٥٨ - ٱلْمُجَادِلَة
58 - Al-Mujadila (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
10
Tafseer
الرازي
تفسير : قوله تعالى: {إِنَّمَا ٱلنَّجْوَىٰ مِنَ ٱلشَّيْطَـٰنِ لِيَحْزُنَ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ } الألف واللام في لفظ {ٱلنَّجْوَىٰ } لا يمكن أن يكون للاستغراق، لأن في النجوى ما يكون من الله ولله، بل المراد منه المعهود السابق وهو النجوى بالإثم والعدوان، والمعنى أن الشيطان يحملهم على أن يقدموا على تلك النجوى التي هي سبب لحزن المؤمنين، وذلك لأن المؤمنين إذا رأوهم متناجين، قالوا: ما نراهم إلا وقد بلغهم عن أقربائنا وإخواننا الذين خرجوا إلى الغزوات أنهم قتلوا وهزموا، ويقع ذلك في قلوبهم ويحزنون له. ثم قال تعالى: {وَلَيْسَ بِضَارّهِمْ شَيْئاً إِلاَّ بِإِذْنِ ٱللَّهِ } وفيه وجهان: أحدهما: ليس يضر التناجي بالمؤمنين شيئاً والثاني: الشيطان ليس بضارهم شيئاً إلا بإذن الله، وقوله: {إِلاَّ بِإِذْنِ ٱللَّهِ } فقيل: بعلمه وقيل: بخلقه، وتقديره للأمراض وأحوال القلب من الحزن والفرح، وقيل: بأن يبين كيفية مناجاة الكفار حتى يزول الغم. ثم قال: {وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ } فإن من توكل عليه لا يخيب أمله ولا يبطل سعيه.
القرطبي
تفسير : فيه مسألتان: الأولى: قوله تعالى: {إِنَّمَا ٱلنَّجْوَىٰ مِنَ ٱلشَّيْطَانِ} أي من تزيين الشياطين {لِيَحْزُنَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} إذ توهموا أن المسلمين أصيبوا في السرايا، أو إذا أجروا ٱجتماعهم على مكايدة المسلمين، وربما كانوا يناجون النبيّ صلى الله عليه وسلم فيظن المسلمون أنهم ينتقصونهم عند النبيّ صلى الله عليه وسلم {وَلَيْسَ بِضَآرِّهِمْ} أي التناجي {شَيْئاً إِلاَّ بِإِذْنِ ٱللَّهِ} أي بمشيئته وقيل: بعلمه. وعن ٱبن عباس: بأمره. {وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ} أي يكِلون أمرهم إليه، ويفوّضون جميع شؤونهم إلى عونه، ويستعيذون به من الشيطان ومن كل شر؛ فهو الذي سلّط الشيطان بالوساوس ٱبتلاءً للعبد وٱمتحاناً ولو شاء لصرفه عنه. الثانية: في الصحيحين عن ٱبن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إذا كان ثلاثة فلا يتناجى ٱثنان دون الواحد»تفسير : . وعن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إذا كنتم ثلاثة فلا يتناجى ٱثنان دون الآخر حتى تختلطوا بالناس من أجل أن يحزنه» تفسير : فبيّن في هذا الحديث غاية المنع وهي أن يجد الثالث من يتحدّث معه كما فعل ٱبن عمر؛ وذلك أنه كان يتحدّث مع رجل فجاء آخر يريد أن يناجيه فلم يناجه حتى دعا رابعاً، فقال له وللأوّل: تأخرا وناجى الرجل الطالب للمناجاة. خرجه الموطأ. وفيه أيضاً التنبيه على التعليل بقوله: «من أجل أن يحزنه» أي يقع في نفسه ما يحزن لأجله. وذلك بأن يقدّر في نفسه أن الحديث عنه بما يكره، أو أنه لم يروه أهلاً ليشركوه في حديثهم، إلى غير ذلك من أُلْقِيات الشيطان وأحاديث النفس. وحصل ذلك كله من بقائه وحده، فإذا كان معه غيره أَمِن ذلك؛ وعلى هذا يستوي في ذلك كل الأعداد، فلا يتناجى أربعة دون واحدٍ ولا عشرة ولا ألف مثلاً؛ لوجود ذلك المعنى في حقه؛ بل وجوده في العدد الكثير أمكن وأوقع، فيكون بالمنع أولى. وإنما خص الثلاثة بالذكر؛ لأنه أوّل عددٍ يتأتى ذلك المعنى فيه. وظاهر الحديث يعم جميع الأزمان والأحوال، وإليه ذهب ٱبن عمر ومالك والجمهور. وسواء أكان التناجي في مندوبٍ أو مباح أو واجب فإنّ الحزن يقع به. وقد ذهب بعض الناس إلى أن ذلك كان في أوّل الإسلام؛ لأن ذلك كان في حال المنافقين فيتناجى المنافقون دون المؤمنين، فلما فشا الإسلام سقط ذلك. وقال بعضهم: ذلك خاص بالسفر في المواضع التي لا يأمن الرجل فيها صاحبه، فأما في الحضر وبين العمارة فلا؛ فإنه يجد من يعينه، بخلافِ السفر فإنه مظنة الاغتيال وعدم المغيث. والله أعلم.
المحلي و السيوطي
تفسير : {إِنَّمَا ٱلنَّجْوَىٰ } بالإِثم ونحوه {مِنَ ٱلشَّيْطَٰنِ } بغروره {لِيَحْزُنَ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَلَيْسَ } هو {بِضَارّهِمْ شَيْئاً إِلاَّ بِإِذْنِ ٱللَّهِ } أي إرادته {وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ }.
ابن عبد السلام
تفسير : {إِنَّمَا النَّجْوَى} أحلام النوم المحزنة أو تناجي اليهود والمنافقين بالإرجاف بالمسلمين.
ابن عادل
تفسير : قوله تعالى: {إِنَّمَا ٱلنَّجْوَىٰ مِنَ ٱلشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ}. تقدم قراءتنا "ليحزن" بالضم والفتح في "آل عمران" [آل عمران 176]. وقرىء: "بفتح الياء والزاي" على أنه مسند إلى الموصول بعده، فيكون فاعلاً. فصل في تحرير معنى الآية قال ابن الخطيب: الألف واللام في لفظ "النجوى" لا يمكن أن يكون للاستغراق؛ لأن في "النجوى" ما يكون من الله ولله، بل المراد منه: المعهود السابق، وهو النجوى بالإثم ليحزن المؤمنين إذا رأوهم متناجين. قال المفسرون: معنى قوله تعالى: {إِنَّمَا ٱلنَّجْوَىٰ مِنَ ٱلشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} وتوهموا أن المسلمين أصيبوا في السَّرايا، أو إذا رأو اجتماعهم على مكايدة المسلمين، وربما كانوا يناجون النبي صلى الله عليه وسلم فيظن المسلمون أنهم ينتقصونهم عند النبي صلى الله عليه وسلم {وَلَيْسَ بِضَآرِّهِمْ} أي: التناجي {شَيْئاً إِلاَّ بِإِذْنِ ٱللَّهِ} أي: بمشيئته. وقيل: بعلمه. وعن ابن عبَّاس - رضي الله عنهما - بأمره. {وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ} أي: يكلون أمرهم إليه، ويفوضون [جميع] شئونهم إلى عونه. فصل في النهي عن التناجي روى ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : إذَا كَانَ ثلاثةٌ فَلا يَتَنَاجَى اثْنانِ دُونَ الواحدِ ". تفسير : وعن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إذَا كَانَ ثَلاثَةٌ فَلا يَتَنَاجَى اثْنَانِ دُونَ الآخَرِ حتَّى يَخْتلطُوا بالنَّاسِ من أجْلِ أنْ يُحْزِنَهُ ". تفسير : فبين في هذا الحديث غاية المنع، وهو أن يجد الثالث من يتحدث معه كما فعل ابن عمر، وذلك أنه كان يتحدث مع رجل، فجاء آخر يريد أن يناجيه فلم يُناجِهِ حتى دعا رابعاً، فقال له وللأول: تأخَّرا وناجى الرجل الطَّالب للمناجاة. خرجه في "الموطأ" ونبه فيه على العلة بقوله: "مِنْ أجْلِ أن يُحْزِنَهُ" أي: يقع في نفسه ما يحزن لأجله، وذلك بأن يقدر في نفسه أن الحديث عنه بما يكره، أو أنهم لم يروه أهلاً بأن يشركوه في حديثهم، إلى غير ذلك من ألقيات الشيطان، وأحاديث النفس، ويحصل ذلك كله من بقائه وحده، فإذا كان معه غيره أمن ذلك، وعلى هذا يستوي في ذلك كل الأعداد، فلا يتناجى أربعة دون واحد، ولا عشرة ولا ألف مثلاً، لوجود ذلك المعنى في حقه، بل وجوده في العدد الكثير أمكن وأوقع، فيكون بالمنع أولى، وإنما خص الثلاثة بالذكر؛ لأنه أول عدد يتأتى ذلك فيه. قال القرطبي: "وظاهر الحديث يعم جميع الأزمان والأحوال". وذهب إليه ابن عمر ومالك والجمهور وسواء كان التناجي في مندوب، أو مباح، أو واجب فإن الحزن يقع به. وقد ذهب بعض الناس إلى أن ذلك في أول الإسلام؛ لأن ذلك كان حال المنافقين، فيتناجى المنافقون دون المؤمنين، فلما فشا الإسلام سقط ذلك. وقال بعضهم: ذلك خاصّ بالسفر، وفي المواضع التي لا يأمن الرجل فيها صاحبه، فأما في الحضر وبين العمارة فلا؛ لأنه يجد من يعينه، بخلاف السفر فإنه مظنَّة الاغتيال وعدم الغوث. والله أعلم. قوله تعالى: {يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُواْ فِي ٱلْمَجَالِسِ} الآية. وجه التعلق، لما نهى المؤمنين عما يكون سبباً للتباغُضِ والتنافر، أمرهم الآن بما يصير سبباً لزيادة المحبَّة والمودة. وقال القرطبي: لما بين أنَّ اليهود يحيوه بما لم يحيّه الله، وذمّهم على ذلك وصل به الأمر بتحسين الأدب في مجالسة رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى لا يضيقوا عليه المجلس، وأمر المسلمين بالتَّعاطف والتَّآلف حتى يفسح بعضهم لبعض حتى يتمكّنوا من الاستماع من رسول الله صلى الله عليه وسلم والنظر إليه. فصل في نزول الآية قال قتادة ومجاهد والضحاك رضي الله عنهم: كانوا يتنافسون في مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمرهم أن يفسح بعضهم لبعض. وقال ابن عباس رضي الله عنهما: المراد بذلك مجالس القتال إذا اصطفوا للحرب. وقال الحسن ويزيد بن أبي حبيب: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا قاتل المشركين تشاح أصحابه - رضي الله عنهم - على الصف الأول فلا يوسع بعضهم لبعض رغبة في القتال والشهادة، فنزلت، فيكون كقوله تعالى: {أية : مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ} تفسير : [آل عمران: 121]. وقال مقاتل: كان النبي صلى الله عليه وسلم في "الصفة" وكان في المكان ضيق، وكان يكرم أهل "بدر" من المهاجرين والأنصار فجاءنا أناس من أهل "بدر" وقد سبقوا إلى المجلس فقاموا قبالة رسول الله صلى الله عليه وسلم على أرجلهم ينتظرون أن يوسع لهم، فعرف رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يحملهم على القيام، وشقّ ذلك على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال صلى الله عليه وسلم لمن حوله من غير أهل "بدر": "قُمْ يا فُلانُ" بعدد القائمين من أهل "بدر" فشقّ ذلك على من قام، وعرف النبي صلى الله عليه وسلم الكراهة في وجوههم. فقال المنافقون: والله ما عدل على هؤلاء أن قوماً أخذوا مجالسهم، وأحبوا القرب منه، فأقامهم وأجلس من أبْطَأ، فنزلت الآية يوم الجمعة. وروي عن ابن عبَّاس قال نزلت الآية في ثابت بن قيس بن شماس، وذلك أنه دخل المسجد، وقد أخذ القوم مجالسهم، وكان يريد القرب من رسول الله صلى الله عليه وسلم للوَقْر الذي كان في أذنيه، فوسعوا له حتى قرب من النبي صلى الله عليه وسلم ثم ضايقه بعضهم وجرى بينهم وبينه كلام ووصف الرسول صلى الله عليه وسلم محبته للقرب منه ليسمع كلامه، وإن فلاناً لم يفسح له، فنزلت هذه الآية. قوله تعالى: {تَفَسَّحُواْ فِي ٱلْمَجَالِسِ}. قرأ الحسن، وداود بن أبي هند، وعيسى، وقتادة: "تَفَاسحُوا"، والباقون: "تَفَسَّحوا" أي: توسعوا والفُسْحة: السَّعة، وفسح له: أي وسع له، ومنه قولهم: "بلد فسيحٌ" ولك في كذا فسحة، وفسح يَفْسَحُ، مثل: "مَنَعَ يَمْنَعُ" أي: وسع في المجلس، و "فَسُحَ يَفْسُحُ فَسَاحَةً" مثل: "كَرُمَ يَكْرُمُ كرامة" أي: صار واسعاً، ومنه مكان فسيح. وقرأ عاصم: "في المجالس" جمعاً اعتباراً بأن لكلّ واحد منهم مجلساً. والباقون: بالإفراد إذ المراد مجلس الرسول صلى الله عليه وسلم وهو أحسن من كونه واحداً أريد به الجمع، وقرىء: "في المَجْلَس" - بفتح اللام - وهو المصدر، أي: تفسحوا في جلوسكم، ولا تتضايقوا. فصل في أن الآية عامة في كل مجلس خير قال القرطبي: الصحيح في الآية أنها عامة في كل مجلس اجتمع المسلمون فيه للخير، والأجر، سواء كان مجلس حَرْب أو ذكر، أو مجلس يوم الجمعة، وإن كل واحد أحق بمكانه الذي سبق إليه. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : مَنْ سَبَقَ إلى مَا سَبَقَ إليْهِ فَهُوَ أحقُّ بِهِ ولكِنْ يُوسِّعُ لأخيهِ ما لم يتأذَّى بذلكَ فيُخْرجهُ الضَّيْقُ من موضعه ". تفسير : روى البخاري ومسلم عن ابن عمر - رضي الله عنهما - عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : لا يُقِيمُ الرَّجلُ الرَّجُلَ مِنْ مَجْلِسِهِ ثُمَّ يَجْلِسُ فِيْه ". تفسير : وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى أن يقام الرجل من مجلسه، ويجلس فيه آخر، ولكن تفسّحوا وتوسّعوا. وكان ابن عمر رضي الله عنهما يكره أن يقيم الرجل من مجلسه، ثم يجلس مكانه. وروى أبو هريرة عن جابر - رضي الله عنهما - عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : لا يُقِيمنَّ أحَدُكُمْ أخَاهُ يَوْمَ الجُمعَةِ ثُمَّ يُخَالفُ إلى مَقْعَدهِ، فَيقْعُدَ فِيْهِ، ولكِنْ يقُولُ: أفسحوا ". تفسير : فصل إذا قام من مكانه، فقعد غيرهُ نظرنا، فإن كان الموضع الذي قام إليه مثل الأول في سماع كلام الإمام، لم يكره له ذلك، وإن كان أبعد من الإمام كره له ذلك؛ لأن فيه تفويت حظه. فصل إذا أمر رجل إنساناً أن يبكر إلى الجامع، فيأخذ له مكاناً يقعد فيه لا يكره، فإذا جاء الآمر يقوم من الموضع؛ لأن ابن سيرينَ كان يرسل غلامه إلى مجلس له في يوم الجمعة، فيجلس فيه، فإذا جاء قام له منه، وعلى هذا من أرسل بساطاً أو سجَّادة، فيبسط له في موضع من المسجد أنه لا يزعج منه. وروى مسلم عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : إذَا قَامَ أحَدُكُمْ" تفسير : - وفي حديث أبي عوانة: "حديث : مَنْ قَامَ مِنْ مَجْلسهِ - ثُمَّ رَجَعَ إليْهِ فَهُوَ أحَقُّ بِهِ" تفسير : ذكره القرطبي في "تفسيره". قوله: {يَفْسَحِ ٱللَّهُ لَكُمْ}. قال ابن الخطيب: هذا مطلق فيما يطلب النَّاس الفسحة فيه من المكان والرزق والصدر والقبر والجنة، قال: ولا ينبغي للعاقل أن يقيد الآية بالتفسُّح في المجلس بل المراد منه إيصال الخير إلى المسلم وإدخال السرور في قلبه. قوله: {وَإِذَا قِيلَ ٱنشُزُواْ فَٱنشُزُواْ}. قرأ نافع، وابن عامر، وأبو بكر بخلاف عنه بضم شين "انْشُزُوا" في الحرفين، والباقون: بكسرهما، وهما لغتان بمعنى واحد، يقال: نشز أي: ارتفع، يَنْشِزُ ويَنْشُزُ كـ "عَرَشَ يَعْرِشُ ويَعْرُشُ؛ وعَكَفَ يَعْكفُ ويَعْكُفُ" وتقدم الكلام على هذا في "المائدة". فصل في معنى انشزوا قال ابن عباس: معناه إذا قيل لكم: ارتفعوا فارتفعوا. قال مجاهد والضحاك: إذا نودي للصَّلاة فقوموا إليها، وذلك أن رجالاً تثاقلوا عن الصلاة، فنزلت. وقال الحسن ومجاهد أيضاً: انهضوا إلى الحرب. وقال ابن زيد والزَّجَّاج: هذا في بيت النبي صلى الله عليه وسلم كان كل رجل منهم يحب أن يكون آخر عهده بالنبي صلى الله عليه وسلم فقال الله تعالى: {وَإِذَا قِيلَ ٱنشُزُواْ} عن النبي صلى الله عليه وسلم "فانْشُزُوا" أي ارتفعوا عنه فإن له حوائج فلا تمكثوا. وقال قتادة: معناه: أجيبوا إذا دعيتم إلى أمر بالمعروف. قال القرطبي: "وهذا هو الصحيح لأنه يعم، والنَّشْز: الارتفاع، مأخوذ من نَشْزِ الأرض، وهو ارتفاعها". قوله: {يَرْفَعِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} بطاعاتهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم وقيامهم في مجالسهم، وتوسّعهم لإخوانهم. وقوله تعالى: {وَٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ} يجوز أن يكون معطوفاً على "الَّذين آمنوا"، فهو من عطف الخاص على العام؛ لأن الذين أوتوا العلم بعض المؤمنين منهم، ويجوز أن يكون "الذين أوتوا" من عَطْف الصفات، أي: تكون الصفتان لذات واحدة، كأنه قيل: يرفع الله المؤمنين العلماء، و "درجات" مفعول ثان. وقد تقدم الكلام على نحو ذلك في "الأنعام". وقال ابن عباس رضي الله عنه: تم الكلام عند قوله تعالى: "منكم"، وينصب "الذين أوتوا" بفعل مضمر، أي: ويخصّ الذين أوتوا العلم بدرجات، أو يرفعهم درجات. فصل في تحرير معنى الآية قال المفسرون في هذه الآية: إن الله - تعالى - رفع المؤمن على من ليس بمؤمن، والعالم على من ليس بعالم. قال ابن مسعود رضي الله عنه: مدح الله العلماء في هذه الآية والمعنى: أن الله - تعالى - يرفع الذين أوتوا العلم على الذين آمنوا ولم يؤتوا العلم درجات في دينهم إذا فعلوا ما أمروا به. وقيل: كان أهل الغنى يكرهون أن يزاحمهم من يلبس الصوف، فيسبقون إلى مجلس النبي صلى الله عليه وسلم فالخطاب لهم. حديث : ورأى رسول الله صلى الله عليه وسلم رجُلاً من الأغنياء يقبض ثوبه نفوراً من بعض الفقراء أراد أن يجلس إليه، فقال: "يا فُلاَنُ أخَشِيْتَ أنْ يتعدَّا غِناكَ إليْهِ أوْ فَقْرُه إلَيْكَ" . تفسير : وبيّن في هذه الآية أن الرِّفعة عند الله - تعالى - بالعلم والإيمان لا بالسَّبْق إلى صدور المجالس. وقيل: أراد بالذين أوتوا العلم الذين قرأوا القرآن. وروى يحيى بن يحيى عن مالك - رضي الله عنه - {يَرْفَعِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ مِنكُمْ} الصحابة، {وَٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ دَرَجَاتٍ} يرفع الله - تعالى - بها العالم والطالب. قال القرطبي: ثبت في الصحيح أن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - كان يقدم عبد الله بن عباس على الصحابة فكلموه في ذلك، فدعاهم ودعاه، وسألهم عن تفسير: {أية : إِذَا جَآءَ نَصْرُ ٱللَّهِ وَٱلْفَتْحُ} تفسير : [النصر: 1] فسكتوا فقال ابن عباس: هو أجل رسول الله صلى الله عليه وسلم أعلمه الله إيَّاه، فقال عمر: ما أعلم منها إلا ما تعلم. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : بَيْنَ العَالمِ والعَابدِ مائَةُ دَرَجَةٍ، بَيْنَ كُلِّ دَرَجتيْنِ حَضْر الجَوادِ المُضمَّرِ سَبْعِيْنَ سَنَة ". تفسير : وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : فَضْلُ العَالمِ عَلى العَابِدِ كَفضْلِ القَمَرِ ليْلَةَ البَدْرِ عَلى سَائِرِ الكَواكِبِ ". تفسير : وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : يَشْفَعُ يَوْمَ القِيامَةِ ثلاثةٌ: الأنْبِيَاءُ ثُمَّ العلماءُ ثُمَّ الشُّهداءُ ". تفسير : فأعظم بمنزلة هي واسطة بين النبوة والشهادة بشهادة رسول الله صلى الله عليه وسلم. وعن ابن عباس رضي الله عنه: "خُيِّرَ سليمان - صلوات الله وسلامه عليه - بين العلم والمال والملك، فاختار العلم فأعطي المال والملك معه". "حديث : ومر النبي صلى الله عليه وسلم بمجلسين في مسجده، أحد المجلسين يدعون الله عز وجل ويرغبون إليه، والآخر يتعلمون الفقه ويعلمونه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كِلاَ المَجْلِسيْنِ عَلَى خَيْرٍ، وأحَدُهُمَا أفْضَلُ مِنْ صَاحبهِ، أمَّا هؤلاءِ فَيَدْعُونَ اللَّهَ - عزَ وجلَّ - ويرغبُون إليه، وأمَّا هؤلاءِ فيتعلَّمونَ الفقهَ ويُعَلِمُّونَ الجاهلَ، فهؤلاءِ أفضلُ، وإنَّمَا بُعِثْتُ مُعَلِّماً" ثم جلس فيهم ". تفسير : قوله تعالى: {يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا نَاجَيْتُمُ ٱلرَّسُولَ فَقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً} الآية. قال ابن عباس في سبب النزول: إن المسلمين كانوا يكثرون المسائل على رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى شقوا عليه فأنزل الله - تعالى - هذه الآية فكفَّ كثير من الناس. وقال الحسن: إن قوماً من المسلمين كانوا يستخلون بالنبي صلى الله عليه وسلم يناجونه، فظن بهم قوم من المسلمين أنهم ينتقصونهم في النَّجوى، فشق ذلك عليهم، فأمرهم الله - تعالى - بالصَّدقة عند النجوى ليقطعهم عن استخلائه. وقال زيد بن أسلم: إن المنافقين واليهود كانوا يناجون النبي صلى الله عليه وسلم ويقولون: إنه أذُن يسمع كلَّ ما قيل له، وكان لا يمنع أحداً مُناجاته، فكان ذلك يشقّ على المسلمين؛ لأن الشيطان كان يلقي في أنفسهم أنهم ناجوه بأن جموعاً اجتمعت لقتاله، فأنزل الله تعالى: {أية : يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلاَ تَتَنَاجَوْاْ بِٱلإِثْمِ وَٱلْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ ٱلرَّسُولِ} تفسير : [المجادلة: 9] الآية، فلم ينتهوا فأنزل الله هذه الآية فانتهى أهل الباطل عن النجوى؛ لأنهم لم يقدموا بين يدي نجواهم صدقة، وشقّ ذلك على أهل الإيمان، وامتنعوا عن النجوى لضعف مقدرة كثير منهم عن الصدقة، فخفف الله - تعالى - عنهم بما بعد الآية. قال ابن العربي: وهذا الخبر يدل على أن الأحكام لا تترتب بحسب المصالح، فإن الله - تعالى - قال: {ذَلِكَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَأَطْهَرُ} ثم نسخه مع أنه كونه خيراً وأطهر، وهذا يرد على المعتزلة في التزام المصالح. فصل فيمن اعتبر الصدقة واجبة أو مندوبة ظاهر الآية يدلّ على أن تقديم الصَّدقة كان واجباً؛ لأن الأمر للوجوب، ويؤكد ذلك بعده قوله تعالى: {فَإِن لَّمْ تَجِدُواْ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} وهذا لا يقال إلا فيما بفقده يزول وجوبه. وقيل: كان مندوباً بقوله تعالى: {ذَلِكَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَأَطْهَرُ} وهذا إنما يستعمل في التطوع لا في الواجب، ولأنه لو كان واجباً لما أزيل وجوبه لكلام متصل به وهو قوله تعالى: {أَأَشْفَقْتُمْ أَن تُقَدِّمُواْ} [إلى آخر الآية]. وأجيب عن الأول: أن المندوب كما يوصف بأنه خير وأطهر، فكذلك أيضاً يوصف به الواجب. وعن الثاني: أنه لا يلزم من اتصال الآيتين في التلاوة كونهما متَّصلتين في النزول كما قيل في الآية الدَّالة على وجوب الاعتداد أربعة أشهر وعشراً أنها ناسخة للاعتداد بحول، وإن كان الناسخ متقدماً في التلاوة على المنسوخ. انتهى. فصل اختلفوا في مقدار تأخُّر الناسخ عن المنسوخ في هذه الآية، فقال الكلبي رحمه الله: ما بقي ذلك التكليف إلا ساعة من النهار ثم نسخ. وقال مقاتل بن حيان: بقي ذلك التكليف عشرة أيام، ثم نسخ لما روي عن علي - رضي الله عنه - أنه قال: إنَّ في كتاب الله لآية ما عمل بها أحد قبلي، ولا عمل بها أحد بعدي كان لي دينار، فاشتريت به عشرة دراهم، وكلما ناجيت النبي صلى الله عليه وسلم قدمت بين يدي نجواي درهماً، ثم نسخت فلم يعمل بها. وروي عن ابن جريج، والكلبي، وعطاء عن ابن عباس - رضي الله عنهم - أنَّهم نهوا عن المُناجاة حتى يتصدقوا، فلم يُناج أحد إلاَّ عليٌّ تصدق بدينار، ثم نزلت الرخصة. وقال ابن عمر: لقد كانت لعلي - رضي الله عنه - ثلاثة، لو كانت لي واحدة منهن كانت أحب إليَّ من حمر النعم: تزويجه فاطمة - رضي الله عنها - وإعطاؤه الرَّاية يوم "خيبر"، وآية النجوى. {ذَلِكَ خَيْرٌ لَّكُمْ} من إمساكها، "وأطْهَرُ" لقلوبكم من المعاصي {فَإِن لَّمْ تَجِدُواْ} يعني: الفقراء {فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}. روى الترمذي عن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - قال: "حديث : لما نزلت {يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا نَاجَيْتُمُ ٱلرَّسُولَ فَقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً} سألت النبي صلى الله عليه وسلم فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "مَا ترى دِيْنَاراً؟" قلت: لا يطيقونه، قال: "نِصْف دِيْنَارٍ"، قلت: لا يطيقونه، قال: "فَكَمْ"؟ قلت: شعيرة، قال: "إنَّك لزَهِيدٌ" فنزلت {أَأَشْفَقْتُمْ أَن تُقَدِّمُواْ} الآية ". تفسير : ومعنى قوله: "شعيرة" من ذهب، ومعنى قوله صلى الله عليه وسلم: "إنَّك لزَهِيْدٌ" أي: لقليل المال فقدّرت على حسب حالك. قال ابن العربي: "وهذا يدلّ على نسخ العبادة قبل فعلها، وعلى النَّظر في المقدّرات بالقياس". قال القرطبي: "والظَّاهر أنَّ النسخ إنما وقع بعد فعل الصَّدقة كما تقدم". فصل فيمن استدل بالآية على عدم وقوع النسخ أنكر أبو مسلم وقوع النسخ، وقال: إنَّ المنافقين كانوا يمتنعون عن بذل الصدقات، وإن قوماً من المنافقين تركوا النفاق وآمنوا ظاهراً وباطناً إيماناً حقيقيًّا، فأراد الله أن يميزهم عن المنافقين، فأمر بتقديم الصَّدقة على النَّجْوَى ليتميز هؤلاء الذين آمنوا على من بقي على نفاقه الأصلي، فلما كان هذا التكليف لأجل هذه المصلحة المقدرة لذلك الوقت، لا جرم يقدر هذا التكليف بذلك الوقت. قال ابن الخطيب: وحاصل قول أبي مسلم: أن ذلك التكليف مقدر بغاية مخصوصة، ووجب انتهاؤه عند الانتهاء إلى تلك الغاية المخصوصة، ولا يكون هذا نسخاً، وهذا كلام حسن، والمشهور عند الجمهور أنه منسوخ بقوله: {أَأَشْفَقْتُمْ}. وقيل: منسوخ بوجوب الزكاة. قوله تعالى: {أَأَشْفَقْتُمْ أَن تُقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ}. هذا استفهام معناه التقرير. قال ابن عباس رضي الله عنهما: "أأشفقتم" أي: أبخلتم بالصدقة. وقيل: خفتم. و "الإشفاق": الخوف من المكروه، أي: خفتم بالصدقة، وشقّ عليكم أن تقدموا بين يدي نجواكم صدقات. قوله تعالى: {فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُواْ}. في "إذ" هذه ثلاثة أقوال: أحدها: أنها على بابها من المعنى: أنكم تركتم ذلك فيما مضى، فتداركوه بإقامة الصَّلاة. قاله أبو البقاء. الثاني: أنها بمعنى "إذا" كقوله تعالى: {أية : إِذِ ٱلأَغْلاَلُ فِيۤ أَعْنَاقِهِمْ} تفسير : [غافر: 71] وتقدم الكلام فيه. الثالث: أنها بمعنى "إن" الشرطية، وهو قريب مما قبله؛ إلا أن الفرق بين "إن"، و "إذا" معروف. فصل في معنى الآية المعنى: فإن لم تفعلوا ما أمرتم به، {وَتَابَ ٱللَّهُ عَلَيْكُمْ} أي: ونسخ الله ذلك الحكم، ورخص بكم في ألاَّ تفرطوا في الصَّلاة والزكاة، وسائر الطاعات، وهذا خطاب لمن وجد ما يتصدق به، وهذا يدل على جواز النسخ قبل الفعل. قال القرطبي: وما روي عن علي - رضي الله عنه - ضعيف؛ لأن الله - تعالى - قال: {فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُواْ} وهذا يدلّ على أن أحداً لم يتصدق بشيء. فصل في أنَّ الآية لا تدل على تقصير المؤمنين فإن قيل: ظاهر الآية يدل على تقصير المؤمنين في ذلك التكليف، وبيانه من وجوه: الأول: قوله تعالى: {أَأَشْفَقْتُمْ أَن تُقَدِّمُواْ} يدل على تقصيرهم. الثاني: قوله تعالى: {فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُواْ}. الثالث: قوله عز وجل: {وَتَابَ ٱللَّهُ عَلَيْكُمْ}. فالجواب: قال ابن الخطيب: ليس الأمر كما قلتم؛ لأن القوم لم يكلفوا بأن يقدموا على الصَّدقة، ويشتغلوا بالمناجاة، بل أمروا أنهم لو أرادوا المناجاة، فلا بد من تقديم الصَّدقة فمن ترك المناجاة، فلا يمكن أن يكون مقصراً، فأما لو قيل بأنهم ناجوا من غير تقديم الصدقة، فهذا أيضاً غير جائز؛ لأن المناجاة لا تمكن إلا إذا مكن الرسول صلى الله عليه وسلم من المناجاة فإذا لم يمكنهم من ذلك لم يقدروا على المناجاة، فعلمنا أن الآية لا تدل على صدور التقصير منهم. فأما قوله تعالى: {أَأَشْفَقْتُمْ} فلا يمنع من أنه - تعالى - علم ضيق صدور كثير منهم عن إعطاء الصدقة في المستقبل لو دام الوجوب. فقال هذا القول. وأما قوله عز وجل: {وَتَابَ ٱللَّهُ عَلَيْكُمْ} فليس في الآية أنه تاب عليهم من هذا التقصير، بل يحتمل أنكم إن كنتم تائبين راجعين إلى الله تعالى، وأقمتم الصلاة وآتيتم الزكاة، فقد [كفاكم] هذا التَّكليف. قوله تعالى {وَٱللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ}. روي عن أبي عمرو: {خبير بِمَا يعْملُونَ} بالياء من تحت، والمشهور عنه كالجماعة بتاء الخطاب. والمعنى: يحيط بأعمالكم ونيَّاتكم. قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ تَوَلَّوْاْ قَوْماً غَضِبَ ٱللَّهُ عَلَيْهِم}. قال قتادة: هم المنافقون تولّوا اليهود. وقال السدي ومقاتل: هم اليهود. {مَّا هُم مِّنكُمْ وَلاَ مِنْهُمْ} يعني: المنافقين ليسوا من المؤمنين في الدين والولاء، ولا من اليهود والكافرين، كما قال جل ذكره: {أية : مُّذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَٰلِكَ لاَ إِلَىٰ هَـٰؤُلاۤءِ وَلاَ إِلَى هَـٰؤُلاۤءِ} تفسير : [النساء: 143]. {وَيَحْلِفُونَ عَلَى ٱلْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ}. قال السدي ومقاتل رضي الله عنهما: "حديث : نزلت في عبد الله بن أبيّ ابن سلول، وعبد الله بن نبتل المنافقين، كان أحدهما يجالس رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم يرفع حديثه إلى اليهود، فبينا رسول الله صلى الله عليه وسلم في حُجْرة من حُجَره، إذ قال: "يَدْخُلُ الآنَ عَليْكُم رجُلٌ قلبهُ قَلْبُ جبَّارٍ، وينْظرُ بِعَيْني شَيْطانٍ"، فدخل عبد الله بن نبتل، وكان أزرق، أسمر قصيراً، خفيف اللحية، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: "علاَمَ تَشْتُمنِي أنْتَ وأصْحَابُكَ"؟ فحلف بالله ما فعل، وجاء بأصحابه، فحلفوا بالله ما شتموه، فأنزل الله - تعالى - هذه الآية" تفسير : فقال عز وجل: {وَيَحْلِفُونَ عَلَى ٱلْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} أنهم كذبة. قال ابن الخطيب رحمه الله: والمراد من هذا الكذب، إما ادِّعاؤهم كونهم مسلمين، وإما أنهم كانوا يسبُّون الله - تعالى - ورسوله صلى الله عليه وسلم ويكيدون المسلمين، وإذا قيل: إنكم فعلتم ذلك خافوا على أنفسهم من القتل، فيحلفون أنهم ما قالوا ذلك وما فعلوه، فهذا هو الكذب الذي يحلفون عليه، وهذه الآية تدلّ على فساد قول الجاحظ: إن الكذب هو الخبرُ المخالف لاعتقاد المخبر. قوله: {مَّا هُم مِّنكُمْ وَلاَ مِنْهُمْ} يجوز في هذه الجملة ثلاثة أوجه: أحدها: أنها مستأنفة، لا موضع لها من الإعراب، أخبر عنهم بأنهم ليسوا من المؤمنين الخُلَّص، بل كقوله تعالى: {أية : مُّذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَٰلِكَ لاَ إِلَىٰ هَـٰؤُلاۤءِ وَلاَ إِلَىٰ هَـٰؤُلاۤءِ} تفسير : [النساء: 143] فالضمير في "ما هم" عائد على {ٱلَّذِينَ تَوَلَّوْاْ}، وهم المنافقون، وفي "مِنْهُمْ" عائد على اليهود، وهم الكافرون الخلص. والثاني: أنها حالٌ من فاعل "تولوا" والمعنى على ما تقدم أيضاً. والثالث: أنها صفة ثانية لـ "قوماً" فعلى هذا يكون الضمير في "ما هم" عائداً على "قوماً" وهم اليهود، والضمير في "منهم" عائد على "الذين تولّوا" يعني اليهود ليسوا منكم أيها المؤمنون، ولا من المنافقين، ومع ذلك تولاَّهم المنافقون. قاله ابن عطية. إلا أن فيه تنافر الضمائر، فالضمير في "وَيَحْلِفُونَ" عائد على "الذين تولّوا" فعلى الوجهين الأولين تتحد الضمائر لعودها على "الَّذيْنَ تولّوا" وعلى الثالث: تختلف كما عرفت. وقوله: {وَهُمْ يَعْلَمُونَ} جملة حالية، أي: يعلمون أنه كذب، فيمينهم يمين غَمُوس ولا عُذر لهم فيها. قوله: {أَعَدَّ ٱللَّهُ لَهُمْ عَذَاباً شَدِيداً} أي: لهؤلاء المنافقين عذاباً شديداً في جهنم، وهو الدَّرْك الأسفل من النَّار. وقيل: عذاب القبر. قال ابن الخطيب: لأنا إذا حملنا هذا على عذاب القَبْر، وحملنا قوله جل ذكره: {أية : فَلَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ} تفسير : [المجادلة: 16] على عذاب الآخرة لا يلزم منه تكرار. {إِنَّهُمْ سَآءَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} أي: بئست الأعمال أعمالهم.
التستري
تفسير : قوله تعالى: {إِنَّمَا ٱلنَّجْوَىٰ مِنَ ٱلشَّيْطَانِ}[10] قال: النجوى إلقاء من العدو إلى نفس الطبع كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : للملك لمة وللشيطان لمة ".
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {إِنَّمَا ٱلنَّجْوَىٰ مِنَ ٱلشَّيْطَانِ} [الآية: 10]. قال سهل: هو إلقاء من العدو إلى نفس الطبع كما قال النبى صلى الله عليه وسلم: "حديث : للملك لمة وللشيطان لمة ".
القشيري
تفسير : النجوى من تزيين الشيطان ليحزن الذين آمنوا. وإذا كانت المشاهدةُ غالبةً، والقلوبُ حاضرةً، والتوكلُ صحيحاً؛ والنظرُ من موضعه صائباً فلا تاثيرَ لمثل هذه الحالات، وإنما هذا للضعفاء.
البقلي
تفسير : قوله تعالى {إِنَّمَا ٱلنَّجْوَىٰ مِنَ ٱلشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ ٱلَّذِينَ} هذا شيطان يناجى للنفس الامارة ويزين لها المعارضات والشك ليحزن القلب والروح من نجويهما وانفاء العدو وهواجس النفس ويتقاعدان من شؤم معارضتهما والحزن وضيق الصدر من الطيران والسيران فى عالم الملكوت ونجواهما لا يضر بالروح والقلب فانهما محروسان برعاية الحق وتائيده قال سهل هو القاء من العدو الى نفس الطبع كما قال النبى صلى الله عليه وسلم للملك وللشيطان.
اسماعيل حقي
تفسير : {انما النجوى} المعهودة التى هى التناجى بالاثم والعدوان بقرينة ليحزن {من الشيطان} لامن غيره فانه المزين لها والحامل عليها فكأنها منه {ليحزن الذين آمنوا} خبر آخر من الحزن بالضم بعده السكون متعد من الباب الاول لا من الحزن بفتحتين لازما من الرابع كقوله تعالى {أية : ياعباد لاخوف عليكم اليوم ولا أنتم تحزنون}تفسير : فيكون الموصول مفعوله وفى القاموس الحزن بالضم ويحرك الهم والجمع احزان وحزن كفرح وحزنه الامر حزنان بالضم وأحزنه جعله حزينا وحزنه جعل فيه حزنا وقال الراغب الحزن والحزن خشونة فى الارض وخشونة فى النفس لما يحصل فيها من الغم ويضاده الفرح ولاعتبار الخشونة بالغم قيل خشنت بصدره اذا احزنته والمعنى انما هى ليجعل الشيطان المؤمنين محزنين بتوهمهم انها فى نكبة أصابتهم فى سيرتهم يعنى ان غزاتهم غلبوا وان أقاربهم قتلوا متألمين بذلك فاترين فى تدبير الغزو الى غير ذلك مايشوش قلوب المؤمنين وفى الحديث "حديث : اذا كنتم ثلاث فلا يتناج اثنان دون صاحبهما فان ذلك يحزنه"تفسير : {وليس} اى الشيطان او التناجى {بضارهم} بالذى يضر المؤمنين {الا باذن الله} اى بمشيئته وارادته اى ما أراده من حزن او وسوسة كما روى ان فاطمة رضى الله عنها رأت كأن الحسن والحسين رضى الله عنهما أكلا من أطيب جزور بعثه رسول الله اليهما فماتا فلما غدت سألته عليه السلام وسأل هو جبريل ملك الرؤيا فقال لاعلم لى به فعلم انه من الشيطان وفى الكشاف الا باذن الله اى بمشيئته وهو أن يقضى الموت على أقاربهم او الغلبة على الغزاة قال فى الاسئلة المقحمة اين ضرر الحزن قلت ان الحزن اذا سلمت عاقبته لايكون حزنا فى الحقيقة وهذه نكتة اصولية اذ الضرر اذا كانت عاقبته الثواب لايكون ضررا فى الحقيقة والنفع اذا كانت عاقبته العذاب لايكون نفعا فى الحقيقة {وعلى الله} خاصة {فليتوكل المؤمنون} ليفوضوا امورهم اليه وليثقوا به ولا يبالوا بنجواهم فانه تعالى يعصمهم من شرها وضررها، ذكر بما سخن خصم تندخوى مكوى كه اهل مجلس مارا ازان حسابى نيست وفى الآية اشارة الى أن الشيطان يناجى النفس الامارة ويزين لها المعارضات ونحوها ليقع القلب والروح فى الحزن والاضطراب وضيق الصدر ويتقاعد ان من شؤم المعارضة عن السير والطير فى عالم الملكوت ويحرمان من مناجاة الله والطبيعة والشيطان لانها ظلمانية وان كل موافقة فهى فى القلب والروح والسر لانها نورانية الا أن يغلب عليها ظلمة اهل الظلمة وتختفى انوارها تحت تلك الظلمة اختفاء نور الشمس تحت ظلمة السحاب الكثيف فليكن العبد على المعالجة دآئما لكن ينبغى له التوكل التام فان المؤثر فى كل شىء هو الله تعالى
الجنابذي
تفسير : {إِنَّمَا ٱلنَّجْوَىٰ مِنَ ٱلشَّيْطَانِ} اى مطلق التّناجى بان حكم على الجنس بحكم اكثر الافراد واللاّم للتّعريف يعنى النّجوى المذكورة وهى النّجوى بالاثم والعدوان ومعصية الرّسول (ص)، او هى نجوى فاطمة سلام الله عليها ورؤياها كما سنذكر فى نزول الآية ان شاء الله {لِيَحْزُنَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَلَيْسَ} اى الشّيطان او التّناجى {بِضَآرِّهِمْ شَيْئاً إِلاَّ بِإِذْنِ ٱللَّهِ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ} ولا يحزنوا بنجوى المنافقين، او بنجوى اليهود، او بالاحلام والرّؤيا الّتى يرونها ويحزنون بها، وقد مضى فى سورة البقرة عند قوله تعالى {أية : وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ} تفسير : [البقرة:253] ما يبيّن به عدم اضرار الشّيطان الاّ باذن الله، وفسّر النّجوى ههنا بالرّؤيا الكريهة روى عن النّبىّ (ص) انّه قال: "حديث : اذا كنتم ثلاثةً فلا يتناج اثنان دون صاحبهما فانّ ذلك يحزنه"تفسير : ، وعن الصّادق (ع) انّه كان سبب نزول هذه الآية انّ فاطمة (ع) رأت فى منامها انّ رسول الله (ص) همّ ان يخرج هو وفاطمة (ع) وعلىّ (ع) والحسن (ع) والحسين (ع) من المدينة فخرجوا حتّى جازوا من حيطان المدينة فعرض لهم طريقان، فأخذ رسول الله (ص) ذات اليمين حتّى انتهى الى موضعٍ فيه نخلٌ وماءٌ، فاشترى رسول الله (ص) شاة درّاء وهى الّتى فى احدى اذنيها نقط بيض فامر بذبحها، فلمّا اكلوا ماتوا فى مكانهم، فانتبهت فاطمة (ع) باكية ذعرة فلم تخبر رسول الله (ص) بذلك فلمّا اصبحت جاء رسول الله (ص) بحمار فاركب عليه فاطمة (ع) وامر ان يخرج امير المؤمنين (ع) والحسن (ع) والحسين (ع) من المدينة كما رأت فاطمة (ع) فى نومها، فلمّا خرجوا من حيطان المدينة عرض لهم طريقان فأخذ رسول الله (ص) ذات اليمين كما رأت فاطمة (ع) حتّى انتهوا الى موضعٍ فيه نخل وماء، فاشترى رسول الله (ص) شاةً درّاء كما رأت فاطمة (ع) فأمر بذبحها فذبحت وشويت، فلمّا ارادوا اكلها قامت فاطمة (ع) وتنحّت ناحيةً منهم تبكى مخافة ان يموتوا، فطلبها رسول الله (ص) حتّى وقع عليها وهى تبكى فقال: ما شأنك يا بنيّة؟ - قالت: يا رسول الله (ص) رأيت البارحة كذا وكذا فى نومى وقد فعلت انت كما رأيته فتنحّيت عنكم لئلاّ اراكم تموتون فقام رسول الله (ص) فصلّى ركعتين ثمّ ناجى ربّه فنزل عليه جبرئيل فقال: يا محمّد (ص) هذا شيطانٌ يقال له الزّها وهو الّذى ارى فاطمة (ع) هذه الرّؤيا ويؤذى المؤمنين فى نومهم ما يغتمّون به، فأمر جبرئيل فجاء به الى رسول الله (ص) فقال له: انت الّذى اريت فاطمة (ع) هذه الرّؤيا؟ - فقال: نعم يا محمّد (ص)، فبزق عليه ثلاث بزقاتٍ قبيحة فى ثلاث مواضع ثمّ قال جبرئيل لمحمّدٍ (ص) يا محمّد اذا رأيت شيئاً فى منامك تكرهه او رأى احد من المؤمنين فليقل: اعوذ بما عاذت به ملائكة الله المقرّبون وانبياء الله المرسلون وعباده الصّالحون من شرّ ما رأيت من رؤياى، ويقرء الحمد والمعوّذتين وقل هو الله احد ويتفل عن يساره ثلاث تفلاتٍ فانّه لا يضرّه ما رأى، فأنزل الله عزّ وجلّ على رسوله (ص): {إِنَّمَا ٱلنَّجْوَىٰ مِنَ ٱلشَّيْطَانِ} (الآية)، وعنه (ص): "حديث : اذا أرى الرّجل منكم ما يكره فى منامه فليتحوّل عن شقّه الّذى كان عليه نائماً وليقل: انّما النّجوى من الشّيطان ليحزن الّذين آمنوا وليس بضارّهم شيئاً الاّ باذن الله ثمّ ليقل: عذت بما عاذت به ملائكة الله المقرّبون وانبياؤه المرسلون وعباده الصّالحون من شرّ ما رأيت ومن شرّ الشّيطان الرّجيم"تفسير : ، والمقصود من جميع تلك الآيات منافقوا الامّة وان كان النّزول فى غيرهم.
اطفيش
تفسير : {إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ} أي النجوى المذكورة من الاثم والعدوان والمعصية تزيين من الشيطان. {لِيَحْزُنَ} هو {الَّذِينَ آمَنُوا} يوهمهم أنها عليهم وقرأ أبو عمرو وغيره بفتح الياء والزاي فالفاعل هو الذين. {وَلَيْسَ} الشيطان أو التناجي {بِضارِّهِمْ شَيْئاً} أي من الشر أو بضارهم ضرا {إِلا بِإِذْنِ اللهِ} إلا ما اراد الله أو إلا باذنه في الضر بأن يسبق في علمه وإلا ما أراد من القضاء بالموت والغلبة على الغزاة وعن الحسن ان رجلا من المسلمين كان يأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم فيستخليه بحاجته فكان الشيطان يوقع في قلوب المؤمنين الحزن بقول ان صاحبكم هذا انما خلا برسول الله صلى الله عليه وسلم ليبغضكم عنده. {وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ} ويستعيذوا به من الشيطان.
الالوسي
تفسير : {إِنَّمَا ٱلنَّجْوَىٰ } المعهودة التي هي التناجي بالإثم والعدوان والمعصية {مِنَ ٱلشَّيْطَـٰنِ } لا من غيره باعتبار أنه هو المزين لها والحامل عليها، وقوله تعالى: {لِيَحْزُنَ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ } خبر آخر أي إنما هي ليحزن المؤمنين بتوهمهم أنها في نكبة أصابتهم. وقرىء {ليحزن } بفتح الياء والزاي ـ فالذين ـ فاعل {وَلَيْسَ بِضَآرِّهِمْ } أي ليس الشيطان أو التناجي بضار المؤمنين {شَيْئاً } من الأشياء أو شيئاً من الضرر {إِلاَّ بِإِذْنِ ٱللَّهِ } أي إلا بإرادته ومشيئته عز وجل، وذلك بأن يقضي سبحانه الموت أو الغلبة على أقاربهم. {وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ } ولا يبالوا بنجواهم. وحاصله أن ما يتناجى المنافقون به مما يحزن المؤمنين إن وقع فبإرادة الله تعالى ومشيئته لا دخل لهم فيه فلا يكترث المؤمنون بتناجيهم وليتوكلوا على الله عز وجل ولا يحزنوا منه، فهذا الكلام لإزالة حزنهم، ومنه ضعف ما أشار إليه الزمخشري من جواز أن يرجع ضمير ـ ليس بضارهم ـ للحزن، وأجيب بأن المقصود يحصل عليه أيضاً فإنه إذا قيل: إن هذا الحزن لا يضرهم إلا بإرادة الله تعالى اندفع حزنهم. هذا ومن الغريب ما قيل: إن الآية نازلة في المنامات التي يراها المؤمن في النوم تسوؤه ويحزن منها فكأنها نجوى يناجي بها، وهذا على ما فيه لا يناسب السباق والسياق كما لا يخفى. ثم إن التناجي بين المؤمنين قد يكون منهياً عنه، فقد أخرج البخاري ومسلم والترمذي وأبو داود عن ابن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « حديث : إذا كنتم ثلاثة فلا يتناج اثنان دون الآخر حتى تختلطوا بالناس من أجل أن ذلك يحزنه » تفسير : ومثل التناجي في ذلك أن يتكلم اثنان بحضور ثالث بلغة لا يفهمها الثالث إن كان يحزنه ذلك. ولما نهى سبحانه عن التناجي والسرار علم منه الجلوس مع الملأ فذكر جل وعلا آدابه بعده بقوله عز من قائل: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُواْ فِى ٱلْمَجَـٰلِسِ...}.
ابن عاشور
تفسير : تسلية للمؤمنين وتأنيس لنفوسهم يزال به ما يلحقهم من الحزن لمشاهدة نجوى المنافقين لاختلاف مذاهب نفوسهم إذا رأوا المتناجين في عديد الظنون والتخوفات كما تقدم. فالجملة استئناف ابتدائي اقتضته مناسبة النهي عن النجوى، على أنها قد تكون تعليلاً لتأكيد النهي عن النجوى. والتعريف في {النجوى} تعريف العهد لا محالة. أي نجوى المنافقين الذين يتناجون بالإِثم والعدوان ومعصية الرسول صلى الله عليه وسلم. والحصر المستفاد من {إنما} قصر موصوف على صفة و{من} ابتدائية، أي قصر النجوى على الكون من الشيطان، أي جائية لأن الأغراض التي يتناجون فيها من أكبر ما يوسوس الشيطان لأهل الضلالة بأن يفعلوه ليحزن الذين آمنوا بما يتطرقهم من خواطر الشر بالنجوى. وهذه العلة ليست قيداً في الحصر فإن للشيطان عللاً أخرى مثل إلقاء المتناجين في الضلالة، والاستعانة بهم على إلقاء الفتنة، وغير ذلك من الأغراض الشيطانية. وقد خصت هذه العلة بالذكر لأن المقصود تسلية المؤمنين وتصبرهم على أذى المنافقين ولذلك عقب بقوله: {وليس بضارهم شيئاً} ليطمئن المؤمنون بحفظ الله إياهم من ضر الشيطان. وهذا نحو من قوله تعالى: {أية : إن عبادي ليس لك عليهم سلطان}تفسير : [الحجر: 42] وقرأ نافع وحده {لِيُحزن} بضم الياء وكسر الزاي فيكون {الذين آمنوا} مفعولاً. وقرأه الباقون بفتح الياء وضم الزاي مضارع حزن فيكون{الذين آمنوا} فاعلاً وهما لغتان. وجملة {وليس بضارهم} الخ معترضة. وضمير الرفع المستتر في قوله: {بضارهم} عائد إلى {الشيطان}. والمعنى: أن الشيطان لا يضرّ المؤمنين بالنجوى أكثر من أنه يحزنهم. فهذا كقوله تعالى: {أية : لن يضرّوكم إلآ أذى}تفسير : [آل عمران: 111] أو عائد إلى النجوى بتأويله بالتناجي، أي ليس التناجي بضارّ المؤمنين لأن أكثره ناشىء عن إيهام حصول ما يتقونه في الغزوات. وعلى كلا التقديرين فالاستثناء بقوله: {إلا بإذن الله} استثناء من أحوال والباء للسببية، أي إلا في حال أن يكون الله قدّر شيئاً من المضرة من هزيمة أو قتل. والمراد بالإِذن أمر التكوين. وانتصب {شيئاً} على المفعول المطلق، أي شيئاً من الضُر. ووقوع {شيئاً} وهو ذكره في سياق النفي يفيد عموم نفي كل ضرّ من الشيطان، أي انتفى كل شيء من ضر الشيطان عن المؤمنين، فيشمل ضر النجوى وضر غيرها، والاستثناء في قوله تعالى: {إلا بإذن الله} من عموم {شيئاً} الواقع في سياق النفي، أي لا ضراً ملابساً لإِذن الله في أن يسلط عليهم الشيطان ضره فيه، أي ضر وسوسته. واستعير الإِذن لما جعله الله في أصل الخلقة من تأثر النفوس بما يسوّل إليها. وهو معنى قوله تعالى: {أية : إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين}تفسير : [الحجر: 42] فإذا خلّى الله بين الوسوسة وبين العبد يكون اقتراب العبد من المعاصي الظاهرة والباطنة في كل حالة يبتعد فيها المؤمن عن مراقبة الأمر والنهي الشرعيين. وهذا الضر هو المعبر عنه بالسلطان في قوله تعالى في شأن الشيطان {إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلاّ من اتّبعك من الغاوين} أي فلك عليه سلطان. وهذه التصاريف الإِلٰهية جارية على وفق حكمة الله تعالى وما يعلمه من أحوال عباده وسرائرهم وهو يعلم السر وأخفى. ولهذا ذيل بقوله: {وعلى الله فليتوكل المؤمنون} لأنهم إذا توكلوا على الله توكلاً حقاً بأن استفرغوا وسعهم في التحرز من كيد الشيطان واستعانوا بالله على تيسير ذلك لهم فإن الله يحفظهم من كيد الشيطان قال تعالى: {أية : ومن يتوكل على الله فهو حسبه}تفسير : [الطلاق: 3]. ويجوز أن يكون عموم {شيئاً} مراداً به الخصوص، أي ليس بضارّهم شيئاً مما يوهمه تناجي المنافقين من هزيمة أو قتل إلا بتقدير الله حصول هزيمة أو قتل. والمعنى: أن التناجي يوهم الذين آمنوا ما ليس واقعاً فأعلمهم الله أن لا يحزنوا بالنجوى لأن الأمور تجري على ما قدره الله في نفس الآمر حتى تأتيهم الأخبار الصادقة. وتقديم الجار والمجرور في قوله تعالى: {وعلى الله فليتوكل المؤمنون} للاهتمام بمدلول هذا المتعلق.
د. أسعد حومد
تفسير : {ٱلشَّيْطَانِ} {آمَنُواْ} (10) - إِنَّما التَّنَاجِي بِالإِثْمِ وَالعُدْوَانِ مِنْ وَسْوَسَةِ الشَّيْطَانِ وَتَزْيِينِهِ، والشَّيْطَانُ يَفْعَلُ ذَلِكَ لِيَحْزُنَ الذِينَ آمَنُوا بإِيهَامِهِمْ أَنَّ هَذِهِ النَّجْوَى تَضُرُّهُمْ، وَلَكِنَّ الشَّيْطَانَ لاَ يَضُرُّ المُؤْمِنِينَ شَيْئاً، إِلاَّ بِإِرَادَةِ اللهِ وَمَشِيئَتِهِ، فَعَلَى المُؤْمِنِينَ أَلاَّ يَهْتَمُّوا بِنَجْوَى الكُفَّارِ وَالمُنَافِقِينَ، وَلْيَتَوَكَّلُوا عَلَى اللهِ. (وَجَاءَ فِي الحَدِيثِ الشَّرِيفِ:حديث : إِذَا كُنْتُمْ ثَلاَثَةً فَلاَ يَتَنَاجَ اثْنَانِ دُونَ الثَّالِثِ إِلاَّ بِإِذْنِهِ فَإِنَّ ذَلِكَ يَحْزُنُهُتفسير : ). (البُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ). إِنَّمَا النَّجْوَى - المَنْهِيُّ عَنْهَا. لِيَحْزُنَ - لِيُوقِعَ الهَمَّ الشَّدِيدَ.
الأندلسي
تفسير : {إِنَّمَا ٱلنَّجْوَىٰ مِنَ ٱلشَّيْطَانِ} أي هو الذي يزينها لهم فكأنها منه. {لِيَحْزُنَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} كانوا يوهمون المؤمنين أن غزاتهم غلبوا. {بِضَآرِّهِمْ} أي المؤمنين. {إِلاَّ بِإِذْنِ ٱللَّهِ} أي بمشيئته فيقضي بالقتل والغلبة ولما نهى تعالى المؤمنين عما هو سبب للتباغض والتنافر أمرهم بما هو سبب للتواد والتقارب فقال: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} الآية كانوا يتنافسون في مجلس الرسول عليه السلام فأمروا أن يفسح بعضهم لبعض. {وَإِذَا قِيلَ ٱنشُزُواْ} أي انهضوا في المجلس للتفسح لأن مريد التوسعة على الوارد يرتفع إلى فوق أمروا أولاً بالتفسح ثم ثانياً بامتثال الأمر فيه إذا أمروا والظاهر أن قوله: {وَٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ}. معطوف على الذين آمنوا والعطف مشعر بالتغاير وهو من عطف الخاص على العام وقيل: {وَٱلَّذِينَ أُوتُواْ} من عطف الصفات والمعنى يرفع الله المؤمنين العلماء درجات فالوصفان لذات واحدة وقال ابن مسعود وغيره: ثم الكلام عند قوله: {مِنكُمْ} وانتصب {وَٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ} بفعل مضمر تقديره ويخص الذين أوتوا العلم درجات فللمؤمنين رفع وللعلماء درجات. {بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ} إستعارة والمعنى قبل نجواكم وعن ابن عباس أن قوماً من المؤمنين واغفالهم كثرت مناجاتهم للرسول عليه السلام في غير حاجة إلا لتظهر منزلتهم وكان صلى الله عليه وسلم سمحاً لا يرد أحداً فنزلت مشدّدة عليهم أمر المناجاة وهذا الحكم قيل نسخ قبل العمل به فقدموا بين يدي نجواكم صدقة قال علي كرم الله وجهه: ما عمل به أحد غيري أردت المناجاة ولي دينار فصرفته بعشرة دراهم وناجيت عشر مراراً أتصدّق في كل مرة بدرهم ثم ظهرت مشقة ذلك على الناس فنزلت الرخصة في ترك الصدقة. {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ تَوَلَّوْاْ قَوْماً غَضِبَ ٱللَّهُ عَلَيْهِم} الذين تولوا هم المنافقون والقوم المغضوب عليهم هم اليهود. قال السدي ومقاتل: حديث : انه عليه السلام قال لأصحابه: يدخل عليكم رجل قلبه قلب جبار وينظر بعيني شيطان فدخل عبد الله بن أبيّ بن سلول وكان أزرق أسمر قصيراً خفيف اللحية فقال عليه السلام: علام تشتمني أنت وأصحابك فحلف بالله ما فعل فقال له فعلت فجاء بأصحابه فحلفوا بالله ما سبوه فنزلت تفسير : والضمير في ما هم عائد على الذين تولوا وهم المنافقون أي ليسوا منكم أيها المؤمنون ولا منهم أي وليسوا من الذين تولوا وهم اليهود وما هم استئناف اخبار بأنهم مذبذبون لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء كما قال عليه السلام حديث : مثل المنافق كمثل الشاة العائرة بين الغنمين لأنه مع المؤمنين بقوله ومع الكفار بقلبه . تفسير : {ٱسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ ٱلشَّيْطَانُ} أي أحاط بهم من كل جهة وغلب على نفوسهم واستولى عليهم. {فَأَنسَاهُمْ ذِكْرَ ٱللَّهِ} فهم لا يذكرون لا بقلوبهم ولا بألسِنتهم وحزب الشيطان جنده. {كَتَبَ ٱللَّهُ لأَغْلِبَنَّ} أي كتب في اللوح المحفوظ. {وَرُسُلِيۤ} أي من بعث منهم بالحرب ومن بعث منهم بالحجة. {إِنَّ ٱللَّهَ قَوِيٌّ} ينصر حزبه. {عَزِيزٌ} يمنعه من أن يذل وبدأ في قوله: {وَلَوْ كَانُوۤاْ آبَآءَهُمْ أَوْ أَبْنَآءَهُمْ} أولاً بالآباء لأن الواجب على الأولاد طاعتهم فنهاهم عن توادهم ثم ثنى بالأبناء لأنهم أغلق بالقلوب ثم أتى ثالثاً بإِخوان لأن بهم التعاضد ثم أتى رابعاً بالعشيرة لأن بها التناصر وبهم المقاتلة والتغلب والتسرع إذا ما دعوا. {وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِّنْهُ} تعالى وهو الهدى والنور واللطف والإِشارة بأولئك كتب إلى الذين لا يوادون من حادّ الله ورسوله قيل والآية فنزلت في حاطب بن أبي بلتعة وقيل وهو الظاهر أنها متصلة بالآي التي قبلها في المنافقين الموالين لليهود وقيل غير ذلك.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : يقول تعالى: { إِنَّمَا النَّجْوَى } أي: تناجي أعداء المؤمنين بالمؤمنين، بالمكر والخديعة، وطلب السوء من الشيطان، الذي كيده ضعيف ومكره غير مفيد. { لِيَحزن الَّذِينَ آمَنُوا } هذا غاية هذا المكر ومقصوده، { وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئًا إِلا بِإِذْنِ اللَّهِ } فإن الله تعالى وعد المؤمنين بالكفاية والنصر على الأعداء، وقال تعالى: {أية : وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلا بِأَهْلِهِ } تفسير : فأعداء الله ورسوله والمؤمنين، مهما تناجوا ومكروا، فإن ضرر ذلك عائد إلى أنفسهم، ولا يضر المؤمنين إلا شيء قدره الله وقضاه، { وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ } أي: ليعتمدوا عليه ويثقوا بوعده، فإن من توكل على الله كفاه، وتولى أمر دينه ودنياه.
همام الصنعاني
تفسير : 3174- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، قال: كان المسلمونَ إذا رأوا المنافقين خَلَوْا يتناجون يشق عليهم، فنزلت: {إِنَّمَا ٱلنَّجْوَىٰ مِنَ ٱلشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ}: [الآية: 10]؟
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):