٥٨ - ٱلْمُجَادِلَة
58 - Al-Mujadila (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
12
Tafseer
الرازي
تفسير : فيه مسائل: المسألة الأولى: هذا التكليف يشتمل على أنواع من الفوائد أولها: إعظام الرسول عليه السلام وإعظام مناجاته فإن الإنسان إذا وجد الشيء مع المشقة استعظمه، وإن وجده بالسهولة استحقره وثانيها: نفع كثير من الفقراء بتلك الصدقة المقدمة قبل المناجاة وثالثها: قال ابن عباس: إن المسلمين أكثروا المسائل على رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى شقوا عليه، وأراد الله أن يخفف عن نبيه، فلما نزلت هذه الآية شح كثير من الناس فكفوا عن المسألة ورابعها: قال مقاتل بن حيان: إن الأغنياء غلبوا الفقراء على مجلس النبي عليه الصلاة والسلام وأكثروا من مناجاته حتى كره النبي صلى الله عليه وسلم طول جلوسهم، فأمر الله بالصدقة عند المناجاة، فأما الأغنياء فامتنعوا، وأما الفقراء فلم يجدوا شيئاً، واشتاقوا إلى مجلس الرسول عليه السلام، فتمنوا أن لو كانوا يملكون شيئاً فينفقونه ويصلون إلى مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم، فعند هذا التكليف ازدادت درجة الفقراء عند الله، وانحطت درجة الأغنياء وخامسها: يحتمل أن يكون المراد منه التخفيف عليه، لأن أرباب الحاجات كانوا يلحون على الرسول، ويشغلون أوقاته التي هي مقسومة على الإبلاغ إلى الأمة وعلى العبادة، ويحتمل أنه كان في ذلك ما يشغل قلب بعض المؤمنين، لظنه أن فلاناً إنما ناجى رسول الله صلى الله عليه وسلم لأمر يقتضي شغل القلب فيما يرجع إلى الدنيا وسادسها: أنه يتميز به محب الآخرة عن محب الدنيا، فإن المال محك الدواعي. المسألة الثانية: ظاهر الآية يدل على أن تقديم الصدقة كان واجباً، لأن الأمر للوجوب، ويتأكد ذلك بقوله في آخر الآية: {فَإِن لَّمْ تَجِدُواْ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } فإن ذلك لا يقال إلا فيما بفقده يزول وجوبه، ومنهم من قال: إن ذلك ما كان واجباً، بل كان مندوباً، واحتج عليه بوجهين الأول: أنه تعالى قال: {ذَلِكَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَأَطْهَرُ } وهذا إنما يستعمل في التطوع لا في الفرض والثاني: أنه لو كان ذلك واجباً لما أزيل وجوبه بكلام متصل به، وهو قوله: {أية : أأشفقتم أَن تُقَدّمُواْ } تفسير : [المجادلة: 13] إلى آخر الآية والجواب عن الأول: أن المندوب كما يوصف بأنه خير وأطهر، فالواجب أيضاً يوصف بذلك والجواب عن الثاني: أنه لا يلزم من كون الآيتين متصلتين في التلاوة، كونهما متصلتين في النزول، وهذا كما قلنا في الآية الدالة على وجوب الاعتداد بأربعة أشهر وعشراً، إنها ناسخة للاعتداد بحول، وإن كان الناسخ متقدماً في التلاوة على المنسوخ، ثم اختلفوا في مقدار تأخر الناسخ عن المنسوخ، فقال الكلبي: ما بقي ذلك التكليف إلا ساعة من النهار ثم نسخ، وقال مقاتل بن حيان: بقي ذلك التكليف عشرة أيام ثم نسخ. المسألة الثالثة: روي عن علي عليه السلام أنه قال: إن في كتاب الله لآية ما عمل بها أحد قبلي، ولا يعمل بها أحد بعدي، كان لي دينار فاشتريت به عشرة دراهم، فكلما ناجيت رسول الله صلى الله عليه وسلم قدمت بين يدي نجواي درهماً، ثم نسخت فلم يعمل بها أحد، وروي عن ابن جريج والكلبي وعطاء عن ابن عباس: أنهم نهوا عن المناجاة حتى يتصدقوا فلم يناجه أحد إلا علي عليه السلام تصدق بدينار، ثم نزلت الرخصة. قال القاضي والأكثر في الروايات: أنه عليه السلام تفرد بالتصدق قبل مناجاته، ثم ورد النسخ، وإن كان قد روي أيضاً أن أفاضل الصحابة وجدوا الوقت وما فعلوا ذلك، وإن ثبت أنه اختص بذلك فلأن الوقت لم يتسع لهذا الغرض، وإلا فلا شبهة أن أكابر الصحابة لا يقعدون عن مثله، وأقول على تقدير أن أفاضل الصحابة وجدوا الوقت وما فعلوا ذلك، فهذا لا يجر إليهم طعناً، وذلك الإقدام على هذا العمل مما يضيق قلب الفقير، فإنه لا يقدر على مثله فيضيق قلبه، ويوحش قلب الغني فإنه لما لم يفعل الغني ذلك وفعله غيره صار ذلك الفعل سبباً للطعن فيمن لم يفعل، فهذا الفعل لما كان سبباً لحزن الفقراء ووحشة الأغنياء، لم يكن في تركه كبير مضرة، لأن الذي يكون سبباً للألفة أولى مما يكون سبباً للوحشة، وأيضاً فهذه المناجاة ليست من الواجبات ولا من الطاعات المندوبة، بل قد بينا أنهم إنما كلفوا بهذه الصدقة ليتركوا هذه المناجاة، ولما كان الأولى بهذه المناجاة أن تكون متروكة لم يكن تركها سبباً للطعن. المسألة الرابعة: روي عن علي بن أبي طالب عليه السلام أنه قال: لما نزلت الآية دعاني رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «حديث : ما تقول في دينار؟ تفسير : قلت: لا يطيقونه، قال: حديث : كم؟ تفسير : قلت: حبة أو شعيرة، قال: حديث : إنك لزهيد» تفسير : والمعنى إنك قليل المال فقدرت على حسب حالك. أما قوله تعالى: {ذَلِكَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَأَطْهَرُ } أي ذلك التقديم في دينكم وأطهر لأن الصدقة طهرة. أما قوله: {فَإِن لَّمْ تَجِدُواْ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } فالمراد منه الفقراء، وهذا يدل على أن من لم يجد ما يتصدق به كان معفواً عنه. المسألة الخامسة: أنكر أبو مسلم وقوع النسخ وقال: إن المنافقين كانوا يمتنعون من بذل الصدقات، وإن قوماً من المنافقين تركوا النفاق وآمنوا ظاهراً وباطناً إيماناً حقيقياً، فأراد الله تعالى أن يميزهم عن المنافقين، فأمر بتقديم الصدقة على النجوى ليتميز هؤلاء الذين آمنوا إيماناً حقيقياً عمن بقي على نفاقه الأصلي، وإذا كان هذا التكليف لأجل هذه المصلحة المقدرة لذلك الوقت، لا جرم يقدر هذا التكليف بذلك الوقت، وحاصل قول أبي مسلم: أن ذلك التكليف كان مقدراً بغاية مخصوصة، فوجب انتهاؤه عند الانتهاء إلى الغاية المخصوصة، فلا يكون هذا نسخاً، وهذا الكلام حسن ما به بأس، والمشهور عند الجمهور أنه منسوخ بقوله: {أَءشْفَقْتُمْ } ومنهم من قال: إنه منسوخ بوجوب الزكاة.
القرطبي
تفسير : فيه ثلاث مسائل: الأولى: قوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا نَاجَيْتُمُ ٱلرَّسُولَ} «ناجيتم» ساررتم. قال ٱبن عباس: نزلت بسبب أن المسلمين كانوا يكثرون المسائل على رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى شقّوا عليه؛ فأراد الله عز وجل أن يخفف عن نبيّه صلى الله عليه وسلم، فلما قال ذلك كفّ كثير من الناس. ثم وسّع الله عليهم بالآية التي بعدها. وقال الحسن: نزلت بسبب أن قوماً من المسلمين كانوا يستخلون النبيّ صلى الله عليه وسلم ويناجونه، فظن بهم قوم من المسلمين أنهم ينتقصونهم في النجوى، فشقّ عليهم ذلك فأمرهم الله تعالى بالصدقة عند النجوى ليقطعهم عن ٱستخلائه. وقال زيد بن أسلم: نزلت بسبب أن المنافقين واليهود كانوا يناجون النبيّ صلى الله عليه وسلم ويقولون: إنه أُذن يسمع كل ما قيل له، وكان لا يمنع أحداً مناجاته. فكان ذلك يشقّ على المسلمين؛ لأن الشيطان كان يلقي في أنفسهم أنهم ناجَوْه بأن جموعاً ٱجتمعت لقتاله. قال: فأنزل الله تبارك وتعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلاَ تَتَنَاجَوْاْ بِٱلإِثْمِ وَٱلْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَةِ ٱلرَّسُولِ} الآية، فلم ينتهوا فأنزل الله هذه الآية، فآنتهى أهل الباطل عن النجوى؛ لأنهم لم يقدموا بين يدي نجواهم صدقة، وشقّ ذلك على أهل الإيمان وٱمتنعوا من النجوى؛ لضعف مقدرة كثير منهم عن الصدقة فخفف الله عنهم بما بعد الآية. الثانية: قال ٱبن العربي: وفي هذا الخبر عن زيد ما يدل على أن الأحكام لا تترتب بحسب المصالح، فإن الله تعالى قال: {ذَلِكَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَأَطْهَرُ} ثم نسخه مع كونه خيراً وأطهر. وهذا رَدٌّ على المعتزلة عظيم في التزام المصالح، لكن راوي الحديث عن زيد ٱبنه عبد الرحمن وقد ضعفه العلماء. والأمر في قوله تعالى: {ذَلِكَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَأَطْهَرُ} نص متواتر في الرد على المعتزلة. والله أعلم. الثالثة: روى الترمذي عن عليّ بن علقمة الأنماري عن عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه قال: حديث : لما نزلت {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا نَاجَيْتُمُ ٱلرَّسُولَ فَقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً} سألته قال لي النبيّ صلى الله عليه وسلم: «ما ترى ديناراً»؟ قلت لا يطيقونه. قال: «فنصف دينار» قلت: لا يطيقونه. قال: «فكم» قلت: شعيرة. قال: «إنك لزهيد» قال فنزلت: {أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ} الآية. قال: فَبِي خفّف الله عن هذه الأمةتفسير : . قال أبو عيسى: هذا حديث حسن غريب إنما نعرفه من هذا الوجه، ومعنى قوله: شعيرة يعني وزن شعيرة من ذهب. قال ٱبن العربي: وهذا يدل على مسألتين حسنتين أصوليتين: الأولى ـ نسخ العبادة قبل فعلها. والثانية ـ النظر في المقدّرات بالقياس؛ خلافاً لأبي حنيفة. قلت: الظاهر أن النسخ إنما وقع بعد فعل الصدقة. وقد روي عن مجاهد: أن أوّل من تصدّق في ذلك عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه وناجى النبيّ صلى الله عليه وسلم. روي أنه تصدّق بخاتم. وذكر القشيري وغيره عن عليّ بن أبي طالب أنه قال: «في كتاب الله آية ما عمل بها أحد قبلي ولا يعمل بها أحد بعدي، وهي: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا نَاجَيْتُمُ ٱلرَّسُولَ فَقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً} كان لي دينار فبعته، فكنت إذا ناجيت الرسول تصدّقت بدرهم حتى نفد؛ فنسخت بالآية الأخرى {أَأَشْفَقْتُمْ أَن تُقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ}. وكذلك قال ٱبن عباس: نسخها الله بالآية التي بعدها. وقال ٱبن عمر: لقد كانت لعليّ رضي الله عنه ثلاثة لو كانت لي واحدة منهن كانت أحبّ إليّ من حُمُر النَّعم: تزويجه فاطمة، وإعطاؤه الراية يوم خيبر، وآية النجوى. {ذَلِكَ خَيْرٌ لَّكُمْ} أي من إمساكها {وَأَطْهَرُ} لقلوبكم من المعاصي {فَإِن لَّمْ تَجِدُواْ} يعني الفقراء {فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}.
ابن كثير
تفسير : يقول تعالى آمراً عباده المؤمنين إذا أراد أحدهم أن يناجي رسول الله صلى الله عليه وسلم أي: يسارّه فيما بينه وبينه، أن يقدم بين يدي ذلك صدقة تطهره وتزكيه، وتؤهله لأن يصلح لهذا المقام، ولهذا قال تعالى: {ذَلِكَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَأَطْهَرُ}. ثم قال تعالى: {فَإِن لَّمْ تَجِدُواْ} أي: إلا من عجزعن ذلك لفقره، {فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} فما أمر بها إلا من قدر عليها. ثم قال تعالى: {أَءَشْفَقْتُمْ أَن تُقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَىْ نَجْوَٰكُمْ صَدَقَـٰتٍ}؟ أي: أخفتم من استمرار هذا الحكم عليكم من وجوب الصدقة قبل مناجاة الرسول؟ {فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُواْ وَتَابَ ٱللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُواْ ٱلصَّلوٰةَ وَءَاتُواْ ٱلزَّكَوٰةَ وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ وَٱللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} فنسخ وجوب ذلك عنهم. وقد قيل: إنه لم يعمل بهذه الآية قبل نسخها سوى علي بن أبي طالب رضي الله عنه. قال ابن أبي نجيح عن مجاهد قال: نهوا عن مناجاة النبي صلى الله عليه وسلم حتى يتصدقوا، فلم يناجه إلا علي بن أبي طالب، قدم ديناراً صدقة تصدق به، ثم ناجى النبي صلى الله عليه وسلم فسأله عن عشر خصال، ثم أنزلت الرخصة. وقال ليث بن أبي سليم عن مجاهد: قال علي رضي الله عنه: آية في كتاب الله عز وجل لم يعمل بهاأحد قبلي، ولا يعمل بها أحد بعدي، كان عندي دينار، فصرفته بعشرة دراهم، فكنت إذا ناجيت رسول الله صلى الله عليه وسلم تصدقت بدرهم، فنسخت، ولم يعمل بها أحد قبلي، ولا يعمل بها أحد بعدي، ثم تلا هذه الآية: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا نَـٰجَيْتُمُ ٱلرَّسُولَ فَقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَىْ نَجْوَٰكُمْ صَدَقَةً} الآية. وقال ابن جرير: حدثنا ابن حميد، حدثنا مهران عن سفيان عن عثمان بن المغيرة عن سالم بن أبي الجعد عن علي بن علقمة الأنماري عن علي رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : ما ترى، دينار؟» تفسير : قال: لا يطيقون. قال: «حديث : نصف دينار» تفسير : قال: لا يطيقون. قال: «حديث : ما ترى»تفسير : ؟ قال: شعيرة. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : إنك لزهيد» تفسير : قال: فنزلت: {أَءَشْفَقْتُمْ أَن تُقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَىْ نَجْوَٰكُمْ صَدَقَـٰتٍ}؟ قال علي: فبي خفف الله عن هذه الأمة. ورواه الترمذي عن سفيان بن وكيع عن يحيى بن آدم عن عبيد الله الأشجعي، عن سفيان الثوري عن عثمان بن المغيرة الثقفي عن سالم بن أبي الجعد عن علي بن علقمة الأنماري عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: لما نزلت: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا نَـٰجَيْتُمُ ٱلرَّسُولَ فَقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَىْ نَجْوَٰكُمْ صَدَقَةً} إلى آخرها، قال لي النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : ما ترى، دينار؟» تفسير : قلت: لا يطيقونه، وذكره بتمامه مثله، ثم قال: هذا حديث حسن غريب، إنما نعرفه من هذا الوجه،ثم قال: ومعنى قوله: شعيرة، يعني: وزن شعيرة من ذهب، ورواه أبو يعلى عن أبي بكر بن أبي شيبة عن يحيى بن آدم به. وقال العوفي عن ابن عباس في قوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا نَـٰجَيْتُمُ ٱلرَّسُولَ فَقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَىْ نَجْوَٰكُمْ صَدَقَةً} ــــ إلى ــــ {فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}. كان المسلمون يقدمون بين يدي النجوى صدقة، فلما نزلت الزكاة، نسخ هذا. وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: قوله: {فَقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً} وذلك أن المسلمين أكثروا المسائل على رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى شقوا عليه، فأراد الله أن يخفف عن نبيه عليه السلام، فلما قال ذلك، جبن كثير من المسلمين، وكفوا عن المسألة، فأنزل الله بعد هذا: {أَءَشْفَقْتُمْ أَن تُقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَىْ نَجْوَٰكُمْ صَدَقَـٰتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُواْ وَتَابَ ٱللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُواْ ٱلصَّلوٰةَ وَءَاتُواْ ٱلزَّكَوٰةَ} فوسع الله عليهم، ولم يضيق. وقال عكرمة والحسن البصري في قوله تعالى: {فَقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَىْ نَجْوَٰكُمْ صَدَقَةً}: نسختها الآية التي بعدها: {أَءَشْفَقْتُمْ أَن تُقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَىْ نَجْوَٰكُمْ صَدَقَـٰتٍ} إلى آخرها. وقال سعيد بن أبي عروبة عن قتادة ومقاتل بن حيان: سأل الناس رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أحفوه بالمسألة، ففطمهم الله بهذه الآية، فكان الرجل منهم إذا كانت له الحاجة إلى نبي الله صلى الله عليه وسلم فلا يستطيع أن يقضيها حتى يقدم بين يديه صدقة، فاشتد ذلك عليهم، فأنزل الله الرخصة بعد ذلك: {فَإِن لَّمْ تَجِدُواْ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}. وقال معمر عن قتادة: {إِذَا نَـٰجَيْتُمُ ٱلرَّسُولَ فَقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَىْ نَجْوَٰكُمْ صَدَقَةً} إنها منسوخة، ما كانت إلا ساعة من نهار. وهكذا روى عبد الرزاق: أخبرنا معمر عن أيوب عن مجاهد: قال علي: ما عمل بها أحد غيري حتى نسخت، وأحسبه قال: وما كانت إلا ساعة.
المحلي و السيوطي
تفسير : { يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا نَٰجَيْتُمُ ٱلرَّسُولَ } أردتم مناجاته {فَقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَىْ نَجْوٰكُمْ } قبلها {صَدَقَةً ذَلِكَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَأَطْهَرُ } لذنوبكم {فَإِن لَّمْ تَجِدُواْ } مَا تتصدَّقون به {فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ } لمناجاتكم {رَّحِيمٌ } بكم، يعني فلا عليكم في المناجاة من غير صدقة، ثم نسخ ذلك بقوله:
الماوردي
تفسير : {يأيها الذين ءامنوا إذا ناجيتم الرسول فقدموا بين يدي نجواكم صدقة} اختلف في سببها على ثلاثة أقاويل: أحدها: أن المنافقين كانا يناجون النبي صلى الله عليه وسلم بما لا حاجة لهم به، فأمرهم الله بالصدقة عند النجوى ليقطعهم عن النجوى، قاله ابن زيد. الثاني: أنه كان قوم من المسلمين يستخلون النبي صلى الله عليه وسلم ويناجونه فظن بهم قوم من المسلمين أنهم ينتقصونهم في النجوى، فشق عليهم ذلك، فأمرهم الله تعالى بالصدقة عند النجوى ليقطعهم عن استخلائه، قاله الحسن. الثالث: قاله ابن عباس وذلك أن المسلمين أكثروا المسائل على رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى شقوا عليه، فأراد الله أن يخفف عن نبيه، فلما قال ذلك كف كثير من الناس عن المسألة. وقال مجاهد: لم يناجه إلا عليٌّ قدّم ديناراً فتصدق به، فسأله عن عشر خصال، ثم نزلت الرخصة. {ءأشفقتم أن تقدموا بين يدي نجواكم صدقات} قال علي: ما عمل بها أحد غيري حتى نسخت، وأحسبه [قال] وما كانت إلا ساعة، وقال ابن حبان: كان ذلك ليالي عشراً. وقال ابن سليمان: ناجاه عليّ بدينار باعه بعشرة دراهم في عشر كلمات كل كلمة بدرهم. وناجاه آخر من الأنصار بآصع وكلمه كلمات، ثم نسخت بما بعدها.
ابن عبد السلام
تفسير : {فَقَدِّمُواْ} كان المنافقون يناجون الرسول صلى الله عليه وسلم بما لا حاجة لهم به فقطعوا عنه بالأمر بالصدقة، أو كان يخلو به طائفة من المسلمين يناجونه فظن قوم من المسلمين أنهم ينتقصونهم في نجواهم فقطعوا عن استخلائه "ح"، أو أكثر المسلمون المسائل عليه فخفف الله عنه بذلك فظنوا فكفوا "ع"، ولم يناجه إلا علي ـ رضي الله تعالى عنه ـ سأله عن عشر خصال وقدم ديناراً تصدق به ولم يعمل بها غيره حتى نسخت بعد عشر ليال، أو ناجاه رجل من الأنصار بكلمات وتصدق بآصع ثم نسخت بما بعدها.
الخازن
تفسير : قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إذا ناجيتم الرسول فقدموا بين يدي نجواكم صدقة} يعني إذا أردتم مناجاة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقدموا أمام ذلك صدقة وفائدة ذلك إعظام مناجاة رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن الإنسان إذا وجد الشيء بمشقة استعظمه وإن وجده بسهولة استحقره ونفع كثير من الفقراء بتلك الصدقة المقدمة قبل المناجاة قال ابن عباس إن الناس سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأكثروا حتى شق عليه فأراد الله تعالى أن يخفف على نبيه صلى الله عليه وسلم ويثبطهم على ذلك فأمرهم أن يقدموا صدقة على مناجاة رسول الله صلى الله عليه وسلم وقيل نزلت في الأغنياء وذلك أنهم كانوا يأتون رسول الله صلى الله عليه وسلم فيكثرون مناجاته ويغلبون الفقراء على المجالس حتى كره رسول الله صلى الله عليه وسلم طول جلوسهم ومناجاتهم فلما أمروا بالصدقة كفوا عن مناجاته فأما الفقراء وأهل العسرة فلم يجدوا شيئاً وأما الأغنياء وأهل الميسرة فضنوا واشتد ذلك على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت الرخصة وقال مجاهد نهوا عن المناجاة حتى يتصدقوا فلم يناجه إلا علي بن أبي طالب تصدق بدينار وناجاه ثم نزلت الرخصة فكان علي يقول آية في كتاب الله لم يعمل بها أحد قبلي ولا يعمل بها أحد بعدي وهي آية المناجاة. وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال لما نزلت {يا أيها الذين آمنوا إذا ناجيتم الرسول فقدموا بين يدي نجواكم صدقة} قال لي النبي صلى الله عليه وسلم ما ترى ديناراً قلت لا يطيقونه قال فنصف دينار قلت لا يطيقونه قال فكم قلت شعيرة قال إنك لزهيد قال فنزلت. {أأشفقتم أن تقدموا بين يدي نجواكل صدقات...}.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس في قوله: {إذا ناجيتم الرسول} الآية قال: إن المسلمين أكثروا المسائل على رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى شقوا عليه، فأراد الله أن يخفف عن نبيه صلى الله عليه وسلم، فلما قال ذلك: امتنع كثير من الناس وكفوا عن المسألة فأنزل الله بعد هذا {أأشفقتم} الآية فوسع الله عليهم ولم يضيق. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد والترمذي وحسنه وأبو يعلى وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه والنحاس عن علي بن أبي طالب قال:حديث : لما نزلت {يا أيها الذين آمنوا إذا ناجيتم الرسول فقدموا بين يدي نجواكم صدقة} الآية قال لي النبي صلى الله عليه وسلم: "ما ترى ديناراً قلت: لا يطيقونه، قال: فنصف دينار، قلت: لا يطيقونه، قال: فكم قلت شعيرة؟ قال: إنك لزهيد، قال: فنزلت {أأشفقتم أن تقدموا بين يدي نجواكم صدقات} قال: فبي خفف الله عن هذه الأمة" . تفسير : وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن علي قال: ما عمل بها أحد غيري حتى نسخت وما كانت إلا ساعة يعني آية النجوى. وأخرج سعيد بن منصور وابن راهويه وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والحاكم وصححه عن عليّ قال: إن في كتاب الله لآية ما عمل بها أحد قبلي، ولا يعمل بها أحد بعدي آية النجوى {يا أيها الذين آمنوا إذا ناجيتم الرسول فقدموا بين يدي نجواكم صدقة} كان عندي دينار فبعته بعشرة دراهم، فكنت كلما ناجيت النبي صلى الله عليه وسلم قدمت بين يدي درهماً، ثم نسخت فلم يعمل بها أحد فنزلت {أأشفقتم أن تقدموا بين يدي نجواكم صدقات} الآية. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد قال: نهوا عن مناجاة النبي صلى الله عليه وسلم حتى يقدموا صدقة فلم يناجه إلا عليّ بن أبي طالب، فإنه قد قدم ديناراً فتصدق به، ثم ناجى النبي صلى الله عليه وسلم فسأله عن عشر خصال، ثم نزلت الرخصة. وأخرج سعيد بن منصور عن مجاهد قال: كان من ناجى النبي صلى الله عليه وسلم تصدق بدينار، وكان أول من صنع ذلك علي بن أبي طالب، ثم نزلت الرخصة {فإذ لم تفعلوا وتاب الله عليكم} . وأخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل قال: إن الأغنياء كانوا يأتون النبي صلى الله عليه وسلم فيكثرون مناجاته، ويغلبون الفقراء على المجالس، حتى كره النبي صلى الله عليه وسلم طول جلوسهم ومناجاتهم، فأمر الله بالصدقة عند المناجاة، فأما أهل العسرة فلم يجدوا شيئاً، وكان ذلك عشر ليال، وأما أهل الميسرة فمنع بعضهم ماله وحبس نفسه إلا طوائف منهم جعلوا يقدمون الصدقة بين يدي النجوى، ويزعمون أنه لم يفعل ذلك غير رجل من المهاجرين من أهل بدر فأنزل الله {أأشفقتم} الآية. وأخرج الطبراني وابن مردويه بسند فيه ضعف عن سعد بن أبي وقاص قال: نزلت {يا أيها الذين آمنوا إذا ناجيتم الرسول فقدموا بين يدي نجواكم صدقة} فقدمت شعيرة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنك لزهيد" فنزلت الآية الأخرى {أأشفقتم أن تقدموا بين يدي نجواكم صدقات} . وأخرج أبو داود في ناسخه وابن المنذر من طريق عطاء الخراساني عن ابن عباس في المجادلة {إذا ناجيتم الرسول فقدوا بين يدي نجواكم صدقة} قال: نسختها الآية التي بعدها {أأشفقتم أن تقدموا بين يدي نجواكم صدقات} . وأخرج عبد بن حميد عن سلمة بن كهيل {يا أيها الذين آمنوا إذا ناجيتم الرسول} الآية قال: أول من عمل بها عليّ رضي الله عنه ثم نسخت، والله أعلم.
القشيري
تفسير : لمَّا كان الإذنُ في النجوى مقروناً ببذْلِ المالِ امتنعوا وتركوا، وبذلك ظَهَرَت جواهر الأخلاق ونقاوةُ الرجال - ولقد قال تعالى: {أية : وَلاَ يَسْأَلْكُمْ أَمْوَٰلَكُمْ إِن يَسْأَلْكُمُوهَا فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُواْ وَيُخْرِجْ أَضْغَانَكُمْ}تفسير : [محمد: 36-37].
البقلي
تفسير : قوله تعالى {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا نَاجَيْتُمُ ٱلرَّسُولَ فَقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً} ان الله سبحانه اداب اهل الارادة بهذه الاية ان لا يتناجوا شيوخهم فى تفسير الهام واستفهام علم المكاشفة والاسرار الا بعد بذل وجودهم لهم والايمان لهم بشرط المحبة والارادة فان الصحبة بهذه الصفة ازكى والمهر خير لقلوبهم واطهر لنفوسهم فان ضعفوا عن بعض القيام لحقوقهم ومعهم الايمان والارادة وعلموا قصورهم عن اداء الحقوق بالحقيقة فان الله يتجاوز عن ذلك التقصير وهو رحيم بهم بانه يبلغهم الى درجات الاكابر قال الله {فَإِن لَّمْ تَجِدُواْ}.
اسماعيل حقي
تفسير : {ياأيها الذين آمنوا} بالايمان الخالص {اذا ناجيتم الرسول} المناجاة باكسى راز كفتن، اى اذا كلمتموه سرا فى بعض شؤونكم المهمة الداعية الى مناجاته عليه السلام ومكالمته سرا بالفارسية جون خواهيدكه راز كوييد بارسول وفى بعض التفاسير اذا كالمتموه سرا استفسار لحال مايرى لكم من الرؤيا ففيه ارشاد للمقتدين الى عرضها على المقتدى بهم ليعبروها لهم ومن ذلك عظم اعتبار الواقعات وتعبيرها بين ارباب السلوك حتى قيل ان على المريد أن يعرض واقعته على شيخه سوآء عبر الشيخ او لم يعبر فان الله تعالى قال {أية : ان الله يأمركم أن تؤدوا الامانات الى اهلها}تفسير : وهى من جملة الامانة عند المريد لابد ان يؤديها الى الشيخ لما فيها من فائدة جليلة له وقوة لسلوكه وفى التعبير أثر قوى على ماقال عليه السلام "حديث : الرؤيا على مااولت"تفسير : {فقدموا بين يدى نجواكم صدقة} اى فتصدقوا قبلها على المستحق كقول عمر رضى الله عنه افضل ما اوتيت العرب الشعر يقدمه الرجل امام حاجته فيستمطر به الكريم ويستنزل به اللئيم يريد قبل حاجته فهو مستعار ممن له يدان على سبيل التخييل فقوله نجواكم استعارة بالكناية وبين يدى تخييلية وفى بعض التفاسير اذا أردتم عرض رؤياكم عليه ليعبرها لكم فتصدقوا قبل ذلك بشىء ليكون ذلك قوة لكم ونفعا فى اموركم والآية نزلت حين اكثر الناس عليه السؤال حتى اسأموه واملوه فأمرهم الله بتقديم الصدقة عند المناجاة فكف كثير من الناس اما الفقير فلعسرته واما الغنى فلشحه وفى هذا الامر تعظيم الرسول ونفع الفقرآء والزجر عن الافراط فى السؤال والتمييز بين المخلص والمنافق ومحب الآخرة ومحب الدنيا واختلف فى انه للندب او للوجوب لكنه نسخ بقوله تعالى {أية : ءاشفقتم}تفسير : الآية وهو وان كان متصلا به تلاوة لكنه متراخ عنه نزولا على ماهو شأن الناسخ واختلف فى مقدار تأخر الناسخ عن المنسوخ فقيل كان ساعة من النهار والظاهر انه عشر ايام لما روى عن على رضى الله عنه انه قال ان فى كتاب الله لآية ماعمل بها احد قبلى ولا يعمل بها احد بعدى كان لى دينار فصرفته وفى رواية فاشتريت به عشرة دراهم فكنت اذا ناجيته عليه السلام تصدقت بدرهم يعنى كنت اقدم بين يدى نجواى كل يوم درهما الى عشرة ايام و اسأله خصلة من الخصال الحسنة كا قال الكلبى تصدق به فى عشر كلمات سألهن رسول الله عليه السلام وهو على القول بالوجوب محمول على انه لم يتفق للاغنياء مناجاة فى مدته وهى عشرة ايام فى بعض الروايات اما لعدم المحوج اليها والاشفاق وعلى التقديرين لايلزم مخالفة الامر وان كان للاشفاق وفى بعض التفاسير ولا يظن ظان ان عدم عمل غيره من الصحابة رضى الله عنهم بهذا لعدم الاقدام على التصدق كلا كيف ومن المشهور صدقة أبى بكر وعثمان رضى الله عنهما بألوف من الدراهم والدنانير مرة واحدة فهلا يقدم هذا شأنه على تصدق دينار او دينارين وكذا غيرهما فلعله لم يقع حال اقتضت النجوى حينئذ وهذا لاينافى الجلوس فى مجلسه المبارك والتكلم معه لمصلحة دينية او دنيوية بدون النجوى اذا المناجاة تكلم خاص وعدم الخاص لايقتضى عدم العام كما لايخفى "حديث : وعن على رضى الله عنه قال لما نزلت الآية دعانى رسول الله فقال ماتقول فى دينار" قلت لايطيقونه قال "فنصف دينار" قلت لايطيقونه قال "فكم" قلت حبة او شعيرة قال "انك لزهيد"تفسير : اى رجل قليل المال لزهدك فيه فقدرت على حالك ومافى بالك من الشفقة على المؤمنين وقوله حبة او شعيرة اى مقدارها من ذهب وعن ابن عمر رضى الله عنه كان لعلى رضى الله عنه ثلاث لو كانت لى واحدة منهم كانت أحب الى من حمر النعم تزويجه فاطمة رضى الله عنها واعطاؤه الراية يوم خيبر وآية النجوى قوله حمر النعم بسكون ميم الحمر وهى من انفس اموال العرب يضربون بها المثل فى نفاسة الشىء وانه ليس هناك اعظم منه قال بعضهم ان رسم النثارات للملوك والرؤساء مأخوذ من أدب الله تعالى فى شأن رسوله حيث قال {ياأيها الذين أمنوا اذا ناجيتم الرسول فقدموا بين يدى نجواكم صدقة} {ذلك} التصدق {خير لكم} أيها المؤمنون من امساكه وبالفارسية بهترست مرشمارا زيراكه طاعت بيفزايد {وأطهر} لانفسكم من دنس الريبة ودرن البخل الناشىء من حب المال الذى هو من اعظم حب الدنيا وهو رأس كل خطيئة وبالفارسية وياه كيزه تر براى آنكه كناهان محو كند، وهذا يشعر بالندب لكن قوله تعالى {فان لم تجدوا فان الله غفور رحيم} منبىء عن الوجوب لانه ترخيص لمن لم يجد فى المناجاة بلا تصدق والمعنى بالفارسية بس اكر نيابيد جيزى كه صدقه دهيد بس خداى تعالى آمر زنده است مركسى راكه اين كناه كند مهر بانست بنده راكه تكليف مالا يطاق ننمايد. قال بعض اهل الاشارة ان الله تعالى أدب اهل الارادة بهذه الآية أن لايناجوا شيوخهم فى تفسير الالهام واستفهام علم المكاشفة والاسرار الا بعد بذل وجودهم لهم والايمان بهم بشرط المحبة والارادة فان الصحة بهذه الصفة خير لقلوبهم واطهر لنفوسهم فان ضعفوا عن بعض القيام بحقوقهم ومعهم الايمان والارادة وعلموا قصورهم فى الحقيقة فان الله تعالى يتجاوز عن ذلك التقصير وهو رحيم بهم يبلغهم الى درجة الاكابر (قال المولى الجامى) شعر : جه سود اى شيخ هرساعت فزون خر من طاعت جونتوانى كه يك جواز وجود خويشتن كانى
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {يا أيها الذين آمنوا إِذا ناجيتم الرسولَ} أي: إذا أردتم مناجاته في بعض شؤونكم المهمة، {فقدِّموا بين يدي نجواكم} أي: قبل نجواكم {صدقة} وهي استعارة ممن له يدان، كقول عمر رضي الله عنه: "من أفضل ما أوتيت العرب الشِعر، يقدّمه الرجل أما حاجته، فيستمطر به الكريم، ويستنزل به اللئيم" يريد: قبل حاجته. وفي هذا الأمر تعظيم الرسول صلى الله عليه وسلم، وانتفاع الفقراء، والزجر عن الإفراط في مناجاته وسؤاله عليه الصلاة والسلام، والتمييز بين المخلِص والمنافق، وبين مُحب الآخرة ومُحب الدنيا، وهل الأمر للندب، أو للوجوب لكنه نسخ بقوله: {أأشفقتم..} الخ؟ وعن عليّ رضي الله عنه: "إنَّ في كتاب الله آية ما عمل بها أحدٌ غيري، كان لي دينار فصرّفته فكنت إذا ناجيته صلى الله عليه وسلم تصدّقت به". وقال أيضاً: "أنا كنت سبب الرخصة والتخفيف عن المسلمين"، قال رضي الله عنه: فَهِم رسولُ الله صلى الله عليه وسلم أنّ هذه العبادة قد شقّت على الناس، فقال:"حديث : يا عليّ كم ترى حدّ هذه الصدقة؟ أتراه ديناراً؟" قلت: لا، قال: "فنصف دينار"؟ قلت: لا، قال: "فكم"؟ قلت: حبة من شعير، قال: "إنك لزهيد"تفسير : فأنزل الله الرخصة". قال الفخر: قوله صلى الله عليه وسلم لعليّ:"إنك لزهيد" معناه: إنك قليل المال، فقدّرتَ على حسب حالك. وفي رواية:"حديث : شعيرة من ذهب"، فقال: إنك لزهيد"،تفسير : أي: مُصعِّر مقلِّل للدنيا. قاله في القوت. {ذلك} التقديم للصدقة {خير لكم} في دينكم {وأطهرُ} لنفوسكم من رذيلة البُخل، ولأنَّ الصدقة طُهرة. {فإِن لم تجدوا} ما تتصدقون به {فإِنَّ الله غفور رحيم} في ترخيص المناجاة من غير صدقة. قيل: كان ذلك عشر ليال، ثم نُسِخَ، وقيل: ما كان إلاَّ ساعة من نهار. وحديث : عن عليّ - كرّم الله وجهه - أنه قال: سألتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم عن عشر مسائل، فأجابني عنها، ثم نزل نسخ الصدقة، قلت: يا رسول الله؛ ما الوفاء؟ قال: "التوحيد وشهادة أن لا إله إلاّ الله" قلت: وما الفساد؟ قال: "الكفر والشرك بالله" قلت: وما الحق؟ قال: "الإسلام، والقرآن والولاية إذا انتهت إليك" قلت: وما الحيلة؟ قال: "ترك الحيلة"، قلت: وما عَلَيَّ؟ قال: "طاعة الله وطاعة رسوله"، قلت: وكيف أدعو الله تعالى؟ قال: "بالصدق واليقين" قلت: وماذا أسأل الله؟ قال: "العافية" قلت: وما أصنع لنجاة نفسي؟ قال: "كلْ حلالاً، وقل صدقاً" قلت: وما السرور؟ قال: "الجنة" قلت: وما الراحة؟ قال: "لقاء الله"تفسير : فلما فرغت منها نزل نسخ الصدقة. {أأشفقتم أن تُقَدِّموا بين يَدَيْ نجواكم صدقاتٍ} أي: أَخِفْتُم الفقرَ مِن تقديم الصدقات، أو: أَخِفْتُم من هذا الأمر لِما فيه من الإنفاق الذي تكرهه النفوس، {فإِذ لم تفعلوا} ما أُمرتم به وشقّ عليكم، {وتاب اللهُ عليكم} أي: خفّف عنكم، وأزال عنكم المؤاخذة بترك تقديم الصدقة على المناجاة، كما أزال المؤاخذة بالذنب عن التائب عنه، {فأقيموا الصلاةَ وآتُوا الزكاة} أي: فإذا فرَّطتم فيما أُمرتم به من تقديم الصدقات، فتداركوه بالمثابرة على إقام الصلاة وإيتاء الزكاة، {وأطيعوا اللهَ ورسولَه} في سائر الأوامر، فإنَّ القيام بها كالجابر لِما وقع في ذلك من التفريط، {واللهُ خبير بما تعملون} ظاهراً وباطناً، وهو وعدٌ ووعيد. الإشارة: إذا أردتم مناجاة المشايخ في زيارتكم، فقدِّموا بين يدي نجواكم صدقة، تُدفع للشيخ، أو لأهل داره، فإنها مفتاح لفيض المواهب، مثالها كالدلو، لا يمكن رفع الماء إلاَّ به، ذلك خير لكم، وأطهر لقلوبكم من رذيلة من البخل، فإن لم تجدوا شيئاً فإن الله غفور رحيم. أأشفقتم أن تُقدِّموا بين يدي نجواكم صدقات؛ لِثَقَلِ ذلك على النفس؟ فإذ لم تفعلوا وزُرتم بلا صدقة، وقد تاب الله عليكم من هذا التفريط، فأقيموا صلاة القلوب، وهو التعظيم، ودوام العكوف في حضرة علاّم الغيوب، وآتوا زكاة أبدانكم، بإجهادها في خدمة المشايخ والإخوان، وأطيعوا الله ورسوله وخلفاءه فيما يأمرونكم به وينهونكم عنه، {والله خبير بما تعملون}. ثم رجع إلى عتاب المنافقين، فقال: {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ تَوَلَّوْاْ قَوْماً}.
الجنابذي
تفسير : {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا نَاجَيْتُمُ ٱلرَّسُولَ فَقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً} لمّا كان هذا الادب مكروهاً لاكثر النّفوس صدّره بالنّداء. اعلم، انّ المناجاة ههنا اعمّ من المسارّة والمحاورة والمسائلة الجهريّة وانّ المتحاورين اذا لم يكونا متناسبين لم تكن المحاورة بينهما مؤثّرة فى جانب الآخرة ولا مورثة للتّوافق ولا لنجح المسؤل فانّ المحاورة مع الرّسول (ص) من حيث انّه رسول لا تكون الاّ فى امور الآخرة وينبغى ان تكون مقرّبة اليها، واذا لم تكن بين المناجى والرّسول (ص) مناسبة لم تكن مناجاته مؤثّرة ولا مقرّبة الى الآخرة بل كانت مؤثّرة فى عكس المراد ومبعّدة من الآخرة والرّسول (ص) لانّه كما فى الخبر لا يجلس اثنان الاّ ويقومان بزيادةٍ او نقيصةٍ، الم يكن ابو جهل يحاور كثيراً الرّسول (ص) ولم تكن محاورته مؤثّرة بل كانت مبعّدة، فالرّبّ تعالى بكمال رأفته امر العباد بتقديم الصّدقة الّتى هى كناية عن كسر الانانيّة الّتى هى ضدّ للرّسول (ص) ومشّاقة له حتّى يوافق المناجى له بعض الموافقة فيتأثّر من محاورته على انّ فى التّصدّق بأمر الله تعالى نفعاً للفقراء ومسّاً ليد الرّسول (ص) وتعظيماً له وامتثالاً لامر الله تعالى وكسر الانانيّة الّتى هى شبكة الشّيطان واعظم معصيةٍ للانسان وتمييزاً للمخلص عن غيره، روى عن علىٍّ (ع) انّه قال فى كتاب الله لايةً ما عمل بها احد قبلى ولا يعمل بها احد بعدى، آية النّجوى انّه كان لى دينار فبعته بعشرة دراهم فجعلت اقدّم بين يدى كلّ ندوى اناجيها النّبىّ (ص) درهماً قال: فنسخها قوله ااشفقتم (الى قوله) خبير بما تعملون {ذَلِكَ} التّصدّق او التّناجى {خَيْرٌ لَّكُمْ} لانّه ادخل فى النّجح وفى التّأثّر بمحاورة الرّسول (ص) {وَأَطْهَرُ} لانفسكم من رجس الانانيّة وحبّ المال والرّغبة فى الدّنيا {فَإِن لَّمْ تَجِدُواْ} صدقة تقدّموها امام نجويكم فلا يضرّكم عدم التّقديم {فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ} يغفر بفضله رجس انانيّاتكم وان لم تتصدّقوا صدقة فيها كسرها {رَّحِيمٌ} يرحمكم بنجح مسؤلكم وتأثّركم بمحاورة الرّسول (ص) بدون التّصدّق.
الحبري
تفسير : حَدَّثَنَا عَلِيُّ بنُ مُحَمَّدٍ، قالَ: حَدَّثَنِي الحِبَرِيُّ، قالَ: حَدَّثَنَا مَالِكُ بنُ إسْماعِيْلَ، عن عَبْدِ السَّلامِ، عن لَيْثٍ، عن مُجَاهِدٍ: قَالَ: قالَ عَلِيٌّ عَلَيْهِ السَّلامُ: آيَةُ مِنَ القُرْآنِ لَمْ يَعْمَلْ بِهَا أَحَدٌ قَبْلِي، وَلاَ يَعْمَلُ بِهَا أَحَدٌ بَعْدِي، أُنْزِلَتْ "آيَةُ النَّجْوَى" فَكانَ عِنْدِي دِيْنَارٌ، فَبِعْتُهُ بِعَشَرةِ دَرَاهِمَ، فَكُنْتُ إذا أَرَدْتُ أُنَاجِي النَّبِيَّ صَلَّى الله عَلَيْهِ [وَآلِهِ] تَصَدَّقْتُ بِدِرْهَمٍ حَتَّى فَنِيَتْ، ثُمَّ نسَخَتْهَا الآيَةُ الَّتِي بَعْدَهَا: {فَإِن لَّمْ تَجِدُواْ...}. تفسير : مستدركات المؤلف على تفسيره ـ ذكر المجلسيّ ما نَصُّه: كنز: محمَّد بن العبَّاس، عن عليّ بن عقبة ومحمّد بن القاسِم ـ مَعَاً، عن الحُسَيْن بن الحَكَم: عن حَسَن بن حُسَيْن، عن حِبَّان بن عليّ، عن الكَلْبيّ، عن أَبي صالح، عن ابن عبّاس، فى قوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا نَاجَيْتُمُ ٱلرَّسُولَ فَقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً}. قالَ: نَزَلَتْ في عليّ عليه السلامُ خاصَّةً، وكانَ لَهُ دِينار فباعَهُ بِعَشَرة دَراهِم، فكانَ كُلَّما نَاجَاهُ قَدَّمَ دِرْهماً، حَتَّى نَاجَاهُ عَشَر مَرّاتٍ، ثُمَّ نُسِخَتْ، فَلم يَعْمَلْ بِها أَحَدٌ قَبْلَه ولا بَعْدَه.
فرات الكوفي
تفسير : {يا أيُّها الّذينَ آمَنوا إذا ناجَيْتُم الرَّسولَ فَقَدِّموا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقَةً ذَلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ 12} حدثنا أبو القاسم الحسني [قال: حدثنا فرات] معنعناً: عن ابن عمر قال: والله لا أحدثكم إلا بما رأت عيني وسمعته أذني [في علي. ب] أنه لما نزلت هذه الآية: {يا أيها الذين آمنوا إذا ناجيتم الرسول فقدموا بين يدي نجواكم صدقة} فنظرت إليه وقد ناجى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم [أمير المؤمنين علياً عليه السلام. أ، ر] عشر مرات فأول مرة ناجاه دفع إليه ديناراً وكلما ناجاه قدم بين يدي نجواه وما فعل ذلك أحدٌ من الناس [غيره. أ، ر]. فرات قال: حدثني الحسين بن سعيد [قال: حدثنا محمد بن مروان قال: حدثنا عبيد بن خنيس قال: حدثنا صباح]: عن مجاهد قال: قال [أمير المؤمنين. ر] علي بن أبي طالب عليه السلام: إن لفي كتاب الله آية ما عمل بها أحد قبلي ولا يعمل بها أحد بعدي آية النجوى كان لي دينار فبعته بعشرة دراهم فجعلت أقدم [ر، أ: لها] بين يدي كل نجوة [ب: نجوى] أناجيها النبي صلى الله عليه وآله وسلم درهماً. قال: فنسخت [في قوله. خ]: {ءأشفقتم أن تقدموا بين يدي نجواكم صدقات} إلى قوله: {والله خبير بما تعملون} فلم يعمل بها أحدٌ بعدي. قال: حدثنا محمد بن عبد الله بن سليمان الحضرمي معنعناً: حديث : عن [أمير المؤمنين. ر] علي بن أبي طالب عليه السلام قال: لما نزلت [هذه. أ، ب] الآية {يا أيها الذين آمنوا إذا ناجيتم الرسول فقدموا بين يدي نجواكم صدقة} قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ما تقول - قال:- دينار؟ قلت: لا يطيقونه قال: فكم؟ قلت: شعيرة. قال: إنك لزهيد فنزل: {ءأشفقتم أن تقدموا بين يدي نجواكم صدقات؟} فخفف الله عن هذه الأمة بي فلم ينزل أحدٍ قبلي ولا ينزل في أحدٍ بعدي . تفسير : قال: حدثني عبيد بن كثير معنعناً: حديث : عن جابر قال: لما كان يوم الطائف دعا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم علياً عليه السلام فناجاه طويلاً فقال بعض أصحابه: لقد طال نجواه بابن عمه. فقال: ما أنا انتجيته بل الله انتجاه .
الأعقم
تفسير : {يا أيها الذين آمنوا إذا ناجيتم الرسول فقدموا بين يدي نجواكم صدقةً} قيل: نزلت في الأغنياء كانوا يناجون النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فيغلبون الفقراء ويكثرون الجلوس فكره النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ذلك فنزلت، وأمروا بالصدقة فانتهوا {ذلك} التقديم {خير لكم} في دينكم {وأطهر} لأن الصدقة طهره، روي أن الناس أكثروا في مناجاة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بما يريدون فأمروا بأن من أراد أن يناجيه قدم في مناجاته صدقة، حديث : قال أمير المؤمنين: "لما نزلت دعاني رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال: ما تقول في دينار؟ فقلت: لا يطيقونه، قال: كم؟ قلت: حبَّة أو شعيرة، قال: إنك لزاهد، فلما رأوا ذلك ارتدعوا وكفوا إما الفقراء فلعسره وإما الأغنياء فلشحهم" تفسير : وقيل: كان ذلك عشر ليال ثم نسخ، وعن علي: "إن في كتاب الله لآية ما عمل بها أحدٌ قبلي ولا يعمل بها أحد بعدي، كنت إذا ناجيت تصدقت بدرهم" وعن ابن عمر: كانت لعلي (رضوان الله عليه) ثلاث لو كانت لي منهن واحدة كانت أحب إليَّ من حمر النعم: تزويجه فاطمة وإعطاءه الراية يوم خيبر وآية النجوى، قيل: هي منسوخة بالزكاة، وقيل بالآية التي بعدها {أأشفقتم} أخفتم تقديم الصدقات لما فيه من الانفاق الذي يكرهونه وإن {الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء} {فإذ لم تفعلوا} ما أمرتم به وشق عليكم {وتاب الله عليكم} وعذركم ورخص لكم في أن لا تفعلوا فلا تفرطوا في الصلاة والزكاة وسائر الطاعات {ألم تر إلى الذين تولوا قوماً غضب الله عليهم} الآية نزلت في المنافقين تولوا اليهود ونقلوا اليهم أسرار المؤمنين، وقيل: نزلت في عبد الله بن أبي المنافق وكان يحضر مجلس رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ويرفع حديثه إلى اليهود، فإذا قيل له حلف وحَلف أصحابه فتولوا اليهود {غضب الله عليهم ما هم منكم} أيها المؤمنون {ولا منهم} يعني اليهود {ويحلفون على الكذب وهم يعلمون} قيل: يحلفون للنبي والمؤمنين أنهم منهم وهم يعلمون كذبهم {أعدّ الله لهم عذاباً شديداً} قيل: عذاب النار، وقيل: عذاب القبر {إنهم ساء ما كانوا يعملون} أي بئس العمل عملهم وهو النفاق {اتخذوا أيمانهم} الكاذبة {جنةً} أي وقاية {فصدوا عن سبيل الله} أعرضوا عن الدين {فلهم عذاب مهين} {لن تغني عنهم} يوم القيامة {أموالهم ولا أولادهم من الله شيئاً أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون} {يوم يبعثهم الله جميعاً} من القبور أحياء {فيحلفون له كما يحلفون لكم ويحسبون أنهم على شيء ألا إنهم هم الكاذبون} قيل: أنهم يحلفون أنهم لم يكونوا كفاراً من عند أنفسهم لأن دار الآخرة لا يمكنون فيها من الكذب، وقيل: يحلفون في الآخرة أنهم كانوا في الدنيا من المؤمنين وظنوا أن ذلك يجوز إلا أنهم هم الكاذبون في أقوالهم وإيمانهم، وعن ابن عباس: أن الآية نزلت في القدرية ثم قال: والله هم القدريون، والله هم القدريون، وعن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): "حديث : ينادي منادي يوم القيامة أين خصماء الله؟ فيقوم القدرية مسودة وجوههم" تفسير : وقد تقدم في سورة القمر أن القدرية هم المجبرة الذين يجعلون كل القبائح بقدره، وقد بيّن أمير المؤمنين علي (عليه السلام) تبياناً شافياً وفي هذا الخبر ما يدل على ذلك لأن خصماء الرحمان من يضيف جميع المعاصي والظلم إلى الله، وهم الذين يشهدون لابليس بالبراءة، وقد بيَّنا في قوله: {أية : ويوم القيامة ترى الذين كذبوا على الله وجوههم مسودَّة} تفسير : [الزمر: 60] انها في المجبرة {استحوذ عليهم الشيطان} أي غلب عليهم الشيطان فاستولى حتى تبعوه وتركوا أمر الله {فأنساهم ذكر الله أولئك حزب الشيطان} قرناؤه وأتباعه {ألا إن حزب الشيطان هم الخاسرون} خسروا أنفسهم حيث أوثقوا لها {إن الذين يحادون الله ورسوله} أي يخالفونه وكانوا من حزب الشيطان وهم المنافقون {أولئك في الأذلين} في الجملة المتناهين في الذل والخزي فهم أذل خلق الله.
الهواري
تفسير : قوله تعالى: {يَآ أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً ذَلِكَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَأَطْهَرُ} أي: لذنوبكم. ولم يكن فيها شيء مؤقت. ولكن ما قل أو كثر. فكان الرجل يستخلي بالنبي عليه السلام في اليوم مراراً لحوائجه فلا يستطيع أحد أن يخلو به حتى يقدم بين يدي نجواه صدقة. وبلغنا أن أول من قدم بين يدي نجواه صدقة علي بن أبي طالب. فشكوا ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: لا بد لنا منك لحوائجنا أن نستخلي فيها يا رسول الله، وكلما أردنا أن نستخلي لحوائجنا أردنا أن نقدم بين يدي نجوانا صدقة، فإنا والله ما نطيق ذلك، وإن أموالنا لا تطيق ذلك، فأنزل الله: {فَإِن لَّمْ تَجِدُواْ فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ءَأَشْفَقْتُمْ أَن تُقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُواْ} أي: دون أن شكوتم فقلتم إن أموالنا لا تطيق ذلك {وَتَابَ اللهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَاة} أي: إن ذلك يضع عنكم هذه الصدقات، وهي الصلاة المكتوبة والزكاة المفروضة. وقال بعضهم: كان الناس أحفوا رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسألة ففطمهم الله عنه بهذه الآية: {يَآ أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً} فكان أحدهم لا يسأل النبي عليه السلام حاجة حتى يقدم بين يدي نجواه صدقة. فاشتد ذلك عليهم، فأنزل الله هذه الآية فنسختها: {ءَأَشْفَقْتُمْ أَن تُقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُواْ وَتَابَ اللهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ} أي: أتموا الصلاة {وَآتُواْ الزَّكَاةَ} أي: أتموا الزكاة. قال تعالى: {وَأَطِيعُواْ اللهَ وَرَسُولَهُ وَاللهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ}.
اطفيش
تفسير : {يَا أَيُّهَا الِّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَىْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً} للفقراء قال جار الله: مستعار ممن له يدان والمعنى قيل نجواكم كقول عمر رضي الله عنه من افضل ما أوتيت العرب الشعر يقدمه الرجل اما حاجته فيستمطر به الكريم ويستنزل به اللئيم أي قبل حاجته وفي ذلك تعظيم لرسول الله صلى الله عليه سلم ونفع الفقراء والنهي عن الافراط وفي السؤال والتمييز بين المخلص والمنافق ومحب الآخرة ومحب الدنيا قاله القاضي وهو مشكل اذا لم يتصدق ويسأل ويجاب بأنه لم يتفق للاغنياء مناجاة في مدة لقائه فقد قيل: ان ذلك لم يبق إلا ساعة ثم نسخه الآية بعدها وعليه الكلبي وقيل: بآية الزكاة وقيل: بقي عشر ليال وعليه مقاتل والآية وان اتصلت به تلاوة لم تتصل به نزولا وقيل الامر في ذلك للندب واتساع الوقت لكن لم يسأله الصحابة مراعاة القلوب الفقراء الذين لم يجدوا ما يتصدقون وذلك لم يفرض عليهم لقوله { فَإِن لَّمْ تَجِدُوا} الخ.. وقد قيل: إن هذه الصدقة لم تكن طاعة فرضاً ولا ندبا ولكن تعجيزا وكف لهم عن كثرة السؤال لما ضخروه لكف الفقير لفقره قال جار الله: والغني لشحه.اهـ وهذا الشح غير مضر لانهم امسكوا حيث يجوز الامساك ولو عرض لاحدهم سؤال لابد منه لتصدق وسأل وعن بعضهم وعليه مقاتل نزلت في الاغنياء يكثرون مناجاته وغلبوا الفقراء ومل رسول الله صلى الله عليه وسلم طول جلوسهم ومناجاتهم فامرهم بالصدقة تخفيفاً على نبيه فتركوا وفي هذا الامر ان الشيء إذا وجد بمشقة استعظم وإلا استحقر. وعن مجاهد: لم يناجه إلا علي بن ابي طالب تصدق بدينار وناجاه وخطب علي بن ابي طالب في الكوفة وقال: يا أيها الناس ان في القرآن سورة فيها آية ما عمل بها احد قبلي ولا معي ولا يعمل بها بعدي فقيل ما هي قال ان رسول الله صلى الله عليه وسلم لما كثرت عليه المسائل كره ذلك خيفة ان يجعل على امته فرضا ليس عليهم فنزل {يَا أَيُّهَا الِّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ..} الآية فامسكوا عن كلامه وسؤاله ولم أكن أملك غير دينار فصرفته بعشرة دراهم ثم جعلت كلما اردت ان أسأل عن مسألة تصدقت بدرهم حتى انقضت فنسخت الآية بقوله أأشفقتم ان تقدموا... الآية. قال الكلبي: تصدق به في عشر كلمات سألهن وروي انه لما نزلت الآية قالوا: لابد لنا من مناجاتك وان اموالنا لا تطيق ذلك ولما نزلت دعا عليا فقال: كم هذه الصدقة اتراها دينارا قال علي: لايطيقونه، قال: فنصف دينار، قال: لا يطيقونه، فقال: فكم؟ قال: شعيرة قال: انك لزهيد والشعيرة وزن حبة شعير من ذهب قال: الفخر قوله انك لزهيد معناه انك لقليل المال فقدرت على حسب حالك وما دعا عليا إلا لعلمه صلى الله عليه وسلم ان ذلك يشق على الناس وعن علي ما عمل بها غيري وانا سبب الرخصة والتخفيف اذ نسخت. وعن ابن عمر كان لعلي ثلاث لو كانت لي واحدة منهم كانت احب إليَّ من حمر النعم تزويجه فاطمة واعطاؤه الراية يوم خيبر وآية النجوى وزعم جماعة ان الآية نسخت قبل العمل بها لكن استقر حكمها بالعزم عليه وعن ابن عباس وقتادة سبب نزولها ان قوما من شباب المؤمنين واغفالهم كثرت مناجاتهم له صلى الله عليه وسلم في غير جاحة وكان لا يرد احدا فنزلت الآية مشددة ورادعة لهم وظاهر بعض ان غير علي تصدق أيضاً وسأل {ذَلِكَ} أي التصدق والمفهوم من الكلام أو ذلك المذكور من الصدقة أو ذلك التقديم تقديم الصدقة. {خَيْرٌ لَّكُمْ} من عدمه أو المراد ان فيه نفعاً لكم {وَأَطْهَر} لذنوبكم ولنفوسكم من الريبة وحب المال وهذا تنديب. {فَإِن لَّمْ تَجِدُوا فإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} والذي لايجد هو الفقير وهذا الانشاء دليل للوجوب على الاغنياء.
اطفيش
تفسير : {يَا أيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ} أردتم مناجاته {فقَدِّمُوا} الخ أكثروا التناجى على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولا سيما الأَغنياء لحبهم الفخر بالمناجاة ولو فى غير مهم، ويغلبون الفقراء على المجلس حتى ثقل عليه ذلك وأصابه الملل وكان سخى النفس لا يرد أحداً عن حاجة، فأَمرهم الله عز وجل أمر ندب وقيل إِنه أمر إِيجاب وأنه نسخ بقوله عز وجل أشفقتم على الصحيح وقيل بالزكاة أن لا يناجوه إِلا أن يقدموا صدقة تكون بيد النبى صلى الله عليه وسلم تعظيماً له - صلى الله عليه وسلم - ونفعاً للفقراء وإِزالة الشح عن النفس وتمييز للمخلص المحب للآخرة والمنافق المحب للدنيا وإِزالة لإِكثار المناجاة {بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ} شبه النجوى بالإِنسان ورمز إِليه بلازم الانسان وهو اليدان فذلك استعارة بالكناية، وإِثباتهما تخييل ووجه الشبه التوصل إِلى المقصود فإِنه يحصل بالنجوى كما يحصل باليدين فى جلب النفع بهما وبين ترشيح والمراد به حضور الصدقة عند إِرادة النجوى وإِعطاؤها قبل النجوى، وأولى من ذلك أن يكون فى ذلك استعارة تمثيلية {صَدَقَةً} تكون فى يده - صلى الله عليه وسلم - للفقراء وهو - صلى الله عليه وسلم - لا يأْكل الصدقة ولا تعطى فى الغيب ولو ممن لا يكذب تأْكيداً وسداً للذريعة أن يقول الإِنسان أعطيت ولم يعط ونكرها ليجزى القليل واستشار - صلى الله عليه وسلم - الإِمام علياً أترى ديناراً؟ قال: لا يطيقونه. قال: نصف دينار؟ قال: لا يطيقونه قال: فكم قال شعيرة أى موزونها فضة وقيل ذهباً فقال: إِنك لزهيد. وروى الحاكم وغيره عنه إِن فى كتاب الله آية ما عمل بها أحد قبلى ولا يعمل بها أحد بعدى آية النجوى عندى دينار فبعته بعشرة دراهم وكلما أردت المناجاة قدمت درهماً ثم نسخت فلم يعمل بها أحد بعدى والنسخ على عشرة أيام عدد دراهم الإِمام على المذكورة كما قال مقاتل وسؤاله وصدقته فى عشرة أيام. وعن قتادة بقيت الآية ساعة من النهار، وعليه فالسؤال والصدقة فى ساعة كل مسأَلة بدرهم. قال: "حديث : قلت يا رسول الله: ما الوفاء؟ قال: شهادة أن لا إِله إِلا الله. قلت: وما الفساد؟ قال: الشرك بالله. قلت: وما الحق؟ قال: الإِسلام والقرآن والولاية إِذا انتهت إِليك. قلت: وما الحيلة؟ قال: ترك الحيلة. قلت: وما علي؟ قال: طاعة الله ورسوله. قلت: وكيف أدعو الله؟ قال بالصدق واليقين. قلت: وماذا أسأَل الله تعالى؟ قال: العافية. قلت: وما أصنع لنجاة نفسي؟ قال: كل حلالاً وقل صدقاً. قلت: وما السرور؟ قال: الجنة. قلت: وما الراحة؟ قال: لقاء الله تعالى". تفسير : ويروى أن الأَغنياء أكثروا مناجاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى مل فنزلت الصدقة فشحوا بها، والفقراء لا يجدون ما يتصدقون به، فاستراح - صلى الله عليه وسلم - المدة المذكورة، وفى ذلك تعظيم له - صلى الله عليه وسلم - ولكلامه حتى لا يوصل إِليهما إِلا بالصدقة، وما لا يوصل إِليه إِلا بالمال أفضل، وقيل وقع النسخ قبل العمل ويرد القولين خبر على، وقد يترجح القول بالساعة بأَنه لو طالت المدة لشاركت الصحابة علياً فى ذلك لشدة رغبتهم فى الدين والسؤال عنه ومجالسته - صلى الله عليه وسلم - {ذَلِكَ} ما ذكر من تقديم الصدقة {خَيْرٌ لَّكُمْ} للثواب على الصدقة وعلى التصديق للوحى {وَأَطْهَرُ} لأَنفسكم بتعويدها صرف المال فى وجوه الخير وتنفيرها عن الرغبة فى إِمساكه {فَإِن لَّمْ تَجِدُوا} ما تتصدقون به {فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} مبيح لكم أن تناجوه - صلى الله عليه وسلم - بلا ندب إِليها ولا إِيجاب، ولكن ذكر الغفران والرحمة وقوله وتاب الله عليكم أظهر فى وجوبها على الواجد {أأشْفَقْتُمْ أَن تُقَدِّمُوا} من أن تقدموا وأشفق لازم كفزع. وقدر بعضهم لام التعليل على تضمين أشفق معنى خاف وتعديته إِلى محذوف أى أخفتم الفقر لأَجل تقديم الصدقات، وفيه تكلف لا حاجة إِليه، وأجاز أن يكون أن تقدموا مفعول لأَشفقتم لتضمنه معنى خفتم، وأنت خبير أن الأَصل عدم التضمين. وعلى كل حال عاب الله عليهم العجز عن أن يقدم كل واحد منهم تقديم صدقات متعددة مثل تسع وعشر عند كل إرادة نجوى، وكيف تعجزون عن الواحدة وهذا أولى مما قيل إِن المراد كل واحد بصدقة واحدة {فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا} ما أمرتم به من الصدقة {وَتَابَ اللهُ عَلَيْكُمْ} أسقط عنكم الصدقة ضمن إِذ معنى إِذا وأجابها بقوله {فَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ} كما قيل إِنها بمعنى الاستقبال فى قوله تعالى: إِذ الأَغلال فى أعناقهم، وزعم بعض أنها حرف هنا بمعنى أن الشرطية وإِن أبقيناها على المضى لم نجد لها متعلقا، إِذ لا تعلق وهى للماضى بأَقيموا وهو مستقبل إِلا إن اعتبر ما مضى وما يأْتى وقتا واحداً متسعاً، ويجوز أن تكون مفعولا به لمحذوف أى تذكروا ولا تنسوا وقت عدم فعلكم وتوبة الله عليكم وتداركوه وأجبروه بإِقامة الصلاة وإِيتاء الزكاة والإِطاعة فإِن قوله أقيموا الخ على كل حال للتدارك وجبر ما فات، ودخل فى الطاعة جميع الطاعات ومنها التفسح {واللهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} ظاهراً وباطناً يجازيكم. {أَلم تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللهُ عَلَيْهِمْ} استفهام تعجيب من حال المنافقين الذين يتخذون اليهود أولياء وينقلون إِليهم أسرار المؤمنين ويناصحونهم، والقوم اليهود وغضب الخ نعت قوماً وعدى تر بإِلى لمعنى تنتظر {مَا هُم} ما هؤلاء الذين تولوا القوم {مِنْكُمْ} فى نفس الأَمر يا معشر المؤمنين ولو أظهروا لكم أنهم منكم {وَلاَ مِنْهُمْ} من القوم المغضوب عليهم وهم اليهود، إِذ ليسوا على دينهم أيضاً فهم منافقون بين اليهود والمؤمنين. قال - صلى الله عليه وسلم - "حديث : مثل المنافق مثل الشاة العائرة بين غنمين" تفسير : أى المترددة لا تدرى بم تلحق وجوز ابن عطية أن يكون هم للقوم وهاء منهم للذين فيكون فعل المنافقين أخس، لأَنهم تولوا قوماً مغضوبا عليهم ليسوا من أنفسهم فيلزمهم ذمامهم، ولا من المحقين فتكون الموالاة صوابا. وهذا لا يتبادر إِلا أنه يناسبه رد الضمير إِلى أقرب وجملة ما هم الخ نعت آخر لقوماً على قول ابن عطية، كما هو ظاهر وعلى ما مر لجواز الربط بما اتصل بالمعطوف {وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ} عطف على تولوا فالتعجيب منسحب عليه ويجوز عطفه على ما هم منكم وعلى الكذب حال من الواو أو متعلق بيحلف أى ثابتين على الكذب أو يحلفون فى شأن الكذب والكذب هو فى حلفهم ويجوز أن يكون الكذب بمعنى المكذوب، به على أن المعنى على شئ غير واقع أنه واقع أو بالعكس. {وَهُمْ يَعْلَمُونَ} حال من واو يحلفون وفيه تشنيع عليهم بما هو من غاية القبح وهو حلفهم على خلاف الواقع وهذا الحلف حلفهم أن الإِسلام حق وإِنما كان كاذباً لأَنه مخالف لاعتقادهم، وقيل حلفهم ما شتموا النبى - صلى الله عليه وسلم - قعد مع أصحابه فى ظل حجرة من حجره قال "حديث : يأْتيكم إِنسان ينظر إِليكم بعينى شيطان فلا تكلموه، فجاء رجل أزرق فقال - صلى الله عليه وسلم -: "علام تشتمني أنت وأصحابك" فقال: ذرنى آتك بهم فأَتى بهم فحلفوا" تفسير : فنزلت الآية، وعن ابن عباس فنزل يوم يبعثهم الله جميعاً الآيتين. وفى رواية "حديث : يدخل عليكم رجل قلبه قلب جبار وينظر بعينى شيطان فدخل عبد الله بن نبتل أزرق أسمر قصيراً خفيف اللحية فقال - صلى الله عليه وسلم -: علام تشتمني"تفسير : إِلى آخر ما مر وهو ابن الحارث بن قيس الأَنصاري الأَوسي، وقيل هو صحابى ولعل القائل به لم يعلم بنفاقه أو علم بتوبته من نفاقه أو أراد أنه صحابى فى الظاهر.
الالوسي
تفسير : {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا نَاجَيْتُمُ ٱلرَّسُولَ} أي إذا أردتم المناجاة معه عليه الصلاة والسلام لأمر مّا من الأمور {فَقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً} أي فتصدقوا قبلها. وفي الكلام استعارة تمثيلية، وأصل التركيب يستعمل فيمن له يدان أو مكنية بتشبية النجوى بالإنسان، وإثبات اليدين تخييل، وفي {بَيْنَ } ترشيح على ما قيل، ومعناه قبل. وفي هذا الأمر تعظيم الرسول صلى الله عليه وسلم ونفع للفقراء وتمييز بين المخلص والمنافق ومحب الآخرة ومحب الدنيا ودفع للتكاثر عليه صلى الله عليه وسلم من غير حاجة مهمة، فقد روي عن ابن عباس وقتادة أن قوماً من المسلمين كثرت مناجاتهم للرسول عليه الصلاة والسلام في غير حاجة إلا لتظهر منزلتهم وكان صلى الله عليه وسلم سمحاً لا يرد أحداً فنزلت هذه الآية. وعن مقاتل أن الأغنياء كانوا يأتون النبي صلى الله عليه وسلم فيكثرون مناجاته ويغلبون الفقراء على المجالس حتى كره عليه الصلاة والسلام طول جلوسهم ومناجاتهم فنزلت. واختلف في أن الأمر للندب أو للوجوب لكنه نسخ بقوله تعالى: { أية : ءَأَشْفَقْتُمْ } تفسير : [المجادلة: 13] الخ، وهو وإن كان متصلاً به تلاوة لكنه غير متصل به نزولاً، وقيل: نسخ بآية / الزكاة والمعول عليه الأول. ولم يعين مقدار الصدقة ليجزي الكثير والقليل، أخرج الترمذي وحسنه وجماعة « حديث : عن علي كرم الله تعالى وجهه قال: لما نزلت {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا نَاجَيْتُمُ} الخ قال لي النبـي صلى الله عليه وسلم: ما ترى في دينار؟ قلت: لا يطيقونه، قال: نصف دينار؟ قلت: لا يطيقونه، قال: فكم؟ قلت: شعيرة، قال: فإنك لزهيد» فلما نزلت {ءَأَشْفَقْتُمْ} [المجادلة: 13] الآية قال صلى الله عليه وسلم: «خفف الله عن هذه الأمة» تفسير : ولم يعمل بها على المشهور غيره كرم الله تعالى وجهه، أخرج الحاكم وصححه وابن المنذر وعبد بن حميد وغيرهم عنه كرم الله تعالى وجهه أنه قال: إن في كتاب الله تعالى لآية ما عمل بها أحد قبلي ولا يعمل بها أحد بعدي آية النجوى {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ إِذَا نَـٰجَيْتُمُ ٱلرَّسُولَ } الخ كان عندي دينار فبعته بعشرة دراهم فكنت كلما ناجيت النبـي صلى الله عليه وسلم قدمت بين يدي نجواي درهماً ثم نسخت فلم يعمل بها أحد فنزلت {ءَأَشْفَقْتُمْ } الآية، قيل: وهذا على القول بالوجوب محمول على أنه لم يتفق للأغنياء مناجاة في مدة بقاء الحكم. واختلف في مدة بقائه، فعن مقاتل أنها عشرة ليال، وقال قتادة: ساعة من نهار، وقيل: إنه نسخ قبل العمل به ولا يصح لما صح آنفاً. وقرئ ـ صدقات ـ بالجمع لجمع المخاطبين. {ذٰلِكَ } أي تقديم الصدقات {خَيْرٌ لَّكُمْ } لما فيه من الثواب {وَأَطْهَرُ } وأزكى لأنفسكم لما فيه من تعويدها على عدم الاكتراث بالمال وإضعاف علاقة حبه المدنس لها، وفيه إشارة إلى أن في ذلك إعداد النفس لمزيد الاستفاضة من رسول الله صلى الله عليه وسلم عند المناجاة. وفي الكلام إشعار بندب تقديم الصدقة لكن قوله تعالى: {فَإِن لَّمْ تَجِدُواْ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } أي لمن لم يجد حيث رخص سبحانه له في المناجاة بلا تقديم صدقة أظهر إشعاراً بالوجوب.
ابن عاشور
تفسير : استئناف ابتدائي عاد به إلى ذكر بعض أحوال النجوى وهو من أحوالها المحمودة. والمناسبة هي قوله تعالى: {أية : وتناجوا بالبر والتقوى}تفسير : [المجادلة: 9]. فهذه الصدقة شرعها الله تعالى وجعل سببها مناجاة الرسول صلى الله عليه وسلم فذكرت عقب آي النجوى لاسْتيفاء أنواع النجوى من محمود ومذموم. وقد اختلف المتقدمون في سبب نزول هذه الآية، وحكمة مشروعية صدقة المناجاة. فنقلت عن ابن عباس وقتادة وجابر بن زياد وزيد بن أسلم ومقاتل أقوال في سبب نزولها متخالفة، ولا أحسبهم يريدون منها إلا حكاية أحوال للنجوى كانت شائعة، فلما نزل حكم صدقة النجوى أقلّ الناس من النجوى. وكانت عبارات الأقدمين تجري على التسامح فيطلقون على أمثلة الأحكام وجزئيات الكليات اسمَ أسباب النزول، كما ذكرناها في المقدمة الخامسة من مقدمات هذا التفسير، وأمسك مجاهد فلم يذكر لهذه الآية سبباً واقتصر على قوله: نهوا عن مناجاة الرسول حتى يتصدّقُوا. والذي يظهر لي: أن هذه الصدقة شرعها الله وفرضها على من يجد ما يتصدق به قبل مناجاة الرسول صلى الله عليه وسلم وأسقطها عن الذين لا يجدون ما يتصدقون به، وجعل سببها ووقتَها هو وقت توجههم إلى مناجاة الرسول صلى الله عليه وسلم وكان المسلمون حريصين على سؤال رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أمور الدين كل يوم فشرع الله لهم هذه الصدقة كل يوم لنفع الفقراء نفعاً يومياً، وكان الفقراء أيامئذٍ كثيرين بالمدينة منهم أهل الصُفّة ومعظم المهاجرين الذين أُخرجوا من ديارهم وأموالهم. والأظهر أن هذه الصدقة شرعت بعد الزكاة فتكون لحكمة إغناء الفقراء يوماً فيوماً لأن الزكاة تدفع في رؤوس السنين وفي مُعيَّن الفصول، فلعل ما يصل إلى الفقراء منها يستنفدونه قبل حلول وقت الزكاة القابلة. وعن ابن عباس: أن صدقة المناجاة شرعت قبل شرع الزكاة ونسخت بوجوب الزكاة، وظاهر قوله في الآية التي بعدها {أية : فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة}تفسير : [المجادلة: 13] أن الزكاة حينئذٍ شَرْع مفرد معلوم، ولعل ما نقل عن ابن عباس إن صح عنه أراد أنها نسخت بالاكتفاء بالزكاة. وقد تعددت أخبار مختلفة الأسانيد تتضمن أن هذه الآية لم يدم العمل بها إلا زمناً قليلاً، قيل: إنه عشرة أيام. وعن الكلبي قال: كان ساعة من نهار، أي أنها لم يدم العمل بها طويلاً إن كان الأمر مراداً به الوجوب وإلا فإن ندب ذلك لم ينقطع في حياة النبي صلى الله عليه وسلم لتكون نفس المؤمن أزكى عند ملاقاة النبي مثل استحباب تجديد الوضوء لكل صلاة. وتضافرت كلمات المتقدمين على أن حكم الأمر في قوله: {فقدِّموا بين يدي نجواكم صدقة} قد نسخه قوله: {أية : فإذ لم تفعلوا وتاب الله عليكم}تفسير : [المجادلة: 13] الآية. وهذا مؤذن بأن الأمر فيها للوجوب. وفي تفسير القرطبي وأحكام ابن الفرس حكاية أقوال في سبب نزول هذه الآية تحوم حول كون هذه الصدقة شرعت لصرف أصناف من الناس عن مناجاة النبي صلى الله عليه وسلم إذ كانوا قد ألحَفُوا في مناجاته دون داع يدعوهم فلا ينثلج لها صدر العالم لضعفها سنداً ومعنى، ومنافاتها مقصد الشريعة. وأقرب ما روي عن خبر تقرير هذه الصدقة ما في «جامع الترمذي» عن علي بن علقمة الأنماري عن حديث : علي بن أبي طالب قال: لما نزلت {يا أيها الذين آمنوا إذا ناجيتم الرسول فقدموا بين يدي نجواكم صدقة} قال لي النبي صلى الله عليه وسلم «ما ترى ديناراً؟ قلت: لا يطيقونه، قال فنصف دينار؟ قلت: لا يطيقونه. قال: فكم؟ قلت: شعيرة» قال الترمذي: أي وزن شعيرة من ذهب. قال: إنك لزهيد فنزلت: {أأشفقتم أن تقدموا بين يدي نجواكم صدقات} [المجادلة: 13] الآية. قال: «فبي خفف الله عن هذه الأمة»تفسير : . قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب، إنما نعرفه من هذا الوجه اهـ. قلت: علي بن علقمة الأنماري قال البخاري: في حديثه نظر، ووثقه ابن حبان. وقال ابن الفرس: صححوا عن علي أنه قال: «ما عمل بها أحد غيري». وساق حديثاً. ومحمل قول علي «فبي خفف الله عن هذه الأمة»، أنه أراد التخفيف في مقدار الصدقة من دينار إلى زنة شعيرة من ذهب وهي جزء من اثنين وسبعين جزءاً من أجزاء الدينار. وفعل {ناجيتم} مستعمل في معنى إرادة الفعل كقوله: {أية : يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم}تفسير : [المائدة: 6] الآية. وقوله تعالى: {أية : فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم}تفسير : [النحل: 98]. والقرينة قوله: {فقدموا بين يدي نجواكم}. والجمهور على أن الأمر في قوله: {فقدموا} للوجوب، واختاره الفخر ورجحه بأنه الأصل في صيغة الأمر، وبقوله: {فإن لم تجدوا فإن الله غفور رحيم} فإن ذلك لا يقال إلا فيما بفقده يزول الوجوب. ويناسب أن يكون هذا هو قول من قال: إن هذه الصدقة نسخت بفرض الزكاة، وهو عن ابن عباس. وقال فريق: الأمر للندب وهو يناسب قول من قال: إن فرض الزكاة كان سابقاً على نزول هذه الآية فإن شرع الزكاة أبطَل كلَّ حقّ كان واجباً في المال. و{بين يدي نجواكم} معناه: قبل نجواكم بقليل، وهي استعارة تمثيلية جرت مجرى المثل للقرب من الشيء قبيل الوصول إليه. شبهت هيئة قرب الشيء من آخر بهيئة وصول الشخص بين يدي من يرد هو عليه تشبيه معقول بمحسوس. ويستعمل في قرب الزمان بتشبيه الزمان بالمكان كما هنا وهو كقوله تعالى: {أية : يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم}تفسير : وقد تقدم في سورة [البقرة: 255]. والإِشارة بـ{ذلك خير لكم} إلى التقديم المفهوم من «قدموا» على طريقة قوله: {أية : اعدِلُوا هو أقرب للتقوى}تفسير : [المائدة: 8]. وقوله: {ذلك خير لكم وأطهر} تعريف بحكمة الأمر بالصدقة قبل نجوى الرسول صلى الله عليه وسلم ليرغب فيها الراغبون. و{خير} يجوز أن يكون اسم تفضيل، أصله: أَخْير وهو المزاوج لقوله: {وأطهر} أي ذلك أشد خيرية لكم من أن تناجوا الرسول صلى الله عليه وسلم بدون تقديم صدقة، وإن كان في كلّ خير. كقوله: {أية : وإن تُخْفُوها وتُؤتوها الفقراء فهو خير لكم}تفسير : [البقرة: 271]. ويجوز أن يكون اسماً على وزن فَعْل وهو مقابل الشَّر، أي تقديم الصدقة قبل النجوى فيه خير لكم وهو تحصيل رضى الله تعالى في حين إقبالهم على رسوله صلى الله عليه وسلم فيحصل من الانتفاع بالمناجاة ما لا يحصل مثله بدون تقديم الصدقة. وأما {أطهر} فهو اسم تفضيل لا محالة، أي أطْهر لكم بمعنى: أشد طهراً، والطهر هنا معنوي، وهو طهر النفس وزكاؤها لأن المتصدق تتوجه إليه أنوار ربانية من رضى الله عنه فتكون نفسه زكية كما قال تعالى: {أية : تُطَهِّرهم وتُزَكِّيهم بها}تفسير : [التوبة: 103]. ومنه سميت الصدقة زكاة. وصفة هذه الصدقة أنها كانت تعطى للفقير حين يعمد المسلم إلى الذهاب إلى النبي صلى الله عليه وسلم ليناجيه. وعذَر الله العاجزين عن تقديم الصدقة بقوله: {فإن لم تجدوا فإن الله غفور رحيم} أي فإن لم تجدوا ما تتصدقون به قبل النجوى غفر الله لكم المغفرةَ التي كانت تحصل لكم لو تصدقتم لأن من نوى أن يفعل الخير لو قدر عليه كان له أجر على نيته. وأما استفادة أن غير الواجد لا حرج عليه في النجوى بدون صدقة فحاصلة بدلالة الفحوى لأنه لا يترك مناجاة الرسول صلى الله عليه وسلم فإن إرادة مناجاته الرسول صلى الله عليه وسلم ليست عبثاً بل لتحصيل علم من أمور الدين. وأما قوله: {رحيم} فهو في مقابلة ما فات غير الواجد ما يتصدق به من تزكية النفس إشعاراً له بأن رحمة الله تنفعه. واتفق العلماء على أن حكم هذه الآية منسوخ.
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 12- يا أيها الذين صدَّقوا بالله ورسوله: إذا أردتم مناجاة رسول الله فقدِّموا قبل مناجاتكم صدقة، ذلك خير لكم وأطهر لقلوبكم، فإن لم تجدوا ما تتصدقون به فإن الله واسع المغفرة شامل الرحمة. 13- أخشيتم أن تلتزموا تقديم صدقات أمام مناجاتكم رسول الله؟ فإذا لم تقدموا وعفا الله عنكم فحافظوا على إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، وأطيعوا الله ورسوله، والله خبير بعملكم فيجازيكم عليه. 14- ألم تر - أيها الرسول - إلى المنافقين الذين وَالَوْا قوماً غضب الله عليهم. ما هؤلاء الموالون منكم ولا ممن وَالوُهم، ويحلفون على الكذب مع علمهم بأنهم كاذبون. 15- أعد الله لهؤلاء المنافقين عذاباً بالغ الشدة. إنهم ساء ما كانوا يعملون من النفاق والحلف على الكذب. 16- اتخذوا أيمانهم وقاية لأنفسهم من القتل ولأولادهم من السبى، ولأموالهم من الغنيمة، فَصَدّوا بذلك عن سبيل الله، فلهم عذاب شديد الإهانة. 17- لن تدفع عنهم أموالهم ولا أولادهم من عذاب الله شيئاً. أولئك أهل النار هم فيها مخلدون.
د. أسعد حومد
تفسير : {يٰأَيُّهَا} {آمَنُواْ} {نَاجَيْتُمُ} {نَجْوَاكُمْ} (12) - يَأْمُرُ اللهُ تَعَالَى المُؤْمِنِينَ الذِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يُحَدِّثُوا رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم فِيمَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهُ، (أَيْ مُسَارَّةً)، أَنْ يُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ ذَلِكَ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ، وَتُؤَهِّلُهُمْ لِبُلَوغِ هَذَا المُقَامِ، وَفِي تَقدِيمِ هَذِهِ الصَّدَقَةِ بَيْنَ يَدَيْ مُنَاجَاةِ الرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم ثَوَابٌ عَظِيمٌ عِنْدَ اللهِ، وَتَزْكِيَةٌ لِلنُّفُوسِ، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ، مَنْ يُرِيدُ مُنَاجَاةَ الرَّسُولِ، مِمَّنْ يَمْلِكُونَ شَيْئاً يَسْتَطِيعُونَ التَّصَدُّقَ بِهِ فَلاَ حَرَجَ عَلَيهِ إِذَا لَمْ يَتَصَدّقْ، وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ. وَقَدْ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ لِلتَّخْفِيفِ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم مِنَ السُّؤَالِ فَقَدْ سَأَلَهُ قَوْمٌ حَتَّى شَقُّوا عَلَيهِ، فَأَرَادَ اللهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْهُ.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا نَاجَيْتُمُ ٱلرَّسُولَ فَقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً} [المجادلة: 12] يعني: أيتها القوى المؤمنة إذا أردتم أن تذكروا الذكر الخفي وتناجوا اللطيفة الخفية، فقدموا الذكر القلبي والسري والروحي والخفي تصدقاً عن الأيتام والمساكين والفقراء: {ذَلِكَ} [المجادلة: 12] يعني: هذه الأذكار التي تتصدق بها عن القوى القلبية والسرية والروحية والخفية {خَيْرٌ لَّكُمْ وَأَطْهَرُ} [المجادلة: 12] لقلوبكم ولمجاري ذكركم ليذكروا الذكر الخفي وتناجوا اللطيفة الخفية بطهارة تامة قلبية ولسانية: {فَإِن لَّمْ تَجِدُواْ} [المجادلة: 12] الفرصة والاستطاعة لنزول سلطان الذكر الخفي ودنو اللطيفة الخفية {فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [المجادلة: 12] يعني: يغفر لكم ترك التصدق بالذكر؛ لضيق الوقت، ويرحم على عجزكم {ءَأَشْفَقْتُمْ أَن تُقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ} [المجادلة: 13] يعني: خفتم من الفقر بالتصدق على القوى القلبية والسرية والروحية والخفية؛ لترككم الاكتساب بالأعمال الظاهرة {فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُواْ} [المجادلة: 13] ما أمرتم به لخوفكم على ترك أعمالكم الظاهرة، فأنتم معفوون؛ لأنه تعالى: {وَتَابَ ٱللَّهُ عَلَيْكُمْ} [المجادلة: 13]؛ لقلة عملكم بالتصدق، وبأن الاشتغال بالذكر القلبي والسري والروحي والخفي أفضل من اشتغالكم بالأعمال الظاهرة {فَأَقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ وَآتُواْ ٱلزَّكَاةَ وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ} [المجادلة: 13] يعني: اشتغلوا بالطاعات الظاهرة وأطيعوا أمر الله الحق واللطيفة في مراعاة أحوالكم وأعمالكم في الظاهر والباطن إن لم تكونوا من أولي العلم اللدني ومن أصحاب الذكر القلبي والسري والروحي والخفي، وهذه آية مبشرة للضعفة والعجزة من القوى المؤمنة النفسية إذا آمنت باللطيفة، وما قدرت على التجاوز عن مقاماتهم، وأذكارهم القالبية والنفسية إن الله يرحمهم، ويتوب عليهم، ويدخلهم في زمرتهم؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : المرء مع من أحب"تفسير : بشرطين: لا تكون منكراً للواصلين أهل القوة والعزيمة لقصورهم عن مرتبتهم حسداً وجهلاً؛ بل يتواضعون لهم ويتقربون إليهم ويذرون همهم لئلا يرحمهم الله عما رزقهم، ولا يحرم إن شاء الله الصادقين من المستضعفين {وَٱللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} [المجادلة: 13] يعني: مطلع على الاستعدادات المودعة فيكم، وعلى قواكم المعطية لكم مما بها تطيقون العمل {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ تَوَلَّوْاْ قَوْماً} [المجادلة: 14] يعني: تولت القوة النفسية المنافقة عن اللطيفة الخفية، وعصوا أمرها بأن اتخذت القوى السرية الجاحدة أولياء {غَضِبَ ٱللَّهُ عَلَيْهِم} [المجادلة: 14] يعني: اتفاقهم وإظهارهم خلاف ما في ضمائرهم {مَّا هُم مِّنكُمْ} [المجادلة: 14] لأنهم تولوا عن اللطفة وأتوا أمره في الظاهر والباطن {وَلاَ مِنْهُمْ} [المجادلة: 14] يعني: لا من القوى الكافرة القالبية أن المنافقين في الدرك الأسفل من النار؛ لزيادة شعور حصل لهم من نفاقهم في مقام التلوين {وَيَحْلِفُونَ عَلَى ٱلْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} [المجادلة: 14] أنهم يكذبون في حلفهم.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : يأمر تعالى المؤمنين بالصدقة، أمام مناجاة رسوله محمد صلى الله عليه وسلم تأديبا لهم وتعليما، وتعظيما للرسول صلى الله عليه وسلم، فإن هذا التعظيم، خير للمؤمنين وأطهر أي: بذلك يكثر خيركم وأجركم، وتحصل لكم الطهارة من الأدناس، التي من جملتها ترك احترام الرسول صلى الله عليه وسلم والأدب معه بكثرة المناجاة التي لا ثمرة تحتها، فإنه إذا أمر بالصدقة بين يدي مناجاته صار هذا ميزانا لمن كان حريصا على الخير والعلم، فلا يبالي بالصدقة، ومن لم يكن له حرص ولا رغبة في الخير، وإنما مقصوده مجرد كثرة الكلام، فينكف بذلك عن الذي يشق على الرسول، هذا في الواجد للصدقة، وأما الذي لا يجد الصدقة، فإن الله لم يضيق عليه الأمر، بل عفا عنه وسامحه، وأباح له المناجاة، بدون تقديم صدقة لا يقدر عليها. ثم لما رأى تبارك وتعالى شفقة المؤمنين، ومشقة الصدقات عليهم عند كل مناجاة، سهل الأمر عليهم، ولم يؤاخذهم بترك الصدقة بين يدي المناجاة، وبقي التعظيم للرسول والاحترام بحاله لم ينسخ، لأن هذا الحكم من باب المشروع لغيره، ليس مقصودا لنفسه، وإنما المقصود هو الأدب مع الرسول والإكرام له، وأمرهم تعالى أن يقوموا بالمأمورات الكبار المقصودة بنفسها، فقال: { فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا } أي: لم يهن عليكم تقديم الصدقة، ولا يكفي هذا، فإنه ليس من شرط الأمر أن يكون هينا على العبد، ولهذا قيده بقوله: { وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ } أي: عفا لكم عن ذلك، { فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ } بأركانها وشروطها، وجميع حدودها ولوازمها، { وَآتُوا الزَّكَاةَ } المفروضة [في أموالكم] إلى مستحقيها. وهاتان العبادتان هما أم العبادات البدنية والمالية، فمن قام بهما على الوجه الشرعي، فقد قام بحقوق الله وحقوق عباده، [ولهذا قال بعده:] { وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ } وهذا أشمل ما يكون من الأوامر. ويدخل في ذلك طاعة الله [وطاعة] رسوله، بامتثال أوامرهما واجتناب نواهيهما، وتصديق ما أخبرا به، والوقوف عند حدود الله. والعبرة في ذلك على الإخلاص والإحسان، ولهذا قال: { وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ } فيعلم تعالى أعمالهم، وعلى أي: وجه صدرت، فيجازيهم على حسب علمه بما في صدورهم.
همام الصنعاني
تفسير : 3177- حدثنا عبد الرزاق، عن ابن عُيَيْنَة، عن (سليمان الأحْوَل)، عن مجاهِد في قوله تعالى: {فَقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً}: [الآية: 12]، قال: أُمِرُوا أن لا يناجي أحد النبي صلى الله عليه وسلم حتى يتصدق بين يدي ذَلِك، فكان أول مَنْ تصدق بين ذلك عليّ بن أبي طالب فناجاه، فلم يانجه أَحَدٌ غيره. ثم نزلت الرخصة: {ءَأَشْفَقْتُمْ أَن تُقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ}: [الآية: 13]. 3178- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن أيوب، عن مُجاهد، في قوله: {إِذَا نَاجَيْتُمُ ٱلرَّسُولَ فَقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ}: [الآية: 12]، قال عليّ: ما عمل بهذا أحد غيري، حتى نُسِخَت. قال: أحسبه قال: ومَا كَانَتْ إلاَّ سَاعَةً. 3179- عبد الرزاق، عن معمر، عن الكلبي وقتادة، في قوله تعالى: {إِذَا نَاجَيْتُمُ ٱلرَّسُولَ فَقَدِّمُواْ}: [الآية: 12]، إنها منسوخة. قالا: ما كانت إلا ساعةً من نهار. 3180- قال عبد الرزاق، قال معمر، وقال الكلبي: جاء عليّ بدينارٍ فتصدق به وكلم النبي صلى الله عليه وسلم، وأمسك الناسُ عن كلام النبي صلى الله عليه وسلم، ثم نزل التخفيف فقال: {ءَأَشْفَقْتُمْ أَن تُقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ}: [الآية: 13]، حتى بلغ: {خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ}: [الآية: 13].
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):