٥٨ - ٱلْمُجَادِلَة
58 - Al-Mujadila (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
20
Tafseer
الرازي
تفسير : أي في جملة من هو أذل خلق الله، لأن ذل أحد الخصمين على حسب عز الخصم الثاني، فلما كانت عزة الله غير متناهية، كانت ذلة من ينازعه غير متناهية أيضاً، ولما شرح ذلهم، بين عز المؤمنين فقال: {كَتَبَ ٱللَّهُ لأَغْلِبَنَّ أَنَاْ وَرُسُلِي } وفيه مسألتان: المسألة الأولى: قرأ نافع وابن عامر: {أَنَاْ وَرُسُلِي } بفتح الياء، والباقون لا يحركون، قال أبو علي: التحريك والإسكان جميعاً جائزان. المسألة الثانية: غلبة جميع الرسل بالحجة مفاضلة، إلا أن منهم من ضم إلى الغلبة بالحجة الغلبة بالسيف، ومنهم من لم يكن كذلك، ثم قال: {إِنَّ ٱللَّهَ قَوِيٌّ } على نصرة أنبيائه: {عَزِيزٌ } غالب لا يدفعه أحد عن مراده، لأن كل ما سواه ممكن الوجود لذاته، والواجب لذاته يكون غالباً للممكن لذاته، قال مقاتل: إن المسلمين قالوا: إنا لنرجو أن يظهرنا الله على فارس والروم، فقال عبد الله بن أبي: أتظنون أن فارس والروم كبعض القرى التي غلبتموهم، كلا والله إنهم أكثر جمعاً وعدة فأنزل الله هذه الآية.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يُحَآدُّونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ} تقدم أوّل السورة. {أُوْلَـٰئِكَ فِي ٱلأَذَلِّينَ} أي من جملة الأذلاء لا أذلّ منهم {كَتَبَ ٱللَّهُ لأَغْلِبَنَّ} أي قضى الله ذلك. وقيل: كتب في اللوح المحفوظ؛ عن قتادة. الفراء: كتب بمعنى قال. {أَنَاْ} توكيد {وَرُسُلِيۤ} من بُعث منهم بالحرب فإنه غالب بالحرب، ومن بُعث منهم بالحجة فإنه غالب بالحجة. قال مقاتل قال المؤمنون: لئن فتح الله لنا مكة والطائف وخيبر وما حولهن رجَوْنا أن يظهرنا الله على فارس والروم؛ فقال عبد الله بن أُبيّ بن سَلُول: أتظنون الروم وفارس مثل القرى التي غلبتم عليها؟! والله إنهم لأكثر عدداً، وأشد بطشاً من أن تظنوا فيهم ذلك؛ فنزلت: {لأَغْلِبَنَّ أَنَاْ وَرُسُلِيۤ}. نظيره: {أية : وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا ٱلْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ ٱلْمَنصُورُونَ * وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ ٱلْغَالِبُونَ } تفسير : [الصافات:171-173].
ابن كثير
تفسير : يقول تعالى مخبراً عن الكفار المعاندين المحادين لله ورسوله، يعني: الذين هم في حد، والشرع في حد، أي: مجانبون للحق، مشاقون له، هم في ناحية، والهدى في ناحية {أُوْلَـٰئِكَ فِى ٱلأَذَلِّينَ} أي: في الأشقياء المبعدين المطرودين عن الصواب، الأذلين في الدنيا والآخرة. {كَتَبَ ٱللَّهُ لأَغْلِبَنَّ أَنَاْ وَرُسُلِىۤ} أي: قد حكم وكتب في كتابه الأول، وقدره الذي لا يخالف ولا يمانع، ولا يبدل، بأن النصرة له ولكتابه ورسله وعباده المؤمنين في الدنيا والآخرة،وأن العاقبة للمتقين، كما قال تعالى: {أية : إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ ٱلأَشْهَـٰدُ يَوْمَ لاَ يَنفَعُ ٱلظَّـٰلِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ ٱلْلَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوۤءُ ٱلدَّارِ } تفسير : [غافر: 51 ــــ 52] وقال ههنا: { كَتَبَ ٱللَّهُ لأَغْلِبَنَّ أَنَاْ وَرُسُلِىۤ إِنَّ ٱللَّهَ قَوِىٌّ عَزِيزٌ} أي: كتب القوي العزيز أنه الغالب لأعدائه، وهذا قدر محكم وأمر مبرم؛ أن العاقبة والنصرة للمؤمنين في الدنيا والآخرة. ثم قال تعالى: {لاَّ تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلأَخِرِ يُوَآدُّونَ مَنْ حَآدَّ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوۤاْ ءَابَآءَهُمْ أَوْ أَبْنَآءَهُمْ أَوْ إِخْوَٰنَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ} أي: لا يوادّون المحادّين، ولو كانوا من الأقربين؛ كما قال تعالى: {أية : لاَّ يَتَّخِذِ ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلْكَـٰفِرِينَ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ فَلَيْسَ مِنَ ٱللَّهِ فِي شَىْءٍ إِلاَ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَـٰةً وَيُحَذِّرْكُمُ ٱللَّهُ نَفْسَهُ} تفسير : [آل عمران: 28] الآية. وقال الله تعالى: {أية : قُلْ إِن كَانَ ءَابَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَٰنُكُمْ وَأَزْوَٰجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَٰلٌ ٱقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَـٰرَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَـٰكِنُ تَرْضَوْنَهَآ أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُواْ حَتَّىٰ يَأْتِىَ ٱللَّهُ بِأَمْرِهِ وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلْفَـٰسِقِينَ} تفسير : [التوبة: 24] وقد قال سعيد بن عبد العزيز وغيره: أنزلت هذه الآية: {لاَّ تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلاَْخِرِ} إلى آخرها، في أبي عبيدة عامر بن عبد الله بن الجراح حين قتل أباه يوم بدر، ولهذا قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه حين جعل الأمر شورى بعده في أولئك الستة رضي الله عنهم: "ولو كان أبو عبيدة حياً، لاستخلفته". وقيل في قوله تعالى: {وَلَوْ كَانُوۤاْ ءَابَآءَهُمْ} نزلت في أبي عبيدة، قتل أباه يوم بدر {أَوْ أَبْنَآءَهُمْ} في الصديق، همَّ يومئذ بقتل ابنه عبد الرحمن، {أَوْ إِخْوَٰنَهُمْ} في مصعب بن عمير، قتل أخاه عبيد بن عمير يومئذ، {أَوْ عَشِيرَتَهُمْ} في عمر، قتل قريباً له يومئذ أيضاً، وفي حمزة وعلي وعبيدة بن الحارث، قتلوا عتبة وشيبة والوليد بن عتبة يومئذ، فالله أعلم. قلت: ومن هذا القبيل حين استشار رسول الله المسلمين في أسارى بدر، فأشار الصديق بأن يفادوا، فيكون ما يؤخذ منهم قوة للمسلمين، وهم بنو العم والعشيرة، ولعل الله تعالى أن يهديهم، وقال عمر: لا أرى ما رأى يا رسول الله هل تمكنني من فلان، قريب لعمر، فأقتله؟ وتمكن علياً من عقيل، وتمكن فلاناً من فلان؛ ليعلم الله أنه ليست في قلوبنا موادة للمشركين، القصة بكمالها. وقوله تعالى: {أُوْلَـٰئِكَ كَتَبَ فِى قُلُوبِهِمُ ٱلإِيمَـٰنَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِّنْهُ} أي: من اتصف بأنه لا يواد من حاد الله ورسوله، ولو كان أباه أو أخاه، فهذا ممن كتب الله في قلبه الإيمان، أي: كتب له السعادة، وقررها في قلبه، وزين الإيمان في بصيرته. قال السدي: {كَتَبَ فِى قُلُوبِهِمُ ٱلإِيمَـٰنَ}: جعل في قلوبهم الإيمان. وقال ابن عباس: {وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِّنْهُ} أي: قواهم. وقوله تعالى: {وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّـٰتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَـٰرُ خَـٰلِدِينَ فِيهَا رَضِىَ ٱللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ} كل هذا تقدم تفسيره غير مرة، وفي قوله تعالى: {رَّضِىَ ٱللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ} سر بديع، وهو أنه لما سخطوا على القرائب والعشائر في الله تعالى، عوضهم الله بالرضا عنهم، وأرضاهم عنه بما أعطاهم من النعيم المقيم والفوز العظيم والفضل العميم. وقوله تعالى: {أُوْلَـٰئِكَ حِزْبُ ٱللَّهِ أَلاَ إِنَّ حِزْبَ ٱللَّهِ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ} أي: هؤلاء حزب الله، أي: عباد الله، وأهل كرامته. وقوله تعالى: {أَلاَ إِنَّ حِزْبَ ٱللَّهِ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ} تنويه بفلاحهم وسعادتهم، ونصرتهم في الدنيا والآخرة، في مقابلة ما ذكر عن أولئك بأنهم حزب الشيطان، ثم قال: {أَلاَ إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَـٰنِ هُمُ الخَـٰسِرُونَ}. وقد قال ابن أبي حاتم: حدثنا هارون بن حميد الواسطي، حدثنا الفضل بن عنبسة عن رجل قد سماه يقال: هو عبد الحميد بن سليمان ــــ انقطع من كتابي ــــ عن الذيال بن عباد قال: كتب أبو حازم الأعرج إلى الزهري: اعلم أن الجاه جاهان: جاه يجريه الله تعالى على أيدي أوليائه لأوليائه، وإنهم الخامل ذكرهم، الخفية شخوصهم، ولقد جاءت صفتهم على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن الله يحب الأخفياء الأتقياء الأبرياء، الذين إذا غابوا لم يفتقدوا، وإذا حضروا لم يدعوا، قلوبهم مصابيح الهدى، يخرجون من كل فتنة سوداء مظلمة» تفسير : فهؤلاء أولياء الله تعالى الذين قال الله: {أُوْلَـٰئِكَ حِزْبُ ٱللَّهِ أَلاَ إِنَّ حِزْبَ ٱللَّهِ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ}. وقال نعيم ابن حماد: حدثنا محمد بن ثور عن يونس عن الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : اللهم، لا تجعل لفاجر ولا لفاسق عندي يداً ولا نعمة، فإني وجدت فيما أوحيته إلي: {لاَّ تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلأَخِرِ يُوَآدُّونَ مَنْ حَآدَّ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ}» تفسير : . قال سفيان: يرون أنها نزلت فيمن يخالط السلطان. رواه أبو أحمد العسكري.
المحلي و السيوطي
تفسير : {إِنَّ ٱلَّذِينَ يُحَادُّونَ } يخالفون {ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَٰئِكَ فِى ٱلأَذَلِّينَ } المغلوبين.
الماوردي
تفسير : {لا تجد قوماً يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: من حارب الله ورسوله، قاله قتادة والفراء. الثاني: من خالف الله ورسوله، قاله الكلبي. الثالث: من عادى الله ورسوله، قاله مقاتل. {ولو كانوا ءاباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم} اختلف فيمن نزلت هذه الآية فيه على ثلاثة أقاويل: أحدها: ما قاله ابن شوذب: نزلت هذه الآية في أبي عبيدة بن الجراح قتل أباه الجراح يوم بدر، جعل يتصدى له، وجعل أبو عبيدة يحيد عنه، فلما أكثر قصد إليه أبو عبيدة فقتله. وروى سعيد بن عبد العزيز عن عمر بن الخطاب أنه قال: لو كان أبو عبيدة حياً لاستخاره، قال سعيد: وفيه نزلت هذه الآية. وفيه وجهان: أحدهما: أنه خارج مخرج النهي للذين آمنوا أن يوادوا من حادّ الله ورسوله. الثاني: أنه خارج مخرج الصفة لهم والمدح بأنهم لا يوادون من حادّ الله ورسوله، وكان هذا مدحاً. {أولئك كتب في قلوبهم الإيمان} فيه أربعة أوجه: أحدها: معناه جعل في قلوبهم الإيمان وأثبته، قال السدي، فصار كالمكتوب. الثاني: كتب في اللوح المحفوظ أن في قلوبهم الإيمان. الثالث: حكم لقلوبهم بالإيمان. الرابع: أنه جعل في قلوبهم سمة للإيمان على أنهم من أهل الإيمان، حكاه ابن عيسى. {وأيدهم بروح منه} فيه خمسة أوجه: أحدها: أعانهم برحمته، قاله السدي. الثاني: أيدهم بنصره حتى ظفروا. الثالث: رغبهم في القرآن حتى ءامنوا. الرابع: قواهم بنور الهدى حتى صبروا. الخامس: قواهم بجبريل يوم بدر. {رضي الله عنهم} يعني في الدنيا بطاعتهم. {ورضوا عنه} فيه وجهان: أحدهما: رضوا عنه في الآخرة بالثواب. الثاني: رضوا عنه في الدنيا بما قضاه عليهم فلم يكرهوه. {أولئك حزب الله} فيهم وجهان: أحدهما: انهم من عصبة الله فلا تأخذهم لومة لائم. الثاني: أنهم أنصار حقه ورعاة خلقه وهو محتمل. القول الثاني: ما روى ابن جريج أن هذه الآية نزلت في أبي بكر الصديق وقد سمع أباه أبا قحافة يسب النبي صلى الله عليه وسلم فصكه أبو بكر صكة فسقط على وجهه، فقال ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، فقال: "حديث : أو فعلته؟ لا تعد إليه يا أبا بكر ". تفسير : فقال والله لو كان السيف قريباً مني لضربته به، فنزلت هذه الآية. القول الثالث: ما حكى الكلبي ومقاتل أن هذه الآية نزلت في حاطب بن أبي بلتعة وقد كتب إلى أهل مكة ينذرهم بمسير رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم عام الفتح.
البقاعي
تفسير : ولما بين ما أوصلهم إليه نسيان الذكر من الخسار، بين أنه أوقعهم في العداوة، فقال معللاً الخسار والنسيان والتحزب، وأكد تكذيباً لحالفهم على نفي ذلك مظهراً موضع الإضمار للتنبيه على الوصف الموقع في الهلاك: {إن الذين يحادون} ولعل الإدغام لسترهم ذلك الإيمان، ويفهم منه الحكم على من جاهر بطريق الأولى {الله} أي يفعلون مع الملك الأعظم الذي لا كفوء له فعل من ينازع آخر في أرض فيغلب على طائفة منها فيجعل لها حداً لا يتعداه خصمه {ورسوله} الذي عظمته من عظتمه. ولما كانوا لا يفعلون ذلك إلا لكثرة أعوانهم وأتباعهم، فيظن من رآهم أنهم الأعزاء الذين لا أحد أعز منهم، قالتعالى نفياً لهذا الغرور الظاهر: {أولئك} أي الأباعد الاسافل {في الأذلين *} أي الذين يعرفون أنهم أذل الخلق بحيث يوصف كل منهم بأنه الأذل مطلقاً من غير مفضل عليه ليعم كل من يمكن منه ذل، وذلك في الدنيا والآخرة سواء كانوا فارس والروم أو أعظم منهم سواء كانوا ملوكاً كفرة كانوا أو فسقة، كما قال الحسن: إن للمعصية في قلوبهم لذلاً، وإن طقطقت بهم اللجم. ولما أنزلهم بالحضيض الأسفل، علل ذلك بما يدل على أنه سبحانه لا شريك له بإتمام كلماته بنصر أوليائه على ضعفهم وخذلان أعدائه على قوتهم لأنه سبحانه لا غيب محض لا دلالة عليه إلا بأفعاله فقال: {كتب} أي فعل فعل من أبرم أمراً ففرغ منه وكتبه فأوجب وحتم وقضى وبت {الله} أي الملك الذي لا كفوء له {لأغلبنَّ} أكد لما لهم من ظن الغلب بالكثرة والقوة {أنا ورسلي} أي بقوة الجدال وشدة الجلاد، فهو صادق بالنسبة إلى من بعث بالحرب، وإلى من بعث بالحجة، وعلل هذا القهر بقوله مؤكداً لأن أفعالهم مع أوليائه أفعال من يظن ضعفه: {إن الله} أي الذي له الأمر كله {قوي} فهو يفيض من باطن قوته من يظهر به ظاهر قدرته أوليائه، فإن القوي من له استقلال باطن بما يحمله القائم في الأمر ولو ضوعف عليه ما عسى أن يضاعف وحمايته مما يتطرق إلى الإجلال بشدة وبطش منبعث عن ذلك الاستقلال الباطن، وما ظهر من أثر ذلك فهو قدرة، فلا اقتدار يظهر من الخلق إلا بالاستناد إلى القوة بالله، ولا قيام بالحقيقة لباطن إلا بالله الذي بيده ملكوت كل شيء، فلذلك كان بالحقيقة لا قوي إلا هو. ولما كان القوي من المخلوقات قد يكون غيره أقوى من غيره ولو في وقت، نفى ذلك بقوله: {عزيز *} أي غالب غلبة لا يجد معها المغلوب نوع مدافعة وانفلات، ثابت له هذا الوصف دائماً. ولما ظهر بهذا كالشمس أن من والاه سبحانه كان فائزاً، ومن عاداه كان خاسراً، كانت نتيجته قطعاً التحذير من موالاة أعداء الله في سياق النفي المفيد للمبالغة في النهي عنه والزجر عن قربانه فقال: {لا تجد} أي بعد هذا البيان {قوماً} أي ناساً لهم قوة على ما يريدون محاولته {يؤمنون} أي يجددون الإيمان ويديمونه {بالله} أي الذي له الأسماء الحسنى والصفات العلى {واليوم الآخر} الذي هو موضع الجزاء لكل عامل بكل ما عمل، الذي هو محط الحكمة {يوادون} أي يحصل منهم ودل لا ظاهراً ولا باطناً - بما أشار إليه الإدغام وأقله الموافقة في المظاهرة {من حاد الله} أي عادى بالمناصبة في الحدود الملك الأعلى لذلك فالمحادة لا تخفى وإن كانت باطنة يستتر بها زيادة النفرة منهم {ورسوله} فإن من حاده فقد حاد الذي أرسله، بل لا تجدهم إلا يحادونهم، لا أنهم يوادونهم، وزاد ذلك تأكيداً بقوله: {ولو كانوا آباءهم} الذين أوجب الله على الأبناء طاعتهم بالمعروف، وذلك كما فعل أبو عبيدة عامر بن الجراح رضي الله عنه، قتل أباه عبد الله بن الجرح يوم أحد {أو آبناءهم} الذي جبلوا على محبتهم ورحمتهم كما فعل أبو بكر رضي الله عنه فإنه دعا ابنه يوم بدر إلى المبارزة، وقال: دعني يا رسول الله أكن في الرعلة الأولى، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم:"حديث : متعنا بنفسك يا أبا بكر، أما تعلم أنك بمنزلة سمعي وبصري"تفسير : . {أو إخوانهم} الذين هم أعضادهم كما فعل مصعب بن عمير رضي الله عنه، قتل أخاه عبيد بن عمير يوم أحد وخرق سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه الصفوف يومئذ على أخيه عتبة بن أبي وقاص غير مرة ليقتله فراع عنه روعان الثعلب، فنهاه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: أتريد أن تقتل نفسك وقتل محمد بن مسلمة الأنصاري رضي الله عنه أخاه من الرضاع كعب بن الأشرف اليهودي رأس بني النضير {أو عشيرتهم} الذين هم أنصارهم وأمدادهم كما فعل عمر رضي الله عنه، قتل خاله العاصي بن هشام بن المغيرة يوم بدر وعلي وحمزة وعبيدة بن الحارث رضي الله عنهم قتلوا يوم بدر بني عمهم عتبة وشيبة ابني ربيعة والوليد بن عتبة، وعن الثوري أن السلف كانوا يرون أن الآية نزلت فيمن يصحب السلطان - انتهى. ومدار ذلك على أن الإنسان يقطع رجاءه من غير الله، وإن لم يكن كذلك لم يكن مخلصاً في إيمانه. ولما كان لا يحمل على البراءة ممن هذا شأنه إلا صريح الإيمان، أنتج قوله: {أولئك} أي الأعظمون شأناً الأعلون همماً {كتب} أي وصل وأثبت وصلاً وهو في لحمته كالخرز في الأديم، وكالطراز في الثوب الرقيم، فلا انفكاك له {في قلوبهم الإيمان} فجعلها أوعية له فأثمر ذلك نور الباطن واستقامة الأعمال في الظاهر {وأيدهم} أي قواهم وشددهم وأعانهم وشجعهم وعظمهم وشرفهم {بروح} أي نور شريف جداً يفهمون به ما أودع في كتابه وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم من كنوز العلم والعمل فهو لقلوبهم كالروح للأبدان، فلا يفعلون شيئاً من أحوال أهل الجاهلية كالمظاهرة، وزاد هذا التأييد شرفاً بقوله: {منه} أي أحياهم به فلا انفكاك لذلك عنهم في وقت من الأوقات فأثمر لهم استقامة المناهج ظاهراً وباطناً، فقهروا بالدلائل والحجج، وظهروا بالسيف المفني للمهج، وعملوا الأعمال الصالحة فكانوا للدنيا كالسرج، فلا تجد شيئاً أدخل في الإخلاص من موالاة أولياء الله ومعاداة أعدائه، بل هو عين الإخلاص، ومن جنح إلى منحرف عن دينه أو داهن مبتدعاً في عقده نزع الله نور التوحيد من قلبه. ولما أخبر بما آتاهم في الدنيا وهو غير مفارق لهم في الآخرة، أخبر بما يؤتيهم في الآخرة فقال: {ويدخلهم جنات} أي بساتين يستر داخلها من كثرة أشجارها، وأخبر عن ريها بقوله: {تجري} ولما كانت المياه لو عمت الأرض لم يكن بها مستقر، أثبت الجار فقال: {من تحتها الأنهار} أي فهي لذلك كثيرة الرياض والأشجار والساحات والديار. ولما كان ذلك لا يلذ إلا بالدوام قال: {خالدين فيها}. ولما كان ذلك لا يتم إلا برضا مالكها قال: {رضي الله} أي الملك الأعظم الذي له الأمر كله فلا التفات إلى غيره {عنهم} ولما كان ذلك لا يكمل سروره إلا برضاهم ليتم حسن المجاورة قال: {ورضوا عنه} أي لأنه أعطاهم فوق ما يؤملون. ولما أخبر عنهم بما يسر كل سامع فيشتاق إلى مصاحبتهم ومعاشرتهم ومرافقتهم ومقاربتهم ومدحهم وعرفهم بقوله: {أولئك} أي الذين هم في الدرجة العليا من العظمة لكونهم قصروا ودهم على الله علماً منهم بأنه ليس النفع والضر إلا بيده {حزب الله} أي جند الملك الأعلى الذي أحاط بجميع صفات الكمال وأولياءه، فإنهم هم يغضبون له ولا يخافون فيه لومة لائم. ولما تبين مما أعد لهم وأعد لأضدادهم أنهم المختصون بكل خير، قال على طريق الإنتاج مما مضى مؤكداً لما لأضدادهم من الأنكاد: {ألا إن حزب الله} أي جند الملك الأعلى وهم هؤلاء الموصوفون ومن والاهم {هم} أي خاصة لا غيرهم {المفلحون *} أي الذين حازوا الظفر بكل ما يؤملون في الدارين، وقد علم من الرضى من الجانبين والحزبية والإفلاح عدم الانفكاك عن السعادة فأغنى ذلك عن تقييد الخلود بالتأييد، خصهم بذلك لأن له العزة والقوة والعلم والحكمة، فلذلك علم أمر المجادلة ورحم شكواها لأنها من حزبه وسمع لها، ومن سمع له فهو مرضي عنه، وحرم الظهار بسبب شكواها إكراماً لها بحكمته لأنه منابذ للحكمة لأنه تشبيه خارج عن قادة التشبيهات، وفيه امتهان للأم التي لها في دينه غاية الإكرام بالتسوية بالزوجة التي هي محل الافتراش، وختم آيها بأن من تعدى حدوده فعاود أحوال الجاهلية فهو مجادله سبحانه فهو من حزب الشيطان، فقد عاد آخرها إلى أولها بأدل دليل على أحسن سبيل، لأن هذا القرآن العظيم أشرف حديث وأقوم قيل وهذا مقصود التي بعدها، ولا شك أنه موجب للتنزيه مبعد عن التشريك والتشبيه، فسبحان من أنزله آية دائمة البيان، موجبة للإيمان، قامعة للطغيان، على مدى الدهور وتطاول الأزمان.
القشيري
تفسير : مَنْ أرَمْتْهُ شِقْوَتُه لم تُنْعِشْهُ قُوَّتُه، ومَنْ قَصَمَه التقديرُ لم يَعْصِمه التدبير. ومَنْ استهانَ بالدِّين انخرطَ في سِِلْكِ الأذَلِّين.
اسماعيل حقي
تفسير : {ان الذين يحادون الله ورسوله} اى يعادونهما ويخالفون أمرهما ويتعدون حدودهما ويفعلون معهما فعل من ينازع اخر فى ارض فيغلب على طائفة منها فيجعل لها حدا لايتعداه خصمه ولما كانوا لايفعلون ذلك الا لكثرة اعوانهم واتباعهم فيظن من رأهم انهم الآعزآء الذين لا أحد أعز منهم قال تعالى نافيا لهذا الغرور الظاهر {اولئك} الا باعد والاسافل بمافعلوا من المحادة {فى الاذلين} اى فى جملة من هو اذل خلق الله من الاولين والآخرين لاترى أحدا أذل منهم لان ذلة أحد المتخاصمين على مقدار عزة الآخر وحيث كانت عزة الله متناهية كانت ذلة من يحاده كذلك وذلك بالسبى والقتل فى الدنيا وعذاب النار فى الآخرة سوآء كانوا فارس والروم او اعظم منهم سوقة كانوا او ملوكا كفرة كانوا او فسقه
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {إِنّ الذين يُحادون اللهَ ورسولَه} أي: يخالفونهما، ويجعلون بينهم وبينهما حدّاً، وهم حزب الشيطان المتقدم، {أولئك في} جملة {الأذَلِّينَ} لا ترى أحداً أذلّ منهم من الأولين والآخرين؛ لأنّ ذِلة أحد المتخاصمين على قدر عزة الآخر، وحيث كانت عزة الله غير متناهية كانت ذلة مَن يُحاده كذلك. {كتب اللهُ} في اللوح وقضاه، وحيث جرى مجرى القسم أجيب بما يُجاب به، فقال: {لأغْلِبنَّ أنا ورسلي} بالحجة والسيف، أو بأحدهما، وهو تعليل لِما قبله من كون مَن حاد الله في الأَذلِّين. {إِنَّ الله قويٌّ} على نُصرة أوليائه، {عزيزٌ} لا يمتنع عليه ما يريد. الإشارة: كل مَن يُعادي أهلَ الله مخذول، عاقبته الذل في الدنيا والآخرة، {كتب الله لأغْلِبَنَّ أنا ورسلي} وخلفاؤهم من أولئك،{أية : وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِىٌّ عَزِيزٌ}تفسير : [الحج: 40]، إلاَّ مَن تعدّى منهم طورَه، كمَن تعرّض للظهور، وهو من أهل الباطن، فإنَّ القدرة تخدمه وتؤدبه؛ لأنّ الباطن لا ينقلب ظاهراً، ولا عكسه. والله تعالى أعلم. ثم ذكر شأن حزب الله، فقال: {لاَّ تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ}.
الجنابذي
تفسير : {إِنَّ الَّذِينَ يُحَآدُّونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ} يغاضبونه او يناهضونه فى الحرب او يخالفونه {أُوْلَـٰئِكَ فِي ٱلأَذَلِّينَ} فى جملة من هو اذلّ الخلق.
الالوسي
تفسير : {إِنَّ ٱلَّذِينَ يُحَادُّونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ } استئناف مسوق لتعليل ما قبله من خسران حزب الشيطان، عبر عنهم بالموصول ذماً لهم بما في حيز الصلة وإشعاراً بعلة الحكم {أُوْلَـٰئِكَ } الموصوفون بما ذكر {فِى ٱلأَذَلّينَ } أي في جملة من هو أذل خلق الله عز وجل من الأولين والآخرين معدودون في عدادهم لأن ذلة أحد المتخاصمين على مقدار عزة الآخر وحيث كانت عزة الله عز وجل غير متناهية كانت ذلة من حادّة كذلك.
ابن عاشور
تفسير : موقع هذه الآية بعد ما ذكر من أحوال المنافقين يشبه موقع آية {أية : إن الذين يحادون الله ورسوله كبتوا كما كبت الذين من قبلهم}تفسير : [المجادلة: 5]. فالذين يحادون الله ورسوله المتقدم ذكرهم المشركون المعلنون بالمحادّة. وأما المحادّون المذكورون في هذه الآية فهم المُسرُّون للمحادّة المتظاهرون بالمُوالاة، وهم المنافقون، فالجملة استئناف بياني بينت شيئاً من الخسران الذي قضى به على حزب الشيطان الذي هم في مقدمته. وبهذا تكتسب هذه الجملة معنى بدل البعض من مضمون جملة {أية : ألا إن حزب الشيطان هم الخاسرون}تفسير : [المجادلة: 19]، لأن الخسران يكون في الدنيا والآخرة، وخسران الدنيا أنواع أشدُّها على الناس المذلة والهزيمة، والمعنى: أن حزب الشيطان في الأذَلّين والمغلوبين. واستحضارهم بصلة {إن الذين يحادون الله ورسوله} إظهار في مقام الإِضمار فمقتضى الظاهر أن يقال: إنهم في الأذلين فأخرج الكلام على خلاف مقتضى الظاهر إلى الموصولية لإِفادة مدلول الصلة أنهم أعداء لله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم وإفادة الموصول تعليل الحكم الوارد بعده وهو كونهم أذلِّين لأنهم أعداء رسول الله صلى الله عليه وسلم فهم أعداء الله القادر على كل شيء فَعدوُّه لا يكون عزيزاً. ومفاد حرف الظرفية أنهم كائنون في زمرة القوم الموصوفين بأنهم أذلُّون، أي شديدو المذلة ليتصورهم السامع في كل جماعة يرى أنهم أذلُّون، فيكون هذا النظم أبلغ من أن يقال: أولئك هم الأذّلون. واسم الإِشارة تنبيه على أن المشار إليهم جديرون بما بعد اسم الإِشارة من الحكم بسبب الوصف الذي قبل اسم الإِشارة مثل {أية : أولئك على هدى من ربهم}تفسير : [البقرة: 5]. وتقدم الكلام على {أية : يُحادُّون الله ورسوله} تفسير : في أوائل هذه السورة [5]. وجملة {كتب الله لأغلبن} علة لجملة {أولئك في الأذلين} أي لأن الله أراد أن يكون رسوله صلى الله عليه وسلم غالباً لأعدائه وذلك من آثار قدرة الله التي لا يغلبها شيء وقد كتب لجميع رسله الغلبة على أعدائهم، فغلبتهم من غلبة الله إذ قدرة الله تتعلق بالأشياء على وفق إرادته وإرادة الله لا يغيّرها شيء، والإِرادة تجري على وفق العلم ومجموع توارد العلم والإِرادة والقدرة على الموجود هو المسمى بالقضاء. وهو المعبر عنه هنا بـ{كتب الله} لأن الكتابة استعيرت لمعنى: قضى الله ذلك وأراد وقوعه في الوقت الذي علمه وأراده فهو محقق الوقوع لا يتخلف مثل الأمر الذي يراد ضبطه وعدم الإِخلال به فإنه يكتب لكِي لا ينسى ولا ينقص منه شيء ولا يجحد التراضي عليه. فثبت لرسوله صلى الله عليه وسلم الغلبة لشمول ما كتبه الله لرسله إياه وهذا إثبات لغلبة رسوله أقواماً يحادُّونه بطريق برهاني. فجملة {لأغلبن} مصوغة صيغة القول ترشيحاً لاستعارة {كتب} إلى معنى قضى وقدر. والمعنى: قضى مدلول هذه الجملة، أي قضى بالغلبة لله ورسوله صلى الله عليه وسلم فكأن هذه الجملة هي المكتوبة من الله. والمراد: الغلبة بالقوة لأن الكلام مسوق مساق التهديد. وأما الغلبة بالحجة فأمر معلوم. وجملة {إن الله قوي عزيز} تعليل لجملة {لأغلبن} لأن الذي يغالب الغالب مغلوب. قال حسان:شعر : زعمت سَخينةُ أنْ ستغلبُ ربّها وليُغْلَبَنّ مُغالب الغلاّب
الشنقيطي
تفسير : ذكر جل علا في هذه الآية الكريمة أن الذين يحادون الله ورسوله داخلون في جملة الأذلين، لا يوجد أحد أذل منهم وقوله: {يُحَآدُّونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَه} أي يعادون ويحالفون ويشاقون، وأصله مخالفة حدود الله التي حدها. وقوله: {فِي ٱلأَذَلِّينَ} أي الذين هم أعظم الناس ذلاً. والذل: الصغار والهوان والحقارة. وما تضمنته هذه الآية الكريمة من كون الذين يحادون الله ورسوله هم أذل خلق الله، بينه جل وعلا في غير هذا الموضع، وذلك بذكره أنواع عقوبتهم المفضية إلى الذل والخزي والهوان، كقوله تعالى: {أية : أَلَمْ يَعْلَمُوۤاْ أَنَّهُ مَن يُحَادِدِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِداً فِيهَا ذٰلِكَ ٱلْخِزْيُ ٱلْعَظِيمُ}تفسير : [التوبة: 63] وقوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ يُحَآدُّونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ كُبِتُواْ كَمَا كُبِتَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ}تفسير : [المجادلة: 5]، وقوله تعالى: {أية : وَلَوْلاَ أَن كَتَبَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمُ ٱلْجَلاَءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي ٱلدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي ٱلآخِرَةِ عَذَابُ ٱلنَّارِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَآقُّواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَن يُشَآقِّ ٱللَّهَ فَإِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ}تفسير : [الحشر: 3-4] وقوله تعالى {أية : فَٱضْرِبُواْ فَوْقَ ٱلأَعْنَاقِ وَٱضْرِبُواْ مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ ذٰلِكَ بِأَنَّهُمْ شَآقُّواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَن يُشَاقِقِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ ذٰلِكُمْ فَذُوقُوهُ وَأَنَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابَ ٱلنَّارِ}تفسير : [الأنفال: 12-14] إلى غير ذلك من الآيات.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: إن الذين يحادون الله ورسوله: أي يخالفون الله ورسوله فيما يأمران به وينهيان عنه. أولئك في الأذلين: أي المغلوبين المقهورين. كتب الله لأغلبن أنا ورسلي: أي كتب في اللوح المحفوظ أو قضى وحكم بأن يغلب بالحجة أو السيف. يوادون من حاد الله ورسوله: أي يصادقون من يخالف الله ورسوله بمحبتهم ونصرتهم. ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم: أي يقصدونهم بالسوء ويقاتلونهم على الإِيمان كما وقع للصحابة. أولئك كتب في قلوبهم الإِيمان: أي أثبت الإِيمان في قلوبهم. وأيدهم بروح منه: أي برهان ونور وهدىً. رضي الله عنهم ورضوا عنه: أي رضي الله عنهم بطاعتهم إياه في الدنيا ورضوا عنه في الآخرة بإدخاله إياهم في الجنة. ألا إن حزب الله هم المفلحون: أي أَلا إِن جند الله وأوليائه هم الفائزون بالنجاة من النار ودخول الجنة. معنى الآيات: يخبر تعالى موجها المؤمنين مرشداً لهم إلى أقوم طريق وأكمل الأحوال فيقول: {إِنَّ الَّذِينَ يُحَآدُّونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ} أي يخالفونهما في أمرهما ونهيهما وما يدعوان إليه من الدين الحق {أُوْلَـٰئِكَ} أي المخالفون في زمرة الأذلين في الدنيا والآخرة. وقوله تعالى {كَتَبَ ٱللَّهُ لأَغْلِبَنَّ أَنَاْ وَرُسُلِيۤ} أي كتب في اللوح المحفوظ وقضى بأن يغلب رسوله أعداءه بالحجة والسيف. {إِنَّ ٱللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ} أي ذو قوة لا تقهر وعزة لا ترام فلذا قضى بنصرة رسوله على أعدائه مهما كانت قوتهم. وقوله تعالى: {لاَّ تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ} يقول تعالى لرسوله لا تجد أناساً يؤمنون بالله إيماناً صادقاً بالله رباً وإلهاً وباليوم الآخر يوادون بالمحبة والنصرة من حاد الله ورسوله بمخالفتهما في أمرهما ونهيهما وما يدعوان إليه من توحيد الله وطاعته وطاعة رسوله ولو كانوا أقرب قريب إليهم من أب أو إبن أو أخ أو عشيرة. وقوله تعالى {أُوْلَـٰئِكَ كَتَبَ} أي الله تعالى في قلوبهم الإِيمان أي أثبته وقرره فيها فهو لا يبرح ينير لهم طريق الهدى حتى ينتهوا إلى جوار ربهم. {وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِّنْهُ} أي ببرهان ونور منه سبحانه وتعالى هذا في الدنيا وأما في الآخرة فيدخلهم جناتٍ تجري من تحتها الأنهار أي بساتين غناء تجري الأنهار المختلفة من خلال الأشجار والقصور خالدين فيها لا يخرجون منها أبدا، وفوق ذلك رضي الله عنهم بطاعتهم إياه ورضوا عنه في الآخرة بإدخاله إياهم الجنة دار المتقين. وقوله تعالى: {أُوْلَـٰئِكَ حِزْبُ ٱللَّهِ} أي أولئك العالون في كمالاتهم الروحية حزب الله أي جنده وأولياؤه، ثم أعلن تعالى عن فوزهم ونجاحهم فقال: {أَلاَ إِنَّ حِزْبَ ٱللَّهِ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ} أي الفائزون يوم القيامة بالنجاة من النار ودخول الجنة. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- كتب الله الذل والصغار على من حاده وحاد رسوله بمخالفتهما فيما يحبان ويكرهان. 2- قضى الله تعالى بنصرة رسوله فنصره إنه قوي عزيز. 3- حرمة موالاة الكافر بالنصرة والمحبة ولو كان أقرب قريب، وقد قاتل أصحاب رسول الله آباءهم وأبناءهم وإخوانهم وعشيرتهم في بدر. وفيهم نزلت هذه الآية تبشرهم برضوان الله تعالى لهم، وإنعامه عليهم اللهم اجعلنا منهم واحشرنا في زمرتهم.
القطان
تفسير : يحادّون: يعادون، يخالفونه فيما أمر ونهى. في الأذلّين: في أذلّ من خلَقَ الله. كَتَبَ اللهُ: قضى وحكم. أيّدهم: قواهم ودعمهم. بروح منه: بنور وعزم من عنده. يوادّون: يتقربون إليهم بالمودة والمحبة. ان الّذين يخالفون أَوامر الله ونواهيَه، ولا يطيعون الرسول فيما شَرَعَ وبيّن - هم في عِداد الّذين بلغوا الغايةَ في الذِلّة والهوان.. بالقتلِ والأسرِ والهزيمة في الدنيا، وبالخِزي والنَّكالِ والعذاب في الآخرة. وقد قضى الله وحَكَمَ في أُمّ الكِتابِ بأن الغَلَبةَ والنصر له ولرسُله، وقد صَدَق في ذلك. {إِنَّ ٱللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ}. متى أراد شيئاً كانَ، ولم يجدْ معارِضاً ولا ممانعاً على شرط ان يكون المؤمنون صادقين في إيمانهم يعملون بِجدّ وإخلاص، ويتّخذون لكلِّ شيء عدَّتَه. ثم بين تعالى ان الإيمانَ الحقّ لا يجتمع مع موالاة أعداء الله، ممهما قرُبَ بهم النسبُ ولو كانوا آباءً او أبناءً او إخواناً او من العشيرة القريبة. وهذا معنى قوله تعالى: {لاَّ تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ يُوَآدُّونَ مَنْ حَآدَّ ٱللَّهَ....} لا تجدُ قوما يجمعون بين الإيمان باللهِ ورسولهِ واليوم الآخر، ومَودَّةِ أعدائه مهما كانت قرابتُهم. {أُوْلَـٰئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ ٱلإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِّنْهُ}. فهؤلاء الذين يُخلِصون لله ولا يوالون الجاحدين الذين يحادُّون الله ثَبَّتَ اللهُ في قلوبهم الإيمانَ وأيَّدهم بقوّة منه، ويُدخِلهم جناتٍ تجري من تحتها الأنهارُ خالدين فيها لا ينقطع نعيمها، قد أحبَّهم اللهُ وأحبّوه ورضيَ عنهم ورضُوا عنه. {أُوْلَـٰئِكَ حِزْبُ ٱللَّهِ أَلاَ إِنَّ حِزْبَ ٱللَّهِ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ}. لأنهم اهلُ السعادة والفلاح والنصر في الدنيا والآخِرة ونِعْمَتِ الخاتمة.
د. أسعد حومد
تفسير : {أُوْلَـٰئِكَ} (20) - إِنَّ الذِينَ يُخَالِفُونَ أَوَامِرَ اللهِ، وَيُعَادُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ، وَيَمْتَنِعُونَ عَنِ القِيَامِ بِمَا فَرَضَ اللهُ عَلَيْهِمْ، هُمْ فِي جُمْلَةِ أَهْلِ الذِّلَّةِ، لأِنَّ الغَلَبَةَ للهِ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ، وَسَيُلاَقُونَ الذِّلَّةُ فِي الدُّنْيَا بِالقَتْلِ وَالأَسْرِ وَالإِخْرَاجِ، وَفِي الآخِرَةِ بِالخِزْيِ وَالنَّكَالِ وَالعَذَابِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ. يُحَادُّونَ - يُعَادُونَ وَيُشَاقُّونَ وَيُخَالِفُونَ. الأَذَلِّينَ - الزَّائِدِينَ فِي الذِّلَّةِ وَالهَوَانِ.
مجاهد بن جبر المخزومي
تفسير : أَنبا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: ثنا آدم قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {إِنَّ الَّذِينَ يُحَآدُّونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ} [الآية: 20]. قال: يعني يعادون، يشاقّون.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {يُحَآدُّونَ} معناه يعادونَ.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : {إِنَّ الَّذِينَ يُحَآدُّونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ} [المجادلة: 20] يعني: يخالفون أمر الحق واللطيفة الخفية في هذه الأحكام التي ذكرناها {أُوْلَـٰئِكَ فِي ٱلأَذَلِّينَ} [المجادلة: 20] ذل الدنيا بمذلتهم عند العارفين، وذل العقبى بإدراكهم مذلتهم، وعدم الاستعداد للتدارك لها {كَتَبَ ٱللَّهُ} [المجادلة: 21] أي: أوجب الله بكتابته بالقلم الخفي على لوح العقل {لأَغْلِبَنَّ أَنَاْ وَرُسُلِيۤ} [المجادلة: 21] على أمري وعلى تعذيب من يخالف اللطيفة الخفية {إِنَّ ٱللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ} [المجادلة: 21] يعني: قوي على حجته غالب على أمره؛ ليهلك من هلك عن بينة ويحي من حي عن بينة. {لاَّ تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ يُوَآدُّونَ مَنْ حَآدَّ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوۤاْ آبَآءَهُمْ أَوْ أَبْنَآءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ} [المجادلة: 22] يعني: القوة المؤمنة بالله وباللطيفة الخفية، وبيوم يكشف فيه الغطاء ينبغي ألا يلتفتوا إلى القوى العلوية التي هي بمنزلة آبائهم ولا إلى المعارف التي كانت بنتائج أفكارهم وعقولهم التي هي بمنزلة أبنائهم ولا إلى القوى القلبية المكدرة بالهوى التي هي بمنزلة إخوانهم، ولا إلى القوى العنصرية التي هي بمنزلة عشائرهم التفات المودة والمحبة {أُوْلَـٰئِكَ} [المجادلة: 22] يعني: القوى المؤمنة التي لا يلتفتون إليهم يعني: المودة {كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ ٱلإِيمَانَ} [المجادلة: 22] أي: أثبت بحيث رسخ الإيمان في قلوبهم وبما يشاهد السالك في بداية تصفية القلب في الواقعة أن لوح قلبه مسود من نقوش مختلفة ثم تشاهده أنه قد محي، وظهر عن التقوى ثم تشاهده أنه منقوش من كلمة الله الله من الأول إلى الآخر، ثم تشاهده أنه مقل عن النقوش، وبقي فيه الله وحده، ثم تشاهده بأن هذا الاسم مكتوب بمداد النور الأحمر، ثم بالنور الأبيض، ثم بالنور الأخضر، ثم تشاهده لوحاً نورانياً لا لون له، ولا نقش عليه، وعند هذا يظهر عليه نقوش العلم اللدني {وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِّنْهُ} [المجادلة: 22] يعني: أيد كتابته بمداد الروح القدسي ليظهر فيه العلم الذاتي بحيث لا يبقى وجود اللوح والقلم والكتابة والمداد والنقش وهذا كشف العلم مقام لمجهول مما أشار إليه المشايخ في مقاماتهم {وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا} [المجادلة: 22] يعني: بعد رجوعهم عن غلبة تلك الحال يدخلهم في المساكن الطيبة المعدنية المطهرة وجنات القوى النباتية المزكاة المرباة بماء الإيمان بحيث تجري من تحتهم أنهار المعارف التصيلية بحكم التصرف لهم على تلك المعارف خالداً مخلداً {رَضِيَ ٱللَّهُ عَنْهُمْ} [المجادلة: 22] باشتغالهم بالذكر بعد إيمانهم باللطيفة الخفية {وَرَضُواْ عَنْهُ} [المجادلة: 22] بإنجاز الوعد، وهو وعد لقاء الحق {أُوْلَـٰئِكَ حِزْبُ ٱللَّهِ} [المجادلة: 22] يعني: القوة المؤمنة الذاكرة الراضية بقضاء الله وقدره أولئك حرب الله {أَلاَ إِنَّ حِزْبَ ٱللَّهِ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ} [المجادلة: 22] من الحجاب الرافع بينهم وبين ربهم، اللهم اجعلنا من حزبك الراضي بقضائك وقدرك المفلح بحبيبك بمحمد صلى الله عليه وسلم.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : هذا وعد ووعيد، وعيد لمن حاد الله ورسوله بالكفر والمعاصي، أنه مخذول مذلول، لا عاقبة له حميدة، ولا راية له منصورة. ووعد لمن آمن به، وبرسله، واتبع ما جاء به المرسلون، فصار من حزب الله المفلحين، أن لهم الفتح والنصر والغلبة في الدنيا والآخرة، وهذا وعد لا يخلف ولا يغير، فإنه من الصادق القوي العزيز الذي لا يعجزه شيء يريده.
همام الصنعاني
تفسير : 3183- عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {يُحَآدُّونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ}: [الآية: 20]، قال: يُعَادُونَ اللهَ وَرَسُولَه.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):