الأمور التي تسوؤه ولا يصيبنا سوء، ولا يعاقبنا الله بذلك، ولو كان نبياً لهلكنا بهذه الأقوال، وجهلوا أن أمرهم مؤخر إلى عذاب جهنم، فأخبر الله بذلك وأنها كافيتهم. وقال ابن عباس: هذه الآية كلها في منافقين، ويشبه أن من المنافقين من تخلق في هذا كله بصفة اليهود.
ابن عبد السلام
تفسير : {الَّذِينَ نُهُواْ} المسلمون، أو المنافقون، أو اليهود يتناجون بما يسوء المسلمين {النَّجْوَى} السرار من النجوة وهي ما ارتفع وبعد لبعد الحاضرين عنه وكل سرار نجوى، أو السرار ما كان بين اثنين والنجوى ما كان بين ثلاثة {حَيَّوْكَ} كان اليهود إذا دخلوا على الرسول صلى الله عليه وسلم قالوا السام عليك فيقول وعليكم، والسام: الموت، أو السيف، أو ستسأمون دينكم "ح" ولما رد ذلك عليهم قالوا لو كان نبياً لاستجيب له فينا وليس بنا سأمة وليس في أجسادنا فترة فنزلت {وَيَقُولُونَ فِى أَنفُسِهِمْ} الآية.
النسفي
تفسير : {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ نُهُواْ عَنِ ٱلنَّجْوَىٰ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ وَيَتَنَـٰجَوْنَ بِٱلإثْمِ وَٱلْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ ٱلرَّسُولِ } كانت اليهود والمنافقون يتناجون فيما بينهم ويتغامزون بأعينهم إذا رأوا المؤمنين ويريدون أن يغيظوهم ويوهموهم في نجواهم وتغامزهم أن غزاتهم غلبوا وأن أقاربهم قتلوا، فنهاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فعادوا لمثل فعلهم وكان تناجيهم بما هو إثم وعدوان للمؤمنين وتواص بمعصية الرسول ومخالفته، {وينتجون} حمزة وهو بمعنى الأول { وَإِذَا جَاءوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيّكَ بِهِ ٱللَّهُ } يعني أنهم يقولون في تحيتك: السام عليك يا محمد. والسام الموت والله تعالى يقول {أية : وَسَلَـٰمٌ عَلَىٰ عِبَادِهِ ٱلَّذِينَ ٱصْطَفَى} )تفسير : النمل: 59)، {أية : يَٰأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ} تفسير : [المائدة: 67]، {أية : يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ} تفسير : [الأحزاب: 1] {وَيَقُولُونَ فِى أَنفُسِهِمْ لَوْلاَ يُعَذّبُنَا ٱللَّهُ بِمَا نَقُولُ } أي يقولون فيما بينهم لو كان نبياً لعاقبنا الله بما نقوله فقال الله تعالى {حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ } عذاباً {يَصْلَوْنَهَا } حال أي يدخلونها {فَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ } المرجع جهنم. {يأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ } بألسنتهم وهو خطاب للمنافقين والظاهر أنه خطاب للمؤمنين {إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلاَ تَتَنَـٰجَوْاْ بِٱلإثْمِ وَٱلْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ ٱلرَّسُولِ } أي إذا تناجيتم فلا تشبهوا باليهود والمنافقين في تناجيهم بالشر {وَتَنَـٰجَوْاْ بِٱلْبِرّ } بأداء الفرائض والطاعات {وَٱلتَّقْوَىٰ } وترك المعاصي {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ٱلَّذِى إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ } للحساب فيجازيكم بما تتناجون به من خير أو شر {إِنَّمَا ٱلنَّجْوَىٰ } بالإثم والعدوان {مِنَ ٱلشَّيْطَـٰنِ } من تزيينه {لِيَحْزُنَ } أي الشيطان وبضم الياء: نافع {ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَلَيْسَ } الشيطان أو الحزن {بِضَارّهِمْ شَيْئاً إِلاَّ بِإِذْنِ ٱللَّهِ } بعلمه وقضائه وقدره {وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ } أي يكلون أمرهم إلى الله ويستعيذون به من الشيطان. {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُواْ فِى ٱلْمَجَـٰلِسِ } (في المجلس) توسعوا فيه، {فِى ٱلْمَجَـٰلِسِ }عاصم ونافع والمراد مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانوا يتضامون فيه تنافساً على القرب منه وحرصاً على استماع كلامه. وقيل: هو المجلس من مجالس القتال وهي مراكز الغزاة كقوله {أية : مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ }تفسير : [آل عمران: 121]. مقاتل في صلاة الجمعة {فَٱفْسَحُواْ } فوسعوا {يَفْسَحِ ٱللَّهُ لَكُمْ } مطلق في كل ما يبتغي الناس الفسحة فيه من المكان والرزق والصدر والقبر غير ذلك {وَإِذَا قِيلَ ٱنشُزُواْ } انهضوا للتوسعة على المقبلين، أو انهضوا عن مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أمرتم بالنهوض عنه، أو انهضوا إلى الصلاة والجهاد وأعمال الخير {فَانشُزُواْ } بالضم فيهما: مدني وشامي وعاصم غير حماد {يَرْفَعِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ مِنكُمْ } بامتثال أوامره وأوامر رسوله {وَٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ } والعالمين منهم خاصة {دَرَجَـٰتٍ وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ } وفي الدرجات قولان: أحدهما في الدنيا في المرتبة والشرف، والآخر في الآخرة. وعن ابن مسعود رضي الله عنه أنه كان إذا قرأها قال: يا أيها الناس افهموا هذه الآية ولترغبكم في العلم، وعن النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : فضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب»تفسير : وعنه صلى الله عليه وسلم: «حديث : عبادة العالم يوماً واحداً تعدل عبادة العابد أربعين سنة»تفسير : وعنه صلى الله عليه وسلم «حديث : يشفع يوم القيامة ثلاثة: الأنبياء ثم العلماء ثم الشهداء»تفسير : فأعظم بمرتبة هي واسطة بين النبوة والشهادة بشهادة رسول الله صلى الله عليه وسلم! وعن ابن عباس رضي الله عنهما: خير سليمان عليه السلام بين العلم والمال والملك فاختار العلم فأعطي المال والملك معه. وقال صلى الله عليه وسلم: «حديث : أوحى الله إلى إبراهيم عليه السلام يا إبراهيم إني عليم أحب كل عليم»تفسير : وعن بعض الحكماء: ليت شعري أي شيء أدرك من فاته العلم، وأي شيء فات من أدرك العلم. وعن الزبيري: العلم ذكر فلا يحبه إلا ذكورة الرجال، والعلوم أنواع فأشرها أشرفها معلوماً. {يأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ إِذَا نَـٰجَيْتُمُ ٱلرَّسُولَ } إذا أردتم مناجاته {فَقَدّمُواْ بَيْنَ يَدَىْ نَجْوٰكُمْ صَدَقَةً } أي قبل نجواكم وهي استعارة ممن له يدان كقول عمر رضي الله عنه: من أفضل ما أوتيت العرب الشعر يقدمه الرجل أمام حاجته فيستمطر به الكريم ويستنزل به اللئيم يريد قبل حاجته {ذٰلِكَ } التقديم {خَيْرٌ لَّكُمْ } في دينكم {وَأَطْهَرُ } لأن الصدقة طهرة {فَإِن لَّمْ تَجِدُواْ } ما تتصدقون به {فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } في ترخيص المناجاة من غير صدقة. قيل: كان ذلك عشر ليال ثم نسخ. وقيل: ما كان إلا ساعة من نهار ثم نسخ. وقال علي رضي الله عنه: هذه آية من كتاب الله ما عمل بها أحد قبلي ولا يعمل بها أحد بعدي، كان لي دينار فصرفته فكنت إذا ناجيته تصدقت بدرهم وسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عشر مسائل فأجابني عنها. قلت: يا رسول الله ما الوفاء؟ قال: «حديث : التوحيد وشهادة أن لا إله إلا الله »تفسير : قلت: وما الفساد؟ قال: حديث : الكفر والشرك بالله تفسير : قلت: وما الحق؟ قال: «حديث : الإسلام والقرآن والولاية إذا انتهت إليك»تفسير : قلت: وما الحيلة؟ قال:«حديث : ترك الحيلة»تفسير : قلت: وما عليّ؟ قال: «حديث : طاعة الله وطاعة رسوله»تفسير : قلت: وكيف أدعو الله تعالى؟ قال:«حديث : بالصدق واليقين»تفسير : قلت: وماذا أسأل الله؟ قال: «حديث : العافية»تفسير : قلت: وما أصنع لنجاة نفسي؟ قال: «حديث : كل حلالاً وقل صدقاً» تفسير : قلت: وما السرور؟ قال: «حديث : الجنة»تفسير : قلت: وما الراحة؟ قال: «حديث : لقاء الله»تفسير : فلما فرغت منها نزل نسخها. {ءَأَشْفَقْتُمْ أَن تُقَدّمُواْ بَيْنَ يَدَىْ نَجْوٰكُمْ صَدَقَـٰتٍ} أخفتم تقديم الصدقات لما فيه من الإنفاق الذي تكرهونه {فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُواْ } ما أمرتم به وشق عليكم {وَتَابَ ٱللَّهُ عَلَيْكُمْ } أي خفف عنكم وأزال عنكم المؤاخذة بترك تقديم الصدقة على المناجاة كما أزال المؤاخذة بالذنب عن التائب عنه {فَأَقِمُواْ ٱلصَّلَٰوةَ وَءَاتُواْ ٱلزَّكَٰوةَ وَأَطِعُواْ ٱللهَ وَرَسُولِهُ} أي فلا تفرطوا في الصلاة والزكاة وسائر الطاعات {وَٱللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ } وهذا وعد ووعيد. {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ تَوَلَّوْاْ قَوْماً غَضِبَ ٱللَّهُ عَلَيْهِم } كان المنافقون يتولون اليهود وهم الذين غضب الله عليهم في قوله {أية : مَن لَّعَنَهُ ٱللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ }تفسير : [المائدة: 60] وينقلون إليهم أسرار المؤمنين {مَّا هُم مّنكُمْ } يا مسلمون {وَلاَ مِنْهُمْ } ولا من اليهود كقوله: {أية : مُّذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذٰلِكَ لاَ إِلَىٰ هَـؤُلاء وَلاَ إِلَى هَـؤُلاء }تفسير : [النساء: 143] {وَيَحْلِفُونَ عَلَى ٱلْكَذِبِ } أي يقولون والله إنا لمسلمون لا منافقون {وَهُمْ يَعْلَمُونَ } أنهم كاذبون منافقون {أَعَدَّ ٱللَّهُ لَهُمْ عَذَاباً شَدِيداً } نوعاً من العذاب متفاقماً {إِنَّهُمْ سَاء مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } أي إنهم كانوا في الزمان الماضي مصرين على سوء العمل أو هي حكاية ما يقال لهم في الآخرة. {ٱتَّخَذْواْ أَيْمَـٰنَهُمْ } الكاذبة {جَنَّةُ } وقاية دون أموالهم ودمائهم {فَصَدُّواْ } الناس في خلال أمنهم وسلامتهم {عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ } عن طاعته والإيمان به {فَلَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ } وعدهم العذاب المخزي لكفرهم وصدهم كقوله {أية : ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ زِدْنَـٰهُمْ عَذَابًا فَوْقَ ٱلْعَذَابِ }تفسير : [النحل: 88] {لَن تُغْنِىَ عَنْهُمْ أَمْوٰلُهُمْ وَلاَ أَوْلـٰدُهُم مّنَ ٱللَّهِ } من عذاب الله {شَيْئاً } قليلاً من الإغناء {أُولَـئِكَ أَصْحَـٰبُ ٱلنَّارِ هُمْ فِيهَا خَـٰلِدُونَ يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ ٱللَّهِ جَمِيعاً فَيَحْلِفُونَ لَهُ } أي لله في الآخرة أنهم كانوا مخلصين في الدنيا غير منافقين {كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ } في الدنيا على ذلك {وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ } في الدنيا {عَلَىٰ شَىْءٍ} من النفع أو يحسبون أنهم على شيء من النفع ثم بأيمانهم الكاذبة كما انتفعوا ههنا {أَلاَ إِنَّهُمْ هُمُ ٱلْكَـٰذِبُونَ } حيث استوت حالهم فيه في الدنيا والآخرة. {ٱسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ ٱلشَّيْطَـٰنُ } استولى عليهم {فَأَنسَـٰهُمْ ذِكْرَ ٱللَّهِ } قال شاه الكرماني: علامة استحواذ الشيطان على العبد أن يشغله بعمارة ظاهره من المآكل والمشارب والملابس، ويشغل قلبه عن التفكر في آلاء الله ونعمائه والقيام بشكرها، ويشغل لسانه عن ذكر ربه بالكذب والغيبة والبهتان، ويشغل لبه عن التفكر والمراقبة بتدبير الدنيا وجمعها {أُوْلَـئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَـٰنِ } جنده {أَلاَ إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَـٰنِ هُمُ الخَـٰسِرُونَ }. {إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَـئِكَ فِى ٱلأَذَلّينَ} في جملة من هو أذل خلق الله تعالى لا ترى أحداً أذل منهم {كِتَـٰبِ ٱللَّهِ } في اللوح {لأَغْلِبَنَّ أَنَاْ وَرُسُلِى } بالحجة والسيف أو بأحدهما {إِنَّ ٱللَّهَ قَوِىٌّ } لا يمتنع عليه ما يريد {عَزِيزٌ } غالب غير مغلوب. {لاَّ تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ يُوَادُّونَ } هو مفعول ثان لـ {تَجِدُ }أو حال أو صفة لـ {قَوْماً } وتجد بمعنى تصادف على هذا {مَنْ حَادَّ ٱللَّهَ } خالفه وعاداه {وَرَسُولُهُ } أي من الممتنع أن تجد قوماً مؤمنين يوالون المشركين، والمراد أنه لا ينبغي أن يكون ذلك وحقه أن يمتنع ولا يوجد بحال مبالغة في الزجر عن مجانبة أعداء الله ومباعدتهم والاحتراز عن مخالطتهم ومعاشرتهم. وزاد ذلك تأكيداً وتشديداً بقوله {وَلَوْ كَانُواْ ءابَاءهُمْ أَوْ أَبْنَاءهُمْ أَوْ إِخْوٰنَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ } وبقوله {أُوْلَـئِكَ كَتَبَ فِى قُلُوبِهِمُ ٱلإيمَـٰنَ } أي أثبته فيها وبمقابلة قوله {أُوْلَـئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَـٰنِ } بقوله {أُوْلَـئِكَ حِزْبُ ٱللَّهِ } {وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مّنْهُ } أي بكتاب أنزله فيه حياة لهم، ويجوز أن يكون الضمير للإيمان أي بروح من الإيمان على أنه في نفسه روح لحياة القلوب به. وعن الثوري أنه قال: كانوا يرون أنها نزلت فيمن يصحب السلطان. وعن عبد العزيز بن أبي رواد أنه لقيه المنصور فلما عرفه هرب منه وتلاها. وقال سهل: من صحح إيمانه وأخلص توحيده فإنه لا يأنس بمبتدع ولا يجالسه ويظهر له من نفسه العداوة، ومن داهن مبتدعاً سلبه الله حلاوة السنن، ومن أجاب مبتدعاً لطلب عز الدنيا أو غناها أذله الله بذلك العز وأفقره بذلك الغنى، ومن ضحك إلى مبتدع نزع الله نور الإيمان من قلبه، ومن لم يصدق فليجرب. {وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّـٰتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَـٰرُ خَـٰلِدِينَ فِيهَا رَضِىَ ٱللَّهُ عَنْهُمْ } بتوحيدهم الخالص وطاعتهم {وَرَضُواْ عَنْهُ } بثوابه الجسيم في الآخرة أو بما قضى عليهم في الدنيا {أُوْلَـئِكَ حِزْبُ ٱللَّهِ } أنصار حقه ودعاة خلقه {أَلاَ إِنَّ حِزْبَ ٱللَّهِ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ } الباقون في النعيم المقيم الفائزون بكل محبوب الآمنون من كل مرهوب.
الثعالبي
تفسير : وقوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ نُهُواْ عَنِ ٱلنَّجْوَىٰ ثُمَّ يَعُودُونَ...} الآية، قال ابن عباس: نزلت في اليهود والمنافقين، {وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ}: هو قولهم: السَّامُ عليكم، يريدون الموتَ، ثم كشف اللَّه تعالى خُبْثَ طَوِيَّتِهِمْ والحُجَّةَ التي إليها يستروحون، وذلك أَنَّهُمْ كانوا يقولون: لو كان محمد نبيًّا لعذبنا بهذه الأقوال التي تسيئه، وجَهِلُوا أَنَّ أمرهم مُؤَخَّرٌ إلى عذاب جهنم. وقوله تعالى: {يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا تَنَاجَيْتُمْ...} الآية: وصِيَّةٌ منه سبحانه للمؤمنين أَلاَّ يتناجوا بمكروه، وذلك عامٌّ في جميع الناس إلى يوم القيامة. وقوله: {إِنَّمَا ٱلنَّجْوَىٰ} أي: بالإِثم {مِنَ ٱلشَّيْطَـٰنِ} وقرأ نافع وأهل المدينة: «لِيُحْزِنَ» ـــ بضم الياء وكسر الزاي ـــ، الفعل مُسْنَدٌ إلى الشيطان، وقرأ أبو عمرو وغيره: «لِيَحْزُنَ» ـــ بفتح الياء وضم الزاي ـــ، ثم أخبر تعالى أَنَّ الشيطان أو التناجي الذي هو منه، ليس بضارٍّ أحداً إلاَّ أَنْ يكونَ ضُرَّ بإذن اللَّه، أي: بأمره وقَدَرِهِ، ثم أمر بتوكُّلِ المؤمنين عليه تبارك وتعالى.
البقاعي
تفسير : ولما كان هذا الدليل أيضاً تتعذر الإحاطة به، قال دالاًّ عليه بأمر جزئي واقع بعلم المحدث عنه حقيقة، فإن عاند بعده سقط عنه الكلام إلا بحد الحسام: {ألم تر} أي تعلم علماً هو كالرؤية، ودل على سفول رتبه المرئي بإبعاده عن أعلى الناس قدراً بحرف الغاية فقال: {إلى الذين} ولما كان العاقل من إذا زجر عن شيء انزجر حتى يتبين له أنه لا ضرر عليه في فعل ما زجر عنه، عبر بالبناء للمفعول فقال: {نهوا} أي من ناه ما لا ينبغي للمنهي مخالفته حتى يعلم أنه مأمون الغائلة {عن النجوى} أي الإسرار لإحلال أنفسهم بذلك في محل التهمة بما لا يرضى من رسول الله صلى الله عليه وسلم - كما قال أبو العلاء المعري: شعر : والخل كالماء يبدي لي ضمائره مع الصفاء ويخفيها من الكدر تفسير : ولما كان الناهي هو الله، فكان هذا للنهي أهلاً لأن يبعد منه غاية البعد، عبر بأداة التراخي فقال: {ثم يعودون} أي على سبيل الاستمرار لأنه إذا وقعت مرة بادروا إلى التوبة منها أو فلتة وقعت معفواً عنها {لما نهوا عنه} أي من غير أن يعدوا لما يتوقع من جهة الناهي من الضرر عدة {ويتناجون} أي يقبل جميعهم على المناجاة إقبالاً واحداً، فيفعل كل منهم ما يفعله الآخر مرة بعد أخرى على سبيل الاستمرار، وقراءة حمزة {وينتجون} بصيغة الافتعال يدل على التعمد والمعاندة {بالإثم} أي بالشيء الذي يكتب عليهم به الإثم بالذنب وبالكذب وبما لا يحل. ولما ذكر المطلق أتبعه المقيد بالشدة فقال: {والعدوان} أي العدو الذي هو نهاية في قصد الشر بالإفراط في مجاوزة الحدود. ولما كان ذلك شراً في نفسه أتبعه الإشارة إلى أن الشيء يتغير وصفه بالنسبة إلى من يفعل معه فيكبر بكبر المعصي فقال: {ومعصيت الرسول} أي الذي جاء إليهم من الملك الأعلى، وهو كامل الرسلية، لكونه مرسلاً إلى جميع الخلق وفي كل الأزمان، فلا نبي بعده، فهو لذلك يستحق غاية الإكرام. ولما أنهى تعظيم الذنب إلى غايته آذن بالغضب بأن لفت الكلام إلى الخطاب فقال: {وإذا جاؤوك} أيها الرسول الأعظم الذي يأتيه الوحي ممن أرسله ولم يغب أصلاً عنه لأنه المحيط علماً وقدرة {حيوك} أي واجهوك بما يعدونه تحية من قولهم: السام عليك ونحوه، وعم كل لفظ بقوله: {بما لم يحيك به الله} أي الملك الأعلى الذي لا أمر لأحد معه فمن تجاوز ما شرعه فقد عرض نفسه لسخطه، ومما دخل فيه قوله بعض الناس لبعض "صباح الخير" ونحوه معرضاً عن السلام. ولما كان المشهور عنهم أنهم يخفون ذلك جهدهم ويعلنون بإملاء الله لهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يطلع عليه، وإن اطلع عليه لم يقدر على أن ينتقم منهم، عبر عن ذلك بقوله: {ويقولون} أي عند الاستدراج بالإملاء مجددين قولهم مواظبين عليه {في أنفسهم} من غير أن يطلعوا عليه أحداً: {لولا} أي هلا ولم لا {يعذبنا الله} أي الذي له الإحاطة بكل شيء على زعم من باهانا {بما نقول} مجددين مع المواظبة إن كان يكرهه - كما يقول محمد صلى الله عليه وسلم. ولما تضمن هذا علمه سبحانه وتعالى بهذه الجزئية من هؤلاء القوم ثبت بذلك علمه سبحانه بجميع ما في الكون، لأن نسبة الكل إليه على حد سواء، فإذا ثبت علمه بالبعض ثبت علمه بالكل فثبتت قدرته على الكل فكان على كل شيء شهيداً، قال مهدداً لهم مشيراً إلى أنه لا ينبغي لأحد أن يقول مثل هذا إلا إن كان قاطعاً بأنه لا يحصل له عذاب، أو يحصل له منه ما لا يبالي به ثم يرده بقوته: {حسبهم} أي كفايتهم في الانتقام منهم وفي عذابهم ورشقهم بسهام لهيبها ومنكئ شررها وتصويب صواعقها {جهنم} أي الطبقة التي تلقاهم بالتجهم والعبوسة والتكره والفظاظة. فإن حصل لهم في الدنيا عذاب كان زيادة على الكفاية، فاستعجالهم بالعذاب محض رعونة {يصلونها} أي يقاسون عذابها دائماً إني أعددتها لهم. ولما كان التقديرية فإنهم يصيرون إليها ولا بد، تسبب عنه قوله: {فبئس المصير *} أي مصيرهم، وسبب ذلك أن اليهود والمنافقين كانوا يتناجون فيما بينهم ينظرون إلى المؤمنين ويتغامزون يوهمونهم أنهم يتناجون فيما يسوءهم فيظنون أنه بلغهم شيء من إخوانهم الذين خرجوا في السرايا غزاة في سبيل الله من قتل أو هزيمة فيحزنهم ذلك، فشكوا ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فنهاهم عن التناجي في هذه الحالة فلم ينتهوا، وروى أحمد والبزار والطبراني بإسناد - قال الهيثمي في المجمع إنه جيد لأن حماداً سمع من عطاء بن السائب في حالة الصحة - عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما أن اليهود كانوا يقولون لرسول الله صلى الله عليه وسلم: سام عليك. ثم يقولون في أنفسهم: لولا يعذبنا الله بما نقول، فنزلت. وروى أبو يعلى عن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال عند ذلك:حديث : إذا سلم عليكم أحد من أهل الكتاب فقولوا "وعليك" . تفسير : ولما نهى عن النجوى وذم على فعلها وتوعد عليه فكان ذلك موضع أن يظن أن النهي عام لكل نجوى وإن كانت بالخير، استأنف قوله منادياً بالأداة التي لا يكون ما بعدها له وقع عظيم، معبراً بأول أسنان الإيمان باقتضاء الحال له: {يا أيها الذين آمنوا} أي ادعوا أنهم أوجدوا هذه الحقيقة {إذا تناجيتم} أي قلع كل منكم الكلام من نفسه فرفعه وكشفه لصاحبه سراً {فلا تتناجوا} أي توجدوا هذه الحقيقة ظاهرة كتناجي المنافقين {بالإثم} أي الذنب وكل فعل يكتب بسببه عقوبة. ولما عم خص فقال: {والعدوان} أي الذي هو العدو الشديد بما يؤذي وإن كان العادي يظن أنه لا يكتب عليه به إثم. ولما كان السياق لإجلال النبي صلى الله عليه وسلم مع أنه لا تعرف حقيقة الإثم إلا منه قال تعالى: {ومعصيت الرسول} أي الكامل في الرسلية فإن ذلك يشوش فكره فلا يدعه يبلغ رسالات ربه وهو منشرح الصدر طيب النفس. ولما علم أن نهيهم إنما هو عن شر يفسد ذات البين هو ما لا يريدون إطلاع النبي صلى الله عليه، صرح بقوله حثاً على إصلاح ذات البين لأن خير الأمور ما عاد بإصلاحها، وشر الأمور ما عاد بإفسادها: {وتناجوا بالبر} أي بالخير الواسع الذي فيه حسن التربية، ولما كان ذلك قد يعمل طبعاً، حث على القصد الصالح بقوله: {والتقوى} وهي ما يكون في نفسه ظاهراً أنه يكون سترة تقي من عذاب الله بأن يكون مرضياً لله ولرسوله. ولما كانت التقوى أم المحاسن، أكدها ونبه عليها بقوله: {واتقوا الله} أي اقصدوا قصداً يتبعه العمل أن تجعلوا بينكم وبين سخط الملك الأعظم وقاية. ولما كانت ذكرى الآخرة هي مجمع المخاوف ولا سيما فضائح الأسرار على رؤوس الأشهاد قال: {الذي إليه} أي خاصة {تحشرون *} أي تجمعون بأيسر أمر وأسهله بقهر وكره، وهو يوم القيامة، فيتجلى فيه سبحانه للحكم بين الخلق والإنصاف بينهم بالعدل ومحاسبتهم على النقير والقطمير لا يخفى عليه خافية ولا تقي منه واقية تنكشف فيه سرادقات العظمة، ويظهر ظهوراً تاماً نفوذ الكلمة، ويتجلى في مجالي العز سطوات القهر، وتنبث لوامع الكبر، فإذا فعلتم ذلك مستحضرين لذلك لم تقدموا على شيء تريدون إخفاءه من النبي صلى الله عليه وسلم، فيكون ذلك أقر لعينه وأطهر لكم. ولما شدد سبحانه في أمر النجوى وكان لا يفعلها إلا أهل النفاق، فكان ربما ظن ظان أنه يحدث عنها ضرر لأهل الدين، قال ساراً للمخلصين وغاماً للمنافقين ومبيناً أن ضررها إنما يعود عليهم: {إنما النجوى} أي المعهودة وهي المنهي عنها، وهي ما كره صاحبه أن يطلع عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقيل: ما خيله الشيطان من الأحكام المكروهة للإنسان {من الشيطان} أي مبتدئه من المحترق بطرده عن رحمة الله تعالى فإنه الحامل عليها بتزيينها ففاعلها تابع لأعدى أعدائه مخالفة لأوليائه. ولما بين أنها منه، بين الحامل له على تزيينها فقال: {ليحزن} أي الشيطان ليوقع الحزن في قلوب {الذين آمنوا} أي يتوهمهم أنهم بسبب شيء وقع ما يؤذيهم، والحزن: هم غليظ وتوجع يرق له القلب، حزنه وأحزنه بمعنى، وقال في القاموس: أو أحزنه: جعله حزيناً، وحزنه: جعل فيه حزناً. فعلى هذا قراءة نافع من أحزن أشد في المعنى من قراءة الجماعة. ولما كان ربما خيل هذا من من في قلبه مرض أن في يد الشيطان شيئاً من الأشياء، سلب ذلك بقوله: {وليس} أي الشيطان وما حمل عليه من التناجي، وأكد النفي بالجار فقال: {بضارّهم} أي الذين آمنوا {شيئاً} من الضرر وإن قل وإن خفي - بما أفهمه الإدغام {إلا بإذن الله} أي تمكين الملك المحيط بكل شيء علماً وقدرة، روى الشيخان عن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"حديث : إذا كنتم ثلاثة فلا يتناجى اثنان دون الثالث إلا بإذنه فإن ذلك يحزنه"تفسير : ولما كان التقدير: فقد علم أنه لا يخشى أحد غير الله لأنه لا ينفذ إلا ما أراده، فإياه فليخش المربوبون، عطف عليه قوله: {وعلى الله} أي الملك الذي لا كفوء له، لا على أحد غيره {فليتوكل المؤمنون} أي الراسخون في الإيمان في جميع أمورهم، فإنه القادر وحده على إصلاحها وإفسادها، ولا يحزنوا من أحد أن يكيدهم بسره ولا بجهره، فإنه إذا توكلوا عليه وفوضوا أمورهم إليه، لم يأذن في حزنهم، وإن لم يفعلوا أحزنهم، وخص الراسخين لإمكان ذلك منهم في العادة، وأما أصحاب البدايات فلا يكون ذلك منهم إلا خرق عادة.
ابو السعود
تفسير : {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ نُهُواْ عَنِ ٱلنَّجْوَىٰ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ} نزلتْ في اليهودِ والمنافقين كانوا يتناجَونَ فيما بـينهُمْ ويتغامزونَ بأعينِهمْ إذَا رأَوْا المؤمنينَ فنهاهُمْ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ثمَّ عادُوا لمثلِ فعلِهمْ والخطابُ للرسولِ عليه الصلاةُ والسَّلامُ والهمزةُ للتعجيبِ منْ حالهِمْ وصيغةُ المضارعِ للدلالةِ عَلَى تكررِ عَودِهمْ وتجددِهِ واستحضارِ صورتِهِ العجيبةِ وقولِهِ تَعَالى: {وَيَتَنَـٰجَوْنَ بِٱلإثْمِ وَٱلْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ ٱلرَّسُولِ} عطفٌ عليهِ داخلٌ في حُكمهِ أيْ بِمَا هُوَ إثمٌ في نفسِهِ وعدوانٌ للمؤمنينَ وتواصٍ بمعصيةِ الرسولِ عليهِ الصلاةُ والسَّلامُ وذكرُهُ عليِهِ الصلاةُ والسلامُ بعنوانِ الرسالةِ بـينَ الخطابـينِ المتوجهينِ إليهِ عليهِ الصلاةُ والسلامُ لزيادةِ تشنيعِهِم واستعظامِ معصيتِهم وقُرِىءَ وينتجونَ بالإثمِ والعِدْوَانِ بكسر العَين ومعصياتِ الرسولِ: {وَإِذَا جَاءوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيّكَ بِهِ ٱللَّهُ} فيقولونَ: السامُ عليكمْ. أو أنعِمْ صَباحاً والله سبحانَهُ يقولُ: { أية : وَسَلَـٰمٌ عَلَىٰ ٱلْمُرْسَلِينَ} تفسير : [سورة الصافات، الآية 181] {وَيَقُولُونَ فِى أَنفُسِهِمْ} أيْ فِيمَا بـينهُمْ {لَوْلاَ يُعَذّبُنَا ٱللَّهُ بِمَا نَقُولُ} أيْ هلاَّ يعذبُنَا الله بذلكَ لوْ كانَ محمدٌ نبـياً {حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ} عذاباً {يَصْلَوْنَهَا} يدخلونَها {فَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ} أيْ جهنمُ {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ إِذَا تَنَاجَيْتُمْ} فِي أنديتِكُمْ وَفِي خلواتِكم {فَلاَ تَتَنَـٰجَوْاْ بِٱلإثْمِ وَٱلْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَةِ ٱلرَّسُولِ} كما يفعلُه المنافقونَ وَقُرِىءَ فلا تنتجُوا وَفلا تناجَوا بحذفِ إحدَى التاءين {وَتَنَـٰجَوْاْ بِٱلْبِرّ وَٱلتَّقْوَىٰ} أيْ بما يتضمنُ خيرَ المؤمنين والاتقاءَ عن معصيةِ الرسولِ عليهِ الصلاةُ والسلامُ. {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ٱلَّذِى إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ} وحْدَهُ لاَ إلى غَيْرِهِ استقلالاً أوِ اشتراكاً فيجازيكُم بكُلِّ ما تأتونَ وتذرونَ {إِنَّمَا ٱلنَّجْوَىٰ} المعهودةُ التِي هِيَ التناجِي بالإثمِ وَالعدوانِ {مِنَ ٱلشَّيْطَـٰنِ} لاَ مِنْ غَيْرِهِ فإنَّه المزينُ لَها والحاملُ عَليهَا وقولِهِ تَعَالى: {لِيَحْزُنَ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ} خبرٌ آخرُ أيْ إنَّما هِيَ ليحزنَ المؤمنينَ بتوهمهمْ أنَّها فِي نكبةٍ أصابتهُمْ {وَلَيْسَ بِضَارّهِمْ} أي الشيطانُ أو التناجِي بضارِّ المؤمنينَ {شَيْئاً} مِنَ الأشياءِ أو شيئاً منَ الضررِ {إِلاَّ بِإِذْنِ ٱللَّهِ} أيْ بمشيئتِه {وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ} ولا يبالُوا بنجواهُم فإنَّه تعالى يعصمُهم منْ شرِّهِ وضرِّهِ.
القشيري
تفسير : قوله جلّ ذكره: {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ نُهُواْ عَنِ ٱلنَّجْوَىٰ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ وَيَتَنَاجَوْنَ بِٱلإِثْمِ وَٱلْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ ٱلرَّسُولِ وَإِذَا جَآءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ ٱللَّهُ}. آذَوْا قلوبَ المسلمين بما كانوا يتناجون به فيما بينهم، ولم تكن في تناجيهم فائدةٌ إلا قصدهم بذلك شَغْلَ قلوبِ المؤمنين، ولم ينتهوا عنه لمَّا نهُوا عنه، وأصَرُّوا على ذلك ولم يَنْزَجِروا، فتَوَعَّدهم اللَّهُ على ذلك، وتكون عقوبتُهم بأن تتغامز الملائكةُ في باب فيما بينهم، وحين يشاهدون ذلك تتَرَجَّمُ ظنونُهم، ويتعذَّبون بتَقَسُّم قلوبهم، ثم لا ينكشف الحالُ لهم إلاَّ بما يزيدهم حزناً على حزنٍ، وأسفاً على أسفٍ.
اسماعيل حقي
تفسير : {الم تر الى الذين نهوا عن النجوى ثم يعودون لما نهوا عنه} نزلت فى اليهود والمنافقين كانوا يتناجون فيما بينهم ويتحلقون ثلاثة وخمسة ويتغمازون بأعينهم اذا رأوا المؤمنين يريدون أن يغيظوهم فنهاهم رسول الله عليه السلام ثم عادوا لمثل فعلهم والخطاب للرسول والهمزة للتعجيب من حالهم وصيغة المضارع للدلالة على تكرر عودهم وتجدده واستحضار صورته العجيبة "حديث : قال الخدرى رضى الله عنه خرج عليه السلام ذات ليلة ونحن نتحدث فقال هذه النجوى ألم تنهوا عن النجوى فقلنا تبنا الى الله انا كنا فى حديث الدجال قال "ألا اخبركم بما هو أخوف عليكم منه هو الشرك" الخفى"تفسير : يعنى المراآة {ويتناجون} وراز ميكويند {بالاثم والعدوان ومعصية الرسول} عطف على قوله {يعودون} داخل فى حكمه وبيان لما نهوا عنه لضرره فى الدين اى بما هو اثم فى نفسه وعدوان للمؤمنين وتواص بمعصية الرسول والعدوان الظلم والجور والمعصية خلاف الطاعة {واذا جاؤك} وجون برتو آنيد، يعنى اهل النجوى {حيوك} ترا تحيت وسلام كنند والتحية فى الاصل مصدر حياك على الاخبار من الحياة فمعنى حياك الله جعل لك حياة ثم استعمل للدعاء بها ثم قيل لكل دعاء فغلب فى الاسلام فكل دعاء تحية لكون جميعه غير خارج عن حصول حياة او سبب حياة اما فى الدنيا واما فى الآخرة {بما لم يحيك به الله} اى بشىء لم يقع من الله أن يحييك به فيقولون السام عليك والسام بلغة اليهود، مرك است ياقتل بشمشير، وهم يوهمون انهم يقولون السلام عليك وكان عليه السلام يرد عليهم فيقول عليكم بدن الواو ورواية وعليكم بالواو خطأ كذا فى عين المعانى او يقولون انعم صباحا وهو تحية الجاهلية من النعومة اى ليصر صاحبك ناعما لينا لابؤس فيه والله سبحانه يقول {أية : وسلام على المرسلين}تفسير : واختلفوا فى رد السلام على اهل الذمة فقال ابن عباس والشعبى وقتادة هو واجب لظاهر الامر بذلك وقال مالك ليس بواجب فان رددت فقل عليكم وقال بعضهم يقول فى الرد علاك السلام اى ارتفع عنك وقال بعض المالكية يقول فى الرد السلام عليك بكسر السين يعنى الحجارة {ويقولون فى انفسهم} اى فميا بينهم ا ذا خرجوا من عندك {لولا يعذبنا بما نقول} لولا تحضيضية بمعنى هلا اى هلا يعذبنا الله ويغضب علينا ويقهرنا بجرآءتنا على الدعاء بالشر على محمد لو كان نبيا حقا {حسبهم} بس است ايشانرا {جهنم} عذابا مبتدأ وخبر أى محسبهم وكافيهم جهنم فى التعذيب من أحسبه اذا كفاه {يصلونها} يدخلونها ويقاسون حر هالا محالة وان لم يعجل تعذيبهم لحكمة والمراد الاستهزآء بهم والاستخفاف بشأنهم لكفرهم وعدم ايمانهم {فبئس المصير} اى جهنم قال فى برهان القرءآن الفاء لما فيه من معنى التعقيب اى فبئس المصير ماصاروا اليه وهو جهنم انتهى. قال بعض المفسرين وقوله ذلك من جلمة ماغفلوا عما عندهم من العلم فانهم كانوا اهل كتاب يعلمون ان بعض الانبياء قد عصاه امته وآذوه ولم يعجل تعذيبهم لحكمة ومصلحة علمها عند الله تعالى انتهى، ثم ان الله يستجيب دعاء رسول الله عليه السلام كما روى ان عائشة رضى الله عنها سمعت قول اليهود فقالت علكيم السام والذام واللعن فقال عليه السلام "حديث : ياعائشة ارفقى فان الله يحب الرفق فى كل شىء ولا يحب الفحش والتفحش الا سمعت ومارددت عليهم فقلت عليكم فيستجاب لى فيهم"تفسير : وقس عليه حال الورثة الكاملين فان أنفاسهم مؤثرة فمن تعرض لواجد منهم بالسوء فقد تعرض لسوء نفسه وفى البستان شعر : كزيرى بجاهى در افتاده بود كه از هول او شير نرماده بود همه شب زفرياد وزارى نخفت يكى برسرش كوفت سنكى وكفت توهر كز رسيدى بفرياد كس كه ميخواهى امروز فريادرس كه بر جان ريشت نهد مرهمى كه جانها بنالد زدستت همى تومارا همى جاه كندى براه بسر لاجرم بر فتادى بجاه
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {ألم تَرَ إِلى الذين نُهوا عن النجوى ثم يعودون لما نُهوا عنه} نزلت في اليهود والمنافقين، كانوا يتناجون فيما بينهم، ويتغامزون بأعينهم إذا رأوا المؤمنين، يريدون أن يغيظوهم، فنهاهم رسولُ الله صلى الله عليه وسلم، فعادوا لمثل فعلهم. والخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم. والهمزة للتعجيب مِن حالهم، وصيغة المضارع للدلالة على تكرير عودهم وتجدُّده، واستحضار صورته العجيبة. وفي السِّيَر: أنه أمر بإخراجهم من المسجد، فأُخرجوا مجرورين، كما في الاكتفاء. {ويتناجون بالإِثم والعُدوان} أي: بما هو إثم في نفسه وعدوان للمؤمنين، {ومعصيتِ الرسول} أي: وتواصٍ بمعصية الرسول. وذكره صلى الله عليه وسلم بعنوان الرسالة بين الخطابين المتوجهيْن إليه عليه السّلام لزيادة تشنُّعهم واستعظام معصيتهم، {وإِذا جاؤوا حَيَّوكَ} أي: سلَّموا عليك {بما لم يُحَيِّك به اللهُ} بما لا يُسلم عليك الله تعالى، فكانوا يقولون في تحيتهم: السام عليك يا محمد. والسام: الموت، والله تعالى يقول في سلامه على رسوله:{أية : وَسَلاَمٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى}تفسير : [النمل: 29]{أية : وَسَلاَمٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ}تفسير : [الصفات: 181]. {ويقولون في أنفسِهم} أي: فيما بينهم، أو في ضمائرهم، {لولا يُعذبُنا اللّهُ بما نقول} هلاّ يُعذبنا الله بذلك، فلو كان نبيّاً لعاقبنا بالهلاك، قال تعالى: {حَسْبُهم} عذاباً {جهنمُ يصلونها} يدخلونها فيحترقون فيها، {فبئس المصيرُ} المرجع جهنم. الإشارة: ألم ترَ إلى الذين نُهوا عن الوقوع في أهل الخصوصية، والتناجي بما يسؤوهم ثم يعودون لما نُهوا عنه، ويتناجون بالإثم والعدوان، وما فيه فساد البين وتشتيت القلوب، ومعصية الرسول بمخالفة سنته، وإذا جاؤوك أيها العارف، الخليفة للرسول، حيَّوك بما لم يُحيك به الله، أي: خاطبوك بما لم يأمر الله أن تُخاطَب به من التعظيم، ويقولون في أنفسهم، لولا يُعذبنا الله بن نفعل من تصغيرهم، حسبهم نار القطيعة والبُعد، مُخلّدون فيها، فبئس المصير. ثم أمر المؤمنين بعكس ذلك، فقال: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِذَا تَنَاجَيْتُمْ}.
الجنابذي
تفسير : {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ نُهُواْ عَنِ ٱلنَّجْوَىٰ} اى المسارّة او المحاورة {ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ وَيَتَنَاجَوْنَ بِٱلإِثْمِ وَٱلْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَةِ ٱلرَّسُولِ} يعنى يتناجون بغصب حقّ آل محمّد (ص) ومعاداتهم ومخالفة قول الرّسول (ص) فيهم، وبعبارةٍ اخرى يتناجون بما فيه قوّة القوّة البهيميّة الشّهويّة، وقوّة القوّة الغضبيّة السّبعيّة، وقوّة القوّة الجهليّة الشّيطانيّة {وَإِذَا جَآءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ ٱللَّهُ} اظهاراً لحبّهم لك بالتّحيّات العالية سرّاً لنفاقهم عنك وعن المؤمنين {وَيَقُولُونَ فِيۤ أَنفُسِهِمْ} من غير تلفّظٍ او فيما بينهم من غير اطّلاع الغير عليهم {لَوْلاَ يُعَذِّبُنَا ٱللَّهُ بِمَا نَقُولُ} لانّهم قبلوا الاسلام وصدّقوا محمّداً (ص) فى اكثر ما قاله من امر الآخرة ولم يصدّقوه فى خلافة علىٍّ (ع) {حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ} قيل: نزلت قوله: {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ نُهُواْ عَنِ ٱلنَّجْوَىٰ} (الآيات) فى اليهود والمنافقين انّهم كانوا يتناجون فيما بينهم دون المؤمنين وينظرون الى المؤمنين ويتغامزون بأعينهم فاذا رأى المؤمنون نجويهم قالوا: ما نريهم الاّ وقد بلغهم عن اقربائنا واخواننا الّذين خرجوا فى السّرايا قتلٌ او مصيبةٌ او هزيمةٌ، فيحزنهم ذلك فلمّا طال ذلك شكوا الى رسول الله (ص) فأمرهم ان لا يتناجوا دون المسلمين فلم ينتهوا عن ذلك وعادوا الى مناجاتهم، لكن نقول: ان كان نزولها فى اليهود فالمقصود منها منافقوا الامّة الّذين كانوا يتناجون فى ردّ قول محمّدٍ (ص) فى علىٍّ (ع)، وقيل: نزلت قوله: {وَإِذَا جَآءُوكَ حَيَّوْكَ} (الى آخر الآية) فى اليهود فانّهم كانوا يأتون النّبىّ (ص) فيقولون: السّام عليك، والسّام الموت وهم يوهّمون انّهم يقولون: السّلام عليك وكان النّبىّ (ص) يردّ عليهم بقوله: "حديث : وعليكم" تفسير : فان كان النّزول فيهم فالمقصود منها المنافقون كما ذكرنا واشار الصّادق (ع) فى الحديث السّابق.
الهواري
تفسير : قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُواْ عَنِ النَّجْوَى} وهم اليهود، نهوا أن يتناجوا بمعصية الله ومعصية الرسول وعن الطعن في دين الله {ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ وَيَتَنَاجَوْنَ بِالإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} [الإِثم: المعصية، والعدوان: الظلم] {وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ}. قال تعالى: {وَإِذَا جَآءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللهُ}. كانوا يسلمون على النبي عليه السلام وأصحابه فيقولون: السام عليكم. والسام: الموت، في قول بعضهم، وتأويله في قول بعضهم: إنكم ستسأمون، أي: تملون هذا فتدعوه. فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يرد عليهم على حد السلام. فأتاه جبريل فقال: إنهم ليسوا يقولون ذلك على وجه التحية، فقال النبي عليه السلام لأصحابه: حديث : إذا سلم عليكم أحد من أهل الكتاب فقولوا عليك. أي: عليك ما قلت . تفسير : قال تعالى: {وَيَقُولُونَ فِي أَنفُسِهِمْ لَوْلاَ} أي: هلا {يُعَذِّبُنَا اللهُ بِمَا نَقُولُ} من السام، أي: إن كان نبياً فسيعذبنا الله بما نقول. قال الله تعالى: {حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمَصِيرُ}. قوله: {يَآ أَيَّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ} [يعني الذين أقروا بالألسنة] {إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلاَ تَتَنَاجَوْاْ بِالإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ} أي: كما صنعت اليهود من هذه النجوى التي ذكروا. قال: {وَتَنَاجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَاتَّقُواْ اللهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ} أي: يوم القيامة. {إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيْسَ بِضَآرِّهِمْ شَيْئاً إِلاَّ بِإِذْنِ اللهِ وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ}. تفسير الحسن أن رجلاً من المسلمين كان يأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم فيستخليه لحاجته، فكان الشيطان يوقع في قلوب المؤمنين الحزنَ، يقول: إن صاحبكم هذا إنما خلا برسول الله ليبغّضكم عنده، قال تعالى: {وَلَيْسَ بِضَآرِّهِمْ} ذلك، أي الذي وقع في قلوبهم، {شَيْئاً إِلاَّ بِإِذْنِ اللهِ وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ} فأراد أن يعصم المؤمنين ألا يستخلي أحد منهم بالنبي عليه السلام. وقال الكلبي في قوله تعالى: {إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ...} إلى آخر الآية: إن المنافقين كانوا إذا غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم أو بعث سرية يتغامزون بالرجل إذا رأوه وعلموا أن له حميماً في الغزو، فيتناجون وينظرون إليه، فيقول الرجل: ما هذا إلا لشيء قد بلغهم عن حميمي، فلا يزال من ذلك في غم وحزن حتى يقدم حميمه. فأنزل الله هذه الآية.
الالوسي
تفسير : {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ نُهُواْ عَنِ ٱلنَّجْوَىٰ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ } قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: نزلت في اليهود والمنافقين كانوا يتناجون دون المؤمنين وينظرون إليهم ويتغامزون بأعينهم يوهمونهم عن أقاربهم أنهم أصابهم شر فلا يزالون كذلك حتى تقدم أقاربهم فلما كثر ذلك منهم شكا المؤمنون إلى الرسول صلى الله عليه وسلم فنهاهم أن يتناجوا دون المؤمنين فعادوا لمثل فعلهم، وقال مجاهد نزلت في اليهود. / وقال ابن السائب: في المنافقين، والخطاب للرسول عليه الصلاة والسلام والهمزة للتعجيب من حالهم، وصيغة المضارع للدلالة على تكرر عودهم وتجدده واستحضار صورته العجيبة. وقوله تعالى: {وَيَتَنَـٰجَوْنَ بِٱلإثْمِ وَٱلْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ ٱلرَّسُولِ } عطف عليه داخل في حكمه أي ويتناجون بما هو إثم في نفسه ووبال عليهم وتعدّ على المؤمنين وتواص بمخالفة الرسول صلى الله عليه وسلم، وذكره عليه الصلاة والسلام بعنوان الرسالة بين الخطابين المتوجهين وإليه صلى الله عليه وسلم ـ لزيادة تشنيعهم واستعظام معصيتهم. وقرأ حمزة وطلحة والأعمش ويحيـى بن وثاب ورويس ـ وينتجون ـ بنون ساكنة بعد الياء وضم الجيم مضارع انتجى، وقرأ أبو حيوة ـ العدوان ـ بكسر العين حيث وقع، وقرىء ـ معصيات ـ بالجمع ونسبت فيما بعد إلى الضحاك. {وَإِذَا جَاءوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيّكَ بِهِ ٱللَّهُ } صح من رواية البخاري ومسلم وغيرهما عن عائشة « حديث : أن ناساً من اليهود دخلوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: السام عليك يا أبا القاسم فقال عليه الصلاة والسلام: وعليكم، قالت عائشة: وقلت: عليكم السام ولعنكم الله وغضب عليكم وفي رواية «عليكم السام والذام واللعنة، فقال عليه الصلاة والسلام: يا عائشة إن الله لا يحب الفاحش ولا المتفحش، فقلت: ألا تسمعهم يقولون: السام؟! فقال صلى الله عليه وسلم: أو ما سمعت أقول: وعليكم؟! فأنزل الله تعالى {وَإِذَا جاؤك } » تفسير : الآية. وأخرج أحمد والبيهقي في «شعب الإيمان» بسند جيد عن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما أن اليهود كانوا يقولون لرسول الله صلى الله عليه وسلم سام عليك يريدون بذلك شتمه ثم يقولون في أنفسهم: لولا يعذبنا الله بما نقول فنزلت هذه الآية {وَإِذَا جَآءُوكَ} الخ. والسام قال ابن الأثير: المشهور فيه ترك الهمز ويعنون به الموت، وجاء في رواية مهموزاً ومعناه أنكم تسأمون دينكم، وصرح الخفاجي بأنه بمعنى الموت عبراني، ولم يذكر فيه الهمز وتركه. وقال الطبرسي: من قال: السام الموت فهو من سأم الحياة بذهابها وهذا إرجاع له إلى المهموز، وجعل البيضاوي من التحية التي لم يحيه بها الله تعالى تحيتهم له عليه الصلاة والسلام بأنعم صباحاً وهي تحية الجاهلية كعم صباحاً ولم نقف على أثر في ذلك. وقوله تعالى: {وَيَقُولُونَ فِى أَنفُسِهِمْ } أي فيما بينهم، وجوز إبقاؤه على ظاهره {لَوْلاَ يُعَذّبُنَا ٱللَّهُ بِمَا نَقُولُ } أي هلا يعذبنا الله تعالى بسبب ذلك لو كان محمد صلى الله عليه وسلم نبياً ـ أي لو كان نبياً عذبنا الله تعالى بسبب ما نقول من التحية ـ أوفق بالأول لأن أنعم صباحاً دعاء بخير والعدول إليه عن تحية الإسلام التي حيا الله تعالى بها رسوله صلى الله عليه وسلم، وأشير إليها بقوله تعالى: { أية : وَسَلَـٰمٌ عَلَىٰ ٱلْمُرْسَلِينَ } تفسير : [الصافات: 181] { أية : وَسَلَـٰمٌ عَلَىٰ عِبَادِهِ ٱلَّذِينَ ٱصْطَفَى } تفسير : [النمل: 59] وما جاء في التشهد «السلام عليك أيها النبـي ورحمة الله وبركاته» ليس فيه كثير إثم يتوقع معه التعذيب الدنيوي حتى إنهم يقولون ذلك إذا لم يعذبوا، اللهم إلا إذا انضم إليه أنهم قصدوا بذلك تحقيراً وإعلاناً بعدم الاكتراث، ولعل قائل ذلك هم المنافقون من المشركين وهو أظهر من كون قائله اليهود، وحكم التحية به اليوم أنها خلاف السنة، والقول بالكراهة غير بعيد. وفي «تحفة المحتاج» لا يستحق مبتدي بنحو صبحك الله بالخير أو قواك الله جواباً ودعاؤه له في نظيره حسن إلا أن يقصد بإهماله له تأديبه لتركه سنة السلام انتهى، وأنعم صباحاً نحو صبحك الله بالخير، غاية ما في الباب أنه / دعاء كان يستعمل تحية في الجاهلية، نعم تحيتهم به له عليه الصلاة والسلام على الوجه الذي قصدوه حرام بلا خلاف. {حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ } عذاباً {يَصْلَوْنَهَا } يدخلونها أو يقاسون حرها أو يصطلون بها. {فَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ } أي جهنم.
ابن عاشور
تفسير : {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ نُهُواْ عَنِ ٱلنَّجْوَىٰ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ وَيَتَنَـٰجَوْنَ بِٱلإِثْمِ وَٱلْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ ٱلرَّسُولِ}. إن كانت هذه الآية والآيتان اللتان بعدها نزلت مع الآية التي قبلها حسبما يقتضيه ظاهر ترتيب التلاوة كان قوله تعالى: {نهوا عن النجوى} مؤذناً بأنه سبق نهي عن النجوى قبل نزول هذه الآيات، وهو ظاهر قول مجاهد وقتادة: نزلت في قوم من اليهود والمنافقين نهاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم عن التناجي بحضرة المؤمنين فلم ينتهوا، فنزلت، فتكون الآيات الأربع نزلت لتوبيخهم وهو ما اعتمدناه آنفاً. وإن كانت نزلت بعد الآية التي قبلها بفترة كان المراد النهي الذي أشار إليه قوله تعالى:{أية : ثم ينبئهم بما عملوا يوم القيامة}تفسير : [المجادلة: 7] كما تقدم، بأن لم ينتهوا عن النجوى بعد أن سمعوا الوعيد عليها بقوله تعالى: {ثم ينبئهم بما عملوا يوم القيامة}، فالمراد بـ{الذين نهوا عن النجوى} هم الذين عنوا بقوله: {أية : ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم}تفسير : [المجادلة: 7] الآية. و{ثم} في قوله: {ثم يعودون} للتراخي الرتبي لأن عودتهم إلى النجوى بعد أن نهوا عنها أعظم من ابتداء النجوى لأن ابتداءها كان إثماً لما اشتملت عليه نجواهم من نوايا سيّئة نحو النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين، فأما عودتهم إلى النجوى بعد أن نُهوا عنها فقد زادوا به تمرداً على النبي صلى الله عليه وسلم ومشاقّة للمسلمين. فالجملة مُستأنفة استئنافاً ابتدائياً اقتضاه استمرار المنافقين على نجواهم. والاستفهام في قوله: {ألم ترَ إلى الذين نُهُوا عن النجوى} تَعجِيبي مراد به توبيخهم حين يسمعونه. والرؤية بصرية بقرينة تعديتها بحرف {إلى}. والتعريف في {النجوى} تعريف العهد لأن سياق الكلام في نوع خاص من النجوى. وهي النجوى التي تحزن الذين آمنوا كما ينبىء عنه قوله تعالى: {أية : إنما النجوى من الشيطان ليحزن الذين آمنوا}تفسير : [المجادلة: 10]. ويجوز أن يكون النهي عن جنس النجوى في أول الأمر يعمّ كل نجوى بمرأى من الناس سَدًّا للذريعة، قال الباجي في «المنتقى»: روي أن النهي عن تناجي اثنين أو أكثر دون واحد أنه كان في بَدء الإِسلام، فلما فشا الإِسلام وآمن الناس زال هذا الحكم لزوال سببه. قال ابن العربي في «أحكام القرآن» عند قوله تعالى: {أية : لا خير في كثير من نجواهم} تفسير : الآية [114] في سورة النساء: إن الله تعالى أمر عباده بأمرين عظيمين: أحدهما: الإِخلاص وهو أن يستوي ظاهر المرء وباطنه، والثاني: النصيحة لكتاب الله ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم، فالنجوى خلاف هذين الأصلين وبعدَ هذا فلم يكن بد للخلق من أمر يختصون به في أنفسهم ويَخُص به بعضهم بعضاً فرخص في ذلك بصفة الأمر بالمعروف والصدقة وإصلاح ذات البين اهـ. وفي الموطأ حديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إذا كان ثلاثة فلا يتناجى اثنان دون واحد»تفسير : . زاد في رواية مسلم «حديث : إلا بإذنه فإن ذلك يُحزنه»تفسير : . واختلف في محمل هذا النهي على التحريم أو على الكراهة، وجمهور المالكية على أنه للتحريم، قال ابن العربي في «القبس»: فإن كان قوله مخافة أن يُحزنه من قول النبي صلى الله عليه وسلم فقد انحسم التأويل، وإن كان من قول الراوي فهو أولى من تأويل غيره. وقال ابن القاسم: سمعت مالكاً يقول: لا يتناجى أربعة دون واحد. وأما تناجي الجماعة دون جماعة فإنه أيضاً مكروه أو محرم اهـ. وحكى النّووي الإِجماع على جواز تناجي جماعة دون جماعة واحتج له ابن التِّين بحديث ابن مسعود قال: فأتيته (يعني النبي صلى الله عليه وسلم) وهو في ملأٍ فساررته. وحديثُ عائِشة في قصة فاطمة دالّ على الجواز. وقال ابن عبد البر: لا يجوز لأحد أن يدخل على المتناجيين في حال تناجيهما. وأُلْحِقَ بالتناجي أن يتكلم رجلان بلغة لا يعرفها ثالث معهما. والقول في استعمال {ثم يعودون لما نهوا عنه} في معناه المجازي وتعديته باللام نظير القول في قوله تعالى: {أية : ثم يعودون لما قالوا}تفسير : [المجادلة: 3]. وكذلك القول في موقع {ثم} عاطفة الجملة. وصيغة المضارع في {يعودون} دالة على التجدد، أي يكررون العدد بحيث يريدون بذلك العصيان وقلة الاكتراث بالنهي فإنهم لو عادوا إلى النجوى مرة أو مرتين لاحتمل حالهم أنهم نسوا. و «ما نهوا عنه» هو النجوى، فعدل عن الإِتيان بضمير النجوى إلى الموصول وصلته لما تؤذن به الصلة من التعليل لما بعدها من الوعيد بقوله: {حسبهم جَهنم} على ما في الصلة من التسجيل على سفههم. وقرأ الجمهور {يتناجون} بصيغة التفاعل من نَاجى المزيد. وقرأه حمزة ورويس ويعقوب و"يَنْتَجُون" بصيغة الإِفتعال من نَجا الثلاثي المجرد أي سَارَّ غيره، والافتعال يَرِد بمعنى المفاعلة مثل اختصموا واقتتلوا. والإِثم: المعصية وهو ما يشتمل عليه تناجيهم من كلام الكفر وذم المسلمين. و{العدوان} بضم العين: الظلم وهو ما يدبرونه من الكيد للمسلمين. ومعصيةُ الرسول مخالفة ما يأمرهم به ومن جملة ذلك أنه نهاهم عن النجوى وهم يعودون لها. والياء للملابسة، أي يتناجون ملابسين الإِثم والعدوان ومعصية الرسول وهذه الملابسة متفاوتة. فملابسة الإِثم والعدوان ملابسة المتناجَى في شأنه لفعل المناجين. وملابسة معصية الرسول صلى الله عليه وسلم ملابسة المقارنة للفعل، لأن نجواهم بعد أن نهاهم النبي صلى الله عليه وسلم عنها معصية وفي قوله: {نهوا عن النجوى} وقوله: {ومعصيت الرسول} دلالة على أنهم منافقون لا يهود لأن النبي صلى الله عليه وسلم ما كان ينهَى اليهود عن أحوالهم. وهذا يرد قول من تأول الآية على اليهود وهو قول مجاهد وقتادة، بل الحق ما في ابن عطية عن ابن عباس أنها نزلت في المنافقين. {وَإِذَا جَآءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ ٱللَّهُ وَيَقُولُونَ فِىۤ أَنفُسِهِمْ لَوْلاَ يُعَذِّبُنَا ٱللَّهُ بِمَا نَقُولُ حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ}. بعد أن ذكر حالهم في اختلاء بعضهم ببعض ذكر حال نياتهم الخبيثة عند الحضور في مجلس النبي صلى الله عليه وسلم فإنهم يتتبعون سوء نياتهم من كلمات يتبادر منها للسامعين أنها صالحة فكانوا إذا دخلوا على النبي صلى الله عليه وسلم يخفتون لفظ «السلام عليكم» لأنه شعار الإِسلام ولما فيه من جمع معنى السلامة يَعدلون عن ذلك ويقولون: أَنْعِم صباحاً، وهي تحية العرب في الجاهلية لأنهم لا يحبون أن يتركوا عوائد الجاهلية. نقله ابن عطية عن ابن عباس. فمعنى {بما لم يحيك به الله}، بغير لفظ السلام، فإن الله حيّاه بذلك بخصوصه في قوله تعالى: {أية : يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليماً}تفسير : [الأحزاب: 56]. وحيّاه به في عموم الأنبياء بقوله: {أية : قل الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى}تفسير : [النمل: 59] وتحية الله هي التحية الكاملة. وليس المراد من هذه الآية ما ورد في حديث: أن اليهود كانوا إذا حيّوا النبي صلى الله عليه وسلم قالوا: السّامّ عليك، وأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يرد عليهم بقوله: «وعليكم». فإن ذلك وارد في قوم معروف أنهم من اليهود. وما ذكر أول هذه الآية لا يليق حمله على أحوال اليهود كما علمت آنفاً ولو حمل ضمير {جاءوك} على اليهود لزم عليه تشتيت الضمائر. أما هذه الآية ففي أحوال المنافقين، وهذا مثل ما كان بعضهم يقول للنبي صلى الله عليه وسلم {أية : رَاعِنا}تفسير : [البقرة: 104] تعلّموها من اليهود وهم يريدون التوجيه بالرعونة فأنزل الله تعالى: {أية : يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا واسمعوا وللكافرين عذاب أليم}تفسير : [البقرة: 104] ولم يُرد منه نهي اليهود. ومعنى {يقولون في أنفسهم} يقول بعضهم لبعض على نحو قوله تعالى: {أية : فإذا دخلتم بيوتاً فسلّموا على أنفسكم}تفسير : [النور: 61]. وقوله: {أية : ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيراً}تفسير : [النور: 12]، أي ظن بعضهم ببعض خيراً، أي يقول بعضهم لبعض. ويجوز أن يكون المراد بـ {أنفسهم} مجامعهم كقوله تعالى: {أية : وقل لهم في أنفسهم قولاً بليغاً}تفسير : [النساء: 63]، أي قل لهم خالياً بهم ستراً عليهم من الافتضاح. وتقدم في سورة النساء [63] و{لولا} للتحضيض، أي هلا يعذبنا الله بسبب كلامنا الذي نتناجى به من ذم النبي صلى الله عليه وسلم ونحو ذلك، أي يقولون ما معناه لو كان محمد نبيئاً لعذبنا الله بما نقوله من السوء فيه ومن الذم وهو ما لخصه الله من قولهم بكلمهِ {لولا يعذبنا الله} فإن {لولا} للتحْضيض مستعملة كناية عن جحد نبوءة النبي صلى الله عليه وسلم أي لو كان نبيئاً لغضب الله علينا فلعذبنا الآن بسبب قولنا له. وهذا خاطر من خواطر أهل الضلالة المتأصلة فيهم، وهي توهمهم أن شأن الله تعالى كشأن البشر في إسراع الانتقام والاهتزاز مما لا يرضاه ومن المعاندة. وفي الحديث: «حديث : لا أحد أصبر على أذىً يسمعه من الله، يدعون له نِدّاً وهو يرزقهم على أنهم لجحودهم بالبعث والجزاء يحسبون أن عقاب الله تعالى يظهر في الدنيا»تفسير : . وهذا من الغرور قال تعالى: {أية : وذلكم ظنكم الذي ظننتم بربكم أرداكم فأصبحتم من الخاسرين}تفسير : [فصلت: 23]، ولذلك قال تعالى رداً على كلامهم {حسبهم جهنم} أي كافيهم من العذاب جهنم فإنه عذاب. وأصل {يَصْلَونَها} يصْلَون بها، فضمّن معنى يذوقونها أو يحسونها وقد تكرر هذا الاستعمال في القرآن. وقوله: {فبئس المصير} تفريع على الوعيد بشأن ذم جهنم.
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ نُهُواْ عَنِ ٱلنَّجْوَىٰ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ وَيَتَنَاجَوْنَ بِٱلإِثْمِ وَٱلْعُدْوَانِ}. قد قدمنا الكلام عليه مع بيان الفرق بين النجوى بالخير، والنجوى بالإثم والعدوان في سورة النساء في الكلام على قوله تعالى {أية : لاَّ خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاَحٍ بَيْنَ ٱلنَّاسِ }تفسير : [النساء: 114].
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 8- ألم تر - أيها الرسول - هؤلاء الذين نُهوا عن المسارة فيما بينهم بما يثير الشك فى نفوس المؤمنين، ثم يرجعون إلى ما نهوا عنه، ويتسارون فيما بينهم بالذنب يقترفونه، والعدوان يعتزمونه، ومعصيتهم لرسول الله، وإذا جاءوك حيوك بقول محرف لم يحيِّك به الله، ويقولون فى أنفسهم: هلا يعذبنا الله بما نقول إن كان رسولا حقاً؟ حسبهم جهنم يدخلونها ويحترقون بنارها، فبئس المآل مآلهم. 9- يا أيها الذين صدَّقوا بالله ورسوله: إذا تناجيتم فلا تتناجوا بالذنب والاعتداء ومخالفة الرسول، وتناجوا متواصين بالخير والتحرز عن الآثام، وخافوا الله الذى إليه - لا إلى غيره - تساقون بعد بعثكم. 10- إنما التناجى المثير للشك من تزْيين الشيطان ليُدخل الحزن على قلوب المؤمنين، وليس ذلك بضارهم شيئاً إلا بمشيئة الله، وعلى الله - وحده - فليعتمد المؤمنون. 11- يا أيها الذين صدَّقوا بالله ورسوله: إذا طلب منكم أن يوسع بعضكم فى المجالس لبعض فأوسعوا يوسع الله لكم، وإذا طلب منكم أن تنهضوا من مجالسكم فانهضوا. يُعْلِ الله مكانة المؤمنين المخلصين والذين أوتوا العلم درجات والله بما تعملون خبير.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: ألم تر إلى الذين نهوا عن النجوى: أي المسارة الكلامية والمنهيون هم اليهود والمنافقون. ثم يعودون لما نهوا: أي من التناجي تعمداً لأذية المؤمنين بالمدينة. ويتناجون بالإِثم والعدوان: أي بما هو إثم في نفسه، وعداوة الرسول والمؤمنين. ومعصية الرسول: أي يتناجون فيوصي بعضهم بعضاً بمعصية الرسول وعدم طاعته. وإذا جاءوك حيوك: أي جاءوك أيها النبي حيوك بقولهم السام عليك. بما لم يحيك به الله: أي حيوك بلفظ السام عليك، وهذا لم يحيي الله به رسوله بل حياه بلفظ السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته. ويقولون في أنفسهم: أي سراً فيما بينهم. لولا يعذبنا الله بما نقول: أي هلا يعذبنا الله بما نقول له، فلو كان نبياً لعاجلنا الله بالعقوبة. حسبهم جهنم يصلونها: أي يكفيهم عذاب جهنم يصلونها فبئس المصير لهم. فلا تتناجوا بالإِثم والعدوان: أي فلا يناج بعضكم بما هو إثم ولا بما هو عدوان وظلم ولا بما هو معصية للرسول. وتناجوا بالبر والتقوى: أي وتناجوا إن أردتم ذلك بالبر أي الخير والتقوى وهي طاعة الله والرسول. إنما النجوى من الشيطان: أي إنما النجوى بالإِثم والعدوان من الشيطان أي بتغريره. ليحزن الذين آمنوا: أي ليوهمهم أنها بسبب شيء وقع مما يؤذيهم. وليس بضارهم شيئاً إلا بإذن الله: ألا وليس التناجي بضار المؤمنين شيئاً إلا بإرادة الله تعالى. وعلى الله فليتوكل المؤمنون: أي وعلى الله لا على غيره يجب أن يتوكل المؤمنون. معنى الآيات: قوله تعالى {أَلَمْ تَرَ} الآية.. هذه نزلت في يهود المدينة والمنافقين فيها. إذ كانوا يتناجون أي يتحدثون سرّاً على مرأىً من المؤمنين، والوقت وقت حرب فيوهمون المؤمنين إن عدواً قد عزم على غزوهم، أو أن سرية هزمت أو أن مؤامرة تحاك ضدهم فنهاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم عن التناجي، وقال حديث : لا يتناج اثنان دون ثالث تفسير : وأبوا إلا أن يتناجوا فأنزل الله تعالى هذه الآية يعجب رسوله منهم ويوعدهم بعد فضحهم وكشف الستار عن كيدهم للمؤمنين ومكرهم بهم فقال تعالى لرسول ألم تر إلى الذين نهوا عن النجوى وهي التناجى المحادثة السرية أمام الناس، ثم يعودون لما نهوا عنه عصياناً وتمرداً عن الرسول صلى الله عليه وسلم، ويتناجون لا بالبر والتقوى، ولكن بالإِثم والعدوان ومعصيت الرسول أي بما هو إثم في نفسه كالغيبة والبذاء في القول، وبالعدوان وهو الاعتداء على المؤمنين وظلمهم، وبمعصية الرسول فيوصي بعضهم بعضاً بعصيان الرسول وعدم طاعته في أمره ونهيه. هذا وشرٌّ منه أنهم إذا جاءوا رسول الله صلى الله عليه وسلم حيَّوه بما لم يحيه به الله فلم يقولوا السلام عليكم ولكن يقولون السام عليكم والسام الموت يلوون بها ألسنتهم، ويأتون الرسول واحداً واحداً ليحيوه بهذه التحية الخبيثة ليدعوا عليه بالموت لعنة الله عليهم ما أكثر أذاهم وما أشد مكرهم وما أنتن خبثهم ويقولون في أنفسهم أي فيما بينهم لو كان محمد نبياً لآخذنا الله بما نقول له من الدعاء عليه بالموت وهذا معنى قوله تعالى عنهم: {وَيَقُولُونَ فِيۤ أَنفُسِهِمْ لَوْلاَ يُعَذِّبُنَا ٱللَّهُ بِمَا نَقُولُ} أي هلاَّ عذبنا الله بما نقول لمحمد صلى الله عليه وسلم لو كان نبياً. قال تعالى حسبهم عذاباً جهنم يصلونها يحترقون بحرها ولظاها يوم القيامة فبئس المصير الذي يصيرون إليه في الدار الآخرة جهنم وزقومها وحميمها وضريعها وغسلينها ويحمومها وفوق ذلك غضب الله ولعنته عليهم. وقوله تعالى {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِذَا تَنَاجَيْتُمْ} هذه الآية والتي بعدها نزلت في تربية المؤمنين روحياً وتهذيبهم أخلاقياً فقال تعالى يا أيها الذين آمنوا أي صدقوا الله ورسوله إذا تناجيتم لأمر استدعى ذلك منكم فلا تتناجوا بالإِثم والعدوان ومعصية الرسول فتكون حالكم كحال اليهود والمنافقين ولكن {وَتَنَاجَوْاْ بِٱلْبِرِّ وَٱلتَّقْوَىٰ} أي بما هو خير في نفسه لا إثم فيه وبطاعة الله ورسوله إذ هما التقوى، واتقوا الله الذي إليه تحشرون يوم القيامة لمحاسبتكم ومجازاتكم فاتقوه بطاعته وطاعة رسوله. وقوله تعالى: {إِنَّمَا ٱلنَّجْوَىٰ مِنَ ٱلشَّيْطَانِ} أي هو الدافع إليها والحامل عليها وذلك لعلة وهي أن يوقع المؤمنين في غم وحزن، وليس التناجي ولا الشيطان بضار المؤمنين شيئاً إلا بإرادة الله تعالى لحكم عالية يعلمها الله، ولذا فلا تحزنوا ولا تغتموا لما ترون من تناجى أعدائكم من اليهود والمنافقين، وتوكلوا على الله في أموركم كلها. وعلى الله تعالى لا على غيره فليتوكل المؤمنون في كل زمان ومكان. فإن الله تعالى كافٍ من يتوكل عليه كافيه كل ما يهمه والله على ذلك قدير. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- بيان مكر اليهود والمنافقين وكيدهم للمؤمنين في كل زمان ومكان. 2- إذا حيا الكافرُ المؤمنَ ورد عليه المؤمنُ رد عليه بقوله وعليكم لما صح أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل عليه ناس من اليهود فقالوا السام عليك يا أبا القاسم فقال صلى الله عليه وسلم وعليكم. فقالت عائشة رضي الله عنها عليكم السام ولعنكم الله وغضب عليكم. فقال لها عليه الصلاة والسلام يا عائشة عليك بالرفق وإياك والعنف والفحش فقالت ألا تسمعهم يقولون السام؟ فقال لها أو ما سمعت ما أقول: وعليكم. فأنزل الله هذه الآية رواه الشيخان. 3- إذا سلم الذميّ وكان سلامه بلفظ السلام عليكم لا بأس أن يرد عليه بلفظه. 4- حرمة التناجي بغير البر والتقوى لقوله تعالى إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس الآية من سورة النساء. 5- لا يجوز أن يتناجى اثنان دون الثالث لما يوقع ذلك في نفس الثالث من حزن لا سيما إن كان ذلك في سفر أو في حرب وما إلى ذلك. 6- وجوب التوكل على الله وترك الأوهام والوساوس فإنها من الشيطان.
د. أسعد حومد
تفسير : {وَيَتَنَاجَوْنَ} {ٱلْعُدْوَانِ} {مَعْصِيَتِ} {جَآءُوكَ} (8) - كَانَ بَيْنَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَبَيْنَ يَهُودِ المَدِينَةِ مُوَادَعَةٌ، وَكَانَ اليَهُودُ إِذَا مَرَّ أَحَدٌ مِنَ المُسْلِمِينَ جَلَسُوا يَتَنَاجَوْنَ فِيمَا بَيْنَهُمْ، حَتَّى لَيَظُنَّ المُؤْمِنُ أَنَّهُمْ إِنَّمَا يَتَنَاجَوْنَ بِقَتْلِهِ، أَوْ بِمَا يَكْرَهُ، فَإِذَا رَأَى المُؤْمِنُ ذَلِكَ خَشِيَهُمْ فَتَرَكَ طَرِيقَهُ عَلَيْهِمْ، فَنَهَاهُمُ رَسُولُ اللهِ صلى اللهِ عليه وسلم عَنِ النَّجْوَى فَلَمْ يَنْتَهُوا، وَعَادُوا إِلى النَّجْوَى، فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى هَذِهِ الآيَةَ يُبَيِّنُ لِرَسُولِهِ مَا يَتَنَاجَوْنَ بِهِ، فَقَالَ لَهُ إِنَّهُمْ يَتنَاجَوْنَ بِمَا هُوَ إِثْمٌ فِي نَفْسِهِ، وَبِمَا هُوَ وَبَالٌ عَلَيْهِمْ، وَبِمَا هُوَ تَعَد عَلَى المُؤْمِنينَ، وَتَوَاصٍ بِمُخَالَفَةِ النَّبِيِّ. وَدَخَلَ نَفَرٌ مِنَ اليَهُودِ عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَقَالُوا: السَّامُ عَلَيْكَ يَا أَبَا القَاسِمِ، فَقَالَ النَّبِيُّ: (وَعَلَيْكُمُ). وَكَانَ هَذَا النَّفَرُ مِنَ اليَهُودِ يَقْصدُ بِقَوْلِهِ هَذَا الإسَاءَةَ إِلَى الرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم، والدُّعَاءَ عَلَيهِ، فَفَضَحَهُمْ اللهُ، وَكَشَفَ أَسْتَارَهُمْ. ثُمَّ ذَكَرَ اللهُ تَعَالَى لِرَسُولِهِ الكَرِيمِ، انَّهُمْ كَانُوا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ، وَيُحَدِّثُونَ أَنْفُسَهُمْ بِأَنَّ مُحَمَّداً لَوْ كَانَ نَبِيّاً حَقّاً لَعَذَّبَهُمُ اللهُ فِي الدُّنْيَا بِمَا يَقُولُونَ، لأَِنَّ اللهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ. وَرَدَّ اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِمْ: قَائِلاً إِنَّ جَهَنَّمَ كَافِيَةٌ لِعِقَابِهِمْ وَعَذَابِهِمْ، وَهِيَ بِئْسَ المَقَرُّ وَالمَصِيرُ لَهُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ. لَوْلاَ يُعَذَّبُنَا - هَلاَّ يُعَذِّبُنَا. حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ - كَافِيهِمْ جَهَنَّمُ عَذَاباً. يَصْلَوْنَهَا - يَدْخُلُونَهَا أَوْ يُقَاسُونَ حَرَّهَا.
الثعلبي
تفسير : {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ نُهُواْ عَنِ ٱلنَّجْوَىٰ} الآية قال ابن عباس: نزلت في اليهود والمنافقين وذلك أنّهم كانوا يتناجون فيما بينهم دون المؤمنين، وينظرون إلى المؤمنين ويتغامزون بأعينهم، فإذا رأى المؤمنون نجواهم قالوا: ما نراهم إلاّ وقد بلغهم عن أقربائنا وإخواننا الذين خرجوا في السرايا قتل أو موت أو مصيبة أو هزيمة، فيقع ذلك في قلوبهم ويحزنهم، فلا يزالون كذلك حتى يقدم أصحابهم وأقرباؤهم. فلمّا طال ذلك وكثر شكوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمرهم ألاّ يتناجوا دون المسلمين فلم ينتهوا عن ذلك، وعادوا إلى مناجاتهم، فأنزل الله سبحانه هذه الآية. وقال مقاتلان: أنزلت في اليهود، وكانت بينهم وبين النبي صلى الله عليه وسلم موادعة، فإذا مرّ بهم رجل من أصحاب النبيّ صلى الله عليه وسلم (عليه السلام) جلسوا يتناجون فيما بينهم حتى ينظر المؤمن أنّهم يتناجون بقتله أو بما يكره، فينزل الطريق عليهم من المخافة، فبلغ ذلك النبي (عليه السلام) فنهاهم عن النجوى فلم ينتهوا وعادوا إلى النجوى، فأنزل الله سبحانه هذه الآية. وقال ابن زيد: كان الرجل يأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم يسأله الحاجة ليُريَ الناس أنّه قد ناجى فيقول لهم: إنّما يتناجون في حرب حضرت، أو جمع قد جمع لكم، أو أمر مهمّ قد وقع، فأنزل الله سبحانه: {ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ} أي يرجعون إلى المناجاة التي نهوا عنها {وَيَتَنَاجَوْنَ}، قرأ يحيى والأعمش وحمزة (ينتجون) على وزن (يفتعلون)، وقرأ الباقون (يَتَنَاجَوْنَ)على وزن (يتفاعلون)، واختاره أبو عبيد وأبو حاتم لقوله: {بِٱلإِثْمِ وَٱلْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ ٱلرَّسُولِ} و ولم يقل (أنتجيتم) و( انتجوا). {إِذَا تَنَاجَيْتُمْ} وقرأ الضحّاك: (ومعصيات الرسول) فيهما بالجمع {تناجوا} وذلك حديث : أنّ اليهود كانوا يدخلون على ر سول الله صلى الله عليه وسلم فيقولون: السام عليك. فيرد عليهم رسول الله: "وعليكم". ولا يدري ما يقولون، والسام الموت، فإذا خرجوا قالوا: لو كان نبيّاً لعُذّبنا واستجيب فينا وعرف قولنا. فدخلوا عليه ذات يوم وقالوا: السام عليك. ففطنت عائشة رضي الله عنه إلى قولهم وقالت: وعليكم السام والذام والداء واللعنة. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "مَه يا عائشة، إنّ الله عزّ وجلّ يحبّ الرفق في الأمر كلّه ولا يحبّ الفحش والتفحّش". فقالت: يا رسول الله، ألم تسمع ما قالوا؟، فقال رسول الله (عليه السلام): "ألم تسمعي ما رددت عليهم؟". فأنزل الله هذه الآية، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إذا سلّم عليكم أهل الكتاب فقولوا: وعليكم" . تفسير : ثم نهى المؤمنين أن يتناجوا فيما بينهم كفعل المنافقين واليهود فقال: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلاَ تَتَنَاجَوْاْ}، قراءة العامّة بالألف، وروى أويس عن يعقوب: (فلا تتنجوا) من الانتجاء. {بِٱلإِثْمِ وَٱلْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ ٱلرَّسُولِ } كفعل المنافقين واليهود {وَتَنَاجَوْاْ بِٱلْبِرِّ وَٱلتَّقْوَىٰ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ٱلَّذِيۤ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ * إِنَّمَا ٱلنَّجْوَىٰ مِنَ ٱلشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَلَيْسَ} التناجي {بِضَآرِّهِمْ شَيْئاً إِلاَّ بِإِذْنِ ٱللَّهِ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ} أخبرنا عبد الله بن حامد قال: أخبرنا محمّد بن جعفر قال: حدّثنا حمّاد بن الحسن قال: حدّثنا عبيد الله قال: حدّثنا الأعمش، عن سفيان عن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : إذا كنتم ثلاثة فلا يتناجَ اثنان دون (صاحبهما)؛ فإنّ ذلك يحزنه ". تفسير : أخبرنا محمّد بن حمدون قال: أخبرنا مكّي قال: أخبرنا عبد الله بن بشر قال: حدّثنا سفيان عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : لا يتناجَ اثنان دون الثالث ". تفسير : {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُواْ} الآية، قال قتادة: كانوا يتنافسون في مجلس النبيّ صلى الله عليه وسلم (عليه السلام)، وكانوا إذا رأوا من جاءهم مقبلا ضنّوا بمجلسهم عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمرهم الله أن يفسح بعضهم لبعض. وقال (المقاتلان): حديث : كان النبي (عليه السلام) في الصفّة وفي المكان ضيق وذلك يوم الجمعة، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكرم أهل بدر من المهاجرين الأنصار، فجاء أناس من أهل بدر وفيهم ثابت بن قيس بن شماس، وقد سبقوا في المجلس، فقاموا حيال النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: السلام عليكم أيّها النبّي ورحمة الله. فردّ عليهم النبي (عليه السلام) ثم سلّموا على القوم بعد ذلك، فردّوا عليهم، فقاموا على أرجلهم ينتظرون أن يوسّع لهم، فعرف النبي (عليه السلام) ما يحملهم على القيام فلم يفسحوا لهم، فشقّ ذلك على النبيّ صلى الله عليه وسلم فقال لمن حوله من المهاجرين والأنصار والتابعين من غير أهل بدر: "قم يا فلان وأنت يا فلان". فأقام من المجلس بقدر النفر الذين قاموا بين يديه من أهل بدر، فشقّ ذلك على من أُقيم من مجلسه، وعرف النبيّ صلى الله عليه وسلم (عليه السلام) الكراهية في وجوهم، فقال المنافقون للمسلمين: ألستم تزعمون أنّ صاحبكم يعدل بين الناس؟ فوالله ما عدل على هؤلاء، أنّ قوماً أخذوا مجالسهم وأحبّوا القرب من نبيّهم فأقامهم وأجلس من أبطأ عنه مقامهم، فأنزل الله سبحانه هذه الآية . تفسير : وقال الكلبي: نزلت في ثابت بن قيس بن الشماس وقد ذكرت هذه القصّة في سورة الحجرات فأنزل الله عزّ وجلّ في الرجل الذي لم يتفّسح له {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُواْ}: توسّعوا، ومنه قولهم: مكان فسيح إذا كان واسعاً في المجلس. قرأ السلمي والحسن وعاصم (فِي ٱلْمَجَالِسِ) بالألف على الجمع، وقرأ قتادة: (تفاسحوا) بالألف فيهما، وقرأ الآخرون (تَفَسَّحُواْ) (في المجْلس) يعنون مجلس النبيّ صلى الله عليه وسلم واختاره أبو حاتم وأبو عبيد قال: لأنّه قراءة العامّة، مع أن المجلس يؤدي معناه عن المجالس كلّها من مجلس النبيّ صلى الله عليه وسلم (عليه السلام) وغيره. أخبرنا ابن فنجويه قال: حدّثنا القطيعي قال: حدّثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل قال: حدّثنا أبي قال: حدّثنا عبد الملك بن عمرو قال: حدّثنا فليح، عن أيوب بن عبد الرحمن بن صعصعة [الأنصاري، عن يعقوب] بن أبي يعقوب، عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : لا يقم الرجل من مجلسه ثم يجلس فيه ولكن افسحوا يفسح الله لكم ". تفسير : وقال أبو العالية والقرظي: هذا في مجالس الحرب ومقاعد القتال، كان الرجل يأتي القوم في الصّف فيقول لهم: توسّعوا، فيأبون عليه لحرصهم على القتال، فأمرهم الله سبحانه أن يفسح بعضهم لبعض. وهذه رواية العوفي عن ابن عباس. قال الحسن: بلغني أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا قاتل المشركين وصفّ أصحابه للقتال تشاحّوا على الصف الأوّل ليكونوا في أوّل غارة القوم، فكان الرجل منهم يجيء إلى الصّف الأوّل فيقول لإخوانه: توسّعوا لي؛ ليلقى العدوّ ويصيب الشهادة، فلا يوسّعون له رغبة منهم في الجهاد والشهادة، فأنزل الله سبحانه هذه الآية. {وَإِذَا قِيلَ ٱنشُزُواْ فَانشُزُواْ} قرأ عاصم وأهل المدينة والشام بضم الشينين، وقرأ الآخرون بكسرهما. وهما لغتان، يعني وإذا قيل لكم: قوموا وتحرّكوا وارتفعوا وتوسّعوا لإخوانكم فافعلوا. وقال أكثر المفسّرين: معناه: وإذا قيل لكم: انهضوا إلى الصلاة والجهاد والذكر وعمل الخير أي حق كان فانشزوا ولا تقصّروا. قال عكرمة والضحاك: يعني إذا نودي للصلاة فقوموا لها، وذلك أن رجالا تثاقلوا عن الصلاة إذا نودي لها، فأنزل الله سبحانه هذه الآية. وقال ابن زيد: هذا في بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وذلك أن كلّ رجل منهم كان يحبّ أن يكون آخر عهده رسول الله، فقال الله سبحانه: {وَإِذَا قِيلَ ٱنشُزُواْ} عن النبيّ صلى الله عليه وسلم وأنّ له حوائج {فَانشُزُواْ} ولا تطلبوا المكث عنده {يَرْفَعِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ مِنكُمْ} بطاعتهم رسول الله وقيامهم من مجالسهم وتفسّحِهم لإخوانهم {وَٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ} منهم بفضل علمهم وسابقتهم {دَرَجَاتٍ} فأخبر الله سبحانه أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم مصيب فيما أُمر وأنّ أولئك المؤمنين مثابون فيما ائتمروا، وأنّ النفر من أهل بدر مستحقّون لما عوملوا من الإكرام {وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ}. وأخبرنا عبد الله بن حامد قال: أخبرنا أبو عبد الله محمّد بن عامر البلخي قال: حدّثنا القاسم ابن عبّاد قال: حدّثنا صالح بن محمّد الترمذي قال: حدّثنا المسيّب بن شريح، عن أبي بكر الهذلي، عن الحسن قال: قرأ ابن مسعود هذه الآية {يَرْفَعِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ مِنكُمْ وَٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ دَرَجَاتٍ} فقال: أيّها الناس، افهموا هذه الآية ولِتَرَغّبكم في العلم فإن الله سبحانه يقول: يرفع الله المؤمن العالم فوق الذي لا يعلم درجات. وأنبأني عبد الله بن حامد قال: أخبرنا أبو بكر أحمد بن إسحاق الفقيه قال: أخبرنا صالح ابن مقاتل، عن أبي الزبير، عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : فضل العالم على الشهيد درجة، وفضل الشهيد على العابد درجة، وفضل النبيّ صلى الله عليه وسلم على العالم درجة، وفضل القرآن على سائر الكلام كفضل الله على خلقه، وفضل العالم على سائر الناس كفضلي على أدناهم". تفسير : وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : من جاءته منّيته وهو يطلب العلم فبينه وبين الأنبياء درجة واحدة ".
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {وَإِذَا جَآءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ ٱللَّهُ} وهو قولُ اليَهودِ: سامٌ عليكم.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : النجوى هي: التناجي بين اثنين فأكثر، وقد تكون في الخير، وتكون في الشر. فأمر الله تعالى المؤمنين أن يتناجوا بالبر، وهو اسم جامع لكل خير وطاعة، وقيام بحق لله ولعباده والتقوى، وهي [هنا]: اسم جامع لترك جميع المحارم والمآثم، فالمؤمن يمتثل هذا الأمر الإلهي، فلا تجده مناجيا ومتحدثا إلا بما يقربه من الله، ويباعده من سخطه، والفاجر يتهاون بأمر الله، ويناجي بالإثم والعدوان ومعصية الرسول، كالمنافقين الذين هذا دأبهم وحالهم مع الرسول صلى الله عليه وسلم. قال تعالى { وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ } أي: يسيئون الأدب معك في تحيتهم لك، { وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ } أي: يسرون في أنفسهم ما ذكره عالم الغيب والشهادة عنهم، وهو قولهم: { لَوْلا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ } ومعنى ذلك أنهم يتهاونون بذلك، ويستدلون بعدم تعجيل العقوبة عليهم، أن ما يقولون غير محذور، قال تعالى في بيان أنه يمهل ولا يهمل: { حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمَصِيرُ } أي: تكفيهم جهنم التي جمعت كل شقاء وعذاب [عليهم]، تحيط بهم، ويعذبون بها { فَبِئْسَ الْمَصِيرُ } وهؤلاء المذكورون إما أناس من المنافقين يظهرون الإيمان، ويخاطبون الرسول صلى الله عليه وسلم بهذا الخطاب الذي يوهمون أنهم أرادوا به خيرا وهم كذبة في ذلك، وإما أناس من أهل الكتاب، الذين إذا سلموا على النبي صلى الله عليه وسلم، قالوا: "السام عليك يا محمد" يعنون بذلك الموت.
النسائي
تفسير : قولهُ: {وَإِذَا جَآءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ ٱللَّهُ} [8] 591 - أخبرنا يُوسف بن عيسى، قال: أخبرنا الفضلُ بن موسى، قال: أخبرنا الأعمشُ، عن مُسلمٍ، عن مسروقٍ، عن عائشة، قالت: حديث : دخل يهوديُّ على النبي صلى الله عليه وسلم فقال: السَّامَ عليكَ، فقال النبيَّ صلى الله عليه وسلم: "وعليكَ" [فقالت عائشةُ: وعليك] السَّامُ وغضبُ اللهِ (قال): فخرج اليهوديُّ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "يا عائشة إنَّ الله (تبارك وتعالى) لا يُحبُّ الفاحشَ المتفحشَ، قالت: يا رسول اللهِ، أما تدري ما (قال)، قال: "وما قال؟" قالت: قال السَّامُ عليكَ فهو (قولُهُ) {وَإِذَا جَآءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ ٱللَّهُ} قال: فخرج اليهوديُّ وهو يقولُ بينهُ وبين نفسهِ، فأنزل اللهُ عزَّ وجلَّ {وَيَقُولُونَ فِيۤ أَنفُسِهِمْ لَوْلاَ يُعَذِّبُنَا ٱللَّهُ بِمَا نَقُولُ حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ [يَصْلَوْنَهَا] فَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ} . تفسير : 592 - أخبرنا سعيدُ بنُ عبد الرحمنِ، قال: حدثنا سفيان، عن الزُّهري، عن عروةَ، عن عائشة، حديث : أن رهطاً من اليهودِ دخلوا على النبي صلى الله عليه وسلم، فقالوا: السَّامُ عليك، قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: عليكم، قالت عائشة: فقلتُ: بل عليكم السَّامُ واللَّعنةُ، قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: "يا عائشةُ، إن الله يُحبُّ الرِّفق في الأمر كُلِّهِ، قالت عائشةُ: فقلتُ: يا رسول اللهِ، ألم تسمع ما قالوا، قال: "قلتُ عليكم "/ تفسير : ذيل التفسير قوله تعالى: [{أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ نُهُواْ عَنِ ٱلنَّجْوَىٰ} [8]] 24/ 759- أخبرني عمران بن بكَّار، قال: حدثنا أبو اليَمَان، قال: أخبرنا شعيب، عن الزُّهري، أخبرني عروة، أن عائشة قالت: حديث : دخل رجل من اليهود على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: السَّام عليكم، فقال: وعليكم، ففهمتُها فقلت: السَّام عليكم واللعنة. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يا عائشة عليك بالرِّفق، فإن الله يحبُّ الرِّفق في الأمر كله". قلت: يا رسول الله! ألم ترَ إلى ما قال؟ السَّام عليكم. قال: "قد قلت: وعليكم ". تفسير : 25/ 760- أخبرنا عبيد الله بن سعد بن إبراهيم بن سعد، حدثنا عمي، قال: أخبرنا عن صالح، عن ابن شهاب، أخبرني عروة، أن عائشة قالت: حديث : دخل رهط من اليهود على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: السَّام عليكم، ففهمتها فقلت: السَّام عليكم واللعنة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مهلا يا عائشة، إن الله يحب الرفق في الأمر كله" قلت: يا رسول الله ألم تسمع ما قالوا؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "قد قلت: عليكم ". تفسير : 26/ 761- أخبرنا إسحاق بن إبراهيم، قال: أخبرنا عبد الرَّزاق، قال: حدثنا معمر، عن الزُّهري، عن عروة، عن عائشة، قالت: حديث : دخل رجل من اليهود على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: السَّام عليكم، فقال: "وعليكم" ففهمتها فقلت: السَّام عليكم واللعنة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يا عائشة عليك بالرفق، فإن الله يحبُّ الرفق في الأمر كله" قلت: يا رسول الله ألم تر إلي ما قال؟ السَّام عليكم؟ قال: "قد قلت: وعليكم ".
همام الصنعاني
تفسير : 3171- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ ٱللَّهُ}: [الآية: 8]، قال: كانت الْيَهُودُ يقولُونَ: سَامٌ عَلَيْكَ، للنبي صلى الله عليه وسلم. 3172- عبد الرزاق، عن معمر، عن الزّهري، عن عروة، عن عائشة: حديث : أَنَّ رَهْطاً من اليهود دخلوا على النبي صلى الله عليه وسلم، فقالوا: السَّامُ عليك، قالت عائشة: فَفَطِنْتُ إلى قولهم فَقُلْتُ: عليك السَّامُ واللعنة. فقال لها: "مَهْلاً يا عائشة، إنَّ الله يُحِبُّ الرِّفْقَ في الأَمْرِ كُلِّه" فقالت: يا نبي الله، أوَلَمْ تسمع ما يقولونَ؟ قال: "أَفَلَم تَسْمَعِيني أُرَدّدُ ذلك عليهم؟ فأقول: عليكم ". تفسير : 3173- حدثنا عبد الرَّزَاق، عن جعفر بن بُرْقان الجزري، أنه حَدَّث بهذا الحديث، إلا أنه قال عند قوله: "حديث : مهلاً يا عائشة، فَإنَّ الفُحْشَ لَوْ كَانَ رَجُلاً، كَانَ رَجُلَ سُوءٍ ".
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):