Verse. 5115 (AR)

٥٨ - ٱلْمُجَادِلَة

58 - Al-Mujadila (AR)

يٰۗاَيُّہَا الَّذِيْنَ اٰمَنُوْۗا اِذَا قِيْلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوْا فِي الْمَجٰلِسِ فَافْسَحُوْا يَفْسَحِ اللہُ لَكُمْ۝۰ۚ وَاِذَا قِيْلَ انْشُزُوْا فَانْشُزُوْا يَرْفَعِ اللہُ الَّذِيْنَ اٰمَنُوْا مِنْكُمْ۝۰ۙ وَالَّذِيْنَ اُوْتُوا الْعِلْمَ دَرَجٰتٍ۝۰ۭ وَاللہُ بِمَا تَعْمَلُوْنَ خَبِيْرٌ۝۱۱
Ya ayyuha allatheena amanoo itha qeela lakum tafassahoo fee almajalisi faifsahoo yafsahi Allahu lakum waitha qeela onshuzoo faonshuzoo yarfaAAi Allahu allatheena amanoo minkum waallatheena ootoo alAAilma darajatin waAllahu bima taAAmaloona khabeerun

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«يا أيها الذين آمنوا إذا قيل لكم تفسحوا» توسعوا «في المجلسْ» مجلس النبي صلى الله عليه وسلم والذكر حتى مجلس من جاءكم وفي قراءة المجالس «فافسحوا يفسح الله لكم» في الجنة «وإذا قيل انشِزوا» قوموا إلى الصلاة وغيرها من الخيرات «فانشِزوا» وفي قراءة بضم الشين فيهما «يرفع الله الذين آمنوا منكم» بالطاعة في ذلك «و» يرفع «الذين أوتوا العلم درجات» في الجنة «والله بما تعملون خبير».

11

Tafseer

الرازي

تفسير : قوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُواْ فِي ٱلْمَجَـٰلِسِ فَٱفْسَحُواْ يَفْسَحِ ٱللَّهُ لَكُمْ } وفيه مسائل: المسألة الأولى: اعلم أنه تعالى لما نهى عباده المؤمنين عما يكون سبباً للتباغض والتنافر، أمرهم الآن بما يصير سبباً لزيادة المحبة والمودة، وقوله: {تَفَسَّحُواْ فِي ٱلْمَجَـٰلِسِ } توسعوا فيه وليفسح بعضكم عن بعض، من قولهم: افسح عني، أي تنح، ولا تتضاموا، يقال: بلدة فسيحة، ومفازة فسيحة، ولك فيه فسحة، أي سعة. المسألة الثانية: قرأ الحسن وداود بن أبي هند: (تفاسحوا)، قال ابن جني: هذا لائق بالغرض لأنه إذا قيل: (تفسحوا)، فمعناه ليكن هناك تفسح، وأما التفاسح فتفاعل، والمراد ههنا المفاعلة، فإنها تكون لما فوق الواحد كالمقاسمة والمكايلة، وقرىء: {فِي المجـلسِ } قال الواحدي: والوجه التوحيد لأن المراد مجلس النبي صلى الله عليه وسلم وهو واحد، ووجه الجمع أن يجعل لكل جالس مجلس على حدة، أي موضع جلوس. المسألة الثالثة: ذكروا في الآية أقوالاً: الأول: أن المراد مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا يتضامون فيه تنافساً على القرب منه، وحرصاً على استماع كلامه، وعلى هذا القول ذكروا في سبب النزول وجوهاً الأول: قال مقاتل بن حيان: كان عليه السلام يوم الجمعة في الصفة، وفي المكان ضيق، وكان يكرم أهل بدر من المهاجرين والأنصار، فجاء ناس من أهل بدر، وقد سبقوا إلى المجلس، فقاموا حيال النبي صلى الله عليه وسلم ينتظرون أن يوسع لهم، فعرف رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يحملهم على القيام وشق ذلك على الرسول، فقال لمن حوله من غير أهل بدر: قم يا فلان، قم يا فلان، فلم يزل يقيم بعدة النفر الذين هم قيام بين يديه، وشق ذلك على من أقيم من مجلسه، وعرفت الكراهية في وجوههم، وطعن المنافقون في ذلك، وقالوا: والله ما عدل على هؤلاء، إن قوماً أخذوا مجالسهم، وأحبوا القرب منه فأقامهم وأجلس من أبطأ عنه، فنزلت هذه الآية يوم الجمعة الثاني: روي عن ابن عباس أنه قال: نزلت هذه الآية في ثابت بن قيس بن الشماس، وذلك أنه دخل المسجد وقد أخذ القوم مجالسهم، وكان يريد القرب من الرسول عليه الصلاة والسلام للوقر الذي كان في أذنيه فوسعوا له حتى قرب، ثم ضايقه بعضهم وجرى بينه وبينه كلام، ووصف للرسول محبة القرب منه ليسمع كلامه، وإن فلاناً لم يفسح له، فنزلت هذه الآية، وأمر القوم بأن يوسعوا ولا يقوم أحد لأحد، الثالث: أنهم كانوا يحبون القرب من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان الرجل منهم يكره أن يضيق عليه فربما سأله أخوه أن يفسح له فيأبى فأمرهم الله تعالى بأن يتعاطفوا ويتحملوا المكروه وكان فيهم من يكره أن يمسه الفقراء، وكان أهل الصفة يلبسون الصوف ولهم روائح، القول الثاني: وهو اختيار الحسن أن المراد تفسحوا في مجالس القتال، وهو كقوله: {أية : مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ } تفسير : [آل عمران: 121] وكان الرجل يأتي الصف فيقول تفسحوا، فيأبون لحرصهم على الشهادة والقول الثالث: أن المراد جميع المجالس والمجامع، قال القاضي: والأقرب أن المراد، منه مجلس الرسول عليه السلام، لأنه تعالى ذكر المجلس على وجه يقتضي كونه معهوداً، والمعهود في زمان نزول الآية ليس إلا مجلس الرسول صلى الله عليه وسلم الذي يعظم التنافس عليه، ومعلوم أن للقرب منه مزية عظيمة لما فيه من سماع حديثه، ولما فيه من المنزلة، ولذلك قال عليه السلام: «حديث : ليليني منكم أولو الأحلام والنهى» تفسير : ولذلك كان يقدم الأفاضل من أصحابه، وكانوا لكثرتهم يتضايقون، فأمروا بالتفسح إذا أمكن، لأن ذلك أدخل في التحبب، وفي الاشتراك في سماع مالا بد منه في الدين، وإذا صح ذلك في مجلسه، فحال الجهاد ينبغي أن يكون مثله، بل ربما كان أولى، لأن الشديد البأس قد يكون متأخراً عن الصف الأول، والحاجة إلى تقدمه ماسة فلا بد من التفسح، ثم يقاس على هذا سائر مجالس العلم والذكر. أما قوله تعالى: {يَفْسَحِ ٱللَّهُ لَكُمْ } فهو مطلق في كل ما يطلب الناس الفسحة فيه من المكان والرزق والصدر والقبر والجنة. واعلم أن هذه الآية دلت على أن كل من وسع على عباد الله أبواب الخير والراحة، وسع الله عليه خيرات الدنيا والآخرة، ولا ينبغي للعاقل أن يقيد الآية بالتفسح في المجلس، بل المراد منه إيصال الخير إلى المسلم، وإدخال السرور في قلبه، ولذلك قال عليه السلام: «حديث : لا يزال الله في عون العبد ما زال العبد في عون أخيه المسلم»تفسير : . ثم قال تعالى: {وإذا قيل انشزوا فانشزوا يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات والله بما تعملون خبير } وفيه مسائل: المسألة الأولى: قال ابن عباس: إذا قيل لكم: ارتفعوا فارتفعوا، واللفظ يحتمل وجوهاً أحدها: إذا قيل لكم: قوموا للتوسعة على الداخل، فقوموا وثانيها: إذا قيل: قوموا من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا تطولوا في الكلام، فقوموا ولا تركزوا معه، كما قال: {أية : وَلاَ مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي ٱلنَّبِيّ } تفسير : [الأحزاب: 53] وهو قول الزجاج وثالثها: إذا قيل لكم: قوموا إلى الصلاة والجهاد وأعمال الخير وتأهبوا له، فاشتغلوا به وتأهبوا له، ولا تتثاقلوا فيه، قال الضحاك وابن زيد: إن قوماً تثاقلوا عن الصلاة، فأمروا بالقيام لها إذا نودي. المسألة الثانية: قرىء: {ٱنشُزُواْ } بكسر الشين وبضمها، وهما لغتان مثل: {يَعْكُفُونَ } و {أية : يَعْكُفُونَ } تفسير : [الأعراف: 138]، و {يَعْرِشُونَ } و {أية : يَعْرِشُونَ } تفسير : [الأعراف: 137]. واعلم أنه تعالى لما نهاهم أولاً عن بعض الأشياء، ثم أمرهم ثانياً ببعض الأشياء وعدهم على الطاعات، فقال: {يَرْفَعِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ مِنكُمْ وَٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ دَرَجَـٰتٍ } أي يرفع الله المؤمنين بامتثال أوامر رسوله، والعالمين منهم خاصة درجات، ثم في المراد من هذه الرفعة قولان: الأول: وهو القول النادر: أن المراد به الرفعة في مجلس الرسول عليه السلام والثاني: وهو القول المشهور: أن المراد منه الرفعة في درجات الثواب، ومراتب الرضوان. واعلم أنا أطنبنا في تفسير قوله تعالى: {أية : وَعَلَّمَ ءَادَمَ ٱلأَسْمَاء كُلَّهَا } تفسير : [البقرة: 31] في فضيلة العلم، وقال القاضي: لا شبهة أن علم العالم يقتضي لطاعته من المنزلة مالا يحصل للمؤمن، ولذلك فإنه يقتدي بالعلم في كل أفعاله، ولا يقتدي بغير العالم، لأنه يعلم من كيفية الاحتراز عن الحرام والشبهات، ومحاسبة النفس مالا يعرفه الغير، ويعلم من كيفية الخشوع والتذلل في العبادة مالا يعرفه غيره، ويعلم من كيفية التوبة وأوقاتها وصفاتها مالا يعرفه غيره، ويتحفظ فيما يلزمه من الحقوق مالا يتحفظ منه غيره، وفي الوجوه كثرة، لكنه كما تعظم منزلة أفعاله من الطاعات في درجة الثواب، فكذلك يعظم عقابه فيما يأتيه من الذنوب، لمكان علمه حتى لا يمتنع في كثير من صغائر غيره أن يكون كبيراً منه.

القرطبي

تفسير : فيه سبع مسائل: الأولى: قوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُواْ فِي ٱلْمَجَالِسِ} لما بيّن أن اليهود يحيّونه بما لم يحيِّه به الله وذمهم على ذلك وصل به الأمر بتحسين الأدب في مجالسة رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى لا يضيقوا عليه المجلس، وأمر المسلمين بالتعاطف والتآلف حتى يفسح بعضهم لبعضٍ، حتى يتمكنوا من الاستماع من رسول الله صلى الله عليه وسلم والنظر إليه. قال قتادة ومجاهد: كانوا يتنافسون في مجلس النبيّ صلى الله عليه وسلم، فأمِروا أن يفسح بعضهم لبعض. وقاله الضحاك. وقال ٱبن عباس: المراد بذلك مجالس القتال إذا ٱصطفوا للحرب. قال الحسن ويزيد بن أبي حبيب: كان النبيّ صلى الله عليه وسلم إذا قاتل المشركين تشاح أصحابه على الصف الأوّل فلا يوسع بعضهم لبعض؛ رغبةً في القتال والشهادة فنزلت. فيكون كقوله: {أية : مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ} تفسير : [آل عمران:121]. وقال مقاتل: كان النبيّ صلى الله عليه وسلم في الصُّفَّة، وكان في المكان ضيق يوم الجمعة، وكان النبيّ صلى الله عليه وسلم يكرم أهل بدر من المهاجرين والأنصار؛ فجاء أناس من أهل بدر فيهم ثابت بن قيس بن شماس وقد سُبِقوا في المجلس، فقاموا حيال النبيّ صلى الله عليه وسلم على أرجلهم ينتظرون أن يوسع لهم فلم يفسحوا لهم، فشقّ ذلك على النبيّ صلى الله عليه وسلم، فقال لمن حوله من غير أهل بدر: «حديث : قم يا فلان وأنت يا فلان» تفسير : بعدد القائمين من أهل بدر، فشق ذلك على من أقيم، وعرف النبيّ صلى الله عليه وسلم الكراهية في وجوههم، فغمز المنافقون وتكلموا بأن قالوا: ما أنصف هؤلاء وقد أحبوا القرب من نبيّهم فسَبقوا إلى المكان؛ فأنزل الله عز وجل هذه الآية. {تَفَسَّحُواْ} أي توسعوا. وفَسَحَ فلان لأخيه في مجلسه يَفْسَح فَسْحاً أي وسع له؛ ومنه قولهم: بلد فَسِيح ولك في كذا فُسْحة، وفَسَح يَفْسَح مثل منع يَمْنَع، أي وسّع في المجلس؛ وفَسُح يَفْسُح فَسَاحةً مثل كَرُم يَكْرُمُ كرامةً أي صار واسعاً؛ ومنه مكان فسيح. الثانية: قرأ السُّلَمي وزِرّ بن حُبَيش وعاصم «فِي الْمَجالِسِ». وقرأ قتادة وداود بن أبي هند والحسن بآختلاف عنه «إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَاسَحُوا» الباقون «تَفَسَّحُوا فيِ الْمَجْلِسِ» فمن جمع فلأن قوله: {تَفَسَّحُواْ فِي ٱلْمَجَالِسِ} ينبىء أن لكل واحد مجلساً. وكذلك إن أريد به الحرب. وكذلك يجوز أن يراد مسجد النبيّ صلى الله عليه وسلم وجمع لأن لكل جالس مجلساً. وكذلك يجوز إن أريد بالمجلس المفرد مجلس النبيّ صلى الله عليه وسلم، ويجوز أن يراد به الجمع على مذهب الجنس؛ كقولهم: كثر الدينار والدرهم. قلت: الصحيح في الآية أنها عامة في كل مجلس ٱجتمع المسلمون فيه للخير والأجر، سواء كان مجلس حربٍ أو ذكر أو مجلس يوم الجمعة؛ فإن كل واحد أحقّ بمكانه الذي سبق إليه قال صلى الله عليه وسلم: «حديث : من سَبق إلى ما لم يُسبق إليه فهو أحّق به» تفسير : ولكن يوسع لأخيه ما لم يتأذّ بذلك فيخرجه الضيق عن موضعه. روى البخاري ومسلم عن ٱبن عمر عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : لا يُقِيم الرجلُ الرجلَ من مجلسه ثم يجلس فيه»تفسير : . وعنه عن النبيّ صلى الله عليه وسلم. أنه نهى أن يقام الرجل من مجلسه ويجلس فيه آخر، ولكن تفسحوا وتوسعوا. وكان ٱبن عمر يكره أن يقوم الرجل من مجلسه ثم يجلس مكانه. لفظ البخاري. الثالثة: إذا قعد واحد من الناس في موضع من المسجد لا يجوز لغيره أن يقيمه حتى يقعد مكانه؛ لما روى مسلم عن أبي الزبير عن جابر عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : لا يقيمنّ أحدكم أخاه يوم الجمعة ثم يخالف إلى مقعده فيقعد فيه ولكن يقول ٱفسحوا».تفسير : فرع: القاعد في المكان إذا قام حتى يقعد غيره موضعه نُظِر؛ فإن كان الموضع الذي قام إليه مثل الأوّل في سماع كلام الإمام لم يكره له ذلك، وإن كان أبعد من الإمام كره له ذلك؛ لأن فيه تفويت حظّه. الرابعة: إذا أمر إنسان إنساناً أن يبكر إلى الجامع فيأخذ له مكاناً يقعد فيه لا يكره، فإذا جاء الآمر يقوم من الموضع؛ لما روي: أن ٱبن سيرين كان يرسل غلامه إلى مجلس له في يوم الجمعة فيجلس له فيه، فإذا جاء قام له منه. فرع: وعلى هذا من أرسل بساطاً أو سجادةً فتُبسط له في موضع من المسجد. الخامسة: روى مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إذا قام أحدكم ـ وفي حديث أبي عوانة من قام من مجلسه ـ ثم رجع إليه فهو أحق به» تفسير : قال علماؤنا: هذا يدل على صحة القول بوجوب ٱختصاص الجالس بموضعه إلى أن يقوم منه؛ لأنه إذا كان أولى به بعد قيامه فقبله أولى به وأحرى. وقد قيل: إن ذلك على الندب؛ لأنه موضع غير متملَّك لأحد لا قبل الجلوس ولا بعده. وهذا فيه نظر؛ وهو أن يقال: سلمنا أنه غير متملك لكنه يختص به إلى أن يفرغ غرضه منه، فصار كأنه يملك منفعته؛ إذ قد منع غيره من يزاحمه عليه. والله أعلم. السادسة: قوله تعالى: {يَفْسَحِ ٱللَّهُ لَكُمْ} أي في قبوركم. وقيل: في قلوبكم. وقيل: يوسّع عليكم في الدنيا والآخرة. {وَإِذَا قِيلَ ٱنشُزُواْ فَانشُزُواْ} قرأ نافع وٱبن عامر وعاصم بضم الشين فيهما. وكسر الباقون، وهما لغتان مثل {يَعْكِفُونَ} [الأعراف:138] و {يَعْرُشُونَ} [الأعراف:137] والمعنى ٱنهضوا إلى الصلاة والجهاد وعمل الخير؛ قاله أكثر المفسرين. وقال مجاهد والضحاك: إذا نودي للصلاة فقوموا إليها. وذلك أن رجالاً تثاقلوا عن الصلاة فنزلت. وقال الحسن ومجاهد أيضاً: أي ٱنهضوا إلى الحرب. وقال ٱبن زيد: هذا في بيت النبيّ صلى الله عليه وسلم، كان كل رجل منهم يحبّ أن يكون آخر عهده بالنبيّ صلى الله عليه وسلم فقال الله تعالى: {وَإِذَا قِيلَ ٱنشُزُواْ} عن النبيّ صلى الله عليه وسلم {فَانشُزُواْ} فإنه له حوائج فلا تمكثوا. وقال قتادة: المعنى أجيبوا إذا دعيتم إلى أمر بمعروف. وهذا هو الصحيح؛ لأنه يعم. والنشز الارتفاع، مأخوذ من نشز الأرض وهو ٱرتفاعها؛ يقال نَشَزَ يَنشُز ويَنْشِز إذا ٱنتحى من موضعه؛ أي ٱرتفع منه. وٱمرأة ناشز منتحية عن زوجها. وأصل هذا من النَّشَز، والنَّشز هو ما ارتفع من الأرض وتنحى؛ ذكره النحاس. السابعة: قوله تعالى: {يَرْفَعِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ مِنكُمْ وَٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ دَرَجَاتٍ} أي في الثواب في الآخرة وفي الكرامة في الدنيا، فيرفع المؤمن على من ليس بمؤمن والعالم على من ليس بعالم. وقال ٱبن مسعود: مدح الله العلماء في هذه الآية. والمعنى أنه يرفع الله الذين أوتوا العلم على الذين آمنوا ولم يؤتوا العلم «دَرَجاتٍ» أي درجات في دينهم إذا فعلوا ما أُمِروا به. وقيل: كان أهل الغنى يكرهون أن يزاحمهم من يلبس الصوف فيسْتَبِقون إلى مجلس النبيّ صلى الله عليه وسلم فالخطاب لهم. حديث : ورأى عليه الصلاة والسلام رجلاً من الأغنياء يقبض ثوبه نفوراً من بعض الفقراء أراد أن يجلس إليه فقال: «يا فلان خشيتَ أن يتعدّى غناكَ إليه أو فقره إليك» تفسير : وبين في هذه الآية أن الرفعة عند الله تعالى بالعلم والإيمان لا بالسبق إلى صدور المجالس. وقيل: أراد بالذين أوتوا العلم الذين قرؤوا القرآن. وقال يحيـى بن يحيـى عن مالك: {يَرْفَعِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ مِنكُمْ} الصحابة {وَٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ دَرَجَاتٍ} يرفع الله بها العالم والطالب للحق. قلت: والعموم أوقع في المسألة وأولى بمعنى الآية؛ فيرفع المؤمن بإيمانه أولاً ثم بعلمه ثانياً. وفي الصحيح أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان يقدّم عبد الله بن عباس على الصحابة، فكلموه في ذلك فدعاهم ودعاه، وسألهم عن تفسير {أية : إِذَا جَآءَ نَصْرُ ٱللَّهِ وَٱلْفَتْحُ} تفسير : [النصر:1] فسكتوا، فقال ٱبن عباس: هو أَجَلُ رسول الله صلى الله عليه وسلم أعلمه الله إياه. فقال عمر: ما أعلم منها إلا ما تعلم. وفي البخاري عن عبد الله بن عباس قال: قدم عُيَينة بن حصن بن حذيفة بن بدرٍ فنزل على ٱبن أخيه الحُرِّ بن قيس بن حصن، وكان من النفر الذين يدنيهم عمر، وكان القرّاء أصحاب مجالس عمر ومشاورته كُهولاً كانوا أو شباناً. الحديثَ وقد مضى في آخر «الأعراف». وفي صحيح مسلم أن نافع بن عبد الحرث لقي عمر بِعُسْفَان وكان عمر يستعمله على مكة فقال: من ٱستعملته على أهل الوادي؟ فقال: ٱبن أبزى. فقال: ومن ٱبن أبزى؟ قال: مَوْلىً من موالينا. قال: فاستخلفتَ عليهم مولى قال: إنه قارىء لكتاب الله وإنه عالم بالفرائض. قال عمر: أما إن نبيكم صلى الله عليه وسلم قد قال: «حديث : إن الله يرفع بهذا الكتاب أقواماً ويضع به آخرين» تفسير : وقد مضى أول الكتاب. ومضى القول في فضل العلم والعلماء في غير موضع من هذا الكتاب (والحمد لله). وروي عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : بين العالم والعابد مائة درجة بين كل درجتين حَضْر الجواد المُضَمَّر سبعين سنة»تفسير : . وعنه صلى الله عليه وسلم: «حديث : فضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب»تفسير : . وعنه عليه الصلاة والسلام: «حديث : يشفع يوم القيامة ثلاثةٌ الأنبياء ثم العلماء ثم الشهداء» تفسير : فأعظم بمنزلة هي واسطة بين النبوة والشهادة بشهادة رسول الله صلى الله عليه وسلم. وعن ٱبن عباس: خُيِّر سليمان عليه السلام بين العلم والمال والملك فاختار العلم فأعطي المال والملك معه.

ابن كثير

تفسير : يقول تعالى مؤدباً عباده المؤمنين، وآمراً لهم أن يحسن بعضهم إلى بعض في المجالس: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُواْ فِى ٱلْمَجَـٰلِسِ} وقرىء {في المجلس} {فَٱفْسَحُواْ يَفْسَحِ ٱللَّهُ لَكُمْ} وذلك أن الجزاء من جنس العمل؛ كما جاء في الحديث الصحيح: «حديث : من بنى لله مسجداً بنى الله له بيتاً في الجنة» تفسير : وفي الحديث الآخر: «حديث : ومن يسر على معسر، يسر الله عليه في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه» تفسير : ولهذا أشباه كثيرة، ولهذا قال تعالى: {فَٱفْسَحُواْ يَفْسَحِ ٱللَّهُ لَكُمْ} قال قتادة: نزلت هذه الآية في مجالس الذكر، وذلك أنهم كانوا إذا رأوا أحدهم مقبلاً، ضنوا بمجالسهم عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمرهم الله تعالى أن يفسح بعضهم لبعض. وقال مقاتل بن حيان: أنزلت هذه الآية يوم الجمعة، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ في الصفة، وفي المكان ضيق، وكان يكرم أهل بدر من المهاجرين والأنصار، فجاء ناس من أهل بدر، وقد سبقوه إلى المجالس، فقاموا حيال رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، فرد النبي صلى الله عليه وسلم عليهم، ثم سلموا على القوم بعد ذلك، فردوا عليهم، فقاموا على أرجلهم ينتظرون أن يوسع لهم، فعرف النبي صلى الله عليه وسلم ما يحملهم على القيام، فلم يفسح لهم، فشق ذلك على النبي صلى الله عليه وسلم فقال لمن حوله من المهاجرين والأنصار من غير أهل بدر: «حديث : قم يا فلان وأنت يا فلان» تفسير : فلم يزل يقيمهم بعدة النفر الذين هم قيام بين يديه من المهاجرين والأنصار أهل بدر، فشق ذلك على من أقيم من مجلسه، وعرف النبي صلى الله عليه وسلم الكراهة في وجوههم، فقال المنافقون: ألستم تزعمون أن صاحبكم هذا يعدل بين الناس؟ والله ما رأيناه قد عدل على هؤلاء، إن قوماً أخذوا مجالسهم، وأحبوا القرب من نبيهم، فأقامهم وأجلس من أبطأ عنه، فبلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : رحم الله رجلاً يفسح لأخيه» تفسير : فجعلوا يقومون بعد ذلك سراعاً، فيفسح القوم لإخوانهم، ونزلت هذه الآية يوم الجمعة. رواه ابن أبي حاتم. وقد قال الإمام أحمد والشافعي: حدثنا سفيان عن أيوب عن نافع عن ابن عمر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : لا يقيم الرجل الرجل من مجلسه فيجلس فيه، ولكن تفسحوا وتوسعوا» تفسير : وأخرجاه في الصحيحين من حديث نافع، به. وقال الشافعي: أخبرنا عبد المجيد عن ابن جريج قال: قال سليمان بن موسى عن جابر بن عبد الله: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : لا يقيمن أحدكم أخاه يوم الجمعة، ولكن ليقل: افسحوا» تفسير : على شرط السنن، ولم يخرجوه. وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الملك بن عمرو، حدثنا فليح عن أيوب عن عبد الرحمن بن أبي صعصعة عن يعقوب بن أبي يعقوب عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : لا يقم الرجلُ الرجلَ من مجلسه ثم يجلس فيه، ولكن افسحوا يفسح الله لكم» تفسير : ورواه أيضاً عن سريج بن يونس ويونس بن محمد المؤدب عن فليح به ولفظه: «حديث : لا يقوم الرجل للرجل من مجلسه، ولكن افسحوا يفسح الله لكم» تفسير : تفرد به أحمد. وقد اختلف الفقهاء في جواز القيام للوارد إذا جاء على أقوال: فمنهم من رخص في ذلك محتجاً بحديث: «حديث : قوموا إلى سيدكم» تفسير : ومنهم من منع من ذلك محتجاً بحديث: «حديث : من أحب أن يتمثل له الرجال قياماً، فليتبوأ مقعده من النار» تفسير : ومنهم من فصل فقال: يجوز عند القدوم من سفر، وللحاكم في محل ولايته؛ كما دل عليه قصة سعد بن معاذ، فإنه لما استقدمه النبي حاكماً في بني قريظة، فرآه مقبلاً، قال للمسلمين: «حديث : قوموا إلى سيدكم» تفسير : وما ذاك إلا ليكون أنفذ لحكمه، والله أعلم. فأما اتخاذه ديدناً، فإنه من شعار العجم، وقد جاء في السنن: أنه لم يكن شخص أحب إليهم من رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان إذا جاء لا يقومون له؛ لما يعلمون من كراهته لذلك. وفي الحديث المروي في السنن: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يجلس حيث انتهى به المجلس، ولكن حيث يجلس يكون صدر ذلك المجلس، فكان الصحابة رضي الله عنهم يجلسون منه على مراتبهم، فالصديق رضي الله عنه يجلسه عن يمينه، وعمر عن يساره، وبين يديه غالباً عثمان وعلي؛ لأنهما كانا ممن يكتب الوحي، وكان يأمرهما بذلك؛ كما رواه مسلم من حديث الأعمش عن عمارة بن عمير عن أبي معمر عن أبي مسعود: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: «حديث : ليليني منكم أولو الأحلام والنهى، ثم الذين يلونهم، ثم الذي يلونهم» تفسير : وما ذاك إلا ليعقلوا عنه ما يقوله صلوات الله وسلامه عليه، ولهذا أمر أولئك النفر بالقيام ليجلس الذين وردوا من أهل بدر، إما لتقصير أولئك في حق البدريين، أو ليأخذ البدريون من العلم نصيبهم؛ كما أخذ أولئك قبلهم، أو تعليماً بتقديم الأفاضل إلى الأمام. وقال الإمام أحمد: حدثنا وكيع، عن الأعمش، عن عمارة بن عمير التيمي، عن أبي معمر، عن أبي مسعود قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسح مناكبنا في الصلاة ويقول: «حديث : استووا ولا تختلفوا فتختلف قلوبكم، ليليني منكم أولو الأحلام والنهى، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم» تفسير : قال أبو مسعود: فأنتم اليوم أشد اختلافاً. وكذا رواه مسلم وأهل السنن إلا الترمذي من طرق عن الأعمش، به. وإذا كان هذا أمره لهم في الصلاة أن يليه العقلاء منهم والعلماء، فبطريق الأولى أن يكون ذلك في غير الصلاة. وروى أبو داود من حديث معاوية بن صالح عن أبي الزاهرية عن كثير بن مرة عن عبد الله بن عمر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : أقيموا الصفوف وحاذوا بين المناكب، وسدوا الخلل، ولينوا بأيدي إخوانكم، ولا تذروا فرجات للشياطين، ومن وصل صفاً وصله الله، ومن قطع صفاً، قطعه الله» تفسير : . ولهذا كان أبي بن كعب سيد القراء إذا انتهى إلى الصف الأول، انتزع منه رجلاً يكون من أفناد الناس، ويدخل هو في الصف المتقدم، ويحتج بهذا الحديث: «حديث : ليليني منكم أولو الأحلام والنهى» تفسير : وأما عبد الله بن عمر، فكان لا يجلس في المكان الذي يقوم له صاحبه عنه؛ عملاً بمقتضى ما تقدم من روايته الحديث الذي أوردناه، ولنقتصر على هذا المقدار من الأنموذج المتعلق بهذه الآية، وإلا فبسطه يحتاج إلى غير هذا الموضع. وفي الحديث الصحيح: بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم جالس، إذ أقبل ثلاثة نفر، فأما أحدهم فوجد فرجة في الحلقة فدخل فيها، وأما الآخر فجلس وراء الناس، وأدبر الثالث ذاهباً، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : ألا أنبئكم بخبر الثلاثة؟ أما الأول فآوى إلى الله، فآواه الله، وأما الثاني، فاستحيا، فاستحيا الله منه، وأما الثالث، فأعرض، فأعرض الله عنه»تفسير : وقال الإمام أحمد: حدثنا عتاب بن زياد، أخبرنا عبد الله، أخبرنا أسامة بن زيد عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن عبد الله بن عمرو: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : لا يحل لرجل أن يفرق بين اثنين إلا بإذنهما» تفسير : ورواه أبو داود والترمذي، من حديث أسامة بن زيد الليثي، به. وحسنه الترمذي. وقد روي عن ابن عباس، والحسن البصري وغيرهما: أنهم قالوا في قوله تعالى: {إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُواْ فِى ٱلْمَجَـٰلِسِ فَٱفْسَحُواْ} يعني: في مجالس الحرب، قالوا: ومعنى قوله: {وَإِذَا قِيلَ ٱنشُزُواْ فَانشُزُواْ} أي: انهضوا للقتال. وقال قتادة: {وَإِذَا قِيلَ ٱنشُزُواْ فَانشُزُواْ} أي: إذا دعيتم إلى خير، فأجيبوا. وقال مقاتل [بن حيان]: إذا دعيتم إلى الصلاة، فارتفعوا إليها. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: كانوا إذا كانوا عند النبي صلى الله عليه وسلم في بيته، فأرادوا الانصراف، أحب كل منهم أن يكون هو آخرهم خروجاً من عنده، فربما يشق ذلك عليه، عليه السلام، وقد تكون له الحاجة، فأمروا أنهم إذا أمروا بالانصراف أن ينصرفوا؛ كقوله تعالى: {أية : وَإِن قِيلَ لَكُمْ ٱرْجِعُواْ فَٱرْجِعُواْ} تفسير : [النور: 28]. وقوله تعالى: {يَرْفَعِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنكُمْ وَٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ دَرَجَـٰتٍ وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} أي: لا تعتقدوا أنه إذا أفسح أحد منكم لأخيه إذا أقبل، أو إذا أمر بالخروج فخرج، أن يكون ذلك نقصاً في حقه، بل هو رفعة ورتبة عند الله، والله تعالى لا يضيع ذلك له، بل يجزيه بها في الدنيا والآخرة؛ فإن من تواضع لأمر الله، رفع الله قدره، ونشر ذكره، ولهذا قال تعالى: {يَرْفَعِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنكُمْ وَٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ دَرَجَـٰتٍ وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} أي: خبير بمن يستحق ذلك، وبمن لا يستحقه. وقال الإمام أحمد: حدثنا أبو كامل،حدثنا إبراهيم، حدثنا ابن شهاب عن أبي الطفيل عامر بن واثلة: أن نافع بن عبد الحارث لقي عمر بن الخطاب بعسفان، وكان عمر استعمله على مكة، فقال له عمر: من استخلفت على أهل الوادي؟ قال: استخلفت عليهم ابن أبزى رجل من موالينا، فقال عمر: استخلفت عليهم مولى؟ فقال: يا أمير المؤمنين إنه قارىء لكتاب الله، عالم بالفرائض، قاضٍ، فقال عمر رضي الله عنه: أما إن نبيكم صلى الله عليه وسلم قد قال: «حديث : إن الله يرفع بهذا الكتاب قوماً، ويضع به آخرين» تفسير : وهكذا رواه مسلم من غير وجه عن الزهري به، وروي من غير وجه عن عمر بنحوه، وقد ذكرت فضل العلم وأهله وما ورد في ذلك من الأحاديث مستقصاة في شرح كتاب العلم من صحيح البخاري، ولله الحمد والمنة.

المحلي و السيوطي

تفسير : {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُواْ } توسعوا {فِى ٱلْمَجَٰلِسِ } مجلس النبي صلى الله عليه وسلم أوالذكر حتى يجلس من جاءكم وفي قراءة المجلس {فَٱفْسَحُواْ يَفْسَحِ ٱللَّهُ لَكُمْ } في الجنة {وَإِذَا قِيلَ} لكم {ٱنشِزُواْ } قوموا إلى الصلاة وغيرها من الخيرات {فَانشُزُواْ } وفي قراءة بضم الشين فيهما {يَرْفَعِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ مِنكُمْ } بالطاعة في ذلك {وَ} يرفع {ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ دَرَجَٰتٌ } في الجنة {وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ }.

الشوكاني

تفسير : قوله: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُواْ فِى ٱلْمَجَـٰلِسِ } يقال: فسح له يفسح فسحاً أي: وسع له، ومنه قولهم بلد فسيح. أمر الله سبحانه بحسن الأدب مع بعضهم بعضاً بالتوسعة في المجلس، وعدم التضايق فيه. قال قتادة، ومجاهد، والضحاك: كانوا يتنافسون في مجلس النبيّ، فأمروا أن يفسح بعضهم لبعض. وقال الحسن، ويزيد بن أبي حبيب: هو مجلس القتال إذا اصطفوا للحرب كانوا يتشاحون على الصفّ الأوّل، فلا يوسع بعضهم لبعض رغبة في القتال؛ لتحصيل الشهادة {فَٱفْسَحُواْ يَفْسَحِ ٱللَّهُ لَكُمْ } أي: فوسعوا يوسع الله لكم في الجنة، أو في كلّ ما تريدون التفسح فيه من المكان والرزق وغيرهما. قرأ الجمهور: {تفسحوا في المجلس} وقرأ السلمي، وزرّ بن حبيش، وعاصم: (في المجالس) على الجمع؛ لأن لكلّ واحد منهم مجلساً، وقرأ قتادة، والحسن، وداود بن أبي هند، وعيسى بن عمر: (تفاسحوا) قال الواحدي: والوجه التوحيد في المجلس؛ لأنه يعني به مجلس النبيّ. وقال القرطبي: الصحيح في الآية أنها عامة في كلّ مجلس اجتمع فيه المسلمون للخير والأجر، سواء كان مجلس حرب، أو ذكر، أو يوم الجمعة، وأن كلّ واحد أحقّ بمكانه الذي سبق إليه، ولكن يوسع لأخيه ما لم يتأذّ بذلك، فيخرجه الضيق عن موضعه، ويؤيد هذا حديث ابن عمر عند البخاري، ومسلم، وغيرهما عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : لا يقم الرجل الرجل من مجلسه، ثم يجلس فيه، ولكن تفسحوا وتوسعوا»تفسير : . {وَإِذَا قِيلَ ٱنشُزُواْ فَانشُزُواْ } قرأ الجمهور بكسر الشين فيها، وقرأ نافع، وابن عامر، وعاصم بضمها فيهما، وهما لغتان بمعنى واحد، يقال: نشز، أي: ارتفع، ينشز وينشز كعكف يعكف ويعكف، والمعنى: إذا قيل لكم: انهضوا، فانهضوا. قال جمهور المفسرين: أي انهضوا إلى الصلاة، والجهاد، وعمل الخير. وقال مجاهد، والضحاك، وعكرمة: كان رجال يتثاقلون عن الصلاة، فقيل لهم: إذا نودي للصلاة، فانهضوا. وقال الحسن: انهضوا إلى الحرب. وقال ابن زيد: هذا في بيت النبيّ صلى الله عليه وسلم، كان كل رجل منهم يحب أن يكون آخر عهده بالنبيّ صلى الله عليه وسلم، فقال الله تعالى: {وَإِذَا قِيلَ ٱنشُزُواْ } عن النبيّ {فَانشُزُواْ } فإن له حوائج، فلا تمكثوا. وقال قتادة: المعنى أجيبوا إذا دعيتم إلى أمر بمعروف، والظاهر حمل الآية على العموم؛ والمعنى: إذا قيل لكم: انهضوا إلى أمر من الأمور الدينية، فانهضوا ولا تتثاقلوا، ولا يمنع من حملها على العموم كون السبب خاصاً، فإن الاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، كما هو الحق، ويندرج ما هو سبب النزول فيها اندراجاً أوّلياً، وهكذا يندرج ما فيه السياق، وهو التفسيح في المجلس اندراجاً أوّلياً، وقد قدّمنا أن معنى نشز: ارتفع، وهكذا يقال: نشز ينشز: إذا تنحى عن موضعه، ومنه امرأة ناشز، أي: متنحية عن زوجها، وأصله مأخوذ من النشز، وهو ما ارتفع من الأرض وتنحى، ذكر معناه النحاس {يَرْفَعِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ مِنكُمْ } في الدنيا والآخرة بتوفير نصيبهم فيهما {وَٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ دَرَجَـٰتٍ } أي: ويرفع الذين أوتوا العلم منكم درجات عالية في الكرامة في الدنيا، والثواب في الآخرة، ومعنى الآية: أنه يرفع الذين آمنوا على من لم يؤمن درجات، ويرفع الذين أوتوا العلم على الذين آمنوا درجات، فمن جمع بين الإيمان والعلم رفعه الله بإيمانه درجات، ثم رفعه بعلمه درجات، وقيل: المراد بالذين آمنوا من الصحابة، وكذلك الذين أوتوا العلم، وقيل: المراد بالذين أوتوا العلم الذين قرءوا القرآن. والأولى حمل الآية على العموم في كل مؤمن، وكل صاحب علم من علوم الدين من جميع أهل هذه الملة، ولا دليل يدلّ على تخصيص الآية بالبعض دون البعض، وفي هذه الآية فضيلة عظيمة للعلم وأهله، وقد دلّ على فضله وفضلهم آيات قرآنية وأحاديث نبوية {وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ } لا يخفى عليه شيء من أعمالكم من خير وشرّ، فهو مجازيكم بالخير خيراً وبالشرّ شراً. {يأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ إِذَا نَـٰجَيْتُمُ ٱلرَّسُولَ فَقَدّمُواْ بَيْنَ يَدَىْ نَجْوٰكُمْ صَدَقَةً } المناجاة المساررة، والمعنى: إذا أردتم مساررة الرسول في أمر من أموركم، فقدّموا بين يدي مساررتكم له صدقة. قال الحسن: نزلت بسبب أن قوماً من المسلمين كانوا يستخلون النبيّ صلى الله عليه وسلم يناجونه، فظنّ بهم قوم من المسلمين أنهم ينتقصونهم في النجوى، فشقّ عليهم ذلك، فأمرهم الله بالصدقة عند النجوى؛ لتقطعهم عن استخلائه. وقال زيد بن أسلم: نزلت بسبب أن المنافقين واليهود كانوا يناجون النبيّ صلى الله عليه وسلم، ويقولون: إنه أذن يسمع كل ما قيل له، وكان لا يمنع أحداً من مناجاته، وكان ذلك يشقّ على المسلمين؛ لأن الشيطان كان يلقي في أنفسهم أنهم ناجوه بأن جموعاً اجتمعت لقتاله، فأنزل الله: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلاَ تَتَنَاجَوْاْ بِٱلإِثْمِ وَٱلْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَةِ ٱلرَّسُولِ}، فلم ينتهوا، فأنزل الله هذه الآية، فانتهى أهل الباطل عن النجوى؛ لأنهم لم يقدّموا بين يدي نجواهم صدقة، وشقّ ذلك على أهل الإيمان، وامتنعوا عن النجوى لضعف كثير منهم عن الصدقة، فخفف الله عنهم بالآية التي بعد هذه، والإشارة بقوله: {ذٰلِكَ } إلى ما تقدّم من تقديم الصدقة بين يدي النجوى، وهو مبتدأ وخبره: {خَيْرٌ لَّكُمْ وَأَطْهَرُ } لما فيه من طاعة الله، وتقييد الأمر بكون امتثاله خيراً لهم من عدم الامتثال، وأطهر لنفوسهم يدل على أنه أمر ندب لا أمر وجوب {فَإِن لَّمْ تَجِدُواْ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } يعني: من كان منهم لا يجد تلك الصدقة المأمور بها بين يدي النجوى، فلا حرج عليه في النجوى بدون صدقة. {أَءشْفَقْتُمْ أَن تُقَدّمُواْ بَيْنَ يَدَىْ نَجْوٰكُمْ صَدَقَـٰتٍ } أي: أخفتم الفقر والعيلة؛ لأن تقدّموا ذلك، والإشفاق: الخوف من المكروه، والاستفهام للتقرير. وقيل المعنى: أبخلتم، وجمع الصدقات هنا باعتبار المخاطبين. قال مقاتل بن حيان: إنما كان ذلك عشر ليالٍ، ثم نسخ. وقال الكلبي: ما كان ذلك إلاّ ليلة واحدة. وقال قتادة: ما كان إلاّ ساعة من النهار {فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُواْ } ما أمرتم به من الصدقة بين يدي النجوى، وهذا خطاب لمن وجد ما يتصدق به، ولم يفعل، وأما من لم يجد، فقد تقدّم الترخيص له بقوله: {فَإِن لَّمْ تَجِدُواْ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } {وَتَابَ ٱللَّهُ عَلَيْكُمْ } بأن رخص لكم في الترك، «وإذ» على بابها في الدلالة على المضيّ، وقيل: هي بمعنى إذا، وقيل: بمعنى إن، وتاب معطوف على لم تفعلوا، أي: وإذا لم تفعلوا، وإذ تاب عليكم {فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة} والمعنى: إذا وقع منكم التثاقل عن امتثال الأمر بتقديم الصدقة بين يدي النجوى، فاثبتوا على إقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، وطاعة الله ورسوله، فيما تؤمرون به وتنهون عنه {وَٱللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ } لا يخفى عليه من ذلك شيء، فهو مجازيكم، وليس في الآية ما يدلّ على تقصير المؤمنين في امتثال هذا الأمر، أما الفقراء منهم، فالأمر واضح، وأما من عداهم من المؤمنين، فإنهم لم يكلفوا بالمناجاة حتى تجب عليهم الصدقة بل أمروا بالصدقة إذا أرادوا المناجاة فمن ترك المناجاة، فلا يكون مقصراً في امتثال الأمر بالصدقة، على أن في الآية ما يدل على أن الأمر للندب، كما قدّمنا. وقد استدلّ بهذه الآية من قال بأنه يجوز النسخ قبل إمكان الفعل، وليس هذا الاستدلال بصحيح، فإن النسخ لم يقع إلاّ بعد إمكان الفعل، وأيضاً قد فعل ذلك البعض، فتصدّق بين يدي نجواه، كما سيأتي. وقد أخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل بن حيان قال: أنزلت هذه الآية {إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُواْ فِى ٱلْمَجَـٰلِسِ } يوم جمعة، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذٍ في الصفة، وفي المكان ضيق، وكان يكرم أهل بدر من المهاجرين والأنصار، فجاء ناس من أهل بدر، وقد سبقوا إلى المجالس، فقاموا حيال رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: السلام عليك أيها النبيّ ورحمة الله وبركاته، فردّ النبيّ صلى الله عليه وسلم عليهم، ثم سلموا على القوم بعد ذلك، فردّوا عليهم، فقاموا على أرجلهم ينتظرون أن يوسع لهم، فعرف النبيّ ما يحملهم على القيام، فلم يفسح لهم، فشق ذلك عليه، فقال لمن حوله من المهاجرين والأنصار من غير أهل بدر: «قم يا فلان، وأنت يا فلان»، فلم يزل يقيمهم بعدّة النفر الذين هم قيام من أهل بدر، فشقّ ذلك على من أقيم من مجلسه، فنزلت هذه الآية. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في الآية قال: ذلك في مجلس القتال {وَإِذَا قِيلَ ٱنشُزُواْ } قال: إلى الخير والصلاة. وأخرج ابن المنذر، والحاكم وصححه، والبيهقي في المدخل عن ابن عباس في قوله: {يَرْفَعِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ مِنكُمْ وَٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ دَرَجَـٰتٍ } قال: يرفع الله الذين أوتوا العلم من المؤمنين على الذين لم يؤمنوا درجات. وأخرج سعيد بن منصور، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن مسعود في تفسير هذه الآية قال: يرفع الله الذين آمنوا منكم، وأوتوا العلم على الذين آمنوا ولم يؤتوا العلم درجات. وأخرج ابن المنذر عنه قال: ما خصّ الله العلماء في شيء من القرآن ما خصهم في هذه الآية، فضل الله الذين آمنوا وأوتوا العلم على الذين آمنوا ولم يؤتوا العلم. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه عن ابن عباس في قوله: {إِذَا نَـٰجَيْتُمُ ٱلرَّسُولَ } الآية، قال: إن المسلمين أكثروا المسائل على رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى شقوا عليه، فأراد الله أن يخفف عن نبيه، فلما قال ذلك ظنّ كثير من الناس، وكفوا عن المسئلة، فأنزل الله بعد هذا: {أَءشْفَقْتُمْ } الآية، فوسع الله عليهم ولم يضيق. وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، والترمذي وحسنه، وأبو يعلى، وابن جرير، وابن المنذر، والنحاس، وابن مردويه عن عليّ بن أبي طالب قال: لما نزلت: {يأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ إِذَا نَـٰجَيْتُمُ ٱلرَّسُولَ فَقَدّمُواْ بَيْنَ يَدَىْ نَجْوٰكُمْ صَدَقَةً} قال لي النبيّ صلى الله عليه وسلم: "حديث : ما ترى، دينار؟"تفسير : قلت: لا يطيقونه. قال: "حديث : فنصف دينار؟" تفسير : قلت لا يطيقونه، قال، "حديث : فكم؟"تفسير : قلت: شعيرة، قال: "حديث : إنك لزهيد"تفسير : ، قال: فنزلت {أأشفقتم أَن تُقَدّمُواْ بَيْنَ يَدَىْ نَجْوٰكُمْ صَدَقَـٰتٍ} الآية، فبي خفف الله عن هذه الآمة، والمراد بالشعيرة هنا: وزن شعيرة من ذهب، وليس المراد: واحدة من حبّ الشعير. وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه عنه قال: ما عمل بها أحد غيري حتى نسخت، وما كانت إلاّ ساعة، يعني: آية النجوى. وأخرج سعيد بن منصور، وابن راهويه، وابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه، وابن مردويه عنه أيضاً قال: إن في كتاب الله لآية ما عمل بها أحد قبلي، ولا يعمل بها أحد بعدي، آية النجوى {يأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ إِذَا نَـٰجَيْتُمُ ٱلرَّسُولَ فَقَدّمُواْ بَيْنَ يَدَىْ نَجْوٰكُمْ صَدَقَةً } كان عندي دينار، فبعته بعشرة دراهم، فكنت كلما ناجيت رسول الله صلى الله عليه وسلم قدّمت بين يدي نجواي درهماً، ثم نسخت، فلم يعمل بها أحد، فنزلت: {أأشفقتم أَن تُقَدّمُواْ بَيْنَ يَدَىْ نَجْوٰكُمْ صَدَقَـٰتٍ} الآية. وأخرج الطبراني، وابن مردويه. قال السيوطي: بسندٍ ضعيف عن سعد بن أبي وقاص قال: نزلت {يأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ إِذَا نَـٰجَيْتُمُ ٱلرَّسُولَ فَقَدّمُواْ بَيْنَ يَدَىْ نَجْوٰكُمْ صَدَقَةً }، فقدمت شعيرة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إنك لزهيد"تفسير : ، فنزلت الآية الأخرى: {أأشفقتم أَن تُقَدّمُواْ بَيْنَ يَدَىْ نَجْوٰكُمْ صَدَقَـٰتٍ}.

الماوردي

تفسير : {يَأيها الذين ءامنوا إذا قيل لكم تفسحوا في المجالس..} فيه أربعة أوجه: أحدها: مجلس النبي صلى الله عليه وسلم خاصة إذا جلس فيه قوم تشاحوا بأمكنتهم على من يدخل عليهم أن يؤثروه بها أو يفسحوا له فيها، فأمروا بذلك قاله مجاهد. الثاني: أنه في مجالس صلاة الجمعة، قاله مقاتل. الثالث: أنها في مجالس الذكر كلها، قاله قتادة. الرابع: أن ذلك في الحرب والقتال، قاله الحسن. {... وإذا قيل انشزوا فانشزوا} فيه أربعة تأويلات: أحدها: معناه وإذا قيل لكم انهضوا إلى القتال فانهضوا، قاله الحسن. الثاني: إذا دعيتم إلى الخير فأجيبوا، قاله قتادة. الثالث: إذا نودي للصلاة فاسعوا إليها، قاله مقاتل بن حيان. الرابع: أنهم كانوا إذا جلسوا في بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم أطالوا ليكون كل واحد منهم هو الآخر عهداً به، فأمرهم الله أن ينشزوا إذا قيل لهم انشزوا، قاله ابن زيد. ومعنى {تفسحوا} توسعوا. وفي {انشزوا} وجهان: أحدهما: معناه قوموا، قاله ابن قتيبة. الثاني: ارتفعوا، مأخوذ من نشز الأرض وهو ارتفاعها. وفيما أمروا أن ينشزوا إليه ثلاثة أوجه: أحدها: إلى الصلاة، قاله الضحاك. الثاني: إلى الغزو، قاله مجاهد. الثالث: إلى كل خير، قاله قتادة. {يرفع الله الذين ءامنوا منكم} يعني بإيمانه على من ليس بمنزلته في الإيمان. {والذين أوتوا العلم درجات} على من ليس بعالم. ويحتمل هذا وجهين: أحدهما: أن يكون إخباراً عن حالهم عند الله في الآخرة. الثاني: أن يكون أمراً يرفعهم في المجالس التي تقدم ذكرها لترتيب الناس فيها بحسب فضائلهم في الدين والعلم.

ابن عطية

تفسير : قرأ جمهور الناس: "تفسحوا"، وقرأ الحسن وداود بن أبي هند: "تفاسحوا"، وقرأ جمهور القراء: "في المجلس"، وقرأ عاصم وحده وقتادة وعيسى: "في المجالس". واختلف الناس في سبب الآية والمقصود بها، فقال ابن عباس ومجاهد والحسن: نزلت في مقاعد الحرب والقتال. وقال زيد بن أسلم وقتادة: نزلت بسبب تضايق الناس في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم، وذلك أنهم كانوا يتنافسون في القرب منه وسماع كلامه والنظر إليه، فيأتي الرجل الذي له الحق والسن والقدم في الإسلام فلا يجد مكاناً، فنزلت بسبب ذلك. وقال مقاتل: أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم قوماً ليجلس أشياخ من أهل بدر ونحو ذلك فنزلت الآية، وروى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : لا يقم أحد من مجلسه ثم يجلس فيه الرجل ولكن تفسحوا يفسح الله لكم" تفسير : ،وقال بعض الناس: إنما الآية مخصوصة في مجلس النبي صلى الله عليه وسلم في سائر المجالس، ويدل على ذلك قراءة من قرأ: "في المجلس"، ومن قرأ "في المجالس" فذلك مراده أيضاً لأن لكل أحد مجلساً في بيت النبي صلى الله عليه وسلم وموضعه فتجمع لذلك، وقال جمهور أهل العلم: السبب مجلس النبي عليه السلام، والحكم في سائر المجالس التي هي للطاعات، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : أحبكم إلى الله ألينكم مناكب في الصلاة وركباً في المجالس" تفسير : ،وهذا قول مالك رحمه الله وقال: ما أرى الحكم إلا يطرد في مجالس العلم ونحوها غابر الدهر، ويؤيد هذا القول قراءة من قرأ: "في المجالس"، ومن قرأ: "في المجلس" فذلك على هذا التأويل اسم جنس فالسنة المندوب إليها هي التفسح والقيام منهي عنه في حديث النبي صلى الله عليه وسلم حيث نهى أن يقوم الرجل فيجلس الآخر مكانه، فأما القيام إجلالاً فجائز بالحديث قوله عليه السلام حين أقبل سعد بن معاذ: "حديث : قوموا إلى سيدكم" تفسير : ،وواجب على المعظم ألا يحب ذلك ويأخذ الناس به لقوله عليه السلام: "حديث : من أحب أن يتمثل له الرجال قياماً فليتبوأ مقعده من النار ". تفسير : وقوله تعالى: {يفسح الله لكم} معناه: في رحمته وجنته، وقوله تعالى: {وإذا قيل انشزوا فانشزوا} معناه: إذا قيل لكم ارتفعوا وقوموا فافعلوا ذلك، ومنه نشوز العظام أي نباتها، والنشز من الأرض المرتفع، واختلف الناس في هذا النشوز الذي أمروا بامتثاله إذا دعوا إليه. فقال الحسن وقتادة والضحاك معناه: إذا دعوا إلى قتال أو طاعة أو صلاة ونحوه، وقال آخرون معناه: إذا دعوا إلى القيام عن النبي عليه السلام لأنه كان أحياناً يحب الانفراد في آمر الإسلام فربما جلس قوم وأراد كل واحد أن يكون آخر الناس عهداً بالنبي عليه السلام، فنزلت الآية آمرة بالقيام عنه متى فهم ذلك بقول أو فعل، وقال آخرون معناه: {انشزوا} في المجلس بمعنى التفسح لأن الذي يريد التوسعة يرتفع إلى فوق في الهواء فإذا فعل ذلك جملة اتسع الموضع، فيجيء {انشزوا} في غرض واحد مع قوله {تفسحوا}، وقرأ نافع وابن عامر وحفص عن عاصم: "انشُزوا" برفع الشين وهي قراءة أبي جعفر وشيبة والأعرج. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وحمزة والكسائي بكسر السين فيهما، وهي قراءة الحسن والأعمش وطلحة. يقال: نشز ينشِز كحشر يحشِر ويحشُر وعكف يعكِف ويعكُف. وقوله {يرفع الله} جواب الأمر، واختلف الناس في ترتيب قوله تعالى: {الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات} فقال جماعة من المتأولين المعنى: {يرفع الله} المؤمنين العلماء منكم {درجات}، فلذلك أمر بالتفسح من أجلهم، ويجيء على هذا قوله: {والذين أوتوا العلم} بمنزلة قولك جاءني العاقل والكريم والشجاع، وأنت تريد بذلك رجلاً واحداً، وقال آخرون المعنى: {يرفع الله} المؤمنين والعلماء الصنفين جميعاً {درجات} لكنا نعلم تفاضلهم في الدرجات من مواضع أخرى ولذلك جاء الأمر بالتفسح عاماً للعلماء وغيرهم، وقال عبد الله بن مسعود وغيره: {يرفع الله الذين آمنوا منكم} وتم القول، ثم ابتدأ بتخصيص العلماء بالدرجات ونصبهم بإضمار فعل، فالمؤمنون رفع على هذا التأويل وللعلماء درجات، وعلى هذا التأويل قال مطرف بن عبد الله بن الشخير: فضل العلم أحب إلي من فضل العبادة وخير دينكم الورع، ثم توعد تعالى وحذر بقوله: {والله بما تعملون خبير}، وقوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إذا ناجيتم الرسول} الآية. روي عن ابن عباس وقتادة في سببها أن قوماً من شباب المؤمنين وأغفالهم كثرت مناجاتهم للنبي صلى الله عليه وسلم في غير حاجة إلا لتظهر منزلتهم وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم سمحاً لا يرد أحداً فنزلت هذه الآية مشددة عليهم أمر المناجاة، وقال مقاتل: نزلت في الأغنياء لأنهم غلبوا الفقراء على مناجاة النبي صلى الله عليه وسلم. وقال جماعة من الرواة: لم يعمل بهذه الآية بل نسخت قبل العمل لكن استقر حكمها بالعزم عليه كأمر إبراهيم عليه السلام في ذبح ابنه، وصح عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال: ما عمل بها أحد غيري وأنا كنت سبب الرخصة والتخفيف عن المسلمين وذلك أني أردت مناجاة النبي صلى الله عليه وسلم في أمر ضروري فصرفت ديناراً بعشرة دراهم، ثم ناجيته عشر مرار أقدم في كل مرة درهماً، وروي عنه أنه تصدق في كل مرة بدينار فقال علي ثم فهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن هذه العبادة قد شقت على الناس فقال لي يا علي: كم ترى أن يكون حد هذه الصدقة، أتراه ديناراً؟، قلت: لا، قال نصف دينار، قلت: لا، قال فكم: قلت حبة من شعير قال إنك لزهيد، فأنزل الله الرخصة. قال القاضي أبو محمد: يريد للواجد وأما من لا يجد فالرخصة له ثابتة أولاً بقوله تعالى: {فإن لم تجدوا فإن الله غفور رحيم}. وقال مقاتل: بقي هذا الحكم عشرة أيام، وقال قتادة: بقي ساعة من نهار، وقرأ جمهور من الناس: "صدقة" بالإفراد، وقرأ بعض القراء "صدقات" بالجمع.

ابن عبد السلام

تفسير : {المجلس} مجالس الذكر، أو صلاة الجمعة، أو في الحرب، أو مجلس الرسول خاصة كانوا يشحون أن يؤثروا به، أو يتفسحوا فأمروا بذلك {تَفَسَّحُواْ} وسعوا {انشُزُواْ} إلى القتال، أو الصلاة، بالنداء، أو الخير أو كانوا يطيلون الجلوس في بيت الرسول صلى الله عليه وسلم ليكون كل واحد منهم آخر عهد به فأمروا أن ينشزوا إذا قيل لهم انشزوا {فَانشُزُواْ} قوموا أو ارتفعوا من النشز إلى الصلاة، أو الغزو، أو إلى كل خير {يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ} بإيمانهم على من ليس بمنزلتهم في الإيمان {وَالَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ} على من ليس بعالم.

الخازن

تفسير : قوله عز وجل: {يا أيها الذين آمنوا إذا قيل لكم تفسحوا في المجالس فافسحوا} الآية قيل في سبب نزولها "حديث : إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يكرم أهل بدر من المهاجرين والأنصار فجاء ناس منهم يوماً وقد سبقوا إلى المجلس فقاموا حيال النبي صلى الله عليه وسلم فسلموا عليه فرد عليهم ثم سلموا على القوم فردوا عليهم ثم قاموا على أرجلهم ينتظرون أن يوسع لهم فلم يفسحوا وشق ذلك على النبي صلى الله عليه وسلم فقال لمن حوله قم يا فلان وأنت يا فلان فأقام من المجلس بقدر أولئك النفر الذين كانوا بين يديه من أهل بدر فشق ذلك على من أقيم من مجلسه وعرف النبي صلى الله عليه وسلم الكراهية في وجوههم فأنزل الله هذه الآية" تفسير : وقيل نزلت في ثابت بن قيس بن شماس وقد تقدمت القصة في سورة الحجرات، وقيل كانوا يتنافسون في مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم ويحبون القرب منه فكانوا إذا رأوا من جاءهم مقبلاً تضاموا في مجلسهم فأمرهم الله أن يفسح بعضهم لبعض وقيل كان ذلك يوم الجمعة في الصفة والمكان ضيق والأقرب أن المراد مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنهم كانوا يتضامون فيه تنافساً على القرب من رسول الله صلى الله عليه وسلم وحرصاً على استماع كلامه فأمر الله المؤمنين بالتواضع وأن يفسحوا في المجلس لمن أراد الجلوس عند النبي صلى الله عليه وسلم ليتساوى الناس في الأخذ بالحظ منه وقرىء في المجلس لأن لكل واحد مجلساً ومعناه ليفسح كل رجل في مجلسه فافسحوا أي فأوسعوا في المجلس أمروا بأن يوسعوا في المجالس لغيرهم، {يفسح الله لكم} أي يوسع الله لكم في الجنة والمجالس فيها (ق) عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "حديث : لا يقيمن أحدكم رجلاً من مجلسه ثم يجلس فيه ولكن توسعوا وتفسحوا يفسح الله لكم" تفسير : (م) عن جابر بن عبد الله قال "لا يقيمن أحدكم أخاه يوم الجمعة ثم يخالف إلى مقعده فيقعد فيه ولكن يقول افسحوا" ذكره الحميدي في أفراد مسلم موقوفاً على جابر ورفعه غير الحميدي وقيل في معنى الآية إن هذا في مجالس العرب ومقاعد القتال كان الرجل يأتي القوم وهم في الصف فيقول توسعوا فيأبون عليه لحرصهم على القتال ورغبتهم في الشهادة فأمروا بأن يوسعوا لإخوانهم لأن الرجل الشديد البأس قد يكون متأخراً عن الصف الأول والحاجة داعية إلى تقدمه فلا بد من التفسح له ثم يقاس على ذلك سائر المجالس كمجالس العلم والقرآن والحديث والذكر ونحو ذلك لأن كل من وسع على عباد الله أنواع الخير والراحة وسع الله عليه خيري الدنيا والآخرة. {وإذا قيل انشزوا فانشزوا} أي إذا قيل ارتفعوا عن مواضعكم حتى توسعوا لإخوانكم فارتفعوا وقيل كان رجال يتثاقلون عن الصلاة في الجماعة إذا نودي لها فأنزل الله تعالى هذه الآية والمعنى إذا نودي إلى الصلاة فانهضوا إليها وقيل إذا قيل لكم انهضوا إلى الصلاة وإلى الجهاد وإلى كل خير فانهضوا إليه ولا تقصروا عنه، {يرفع الله الذين آمنوا منكم} أي بطاعتهم لله ولرسوله وامتثال أوامره في قيامهم من مجالسهم وتوسعتهم لإخوانهم {والذين أوتوا العلم} أي ويرفع الذين أوتوا العلم من المؤمنين بفضل علمهم وسابقتهم {درجات} أي على من سواهم في الجنة قيل يقال للمؤمن الذي ليس بعالم إذا انتهى إلى باب الجنة أدخل ويقال للعالم قف فاشفع في الناس أخبر الله عز وجل أن رسوله صلى الله عليه وسلم مصيب فيما أمروا أن أولئك المؤمنين مثابون فيما ائتمروا وأن النفر من أهل بدر مستحقون لما عوملوا به من الإكرام {والله بما تعملون خبير} قال الحسن قرأ ابن مسعود هذه الآية وقال يا أيها الناس افهموا هذه الآية ولنرغبنكم في العلم فإن الله تعالى يقول يرفع المؤمن العالم فوق المؤمن الذي ليس بعالم درجات وقيل إن العالم يحصل له بعلمه من المنزلة والرفعة ما لا يحصل لغيره لأنه يقتدي بالعالم في أقواله وفي أفعاله كلها عن قيس بن كثير قال قدم رجل من المدينة على أبي الدرداء وهو بدمشق فقال ما أقدمك يا أخي قال حديث بلغني أنك تحدثه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أما جئت لحاجة غيره؟ قال لا قال أما قدمت في تجارة؟ قال لا قال ما جئت إلا في طلب هذا الحديث؟ قال نعم قال فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "حديث : من سلك طريقاً يبتغي فيه علماً سلك الله به طريقاً إلى الجنة وإن الملائكة تضع أجنحتها رضا لطالب العلم وإن العالم ليستغفر له من في السموات ومن في الأرض حتى الحيتان في الماء وفضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب، وإن العلماء ورثة الأنبياء وإن الأنبياء لم يورثوا ديناراً ولا درهماً إنما أورثوا العلم فمن أخذه فقد أخذ بحظ وافر" تفسير : أخرجه الترمذي ولأبي داود نحوه، (ق) عن معاوية بن أبي سفيان قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "حديث : من يريد الله به خيراً يفقهه في الدين" تفسير : وعن ابن عباس مثله أخرجه الترمذي وروى البغوي بسنده عن عبد الله بن عمرو بن العاص "حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر بمجلسين في مسجده أحد المجلسين يدعون إلى الله ويرغبون إليه والآخر يتعلمون الفقه ويعلمونه فقال كلا المجلسين على خير وأحدهما أفضل من صاحبه. أما هؤلاء فيدعون إلى الله ويرغبون إليه وأما هؤلاء فيتعلمون الفقه ويعلمون الجاهل فهؤلاء أفضل وإنما بعثت معلماً ثم جلس فيهم ".

الثعالبي

تفسير : وقوله تعالى: {يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُواْ فِى ٱلْمَجَـٰلِسِ...} الآية، وقرأ عاصم: «في المَجَالِسِ» قال زيد بن أسلم وقتادة: هذه الآية نزلت بسبب تضايُقِ الناس في مجلس النبي صلى الله عليه وسلم؛ وذلك أَنَّهُمْ كانوا يتنافسون في القُرْبِ منه وسَمَاعِ كلامه والنظر إليه، فيأتي الرجلُ الذي له الحَقُّ والسِّنُّ والقَدَمُ في الإسلام، فلا يجد مكاناً، فنزلت بسبب ذلك، وروى أبو هريرة أَن النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «حديث : لاَ يَقُمْ أَحَدٌ مِنْ مَجْلِسِهِ ثُمَّ يَجْلِسَ فِيهِ الرَّجُلُ، وَلَكِنْ تَفَسَّحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ»تفسير : ، قال جمهور العلماء: سببُ نزولِ الآية مجلس النبي صلى الله عليه وسلم ثم الحكم مُطَّرِدٌ في سائر المجالس التي هي للطاعات؛ ومنه قوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : أَحَبُّكُمْ إلَى اللَّهِ أَلْيَنُكُمْ مَنَاكِبَ في الصَّلاَةِ، وَرُكَباً في المَجَالِسِ»تفسير : ، وهذا قول مالك رحمه اللَّه، وقال: ما أرى الحكم إلاَّ يَطَّرِدُ في مجالس العلم ونحوها غَابِرَ الدهر؛ قال * ع *: فالسنة المندوبُ إليها هي التفسُّحُ، والقيامُ مَنْهِيٌّ عنه في حديث النبي صلى الله عليه وسلم، حيثُ نَهَىٰ أَنْ يَقُومَ الرَّجُلُ؛ فَيَجْلِسَ الآخَرُ مَكَانَهُ. * ت *: وقد روى أبو دَاوُدَ في «سننه» عن سَعِيدِ بْنِ أبي الحَسَنِ قال: «جَاءَنَا أَبُو بَكْرَةَ في شَهَادَةٍ، فَقَامَ لَهُ رَجُلٌ مِنْ مَجْلِسِهِ فَأَبَى أَنْ يَجْلِسَ فِيهِ، وَقَالَ: إنَّ رَسُولَ اللَّه صلى الله عليه وسلم نَهَى عَنْ ذَلِكَ، وَنَهَى أَنْ يَمْسَحَ الرَّجُلُ يَدَهُ بِثَوْبِ مَنْ لَمْ يَكْسُهُ» وروى أبو داودَ عن ابن عمر قال: جَاءَ رَجُلٌ إلى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَقَامَ لَهُ رَجُلٌ مِنْ مَجْلِسِهِ، فَذَهَبَ لِيَجْلِسَ فِيهِ، فَنَهَاهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم» انتهى، قال * ع *: فَأَمَّا القيام إجلالاً فجائز بالحديث، وهو قوله ـــ عليه السلام ـــ حين أقبل سعد بن معاذ: «حديث : قُومُوا إلَى سَيِّدِكُمْ»تفسير : . وواجب على المُعَظَّمِ أَلاَّ يُحِبَّ ذَلِكَ وَيَأْخُذَ النَّاسَ بِهِ؛ لقوله ـــ عليه السلام ـــ: «حديث : مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَتَمَثَّلَ لَهُ النَّاسُ قِيَاماً، فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ. »تفسير : * ت *: وفي الاحتجاج بقضية سعد نظر؛ لأَنَّها احْتَفَّتْ بِها قرائن سَوَّغَتْ ذلك؛ انظر السير، وقد أطنب صاحب المدخل في الإنحاء والرَّدِّ على المجيزين للقيام، والسلامةُ عندي تركُ القيام. وقوله تعالى: {يَفْسَحِ ٱللَّهُ لَكُمْ} معناه: في رحمته وَجَنَّتِهِ. * ص *: {يَفْسَحِ} مجزوم في جواب الأمر، انتهى، {وَإِذَا قِيلَ ٱنشُزُواْ} معناه: ارتفعوا، وقوموا فافعلوا ذلك؛ ومن «رياض الصالحين» للنوويِّ: وعن عمرو بن شُعَيْبٍ، عن أبيه، عن جَدِّهِ، أَنَّ رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : لاَ يَحِلُّ لِلرَّجُلِ أَنْ يُفَرِّقَ بَيْنَ اثْنَيْنِ إلاَّ بِإذْنِهِمَا» تفسير : رواه أبو داودَ، والترمذيُّ وقال: حديث حسن، وفي رواية لأبي داودَ: «حديث : لاَ يَجْلِسْ بَيْنَ رَجُلَيْنِ إلاَّ بِإذْنِهِمَا»تفسير : وعن حُذَيْفَةَ - رضي اللَّه عنه - أَنَّ رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: «حديث : لَعَنَ مَنْ جَلَسَ وَسَطَ الحَلْقَةِ»تفسير : ، رواه أبو داود بإسناد حسن، وروى الترمذيُّ عن أبي مِجْلِزٍ؛ أَنَّ رَجُلاً قَعَدَ وَسَطَ الْحَلْقَةِ، فَقَالَ حُذَيْفَةُ: «حديث : مَلْعُونٌ عَلَىٰ لِسَانِ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم، أَوْ لَعَنِ اللَّهُ عَلَىٰ لِسَانِ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم مَنْ جَلَسَ وَسَطَ الْحَلْقَةِ» تفسير : قال الترمذيُّ: حديث حسن صحيح، انتهى. وقوله سبحانه: {يَرْفَعِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنكُمْ...} الآية: قال جماعة: المعنى: يرفع اللَّه المؤمنين العلماءَ درجاتٍ؛ فلذلك أمر بالتفسُّح من أجلهم، وقال آخرون: المعنى: يرفع اللَّه المؤمنين والعلماءَ الصنفينِ جميعاً درجاتٍ، لَكِنَّا نعلمُ تفاضُلَهم في الدرجات من مواضعَ أُخَرَ؛ فلذلك جاء الأمر بالتفسح عامًّا للعلماء وغيرهم، وقال ابن مسعود وغيره: {يَرْفَعِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنكُمْ} وهنا تَمَّ الكلامُ، ثم ابتدأ بتخصيص العلماء بالدرجات، ونصبهم بإضمار فعلٍ، فللمؤمنين رفع على هذا التأويل، وللعلماء درجات، وعلى هذا التأويل قال مُطَرِّفُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الشَّخِّيرِ: فَضْلُ العلمِ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ فَضْلِ العِبَادَةِ، وخيرُ دِينِكُمُ الوَرَعُ، وروى البخاريُّ وغيره عن أبي موسى عنِ النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : مَثَلُ مَا بَعَثَنِي اللَّهُ بهِ مِنَ الهُدَىٰ وَالْعِلْمِ كَمَثَلِ الْغَيْثِ الْكَثِيرِ أَصَابَ أَرْضاً، فَكَانَ مِنْهَا طَائِفَةٌ قَبِلَتِ الماء، فَأَنْبَتَتِ الْكَلأَ وَالْعُشْبَ الْكَثِيرَ، وَكَانَتْ مِنْهَا أَجَادِبُ أَمْسَكَتِ المَاءَ؛ فَنَفَعَ اللَّهُ بِهَا النَّاسَ، فَشَرِبُوا، وَسُقُوا، وَزَرَعُوا، وَأَصَابَ مِنْهَا طَائِفَةً أُخْرَىٰ إنَّما هِيَ قِيَعَانٌ لاَ تُمْسِكُ مَاءَ، وَلا تُنْبِتُ كَلأً؛ فَذَلِكَ مَثَلُ مَنْ فَقُهَ في دِينِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَنَفَعَهُ مَا بَعَثَنِي اللَّهُ بِهِ، فَعَلِمَ وَعَلَّمَ، وَمَثَلُ مَنْ لَمْ يَرْفَعْ بِذَلِكَ رَأْساً وَلَمْ يَقْبَلْ هُدَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ الَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ»تفسير : انتهى. وقوله تعالى: {يَٰأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا إذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَي نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً ذَلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ} روي عن ابن عباس وقتادة في سببها: أَنَّ قوماً من شباب المؤمنين وأغْفَالِهِمْ كَثُرَتْ مناجاتُهم للنبي صلى الله عليه وسلم في غير حاجة، وكان صلى الله عليه وسلم سَمْحاً، لا يَرُدُّ أحداً، فنزلت هذه الآية مُشَدِّدَةً عليهم، وقال مقاتل: نزلتْ في الأغنياء؛ لأَنَّهُمْ غلبوا الفقراء على مناجاة النبي صلى الله عليه وسلم ومجالسته، قال جماعة من الرواة: نُسِخَتْ هذه الآيةُ قبل العمل بها، لكنِ استقر حُكْمُهَا بالعزم عليه، وصَحَّ عن عليٍّ أَنَّهُ قال: حديث : ما عَمِلَ بها أَحَدٌ غيري، وأنا كنتُ سَبَبَ الرخصة والتخفيفِ عن المسلمين، قال: ثم فَهِمَ رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَنَّ هٰذِهِ الْعِبَادَةَ قد شَقَّتْ عَلَى النَّاسِ فَقَالَ لي: يَا عَلِيُّ، كَمْ تَرَىٰ أَنْ يَكُونَ حدُّ هٰذِهِ الصَّدَقَةِ؟ أَتَرَاهُ دِينَاراً؟ قُلْتُ: لاَ، قَالَ: فَنِصْفُ دِينِارٍ؟ قُلْتُ: لاَ، قَالَ: فَكَمْ؟ قُلْتُ: حَبَّةٌ مِنْ شَعِيرٍ، قَالَ: إنَّكَ لَزَهِيدٌ فَأَنْزَلَ اللَّهُ الرُّخْصَةَتفسير : ، يريد لِلْوَاجِدِينَ، وَأَمَّا مَنْ لَمْ يَجِدْ فَالرُّخْصَةُ لَهُ ثَابِتَةٌ؛ بقوله: «فَإنْ لَمْ تَجِدُوا» قال الفخر: قوله عليه السلام لعليٍّ: «حديث : إنَّكَ لَزَهِيدٌ»تفسير : معناه: إنك قليل المال، فقدَّرْتَ عَلَىٰ حَسَبِ حالك، انتهى.

البقاعي

تفسير : ولما ذكر ما يحزن من السر لكونه اختصاصاً عن الجليس بالمقال فينشأ عنه ظن الكدر وتباعد القلوب، أتبعه الاختصاص بالمجلس الذي هو مباعدة الأجسام اللازم لها من الظن ما لزم من الاختصاص بالسر في الكلام فينشأ عنه الحزن، معلماً لهم بكمال رحمته وتمام رأفته بمراعاة حسن الأدب بينهم وإن كان من أمور العادة دون أحكام العبادة، فقال مخاطباً لأهل الدرجة الدنيا في الإيمان لأنهم المحتاجون لمثل هذا الأدب: {يا أيها الذين آمنوا} حداهم بهذا الوصف على الامتثال {إذا قيل لكم} أي من أيّ قائل كان فإن الخير يرغب فيه لذاته: {تفسحوا} أي توسعوا أي كلفوا أنفسكم في إيساع المواضع {وفي المجلس} أي الجلوس أو مكانه لأجل من يأتي فلا يجد مجلساً يجلس فيه، والمراد بالمجلس جنس المكان الذي هم ماكثون به بجلوس أو قيام في صلاة أو غيرها لأنه أهل لأن يجلس فيه. وذلك في كل عصر، ومجلس النبي صلى الله عليه وسلم أولى بذلك، وقراءة عاصم بالجمع موضحة لإرادة الجنس {فافسحوا} أي وسعوا فيه عن سعة صدر {يفسح الله} أي الذي له الأمر كله والعظمة الكاملة {لكم} في كل ما تكرهون ضيقه من الدارين. ولما كانت التوسعة يكفي فيها التزحزح مع دوام الجلوس تارة وأخرى تدعو الحاجة فيها إلى القيام للتحول من مكان إلى آخر قال: {وإذا قيل} أيّ من قائل كان - كما مضى - إذا كان يريد الإصلاح والخير {انشزوا} أي ارتفعوا وانهضوا إلى الموضع الذي تؤمرون به أو يقتضيه الحال للتوسعة أو غيرها من الأوامر كالصلاة أو الجهاد وغيرهما {فانشزوا} أي فارتفعوا وانهضوا {يرفع الله} الذي له جميع صفات الكمال، عبر بالجلالة وأعاد إظهارها موضع الضمير ترغيباً في الامتثال لما للنفس من الشح بما يخالف المألوف {الذين آمنوا} وإن كانوا غير علماء {منكم} أيها المأمورون بالتفسح السامعون للأوامر، المبادرون إليها في الدنيا والآخرة بالنصر وحسن الذكر بالتمكن في وصف الإيمان الموجب لعلو الشأن بطاعتهم لرسوله صلى الله عليه وسلم في سعة صدورهم بتوسعتهم لإخوانهم. ولما كان المؤمن قد لا يكون من المشهورين بالعلم قال: {والذين} ولما كان العلم في نفسه كافياً في الإعلاء من غير نظر إلى مؤت معين، بنى للمفعول قوله: {أوتوا العلم} أي وهم مؤمنون {درجات} درجة بامتثال الأمر وأخرى بالإيمان، ودرجة بفضل علمهم وسابقتهم - روى الطبراني وأبو نعيم في كتاب العلم عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"حديث : من جاءه أجله وهو يطلب العلم ليحيي به الإسلام لم يفضله النبيون إلا بدرجة واحدةتفسير : ، رواه الدارمي وابن السني في رياضة المتعلمين عن الحسن غير منسوب، قال شيخنا: فقيل: هو البصري فيكون مرسلاً، وعن الزبير: العلم ذكر فلا يحبه إلا ذكور الرجال. وكلما كان الإنسان أعلم كان أذكر، ولعله ترك التقييد بـ"من" في هذا وإن كانت مرادة ليفهم أن العلم يعلي صاحبه مطلقاً، فإن كان مؤمناً عاملاً بعلمه كان النهاية، وإن كان عاصياً كان أرفع من مؤمن عاص وعار عن العلم، وإن كان كافراً كانت رفعته دنيوية بالنسبة إلى كافر لا يعلم، ودل على ذلك بختم الآية بقوله مرغباً مرهباً: {والله} أي والحال أن المحيط بكل شيء قدرة وعلماً {بما تعملون} أي حال الأمر وغيره {خبير *} أي عالم بظاهره وباطنه، فإن كان العلم مزيناً بالعمل بامتثال الأوامر واجتناب النواهي وتصفية الباطن كانت الرفعة على حسبه، وإن كان على غير ذلك فكذلك، وقدم الجار ومدخوله وإن كان علمه سبحانه بالأشياء كلها على حد سواء تنبيهاً على مزيد الاعتناء بالأعمال، لا سيما الباطنة من الإيمان والعلم اللذين هما الروح الأعظم، لأن المقام لنزول الإنسان عن مكانه بالتفسح والانخفاض والارتفاع، ولا يخفى ما في ذلك من حظ النفس الحامل على الجري مع الدسائس، فكان جديراً بمزيد الترهيب، وسبب الآية أن أهل العلم لما كانوا أحق بصدر المجلس لأنهم أوعى لما يقول صاحب المجلس، كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول:"حديث : ليليني أولو الأحلام منكم والنهى"تفسير : ، وكان صلى الله عليه وسلم يكرم أهل بدر من المهاجرين والأنصار فجاء أناس من أهل بدر منهم ثابت بن قيس بن شماس وقد سبق غيرهم إلى المجلس فقاموا حيال النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، فرد عليهم النبي صلى الله عليه وسلم ثم سلموا على القوم فردوا عليهم فقاموا على أرجلهم ينتظرون أن يوسع لهم فلم يفعلوا فقال لمن حوله من غير أهل بدر: قم يا فلان وأنت يا فلان، فأقام من المجلس بقدر القادمين من أهل بدر، فشق ذلك على من أقيم، وعرف النبي صلى الله عليه وسلم الكراهية في وجوههم، فقال المنافقون: ألستم تزعمون أن صاحبكم يعدل، فوالله ما عدل على هؤلاء، إن قوماً أخذوا مجالسهم وأحبوا القرب من نبيهم فأقامهم وأجلس من أبطأ عنه مكانهم، فأنزل الله هذه الآية، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول:"حديث : لا يقيم الرجل الرجل من مجلسه ثم يجلس فيه، ولكن افسحوا يفسح الله لكم"تفسير : رواه مسلم عن ابن عمر رضي الله عنهما، وقال الحسن: بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا قاتل المشركين فصف أصحابه رضي الله عنهم للقتال تشاحوا على الصف الأول فيقول الرجل لإخوانه: توسعوا لنلقى العدو فنصيب الشهادة، فلا يوسعون له رغبة منهم في الجهاد والشهادة، فأنزل الله هذه الآية، وهي دالة على أن الصالح إن كره مجاورة فاسق منع من مجاورته لأنه يؤذيه ويشغله عن كثير من مهماته، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم:"حديث : لا ضرر ولا ضرار"تفسير : وقال:"حديث : أعوذ بك من جار السوء في دار المقامة فإن جار البادية يتحول"تفسير : . وقال:"حديث : شر الناس من لا يأمن جاره بوائقه"تفسير : . فقال تعالى معظماً لرسوله صلى الله عليه وسلم وناهياً عن إبرامه صلى الله عليه وسلم بالسؤال والمناجاة، ونافعاً للفقراء والتمييز بين المخلص والمنافق ومحب الآخرة ومحب الدنيا، ولما نهى عما يحزن من المقال والمقام، وكان المنهي عنه من التناجي إنما هو لحفظ قلب الرسول صلى الله عليه وسلم عما يكدره فهو منصرف إلى مناجاتهم غيره، وكان ذلك مفهماً أن مناجاتهم له صلى الله عليه وسلم لا حرج فيها، وكان كثير منهم يناجيه ولا قصد له إلا الترفع بمناجاته فأكثروا في ذلك حتى شق عليه صلى الله عليه وسلم، وكان النافع للإنسان إنما هو كلام من يلائمه في الصفات ويشاكله في الأخلاق، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أبعد الناس من الدنيا تقذراً لها لأجل بغض الله لها، أمر من أراد أن يناجيه بالتصدق ليكون ذلك أمارة على الاجتهاد في التخلق بأخلاقه الطاهرة من الصروف عن الدنيا والإقبال على الله، ومظهراً له عما سلف من الإقبال عليها فإن الصدقة برهان على الصدق في الإيمان، وليخفف عنه صلى الله عليه وسلم ما كانوا قد أكثروا عليه من المناجاة، فلا يناجيه إلا من قد خلص إيمانه فيصدق، فيكون ذلك مقدمة لانتفاعه بتلك المناجاة كما أن الهدية تكون مهيئة للقبول كما ورد "نعم الهدية أمام الحاجة" فقال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا} أي ادعوا أنهم أوجدوا هذه الحقيقة أغنياء كانوا أو فقراء {إذا ناجيتم} أي أردتم أن تناجوا {الرسول} صلى الله عليه وسلم أي الذي لا أكمل منه في الرسلية فهو أكمل الخلق ووظيفته تقتضي أن يكون منه الكلام بما أرسله به الملك وتكون هيبته مانعة من ابتدائه بالكلام، فلا يكون من المبلغين إلا الفعل بالامتثال لا غير {فقدموا} أي بسبب هذه الإرادة العالية على سبيل الوجوب ومثل النجوى كشخص له يدان يحتاج ان يطهر نفسه ليتأهل للقرب من الرسول صلى الله عليه وسلم فقال: {بين يدي نجواكم} أي قبل سركم الذي تريدون أن ترتفعوا به {صدقة} تكون لكم برهاناً قاطعاً على إخلاصكم كما ورد أن الصدقة برهان، فهي مصدقة لكم في دعوى الإيمان التي هي التصديق بالله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم وبكل ما جاء به عن الله تعالى، ومعظمه الإعراض عن الدنيا والإقبال على الآخرة، ولذلك استأنف قوله: {ذلك} أي الخلق العالي جداً من تقديم التصدق قبل المناجاة يا خير الخلق، ولعله أفرده بالخطاب لأنه لا يعلم كل ما فيه من الأسرار غيره. وعاد إلى الأول فقالك {خير لكم} أي في دينكم من الإمساك عن الصدقة {وأطهر} لأن الصدقة طهرة ونماء وزيادة في كل خير، ولذلك سميت زكاة {خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها} والتعبير بأفعل لأنهم مطهرون قبله بالإيمان. ولما أمر بذلك، وكانت عادته أن لا يكلف بما فوق الوسع للتخفيف على عباده لا سيما هذه الأمة قال: {فإن لم تجدوا} أي ما تقدمونه. ولما كان المعنى الكافي في التخفيف: فليس عليكم شيء، دل عليه بأحسن منه فقال: {فإن الله} أي الذي له جميع صفات الكمال، وأكده لاستبعاد مثله فإن المعهود من الملك إذا ألزم رعيته بشيء أنه لا يسقطه أصلاً ورأساً، ولا سيما إن كان يسيراً، ودل على أنه سبحانه لن يكلف بما فوق الطاقة بقوله: {غفور رحيم *} أي له صفتا الستر للمساوئ والإكرام بإظهار المحاسن ثابتتان على الدوام فهو يغفر ويرحم تارة بعدم العقاب للعاصي وتارة للتوسعة للضيق بأن ينسخ ما يشق إلى ما يخف، وهذه الآية قيل: إنها نسخت قبل العمل بها، وقال علي رضي الله عنه: ما عمل بها أحد غيري، أردت المناجاة ولي دينار فصرفته بعشرة دراهم وناجيته عشر مرات أتصدق في كل مرة بدرهم، ثم ظهرت فشق ذلك على الناس، فنزلت الرخصة في ترك الصدقة، حديث : وروى النسائي في الكبرى والترمذي وقال: حسن غريب وابن حبان وأبو يعلى والبزار عن علي رضي الله عنه أنه قال: لما نزلت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"مرهم أن يتصدقوا". قلت: بكم يا رسول الله؟ قال:" بدينار"، قلت: لا يطيقون. قال: "فنصف دينار"، قلت: لا يطيقون، قال: "فبكم؟" قلت: بشعيرة: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إنك لزهيد"تفسير : ، فأنزل الله تعالى {أأشفقتم} الآية. وكان علي رضي الله عنه يقول: بي خفف الله عن هذه الأمة. وعدم عمل غيره لا يقدح فيه لاحتمال أن يكون لم يجد عند المناجاة شيئاً أو أن لا يكون احتاج إلى المناجاة.

ابو السعود

تفسير : {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُواْ} أيْ توسعُوا وليفسحْ بعضُكُمْ عنْ بعضِ ولا تتضامُّوا منْ قولِهم أفسحْ عَنِّي أيْ تنحَّ وقُرِىءَ تفاسحُوا وقولِهِ تَعَالى: {فِى ٱلْمَجَـٰلِسِ} متعلقٌ بقيلَ وقُرِىءَ في المجلسِ عَلى أنَّ المرادَ بِهِ الجنسُ وقيلَ: مجلسُ الرسولِ عليهِ الصلاةُ والسلامُ وكانُوا يتضامُّون تنافساً في القُربِ منهُ عليهِ الصلاةُ والسَّلامُ حِرْصاً على استماعِ كلامِهِ وقيلَ: هو المجلسُ منْ مجالسِ القتالِ وهيَ مركزُ الغُزاةِ كقولِهِ تَعَالى: {أية : مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ } تفسير : [سورة آل عمران، الآية 121] قيلَ: كانَ الرجلُ يأتي الصفَّ ويقولُ: تفسحُوا فيأبَونَ لِحرصِهم عَلى الشهادةِ وقُرِىءَ فِي المجلَسِ بفتح اللامِ فَهُو متعلقٌ بتفسحُوا قطعاً أيْ توسعُوا فِي جلوسِكم ولا تتضايقُوا فيه {فَٱفْسَحُواْ يَفْسَحِ ٱللَّهُ لَكُمْ} أي فِي كلِّ ما تريدونَ التفسحَ فيهِ منَ المكانِ والرزقِ والصدرِ والقَبرِ وغيرِهَا {وَإِذَا قِيلَ ٱنشُزُواْ} أي انهضُوا للتوسعةِ عَلى المقبلينَ أوْ لِمَا أمرتمْ بِهِ منْ صلاةٍ أو جهادٍ أو غَيرِهِمَا منْ أعمالِ الخيرِ {فَانشُزُواْ} فانهضُوا ولا تتثبطُوا ولا تفرطُوا وقرىءَ بكسرِ الشينِ {يَرْفَعِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ مِنكُمْ} بالنصرِ وحسنِ الذكرِ في الدُّنيا والإيواءِ إلى غُرفِ الجنانِ في الآخرةِ {وَٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ} منهُمْ خصوصاً {دَرَجَـٰتٌ} عالية بما جمعُوا منْ أثرتي العلمِ والعملِ فإنَّ العلمَ معَ علوِّ رتبتِه يقتضِي العملُ المقرونُ بهِ مزيدَ رفعةٍ لا يدركُ شأوَهُ العملُ العارِيُّ عَنْهُ وإنْ كانَ في غايةِ الصلاحِ ولذلكَ يقتدي بالعالمِ في أفعالِه ولا يقتدَى بغيرِهِ وفي الحديثِ: « حديث : فضلُ العالمِ عَلى العابِدِ كفضلِ القمرِ ليلة البدرِ عَلى سائرِ الكواكبِ » تفسير : {وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} تهديدٌ لمنْ لمْ يمتثلْ بالأمرِ وقُرِىءَ يعملونَ بالياءِ التحتانيةِ. {يـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ إِذَا نَـٰجَيْتُمُ ٱلرَّسُولَ} في بعضِ شؤونكُم المهمةِ الداعية إلى مناجاتِهِ عليهِ الصلاةُ والسَّلامُ: {فَقَدّمُواْ بَيْنَ يَدَىْ نَجْوٰكُمْ صَدَقَةً} أيْ فتصدقُوا قبلَها مستعارٌ ممنْ لهُ يدانِ وفي هذا الأمرِ تعظيمُ الرسولِ صلى الله عليه وسلم وإنفاعُ الفقراءِ والزجرُ عنِ الإفراطِ في السؤالِ والتميـيزُ بـينَ المخلصِ والمنافقِ ومحبِّ الآخرةِ ومحبِّ الدُّنيا واختلفَ في أنَّه للندبِ أو للوجوبِ لكنهُ نُسِخَ بقولِهِ تَعَالى: {أية : أَءشْفَقْتُمْ}تفسير : [سورة المجادلة، الآية 13] وهُوَ وإنْ كَان متصلاً بِهِ تلاوةً لكنَّه متراخٍ عَنْهُ نزولاً وَعَنْ عليَ رضيَ الله عنهُ: "إنَّ فِي كتابِ الله آيةً ما عَمِلَ بِهَا أحدٌ غَيْرِي كانَ لي دينارٌ فصرفتُه فكنتُ إذَا ناجيتُه عليهِ الصلاةُ والسلامُ تصدقتُ بدرهم" وهُوَ على القولِ بالوجوبِ محمولٌ على أنَّه لمْ يتفقْ للأغيناءِ مناجاةٌ في مدةِ بقائِه إذْ رُوي أنَّه لمْ يَبقَ إلاَّ عشراً وقيل: إلاَّ ساعةً {ذٰلِكَ} أي التصدق {خَيْرٌ لَّكُمْ وَأَطْهَرُ} أيْ لأنفسكم منَ الريبةِ وحبِّ المَالِ وهذا يشعرُ بالندبِ لكنَّ قولِهُ تَعَالى: {فَإِن لَّمْ تَجِدُواْ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} منبىءٌ عنِ الوجوبِ لأنَّه ترخيصٌ لمنْ لَمْ يجدْ فِي المناجَاةِ بلا تصدقٍ.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {فَٱفْسَحُواْ يَفْسَحِ ٱللَّهُ لَكُمْ} [الآية: 11]. قال فارس: وسعوا صدوركم لقبول الحق يمن الله عليكم بالحقيقة.

القشيري

تفسير : قوله جلّ ذكره: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُواْ فِي ٱلْمَجَالِسِ فَٱفْسَحُواْ يَفْسَحِ ٱللَّهُ لَكُمْ وَإِذَا قِيلَ ٱنشُزُواْ فَانشُزُواْ}. لكمال رحمته بهم وتمام رأفته عليهم، علَّمَهم مراعاة حُسِن الأدب بينهم فيما كان من أمور العادة دون أحكام العبادة في التفسُّح في المجالس والنظام في حال الزَّحمة والكثرة... وأعْزِزْ بَأقوامٍ أمَرَهم بدقائق الأشياء بعد قيامهم بأصول الدين وتحقُّقِهم بأركانه!.

البقلي

تفسير : قوله تعالى {فَٱفْسَحُواْ يَفْسَحِ ٱللَّهُ لَكُمْ} اى اسعوا بساط قلوبكم ومجالس صدوركم من ضيق الحدوثية وتضائق النفوسية لموارد تجلى القدم بنعت ان لا يبقى بغير تطر الحق شئ دون الحق يفسح الله لكم بساط قربه ومجالس انسه وحجال قدسه قال فارس وسعوا القبول الحق يمن الله عليكم بالحقيقة قوله تعالى {يَرْفَعِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ مِنكُمْ} الايمان محل المشاهدة فى درجات فاذا كان مع العلم عين فالعلم مع العين ----من العين بلا علم وذلك العلم يكون بعد العين فاذا كان قبل العين ليس بعلم حقيقى انما حقيقة العمل ما يستفاد من المشاهدة والعين لذلك قال {وَٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ دَرَجَاتٍ} وفيه اشارة اخرى ان لاهل العلم درجات وليس لاهل العين درجات اذ لا يبقى لهم مسلك فى القدم لتلاشيهم فيه.

اسماعيل حقي

تفسير : {يا ايها الذين آمنوا} يعنى المخلصين {اذا قيل لكم} من اى قائل كان من الاخوان {تفسحوا} التفسح جاى فراخ كردن وفراخ نشتن در مجلس، وكذا الفسح لكن التفسح يعدى بفى والفسح باللام اى توسعوا ليفسح بعضكم عن بعض ولا تتضاموا من قولهم افسح اعنى اى تنح وأنت فى فسحة من دينك اى فى وسعة ورخصة وفلان فسيح الخلق اى واسع الخلق {فى المجالس} قال فى الارشاد متعلق بقيل. يقول الفقير الظاهر انه متعلق بقوله {تفسحوا} لأن البيهقى صرح فى تاج المصادر بان التفسح يعدى بفى على ما أشرنا اليه آنفا {فافسحوا} بس جاى كشاده كنيد بر مردم {يفسح الله لكم} اى فى كل ماتريدون التفسح فيه من المكان والرزق والصدر والقبر وغيرها فان الجزآء من جنس العمل والآية عامة فى كل مجلس اجتمع فيه المسلمون للخير والأجر سواء كان مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانوا يتضامون تنافسا فى القرب منه عليه السلام وحرصا على استماع كلامه او مجلس حرب وكانوا يتضامون فى مراكز الغزاة ويأتى الرجل الصف ويقول تفسحوا ويأبون لحرصهم على الشهادة او مجلس ذكر او مجلس يوم الجمعة وان كل واحد وان كان أحق بمكان الذى سبق السبق اليه لكنه يوسع لاخيه مالم يتأذ لذلك فيخرجه الضيق من موضعه وفى الحديث "حديث : لايقيمن احدكم الرجل من مجلسه ثم يخلفه فيه ولكن تفسحوا وتوسعوا"تفسير : وفى رواية "حديث : لايقيمن احدكم أخاه يوم الجمعة ولكن ليقل افسحوا"تفسير : وقيل ان رجلا من الفقرآء دخل المسجد وأراد أن يجلس بجنب واحد من الاغنياء فلما قرب منه قبض الغنى اليه ثوبه فرأى رسول الله عليه السلام ذلك فقال للغنى "حديث : أخشيت أن يعديه غناك ويعديك فقره"تفسير : وفيه حث على التواضع والجلوس مع الفقرآء والتوسعة لهم فى المجالس وان كانوا شعثا غبرا {واذا قيل انشزوا} يقال نشز الرجل اذا نهض وارتفع فى المكان نشزا والنشز كالفلس وكذا النشز بفتحتين المكان المرتفع من الارض ونشز فلان اذا قصد نشزا ومنه فلان عن مقره وقلب ناشز ارتفع عن مكانه رعبا والمعنى واذا قيل لكم قوموا للتوسعة على المقبلين اى من جاء بعدكم {فانشزوا} فارتفعوا وقوموا يعنى اذا كثرت المزاحمة وكانت بحيث لاتحصل التوسعة بتنحى احد الشخصين عن الآخر حال قعود الجماعة وقيل قوموا جميعا تفسحوا حال القيام فانشزوا ولاتثاقلوا عن القيام او اذا قيل لكم قوموا عن مواضعكم فانتقلوا منها الى موضع آخر لضرورة داعية اليه اطيعوا من أمركم به وقوموا عن مجالسكم وتوسعوا لاخوانكم ويؤيده انه عليه السلام كان يكرم أهل بدر فأقبلت جماعة منهم فلم يوسعوا لهم فقال عليه السلام "حديث : قم يافلان ويافلان"تفسير : فأقام من المجلس بعدد المقبلين من اهل بدر فتغامز به المنافقون أنه ليس من العدل أن يقيم أحدا من مجلسه وشق ذلك على من أقيم من مجلسه وعرف رسول الله عليه السلام الكراهية فى وجوههم فانزل الله الاية فالقائل هو الرسول عليه السلام ويقال واذا قيل انشزوا اى انهضوا عن مجلس رسول الله اذا امرتم بالنهوض عنه فانهضوا ولا تملوا رسول لله بالارتكان فيه او انهضوا الى الصلاة او الى الجهاد او الشهادة أو غير ذلك من اعمال الخير فانهضوا ولا تتنبطوا ولا تفرطوا فالقائل يعم الرسول وغيره {يرفع الله الذين آمنوا منكم} جواب للامر اى من فعل ذلك طاعة للامر وتوسعة للاخوان يرفعهم الله بالنصر وحسن الذكر فى الدنيا والايوآء الىغرف الجنان فى الآخرة لان من تواضع رفعه الله ومن تكبر وضعه فالمراد الرفعة المطلقة الشاملة للرفعة الصورية والمعنوية {والذين اوتوا العلم} اى ويرفع العلماء منهم خاصة فهو من عطف الخاص على العام للدلالة على علو شأنهم وسمو مكانهم حتى كانهم جنس آخر {درجات} اى طبقات عالية ومراتب مرتفعة بسبب ماجمعوا من العلم والعمل فان العلم لعلو درجته يقتضى للعمل المقرون به مزيد رفعة لايدرك شاؤه العمل العارى عنه وان كان فى غاية الصلاح ولذا يقتدى بالعالم فى افعاله ولا يقتدى بغيره فعلم من هذا التقرير انه لاشركة للمعطوف عليه فى الدرجات كما قال ابن عباس رضى الله عنهما ثم الكلام عند قوله منكم وينتصب الذين اوتوا العلم بفعل مضمر اى ويرفعهم درجات وانتصاب درجات اما على اسقاط الخافض اى الى درجات او على المصدرية اى رفع درجات فحذف المضاف او على الحالية من الموصول اى ذوى درجات {والله بما تعملون} اى بعملكم او بالذى تعملونه {خبير} علام لايخفى عليه شىء منه لاذاته جنسا او نوعا ولا كيفيته اخلاصا او نفاقا او رياء او سمعة ولا كميته قلة او كثرة فهو خبير بتفسحكم ونشزكم ونيتكم فيهما فلا تضيع عند الله وجعله بعضهم تهديدا لمن لم يمتثل بالامر او استكرهه فلا بد من التفسح والطاعة وطلب العلم الشريف ويعلم من الآية سر تقدم العالم على غيره فى المجالس والمحاضر لان الله تعالى قدمه واعلاه حيث جعل درجاته عالية وفى الحديث "حديث : فضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب"تفسير : اى فضل العالم الباقى بالله على العابد الفانى فى الله كما فى التأويلات النجمية وقال فى عين المعانى المراد علم المكاشفة فى ماورد فضل العالم على العابد كفضلى على امتى اذ غيره وهو علم المعاملة تبع للعمل لثبوته شرطا له اذ العمل انما يتعد به اذا كان مقرونا بعلم المعاملة قال بعضهم المتعبد بغير علم كحمار الطاحونة يدرو ولا يقطع المسافة شعر : علم جندانكه بيشترتى خوانى جون عمل درتونيست نادانى تفسير : وحيث يمدح العلم فالمراد به العلم المقرون بالعمل شعر : رفعت آدمى بعلم بود هر كرا علم بيش رفعت بيش قيمت هركسى بدانش اوست سازدافزسون بعلم قيمت خويش تفسير : (وقال بعضهم) شعر : مرابتجربه معلوم كشت آخر حال كه عزمرد بعلم است وعز علم بمال تفسير : وعن بعض الحكماء ليت شعرى اى شىء ادرك من فاته العلم واى شىء فات من ادرك العلم وكل علم لم يوطد بعمل فالى ذل يصير وعن الزهرى رضى الله عنه العلم ذكر فلا يحبه الا ذكروة الرجال قال مقاتل اذا انتهى المؤمن الى باب الجنة يقال له لست بعالم ادخل الجنة بعملك ويقال للعالم قف على باب الجنة واشفع للناس وعن أبى الدردآء رضى الله عنه قال لأن أعلم مسألة احب الى من أن أصلى مائة ركعة ولأن أعلم مسألة أحب الى من أن أصلى ألف ركعة قال ابو هريرة وابو ذر رضى الله عنهما سمعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "حديث : اذا جاء الموت طالب العلم على هذه الحال مات وهو شهيد"تفسير : واعلم ان جميع الدرجات اما باعتبار تعدد اصحابها فان لكل عالم ربانى درجة عالية او باعتبار تعددها لقوله عليه السلام "حديث : بين العالم والعابد مائة درجة بين كل درجة حضر الجواد المضمر سبعين سنة"تفسير : الحضر بضم الحاء المهملة ارتفاع الفرس فى عدوه والجواد الفرس السريع السير وتضمير الفرس ان تعلفه حتى سمن ثم ترده الى القوت وذلك فى اربعين يوما والمضمار الموضع يضمر فيه الخيل وغاية الفرس فى السباق

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {يا أيها الذينَ آمنوا إذا قيل لكم تفسحوا في المجلس} [المجادلة: 11] أي: توسَعوا فيه، وقيل: "في المجلس" متعلق بقيل، أي: إذا قيل لكم في المجلس تفسّحوا فافسحوا، والمراد: مجلس الرسول صلى الله عليه وسلم، وكانوا يتضامُّون فيه تنافساً فيه صلى الله عليه وسلم وحرصاً على استماع كلامه. وقرأ عاصم "مجالس" أي: في مجالس الرسول التي تجلسونها. وقيل: المراد: مجالس القتال، وهي مراكز الغزاة، كقوله تعالى:{أية : مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ}تفسير : [آل عمران: 121] قيل: كان الرجل يأتي الصف، فيقول: تفَسَّحوا، فيأبَوا، لحرصهم. والأول أنسب بذكر النجوى أولاً وثانياً. فإن امتثلتم وتفسحتم {يَفْسَحِ اللهُ لكم} في كل ما تريدون التفسُّح فيه، من الرزق، والدار، والصدر، والقبر، والجنة، والعلم، والمعرفة. {وإِذا قيل انشُزُوا} أي: ارتفعوا من مجلسه، وانهضوا للصلاة، أو الجهاد، أو غيرهما من أعمال البر، أو: انشزوا للتوسعة في المجلس على المقبِلين، {فانشُزُوا} أي: فانهضوا ولا تُبطِئوا، وقيل: كانوا يُطيلون الجلوس معه صلى الله عليه وسلم وربما جلس قوم حتى يؤمروا بالقيام، فأُمروا بالقيام وعدم التثقيل. وفي مضارع "نشز" لغتان الضم والكسر، والأمر تابع له. {يَرْفَعِ اللّهُ الذين آمنوا منكم} بامتثال أوامره وأَمْرِ رسوله، بالنصر وحسن الذكر في الدنيا، والإيواء إلى غرف الجنان في الآخرة. {و} يرفع {الذين أُوتوا العلمَ} خصوصاً {درجاتٍ} عالية، بما جمعوا من أثريْ العلم والعمل، فإنّ العلم مع علو رتبته يزيد مع العمل رفعةً لا يُدرك شأوها، بخلاف العلم العاري عن العمل، وإن كان له شرف في الجملة، ولذلك يُقتدى بالعالِم في أفعاله فقط. وفي هذه الدرجات قولان، أحدهما: في الدنيا، في الرتبة والشرف والتعظيم، والآخر: في الآخرة، وهو أرجح. وعن ابن عباس رضي الله عنهما: "يرفع العالم فوق المؤمن سبعمائة درجة، بين كل درجة كما بين السماء والأرض"، ومثل هذا لا يُقال بالرأي. وتقدير الآية: يرفع الله الذي آمنوا منكم درجةً، والذين أُوتوا العلم درجات، وقيل: "درجات" يرجع لهما معاً، وتفضيل أهل العلم يؤخذ من خارج. وعن ابن مسعود رضي الله عنه، أنه كان إذا قرأها قال: "يا أيها الناس افهموا هذه الآية، ولترغبكم في العلم". وعن النبي صلى الله عليه وسلم:"حديث : فضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدرعلى سائر الكواكب"تفسير : ، وعنه صلى الله عليه وسلم:"حديث : عبادة العالم يوماً واحداً تعدل عبادة العابد أربعين سنة"تفسير : يعني الجاهل، وعنه صلى الله عليه وسلم:"حديث : يشفعُ يومَ القيامة ثلاثةٌ: الأنبياء، ثم العلماء، ثم الشهداء"تفسير : ، فأَعْظِم بمرتبةٍ هي واسطة بين النبوة والشهادة، بشهادة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويشمل الحديث العلماء بالله وبأحكام الله، وعن ابن عباس رضي الله عنهما: خُيّر سليمان عليه السلام بين العلم والمال والمُلك، فاخترا العلم، فأعطى المالَ والمُلكَ معه. وقال صلى الله عليه وسلم:"حديث : أوحى اللّهُ إلى إبراهيم عليه السلام: يا إبراهيم إني عليم، أُحب كل عليم"تفسير : وعن بعض الحكماء: ليت شعري أيّ شيءٍ أدرك مَن فاته العلم؟ وأيّ شيءٍ فات مَن أدرك العلم؟ والعلوم أنواع، وشرفها باعتبار المعلوم، فأفضل العلوم: العلم بالذات العلية، على نعت الكشف والعيان، ثم العلم بالصفات والأسماء، ثم العلم بالأحكام، ثم العلم بالآلات الموصلة إليه. {واللهُ بما تعملون خبير} تهديد لمَن لم يمتثل الأمر. والله تعالى أعلم. الإشارة: ما قيل في مجلس العِلم يُقال في مجلس الوعظ، بل هو عينه؛ لأنه العلم النافع، فإذا قَدِمَ واحدٌ من الفقراء أو غيرهم لمجلس الشيخ، فوجد فُرجة جلس فيها، وإلاّ جلس خلف الحلقة، ولو مع النعال، فلا يُزاحم ولا يُقم أحداً ليجلس، إلاّ أن يأمره الشيخ بالتقدُّم لمنفعة فيه في إعانة الشيخ، فليتقدّم برفق ولطافة وأدب. وإذا قيل لأهل المجلس: تفسَّحوا فليتفسَّحوا، يفسح الله لهم في العلم والعرفان، والأخلاق والوجدان، والمقامات، وسائر ما يطلب التوسُّع فيه. وإذا قيل: انشُزُوا لصلاة أو خدمة أو ملاقاة، فانشُزُوا، يرفع الله الذين آمنوا منكم، وليس فيهم أهلية لصريح المعرفة درجةً عن العامة، حيث صَحِبُوا العارفين للتبرُّك والحُرمة. ويرفع الذين أُتوا العلم بالذات، على سبيل الكشف والعيان، درجات، سبعمائة درجة، على العالم صاحب الدليل والبرهان، فيرفع العالِم فوق الجاهل سبعمائة درجة، ويرفع العارف فوق العالِم سبعمائة. فالناس أربع طبقات: الطبعة العيا الأولياء والعارفون بالله، ثم العلماء، ثم الصالحون، ثم عامة المؤمنين. والمراد بالأولياء مَن منَّ اللّهُ عليه بملاقاة شيخ التربية، حتى دخل مقام الفناء والبقاء، زاح عنه حجاب الكائنات، وأفضى إلى شهود المكوِّن، فهؤلاء هم المقرَّبون الصدِّيقون، والمراد بالعلماء العاملون المخلِصون. قال في "لطائف المنن": وحيثما وقع العِلم في كتاب الله عزّ وجل، وكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنما المراد به النافع، المخمِد للهوى، القامع للنفس، الذي تكتنفه الخشية، وتكون معه الإنابة، قال الله تعالى:{أية : إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ}تفسير : [فاطر: 28]، فلم يجعل عِلم مَن لم يخشَ من العلماء علماً، فشاهد العلم الذي هو مطلوب الله: الخشية، وشاهد الخشية: موافقة الأمر، وأمّا عِلم مَن يكوم معه الرغبة في الدنيا، والتملُّق لأربابها، وصرف الهمة لاكتسابها، والجمع والإدخار، والمباهاة والاستكثار، وطول الأمل ونسيان الآخرة، فما أبعد مَن هذا وصفه من أن يكون من ورثة الأنبياء عليهم السلام، وهل ينتقل الشيء الموروث إلى الوارث إلاّ بالصفة التي كان بها عند الموروث، ومثَلُ من هذه الأوصاف وصفُه كمَثَل الشمعة تُضيء على غيرها وهي تحرق نفسها، جعل الله عِلمَ مَن هذا وصفه حجة عليه، وسبباً في تكثير العقوبة لديه، ولا يغرنك أن يكون به انتفاع للبادي والحاضر، فقد قال صلى الله عليه وسلم:"حديث : إنَّ الله يؤيدُ هذا الدين بالرجل الفاجر"تفسير : ، ومثَلُ مَن تعلّم العلم لاكتساب الدنيا، وتحصيل الرفعة بها، كمثل مَن رفع العذرة بملعقة من ياقوت، فما أشرف الوسيلة، وما أخس المتوسل إليه! ومثَلُ مَن قطع الأوقات في طلب العلم، فمكث أربعين سنة يتعلّم العلم ولا يعمل به، كمثل مَن قعد هذه المدة يتطهّر ويُجدد الطهارة، ولم يُصلِّ صلاةً واحدة، إذ مقصود العلم العمل، كما أنَّ المقصود بالطهارة وجود الصلاة، ولقد سأل رجلٌ الحسنَ البصري عن مسألة، فأفتاه فيها، فقال الرجل للحسن: قد خالفك الفقهاءُ، فزجره الحسن، وقال: ويحك، وهل رأيت فقيهاً، إنما الفقيه مَن فقه عن الله أمْرَه ونهيه. وسمعتُ شيخنا أبا العباس رضي الله عنه يقول: الفقيه مَن انفقأ الحجاب عن عينيْ قلبه، فشاهد ملكوت ربه. انتهى كلامه. فالعلماء المخلِصون الذين عرفوا الله من طريق البرهان، تلي درجتهم درجةَ الأولياء الذين هم أهل الشهود والعيان، ثم الصالحون الأبرار، ثم عامة المؤمنين، ومَن قال خلاف هذا فهو جاهل بمرتبة الولاية، قال صلى الله عليه وسلم:"حديث : عامة أهل الجنة البُله"تفسير : . وعِلِّيُون لذوي الألباب، وذووا الألباب هم أهل البصائر، الذين فتح الله بصيرتَهم، وتطهّرت سريرتهم بالمجاهدة والرياضة، حتى شاهدوا الحق وعرفوه، وقال تعالى:{أية : فَبَشِّرْ عِبَادِ ٱلَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ ٱلْقَوْلَ فَيَـتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ هَدَاهُمُ ٱللَّهُ وَأُوْلَـٰئِكَ هُمْ أُوْلُو ٱلأَلْبَابِ}تفسير : [الزمر: 17، 18]، وراجع ما تقدّم في تفسيرها، وكل مَن كان محجوباً عن الله، يتسدل بغيره عليه، فهو من البُله، إلاّ أنّ صاحب الاستدلال أربع من المقلِّد، أي: سَلِمَ من الوسواس، وإلاّ فالمقلِّد أحسن منه. ولمّا تكلم في الإحياء على درجات التوحيد، قال: "والدرجة العليا في ذلك للأنبياء، ثم للأوياء العارفين، ثم للعلماء الراسخين، ثم الصالحين"، فقدَّم الأولياء على العلماء. وقال الأستاذ القشيري في أول رسالته: فقد جعل الله هذه الطائفة صفوة أوليائه، وفضَّلهم على الكافة من عباده بعد رسله وأنبيائه. هـ. سُئل ابن رشد - رحمه الله - عن قول الغزالي والقشيري بتفضيل الأولياء على العلماء، فقال: أمّا تفضيل العارفين بالله على العارفين بأحكام الله؛ فقول الأستاذ أبي حامد متفق عليه، ولا يشك عاقل أنّ العارفين بما يجب لله من أوصاف الجلال ونعوت الكمال أفضل من العارفين بالأحكام، بل العارفون بالله أفضل من أهل الأصول والفروع؛ لأنّ العلم يشرف بشرف المعلوم. ثم أطال الكلام في الاستدلال على ذلك، فانظر. ذكره في المعيار. وقال بعضهم في تفضيل العارف على العالِم: إنّ العارف فوق ما يقول، والعالِم دون ما يقول، يعني: أن العارف إذا تكلم في مقام من مقامات اليقين، كان قَدَمُه فوق ما وصف، لأنه يسلكه دوماً ثم يصفه، والعالم إنما يصفه بالنعت، وأيضاً: العالِم يدلك على العمل، والعارف يُخرجك عن شهود العمل، العالِم يحملك حِمل التكليف، والعارف يروحك بشهود التعريف، العالِم يَدُلك على علم الرسوم، والعارف يُعرّفك بذات الحي القيوم، العالِمَ يَدُلك على الأسباب، والعارف يدلك على مُسبِّب الأسباب، العالِم يَدُلك على شهود الوسائط، والعارف يَدُلك على محرك الوسائط، العالِم يُحذّرك من الوقوف مع الأغيار، والعارف يُحذّرك من الوقوف مع الأنوار، ويزج بك في حضرة الأسرار، العالِم يُحذّرك من الشرك الجلي، والعارف يُخلِّصك من الشرك الخفي، إلى غير من الفروقات بين العارف والعالم. ومن اصطلاحات الصوفية، أنَّ العالِم بالأحكام يسمى عالماً، والعالِم بالذات عياناً وكشفاً يسمى عارفاً، كما في القوت. وبالله التوفيق. ثم ذكر آداب مناجاة الرسول صلى الله عليه وسلم، فقال: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا نَاجَيْتُمُ ٱلرَّسُولَ}.

الطوسي

تفسير : قرأ عاصم وحده {تفسحوا في المجالس} على الجمع لاختلافها، الباقون فى {المجلس} على التوحيد، لأنهم ذهبوا مذهب الجنس، لانه مصدر يدل على القليل والكثير. لأنهم ارادوا مجلس النبي صلى الله عليه وآله فعلى هذا الوجه الافراد. ومن جمع أراد كل جالس مجلساً أي موضع جلوس، وقرأ {انشزوا} بضم الشين نافع وابن عامر وعاصم إلا حماداً ويحيى عن ابي بكر. الباقون بكسر الشين وهما لغتان مثل (يعرشون ويعرشون، ويعكفون ويعكفون). يقول الله تعالى مخاطباً للمؤمنين وآمراً لهم بأنه إذا قيل لهم تفسحوا فى المجلس بمعنى اتسعوا فيها، يقال: تفسح تفسحاً وله فى هذا الأمر فسحة أي متسع. والتفسح الاتساع فى المكان، وفسح له فى المجلس يفسح فسحاً. ومكان فسيح وفسح. والتفسيح والتوسع واحد. قال قتادة: كانوا يتنافسون فى مجلس النبي صلى الله عليه وآله فقيل لهم تفسحوا وقال ابن عباس: أراد به مجلس القتال {فافسحوا} أي وسعوا {يفسح الله لكم} أي يوسع عليكم منازلكم فى الجنة {وإذا قيل انشزوا فانشزوا} أي إذا قيل لكم ارتفعوا فى المجلس فارتفعوا، والنشوز الارتفاع عن الشيء بالذهاب عنه. ومنه نشوز المرأة عن زوجها، يقال: نشز ينشز نشوزاً ونشزاً. قال قتادة ومجاهد والضحاك: معناه إذا قيل قوموا إلى صلاة او قتال عدّو أو أمر بمعروف أي تفرقوا عن رسول الله صلى الله عليه وآله فقوموا. وقوله {يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات} معناه متى ما فعلتم ما أمرتم به رفع الله الذين آمنوا منكم، ورفع الذين أوتوا العلم درجات، لأنهم احق بالرفعة. وفى ذلك دلالة على ان فعل العالم اكثر ثواباً من فعل من ليس بعالم {والله بما تعملون} من التفسح والنشوز وغير ذلك {خبير} أي عالم. ثم خاطبهم ايضاً فقال {يا أيها الذين آمنوا إذا ناجيتم الرسول} أي شاورتموه {فقدموا بين يدي نجواكم صدقة} قال الزجاج: كان سبب نزول الآية ان الاغنياء كانوا يستخلون النبي صلى الله عليه وآله فيشاورونه بما يريدون، والفقراء لا يتمكنون من النبي تمكنهم، ففرض الله عليهم الصدقة قبل النجوى ليمتنعوا من ذلك، وتعبدهم بأن لا يناجي احد رسول الله إلا بعد ان يتصدق بشيء ما قل او كثر، فلم يفعل احد ذلك على ما روي، فاستقرض أمير المؤمنين علي عليه السلام ديناراً وتصدق به، ثم ناجى النبي صلى الله عليه وآله، فنسخ الله تعالى ذلك الحكم بالآية التي بعدها. وقوله {ذلك خير لكم وأطهر} أي ذلك التصديق بين يدي النبي صلى الله عليه وآله خير لكم واطهر ومعناه إن فعل ذلك ادعى الى مجانبة المعاصي من تركه. ثم قال قل لهم {فإن لم تجدوا} يعني ما تتصدقون به {فإن الله غفور رحيم} يستر عليكم ترك ذلك ويرحمكم وينعم عليكم. ثم قال ناسخاً لهذا الحكم {أأشفقتم أن تقدموا بين يدي نجواكم صدقات} وظاهر هذا الكلام توبيخ على ترك الصدقة، وانهم تركوا ذلك اشفاقاً وخوفاً على نقصان المال، فقال {فإذ لم تفعلوا} ذلك {وتاب الله عليكم} في تقصيركم في فعل الصدقة {فأقيموا الصلاة} التي اوجبها الله عليكم واديموا فعلها وادوا شروطها {وآتوا الزكاة} التي افترضها عليكم {وأطيعوا الله ورسوله} فيما أمركم به ونهاكم عنه {والله خبير بما تعملون} أى عالم بما تعملونه من طاعة لله او معصية وحسن وقبيح، فيجازيكم بحسبه. ثم قال للنبي صلى الله عليه وآله {ألم تر} يا محمد {إلى الذين تولوا قوماً غضب الله عليهم} والمراد به قوم من المنافقين، كانوا يوالون اليهود ويغشون اليهم أسرارهم ويجتمعون معهم على ذكر مساءة النبي صلى الله عليه وآله والمؤمنين - وهو قول قتادة وابن زيد - ثم قال {ما هم منكم} أى ليسوا مؤمنين {ولا منهم} أي ولا هم يهود، فيكونوا منهم بل هم قوم منافقون. ثم قال {ويحلفون} يعني هؤلاء المنافقون {على الكذب} يعني يقولون إنا معكم ونحن نتوب، وليسوا كذلك {وهم يعلمون} انه كذلك. ثم بين تعالى ما لهم من العقاب فقال {أعد الله لهم عذاباً شديداً إنهم ساء ما كانوا يعملون} أي لأنهم كانوا يعملون المعاصي والقبائح.

الجنابذي

تفسير : {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} لمّا اراد ان يأمرهم بادب من الآداب الّتى يكرهونها ناداهم تلطّفاً بهم وجبراناً لكلفة التّأدّب بما يكرهون {إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُواْ فِي ٱلْمَجَالِسِ فَٱفْسَحُواْ يَفْسَحِ ٱللَّهُ لَكُمْ} الفسحة بالضّمّ السّعة، فسح المكان ككرم وافسح وتفسّح وانفسح فهو فسيح وفسح له كمنع وتفسّح وسّع له {وَإِذَا قِيلَ ٱنشُزُواْ فَانشُزُواْ} نشز من باب نصر وضرب ارتفع فى مكانٍ وقرئ بهما، قيل: كانوا يتنافسون فى مجلس النّبىّ (ص) حتّى جاء جمع من البدريّين وكان النّبىّ (ص) مكرماً لهم فقاموا بين يدى النّبىّ (ص) ولم يكن لهم مجلس يجلسون فيه فقال النّبىّ (ص): "حديث : يا فلان، يا فلان، يا فلان، قوموا فقاموا"تفسير : ، وكان ذلك شاقّاً على بعضٍ فنزلت يعنى {إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُواْ فِي ٱلْمَجَالِسِ} يعنى لا يضمّ بعضكم ببعض حتّى تتأذوا من حرارة الهواء وحرارة الانضمام، واذا قيل: وسّعوا فى المجالس بان تخلّوا لمن يأتى بعدكم مجلساً بان يضمّ بعضكم ببعضٍ حتّى يخلّى مجلس للآتى، او يقوم بعض عن مجلسه بعد زيارته للرّسول (ص) وقضاء وطره حتّى يجلس فى مجلسه من يأتى بعده فافسحوا، وذكر الغاية المترتّبة على الامتثال تطييباً لنفوسهم فقال: {يَفْسَحِ ٱللَّهُ لَكُمْ} ولم يقيّده بالمجالس ايهاماً للتّعميم يعنى يفسح الله لكم فى المجالس والارزاق والصّدور فى الدّنيا والآخرة، واذا قيل: ارتفعوا وقوموا عن مجالسكم فقوموا ولا تغتمّوا بذلك {يَرْفَعِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ مِنكُمْ} فى الدّنيا بحسن الصّيت والاعزاز من الخلق والتّبسّط عليهم وفى الآخرة فى درجات الجنان {وَٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ دَرَجَاتٍ} خصّص المؤمنين برفع الدّرجات لانّ غير المؤمنين لا درجة ولا رفع درجة لهم لانّ اجر العمل مشروط بالايمان، وخصّص العلماء من بينهم بالذّكر لشرفهم وعلوّ درجاتهم بالنّسبة الى المؤمنين، فانّ فضل العالم على سائر النّاس كفضل النّبىّ (ص) على سائر الخلق او كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب، والشّفعاء يوم القيامة ثلاثة؛ الانبياء (ع) ثمّ العلماء ثمّ الشّهداء، ويوزن دماء الشّهداء مع مداد العلماء فيرجّح مداد العلماء على دماء الشّهداء {وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ} من امتثال اوامره ونواهيه ومخالفتهما {خَبِيرٌ} ترغيبٌ وتهديدٌ.

الهواري

تفسير : قوله: {يَآ أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُواْ فِي المَجَالِسِ فَافْسَحُواْ يَفْسَحِ اللهُ لَكُمْ وَإِذَا قِيلَ انشُزُواْ فَانشُزُواْ}. قال الحسن: هذا في القتال؛ كانوا يكونون في مصافّهم فيجيء الرجل فيقول: وسّعوا، ولا يوسّعون له، كلهم يرغب في الشهادة، فأنزل الله: {يَآ أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُواْ فِي المَجَالِسِ فَافْسَحُواْ يَفْسَحِ اللهُ لَكُمْ وَإِذَا قِيلَ انشُزُواْ فَانشُزُواْ} أي إذا قيل انهضوا إلى قتال عدوكم فانهضوا. ونظيرها في سورة آل عمران. (أية : وَإِذْ غَدَوْتَ مِن أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ) تفسير : [آل عمران:121] والمقاعد والمجالس واحد. وتفسير مجاهد: يعني مجلس النبي عليه السلام {وَإِذَا قِيلَ انشُزُواْ فَانشُزُواْ} إلى كل خير من قتال عدو، أو أمر معروف ما كان. وتفسير الكلبي: {يَآ أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُواْ فِي المَجَالِسِ} أي: مجلس النبي عليه السلام {فَافْسَحُواْ يَفْسَحِ اللهُ لَكُمْ وَإِذَا قِيلَ انشُزُواْ} أي: ارتفعوا إلى الصلاة وإلى ما سواها من الخير فارتفعوا. قال: {يَرْفَعِ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ} أي: في الجنة {وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ}. ذكروا عن عبد الله بن مسعود قال: {يَرْفَعِ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ} أي: على الذين آمنوا الذين ليسوا بعلماء. ذكروا عن الأعمش عن أبي وائل عن عبد الله بن مسعود قال: العالم أفضل من المجاهد؛ يقول الله عز وجل: {يَرْفَعِ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ} فقد دخل فيهم المجاهد، قال: {وَالَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ} أي: على غيرهم. وبلغنا عن رجل من أصحاب النبي عليه السلام أو التابعين قال: أفضل الناس العلماء والشهداء، أما العلماء فأخبروا بما جاءت به الرسل، وأما الشهداء فإنهم قاتلوا على ما جاءت به الرسل. ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: حديث : فضل العالم أحب إلي من فضل العابد. قيل له: لِمَ؟ قال: لأنه أورع لله عن محارمه . تفسير : ذكروا عن بعضهم قال: موت العالم أحب إلى إبليس من موت ألف عابد. ذكروا عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: معلِّم الخير يستغفر له كل شيء حتى الحيتان في البحر. ذكر الزهري قال: ذهب أبي بن كعب ليركب، فأمسك له ابن عباس الركاب فقال له: مه يا ابن أخي. فقال له ابن عباس: إن الله يحب أن يعظم حق خيار المسلمين. وبلغنا أن النظر في وجه الفقيه عبادة. ذكروا عن ليث بن أبي سليم عن عبد الله بن أبي سليم عن عمار بن ياسر قال: ثلاثة لا يَستخِفّ بحقّهم إلا منافق: الإِمام المقسط، وهو إمام الهدى، وذو الشيبة المسلم، ومعلّم الخير. ذكروا ن أبي الدرداء قال: ويل لمن لا يعلم مرة، وويل لمن يعلم ولا يعمل سبع مرات. ذكروا عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: حديث : إن أشد الناس عذاباً يوم القيامة عالم لم ينفعه علمه . تفسير : ذكروا عن أنس بن مالك أن رجلاً تجر مصارنه في النار يتأذى أهل النار من نتنه. قيل له: من هو؟ قال: من علم علمه ولم يعمل به. ذكروا عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: حديث : إن الله يقول لرجل كان عالماً: ما صنعت فيما آتيتك؟ فيقول: بيّنت علمي وعبدتك حتى جاءني الموت. فيقول: كذبت، بل أردت أن يقال: فلان عالم، فلان مصل، وقد قيل ذلك، اذهبوا به إلى النار . تفسير : ذكروا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: حديث : من تعلّم العلم ليباهي به العلماء، أو يماري به السفهاء، أو يصرف به وجوه الناس إليه فله النار . تفسير : ذكروا بعضهم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : من يبتغ العلم أو الحديث ليحدّث به الناس لم يرح رائحة الجنة . تفسير : ذكروا عن أبي هريرة أنه قال: إن أخوف ما أخاف يوم القيامة أن يقال: يا عويمر، قد علمت، فماذا عملت فيما علمت. يحيى عن الخليل بن مرة عن عمران القصير قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : فضل العالم على العابد كفضلي على أدنى رجل من أصحابي .

اطفيش

تفسير : {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُم تَفَسَّحُوا} توسعوا وقرىء تفاسحوا. {فِى المَجَالِسِ فَافْسَحُوا} مجلس رسول الله كانوا يتضامنون فيه للقرب منه صلى الله عليه وسلم والسماع والنظر اليه ويلحق به مجلس غيره أو المراد بالمجلس الجنس ويدل له قراءة عاصم في المجالس ولكن يجوز في قراءته أيضا ان يكون المراد مجالسه صلى الله عليه وسلم فإنها متعددة ومجالس الناس فإن لكل واحد مجلسا قال زيد بن اسلم وقتادة: نزلت الآية بسبب تضايق الناس في مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم فيأتي الرجل له الحق والسن والقدم في الاسلام فلا يجد مكانا. وقيل حديث : انه صلى الله عليه وسلم يحب المهاجرين والانصار فجاء ناس منهم يوما وقد سبقوا الى المجلس فسلموا على النبي صلى الله عليه وسلم فرد عليهم وسلموا على المؤمنين فردوا عليهم وقاموا على ارجلهم ينتظرون أن يوسع لهم فلم يوسعوا فشق ذلك على النبي صلى الله عليه وسلم فقال قم يا فلان قم يا فلان بقدر النفر الآتين من أهل بدر فشق ذلك على من قام من مجلسه حتى عرف النبي صلى الله عليه سلم الكراهة في وجههم تفسير : فنزلت الآية وقيل نزلت في ثابت من قيس وقد مر في الحجرات وقيل كان ذلك في الصفة من مسجده صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة والممكان ضيق ونسخت الآية القيام من مكان ليقعد فيه غير القائم منه وفي الحديث "حديث : لايقم احد من مجلسه ثم يجلس فيه الرجل ولكن تفسحوا يفسح لكم"تفسير : وقام احد في مجلسه صلى الله عليه وسلم لغيره فذهب الغير يجلس فيه فنهاه صلى الله عليه وسلم وقيل: إلا للعالم والامام والوالد. وكذا القيام على الارجل اجلالا حديث : فقد قال صلى الله عليه وسلم حين اقبل سعد قوموا إلى سيدكم تفسير : ويجب على المعظم ان لا يحب ذلك لقوله صلى الله عليه وسلم "حديث : من احب ان يتمثل له الناس قياما فليتبوأ مقعده من النار"تفسير : وفي الاحتجاج بقضية سعد قيل نظر لانها اختفت بها قرائن سوغت ذلك منها ان المراد امسوا اليه وسلموا عليه وقيل: المجلس مجلس القتال وهي مراكز الغزاة سماها مجالس ولا جلوس فيها كقوله مقاعد للقتال وكأنه سمي الثبوت بالارجل على الارض باسم الثبوت عليها بالمقاعد كأن الرجل يأتي الصف فيقول تفسحوا فيأبون لحرصهم على الشهادة فربما كان شديد البأس والحجة دعاية اليه ويقاس عليه مجلس العلم والقرآن والذكر ومن تفسح لغير متول كمن قطع عرى الاسلام إلا ان خاف فتنة. ومن وسع على عباد الله انواع الخير وسع له في الدنيا والآخرة كما قال {يَفْسَحِ اللهُ لَكُمْ} وقيل يفسح لكم في مجالس الجنة والجزم في جواب الامر وقرىء بفتح لام المجلس على انه مصدر ميمي أي في الجلوس. {وَإِذَا قِيلَ انشُزُوا} ارتفعوا عن مواضعكم لاخوانكم وحذف فاعل قيل في الموضعين لعدم تعلق الغرض به قاله ابن هشام {فَانشُزُوا} وذلك توكيد لما قبله أو المراد إذا قيل انهضوا عن مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا امرتم بالنهوض ولا تضجروه وقال الكلبي: اراد النهوض للصلاة والجهاد وافعال الخير وقيل كانوا يتثاقلون في الصلاة في الجماعة إذا نودوا إليها فنزلت الآية والمشهور الاول وفي الحديث "حديث : لا يحل للرجل ان يفرق بين اثنين إلا باذنهما ولعن الله من قعد وسط الحلقة"تفسير : وقرأ غير نافع وابن عامر وعاصم في الآية بكسر الشينين. {يَرْفَعِ} بالجزم في جواب الامر {اللهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنكُمْ} بالطاعة في التفسح وغيره درجة في الجنة {وَالَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ دَرَجَاتٍ} قيل ولذلك امر بالتفسح لهم وعن جمعه كلا الصنفين يرفع درجات وفضل العالم يعلم من خارج ولذلك جاء التفسح عاماً لهم ولغيرهم وعن ابن مسعود وغيره تم الكلام في منكم وخص العلماء بالدرجات ونصب الذين بمحذوف والمؤمن مطلقا يرفع بالذكر وحسن الثناء والنصر. {وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ} من اكتساب العلم والعمل وقرىء بالمثناة تحت {خَبِيرٌ} فيجازيكم والعالم لجمعه بين العلم الذي هو سبب العمل ويصححه وبين العمل افضل من العابد في علم قليل حتى ان بعضا اجازوا الاقتداء بالعالم في الفعل كما يقتدي به في القول وفي الحديث "حديث : إن فضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب وان مثل ما بعثني الله به من العلم والهدى كمثل الغيث الكثير اصاب ارضا فطائفة منها قبلت الماء فاكثرت العشب وطائفة امسكت الماء للناس شربوا وسقوا وزرعوا وطائفة قيعان لم تمسك ولم تنبت ". تفسير : وقرأ ابن مسعود هذه الآية وقال يا أيها الناس افهموا هذه الآية ولترغبنكم في العلم وفي الحديث "حديث : بين العالم والعابد مائة درجة بين كل درجتين خطو الجواد المضمر سبعين سنة ويشفع يوم القيامة ثلاثة: الانبياء ثم العلماء ثم الشهداء"تفسير : فاعظم بمرتبة واسطة بين النبوة والشهادة بشهادة رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن ابن عباس: خير سليمان بين العلم والمال والملك فاختار العلم فاعطي المال والملك معه واوحى الله الى ابراهيم يا ابراهيم اني عليم احب كل عليم. وعن حكيم: ليت شعري أي شيء ادرك من فاته العلم واي شيء فات من ادرك العلم وعن الاحنف: كاد العلماء يكونون اربابا وكل عز لم يؤكد بعلم فإلى ذل ما يصير وعن الزهري العلم ذكر فلا يحبه إلا ذكورة الرجال. قال ابن مسعود: العالم افضل من المجاهد وعن بعضهم افضل الناس العلماء والشهداء أما العلماء فاخبروا بما جاءت به الرسل واما الشهداء فانهم قاتلوا على ما جاءت به الرسل وفي الحديث: "حديث : فضل العالم احب من فضل العابد لانه اورع عن محارم الله وخير دينكم الورع"تفسير : قال بعضهم: موت العالم احب الى ابليس من موت الف عابد قال ابن عباس: معلم الخير يستغفر له كل شيء حتى الحيتان في البحر. وذهب ابي بن كعب ليركب فامسك له ابن عباس بالركاب فقال له: مه يا ابن اخي فقال له ابن عباس: إن الله يحب ان يعظم حق اخيار المسلمين وروي انه قال امرنا ان نفعل بالعلماء هكذا وقيل له أبي يده وقال: هكذا أمرنا ان نفعل بأهل البيت وذكروا ان النظر في وجه الفقيه عبادة وعن عمار ثلاثة لا يستخف بهم إلا منافق الامام العدل وذو الشبيه في الاسلام ومعلم الخير والعلماء وورثة الانبياء وفي الحديث "حديث : من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين ". حديث : وقدم رجل من دمشق الى ابي الدرداء في المدينة فقال: ما اقدمك يا أخي قال: حديث سمعته عنك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ما جئت إلا له قال: نعم قال ما جئت في تجارة قال نعم قال: فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "من سلك طريقا يبتغي فيه علما سلك الله له طريقا الى الجنة"تفسير : وروي "حديث : إِن الملائكة لتضع أَجنحتها لطالبه"تفسير : ووضعها كرفع الايدي في الدعاء منا، حديث : ومر صلى الله عليه وسلم بمسجد بمجلسين مجلس دعاء ومجلس تعليم فقال "كلاهما على خير ومجلس التعليم افضل انما بعثت معلما"تفسير : وفي القناطر ذلك كله ببعض تغيير وزيادة وعن ابن ابي الدرداء ويل لمن لا يعلم مرة وويل لمن يعلم ولا يعمل مرتين وروي سبع مرات وفي الحديث "حديث : أَشد الناس عذابا يوم القيامة عالم لم ينفعه الله بعلمه"تفسير : وعن انس أن من لم يعمل بعلمه في النار ويتأذى اهل النار من نتنه. وفي الحديث يقول الله للعالم: "حديث : ما صنعت فيما اتيتك من العلم فيقول بينته وعملت به حتى مت فيقول كذبت بل اردت ان يقال فلان عالم فلان مصل وقد قيل ذلك اذهبوا الى النار"تفسير : . وفي الحديث "حديث : من تعلم العلم ليباهي به العلماء أو يماري به السفهاء أو يصرف به وجوه الناس اليه فله النار ومن تعلم ليحدث الناس لم يرح رائحة الجنة"تفسير : وفي القناطر كثير من ذلك.

الالوسي

تفسير : {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُواْ فِى ٱلْمَجَـٰلِسِ } الخ أو لما نهى عز وجل عما هو سبب للتباغض والتنافر أمر سبحانه بما هو سبب للتواد والتوافق أي إذا قال لكم قائل كائناً من كان: توسعوا فليفسح بعضكم عن بعض في المجالس ولا تتضاموا فيها، من قولهم: افسح عني أي تنح. والظاهر تعلق {فِي ٱلْمَجَـٰلِسِ } بتفسحوا، وقيل: متعلق ـ بقيل ـ. وقرأ الحسن وداود بن أبـي هند وقتادة وعيسى ـ تفاسحوا ـ وقرأ الأخيران وعاصم (في المجالس)، والجمهور (في المجلس) بالإفراد، فقيل: على إرادة الجنس لقراءة الجمع، وقيل: على إرادة العهد. والمراد به / مجلسه صلى الله عليه وسلم، والجمع لتعدده باعتبار من يجلس معه عليه الصلاة والسلام فإن لكل أحد منهم مجلساً، وفي أخبار سبب النزول ما يؤيد كلاً، أخرج ابن أبـي حاتم عن مقاتل بن حيان « حديث : كان صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة في الصفة وفي المكان ضيق وكان عليه الصلاة والسلام يكرم أهل بدر من المهاجرين والأنصار فجاء ناس من أهل بدر منهم ثابت بن قيس بن شماس وقد سبقوا إلى المجالس فقاموا حيال رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: السلام عليك أيها النبـي ورحمة الله وبركاته فرد النبـي صلى الله عليه وسلم ثم سلموا على القوم فردوا عليهم فقاموا على أرجلهم ينتظرون أن يوسع لهم فلم يفسحوا لهم فشق ذلك على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لبعض من حوله: قم يا فلان ويا فلان فأقام نفراً مقدار من قدم فشق ذلك عليهم وعرفت كراهيته وفي جوههم، وقال المنافقون: ما عدل بإقامة من أخد مجلسه وأحب قربه لمن تأخر عن الحضور فأنزل الله تعالى هذه الآية {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ} » تفسير : الخ، وكان ذلك ممن لم يفسح تنافساً في القرب من رسول الله صلى الله عليه وسلم ورغبة فيه ولا تكاد نفس تؤثر غيرها بذلك. وقال الحسن ويزيد بن أبـي حبيب: كان الصحابة يتشاحون في مجالس القتال إذا اصطفوا للحرب فلا يوسع بعضهم لبعض رغبة في الشهادة فنزلت {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ} الخ، والأكثرون على أنها نزلت لما كان عليه المؤمنون من التضام في مجلسه صلى الله عليه وسلم والضنة بالقرب منه وترك التفسح لمقبل؛ وأياً ما كان فالحكم مطرد في مجلسه عليه الصلاة والسلام ومصاف القتال وغير ذلك. وقرىء (في المجلس) بفتح اللام، فإما أن يراد به ما أريد بالمكسور والفتح شاذ في الاستعمال، وإما أن يراد به المصدر، والجار متعلق ـ بتفسحوا ـ أي إذا قيل لكم توسعوا في جلوسكم ولا تضايقوا فيه {فَٱفْسَحُواْ يَفْسَحِ ٱللَّهُ لَكُمْ } أي في رحمته، أو في منازلكم في الجنة، أو في قبوركم، أو في صدوركم، أو في رزقكم أقوال. وقال بعضهم: المراد يفسح سبحانه لكم في كل ما تريدون الفسح فيه أي مما ذكر وغيره، وأنت تعلم أن الفسح يختلف المراد منه باختلاف متعلقاته كالمنازل والرزق والصدر فلا تغفل. {وَإِذَا قِيلَ ٱنشُزُواْ } أي انهضوا للتوسعة على المقبلين {فَانشُزُواْ } فانهضوا ولا تتثبطوا، وأصله من النشز وهو المرتفع من الأرض فإن مريد التوسعة على المقبل يرتفع إلى فوق فيتسع الموضع، أو لأن النهوض نفسه ارتفاع قال الحسن وقتادة والضحاك: المعنى إذا دعيتم إلى قتال أو صلاة أو طاعة فأجيبوا، وقيل: إذا دعيتم إلى القيام عن مجلس النبـي صلى الله عليه وسلم فقوموا، وهذا لأنه عليه الصلاة والسلام كان يؤثر أحياناً الانفراد في أمر الإسلام أو لأداء وظائف تخصه صلى الله عليه وسلم لا تتأتى أو لا تكمل بدون الانفراد، وعمم الحكم فقيل: إذا قال صاحب مجلس لمن في مجلسه: قوموا ينبغي أن يجاب، وفِعْلُ ذلك لحاجة إذا لم يترتب عليه مفسدة أعظم منها مما لا نزاع في جوازه، نعم لا ينبغي لقادم أن يقيم أحداً ليجلس في مجلسه، فقد أخرج مالك والبخاري ومسلم والترمذي عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « حديث : لا يقيم الرجل الرجل من مجلسه ولكن تفسحوا وتوسعوا » تفسير : . وقرأ الحسن والأعمش وطلحة وجمع من السبعة ـ انشِزوا فانشِزوا ـ بكسر الشين منهما. {يَرْفَعِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ مِنكُمْ } جواب الأمر كأنه قيل: إن تنشزوا يرفع عز وجل المؤمنين منكم في الآخرة / جزاءاً للامتثال {وَٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ } الشرعي {دَرَجَـٰتٌ } أي كثيرة جليلة كما يشعر به المقام. وعطف ـ الذين أوتوا العلم ـ على {ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ} من عطف الخاص على العام تعظيماً لهم بعدّهم كأنهم جنس آخر، ولذا أعيد الموصول في النظم الكريم، وقد أخرج الترمذي وأبو داود والدارمي عن أبـي الدرداء مرفوعاً « حديث : فضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب ) تفسير : .وأخرج الدارمي عن عمر بن كثير عن الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « حديث : من جاءه الموت وهو يطلب العلم ليحي به الإسلام فبينه وبين النبيين درجة » تفسير : وعنه صلى الله عليه وسلم: « حديث : بين العالم والعابد مائة درجة بين كل درجتين حضر الجواد المضمر سبعين سنة » تفسير : وعنه عليه الصلاة والسلام « حديث : يشفع يوم القيامة ثلاثة: الأنبياء ثم العلماء ثم الشهداء » تفسير : فأعظم بمرتبة بين النبوة والشهادة بشهادة الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم، وعن ابن عباس « حديث : خُيِّرَ سليمان عليه السلام بين العلم والملك والمال فاختار العلم فأعطاه الله تعالى الملك والمال تبعاً له » تفسير : .وعن الأحنف: كاد العلماء يكونوا أرباباً وكل عز لم يوطد بعلم فإلى ذل ما يصير، وعن بعض الحكماء: ليت شعري أي شيء أدرك من فاته العلم؟ وأي شيء فاته من أدرك العلم؟ والدال على فضل العلم والعلماء أكثر من أن يحصى، وأرجى حديث عندي في فضلهم ما رواه الإمام أبو حنيفة في «مسنده» عن ابن مسعود قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم: « حديث : يجمع الله العلماء يوم القيامة فيقول: إني لم أجعل حكمتي في قلوبكم إلا وأنا أريد بكم الخير اذهبوا إلى الجنة فقد غفرت لكم على ما كان منكم » تفسير : . وذكر العارف إلياس الكوراني أنه أحد الأحاديث المسلسلة بالأولية. ودلالة الآية على فضلهم ظاهرة بل أخرج ابن المنذر عن ابن مسعود أنه قال: ما خص الله تعالى العلماء في شيء من القرآن ما خصهم في هذه الآية فضل الله الذين آمنوا وأوتوا العلم على الذين آمنوا ولم يؤتوا العلم بدرجات وجعل بعضهم العطف عليه للتغاير بالذات بحمل {ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ} على الذين آمنوا ولم يؤتوا العلم، وفي رواية أخرى عنه يا أيها الذين آمنوا افهموا معنى هذه الآية ولترغبكم في العلم فإن الله تعالى يرفع المؤمن العالم فوق الذي لا يعلم. وادعى بعضهم أن في كلامه رضي الله تعالى عنه إشارة إلى أن ـ الذين أوتوا ـ معمول لفعل محذوف والعطف من عطف الجمل أي ويرفع الله تعالى الذي أوتوا العلم خاصة درجات، ونحوه كلام ابن عباس، فقد أخرج عنه ابن المنذر والبيهقي في «المدخل» والحاكم وصححه أنه قال في الآية: يرفع الذين أوتوا العلم من المؤمنين على الذين لم يؤتوا العلم درجات. وقال بعض المحققين: لا حاجة إلى تقدير العامل، والمعنى على ذلك من غير تقدير، واختار الطيبـي التقدير وجعل الدرجات معمولاً لذلك المقدر، وقال: يضمر للمذكور أحط منه مما يناسب المقام نحو أن يقال: يرفع الله الذين آمنوا في الدنيا بالنصر وحسن الذكر أو يرفعهم في الآخرة بالإيواء إلى ما لا يليق بهم من غرف الجنات، ويرفع الذين أوتوا العلم درجات تعظيماً لهم، وجوز كون المراد بالموصولين واحداً والعطف لتنزيل تغاير الصفات بمنزلة تغاير الذات، فالمعنى يرفع الله المؤمنين العالمين درجات، وكون العطف من عطف الخاص على العام هو الأظهر، وفي «الانتصاف» ((في الجزاء برفع الدرجات مناسبة للعمل المأمور به وهو التفسح في المجالس وترك ما تنافسوا فيه من الجلوس في أرفعها وأقربها من النبـي صلى الله عليه وسلم فلما كان الممتثل لذلك / يخفض نفسه عما يتنافس فيه من الرفعة امتثالاً وتواضعاً جوزي على تواضعه برفع الدرجات كقوله: ( حديث : من تواضع لله تعالى رفعه الله تعالى )تفسير : ، ثم لما علم سبحانه أن أهل العلم بحيث يستوجبون عند أنفسهم وعند الناس ارتفاع مجالسهم خصهم بالذكر عند الجزاء ليسهل عليهم ترك ما لهم من الرفعة في المجلس تواضعاً لله عز وجل)). وقيل: إنه تعالى خص أهل العلم ليسهل عليهم ترك ما عرفوا بالحرص عليه من رفعة المجالس وحبهم للتصدير، وهذا من مغيبات القرآن لما ظهر من هؤلاء في سائر الاعصار من التنافس في ذلك. والخفاجي أدرج هذا في نقل كلام صاحب «الانتصاف»، وكلامه على ما سمعته أوفق بالأدب مع أهل العلم، ولا أظن ـ بالذين أوتوا العلم ـ المذكورين في الآية أنهم كالعلماء الذين عرّض بهم الخفاجي، نعم إنه عليه الرحمة صادق فيما قال بالنسبة إلى كثير من علماء آخر الزمان كعلماء زمانه وكعلماء زماننا لكن كثير من هؤلاء إطلاق اسم العالم على أحدهم مجاز لا تعرف علاقته، ومع ذلك قد امتلأ قلبه من حب الصدر وجعل يزاحم العلماء حقيقة عليه ولم يدر أن محله لو أنصف العجز. هذا واستدل غير واحد بالآية على تقديم العالم ولو باهلياً شاباً على الجاهل ولو هاشمياً شيخاً، وهو بناء على ما تقدم من معناها لدلالتها على فضل العالم على غيره من المؤمنين وأن الله تعالى يرفعه يوم القيامة عليه، ويجعل منزلته فوق منزلته فينبغي أن يكون محله في مجالس الدنيا فوق محل الجاهل. وقال الجلال السيوطي في كتاب «الأحكام» قال قوم: معنى الآية يرفع الله تعالى المؤمنين العلماء منكم درجات على غيرهم فلذلك أمر بالتفسح من أجلهم، ففيه دليل على رفع العلماء في المجالس والتفسح لهم عن المجالس الرفيعة انتهى. وهذا المعنى الذي نقله ظاهر في أن المتعاطفين متحدان بالذات والعطف لجعل تغاير الصفات بمنزلة تغاير الذات وهو احتمال بعيد، ويظهر منه أيضاً أنه ظن رفع {يرفع} على أن الجملة استئناف وقع جواباً عن السؤال عن علة الأمر السابق مع أن الأمر ليس كذلك، ويحتمل أنه علم أنه مجزوم في جواب الأمر لكن لم يعتبر كون الرفع درجات جزاءه الامتثال على نحو كون الفسح قبله جزاءه فتأمله. {وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ } تهديد لمن لم يمتثل بالأمر واستكره. وقرىء (بما يعملون) بالياء التحتانية.

ابن عاشور

تفسير : فصل بين آيات الأحكام المتعلقة بالنجوى بهذه الآية مراعاة لاتحاد الموضوع بين مضمون هذه الآية ومضمون التي بعدها في أنهما يجمعهما غرض التأدب مع الرسول صلى الله عليه وسلم وتلك المراعاة أولى من مراعاة اتحاد سياق الأحكام. ففي هذه الآية أدب في مجلس الرسول صلى الله عليه وسلم والآية التي بعدها تتعلق بالأدب في مناجاة الرسول صلى الله عليه وسلم وأخرت تلك عن آيات النجوى العامة إيذاناً بفضلها دون النجوى التي تضمنتها الآيات السابقة، فاتحاد الجنس في النجوى هو مسوغ الانتقال من النوع الأول إلى النوع الثاني، والإِيماءُ إلى تميزها بالفضل هو الذي اقتضى الفصل بين النوعين بآية أدب المجلس النبوي. وأيضاً قد كان للمنافقين نية مكر في قضية المجلس كما كان لهم نية مكر في النجوى، وهذا مما أنشأ مناسبة الانتقال من الكلام على النجوى إلى ذكر التفسح في المجلس النبوي الشريف. روي عن مقاتل أنه قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم في الصُفّة، وكان في المكان ضيق في يوم الجمعة فجاء ناس من أهل بدر فيهم ثابت بن قيس بن شَماس قد سُبقوا في المجلس فقاموا على أرجلهم ينتظرون أن يفسح لهم وكان النبي صلى الله عليه وسلم يكرم أهل بدر فقال لمن حوله: قم يا فلان بعَدد الواقفين من أهل بدر فشقّ ذلك على الذين أقيموا، وغمز المنافقون وقالوا: ما أُنْصِف هؤلاء، وقد أحبّوا القرب من نبيئهم فسَبَقوا إلى مجلسه فأنزل الله هذه الآية تطييباً لخاطر الذين أقيموا، وتعليماً للأمة بواجب رعي فضيلة أصحاب الفضيلة منها، وواجبِ الاعتراف بمزية أهل المزايا، قال الله تعالى: {أية : ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض}تفسير : [النساء: 32]، وقال: {أية : لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا وكلاً وعد الله الحسنى}تفسير : [الحديد: 10]. والخطاب بـ{يأيها الذين آمنوا} خطاب لجميع المؤمنين يعم من حضروا المجلس الذي وقعت فيه حادثة سبب النزول وغيرَهم ممن عسى أن يحضر مجلس الرسول صلى الله عليه وسلم. وابتدئت الآية بالأمر بالتفسح لأن إقامة الذين أقيموا إنما كانت لطلب التفسيح فإناطة الحكم إيماء إلى علة الحكم. والتفسح: التوسع وهو تفعل من فسح له بفتح السين مخففة إذا أوجد له فُسحة في مكان، وفسُح المكان من باب كرُم إذا صار فسيحاً. ومادة التفعل هنا للتكلف، أي يكلف أن يجعل فسحة في المكان وذلك بمضايقة مع الجُلاّس. وتعريف {المجلس} يجوز أن يكون تعريف العهد، وهو مجلس النبي صلى الله عليه وسلم أي إذا قال النبي صلى الله عليه وسلم لكم ذلك لأن أمره لا يكون إلا لمراعاة حق راجح على غيره والمجلس مكان الجلوس. وكان مجلس النبي صلى الله عليه وسلم بمسجده والأكثر أن يكون جلوسه المكان المسمّى بالروضة وهو ما بين منبر النبي صلى الله عليه وسلم وبيته. ويجوز أن يكون تعريف {المجلس} تعريف الجنس. وقوله: {يفسح الله لكم} مجزوم في جواب قوله: {فافسحوا}، وهو وعد بالجزاء على الامتثال لأمر التفسح من جنس الفعل إذ جعلت توسعة الله على الممتثل جزاءً على امتثاله الذي هو إفساحه لغيره فضمير {لكم} عائد على {الذين آمنوا} باعتبار أن الذين يفسحون هم من جملة المؤمنين لأن الحكم مشاع بين جميع الأمة وإنما الجزاء للذين تعلق بهم الأمر تعلقاً إلزامياً. وحذف متعلق {يفسح الله لكم} ليعم كل ما يتطلب الناس الإِفساح فيه بحقيقته ومجازه في الدنيا والآخرة من مكان ورزق أو جنة عرضها السماوات والأرض على حسب النيات، وتقديرُه الجزاء موكول إلى إرادة الله تعالى. وحذف فاعل القول لظهوره، أي إذا قال لكم الرسول: تفسحوا فافسحوا، فإن الله يثيبكم على ذلك. فالآية لا تدلّ إلاّ على الأمر بالتفسح إذا أمر به النبي صلى الله عليه وسلم ولكن يستفاد منها أن تفسح المسلمين بعضهم لبعض في المجالس محمود مأمور به وجوباً أو ندباً لأنه من المكارمة والإِرفاق. فهو من مكملات واجب التحابّ بين المسلمين وإن كان فيه كلفة على صاحب البقعة يُضايقه فيها غيره. فهي كلفة غير معتبرة إذا قوبلت بمصلحة التحابّ وفوائده، وذلك ما لم يفض إلى شدة مضايقة ومضرة أو إلى تفويت مصلحة من سماع أو نحوه مثل مجالس العلم والحديث وصفوفِ الصلاة. وذلك قياس على مجلس النبي صلى الله عليه وسلم في أنه مجلس خير. وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم «حديث : أحبكم إليّ ألْيَنُكم مناكب في الصلاة»تفسير : . قال مالك: ما أرى الحكم إلا يطرد في مجالس العلم ونحوها غابرَ الدهر. يريد أن هذا الحكم وإن نزل في مجلس النبي صلى الله عليه وسلم فهو شامل لمجالس المسلمين من مجالس الخير لأن هذا أدب ومؤاساة، فليس فيه قرينة الخصوصية بالمجالس النبوية، وأراد مالك بـ«نحوها» كل مجلس فيه أمر مهمّ في شؤون الدين فمن حق المسلمين أن يحرصوا على إعانة بعضهم بعضاً على حضوره. وهذا قياس على مجلس النبي صلى الله عليه وسلم وعلته هي التعاون على المصالح. وأفهم لفظ التفسح أنه تجنب للمضايقة والمراصة بحيث يفوت المقصود من حضور ذلك المجلس أو يحصل ألم للجالسين. وقد أرخص مالك في التخلف عن دعوة الوليمة إذا كثر الزحام فيها. وقرأ الجمهور "في المجلس" وقرأه عاصم بصيغة الجمع "في المجالس" وعلى كلتا القراءتين يجوز كون اللام للعهد وكونها للجنس وأن يكون المقصود مجالس النبي صلى الله عليه وسلم كلما تكررت أو ما يشمل جميع مجالس المسلمين، وعلى كلتا القراءتين يصح أن يكون الأمر في قوله تعالى: {فافسحوا} للوجوب أو للندب. وقوله: {وإذا قيل انشزوا فانشزوا} الآية عطف على {إذا قيل لكم تفسحوا في المجلس}. و{انشُزوا} أمر من نَشَز إذا نهض من مكانه يقال: نَشُزَ يَنشِزُ من باب قَعد وضرَب إذا ارتفع لأن النهوض ارتفاع من المكان الذي استقرّ فيه ومنه نشوز المرأة من زوجها مجازاً عن بعدها عن مضجعها. والنشوز: أخص من التفسيح من وجه فهو من عطف الأخص: من وجهٍ على الأعم منه للاهتمام بالمعطوف لأن القيام من المجلس أقوى من التفسيح من قعود. فذكر النشوز لئلا يتوهم وأن التفسيح المأمور به تفسيح من قعود لا سيما وقد كان سبب النزول بنشوز، وهو المقصود من نزول الآية على ذلك القول. ومن المفسرين من فسر النشوز بمطلق القيام من مجلس الرسول صلى الله عليه وسلم سواء كان لأجل التفسيح أو لغير ذلك مما يؤمر بالقيام لأجله. روي عن ابن عباس وقتادة والحسن «إذا قيل انشزوا إلى الخير وإلى الصلاة فانشزوا». وقال ابن زيد: إذا قيل انشزوا عن بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فارتفعوا فإن للنبيء صلى الله عليه وسلم حوائج، وكانوا إذا كانوا في بيته أحبّ كل واحد منهم أن يكون آخر عهده برسول الله صلى الله عليه وسلم وسبب النزول لا يخصص العام ولا يقيد المطلق. وهذا الحكم إذا عسر التفسيح واشتد الزحام والتراصّ فإن لأصحاب المقاعد الحقّ المستقر في أن يستمرّوا قاعدين لا يقام أحد لغيره وذلك إذا كان المقوّم لأجله أولى بالمكان من الذي أقيم له بسبب من أسباب الأوّلية كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم في إقامة نفر لإِعطاء مقاعدهم للبدريين. ومنه أولوية طلبة العلم بمجالس الدرس، وأولوية الناس في مقاعد المساجد بالسبق، ونحو ذلك، فإن لم يكن أحد أولى من غيره فقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن أن يقيم الرجل من مجلسه ثم يجلس فيه. وللرجل أن يرسل إلى المسجد ببساطه أو طنفسته أو سجادته لتبسط له في مكان من المسجد حتى يأتي فيجلس عليها فإن ذلك حوز لذلك المكان في ذلك الوقت. وكان ابن سيرين يرسل غلامه إلى المسجد يوم الجمعة فيجلس له فيه فإذا جاء ابن سرين قام الغلام له منه. وفي «الموطأ» عن مالك بن أبي عامر قال: كنت أرى طنفسة لعقيل بن أبي طالب يوم الجمعة تطرح إلى جدار المسجد الغربي فإذا غشي الطنفسة كلها ظِلُّ الجدار خرج عمر بن الخطاب فصلّى الجمعة. فالطنفسة ونحوها حوز المكان لصاحب البساط. فيجوز لأحد أن يأمر أحداً يبكر إلى المسجد فيأخذ مكاناً يقعد فيه حتى إذا جاء الذي أرسل ترك له البقعة لأن ذلك من قبيل النيابة في حوز الحق. وقرأ نافع وابن عامر وعاصم وأبو جعفر "انشزوا فانشزوا" بضم الشين فيهما. وقرأه الباقون بكسر الشين. وهما لغتان في مضارع نشز. وقوله: {يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات} جواب الأمر في قوله: {فانشزوا} فقد أجمع القراء على جزم فعل {يرفعْ} فهو جواب الأمر بهذا. وعد بالجزاء على الامتثال للأمر الشرعي فيما فيه أمر أو لما يقتضي الأمر من علّة يقاس بها على المأمور به أمثالُه مما فيه علة الحكم كما تقدم في قوله تعالى: {فافسحوا}. ولما كان النشوز ارتفاعاً عن المكان الذي كان به كان جزاؤه من جنسه. وتنكير {درجات} للإِشارة إلى أنواعها من درجات الدنيا ودرجات الآخرة. وضمير {منكم} خطاب للذين نودوا بـ{يأيها الذين آمنوا}. و (من) تبعيضية، أي يرفع الله درجات الذين امتثلوا. وقرينة هذا التقدير هي جعل الفعل جزاء للأمر فإن الجزاء مسبب عما رتب عليه بقوله: {منكم} صفة للذين آمنوا. أي الذين آمنوا من المؤمنين والتغايُر بين معنى الوصف ومعنى الموصوف بتغاير المقدَّر وإن كان لفظ الوصف ولفظ الموصوف مترادفين في الظاهر. فآل الكلام إلى تقدير: يرفع الله الذين استجابوا للأمر بالنشوز إذا كانوا من المؤمنين، أي دون من يضمه المجلس من المنافقين. فكان مقتضى الظاهر أن يقال: يرفع الله الناشزين منكم فاستحضروا بالموصول بصلة الإِيمان لما تؤذن به الصلة من الإِيماء إلى علة رفع الدرجات لأجل امتثالهم أمرَ القائل {انشزوا} وهو الرسول صلى الله عليه وسلم إن كان لإِيمانهم وأن ذلك الامتثال من إيمانهم ليس لنفاق أو لصاحبه امتعاض. وعطف «الذين أوتوا العلم منهم» عطف الخاص على العام لأن غشيان مجلس الرسول صلى الله عليه وسلم إنما هو لطلب العلم من مواعظه وتعليمه، أي والذين أوتوا العلم منكم أيها المؤمنون، لأن الذين أوتوا العلم قد يكون الأمر لأحد بالقيام من المجلس لأجلهم، أي لأجل إجلاسهم، وذلك رفع لدرجاتهم في الدنيا، ولأنهم إذا تمكنوا من مجلس الرسول صلى الله عليه وسلم كان تمكنهم أجمع للفهم وأنفى للملل، وذلك أدعى لإطالتهم الجلوس وازديادهم التلقي وتوفير مستنبطات أفهامهم فيما يلقى إليهم من العلم، فإقامة الجالسين في المجلس لأجل إجلاس الذين أوتوا العلم من رفع درجاتهم في الدنيا. ولعل البدريين الذين نزلت الآية بسبب قصتهم كانوا من الصحابة الذين أوتوا العلم. ويجوز أن بعضاً من الذين أمروا بالقيام كان من أهل العلم فأقيم لأجل رجحان فضيلة البدريين عليه، فيكون في الوعد للذي أقيم من مكانه برفع الدرجات استئناس له بأن الله رافع درجته. هذا تأويل نظم الآية الذي اقتضاه قوة إيجازه. وقد ذهب المفسرون في الإفصاح عن استفادة المعنى من هذا النظم البديع مذاهب كثيرة وما سلكناه أوضح منها. وانتصب {درجات}، على أنه ظرف مكان يتعلق بــ{يَرفع} أي: يرفع الله الذين آمنوا رفعاً كائناً في درجات. ويجوز أن يكون نائباً عن المفعول المطلق لــ{يرفع} لأنها درجات من الرفع، أي مرافع. والدرجات مستعارة للكرامة فإن الرفع في الآية رفعاً مجازياً، وهو التفضيل والكرامة وجيء للاستعارة بترشيحها بكون الرفع درجات. وهذا الترشح هو أيضاً استعارة مثل الترشيح في قوله تعالى: {أية : ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه}تفسير : [الرعد: 25] وهذا أحسن الترشيح. وقد تقدم نظيره في قوله تعالى في سورة [الأنعام: 83] {أية : نرفع درجات من نشاء}.تفسير : وقال عبد الله بن مسعود وجماعة من أهل التفسير: إن قوله: {والذين أوتوا العلم درجات} كلام مستأنف وتَم الكلام عند قوله: {منكم} قال ابن عطية: ونصب بفعل مُضمر ولعله يعني: نُصب {درجات} بفعل هو الخبر عن المبتدأ، والتقدير: جعلهم. وجملة {والله بما تعملون خبير} تذييل، أي الله عليم بأعمالكم ومختلف نياتكم من الامتثال كقول النبي صلى الله عليه وسلم «حديث : لا يُكلَمُ أحد في سبيل الله. والله أعلم بمن يكلَم في سبيله»تفسير : الحديث.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: تفسحوا في المجالس: أي توسعوا في المجالس التي هي مجالس علم وذكر. فافسحوا يفسح الله لكم: أي في الجنة وفي الرزق والقبر. انشزوا فانشزوا: أي قوموا للصلاة أو لغيرها من أعمال البر. يرفع الله الذين آمنوا منكم: أي بالنصر وحسن الذكر في الدنيا وفي غرفات الجنان في الآخرة. والذين أوتوا العلم درجات: أي ويرفع الذين أوتوا العلم درجات عالية لجمعهم بين العلم والعمل. إذا ناجيتم الرسول: أي أردتم مناجاته. فقدموا بين يدي نجواكم صدقة: أي قبل المناجاة تصدقوا بصدقة ثم ناجوه صلى الله عليه وسلم. ذلك خير لكم وأطهر: أي تقديم الصدقة بين يدي المناجاة خير لما فيه من نفع الفقراء وأطهر لذنوبكم. فإن لم تجدوا: أي فإن لم تجدوا ما تتصدقون به. فإن الله غفور رحيم: أي غفور لمناجاتكم رحيم بكم فليس عليكم في المناجاة بدون صدقة إثم. ءأشفقتم أن تقدموا بين يدي نجواكم صدقات؟: أي أَخِفْتُم الفقر أن قدمتم بين يدي نجواكم صدقات. فإذ لم تفعلوا وتاب الله عليكم: أي تقديم الصدقات، وتاب الله عليكم بأن رخص لكم في تركها. فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة: أي على الوجه المطلوب من إقامتها وأخرجوا الزكاة. وأطيعوا الله ورسوله: أي وداوموا على إقام الصلاة وإيتاء الزكاة وطاعة الله ورسوله. والله خبير بما تعملون: أي من أعمال البر والإِحسان وسيثيبكم على ذلك بالجنة. معنى الآيات: ما زال السياق الكريم في تربية المؤمنين وتهذيبهم ليكملوا ويسعدوا فقال تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} أي صدقوا الله ورسوله {إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُواْ فِي ٱلْمَجَالِسِ} أي إذا قال لكم الرسول صلى الله عليه وسلم أو غيره توسعوا في المجلس ليجد غيركم مكاناً بينكم فتوسعوا ولا تضنوا بالقرب من الرسول أو من العالم الذي يعلمكم أو المذكر الذي يذكركم وإن أنتم تفسحتم أي فإن الله تعالى يكافئكم فيوسع عليكم في الدنيا بسعة الرزق وفي البرزخ في القبر وفي الآخرة في غرفات الجنان. وقوله تعالى: {وَإِذَا قِيلَ ٱنشُزُواْ} أي قوموا من المجلس لعلة أو للصلاة أو للقتال أو لفعل بر وخير فانشزوا أي خفوا وقوموا يثبكم الله فيرفع الله الذين آمنوا منكم درجات بالنصر والذكر الحسن في الدنيا وفي غرف الجنة في الآخرة والذين أوتوا العلم درجات أي ويرفع الذين أوتوا العلم منكم أيها المؤمنون درجاتٍ عالية لجمعهم بين الإِيمان والعلم والعمل. وقوله: {وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} يذكرهم تعالى بعلمه بهم في جميع أحوالهم ليراقبوه ويكثروا من طاعته ويحافظوا على تقواه. وقوله تعالى {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا نَاجَيْتُمُ ٱلرَّسُولَ فَقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً} أمرهم تعالى إذا أراد أحدهم أن يناجى رسول الله صلى الله عليه وسلم ويكلمه وحده أن يقدم صدقة أولاً ثم يطلب المناجاة وكان هذا لمصلحة الفقراء أولا ثم للتخفيف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ كل مؤمن يود أن يخلو برسول الله صلى الله عليه وسلم ويقرب منه ويكلمه الرسول بشرٌ لا يتسع لكل أحد فشرع الله هذه الصدقة فأعلمهم أنه يريد التخفيف عن رسوله. فلما علموا ذلك وتحرجوا من بذل صدقة وأكثرهم فقراء لا يجدها نسخ تعالى ذلك ولم تدم مدة الوجوب أكثر من ليالي ونسخها الله تعالى بقوله الآتي أأشفقتم. الآية. وقوله تعالى {ذَلِكَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَأَطْهَرُ} أي تقديم الصدقة بين يدي المناجاة خير لكم حيث تعود الصدقة على الفقراء إخوانكم وأطهر أي لنفوسكم لأن النفس تطهر بالعمل الصالح وقوله تعالى {فَإِن لَّمْ تَجِدُواْ} أي ما تقدمونه صدقة قبل المناجاة فناجوه صلى الله عليه وسلم ولا حرج عليكم لعدم وجدكم فإن الله غفور لكم رحيم بكم. وقوله تعالى {ءَأَشْفَقْتُمْ} أي أخفتم الفاقة والفقر إن أنتم ألزمتم بالصدقة بين يدي كل مناجاة وعليه فإن لم تفعلوا وتاب الله عليكم برفع هذا الواجب ونسخه فرجع بكم إلى عهد ما قبل وجوب الصدقة فأقيموا الصلاة بأدائها في أوقاتها في جماعة المؤمنين مراعين شرائطها وأركانها وسننها وآدابها وآتوا الزكاة الواجبة في أموالكم. وأطيعوا الله ورسوله في أمرهما ونهيهما يكفكم ذلك عوضاً عن الصدقة التي نسخت تخفيفاً عليكم ورحمة بكم. وقوله {وَٱللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} أي فراقبوه في طاعته وطاعة رسوله تفلحوا فتنجوا من النار وتدخلوا الجنة دار الأبرار. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- الندب إلى فضيلة التوسع في مجالس العلم والتذكير. 2- الندب والترغيب في القيام بالمعروف وأداء الواجبات إذا دعي المؤمن إلى ذلك. 3- فضيلة الإِيمان وفضل العلم والعمل به. 4- مشروعية النسخ في الشريعة قبل العمل بالمنسوخ وبعده إذ هذه الصدقة نسخت قبل أن يعمل بها اللهم إلا ما كان من عليّ رضي الله عنه فإنه أخبر أنه تصدق بدينار وناجى رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم نسخت هذه الصدقة فكان يقول في القرآن آية لم يعمل بها أحد غيري وهي فضيلة له رضي الله عنه. 5- في إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وطاعة ورسوله في الواجبات والمحرمات عوض عما يفوت المؤمن من النوافل.

القطان

تفسير : تفسّحوا في المجالس: توسّعوا. ولْيفسحْ بعضكم لبعض. فسح له في المجلس: وسّع له ليجلس. يفسح الله لكم: في رحمته ويوسع لكم في ارزاقكم. انشُزوا: انهضوا لتوسعوا للقادمين. يرفع الله الذين آمنوا: يعلي مكانتهم. ويرفع اهل العلم كذلك. ناجيتم الرسول: إذا أردتم الحديث معه. فقدّموا بين يدي نجواكم صدقةً: فتصدقوا قبل المناجاة. أأشفقتم: أخفتم. وتاب الله عليكم: رفع عنكم هذه الصدقة، ورخَّص لكم في المناجاة من غير تقديم صدقة. بعد ان أدّب الكتابُ المؤمنين بأدب الحديث والبعدِ عما يكون سبباً للتباغض من التناجي بالإثم والعدوان - علّمهم كيف يعاملون بعضَهم في المجالس، من التوسُّع فيها للقادمين، والنهوض اذا طُلب اليهم ذلك. وأشار إلى أن الله يُعلي مكانة المؤمنين المخلصين، والذين أوتوا العلم بدرجاتٍ من عنده {وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ}. فالآية فيها أدبٌ جَمٌّ وتشمل التوسع في إيصال جميع انواع الخير الى المسلم وادخال السرور عليه، كما قال الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام: لا يزالُ اللهُ في عَوْنِ العبد ما دام العبدُ في عون أخيه. ولما اكثر المسلمون من التنافُس في القُرب من مجلس الرسول الكريم لسماعِ أحاديثه، ولمناجاته في أمورِ الدين، وشَقّوا في ذلك عليه - أراد الله ان يخفّف عنه فأنزل قوله تعال: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا نَاجَيْتُمُ ٱلرَّسُولَ فَقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً....}. اذا أردتم مناجاةَ الرسول فتصدّقوا قبل مناجاتكم له، ذلك خيرٌ لكم وأطهرُ لقلوبكم. فإن لم تجدوا ما تتصدّقون به فإن الله تعالى قد رخّص لكم في المناجاةِ بلا تقديم صدقة، {فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}. {أَأَشْفَقْتُمْ أَن تُقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ}. ولما علم اللهُ أنهم تحرّجوا من تقديم الصدقات وإن كثيرا منهم لا يجدُ ما يأكل، عفا عنهم ورفع الصدقة وقال: {فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُواْ وَتَابَ ٱللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ وَآتُواْ ٱلزَّكَاةَ وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ}. لأن الصلاةَ تطهّر النفوس، والزكاة فيها نفعٌ عام للمؤمنين، واطاعة الله ورسوله خير ما يأتيه المؤمن ويتحلى به، {وَٱللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} فهو محيط بنواياكم وأعمالكم. قراءات: قرأ عاصم: بالمجالس بالجمع. وقرأ الباقون: بالمجلس على الافراد. وقرأ عاصم ونافع وابن عامر انشزوا بضم الشين. والباقون: إنشِزوا بكسر الشين، وهما لغتان.

د. أسعد حومد

تفسير : {يٰأَيُّهَا} {آمَنُواْ} {ٱلْمَجَالِسِ} {دَرَجَاتٍ} (11) - رُوِيَ أَنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ فِي مَجَالِسِ الذِّكْرِ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا رَأَوا أَحَدَهُمْ مُقْبِلاً ضَنُّوا بِمَجَالِسِهِمْ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فَأَمَرَهُمُ اللهُ بِأَنْ يُفْسِحَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ. وَقِيلَ إِنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ فِي يَوْمِ جُمُعَةٍ، وَكَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فِي الصُّفَّةِ، وَفِي المَكَانِ ضِيقٌ. وَكَانَ الرَّسُولُ صلى الله عليه وسلم يُكْرِمُ أَهْلَ بَدْرٍ مِنَ المُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ، فَجَاءَ أُنَاسٌ مِنْ أَهْلِ بَدْرٍ، وَقَدْ سَبَقَهُمْ غَيْرُهُمْ إِلَى المَجْلِسِ، فَقَامُوا حِيَالَ رَسُولِ اللهِ، فَقَالُوا: السَّلاَمُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ، فَرَدَّ عَلَيْهِم النَّبِيُّ. ثُمَّ سَلَّمُوا عَلَى القَوْمِ بَعْدَ ذَلِكَ، فَقَامُوا حِيَالَ الرَّسُولِ، فَلَمْ يُفْسَحْ لَهُمْ، فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ مِنَ المُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ مِنْ غَيْرِ أَهْلِ بَدْرٍ: قُمْ يَا فُلاَنُ وَأَنْتَ يَا فُلاَنُ... فَلَمْ يَزَلْ يُقِيمُهُمْ بِعِدَّةِ النَّفَرِ الذِينَ هُمْ قِيَامٌ بَيْنَ يَدَيْهِ مِنْ أَهْلِ بَدْرٍ، فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَى مَنْ أُقِيمَ مِنْ مَجْلِسِهِ. وَعَرَفَ النَّبِيُّ الكَرَاهَةَ فِي وُجُوهِهِمْ. وَأَرْجَفَ المُنَافِقُونَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ: رَحِمَ اللهُ رَجُلاً يُفْسِحُ لأَِخِيهِ، فَجَعَلُوا يَقُومُونَ بَعْدَ ذَلِكَ سِرَاعاً فَيُفْسِحُ القَوْمُ لإِخْوَانِهِمْ. وَيُبَيِّنُ اللهُ تَعَالَى لِلْمُؤْمِنِينَ أَنَّهُ إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَوَسَّعُوا فِي المَجَالِسِ: مَجَالِسِ رَسُولِ اللهِ، أَوْ فِي مَجَالِسِ القِتَالِ، فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللهُ فِي مَنَازِلِكُمْ فِي الجَنَّةِ، وَإِذَا دُعِيتُمْ إِلَى القِيَامِ مِنْ مَجْلِسِ رَسُولِ اللهِ فَقُومُوا (انْشُزُوا)، لأَِنَّ الرَّسُولَ كَانَ يُؤْثِرُ الانْفِرَادَ لِتَدْبِيرِ شُُؤُونِ المُؤْمِنِينَ. (وَلاَ يَنْبَغِي لِقَادِمٍ أَنْ يُقِيمَ أَحَداً مِنْ مَجْلِسِهِ لِيَجْلِسَ مَكَانَهُ). وَجَاءَ فِي الحَدِيثِ الشَّرِيفِ: حديث : لاَ يُقِمِ الرَّجُلُ الرَّجُلَ مِنْ مَجْلِسِهِ، وَلَكِنْ تَفَسَّحُوا وَتَوَسَّعُواتفسير : . (البُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ). فَإِذَا انْفَسَحَ المُؤْمِنُونَ وَنَشَزُوا، امْتِثَالاً لأَِمْرِ اللهِ وَرَسُولِهِ، فَإِنَّ اللهَ يَرْفَعُهُمْ، وَيَرْفَعُ العَالِمِينَ مِنْهُمْ خَاصَّةً، دَرَجَاتٍ كَثِيرَةً فِي الثَّوَابِ وَالمَنْزِلَةِ، وَاللهُ خَبِيرٌ بِأَعْمَالِ العِبَادِ، لاَ تَخْفَى عَلَيْهِ مِنْهُمْ خَافِيَةٌ. تَفَسَّحُوا في المَجَالِس - تَوَسَّعُوا فِيهَا وَلاَ تَضَامُّوا. انْشُزُوا - انْهَضُوا للتَّوْسِعَةِ أَوْ لِعِبَادَةٍ أَوْ خَيْرٍ.

مجاهد بن جبر المخزومي

تفسير : أَنبا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُواْ فِي ٱلْمَجَالِسِ فَٱفْسَحُواْ} [الآية: 11]. يعني: مجلس النبي، صلى الله عليه وسلم، خاصة. أَنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: ثنا آدم، قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {وَإِذَا قِيلَ ٱنشُزُواْ فَانشُزُواْ} [الآية: 11]. يعني: إِلى كل خير: إِلى قتال عدوّ أَو أَمر بمعروف، أَو حق ما كان، {فَانشُزُواْ}. /80 ظ/ أَنبا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: ثنا آدم، قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا نَاجَيْتُمُ ٱلرَّسُولَ} [الآية: 12]. قال: نهوا عن مناجاة النبي، صلى الله عليه وسلم، حتى يقدموا صدقة. فلم يناجه أَحد إِلا علي بن أَبي طالب، عليه السلام فانه قدم ديناراً، فتصدق به، وناجى النبي، صلى الله عليه [وسلم]، فسأله عن عشر خصال، ثم نزلت الرخصة فقال: {أَأَشْفَقْتُمْ} [الآية: 13]. يقول: أَشق عليكم تقديم الصدقة؟ فوضعت عنهم، وأُمروا بمناجاته، عليه السلام بغير صدقة.

الصابوني

تفسير : المنَاسَبَة: لما نهى تعالى عباده المؤمنين عمَّا يكون سبباً للتباغض والتنافر، أمرهم بما يصير سبباً لزيادة المحبة والمودَّة، وهو التوسع في المجالس بأن يفسح بعضهم لبعض، ثم حذَّر من موالاة أعداء الله، وختم السورة الكريمة ببيان أوصاف المؤمنين الكاملين. اللغَة: {تَفَسَّحُواْ} توسَّعوا يقال: فسح له في المجلس أي وسَّع له، ومنه مكان فسيح أي واسع {ٱنشُزُواْ} انهضوا وارتفعوا يقال: نشز ينشُز إِذا تنحَّى من مجلسه وارتفع منه، وأصله من النَّشز وهو ما ارتفع من الأرض {جُنَّةً} بضم الجيم وقاية {ٱسْتَحْوَذَ} استولى وغلب على عقولهم {ٱلأَذَلِّينَ} الأذلاء المغمورين في الذل والهوان. سَبَبُ النّزول: أ- عن مقاتل قال: حديث : كان النبي صلى الله عليه وسلم يُكرم أهل بدر من المهاجرين والأنصار، فجاء ناسٌ من أهل بدر فيهم "ثابت بن قيس" وقد سُبقوا إِلى المجلس، فقاموا حيال النبي صلى الله عليه وسلم على أرجلهم ينتظرون أن يُوسَّع لهم فلم يفسحوا لهم، فشقَّ ذلك على النبي صلى الله عليه وسلم فقال لمن حوله - من غير أهل بدر - قم يا فلان، قم يا فلان، بعدد الواقفين من أهل بدر، فشق ذلك على من أقيم من مجلسه، وطعن المنافقون في ذلك وقالوا: ما عدل مع هؤلاء، قوم أخذوا مجالسهم وأحبوا القرب منه فأقامهم وأجلس من أبطأ عنه!! فأنزل الله تعالى {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُواْ فِي ٱلْمَجَالِسِ فَٱفْسَحُواْ يَفْسَحِ ٱللَّهُ لَكُمْ..} تفسير : الآية. ب - عن ابن عباس قال: "إن الناس سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأكثروا عليه حتى شقَّ ذلك عليه صلى الله عليه وسلم فأراد الله أن يخفّف عن نبيه ويثبِّطهم عن ذلك فأنزل الله {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا نَاجَيْتُمُ ٱلرَّسُولَ فَقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً..} الآية فلما نزلت جبن كثير من المسلمين وكفُّوا عن المسألة. ج - قال السدي: حديث : كان "عبد الله بن نبتل" المنافق يجالس رسول الله صلى الله عليه وسلم ويرفع حديثه إِلى اليهود، فبينا رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجرةٍ من حجراته إِذ قال يدخل عليكم الآن رجلٌ قلبه قلبُ جبار وينظر بعيني شيطان، فدخل عبد الله بن نبتل - وكان أزرق العينين فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: علام تشتمني أنت وأصحابك؟ فحلف بالله ما فعل ذلك، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: بل فعلت، فانطلق فجاء بأصحابه فحلفوا بالله ما سبُّوه فأنزل الله {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ تَوَلَّوْاْ قَوْماً غَضِبَ ٱللَّهُ عَلَيْهِم مَّا هُم مِّنكُمْ وَلاَ مِنْهُمْ وَيَحْلِفُونَ عَلَى ٱلْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} . تفسير : التفسِير: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} نداءٌ من الله تعالى للمؤمنين بأكرم وصفٍ وألطف عبارة أي يا من صدَّقتم الله ورسوله وتحليتم بالإِيمان الذي هو زينة الإِنسان {إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُواْ فِي ٱلْمَجَالِسِ فَٱفْسَحُواْ} أي إِذا قال لكم أحد توسعوا في المجالس - سواءً كان مجلس الرسول صلى الله عليه وسلم أو غيره من المجالس - فتوسعوا وافسحوا له {يَفْسَحِ ٱللَّهُ لَكُمْ} أي يوسِّع لكم ربكم في رحمته وجنته قال مجاهد: كانوا يتنافسون في مجلس النبي صلى الله عليه وسلم فأُمروا أن يفسح بعضهم لبعض قال الخازن: أمر الله المؤمنين بالتواضع وأن يفسحوا في المجلس لمن أراد الجلوس عند النبي صلى الله عليه وسلم ليتساوى الناس في الأخذ من حظهم من رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي الحديث "حديث : لا يقيمنَّ أحدكم رجلاً من مجلسه ثم يجلس فيه، ولكنْ توسَّعوا وتفسَّحوا يفسح اللهُ لكم" تفسير : قال الإِمام الفخر: وقوله {يَفْسَحِ ٱللَّهُ لَكُمْ} مطلقٌ في كل ما يطلب الناس الفسحة فيه في المكان، والرزق، والصدر، والقبر، والجنة، واعلم أن الآية دلت على أن كل من وسَّع على عباد الله أبواب الخير والراحة وسَّع الله عليه خيرات الدنيا والآخرة وفي الحديث "حديث : لايزال الله في عون العبد ما زال العبد في عون أخيه"تفسير : {وَإِذَا قِيلَ ٱنشُزُواْ فَانشُزُواْ} أي وإِذا قيل لكم أيها المؤمنون انهضوا من المجلس وقوموا لتوسّعوا لغيركم فارتفعوا منه وقوموا قال ابن عباس: معناه إِذا قيل لكم ارتفعوا فارتفعوا قال في البحر: أُمروا أولاً بالتفسح في المجلس، ثم ثانياً بامتثال الأمر فيه إِذا أُمروا، وألا يجدوا في ذلك غضاضة {يَرْفَعِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ مِنكُمْ وَٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ دَرَجَاتٍ} أي يرفع الله المؤمنين بامتثال أوامره وأوامر رسوله، والعالمين منهم خاصة أعلى المراتب، ويمنحهم أعلى الدرجات الرفيعة في الجنة قال ابن مسعود: مدح الله العلماء في هذه الآية ثم قال: يا أيها الناس افهموا هذه الآية ولترغبكم في العلم فإِن الله يقول يرفع المؤمن العالم فوق المؤمن الذي ليس بعالم درجات وقال القرطبي: بيّن في هذه الآية أن الرفعة عند الله بالعلم والإِيمان، لا بالسبق إِلى صدور المجالس، وفي الحديث "حديث : فضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب"تفسير : وعنه صلى الله عليه وسلم "حديث : يشفع يوم القيامة ثلاثة: الأنبياء، ثم العلماء، ثم الشهداء"تفسير : فأعظمْ بمنزلةٍ هي واسطةٌ بين النبوة والشهادة بشهادة رسول الله صلى الله عليه وسلم {وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} أي خبير بمن يستحق الفضل والثواب ممن لا يستحقه {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا نَاجَيْتُمُ ٱلرَّسُولَ} أي إِذا أردتم محادثته سراً {فَقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً} أي فقدموا قبلها صدقة تصدَّقوا بها على الفقراء قال الألوسي: وفي هذا الأمر تعظيم لمقام الرسول صلى الله عليه وسلم، ونفعٌ للفقراء، وتمييزٌ بين المخلص والمنافق، وبين محب الدنيا ومحب الآخرة {ذَلِكَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَأَطْهَرُ} أي تقديم الصدقات قبل مناجاته أفضل لكم عند الله لما فيه من امتثال أمر الله، وأطهر لذنوبكم {فَإِن لَّمْ تَجِدُواْ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} أي فإِن لم تجدوا ما تتصدقون به فإِن الله يسامحكم ويعفو عنكم، لأنه لم يكلف بذلك إِلا القادر منكم {أَأَشْفَقْتُمْ أَن تُقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ} عتابٌ للمؤمنين رقيقٌ رفيق أي أخفتم أيها المؤمنون الفقر إِذا تصدقتم قبل مناجاتكم للرسول صلى الله عليه وسلم؟ والغرضُ: لا تخافوا فإِن الله يرزقكم لأنه غني بيده خزائن السماوات والأرض، وهو عتاب لطيف كما بينا، ثم نسخ تعالى الحكم تيسيراً على المؤمنين فقال {فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُواْ وَتَابَ ٱللَّهُ عَلَيْكُمْ} أي فإِذا لم تفعلوا ما أُمرتم به وشقَّ ذلك عليكم، وعفا الله عنكم بأن رخَّص لكم مناجاته من غير تقديم صدقة {فَأَقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ وَآتُواْ ٱلزَّكَاةَ} أي فاكتفوا بالمحافظة على الصلاة ودفع الزكاة المفروضة {وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ} أي أطيعوا أمر الله وأمر رسوله في جميع أحوالكم {وَٱللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} أي محيطٌ بأعمالكم ونياتكم قال المفسرون: نسخ الله ذلك تخفيفاً على العباد حتى قال ابن عباس: ما كان ذلك إِلا ساعةً من نهار ثم نسخ قال القرطبي: نسختْ فرضيةُ الزكاة هذه الصدقة، وهذا يدل على جواز النسخ قبل الفعل، وما روي عن عليٍّ رضي الله عنه أنه قال: "آية في كتاب الله لم يعمل بها أحد قبلي ولا بعدي، كان عندي دينار فتصدقت به ثم ناجيت الرسول صلى الله عليه وسلم الخ فضعيفٌ لأن الله تعالى قال {فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُواْ} وهذا يدل على أن أحداً لم يتصدق بشيء {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ تَوَلَّوْاْ قَوْماً غَضِبَ ٱللَّهُ عَلَيْهِم} تعجيبٌ للرسول صلى الله عليه وسلم من أمر المنافقين الذين اتخذوا اليهود أصدقاء أي ألا تعجب يا محمد من حال هؤلاء المنافقين الذين يزعمون الإِيمان، وقد اتخذوا اليهود المغضوب عليهم أولياء، يناصحونهم وينقلون إِليهم أسرار المؤمنين!! قال الإِمام الفخر: كان المنافقون يتولون اليهود وهم الذين غضب الله عليهم في قوله {أية : مَن لَّعَنَهُ ٱللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ}تفسير : [المائدة: 60] وكانوا ينقلون إِليهم أسرار المؤمنين {مَّا هُم مِّنكُمْ وَلاَ مِنْهُمْ} أي ليس هؤلاء المنافقون من المسلمين ولا من اليهود، بل هم مذبذبون بين ذلك كقوله تعالى {أية : مُّذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذٰلِكَ لاَ إِلَىٰ هَـٰؤُلاۤءِ وَلاَ إِلَى هَـٰؤُلاۤءِ}تفسير : [النساء: 143] قال الصاوي: أي ليسوا من المؤمنين الخلَّص، ولا من الكافرين الخُلَّص، لا ينتسبون إِلى هؤلاء ولا إِلى هؤلاء {وَيَحْلِفُونَ عَلَى ٱلْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} أي ويحلفون بالله كاذبين يقولون: والله إِنا لمسلمون، وهم يعلمون أنهم كذبة فجرة قال أبو السعود: والصيغةُ مفيدة لكمال شناعة ما فعلوا، فإِن الحلف على ما يُعلم أنه كذبٌ في غاية القبح {أَعَدَّ ٱللَّهُ لَهُمْ عَذَاباً شَدِيداً} أي هيأ لهم تعالى - بسبب نفاقهم - عذاباً في نهاية الشدة والألم، وهو الدرك الأسفل في جهنم {أية : إِنَّ ٱلْمُنَافِقِينَ فِي ٱلدَّرْكِ ٱلأَسْفَلِ مِنَ ٱلنَّارِ وَلَن تَجِدَ لَهُمْ نَصِيراً}تفسير : [النساء: 145] {إِنَّهُمْ سَآءَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} أي بئس ما فعلوا وبئس ما صنعوا {ٱتَّخَذْوۤاْ أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً} أي جعلوا أيمانهم الكاذبة الفاجرة وقايةً لأنفسهم وسترةً لها من القتل قال في التسهيل: أصل الجُنَّة ما يُستتر به ويُتقى به المحذور كالترس، ثم استعمل هنا بطريق الاستعارة لأنهم كانوا يظهرون الإِسلام ليعصموا دماءهم وأموالهم {فَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ} أي فمنعوا الناس عن الدخول في الإِسلام، بإِلقاء الشبهات في قلوب الضعفاء والمكر والخداع بالمسلمين {فَلَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ} أي فلهم عذاب شديد في غاية الشدة والإِهانة {لَّن تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلاَ أَوْلاَدُهُمْ مِّنَ ٱللَّهِ شَيْئاً} أي لن تنفعهم أموالهم ولا أولادهم في الآخرة، ولن تدفع عنهم شيئاً من عذاب الله {أُوْلَـٰئِكَ أَصْحَابُ ٱلنَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} أي هم أهل النار لا يخرجون منها أبداً {يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ ٱللَّهُ جَمِيعاً} أي يحشرهم يوم القيامة جميعاً للحساب والجزاء {فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ} أي فيحلفون لله تعالى كما يحلفون لكم اليوم في الدنيا كذباً أنهم مسلمون قال ابن عباس: هو قولهم: {أية : وَٱللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ}تفسير : [الأنعام: 23] {وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَىٰ شَيْءٍ} أي يظنون أن حلفهم في الآخرة ينفعهم وينجيهم من عذابها كما نفعهم في الدنيا بدفع القتل عنهم قال أبو حيان: والعجب منهم كيف يعتقدون أن كفرهم يخفى على علاَّم الغيوب، ويجرونه مجرى المؤمنين في عدم اطلاعهم على كفرهم ونفاقهم، والمقصود أنهم تعودوا الكذب حتى كان على ألسنتهم في الآخرة كما كان في الدنيا {أَلاَ إِنَّهُمْ هُمُ ٱلْكَاذِبُونَ} أي ألا فانتبهوا أيها الناس إِن هؤلاء هم البالغون في الكذب الغاية القصوى حيث تجاسروا على الكذب بين يدي علام الغيوب {ٱسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ ٱلشَّيْطَانُ فَأَنسَاهُمْ ذِكْرَ ٱللَّهِ} أي استولى على قلوبهم الشيطان وغلب عليهم وتملَّك نفوسهم حتى أنساهم أن يذكروا ربهم {أُوْلَـٰئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ} أي أولئك هم أتباع الشيطان وأعوانه وأنصاره {أَلاَ إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الخَاسِرُونَ} أي أتباع الشيطان وجنوده هم الكاملون في الخسران والضلالة، لأنهم فوَّتوا على أنفسهم النعيم الدائم وعرضوها للعذاب المقيم {إِنَّ الَّذِينَ يُحَآدُّونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ} أي يعادون الله ورسوله ويخالفون أمرهما {أُوْلَـٰئِكَ فِي ٱلأَذَلِّينَ} أي أولئك في جملة الأذلاء المبعدين من رحمة الله {كَتَبَ ٱللَّهُ لأَغْلِبَنَّ أَنَاْ وَرُسُلِيۤ} أي قضى الله وحكم أن الغلبة لدينه ورسله وعباده المؤمنين {إِنَّ ٱللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ} أي هو تعالى قويٌ على نصر رسله وأوليائه، غالبٌ على أعدائه، لا يُقهر ولا يُغلب قال مقاتل: لما فتح الله مكة والطائف وخيبر للمؤمنين قالوا: نرجو أن يُظهرنا الله على فارس والروم، فقال عبد الله بن سلول: أتظنون أن الروم وفارس كبعض القرى التي غلبتم عليها؟! والله إِنهم لأكثر عدداً، وأشد بطشاً من أن تظنوا فيهم ذلك فنزلت {تَبَ ٱللَّهُ لأَغْلِبَنَّ أَنَاْ وَرُسُلِيۤ} {لاَّ تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ يُوَآدُّونَ مَنْ حَآدَّ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ} أي لا يمكن أن ترى أيها السامع جماعة يصدقون بالله وباليوم الآخر يحبون ويوالون من عادى الله ورسوله وخالف أمرهما، لأن من أحبَّ الله عادى أعداءه، ولا يجتمع في قلب واحد حبُّ الله وحبُّ أعدائه، كما لا يجتمع النور والظلام قال المفسرون: غرضُ الآية النهي عن مصادقة ومحبة الكفرة والمجرمين، ولكنها جاءت بصورة إِخبارٍ مبالغةً في النهي والتحذير قال الإِمام الفخر: المعنى أنه لا يجتمع الإِيمان مع حبِّ أعداء الله، وذلك لأن من أحبَّ أحداً امتنع أن يحب عدوه، لأنهما لا يجتمعان في القلب، فإِذا حصل في القلب مودة أعداء الله لم يحصل فيه الإِيمان {وَلَوْ كَانُوۤاْ آبَآءَهُمْ أَوْ أَبْنَآءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ} أي ولو كان هؤلاء المحادُّون لله ورسوله أقرب الناس إِليهم، كالآباء، والأبناء، والإِخوان، والعشيرة، فإِن قضية الإِيمان بالله تقتضي معاداة أعداء الله قال في البحر: بدأ بالآباء لأن طاعتهم واجبة على الأولاد، ثم بالأبناء لأنهم أعلق بالقلوب، ثم بالإِخوان لأنهم بهم التعاضد، ثم بالعشيرة لأن بهم التناصر والمقاتلة والتغلب على الأعداء كما قال القائل: شعر : لا يسألون أخاهم حين يندبهم في النائبات على ما قال برهانا تفسير : قال ابن كثير: نزلت {وَلَوْ كَانُوۤاْ آبَآءَهُمْ} في "أبي عبيدة" قتل أباه الجراح يوم بدر، {أَوْ أَبْنَآءَهُمْ} في الصِّديق همَّ بقتل ابنه "عبد الرحمن بن أبي بكر" {أَوْ إِخْوَانَهُمْ} في مُصعب بن عمير قتل أخاه عُبيد بن عمير يومئذٍ {أَوْ عَشِيرَتَهُمْ} في حمزة، وعلي، وعبيدة بن الحارث، قتلوا عُتبة، وشيبة، والوليد بن عتبة يوم بدر {أُوْلَـٰئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ ٱلإِيمَانَ} أي أثبت الإِيمان ومكنه في قلوبهم، فهي مؤمنةٌ موقنةٌ مخلصة {وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِّنْهُ} أي وقوَّاهم بنصره وتأييده قال ابن عباس: نصرهم على عدوهم، وسمى ذلك النصر روحاً لأن به يحيا أمرهم {وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ} أي ويدخلهم في الآخرة بساتين فسيحة، تجري من تحت قصورها أنهار الجنة {خَالِدِينَ فِيهَا} أي ماكثين فيها أبد الآبدين {رَضِيَ ٱللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ} أي قبل الله أعمالهم فرضي عنهم، ونالوا ثوابه فرضوا بما أعطاهم، وإِنما ذكر رضوانه عليهم بعد دخولهم الجنة لأنه أعظم النعم، وأجل المراتب قال ابن كثير: وفي الآية سر بديع وهو أنهم لما سخطوا على الأقارب والعشائر في الله تعالى، عوَّضهم الله بالرضا عنهم وأرضاهم بما أعطاهم من النعيم المقيم، والفوز العظيم {أُوْلَـٰئِكَ حِزْبُ ٱللَّهِ} أي أولئك جماعة الله وخاصته وأولياؤه {أَلاَ إِنَّ حِزْبَ ٱللَّهِ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ} أي هم الفائزون بخيري الدنيا والآخرة، وهذا في مقابلة قوله تعالى {أُوْلَـٰئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلاَ إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الخَاسِرُونَ}. البَلاَغَة: تضمنت السورة الكريمة وجوهاً من البيان والبديع نوجزها فيما يلي: 1- صيغة المبالغة في {أية : إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ}تفسير : [المجادلة: 1] وفي {غَفُورٌ رَّحِيمٌ} وفي {أية : عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ}تفسير : [المجادلة: 6]. 2- الإِطناب بذكر الأُمهات {أية : مَّا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ}تفسير : [المجادلة: 2] زيادةً في التقرير والبيان. 3- الطباق {أية : وَلاَ أَدْنَىٰ مِن ذَلِكَ وَلاَ أَكْثَرَ}تفسير : [المجادلة: 7] لأن معنى أدنى أقل فصار الطباق بينها وبين أكثر. 4- عطف الخاص على العام تنبيهاً على شرفه {يَرْفَعِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ مِنكُمْ وَٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ دَرَجَاتٍ} فإِن {وَٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ} دخلوا في المؤمنين أولاً ثم خصوا بالذكر ثانياً تعظيماً لهم. 5- الاستعارة {فَقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً} استعار اليدين لمعنى قبل أي قبل نجواكم. 6- الاستفهام والمراد منه التعجيب {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ تَوَلَّوْاْ قَوْماً غَضِبَ ٱللَّهُ عَلَيْهِم..}. 7- الجناس الناقص بين {يَعْلَمُونَ} و{يَعْمَلُونَ} لتغير الرسم. 8- المقابلة بين {أُوْلَـٰئِكَ حِزْبُ ٱللَّهِ أَلاَ إِنَّ حِزْبَ ٱللَّهِ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ} وبين {أُوْلَـٰئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ..} الآية. 9- تحلية الجملة بفنون المؤكدات مثل: "ألا، وإِنَّ، وهم" في قوله {أَلاَ إِنَّ حِزْبَ ٱللَّهِ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ}. 10- توافق الفواصل في الحرف الأخير مثل {الخاسرون}، {الكاذبون}، {خالدون}، {يعملون}. لطيفَة: روى الإِمام أحمد عن أبي الطفيل أن "نافع بن عبد الحارث" لقي عمر بن الخطاب بعسفان - وكان عمر استعمله على مكة - فقال عمر: من استخلفت على أهل الوداي؟ فقال: استخلفت عليهم: "ابن أبزى" فقال: ومن ابن أبزى؟ فقال: رجلٌ من موالينا فقال عمر: استخلفت عليهم مولى؟ فقال يا أمير المؤمنين: إنه قارىءٌ لكتاب الله، عالم بالفرائض، قاضٍ، فقال عمر رضي الله عنه: أما إِن نبيكم صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : إِن الله يرفع بهذا الكتاب أقواماً، ويضع به آخرين ".

الصابوني

تفسير : [2] نجوى الرسول صلى الله عليه وسلم التحليل اللفظي {تَفَسَّحُواْ}: توسّعوا في المجلس وليفسح بعضكم عن بعض، من قولهم: إفسح عني أي تنحّ، يقال: بلدة فسيحة، ومفازة فسيحة، ولك فيه فسحة أي سعة. قال القرطبي: وفَسَح يَفْسَح مثل مَنَع يَمْنَع، أي وسّع في المجلس، وفَسُح يَفْسُح مثل كَرُم يكْرُم، أي صار واسعاً، ومنه مكان فسيح. {ٱنشُزُواْ}: انهضوا وارتفعوا، وأصله من النشز وهو المرتفع من الأرض، قال في "اللسان": النّشْز: المرتفع من الأرض، ونشز الشيء: ارتفع، وتلّ ناشز: مرتفع، وفي التنزيل: {وَإِذَا قِيلَ ٱنشُزُواْ فَانشُزُواْ} قرأها الناس بكسر الشين، وأهلُ الحجاز يرفعونها، وهي لغتان ومعناه: إذا قيل انهضوا فانهضوا وقوموا. {دَرَجَٰتٍ}: أي منازل رفيعة، جمع درجة وهي الرفعة في المنزلة، مأخوذ من الدّرج الذي يُرقى به إلى السطح. قال في اللسان: والدّرجة: الرفعة في المنزلة، والدّرجة واحدة الدرجات، وهي الطبقات من المراتب، ودرجات الجنة: منازل أرفع من منازل. {نَجْوَاكُمْ}: النجوى مصدر بمعنى التناجي وهو المسارّة مأخوذة من (النّجوة) وهي ما ارتفع من الأرض، فالمتناجيان يخلوان بسرّهما كخلوّ المرتفع من الأرض عما يتصل به. وقيل: النجوى من المناجاة وهي الخلاص، وكأنّ المتناجيَيْن يتعاونان على أن يخلّص أحدهما الآخر. ومعنى الآية: إذا أردتم مناجاة الرسول صلى الله عليه وسلم لأمرٍ من الأمور فتصدقوا قبلها. {وَأَطْهَرُ}: أي أزكى لأنفسكم وأطيب عند الله. {ءَأَشْفَقْتُمْ}: الإشفاق: الخوف من المكروه، والمعنى: أخفتم وبخلتم بالصدقة، وشقّ ذلك عليكم؟. قال ابن عباس: "أأشفقْتُم" أي أبخلتم بالصدقة. وهو استفهام معناه التقرير. المعنى الإجمالي يقول الله جلّ ثناؤه ما معناه: يا أيها المؤمنون إذا قيل لكم توسعوا في المجلس لإخوانكم القادمين فتوسّعوا لهم، وافسحوا لهم، حتى يأخذ القادم مكانه في المجلس، فإن ذلك سبب المودة والمحبة بينكم، ومدعاة للألفة وصفاء النفوس، وإذا فسحتم لهم فإنّ الله تعالى يفسح لكم في رحمته، وينوّر قلوبكم، ويوسّع عليكم في الدنيا والآخرة. وإذا قيل لكم - أيها المؤمنون - انهضوا إلى الصلاة، والجهاد، وعمل الخير فانهضوا، أو قيل لكم قوموا من مقاعدكم للتوسعة على غيركم فأطيعوا فإنّ الله تعالى يحبّ من عباده الطاعة، ويرفع درجات المؤمنين، والعلماء العاملين، الذين يبتغون بعلمهم وجه الله، فالعلماء ورثة الأنبياء، ومن يرد الله به خيراً يفقِّهه في الدين، وليست الرفعة عند الله تعالى بالسبق إلى صدور المجالس، وإنما هي بالعلم والإيمان. ثم أمر تعالى عباده المؤمنين إذا أرادوا مناجاته عليه الصلاة والسلام لأمرٍ من الأمور، أن يتصدقوا قبل هذه المناجاة، تعظيماً لشأن الرسول صلى الله عليه وسلم ونفعاً للفقراء، وتمييزاً بين المؤمن المخلص، والمنافق المراوغ، فإنّ ذلك أزكى للنفوس، وأطهر للقلوب، وأكرم عند الله تعالى، فإذا لم يتيسر للمؤمن الصدقة فلا بأس عليه ولا حرج. ثم أخبر تعالى بأنّ عمل الخير كالصدقة وغيرها لا ينبغي أن يخاف منها الإنسان، فقال ما معناه: أخفتم تقديم الصدقات لما فيها من إنفاق المال، فإذا لم تفعلوا ما أُمرتم به، وتاب الله عليكم ورخّص لكم في الترك، فأقيموا الصلاة، وآتوا الزكاة ولا تفرِّطوا فيهما وفي سائر الطاعات لأن الله خبير بما تعملون. سبب النزول أ - روي أنّ النبي صلى الله عليه وسلم كان يوم جمعة في الصفّة، وفي المكان ضيق، وكان عليه الصلاة والسلام يكرم أهل بدر من (المهاجرين والأنصار) فجاء ناس من أهل بدر، منهم (ثابت بن قيس بن شمّاس) وقد سُبقوا إلى المجلس، فقاموا حيال النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، فردّ النبي صلى الله عليه وسلم ثم سلّموا على القوم فردّوا عليهم، فقاموا على أرجلهم ينتظرون أن يوسّع لهم، فلم يفسحوا لهم، فشقّ ذلك على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لبعض من حوله: قم يا فلان، ويا فلان، فأقام نفراً مقدار من قدم، فشقّ ذلك عليهم، وعرفت كراهيته في وجوههم، وقال المنافقون: ما عدل بإقامة من أخذ مجلسه، وأحبّ قربه لمن تأخر عن الحضور، فأنزل الله تعالى هذه الآية {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُواْ فِي ٱلْمَجَٰلِسِ فَٱفْسَحُواْ يَفْسَحِ ٱللَّهُ لَكُمْ...}. ب - وروي عن ابن عباس وقتادة: "أنّ قوماً من المسلمين كثرت مناجاتهم للرسول عليه الصلاة والسلام، في غير حاجة إلاّ لتظهر منزلتهم وكان صلى الله عليه وسلم سمحاً لا يردّ أحداً فنزلت هذه الآية {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا نَٰجَيْتُمُ ٱلرَّسُولَ...} الآية. جـ - وروي عن مقاتل: أنّ الأغنياء كانوا يأتون النبي صلى الله عليه وسلم فيكثرون مناجاته، ويغلبون الفقراء على المجالس، حتى كره عليه الصلاة والسلام طول جلوسهم ومناجاتهم فنزلت الآية: {إِذَا نَٰجَيْتُمُ ٱلرَّسُولَ}. وجوه القراءات 1 - قوله تعالى: {إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُواْ فِي ٱلْمَجَٰلِسِ} قرأ الجمهور (تَفَسَّحُواْ) بتشديد السين، وقرأ قتادة والحسن (تفاسحوا). 2 - قرأ الجمهور (فِي المجلس) بالإفراد على إرادة معنى الجمع، وقرأ عاصم وقتادة (المجالس) بالجمع. 3 - قوله تعالى: {ٱنشُزُواْ فَانشُزُواْ}: قرأ الجمهور بضم الشين فيهما، وقرأ حمزة والكسائي (انشِزُوا فانشِزُوا) بكسر الشين فيهما، قال الفراء: وهما لغتان مثل يعكفُون ويعرِشُون. 4 - قرأ الجمهور (فقدّموا بين يدي نجواكم صدقة) بالإفراد، وقرئ (صدقات) بالجمع لجمع المخاطبين. وجوه الإعراب 1 - قوله تعالى: {يَفْسَحِ ٱللَّهُ لَكُمْ} يفسحْ مضارع مجزوم لأنه جواب الطلب، وحرّك بالكسر للتخلُّص من التقاء الساكنيْن، ومثله {يَرْفَعِ ٱللَّهُ} مجزوم لأنه جواب الأمر كأنه قيل: إن تنشُزوا يرفع الله عز وجلّ المؤمنين جزاء امتثالهم درجات. 2 - قوله تعالى: {وَٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ دَرَجَٰتٍ} قال أبو حيان: معطوف على الذين آمنوا عطف صفات. والمعنى: يرفع الله المؤمنين العلماء درجات، فالوصفان لذاتٍ واحدة. واختار الطيبي: أن يكون في اللفظ تقدير يناسب المقام نحو أن يقال: يرفع الله الذين آمنوا في الدنيا بالنصر وحسن الذكر، ويرفع الذين أوتوا العلم درجات تعظيماً لهم. 3 - قوله تعالى: {ءَأَشْفَقْتُمْ أَن تُقَدِّمُواْ} أنْ وما بعدها في تأويل مصدر مفعول لـ {ءَأَشْفَقْتُمْ} والله أعلم. لطائف التفسير اللطيفة الأولى: لما نهى سبحانه وتعالى عباده المؤمنين عمَّا يكون سبباً للتباغض والتنافر، أمرهم في هذه الآيات بما يكون سبباً لزيادة المحبة والمودّة، وقد كان الصحابة رضوان الله عليهم شديدي الحرص على القرب من رسول الله صلى الله عليه وسلم والجلوس بين يديه حرصاً على استماع كلامه، فأمروا بالتوسعة على إخوانهم في المجلس تطييباً لقلوبهم، وهذا هو السرّ في مجيء هذه الآيات عقب آيات النهي عن التناجي بالإثم والعدوان. اللطيفة الثانية: ذكر تعالى في أول الآية مكانة المؤمنين، ثمّ عطف عليها بذكر مكانة العلماء، والعطفُ في مثل هذا الموطن هو من باب (عطف الخاص على العام) تعظيماً لشأن العلماء كأنهم جنس آخر، ولذا أعيد اسم لموصول في النظم الكريم في قوله تعالى: {وَٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ دَرَجَٰتٍ}. اللطيفة الثالثة: الأمر للمؤمنين بالصدقة عند مناجاة الرسول صلى الله عليه وسلم فيه فوائد عديدة: أولها: تعظيم الرسول صلى الله عليه وسلم وتعظيم مناجاته. ثانيها: نفع كثير من الفقراء بتلك الصدقة. ثالثها: الزجر عن الإفراط في الأسئلة لرسول الله صلى الله عليه وسلم. رابعها: التمييز بين المخلص والمنافق، ومحب الدنيا ومحب الآخرة. اللطيفة الرابعة: قوله تعالى: {فَقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً}: في هذا اللفظ استعارة يسميها علماء البلاغة (استعارة تمثيلية) وأصل التركيب يستعمل فيمن له يدان كالإنسان فقد استعار اليدين للنجوى، وقيل إنها (استعارة مكنية) حيث شبّه النجوى بإنسان، وحذف المشبّه به وهو الإنسان، ورمز إليه بشيء من لوازمه وهو اليدان على سبيل الاستعارة المكنية ومثله قوله تعالى: {أية : بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ} تفسير : [سبأ: 46] وذكر اليدين تخييل. اللطيفة الخامسة: أشاد القرآن بمنزلة العلماء الرفيعة، ومكانتهم السامية عند الله تعالى، ويكفيهم هذا الشرف والفخر وقد قال عليه الصلاة والسلام: "حديث : من جاءه الموت وهو يطلب العلم ليُحيي به الإسلام، فبَيْنه وبين النبيّين درجة"تفسير : . وقد ذكر بعض الظرفاء مناظرة رمزية بين (العقل والعلم) نذكرها لطرافتها قال بعض الأدباء: شعر : علمُ العليم وعقلُ العاقل اختلفا من ذا الذي منهما قد أحرز الشرفا؟ فالعلم قال: أنا أدركتُ غايته والعقل قال: أنا الرحمٰن بي عُرفا فأفصح العلمُ إفصاحاً وقال له: بأيّنا الله في فرقانه اتصفا؟ فبان للعقل أنَّ (العلمَ) سيّدُه فقبّلَ (العقلُ) رأسَ العلم وانصرفا تفسير : الأحكام الشرعية الحكم الأول: ما المراد بـ (المجالس) في الآية الكريمة؟ اختلف المفسّرون في المراد بالمجلس على ثلاثة أقوال: أحدها: أن المراد به مجلس الرسول صلى الله عليه وسلم خاصة، وهو قول مجاهد. والثاني: أنّ المراد به مجلس الحرب، ومقاعد القتال، حيث كانوا لحرصهم على الشهادة يأبون التوسع، وهو قول ابن عباس، والحسن. والثالث: أن المراد به مجالس الذكر كلّها، وهو قول قتادة وهو الأرجح. قال الطبري: "والصواب من القول في ذلك أن يقال: إنّ الله تعالى ذكرهُ أمر المؤمنين، أن يتفسّحوا في المجلس، ولم يخصّص بذلك مجلس النبي صلى الله عليه وسلم دون مجلس القتال، وكلا الموضعين يقال له: مجلس، فذلك على جميع المجالس، من مجالس رسول الله صلى الله عليه وسلم ومجالس القتال". وقال القرطبي: "الصحيح في الآية أنها عامة في كل مجلس اجتمع المسلمون فيه للخير والأجر، سواء كان مجلس حرب، أو ذكر، أو مجلس يوم الجمعة، فإنّ كل واحد أحقّ بمكانه الذي سبق إليه". الحكم الثاني: هل يباح الجلوس مكان الشخص بدون إذنه؟ دلّت الآية الكريمة على وجوب التوسع في المجلس للقادم، وهذا من مكارم الأخلاق التي أرشد إليها الإسلام، ولكن لا يباح للإنسان أن يأمر غيره بالقيام ليجلس مجلسه لقوله عليه الصلاة والسلام: "حديث : لا يقيم الرجلُ الرجلَ من مجلسه ثمّ يجلس فيه، ولكن تفسّحوا وتوسّعوا ". تفسير : وقد جرى الحكم أنّ من سبق إلى مباح فهو أولى به، والمجلسُ من هذا المباح، وعلى القادم أن يجلس حيث انتهى به المجلس، إلاّ أن الآداب الاجتماعية تقضي على الناس بتقديم أولي (الفضل والعلم) وبذلك جرى عرف الناس وعوائدهم في القديم والحديث. ولقد كان هذا الأدب السامي شأن الصحابة في مجلس الرسول صلى الله عليه وسلم فكانوا يُقدّمون بالهجرة، وبالعلم، وبالسنِّ، وما فعله النبي عليه السلام في جماعة (ثابت بن قيس) من أهل بدر، فإنما كان لتعليم الناس مكارم الأخلاق، وخاصة مع أهل الفضل والعلم، من المهاجرين والأنصار. أ - روى ابن العربي بسنده عن أنس بن مالك رضي الله عنه أنه قال: "بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد وقد طاف به أصحابه، إذ أقبل علي بن أبي طالب فوقف وسلّم، ثمّ نظر مجلساً يشبهه، فنظر رسول الله صلى الله عليه وسلم في وجوه أصحابه أيّهم يوسّع له، وكان أبو بكر جالساً على يمين النبي صلى الله عليه وسلم فتزحزح له عن محله، وقال: ها هنا يا أبا الحسن! فجلس بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين أبي بكر، فقال يا أبا بكر: إنما يعرف الفضل، لأهل الفضل، ذوو الفضل". ب - وثبت في الصحيح أن عمر بن الخطاب كان يقدّم عبد الله بن عباس على الصحابة، فكلّموه في ذلك فدعاهم ودعاه، وسألهم عن تفسير {أية : إِذَا جَآءَ نَصْرُ ٱللَّهِ وَٱلْفَتْحُ} تفسير : [النصر: 1] فسكتوا، فقال ابن عباس: هو أجل رسول الله صلى الله عليه وسلم أعلمه إيّاه، فقال عمر: ما أعلم منها إلاّ ما تعلم، ثم قال: بهذا قدّمت الفتى. وإذا قام الإنسان من مجلسه لحاجة ثمّ رجع إليه فهو أحقّ بالمجلس لقوله عليه الصلاة والسلام: "حديث : من قام من مجلسه ثم رجع إليه فهو أحق به ". تفسير : الحكم الثالث: هل يجوز القيام للقادم إذا كان من أهل الفضل والصلاح؟ ذهب جمهور الفقهاء إلى جواز القيام للقادم إذا كان مسلماً من أهل الفضل والصلاح على وجه التكريم لأن احترام المسلم واجب، وتكريمه لدينه وصلاحه ممّا يدعو إليه الإسلام، لأنه سبيل المحبّة والمودة، وقد قال عليه السلام: "حديث : لا تحقرنّ من المعروف شيئاً ولو أن تُكلّم أخاك وأنت منبسط إليه بوجهك ". تفسير : فالقيام للقادم جائز على وجه التكرمة، إن لم يكن فاسقاً، ولم يكن سبيلاً للكبرياء والخيلاء، وما لم يصبح ديدناً للإنسان عند كل دخول أو خروج، وفي كل حين وآن فعند ذلك يكره. قال العلامة ابن كثير: "وقد اختلف الفقهاء في جواز القيام للوارد إذا جاء على أقوال، فمنهم من رخّص في ذلك محتجاً بحديث (قوموا إلى سيّدكم). ومنهم من منع من ذلك محتجاً بحديث: "حديث : من أحبّ أن يتمثّل له الرجال قياماً فليتبَوّأ مقعده من النار"تفسير : . ومنهم من فصّل فقال: يجوز عند القدوم من سفر، وللحاكم في محل ولايته، كما دلّ عليه قصة (سعد بن معاذ) فإنه لما استقدمه النبي صلى الله عليه وسلم حاكماً في بني قريظة فرآه مقبلاً قال للمسلمين: قوموا إلى سيّدكم، وما ذاك إلا ليكون أنفذ لحكمه والله أعلم. أقول: جمهور العلماء على جواز القيام للقادم، إلا إذا كان فاسقاً، أو عاصياً، أو مرتكباً لكبيرة، أو مشهوراً بالكبر، وحب الظهور، وأمّا ما استدل به بعضهم من منع القيام بحديث: "حديث : من أحبّ أن يتمثّل له الناس قياماً..."تفسير : الحديث فليس فيه دليل لهم، لأن الرسول عليه السلام لم يُطْلق اللفظ وإنما قيّده بوصفٍ يدلّ على الكبرياء وحب الظهور "من أحبّ أن يتمثّل له الناس قياماً" ولم يقل صلوات الله عليه "من قام له الناس فليتبوأ مقعده من النار" ولا شكّ أنّ هذا الوصف لا ينطبق إلا على المتكبر المغرور، والفرق دقيق بين اللفظين فلا ينبغي أن يغفل عنه. وأما ما يقوله بعضهم: من أنّ القيام ركن من أركان الصلاة، فلذلك يحرم، لأنه يشبه العبادة... الخ فهذا جهل مطبق لا يصدر من فقيه عالم يتصدى لاستنباط الأحكام!! كيف والصلاة تشتمل على أركان كثيرة كالقعود، وقراءة القرآن، والتشهد، والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في بعض الأقوال - كما هو مذهب الإمام الشافعي - فهل يقول أحد: إن الجلوس بين يدي العالم حرام لأنه ركن من أركان الصلاة؟ وإن تلاوة القرآن لا تجوز أمام أحد لأنها ركن من أركان الصلاة؟ وإن الصلاة على النبي عليه السلام حرام في حضرة الناس لأنها ركن من أركان الصلاة؟!! وقياسُ القيام على الركوع والسجود في الحرمة، قياسٌ مع الفارق، وهو قياس باطل، لأن الركوع والسجود لا يجوز لغير الله كما قال عليه السلام: "حديث : لو كنت آمراً أحداً أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها"تفسير : وقد ورد في تحريمه النص القاطع، أمّا القيام، والقعود، والاضطجاع، فليس من هذا القبيل، وكفانا الله شرّ الجهل، وحماقة المتطفلين على العلم والعلماء!! الحكم الرابع: هل الصدقة عند مناجاة الرسول صلى الله عليه وسلم واجبة؟ اختلف العلماء في قوله تعالى: {فَقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً} هل الأمر للوجوب أو الندب؟ فقال بعضهم: إنَّ الأمر للوجوب، ويؤيد هذا قوله تعالى في آخر الآية: {فَإِن لَّمْ تَجِدُواْ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} ومثل هذا لا يُقال إلا في الواجبات التي لا يصح تركها. وقال آخرون: إن الأمر للندب والاستحباب، وذلك لأنّ الله تعالى قال في الآية: {ذَلِكَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَأَطْهَرُ} ومِثلُ هذا قرينة تصرف الأمر عن ظاهره، وهو إنما يستعمل في التطوع دون الفرض. ومن جهة أخرى: فإنّ الله تعالى قال في الآية التي بعد هذه مباشرة {ءَأَشْفَقْتُمْ أَن تُقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَٰتٍ}؟ وهذا يزيل ما في الأمر الأول من احتمال الوجوب، ويبقى الأمر للندب. واتفق العلماء على أن الآية منسوخة، نسختها الآية التي بعدها {ءَأَشْفَقْتُمْ أَن تُقَدِّمُواْ} وقد اختلفوا في مقدار تأخر الناسخ عن المنسوخ، فقيل: بقي التكليف عشرة أيام ثم نسخ، وقيل: ما بقي إلاّ ساعة من النهار ثم نسخ. وقد روي عن علي كرّم الله وجهه أنه قال: (إن في كتاب الله لآية ما عمل بها أحد قبلي، ولا يعمل بها أحد بعدي، كان لي دينار فاشتريت به عشرة دراهم، فكلّما ناجيت الرسول صلى الله عليه وسلم قدّمت بين يدي نجواي درهماً، ثمّ نُسختْ فلم يعمل بها أحد). قال القرطبي: (وهذا يدل على جواز النسخ قبل الفعل، وما روي عن عليّ رضي الله عنه ضعيف، لأن الله تعالى قال: {فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُواْ} وهذا يدلّ على أنّ أحداً لم يتصدّق بشيء، والله أعلم). ما ترشد إليه الآيات الكريمة أولاً: وجوب التوسعة في المجلس للقادم لأنها من مكارم الأخلاق. ثانياً: التوسعة للمؤمن في المجلس سببٌ لرحمة الله عز وجلّ وطريقٌ لرضوانه. ثالثاً: الرفعة عند الله والعزة والكرامة إنما تكون بالعلم والإيمان. رابعاً: وجوب تعظيم الرسول صلى الله عليه وسلم وعدم الإثقال عليه في المناجاة. خامساً: تقديم الصدقة قبل المناجاة مظهر من مظاهر تكريم الرسول صلى الله عليه وسلم. سادساً: نسخ الأحكام الشرعية لمصلحة البشر تخفيف من الله تعالى على عباده. سابعاً: الصلاة والزكاة أعظم أركان الإسلام ولهذا قرن القرآن الكريم بينهما في كثير من الآيات.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُواْ فِي ٱلْمَجَالِسِ فَٱفْسَحُواْ يَفْسَحِ ٱللَّهُ لَكُمْ} معناه أوسِعُوا. وقوله تعالى: {وَإِذَا قِيلَ ٱنشُزُواْ فَانشُزُواْ} معناه إذا قِيلَ لَكُم قُوموا فَقوموا.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : هذا تأديب من الله لعباده المؤمنين، إذا اجتمعوا في مجلس من مجالس مجتمعاتهم، واحتاج بعضهم أو بعض القادمين عليهم للتفسح له في المجلس، فإن من الأدب أن يفسحوا له تحصيلا لهذا المقصود. وليس ذلك بضار للجالس شيئا، فيحصل مقصود أخيه من غير ضرر يلحقه هو، والجزاء من جنس العمل، فإن من فسح فسح الله له، ومن وسع لأخيه، وسع الله عليه. { وَإِذَا قِيلَ انْشُزُوا } أي: ارتفعوا وتنحوا عن مجالسكم لحاجة تعرض، { فَانْشُزُوا } أي: فبادروا للقيام لتحصيل تلك المصلحة، فإن القيام بمثل هذه الأمور من العلم والإيمان، والله تعالى يرفع أهل العلم والإيمان درجات بحسب ما خصهم الله به، من العلم والإيمان. { وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ } فيجازي كل عامل بعمله، إن خيرا فخير، وإن شرا فشر. وفي هذه الآية فضيلة العلم، وأن زينته وثمرته التأدب بآدابه والعمل بمقتضاه.

همام الصنعاني

تفسير : 3175- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {تَفَسَّحُواْ فِي ٱلْمَجَالِسِ}: [الآية: 11] قال: كان الناس يتنافسون في مجلس النبي صلى الله عليه وسلم، فقيل لهم: {إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُواْ ... فَٱفْسَحُواْ ... وَإِذَا قِيلَ ٱنشُزُواْ فَانشُزُواْ}: [الآية: 11]، يقولُ إذا دعيتم إلى خير {فَانشُزُواْ}، يقول: فَأَجِيبُوا. 3176- قال عبد الرزاق، قال معمر، قال الحسن: هذا كله في الغزو