٥٨ - ٱلْمُجَادِلَة
58 - Al-Mujadila (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
16
Tafseer
الرازي
تفسير : وفيه مسألتان: المسألة الأولى: قرأ الحسن: {ٱتَّخَذْواْ أَيْمَـٰنَهُمْ } بكسر الهمزة، قال ابن جني: هذا على حذف المضاف، أي اتخذوا ظهار إيمانهم جنة عن ظهور نفاقهم وكيدهم للمسلمين، أو جنة عن أن يقتلهم المسلمون، فلما أمنوا من القتل اشتغلوا بصد الناس عن الدخول في الإسلام بإلقاء الشبهات في القلوب وتقبيح حال الإسلام. المسألة الثانية: قوله تعالى: {فَلَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ } أي عذاب الآخر، وإنما حملنا قوله: {أَعَدَّ ٱللَّهُ لَهُمْ عَذَاباً شَدِيداً } على عذاب القبر، وقوله ههنا: {فَلَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ } على عذاب الآخر، لئلا يلزم التكرار، ومن الناس من قال: المراد من الكل عذاب الآخرة، وهو كقوله: {أية : ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ زِدْنَـٰهُمْ عَذَابًا فَوْقَ ٱلْعَذَابِ } تفسير : [النحل: 88].
المحلي و السيوطي
تفسير : {ٱتَّخَذُواْ أَيْمَٰنَهُمْ جُنَّةً } ستراً عن أنفسهم وأموالهم {فَصَدُّواْ } بها المؤمنين {عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ } أي الجهاد فيهم بقتلهم وأخذ أموالهم {فَلَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ } ذو إهانة.
ابن عادل
تفسير : قوله تعالى: {ٱتَّخَذْوۤاْ أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً}. قرأ العامة: "أيْمَانَهُمْ" - بفتح الهمزة - جمع "يَمِين". والحسن وأبو العالية - بكسرها - مصدراً هنا، وفي "المُنَافقين"، أي: إقرارهم اتخذوه جُنّة يستجنُّون بها من القَتْلِ. قال ابن جني: "هذا على حذف مضاف، أي: اتخذوا إظهار أيمانهم جُنَّة من ظهور نفاقهم". وقوله تعالى: {أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً} مفعولان لـ "اتَّخَذُوا". قوله: {لهم عذاب مهين} في الدنيا بالقَتْل وفي الآخرة بالنار. وقيل: المراد من الكل عذاب الآخرة، كقوله عز وجل: {أية : ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَاباً فَوْقَ ٱلْعَذَابِ} تفسير : [النحل: 88]. الصّد عن سبيل الله: المنع عن الإسلام. وقيل: إلقاء الأراجيف وتَثْبِيط المسلمين عن الجهاد. قوله تعالى: {لَّن تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلاَ أَوْلاَدُهُم مِّنَ ٱللَّهِ شَيْئاً} تقدم الكلام عليه في آل عمران. قال مقاتل رحمه الله: قال المنافقون: إن محمداً يزعم أنه ينصر يوم القيامة لقد شقينا إذاً، فوالله لننصرنّ يوم القيامة بأنفسنا وأموالنا وأولادنا إن كانت قيامة، فنزلت الآية. قوله تعالى: {يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ ٱللَّهُ جَمِيعاً} أي: لهم عذاب مهين يوم يبعثهم الله، فيحلفون له كما يحلفون لكم اليوم. قال ابن عباس رضي الله عنهما: يحلفون لله - تعالى - يوم القيامة كذباً كما حلفوا لأوليائه في الدنيا، وهو قولهم: {أية : وَٱللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ} تفسير : [الأنعام: 23] ويحسبون أنهم على شيء، بإنكارهم وحلفهم. قال ابن زيد: ظنوا أنه ينفعهم في الآخرة. وقيل: يحسبون في الدنيا أنهم على شيء؛ لأنهم في الآخرة يعلمون الحق باضطرار، والأول أظهر. والمعنى: أنهم لشدة توغلهم في النفاق ظنّوا يوم القيامة أنهم يمكنهم ترويج كذبهم بالأيمان الكاذبة على علام الغيوب، وإليه الإشارة بقوله تعالى: {أية : وَلَوْ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ} تفسير : [الأنعام: 28]. قال القاضي والجُبَّائي: إن أهل الآخرة لا يكذبون، فالمراد من الآية أنهم يحلفون في الآخرة: إنا ما كنا كافرين عند أنفسنا، وعلى هذا الوجه لا يكون الحلف كذباً، وقوله تعالى: {أَلاَ إِنَّهُمْ هُمُ ٱلْكَاذِبُونَ} أي: في الدنيا. قال ابن الخطيب: "وتفسير هذه الآية على هذا الوجه يقتضي ركاكة عظيمة في النَّظْم". روى ابن عباس - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : يُنَادِي مُنَادٍ يَوْمَ القِيَامَةِ: أيْنَ خُصَمَاءُ اللَّهِ تعالى؟ فَتقُومُ القدريَّةُ مُسْودَّةً وجُوهُهُمْ، مُزْرَقَّةً أعْيُنُهُمْ، مَائِلٌ شِدْقُهُمْ يَسِيْلُ لُعَابهُم، فيقُولُونَ: واللَّهِ ما عَبَدْنَا مِنْ دُونِكَ شَمْساً ولا قَمَراً ولا صَنَماً، ولا اتَّخَذْنَا مِنْ دُونِكَ إلهاً ". تفسير : وقال ابن عباس رضي الله عنهما: صدقوا ولله، أتاهم الشرك من حيث لا يعلمون، ثم تلا: {وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَىٰ شَيْءٍ أَلاَ إِنَّهُمْ هُمُ ٱلْكَاذِبُونَ}، هم والله القدرية ثلاثاً. قوله تعالى: {ٱسْتَحْوَذَ}. جاء به على الأصل، وهو فصيح استعمالاً، وإن شذ قياساً. وقد أخرجه عمر - رضي الله عنه - على القياس، فقرأ: "اسْتَحَاذَ" كـ "استبان". وتقدم هذه المادة في "النساء" في قوله تعالى: {أية : أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ} تفسير : [النساء: 141]. قال الزجاج: "اسْتَحْوَذَ" في اللغة استولى، يقال: حذت الإبل، إذا استوليت عليها وجمعتها. وقال المبرد: "استحوذ على الشيء: حواه وأحاط به". قيل: المعنى غلب عليهم الشيطان بِوسْوستِهِ في الدنيا. وقيل: قوي عليهم فأنساهم ذكر الله، أي: أوامره في العمل بطاعته. وقيل: زواجره في النهي عن معصيته، والنِّسيان قد يكون بمعنى الغَفْلة، ويكون بمعنى الترك، والوجهان محتملان هاهنا، {أُوْلَـٰئِكَ حِزْبُ ٱلشَّيْطَانِ}: طائفته ورهطُه {أَلاَ إِنَّ حِزْبَ ٱلشَّيْطَانِ هُمُ الخَاسِرُونَ} في بيعهم؛ لأنهم باعوا الجنة بجهنم، وباعوا الهدى بالضلالة. فصل فيمن استدل بالآية على خلق الأعمال احتجّ القاضي بهذه الآية في خلق الأعمال من وجهين: الأول: أن ذلك النسيان لو حصل بخلق الله - تعالى - لكان إضافتها إلى الشيطان كذباً. الثاني: لو حصل ذلك بخلق الله لكانوا كالمؤمنين في كونهم حزب الله لا حزب الشيطان. قوله تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ يُحَآدُّونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ} تقدم أول السورة. {أُوْلَـٰئِكَ فِي ٱلأَذَلِّينَ}. أي: من جملة الأذلاء لا أذلّ منهم؛ لأن ذل أحد الخصمين يدلّ على عز الخصم الثاني، فلما كانت عزة الله - تعالى - غير متناهية كانت ذلة من ينازعه غير متناهية أيضاً. قوله تعالى: {كَتَبَ ٱللَّهُ لأَغْلِبَنَّ أَنَاْ وَرُسُلِيۤ}. يجوز أن يكون "كَتَبَ" جرى مجرى القسم، فأجيب بما يجاب به. وقال أبو البقاء: وقيل: هي جواب "كتب"؛ لأنه بمعنى "قال". وهذا ليس بشيء؛ لأن "قال" لا يقتضي جواباً، فصوابه ما تقدم. ويجوز أن يكون "لأغلبن" جواب قسم مقدر، وليس بظاهر. فصل في تفسير الآية قال المفسرون: {كتب الله لأغلبن} أي: قضى الله ذلك. وقيل: كتب في اللوح المحفوظ قاله قتادة. وقال الفراء: "كتب" بمعنى "قال". وقوله: "أنا" توكيد، "ورسلي" من بعث منهم بالحرب، فإن الرسول بالحرب غالب، ومن بعث منهم بالحُجّة غالب أيضاً، فإذا انضم إلى الغلبة بالحجة الغلبة بالحرب كان أغلب وأقوى. قال مقاتل: قال المؤمنون: لئن فتح الله لنا "مكة" و "الطائف" و "خيبر" وما حولهن رجَوْنَا أن يظهرنا الله - تعالى - على "فارس" و "الروم"، فقال عبد الله بن أبيّ ابن سلول: أتظنون "الروم" و "فارس" كبعض القرى التي غلبتم عليها، والله إنهم لأكثر عدداً وأشد بطشاً من أن تظنوا فيهم ذلك، فنزلت: {لأَغْلِبَنَّ أَنَاْ وَرُسُلِيۤ}. ونظيره: {أية : وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا ٱلْمُرْسَلِينَ إِنَّهُمْ لَهُمُ ٱلْمَنصُورُونَ وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ ٱلْغَالِبُونَ} تفسير : [الصافات: 171 - 173]. قوله: {وَرُسُلِيۤ}. قرأ نافع وابن عامر بفتح "الياء". والباقون: لا يحركون. قال أبو علي: "التَّحريك والإسكان جميعاً حسنان". وقوله تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ} قوي على نُصْرة أنبيائه "عَزِيزٌ" غالب لا يدفعه أحد عن مُرَاده. قوله تعالى: {لاَّ تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ يُوَآدُّونَ مَنْ حَآدَّ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ}. "يوادُّون" هو المفعول الثاني لـ "تَجِدُ"، ويجوز أن تكون المتعدية لواحد بمعنى "صادق ولقي"، فيكون "يوادّون" حالاً، أو صفة لـ "قوماً". ومعنى "يوادُّون" أي: يحبون ويوالون {مَنْ حَآدَّ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ}. وقد تقدم الكلام على المُحَادّة. والمعنى: أنه لا يجتمع الإيمان مع ودادةِ أعداء الله. فصل في المراد بهذه الموادّة فإن قيل: أجمعت الأمة على أنه تجوز مخالطتهم ومعاملتهم ومعاشرتهم فما هذه الموادة المحرمة؟. فالجواب أن الموادّة المحرمة هي إرادة منافعه ديناً ودُنْيا مع كونه كافراً، فأما سوى ذلك فلا حَظْر فيه. قوله تعالى: "ولو كانوا" هذه "واو" الحال. وقدّم أولاً الآباء؛ لأنهم تجب طاعتهم على أبنائهم، ثم ثنَّى بالأبناء؛ لأنهم أعلقُ بالقلوب وهم حياتها، قال الحماسي في معنى ذلك، رحمة الله عليه رحمة واسعة: [السريع] شعر : 4733- وإنَّمَا أوْلادُنَا بَيْنَنَا أكْبَادُنَا تَمْشِي عَلَى الأرْضِ تفسير : ثم ثلَّث بالإخوان؛ لأنهم هم الناصرون بمنزلة العضُد من الذِّراع. قال رحمه الله: [الطويل] شعر : 4734- أخَاكَ أخَاكَ إنَّ مَنْ لا أخَا لَهُ كَسَاعٍ إلى الهَيْجَا بِغَيْرِ سِلاحِ وإنَّ ابْنَ عَمِّ المَرْءِ - فَاعْلمْ - جَنَاحُهُ وهَلْ يَنْهَضُ البَازِي بِغَيْرِ جَنَاحِ تفسير : ثم ربع بالعشيرة؛ لأن بها يستعان وعليها يعتمد. قال بعضهم، رحمة الله عليه: [البسيط] شعر : 4734- لا يَسْألُونَ أخَاهُمْ حِيْنَ يَنْدُبُهُمْ في النَّائِبَاتِ عَلَى مَا قَالَ بُرْهَانَا تفسير : وقرأ أبو رجاء: "عَشِيْراتهم"، بالجمع، كما قرأها أبو بكر في "التوبة" كذلك. فصل في مناسبة الآية لما بالغ في المنع من هذه الموادة في الآية الأولى من حيث أن الموادة مع الإيمان لا يجتمعان، بالغ هاهنا أيضاً من وجوه، وهي قوله تعالى: {وَلَوْ كَانُوۤاْ آبَآءَهُمْ أَوْ أَبْنَآءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ} والمعنى: أن الميل إلى هؤلاء أعظم أنواع المحبة، ومع هذا فيجب أن يكون هذا الميل مطرحاً بسبب الدين. قال ابن عباس رضي الله عنهما: نزلت هذه الآية في أبي عبيدة بن الجراح قتل أباه عبد الله بن الجراح يوم "أحد"، وعمر بن الخطاب - رضي الله عنه - قتل خاله العاص بن هشام بن المغيرة يوم "بدر"، وأبي بكر - رضي الله عنه - قال ابن جريح: "حديث : حدثت أن أبا قحافة سبَّ النبي صلى الله عليه وسلم فصكّه أبو بكر - رضي الله عنه - صكَّة سقط منها على وجهه ثم أتى النبي صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له، فقال: "أو فَعَلْتَهُ لا تَعُدْ إليْهِ"، فقال: والذي بعثك بالحق نبيًّا لو كان السيف منِّي قريباً لقتلته"تفسير : ، ومصعب بن عمير قتل أخاه عبيد بن عمير، وعلي بن أبي طالب وحمزة وعبيدة - رضي الله عنهم - قتلوا عتبة وشيبة والوليد بن عتبة يوم "بدر" أخبر أن هؤلاء لم يوادُّوا أقاربهم وعشائرهم غضباً لله تعالى ودينه. فصل في الاستدلال بالآية على معاداة القدرية قال القرطبي: استدل مالك - رحمه الله - بهذه الآية على معاداة القدرية، وترك مجالستهم. قال أشهب عن مالك: لا تجالسوا القدرية، وعادوهم في الله، لقول الله عز وجل: {لاَّ تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ يُوَآدُّونَ مَنْ حَآدَّ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ}. قال القرطبي: وفي معنى أهل القدر جميع أهل الظُّلم والعدوان. وعن الثوري - رضي الله عنه - أنه قال: كانوا يرون أنها نزلت فيمن يصحب السلطان. وعن عبد العزيز بن أبي رواد: أنه لقي المنصور في الطّواف فلما عرفه هرب منه، وتلا هذه الآية. وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول: "حديث : اللَّهُمَّ لا تَجْعَلْ لفَاجِرِ عِنْدِي نِعْمَةً، فإنِّي وجَدْتُ فِيْمَا أوْحَيْتَ إليَّ: {لاَّ تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ}" تفسير : الآية . قوله: {أُوْلَـٰئِكَ كَتَبَ}. قرأ العامّة: "كَتَبَ" مبنيًّا للفاعل، وهو الله - سبحانه وتعالى - "الإيمان" نصباً، وأبو حيوة في رواية المفضل: "كُتِبَ" مبنيًّا للمفعول "الإيمان" رفع به. والضمير في "منه" لله تعالى. وقيل: يعود على "الإيمان"؛ لأنه روح يحيا به المؤمنون في الدارين. قاله السدي، أي: أيدهم بروح من الإيمان، يدل عليه قوله تعالى: {أية : وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ رُوحاً مِّنْ أَمْرِنَا} تفسير : [الشورى: 52]. فصل في معنى كتب الإيمان معنى "كتب الإيمان" أي: خلق في قلوبهم التصديق، يعني من لم يُوالِ من حاد الله. وقيل: "كَتَبَ": أثبت. قاله الربيع بن أنس. وقيل: جعل كقوله تعالى: {أية : فَٱكْتُبْنَا مَعَ ٱلشَّاهِدِينَ} تفسير : [آل عمران: 53] أي: اجعلنا، وقوله تعالى: {أية : فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ ٱلزَّكَـاةَ} تفسير : [الأعراف: 156]. وقيل "كتب" أي: جمع، ومنه الكتيبة، أي: لم يكونوا ممن يقول: نؤمن ببعض، ونكفر ببعض. وقيل: {كتب في قلوبهم الإيمان} أي: على قلوبهم الإيمان، كقوله تعالى: {أية : فِي جُذُوعِ ٱلنَّخْلِ} تفسير : [طه: 71]. وخص القلوب بالذكر، لأنها موضع الإيمان. قوله: "وأيَّدهُمْ"، أي: قوَّاهم ونصرهم بروح منه. قال الحسن: بنصر منه. قال ابن عباس: نصرهم على عدوهم، وسمى تلك النصرة روحاً؛ لأنه به يحيا أمرهم. وقال الربيع بن أنس رضي الله عنه: بالقرآن وحججه. وقال ابن جريح: بنُورٍ وبُرهان وهدى. وقيل: برحمة من الله. وقيل: أيَّدهم بجبريل صلوات الله وسلامه عليه. قوله: {وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ ٱللَّهُ عَنْهُمْ} أي: قبل أعمالهم {وَرَضُواْ عَنْهُ} فرحوا بما أعطاهم {أُوْلَـٰئِكَ حِزْبُ ٱللَّهِ أَلاَ إِنَّ حِزْبَ ٱللَّهِ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ}. وهذه في مقابلة قوله تعالى: {أُوْلَـٰئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلاَ إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الخَاسِرُونَ}، وهذه الآية زجر عن التودّد إلى الكُفَّار والفُسَّاق، والله - سبحانه وتعالى - أعلم بالصواب. روى الثعلبي في تفسيره عن أبي بن كعب - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : مَنْ قَرَأ سُورَةَ المُجادلةِ كُتِبَ مِنْ حِزْبِ الله - تعالى - يَوْمَ القِيَامَةِ ".
البقاعي
تفسير : ولما دلت هذه الجملة على سوء أعمالهم ومداومتهم عليها، أكد ذلك بقوله: {اتخذوا} أي كلفوا فطرهم الأولى المستقيمة لما لهم من العراقة في اعوجاج الطبع والمحبة للأذى {أيمانهم} الكاذبة التي لا تهون على من في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان {جنة} أي وقاية وسترة من كل ما يفضحهم من النفاق كائناً ما كان، أو يوجب قتلهم بما يقع منهم من الكفران. ولما كان علمهم بأنه يرضى منهم بالظاهر ويصدق أيمانهم هو الذي جرأهم على العظائم، فكانوا يرغبون الناس في النفاق بعاجل الشهوات ويثبطونهم عن الدين بما فيه من عاجل الكلف وآجل الثواب، سبب عن قبول إيمانهم قوله مظهراً بزيادة التوبيخ لهم: {فصدوا} أي كان قبول ذلك منهم وتأخير عقابهم سبباً لإيقاعهم الصد {عن سبيل الله} أي شرع الملك الأعلى الذي هو الطريق إلى رضوانه الذي هو سبب الفوز الأعظم، فإنهم كانوا يثبطون من لقوا عن الدخول في الإسلام ويوهون أمره ويحقرونه، ومن رآهم قد خلصوا من المكاره بأيمانهم الحانثة وردت عليهم الأرزاق استدراجاً وحصلت لهم الرفعة عند الناس بما يرضونهم من أقوالهم المؤكدة بالأيمان غره ذلك فاتبع سنتهم في أقوالهم وأفعالهم، ونسج على منوالهم، غروراً بظاهر أمرهم، معرضاً عما توعدهم الله سبحانه عليه من جزاء خداعهم ومكرهم، وأجرى الأمر على أسلوب التهكم باللام التي تكون في المحبوب فقال: {فلهم} أي فتسبب عن صدهم أنهم كان لهم {عذاب مهين *} جزاء بما طلبوا بذلك الصد إعزاز أنفسهم وإهانة أهل الإسلام. ولما كان لهم أموال وأولاد يتعززون بها، قال مستأنفاً دالاًّ على أن من استتر بجنة دون طاعته لتسلم دنياه وراءه تكشف لسهام التقدير من حيث لا يشعر، ثم لا دينه يبقى ولا دنياه تسلم: {لن تغني} أي بوجه من الوجوه {عنهم} أي في الدنيا ولا في الآخرة بالافتداء ولا بغيره {أموالهم} وأكد النفي بإعادة النافي للتنصيص على كل منهما فقال: {ولا أولادهم} أي بالنصرة والمدافعة {من الله} إي إغناء مبتدئاً من الملك الأعلى الذي لا كفوء له {شيئاً} أي من إغناء ولو قل جدّاً، فمهما أراد بهم سبحانه كان ونفد ومضى، لا يدفعه شيء تكذيباً لمن قال منهم: لئن كان يوم القيامة لتكونن أسعد فيه منكم كما نحن الآن ولننصرن بأنفسنا وأموالنا وأولادنا. ولما انتفى الإغناء المبتدئ من الله فانتفى بانتفائه كل إغنائه سواه، أنتج ذلك قوله: {أولئك} أي البعداء من كل خير {أصحاب النار} ولما أفهمت الصحبة الملازمة، أكدها بقوله: {هم} أي خاصة لاضمحلال عذاب غيرهم - لكونهم في الهاوية - في جنب عذابهم {فيها} أي خاصة دون شيء يقصر عنها {خالدون *} أي مقيمون باقون دائمون لازمون إلى غير نهاية. ولما كان إفسادهم لذات البين سراً، وحلفهم على نفي ذلك جهراً مع الإلزام بقبول ما ظهر من ذلك منهم مع علمه سبحانه وتعالى بأنه كذب غائظاً موجعاً، وكان ربما توهم متوهم أنه تعالى كما ألزم بقبولنا لما ظهر منهم في دار العمل يأمر بقبولهم في دار الجزاء، قال نافياً لذلك معزياً للمؤمنين بأنهم يفعلون ذلك معه سبحانه بعد كشف الغطاء وتحقيق الأمور، لأن الإنسان يبعث على ما مات عليه، لأن ذلك جبلته التي لا ينفك عنها، ولا ينفعهم ذلك، ذاكراً ظرف الخلود وإظهار التعذيب: {يوم يبعثهم الله} أي الملك الذي له جميع صفات الكمال بإحيائهم عما كانوا فيه من الموت وردهم إلى ما كانوا قبله {جميعاً} لا يترك أحداً منهم ولا من غيرهم إلا أعاده إلى ما كان عليه قبل موته {فيحلفون} أي فيتسبب عن ظهور القدرة التامة لهم ومعاينة ما كانوا يكبون به من البعث والنار أنهم يحلفون {له} أي الله في الآخرة أنهم مسلمون فيقولون: والله ربنا ما كنا مشركين، ونحوه من الأكذوبات التي تزيدهم ضرراً، ولا تغني عنهم شيئاً بوجه من الوجوه، جرياً على ما طبعوا عليه من إيثار الهوى والقصور على النظر في المحسوسات التي ألفوها {كما يحلفون} في الدنيا {لكم} لكونكم لا تعلمون الغيب مع توقعهم أن الله يفضحهم كما فعل لهم ذلك مراراً، وحلفهم ناشئ عن اعتقاد بعدهم من القبول فإنه لا يحلف لك إلا من يظن أنك تكذبه: قال القشيري: عقوبتهم الكبرى ظنهم الأجنبية، وغاية الجهد كبهم على مناخرهم في وهدة ندمهم. ولما كان الذي يحملهم على الإقدام على ذلك ضعف عقولهم وتوغلهم في النفاق ومرودهم عليه حتى بعثوا على مثل ذلك مع علمهم بأن ذلك لا ينجيهم لإحاطة علمه سبحانه، عبر بالحسبان، فقال دالاًّ على أنهم في الغاية من الجهل وقلة العقل: {ويحسبون} أي في القيامة بأيمانهم الكاذبة {أنهم على شيء} أي يحصل لهم به نفع لتخيلهم أن أيمانهم تروج على الله فتنجيهم كما كانت في الدنيا تنجيهم. ولما أفهم ذلك أن أمورهم لا حقائق لها لا في إخباراتهم ولا في أيمانهم ولا في حسبانهم، قال منادياً عليهم مؤكداً لتكذيب حسبانهم: {ألا إنهم} أي خاصة {هم الكاذبون *} أي المحكوم بكذبهم في حسبانهم وفي أخبارهم في الدارين لعراقتهم في وصف الكذب حيث لا يستحيون من الكذب عند الله. ولما كان هذا الانهماك فيما لا يغني مما يحصل لسامعه غاية العجب من وقوع عاقل فيه مرة من الدهر، فضلاً عن ملازمته، أخبر عن الحامل لهم عليه، فقال مستأنفاً: {استحوذ} أي طلب أن يغلب ويسوق ويسرع ويضرب الحوطة ويحث ويقهر ويستولي {عليهم الشيطان} مع أنه طريد ومحترق، ووجد منه جميع ذلك، ووصل منهم إلى ما يريده، وملكهم ملكاً لم يبق لهم معه اختيار فصاروا رعيته وأقطاعه، وصار هو محيطاً بهم من كل جهة، غالباً عليهم ظاهراً وباطناً، من قولهم: حذت الإبل أي استوليت عليها، وحاذ الحمار العانة - إذا جمعها وساقها غالباً لها، والحوذ: السوق السريع، ومنه الأحوذي: الخفيف في المشي لحدقه، وجاء على الأصل على حكم الصحيح لأنه لم يبن على حاذ كافتقر فإنه لا مجرد له، لم يقولوا: فقر: {فأنساهم} أي فتسبب عن استحواذه عليهم أنه أنساهم {ذكر الله} أي الذي له الأسماء الحسنى والصفات العلى بعد أن كان ذكره مركوزاً في فطرهم الأولى، فصاروا لا يذكرونه أصلاً بقلب، ولا لسان. ولما كان ذلك، أنتج ولا بد قوله: {أولئك} أي الذين أحلوا أنفسهم أبعد منزل {حزب الشيطان} أي أتباعه وجنده وجماعته وطائفته وأصحابه والمحدقون به والمتحيزون إليه لدفع ما حزبه أي نابه واشتد عليه، المبعدون المحترقون لأنهم تبعوه ولم يخافوا في مجازيته وإنفاذ ما يريد لومة لائم مع أنه كله نقائص ومعايب، وهم مطبوعون على بغضه، وتركوا من له الكمال كله، وكر وحبه مركوز في فطرهم، فلذلك كانت ترجمة هذا ونتيجته قوله: {ألا} وأكد لظنهم الريح بما لهم في الدنيا من الكثرة وظهرو التعاضد والاستدراج بالبسط والسعة فقال: {إن حزب الشيطان} أي الطريد المحترق {هم} أي خاصة {الخاسرون *} أي العريقون في هذا الوصف لأنهم لم يظفروا بغير الطرد والاحتراق.
ابو السعود
تفسير : {ٱتَّخَذْواْ أَيْمَـٰنَهُمْ} الفاجرةَ التي يحلفونَ بِهَا عندَ الحاجَةِ وقُرِىءَ بكسرِ الهمزةِ أيْ إيمانُهُم الذي أظهروه لأهل الإسلامِ {جُنَّةُ} وقايةً وسترةً دونَ دمائِهم وأموالِهم فالاتخاذُ على هذهِ القراءةِ عبارةٌ عن التسترِ بما أظهروه بالفعلِ وأمَّا عَلى القراءةِ الأولى عبارةٌ عن إعدادِهم لأيمانِهم الكاذبةِ وتهيئتِهم لَها إلى وقتِ الحاجةِ ليحلفوا بِهَا ويتخلصُوا من المؤاخذةِ لا عنِ استعمالِها بالفعلِ فإنَّ ذلك متأخرٌ عنِ المؤاخذة المسبوقةِ بوقوعِ الجنايةِ والخيانةِ، واتخاذُ الجُنَّةِ لاَ بُدَّ أنْ يكونَ قبلَ المؤاخذةِ وعن سبَبِها أيضاً كَمَا يعربُ عنْهُ الفاءُ في قولِهِ تَعَالى: {فَصَدُّواْ} أي الناس {عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ} في خلالِ أمنهِم بتثبـيطِ من لقوْا عنِ الدخولِ في الإسلامِ وتضعيفِ أمرِ المسلمينَ عندهُمْ {فَلَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ} وعيدٌ ثانٍ بوصفٍ آخرَ لعذابِهم وقيلَ: الأولُ عذابُ القبرِ وَهَذا عذابُ الآخرةِ. {لَن تُغْنِىَ عَنْهُمْ أَمْوٰلُهُمْ وَلاَ أَوْلـٰدُهُم مّنَ ٱللَّهِ} أي منْ عذابِه تَعَالى {شَيْئاً} منَ الإغناءِ رُوي أنَّ رجلاً منهم قالَ: لنُنصَرَنَّ يومَ القيامَةِ بأنفسنا وأموالِنا وأولادِنا {أُوْلَـٰئِكَ} الموصوفونَ بما ذكرَ منَ الصفاتِ القبـيحةِ {أَصْحَـٰبُ ٱلنَّارِ} أيْ ملازمُوهَا ومقارنُوهَا {هُمْ فِيهَا خَـٰلِدُونَ} لا يخرجونَ منها أبداً {يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ ٱللَّهِ جَمِيعاً} قيلَ: هو ظرفٌ لقولِهِ تَعَالى: {لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ} {فَيَحْلِفُونَ لَهُ} أيْ لله تعالى يومئذٍ على أنهُمْ مسلمونَ {كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ} فِي الدُّنيا {وَيَحْسَبُونَ} في الآخرةِ {أَنَّهُمْ} بتلكَ الأيمانِ الفاجرةِ {عَلَىٰ شَىْء} من جلبِ منفعةٍ أو دفعِ مضرةٍ كما كانُوا عليهِ في الدُّنيا حيثُ كانوا يدفعونَ بِهَا عنْ أرواحِهم وأموالِهم ويستجرونَ بها فوائدَ دنيويةً {أَلاَ إِنَّهُمْ هُمُ ٱلْكَـٰذِبُونَ} البالغونَ في الكذبِ إلى غايةٍ لا مطمحَ وراءَها حيثُ تجاسرُوا عَلى الكذبِ بـينَ يَدي علاَّمِ الغيوبِ وزعمُوا أنَّ أيمانَهُم الفاجرةَ تروجُ الكذبَ لديهِ كَمَا تروجُهُ عندَ الغافلينَ.
اسماعيل حقي
تفسير : {اتخذوا أيمانهم} الفاجرة التى يحلفون بها عند الحاجة واليمن فى الحلف مستعار من اليد اعتبارا بما يفعله المحالف والمعاهد عنده {جنة} وهى الترس الذى يجن صاحبه اى يستره والمعنى وقاية وسترة يسترون بها من المؤمنين ومن قتلهم ونهب أموالهم، يعنى بناهاى كه خون ومال ايشان درامان ماند، فالاتخاذ عبارة عن اعدادهم لايمانهم الكاذبة وتهيئتهم لها الى وقت الحاجة ليحلفوا بها ويتخلصوا من المؤاخذة لاعن استعمالها بالفعل فان ذلك متأخر عن المؤآخذة المسبوقة بوقوع الجناية والخيانة واتخاذ الجنة لابد أن يكون قبل المؤآخذة وعن سببها ايضا كما تعرب عنه الفاء فى قوله {فصدوا} اى منعوا الناس وصرفوهم {عن سبيل الله} اى عن دينه فى خلال أمنهم وسلامتهم وتثبيط من لقوا عن الدخول فى الاسلام وتضعيف أمر المسلمين عندهم {فلهم} بسبب كفرهم وصدهم {عذاب مهين} مخزى بين اهل المحشر وعيد ثان بوصف آخر لعذابهم وقيل الاول عذاب القبر وهذا عذاب الآخرة
الطوسي
تفسير : خمس آيات عراقي وشامي، والمدني الاول، واربع آيات وبعض آية مكي والمدني الآخر، عد العراقي والشامي والمدني الأول {في الأذلين} ولم يعده الباقون. لما ذكرالله تعالى المنافقين بأنهم تولوا قوماً من اليهود الذين غضب الله عليهم وذكر ما أعده لهم من العقاب، وذكر انهم يحلفون على الكذب مع علمهم بأنهم كاذبون قال انهم {اتخذوا أيمانهم} التي يحلفون بها {جنة} أي سترة وترساً يدفعون بها عن نفوسهم التهمة والظنة إذا ظهرت منهم الريبة. والاتخاذ جعل الشيء عدة، كما يقال: اتخذ سلاحاً، واتخذ كراعاً ورجالا واتخذ داراً لنفسه إذا اعدهما لنفسه، فهؤلاء جعلوا الأيمان عدة ليدفعوا بها عن نفوسهم الظنة. والجنة السترة وأصله التستر ومنه الجنة لاستتارهم عن العيون، والجنة لاستتارها بالشجر، والمجن الترس لستره صاحبه عن ان يناله السلاح. وقوله {فصدوا عن سبيل الله} أي صدوا نفوسهم وغيرهم عن سبيل الله التي هي الحق والهدى. وقيل: فصدوا عن سبيل الله من قبلهم بكفرهم. ثم بين تعالى ما لهم على ذلك فقال {فلهم عذاب مهين} يهينهم ويذلهم والاهانه الاحتقار يقال: اهانه يهينه إهانة، ومثله أذله يذله إذلالا واخزاه يخزيه إخزاء، ونقيضه الاكرام، ثم قال {لن تغني عنهم أموالهم} التي جمعوها {ولا أولادهم} الذين خلفوهم {من الله شيئاً} يدفع عقابه عنهم، أغنى يغني عنى اذا دفع عنه دفعاً يستغنى عنه. ثم قال {أولئك} مع هذا كله {أصحاب النار} أي الملازمون لها {وهم فيها خالدون} مؤبدون لا يخرجون عنها {يوم يبعثهم الله جميعاً} و {يوم} يتعلق بـ {لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئاً.. يوم يبعثهم الله جميعاً} يعنى يوم القيامة {فيحلفون له} أى يقسمون لله {كما يحلفون لكم} في الدنيا بأنهم كانوا مؤمنين في الدنيا في اعتقادهم وظنهم، لانهم كانوا يعتقدون أن ما هم عليه هو الحق {ويحسبون أنهم على شيء} معناه يظنون أنهم على شيء في هذه الأيمان. فقال الله تعالى {ألا إنهم هم الكاذبون} فيما يذكرونه من الأيمان والمعنى إنهم لم يكونوا مؤمنين على الحقيقة، وإنما كان اعتقادهم اعتقاد جهل. وقيل: معناه انهم {هم الكاذبون} في الدنيا. وقيل: معناه ألا إنهم هم الخائبون، يقال كذب ظنه اذا خاب أمله. وقال قوم {ويحسبون أنهم على شيء} يعنى في دار الدنيا، ولا يحسبون ذلك في الآخرة لانهم يعلمون الحق اضطراراً، وهم ملجئون الى الافعال الحسنة وترك القبيح. قال الرماني: وهذا غلط، لانه مخالف لظاهر القرآن بغير دليل، قال والصواب ما قال الحسن في أن الآخرة مواطن يمكنون في بعضها من فعل القبيح، ولا يمكنون في بعض، ويكون كذبهم ككذب الصبي الدهش الذى يلحقهم. وقال قوم: ان قوله {ألا إنهم هم الكاذبون} اخبار عن حالهم في الدنيا بأنهم كاذبون في الدنيا في قولهم: انا مؤمنون، وهم منافقون، لان الكذب لا يجوز ان يقع منهم في الآخرة على وجه. ثم قال تعالى {إن الذين يحادون الله ورسوله} أى يخالفونه في حدوده. وقال مجاهد: معناه يشاقون الله ورسوله بأن يحصلوا في حد آخر عادلين عن حدود الله. وقوله {أولئك في الأذلين} اخبار منه تعالى ان الذين يحادونه ويحادون رسوله اولئك في الاحقرين المهانين عند الله. وقال الزجاج: معناه في المغلوبين. وقوله {استحوذ عليهم الشيطان} معناه استولى عليهم، فالاستحواذ الاستيلاء على الشيء بالاقتطاع. واصله من حاذه حوذاً مثل جازه يجوزه جوزاً {فأنساهم ذكر الله} حتى لا يذكرون الله، ولا يخافونه ثم قال {أولئك} يعنى الذين {استحوذ عليهم الشيطان} جنود الشيطان وحزبه. ثم قال {ألا إن حزب الشيطان هم الخاسرون} لانهم يخسرون الجنة ويحصل لهم بدلها النار وذلك هو الخسران المبين
اطفيش
تفسير : {اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ} التي حلفوا بها جمع يمين وقرىء بالكسر مصدر آمن أي توحيدهم بالذي اظهروه وهو قراءة الحسن.{جُنَّةً} سترا عن دمائهم واموالهم {فَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللهِ} في خلال سلامتهم يثبطون من لقوا عن الدخول في الاسلام ويضعفون امر المسلمين عندهم وقيل صدوا المسلمين عن ان يقتلوهم ويسبوهم ويأخذوا اموالهم باظهار الايمان. {فَلَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ} يوقعهم في الهوان في الآخرة والدنيا وهو وعيد ثان وقيل الاول عذاب القبر والثاني عذاب الآخرة.
الالوسي
تفسير : {ٱتَّخَذْواْ أَيْمَـٰنَهُمْ } الفاجرة التي يحلفون بها عند الحاجة {جُنَّةُ } وقاية وسترة عن المؤاخذة. وقرأ الحسن ـ إيمانهم ـ بكسر الهمزة أي إيمانهم الذي أظهروه للنبـي صلى الله عليه وسلم وخلص المؤمنين؛ قال في «الإرشاد»: ((والاتخاذ على هذا عبارة عن التستر بالفعل كأنه قيل: تستروا بما أظهروه من الإيمان عن أن تستباح دماؤهم وأموالهم، وعلى قراءة الجمهور عبارة عن إعدادهم لأيمانهم الكاذبة وتهيئتهم لها إلى وقت الحاجة ليحلفوا بها ويخلصوا عن المؤاخذة لا عن استعمالها بالفعل فإن ذلك متأخر عن المؤاخذة المسبوقة بوقوع الجناية، وعن سببها أيضاً كما يعرب عنه الفاء في قوله تعالى: {فَصَدُّواْ } أي الناس {عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ } في خلال أمنهم بتثبيط من لقوا عن الدخول في الإسلام وتضعيف أمر المسلمين عندهم))، وقيل: فصدوا المسلمين عن قتلهم فإنه سبيل الله تعالى فيهم. وقيل: {صدوا} لازم، والمراد فأعرضوا عن الإسلام حقيقة وهو كما ترى {فَلَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ } وعيد ثان بوصف آخر لعذابهم، وقيل: الأول عذاب القبر وهذا عذاب الآخرة، ويشعر به وصفه بالإهانة المقتضية للظهور فلا تكرار.
ابن عاشور
تفسير : جملة مستأنفة استئنافاً بيانياً عن جملة {أية : ويحلفون على الكذب وهم يعلمون}تفسير : [المجادلة: 14]، لأن ذلك يثير سؤال سائل أن يقول: ما ألجأهم إلى الحلف على الكذب، فأجيب بأن ذلك لقضاء مآربهم وزيادة مكرهم. ويجوز أن تجعل الجملة خبراً ثانياً لأن في قوله: {أية : إنهم ساء ما كانوا يعملون}تفسير : [المجادلة: 15] وتكون داخلة في التعليل. والجُنّة: الوقاية والسترة، من جَنّ، إذا استتر، أي وقاية من شعور المسلمين بهم ليتمكنوا من صدّ كثير ممن يريد الدخول في الإِسلام عن الدخول فيه لأنهم يختلقون أكذوبات ينسبونها إلى الإِسلام والمسلمين وذلك معنى التفريع بالفاء في قوله تعالى: {فصدوا عن سبيل الله}. و «صدُّوا» يجوز أن يكون متعدّياً، وحذف مفعوله لظهوره، أي فصدُّوا الناسَ عن سبيل الله، أي الإِسلام بالتثبيط وإلصاق التهم والنقائص بالدين. ويجوز أن يكون الفعل قاصراً، أي فصدّوا هُم عن سبيل الله ومجيء فعل «صدوا عن سبيل الله» ماضياً مفرعاً على {اتخذوا أيمانهم جنة} مع أن أيمانهم حصلت بعد أن صدوا عن سبيل الله على كلا المعنيين مراعى فيه التفريع الثاني وهو {فلهم عذاب مهين}. وفُرع عليه {فلهم عذاب مهين} ليعلم أن ما اتخذوا من أيمانهم جُنّة سبب من أسباب العذاب يقتضي مضاعفة العذاب. وقد وصف العذاب أول مرة بشديد وهو الذي يجازون به على تولّيهم قوماً غَضِب الله عليهم وحلفهم على الكذب. ووصف عذابهم ثانياً بـ{مهين} لأنه جزاء على صَدّهم النّاس عن سبيل الله. وهذا معنى شديد العذاب لأجل عظيم الجرم كقوله تعالى: {أية : الذين كفروا وصدّوا عن سبيل الله زدناهم عذاباً فوق العذاب}تفسير : [النحل: 88]. فكان العذاب مناسباً للمقصدين في كفرهم وهو عذاب واحد فيه الوصفان. وكرر ذكره إبلاغاً في الإِنذار والوعيد فإنه مقام تكرير مع تحسينه باختلاف الوصفين.
الشنقيطي
تفسير : ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أن المنافقين اتخذوا أيمانهم جنة والأيمان جمع يمين، وهي الحلف، والجنة هي الترس الذي يتقي به المقاتل وقع السلاح، والمعنى أنهم جعلوا الإيمان الكاذبة، وهي حلفهم للمسلمين أنهم معهم وأنهم مخلصون في باطن الأمر، ترساً لهم يتقون به الشر الذي ينزل بهم لو صرحوا بكفرهم، وقوله تعالى {فَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ اللَّهِ} الظاهر أنه من صد المتعدية، وأن المفعول محذوف أي فصدوا غيرهم ممن أطاعهم لأن صدودهم في أنفسهم دل عليه قوله {ٱتَّخَذْوۤاْ أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً} والحمل على التأسيس أولى من الحمل على التأكيد، كما أوضحناه مراراً. وهذان الأمران اللذان تضمنتهما هذه الآية الكريمة وهما كون المنافقين يحلفون الأيمان الكاذبة لتكون لهم جنة، وأنهم يصدون غيرهم عن سبيل الله جاءا موضحين في آيات أخر من كتاب الله، أما أيمانهم الكاذبة فقد بينها الله جل وعلا في آيات كثيرة، كقوله تعالى في هذه السورة {أية : وَيَحْلِفُونَ عَلَى ٱلْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ}تفسير : [المجادلة: 14]، وقوله تعالى {أية : يَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَٱللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ}تفسير : [التوبة: 62] الآية، وقوله تعالى {أية : سَيَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ لَكُمْ إِذَا ٱنْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُواْ عَنْهُمْ فَأَعْرِضُواْ عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ}تفسير : [التوبة: 95] الآية. وقوله تعالى {أية : وَسَيَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ لَوِ ٱسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ}تفسير : [التوبة: 42] وقوله تعالى {أية : ٱتَّخَذُوۤاْ أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ إِنَّهُمْ سَآءَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ}تفسير : [المنافقون: 2]. وأما صدهم من أطاعهم عن سبيل الله فقد بينه الله في آيات من كتابه كقوله تعالى {أية : قَدْ يَعْلَمُ ٱللَّهُ ٱلْمُعَوِّقِينَ مِنكُمْ وَٱلْقَآئِلِينَ لإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا}تفسير : [الأحزاب: 18]، وقوله تعالى:{أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَقَالُواْ لإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُواْ فِي ٱلأَرْضِ أَوْ كَانُواْ غُزًّى لَّوْ كَانُواْ عِنْدَنَا مَا مَاتُواْ وَمَا قُتِلُواْ}تفسير : [آل عمران: 156]، وقوله تعالى:{أية : ٱلَّذِينَ قَالُواْ لإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُواْ لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُواْ}تفسير : [آل عمران: 168]، وقوله تعالى: {أية : وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَن لَّيُبَطِّئَنَّ}تفسير : [النساء: 72]. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة {فَلَهُمْ عَّذَابٌ مُّهِينٌ}، أي لأجل نفاقهم، كما قال تعالى {أية : إِنَّ ٱلْمُنَافِقِينَ فِي ٱلدَّرْكِ ٱلأَسْفَلِ مِنَ ٱلنَّارِ}تفسير : [النساء: 145] الآية.
د. أسعد حومد
تفسير : {أَيْمَانَهُمْ} (16) - أَظْهَرُوا الإِيْمَانَ، وَأَبْطَنُوا الكُفْرَ، وَتَسَتَّرُوا بِالإِيْمَانِ الكَاذِبِ، فَظَنَّ مَنْ لاَ يَعْرِفُ حَقِيقَةَ حَالِهِمْ أَنَّهُمْ صَادِقُونَ، فَاغْتَرَّ بِهِمْ، وَتَمَكَّنُوا بِذَلِكَ مِنْ صَدِّ كَثِيرٍ مِنَ النَّاسِ عَنِ الدُّخُولِ فِي الإِسْلاَمِ، فَلَهُمْ عِنْدَ اللهِ عَذَابٌ مُهِينٌ مُذِلٌّ، جَزَاءً لَهُمْ عَلَى سُوءِ صَنِيعِهِمْ، وَعَلَى حَلْفِهِمْ بِاسْمِ اللهِ العَظِيمِ كَذِباً وَرِيَاءً. جُنَّةً - وِقَايَةً لأَِنْفُسِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):