Verse. 5113 (AR)

٥٨ - ٱلْمُجَادِلَة

58 - Al-Mujadila (AR)

يٰۗاَيُّہَا الَّذِيْنَ اٰمَنُوْۗا اِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلَا تَتَـنَاجَوْا بِالْاِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُوْلِ وَتَنَاجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوٰى۝۰ۭ وَاتَّقُوا اللہَ الَّذِيْۗ اِلَيْہِ تُحْشَرُوْنَ۝۹
Ya ayyuha allatheena amanoo itha tanajaytum fala tatanajaw bialithmi waalAAudwani wamaAAsiyati alrrasooli watanajaw bialbirri waalttaqwa waittaqoo Allaha allathee ilayhi tuhsharoona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«يا أيها الذين آمنوا إذا تناجيتم فلا تتناجوا بالإثم والعدوان ومعصية الرسول وتناجوا بالبر والتقوى واتقوا الله الذي إليه تحشرون».

9

Tafseer

الرازي

تفسير : قوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلاَ تَتَنَـٰجَوْاْ بِٱلإثْمِ وَٱلْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَةِ ٱلرَّسُولِ وَتَنَـٰجَوْاْ بِٱلْبِرّ وَٱلتَّقْوَىٰ }. اعلم أن المخاطبين بقوله: {يا أيها الذين آمنوا } قولين، وذلك لأنا إن حملنا قوله فيما تقدم: {أية : أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ نُهُواْ عَنِ ٱلنَّجْوَىٰ } تفسير : [المجادلة: 8] على اليهود حملنا في هذه الآية قوله: {يا أيها الذين آمنوا } على المنافقين، أي يا أيها الذين آمنوا بألسنتهم، وإن حملنا ذلك على جميع الكفار من اليهود والمنافقين، حملنا هذا على المؤمنين، وذلك لأنه تعالى لما ذم اليهود والمنافقين على التناجي بالإثم والعدوان ومعصية الرسول، أتبعه بأن نهى أصحابه المؤمنين أن يسلكوا مثل طريقتهم، فقال: {فَلاَ تَتَنَـٰجَوْاْ بِٱلإثْمِ } وهو ما يقبح مما يخصهم {وَٱلْعُدْوَانِ } وهو يؤدي إلى ظلم الغير {ومعصية الرسول } وهو ما يكون خلافاً عليه، وأمرهم أن يتناجوا بالبر الذي يضاد العدوان وبالتقوى وهو ما يتقي به من النار من فعل الطاعات وترك المعاصي، واعلم أن القوم متى تناجوا بما هذه صفته قلت: مناجاتهم، لأن ما يدعو إلى مثل هذا الكلام يدعو إظهاره، وذلك يقرب من قوله: {أية : لاَّ خَيْرَ فِى كَثِيرٍ مّن نَّجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَـٰحٍ بَيْنَ ٱلنَّاسِ } تفسير : [النساء: 114] وأيضاً فمتى عرفت طريقة الرجل في هذه المناجاة لم يتأذ من مناجاته أحد. ثم قال تعالى: {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ٱلَّذِى إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ } أي إلى حيث يحاسب ويجازي وإلا فالمكان لا يجوز على الله تعالى.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِذَا تَنَاجَيْتُمْ} نهى المؤمنين أي يتناجوا فيما بينهم كفعل المنافقين واليهود فقال: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِذَا تَنَاجَيْتُمْ} أي تساررتم. {فَلاَ تَتَنَاجَوْاْ} هذه قراءة العامة. وقرأ يحيـى بن وثّاب وعاصم ورويس عن يعقوب «فلا تَنْتجُوا» من الانتجاء {بِٱلإِثْمِ وَٱلْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَةِ ٱلرَّسُولِ وَتَنَاجَوْاْ بِٱلْبِرِّ} أي بالطاعة {وَٱلتَّقْوَىٰ} بالعفاف عما نهى الله عنه. وقيل: الخطاب للمنافقين؛ أي يا أيها الذين آمنوا بزعمهم. وقيل: أي يا أيها الذين آمنوا بموسى. {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ٱلَّذِيۤ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ} أي تجمعون في الآخرة.

المحلي و السيوطي

تفسير : {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ إِذَا تَنَٰجَيْتُمْ فَلاَ تَتَنَٰجَوْاْ بِٱلإثْمِ وَٱلْعُدْوَانِ وَمَعْصِيتِ ٱلرَّسُولِ وَتَنَٰجَوْاْ بِٱلْبِرّ وَٱلتَّقْوَىٰ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ٱلَّذِى إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ }.

ابن عطية

تفسير : وصى الله تعالى المؤمنين في هذه الآية بأن لا يكون لهم تناج في مكروه، وذلك عام في جميع الناس إلى يوم القيامة. وخص "الإثم" بالذكر لعمومه {والعدوان} لعظمته في نفسه، إذ هي ظلامات العباد، وكذلك {معصية الرسول} ذكرها طعناً على المنافقين إذ كان تناجيهم في ذلك. وقرأ جمهور الناس: "فلا تتناجوا" على وزن تتفاعلوا، وقرأ ابن محيصن "تناجوا" بحذف التاء الواحدة. وقرأ بعض القراء: "فلا تّناجوا" بشد التاء لأنها أدغمت التاء في التاء، وقرأ الأعمش وأهل الكوفة: "فلا تنتجوا" على وزن تفتعلوا. والناس: على ضم العين من "العُدوان". وقرأها أبو حيوة بكسر العين حيث وقع. وقرأ الضحاك وغيره: "ومعصيات الرسول" على الجمع فيهما. ثم أمر بالتناجي {بالبر والتقوى}، وذكر بالحشر الذي معه الحساب ودخول أحد الدارين وقوله تعالى: {إنما النجوى}، ليست {إنما} للحصر ولكنها لتأكيد الخبر. واختلف الناس في {النجوى} التي هي {من الشيطان} التي أخبر عنها في هذه الآية، فقال جماعة من المفسرين أراد: {إنما النجوى} في الإثم والعدوان ومعصية الرسول {من الشيطان}، وقال قتادة وغيره: الإشارة إلى نجوى المنافقين واليهود، وقال عبد الله بن زيد بن أسلم: الإشارة إلى نجوى قوم من المسلمين كانوا يقصدون مناجاة النبي عليه السلام، وليس لهم حاجة ولا ضرورة إلى ذلك، وإنما كانوا يريدون التبجح بذلك، وكان المسلمون يظنون أن تلك النجوى في أخبار بعد وقاصد أو نحوه. قال القاضي أبو محمد: وهذان القولان يعضدهما ما يأتي من ألفاظ الآية، ولا يعضد القول الأول. وقال عطية العوفي في هذه الآية: نزلت في المنامات التي يراها المؤمن فتسوءه، وما يراه النائم فكأنه نجوى يناجى بها. قال القاضي أبو محمد: وهذا قول أجنبي من المعنى الذي قبله والذي بعده. وقرأ نافع وأهل المدينة: "ليُحزِن" بضم الياء وكسر الزاي، والفعل مسند إلى {الشيطان}، وقرأ أبو عمرو والحسن وعاصم وغيرهم: "ليَحزُن" بفتح الياء وضم الزاي، تقول حزُنت قلب الرجل: إذا جعلت فيه حزناً، فهو كقولك كحلت العين، وهو ضرب من التعدي، كأن المفعول ظرف. وقد ذكر سيبويه رحمه الله هذا النوع من تعدي الأفعال، وقرأ بعض الناس: "ليَحزَن" بفتح الياء والزاي. و: {الذين} على هذه القراءة رفع بإسناد الفعل إليهم، يقال حَزِن الرجل بكسر الزاي. ثم أخبر تعالى أن الشيطان أو التناجي الذي هو منه ليس بضار أحداً إلا أن يكون ضر بإذن الله أي بأمره وقدره. ثم أمر بتوكل المؤمنين عليه تبارك وتعالى: وهذا كله يقوي أن التناجي الذي من الشيطان إنما هو الذي وقع منه للمؤمنين خوف، وللخوف اللاحق للقلوب في هذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : لا يتناجى اثنان دون الثالث ".

الخازن

تفسير : قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إذا تناجيتم فلا تتناجوا بالإثم والعدوان ومعصية الرسول} في المخاطبين بهذه الآية قولان أحدهما أنه خطاب للمؤمنين وذلك أنه لما ذم اليهود والمنافقين على التناجي بالإثم والعدوان ومعصية الرسول أتبعه بأن نهى المؤمنين أن يسلكوا مثل طريقهم وأن يفعلوا كفعلهم فقال لا تتناجوا بالإثم وهو ما يقبح من القول والعدوان وهو ما يؤدي إلى الظلم ومعصية الرسول وهو ما يكون خلافاً عليه. والقول الثاني: وهو الأصح أنه خطاب للمنافقين والمعنى. يا أيها الذين آمنوا بألسنتهم وقيل آمنوا بزعمهم كأنه قال لهم لا تتناجوا بالإثم والعدوان ومعصية الرسول {وتناجوا بالبر والتقوى} أي بالطاعة وترك المعصية {واتقوا الله الذي إليه تحشرون إنما النجوى من الشيطان} أي من تزيين الشيطان وهو ما يأمرهم به. من الإثم والعدوان ومعصية الرسول {ليحزن الذين آمنوا} إنما يزين ذلك ليحزن المؤمنين (ق) عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "حديث : إذا كانوا ثلاثة فلا يتناجى اثنان دون الثالث" تفسير : زاد ابن مسعود في رواية "حديث : فإن ذلك يحزنه" تفسير : وهذه الزيادة لأبي داود {وليس بضارهم شيئاً} يعني ذلك التناجي وقيل الشيطان ليس بضارهم شيئاً {إلا بإن الله} أي إلا ما أراد الله تعالى وقيل إلا بإذن الله في الضر {وعلى الله فليتوكل المؤمنون} أي فليكل المؤمنون أمرهم إلى الله تعالى ويستعيذوا به من الشيطان فإن من توكل على الله لا يخيب أمله ولا يبطل سعيه.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال‏:‏ كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا بعث سرية وأغزاها التقى المنافقون فانغضوا رؤوسهم إلى المسلمين، ويقولون‏:‏ قتل القوم، وإذا رأوا رسول الله صلى الله عليه وسلم تناجوا وأظهروا الحزن فبلغ ذلك من النبي صلى الله عليه وسلم ومن المسلمين، فأنزل الله ‏ {‏يا أيها الذين آمنوا إذا تناجيتم فلا تتناجوا بالإِثم والعدوان‏} ‏ الآية‏. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة قال‏:‏ كان المنافقون يتناجون بينهم، فكان ذلك يغيظ المؤمنين ويكبر عليهم، فأنزل الله في ذلك ‏{‏إنما النجوى من الشيطان‏} ‏ الآية‏.‏ وأخرج البخاري ومسلم وابن مردويه عن ابن مسعود قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"حديث : ‏إذا كنتم ثلاثة فلا يتناج اثنان دون الثالث فإن ذلك يحزنه‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن مردويه ‏"‏حديث : عن أبي سعيد قال‏:‏ كنا نتناوب رسول الله صلى الله عليه وسلم يطرقه أمر أو يأمر بشيء فكثر أهل النوب والمحتسبون ليلة حتى إذا كنا نتحدث فخرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم من الليل فقال‏:‏ ما هذه النجوى‏؟‏ ألم تنهوا عن النجوى‏؟‏‏ "‏‏.‏ تفسير : قوله تعالى‏:‏ ‏{‏يا أيها الذين آمنوا إذا قيل لكم تفسحوا‏}‏ الآية . أخرج عبد بن حميد عن الحسن أنه كان يقرأها ‏"‏تفسحوا في المجالس بالألف فافسحوا يفسح الله لكم‏"‏ وقال‏:‏ في القتال ‏ {‏وإذا قيل انشزوا فانشزوا‏} ‏ قال‏:‏ إذا قيل‏:‏ انهدوا إلى الصدر فانهدوا‏. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد في قوله تعالى‏:‏ ‏ {‏يا أيها الذين آمنوا إذا قيل لكم تفسحوا في المجالس‏} ‏ قال‏:‏ مجلس النبي صلى الله عليه وسلم فنزلت ‏ {‏يا أيها الذين آمنوا إذا قيل لكم تفسحوا في المجالس فافسحوا يفسح الله لكم‏}‏ ‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وعبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله‏:‏ ‏ {‏إذا قيل لكم تفسحوا‏} ‏ الآية قال‏:‏ نزلت هذه الآية في مجالس الذكر، وذلك أنهم كانوا إذا رأوا أحدهم مقبلاً ضنوا بمجالسهم عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأمرهم الله أن يفسح بعضهم لبعض‏.‏ وأخرج ابن المنذر عن الحسن في الآية قال‏:‏ كانوا يجيئون فيجلسون ركاماً بعضهم خلف بعض، فأمروا أن يتفسحوا في المجلس فانفسح بعضهم لبعض‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل بن حيان قال‏:‏ أنزلت هذه الآية يوم جمعة وجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ في الصفة، وفي المكان ضيق، وكان يكرم أهل بدر من المهاجرين والأنصار، فجاء ناس من أهل بدر وقد سبقوا إلى المجلس، فقاموا حيال رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، فرد النبي صلى الله عليه وسلم عليهم، ثم سلموا على القوم بعد ذلك فردوا عليهم، فقاموا على أرجلهم ينتظرون أن يوسع لهم، فعرف النبي صلى الله عليه وسلم ما يحملهم على القيام فلم يفسح لهم، فشق ذلك عليه فقال لمن حوله من المهاجرين والأنصار من غير أهل بدر‏:‏ قم يا فلان، وأنت يا فلان، فلم يزل يقيمهم بعدة النفر الذين هم قيام من أهل بدر، فشق ذلك على من أقيم من مجلسه، فنزلت هذه الآية‏. وأخرج البخاري ومسلم عن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"حديث : ‏لا يقيم الرجل الرجل من مجلسه فيجلس فيه، ولكن تفسحوا وتوسعوا ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏ {‏إذا قيل لكم تفسحوا في المجالس‏} ‏ قال‏:‏ ذلك في مجلس القتال ‏ {‏وإذا قيل انشزوا‏} ‏ قال‏:‏ إلى الخير والصلاة‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد في قوله‏:‏ ‏ {‏وإذا قيل انشزوا‏} ‏ قال‏:‏ إلى كل خير قتال عدوّ وأمر بمعروف أو حق ما كان‏. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن قتادة في قوله‏:‏ ‏{‏وإذا قيل انشزوا فانشزوا‏}‏ يقول‏:‏ إذا دعيتم إلى خير فأجيبوا‏.‏ وأخرج ابن المنذر والحاكم وصححه والبيهقي في المدخل عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏{‏يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات‏} ‏ قال‏:‏ يرفع الله الذين أوتوا العلم من المؤمنين على الذين لم يؤتوا العلم درجات‏. وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس أنه قال‏:‏ تفسير هذه الآية‏:‏ يرفع الله الذين آمنوا منكم وأوتوا العلم على الذين آمنوا ولم يؤتوا العلم درجات‏.‏ وأخرج ابن المنذر عن ابن مسعود قال‏:‏ ما خص الله العلماء في شيء من القرآن ما خصهم في هذه الآية، فضل الله الذين آمنوا وأوتوا العلم على الذين آمنوا ولم يؤتوا العلم‏.‏

التستري

تفسير : قوله عزَّ وجلَّ: {وَتَنَاجَوْاْ بِٱلْبِرِّ وَٱلتَّقْوَىٰ}[9] قال: بذكر الله وقراءة القرآن والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {وَتَنَاجَوْاْ بِٱلْبِرِّ وَٱلتَّقْوَىٰ} [الآية: 9]. قال سهل: بذكر الله وقراءة القرآن والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر.

القشيري

تفسير : إنما قَبُحَ ذلك منهم وعَظُمَ الخطرُ لأنه تضمَّن إفسادَ ذات البَيْن، وخيرُ الأمورِ ما عاد بإصلاح ذات البَيْن، وبعكسه إذا كان الأمر بضدِّه.

البقلي

تفسير : قوله تعالى {وَتَنَاجَوْاْ بِٱلْبِرِّ وَٱلتَّقْوَىٰ} اى تناجوا ببذل الالوح لله وتزكية الاشباح فى طاعة الله قال سهل بذكر الله وقراءة القرأن والامر بالمعروف والنهى عن المنكر.

اسماعيل حقي

تفسير : {يا أيها الذين آمنوا} بألسنتهم وقلوبهم {اذا تناجيتم} جون راز كوبيد بايكديكر، يعنى فى انديتكم وخلواتكم {فلا تتناجوا بالاثم والعدون} كما يفعله المنافقون واليهود {وتناجوا بالبر والتقوى} اى بما يتضمن خبر المؤمنين والاتقاء عن معصية الرسول قال سهل رحمه الله بذكر الله وقرآءة القرءآن والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر {واتقوا الله الذى اليه تحشرون} وحده لا الى غيره استقلالا او اشتراكا فيجازيكم بكل ماتأتون وما تذرون، يعنى بسوى او جمع كرده خواهيد شد بس از موت، دلت الآية على ان التناجى ليس بمنهى عنه مطلقا بل مأمور به فى بعض الوجوه ايجابا او استحبابا واباحة على مقتضى المقام ان قيل كيف يأمر الله بالاتقاء عنه وهو المولى الرحيم والقرب منه الذ المطالب والانس به اقصى المآرب فالتقوى توجب الاجتناب والحشر اليه يستدعى الاقبال اليه يجاب بأن فى الكلام مضافا اذا التقدير اتقوا عذاب الله او قهر الله او غيرها فان قيل ان العبد لو قدر على الخلاص من العذاب والقهر لأسرع اليه لكنه ليس بقادر عليه كما قال تعالى {أية : ان يمسسك الله بضر فلا كاشف له الا هو وان يردك بخير فلا راد لفضله}تفسير : والامر انما يكون بالمقدور {أية : لايكلف الله نفسا الا وسعها}تفسير : أجيب بأن المراد الاتقاء عن السبب من الذنوب والمعاصى الصادرة عن العبد العاصى فالمراد واتقوا مايفضى الى عذاب الله ويقتضى قهره فى الدارين من الاثم والعدوان ومعصية الرسول التى هى السبب الموجب لذلك فالمراد النهى عن مباشرة الاسباب والامر بالاجتناب عنها ان قيل ان ذلك الاتقاء انما يكون بتوفيق الله له فان وفق العبد له فلا حاجة الى الامر به وان لم يوفقه فلا قدرة له عليه والامر انما يحسن فى المقدور أجيب بأنه تعالى علمه الحق اولا ووهب له اردة جزئية يقدر بها على اختيار شىء فله الاختيار السابق على ارادة الله تعالى ووجود الاختيار فى الفاعل المختار امر يطلع عليه كل احد حتى الصبيان

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {يا أيها الذين آمنوا إِذا تناجيتم} في أنديتكم وفي خلواتكم {فلا تتناجَوا بالإِثم والعدوانِ ومعصيتِ الرسول} كفعل هؤلاء المنافقين، {وتناجَوا بالبِرِّ والتقوى} أي: بما تضمن خير المؤمنين، والاتقاء عن معصية الرسول صلى الله عليه وسلم، أو: بأداء الفرائض وترك المعاصي، {واتقوا اللهّ الذي إِليه تحشرون} فيُجازيكم بما تتناجون به من خير أو شر، {إِنما النجوى} المعهودة التي هي التناجي بالإثم والعدوان، {من الشيطان} لا من غيره، فإنه المزيِّن لها والحامل عليها {لِيَحْزُنَ} بها {الذين آمنوا} بتوهيمه أنها في نكبةٍ أصابتهم، أو أصابت إخوانهم، او في الاشتغال بثلْمهم وتنقيصهم. ولهذا نهى الشارع أن يتناجى اثنان دون الثالث، لئلا يتوهم أنهم يتكلمون فهي. قال تعالى {وليس بضارَّهم} أن يتناجى اثنان دون الثالث، لئلا يتوهم أنهم يتكلمون فهي. قال تعالى {وليس بضارِّهم} أي: وليس الشيطان أو الحزن بضارهم {شيئاً} من الأشياء، أو شيئاً من الضرر {إِلاّ بإِذن الله} بمشيئته، {وعلى الله فليتوكل المؤمنون} فلا تُبالوا بنجواهم، فإنَّ الله تعالى يعصمهم من شره وضرره، فيلكلوا أمرَهم إلى الله، ويتعوّذوا من شر الشيطان، فإنَّ كيده ضعيف. قال القشيري: إنما قَبُحَ التناجي منهم، وعَظُمَ خطره؛ لأنه تضمَّن فسادَ ذات البيْن، وخيرُ الأمور ما عاد بإصلاح ذات البيْن، وبعكسه يكون الأمر بالضد، يعني: فيعظم خطر التناجي بالبر والتقوى، وبما يقرب إلى الله. ثم قال: إذا كانت المشاهدة غالبةً، والقلوب حاضرةً، والتوكل صحيحاً، والنظرُ في موضعه صائباً، فلا تأثير لهذه الحالات، أي: لحزن الشيطان وتوهيمه وإضراره، وإنما هذا للضعفاء. هـ. الإشارة: يا أيها الذين آمنوا إذا تناجيتم مع قلوبكم وأسراركم فلا تتناجوا بالإثم، وهو تدبير أمر الدنيا وشؤونها، بل غيبوا عنها يأتيكم نصيبكم منها، مع الفوز بالحضور مع الله، ولا تتناجوا بالعدوان، وهو شغل القلب بأمر الخلق، دفعاً وجلباً، ضرّاً ونفعاً، إذ ليس بيدهم شيء، ومعصية الرسول، وهو إضمار ترك السُنة، أو مخالفة أمر المشايخ، وتَناجَوا بالبر، وهو الفكرة في عظمة الله، والتقوى، وهو الغيبة عما سوى الله بِحَصر القلب عن الخروج من الحضرة، واتقوا الله بترك ما سواه، الذي إليه تُحشرون فيُدخلكم في مقعد صدق عند مليك مقتدر. إنما النجوى، أي: الفكرة في الدنيا، من الشيطان؛ لأنّ له بيتاً في القلب لجهة الشمال، إذا ذكر الله انخنس، وإذا غفل القلب وسوس بهموم الدنيا، ليَحْزُن الذين آمنوا؛ ليكدر عليهم وقتهم، وليس بضارِّهم شيئاً إذا قَوِيَ نور الإيمان إلاّ بإذن الله ومشيئته، فلا تسليط له من نفسه. وليس بضارِّهم شيئاً إذا قَوِيَ نور الإيمان إلاّ بإذن الله ومشيئته، فلا تسليط له من نفسه. وعلى الله فليتوكل المؤمنون، فإذا صحّ توكلهم حَفِظَهم منه، لقوله تعالى:{أية : إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ}تفسير : [النحل: 99]، وقد تقدّم عن القشيري: أنّ الأقوياء لا يلحقهم شيء من حزنه وإضراره. وبالله التوفيق. ولمّا نهى المؤمنين عما هو سبب التباغض، أَمَرَهم بما هو سبب التودُّد والتقارب، فقال: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُواْ}.

الجنابذي

تفسير : {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ} بعد ما ذمّ النّجوى مطلقاً وذمّ المتناجين بالاثم والعدوان ومعصية الرّسول (ص) نادى المؤمنين ونهاهم عن النّجوى بما فيه قوّة القوى الثّلاث، فانّ الانسان اذا اجتمع مع غيره قوى فيه الشّأن الّذى هو عليه فنهاهم عن ذلك حتّى يتنبّهوا، واذا كانوا على تلك الشّؤن ارتدعوا عنها فقال {إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلاَ تَتَنَاجَوْاْ بِٱلإِثْمِ وَٱلْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَةِ ٱلرَّسُولِ} يعنى راقبوا احوالكم فان تروا قوّة الميل منكم الى ذلك فاعلموا انّكم بعد فى شأن البهيمة او السّبع او الشّيطان فعالجوا انفسكم بدفع تلك القوّة عنكم {وَتَنَاجَوْاْ بِٱلْبِرِّ} الّذى هو لازم قوّتكم العاقلة {وَٱلتَّقْوَىٰ} من القوى الثّلاث يعنى قوّوا بالاجتماع قوّتكم العاقلة وضعّفوا قواكم الثّلاث {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ}اى سخط الله فى تقوية القوى الثّلاث {ٱلَّذِيۤ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ} توصيف للتّعليل.

الأعقم

تفسير : {يا أيها الذين آمنوا} إذا ناجيتم الرسول خاطبتم، والخطاب للمنافقين الذين آمنوا بألسنتهم، ويجوز أن يكون للمؤمنين، أي إذا ناجيتم فلا تشبّهوا بأولئك في تناجيهم بالشر {وتناجوا بالبر والتقوى واتقوا الله}، وعن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): "حديث : إذا كنتم ثلاثة فلا يناج اثنان دون صاحبهما فإن ذلك يحزنه" تفسير : وروي: "حديث : دون الثالث" تفسير : يعني فلا تتناجوا بما يوجب العذاب وتناجوا بالبر والتقوى اتقاء معاصي الله {واتقوا الله} أي أطيعوه واتقوا عذابه {الذي إليه تحشرون} أي تجمعون إلى موضع الحساب الذي يحكم بينكم فيه {إنما النجوى} اللام إشارة إلى النجوى {بالاثم والعدوان} بدليل قوله تعالى: {ليحزن الذين آمنوا} والمعنى أن الشيطان يزينها لهم فكأنه منه ليغيظ الذين آمنوا ويحزنهم {وليس} الشيطان أو الحزن {بضارهم شيئاً إلا بإذن الله} قال جار الله: فإن قلتَ: كيف يضرهم الشيطان أو الحزن إلا بإذن الله؟ قلتُ: كانوا يوهمون المؤمنين في تغامزهم ونجواهم ان غزاتهم غلبوا وإمارتهم قتلوا، فقال: لا يضرهم الشيطان أو الحزن بذلك الوهم إلا بإذن الله بمشيئته، وهو أن يقضي الموت على أقاربهم أو الغلبة على الغزاة {وعلى الله فليتوكل المؤمنون} يعني المؤمن لا يبالي بمناجاته فليتوكل على ربه فيكفيه {يأيها الذين آمنوا إذا قيل لكم تفسحوا في المجلس} الآية نزلت في قوم كانوا يتنافسون في مجلس رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وإذا رأوا من جاءهم ضيقوا مجلسهم وأبوا أن يفسح بعضهم لبعض، وقيل: كان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في الصفة يوم الجمعة وفي المكان ضيق، فجاء أناس من أهل بدر فيهم ثابت بن قيس، وكان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يكرم أهل بدر وسلموا وقاموا ينظرون أين يوسع لهم، فلم يفعلوا، فأقام رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وأقعدهم فكرهوا ذلك وشقّ عليهم، وقال المنافقون: ما عول على هؤلاء حيث أقامهم فنزلت، وقيل: نزلت في مجلس الحرب وكانوا يشاحون على الصف الأول حرصاً على الجهاد، والمراد تفسحوا في المجلس توسعوا فيه وتنفسحن بعضكم عن بعض، من قولهم: افسح عني أي تنح، والمراد مجلس رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وكانوا يتصافون فيه حرصاً على القرب منه وحرصاً على استماع كلامه، وقيل: هو المجلس من مجالس القتال وكان الرجل يأتي الصف فيقول: افسحوا، فيأبوا لحرصهم على الشهادة، وقرئ المجالس بفتح اللام وهو الجلوس أي توسعون في جلوسكم ولا تضايقوا فيه {يفسح الله لكم} مطلق في كل ما يبتغي الناس الفسحة فيه من المكان والرزق والصدر والقبر وغير ذلك {وإذا قيل انشزوا} انهضوا للتوسعة على المقبلين، معناه إذا قيل لكم ارفعوا وتحركوا أو فرقوا ووسعوا على إخوانكم، وقيل: إذا قيل ارتفعوا فافعلوا، وكان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يرفع أهل العلم في مجلسه، وقيل: إذا قيل: انهضوا إلى الصلاة وعمل الخير والجهاد {فانشزوا يرفع الله الذين آمنوا} بطاعته لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) {والذين أوتوا العلم درجات} قيل: هو رفعة المجلس والترتيب فيه، وقيل: المراد درجات الثواب في الجنة، وعن عبد الله بن مسعود (رضي الله عنه) أنه كان إذا قرأها قال: يا أيها الناس افهموا هذه الآية ولترغبنكم في العلم، وعن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): "حديث : بين العالم والعابد مائة درجة بين كل درجتين حصر الجواد المضمر سبعين سنة"تفسير : ، وعنه (صلى الله عليه وآله وسلم): "حديث : فضل العالم على العابد فضل القمر ليلة البدر على الكواكب" تفسير : وعنه (صلى الله عليه وآله وسلم): "حديث : يشفع يوم القيامة ثلاثة: الأنبياء ثم العلماء ثم الشهداء"تفسير : ، وعن ابن عباس: خيّر سليمان بين العلم والمال فاختار العلم وأعطي المال والملك معه، وعنه (عليه السلام): "حديث : أوحى الله إلى إبراهيم (عليه السلام) اني عليم أحب كل عليم"تفسير : ، وعن بعض الحكماء: ليت شعري أي شيء أدرك من فاته العلم، وأي شيء فات من أدرك العلم.

اطفيش

تفسير : {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} بالسنتهم أو بزعمهم {إِذَا تَنَاجَيْتُم فَلا تَتَنَاجَوْا} وعن يعقوب فلا تتنجوا وعن ابن مسعود اذا تنجيتم فلا تتنجوا وقرىء فلا تناجوا.{بِالإِثْمِ وَالعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ} أو الخطاب للمؤمنين حقا أي اذا تناجيتم فلا تشبهوا بأولئك في تناجيهم بالشر نهاهم عن فعل المنافقين واليهود وذلك عام في غير النبي صلى الله عليه وسلم وفي الحديث "حديث : إذا كنتم ثلاثاً فلا يتناج إثنان دون صاحبهما"تفسير : وروي حديث : دون الثالث فإن ذلك يحزنه وهذا ولو في الحلال . تفسير : {وَتَنَاجَوْا بِالبِرِّ} الخير للمؤمنين {وَالتَّقْوَى} عن المعصية تناجيا لا يضر {وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِى إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ} تبعثون وتجمعون للجزاء.

الالوسي

تفسير : {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ إِذَا تَنَاجَيْتُمْ } في أنديتكم وفي خلواتكم. {فَلاَ تَتَنَـٰجَوْاْ بِٱلإثْمِ وَٱلْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ ٱلرَّسُولِ } كما يفعله المنافقون، فالخطاب للخلص تعريضاً بالمنافقين، وجوز جعله لهم وسموا مؤمنين باعتبار ظاهر أحوالهم. وقرأ الكوفيون والأعمش وأبو حيوة ورويس ـ فلا تنتجوا ـ مضارع انتجى. وقرأ ابن محيصن ـ فلا تناجوا ـ بإدغام التاء في التاء، وقرىء بحذف إحداهما. {وَتَنَـٰجَوْاْ بِٱلْبِرّ وَٱلتَّقْوَىٰ } بما يتضمن خير المؤمنين والاتقاء عن معصية الرسول صلى الله عليه وسلم {وَٱتَّقَوْاْ } فيما تأتون وما تذرون {ٱللَّهَ ٱلَّذِى إِلَيْهِ } وحده لا إلى غيره سبحانه استقلالاً أو اشتراكاً {تُحْشَرُونَ } فيجازيكم على ذلك.

ابن عاشور

تفسير : خطاب للمنافقين الذين يظهرون الإِيمان فعاملهم الله بما أظهروه وناداهم بوصف الذين آمنوا كما قال: {أية : من الذين قالوا آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم}تفسير : [المائدة: 41] ومنه ما حكاه الله عن المشركين {أية : وقالوا يا أيها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون}تفسير : [الحجر: 6] أي يأيها الذي نزل عليه الذكر بزعمه، ونبههم إلى تدارك حالهم بالإِقلاع عن آثار النفاق على عادة القرآن من تعقيب التخويف بالترغيب. فالجملة استئناف ابتدائي. ذلك أن المنافقين كانوا يعملون بعمل أهل الإِيمان إذا لَقُوا الذين آمنوا فإذا رجعوا إلى قومهم غلب عليهم الكفر فكانوا في بعض أحوالهم مقاربين الإِيمان بسبب مخالطتهم للمؤمنين. ولذلك ضرب الله لهم مثلاً بالنور في قوله تعالى: {أية : مثلهم كمثل الذي استوقد ناراً فلما أضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم}تفسير : [البقرة: 17] ثم قوله: {أية : كلما أضاء لهم مشوا فيه وإذا أظلم عليهم قاموا}تفسير : [البقرة: 20]. وهذا هو المناسب لقوله تعالى: {فلا تتناجوا بالإثم والعدوان ومعصيت الرسول}، ويكون قوله: {وتناجوا بالبر والتقوى} تنبيهاً على ما يجب عليهم إن كانوا متناجين لا محالة. ويجوز أن تكون خطاباً للمؤمنين الخلّص بأنْ وجه الله الخطاب إليهم تعليماً لهم بما يحسن من التناجي وما يقبح منه بمناسبة ذم تناجي المنافقين فلذلك ابتدىء بالنهي عن مثل تناجي المنافقين وإن كان لا يصدر مثله من المؤمنين تعريضاً بالمنافقين، مثل قوله تعالى: {أية : يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين كفروا وقالوا لإخوانهم إذا ضربوا في الأرض أو كانوا غُزًّى لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا ليجعل الله ذلك حسرةً في قلوبهم}تفسير : [آل عمران: 156]، ويكون المقصود من الكلام هو قوله: {وتناجوا بالبر والتقوى} تعليماً للمؤمنين. والتقييد بـ{إذا تناجيتم} يشير إلى أنه لا ينبغي التناجي مطلقاً ولكنهم لما اعتادوا التناجي حُذروا من غوائله، وإلا فإن التقييد مستغنى عنه بقوله: «فلا تتناجوا بالإِثم والعدوان». وهذا مثل ما وقع في حديث النهي عن الجلوس في الطرقات من قوله صلى الله عليه وسلم «فإن كنتم فاعلين لا محالة فاحفظوا حَق الطريق». وقرأ الجمهور {فلا تتناجوا} بصيغة التفاعل. وقرأه رويس عن يعقوب وحده {فلا تنتجُوا} بوزن تَنْتَهُوا. والأمر من قوله: {وتناجوا بالبر} مستعمل في الإِباحة كما اقتضاه قوله تعالى: {إذا تناجيتم}. والإِثم والعدوان ومعصية الرسول تقدمت. وأما البرّ فهو ضد الإِثم والعدوان وهو يعم أفعال الخير المأمور بها في الدين. و{التقوى}: الامتثال، وتقدمت في قوله تعالى: {أية : هدى للمتقين}تفسير : في سورة [البقرة: 2]. وفي قوله: {الذي إليه تحشرون} تذكير بيوم الجزاء. فالمعنى: الذي إليه تحشرون فيجازيكم.

د. أسعد حومد

تفسير : {آمَنُوۤاْ} {تَنَاجَيْتُمْ} {تَتَنَاجَوْاْ} {ٱلْعُدْوَانِ} {مَعْصِيَتِ} {تَنَاجَوْاْ} (9) - وَيُؤدِّبُ اللهُ تَعَالَى عِبَادَهُ المُؤْمِنِينَ لِئلاَّ يَكُونُوا كَالكَفَرَةِ وَالمُنَافِقِينَ، فَيَقُولُ لَهُمْ: إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فِي أَنْدِيتكُمْ وَخَلواتِكُمْ، فَلاَ تَفْعَلُوا كَمَا يَفْعَلُ أُولَئِكَ الكُفَّارُ، مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ، وَمَنْ وَالاَهُمْ عَلَى ضَلاَلِهِمْ مِنَ المُنَافِقِينَ، وَتَنَاجَوا بِمَا هُوَ خَيْرٌ، وَاتَّقُوا اللهَ فِيمَا تَفْعَلُونَ وَفِيمَا تَذَرُونَ، وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيهِ تُحْشَرُونَ يَوْمَ القِيَامَةِ، وَأَنَّهُ سَيُحَاسِبُكُمْ عَلَى أَعْمَالِكُمْ.

الثعلبي

تفسير : {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا نَاجَيْتُمُ ٱلرَّسُولَ فَقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً} قال ابن عباس: وذلك أنّ الناس سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأكثروا، حتى شقّوا عليه وأحفوه بالمسألة فأدبّهم الله سبحانه وفطّنهم عن ذلك بهذه الآية، وأمرهم أن لا يناجوه حتى يقدّموا صدقة. وقال مقاتل بن حيّان: نزلت في الأغنياء، وذلك أنّهم كانوا يأتون النبيّ صلى الله عليه وسلم فيكثرون مناجاته ويغلبون الفقراء على (المجالس) حتى كره النبي صلى الله عليه وسلم طول جلوسهم ومناجاتهم فأمر الله تعالى بالصدقة عند المناجاة، فلمّا رأوا ذلك انتهوا عن المناجاة، فأمّا أهل العسرة فلم يجدوا شيئاً، وأمّا أهل الميسرة فبخلوا ومنعوا، فاشتدّ ذلك على أصحاب النبيّ صلى الله عليه وسلم فنزلت الرخصة، قال مجاهد: نهوا عن مناجاة النبيّ صلى الله عليه وسلم حتى يتصدّقوا، فلم يناجه إلاّ عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه قدّم ديناراً فتصدّق به ثمّ نزلت الرخصة. وقال عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه: إنّ في كتاب الله لآية ما عمل بها أحد قبلي ولا يعمل بها أحد بعدي {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا نَاجَيْتُمُ ٱلرَّسُولَ فَقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً} فإنّها فرضت ثم نسخت. أخبرني عبد الله بن حامد إجازة قال: أخبرنا أبو بكر بن إسحاق الفقيه قال: أخبرنا علي بن صقر بن نصر قال: حدّثنا يحيى بن عبد الحميد قال: حدّثنا أبو عبد الرحمن الأشجعي، عن سفيان عن عثمان بن المغيرة، عن [سالم] بن أبي الجعد، عن عليّ بن علقمة الأنماري، عن علىّ بن أبي طالب قال: حديث : لمّا نزلت {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا نَاجَيْتُمُ ٱلرَّسُولَ فَقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً} دعاني رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "ما ترى بذي دينار"؟ . قلت: لا يطيقونه. قال: "كم"؟ . قلت: حبّة أو شعيرة. قال: "إنك لزهيد". فنزلت {أَأَشْفَقْتُمْ أَن تُقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ} تفسير : الآية. قال عليّ رضي الله عنه: فِيّ خفَّف الله سبحانه عن هذه الأمّة، ولم تنزل في أحد قبلي ولن تنزل في أحد بعدي. قال ابن عمر: كان لعليّ بن أبي طالب ثلاث لو كان لي واحدة منهن كانت أحبّ إليّ من حمر النعم: تزويجه فاطمة، وإعطاؤه الراية يوم خيبر، وآية النجوى. {أَأَشْفَقْتُمْ} أبخلتم وخفتم بالصدقة الفاقة {أَن تُقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُواْ وَتَابَ ٱللَّهُ عَلَيْكُمْ} فتجاوز عنكم ولم يعاقبكم بترك الصدقة، وقيل: الواو صلة. مجازه (وإذ لم تفعلوا تاب الله عليكم) تجاوز عنكم وخفّف ونسخ الصدقة. قال مقاتل بن حيّان: إنّما كان ذلك عشر ليال ثم نسخ. وقال الكلبي: ما كانت إلاّ ساعة من النهار. {فَأَقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ وَآتُواْ ٱلزَّكَاةَ وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ وَٱللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} . {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ تَوَلَّوْاْ قَوْماً غَضِبَ ٱللَّهُ عَلَيْهِم} نزلت في المنافقين تولّوا اليهود وناصحوهم ونقلوا إليهم أسرار المسلمين {مَّا هُم مِّنكُمْ} يا معشر المسلمين {وَلاَ مِنْهُمْ} يعني اليهود والكافرين. نظيره {أية : مُّذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذٰلِكَ لاَ إِلَىٰ هَـٰؤُلاۤءِ وَلاَ إِلَى هَـٰؤُلاۤءِ} تفسير : [النساء: 143]. حديث : {وَيَحْلِفُونَ عَلَى ٱلْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ}. قال السدّي ومقاتل: خاصّة في عبد الله بن نبتل المنافق، كان يجالس رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم يرفع حديثه إلى اليهود، فبينا رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجرة من حجره إذ قال: "يدخل عليكم الآن رجل قلبه قلب جبّار وينظر بعيني شيطان" فدخل عبد الله بن نبتل وكان أزرق، فقال له النبيّ صلى الله عليه وسلم "على ما تشتمني أنت وأصحابك"؟ فحلف بالله ما فعل، وقال له النبيّ صلى الله عليه وسلم "فعلت". وانطلق فجاء بأصحابه فحلفوا بالله ما سبّوه، فأنزل الله سبحانه ذكر هذه الآية. {أَعَدَّ ٱللَّهُ لَهُمْ عَذَاباً شَدِيداً إِنَّهُمْ سَآءَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ * ٱتَّخَذْوۤاْ أَيْمَانَهُمْ} تفسير : الكاذبة، وقرأ الحسن بكسر الألف، أي إقرارهم {جُنَّةً} يستجنّون بها من القتل ويدفعون بها عن أنفسهم وأموالهم {فَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ فَلَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ}. {لَّن تُغْنِيَ عَنْهُمْ} يوم القيامة {أَمْوَالُهُمْ وَلاَ أَوْلاَدُهُمْ مِّنَ ٱللَّهِ شَيْئاً أُوْلَـٰئِكَ أَصْحَابُ ٱلنَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ * يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ ٱللَّهُ جَمِيعاً فَيَحْلِفُونَ لَهُ} كارهين، ما كانوا كاذبين {كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ}، قال قتادة: إنّ المنافق يحلف له يوم القيامة كما حلف لأوليائه في الدنيا {وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَىٰ شَيْءٍ أَلاَ إِنَّهُمْ هُمُ ٱلْكَاذِبُونَ}، أخبرنا الحسن بن محمّد قال: حدّثنا أحمد بن يعقوب الأنباري قال: حدّثنا أبو حنيفة محمّد بن حنيفة بن ماهان الواسطي قال: حدّثنا إبراهيم بن سليم الهجمي قال: حدّثنا ابراهيم بن سليمان الدبّاس قال: حدّثنا ابن أخي روّاد، عن الحكم عن عيينة عن مقسم عن ابن عباس قال: حديث : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "ينادي مناد يوم القيامة: أين خصماء الله؟ فيقوم القدرية وجوههم مسودّة، مزرقّة أعينهم، مائل شدقهم، يسيل لعابهم، فيقولون: والله ماعبدنا من دونك شمساً ولا قمراً ولا صنماً ولا وثناً ولا اتّخذنا من دونك إلهاً ". تفسير : فقال ابن عباس: صدقوا والله، أتاهم الشرك من حيث لا يعلمون، ثم تلا ابن عباس هذه الآية {وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَىٰ شَيْءٍ أَلاَ إِنَّهُمْ هُمُ ٱلْكَاذِبُونَ}، هم والله القدريون، هم والله القدريون. {ٱسْتَحْوَذَ}: غلب واستولى {عَلَيْهِمُ ٱلشَّيْطَانُ فَأَنسَاهُمْ ذِكْرَ ٱللَّهِ أُوْلَـٰئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلاَ إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الخَاسِرُونَ * إِنَّ الَّذِينَ يُحَآدُّونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَـٰئِكَ فِي ٱلأَذَلِّينَ}: الأسفلين. {كَتَبَ ٱللَّهُ}: قضى الله سبحانه {لأَغْلِبَنَّ أَنَاْ وَرُسُلِيۤ}، وذلك أنّ المؤمنين قالوا: لئن فتح الله لنا مكّة وخيبر وما حولها فإنّا لنرجو أن يظفرنا الله على الروم وفارس. فقال عبد الله بن أُبىّ: أتظنّون الروم وفارس كبعض القرى التي غلبتم عليها؟ والله لهم أكثر عدداً وأشدّ بطشاً من ذلك. فأنزل الله سبحانه: {كَتَبَ ٱللَّهُ لأَغْلِبَنَّ أَنَاْ وَرُسُلِيۤ إِنَّ ٱللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ} نظيره قوله سبحانه: {أية : وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا ٱلْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ ٱلْمَنصُورُونَ * وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ ٱلْغَالِبُونَ} تفسير : [الصافات: 171-173]. {لاَّ تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ} الآية نزلت في حاطب بن أبي بلتعة حين كتب إلى أهل مكة. وسنذكر القصة في سورة الامتحان إن شاء الله. وقال السدّي: حديث : نزلت في عبد الله بن عبد الله بن أُبي، وذلك أنّه كان جالساً إلى جنب رسول الله صلى الله عليه وسلم فشرب رسول الله (عليه السلام) الماء، فقال عبد الله: يا رسول الله، أبقِ فضلة من شرابك. قال: "وما تصنع بها"؟ قال: أسقيها أبي لعلّ الله يطهّر قلبه. ففعل فأتى بها أباه، فقال: ما هذا؟ قال من شراب رسول الله (عليه السلام) جئتك بها لتشربها لعلّ الله سبحانه وتعالى يطهّر قلبك. فقال أبوه: هلاّ جئتني ببول أُمّك. فرجع إلى النبي (عليه السلام)، فقال: يا رسول الله، ائذن لي في قتل أبي. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «بل ترفّق به وتحسّن إليه" . تفسير : وقال ابن جريح: حديث : حدّثت أنّ أبا قحافة سبّ النبي صلى الله عليه وسلم فصكّه أبو بكر صكّة سقط منها، ثم ذكر ذلك للنبيّ (عليه السلام) فقال: "أوَفعلته؟". فقال: نعم. قال: "فلا تعد إليه" . تفسير : فقال أبو بكر رضي الله عنه: والله لو كان السيف منّي قريباً لقتلته، فأنزل الله سبحانه هذه الآية: {يُوَآدُّونَ مَنْ حَآدَّ ٱللَّهَ}. وروى مقاتل بن حيّان، عن مرّة الهمذاني، عن عبد الله بن مسعود في هذه الآية: {وَلَوْ كَانُوۤاْ آبَآءَهُمْ} يعني أبا عبيدة بن الجراح قتل أباه عبد الله بن الجراح يوم أحد حديث : {أَوْ أَبْنَآءَهُمْ} يعني أبا بكر دعا ابنه يوم بدر إلى البراز، وقال: يا رسول الله: دعني أكرّ في الرعلة الأولى. فقال له رسول الله: "متّعنا بنفسك يا أبا بكر، أما تعلم أنّك عندي بمنزلة سمعي وبصري؟" . تفسير : {أَوْ إِخْوَانَهُمْ} يعني مصعب بن عمير قتل أخاه عبيد بن عمير يوم أحد {أَوْ عَشِيرَتَهُمْ} يعني عمر قتل خاله العاص بن هشام بن المغيرة يوم بدر، وعليّاً وحمزة وعبيدة قتلوا عتبة وشيبة ابني ربيعة والوليد بن عتبة يوم بدر. {أُوْلَـٰئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ ٱلإِيمَانَ} قراءة العامّة بفتح الكاف والنون، وروى المفضّل عن عاصم بضمّهما على المجهول، والأوّل أجود؛ لقوله: {وَأَيَّدَهُمْ} و {أية : وَنُدْخِلُهُمْ} تفسير : [النساء: 57]. قال الربيع بن أنس: يعني أثبت الإيمان في قلوبهم فهي موقنة مخلصة. وقيل: معناه كتب في قلوبهم الإيمان، كقوله: {أية : فِي جُذُوعِ ٱلنَّخْلِ} تفسير : [طه: 71]. وقيل: حكم لهم بالإيمان فذكر القلوب لأنّها موضعه. {وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِّنْهُ}: وقوّاهم بنصر منه، قاله الحسن، وقال السدّي: يعني بالإيمان. ربيع، بالقرآن وحجّته، نظيره: {أية : وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ رُوحاً مِّنْ أَمْرِنَا} تفسير : [الشورى: 52] . ابن جرير: بنور وبرهان وهدى. وقيل: برحمة. وقيل: أمدّهم بجبريل (عليه السلام). {وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ ٱللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ أُوْلَـٰئِكَ حِزْبُ ٱللَّهِ أَلاَ إِنَّ حِزْبَ ٱللَّهِ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ} أخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا عبد الله بن يوسف قال: حدّثنا محمّد بن حمدان بن سفيان قال: حدّثنا محمّد بن يزيد بن عبد الله بن سلمان قال: حدّثنا المرداس أبو بلال قال: حدّثنا إسماعيل، عن سعد بن سعيد الجرجاني، عن بعض مشيخته قال: قال داود (عليه السلام): "إلهي، من حزبك وحول عرشك؟". فأوحى الله سبحانه إليه: "يا داود، الغاضّة أبصارهم، النقيّة قلوبهم، السليمة أكفّهم، أولئك حزبي وحول عرشي".

الجيلاني

تفسير : {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ} عليكم {إِذَا تَنَاجَيْتُمْ} فيما بينكم {فَلاَ تَتَنَاجَوْاْ بِٱلإِثْمِ وَٱلْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ ٱلرَّسُولِ} مثل مناجاة أولئك الأشقياء المردودين، بل {وَتَنَاجَوْاْ بِٱلْبِرِّ} الموجب لأنواع الخيرات، الجالب لأكرم المثوبات {وَٱلتَّقْوَىٰ} عن محارم الله، ولا سيما عن عصيان الرسول المستلزم لأنواع الحرمان والخسران {وَ} بالجملة: {ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ} المنتقم الغيور {ٱلَّذِيۤ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ} [المجادلة: 9] وترجعون في يوم البعث والجزاء. {إِنَّمَا ٱلنَّجْوَىٰ} والإسراء بالإثمَّ والعدوان، ومعصية الرسول إنما نشأ {مِنَ ٱلشَّيْطَانِ} المضل الغوي، إنما يحملهم عليها {لِيَحْزُنَ} نجواهم بهذه الأوزار {ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} ويتغمموا بها {وَ} الحال أنه {لَيْسَ} الشيطان، وما يلقنهم من التناجي بالسوء {بِضَآرِّهِمْ} أي: المؤمنين {شَيْئاً} من الضرر {إِلاَّ بِإِذْنِ ٱللَّهِ} ومقتضى مشيئته {وَ} بالجملة: {عَلَى ٱللَّهِ} المراقب لعموم أحوال عباده {فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ} [المجادلة: 10] وأنه سبحانه يكفي لهم مؤنة شرور أعدائهم، ونجواهم بالسوء والعدوان. {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} مقتضى أخلاقكم الحسنة، الموروثة لكم عن إيمانكم وعرفانكم: {إِذَا قِيلَ لَكُمْ} وقت تضيقكم وتحسبكم: {تَفَسَّحُواْ} وتوسعوا {فِي ٱلْمَجَالِسِ} أي: مطلق المجالس المحافل {فَٱفْسَحُواْ} ووسعوا مبادرين بلا مدل وتخرج وتضجر {يَفْسَحِ ٱللَّهُ لَكُمْ} ويوسع عليكم في عموم ما تريدون الوسعة فيه، بل {وَإِذَا قِيلَ} لكم: {ٱنشُزُواْ} وانهضوا، واخرجوا من المضائق والمجالس {فَانشُزُواْ} طائعين راغبين، مريدين الثواب من الله بتوسيعكم على إخوانكم، ولا تتوهموا الإذلال بالنشوز، بل {يَرْفَعِ ٱللَّهُ} القادر المقتدر على وجه الإنعام {ٱلَّذِينَ آمَنُواْ مِنكُمْ} ونشزوا عن المضائق؛ لمصلحة إخوانه طوعاً درجات من القرب والمكانة؛ إذ المؤمن العارف المتمكن في مرتبة اليقين الحقي لا يتفاوت عنده المدح والذم، والإعزاز والإذلال، والمضرة والسمرة، والمنح والمحن مطلقاً. {وَ} بالجملة: {ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ} من حضرة العلم الإلهي {دَرَجَاتٍ} لا يكتنه وصفها ولا حصرها {وَ} بالجملة: {ٱللَّهُ} المطلع بضمائركم {بِمَا تَعْمَلُونَ} من الاستكبار والاستكراه، وتوهم الإذلال والاستنكاف عن الامتثال {خَبِيرٌ} [المجادلة: 11] يجازيكم على مقتضى خبرته. ثمَّ أشار سبحانه إلى تعظيم رسوله صلى الله عليه وسلم، وتأديب من تبعه من المؤمنين المسترشدين منه فقال: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} مقتضى إيمانكم بالله، وتصديقكم برسوله: إنكم {إِذَا نَاجَيْتُمُ ٱلرَّسُولَ} وأردتم المناجاة معه، والاستفادة منه صلى الله عليه وسلم {فَقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ} أي: قدام مناجاتكم، وعرض حاجاتكم إليه {صَدَقَةً} تصديقاً لفقراء الله {ذَلِكَ} أي: التصديق لمحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم {خَيْرٌ لَّكُمْ} في أولاكم وأخراكم {وَأَطْهَرُ} لنفوسكم من الميل إلى زخارف الدنيا {فَإِن لَّمْ تَجِدُواْ} ما تنفقون {فَإِنَّ ٱللَّهَ} المطلع على نياتكم {غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [المجادلة: 12] على من فقد وجه الصدقة. ثمَّ قال سبحانه على سبيل الرخصة: {ءَأَشْفَقْتُمْ} وخفتم الفقر والفاقة من {أَن تُقَدِّمُواْ} وتصدقوا {بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ} أي: قدام مناجاتكم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم {صَدَقَاتٍ} أي: لكل نجوى صدقات ولو كملة طيبة منبئة عن كمال المحبة والوداد {فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُواْ} ولم تصدقوا؛ بسبب الإشفاق عن الفقر {وَتَابَ ٱللَّهُ عَلَيْكُمْ} أي: قبل منكم توبتكم إن صدرت عنكم على وجه الندم والإخلاص عن جريمة الإشفاق والتحسر على ما فوتم، وبالجملة: عفا الله عنكم، وتجاوز عن جريمتكم {فَأَقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ} المؤقتة المكتوبة {وَآتُواْ ٱلزَّكَاةَ} المفروضة المقدرة {وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ} في عموم الأوامر والنواهي على وجه الإخلاص {وَٱللَّهُ} المطلع على ضمائركم ونياتكم {خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} [المجادلة: 13] أي: بعموم أعمالطم وإخلاصكم فيها.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلاَ تَتَنَاجَوْاْ بِٱلإِثْمِ وَٱلْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ ٱلرَّسُولِ} [المجادلة: 9] يعني: أيتها القوة المؤمنة إذا تناجيتم لا تتناجوا بالشك في الواردات ومعادات بعضكم بعضاً معصية أمر اللطيفة الخفية وحظ السالك من هذه الآية ألا يتناجى في مجلس شيخه، لا في الظاهر ولا في الباطن بالشك في المعرفة التي ترد على الشيخ أهي مثل ما ترد علينا من سبيل الفكر والنتائج العقلية؟ ولا في معاداة الأصحاب حسداً عليهم، وعلى أحوالهم، وعلى قلوبهم ومكانتهم عند الشيخ، ولا في العصيان ما يأمره الشيخ به وحظ القوى المؤمنة ألا تأذن للنفس أن يناجي الشيطان في الخلوة، ولا وارد النفس أن يدخل عليها الشيطان، ويلقي في روعها من الشك في الذات والصفات، وفي أنها صارت واصلاً غير محتاجة إلى أمر اللطيفة في الترقي بنفي الخواطر بالذكر والقوى الخفي، ولاشتغل السالك في خلوته بتميز الخواطر بل يشتغل بنفي جميع الخواطر شراً كان أو خيراً {وَتَنَاجَوْاْ بِٱلْبِرِّ وَٱلتَّقْوَىٰ} [المجادلة: 9] يعني: يجوز للقوى المؤمنة أن تناجي القوة القلبية والسرية والروحية والخفية بالبر، وهو ترك محبة الدنيا والتقوى، وهو الاجتناب عن الهوى {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ٱلَّذِيۤ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ} [المجادلة: 9] يعني: اتقوا من الذي يحشر إليه أعمالكم الظاهرة والباطنة ولا تضمروا خلاف ما تظهرونه {إِنَّمَا ٱلنَّجْوَىٰ مِنَ ٱلشَّيْطَانِ} [المجادلة: 10] يعني: من تزيين الشيطان في قلوبكم {لِيَحْزُنَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} [المجادلة: 10] يعني: ليحزن القوى المؤمنة {وَلَيْسَ بِضَآرِّهِمْ شَيْئاً} [المجادلة: 10] يعني: لا يضر القوة المؤمنة بنجواكم {إِلاَّ بِإِذْنِ ٱللَّهِ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ} [المجادلة: 10] لأن القوى المؤمنة آمنوا بأن الضار والنافع هو الله توكلوا عليه، وتيقنوا بأن لا مانع ولا معطي إلا هو، لا يلتفتون إلى نجوى الشياطين، والنفس المنافقة، والقوى السرية الجاحدة {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُواْ فِي ٱلْمَجَالِسِ فَٱفْسَحُواْ يَفْسَحِ ٱللَّهُ لَكُمْ وَإِذَا قِيلَ ٱنشُزُواْ فَانشُزُواْ} [المجادلة: 11] يعني: أيتها القوة المؤمنة؛ إذ قيل لكم بالخاطر الإلهامي: أن أفسحوا في خلوتكم على قواكم بترك المجاهدة الشاقة فافسحوا، يفسح الله لكم بالمشاهدات والمكاشفات الوهبية، وإذا قيل لكم: انهضوا من مقامكم بدخولكم على أحوالكم للترقي من مقام، فانهضوا ولا تعسروا بما وجدتم في ذلك المقام؛ لأن في ذلك المقام لا في مقام أعلى منه تجدون معارف أفضل مما وجدتم في مقامكم هذا {يَرْفَعِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ مِنكُمْ} [المجادلة: 11] يعني: يرفع الله ذكر القوة المؤمنة القائمة بأمر اللطيفة الخفية عن مقام السر، ودخولها في حك الأحوال التي تتعلق بالروح الخفي {وَٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ دَرَجَاتٍ} [المجادلة: 11] يعني: لمن وصل إلى عالم الحق وشرف العلم اللدني درجات غير متناهية {وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} [المجادلة: 11] من القيام عن حظوظكم وترك شهواتكم، واختياركم أمر اللطيفة الخفية، وحظ هذا السالك من هذه الآية أن يترك جميع معارفه بأمر مسلكه، وينفي الكرامات العيانية والبيانية باشتغاله بذكر حقه، ولا يطلب من الحق شيئاً غيره.