٥٨ - ٱلْمُجَادِلَة
58 - Al-Mujadila (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
14
Tafseer
الرازي
تفسير : كان المنافقون يتولون اليهود وهم الذين غضب الله عليهم في قوله: {أية : مَن لَّعَنَهُ ٱللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ } تفسير : [المائدة: 60] وينقلون إليهم أسرار المؤمنين: {مَّا هُم مّنكُمْ } أيها المسلمون ولا من اليهود {وَيَحْلِفُونَ عَلَى ٱلْكَذِبِ } والمراد من هذا الكذب إما ادعاؤهم كونهم مسلمين، وإما أنهم كانوا يشتمون الله ورسوله ويكيدون المسلمين فإذا قيل لهم: إنكم فعلتم ذلك خافوا على أنفسهم من القتل، فيحلفون أنا ما قلنا ذلك وما فعلناه، فهذا هو الكذب الذي يحلفون عليه. واعلم أن هذه الآية تدل على فساد قول الجاحظ إن الخبر الذي يكون مخالفاً للمخبر عنه إنما يكون كذباً لو علم المخبر كون الخبر مخالفاً للمخبر عنه، وذلك لأن لو كان الأمر على ما ذهب إليه لكان قوله: {وَهُمْ يَعْلَمُونَ } تكراراً غير مقيد، يروى أن عبد الله بن نبتل المنافق كان يجالس رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم يرفع حديثه إلى اليهود، فبينا رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجرته إذ قال: يدخل عليكم رجل ينظر بعين شيطان ـ أو بعيني شيطان ـ فدخل رجل عيناه زرقاوان فقال له: لم تسبني فجعل يحلف فنزل قوله: {وَيَحْلِفُونَ عَلَى ٱلْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ }.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ تَوَلَّوْاْ قَوْماً غَضِبَ ٱللَّهُ عَلَيْهِم} قال قتادة: هم المنافقون توَّلُوا اليهود {مَّا هُم مِّنكُمْ وَلاَ مِنْهُمْ} يقول: ليس المنافقون من اليهود ولا من المسلمين بل هم مذبذبون بين ذلك، وكانوا يحملون أخبار المسلمين إليهم. قال السّدي ومقاتل: نزلت في عبد الله بن أبيّ وعبد الله بن نَبْتَل المنافقَيْن؛ كان أحدهما يجالس النبيّ صلى الله عليه وسلم ثم يرفع حديثه إلى اليهود، حديث : فبينا النبيّ صلى الله عليه وسلم في حجرة من حجراته إذ قال:«يدخل عليكم الآن رجل قلبه قلب جبار وينظر بعيني شيطان»فدخل عبد الله بن نبتل ـ وكان أزرق أسمر قصيراً خفيف اللحية ـ فقال عليه الصلاة والسلام: «علام تشتمني أنت وأصحابك» فحلف بالله ما فعل ذلك. فقال له النبيّ صلى الله عليه وسلم: «فعلت»فآنطلق فجاء بأصحابه فحلفوا بالله ما سبوه؛ فنزلت هذه الآية تفسير : . وقال معناه ٱبن عباس. روى عِكرمة عنه؛ قال: حديث : كان النبيّ صلى الله عليه وسلم جالساً في ظل شجرة قد كاد الظل يتقلص عنه إذ قال: «يجيئكم الساعة رجل أزرق ينظر إليكم نظر شيطان» فنحن على ذلك إذ أقبل رجل أزرق، فدعا به النبيّ صلى الله عليه وسلم فقال: «علام تشتمني أنت وأصحابك» قال: دعني أجيئك بهم. فمرّ فجاء بهم فحلفوا جميعاً أنه ما كان من ذلك شيء؛ فأنزل الله عز وجل: {يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ ٱللَّهُ جَمِيعاً} إلى قوله: {هُمُ الخَاسِرُونَ} تفسير : واليهود مذكورون في القرآن بـ {غَضِبَ ٱللَّهُ عَلَيْهِم}. {أَعَدَّ ٱللَّهُ لَهُمْ} أي لهؤلاء المنافقين {عَذَاباً شَدِيداً} في جهنم وهو الدرك الأسفل. {إِنَّهُمْ سَآءَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} أي بئس الأعمال أعمالهم {ٱتَّخَذْوۤاْ أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً} يستجِنُّون بها من القتل. وقرأ الحسن وأبو العالية «إِيمَانَهُمْ» بكسر الهمزة هنا وفي «الْمُنَافقون». أي إقرارهم ٱتخذوه جنة، فآمنت ألسنتهم من خوف القتل، وكفرت قلوبهم {فَلَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ} في الدنيا بالقتل وفي الآخرة بالنار.والصدّ المنع {عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ} أي عن الإسلام. وقيل: في قتلهم بالكفر لما أظهروه من النفاق. وقيل: أي بإلقاء الأراجيف وتثبيط المسلمين عن الجهاد وتخويفهم.
ابن كثير
تفسير : يقول الله تعالى منكراً على المنافقين في موالاتهم الكفار في الباطن، وهم في نفس الأمر لا معهم ولا مع المؤمنين؛ كما قال تعالى: {أية : مُّذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذٰلِكَ لاَ إِلَىٰ هَـٰؤُلاۤءِ وَلاَ إِلَى هَـٰؤُلاۤءِ وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً} تفسير : [النساء:143] وقال ههنا: {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ تَوَلَّوْاْ قَوْماً غَضِبَ ٱللَّهُ عَلَيْهِم} يعني: اليهود الذين كان المنافقون يمالئونهم، ويوالونهم في الباطن، ثم قال تعالى: {مَّا هُم مِّنكُمْ وَلاَ مِنْهُمْ} أي: هؤلاء المنافقون ليسوا في الحقيقة منكم أيها المؤمنون، ولا من الذين يوالونهم، وهم اليهود. ثم قال تعالى: {وَيَحْلِفُونَ عَلَى ٱلْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} يعني: المنافقين، يحلفون على الكذب، وهم عالمون بأنهم كاذبون فيما حلفوا، وهي اليمين الغموس، ولا سيما في مثل حالهم اللعين، عياذاً بالله منه، فإنهم كانوا إذا لقوا الذين آمنوا، قالوا: آمنا، وإذا جاؤوا الرسول، حلفوا له بالله إنهم مؤمنون، وهم في ذلك يعلمون أنهم يكذبون فيما حلفوا به؛ لأنهم لا يعتقدون صدق ما قالوه، وإن كان في نفس الأمر مطابقاً، ولهذا شهد الله بكذبهم في أيمانهم، وشهادتهم لذلك. ثم قال تعالى: { أَعَدَّ ٱللَّهُ لَهُمْ عَذَاباً شَدِيداً إِنَّهُمْ سَآءَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} أي: أرصد الله لهم على هذا الصنيع العذاب الأليم على أعمالهم السيئة، وهي موالاة الكافرين ونصحهم، ومعاداة المؤمنين، وغشهم، ولهذا قال تعالى: {ٱتَّخَذْوۤاْ أَيْمَـٰنَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ} أي: أظهروا الإيمان وأبطنوا الكفر، واتقوا بالأيمان الكاذبة، فظن كثير ممن لا يعرف حقيقة أمرهم صدقهم،فاغتر بهم، فحصل بهذا صد عن سبيل الله لبعض الناس {فَلَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ} أي: في مقابلة ما امتهنوا من الحلف باسم الله العظيم في الأيمان الكاذبة الحانثة. ثم قال تعالى: {لَن تُغْنِىَ عَنْهُمْ أَمْوَٰلُهُمْ وَلاَ أَوْلـٰدُهُم مِّنَ ٱللَّهِ شَيْئًا} أي: لن يدفع ذلك عنهم بأساً إذا جاءهم {أُولَـٰئِكَ أَصْحَـٰبُ ٱلنَّارِ هُمْ فِيهَا خَـٰلِدُونَ} ثم قال تعالى: {يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ ٱللَّهُ جَمِيعاً} أي: يحشرهم يوم القيامة عن آخرهم، فلا يغادر منهم أحداً، {فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَىٰ شَىْءٍ} أي: يحلفون بالله عز وجل أنهم كانوا على الهدى والاستقامة؛ كما كانوا يحلفون للناس في الدنيا؛ لأن من عاش على شيء، مات عليه وبعث عليه، ويعتقدون أن ذلك ينفعهم عند الله؛ كما كان ينفعهم عند الناس، فيجرون عليهم الأحكام الظاهرة، ولهذا قال: {وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَىٰ شَىْءٍ} أي: حلفهم بذلك لربهم عز وجل. ثم قال تعالى: منكراً عليهم حسبانهم {أَلاَ إِنَّهُمْ هُمُ ٱلْكَـٰذِبُونَ} فأكد الخبر عنهم بالكذب. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا ابن نفيل، حدثنا زهير عن سماك بن حرب، حدثني سعيد بن جبير: أن ابن عباس حدثه: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان في ظل حجرة من حجره، وعنده نفر من المسلمين قد كان يقلصُ عنهم الظل، قال: «حديث : إنه سيأتيكم إنسان ينظر بعيني شيطان، فإذا أتاكم، فلا تكلموه» تفسير : فجاء رجل أزرق، فدعاه رسول الله فكلمه، فقال: «حديث : علام تشتمني أنت وفلان وفلان؟» تفسير : نفر دعاهم بأسمائهم، قال: فانطلق الرجل فدعاهم، فحلفوا له واعتذروا إليه، قال: فأنزل الله عز وجل: {فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَىٰ شَىْءٍ أَلاَ إِنَّهُمْ هُمُ ٱلْكَـٰذِبُونَ}. وهكذا رواه الإمام أحمد من طريقين عن سماك به، ورواه ابن جرير عن محمد بن المثنى عن غندر عن شعبة عن سماك به نحوه، وأخرجه أيضاً من حديث سفيان الثوري عن سماك بنحوه. إسناد جيد ولم يخرجوه. وحال هؤلاء كما أخبر الله تعالى عن المشركين حيث يقول: {أية : ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ وَٱللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ ٱنظُرْ كَيْفَ كَذَبُواْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ } تفسير : [الأنعام: 23 ــــ 24] ثم قال تعالى: {ٱسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ ٱلشَّيْطَـٰنُ فَأَنسَـٰهُمْ ذِكْرَ ٱللَّهِ} أي: استحوذ على قلوبهم الشيطان حتى أنساهم أن يذكروا الله عز وجل، وكذلك يصنع بمن استحوذ عليه، ولهذا قال أبو داود: حدثنا أحمد بن يونس، حدثنا زائدة، حدثنا السائب بن حبيش عن معدان بن أبي طلحة اليعمري، عن أبي الدرداء قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : ما من ثلاثة في قرية ولا بدو لا تقام فيهم الصلاة، إلا قد استحوذ عليهم الشيطان، فعليك بالجماعة؛ فإنما يأكل الذئب القاصية» تفسير : قال زائدة: قال السائب: يعني: الصلاة في الجماعة. ثم قال تعالى: {أُوْلَـٰئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَـٰنِ} يعني الذين استحوذ عليهم الشيطان، فأنساهم ذكر الله. ثم قال تعالى: {أَلاَ إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَـٰنِ هُمُ الخَـٰسِرُونَ}.
المحلي و السيوطي
تفسير : {أَلَمْ تَرَ } تنظر {إِلَى ٱلَّذِينَ تَوَلَّوْاْ } هم المنافقون {قَوْماً } هم اليهود {غَضِبَ ٱللَّهُ عَلَيْهِم مَّا هُم } أي المنافقون {مِّنكُمْ } من المؤمنين {وَلاَ مِنْهُمْ } من اليهود بل هم مذبذبون {وَيَحْلِفُونَ عَلَى ٱلْكَذِبِ } أي قولهم إنهم مؤمنون {وَهُمْ يَعْلَمُونَ } أنهم كاذبون فيه.
الشوكاني
تفسير : قوله: {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ تَوَلَّوْاْ قَوْماً } أي: والوهم. قال قتادة: هم المنافقون تولوا اليهود. وقال السديّ، ومقاتل: هم اليهود تولوا المنافقين، ويدلّ على الأوّل قوله: {غَضِبَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ } فإن المغضوب عليهم هم اليهود، ويدلّ على الثاني قوله: {مَّا هُم مّنكُمْ وَلاَ مِنْهُمْ } فإن هذه صفة المنافقين، كما قال الله فيهم: {أية : مُّذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذٰلِكَ لاَ إِلَىٰ هَـؤُلاء وَلاَ إِلَى هَـؤُلاء }تفسير : [النساء: 143] وجملة: {مَّا هُم مّنكُمْ وَلاَ مِنْهُمْ } في محل نصب على الحال، أو هي مستأنفة {وَيَحْلِفُونَ عَلَى ٱلْكَذِبِ } أي: يحلفون أنهم مسلمون، أو يحلفون أنهم ما نقلوا الأخبار إلى اليهود، والجملة عطف على تولوا داخلة في حكم التعجيب من فعلهم، وجملة: {وَهُمْ يَعْلَمُونَ } في محل نصب على الحال، أي: والحال أنهم يعلمون بطلان ما حلفوا عليه، وأنه كذب لا حقيقة له. {أَعَدَّ ٱللَّهُ لَهُمْ عَذَاباً شَدِيداً } بسبب هذا التولي والحلف على الباطل {إِنَّهُمْ سَاء مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } من الأعمال القبيحة {ٱتَّخَذْواْ أَيْمَـٰنَهُمْ جُنَّةً } قرأ الجمهور: {أيمانهم} بفتح الهمزة جمع يمين، وهي ما كانوا يحلفون عليه من الكذب بأنهم من المسلمين توقياً من القتل، فجعلوا هذه الأيمان وقاية وسترة دون دمائهم، كما يجعل المقاتل الجنة وقاية له من أن يصاب بسيف أو رمح أو سهم. وقرأ الحسن، وأبو العالية (إيمانهم) بكسر الهمزة أي: جعلوها تصديقهم جنة من القتل، فآمنت ألسنتهم من خوف القتل، ولم تؤمن قلوبهم {فَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ } أي: منعوا الناس عن الإسلام بسبب ما يصدر عنهم من التثبيط، وتهوين أمر المسلمين، وتضعيف شوكتهم، وقيل المعنى: فصدّوا المسلمين عن قتالهم بسبب إظهارهم للإسلام {فَلَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ } أي: يهينهم ويخزيهم، قيل: هو تكرير لقوله: {أَعَدَّ ٱللَّهُ لَهُمْ عَذَاباً شَدِيداً } للتأكيد، وقيل: الأوّل عذاب القبر، وهذا عذاب الآخرة، ولا وجه للقول بالتكرار، فإن العذاب الموصوف بالشدّة غير العذاب الموصوف بالإهانة. {لَن تُغْنِىَ عَنْهُمْ أَمْوٰلُهُمْ وَلاَ أَوْلـٰدُهُم مّنَ ٱللَّهِ شَيْئًا } أي: لن تغني عنهم من عذابه شيئًا من الإغناء. قال مقاتل: قال المنافقون: إن محمداً يزعم أنه ينصر يوم القيامة لقد شقينا إذن، فوالله لننصرن يوم القيامة بأنفسنا، وأموالنا، وأولادنا إن كان قيامة، فنزلت الآية {أُوْلَـٰئِكَ } الموصوفون بما ذكر {أَصْحَـٰبِ ٱلنَّارِ } لا يفارقونها {هُمْ فِيهَا خَـٰلِدُونَ } لا يخرجون منها {يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ ٱللَّهِ جَمِيعاً } الظرف منصوب بقوله: {مُّهِينٌ }، أو بمقدّر، أي: اذكر {فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ } أي: يحلفون لله يوم القيامة على الكذب كما يحلفون لكم في الدنيا، وهذا من شدّة شقاوتهم ومزيد الطبع على قلوبهم، فإن يوم القيامة قد انكشفت الحقائق وصارت الأمور معلومة بضرورة المشاهدة، فكيف يجترئون على أن يكذبوا في ذلك الموقف ويحلفون على الكذب {وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَىٰ شَىْء } أي: يحسبون في الآخرة أنهم بتلك الأيمان الكاذبة على شيء مما يجلب نفعاً، أو يدفع ضرراً، كما كانوا يحسبون ذلك في الدنيا {أَلاَ إِنَّهُمْ هُمُ ٱلْكَـٰذِبُونَ } أي: الكاملون في الكذب المتهالكون عليه البالغون فيه إلى حدّ لم يبلغ غيرهم إليه بإقدامهم عليه، وعلى الأيمان الفاجرة في موقف القيامة بين يدي الرحمٰن. {ٱسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ ٱلشَّيْطَـٰنُ } أي: غلب عليهم واستعلى واستولى. قال المبرّد: استحوذ على الشيء: حواه وأحاط به، وقيل: قوي عليهم، وقيل: جمعهم، يقال: أحوذ الشيء، أي: جمعه وضمّ بعضه إلى بعض، والمعاني متقاربة؛ لأنه إذا جمعهم فقد قوي عليهم وغلبهم واستعلى عليهم واستولى، وأحاط بهم {فَأَنسَـٰهُمْ ذِكْرَ ٱللَّهِ } أي: أوامره والعمل بطاعاته، فلم يذكروا شيئًا من ذلك، وقيل: زواجره في النهي عن معاصيه، وقيل: لم يذكروه بقلوبهم ولا بألسنتهم، والإشارة بقوله: {أُوْلَـٰئِكَ } إلى المذكورين الموصوفين بتلك الصفات، وهو مبتدأ، وخبره {حِزْبُ الشَّيْطَـٰنِ } أي: جنوده، وأتباعه، ورهطه {أَلاَ إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَـٰنِ هُمُ الخَـٰسِرُونَ } أي: الكاملون في الخسران حتى كأن خسران غيرهم بالنسبة إلى خسرانهم ليس بخسران لأنهم باعوا الجنة والهدى بالضلالة، وكذبوا على الله وعلى نبيه، وحلفوا الأيمان الفاجرة في الدنيا والآخرة {إِنَّ ٱلَّذِينَ يُحَادُّونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ } تقدّم معنى المحادّة لله ولرسوله في أوّل هذه السورة، والجملة تعليل لما قبلها {أُوْلَـئِكَ فِى ٱلأذَلّينَ} أي: أولئك المحادّون لله ورسوله، المتصفون بتلك الصفات المتقدّمة من جملة من أذله الله من الأمم السابقة واللاحقة؛ لأنهم لما حادّوا الله ورسوله صاروا من الذلّ بهذا المكان. قال عطاء: يريد الذلّ في الدنيا، والخزي في الآخرة. {كَتَبَ ٱللَّهُ لأغْلِبَنَّ أَنَاْ وَرُسُلِى } الجملة مستأنفة لتقرير ما قبلها مع كونهم في الأذلين، أي: كتب في اللوح المحفوظ، وقضى في سابق علمه: لأغلبنّ أنا ورسلي بالحجة والسيف. قال الزجاج: معنى غلبة الرسل على نوعين: من بعث منهم بالحرب، فهو غالب في الحرب، ومن بعث منهم بغير الحرب، فهو غالب بالحجة. قال الفراء: كتب بمعنى قال، وقوله: {أَنَاْ } توكيد، ثم ذكر مثل قول الزجاج. {إِنَّ ٱللَّهَ قَوِىٌّ عَزِيزٌ } فهو قويّ على نصر أوليائه غالب لأعدائه لا يغلبه أحد. {لاَّ تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ } الخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم، أو لكل من يصلح له أي: يحبون ويوالون من عادى الله ورسوله وشاقهما، وجملة: {يُوَادُّونَ } في محل نصب على أنها المفعول الثاني لتجد إن كان متعدّياً إلى مفعولين، أو في محل نصب على الحال إن كان متعدّياً إلى مفعول واحد، أو صفة أخرى لـ {قوماً}، أي: جامعون بين الإيمان والموادّة لمن حادّ الله ورسوله {وَلَوْ كَانُواْ ءابَاءهُمْ أَوْ أَبْنَاءهُمْ أَوْ إِخْوٰنَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ } أي: ولو كان المحادّون لله ورسوله آباء الموادّين، إلخ، فإن الإيمان يزجر عن ذلك، ويمنع منه، ورعايته أقوى من رعاية الأبوّة والبنوّة والأخوّة والعشيرة {أُوْلَـئِكَ كَتَبَ فِى قُلُوبِهِمُ ٱلإيمَـٰنَ } يعني: الذين لا يوادّون من حادّ الله ورسوله، ومعنى {كَتَبَ فِى قُلُوبِهِمُ ٱلإيمَـٰنَ }: خلقه، وقيل: أثبته، وقيل: جعله، وقيل: جمعه، والمعاني متقاربة {وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مّنْهُ } قوّاهم بنصر منه على عدوّهم في الدنيا، وسمى نصره لهم روحاً لأن به يحيا أمرهم، وقيل: هو نور القلب. وقال الربيع بن أنس: بالقرآن والحجة، وقيل: بجبريل، وقيل: بالإيمان، وقيل: برحمة. قرأ الجمهور: {كتب} مبنياً للفاعل، ونصب الإيمان على المفعولية. وقرأ زرّ بن حبيش، والمفضل عن عاصم على البناء للمفعول، ورفع الإيمان على النيابة. وقرأ زرّ بن حبيش: (عشيراتهم) بالجمع، ورويت هذه القراءة عن عاصم {وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّـٰتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلأنْهَـٰرُ خَـٰلِدِينَ فِيهَا } على الأبد {رَّضِىَ ٱللَّهُ عَنْهُمْ } أي: قبل أعمالهم، وأفاض عليهم آثار رحمته العاجلة والآجلة {وَرَضُواْ عَنْهُ } أي: فرحوا بما أعطاهم عاجلاً وآجلاً {أُوْلَـئِكَ حِزْبُ ٱللَّهِ } أي: جنده الذين يمتثلون أوامره، ويقاتلون أعداءه، وينصرون أولياءه، وفي إضافتهم إلى الله سبحانه تشريف لهم عظيم، وتكريم فخيم {أَلاَ إِنَّ حِزْبَ ٱللَّهِ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ } أي: الفائزون بسعادة الدنيا والآخرة، الكاملون في الفلاح الذين صار فلاحهم هو الفرد الكامل، حتى كان فلاح غيرهم بالنسبة إلى فلاحهم كلا فلاح. وقد أخرج أحمد، والبزار، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه، وابن مردويه، والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم جالساً في ظلّ حجرة من حجره، وعنده نفر من المسلمين، فقال:«حديث : إنه سيأتيكم إنسان، فينظر إليكم بعين شيطان، فإذا جاءكم، فلا تكلموه»تفسير : ، فلم يلبثوا أن طلع عليهم رجل أزرق، فقال حين رآه: «حديث : علام تشتمني أنت وأصحابك»تفسير : ؟ فقال: ذرني آتيك بهم، فحلفوا، واعتذروا، فأنزل الله: {يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ ٱللَّهِ جَمِيعاً فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ } الآية والتي بعدها. وأخرج ابن أبي حاتم، والطبراني، والحاكم، وأبو نعيم في الحلية، والبيهقي في سننه عن عبد الله بن شوذب قال: جعل والد أبي عبيدة بن الجرّاح يتقصد لأبي عبيدة يوم بدر، وجعل أبو عبيدة يحيد عنه، فلما أكثر قصده أبو عبيدة، فقتله، فنزلت: {لاَّ تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ } الآية.
الماوردي
تفسير : {ألم تر إلى الذين تولوا قوماً غضب الله عليهم} يعني المنافقين تولوا قوماً غضب الله عليهم هم اليهود. {ما هم منكم} لأجل نفاقهم. {ولا منهم} لخروجهم بيهوديتهم. {ويحلفون على الكذب} أنهم لم ينافقوا. {وهم يعلمون} أنهم منافقون. {اتخذوا أيمانهم جنة فصدوا عن سبيل الله فلهم عذاب مهين} فيه قولان: أحدهما: قاله السدي. الثاني: عن سبيل الله في قتلهم بالكفر لما أظهروه من النفاق. ويحتمل ثالثاً: صدوا عن الجهاد ممايلة لليهود. {استحوذ عليهم الشيطان} فيه قولان: أحدهما: قوي عليهم. الثاني: أحاط بهم، قاله المفضل. وفيه ثالث: أنه غلب واستولى عليهم في الدنيا. {فأنساهم ذكر الله} يحتمل ذكر الله ها هنا وجهين: أحدهما: أوامره في العمل بطاعته. الثاني: زواجره في النهي عن معصيته. ويحتمل ما أنساهم من ذكره وجهين: أحدهما: بالغفلة عنها. الثاني: بالشرك بها.
ابن عبد السلام
تفسير : {الَّذِينَ تَوَلَّوْا} المنافقون تولوا اليهود {مَّا هُم مِّنكُمْ} على دينكم {وَلا مِنْهُمْ} على يهوديتهم {وَيَحْلِفُونَ} على نفي النفاق {وَهُمْ يَعْلَمُونَ} نفاقهم.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله تعالى: {ألم تر إلى الذين تولوا قوماً} الآية قال: بلغنا أنها نزلت في عبد الله بن نبتل، وكان رجلاً من المنافقين. وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج {ألم تر إلى الذين تولوا قوماً غضب الله عليهم} قال: هم اليهود والمنافقون ويحلفون على الكذب، وهم يعلمون حلفهم أنهم لمنكم. وأخرج عبد بن حميد عن قتادة رضي الله عنه {ألم تر إلى الذين تولوا قوماً} الآية قال: هم المنافقون تولوا اليهود {يوم يبعثهم الله} الآية قال: يحالف المنافقون ربهم يوم القيامة كما حالفوا أولياءه في الدنيا. وأخرج أحمد والبزار والطبراني وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والحاكم وصححه والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس رضي الله عنهما قال:حديث : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم جالساً في ظل حجرة من حجره وعنده نفر من المسلمين فقال: إنه سيأتيكم إنسان فينظر إليكم بعين شيطان، فإذا جاءكم فلا تكلمونه، فلم يلبثوا أن طلع عليهم رجل أزرق أعور فقال، حين رآه: علام تشتمني أنت وأصحابك؟ فقال ذرني آتك بهم، فانطلق فدعاهم فحلفوا واعتذروا فأنزل الله {يوم يبعثهم الله جميعاً فيحلفون له كما يحلفون لكم} الآية والتي بعدها .
القشيري
تفسير : قوله جل ذكره: {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ تَوَلَّوْاْ قَوْماً غَضِبَ ٱللَّهُ عَلَيْهِم مَّا هُم مِّنكُمْ وَلاَ مِنْهُمْ}. مَنْ وافقَ مغضوباً عليه أشْرَكَ نَفْسَه في استحقاقِ غضبِ مَنْ هو الغضبان؛ فَمَنْ تَوَلَّ مغضوباً عليه مِنْ قِبَلِ الله استوجبَ غَضبَ الله وكفى بذلك هواناً وخسراناً. {وَيَحْلِفُونَ عَلَى ٱلْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ أَعَدَّ ٱللَّهُ لَهُمْ عَذَاباً شَدِيداً إِنَّهُمْ سَآءَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ٱتَّخَذْوۤاْ أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ فَلَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ}. هذا وصفٌّ للمنافقين. {ٱتَّخَذْوۤاْ أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً} أي وقايةً وستراً؛ ومَنْ استتر بجُنَّةِ طاعته لتَسْلَم له دنياه فإنَّ سهامَ التقدير من ورائه تكشفه من حيث لا يشعر.. فلا دِينُه يبقى، ولا دنياه تَسْلَم، ولقد قال تعالى: {أية : لَن تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلاَ أَوْلاَدُهُم مِّنَ ٱللَّهِ شَيْئاً}تفسير : [آل عمران: 10].
اسماعيل حقي
تفسير : {الم تر} تعجيب من حال المنافقين الذين يتخذون اليهود اولياء ويناصحونهم وينقلون اليهم اسرار المؤمنين والخطاب للرسول عليه السلام او لكل من يسمع ويعقل وتعدية الرؤية بالى لكونها بمعنى النظر اى ألم تنظر يعنى أيا نمى نركى {الى الذين تولوا} من التولى بمعنى الموالاة لا بمعنى الاعراض اى والوا يعنى دوست كرفتند {قوما غضب الله عليهم} وهم اليهود كما انبأ عنه قوله تعالى {أية : من لعنه الله وغضب عليه}تفسير : والغضب حركة للنفس مبدأها ارادة الانتقام وهو بالنسبة اليه تعالى نقيض الرضى او ارادة الانتقام او تحقيق الوعيد او الأخذ الأليم والبطش الشديد او هتك الاسرار والتعذيب بالنار او تغيير النعمة {ماهم} اى الذين تولوا {منكم} فى الحقيقة {ولا منهم} اى من القوم المغضوب عليهم لانهم منافقون مذبذبون بين ذلك فهم وان كانوا كفارا فى الواقع لكنهم ليسوا من اليهود حالا لعدم اعتقادهم بما اعتقدوا وعدم وفائهم لهم ومآلا لان المنافقين فى الدرك الاسفل من النار والجملة مستأنفة {ويحلفون على الكذب} الحلف العهد بين القوم والمحالفة المعاهدة والحلف اصله اليمين التى يأخذ بعضهم من بعض بها العهد ثم عبر به عن كل يمين اى يقولون والله انا لمسلمون فالكذب المحلوف عليه هو ادعاء الاسلام وهو عطف على تولوا وادخل فى حكم التعجيب وصيغة المضارع للدلالة على تكرر الحلف وتجدده حسب تكرر مايقتضيه {وهم يعلمون} ان المحلوف عليه كذب كمن يحلف بالغموس وهو الحلف على فعل او ترك ماض كاذبا عمدا سمى بالغموس لانه يغمس صاحبه فى الاثم ثم فى النار ولم يجعل حلفهم غموسا لان الغموس حلف على الماضى وحلفهم هذا على الحال والجملة حال من فاعل يحلفون مقيدة لكمال شناعة مافعلوا فان الحلف على مايعلم انه كذب فى غاية القبح وفى هذه التقييد دلالة على ان الكذب يعم مايعلم المخبر عدم مطابقته للواقع ومالا يعلمه فيكون حجة على النظام والجاحظ (وروى) انه عليه السلام كان فى حجرة من حجراته فقال "حديث : يدخل عليكم الآن رجل قلبه قلب جبار وينظر بعين شيطان"تفسير : فدخل عبدالله بن نبتل المنافق بتقديم النون على الباء الموحدة كجعفر وكان ازرق فقال له عليه السلام "حديث : لم تشتمنى أنت وأصحابك"تفسير : فحلف بالله مافعل فقال عليه السلام "حديث : فعلت"تفسير : فانطلق بأصحابه فحلفوا بالله ماسبوه فنزلت فالكذب المحلوف عليه على هذه الرواية هو عدم شتمهم
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِين تَوَلَّوْا قَوْماً غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِم} وهم اليهود، لقوله:{أية : مَن لَّعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ}تفسير : [المائدة: 60]. والغضب في حقه تعالى: إرادة الانتقام. كان المنافقون يتولّون اليهود، وينقلون إليهم أسرار المؤمنين، ففضحهم الله. ثم قال تعالى: {ما هم منكم} يا معشر المسلمين {ولا منهم} أي: من اليهود، بل كانوا {أية : مُّذبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لآَ إِلَى هَٰؤُلأَءِ إِلَى هَٰؤُلآَءِ}تفسير : [النساء: 143]. {ويحلفون على الكذب} أي: يقولون: والله إنّا لمسلمون لا منافقون، {وهم يعلمون} أنهم كاذبون منافقون، {أعدَّ اللهُ لهم عذاباً شديداً} نوعاً من العذاب متفاقماً، {إِنهم ساء ما كانوا يعملون} فيما مضى من الزمان، كانوا مُصرِّين على سوء العمل، وتمرّنوا عليه، أو: هي حكاية ما يقال لهم في الآخرة. {اتخَذُوا أَيمانهم} الكاذبة {جُنَّةً} وقايةً دون أموالهم ودمائهم، {فصَدُّوا} الناسَ في خلال أمنهم وسلامتهم، أو: فصدُّوا بأنفسهم {عن سبيل الله} عن طاعته والإيمان به، {فلهم عذابٌ مُهين} يُهينهم ويُخزيهم، وأعدّ لهم العذاب المخزي لكفرهم وصدهم، كقوله:{أية : الَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَاباً فَوْقَ الَعَذَابِ}تفسير : [النحل: 88]. {لن تُغني عنهم أموالُهم ولا أولادُهم من الله} من عذاب الله {شيئاً} قليلاً من الإغناء، أي: ما يخافون عليه من الأموال والأولاد فيحلفون لأجله، لا ينفعهم عند الله. رُوي أنَّ رجلاً منهم قال: لنُنصرنّ يوم القيامة بأموالنا وأنفسنا وأولادنا. فنزلت. {أولئك} الموصوفون بما ذكر من القبائح {أصحابُ النار} ملازموها {هم فيها خالدون}. {يومَ يبعثهم اللهُ جميعاً فيحلِفون له} أي: لله تعالى في الآخرة أنهم كانوا مُخلِصين غير منافقين، {كما يحلفون لكم} في الدنيا على ذلك، {ويَحْسَبون أنهم} في الدنيا {على شيءٍ} من النفع، أو: يحسبون في الآخرة أنهم على شيءٍ من النفع، مِن جلب منفعة أو دفع مضرة، كما كانوا في الدنيا، حيث كانوا يدفعون بها عن أزواجهم وأموالهم، {ألا إِنهم هم الكاذبون} البالغون في الكذب إلى غايةٍ لا مطمح وراءها، حيث تجاسروا على الكذب بين يدي علاّم الغيوب. {استحوذَ عليهم الشيطانُ} استولى عليهم ومَلَكَهم، {فأنساهم ذكرَ الله} بحيث لم يذكروه بقلوبهم ولا بألسنتهم، {أولئك حزبُ الشيطان} أي: جنوده وأتباعه، {ألا إِنّ حزبَ الشيطان هم الخاسرون} أي: الموصوفون بالخسران الذي لا غياية وراءه، حيث فوّتوا على أنفسهم النعيم المقيم، وأخذوا بدله العذاب الأليم، وفي تصدير الجمة بحرفي التنبيه والتحقيق، وإظهار الشيطان معاً في موضع الإضمارِ، وتوسيط ضمير الفصل، من فنون التأكيد ما لا يخفى. الإشارة: منافقون الصوفية هم الذين يُقرُّون أهلَ الظاهر وينصرونهم، ويُنكرون على أهل الباطن، فإذا لقوهم أظهروا لهم المودّة والوفاق، وادَّعوا أنهم منهم، فهم مذبذبون بين ذلك، لا إلى هؤلاء، ولا إلى هؤلاء، ليسوا من أهل الظاهر المحض، ولا من أهل الباطن، لعدم تحققهم به، تجر الآية ذيلَها عليهم. والعذاب المعدّ لهم غم الحجاب، وتخلُّفهم عن درجات المقربين. قوله تعالى: {اتخذوا أَيمانهم جُنة} قال القشيري: مَن استتر بحُجة طاعته لأجل دنياه؛ انكشف لسهام التقدير من حيث لا يشعر، ثم لا دينُه يبقى، ولا دنياه تَسْلَم. قال تعالى: {لن تُغني عنهم أموالُهم ولا أولادهم من الله شيئاً} الآية. هـ. يوم يبعثهم الله جميعاً فيتحاشون إلى المقربين، ويحلفون بلسان حالهم: أنهم كانوا منهم، كما يحلفون اليوم، ويظنون أنهم من أهل الباطن، ويحسبون أنهم على شيء، فيبدوا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون، وذلك لعدم صُحبتهم للعارفين المخلِصين، حصل لهم الغلظ، فوقفوا مع حُسبانهم الضال، ولو دامت صُحبتُهم لأهل التوحيد الخاص لتنبّهوا لغلطهم. استحوذ عليهم الشيطانُ، فزيّن لهم الوقوفَ مع ما هم فيه، فأنساهم ذكرَ العيان، فكانوا من حزب الشيطان في الجملة، بالنسبة إلى مَن فوقهم. قال شاة الكرماني: علامة استحواذ الشيطان على العبد: أن يشغله بعمارة ظاهره، من المأكل والملبس، ويشغل قلبه عن التفكُّر في آلاء الله ونعمائه، والقيام بشكرها، ويشغل لسانه عن ذكر ربه، بالكذب والغيبة والبهتان، ويشغل قلبه عن التفكُّر والمراقبة بتدبير الدنيا وجمعها. هـ. ثم ذكر مآل حزب الشيطان، فقال: {إِنَّ الَّذِينَ يُحَآدُّونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ}.
الجنابذي
تفسير : {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ تَوَلَّوْاْ قَوْماً غَضِبَ ٱللَّهُ عَلَيْهِم} قيل المراد منهم قوم من المنافقين كانوا يوالون اليهود ويفشون اليهم اسرار المؤمنين ويجتمعون معهم على ذكر مساءة النّبىّ (ص) والمؤمنين {مَّا هُم مِّنكُمْ} لعدم ايمانهم باطناً {وَلاَ مِنْهُمْ} لاقرارهم اللّسانىّ بالاسلام {وَيَحْلِفُونَ عَلَى ٱلْكَذِبِ} اى على عدم مجالستهم لهؤلاء القوم، او عدم استماعهم الى ازدراء المؤمنين، او على قصد تقوية الدّين والكلّ كذب منهم {وَهُمْ يَعْلَمُونَ} انّهم يحلفون على الكذب.
الهواري
تفسير : قوله: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْاْ قَوْماً غَضِبَ اللهُ عَلَيْهِم مَّا هُم مِّنكُمْ وَلاَ مِنْهُمْ} وهم المنافقون وَادُّوا المشركين وناصحوهم فأدّوا إليهم أخبار المؤمنين وأسرارهم. قال: {مَّا هُم مِّنكُمْ} يقوله للمؤمنين: ما هم منكم أي ليسوا من المؤمنين في الاسم والثواب [ما هم منكم في باطن أمرهم، إنما يظهرون لكم الإيمان وليس في قلوبهم] {وَلاَ مِنْهُمْ} يعني من المشركين [في ظاهر أمرهم لأنهم يظهرون لكم الإِيمان ويسرون معهم الشرك]. ليسوا من المشركين في الحكم والسيرة. كقوله تعالى: (أية : مُّذَبْذَبِينَ بَينَ ذَلِكَ لآ إِلَى هَؤُلآءِ وَلآ إِلَى هَؤُلآءِ) تفسير : [النساء:143]. قال: {وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} أي وهم يعلمون أنهم كاذبون فيما حلفوا عليه، أي أنهم منكم وليسوا منكم. كقوله تعالى: (أية : وَيَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنكُمْ وَمَا هُم مِّنكُمْ وَلَـٰكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ) تفسير : [التوبة:56]. قال عز وجل: {أَعَدَّ اللهُ لَهُمْ عَذَاباً شَدِيداً إِنَّهُمْ سَآءَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ اتَّخَذُواْ أَيْمَانَهُمْ} أي: حلفهم {جُنَّةً} وهو كقوله: (أية : إِذَا جَآءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُواْ نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللهِ وَاللهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللهُ يَشْهَدُ إِنَّ المْنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ) تفسير : [المنافقون:1]. وذلك أنهم قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: إنا إذا أتينا المشركين شهدنا إنك لرسول الله، فكذبهم الله في الذي قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال عز وجل: {إِذَا جَآءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُواْ نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللهِ } أي: إنا شهدنا بذلك عند المشركين. قال عز وجل: {وَاللهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللهُ يَشْهَدُ إِنَّ المْنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ} أي فيما ذكروا لك أنهم يشهدون عند المشركين إنك لرسوله. وكانوا يحلفون للنبي وللمؤمنين ليصدقوهم، فقال: {اتَّخَذُواْ أَيْمَانَهُمْ} أي حلفهم لك {جُنَّةً} اجتنوا بها منكم، وأسروا نفاقهم ولم يظهروه. لكي لا يقتلوا [ولا تسبى ذريتهم ولا تؤخذ أموالهم]، إذا أظهروا نفاقهم لأنهم يعلمون أن الحكم فيهم إذا أظهروا نفاقهم القتل. كقوله تعالى: (أية : لَّئِن لَّمْ يَنتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لاَ يُجَاوِرُونَكَ فِيهَآ إِلاَّ قَلِيلاً مَّلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُواْ أُخِذُواْ وَقُتِّلُواْ تَقْتِيلاً. سُنَّةَ اللهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلُ) تفسير : [الأحزاب:60] أي: هكذا سنة الله في منافقي كل أمة خلت من قبل: القتل إن لم ينتهوا عن إظهار نفاقهم. وكذلك سنته في منافقي أمتك إن لم ينتهوا عن إظهار نفاقهم. قال تعالى: {فَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ اللهِ} أي: عن الإسلام، كانوا يصدون عنه قال: {فَلَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينُ} أي: من الهوان في عذاب جهنم.
اطفيش
تفسير : {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا} الى والواو هم المنافقون {قَوْماً غَضِبَ اللهُ عَلَيْهِم} هم اليهود نقلوا اليهم اسرار المسلمين ونصحوهم وودوهم. {مَّاهُم} أي المنافقون. {مِّنكُم} من المؤمين {وَلا مِنْهُمْ} من اليهود مذبذبين ذلك لا إلى هؤلاء والى هؤلاء ويحتمل ان يراد ما القوم المغضوب عليهم منكم ولا من الذين تولوهم وقيل: المغضوب عليهم المشركون مطلقا والاول اظهر كقوله من لعنه الله وغضب عليه. {وَيَحْلِفُونَ عَلَى الكَذِبِ} وهو الاسلام الذي يدعونه {وَهُمْ يَعْلَمُونَ} انهم كاذبون في قولهم انا مسلمون وذكر العلم تقوية في الذم يحلفون على شيء جزموا بخلافه وقيل: لان الكذب ان يكون الخبر لا على وفق المخبر عنه سواء علم المخبر أو لم يعلم قال جار الله: قيل: حديث : كان عبد الله بن نبتل المنافق يجالس رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم يرفع حديثه إلى اليهود فبينما رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجرة من حجره اذ قال يدخل عليكم الآن رجل قلبه قلب جبار وينظر بعين شيطان فدخل ابن نبتل وكان أزرق فقال صلى الله عليه وسلم: علام تشتمني انت واصحابك فحلف بالله ما فعل فقال صلى الله عليه وسلم: فعلت فانطلق فجاء باصحابه فحلفوا بالله ما سبوه تفسير : فنزلت.
الالوسي
تفسير : {أَلَمْ تَرَ } تعجيب من حال المنافقين الذين كانوا يتخذون اليهود أولياء ويناصحونهم وينقلون إليهم أسرار المؤمنين، وفيه على ما قال الخفاجي: تلوين للخطاب بصرفه عن المؤمنين إلى الرسول صلى الله عليه وسلم. أي ألم تنظر {إِلَى ٱلَّذِينَ تَوَلَّوْاْ } أي والوا {قوْماً غَضِبَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ } وهم اليهود {مَّـا هُم } أي الذين تولوا {مّنكُمْ } معشر المؤمنين {وَلاَ مِنْهُمْ } أي من أولئك القوم المغضوب عليهم أعني اليهود لأنهم منافقون مذبذبون بين ذلك، وفي الحديث «حديث : مثل المنافق مثل الشاة العائرة بين غنمين ـ أي المترددة بين قطيعين ـ لا تدري أيهما تتبع»تفسير : .وجوز ابن عطية أن يكون {هُمْ } للقوم، وضمير {مِنْهُمْ } للذين تولوا، ثم قال: فيكون فعل المنافقين على هذا أخس لأنهم تولوا [قوماً] مغضوباً عليهم ليسوا من أنفسهم فيلزمهم ذمامهم ولا من القوم المحقين فتكون الموالاة صواباً. والأول هو الظاهر والجملة عليه مستأنفة، وجوز كونها حالاً من فاعل {تَوَلَّوْاْ } ورد بعدم الواو، وأجيب بأنهم صرحوا بأن الجملة الاسمية المثبتة أو المنفية إذا وقعت حالاً تأتي بالواو فقط وبالضمير فقط وبهما معاً، وما هٰهنا أتت بالضمير أعني هم، وعلى ما قال ابن عطية في موضع الصفة لقوم. وذكر المولى سعد الله أن في {مّنكُمْ } التفاتاً، وتعقب بأنه إن غلب فيه خطاب الرسول صلى الله عليه وسلم فظاهر أنه لا التفات فيه وإن لم يغلب فكذلك لا التفات فيه إذ ليس فيه مخالفة لمقتضى الظاهر لسبق خطابهم قبله، وفي جعله التفاتاً على رأي السكاكي نظر. {وَيَحْلِفُونَ عَلَى ٱلْكَذِبِ } عطف على {تَوَلَّوْاْ } داخل في حيز التعجيب، وجوز عطفه على جملة {مَّا هُم مّنكُمْ } وصيغة المضارع للدلالة على تكرر الحلف، وقوله تعالى: {وَهُمْ يَعْلَمُونَ } حال من فاعل ـ يحلفون ـ مفيدة لكمال شناعة ما فعلوا فإن الحلف على ما يعلم أنه كذب في غاية القبح. واستدل به على أن الكذب يعم مايعلم المخبر مطابقته للواقع وما لا يعلم مطابقته له فيرد به على مذهبـي النظام والجاحظ إذ عليهما لا حاجة إليه، وبحث فيه أنه يجوز أن يراد بالكذب ما خالف اعتقادهم {وَهُمْ يَعْلَمُونَ } بمعنى يعلمون خلافه فيكون جملة حالية مؤكدة لا مقيدة، نعم التأسيس هو الأصل لكنه غير متعين، والاحتمال يبطل الاستدلال والكذب الذي حلفوا عليه دعواهم الإسلام حقيقة، وقيل: إنهم ما شتموا النبـي صلى الله عليه وسلم بناءاً على ما روي «حديث : أنه كان رسول الله صلى الله عليه وسلم جالساً في ظل حجرة من حجره وعنده نفر من المسلمين، فقال: إنكم سيأتيكم إنسان ينظر إليكم بعيني شيطان فإذا جاءكم فلا تكلموه فلم يلبثوا أن طلع عليهم رجل أزرق فقال عليه الصلاة والسلام حين رآه: علام تشتمني أنت وأصحابك فقال: ذرني آتك بهم فانطلق فدعاهم فحلفوا» فنزلتتفسير : ، وهذا الحديث أخرجه الإمام أحمد والبزار وابن المنذر وابن أبـي حاتم والبيهقي في «الدلائل» وابن مردويه والحاكم وصححه عن ابن عباس إلا أن آخره «فأنزل الله { أية : يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ ٱللَّهِ جَمِيعاً فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ } تفسير : [المجادلة: 18]» الآية والتي بعدها، ولعله يؤيد أيضاً اعتبار كون الكذب دعواهم أنهم ما شتموا. وفي «البحر» رواية نحو ذلك عن السدي ومقاتل، وهو ـ أنه عليه الصلاة والسلام ـ حديث : قال لأصحابه: يدخل عليكم رجل قلبه قلب جبار وينظر بعيني شيطان فدخل عبد الله بن نبتل وكان أزرق أسمر قصيراً خفيف اللحية فقال صلى الله عليه وسلم: علام تشتمني أنت وأصحابك فحلف بالله ما فعل فقال له: فعلت فجاء بأصحابه فحلفوا بالله ما سبوه ـ فنزلتتفسير : ، والله تعالى أعلم بصحته. وعبد الله هذا هو الرجل المبهم في الخبر الأول، وهو ابن نبتل - بفتح النون وسكون الباء الموحدة وبعدها تاء مثناة من فوق ولام - ابن الحرث بن قيس الأنصاري الأوسي ذكره ابن الكلبـي والبلاذري في المنافقين، وذكره أبو عبيدة في الصحابة فيحتمل كما قال ابن حجر: إنه اطلع على أنه تاب، وأما قوله في «القاموس»: عبد الله بن نبيل ـ كأمير ـ من المنافقين فيحتمل أنه هو هذا، واختلف في ضبط اسم أبيه ويحتمل أنه غيره.
ابن عاشور
تفسير : هذه حالة أخرى من أحوال أهل النفاق هي تولّيهم اليهود مع أنهم ليسوا من أهل ملتهم لأن المنافقين من أهل الشرك. والجملة مستأنفة استئنافاً ابتدائياً لأنها عود إلى الغرض الذي سبقت فيه آيات {أية : إن الذين يحادون الله ورسوله كبتوا}تفسير : [المجادلة: 5] بعد أن فصل بمستطردات كثيرة بعده. والقوم الذين غضب الله عليهم هم اليهود وقد عرفوا بما يرادف هذا الوصف في القرآن في قوله تعالى: { أية : غير المغضوب عليهم}تفسير : [الفاتحة: 7]. والاستفهام تعجيبي مثل قوله: {أية : ألم تر إلى الذين نُهُوا عن النجوى}تفسير : [المجادلة: 8]. ووجه التعجيب من حالهم أنهم تولَّوْا قوماً من غير جنسهم وليسوا في دينهم ما حملهم على توليهم إلا اشتراك الفريقين في عداوة الإِسلام والمسلمين. وضمير {ما هم} يحتمل أن يعود إلى {الذين تولوا} وهم المنافقون فيكون جملة {ما هم منكم ولا منهم} حالاً من {الذين تولوا}، أي ما هم مسلمون ولا يهود. ويجوز أن يعود الضمير إلى {قوماً} وهم اليهود. فتكون جملة {ما هم منكم} صفة {قوماً} قوماً ليسوا مسلمين ولا مشركين بل هم يهود. وكذلك ضمير {ولا منهم} يحتمل الأمرين على التعاكس وكلا الاحتمالين واقع. ومراد على طريقة الكلام الموجه تكثيراً للمعاني مع الإِيجاز فيفيد التعجيب من حال المنافقين أن يتولوا قوماً أجانب عنهم على قوم هم أيضاً أجانب عنهم، على أنهم إن كان يفرق بينهم وبين المسلمين اختلاف الدّين فإن الذي يفرق بينهم وبين اليهود اختلاف الدين واختلاف النسب لأن المنافقين من أهل يثرب عرب ويفيد بالاحتمال الآخر الإخبار عن المنافقين بأن إسلامهم ليس صادقاً، أي ما هم منكم أيها المسلمون، وهو المقصود. ويكون قوله: {ولا منهم} على هذا الاحتمال احتراساً وتتميماً لحكاية حالهم، وعلى هذا الاحتمال يكون ذم المنافقين أشد لأنه يدل على حماقتهم إذ جعلوا لهم أولياء مَن ليسوا على دينهم فهم لا يوثق بولايتهم وأضمروا بغض المسلمين فلم يصادفوا الدين الحق. {ويحلفون على الكذب} عطف على {تولوا} وجيء به مضارعاً للدلالة على تجدده ولاستحضار الحالة العجيبة في حين حلفهم على الكذب للتنصل مما فعلوه. والكذب الخبر المخالف للواقع وهي الأخبار التي يخبرون بها عن أنفسهم في نفي ما يصدر منهم في جانب المسلمين. {وهم يعلمون} جملة في موضع الحال، وذلك أدخل في التعجيب لأنه أشنع من الحلف على الكذب لعدم التثبت في المحلوف عليه. وأشار هذا إلى ما كان يحلفه المنافقون للنبيء صلى الله عليه وسلم وللمسلمين إذَا كشف لهم بعض مكائدهم، ومن ذلك قول الله تعالى فيهم: {أية : ويحلفون بالله إنهم لمنكم وما هم منكم}تفسير : [التوبة: 56]، وقوله: {أية : يحلفون بالله لكم ليرضوكم}تفسير : [التوبة: 62] وقوله: {أية : يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر}تفسير : [التوبة: 74]. قال السدِّي ومقاتل: نزلت في عبد الله بن أبي وعبد الله بن نبتل (بنون فباء موحدة فمثناة فوقية) كان أحدهما وهو عبد الله بن نبتل يجالس النبي صلى الله عليه وسلم ويرفع أخباره إلى اليهود ويسبّ النبي صلى الله عليه وسلم فإذا بلغ خبره أو أطلعه الله عليه جاء فاعتذر وأقسم إنه ما فعل. وجملة {إنهم ساء ما كانوا يعملون} تعليل لإِعداد العذاب الشديد لهم، أي أنهم عملوا فيما مضى أعمالاً سيئة متطاولة متكررة كما يؤذن به المضارع من قوله: {يعملون}. وبين {يعملون}، و{يعلمون} الجناس المقلوب قَلْب بعض.
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ تَوَلَّوْاْ قَوْماً غَضِبَ ٱللَّهُ عَلَيْهِم مَّا هُم مِّنكُمْ وَلاَ مِنْهُمْ} قال بعض أهل العلم: معنى {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ تَوَلَّوْا}: ألم ينته علمك إلى الذين تولوا. وقد قدمنا الرد على من قال: إن لفظة {أَلَمْ تَرَ} لا تعدى إلا بحرف الجر الذي هو إلى، ولا تتعدى بنفسها إلى المفعول، وبينا أن ذلك وإن كان هو الذي في القرآن في جميع المواضع فإن تعديتها إلى المفعول بنفسها صحيحة. ومن شواهد ذلك قول امرئ القيس: شعر : ألم ترياني كلما جئت طارقاً وجدت بها طيباً وإن لم تطيب تفسير : والمراد إنكار الله على المنافقين توليهم القوم الذين غضب الله عليهم، وهم اليهود والكفار، وهذا الإنكار يدل على شدة منع ذلك التولي، وقد صرح الله بالنهي عن ذلك في قوله تعالى:{أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَوَلَّوْاْ قوْماً غَضِبَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ}تفسير : [الممتحنة: 13]. وما تضمنته هذه الآية الكريمة من كون المنافقين ليسوا من المؤمنين، ولا من القوم الذين تولوهم وهم الذين غضب الله عليهم من اليهود، جاء موضحاً في غير هذا الموضع كقوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱلْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ ٱللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ}تفسير : [النساء: 142] - إلى قوله - {أية : مُّذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذٰلِكَ لاَ إِلَىٰ هَـٰؤُلاۤءِ وَلاَ إِلَى هَـٰؤُلاۤءِ}تفسير : [النساء: 143].
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: ألم تر إلى الذين تولوا: أي ألم تنظر إلى المنافقين الذين تولوا. قوما غضب الله عليهم: أي اليهود. ما هم منكم ولا منهم: أي ما هم منكم أيها المؤمنون ولا منهم أي من اليهود بل هم مذبذبون. ويحلفون على الكذب وهم يعلمون: أي يحلفون لكم أنهم مؤمنون وهم يعلمون أنهم غير مؤمنين. إنهم ساء ما كانوا يعملون: أي قبح أشد عملهم وهو النفاق والمعاصي. اتخذوا أيمانهم جنة: أي ستراً على أنفسهم وأموالهم فادعوا الإِيمان كذباً وحلفوا أنهم مؤمنون وما هم بمؤمنين. فصدوا عن سبيل الله: أي فصدوا بتلك الأيمان المؤمنين عن سبيل الله التي هي جهادهم وقتالهم. فيحلفون له كما يحلفون لكم: أي يوم يبعثهم من قبورهم يوم القيامة يحلفون لله أنهم كانوا مؤمنين كما يحلفون اليوم لكم أنهم مؤمنون. ويحسبون أنهم على شيء: أي يظنون في أيمانهم الكاذبة أنهم على شيء من الحق. استحوذ عليهم الشيطان: أي غلب عليهم الشيطان. فأنساهم ذكر الله: فلم يذكروه بألسنتهم إلا تقية ولا يذكرون وعده ولا وعيده. أولئك حزب الشيطان: أي أولئك البعداء أتباع الشيطان وجنده. ألا إن حزب الشيطان هم الخاسرون: أي إن أتباع الشيطان وجنده هم المغبونون الخاسرون في صفقة حياتهم. معنى الآيات: في هذه الأيام التي نزلت فيها هذه السورة كان النفاق بالمدينة بالغاً أشده، وكان اليهود كذلك كثيرين ومتحزبين ضد الإِسلام والمسلمين وذلك قبل اجلائهم من المدينة ففي هذه الآية يحذر الله تعالى رسوله والمؤمنين من العدوين معاً ويكشف الستار عنهم ليظهرهم على حقيقتهم ليحذَرَهُمْ المؤمنين فيقول تعالى {أَلَمْ تَرَ} أي تنظر يا رسولنا إلى الذين تولوا قوماً غضب الله عليهم وهم اليهود تولاهم المنافقون ولاية نصرة وتحزب ضد الرسول والمؤمنين. يقول تعالى هؤلاء المنافقون ما هم منكم أيها المؤمنون ولا منهم من اليهود بل هم مذبذبون حيارى يترددون بينكم وبين اليهود معكم في الظاهر ومع اليهود في الباطن. وقوله تعالى: {وَيَحْلِفُونَ عَلَى ٱلْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} أي أنهم كاذبون إذ كانوا يأتون رسول الله ويحلفون له أنهم مؤمنون به وبما جاء به وهم يعلمون أنهم كاذبون إذ هم غير مؤمنين به ولا مصدقين. فتوعدهم الله عز وجل بقوله: {أَعَدَّ ٱللَّهُ لَهُمْ عَذَاباً شَدِيداً} أي هيأ لهم وأحضره وذلك يوم القيامة، وندد بصنيعهم وقبح سلوكهم بقوله إنهم ساء ما كانوا يعملون ولذا أعد لهم العذاب الشديد لسوء سلوكهم وقبح أعمالهم. وقوله تعالى: {ٱتَّخَذْوۤاْ أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ فَلَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ} أي اتخذ هؤلاء المنافقون أيمانهم التي يحلفونها لكم بأنهم مؤمنون وما هم بمؤمنين اتخذوها ستارة ووقاية يقون بها أنفسهم من القتل وأموالهم من الأخذ فصدوا بتلك الأيمان الكاذبة المؤمنين عن سبيل الله التي هي قتالهم لأنهم كفار مشركون يجب قتالهم حتى يدخلوا في دين الله أو يهلكوا لأنهم ليسوا أهل كتاب فتقبل منهم الجزية. وقوله تعالى {فَلَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ} أي يوم القيامة يهانون ويذلون به. وقوله تعالى {لَّن تُغْنِيَ عَنْهُمْ} أي يوم القيامة أموالهم التي يجمعونها ويتمتعون بها اليوم كما لا تغني عنهم أولادهم الذين يعتزون بهم من الله شيئاً من الإِغناء فلا تقبل منهم فدية فيفتدون بأموالهم ولا يطلبون من أولادهم نصرة فينصرونهم. أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون لا يخرجون منها ولا يموتون فيها ولا يحيون. وقوله تعالى {يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ ٱللَّهُ جَمِيعاً} أي اذكر يا رسولنا يوم يبعثهم الله جميعاً في عرصات القيامة فيحلفون له أنهم كانوا مؤمنين كما يحلفون لكم اليوم أنهم مؤمنون. ويحسبون اليوم أي يظنون أنهم على شيء من الصواب والحق ألا إنهم هم الكاذبون استحوذ عليهم الشيطان أي غلب عليهم فأنساهم ذكر الله فلا يذكرونه إلا قليلاً كما أنساهم ذكر وعده ووعيده فلذا هم لا يرغبون فيما عنده ولا يرهبون مما لديه. أولئك حزب الشيطان أي أتباعه وجنده. ألا إنَّ حزب الشيطان أي أتباعه وجنده هم الخاسرون أي المغبونون في صفقتهم في هذه الحياة الدنيا وفي الآخرة. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- حرمة موالاة اليهود. 2- حرمة الحلف على الكذب وهي اليمين الغموس. 3- من علامات استحواذ الشيطان على الإِنسان تركه لذكر الله بقلبه ولسانه ولوعده ووعيده بأعماله وأقواله.
القطان
تفسير : ألم تر: أخبِرني، وهو اسلوب من الكلام يراد به التعجب واظهار الغرابة للمخاطب. الذين تولوا قوما الخ...: هم المنافقون واليهود. قوما غضب الله عليهم: هم اليهود. ما هم منكم ولا منهم: لأنهم مذبذبون. ويحلفون على الكذب: يعني يحلفون بأنهم معكم وهم كاذبون. جُنة: بضم الجيم، وقاية وسترا. استحوذ عليهم الشيطان: استولى عليهم. هذه الآيات الخمسُ في المنافقين وأخبارهم، وكذِبِهم على الله ورسوله صلى الله عليه وسلم. وسيأتي بعدَ أربَعِ سورٍ سورةٌ خاصة بالمنافقين. ألم تر أيها الرسول إلى هؤلاء المنافقين الذين اتخذوا اليهودَ المغضوبَ عليهم أولياءَ يناصحونهم وينقلون إليهم أسرار المؤمنين! إنهم ليسوا من المؤمنين إلا في الظاهر، كما أنهم ليسوا من اليهود،{أية : مُّذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذٰلِكَ لاَ إِلَىٰ هَـٰؤُلاۤءِ} تفسير : [النساء: 143]. ثم بين الله تعالى أنهم يَحلِفون الأيمان الكاذبة ليُظهروا أنهم مسلمون، ويَشهدوا ان محمدا رسولُ الله، والله يشهدُ إنهم كاذبون. لقد أعدّ الله لهؤلاء المنافقين عذاباً شديداً في الدنيا، وأشدّ منه في الآخرة، وذلك على أعمالهم السيّئة وأقوالهم الزائفة وعدم ثباتهم على شيء. {ٱتَّخَذْوۤاْ أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ فَلَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ}. لقد أظهروا الإيمان وأبطنوا الكفر، وتستّروا بالأيمان الكاذبة فجعلوها وقايةً لأنفسهم من القتل. وبها انخدع كثيرٌ من المؤمنين ممن لا يعرِف حقيقةَ أمرِهم، وبهذه الوسيلة صدُّوا كثيراً من الناس عن سبيلِ الله، فلهم عذابٌ شديد الإهانة يوم القيامة. ثم بين الله تعالى أن كلَّ ما عندَهم من أموالٍ واولاد لا يُغنيهم شيئا، ولا يدفع عنهم العذابَ الذي أُعِدَّ لهم. {أُوْلَـٰئِكَ أَصْحَابُ ٱلنَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ}. اذكر لقومكَ أيها الرسولُ حالَهم يومَ يبعثُهم الله جميعا من قبورهم فيحلِفون له أنهم ما كانوا مشرِكين كما كانوا يحلِفون لكم في الدنيا، ويظنون انهم بِقَسَمِهِم هذا ينجون من عذابِ الله. {أَلاَ إِنَّهُمْ هُمُ ٱلْكَاذِبُونَ} فيما يحلفون عليه، كما جاء في قوله تعالى: {أية : ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ وَٱللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ} تفسير : [الأنعام: 23]. ثم بين الله السببَ الذي أوقعَهم في الضلال، وهو أن الشيطان استولى عليهم فغلَبَتْ أهواؤهم وتَبِعوا شهواتِهِم. {فَأَنسَاهُمْ ذِكْرَ ٱللَّهِ} الشيطانُ الذي أغواهم. وأولئك هم جنودُ الشيطان وحِزبُه. {أَلاَ إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الخَاسِرُونَ}.
د. أسعد حومد
تفسير : (14) - يُنْكِرُ اللهُ تَعَالَى عَلَى المُنَافِقِينَ مُوَالاَتَهُمْ لِلْيَهُودِ، وَمُنَاصَحَتَهُمْ إِيَّاهُمْ، وَنَقْلَهُمْ أَسْرَارَ المُؤْمِنينَ إِلَيهِمِ. فَيَقُولُ تَعَالَى لِرَسُولِهِ الكَرِيمِ مَا مَعْنَاهُ: أَلاَ تَرَى إِلَى حَالِ هَؤُلاَءِ المُنَاقِقِينَ، الذِينَ يَتَوَلَّوْنَ اليَهُودَ، الذِينَ غَضِبَ اللهُ عَلَيْهِمْ، لِكُفْرِهِمْ، وَلِكِتْمَانِهِمْ رِسَالَةَ مُحَمَّدٍ، وَهِيَ الحَقُّ الذِي يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ، إِنَّهَا لَحَالٌ تُثِيرُ العَجَبَ. فَهُمْ يُنَاصِحُونَ اليَهُودَ، وَيُبَلِّغُونَهُمْ جَمِيعَ مَا يَعْرِفُونَهُ مِنْ دَخَائِلِ المُسْلِمِينَ، اكْتِسَاباً لِوِدِّهِمْ وَصَدَاقَتِهِمْ، وَهُمْ مَعَ المُؤْمِنينَ، يَتَظَاهَرُونَ بِالإِيْمَانِ، وَبِالإِخْلاَصِ لِلإِسْلاَمِ وَالمُسْلِمِينَ. ثُمَّ يُخْبِرُ تَعَالَى: أَنَّ هَؤُلاَءِ المُنَافِقِينَ لَيْسُوا فِي الحَقِيقَةِ وَالوَاقِعِ مِنَ المُؤْمِنِينَ، لأَِنَّهُمْ لَوْ كَانُوا مُؤْمِنينَ لَطَبَعَ الإِيْمَانُ أَعْمَالَهُمْ. وَلَمَا وَالَوا اليَهُودَ أَعْدَاءَ اللهِ، وَهُمْ فِي نَفْسِ الوَقْتِ لَيْسُوا مِنَ اليَهُودِ، لأَِنَّهُمْ لاَ يَعْتَقِدُونَ أَنَّهُمْ عَلَى حَقٍّ فِي دِينِهِمْ، وَلَكِنَّهُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يَحْتَفِظُوا بِمَوَدَّتِهِمْ، فَقَدْ يَحْتَاجُونَ إِلَيهَا، إِذَا دَارَتِ الدَّائِرَةُ عَلَى المُؤْمِنِينَ. وَيُؤَكِّدُ هَؤُلاَءِ المُنَافِقُونَ إِيمَانَهُمْ وَإِخْلاَصَهُمْ، أَمَامَ الرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم وَأَمَامَ المُؤْمِنينَ، بِحَلْفِ الأَيْمَانِ الكَاذِبَةِ عَلَى أَنَّهُمْ مُؤْمِنُونَ مُخْلِصُونَ فِيمَا يَقُولُونَ، وَاللهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ فِيمَا يَقُولُونَ، لأَِنَّهُمْ لاَ يَعْتَقِدُونَ هُمْ أَنْفُسُهُمْ صِدْقَهُ. تَوَلَّوْا قَوْماً - اتَّخَذُوا اليَهُودَ أَوْلياءَ. غَضِبَ اللهُ عَلَيْهِمْ - هُمُ اليَهُودُ.
الجيلاني
تفسير : ثمَّ أشار سبحانه إلى تفضيح المبالغين، وتوبيخهم فقال: {أَلَمْ تَرَ} أيها المعتبر الرائي {إِلَى} المنافقين {ٱلَّذِينَ تَوَلَّوْاْ} أي: والوا وتحابوا {قَوْماً غَضِبَ ٱللَّهُ عَلَيْهِم} يعني: اليهود، واختاروا موالاتهم، وصاحبوا معهم في خلواتهم، واغتابوا المؤمنين عندهم، مع أنهم {مَّا هُم} أي: المنافقون {مِّنكُمْ } أيها المؤمنون حقيقةً، وإن كانوا منكم ظاهراً {وَلاَ مِنْهُمْ} أي: من اليهود ظاهراً، وإن كانوا منهم حقيقةً {وَ} من شدة شقاقهم ونفاقهم: {يَحْلِفُونَ} بالله {عَلَى ٱلْكَذِبِ} صريحً، وهو دعوى الإسلام والإخلاء مع المؤمنين {وَ} الحال أنه {هُمْ يَعْلَمُونَ} [المجادلة: 14] كذب أنفسهم، ويزورون بحلفهم على المؤمنين تغريراً، مع أنه لا نفع لحلفهم عند الله، ولا يدفع شيئاً من عذابه. إذ {أَعَدَّ ٱللَّهُ} المراقب على عموم أحوالهم {لَهُمْ} أي: المنافقين الحالفين على الكذب {عَذَاباً شَدِيداً} أشد من عذاب اليهود المجاهرين بالكفر بلا زور وتزوير، وبالجملة: {إِنَّهُمْ} أهل النفاق من خبث طينتهم، وشدة شكيمتهم سَآءَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ{} [المجادلة: 15] من التمرن على النفاق، والإصرار بموالاة أهل الشرك والشقاق. قيل: نزلت في عبد الله بن نبتل المنافق؛ إذ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم جالساً في حجرة من حجراته فقال لجلاسه: "حديث : يدخل عليكم الآن رجل قلبه قلب جبار، ينظر بعين شيطان" فدخل عبد الله بن نبتل، وكان أزرق، فقال صلى الله عليه وسلم: "علام تشتمني أنت وأصحابك؟!"تفسير : ، فحلف بالله ما فعل، ثمَّ جال أصحابه فحلفوا جميعاً على الكذب، وبالجملة: {ٱتَّخَذْوۤاْ أَيْمَانَهُمْ} الكاذبة {جُنَّةً} وقاية لدمائهم وأموالهم {فَصَدُّواْ} ومنعوا المؤمنين؛ بسبب حلفهم الكذب {عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ} الذي هو غزوهم وقتلهم في النشأة الأولى {فَلَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ} [المجادلة: 16] في النشأة الأخرى؛ لاستهانتهم بالله بالحلف الكاذب، ولا يدفع عنهم الإهانة والعذاب يومئذٍ أصلاً. إذ {لَّن تُغْنِيَ} وتدفع يومئذٍ {عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلاَ أَوْلاَدُهُمْ مِّنَ} عذاب {ٱللَّهِ شَيْئاً} بل {أُوْلَـٰئِكَ} الأشقياء البعداء عن منهج الحق {أَصْحَابُ ٱلنَّارِ} أي: ملازمومها وملاصقوها؛ إذ {هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [المجادلة: 17] مخلدون، لا يرجى نجاتهم منها أصلاً.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : يخبر تعالى عن شناعة حال المنافقين الذين يتولون الكافرين، من اليهود والنصارى وغيرهم ممن غضب الله عليهم، ونالوا من لعنة الله أوفى نصيب، وأنهم ليسوا من المؤمنين ولا من الكافرين، {أية : مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لا إِلَى هَؤُلاءِ وَلا إِلَى هَؤُلاءِ }. تفسير : فليسوا مؤمنين ظاهرا وباطنا لأن باطنهم مع الكفار، ولا مع الكفار ظاهرا وباطنا، لأن ظاهرهم مع المؤمنين، وهذا وصفهم الذي نعتهم الله به، والحال أنهم يحلفون على ضده الذي هو الكذب، فيحلفون أنهم مؤمنون، وهم يعلمون أنهم ليسوا مؤمنين. فجزاء هؤلاء الخونة الفجرة الكذبة، أن الله أعد لهم عذابا شديدا، لا يقادر قدره، ولا يعلم وصفه، إنهم ساء ما كانوا يعملون، حيث عملوا بما يسخط الله ويوجب عليهم العقوبة واللعنة. { اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً } أي: ترسا ووقاية، يتقون بها من لوم الله ورسوله والمؤمنين، فبسبب ذلك صدوا أنفسهم وغيرهم عن سبيل الله، وهي الصراط الذي من سلكه أفضى به إلى جنات النعيم. ومن صد عنه فليس إلا الصراط الموصل إلى الجحيم، { فَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ } حيث استكبروا عن الإيمان بالله والانقياد لآياته، أهانهم بالعذاب السرمدي، الذي لا يفتر عنهم ساعة ولا هم ينظرون. { لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا } فلا تدفع عنهم شيئا من العذاب، ولا تحصل لهم قسطا من الثواب، { أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ } الملازمون لها، الذين لا يخرجون عنها، و { هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ } ومن عاش على شيء مات عليه. فكما أن المنافقين في الدنيا يموهون على المؤمنين، ويحلفون لهم أنهم مؤمنون، فإذا كان يوم القيامة وبعثهم الله جميعا، حلفوا لله كما حلفوا للمؤمنين، ويحسبون في حلفهم هذا أنهم على شيء، لأن كفرهم ونفاقهم وعقائدهم الباطلة، لم تزل ترسخ في أذهانهم شيئا فشيئا، حتى غرتهم وظنوا أنهم على شيء يعتد به، ويعلق عليه الثواب، وهم كاذبون في ذلك، ومن المعلوم أن الكذب لا يروج على عالم الغيب والشهادة. وهذا الذي جرى عليهم من استحواذ الشيطان الذي استولى عليهم، وزين لهم أعمالهم، وأنساهم ذكر الله، وهو العدو المبين، الذي لا يريد بهم إلا الشر، {أية : إنما يدعو حزبه ليكونوا من أصحاب السعير }. تفسير : { أُولَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ } الذين خسروا دينهم ودنياهم وأنفسهم وأهليهم.
همام الصنعاني
تفسير : 3181- معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {قَوْماً غَضِبَ ٱللَّهُ عَلَيْهِم}: [الآية: 14]، قال: هم اليهود تولاهم المنافقون.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):