Verse. 5117 (AR)

٥٨ - ٱلْمُجَادِلَة

58 - Al-Mujadila (AR)

ءَ اَشْفَقْتُمْ اَنْ تُقَدِّمُوْا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوٰىكُمْ صَدَقٰتٍ۝۰ۭ فَاِذْ لَمْ تَفْعَلُوْا وَتَابَ اللہُ عَلَيْكُمْ فَاَقِيْمُوا الصَّلٰوۃَ وَ اٰتُوا الزَّكٰوۃَ وَاَطِيْعُوا اللہَ وَرَسُوْلَہٗ۝۰ۭ وَاللہُ خَبِيْرٌۢ بِمَا تَعْمَلُوْنَ۝۱۳ۧ
Aashfaqtum an tuqaddimoo bayna yaday najwakum sadaqatin faith lam tafAAaloo wataba Allahu AAalaykum faaqeemoo alssalata waatoo alzzakata waateeAAoo Allaha warasoolahu waAllahu khabeerun bima taAAmaloona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«أأشفقتم» بتحقيق الهمزتين وإبدال الثانية ألفا وتسهليها وإدخال ألف بين المسهلة والأخرى وتركه، أي خفتم من «أن تقدِّموا بين يدي نجواكم صدقات» لفقر «فإذا لم تفعلوا» الصدقة «وتاب الله عليكم» رجع بكم عنها «فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وأطيعوا الله ورسوله» أي داوموا على ذلك «والله خبير بما تعملون».

13

Tafseer

الرازي

تفسير : والمعنى أخفتم تقديم الصدقات لما فيه من إنفاق المال، فإذ لم تفعلوا ما أمرتم به وتاب الله عليكم ورخص لكم في أن لا تفعلوه، فلا تفرطوا في الصلاة والزكاة وسائر الطاعات. فإن قيل: ظاهر الآية يدل على تقصير المؤمنين في ذلك التكليف، وبيانه من وجوه أولها: قوله: {أأشفقتم أَن تُقَدّمُواْ } وهو يدل على تقصيرهم وثانيها: قوله: {فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُواْ } وثالثها: قوله: {وَتَابَ ٱللَّهُ عَلَيْكُمْ } قلنا: ليس الأمر كما قلتم، وذلك لأن القوم لما كلفوا بأن يقدموا الصدقة ويشغلوا بالمناجاة، فلا بد من تقديم الصدقة، فمن ترك المناجاة يكون مقصراً، وأما لو قيل بأنهم ناجوا من غير تقديم الصدقة، فهذا أيضاً غير جائز، لأن المناجاة لا تمكن إلا إذا مكن الرسول من المناجاة، فإذا لم يمكنهم من ذلك لم يقدروا على المناجاة، فعلمنا أن الآية لا تدل على صدور التقصير منهم، فأما قوله: {أَءشْفَقْتُمْ } فلا يمتنع أن الله تعالى علم ضيق صدر كثير منهم عن إعطاء الصدقة في المستقبل لو دام الوجوب، فقال هذا القول، وأما قوله: {وَتَابَ ٱللَّهُ عَلَيْكُمْ } فليس في الآية أنه تاب عليكم من هذا التقصير، بل يحتمل أنكم إذا كنتم تائبين راجعين إلى الله، وأقمتم الصلاة وآتيتم الزكاة، فقد كفاكم هذا التكليف، أما قوله: {وَٱللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ } يعني محيط بأعمالكم ونياتكم.

القرطبي

تفسير : فيه مسألتان: الأولى: قوله تعالى: {أَأَشْفَقْتُمْ} ٱستفهام معناه التقرير. قال ٱبن عباس: {أَأَشْفَقْتُمْ} أي أبخلتم بالصدقة؛ وقيل: خفتم، والإشفاق الخوف من المكروه. أي خفتم وبخلتم بالصدقة وشق عليكم {أَن تُقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ}. قال مقاتل بن حيان: إنما كان ذلك عشر ليالٍ ثم نسخ. وقال الكلبي: ما كان ذلك إلا ليلة واحدة. وقال ٱبن عباس: ما بقي إلا ساعة من النهار حتى نسخ. وكذا قال قتادة. والله أعلم. الثانية: قوله تعالى: {فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُواْ وَتَابَ ٱللَّهُ عَلَيْكُمْ} أي نسخ الله ذلك الحكم. وهذا خطاب لمن وجد ما يتصدّق به {فَأَقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ وَآتُواْ ٱلزَّكَاةَ} فنسخت فرضية الزكاة هذه الصدقة. وهذا يدل على جواز النسخ قبل الفعل، وما روي عن عليّ رضي الله عنه ضعيف؛ لأن الله تعالى قال: {فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُواْ} وهذا يدل على أن أحداً لم يتصدّق بشيء. والله أعلم. {وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ} في فرائضه {وَرَسُولَهُ} في سننه {وَٱللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ}.

المحلي و السيوطي

تفسير : {ءَأَشْفَقْتُمْ } بتحقيق الهمزتين وإبدال الثانية ألفاً وتسهيلها وإدخال ألف بين المسهلة والأخرى وتركه، أي خفتم من {أَن تُقَدّمُواْ بَيْنَ يَدَىْ نَجْوٰكُمْ صَدَقَٰتٍ } لفقر {فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُواْ } الصدقة {وَتَابَ ٱللَّهُ عَلَيْكُمْ } رجع بكم عنها {فأَقِيمُواْ ٱلصَلَٰوةِ وَءَاتُواْ ٱلزَّكـَٰوةِ وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ} أي دوموا على ذلك {وَٱللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ }.

ابن عطية

تفسير : الإشفاق: الفزع من العجز عن الشيء المتصدق به أو من ذهاب المال في الصدقة وله وجوه كثيرة يقال فيها الإشفاق، لكنه في هذا الموضع كما ذكرت، {وتاب الله عليكم} معناه: رجع بكم، وقوله {فأقيموا الصلاة} الآية المعنى دوموا على هذه الأعمال التي هي قواعد شرعكم ومن قال إن هذه الصدقة منسوخة بآية الزكاة، فقوله ضعيف لا يحصل كيف النسخ، وما ذكر في نحو هذا عن ابن عباس لا يصح عنه والله أعلم، وقوله تعالى: {ألم تر إلى الذين تولوا} نزلت في قوم من المنافقين تولوا قوماً من اليهود وهم المغضوب عليهم، وقال الطبري: {ما هم} يريد به المنافقين و {منكم} يريد به المؤمنين و {منهم} يريد به اليهود. قال القاضي أبو محمد: وهذا التأويل يجري مع قوله تعالى: {أية : مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء} تفسير : [النساء: 143]، ومع قوله عليه السلام: "حديث : مثل المنافق مثل الشاة العائرة بين الغنمين لأنه مع المؤمنين بقوله ومع الكافرين بقلبه" تفسير : ،ولكن هذه الآية تحتمل تأويلاً آخر وهو أن يكون قوله {ما هم} يريد به اليهود، وقوله: {ولا منهم} يريد به المنافقين فيجيء فعل المنافقين على هذا التأويل أحسن لأنهم تولوا قوماً مغضوباً عليهم ليسوا من أنفسهم فيلزمهم ذمامهم ولا من القوم المحقين فتكون الموالاة صواباً. وقوله {يحلفون} يعني المنافقين لأنهم كانوا إذا وقفوا على ما يأتون به من بغض النبي صلى الله عليه وسلم وشتمه وموالاة عدوه حلفوا أنهم لا يفعلون ذلك واستسهلوا الحنث، ورويت من هذا نوازل كثيرة اختصرتها إيجازاً وإذا تتبعت في المصنفات وجدت كقول ابن أبي لئن رجعنا إلى المدينة وحلفه على أنه لم يقل وغير ذلك، والعذاب الشديد هو عذاب الآخرة. وقرأ جمهور الناس: "أيمانهم" جمع يمين. وقرأ الحسن بن أبي الحسن: "إيمانهم"، أي يظهرونه من الإيمان والجنة: ما يتستر به ويتقي المحذور، ومنه المجن: وهو الترس: وقوله {فصدوا عن سبيل الله} يحتمل أن يكون الفعل غير متعد كما تقول صد زيد، أي صدوا هم أنفسهم عن سبيل الله والإيمان برسوله، ويحتمل أن يكون متعدياً أي صدوا غيرهم من الناس عن الإيمان ممن اقتدى بهم وجرى في مضمارهم، ويحتمل أن يكون المعنى {فصدوا} المسلمين عن قتلهم، وتلك {سبيل الله} فيهم لكن ما أظهروه من الإيمان صدوا به المسلمين عن ذلك، والمهين: المذل من الهوان.

الخازن

تفسير : {أأشفقتم أن تقدموا بين يدي نجواكم صدقات} الآية قال فبي خفف الله عن هذه الأمة أخرجه الترمذي وقال حديث حسن غريب قوله قلت شعيره أي وزن شعيرة من ذهب وقوله إنك لزهيد يعني قليل المال قدرت على قدر حالك. فإن قلت في هذه الآية منقبة عظيمة لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه إذ لم يعمل بها أحد غيره. قلت هو كما قلت وليس فيها طعن على غيره من الصحابة ووجه ذلك أن الوقت لم يتسع ليعملوا بهذه الآية ولو اتسع الوقت لم يتخلفوا عن العمل بها وعلى تقدير اتساع الوقت ولم يفعلوا ذلك إنما هو مراعاة لقلوب الفقراء الذين لم يجدوا ما يتصدقون به لو احتاجوا إلى المناجاة فيكون ذلك سبباً لحزن الفقراء إذ لم يجدوا ما يتصدقون به عند مناجاته ووجه آخر وهو أن هذه المناجاة لم تكن من المفروضات ولا من الواجبات ولا من الطاعات المندوب إليها بلى إنما كلفوا هذه الصدقة ليتركوا هذه المناجاة ولما كانت هذه المناجاة أولى بأن تترك لم يعملوا بها وليس فيها طعن على أحد منهم، وقوله: {ذلك خير لكم} يعني تقديم الصدقة على المناجاة لما فيه من طاعة الله وطاعة رسوله {وأطهر} أي لذنوبكم {فإن لم تجدوا} يعني الفقراء الذين لا يجدون ما يتصدقون به {فإن الله غفور رحيم} يعني أنه تعالى رفع عنهم ذلك {أأشفقتم} قال ابن عباس أبخلتم والمعنى أخفتم العيلة والفاقة إن قدمتم وهو قوله {أن تقدموا بين يدي نجواكم صدقات فإذ لم تفعلوا} أي ما أمرتم به، {وتاب الله عليكم} أي تجاوز عنكم ونسخ الصدقة قال مقاتل بن حيان كان ذلك عشر ليال ثم نسخ، وقال الكلبي ما كان إلا ساعة من نهار ثم نسخ {فأقيموا الصلاة} أي المفروضة {وآتوا الزكاة} أي الواجبة {وأطيعوا الله ورسوله} أي فيما أمر ونهى {والله خبير بما تعملون} أي إنه محيط بأعمالكم ونيتكم. قوله عز وجل: {ألم تر إلى الذين تولوا قوماً غضب الله عليهم} نزلت في المنافقين وذلك أنهم تولوا اليهود ونصحوهم ونقلوا أسرار المؤمنين إليهم فأراد بقوله قوماً غضب الله عليهم اليهود {ما هم} يعني المنافقين {منكم} أي من المؤمنين في الدين والولاء {ولا منهم} يعني ولا من اليهود {ويحلفون على الكذب وهم يعلمون} أي أنهم كذبة "حديث : نزلت في عبد الله بن نبتل المنافق وكان يجالس رسول الله صلى الله عليه وسلم ويرفع حديثه إلى اليهود فبينا رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجرة من حجره إذ قال يدخل عليكم الآن رجل قلبه قلب جبار ينظر بعيني شيطان فدخل عبد الله بن نبتل وكان أزرق العينين فقال له النبي صلى الله عليه وسلم علام تشتمني أنت وأصحابك فحلف بالله ما فعل وجاء بأصحابه فحلفوا بالله ما سبوه فأنزل الله هذه الآية" تفسير : {أعد الله لهم عذاباً شديداً إنهم ساء ما كانوا يعملون اتخذوا أيمانهم} يعني الكاذبة {جنة} أي يستجنون بها من القتل ويدفعون بها عن أنفسهم وأموالهم {فصدوا عن سبيل الله} يعني أنهم صدوا المؤمنين عن جهادهم بالقتل وأخذ أموالهم بسبب أيمانهم، وقيل معناه صدوا الناس عن دين الله الذي هو الإسلام {فلهم عذاب مهين} يعني في الآخرة.

الثعالبي

تفسير : وقوله سبحانه: {ءَأَشْفَقْتُمْ...} الآية: الإشفاق: هنا الفزع من العجز عن الشيء المتصدق به، أو من ذهاب المال في الصدقة. وقوله: {فَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَٰوةَ...} الآية: المعنى: دوموا على هذه الأعمال التي هي قواعِدُ شرعكم، ومَنْ قال: إنْ هذه الصدقة منسوخة بآية الزكاة؛ فقوله ضعيف. وقوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ تَوَلَّوْاْ}: نزلت في قوم من المنافقين، تولوا قوماً من اليهود، وهمُ المغضوب عليهم، قال الطبري: {مَّا هُم مِّنكُمْ}: يريد به المنافقين {وَلاَ مِنْهُمْ} أي: ولا من اليهود، وهذا التأويل يجري مع قوله تعالى: {أية : مُّذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذٰلِكَ لاَ إِلَىٰ هَـؤُلاءِ وَلاَ إِلَى هَـؤُلاءِ }تفسير : [النساء:143] كالشاة العائرة بين الغنمين، وتحتمل الآية تأويلاً آخرَ، وهو أَنْ يكونَ قوله: {مَّـا هُم} يريد به اليهودَ {وَلاَ مِنْهُمْ} يريد به المنافقين، {وَيَحْلِفُونَ}: يعني المنافقين، وقرأ الحسن: {ٱتَّخَذْواْ أَيْمَـٰنَهُمْ} ـــ بكسر الهمزة ـــ، والجُنَّةُ: ما يُتَسَتَّرُ به، ثم أخبر تعالى عن المنافقين في هذه الآية أَنَّهُ ستكون لهم أيمان يومَ القيامة بين يدي اللَّه تعالى، يخيل إليهم بجهلهم أَنَّها تنفعهم، وتُقْبَلُ منهم، وهذا هو حسابهم {أَنَّهُمْ عَلَىٰ شَىْءٍ} أي: على شيء نافع لهم.

البقاعي

تفسير : ولما دل ختم الآية على التخفيف، وكان قد يدعي مدعون عدم الوجدان كذباً فيحصل لهم حرج، وكان تعالى شديد العناية بنجاة هذه الأمة، دل على لطفه بهم بنسخه بعد فرضه. فقال موبخاً لمن يشح على المال نادباً إلى الخروج عنه من غير إيجاب: {أأشفقتم} أي خفتم من العيلة لما يعدكم به الشيطان من الفقر خوفاً كاد أن يفطر قلوبكم {أن تقدموا} أي بإعطاء الفقراء وهم إخوانكم {بين يدي نجواكم} أي للرسول صلى الله عليه وسلم، وجمع لأنه أكثر توبيخاً من حيث إنه يدل على أن النجوى تتكرر، وذلك يدل على عدم خوفهم من مشقة النبي صلى الله عليه وسلم من ذلك ووجود خوفهم من فعل التصدق فقال: {صدقات} وكان بعضهم ترك وهو واجد فبين سبحانه رحمته لهم بنسخها عنهم لذلك في موضع العقاب لغيرهم عند الترك. ولما كان من قبلنا إذا كلفوا الأمر الشاق وحملوا على التزامه بمثل رفع الجبل فوقهم، فإذا خالفوا عوقبوا، بين فضل هذه الأمة بأنه خفف عنهم، فقال معبراً بما قد يعشر بأن بعضهم ترك عن قدرة: {فإذ} أي فحين {لم تفعلوا} أي ما أمرتم به من الصدقة للنجوى بسبب هذا الإشفاق {وتاب الله} أي الملك الأعلى الذي كان من شأن ما هو عليه من العظمة أن يعاقب من ترك أمره {عليكم} أي رجع بمن ترك الصدقة عن وجدان، وبمن تصدق وبمن لم يجد إلى مثل حاله قبل ذلك من سعة الإباحة والعفو والتجاوز والمعذرة والرخصة والتخفيف قبل الإيجاب ولم يعاقبكم على الترك ولا على ظهور اشتغال ذلك منكم، قال مقاتل بن حيان: كان ذلك عشر ليال ثم نسخ، وقال الكلبي: ما كانت إلا ساعة من نهار. وعلى كل منهما فهي لم تتصل بما قبلها نزولاً وإن اتصلت بها تلاوة وحلولاً {فأقيموا} بسبب العفو عنكم شكراً على هذا الكرم والحلم {الصلاة} التي هي طهرة لأرواحكم ووصلة لكم بربكم {وآتوا الزكاة} التي هي نزاهة لأبدانكم وتطهير ونماء لأموالكم وصلة بإخوانكم، ولا تفرطوا في شيء من ذلك فتهملوه، فالصلاة نور تهدي إلى المقاصد الدنيوية والأخروية، وتعين على نوائب الدارين، والصدقة برهان على صحة القصد في الصلاة. ولما خص أشرف العبادات البدنية وأعلى المناسك المالية، عم فقال حاثاً على زيادة النور والبرهان اللذين بهما تقع المشاكلة في الأخلاق فتكون المناجاة عن أعظم إقبال وإنفاق فقال: {وأطيعوا الله} أي الذي له الكمال كله فلم يشركه في إبداعه لكم على ما أنتم عليه أحد {ورسوله} الذي عظمته من عظمته في سائر ما يأمر به فإنه ما أمركم لأجل إكرام رسولكم صلى الله عليه وسلم إلا بالحنيفية السمحة، وجعل المحافظة على ذلك قائمة مقام ما أمركم به، ثم نسخه عنكم من تقديم الصدقة على النجوى. ولما كان قد عفا عن أمر أشعر السياق بأنه وقع فيه تفريط، فكان ذلك ربما جرى على انتهاك الحرمات، رهب من جنابه بإحاطة العلم، وعبر بالخبر لأن أول الآية وبخ على أمر باطن ولم يبالغ بتقديم الجار لما فيها من الأمور الظاهرة. فقال عاطفاً على ما تقديره: فالله يحب الذين يطيعون: {والله} أي الذي أحاط بكل شيء قدرة وعلماً {خبير بما تعملون *} أي تجددون عمله، يعلم بواطنه كما يعلم ظواهره. ولما أخبر بإحاطة علمه ردعاً لمن يغتر بطول حلمه، دل على ذلك باطلاعه على نفاق المنافقين الذي هو أبطن الأشياء، فقال معجباً مرهباً معظماً للمقام بتخصيص الخطاب بأعلى الخلق صلى الله عليه وسلم تنبيهاً على أنه لا يفهم ذلك حق فهمه غيره: {ألم تر} ودل على بعدهم عن الخير بحرف الغاية فقال: {إلى الذين تولوا} أي تكلفوا بغاية جهدهم أن جعلوا أولياءهم الذين ينزلون بهم أمورهم {قوماً} ابتغوا عندهم العزة اغتراراً بما يظهر لهم منهم من القوة {غضب الله} أي الملك الأعلى الذي لا ند له {عليهم} أي على المتولين والمتولَّين لأنهم قطعوا ما بينهم وبينه، والأولون هم المنافقون تولوا اليهود، وزاد في الشناعة عليهم بقوله مستأنفاً: {ما هم} أي اليهود المغضوب عليهم {منكم} أيها المؤمنون لتوالوهم خوفاً من السيف ورغبة في السلم {ولا منهم} أي المنافقين، فتكون موالاتهم لهم لمحبة سابقة وقرابة شابكة، ليكون ذلك لهم عذراً، بل هم مذبذبون، فهم مع المؤمنين بأقوالهم، ومع الكفار بقلوبهم، فما تولوهم إلا عشقاً في النفاق لمقاربه ما بينهم فيه، أو يكون المعنى: ما المنافقون المتولون من المسلمين ولا من اليهود المتولين، وزاد في الشناعة عليهم بأقبح الأشياء الحالم على كل رذيلة، فقال ذاكراً لحالهم في هذا الاتحاد: {ويحلفون} أي المنافقون يجددون الحلف على الاستمرار، ودل بأداة الاستعلاء على أنهم في غاية الجرأة على استمرارهم على الأيمان الكاذبة بأن التقدير: مجترئين {على الكذب} في دعوى الإسلام وغير ذلك مما يقعون فيه من عظائم الآثام، فإذا عوتبوا عليه بادروا إلى الإيمان. ولما كان الكذب قد يطلق في اللغة على ما يخالف الواقع وإن كان عن غير تعمد بأن يكون الحالف يجهل عدم مطابقته للواقع، قال نافياً لذلك مبيناً أنهم جرؤوا على اليمين الغموس: {وهم يعلمون *} أي أنهم كاذبون فهم متعمدون، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه:حديث : "يدخل عليكم رجل قلبه قلب جبار وينظر بعيني شيطان"، فدخل عبد الله بن نبتل وكان أزرق أسمر قصيراً خفيف اللحية، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "علام تشتمني أنت وأصحابك، فحلف بالله ما فعل" فقال له: فعلت. فجاء بأصحابه فحلفوا بالله ما سبوهتفسير : ، فنزلت. ولما أخبر عن حالهم، أتبعه الإخبار عن مآلهم، فقال دالاًّ - كما قال القشيري - على أن - من وافق مغضوباً عليه أشرك نفسه في استحقاق غضب من هو غضبان عليه، فمن تولى مغضوباً عليه من قبل الله استوجب غضب الله وكفى بذلك هواناً وحزناً وحرماناً، معبراً بما دل على أنه أمر قد فرغ منه: {أعد الله} أي الذي له العظمة الباهرة فلا كفوء له، وعبر بما دل على التهكم بهم فقال: {لهم عذاباً} أي أمراً قاطعاً لكل عذوبة {شديداً} يعلم من رآه ورآهم أن ذواتهم متداعية إليه ضعيفة عنه. ولما أخبر بعذابهم، علله بما دل على أنه واقع في أتم مواقعه فقال مؤكداً تقبيحاً على من كان يستحسن أفعالهم: {إنهم ساء} أي بلغ الغاية مما يسوء، ودل على أن ذلك كان لهم كالجبلة بقوله: {ما كانوا يعملون *} أي يجددون عمله مستمرين عليه لا ينفكون عنه من غشهم المؤمنين ونصحهم الكافرين وعيبهم للإسلام وأهله، واجترائهم على الأيمان الكاذبة، وأصروا على ذلك حتى زادهم التمرن عليه جرأة على جميع المعاصي.

ابو السعود

تفسير : {أَءشْفَقْتُمْ أَن تُقَدّمُواْ بَيْنَ يَدَىْ نَجْوٰكُمْ صَدَقَـٰتٍ} أيْ أخفتمْ الفقرَ منْ تقديمِ الصدقاتِ أو أخفتمْ التقديمَ لما يعدكُم الشيطانُ عليهِ منَ الفقرِ وجمعَ صدقاتٍ لجمعِ المخاطبـينَ {فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُواْ} ما أمرتمْ بهِ وشَقَّ عَليكُمْ ذلكَ {وَتَابَ ٱللَّهُ عَلَيْكُمْ} بأنْ رخصَ لكُم أنْ لا تفعلُوه وفيه إشعارٌ بأنَّ إشفاقَهُم ذنبٌ تجاوزَ الله عنْهُ لما رأى منهم منَ الانفعالِ مَا قامَ مقَام توبتهِم وإذْ عَلى بابِهَا مِنَ المُضيِّ وقيلَ: بِمَعْنى إذَا كَمَا في قولِهِ تَعَالى: { أية : إِذِ ٱلأَغْلَـٰلُ فِى أَعْنَـٰقِهِمْ} تفسير : [سورة غافر، الآية 71] وقيلَ: بمعنى إنْ: {فأَقِيمُواْ ٱلصَّلوٰةَ وَءَاتُواْ ٱلزَّكَوٰةَ} أيْ فإذْ فرطتُم فِيمَا أُمِرتُمْ بهِ منْ تقديمِ الصدقاتِ فتداركُوه بالمثابرةِ عَلى إقامةِ الصلاةِ وإيتاءِ الزكاةِ {وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ} في سائرِ الأوامرِ فإنَّ القيامَ بِها كالجابرِ لما وقعَ في ذلكَ من التفريطِ {وَٱللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} ظاهراً وباطناً {أَلَمْ تَرَ} تعجيب منْ حالِ المنافقينَ الذين كانُوا يتخذونَ اليهودَ أولياءَ ويناصحونَهُم وينقلونَ إليهم أسرارَ المؤمنينَ أيْ ألمْ تنظُرْ {إِلَى ٱلَّذِينَ تَوَلَّوْاْ} أيْ والوْا {قوْماً غَضِبَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ} وَهُمْ اليهودُ كَمَا أنبأ عَنْهُ قولِهِ تَعَالى: {أية : مَن لَّعَنَهُ ٱللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ } تفسير : [سورة المائدة، الآية 60] {مَّا هُم مّنكُمْ وَلاَ مِنْهُمْ} لأنهم منافقونَ مذبذبونَ بـينَ ذلكَ والجملةُ مستأنفةٌ أو حالٌ منْ فاعِلِ تولُوا {وَيَحْلِفُونَ عَلَى ٱلْكَذِبِ} أي يقولونَ والله إنَّا لمسلمونَ وهو عطفٌ عَلى تولَّوا داخلٌ في حُكمِ التعجيبِ وصيغةُ المضارعِ للدلالةِ على تكرر الحلفِ وتجددِّهِ حسبَ تكررِ ما يقتضيهِ وقولِهِ تَعَالى: {وَهُمْ يَعْلَمُونَ} حالٌ منْ فاعِلِ يحلفونَ مفيدةٌ لكمال شناعةِ ما فعلُوا فإنَّ الحلفَ عَلى مَا يُعلمُ أنَّه كذبٌ في غايةِ القُبحِ وفيهِ دلالةٌ على أنَّ الكذبَ يعمُّ ما يعلمُ المخبرُ عدمَ مطابقتهِ للواقعِ وما لا يعلمُه. رُوي «حديث : أنَّه عليهِ الصلاةُ والسَّلامُ كانَ في حجرةٍ من حجراتِه فقال: "يدخلُ عليكُم الآن رجلٌ قلبُه قلبُ جبارٍ، وينظرُ بعينِ شيطانٍ" فدخلَ عبدُ اللَّهِ بن نَبْتَل المنافقُ، وكان أزرقَ، فَقَالَ له رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: "علامَ تشتمني أنتَ وأصحابُك" فحلفَ بالله ما فعلَ فقالَ عليِه الصلاة والسلامُ: فانطلق فجاءَ بأصحابُه فحلفُوا بالله ما سبُّوهفعلتَ » تفسير : فنزلتْ. {أَعَدَّ ٱللَّهُ لَهُمْ} بسببِ ذلكَ {عَذَاباً شَدِيداً} نوعاً من العذابِ متفاقماً {إِنَّهُمْ سَاء مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} فيما مَضَى منَ الزمانِ المتطاولِ فتمرنُوا على سوءِ العمل وضرُوْا به وأصرُّوا عليه.

اسماعيل حقي

تفسير : {أأشفقتم أن تقدموا بين يدى نجواكم صدقات} الاشفاق الخوف من المكروه ومعنى الاستفهام التقرير كان بعضهم ترك المناجاة للاشفاق ولا مخالفة للامر وجمع صدقات لجمع المخاطبين قال فى بعض التفاسير أفرد الصدقة اولا لكفاية شىء منها وجمع ثانيا نظرا الى كثرة التناجى والمناجى والمعنى اخفتم الفقر يا أهل الغنى من تقديم الصدقات فيكون المفعول محذوفا للاختصار وأن تقدموا فى تقدير لان تقدموا أو أخفتم التقديم لما يعدكم الشيطان عليه من الفقر قال الشاعر شعر : هون عليك ولا تولع باشفاق فانما مالنا للوارث الباقى تفسير : {فاذ لم تفعلوا} ما أمرتم به وشق عليكم ذلك وبالفارسية بس جون نكر ديد اين كاررا {وتاب الله عليكم} بأن رخص لكم فى أن لاتفعلوه وأسقط عنكم تقديم الصدقة وذلك لانه لاوجه لحملها على قبول التوبة حقيقة اذ لم يقع منهم التقصير فى حق هذا الحكم بأن وقعت المناجاة بلا تصدق وفيه اشعار بأن أشفاقهم ذنب تجاوز الله عنه لما رأى منهم من الانفعال ماقام مقام توبتهم واذ على بابها يعنى الظرفية والمضى بمعنى انكم تركتم ذلك فيما مضى وتجاوز الله عنكم بفضله فتداركوه بما تؤمرون به بعد هذا وقيل بمعنى اذا للمستقيل كما فى قوله {أية : اذ الاغلال فى اعناقهم}تفسير : او بمعنى ان الشرطية وهو قريب مما قبله الا ان ان يستعمل فيما يحتمل وقوعه واللا وقوعه {فاقيموا الصلاة وآتوا الزكاة} مسبب عن قوله {فاذ لم تفعلوا} اى فاذ فرطتم فيما أمرتم به من تقديم الصدقات فتداركوه بالمواظبة على اقامة الصلاة وايتاء الزكاة المفروضة {واطيعوا الله ورسوله} فى سائر الاوامر فان القيام بها كالجابر لما وقع فى ذلك من التفريط وهوتعميم بعد التخصيص لتتميم النفع {والله خبير بما تعملون} عالم بالذى تعملون من الاعمال الظاهرة والباطنة لايخفى عليه خافية فيجازيكم عليه فاعملوا ماأمركم به ابتغاء لمرضاته لالرياء وسمعة وتضرعوا اليه خوفا من عقوباته خصوصا بالجماعة يوم الجمعة ومن الادعية النبوية "حديث : اللهم طهر قلبى من النفاق وعلم الرياء ولسانى من الكذب وعينى من الخيانة انك تعلم خائنة الاعين وما تخفى الصدور"تفسير : وفى تخصيص الصلاة والزكاة بالذكر من بين العبادات المرادة بالامر بالطاعة العامة اشارة الى علو شانهما واناقة قدرهما فان الصلاة رئيس الاعمال البدنية جامعة لجميع انواع العبادات من القيام والركوع والسجود والقعود ومن التعوذ والبسملة والقرآءة والتسبيح والتحميد والتهليل والتكبير والصلاة على النبى عليه السلام من الدعاء الذى هو مخ العبادة ومن ذلك سميت صلاة وهى الدعاء لغة فهىعبادة من عبدالله تعالى بها فهو محفوظ بعبادة العابدين من اهل السموات والارضين ومن تركها فهو محروم منها فطوبى لأهل الصلاة وويل لتاركها وان الزكاة هى ام الاعمال المالية بها يطهر القلب من دنس البخل والمال من خبث الحرمة فعلى هذا هى بمعنى الطهارة وبها ينمو المال فى الدنيا بنفسه لانه يمحق الله الربا ويربى الصدقات وفى الآخرة بأجره لانه تعالى يضاعف لمن يشاء وفى الحديث "حديث : من تصدق بقدر تمرة من كسب حلال ولا يقبل الله الا الطيب فان الله يقبلها بيمينه ثم يربيها لصاحبها كما يربى احدكم فلوه حتى تكون مثل الجبل"تفسير : فعلى هذا هى من الزكاة بمعنى النماء اى الزيادة وفى البستان شعر : بدنا توانى كه عقبى خرى يخرجان من ورنه حسرت خورى زر ونعمت آيدكسى رابكار كه ديوان عقبى كند زر نكار

الجنابذي

تفسير : {أَأَشْفَقْتُمْ} على ما فى ايديكم ومن الفقر والحاجة {أَن تُقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ} جمع الصّدقات ههنا لملاحظة جمع المتناجين، او للاشارة الى انّ فى الصّدقة الصّوريّة كسراً للانانيّة وهو صدقة من الانانيّة، وخشوعاً للقلب وهو تصدّق من القلب، وخضوعاً من الجسد وهو تصدّق منه، وتوجّهاً من القوى الدّرّاكة الى الرّسول (ص) والى جهة الآخرة، وامتثالاً لامر الله وحركاتٍ من القوى العمّالة فى جهة الآخرة وهى تصدّقات منها {فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُواْ} تقديم الصّدقات {وَتَابَ ٱللَّهُ عَلَيْكُمْ} بان رخّص لكم فى تركه، عن امير المؤمنين (ع) فى هذه الآية فهل تكون التّوبة الاّ عن ذنبٍ {فَأَقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ وَآتُواْ ٱلزَّكَاةَ} جبراناً لتقصير ترك الصّدقة امام المناجاة فانّ الحسنات يذهبن السّيّئات فانّ فى الصّلاة توجّهاً الى الآخرة نحو التّوجّه فى التّصدّق، وفى الزّكاة كسراً للانانيّة مثل ما فى التّصدّق امام المناجاة {وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ} فى سائر ما أمراكم به ونهياكم عنه {وَٱللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} ترغيبٌ فى الامتثال وتهديدٌ من تركه.

اطفيش

تفسير : {أَأَشْفَقُتمْ} استفهام توبيخ والمراد الخوف من الفقر {أية : الشيطان يعدكم الفقر}تفسير : وقال ابن عباس: أبخلتم والهمزتان مخففتان وتسهل الثانية مع ادخال ألف بينها وبين الأولى وتبدل الثانية ألفاً وهو قراءتنا. {أَن تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَى نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ} قال القاضي جمع الصدقة لجمع المخاطبين أو لكثرة التناجي {فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا} ما امرتم به من تقديم الصدقة وشق عليكم اذ هذه مضمنة معنى ان أو إذا وجعل لها جواب مقرون بالفاء وقيل: الفاء زائدة واذ على اصلها. {وَتَابَ اللهُ عَلَيْكُمْ} رجع بكم عنها بنسخها تخفيفا {فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وأَتُوا الزَّكَاةَ} لا تفرطوا في ادائها {وَأَطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ} في سائر الامر والنهي فان القيام بالطاعة كالجابر للتفريط في تقديم الصدقة فإن اشفاقهم ذنب تجاوز الله عنه وتاب عليهم كما يدل عليه فإذا لم تفعلوا وتاب الله عليكم وعن بعضهم ان المعنى دوموا على ذلك. {وَاللهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} ظاهرا وباطنا وقرىء بالمثناة فوق.

الالوسي

تفسير : {ءَأَشْفَقْتُمْ أَن تُقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ} أي أخفتم الفقر لأجل تقديم الصدقات فمفعول {أشفقتم} محذوف، و {أن} على إضمار حرف التعليل، ويجوز أن يكون المفعول {أَن تُقَدّمُواْ } فلا حذف أي أخفتم تقديم الصدقات لتوهم ترتب الفقر عليه. وجمع الصدقات لما أن الخوف لم يكن في الحقيقة من تقديم صدقة واحدة لأنه ليس مظنة الفقر بل من استمرار الأمر، وتقديم {صَدَقَـٰتٍ } وهذا أولى مما قيل: إن الجمع لجمع المخاطبين إذ يعلم منه وجه إفراد الصدقة فيما تقدم على قراءة الجمهور. {فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُواْ } ما أمرتم به وشق عليكم ذلك {وَتَابَ ٱللَّهُ عَلَيْكُمْ } بأن رخص لكم المناجاة من غير تقديم صدقة، وفيه على ما قيل: إشعار بأن إشفاقهم ذنب تجاوز الله تعالى عنه لما رؤي منهم من الانقياد وعدم خوف الفقر بعد ما قام مقام توبتهم {وَإِذْ } على بابها أعني أنها ظرف لما مضى، وقيل: إنها بمعنى إذ الظرفية للمستقبل كما في قوله تعالى: { أية : إِذِ ٱلأَغْلَـٰلُ فِى أَعْنَـٰقِهِمْ } تفسير : [غافر: 71]. وقيل: بمعنى إن الشرطية كأنه قيل: فإن لم تفعلوا {فَأَقِيمُواْ ٱلصَّلٰوةَ وَءاتُواْ ٱلزَّكَوٰةَ } والمعنى على الأول إنكم تركتم ذلك فيما مضى فتداركوه بالمثابرة على إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، واعتبرت المثابرة لأن المأمورين مقيمون للصلاة ومؤتون للزكاة، وعدل عن فصلوا إلى {فَأَقِيمُواْ ٱلصَّلٰوةَ} ليكون المراد المثابرة على توفية حقوق الصلاة ورعاية ما فيه كمالها لا على أصل فعلها فقط، ولما عدل عن ذلك لما ذكر جيء بما بعده على وزانه؛ ولم يقل وزكوا لئلا يتوهم أن المراد الأمر بتزكية النفس كذا قيل فتدبر {وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ } أي في سائر الأوامر، ومنها ما تقدم في ضمن قوله تعالى: { أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُواْ فِى ٱلْمَجَـٰلِسِ فَٱفْسَحُواْ } تفسير : [المجادلة: 11] الآيات وغير ذلك. / {وَٱللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ } ظاهراً وباطناً. وعن أبـي عمرو ـ يعملون ـ بالتحتية.

ابن عاشور

تفسير : نزلت هذه الآية عقب التي قبلها: والمشهور عند جمع من سلف المفسرين أنها نزلت بعد عشرة أيام من التي قبلها. وذلك أن بعض المسلمين القادرين على تقديم الصدقة قبل النجوى شق عليهم ذلك فأمسكوا عن مناجاة النبي صلى الله عليه وسلم فأسقط الله وجوب هذه الصدقة، وقد قيل: لم يعمل بهذه الآية غير علي بن أبي طالب رضي الله عنه. ولعل غيره لم يحتج إلى نجوى الرسول صلى الله عليه وسلم واقتصد مما كان يناجيه لأدنى موجب. فالخطاب لطائفة من المؤمنين قادرين على تقديم الصدقة قبل المناجاة وشقّ عليهم ذلك أو ثقل عليهم. والإِشفاق توقع حصول مالا يبتغيه ومفعول {أأشفقتم} هو {أن تقدموا} أي من أن تقدموا، أي أأشفقتم عاقبة ذلك وهو الفقر. قال المفسرون على أن هذه الآية ناسخة للتي قبلها فسقط وجوب تقديم الصدقة لمن يريد مناجاة الرسول صلى الله عليه وسلم وروي ذلك عن ابن عباس واستبعده ابن عطية. والاستفهام مستعمل في اللوم على تجهم تلك الصدقة مع ما فيها من فوائد لنفع الفقراء. ثم تجاوز الله عنهم رحمة بهم بقوله تعالى: {فإذ لم تفعلوا وتاب الله عليكم فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة} الآية. وقد علم من الاستفهام التوبيخي أي بعضاً لم يفعل ذلك. و (إذ) ظرفية مفيدة للتعليل، أي فحين لم تفعلوا فأقيموا الصلاة. وفاء {فإذ لم تفعلوا} لتفريع ما بعدها على الاستفهام التوبيخي. وجملة {وتاب الله عليكم} معترضة، والواو اعتراضية. وما تتعلق به (إذ) محذوف دل عليه قوله: {وتاب الله عليكم} تقديره: خففنا عنكم وأعفيناكم من أن تقدموا صدقة قبل مناجاة الرسول صلى الله عليه وسلم وفاء {فأقيموا الصلاة} عاطفة على الكلام المقدر وحافظوا على التكاليف الأخرى وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وطاعة الله ورسوله. أي فذلك لا تسامح فيه، قيل لهم ذلك لئلا يحسبوا أنهم كلما ثقل عليهم فعل مما كلفوا به يعفون منه. وإذ قد كانت الزكاة المفروضة سابقة على الأمر بصدقة النجوى على الأصح كان فعل {آتوا} مستعملاً في طلب الدوام مثل فعل {فأقيموا}. واعلم أنه يكثر وقوع الفاء بعد (إذْ) ومتعلَّقها كقوله تعالى: {أية : وإذ لم يهتدوا به فيسقولون هذا إفك قديم}تفسير : في سورة [الأحقاف: 11]. {أية : وإذ اعتزلتموهم وما يعبدون إلا الله فأووا إلى الكهف}تفسير : في سورة [الكهف: 16]. وجملة {والله خبير بما تعملون} تذييل لجملة {فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة} وهو كناية عن التحذير من التفريط في طاعة الله ورسوله.

د. أسعد حومد

تفسير : {أَأَشْفَقْتُمْ} {نَجْوَاكُمْ} {صَدَقَاتٍ} {ٱلصَّلاَةَ} {آتُواْ ٱلزَّكَاةَ} (13) - أَبَخِلْتُمْ بِالمَالِ أَنْ تُنْفِقُوهُ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَخِفْتُم الفَقْرَ إِنْ قَدَّمْتُمُ الصَّدَقَاتِ، وَوَسْوَسَ إِلَيْكُمُ الشَّيْطَانُ أَنَّ هَذَا الإِنْفَاقَ فِيهِ ضَيَاعٌ لِلْمَالِ؟ فَمَا دُمْتُمْ لَمْ تُنْفِقُوا المَالَ، وَشَقَّ ذَلِكَ عَلَيْكُمْ فَقَدْ خَفَّفَ اللهُ عَنْكُمْ، وَرَخَّصَ لَكُمْ بِالمُنَاجَاةِ مِنْ غَيْرِ تَقْدِمَةِ صَدَقَاتٍ، فَتَدَارَكُوا ذَلِكَ بِالمُثَابَرَةِ عَلَى إِقَامَةِ الصَّلاَةِ عَلَى وَجْهِهَا الأَكْمَلِ، وَعَلَى دَفْعِ الزَّكَاةِ عَنْ أَمْوَالِكُمْ، وَأَطِيعُوا اللهَ فِيمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ هُوَ وَرَسُولُهُ، وَانْتَهُوا عَمَّا يَنْهَاكُمْ عَنْهُ، وَاللهُ خَبِيرٌ بِمَا يَعْمَلُهُ العِبَادُ، وَسَيُحَاسِبُهُمْ عَلَيْهِ. أَأَشْفَقْتُمْ - أَخِفْتُم الفَقْرَ وَالعَيلَةَ. تَابَ اللهُ عَلَيْكُمْ - خَفّفَ عَنْكُمْ بِنَسْخِ حُكْمِهَا.