Verse. 5127 (AR)

٥٩ - ٱلْحَشْر

59 - Al-Hashr (AR)

سَبَّحَ لِلہِ مَا فِي السَّمٰوٰتِ وَمَا فِي الْاَرْضِ۝۰ۚ وَہُوَالْعَزِيْزُ الْحَكِيْمُ۝۱
Sabbaha lillahi ma fee alssamawati wama fee alardi wahuwa alAAazeezu alhakeemu

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«سبح لله ما في السماوات وما في الأرض» أي ننزهه فاللام مزيدة وفي الإتيان بما تغليب للأكثر «وهو العزيز الحكيم» في ملكه وصنعه.

1

Tafseer

الرازي

تفسير : {سَبَّحَ للَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ * هو ٱلَّذِي أَخْرَجَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ مِن دِيَـٰرِهِمْ لأَوَّلِ ٱلْحَشْرِ } صالح بنو النضير رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن لا يكونوا عليه ولا له، فلما ظهر يوم بدر قالوا: هو النبي المنعوت في التوراة بالنصر، فلما هزم المسلمون يوم أحد تابوا ونكثوا، فخرج كعب بن الأشرف في أربعين راكباً إلى مكة وحالفوا أبا سفيان عند الكعبة، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم محمد بن مسلمة الأنصاري، فقتل كعباً غيلة، وكان أخاه من الرضاعة، ثم صحبهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالكتائب وهو على حمار مخطوم بليف، فقال لهم: أخرجوا من المدينة، فقالوا: الموت أحب إلينا من ذلك فتنادوا بالحرب، وقيل: استمهلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عشرة أيام ليتجهزوا للخروج، فبعث إليهم عبد الله بن أبي وقال: لا تخرجوا من الحصن فإن قاتلوكم فنحن معكم لا نخذلكم، ولئن خرجتم لنخرجن معكم، فحصنوا الأزقة فحاصرهم إحدى وعشرون ليلة، فلما قذف الله في قلوبهم الرعب، وآيسوا من نصر المنافقين طلبوا الصلح، فأبى إلا الجلاء، على أن يحمل كل ثلاثة أبيات على بعير ما شاءوا من متاعهم، فجلوا إلى الشأم إلى أريحاء وأزرعات إلا أهل بيتين منهم آل أبي الحقيق، وآل حيي بن أخطب، فإنهم لحقوا بخيبر، ولحقت طائفة بالحيرة. وههنا سؤالات. السؤال الأول: ما معنى هذه اللام في قوله: {لأَوَّلِ ٱلْحَشْرِ } الجواب: إنها هي اللام في قولك: جئت لوقت كذا، والمعنى: أخرج الذين كفروا عند أول الحشر. السؤال الثاني: ما معنى أول الحشر؟ الجواب: أن الحشر هو إخراج الجمع من مكان إلى مكان، وإما أنه لم سمي هذا الحشر بأول الحشر فبيانه من وجوه: أحدها: وهو قول ابن عباس والأكثرين إن هذا أول حشر أهل الكتاب، أي أول مرة حشروا وأخرجوا من جزيرة العرب لم يصبهم هذا الذل قبل ذلك، لأنهم كانوا أهل منعة وعز وثانيها: أنه تعالى جعل إخراجهم من المدينة حشراً، وجعله أول الحشر من حيث يحشر الناس للساعة إلى ناحية الشام، ثم تدركهم الساعة هناك وثالثها: أن هذا أول حشرهم، وأما آخر حشرهم فهو إجلاء عمر إياهم من خيبر إلى الشام ورابعها: معناه أخرجهم من ديارهم لأول ما يحشرهم لقتالهم، لأنه أول قتال قاتلهم رسول الله وخامسها: قال قتادة هذا أول الحشر، والحشر الثاني نار تحشر الناس من المشرق إلى المغرب، تبيت معهم حيث باتوا، وتقيل معهم حيث قالوا، وذكروا أن تلك النار ترى بالليل ولا ترى بالنهار. قوله تعالى: {مَا ظَنَنتُمْ أَن يَخْرُجُواْ }. قال ابن عباس: إن المسلمين ظنوا أنهم لعزتهم وقوتهم لا يحتاجون إلى أن يخرجوا من ديارهم، وإنما ذكر الله تعالى ذلك تعظيماً لهذه النعمة، فإن النعمة إذا وردت على المرء والظن بخلافه تكون أعظم، فالمسلمون ما ظنوا أنهم يصلون إلى مرادهم في خروج هؤلاء اليهود، فيتخلصون من ضرر مكايدهم، فلما تيسر لهم ذلك كان توقع هذه النعمة أعظم. قوله تعالى: {وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ مَّانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم مّنَ ٱللَّهِ }. قالوا كانت حصونهم منيعة فظنوا أنها تمنعهم من رسول الله، وفي الآية تشريف عظيم لرسول الله، فإنها تدل على أن معاملتهم مع رسول الله هي بعينها نفس المعاملة مع الله، فإن قيل: ما الفرق بين قولك: ظنوا أن حصونهم تمنعهم أو مانعتهم وبين النظم الذي جاء عليه، قلنا: في تقديم الخبر على المبتدأ دليل على فرط وثوقهم بحصانتها ومنعها إياهم، وفي تصيير ضميرهم إسماً، وإسناد الجملة إليه دليل على اعتقادهم في أنفسهم أنهم في عزة ومنعة لا يبالون بأحد يطمع في منازعتهم، وهذه المعاني لا تحصل في قولك: وظنوا أن حصونهم تمنعهم. قوله تعالى: {فَأَتَـٰهُمُ ٱللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُواْ } في الآية مسائل: المسألة الأولى: في الآية وجهان الأول: أن يكون الضمير في قوله: {فَأَتَـٰهُمُ } عائد إلى اليهود، أي فأتاهم عذاب الله وأخذهم من حيث لم يحتسبوا والثاني: أن يكون عائداً إلى المؤمنين أي فأتاهم نصر الله وتقويته من حيث لم يحتسبوا، ومعنى: لم يحتسبوا، أي لم يظنوا ولم يخطر ببالهم، وذلك بسبب أمرين أحدهما: قتل رئيسهم كعب بن الأشرف على يد أخيه غيلة، وذلك مما أضعف قوتهم، وفتت عضدهم، وقل من شوكتهم والثاني: بما قذف في قلوبهم من الرعب. المسألة الثانية: قوله: {فَـأَتَـٰهُمُ ٱللَّهُ } لا يمكن إجراؤه على ظاهره باتفاق جمهور العقلاء، فدل على أن باب التأويل مفتوح، وأن صرف الآيات عن ظواهرها بمقتضى الدلائل العقلية جائز. المسألة الثالثة: قال صاحب الكشاف: قرىء {فَـأَتَـٰهُمُ ٱللَّهُ } أي فآتاهم الهلاك، واعلم أن هذه القراءة لا تدفع ما بيناه من وجوه التأويل، لأن هذه القراءة لا تدفع القراءة الأولى، فإنها ثابتة بالتواتر، ومتى كانت ثابتة بالتواتر لا يمكن دفعها، بل لا بد فيها من التأويل. قوله تعالى: {وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ ٱلرُّعْبَ } قال أهل اللغة: الرعب، الخوف الذي يستوعب الصدر، أي يملؤه، وقذفه إثباته فيه، وفيه قالوا في صفة الأسد: مقذف، كأنما قذف باللحم قذفاً لاكتنازه وتداخل أجزائه، واعلم أن هذه الآية تدل على قولنا من أن الأمور كلها لله، وذلك لأن الآية دلت على أن وقوع ذلك الرعب في قلوبهم كان من الله ودلت على أن ذلك الرعب صار سبباً في إقدامهم على بعض الأفعال، وبالجملة فالفعل لا يحصل إلا عند حصول داعية متأكدة في القلب، وحصول تلك الداعية لا يكون إلا من الله، فكانت الأفعال بأسرها مسندة إلى الله بهذا الطريق. قوله تعالى: {يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي ٱلْمُؤْمِنِينَ } فيه مسائل: المسألة الأولى: قال أبو علي: قرأ أبو عمرو وحده: {يُخْرِبُونَ } مشددة، وقرأ الباقون: {يُخْرِبُونَ } خفيفة، وكان أبو عمرو يقول: الإخراب أن يترك الشيء خراباً والتخريب الهدم، وبنو النضير خربوا وما أخربوا قال المبرد: ولا أعلم لهذا وجهاً، ويخربون هو الأصل خرب المنزل، فإنما هو تكثير، لأنه ذكر بيوتاً تصلح للقليل والكثير، وزعم سيبويه أنهما يتعاقبان في الكلام، فيجري كل واحد مجرى الآخر، نحو فرحته وأفرحته، وحسنه الله وأحسنه، وقال الأعمش:شعر : وأخربت من أرض قوم دياراً تفسير : وقال الفراء: {يُخْرِبُونَ } بالتشديد يهدمون، وبالتخفيف يخربون منها ويتركونها. المسألة الثانية: ذكر المفسرون في بيان أنهم كيف كانوا يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين وجوهاً أحدها: أنهم لما أيقنوا بالجلاء، حسدوا المسلمين أن يسكنوا مساكنهم ومنازلهم، فجعلوا يخربونها من داخل، والمسلمون من خارج وثانيها: قال مقاتل: إن المنافقين دسوا إليهم أن لا يخرجوا، ودربوا على الأزقة وحصنوها، فنقضوا بيوتهم وجعلوها كالحصون على أبواب الأزقة، وكان المسلمون يخربون سائر الجوانب وثالثها: أن المسلمين إذا ظهروا على درب من دروبهم خربوه، وكان اليهود يتأخرون إلى ما وراء بيوتهم، وينقبونها من أدبارها ورابعها: أن المسلمين كانوا يخربون ظواهر البلد، واليهود لما أيقنوا بالجلاء، وكانوا ينظرون إلى الخشبة في منازلهم مما يستحسنونه أو الباب فيهدمون بيوتهم، وينزعونها ويحملونها على الإبل، فإن قيل: ما معنى تخريبهم لها بأيدي المؤمنين؟ قلنا قال الزجاج: لما عرضوهم لذلك وكانوا السبب فيه فكأنهم أمروهم به وكلفوه إياهم. قوله تعالى: {فَٱعْتَبِرُواْ يٰأُوْلِي ٱلأَبْصَـٰرِ }. اعلم أنا قد تمسكنا بهذه الآية في كتاب «المحصول من أصول الفقه» على أن القياس حجة فلا نذكره ههنا، إلا أنه لا بد ههنا من بيان الوجه الذي أمر الله فيه بالاعتبار، وفيه احتمالات أحدها: أنهم اعتمدوا على حصونهم، وعلى قوتهم وشوكتهم، فأباد الله شوكتهم وأزال قوتهم، ثم قال: {فَٱعْتَبِرُواْ يٰأُوْلِي ٱلأَبْصَـٰرِ } ولا تعتمدوا على شيء غير الله، فليس للزاهد أن يتعمد على زهده، فإن زهده لا يكون أكثر من زهد بلعام، وليس للعالم أن يعتمد على علمه، أنظر إلى ابن الراوندي مع كثرة ممارسته كيف صار، بل لا اعتماد لأحد في شيء إلا على فضل الله ورحمته وثانيها: قال القاضي: المراد أن يعرف الإنسان عاقبة الغدر والكفر والطعن في النبوة، فإن أولئك اليهود وقعوا بشؤم الغدر، والكفر في البلاء والجلاء، والمؤمنين أيضاً يعتبرون به فيعدلون عن المعاصي. فإن قيل: هذا الاعتبار إنما يصح لو قلنا: إنهم غدروا وكفروا فعذبوا، وكان السبب في ذلك العذاب هو الكفر والغدر، إلا أن هذا القول فاسد طرداً وعكساً أما الطرد فلأنه رب شخص غدر وكفر، وما عذب في الدنيا وأما العكس فلأن أمثال هذه المحن، بل أشد منها وقعت للرسول عليه السلام ولأصحابه، ولم يدل ذلك على سوء أديانهم وأفعالهم، وإذا فسدت هذه العلة فقد بطل هذا الاعتبار، وأيضاً فالحكم الثالث في الأصل هو أنهم: {يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِى ٱلْمُؤْمِنِينَ } وإذا عللنا ذلك بالكفر والغدر يلزم في كل من غدر وكفر أن يخرب بيته بيده وبأيدي المسلمين، ومعلوم أن هذا لا يصلح، فعلمنا أن هذا الاعتبار غير صحيح والجواب: أن الحكم الثابت في الأصل له ثلاث مراتب أولها: كونه تخريباً للبيت بأيديهم وأيدي المؤمنين وثانيها: وهو أعم من الأول، كونه عذاباً في الدنيا وثالثها: وهو أعم من الثاني، كونه مطلق العذاب، والغدر والكفر إنما يناسبان العذاب من حيث هو عذاب، فأما خصوص كونه تخريباً أو قتلاً في الدنيا أو في الآخرة فذاك عديم الأثر، فيرجع حاصل القياس إلى أن الذين غدروا وكفروا وكذبوا عذبوا من غير اعتبار أن ذلك العذاب كان في الدنيا أو في الآخرة، والغدر والكفر يناسبان العذاب، فعلمنا أن الكفر والغدر هما السببان في العذاب، فأينما حصلا حصل العذاب من غير بيان أن ذلك العذاب في الدنيا أو في الآخرة، ومتى قررنا القياس والاعتبار على هذا الوجه زالت المطاعن والنقوض وتم القياس على الوجه الصحيح. المسألة الثانية: الاعتبار مأخوذ من العبور والمجاوزة من شيء إلى شيء، ولهذا سميت العبرة عبرة لأنها تنتقل من العين إلى الخد، وسمي المعبر معبراً لأن به تحصل المجاوزة، وسمي العلم المخصوص بالتعبير، لأن صاحبه ينتقل من المتخيل إلى المعقول، وسميت الألفاظ عبارات، لأنها تنقل المعاني من لسان القائل إلى عقل المستمع، ويقال: السعيد من اعتبر بغيره، لأنه ينتقل عقله من حال ذلك الغير إلى حال نفسه، ولهذا قال المفسرون: الاعتبار هو النظر في حقائق الأشياء وجهات دلالتها ليعرف بالنظر فيها شيء آخر من جنسها، وفي قوله: {يا أولي الأبصار } وجهان الأول: قال ابن عباس: يريد يا أهل اللب والعقل والبصائر والثاني: قال الفراء: {يا أولي الأبصار } يا من عاين تلك الواقعة المذكورة.

القرطبي

تفسير : تقدم.

البيضاوي

تفسير : مدنية وآيها أربع وعشرون آية بسم الله الرحمن الرحيم {سَبَّحَ للَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ} روي «حديث : أنه عليه السلام لما قدم المدينة صالح بني النضير على أن لا يكونوا له ولا عليه، فلما ظهر يوم بدر قالوا: إنه النبي المنعوت في التوراة بالنصرة، فلما هزم المسلمون يوم أحد ارتابوا ونكثوا وخرج كعب بن الأشرف في أربعين راكباً إلى مكة وحالفوا أبا سفيان، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أخا كعب من الرضاعة فقتله غيلة، ثم صبحهم بالكتائب وحاصرهم حتى صالحوا على الجلاء فجلا أكثرهم إلى الشام ولحقت طائفة بخيبر والحيرة»تفسير : فأنزل الله تعالى {سَبَّحَ للَّهِ } إلى قوله: {وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلّ شَيْء قَدِيرٌ }. {هُوَ ٱلَّذِى أَخْرَجَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ مِن دِيَـٰرِهِمْ لأَِوَّلِ ٱلْحَشْرِ} أي في أول حشرهم من جزيرة العرب إذ لم يصبهم هذا الذل قبل ذلك، أو في أول حشرهم للقتال أو الجلاء إلى الشام، وآخر حشرهم إجلاء عمر رضي الله تعالى عنه إياهم من خيبر إليه، أو في أول حشر الناس إلى الشام وآخر حشرهم أنهم يحشرون إليه عند قيام الساعة فيدركهم هناك، أو أن ناراً تخرج من المشرق فتحشرهم إلى المغرب. والحشر إخراج جمع من مكان إلى آخر. {مَا ظَنَنتُمْ أَن يَخْرُجُواْ} لشدة بأسهم ومنعتهم. {وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ مَّانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم مّنَ ٱللَّهِ} أي أن حصونهم تمنعهم من بأس الله وتغيير النظم، وتقديم الخبر وإسناد الجملة إلى ضميرهم للدلالة على فرط وثوقهم بحصانتها واعتقادهم في أنفسهم أنهم في عزة ومنعة بسببها، ويجوز أن تكون {حُصُونُهُم} فاعلاً لـ {مَّانِعَتُهُمْ}. {فَـاتَـٰهُمُ ٱللَّهُ} أي عذابه وهو الرعب والاضطرار إلى الجلاء، وقيل الضمير لـ {ٱلْمُؤْمِنِينَ } أي فأتاهم نصر الله، وقرىء {فَـاتَـٰهُمُ ٱللَّهُ } أي العذاب أو النصر. {مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُواْ} لقوة وثوقهم. {وَقَذَفَ فِى قُلُوبِهِمُ ٱلرُّعْبَ } وأثبت فيها الخوف الذي يرعبها أي يملؤها. {يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ} ضناً بها على المسلمين وإخراجاً لما استحسنوا من آلاتها. {وَأَيْدِى ٱلْمُؤْمِنِينَ } فإنهم أيضاً كانوا يخربون ظواهرها نكاية وتوسيعاً لمجال القتال. وعطفها على «أيديهم» من حيث أن تخريب المؤمنين مسبب عن نقضهم فكأنهم استعملوهم فيه، والجملة حال أو تفسير لـ {ٱلرُّعْبَ }. وقرأ أبو عمرو « يُخْرِبُونَ» بالتشديد وهو أبلغ لما فيه من التكثير. وقيل الإِخراب التعطيل أو ترك الشيء خراباً والتخريب الهدم. {فَٱعْتَبِرُواْ يٰأُوْلِى ٱلأَبْصَـٰرِ} فاتعظوا بحالهم فلا تغدروا ولا تعتمدوا على غير الله، واستدل به على أن القياس حجة من حيث أنه أمر بالمجاوزة من حال إلى حال وحملها عليها في حكم لما بينهما من المشاركة المقتضية له على ما قررناه في الكتب الأصولية. {وَلَوْلاَ أَن كَتَبَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمُ ٱلْجَلاَء} الخروج من أوطانهم. {لَعَذَّبَهُمْ فِى ٱلدُّنْيَا} بالقتل والسبي كما فعل ببني قريظة. {وَلَهُمْ فِى ٱلآخِرَةِ عَذَابُ ٱلنَّارِ } استئناف معناه أنهم إن نجوا من عذاب الدنيا لم ينجوا من عذاب الآخرة. {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَن يُشَاقّ ٱللَّهَ فَإِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ } الإِشارة إلى ما ذكر مما حاق بهم وما كانوا بصدده وما هو معد لهم أو إلى الأخير. {مَا قَطَعْتُمْ مّن لّينَةٍ } أي شيء قطعتم من نخلة فعلة من اللون ويجمع على ألوان، وقيل من اللين ومعناها النخلة الكريمة وجمعها أليان. {أَوْ تَرَكْتُمُوهَا } الضمير لما وتأنيثه لأنه مفسر باللينة. {قَائِمَةً عَلَىٰ أُصُولِهَا } وقرىء «أصلها» اكتفاء بالضمة عن الواو أو على أنه كرهن. {فَبِإِذْنِ ٱللَّهِ } فبأمره. {وَلِيُخْزِىَ ٱلْفَـٰسِقِينَ } علة لمحذوف أي وفعلتم أو وأذن لكم في القطع ليجزيهم على فسقهم بما غاظهم منه.حديث : روي أنه عليه الصلاة والسلام لما أمر بقطع نخيلهم قالوا: قد كنت يا محمد تنهى عن الفساد في الأرض فما بال قطع النخل وتحريقها فنزلتتفسير : . واستدل به على جواز هدم ديار الكفار وقطع أشجارهم زيادة لغيظهم.

ابن كثير

تفسير : يخبر تعالى أن جميع ما في السموات وما في الأرض من شيء يسبح له، ويمجده ويقدسه، ويصلي له ويوحده؛ كقوله تعالى: {أية : تُسَبِّحُ لَهُ ٱلسَّمَـٰوَٰتُ ٱلسَّبْعُ وَٱلأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ وَإِن مِّن شَىْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ وَلَـٰكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ} تفسير : [الإسراء: 44] وقوله تعالى: {وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ} أي: منيع الجناب {ٱلْحَكِيمُ} في قدره وشرعه. وقوله تعالى: {هُوَ ٱلَّذِىۤ أَخْرَجَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ} يعني: يهود بني النضير. قاله ابن عباس ومجاهد والزهري وغير واحد: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قدم المدينة، هادنهم وأعطاهم عهداً وذمة على أن لا يقاتلهم ولا يقاتلوه، فنقضوا العهد الذي كان بينهم وبينه، فأحل الله بهم بأسه الذي لا مرد له، وأنزل عليهم قضاءه الذي لا يصد، فأجلاهم النبي صلى الله عليه وسلم وأخرجهم من حصونهم الحصينة التي ما طمع فيها المسلمون، وظنوا هم أنها ما نعتهم من بأس الله، فما أغنى عنهم من الله شيئاً، وجاءهم من الله ما لم يكن ببالهم، وسيرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأجلاهم من المدينة، فكان منهم طائفة ذهبوا إلى أذرعات من أعالي الشام، وهي أرض المحشر والمنشر، ومنهم طائفة ذهبوا إلى خيبر، وكان قد أنزلهم منها على أن لهم ما حملت إبلهم، فكانوا يخربون ما في بيوتهم من المنقولات التي لا يمكن أن تحمل معهم، ولهذا قال تعالى: {يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِى ٱلْمُؤْمِنِينَ فَٱعْتَبِرُواْ يٰأُوْلِى ٱلأَبْصَـٰرِ} أي: تفكروا في عاقبة من خالف أمر الله، وخالف رسوله، وكذب كتابه؛ كيف يحل به من بأسه المخزي له في الدنيا، مع ما يدخره له في الآخرة من العذاب الأليم؟ قال أبو داود: حدثنا محمد بن داود وسفيان، حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر عن الزهري عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك، عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أن كفار قريش كتبوا إلى ابن أبيّ ومن كان معه يعبد الأوثان من الأوس والخزرج، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ بالمدينة قبل وقعة بدر: إنكم آويتم صاحبنا، وإنا نقسم بالله لنقاتلنه، أو لنخرجنكم، أو لنسيرن إليكم بأجمعنا، حتى نقتل مقاتلتكم، ونسبي نساءكم، فلما بلغ ذلك عبد الله بن أبيّ ومن كان معه من عبدة الأوثان، أجمعوا لقتال النبي صلى الله عليه وسلم فلما بلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم لقيهم فقال: «حديث : لقد بلغ وعيد قريش منكم المبالغ، ما كانت تكيدكم بأكثر مما تريد أن تكيدوا به أنفسكم، تريدون أن يقاتلوا أبناءكم وإخوانكم»تفسير : ؟ فلما سمعوا ذلك من النبي، تفرقوا، فبلغ ذلك كفار قريش، فكتبت كفار قريش بعد وقعة بدر إلى اليهود: إنكم أهل الحلقة والحصون، وإنكم لتقاتلن مع صاحبنا، أو لنفعلن كذا وكذا، ولا يحول بيننا وبين خدم نسائكم شيء، وهو الخلاخل، فلما بلغ كتابهم النبي صلى الله عليه وسلم أيقنت بنو النضير بالغدر، فأرسلوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم اخرج إلينا في ثلاثين رجلاً من أصحابك، وليخرج منا ثلاثون حبراً، حتى نلتقي بمكان النصف، وليسمعوا منك، فإن صدقوك وآمنوا بك، آمنا بك. فلما كان الغد، غدا عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالكتائب، فحصرهم فقال لهم: «حديث : إنكم والله لا تؤمنون عندي إلا بعهد تعاهدونني عليهتفسير : ، فأبوا أن يعطوه عهداً، فقاتلهم يومهم ذلك، ثم غدا من الغد على بني قريظة بالكتائب، وترك بني النضير، ودعاهم إلى أن يعاهدوه فعاهدوه، فانصرف عنهم وغدا إلى بني النضير بالكتائب، فقاتلهم حتى نزلوا على الجلاء، فجلت بنو النضير، واحتملوا ما أقلت الإبل من أمتعتهم وأبواب بيوتهم وخشبها، وكان نخل بني النضير لرسول الله صلى الله عليه وسلم خاصة، أعطاه الله إياها، وخصه بها، فقال تعالى: {وَمَآ أَفَآءَ ٱللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَآ أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلاَ رِكَابٍ} يقول: بغير قتال، فأعطى النبي صلى الله عليه وسلم أكثرها للمهاجرين، قسمها بينهم، وقسم منها لرجلين من الأنصار، وكانا ذوي حاجة، ولم يقسم من الأنصار غيرهما، وبقي منها صدقة رسول الله صلى الله عليه وسلم التي في أيدي بني فاطمة. ولنذكر ملخص غزوة بني النضير على وجه الاختصار، وبالله المستعان. وكان سبب ذلك فيما ذكره أصحاب المغازي والسير: أنه لما قتل أصحاب بئر معونة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانوا سبعين، وأفلت منهم عمرو بن أمية الضمري، فلما كان في أثناء الطريق راجعاً إلى المدينة، قتل رجلين من بني عامر، وكان معهما عهد من رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمان لم يعلم به عمرو، فلما رجع، أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : لقد قتلت رجلين لأدينهما» تفسير : وكان بين بني النضير وبني عامر حلف وعهد، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بني النضير ليستعينهم في دية ذينك الرجلين، وكانت منازل بني النضير ظاهر المدينة على أميال منها شرقيها. وقال محمد بن إسحاق بن يسار في كتابه السيرة: ثم خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بني النضير يستعينهم في دية ذينك القتيلين من بني عامر اللذين قتلهما عمرو بن أمية الضمري؛ للجوار الذي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم عقد لهما فيما حدثني يزيد بن رومان، وكان بين بني النضير وبني عامر عقد وحلف، فلما أتاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم يستعينهم في دية ذينك القتيلين، قالوا: نعم يا أبا القاسم نعينك على ما أحببت مما استعنت بنا عليه، ثم خلا بعضهم ببعض، فقالوا: إنكم لن تجدوا الرجل على مثل حاله هذه ــــ ورسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم إلى جنب جدار من بيوتهم ــــ فمن رجل يعلو على هذا البيت، فيلقي عليه صخرة، فيريحنا منه؟ فانتدب لذلك عمرو بن جحاش بن كعب، أحدهم، فقال: أنا لذلك، فصعد ليلقي عليه صخرة كما قال، ورسول الله صلى الله عليه وسلم في نفر من أصحابه، فيهم أبو بكر وعمر وعلي رضي الله عنهم، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم الخبر من السماء بما أراد القوم، فقام وخرج راجعاً إلى المدينة. فلما استلبث النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه، قاموا في طلبه، فلقوا رجلاً مقبلاً من المدينة، فسألوه عنه، فقال: رأيته داخلاً المدينة، فأقبل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى انتهوا إليه، فأخبرهم الخبر بما كانت يهود أرادت من الغدر به، وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالتهيؤ لحربهم والمسير إليهم، ثم سار حتى نزل بهم، فتحصنوا منه في الحصون، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقطع النخل والتحريق فيها، فنادوه: أن يا محمد قد كنت تنهى عن الفساد في الأرض، وتعيبه على من يصنعه، فما بال قطع النخل وتحريقها؟ وقد كان رهط من بني عوف بن الخزرج منهم عبد الله بن أبي ابن سلول ووديعة ومالك بن أبي قوقل وسويد وداعس قد بعثوا إلى بني النضير: أن اثبتوا وتمنعوا، فإنا لن نسلمكم، إن قوتلتم قاتلنا معكم، وإن خرجتم خرجنا معكم، فتربصوا ذلك من نصرهم، فلم يفعلوا، فقذف الله في قلوبهم الرعب، فسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجليهم ويكف عن دمائهم، على أن لهم ما حملت الإبل من أموالهم إلا الحلقة، ففعل، فاحتملوا من أموالهم ما استقلت به الإبل، فكان الرجل منهم يهدم بيته عن إيجاف بابه، فيضعه على ظهر بعيره، فينطلق به، فخرجوا إلى خيبر، ومنهم من سار إلى الشام، وخلوا الأموال لرسول الله صلى الله عليه وسلم فكانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم خاصة، يضعها حيث يشاء، فقسمها على المهاجرين الأولين دون الأنصار، إلا سهل بن حنيف وأبا دجانة ــــ سماك بن خرشة ــــ ذكرا فقراً، فأعطاهما رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: ولم يسلم من بني النضير إلا رجلان: يامين بن عمرو بن كعب عم عمرو بن جحاش، وأبو سعد بن وهب، أسلما على أموالهما، فأحرزاها. قال ابن إسحاق: وقد حدثني بعض آل يامين: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ليامين: «حديث : ألم ترَ ما لقيت من ابن عمك، وما هَمَّ به من شأني؟» تفسير : فجعل يامين بن عمرو لرجل جعلاً على أن يقتل عمرو بن جحاش، فقتله فيما يزعمون. قال ابن إسحاق: ونزل في بني النضير سورة الحشر بأسرها. وهكذا روى يونس بن بكير عن ابن إسحاق بنحو ما تقدم. فقوله تعالى: {هُوَ ٱلَّذِىۤ أَخْرَجَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ} يعني: بني النضير {مِن دِيَـٰرِهِمْ لأَوَّلِ ٱلْحَشْرِ}. قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا ابن أبي عمر، حدثنا سفيان عن أبي سعد عن عكرمة عن ابن عباس قال: من شك في أن أرض المحشر ههنا، يعني: الشام، فليقرأ هذه الآية: {هُوَ ٱلَّذِىۤ أَخْرَجَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ مِن دِيَـٰرِهِمْ لأَوَّلِ ٱلْحَشْرِ} قال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : اخرجوا» تفسير : قالوا: إلى أين؟ قال: «حديث : إلى أرض المحشر»تفسير : . وحدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا أبو أسامة عن عوف عن الحسن قال: لما أجلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بني النضير، قال: «حديث : هذا أول الحشر وأنا على الأثر» تفسير : . ورواه ابن جرير عن بندار عن ابن أبي عدي عن عوف عن الحسن، به. وقوله تعالى: {مَا ظَنَنتُمْ أَن يَخْرُجُواْ} أي: في مدة حصاركم لهم وقصرها، وكانت ستة أيام، مع شدة حصونهم ومنعتها، ولهذا قال تعالى: {وَظَنُّوۤاْ أَنَّهُمْ مَّانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم مِّنَ ٱللَّهِ فَأَتَـٰهُمُ ٱللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُواْ} أي: جاءهم من أمر الله ما لم يكن لهم في بال؛ كما قال تعالى في الآية الأخرى: {أية : قَدْ مَكَرَ ٱلَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَى ٱللَّهُ بُنْيَـٰنَهُمْ مِّنَ ٱلْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ ٱلسَّقْفُ مِن فَوْقِهِمْ وَأَتَـٰهُمُ ٱلْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُونَ} تفسير : [النحل: 26]. وقوله تعالى: {وَقَذَفَ فِى قُلُوبِهِمُ ٱلرُّعْبَ} أي: الخوف والهلع والجزع. وكيف لا يحصل لهم ذلك، وقد حاصرهم الذي نصر بالرعب مسيرة شهر؟ صلوات الله وسلامه عليه. وقوله: {يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِى ٱلْمُؤْمِنِينَ} قد تقدم تفسير ابن إسحاق لذلك، وهو نقض ما استحسنوه من سقوفهم وأبوابهم، وتحملها على الإبل، وكذلك قال عروة بن الزبير وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم وغير واحد. وقال مقاتل بن حيان: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقاتلهم، فإذا ظهر على درب أو دار، هدم حيطانها؛ ليتسع المكان للقتال، وكان اليهود إذا علوا مكاناً، أو غلبوا على درب أو دار، نقبوا من أدبارها، ثم حصنوها ودربوها، يقول الله تعالى: {فَٱعْتَبِرُواْ يٰأُوْلِى ٱلأَبْصَـٰرِ}. وقوله: {وَلَوْلاَ أَن كَتَبَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمُ ٱلْجَلاَءَ لَعَذَّبَهُمْ فِى ٱلدُّنْيَا} أي: لولا أن كتب الله عليهم هذا الجلاء، وهو النفي من ديارهم وأموالهم، لكان لهم عند الله عذاب آخر من القتل والسبي ونحو ذلك، قاله الزهري عن عروة والسدي وابن زيد؛ لأن الله قد كتب عليهم أنه سيعذبهم في الدار الدنيا، مع ما أعد لهم في الدار الآخرة من العذاب في نار جهنم. قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عبد الله بن صالح كاتب الليث، حدثني الليث عن عقيل عن ابن شهاب قال: أخبرني عروة بن الزبير قال: ثم كانت وقعة بني النضير، وهم طائفة من اليهود، على رأس ستة أشهر من وقعة بدر، وكان منزلهم بناحية من المدينة، فحاصرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى نزلوا على الجلاء، وأن لهم ما أقلت الإبل من الأموال والأمتعة، إلا الحلقة، وهي السلاح، فأجلاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل الشام، قال: والجلاء كتب عليهم في آي من التوراة، وكانوا من سبط لم يصبهم الجلاء قبل ما سلط عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنزل الله فيهم: {سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلأَرْضِ} ــــ إلى قوله ــــ {وَلِيُخْزِيَ ٱلْفَاسِقِينَ} وقال عكرمة: الجلاء: القتل، وفي رواية عنه: الفناء. وقال قتادة: الجلاء: خروج الناس من البلد إلى البلد. وقال الضحاك: أجلاهم إلى الشام، وأعطى كل ثلاثة بعيراً وسقاء، فهذا الجلاء. وقد قال الحافظ أبو بكر البيهقي: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرنا أحمد بن كامل القاضي، حدثنا محمد بن سعيد العوفي، حدثني أبي عن عمي، حدثنا أبي عن جدي عن ابن عباس، قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم قد حاصرهم حتى بلغ منهم كل مبلغ، فأعطوه ما أراد منهم، فصالحهم على أن يحقن لهم دماءهم، وأن يخرجهم من أرضهم ومن ديارهم وأوطانهم، وأن يسيرهم إلى أذرعات الشام، وجعل لكل ثلاثة منهم بعيراً وسقاء، والجلاء: إخراجهم من أرضهم إلى أرض أخرى. وروي أيضاً من حديث يعقوب بن محمد الزهري عن إبراهيم بن جعفر عن محمود بن محمد بن مسلمة عن أبيه عن جده، عن محمد بن مسلمة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثه إلى بني النضير، وأمره أن يؤجلهم في الجلاء ثلاثة أيام. وقوله تعالى: {وَلَهُمْ فِي ٱلآخِرَةِ عَذَابُ ٱلنَّارِ} أي: حتم لازم، لا بد لهم منه. وقوله تعالى: {ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ شَآقُّواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ} أي: إنما فعل الله بهم ذلك، وسلط عليهم رسوله وعباده المؤمنين؛ لأنهم خالفوا الله ورسوله، وكذبوا بما أنزل الله على رسله المتقدمين في البشارة بمحمد صلى الله عليه وسلم وهم يعرفون ذلك كما يعرفون أبناءهم. ثم قال: {وَمَن يُشَآقِّ ٱللَّهَ فَإِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ}. وقوله تعالى: { مَا قَطَعْتُمْ مِّن لِّينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَآئِمَةً عَلَىٰ أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ ٱللَّهِ وَلِيُخْزِىَ ٱلْفَـٰسِقِينَ} اللين: نوع من التمر، وهو جيد. قال أبو عبيدة: وهو ما خالف العجوة والبرني من التمر، وقال كثيرون من المفسرين: اللينة: ألوان التمر سوى العجوة. قال ابن جرير: هو جميع النخل. ونقله عن مجاهد، وهو البويرة أيضاً، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما حاصرهم، أمر بقطع نخيلهم إهانة لهم وإرهاباً وإرعاباً لقلوبهم، فروى محمد بن إسحاق عن يزيد بن رومان وقتادة ومقاتل بن حيان أنهم قالوا: فبعث بنو النضير يقولون لرسول الله صلى الله عليه وسلم إنك تنهى عن الفساد، فما بالك تأمر بقطع الأشجار؟ فأنزل الله هذه الآية الكريمة، أي: ما قطعتم من لينة، وما تركتم من الأشجار، فالجميع بإذنه ومشيئته وقدره ورضاه، وفيه نكاية بالعدو وخزي لهم، وإرغام لأنوفهم. وقال مجاهد: نهى بعض المهاجرين بعضاً عن قطع النخل، وقالوا: إنما هي مغانم المسلمين، فنزل القرآن بتصديق من نهى عن قطعه، وتحليل من قطعه من الإثم، وإنما قطعه وتركه بإذنه. وقد روي نحو هذا مرفوعاً، فقال النسائي: أخبرنا الحسن بن محمد عن عفان، حدثنا حفص بن غياث، حدثنا حبيب بن أبي عمرة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله: { مَا قَطَعْتُمْ مِّن لِّينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَآئِمَةً عَلَىٰ أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ ٱللَّهِ وَلِيُخْزِىَ ٱلْفَـٰسِقِينَ} قال: يستنزلونهم من حصونهم، وأمروا بقطع النخل، فحاك في صدورهم، فقال المسلمون: قطعنا بعضاً، وتركنا بعضاً، فلنسألن رسول الله صلى الله عليه وسلم هل لنا فيما قطعنا من أجر؟ وهل علينا فيما تركنا من وزر؟ فأنزل الله: {مَا قَطَعْتُمْ مِّن لِّينَةٍ}. وقال الحافظ أبو يعلى في مسنده: حدثنا سفيان بن وكيع، حدثنا حفص عن ابن جريج عن سليمان بن موسى عن جابر، وعن أبي الزبير عن جابر، قال: رخص لهم في قطع النخل، ثم شدد عليهم، فأتوا النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا رسول الله علينا إثم فيما قطعنا، أو علينا وزر فيما تركنا؟ فأنزل الله عز وجل: {مَا قَطَعْتُمْ مِّن لِّينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَآئِمَةً عَلَىٰ أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ ٱللَّهِ}. وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرحمن، حدثنا سفيان، عن موسى بن عقبة، عن نافع عن ابن عمر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قطع نخل بني النضير، وحَرّق. وأخرجه صاحبا الصحيح من رواية موسى بن عقبة بنحوه، ولفظ البخاري من طريق عبد الرزاق عن ابن جريج عن موسى بن عقبة عن نافع عن ابن عمر، قال: حاربت النضير وقريظة، فأجلى بني النضير، وأقر قريظة، ومن عليهم حتى حارب قريظة، فقتل من رجالهم، وسبى وقسم نساءهم وأولادهم وأموالهم بين المسلمين، إلا بعضهم لحقوا بالنبي صلى الله عليه وسلم فأمنهم وأسلموا، وأجلى يهود المدينة كلهم: بني قينقاع، وهم رهط عبد الله بن سلام، ويهود بني حارثة، وكل يهود بالمدينة. ولهما أيضاً عن قتيبة، عن الليث بن سعد، عن نافع، عن ابن عمر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حرق نخل بني النضير، وقطع - وهي البُوَيرة - فأنزل الله، عز وجل فيه: { مَا قَطَعْتُمْ مِّن لِّينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَآئِمَةً عَلَىٰ أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ ٱللَّهِ وَلِيُخْزِىَ ٱلْفَـٰسِقِينَ}. وللبخاري، رحمه الله، من رواية جُويرية بن أسماء عن نافع، عن ابن عمر رضي الله عنهما: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حَرّق نخل بني النضير وقطع البويرة، ولها يقول حسان بن ثابت رضي الله عنه:شعر : وهانَ على سَراةِ بَني لُؤَيَ حَريقٌ بالبُوَيْرَةِ مُسْتَطيرُ تفسير : فأجابه أبو سفيان بن الحارث يقول:شعر : أدامَ اللّهُ ذلك مِنْ صَنيع وحرَّقَ في نواحيها السَّعيرُ ستعلمُ أيُّنا منْها بنزهٍ وتعلم أيّ أرضينا نَضيرُ تفسير : وكذا رواه البخاري، ولم يذكره ابن إسحاق. وقال محمد بن إسحاق: وقال كعب بن مالك يذكر إجلاء بني النضير وقتل ابن الأشرف:شعر : لقد خَزِيَتْ بغدرتِها الحبورُ كذاك الدهرُ ذو صَرْفٍ يدورُ وذلك أنهم كفروا بربَ عظيمٍ أمرُه أمرٌ كبيرُ وقد أوتوا معاً فَهْماً وعلماً وجاءهُمُو من الله النذيرُ نذيرٌ صادقٌ أدى كِتاباً وآياتٍ مبينةً تُنيرُ فقالوا ما أتَيْتَ بأمرِ صدقٍ وأنت بمنكَر منا جَديرُ فقال بَلى لقد أديت حَقّاً يُصَدِّقُني بهِ الفَهِمُ الخبيرُ فمنْ يتبعْهُ يُهْدَ لكل رشدٍ ومن يكفرْ به يجزَ الكَفورُ فلما أُشرِبوا غدراً وكُفراً وجَدَّ بهم عن الحقِّ النُّفورُ أرى اللّهُ النبيَّ برأيِ صِدْقٍ وكان اللّهُ يحكمُ لا يجورُ فأيَّدَهُ وسَلَّطَهُ عليهم وكانَ نصيرَهُ نعمَ النصيرُ فغودر منهمو كعبٌ صريعاً فذلَّتْ بعد مصرعِه النضيرُ على الكفَّيْن ثمَّ وقد علتْه بأيدينا مُشَهَّرةٌ ذُكور بأمرِ محمدٍ إذ دسَّ ليلاً إلى كعب أخا كعبٍ يسيرُ فما كره فأنزله بمكرٍ ومحمودٌ أخو ثقة جَسورُ فتلك بنو النضير بدار سَوْءٍ أبادهمو بما اجترموا المُبيرُ غداة أتاهُمو في الزحف رَهْواً رسولُ الله وهْوَ بهم بصيرُ وغسَّانُ الحماةُ موازروه على الأعداء وهو لهم وزير فقال السلمُ ويحكمو فَصَدُّوا وخالف أمرَهُم كذبٌ وزورُ فذاقوا غِبَّ أمرهمو وَبالاً لكلِّ ثلاثةٍ منهم بعيرُ وأُجْلوا عامدينَ لقَيْنُقاعٍ وغودر منهمو نَخْلٌ ودورُ تفسير : قال: وكان مما قيل من الأشعار في بني النضير قول ابن لُقيم العبسي، ويقال: قالها قيس بن بحر بن طريف، قال ابن هشام الأشجعي:شعر : أَهْلي فداءٌ لامرىءٍ غير هالكٍ أجلى اليهودَ بالحسيِّ المزنّمِ يَقيلون في جَمْرِ العضاه وبُدِّلُوا أهيضِبَ عوداً بالوَدِيِّ المُكَمَّمِ فإنْ يكُ ظنِّي صادقاً بمحمَّدٍ يَرَوا خيلَه بينَ الصّلا ويَرَمْرَمِ يؤمُّ بها عَمْرَو بنَ بهثة إنهم عدوٌّ وما حَيٌّ صديقٌ كمُجْرِمِ عليهِنَّ أبطالٌ مساعيرُ في الوغى يَهُزُّون أطرافَ الوشيجِ المُقَوَّمِ وكلُّ رقيقِ الشفرتينِ مُهَنَّدٍ تُورِثْنَ من أزمانِ عادٍ وُجْرُهم فَمَنْ مُبْلِغٌ عَنِّي قُرَيْشاً رسالةً فهلْ بعدَهُمْ في المجدِ منْ متكرّمِ بأنَّ أخاكم فاعلَمُنَّ محمداً تليدُ النَّدى بين الحَجونِ وزمزمِ فَدِينوا لهُ بالحقِّ تُحْسَمْ أمورُكم وتَسْموا من الدنيا إلى كل معظمِ نبيٌّ تلاقَتْهُ من اللّهِ رحمةٌ ولا تَسْألوهُ أمرَ غيْبٍ مُرَجَّمِ فقد كان في بَدْرٍ لَعَمْرِيَ عِبْرَةٌ لكمْ يا قريشٌ والقَليب المُلَمَّمِ غداة أتى في الخزرجيَّةِ عامداً إليكم مُطيعاً للعظيم المكرَّمِ مُعاناً بروح القدس ينكي عدوَّهُ رسولاً من الرَّحمٰن حقاً بمعلم رسولاً من الرحمن يتلو كتابَهُ فلما أنار الحقّ لم يتلعثَمِ أرى أمرَه يزدادُ في كلِّ موطنٍ عُلُواً لأمرٍ حَمَّه اللّهُ مُحْكَمِ تفسير : وقد أورد ابن إسحاق رحمه الله ههنا أشعاراً كثيرة فيها آداب ومواعظ وحكم وتفاصيل للقصة، تركنا باقيها اختصاراً واكتفاء بما ذكرناه، ولله الحمد والمنة. قال ابن إسحاق: كانت وقعة بني النضير بعد وقعة أحد، وبعد بئر معونة، وحكى البخاري، عن الزهري، عن عروة أنه قال: كانت وقعة بني النضير بعد بدر بستة أشهر.

المحلي و السيوطي

تفسير : {سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَٰوٰتِ وَمَا فِى ٱلأَرْضِ } أي نزهه فاللام مزيدة وفي الإتيان بـ(ما) تغليب للأكثر {وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ } في ملكه وصنعه.

الشوكاني

تفسير : قوله: {سَبَّحَ للَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَمَا فِي ٱلأرْضِ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ } قد تقدّم تفسير هذا في سورة الحديد. {هُوَ ٱلَّذِى أَخْرَجَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ مِن دِيَـٰرِهِمْ لأوَّلِ ٱلْحَشْرِ } هم بنو النضير، وهم. رهط من اليهود من ذرية هارون، نزلوا المدينة في فتن بني إسرائيل انتظاراً منهم لمحمد صلى الله عليه وسلم، فغدروا بالنبيّ صلى الله عليه وسلم بعد أن عاهدوه، وصاروا عليه مع المشركين، فحاصرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى رضوا بالجلاء. قال الكلبي: كانوا أوّل من أجلي من أهل الذمّة من جزيرة العرب، ثم أجلي آخرهم في زمن عمر بن الخطاب، فكان جلاؤهم أوّل حشر من المدينة، وآخر حشر إجلاء عمر لهم. وقيل: إن أوّل الحشر إخراجهم من حصونهم إلى خيبر، وآخر الحشر إخراجهم من خيبر إلى الشام، وقيل: آخر الحشر هو حشر جميع الناس إلى أرض المحشر، وهي الشام. قال عكرمة: من شك أن المحشر يوم القيامة في الشام، فليقرأ هذه الآية، وأن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال لهم: "حديث : اخرجوا"تفسير : ، قالوا: إلى أين؟ قال: "حديث : إلى أرض المحشر"تفسير : . قال ابن العربي: الحشر أوّل وأوسط وآخر، فالأوّل إجلاء بني النضير، والأوسط إجلاء أهل خيبر، والآخر يوم القيامة. وقد أجمع المفسرون على أن هؤلاء المذكورين في الآية هم بنو النضير، ولم يخالف في ذلك إلاّ الحسن البصري فقال: هم بنو قريظة، وهو غلط، فإن بني قريظة ما حشروا، بل قتلوا بحكم سعد بن معاذ لما رضوا بحكمه، فحكم عليهم بأن تقتل مقاتلتهم، وتسبي ذراريهم، وتغنم أموالهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لسعد: "حديث : لقد حكمت بحكم الله من فوق سبعة أرقعة"تفسير : . واللام في {لأوّل الحشر} متعلقة بـ {أخرج}، وهي لام التوقيت كقوله: {أية : لِدُلُوكِ ٱلشَّمْسِ } تفسير : [الإسراء: 78]. {مَا ظَنَنتُمْ أَن يَخْرُجُواْ } هذا خطاب للمسلمين، أي: ما ظننتم أيها المسلمون أن بني النضير يخرجون من ديارهم؛ لعزتهم، ومنعتهم، وذلك أنهم كانوا أهل حصون مانعة، وعقار، ونخيل واسعة، وأهل عدد وعدّة {وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ مَّانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم مّنَ ٱللَّهِ } أي: وظنّ بنو النضير أن حصونهم تمنعهم من بأس الله، وقوله: {مَّانِعَتُهُمْ } خبر مقدّم، و{حصونهم} مبتدأ مؤخر، والجملة خبر {أنهم}، ويجوز أن يكون {مانعتهم} خبر {أنهم}، و{حصونهم} فاعل {مانعتهم}، ورجح الثاني أبو حيان، والأوّل أولى {فَأَتَـٰهُمُ ٱللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُواْ } أي: أتاهم أمر الله من حيث لم يخطر ببالهم أنه يأتيهم أمره من تلك الجهة، وهو أنه سبحانه أمر نبيه صلى الله عليه وسلم بقتالهم وإجلائهم وكانوا لا يظنون ذلك، وقيل: هو قتل رئيسهم كعب بن الأشرف، قاله ابن جريج، والسديّ، وأبو صالح، فإنّ قتله أضعف شوكتهم. وقيل: إن الضمير في {أتاهم}، و{لم يحتسبوا} للمؤمنين، أي: فأتاهم نصر الله من حيث لم يحتسبوا، والأوّل أولى لقوله: {وَقَذَفَ فِى قُلُوبِهِمُ ٱلرُّعْبَ } فإن قذف الرعب كان في قلوب بني النضير، لا في قلوب المسلمين. قال أهل اللغة: الرعب: الخوف الذي يرعب الصدر، أي: يملؤه، وقذفه: إثباته فيه. وقيل: كان قذف الرعب في قلوبهم بقتل سيدهم كعب بن الأشرف، والأولى عدم تقييده بذلك، وتفسيره به، بل المراد بالرعب الذي قذفه الله في قلوبهم هو الذي ثبت في الصحيح من قوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : نصرت بالرعب مسيرة شهر»تفسير : . {يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِى ٱلْمُؤْمِنِينَ } وذلك أنهم لما أيقنوا بالجلاء حسدوا المسلمين أن يسكنوا منازلهم، فجعلوا يخربونها من داخل، والمسلمون من خارج. قال قتادة والضحاك: كان المؤمنون يخربون من خارج، ليدخلوا، واليهود من داخل ليبنوا به ما خرب من حصنهم. قال الزجاج: معنى تخريبها بأيدي المؤمنين: أنهم عرضوها لذلك. قرأ الجمهور: {يخربون} بالتخفيف، وقرأ الحسن، والسلمي، ونصر بن عاصم، وأبو العالية، وأبو عمرو بالتشديد. قال أبو عمرو: إنما اخترت القراءة بالتشديد، لأن الإخراب ترك الشيء خراباً، وإنما خربوها بالهدم. وليس ما قاله بمسلم، فإن التخريب والإخراب عند أهل اللغة بمعنى واحد. قال سيبويه: إن معنى فعلت وأفعلت يتعاقبان نحو أخربته وخربته، وأفرحته وفرحته. واختار القراءة الأولى أبو عبيد، وأبو حاتم. قال الزهري، وابن زيد، وعروة بن الزبير: لما صالحهم النبيّ صلى الله عليه وسلم على أن لهم ما أقلت الإبل، كانوا يستحسنون الخشبة، أو العمود، فيهدمون بيوتهم، ويحملون ذلك على إبلهم، ويخرب المؤمنون باقيها. وقال الزهري أيضاً: {يخربون بيوتهم} بنقض المعاهدة، و{أيدي المؤمنين} بالمقاتلة، وقال أبو عمرو: بأيديهم في تركهم لها، وبـ {أيدي المؤمنين} في إجلائهم عنها، والجملة إما مستأنفة لبيان ما فعلوه، أو في محل نصب على الحال {فَٱعْتَبِرُواْ يٰأُوْلِى ٱلأبْصَـٰرِ } أي: اتعظوا وتدبروا، وانظروا فيما نزل بهم يا أهل العقول والبصائر. قال الواحدي: ومعنى الاعتبار: النظر في الأمور ليعرف بها شيء آخر من جنسها. {وَلَوْلاَ أَن كَتَبَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمُ ٱلْجَلاَء لَعَذَّبَهُمْ فِى ٱلدُّنْيَا } أي: لولا أن كتب الله عليهم الخروج من أوطانهم على ذلك الوجه، وقضى به عليهم لعذبهم بالقتل والسبي في الدنيا، كما فعل ببني قريظة. والجلاء: مفارقة الوطن، يقال: جلا بنفسه جلاء، وأجلاه غيره إجلاءً. والفرق بين الجلاء والإخراج، وإن كان معناهما في الإبعاد واحداً من جهتين: إحداهما: أن الجلاء ما كان مع الأهل والولد، والإخراج قد يكون مع بقاء الأهل والولد. الثاني: أن الجلاء لا يكون إلاّ لجماعة، والإخراج يكون لجماعة ولواحد، كذا قال الماوردي. {وَلَهُمْ فِى ٱلآخِرَةِ عَذَابُ ٱلنَّارِ } هذه الجملة مستأنفة غير متعلقة بجواب لولا متضمنة لبيان ما يحصل لهم في الآخرة من العذاب، وإن نجوا من عذاب الدنيا، والإشارة بقوله: {ذٰلِكَ } إلى ما تقدّم ذكره من الجلاء في الدنيا، والعذاب في الآخرة {بِأَنَّهُمْ شَاقُّواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ } أي: بسبب المشاقة منهم لله ولرسوله بعدم الطاعة، والميل مع الكفار، ونقض العهد {وَمَن يُشَاقّ ٱللَّهَ فَإِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ } اقتصر هاهنا على مشاقة الله؛ لأن مشاقته مشاقة لرسوله. قرأ الجمهور: {يشاق} بالإدغام، وقرأ طلحة بن مصرف، ومحمد بن السميفع: (يشاقق) بالفك. {مَا قَطَعْتُمْ مّن لّينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى&1648; أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ ٱللَّهِ } قال مجاهد: إن بعض المهاجرين وقعوا في قطع النخل، فنهاهم بعضهم، وقالوا: إنما هي مغانم للمسلمين، وقال الذين قطعوا: بل هو غيظ للعدوّ؛ فنزل القرآن بتصديق من نهى عن قطع النخل، وتحليل من قطعه من الإثم فقال: {مَا قَطَعْتُمْ مّن لّينَةٍ } قال قتادة، والضحاك: إنهم قطعوا من نخيلهم وأحرقوا ست نخلات. وقال محمد بن إسحاق: إنهم قطعوا نخلة وأحرقوا نخلة، فقال بنو النضير، وهم أهل كتاب: يا محمد ألست تزعم أنك نبيّ تريد الصلاح، أفمن الصلاح قطع النخل، وحرق الشجر؟، وهل وجدت، فيما أنزل عليك إباحة الفساد في الأرض، فشقّ ذلك على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ووجد المسلمون في أنفسهم، فنزلت الآية، ومعنى الآية: أيُّ شيء قطعتم من ذلك أو تركتم فبإذن الله، والضمير في {تركتموها} عائد إلى «ما» لتفسيرها باللينة، وكذا في قوله: {قَائِمَةً عَلَىٰ أُصُولِهَا }، ومعنى {عَلَىٰ أُصُولِهَا }: أنها باقية على ما هي عليه. واختلف المفسرون في تفسير اللينة، فقال الزهري، ومالك، وسعيد بن جبير، وعكرمة، والخليل: إنها النخل كله إلاّ العجوة. وقال مجاهد: إنها النخل كله، ولم يستثن عجوة ولا غيرها. وقال الثوري: هي كرام النخل. وقال أبو عبيدة: إنها جميع أنواع التمر سوى العجوة والبرني. وقال جعفر بن محمد: إنها العجوة خاصة، وقيل: هي ضرب من النخل، يقال لتمره: اللون، تمره أجود التمر. وقال الأصمعي: هي الدقل. وأصل اللينة. لونة، فقلبت الواو ياء لانكسار ما قبلها، وجمع اللينة لين، وقيل: ليان. وقرأ ابن مسعود (ما قطعتم من لينة ولا تركتم قوماً على أصولها) أي: قائمة على سوقها، وقرىء: (على أصلها)، وقرىء: (قائماً على أصوله) {وَلِيُخْزِىَ ٱلْفَـٰسِقِينَ } أي: ليذلّ الخارجين عن الطاعة، وهم اليهود، ويغيظهم في قطعها وتركها، لأنهم إذا رأوا المؤمنين يتحكمون في أموالهم كيف شاءوا من القطع والترك ازدادوا غيظاً. قال الزجاج: {وليخزي الفاسقين} بأن يريهم أموالهم يتحكم فيها المؤمنون كيف أحبوا من قطع وترك، والتقدير: وليخزي الفاسقين أذن في ذلك، يدل على المحذوف قوله: {فَبِإِذْنِ ٱللَّهِ }، وقد استدلّ بهذه الآية على جواز الاجتهاد، وعلى تصويب المجتهدين، والبحث مستوفى في كتب الأصول. {وَمَا أَفَاء ٱللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْهُمْ } أي: ما ردّه عليه من أموال الكفار، يقال: فاء يفيء، إذا رجع، والضمير في {منهم} عائد إلى بني النضير {فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلاَ رِكَابٍ } يقال: وجف الفرس والبعير يجف وجفاً، وهو سرعة السير، وأوجفه صاحبه: إذا حمله على السير السريع، ومنه قول تميم بن مقبل:شعر : مذ أوبد بالبيض الحديد صقالها عن الركب أحياناً إذا الركب أوجفوا تفسير : وقال نصيب:شعر : ألا رُبَّ ركب قد قطعت وجيفهم إليك ولولا أنت لم يوجف الركب تفسير : و«ما» في {فَمَا أَوْجَفْتُمْ } نافية، والفاء جواب الشرط إن كانت «ما» في قوله: {مَّا أَفَاء ٱللَّهُ } شرطية، وإن موصولة، فالفاء زائدة، «ومن» في قوله: {مِنْ خَيْلٍ } زائدة للتأكيد، والركاب. ما يركب من الإبل خاصة، والمعنى: أن ما ردّ الله على رسوله من أموال بني النضير لم تركبوا لتحصيله خيلاً، ولا إبلاً، ولا تجشمتم لها شقة، ولا لقيتم بها حرباً ولا مشقة، وإنما كانت من المدينة على ميلين، فجعل الله سبحانه أموال بني النضير لرسوله صلى الله عليه وسلم، خاصة لهذا السبب، فإنه افتتحها صلحاً، وأخذ أموالها، وقد كان سأله المسلمون أن يقسم لهم، فنزلت الآية: {وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يُسَلّطُ رُسُلَهُ عَلَىٰ مَن يَشَاء } من أعدائه، وفي هذا بيان أن تلك الأموال كانت خاصة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، دون أصحابه لكونهم لم يوجفوا عليها بخيل، ولا ركاب، بل مشوا إليها مشياً، ولم يقاسوا فيها شيئًا من شدائد الحروب، {وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلّ شَيْء قَدِيرٌ } يسلط من يشاء على من أراد، ويعطي من يشاء، ويمنع من يشاء {أية : لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْـئَلُونَ } تفسير : [الأنبياء: 23]. {مَّا أَفَاء ٱللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ ٱلْقُرَىٰ } هذا بيان لمصارف الفيء بعد بيان أنه لرسول الله خاصة، والتكرير لقصد التقرير والتأكيد، ووضع {أهل القرى} موضع قوله: {مِنْهُمْ } أي: من بني النضير للإشعار بأن هذا الحكم لا يختصّ ببني النضير وحدهم، بل هو حكم على كل قرية يفتحها رسول الله صلى الله عليه وسلم صلحاً، ولم يوجف عليها المسلمون بخيل ولا ركاب. قيل: والمراد بالقرى: بنو النضير، وقريظة، وفدك، وخيبر. وقد تكلم أهل العلم في هذه الآية والتي قبلها، هل معناهما متفق، أو مختلف؟ فقيل: معناهما متفق كما ذكرنا، وقيل: مختلف وفي ذلك كلام لأهل العلم طويل. قال ابن العربي: لا إشكال أنها ثلاثة معانٍ في ثلاث آيات. أما الآية الأولى، وهي قوله: {وَمَا أَفَاء ٱللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْهُمْ } فهي خاصة برسول الله صلى الله عليه وسلم خالصة له، وهي أموال بني النضير وما كان مثلها. وأما الآية الثانية، وهي قوله: {مَّا أَفَاء ٱللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ ٱلْقُرَىٰ } فهذا كلام مبتدأ غير الأوّل بمستحق غير الأول، وإن اشتركت هي والأولى في أن كل واحدة منهما تضمنت شيئًا أفاءه الله على رسوله، واقتضت الآية الأولى أنه حاصل بغير قتال، واقتضت آية الأنفال، وهي الآية الثالثة أنه حاصل بقتال، وعريت الآية الثانية، وهي قوله: {مَّا أَفَاء ٱللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ ٱلْقُرَىٰ } عن ذكر حصوله بقتال، أو بغير قتال، فنشأ الخلاف من ها هنا؛ فطائفة قالت: هي ملحقة بالأولى، وهي مال الصلح، وطائفة قالت: هي ملحقة بالثالثة، وهي آية الأنفال. والذين قالوا: إنها ملحقة بآية الأنفال اختلفوا هل هي منسوخة، أو محكمة؟ هذا معنى حاصل كلامه. وقال مالك: إن الآية الأولى من هذه السورة خاصة برسول الله صلى الله عليه وسلم، والآية الثانية: هي في بني قريظة، ويعني: أن معناها يعود إلى آية الأنفال. ومذهب الشافعي أن سبيل خمس الفيء سبيل خمس الغنيمة، وأنّ أربعة أخماسه كانت للنبيّ صلى الله عليه وسلم وهي بعده لمصالح المسلمين {فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِى ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْيَتَامَىٰ وَٱلْمَسَـٰكِينِ وَٱبْنِ ٱلسَّبِيلِ } المراد بقوله: {لِلَّهِ } أنه {يحكم فيه بما يشاء} {وَلِلرَّسُولِ } يكون ملكاً له {وَلِذِى ٱلْقُرْبَىٰ } وهم بنو هاشم، وبنو المطلب، لأنهم قد منعوا من الصدقة، فجعل لهم حقاً في الفيء. قيل: تكون القسمة في هذا المال على أن يكون أربعة أخماسه لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وخمسه يقسم أخماساً. للرّسول خمس، ولكل صنف من الأصناف الأربعة المذكورة خمس، وقيل: يقسم أسداساً. السادس: سهم الله سبحانه، ويصرف إلى وجوه القرب، كعمارة المساجد، ونحو ذلك {كيلاَ يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ ٱلأغْنِيَاء مِنكُمْ } أي: كيلا يكون الفيء دولة بين الأغنياء دون الفقراء، والدولة: اسم للشيء يتداوله القوم بينهم، يكون لهذا مرّة ولهذا مرّة. قال مقاتل: المعنى: أنه يغلب الأغنياء الفقراء، فيقسمونه بينهم. قرأ الجمهور: {يكون} بالتحتية {دولة} بالنصب أي: كيلا يكون الفيء دولة. وقرأ أبو جعفر، والأعرج، وهشام، وأبو حيان: (تكون) بالفوقية "دولة" بالرفع، أي: كيلا تقع، أو توجد دولة، وكان تامة. وقرأ الجمهور: "دولة" بضم الدال. وقرأ أبو حيوة، والسلمي بفتحها. قال عيسى بن عمر، ويونس، والأصمعي: هما لغتان بمعنى واحد. وقال أبو عمرو بن العلاء: الدولة بالفتح الذي يتداول من الأموال، وبالضم الفعل، وكذا قال أبو عبيدة. ثم لما بيّن لهم سبحانه مصارف هذا المال أمرهم بالاقتداء برسوله صلى الله عليه وسلم فقال: {وَمَا ءاتَـٰكُمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَـٰكُمْ عَنْهُ فَٱنتَهُواْ } أي: ما أعطاكم من مال الغنيمة فخذوه، وما نهاكم عن أخذه فانتهوا عنه، ولا تأخذوه. قال الحسن، والسديّ: ما أعطاكم من مال الفيء فاقبلوه، وما منعكم منه فلا تطلبوه. وقال ابن جريج: ما آتاكم من طاعتي فافعلوا، وما نهاكم عنه من معصيتي فاجتنبوه. والحقّ أن هذه الآية عامة في كل شيء يأتي به رسول الله صلى الله عليه وسلم من أمر أو نهي، أو قول أو فعل، وإن كان السبب خاصاً، فالاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وكل شيء أتانا به من الشرع، فقد أعطانا إياه، وأوصله إلينا، وما أنفع هذه الآية وأكثر فائدتها. ثم لما أمرهم بأخذ ما أمرهم به الرّسول، وترك ما نهاهم عنه أمرهم بتقواه، وخوفهم شدّة عقوبته، فقال: {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ إِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ } فهو معاقب من لم يأخذه ما آتاه الرّسول، ولم يترك ما نهاه عنه. وقد أخرج الحاكم وصححه، وابن مردويه، والبيهقي في الدلائل عن عائشة قالت: كانت غزوة بني النضير، - وهم طائفة من اليهود - على رأس ستة أشهر من وقعة بدر، وكان منزلهم، ونخلهم في ناحية المدينة، فحاصرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى نزلوا على الجلاء، وعلى أن لهم ما أقلت الإبل من الأمتعة، والأموال إلاّ الحلقة، يعني: السلاح، فأنزل الله فيهم {سَبَّحَ للَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَمَا فِي ٱلأرْضِ} إلى قوله: {لأوَّلِ ٱلْحَشْرِ مَا ظَنَنتُمْ أَن يَخْرُجُواْ } فقاتلهم النبيّ حتى صالحهم على الإجلاء، وجلاهم إلى الشام، وكانوا من سبط لم يصبهم جلاء فيما خلا، وكان الله قد كتب عليهم ذلك، ولولا ذلك لعذبهم في الدنيا بالقتل والسبي، وأما قوله: {لأوَّلِ ٱلْحَشْرِ } فكان إجلاؤهم ذلك أوّل حشر في الدنيا إلى الشام. وأخرج البزار، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقيّ في البعث عن ابن عباس قال: من شك أن المحشر بالشام فليقرأ هذه الآية: {هُوَ ٱلَّذِى أَخْرَجَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ مِن دِيَـٰرِهِمْ لأوَّلِ ٱلْحَشْرِ } قال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذٍ: "اخرجوا"، قالوا: "إلى أين؟ قال: إلى أرض المحشر". وأخرج ابن جرير، وابن مردويه، والبيهقيّ في الدلائل، وابن عساكر عن ابن عباس قال: كان النبيّ صلى الله عليه وسلم قد حاصرهم حتى بلغ منهم كل مبلغ، فأعطوه ما أراد منهم، فصالحهم على أن يحقن لهم دماءهم، وأن يخرجهم من أرضهم وأوطانهم، وأن يسيروا إلى أذرعات الشام، وجعل لكل ثلاثة منهم بعيراً وسقاء. وفي البخاري، ومسلم، وغيرهما عن ابن عمر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حرق نخل بني النضير، وقطع وهي البويرة، ولها يقول حسان:شعر : لهان على سراة بني لؤيّ حريق بالبويرة مستطير تفسير : فأنزل الله: {مَا قَطَعْتُمْ مّن لّينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَىٰ أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ ٱللَّهِ وَلِيُخْزِىَ ٱلْفَـٰسِقِينَ }. وأخرج الترمذي وحسنه، والنسائي، وابن أبي حاتم، وابن مردويه عن ابن عباس في الآية قال: اللينة: النخلة {وَلِيُخْزِىَ ٱلْفَـٰسِقِينَ } قال: استنزلوهم من حصونهم، وأمروا بقطع النخل، فحكّ في صدورهم، فقال المسلمون: قد قطعنا بعضاً وتركنا بعضاً، فلنسألنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم هل لنا فيما قطعنا من أجر، وهل علينا فيما تركنا من وزر؟ فأنزل الله: {مَا قَطَعْتُمْ مّن لّينَةٍ } الآية، وفي الباب أحاديث، والكلام في صلح بني النضير مبسوط في كتب السير. وأخرج البخاريّ، ومسلم، وغيرهما عن عمر بن الخطاب قال: كانت أموال بني النضير مما أفاء الله على رسوله، ومما لم يوجف المسلمون عليه بخيل ولا ركاب، وكانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم خاصة، فكان ينفق على أهله منها نفقة سنة، ثم يجعل ما بقي في السلاح والكراع عدّة في سبيل الله. وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس في قوله: {فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلاَ رِكَابٍ } فجعل ما أصاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يحكم فيه ما أراد، ولم يكن يومئذٍ خيل ولا ركاب يوجف بها. قال: والإيجاف أن يوضعوا السير، وهي لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فكان من ذلك خيبر، وفدك، وقرى عرينة. وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعمد لينبع، فأتاها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاحتواها كلها، فقال ناس: هلا قسمها الله، فأنزل الله عذره فقال: {مَّا أَفَاء ٱللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ ٱلْقُرَىٰ } الآية. وأخرج ابن مردويه عنه أيضاً قال: كان ما أفاء الله على رسوله من خيبر نصف لله ورسوله، والنصف الآخر للمسلمين، فكان الذي لله ورسوله من ذلك الكثيبة، والوطيح، وسلالم، ووحدوه، وكان الذي للمسلمين الشقّ: ثلاثة عشر سهماً، ونطاة خمسة أسهم، ولم يقسم رسول الله صلى الله عليه وسلم من خيبر لأحد من المسلمين إلاّ لمن شهد الحديبية، ولم يأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم لأحد من المسلمين تخلف عنه عند مخرجه إلى الحديبية أن يشهد معه خيبر إلاّ جابر بن عبد الله بن عمرو بن حرام الأنصاريّ. وأخرج أبو داود، وابن مردويه عن عمر بن الخطاب قال: كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم صفايا في النضير، وخيبر، وفدك، فأما بنو النضير فكانت حبساً لنوائبه، وأما فدك فكانت لابن السبيل، وأما خيبر فجزأها ثلاثة أجزاء: قسم منها جزءين بين المسلمين، وحبس جزءاً لنفسه ولنفقة أهله، فما فضل عن نفقة أهله ردّها على فقراء المهاجرين. وأخرج عبد الرزاق، وابن سعد، وابن أبي شيبة، وابن زنجويه في الأموال، وعبد بن حميد، وابن المنذر عن عمر بن الخطاب قال: ما على وجه الأرض مسلم إلاّ وله في هذا الفيء حقّ إلاّ ما ملكت أيمانكم. وأخرج البخاريّ، ومسلم، وغيرهما عن ابن مسعود قال: «حديث : لعن الله الواشمات والمستوشمات، والمتنمصات والمتفلجات للحسن، المغيرات لخلق الله»تفسير : ، فبلغ ذلك امرأة من بني أسد يقال لها: أمّ يعقوب، فجاءت ابن مسعود، فقالت: بلغني أنك لعنت كيت وكيت، قال: وما لي لا ألعن من لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو في كتاب الله؟ قالت: لقد قرأت ما بين الدّفتين، فما وجدت فيه شيئًا من هذا، قال: لئن كنت قرأته لقد وجدته، أما قرأت {ومَا آتَـٰكُمْ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَـٰكُمْ عَنْهُ فَٱنتَهُواْ} قالت: بلى، قال: فإنه قد نهى عنه.

الماوردي

تفسير : قوله تعالى: {هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب} يعني يهود بني النضير. {من ديارهم} يعني من منازلهم. {لأول الحشر} أجلاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد رجوعه من أُحد إلى أذرعات الشام، وأعطى كل ثلاثة بعيراً يحملون عليه ما استقل إلا السلاح، وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد عاهدهم حين هاجر إلى المدينة أن لا يقاتلوا معه ولا عليه، فكفوا يوم بدر لظهور المسلمين، وأعانوا المشركين يوم أحد حين رأوا ظهورهم على المسلمين، فقتل رئيسهم كعب بن الأشرف، قتله محمد بن مسلمة غيلة. ثم سار إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فحاصرهم ثلاثاً وعشرين ليلة محارباً حتى أجلاهم عن المدينة. في قوله: {لأول الحشر} ثلاثة أوجه: أحدها: لأنهم أول من أجلاه النبي صلى الله عليه وسلم من اليهود، قاله ابن حبان. الثاني: لأنه اول حشرهم، لأنهم يحشرون بعدها إلى أرض المحشر في القيامة، قاله الحسن. وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه لما أجلى بني النضير قال لهم حديث : امضوا فهذا أول الحشر وأنا على الأثر. تفسير : الثالث: أنه أول حشرهم لما ذكره قتادة أنه يأتي عليهم بعد ذلك من مشرق الشمس نار تحشرهم إلى مغربها تبيت معهم إذ باتوا [وتقيل معهم حيث قالوا] وتأكل منهم من تخلف. {ما ظننتم أن يخرجوا} يعني من ديارهم لقوتهم وامتناعهم. {وظنوا أنهم مانعتهم حصونهم من الله} أي من أمر الله. {فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا} فيه وجهان: أحدهما: لم يحتسبوا بأمر الله. الثاني: قاله ابن جبير والسدي: من حيث لم يحتسبوا بقتل ابن الأشرف. {وقذف في قلوبهم الرعب} فيه وجهان: أحدهما: لخوفهم من رسول الله. الثاني: بقتل كعب بن الأشرف. {يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين} فيه خمسة أوجه: أحدها: بأيديهم بنقض الموادعة، وأيدي المؤمنين بالمقاتلة، قاله الزهري. الثاني: بأيديهم في تركها، وأيدي المؤمنين في إجلائهم عنها، قاله أبو عمرو ابن العلاء. الثالث: بأيديهم في إخراب دواخلها وما فيها لئلا يأخذها المسلمون، وبأيدي المؤمنين في إخراب ظواهرها ليصلوا بذلك إليهم. قال عكرمة: كانت منازلهم مزخرفة فحسدوا المسلمين أن يسكنوها فخربوها من داخل، وخربها المسلمون من خارج. الرابع: معناه: أنهم كانوا كلما هدم المسلمون عليهم من حصونهم شيئاً نقضوا من بيوتهم ما يبنون به من حصونهم، قاله الضحاك. الخامس: أن تخريبهم بيوتهم أنهم لما صولحوا على حمل ما أقلته إبلهم جعلوا ينقضون ما أعجبهم من بيوتهم حتى الأوتار ليحملوها على إبلهم، قاله عروة بن الزبير، وابن زيد. وفي قوله: {يخربون} قراءتان: بالتخفيف، وبالتشديد، وفيهما وجهان: أحدهما: أن معناهما واحد وليس بينهما فرق. الثاني: أن معناهما مختلف. وفي الفرق بينهما وجهان: أحدهما: أن من قرأ بالتشديد أراد إخرابها بأفعالهم، ومن قرأ بالتخفيف أراد إخرابها بفعل غيرهم قاله أبو عمرو. الثاني: أن من قرأ بالتشديد أراد إخرابها بهدمهم لها. وبالتخفيف أراد فراغها بخروجهم عنها، قاله الفراء. ولمن تعمق بغوامض المعاني في تأويل ذلك وجهان: أحدهما: يخربون بيوتهم أي يبطلون أعمالهم بأيديهم، يعني باتباع البدع، وأيدي المؤمنين في مخالفتهم. {ولولا أن كتب الله عليهم الجلاء} فيه وجهان: أحدهما: يعني بالجلاء الفناء {لعذبهم في الدنيا} بالسبي. والثاني: يعني بالجلاء الإخراج عن منازلهم {لعذبهم في الدنيا} يعني بالقتل، قاله عروة. والفرق بين الجلاء والإخراج - وإن كان معناهما في الإبعاد واحد - من وجهين: أحدهما: أن الجلاء ما كان مع الأهل والولد، والإخراج قد يكون مع بقاء الأهل والولد. الثاني: أن الجلاء لا يكون إلا لجماعة، والإخراج يكون لجماعة ولواحد. {ما قطعتم من لينة أو تكرتموها قائمة على أصولها فبإذن الله} وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم لما نزل على حصون بني النضير وهي البويرة حين نقضوا العهد بمعونة قريش عليه يوم أحد قطع المسلمون من نخلهم وأحرقوا ست نخلات، وحكى محمد بن إسحاق أنهم قطعوا نخلة وأحرقوا نخلة، وكان ذلك عن إقرار رسول الله صلى الله عليه وسلم أو بأمره، إما لإضعافهم بها أو لسعة المكان بقطعها، فشق ذلك عليهم فقالوا وهم يهود أهل كتاب: يا محمد ألست تزعم أنك نبي تريد الإصلاح؟ أفمن الصلاح حرق الشجر وقطع النخل؟ وقال شاعرهم سماك اليهودي: شعر : ألسنا ورثنا كتاب الحكيم على عهد موسى ولم نصدف وانتم رعاء لشاء عجاف بسهل تهامة والأخيف ترون الرعاية مجداً لكم لدي كل دهر لكم مجحف فيا أيها الشاهدون انتهوا عن الظلم والمنطق المؤنف لعل الليالي وصرف الدهور يدلن عن العادل المنصف بقتل النضير وإجلائها وعقر النخيل ولم تقطف تفسير : فأجابه حسان بن ثابت رضي الله عنه: شعر : هم أوتوا الكتاب فضيعوه وهم عمي عن التوارة يور كفرتم بالقرآن وقد أتيتم بتصديق الذي قال النذير وهان على سراة بني لؤي حريق بالبويرة مستطير تفسير : ثم إن المسلمين جل في صدورهم ما فعلوه، فقال بعضهم: هذا فساد، وقال آخرون منهم عمر بن الخطاب: هذا مما يجزي الله به أعداءه وينصر أولياءه فقالوا يا رسول الله هل لنا فيما قطعنا من أجر؟ وهل علينا فيما تركنا من وزر؟ فشق ذلك على النبي صلى الله عليه وسلم حتى أنزل الله تعالى:{وما قطعتم من لينة} الآية. وفيه دليل على أن كل مجتهد مصيب. وفي اللينة خمسة أقاويل: أحدها: النخلة من أي الأصناف كانت، قاله ابن حبان. الثاني: أنها كرام النخل، قاله سفيان. الثالث: أنها العجوة خاصة، قاله جعفر بن محمد وذكر أن العتيق والعجوة كانا مع نوح في السفينة، والعتيق الفحل، وكانت العجوة أصل الإناث كلها ولذلك شق على اليهود قطعها. الرابع: أن اللينة الفسيلة لأنها ألين من النخلة، ومنه قول الشاعر: شعر : غرسوا لينها بمجرى معين ثم حفوا النخيل بالآجام تفسير : الخامس: أن اللينة جميع الأشجار للينها بالحياة، ومنه قول ذي الرمة: شعر : طراق الخوافي واقع فوق لينة ندى ليلة في ريشه يترقرق تفسير : قال الأخفش: سميت لينة اشتقاقاً من اللون لا من اللين.

ابن عطية

تفسير : قد تقدم القول في تسبيح الجمادات التي يتناولها عموم ما في السماوات والأرض وأن أهل العلم اختلفوا في ذلك. فقال قوم: ذلك على الحقيقة، وقال آخرون: ذلك مجاز أي آثار الصنعة فيها والإيجاد لها كالتسبيح وداعية إلى التسبيح ممن له أن يسبح، قال مكي {سبح} معناه: صلى وسجد فهذا كله بمعنى الخضوع والطوع، و {العزيز الحكيم} صفتان مناسبتان لما يأتي بعد من قصة العدو الذي أخرجهم من ديارهم، و {الذين كفروا من أهل الكتاب} هم بنو النضير، وكانت قبيلة عظيمة من بني إسرائيل موازية في القدر والمنزلة لبني قريظة، وكان يقال للقبيلتين الكاهنان، لأنهما من ولد الكاهن بن هارون، وكانت أرضهم وحصونهم قريبة من المدينة، ولهم نخل وأموال عظيمة، فلما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم من أحد خرج إلى بني النضير فحاصرهم وأجلاهم على أن يحملوا من أموالهم ما أقلته إبلهم حاشى الحلقة وهي جميع السلاح، فخرجوا إلى بلاد مختلفة فذلك قوله تعالى: {هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم لأول الحشر}. وقوله تعالى: {لأول الحشر} اختلف الناس في معنى ذلك بعد اتفاقهم على أن {الحشر}: الجمع والتوجيه إلى ناحية ما. فقال الحسن بن أبي الحسن وغيره: أراد حشر القيامة أي هذا أوله، والقيام من القبور آخره، وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لهم: "حديث : امضوا هذا أول الحشر وإنا على الأثر". تفسير : وقال عكرمة والزهري وغيرهما: المعنى {لأول} موضع {الحشر} وهو الشام، وذلك أن أكثر بني النضير جاءت إلى الشام، وقد روي أن حشر القيامة هو إلى بلد الشام وحديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لبني النضير "اخرجوا"، قالوا: إلى أين؟ قال: "إلى أرض المحشر"" تفسير : ،وقال قوم في كتاب المهدوي: المراد {الحشر} في الدنيا الذي هو الجلاء والإخراج، فهذا الذي فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ببني النضير أوله، والذي فعل عمر بن الخطاب بأهل خيبر آخره، وأخبرت الآية بمغيب وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بجلاء أهل خيبر، ويحتمل أن يكون آخر الحشر في قول النبي عليه السلام في مرضه: "حديث : لا يبقين دينان في جزيرة العرب" تفسير : ،فإن ذلك يتضمن إجلاء بقاياهم قال الخليل في ما حكى الزجاج: سميت جزيرة لأنه أحاط بها بحر الحبشة وبحر فارس ودجلة والفرات، وفي هذه الإحاطة نظر. وقوله تعالى: {ما ظننتم أن يخرجوا} معناه: لمنعتهم وكثرة عددهم، فلم تكن آمالكم وظنونكم تنتهي إلى أنهم يخرجون ويدعون أموالهم لكم، وبحسب ذلك من المنعة والعدد والتحصن ظنوا هم أن لن يقدر عليهم وقوله تعالى: {من الله} يريد: من جند الله حزب الله وقوله تعالى: {فأتاهم الله} عبارة عن إظهاره تعالى المسلمين عليهم وإلقائهم في حيز الهزم والذل. وقرأ الجمهور: "الرعْب" بسكون العين، وقرأ أبو جعفر وشيبة، بضم العين، واختلف المتأولون في معنى قوله تعالى: {يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين}، فقال الضحاك والزجاج وغيره: كلما هدم المسلمون من حصنهم في القتال هدموا هم من البيوت وخربوا الحصون دأباً فهذا معنى تخريبهم. وقال الزهراوي وغيره كانوا لما أبيح لهم ما تستقل به الإبل لا يدعون خشبة حسنة ولا نجافاً ولا سارية إلا قلعوه وخربوا البيوت عنه، وقوله تعالى: {وأيدي المؤمنين} من حيث فعلهم، وكفرهم داعية إلى تخريب المؤمنين بيوتهم، فكأنهم قد خربوها هم بأيدي المؤمنين. وقال جماعة من المفسرين: إنهم لما أزمعوا الجلاء شحوا على ترك البيوت سليمة للمؤمنين فهدموا وخربوا لمعنى الإفساد على من يأتي. قال قتادة: خرب المؤمنون من خارج ليدخلوا وخربوهم من داخل. وقرأ جمهور القراء: "يخْرِبون" بسكون الخاء وتخفيف الراء. وقرأ أبو عمرو وحده والحسن بخلاف عنه وقتادة وعيسى بفتح الخاء وشد الراء. فقال فريق من العلماء اللغويين القراءتان بمعنى واحد وقال أبو عمرو بن العلاء: خرب، معناه: هدم وأفسد وأخرب معناه ترك الموضع خراباً وذهب عنه، ثم نبه تعالى المؤمنين وغيرهم ممن له أن ينظر على نصرة رسوله وصنعه له فيمن حاده وناوأه بقوله تعالى: {فاعتبروا يا أولي الأبصار} أي العيون والأفهام.

النسفي

تفسير : {سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوٰتِ وَمَا فِى ٱلأَرْضِ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ } رُوي أن هذه السورة نزلت بأسرها في بني النضير، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم حين قدم المدينة صالح بنو النضير رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن لا يكونوا عليه ولا له، فلما ظهر يوم بدر قالوا: هو النبي الذي نعته في التوراة، فلما هزم المسلمون يوم أحد ارتابوا ونكثوا فخرج كعب بن الأشرف في أربعين راكباً إلى مكة فحالف أبا سفيان عند الكعبة فأمر صلى الله عليه وسلم محمد بن مسلمة الأنصاري فقتل كعباً غيلة، ثم خرج صلى الله عليه وسلم مع الجيش إليهم فحاصرهم إحدى وعشرين ليلة وأمر بقطع نخيلهم، فلما قذف الله الرعب في قلوبهم طلبوا الصلح فأبى عليهم إلا الجلاء على أن يحمل كل ثلاثة أبيات على بعير ما شاءوا من متاعهم، فجلوا إلى الشام إلى أريحاء وأذرعات. {هُوَ ٱلَّذِى أَخْرَجَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ } يعني يهود بني النضير {مِن دِيَـٰرِهِم } بالمدينة. واللام في {لأَِوَّلِ ٱلْحَشْرِ } تتعلق بـ {أَخْرَجَ } وهي اللام في قوله تعالى {أية : يٰلَيْتَنِى قَدَّمْتُ لِحَيَاتِى }تفسير : [الفجر: 24] وقولك جئته لوقت كذا. أي أخرج الذين كفروا عند أول الحشر. ومعنى أول الحشر أن هذا أول حشرهم إلى الشأم وكانوا من سبط لم يصبهم جلاء قط، وهم أول من أخرج من أهل الكتاب من جزيرة العرب إلى الشأم، أو هذا أول حشرهم، وآخر حشرهم إجلاء عمر إياهم من خيبر إلى الشام، أو آخر حشرهم حشر يوم القيامة. قال ابن عباس رضي الله عنهما: من شك أن المحشر بالشأم فليقرأ هذه الآية، فهم الحشر الأول وسائر الناس الحشر الثاني. وقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: لما خرجوا «حديث : امضوا فإنكم أول الحشر ونحن على الأثر»تفسير : قتادة: إذا كان آخر الزمان جاءت نار من قبل المشرق فحشرت الناس إلى أرض الشأم وبها تقوم عليهم القيامة. وقيل: معناه أخرجهم من ديارهم لأول ما حشر لقتالهم لأنه أول قتال قاتلهم رسول الله صلى الله عليه وسلم {مَا ظَنَنتُمْ أَن يَخْرُجُواْ } لشدة بأسهم ومنعتهم ووثاقة حصونهم وكثرة عددهم وعدتهم {وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ مَّانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم مّنَ ٱللَّهِ } أي ظنوا أن حصونهم تمنعهم من بأس الله. والفرق بين هذا التركيب وبين النظم الذي جاء عليه أن في تقديم الخبر على المبتدأ دليلاً على فرط وثوقهم بحصانتها ومنعها إياهم، وفي تصيير ضميرهم اسماً لـ«أَن» وإسناد الجملة إليه دليل على اعتقادهم في أنفسهم أنهم في عزة ومنعة لا يبالي معها بأحد يتعرض لهم أو يطمع في مغازاتهم، وليس ذلك في قولك «وظنوا أن حصونهم تمنعهم». {فَـأَتَـٰهُمُ ٱللَّهُ } أي أمر الله وعقابه وفي الشواذ «فآتاهم الله» أي فآتاهم الهلاك {مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُواْ } من حيث لم يظنوا ولم يخطر ببالهم وهو قتل رئيسهم كعب بن الأشرف غرة على يد أخيه رضاعاً. {وَقَذَفَ فِى قُلُوبِهِمُ ٱلرُّعْبَ } الخوف {يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِى ٱلْمُؤْمِنِينَ } {يُخْرِبُونَ } أبو عمرو. والتخريب والإخراب الإفساد بالنقض والهدم، والخَرُبة الفساد وكانوا يخرّبون بواطنها والمسلمون ظواهرها لما أراد الله من استئصال شأفتهم وأن لا تبقى لهم بالمدينة دار ولا منهم ديّار، والذي دعاهم إلى التخريب حاجتهم إلى الخشب والحجارة ليسدوا بها أفواه الأزقة، وأن لا يتحسروا بعد جلائهم على بقائها مساكن للمسلمين، وأن ينقلوا معهم ما كان في أبنيتهم من جيد الخشب والساج. وأما المؤمنون فداعيهم إلى التخريب إزالة متحصنهم وأن يتسع لهم مجال الحرب. ومعنى تخريبهم لها بأيدي المؤمنين أنهم لما عرضوهم بنكث العهد لذلك وكانوا السبب فيه فكأنهم أمروهم به وكلفوهم إياه {فَٱعْتَبِرُواْ يٰأُوْلِى ٱلأَبْصَـٰرِ } أي فتأملوا فيما نزل بهؤلاء والسبب الذي استحقوا به ذلك فاحذروا أن تفعلوا مثل فعلهم فتعاقبوا بمثل عقوبتهم، وهذا دليل على جواز القياس {وَلَوْلاَ أَن كَتَبَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمُ ٱلْجَلاَء } الخروج من الوطن مع الأهل والولد {لَعَذَّبَهُمْ فِى ٱلدُّنْيَا } بالقتل والسبي كما فعل ببني قريظة {وَلَهُمْ } سواء أجلوا أو قتلوا {فِى ٱلآخِرَةِ عَذَابُ ٱلنَّارِ } الذي لا أشد منه {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ } أي إنما أصابهم ذلك بسبب أنهم {شَاقُّواْ ٱللَّهَ } خالفوه {وَرَسُولَهُ وَمَن يُشَاقّ ٱللَّهَ } ورسوله {فَإِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ }. {مَا قَطَعْتُمْ مّن لّينَةٍ } هو بيان لـ {مَا قَطَعْتُمْ } ومحل «ما» نصب بـ {قَطَعْتُمْ } كأنه قيل: أي شيء قطعتم وأنث الضمير الراجع إلى ما في قوله {أَوْ تَرَكْتُمُوهَا } لأنه في معنى اللينة، واللينة: النخلة من الألوان وياؤها عن واو قلبت لكسرة ما قبلها. وقيل: اللينة النخلة الكريمة كأنهم اشتقوها من اللين {قَائِمَةً عَلَىٰ أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ ٱللَّهِ } فقطعها وتركها بإذن الله {وَلِيُخْزِىَ ٱلْفَـٰسِقِينَ } وليذل اليهود ويغيظهم أذن في قطعها {وَمَا أَفَاء ٱللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ } جعله فيئاً له خاصة {مِنْهُمْ } من بني النضير {فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلاَ رِكَابٍ } فلم يكن ذلك بإيجاف خيل أو ركاب منكم على ذلك والركاب الإبل، والمعنى فما أوجفتم على تحصيله وتغنيمه خيلاً ولا ركاباً ولا تعبتم في القتال عليه، وإنما مشيتم إليه على أرجلكم لأنه على ميلين من المدينة، وكان صلى الله عليه وسلم على حمار فحسب {وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يُسَلّطُ رُسُلَهُ عَلَىٰ مَن يَشَاء } يعني أن ما خوّل الله رسوله من أموال بني النضير شيء لم تحصلوه بالقتال والغلبة، ولكن سلطه الله عليهم وعلى ما في أيديهم كما كان يسلط رسله على أعدائهم، فالأمر فيه مفوض إليه يضعه حيث يشاء ولا يقسمه قسمة الغنائم التي قوتل عليها وأخذت عنوة وقهراً فقسمها بين المهاجرين ولم يعط الأنصار إلا ثلاثة منهم لفقرهم {وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلّ شَيْء قَدِيرٌ مَّا أَفَاء ٱللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ ٱلْقُرَىٰ فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِى ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْيَتَامَىٰ وَٱلْمَسَـٰكِينِ وَٱبْنِ ٱلسَّبِيلِ } وإنما لم يدخل العاطف على هذه الجملة لأنها بيان للأولى فهي منها غير أجنبية عنها، بين لرسول الله صلى الله عليه وسلم ما يصنع بما أفاء الله عليه وأمره أن يضعه حيث يضع الخمس من الغنائم مقسوماً على الأقسام الخمسة، وزيف هذا القول بعض المفسرين وقال: الآية الأولى نزلت في أموال بني النضير وقد جعلها الله لرسوله خاصة، وهذه الآية في غنائم كل قرية تؤخذ بقوة الغزاة، وفي الآية بيان مصرف خمسها فهي مبتدأة {كَى لاَ يَكُونَ دُولَةً } {تَكُونُ دُولَةً } يزيد على «كان» التامة والدولة والدولة ما يدول للإنسان أي يدور من الجد. ومعنى قوله {لاَ يَكُونَ دُولَةً } {بَيْنَ ٱلأَغْنِيَاء مِنكُمْ } كيلا يكون الفيء الذي حقه أن يعطي الفقراء ليكون لهم بلغة يعيشون بها جداً بين الأغنياء يتكاثرون به {وَمَا ءاتَـٰكُمُ ٱلرَّسُولُ } أي أعطاكم من قسمة غنيمة أو فيء {فَخُذُوهُ } فاقبلوه {وَمَا نَهَـٰكُمْ عَنْهُ } عن أخذه منها {فَٱنتَهُواْ } عنه ولا تطلبوه {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ } أن تخالفوه وتتهاونوا بأوامره ونواهيه {أَنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ } لمن خالف رسول الله صلى الله عليه وسلم. والأجود أن يكون عاماً في كل ما آتى رسول الله صلى الله عليه وسلم ونهى عنه وأمر الفيء داخل في عمومه. {لِلْفُقَرَاء } بدل من قوله {وَلِذِى ٱلْقُرْبَىٰ } والمعطوف عليه، والذي منع الإبدال من {لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ } وإن كان المعنى لرسول الله إن الله عز وجل أخرج رسوله من الفقراء في قوله {أية : وَيَنصُرُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ }تفسير : وأنه يترفع برسول الله عن التسمية بالفقير، وأن الإبدال على ظاهر اللفظ من خلاف الواجب في تعظيم الله عز وجل {الْمُهَـٰجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُواْ مِن دِيَـٰرِهِمْ وَأَمْوٰلِهِمْ } بمكة، وفيه دليل على أن الكفار يملكون بالاستيلاء أموال المسلمين لأن الله تعالى سمى المهاجرين فقراء مع أنه كانت لهم ديار وأموال {يَبْتَغُونَ } حال {فَضْلاً مّنَ ٱللَّهِ وَرِضْوَاناً } أي يطلبون الجنة ورضوان الله {وينصرون الله ورسوله} أي ينصرون دين الله ويعينون رسوله {أُوْلَـئِكَ هُمُ ٱلصَّـٰدِقُونَ } في إيمانهم وجهادهم {وَٱلَّذِينَ } معطوف على المهاجرين وهم الأنصار {تَبَوَّءوا ٱلدَّارَ } توطنوا المدينة {وَٱلإِيمَـٰنَ } وأخلصوا الإيمان كقوله:شعر : علفتها تبناً وماء بارداً تفسير : أو وجعلوا الإيمان مستقراً ومتوطناً لهم لتمكنهم واستقامتهم عليه كما جعلوا المدينة كذلك، أو أراد دار الهجرة ودار الإيمان فأقام لام التعريف في الدار مقام المضاف إليه وحذف المضاف من دار الإيمان ووضع المضاف إليه مقامه. {مِن قَبْلِهِمُ } من قبل المهاجرين لأنهم سبقوهم في تبوء دار الهجرة والإيمان. وقيل: من قبل هجرتهم {يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ } حتى شاطروهم أموالهم وأنزلوهم منازلهم، ونزل من كانت له امرأتان عن إحديهما حتى تزوج بها رجل من المهاجرين. {وَلاَ يَجِدُونَ فِى صُدُورِهِمْ حَاجَةً مّمَّا أُوتُواْ } ولا يعلمون في أنفسهم طلب محتاج إليه مما أوتي المهاجرون من الفيء وغيره والمحتاج إليه يسمي حاجة يعني أن نفوسهم لم تتبع ما أعطوا ولم تطمح إلى شيء منه تحتاج إليه. وقيل: حاجة حسداً مما أعطي المهاجرون من الفيء حيث خصهم النبي صلى الله عليه وسلم به. وقيل: لا يجدون في صدورهم مس حاجة من فقد ما أوتوا فحذف المضافان {وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ } فقر وأصلها خصاص البيت وهي فروجه، والجملة في موضع الحال أي مفروضة خصاصتهم. روي أنه نزل برجل منهم ضيف فنوّم الصبية وقرّب الطعام وأطفأ المصباح ليشبع ضيفه ولا يأكل هو. وعن أنس: أهدى لبعضهم رأس مشوي وهو مجهود فوجهه إلى جاره فتداولته تسعة أنفس حتى عاد إلى الأول. أبو زيد قال لي شاب من أهل بلخ: ما الزهد عندكم؟ قلت: إذا وجدنا أكلنا وإذا فقدنا صبرنا. فقال: هكذا عندنا كلاب بلخ بل إذا فقدنا صبرنا وإذا وجدنا آثرنا {وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ } الظافرون بما أرادوا.الشح اللؤم وأن تكون نفس الرجل كزة حريصة على المنع، وأما البخل فهو المنع نفسه. وقيل: الشح أكل مال أخيك ظلماً، والبخل منع مالك. وعن كسرى: الشح أضر من الفقر لأن الفقير يتسع إذا وجد بخلاف الشحيح. {وَٱلَّذِينَ جَاءوا مِن بَعْدِهِمْ } عطف أيضاً على {الْمُهَـٰجِرِينَ } وهم الذين هاجروا من بعده. وقيل: التابعون بإحسان. وقيل: من بعدهم إلى يوم القيامة. قال عمر رضي الله عنه: دخل في هذا الفيء كل من هو مولود إلى يوم القيامة في الإسلام، فجعل الواو للعطف فيهما. وقرىء {لِلَّذِينَ }فيهما {يَقُولُونَ رَبَّنَا ٱغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوٰنِنَا ٱلَّذِينَ سَبَقُونَا بِٱلإَيمَـٰنِ } قيل: هم المهاجرون والأنصار. عن عائشة رضي الله عنها: أمروا بأن يستغفروا لهم فسبوهم {وَلاَ تَجْعَلْ فِى قُلُوبِنَا غِلاًّ } حقداً {لِلَّذِينَ ءامَنُواْ } يعني الصحابة {رَبَّنَا إِنَّكَ رَءوفٌ رَّحِيمٌ } وقيل لسعيد بن المسيب: ما تقول في عثمان وطلحة والزبير؟ قال: أقول ما قولنيه الله وتلى هذه الآية. ثم عجب نبيه بقوله:

الخازن

تفسير : قوله عز وجل: {سبح لله ما في السموات وما في الأرض وهو العزيز الحكيم هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم} قال المفسرون: نزلت هذه السورة في بني النضير وهم طائفة من اليهود وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم لما دخل المدينة صالحه بنو النضير على أن لا يقاتلوه ولا يقاتلوا معه فقبل ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم بدراً وظهر على المشركين قال بنو النضير والله إنه النبي الأمي الذي نجد نعته في التوراة لا ترد له راية فلما غزا أحداً وهزم المسلمون ارتابوا وأظهروا العداوة لرسول الله صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين ونقضوا العهد الذي كان بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم، وركب كعب بن الأشرف في أربعين راكباً من اليهود إلى مكة فأتوا قريشاً فحالفوهم وعاقدوهم على أن تكون كلمتهم واحدة على محمد صلى الله عليه وسلم ودخل أبو سفيان في أربعين من قريش وكعب بن الأشرف في أربعين من اليهود المسجد الحرام وأخذ بعضهم على بعض الميثاق بين أستار الكعبة ثم رجع كعب وأصحابه إلى المدينة فنزل جبريل عليه الصلاة والسلام فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بما تعاقد عليه كعب وأبو سفيان وأمره بقتل كعب بن الأشرف فقتله محمد بن مسلمة غيلة" وقد تقدمت القصة في سورة آل عمران وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد اطلع منهم على خيانة حين أتاهم يستعينهم في دية الرجلين المسلمين اللذين قتلهما عمرو بن أمية الضمري في منصرفه من بئر معونة فهموا بطرح حجر على النبي صلى الله عليه وسلم من الحصن فعصمه الله منهم و أخبره بذلك وقد تقدمت القصة في سورة المائدة. فلما قتل كعب بن الأشرف أصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمر الناس بالمسير إلى بني النضير وكانوا بقرية يقال لها زهرة فلما سار إليها النبي صلى الله عليه وسلم وجدهم ينوحون على كعب بن الأشرف فقالوا يا محمد واعية على أثر واعية وباكية على أثر باكية قال نعم فقالوا ذرنا نبك شجونا ثم ائتمر أمرك فقال النبي صلى الله عليه وسلم اخرجوا من المدينة فقالوا الموت أقرب إلينا من ذلك ثم تنادوا بالحرب وأذنوا بالقتال ودس المنافقون عبد الله بن أبي وأصحابه إليهم أن لا تخرجوا من الحصين فإن قاتلوكم فنحن معكم ولا نخذلكم ولننصرنكم ولئن أخرجتم لنخرجن معكم فدربوا على الأزقة وحصنوها ثم إنهم أجمعوا على الغدر برسول الله صلى الله عليه وسلم فأرسلوا إليه أن اخرج إلينا في ثلاثين رجلاً من أصحابك وليخرج منا ثلاثون حتى نلتقي بمكان نصف بيننا وبينك فيسمعوا منك فإن صدقوك وآمنوا بك آمنا كلنا فخرج النبي صلى الله عليه وسلم في ثلاثين من أصحابه وخرج إليه ثلاثون حبراً من اليهود حتى كانوا في براز من الأرض فقال بعض اليهود لبعض كيف تخلصون إليه ومعه ثلاثون رجلاً من أصحابه كلهم يحب الموت قبله ولكن أرسلوا إليه كيف نفهم ونحن ستون اخرج في ثلاثة من أصحابك ويخرج إليك كثلاثة من علمائنا فيسمعون منك فإن آمنوا بك آمنا بك وصدقناك، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في ثلاثة من أصحابه وخرج ثلاثة من اليهود معهم الخناجر وأرادوا الفتك برسول الله صلى الله عليه وسلم فأرسلت امرأة ناصحة من بني النضير إلى أخيها وهو رجل مسلم من الأنصار فأخبرته بما أراد بنو النضير من الغدر برسول الله صلى الله عليه وسلم فأقبل أخوها سريعاً حتى أدرك النبي صلى الله عليه وسلم فساره بخبرهم قبل أن يصل إليهم فرجع النبي صلى الله عليه وسلم فلما كان من الغد صبحهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالكتائب فحاصرهم إحدى وعشرين ليلة فقذف الله في قلوبهم الرعب وأيسوا من نصر المنافقين فسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم الصلح فأبى عليهم إلا أن يخرجوا من المدينة على ما يأمرهم به فقبلوا ذلك فصالحهم على الجلاء وعلى أن لهم ما أقلت الإبل من أموالهم إلا الحلقة وهي السلاح وعلى أن يخلوا لهم ديارهم وعقارهم وسائر أموالهم. وقال ابن عباس: على أن يحمل كل أهل بيت على بعير ما شاؤوا من متاعهم وللنبي صلى الله عليه وسلم ما بقي، وقيل أعطى كل ثلاثة نفر بعيراً وسقاء ففعلوا ذلك وخرجوا من ديارهم إلى أذرعات وأريحاء من أرض الشام إلا أهل بيتين منهم آل أبي الحقيق وآل حيي بن أخطب فإنهم لحقوا بخيبر ولحقت طائفة بالحيرة، فلذلك قوله عزو جل: {هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب...}.

القمي النيسابوري

تفسير : القراءات: {يخربون} بالتشديد: أبوعمرو. والباقون: بالتخفيف من الإخراب {تكون} بالتاء الفوقانية {دولة} بالرفع على " كان " التامة: يزيد. والآخرون: على التذكير والنصب {جدار} بالألف على التوحيد: ابن كثير وأبو عمرو. والآخرون: بضمتين من غير ألف. {إني أخاف} بالفتح: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو. و {الباري} بالإمالة: قتيبة ونصير وأبو عمرو طريق ابن عبدوس. الوقوف {وما في الأرض} ط {الحكيم} ه {الحشر} ط {الأبصار} ط {في الدنيا} ط {النار} ط ه {ورسوله} ج بناء على أن الشرط من جملة المذكور {العقاب} ه {الفاسقين} ه {من يشاء} ط {قدير} ه {السبيل} ه {منكم} ط {فانتهوا} ج لابتداء من بعد جزاء الشرط مع اتفاق النظم {واتقوا الله} ط {العقاب} ه لئلا يوهم أن قوله {للفقراء} يتعلق بـ {شديد} {ورسوله} ط {الصادقون} ه ج بناء على أن ما بعده مستأنف أو معطوف ويجيء وجه كل منهما في التفسير. {خصاصة} قف قيل: وقفة والأحسن الوصل لأن الاعتراض مؤكد لما قبله {المفلحون} ه لمثل المذكور {رحيم} ه {أبداً} لا لأن ما بعده من تمام القول {لننصركم} ط {لكاذبون} ه {معهم} ج {لا ينصرونهم} ط للعطف فيهما مع الابتداء بالقسم {لا ينصرون} ه {من الله} ط {لا يفقهون} ه {جدر} ط {شديد} ه {لا يعقلون} ه ج لتعلق الكاف بـ {لا يعقلون} أو بمحذوف أو مثلهم كمثل {أمرهم} ط لاختلاف الجملتين {أليم} ه ج لما قلنا {اكفر} ط {العالمين} ه {فيها} ط {الظالمين} ه {لغد} ج لاعتراض خصوص بين العمومين أي لم يتق الله كل واحد منكم فلتنظر لغدها نفس واحد منكم {واتقوا الله} ه {تعلمون} ه {أنفسهم} ط {الفاسقون} ه {الجنة} الأولى ط {الفائزون} ه {من خشية الله} ط {يتفكرون} ه {إلا هو} ج لاحتمال كون ما بعده خبر مبتدأ محذوف {والشهادة} ج لاحتمال كون الضمير بدلاً من عالم أو مبتدأ {الرحيم} ه {إلا هو} ط لما قلنا {المتكبر} ط {يشركون} ه {الحسنى} ط {والأرض} ط {الحكيم} ه. التفسير: قال المفسرون: صالح بنو النضر رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن لا يكونوا عليه ولا له، فلما غلب الكفار يوم بدر قالوا: هوالنبي الذي نعته في التوراة لا ترد له رأيه، فلما هزم المسلمون يوم أحد ارتابوا ونكثوا، فخرج كعب بن الأشرف في أربعين راكبين إلى مكة فعاهدوا قريشاً عند الكعبة، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم محمد بن مسلمة الأنصاري فقتل كعباً غيلة وكان اخا كعب من الرضاعة ثم صبحهم بالكتائب وهو على حمار مخطوم بليف فقال لهم: اخرجوا من المدينة فقالوا: الموت أحب إلينا من ذاك. فتنادوا بالحرب. وقيل: استمهلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عشرة أيام ليتجهزوا للخروج فأرسل إليهم عبد الله بن أبيّ المنافق وأصحابه لا تخرجوا من الحصن، فإن قاتلوكم فنحن معكم ولا نخذلكم ولئن خرجتم لنخرجن معكم فدرّبوا على الأزقة وحصنوها، فحاصرهم إحدى وعشرين ليلة. فلما قذف الله الرعب في قلوبهم وأيسوا من نصرة المنافقين طلبوا الصلح فأبى عليهم إلا الجلاء على أن يحمل كل ثلاثة أبيات على بعير ما شاؤا من متاعهم، فذهبوا إلى اريحاء وأذرعات من الشأم إلا أهل بيتين منهم ابن أبي الحقيق وحُيَيّ بن أخطب فإنهم لحقوا بخيبر ولحقت طائفة بالحيرة. واللام في قوله {لأول الحشر} بمعنى الوقت كقولك " جئت ليوم كذا ". وهم أول من أخرج من أهل الكتاب من جزيرة العرب إلى الشام. فمعنى الحشر إخراج الجميع من مكان، ومعنى الأولية أنه لم يصبهم قبل ذلك مثل هذا الذل لأنهم كانوا أهل منعة هذا قول ابن عباس والأكثرين. وقيل: هذا أول حشرهم، وآخره حيث يحشر الناس للساعة إلى ناحية الشام كما جاء في الحديث "حديث : نار تخرج من المشرق وتسوق الناس إلى المغرب"تفسير : قاله قتادة. وقيل: آخر حشرهم إجلاء عمر إياهم من خيبر إلى الشام. وقيل: معناه لأول ما حشر بقتالهم لأنه أول قتال قاتلهم رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال في الكشاف: الفرق بين النظم الذي جاء عليه وبين قول القائل " وظنوا أن حصونهم تمنعهم أو مانعتهم " هو أن في تقديم الخبر على المبتدأ دليلاً على فرط وثوقهم بحصانتها، وفي نصب ضميرهم اسماً لأن إسناد الجملة إليه دليل على أنهم اعتقدوا عزة أنفسهم ومنعتها بحيث لا يمكن لأحد أن يتعرض لهم. قلت: حاصل كلامه رضي الله عنه الحصر. ومعنى إتيان الله إتيان أمره وهو النصر إن عاد إلى اليهود وهذا أظهر ليناسب قوله تعالى {في قلوبهم} ولاستعمال القرآن نظيره في مواضع أخر في معرض التهديد {أية : هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله}تفسير : [البقرة: 210] {أية : هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي ربك}تفسير : [الأنعام: 158] ومعنى {لم يحتسبوا} أنه لم يخطر ببالهم قتل كعب غيلة على يد أخيه. وقذف الرعب في قلوبهم وهذا من خواص نبينا صلى الله عليه وسلم كما مر في آل عمران {أية : سنلقي في قلوب الذين كفروا الرعب}تفسير : [آل عمران: 151] وفي لفظ القذف زيادة تأكيد ولهذا قالوا في صفة الأسد " مقذف " فكأنما قذف باللحم قذفاً لاكتنازه وتداخل أجزائه. قال الفراء {يخربون} بالتشديد يهدمون، وبالتخفيف يخرجون منها ويتركونها. وكان أبو عمرو ويقول: الإخراب أن يترك الشيء خراباً، والتخريب الهدم، وبنو النضير خربوا وما أخربوا. وزعم سيبويه أنهما يتعاقبان في بعض الأحكام نحو " فرحته " و " أفرحته " و " حسنة الله " و " أحسنه ". قال المفسرون: إنهم لما أيقنوا بالجلاء حسدوا المسلمين أن يسكنوا منازلهم فجعلوا يخربونها من داخل والمسلمون من خارج. قلت: ويحتمل أن يكون بعض التخريب لسدّ أفواه الأزقة بالخشب والحجارة أو لنقل ما أرادوا حمله من جيد الخشب والساج. وأما المؤمنون فداعيهم إلى ذلك إزالة تحصنهم أو أن يتسع لهم في الحرب مجال، ومعنى تخريبهم بأيدي المؤمنين أنهم كانوا السبب فيه وأنهم عرضوا المؤمنين لذلك. ثم أمر أهل الابصار الباطنة بالاعتبار وهو العبور والمجاوزة من شيء إلى شيء، ومنه العبرة لأنها تنتقل من العين إلى الخد، والتعبير لأن صاحبه ينتقل من المتخيل إلى المعقول، والعبارة لأنها تنقل المعاني من لسان القائل إلى فهم المستمع، والسعيد من اعتبر بغيره لأنه ينتقل عقله من حال ذلك الغير إلى حال نفسه، أو القائس يعبر عن المقيس عليه إلى المقيس. ومعنى الاعتبار في الآية أنهم اعتمدوا على حصونهم وعدّتهم فأمر الله تعالى أرباب العقول بأن ينظروا في حالهم ولا يعتمدوا على شيء غير الله، أو المراد أن يعرف الإنسان عاقبة الكفر والغدر والطعن في النبوّة فإن أولئك اليهود وقعوا بشؤم الغدر والكفر في البلاء والجلاء. واعترض بأن رب شخص وكفر وما عذب في الدنيا، ورب ممتحن مبتلى هو نبي أو ولي. وأجيب بأن حاصل القياس والاعتبار يرجع إلى أن الغادر الكافر معذب أعم من أن يكون بالتخريب أو بالقتل أو في الدنيا أو في الآخرة والعكس لا يلزم. وقيل: معنى الاعتبار أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعدهم أن يورثهم أرضهم وأموالهم بغير قتال فكان كما وقع فدل على صحة نبوّته. والجلاء أن لم يبق لهم بالمدينة دار ولا فيها منهم ديار وهذا عندهم أشدّ من الموت فلهذا قال {ولولا أن كتب الله عليهم الجلاء لعذبهم في الدنيا} بالقتل {ولهم في الآخرة} بعدما عاينوا في الدنيا {عذاب النار ذلك} التخريب أو الجلاء أو العذاب بسبب مخالفتهم وعصيانهم الله ورسوله. قالت الفقهاء: فيه دليل على أن تخصيص العلة المنصوصة لا يقدح في صحتها فليس أينما حصلت هذه المشاقة حصل التخريب. يروى أنه صلى الله عليه وسلم حين أمر أن يقطع نخلهم ويحرق قالوا: يا محمد قد كنت تنهى عن الفساد في الأرض فما بال قطع النخل وتحريقها؟ فكان في أنفس المؤمنين من ذلك شيء فأنزل الله تعالى {ما قطعتم} محله نصب و {من لينة} بيان له كأنه قيل: أي شيء قطعتم من لينة وهي النخلة من الألوان ما خلا العجوة والبرنية وهما أجود النخل. وياؤها واو في الأصل كالديمة. وقيل: هي النخلة الكريمة من اللين فتكون الياء أصلية، فبين الله تعالى أن ذلك جائز غيظاً لقلوب الكفرة. واحتج الفقهاء بها على جواز هدم حصون الكفار وقلع أشجارهم. وعن ابن مسعود: قطعوا منها ما كان موضعاً للقتال. وروي أن رجلين كان يقطع أحدهما العجوة والآخر يترك فسألهما رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال هذا: تركتها لرسول الله صلى الله عليه وسلم وقال هذا: قطعتها غيظاً للكفار. وقد يستدل بهذا على جواز الاجتهاد ولو بحضرة النبي صلى الله عليه وسلم وعلى أن كل مجتهد مصيب. قوله {وما أفاء الله} أدخل العاطف ههنا دون الأخرى لأن تلك بيان لهذه فهي غير أجنبية عنها والأولى معطوفة على ما قبلها. ومعنى أفاء جعله فيئاً من فاء إذا رجع وذلك لرجوعه من ملك الكفار إلى ملك المسلمين. والإيجاف من الوجيف وهو السير السريع. وقوله {عليه} أي على ما أفاء. والركاب ما يركب من الإبل واحدتها راحلة ولا واحد لها من لفظها، وقلما تطلق العرب الراكب إلا على راكب البعير، بين الله سبحانه الفرق بين الغنيمة والفيء حين طلب الصحابة أن يقسم أموال أولئك اليهود بينهم اعترض بعضهم بأن أموال بني النضير أخذت بعد القتال لأنهم حوصروا أياماً وقاتلوا وقتلوا ثم صالحوا على الجلاء فوجب أن تكون تلك الأموال من الغنيمة لا من الفيء. وأجاب المفسرون من وجهين: الأول أنها لم تنزل في بني النضير وإنما نزلت في فدك ولهذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينفق على نفسه وعلى عياله من غلة فدك ويجعل الباقي في السلاح والكراع. الثاني تسليم أنها نزلت فيهم ولكن لم يكن للمسلمين يومئذ كثير خيل ولا ركاب، ولم يقطعوا إليها مسافة كثيرة، وإنما كانوا على ميلين من المدينة فمشوا على أرجلهم ولم يركب إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان راكب جمل، فلما كان المعاملة قليلة ولم يكن خيل ولا ركاب أجراه الله مجرى ما لم يكن قتال ثمة. ثم روي أنه قسمها بين المهاجرين ولم يعط الأنصار منها شيئاً إلا ثلاثة نفر كانت بهم حاجة وهو أبو دجانة وسهل بن حنيف والحرث بن أبرهة قال الواحدي: كان الفيء مقسوماً في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم خمسة أسهم: أربعة منها لرسول الله صلى الله عليه وسلم خاصة وكذا خمس الباقي، والسهم الأربعة من هذا الباقي لذي القربى ولد بني هاشم والمطلب، واليتامى والمساكين وابن السبيل. وأما بعد الرسول فللشافعي فيه قولان: أحدهما أنه للمجاهدين المترصدين للقتال في الثغور لأنهم قاموا مقام رسول الله صلى الله عليه وسلم في رباط الثغور. والثاني أنه يصرف إلى مصالح المسلمين من سد الثغور وحفر الأنهار وبناء القناطر الأهم فالأهم. هذا في الأربعة الأخماس التي كانت له، وأما السهم الذي كان له من خمس الفيء فإنه لمصالح المسلمين بلا خلاف وقد مر سائر ما يتعلق بقسمة الغنائم في سورة الأنفال. ثم بين الغرض من قسمة الفيء على الوجه المذكور فقال {كيلا يكون دولة} قال المبرد: هي اسم للشيء الذي يتداوله الناس بينهم يكون لهذا مرة ولهذا مرة كالغرفة اسم لما يغرف. والدولة بالفتح انتقال حال سارة إلى قوم عن قوم. قال جار الله: هي بالضم ما يدول للانسان أي يدور من الجد يقال دالت الدولة. فعلى قول المبرد معناه كيلا يكون الفيء شيئاً يتداوله الأغنياء بينهم ويتعاورونه فلا يصيب الفقراء، وعلى قول جار الله: كيلا يكون الفيء الذي حقه أن يعطى الفقراء جداً بين الأغنياء يتكاثرون به، أو لكيلا يكون الفيء دولة جاهلية كان الرؤساء منهم يستأثرون بالغنائم لأنهم أهل الرياسة والجد والغلبة وكانوا يقولون من عز بر ومنه قول الحسن " اتخذوا عباد الله خولاً ومال الله دولاً " يريد من غلب منهم أخذه واستأثر به. ومن قرأ على " كان " التامة فالمعنى كيلا يقع شيء متعاوراً بينهم غير مخرج إلى الفقراء، أو كيلا تقع دولة جاهلية أي ينقطع أثرها. قوله {وما آتاكم} الآية. قيل: يختص بأنه يقسم الغنائم وأن على المؤمنين أن يرضوا بما يعطيهم الرسول صلى الله عليه وسلم منها، والأولى عند المحققين العموم. قوله {للفقراء} بدل من قوله {ولذي القربى} إلى آخر الأصناف الأربعة. ولا يجوز أيضاً أن يكون ابتدال البدل من قوله {فلله} لأنه يخل بتعظيم قولهم {وللرسول} لأنه تعالى أخرجه عن الفقراء بقوله {وينصرون الله ورسوله} ولترفع منصبه عن التسمية بالفقير. ولئن صح أنه صلى الله عليه وسلم قال " حديث : الفقر فخري"تفسير : فذاك معنى آخر وهو غنى القلب وانقطاع التعلق عما سوى الله وجعل الهموم هماً واحداً وهو الافتقار بالكلية إلى الله. إستدل بعض العلماء بقوله {أولئك هم الصادقون} على إمامة أبي بكر لأن هؤلاء المهاجرين كانوا يقولون له يا خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم. فلو لم تكن خلافته حقه لزم كذبهم وهو خلاف الآية. وقال في الكشاف: أراد صدقهم في إيمانهم وجهادهم. قوله {والذين تبوّؤا الدار} معطوف على المهاجرين وكذا قوله {والذين جاءوا} وذلك عند من يجعل الغنائم حلاً للمهاجرين والأنصار والتابعين لهم بإحسان أو التابعين لهم إلى يوم القيامة وعلى هذا يكون قوله {يحبون} و {يقولون} حالين أي الغنائم لهم محببن قائلين. ومن جعل المراد بيان غنائم بني النضير وقف على {هم الصادقون} و {المفلحون} وجعل الفعلين خبرين. وعلى هذا يكون الآيتان ثناء على الأنصار على الإيثار، وللتابعين على الدعاء. قال مقاتل: أثنى على الأنصار حين طالبت أنفسهم عن الفيء إذ جعل للمهاجرين دونهم. وههنا سؤالان أحدهما: أنه لا يقال تبوؤا الإيمان. الثاني بتقدير التسليم أن الأنصار ما تبوؤا الإيمان قبل المهاجرين. والجواب من الأول أن المراد تبوؤا الدار وأخلصوا الإيمان كقوله: شعر : "علفتها تبناً وماء بارداً" تفسير : أو هو مجاز من تمكنهم واستقامتهم على الإيمان كأنهم جعلوه مستقراً لهم كالمدينة أو هو مجاز بالنقصان. والمعنى تبوّؤا دار الهجرة ودار الإيمان فأقام لام التعريف في الدار مقام المضاف إليه وحذف المضاف من الثاني، أو سمى المدينة بالإيمان لأنها مكان ظهور الإيمان وهذا يؤل بالحقيقة إلى الوجه الذي تقدمه. وعن الثاني أن المراد من قبل هجرتهم أو هو من تمام تبوء الدار، ولا شك أن الأنصار سبقوهم في ذلك وإن لم يسبقوهم في الإيمان {ولا يجدون في صدورهم حاجة} أي حسداً وغيظاً مما أوتى المهاجرون من الفيء وغيره. وإطلاق لفظ الحاجة على الحسد والغيظ والحزازة من إطلاق اسم اللازم على الملزوم لأن هذه الأشياء لا تنفك عن الحاجة. وقال جار الله: المحتاج إليه يسمى حاجة يعني أن نفوسهم لم تتبع ما أعطوا ولم تطح إلى شيء منه يحتاج إليه {ولو كان بهم خصاصة} أي خلة فهي من خصاص البيت أي فرجه، وكل خرق في منخل أو باب أو سحاب أو برقع فهي خصاص الواحد خصاصة. وفعول {يؤثرون} محذوف أي يؤثرونهم ويخصونهم بأموالهم ومنازلهم على أنفسهم. عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للأنصار: إن شئتم قسمتم للمهاجرين من دوركم وأموالكم وقسمت لكم من الفيء كما قسمت لهم، وإن شئتم كان لهم القسم ولكم دياركم وأموالكم. فقالوا: لا بل نقسم لهم من ديارنا وأموالنا نؤثرهم بالقسمة ولا نشاركهم فيها فنزلت. والشح المنع الذاتي الذي تقتضيه الحالة النفسانية ولهذا أضيف إلى النفس، والبخل المنع المطلق من غير اعتبار صيرورته غريزة وملكة. قال ابن زيد: من لم يأخذ شيئاً نهاه الله عن أخذه ولم يمنع شيئاً أمره الله بإعطائه فقد وقي شح نفسه. وذكر المفسرون أنواعاً من إيثار الأنصار الضيف بالطعام وتعللهم عنه حتى شبع الضيف. والظاهر أنها نزلت في الفيء كما مر ويدخل فيه غيره. قوله {والذين جاءوا من بعدهم} أي هاجروا بعد المهاجرين الأوّلين. وقيل: هم التابعون لهم بإحسان إلى يوم الدين، فتشمل الآيات الثلاث جميع المؤمنين. ثم عجب من أحوال أهل النفاق من أهل المدينة كعبد الله بن أبيّ وعبد الله بن نفيل ورفاعة بن زيد، كانوا في الظاهر من الأنصار ولكنهم يوالون اليهود في السر فصاروا إخوانهم في الكفر وقالوا له ملا نطيع في قتالكم أو خذلانكم أحداً. ثم شهد إجمالاً عليهم بأنهم كاذبون، ثم فصل ذلك قائلاً {لئن أخرجوا} إلى قوله {ولئن نصروهم} وهذا على سبيل الفرض لأنه تعالى كما يعلم ما يكون فهو يعلم ما لا يكون لو كان كيف يكون. والمعنى لو فرض نصر المنافقين اليهود ليهزمن المنافقون {ثم لا ينصرون} بعد ذلك أي لا يمنعهم من عذاب الله مانع لظهور كفرهم. وقيل: ليهزمن اليهود ثم لا تنفعهم نصرة المنافقين. وعلى هذا يكون " ثم " لترتيب الأخبار كقوله {أية : ثم اهتدى} تفسير : [طه: 82] ثم بيّن الحكمة في الغزو فقال {لأنتم أشد رهبة} قال في الكشاف: أي مرهوبية هي مصدر رهب المبني للمفعول. وقوله {في صدورهم} دلالة على نفاقهم يعني أنهم يظهرون لكم في العلانية خوف الله خوفاً شديداً ورهبتهم في السر منكم أشد من ذلك لأنهم لا يفقهون عظمة الله فلا يخشونه حق خشيته. وجوز أن يكون المراد أن اليهود يخافونكم في صدورهم أشد من خوفهم من الله وكانوا يتشجعون للمسلمين مع إضمار الخيفة في صدورهم. قلت: الأظهر أن المراد أنتم فيه أكثر مكانة من مواعظ الله أو لثمرة جهادكم معهم أوفر من ثمرة ترهبهم بعقاب الله {ذلك بأنهم قوم لا يفقهون} من سر التكاليف وتبعة الكفر والنفاق في الآخرة فلا يرتدعون إلا خوفاً من العقوبة العاجلة. ومن هذا أخذ عمر فقال: ما ينزع السلطان أي يمنع أكثر مما ينزع القرآن. وقال الشاعر: شعر : السيف أصدق إنباء من الكتب تفسير : وقيل: العبد لا يردعه إلا العصا. ثم شجع المسلمين بقوله {لا يقاتلونكم} أي لا يقدرون على قتالكم مجتمعين {إلا في قرى محصنة} غاية التحصين {أو من وراء جدر} لا مبارزين مكشوفين في الأراضي المستوية {بأسهم بينهم شديد} لا بينكم لأنكم منصورون بنصرة الله مؤيدون بتأييده، أو لأنهم يحسبون في أنفسهم وفيما بينهم أموراً يعلم الله أنها لا تقع في الخارج على وفق حسبانهم وعن ابن عباس: معناه بعضهم لبعض عدوّ يؤيده قوله {تحسبهم جميعاً} مجتمعين ذوي تآلف ومحبة {وقلوبهم شتى} متفرقة وهو فعلى من الشت. وإنما قال ههنا {ذلك بأنهم قوم لا يعقلون} وفي الأوّل {لا يفقهون} لأن الفقه معرفة ظاهر الشيء وغامضه فنفي عنهم ذلك كما قلنا، وأراد ههنا أنهم لو عقلوا لاجتمعوا على الحق ولم يتفرقوا فتشتتهم دليل عدم عقلهم لأن العقل يحكم بأن الاجتماع معين على المطلوب والتفرق يوهن القوى ولا سيما إذا كانوا مبطلين. ثم شبه حالهم بحال من قتلوا قبلهم ببدر في زمان قريب. قال جار الله: انتصب {قريباً} بمحذوف أي كوجود مثل أهل بدر قريباً. قلت: لا يبعد أن يتعلق بصلة الذين. ثم ضرب مثلاً آخر لإغراء المنافقين اليهود على القتال ووعدهم إياهم النصر، والمراد إما عموم دعوة الشيطان للإنسان إلى الكفر وإما خصوص إغراء إبليس قريشاً يوم بدر كما مر في الأنفال في قوله سبحانه {أية : وإذ زين لهم الشيطان} تفسير : [الأنفال: 48] إلى قوله {أية : إني برىء منكم}تفسير : [الأنفال: 48] قال مقاتل: وكان عاقبة اليهود والمنافقين مثل عاقبة الشيطان والإنسان حتى صار إلى النار. قال جار الله: كرر الأمر بالتقوى تأكيداً أو لأن الأول في أداء الواجبات لأنه قرن بما هو عمل والثاني في ترك المعاصي لأنه قرن بما يجري مجرى الوعيد. وسمى القيامة بالغد تقريباً لمجيئها. عن الحسن: لم يزل بقربه حتى جعله كالغد. وقيل: جعل مجموع زمان الدنيا كنهار عند الآخرة. قال أهل المعاني: تنكير {نفس} للتقليل كما مر في الوقوف وتنكير {غد} للتعظيم والتهويل. قال مقاتل: ونسوا حق الله فأنساهم حق أنفسهم حتى لم يشعروا لها بما ينفعها، أو فأراهم يوم القيامة من الأحوال ما نسوا فيه أنفسهم. قلت: يجوز أن يراد نسوا ذكر الله فأورثهم القسوة وفساد الاستعداد بالكلية. وحين نهى المؤمنين عن كونهم مثل الناسين الغافلين ذكرهم بأنه لا استواء بين الفريقين ففيه شبه قرع العصا كأنهم غفلوا عن هذا الواضح البين كما تقول لمن يعصي أباه " هو أبوك ". استدل أصحاب الشافعي بالآية على أن المسلم لا يقتل بالذمي وإلا استويا، وأن الكافر لا يملك مال المسلم بالقهر وإلا استويا. واحتج بعض المعتزلة بها على أن صاحب الكبيرة لو دخل الجنة وهو من أهل النار لزم خلاف الآية. والجواب ظاهر لأنه على تقدير إمكان العفو لا يحكم أنه من أهل النار. ثم عظم أمر القرآن الذي يعلم منه هذا البيان. قال الكشاف: هو مثل وتخييل بدليل قوله {وتلك الأمثال} يعني هذا وغيره من أمثال التنزيل. وقال غيره: المعنى إشارة إلى قوله {كمثل الذين} {كمثل الشيطان} ولما وصف القرآن بما وصف عظم شأنه بوجه آخر وهو التنبيه على أوصاف منزله، وقد سبق شرح أكثر هذه الأسماء في هذا الكتاب ولا سيما في البسملة. والقدّوس مبالغة القدس وهو التبليغ في الطهارة والبراءة عما يشين هذا بالنسبة إلى زمان الماضي والحال. والسلام إشارة إلى كونه سالماً عن الآفات والعاهات والنقائص في زمان الاستقبال، ويجوز أن يراد أنه المعطي للسلامة. المؤمن الواهب الأمن والمصدق لأنبيائه بالمعجزات. وقد مر معنى المهيمن وأصل اشتقاقه في المائدة في قوله {أية : ومهيمناً عليه} تفسير : [الآية: 48] وأن معناه الرقيب الحافظ لكل شيء. ولمكان تعداد هذه الأوصاف كرر قوله {يسبح له} إلى آخر السورة. فمن عزته كان منزهاً عن النقائص أهلاً للتسبيح، ومن حكمته أمر المكلفين في السموات والأرضين بأن يسبحوا له ليربحوا لا ليربح هو عليهم وهو تعالى أعلم بمراده وبالله التوفيق للخير وإليه المآب.

الثعالبي

تفسير : قوله تعالى: {سَبَّحَ للَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ} الآية: تقدم الكلامُ في تسبيح الجمادات و{ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ}: هم بنو النضير. و[قوله]: {لأَوَّلِ ٱلْحَشْرِ}: قال الحسن بن أبي الحسن وغيره: يريد حَشْرَ القيامة، أي: هذا أَوَّلُهُ والقيامُ من القبور آخره، وقال عِكْرَمَةُ وغيره: والمعنى: لأول موضع الحشر، وهو الشام؛ وذلك أَنَّ أكثرهم جاء إلى الشام، وقد رُوِيَ أَنَّ حشرَ القيامة هو إلى بلاد الشام. وقوله سبحانه: {مَا ظَنَنتُمْ أَن يَخْرُجُواْ}: يريد لمنعتهم وكثرة عددهم. وقوله تعالى: {يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِى ٱلْمُؤْمِنِينَ} أي: كُلَّما هدم المسلمون من تحصينهم في القتال هدموا هم من البيوت؛ ليجبروا الحصن. * ت *: والحاصل أَنَّهم يخربون بيوتهم حِسًّا ومعنى؛ أَمَّا حِسًّا فواضح، وأَمَّا معنى فبسوء رأيهم وعاقبة ما أضمروا من خيانتهم وغدرهم، {وَلَوْلاَ أَن كَتَبَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمُ ٱلْجَلاَءَ}: من الوطن {لَعَذَّبَهُمْ فِى ٱلدُّنْيَا}: بالسبي والقتل، قال البخاريُّ: والجلاء: الإخراج من أرض إلى أرض، انتهى.

ابن عادل

تفسير : قوله تعالى: {سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ} تقدم نظيره. قوله تعالى: {هُوَ ٱلَّذِيۤ أَخْرَجَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ مِن دِيَارِهِمْ لأَوَّلِ ٱلْحَشْرِ}. قال سعيد بن جبير: قلت لابن عباس: سورة الحشر؟ قال: قل: سورة النَّضير، وهم رهط من اليهود من ذرية هارون - صلوات الله وسلامه عليه - نزلوا بـ "المدينة" في فتن بني إسرائيل انتظاراً لمحمدٍ صلى الله عليه وسلم فكان من أمرهم ما نصّ عليه. قوله: {مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ}. يجوز أن تكون "من" للبيان، فتتعلق بمحذوف، أي: أعني من أهل الكتاب. والثاني: أنها حال من "الَّذين كفروا". وقوله تعالى: {مِن دِيَارِهِمْ} متعلق بـ "أخرج"، ومعناها: ابتداء الغاية، وصحت إضافة الديار إليهم؛ لأنهم أنشئوها. قوله: {لأَوَّلِ ٱلْحَشْرِ}. هذه اللاَّم متعلقة بـ "أخرج" وهي لام التوقيت، كقوله تعالى: {أية : لِدُلُوكِ ٱلشَّمْسِ} تفسير : [الإسراء: 78] أي: عند أول الحشر. وقال الزمخشري: وهي كاللام في قوله تعالى: {أية : يَٰلَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي} تفسير : [الفجر: 24]، وقوله: "جئت لوقت كذا" وسيأتي الكلام على هذه "اللام" في سورة "الفجر" إن شاء الله تعالى. فصل في الكلام على الحشر قال القرطبي: "الحشر": الجمع، وهو على أربعة أضرب: حشران في الدنيا وحشران في الآخرة. أما اللذان في الدنيا فقوله تعالى: {هُوَ ٱلَّذِيۤ أَخْرَجَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ مِن دِيَارِهِمْ لأَوَّلِ ٱلْحَشْرِ}. قال الزهري: كانوا من سِبْطٍ لم يصبهم جلاء، وكان الله - عز وجل - قد كتب عليهم الجلاء، فلولا ذلك لعذّبهم في الدنيا، وكان أول حشر حشروا في الدنيا إلى "الشام". قال ابن عباس وعكرمة: من شك أن المحشر في "الشام" فليقرأ هذه الآية. وأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لهم: "اخْرُجُوا" قالوا: إلى أين؟ قال: "إلى أرْضِ المَحْشَرِ". قال قتادة رضي الله عنه: هذا أول المحشر. قال ابن عباس رضي الله عنهما: هم أول من حشر من أهل الكتاب، وأخرج من دياره. وقيل: إنهم أخرجوا إلى "خيبر"، وإن معنى "لأول الحشر": إخراجهم من حصونهم إلى "خيبر"، وآخرهم بإخراج عمر إياهم من "خيبر" إلى "نجد" و "أذرعات". وقيل: "تيماء" و "أريحاء"، وذلك بكفرهم ونقض عهدهم. وأما الحشر الثاني: فحشرهم قرب القيامة. قال قتادة: تأتي نار تحشر الناس من المشرق إلى المغرب، تبيت معهم حيث باتوا، وتقيلُ معهم حيث قالوا، وتأكل من تخلف منهم، وهذا ثابت في الصحيح. وذكروا أن تلك النَّار ترى بالليل، ولا ترى بالنهار. قال ابن العربي: للحشر أول ووسط، وآخر. فالأول: إجلاء بن النَّضير. والأوسط: إجلاء خيبر. والآخر: حَشْر يوم القيامة. وعن الحسن: هم بنو قريظة، وخالفه بقية المفسرين، وقالوا: بنو قريظة ما حشروا، ولكنهم قتلوا حكاه الثعلبي. فصل في نسخ مصالحة أهل الحرب على الجلاء من ديارهم قال إلكيا الطَّبري: ومُصالحة أهل الحرب على الجلاء من ديارهم من غير شيء لا يجوز الآن، وإنما كان ذلك في دار الإسلام ثم نُسِخَ، والآن فلا بد من قتالهم، أو سبيهم، أو ضرب الجزية عليهم. قوله تعالى: {مَا ظَنَنتُمْ أَن يَخْرُجُواْ} أي: لعظم أمر اليهود لعنهم الله ومنعتهم وقوتهم في صدور المسلمين واجتماع كلمتهم. وقوله تعالى: {وَظَنُّوۤاْ أَنَّهُم مَّانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم مِّنَ ٱللَّهِ}. قال ابن عباس رضي الله عنهما: إن المسلمين ظنوا أنهم لعزّتهم وقوّتهم لا يحتاجون إلى أن يخرجوا من ديارهم. قيل: المراد بالحصون: الوطيح والنَّطاة والسُّلالم والكتيبة. قوله: {مَّانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم}. فيه وجهان: أحدهما: أن تكون "حُصُونهم" مبتدأ، و "مَانِعتهم" خبر مقدم، والجملة خبر "أنهم". لا يقال: لم لا يقال: "مَانعَتُهُم" مبتدأ، لأنه معرفة، و "حصونهم" خبره، ولا حاجة إلى تقديم ولا تأخير؟ لأن القصد الإخبار عن الحُصُون، ولأن الإضافة غير محضة فهي نكرة. الثاني: أن تكون "مانعتهم" خبر "أنهم" و "حصونهم" فاعل به، نحو: إن زيداً قائم أبوه، وإن عمراً قائمة جاريته. وجعله أبو حيان أولى؛ لأن في نحو: "قائم زيد" على أن يكون خبراً مقدماً ومبتدأ مؤخراً، خلافاً، الكوفيون يمنعونه، فمحل الوفاق أولى. قال الزمخشري: "فإن قلت: فأي فرق بين قولك: وظنوا أن حصونهم تمنعهم، أو "مانعتهم"، وبين النظم الذي جاء عليه؟. قلت: بتقديم الخبر على المبتدأ دليل على فرط وُثُوقهم، ومنعها إياهم، وفي تغيير ضميرهم اسماً لـ "أن"، وإسناد الجملة إليه دليل على اعتقادهم في أنفسهم أنهم في عزة ومنعة لا يبالى معها بأحد يتعرض إليهم، وليس ذلك في قولك: حصونهم تمنعهم". انتهى. وهذا الذي ذكره إنَّما يتأتى على الإعراب الأول، وقد تقدم أنه مرجوح. وتسلط الظن هنا على "أن" المشددة، والقاعدة أنه لا يعمل فيها ولا في المخففة منها إلا فعل "علم" وتعين إجراؤه مجرى اليقين لشدته وقوته، وأنه بمنزلة العلم. وقوله: {مِّنَ ٱللَّهِ} أي: من أمره. قوله تعالى: {فَأَتَاهُمُ ٱللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُواْ}. قال الزمخشري: قرىء "فأتاهم الهلاك" أي: أتاهم أمره وعذابه {من حيث لم يحتسبوا}، أي: لم يظنوا، وقيل: من حيث لم يعلموا. وقال ابن جريج والسدي وأبو صالح: "من حيث لم يحتسبوا: بقتل كعب بن الأشرف، وكانوا أهل خلعة وسلاح وقصور منيعة فلم يمنعهم شيء منها". وقيل: الضمير في "فأتاهم الله" يعود إلى المؤمنين، أي: فأتاهم نصرُ الله وتقويته [لا] يمنعهم شيء منها. قوله: {وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ ٱلرُّعْبَ} بقتل سيدهم كعب بن الأشرف، وكان الذي قتله محمد بن مسلمة، وأبو نائلة سلكان بن سلامة بن وقش - وكان أخا كعب بن الأشرف من الرضاعة - وخبره مشهور في السيرة. قال أهل اللغة: "الرُّعْبُ": الخوف الذي يرعب الصُّدور، أي: يملؤه، وقذفه: إثباته فيه، ومنه قالوا في صفة الأسد: مقذف، كأنه قذف اللحم قذفاً لاكتنازه وتداخل أجزائه. وهذه الآية تدلّ على أن الأمور كلها من الله تعالى، لأن الآية دلّت على أن وقوع ذلك بالرُّعب صار سبباً في إقدامهم على بعض الأفعال، وبالجملة فالفعل لا يحصل إلا عند حصول داعية متأكدة في القلب، وحصول تلك الداعية لا يكون إلا من الله تعالى، فكانت الأفعال بأسرها مستندة إلى الله - تعالى - بهذا الطريق. قوله: {يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُم} يجوز أن يكون مستأنفاً للإخبار به، وأن يكون حالاً من ضمير "قلوبهم"، وليس بذاك. وقرأ أبو عمرو: "يُخَرِّبُونَ" بالتشديد، وباقيهم: بالتَّخفيف. وهما بمعنى؛ لأن "خرَّب" عدَّاه أبو عمرو بالتضعيف، وهم بالهمزة. وعن أبي عمرو: أنه فرق بمعنى آخر، فقال: "خرّب" - بالتشديد - هدم وأفسد، و "أخرب" - بالهمزة - ترك الموضع خراباً، وذهب عنه، وهو قول الفرَّاء. قال المبرد: ولا أعلم لهذا وجهاً. و "يُخْرِبُونَ" من خرب المنزل وأخربه صاحبه، كقوله: "عَلِمَ وأعْلَمَ، وقَامَ وأقَامَ". وإذا قلت: "يخربون بيوتهم" من التخريب فإنما هو تكثير؛ لأن ذكر "بيوتاً" تصلح للتقليل والتكثير. وزعم سيبويه أنهما يتعاقبان في بعض الكلام، فيجري كل واحد مجرى الآخر، نحو: "فرحته وأفرحته". قال الأعشى: [المتقارب] شعر : 4736-..................... وأخْرَبْتَ مِنْ أرْضِ قَوْمٍ دِيَارا تفسير : واختار الهذلي قراءة أبي عمرو لأجل التَّكثير. ويجوز أن يكون "يخربون" تفسيراً للرُّعب فلا محلَّ له أيضاً. قال أبو عمرو: وإنما اخترت التشديد؛ لأن الإخراب ترك الشيء خراباً بغير ساكن، وبنو النضير لم يتركوها خراباً، وإنما خرَّبوها بالهدم، ويؤيده قوله تعالى: {بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي ٱلْمُؤْمِنِينَ}. فصل في تفسير الآية قال قتادة والضحاك رحمهما الله تعالى: كان المؤمنون يخربون من خارج ليدخلوا، واليهود يخربون من داخل ليبنوا به ما خرب من حصنهم. وقال مقاتل: إن المنافقين أرسلوا إليهم ألا يخرجوا وتدرّبوا على الأزِقَّة، وكان المسلمون يخربون سائر الجوانب. وقيل: إن المسلمين كانوا إذا ظهروا على دربٍ من دروبهم خربوه، وكان اليهود يتأخرون إلى ما وراء بيوتهم وينقِّبُونها من وراء أدبارهم. وقيل: إن المسلمين كانوا يخربون ظواهر البلد، واليهود لما أيقنُوا بالجلاء، فكانوا ينظرون إلى الخشبةِ في منازلهم مما يستحسنونه، أو الباب فيهدمون بيوتهم، وينزعونها، ويحملونها على الإبل. فإن قيل: ما معنى تخريبهم لها بأيدي المؤمنين؟. قلت: لما عرضوهم لذلك، وكانوا السبب فيه، فكأنهم أمروهم به وكلفوه إياهم. وقال الزهري: "يخربون بيوتهم" بنقض المواعدة، "وأيدي المؤمنين" بالمقاتلة. وقال أبو عمرو بن العلاء: "بأيديهم" في تركهم لها، "وأيدي المؤمنين" في إجلائهم عنها. قوله تعالى: {فَٱعْتَبِرُواْ يَٰأُوْلِي ٱلأَبْصَارِ}. والاعتبار: مأخوذ هنا من العبور والمجاوزة من شيء إلى شيء، وبهذا سميت العبرةُ عبرةً؛ لأنها تنتقل من العين إلى الخدِّ، وسمي علم التعبير؛ لأن صاحبه ينتقل من المتخيّل إلى المعقول، وسميت الألفاظ عبارات؛ لأنها تنقل المعاني عن لسان القائل إلى عقلِ المستمع. ويقال: السعيد من اعتبر بغيره؛ لأنه ينتقل عقله من حال ذلك الغير إلى حال نفسه. ولهذا قال المفسرون: الاعتبار هو النظر في حقائق الأشياء وجهات دلالتها ليعرف بالنظر فيها شيء آخر من جنسها. وقوله عز وجل: {يا أولي الأبصار}. قال ابن عباس رضي الله عنهما يريد أهل اللُّب والعقل والبصائر. قال الفراء: أي من عاين تلك الوقائع والأبصار جمع البصر. ومن جملة الاعتبار هنا أنهم اعتصموا بالحُصُون من الله، فأنزلهم الله - تعالى - منها، وسلط عليهم من كان ينصرهم، وأنهم هدموا أموالهم بأيديهم، ومن لم يعتبر بغيره اعتبر في نفسه. واستدل الأصوليون بهذه الآية على وجوب العمل بالقياس. وقوله تعالى: {وَلَوْلاَ أَن كَتَبَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمُ ٱلْجَلاَءَ}. العامة: على مده وهو الإخراج. يقال: أجليت القوم، وجلا هو جلاء. وقال الماوردي: الجلاء أخصّ من الخروج؛ لأنه لا يقال إلا لجماعة، والإخراج يكون للجماعة والواحد. وقال غيره: الفَرْق بينهما أن الجلاء كان مع الأهل والولد، بخلاف الإخراج فإنه لا يستلزم ذلك. وقرأ الحسن وعلي ابنا صالح: "الجَلاَ" بألف فقط. وطلحة: مهموزاً من غير ألف كـ "النبأ". والمعنى: أنه لولا أنه قضى أنه سيجليهم عن ديارهم، وأنه يبقون مدة، فيؤمن بعضهم ويولد لهم من يؤمن {لَعَذَّبَهُمْ فِي ٱلدُّنْيَا} أي: بالقتل كما فعل بإخوانهم "بني قريظة"، والجلاء مفارقة الوطن يقال: جلا بنفسه جلاء، وأجلاه غيره إجلاء. وأما قوله: {وَلَهُمْ فِي ٱلآخِرَةِ عَذَابُ ٱلنَّارِ}، فهو كلام مبتدأ غير معطوف على ما قبله، إذ لو كان معطوفاً على ما قبله لزم ألا يوجد؛ لأن "لولا" تقتضي انتفاء الجزاء لحصول الشرط. قوله تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَآقُّواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ}. أي: عادوه وخالفوا أمره. {وَمَن يُشَآقِّ ٱللَّهَ}. قرأ طلحة بن مصرف، ومحمد بن السميفع: بالفك، كالمتفق عليه في الأفعال، وأدغم الباقون. والمقصود من الآية الزَّجْر.

البقاعي

تفسير : لما ختمت المجادلة بأنه معز أهل طاعته، ومذل أهل معصيته ومحادته، علله بتنزهه عن النقائص تأييداً للوعد بنصرهم فقال: {سبح} أي أوقع التنزيه الأعظم عن كل شائبة نقص {لله} الذي أحاط بجميع صفات الكمال. ولما كان الكفار من جميع بني آدم قد عبد بعضهم الشمس وبعضهم القمر وبعضهم غيرهما من الكواكب، وكانت الكواكب مبثوثة في السماوات كلها لا تخص سماء بعينها وكذا الملائكة، جمع دلالة على أن الكل عبيد فقال: {ما في السماوات} أي كلها. ولما كان الكلام في النهي عن موادة الذي يحادون الله، وكان ذلك لمن دون الخلص، أكد بإعادة النافي لاحتياجهم للتأكيد فقال: {وما} ولما كان جميع ما عبدوه ما أشركوا به من الأرضيات من شجر وصنم وبقر وغيرها لا يعد والأرض التي هم عليها، أفرد فقال: {في الأرض}. ولما شمل هذا جميع العالم، أشار إلى أن عظمته لا تنتهي فقال: {وهو} أي والحال أنه وحده {العزيز} الذي يغلب كل شيء ولا يمتنع عليه شيء {الحكيم *} الذي نفذ علمه في الظواهر والبواطن وأحاط بكل شيء فأتقن ما أراد، فكل ما خلقه جعله على وحدانيته دليلاً، وإلى بيان ما له من العزة والحكمة سبيلاً. وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير: لا خفاء باتصال أيها بما تأخر من آي سورة المجادلة، ألا ترى أن قوله تعالى {يا أيها الذين آمنوا لا تتولوا قوماً غضب الله عليهم} إنما يراد به يهود فذكر سبحانه سوء سريرتهم وعظيم جرأتهم ثم قال في آخر السورة {لا تجد قوماً يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله} فحصل من هذا كله تنفير المؤمنين عنهم وإعلامهم بأن بغضهم من الإيمان وودهم من النفاق لقبيح ما انطووا عليه وشنيع ما ارتكبوه، فلما أشارت هذه الآي إلى ما ذكر أتبعت بالإعلام في أول سورة الحشر بما عجل لهم من هوانهم وإخراجهم من ديارهم وأموالهم وتمكين المسلمين منهم، جرياً على ما تقدم الإيماء إليه سوء مرتكبهم، والتحمت الآي باتحاد المعنى وتناسبه، وتناسج الكلام، وافتتحت السورة بالتنزيه لبنائها على ما أشار إليه غضبه تعالى عليهم إذ لا يكون إلا على أعظم جريمة وأسوأ مرتكب وهو اعتداؤهم وعصيانهم المفصل في مواضع من الكتاب وقد قال تعالى فيهم بعد ذكر غضبه عليهم {أية : أولئك شر مكاناً وأضل عن سواء السبيل}تفسير : [المائدة: 60] وقال تعالى:{أية : لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى ابن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون} تفسير : [المائدة: 78] فبين تعالى أن لعنته إياهم إنما ترتبت على عصيانهم واعتدائهم، وقد فصل اعتداءهم أيضاً في مواضع، فلما كان الغضب مشيراً إلى ما ذكر من عظيم الشرك، أتبعه سبحانه وتعالى تنزيه نفسه جل وتعالى فقال: {سبح لله ما في السماوات وما في الأرض} وإنما يرد مثله من التنزيه أثر جريمة تقع من العباد وعظيمة يرتكبونها وتأمل ذلك حيث وقع، ثم عاد الكلام إلى الإخبار بما فعل تعالى بأهل الكتاب مما يتصل بما تقدم، ثم تناسجت الآي - انتهى. ولما نزه نفسه الأقدس دل على ذلك التنزه على العزة والحكمة بدليل شهودي من أنه أنفذ ما كتب من أنه يغلب هو ورسله ومن أنه كبت الذين حادوه وخيب ظن الذين نافقوا، فتولوا اليهود من أهل الكتاب ليعتزوا بهم، فأذل اليهود وطردهم من مهبط الوحي وأخزى المنافقين الذين جعلوهم محط اعتمادهم وموضع ولايتهم وودادهم، فقال: {هو} أي وحده من غير إيجاف خيل ولا ركاب {الذي أخرج} على وجه القهر {الذين كفروا} أي ستروا ما في كتبهم من الشواهد التي تشهد لمحمد صلى الله عليه وسلم بأنه النبي الخاتم وما في فطرهم الأولى من أن اتباع الحق أحق، وقبح عليهم كفرهم بقوله موضع {من بني النضير} أو {اليهود} مثلاً: {من أهل الكتاب} أي الذي أنزله الله على رسوله موسى صلى الله على نبينا وعليه وسلم، وفي التعبير بـ {كفروا} إشعار بأنهم الذين أزالوا بالتبديل أو الإخفاء ما قدروا عليه مما بقي من التوراة دالاًّ على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم. ولما كان الوطن عديل الروح لأنه للبدن كالبدن للروح، فكان الخروج منه في غاية العسر، دل على مزيد قهرهم به بأن قال: {من ديارهم} ولما كان كان منهم من جلا من المدينة الشريفة إلى خيبر، وهم آل أبي الحقيق وآل حيي بن أخطب ولحق سائرهم بأريحا من أرض الشام أرض المحشر، ولحق بعضهم بالحيرة، لوح إلى فتح خيبر وحشرهم منها حشراً ثانياً بقوله معللاً أو موقتاً: {لأول} أي لأجل أول أو عند أول {الحشر} وفي ذلك إشارة إلى أن كل بلد حشروا إليه سيفتح، ويزلزلون منه زلزلة أخرى، لا تزال مصائبهم بأهل الإسلام قائمة حتى يكون الحشر الأعظم بالقيامة، والحشر: الجمع من مكان والسوق إلى غيره بكره، وسمي أولاً لأنهم أول من أجلي من اليهود من جزيرة العرب، والحشر الثاني لهم من خيبر على زمن عمر رضي الله عنه، وعند ابن إسحاق أن إجلاءهم في مرجع النبي صلى الله عليه وسلم من أحد وفتح قريظة في مرجعه من الأحزاب وبينهما سنتان، قال لهم النبي صلى الله عليه وسلم:حديث : اخرجوا قالوا: إلى أين، قال: إلى أرض المحشرتفسير : ، وقال ابن عباس رضي الله عنهما: من شك أن المحشر بأرض الشام فليقرأ هذه الآية. انتهى، وهذا الحشر يدل على المحشر الأعظم وبينه على قوله صلى الله عليه وسلم:حديث : بعثت أنا والساعة كهاتين . تفسير : ولما كان قد أخبر أن حشرهم لم يكن بسبب غير محض قدرته، استأنف شرح ذلك بقوله: {ما ظننتم} أي أيها المؤمنون {أن يخرجوا} أي يوقعوا الخروج من شيء أورثتموه منهم لما كان لكم من الضعف ولهم من القوة لكثرتهم وشدة بأسهم وشكيمتهم وقرب بني قريظة منهم فكانوا بصدد مظاهرتهم، وأهل خيبر أيضاً غير بعيدين عنهم وكلهم أهل ملتهم، والمنافقون من أنصارهم وأسرتهم، فخابت ظنونهم في جميع ذلك وفالت أراؤهم وسلط عليهم المؤمنون على قلتهم وضعفهم، وإذا أراد الله نصر عبد استأسد أرنبه وإذا أراد قهر عدو استنوق أسده. ولما كانت الحصون تمنع إلى إتيان الأمداد قال: {وظنوا أنهم} ودل على قوة ظنهم وثباته بالجملة الاسمية فقال: {مانعتهم حصونهم} أي ثابت لها المنع ولهم الامتناع، قالوا: وفي تقديم الخبر على المبتدأ دليل على فرط وثوقهم بحصانتها ومنعها إياهم، وفي جعل ضميرهم اسم (إن) وإسناد الجملة إليه دليل على اعتقادهم في أنفسهم أنهم في عز ومنعة لا مطمع معها في معازّتهم، ودل على ضعف عقولهم بأن عبر عن جنده باسمه وباسمه الأعظم فقال: {من الله} أي الملك الأعظم الذي لا عز إلا له وأنتم جنده، لا تقاتلون إلا فيه وبه، بأسكم من بأسه، فقد اجتمع الظنان على شيء واحد. ولما كان إسناد ما للمضاف إلى المضاف إليه شائعاً في لسان العرب وكثيراً جداً لأنه لا يلتبس على من له إلمام بكلامهم، وبليغاً جداً لما له من العظمة، قال: {فآتاهم الله} أي جاءهم الملك الأعظم الذي يحتملون مجيئه بما صور لهم من حقارة أنفسهم التي اضطرتهم إلى الجلاء {من حيث لم يحتسبوا} أي من الجهة التي لم يحملوا أنفسهم على حسبها وهي خذلان المنافقين لهم رعباً كرعبهم واستضعافاً كاستضعاف أنفسهم عن مقاومة جند الله بعد أن كان الشيطان زين لهم غير ذلك، وملأ قلوبهم من الأطماع الفارغة حتى قطعوا بما مناهم وقربه لهم وأغواهم. ولما كان التقدير: فأوهنهم الله بذلك، عطف عليه قوله: {وقذف} أي أنزل إنزالاً كأنه قذفه بحجارة، فثبت وارتكز {في قلوبهم الرعب} أي الخوف الذي سكنها فرضّها وملأها وعبر منها إلى جميع قواهم فاجتثها من أصلها، ثم بين حالهم عند ذلك أو فسر قذف الرعب بقوله: {يخربون بيوتهم} أي يبالغون - على قراءة أبي عمرو بالتشديد - في إخرابها، أي إفسادها، فإن الخربة الفساد، وقراءة غيره يفهم الفعل المطلق الذي لا ينافي المقيد {بأيديهم} ضعفاً منهم - بما أشار إليه جمع القلة، ويأساً من قوتهم ليأخذوا ما استحسنوا من آلاتها، فكان الرجل منهم لما تحملوا للرحيل يهدم بيته عن نجاف بابه وما استحسن من خشبه فيضعه على ظهر بعيره فيأخذه وينقب الجدار ويهدم السقف حسداً للمسلمين أن يسكنوها بعدهم لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمرهم أن يخلوا له عن البلد ولهم ما حملت إبلهم. ولما كان السبب في تخريب الصحابة رضي الله عنهم لبيوتهم ما أحرقوهم به من المكر والغدر كانوا كأنهم أمروهم بذلك، فنابوا عنهم فيه، فقال أيضاً بجمع القلة للدلالة على أن الفعل له سبحانه وحده: {وأيدي المؤمنين} أي الراسخين في الإيمان استيلاء وغلبة عليهم وقد كان المؤمنون يخربون ما ضيق عليهم المجال منها لأجل القتال، وقدم تخريبهم لأنه أعجب. ولما كان في غاية الغرابة أن يفعل الإنسان في نفسه كما يفعل فيه عدوه، سبب عن ذلك قوله: {فاعتبروا} أي احملوا أنفسكم بالإمعان في التأمل في عظيم قدرة الله تعالى على أن تعبروا من ظواهر العلم في هذه القضية بما دبر الله في إخراجهم إلى بواطن الحكمة بأن لا تعدوا لكم ناصراً نم الخلق ولا تعتمدوا على غير الله، فإن الاعتبار - كما قال القشيري - أحد قوانين الشرع، ومن لم يعتبر بغيره اعتبر به غيره - انتهى. وقد احتج بالآية مثبتو القياس فإنه مجاوزة من الأصل إلى الفرع، والمجاوزة اعتبار، وهو مأمور به في هذه الآية فهو واجب. ولما كان الاعتبار عظيم النفع، لا يحصل إلا للكمل، زاده تعظيماً بقوله تعالى: {يا أولي الأبصار *} بالنظر بأبصاركم وبصائركم في غريب هذا الصنع لتحققوا به ما وعدكم على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم من إظهار دينه وإعزاز نبيه ولا تعتمدوا على غير الله كما اعتمد هؤلاء على المنافقين، فإن من اعتمد على مخلوق أسلمه ذلك إلى صغاره ومذلته، ولا تلموا بغدر كما أرادوا أن يغدروا برسول الله صلى الله عليه وسلم فيطرحوا عليه وهو قاعد بفناء دار من دورهم رحى من السطح ليقتلوه بها - زعموا، ولا تفعلوا شيئاً من قبيح أفعالهم لئلا يحصل لكم مثل نكالهم كما أحكمه قوله صلى الله عليه وسلم"حديث : لتتبعن سنن من كان قبلكم"تفسير : الحديث، وذلك الغدر منهم بعد أن حرضوا قريشاً على غزوة أحد ودلوهم على بعض العورات، وقال البغوي: إن كعب بن الأشرف أتى قريشاً بعد أحد في أربعين راكباً فحالفهم على النبي صلى الله عليه وسلم فنزل جبريل عليه السلام عليه يخبره بذلك، وقال: إنه لما قصدهم عليه السلام أرسلوا إليه أن يخرج في ثلاثين ويخرج منهم ثلاثون ليسمعوا منه، فإن آمنوا به آمن الكل، فأجابهم فأرسلوا أن الجمع كثير فاخرج في ثلاثة ليخرج ثلاثة منا، فأرسلت امرأة منهم إلى أخيها وكان مسلماً أنهم اشتملوا على الخناجر يريدون الفتك برسول الله صلى الله عليه وسلم فكف صلى الله عليه وسلم عن ذلك، وكل ما ذكر من أسباب قصتهم كما ترى دائر على المكر بل هو عين المكر.

السيوطي

تفسير : أخرج الحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن عائشة قالت‏:‏ كانت غزوة بني النضير وهم طائفة من اليهود على رأس ستة أشهر من وقعة بدر، وكان منزلهم ونخلهم في ناحية المدينة، فحاصرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى نزلوا على الجلاء، وعلى أن لهم ما أقلت الإِبل من الأمتعة والأموال إلا الحلقة يعني السلاح فأنزل الله فيهم ‏{‏سبح لله ما في السماوات وما في الأرض‏}‏ إلى قوله‏:‏ ‏{‏لأول الحشر ما ظننتم أن يخرجوا‏} ‏ فقاتلهم النبي صلى الله عليه وسلم حتى صالحهم على الجلاء وأجلاهم إلى الشام، وكانوا من سبط لم يصبهم جلاء فيما خلا، وكان الله قد كتب ذلك عليهم، ولولا ذلك لعذبهم الله في الدنيا بالقتل والسبي، وأما قوله‏:‏ ‏{‏لأول الحشر‏}‏ فكان جلاؤهم ذلك أول حشر في الدنيا إلى الشام‏. وأخرجه عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن أبي حاتم والبيهقي عن عروة مرسلاً قال البيهقي‏:‏ وهو المحفوظ‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن الحسن قال‏:‏حديث : ‏ لما أجلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بني النضير قال‏:‏ ‏"هذا أوّل الحشر وأنا على الأثر‏" ‏‏.‏ تفسير : وأخرج البزار وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في البعث حديث : عن ابن عباس قال‏:‏ من شك أن المحشر بالشام فليقرا هذه الآية ‏ {‏هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم لأول الحشر‏} ‏ قال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ‏: اخرجوا، قالوا‏:‏ إلى أين‏؟‏ قال‏: إلى أرض المحشر‏‏ . تفسير : وأخرج أحمد في الزهد عن قيس قال‏:‏ قال جرير لقومه فيما يعظهم‏:‏ والله إني لوددت أني لم أكن بنيت فيها لبنة ما أنتم إلا كالنعامة استترت، وإن أرضكم هذه خراب يسراها ثم يتبعها يمناها، وإن المحشر ههنا، وأشار إلى الشام‏.‏ وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله‏:‏ ‏ {‏لأول الحشر‏}‏ قال‏:‏ فتح الله على نبيه في أول حشر حشر عليهم في أول ما قاتلهم، وفي قوله‏:‏ ‏ {‏ما ظننتم‏}‏ النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه أن يخرجوا من حصونهم أبداً‏. وأخرج البيهقي في الدلائل عن عروة قال‏:‏ حديث : أمر الله رسوله بإجلاء بني النضير، وإخراجهم من ديارهم، وقد كان النفاق كثيراً بالمدينة فقالوا‏:‏ أين تخرجنا‏؟‏ قال‏:‏ أخرجكم إلى المحشر، فلما سمع المنافقون ما يراد بإخوانهم وأوليائهم من أهل الكتاب أرسلوا إليهم فقالوا‏:‏ إنا معكم محيانا ومماتنا، إن قوتلتم فلكم علينا النصر، وإن أخرجتم لا نتخلف عنكم، ومناهم الشيطان الظهور فنادوا النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ إنا والله لا نخرج، ولئن قاتلتنا لنقاتلنك، فمضى النبي صلى الله عليه وسلم فيهم لأمر الله وأمر أصحابه، فأخذوا السلاح ثم مضى إليهم، وتحصنت اليهود في دورهم وحصونهم، فلما انتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أزقتهم أمر بالأدنى من دورهم أن يهدم، وبالنخل أن يحرق ويقطع، وكفّ الله أيديهم وأيدي المنافقين فلم ينصروهم وألقى الله في قلوب الفريقين الرعب، ثم جعلت اليهود كلما خلص رسول الله صلى الله عليه وسلم من هدم ما يلي مدينتهم ألقى الله في قلوبهم الرعب فهدموا الدور التي هم فيها من أدبارها ولم يستطيعوا أن يخرجوا على النبي صلى الله عليه وسلم، فلما كادوا أن يبلغوا آخر دورهم وهم ينتظرون المنافقين وما كانوا منوهم، فلما يئسوا مما عندهم سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي كان عرض عليهم قبل ذلك، فقاضاهم على أن يجليهم ولهم أن يتحملوا بما استقلت به الإِبل، من الذي كان لهم إلا ما كان من حلقة السلاح، فذهبوا كل مذهب، وكانوا قد عيروا المسلمين حين هدموا الدور وقطعوا النخل، فقالوا‏:‏ ما ذنب شجرة وأنتم تزعمون أنكم مصلحون، فأنزل الله {‏سبح لله ما في السماوات وما في الأرض‏} ‏ إلى قوله‏:‏ ‏ {‏وليخزي الفاسقين‏} ‏ ثم جعلها نفلاً لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يجعل منها سهماً لأحد غيره، فقال‏:‏ ‏ {‏وما أفاء الله على رسوله منهم‏}‏ إلى قوله‏:‏ ‏ {‏قدير‏} ‏ فقسمها رسول الله صلى الله عليه وسلم فيمن أراه الله من المهاجرين الأوّلين‏ . تفسير : وأخرج ابن جرير وابن مردويه والبيهقي في الدلائل من طريق العوفي عن ابن عباس قال‏:‏ كان النبي صلى الله عليه وسلم قد حاصرهم حتى بلغ منهم كل مبلغ فأعطوه ما أراد منهم فصالحهم على أن يحقن لهم دماءهم، وأن يخرجهم من أرضهم وأوطانهم، وأن يسيرهم إلى أذرعات الشام، وجعل لكل ثلاثة منهم بعيراً وسقاء‏. وأخرج البغوي في معجمه عن محمد بن مسلمة أن النبي صلى الله عليه وسلم بعثه إلى بني النضير، وأمره أن يؤجلهم في الجلاء ثلاثا‏ً.‏ وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد والبخاري ومسلم والترمذي وابن المنذر وابن جرير والبيهقي في الدلائل عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حرق نخل بني النضير، والجلاء، إخراجهم من أرضهم إلى أرض أخرى‏. وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد والبخاري ومسلم والترمذي وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حرق نخل بني النضير وقطع وهي البويرة ولها يقول حسان بن ثابت‏: شعر : فهان على سراة بني لؤيّ حريق بالبويرة مستطير تفسير : فأنزل الله ‏ {‏ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على أصولها فبإذن الله وليخزي الفاسقين‏}‏ ‏.‏ وأخرج الترمذي وحسنه والنسائي وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس في قول الله‏:‏ ‏{‏ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على أصولها‏} ‏ قال‏:‏ اللينة النخلة ‏{‏وليخزي الفاسقين‏} ‏ قال‏:‏ استنزلوهم من حصونهم وأمروا بقطع النخل، فحاك في صدورهم فقال المسلمون‏:‏ قد قطعنا بعضاً وتركنا بعضاً فلنسألن رسول الله صلى الله عليه وسلم هل لنا فيما قطعنا من أجر وهل علينا فيما تركنا من وزر، فأنزل الله ‏{‏ما قطعتم من لينة‏}‏ الآية‏. وأخرج أبو يعلى وابن مردويه عن جابر قال‏:‏ رخص لهم في قطع النخل، ثم شدد عليهم فقالوا‏:‏ يا رسول الله علينا إثم فيما قطعنا أو فيما تركنا من وزر، فأنزل الله ‏ {‏ما قطعتم من لينة‏}‏ الآية‏. وأخرج ابن إسحق عن يزيد بن رومان قال‏:‏ لما نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم ببني النضير تحصنوا منه في الحصون فأمر بقطع النخل والتحريق فيها فنادوه يا محمد قد كنت تنهى عن الفساد وتعيبه فما بال قطع النخل وتحريقها‏؟‏ فنزلت ‏ {‏ما قطعتم من لينة‏.... }‏ ‏.‏ وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر والبيهقي في الدلائل عن مجاهد قال‏:‏ نهى بعض المهاجرين بعضاً عن قطع النخل، وقالوا‏:‏ إنما هي من مغانم المسلمين، وقال الذين قطعوا‏:‏ بل هي غيظ للعدوّ فنزل القرآن بتصديق من نهى عن قطعه وتحليل من قطعه من الإِثم، فقال‏:‏ إنما قطعه وتركه بإذن الله‏. وأخرج ابن إسحق وابن مردويه عن ابن عباس أن سورة الحشر نزلت في النضير، وذكر الله فيها الذي أصابهم من النعمة وتسليط رسول الله صلى الله عليه وسلم عليهم حتى عمل بهم الذي عمل بإذنه، وذكر المنافقين الذين كانوا يراسلونهم ويعدونهم النصر فقال‏:‏ ‏ {‏هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم لأوّل الحشر‏} ‏ إلى قوله‏:‏ ‏ {‏وأيدي المؤمنين‏} ‏ من هدمهم بيوتهم من تحت الأبواب ثم ذكر قطع رسول الله صلى الله عليه وسلم النخل وقول اليهود له يا محمد قد كنت تنهىعن الفساد فما بال قطع النخل‏؟‏ فقال‏:‏ ‏{‏ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على أصولها فبإذن الله وليخزي الفاسقين‏} ‏ يخبرهم أنها نعمة منه، ثم ذكر مغانم بني النضير فقال‏:‏ ‏ {‏وما أفاء الله على رسوله منهم‏}‏ إلى قوله‏:‏ ‏ {‏قدير‏} ‏ أعلمهم أنها لرسول الله صلى الله عليه وسلم يضعها حيث يشاء، ثم ذكر مغانم المسلمين مما يوجف عليه الخيل والركاب ويفتح بالحرب فقال‏:‏ ‏ {‏ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله واللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل‏} ‏ فذا مما يوجف عليه الخيل والركاب، ثم ذكر المنافقين عبد الله بن أبيّ بن سلول ومالكاً وداعساً ومن كان على مثل رأيهم فقال‏:‏ ‏ {‏ألم تر إلى الذين نافقوا يقولون لإِخوانهم الذين كفروا من أهل الكتاب لئن أُخْرِجْتُمْ لنخرجن معكم‏} ‏ إلى ‏ {‏كمثل الذين من قبلهم قريبا‏ً}‏ يعني بني قينقاع الذين أجلاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم‏. وأخرج عبد بن حميد عن قتادة في قوله‏:‏ ‏ {‏هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم لأول الحشر‏} ‏ قبل الشام وهم بنو النضير حي من اليهود أجلاهم نبي الله صلى الله عليه وسلم من المدينة إلى خيبر مرجعه من أحد‏. وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد في قوله‏:‏ ‏ {‏هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم‏}‏ قال‏:‏ النضير إلى قوله‏:‏ ‏ {‏وليخزي الفاسقين‏}‏ قال‏:‏ ذلك ما بين ذلك كله. وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة قال‏:‏ من شك أن المحشر إلى بيت القدس فليقرأ هذه الآية ‏ {‏هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم لأول الحشر‏}‏ فقد حشر الناس مرة وذلك حين ظهر النبي صلى الله عليه وسلم على المدينة أجلى اليهود. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وأبو داود وابن المنذر والبيهقي في الدلائل عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أن كفار قريش كتبوا إلى عبد الله بن أبيّ بن سلول ومن كان يعبد الأوثان معه من الأوس والخزرج، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ بالمدينة قبل وقعة بدر يقولون‏:‏ إنكم قد آويتم صاحبنا وإنكم أكثر أهل المدينة عدداً، وإنا نقسم بالله لنقاتلنه أو لنخرجنه ولنستعدين عليكم العرب، ثم لنسيرن إليكم بأجمعنا حتى نقتل مقاتلتكم ونستبيح نساءكم وأبناءكم‏.، فلما بلغ ذلك عبد الله بن أبيّ ومن معه من عبدة الأوثان تراسلوا واجتمعوا وأجمعوا لقتال النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه‏.‏ فلما بلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم لقيهم في جماعة من أصحابه، فقال‏:‏ لقد بلغ وعيد قريش منكم المبالغ، ما كانت لتكيدكم بأكثر مما تريدون أن تكيدوا به أنفسكم، فأنتم هؤلاء تريدون أن تقاتلوا أبناءكم وإخوانكم‏.‏ فلما سمعوا ذلك من النبي صلى الله عليه وسلم تفرقوا فبلغ ذلك كفار قريش، وكانت وقعة بدر بعد ذلك فكتبت كفار قريش بعد وقعة بدر إلى اليهود‏:‏ إنكم أهل الحلقة والحصون، وإنكم لتقاتلن صاحبنا أو لنفعلن كذا وكذا ولا يحول بيننا وبين خدم نسائكم شيء، وهي الخلاخيل‏.‏ فلما بلغ كتابهم اليهود اجتمعت بنو النضير بالغد وأرسلوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم أن اخرج إلينا في ثلاثين من أصحابك وليخرج إليك منا ثلاثون حبراً حتى نلتقي بمكان نصف بيننا وبينك، ويسمعوا منك، فإن صدقوك وآمنوا بك آمنا كلنا‏.‏ فخرج النبي صلى الله عليه وسلم في ثلاثين من أصحابه وخرج إليه ثلاثون حبراً من اليهود حتى إذا برزوا في براز من الأرض قال بعض اليهود لبعض‏:‏ كيف تخلصون إليه ومعه ثلاثون رجلاً من أصحابه كلهم يحب أن يموت قبله‏؟‏ فأرسلوا‏:‏ كيف نفهم ونحن ستون رجلاً‏؟‏ أخرج في ثلاثة من أصحابك ونخرج إليك في ثلاثة من علمائنا فيسمعوا منك، فإن آمنوا بك آمنا كلنا وصدقناك‏ فخرج النبي صلى الله عليه وسلم في ثلاثة من أصحابه وخرج ثلاثة من اليهود واشتملوا على الخناجر وأرادوا الفتك برسول الله صلى الله عليه وسلم‏،‏ فأرسلت امرأة ناصحة من ‏‏بني‏ النضير إلى أخيها وهو رجل مسلم من الأنصار، فأخبرته خبر ما أراد بنو النضير من الغدر برسول الله صلى الله عليه وسلم، فأقبل أخوها سريعاً حتى أدرك النبي صلى الله عليه وسلم فسارّه بخبرهم قبل أن يصل إليهم، فرجع النبي صلى الله عليه وسلم‏،‏ فلما كان الغد غدا عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالكتائب فحصرهم فقال لهم‏:‏ إنكم والله لا تأمنون عندي إلا بعهد تعاهدونني عليه، فأبوا أن يعطوه عهداً، فقاتلهم يومه ذلك هو والمسلمون، ثم غدا الغد على بني قريظة بالكتائب وترك بني النضير ودعاهم إلى أن يعاهدوه فعاهدوه فانصرف عنهم إلى بني النضير بالكتائب فقاتلهم حتى نزلوا على الجلاء، وعلى أن لهم ما أقلت الإِبل إلا الحلقة، والحلقة السلاح، فجلت بنو النضير، واحتملوا ما أقلت الإِبل من أمتعتهم وأبواب بيوتهم وخشبها، وكانوا يخربون بيوتهم فيهدمونها فيحتملون ما وافقهم من خشبها، وكان جلاؤهم ذلك أول حشر الناس إلى الشام، وكان بنو النضير من سبط من أسباط بني إسرائيل لم يصبهم جلاء منذ كتب الله الجلاء على بني إسرائيل، فلذلك أجلاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فلولا ما كتب الله عليهم من الجلاء لعذبهم في الدنيا كما عذبت بنو قريظة، فأنزل الله ‏ {‏سبح لله ما في السماوات وما في الأرض‏} ‏ حتى بلغ ‏ {‏والله على كل شيء قدير‏} ‏ فكان نخيل بني النضير لرسول الله صلى الله عليه وسلم خاصة، فأعطاه الله إياها وخصّه بها، فقال‏:‏ ‏{و‏ما أفاء الله على رسوله منهم فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب‏}‏ يقول‏:‏ بغير قتال فأعطى النبي صلى الله عليه وسلم أكثرها المهاجرين، وقسمها بينهم، وقسم منها لرجلين من الأنصار كانا ذوي حاجة لم يقسم لأحد من الأنصار غيرهما، وبقي منها صدقة رسول الله صلى الله عليه وسلم التي في أيدي بني فاطمة‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن أبي مالك أن قريظة والنضير قبيلتين من اليهود كانوا حلفاء لقبيلتين من الأنصار، الأوس والخزرج في الجاهلية، حديث : فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة وأسلمت الأنصار وأبت اليهود أن يسلموا سار المسلمون إلى بني النضير وهم في حصونهم، فجعل المسلمون يهدمون ما يليهم من حصونهم ويهدم الآخرون ما يليهم سقط أن يقع عليهم حتى أفضوا إليهم فنزلت ‏ {‏هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم‏} ‏ إلى قوله‏:‏ ‏ {‏شديد العقاب‏} فلما أفضوا إليهم نزلوا على عهد بينهم وبين نبي الله صلى الله عليه وسلم على أن يجلوهم وأهليهم ويأخذوا أموالهم وأرضهم، فأجلوا ونزلوا خيبر، وكان المسلمون يقطعون النخل، فحدثني رجال من أهل المدينة أنها نخل أصفر كهيئة الدقل تدعى اللينة‏.، فاستنكر ذلك المشركون، فأنزل الله عذر المسلمين ‏ {‏ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على أصولها فبإذن الله وليخزي الفاسقين‏}‏ ‏ فأما قول الله ‏{‏فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب‏} ‏ قال‏:‏ لم يسيروا إليهم على خيل ولا ركاب إنما كانوا في ناحية المدينة، وبقيت قريظة بعدهم عاماً أو عامين على عهد بينهم وبين نبي الله صلى الله عليه وسلم، فلما جاء المشركون يوم الأحزاب أرسل المشركون إليهم أن اخرجوا معنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأرسلت إليهم اليهود أن ارسلوا إلينا بخمسين من رهنكم، فجاء نعيم بن مسعود الأشجعي إلى المسلمين فحدثهم، وكان نعيم يأمن في المسلمين والمشركين، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم أنهم قد أرسلوا إلى المشكرين يسألونهم خمسين من رهنهم ليخرجوا معهم فأبوا أن يبعثوا إليهم بالرهن فصاروا حرباً للمسلمين والمشركين فبعث إليهم النبي صلى الله عليه وسلم سعد بن معاذ وخوات بن جبير‏،‏ فلما أتياهم قال عظيمهم كعب بن الأشرف‏:‏ إنه قد كان لي جناحان فقطعتم أحدهما فإما أن تردوا عليّ جناحي، وإما أن أتخذ عليكم جناحاً، فقال خوات بن جبير‏:‏ إني لأهم أن أطعنه بحربتي‏.‏ فقال له سعد‏:‏ إذن يسبق القوم ويأخذون، فمنعه فرجعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فحدثاه بالذي كان من أمرهما وأذن الله فيهم، ورجع الأحزاب ووضع النبي صلى الله عليه وسلم سلاحه فأتاه جبريل، فقال‏:‏ والذي أنزل عليك الكتاب ما نزلت عن ظهرها منذ نزل بك المشركون حتى هزمهم الله، فسر فإن الله قد أذن لك في قريظة‏ فأتاهم النبي صلى الله عليه وسلم هو وأصحابه فقال لهم‏: يا إخوة القردة والخنازير‏،‏ فقالوا‏:‏ يا أبا القاسم ما كنت فحاشا‏ً‏ فنزلوا على حكم سعد بن معاذ وكان من القبيلة الذين هم حلفاؤهم فحكم فيهم أن تقتل مقاتلتهم وتقسم غنائمهم وأموالهم‏‏ ويذكرون أن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ حكم بحكم الله فضرب أعناقهم وقسم غنائمهم وأموالهم ". تفسير : ‏وأخرج عبد بن حميد عن يحيى بن سعيد قال‏:‏ أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم بني النضير في حاجة فهموا به فأطلعه الله على ذلك فندب الناس إليهم فصالحهم على أن لهم الصفراء والبيضاء وما أقلت الإِبل، ولرسول الله صلى الله عليه وسلم النخل والأرض والحلقة قسمها رسول الله صلى الله عليه وسلم بين المهاجرين، ولم يعط أحداً من الأنصار منها شيئاً إلا سهل بن حنيف وأبا دجانة‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم غدا يوماً إلى النضير ليسألهم كيف الدية فيهم، فلما لم يروا مع رسول الله كثير أحد أبرموا بينهم على أن يقتلوه ويأخذوا أصحابه أسارى ليذهبوا بهم إلى مكة ويبيعوهم من قريش‏. فبينما هم على ذلك إذ جاء من اليهود من المدينة فلما رأى أصحابه يأتمرون بأمر النبي صلى الله عليه وسلم قال لهم‏:‏ ما تريدون‏؟‏ قالوا‏:‏ نريد أن نقتل محمداً ونأخذ أصحابه‏،‏ فقال لهم‏:‏ وأين محمد‏؟‏ قالوا‏:‏ هذا محمد قريب‏.‏ فقال لهم صاحبهم‏:‏ والله لقد تركت محمداً داخل المدينة‏‏ فأسقط بأيديهم وقالوا‏:‏ قد أخبر أنه انقطع ما بيننا وبينه من العهد‏،‏ فانطلق منهم ستون حبراً ومنهم حيي بن أخطب والعاصي بن وائل حتى دخلوا على كعب، وقالوا‏:‏ يا كعب أنت سيد قومك ومدحهم احكم بيننا وبين محمد‏،‏ فقال لهم كعب‏:‏ أخبروني ما عندكم قالوا‏:‏ نعتق الرقاب ونذبح الكوماء، وإن محمداً انبتر من الأهل والمال‏‏ فشرفهم كعب على رسول الله صلى الله عليه وسلم فانقلبوا فأنزل الله {‏ألم تر إلى الذين أوتوا نصيباً من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت} ‏[النساء: 51‏]‏ إلى {فلن تجد له نصيراً} [المائدة: 11] ونزل عليه لما أرادوا أن يقتلوه ‏ {‏يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ هم قوم أن يبسطوا إليكم أيديهم‏} ‏ الآية‏‏ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ "‏من يكفيني كعبا‏ً؟‏‏" فقال ناس من أصحابه فيهم محمد بن مسلمة‏:‏ نحن نكفيك يا رسول الله ونستحل منك شيئا‏ً‏ فجاؤوه فقالوا‏:‏ يا كعب إن محمداً كلفنا الصدقة فبعنا شيئا‏ً.‏ قال عكرمة‏:‏ فهذا الذين استحلوه من رسول الله صلى الله عليه وسلم‏،‏ فقال لهم كعب‏:‏ أرهنوني أولادكم‏‏ فقالوا‏:‏ إن ذاك عار فينا غداً تبيح أن يقولوا عبد وسق ووسقين وثلاثة‏، قال كعب‏:‏ فاللامة‏.‏ قال عكرمة‏:‏ وهي السلاح‏،‏ فأصلحوا أمرهم على ذلك فقالوا‏:‏ موعد ما بيننا وبينك القابلة‏،‏ حتى إذا كانت القابلة راحوا إليه ورسول الله صلى الله عليه وسلم في المصلى يدعو لهم بالظفر، فلما جاؤوا نادوه ‏‏يا كعب‏‏‏،‏ وكان عروساً فأجابهم، فقالت امرأته‏:‏ وهي بنت عمير‏ ‏أين تنزل‏ قد أشم الساعة ريح الدم‏،‏ فهبط وعليه ملحفة مورسة، وله ناصية، فلما نزل إليهم قال القوم‏:‏ ما أطيب ريحك‏‏ ففرح بذلك فقام إليه محمد بن مسلمة فقال قائل المسلمين‏:‏ أشمونا من ريحه، فوضع يده على ثوب كعب وقال‏:‏ شموا فشموا، وهو يظن أنهم يعجبون بريحه، ففرح بذلك‏،‏ فقال محمد بن مسلمة‏:‏ بقيت أنا أيضا‏ً،‏ فمضى إليه فأخذ بناصيته ثم قال‏:‏ اجلدوا عنقه،‏ فجلدوا عنقه‏،‏ ثم إن رسول الله غدا إلى النضير، فقالوا‏:‏ ذرنا نبك سيدنا‏،‏ قال‏:‏ لا،‏ قالوا فحزة على حزة‏.‏ قال‏:‏ نعم حزة على حزة‏.‏ فلما رأوا ذلك جعلوا يأخذون من بطون بيوتهم الشيء لينجوا به والمؤمنون يخربون بيوتهم من خارج ليدخلوا عليهم‏،‏ فلولا أن كتب الله عليهم الجلاء‏،‏ قال عكرمة‏:‏ والجلاء يجلون منهم ليقتلهم بأيديهم‏.‏ وقال عكرمة‏:‏ إن ناساً من المسلمين لما دخلوا على بني النضير أخذوا يقطعون النخل، فقال بعضهم لبعض‏:‏ وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها، وقال قائل من المسلمين‏:‏ لا يقطعون وادياً ولا ينالون من عدوّ نيلاً إلا كتب لهم به عمل صالح فأنزل الله ‏ {‏ما قطعتم من لينة‏}‏ وهي النخلة ‏{‏أو تركتموها قائمة على أصولها فبإذن الله‏} ‏ قال‏:‏ ما قطعتم فبإذني وما تركتم فبإذني‏ . تفسير : وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن قتادة في قوله‏:‏ ‏ {‏يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين‏}‏ قال‏:‏ كان المسلمون يخربون ما يليهم من ظاهرها ليدخلوا عليهم، ويخربها اليهود من داخلها‏. وأخرج البيهقي في الدلائل عن مقاتل بن حيان في قول الله عز وجل‏:‏ ‏{‏يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين‏} ‏ قال‏:‏ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقاتلهم، فإذا ظهر على درب أو دار هدم حيطانها ليتسع المكان للقتال، وكانت اليهود إذا غلبوا على درب أو دار نقبوها من أدبارها ثم حصنوها ودربوها فيقول الله عز وجل‏:‏ ‏ {‏فاعتبروا يا أولي الأبصار‏} ‏ وقوله‏:‏ ‏ {‏ما قطعتم من لينة‏} ‏ إلى قوله‏:‏ ‏{‏وليخزي الفاسقين‏}‏ يعني باللينة النخل، وهي أعجب إلى اليهود من الوصف، يقال لثمرها اللون، فقالت اليهود عند قطع النبي صلى الله عليه وسلم نخلهم وعقر شجرهم‏:‏ يا محمد زعمت أنك تريد الإِصلاح، أفمن الإِصلاح عقر الشجر وقطع النخل والفساد‏؟‏ فشق ذلك على النبي صلى الله عليه وسلم ووجد المسلمون من قولهم في أنفسهم من قطعهم النخل خشية أن يكون فساداً، فقال بعضهم لبعض‏:‏ لا تقطعوا فإنه مما أفاء الله علينا، فقال الذين يقطعونها‏:‏ نغيظهم بقطعها، فأنزل الله ‏ {‏ما قطعتم من لينة‏} ‏ يعني النخل فبإذن الله وما تركتم قائمة على أصولها فبإذن الله فطابت نفس النبي صلى الله عليه وسلم وأنفس المؤمنين‏ ‏ {‏وليخزي الفاسقين‏} ‏ يعني يهود أهل النضير‏.‏ وكان قطع النخل وعقر الشجر خزياً لهم‏. وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر عن الزهري في قوله‏:‏ {‏يخربون بيوتهم بأيديهم‏}‏ قال‏:‏ ما صالحوا النبي صلى الله عليه وسلم كانوا لا يعجبهم خشبة إلا أخذوها فكان ذلك تخريبها‏. وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله‏:‏ ‏ {‏يخربون بيوتهم‏} ‏ من داخل الدار لا يقدرون على قليل ولا كثير ينفعهم إلا خربوه وأفسدوه لئلا يدعوا شيئاً ينفعهم إذا رحلوا، وفي قوله‏:‏ ‏ {‏وأيدي المؤمنين‏}‏ ويخرب المؤمنون ديارهم من خارجها كيما يخلصوا إليهم، وفي قوله‏:‏ ‏ {‏ولولا أن كتب الله عليهم الجلاء لعذبهم في الدنيا‏} ‏ قال‏:‏ لسلط عليهم فضربت أعناقهم وسبيت ذراريهم، ولكن سبق في كتابه الجلاء لهم ثم أجلوا إلى أذرعات وأريحا‏. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن عكرمة في قوله‏:‏ ‏ {‏يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين‏} ‏ قال‏:‏ كانت بيوتهم مزخرفة فحسدوا المسلمين أن يسكنوها، وكانوا يخربونها من داخل، والمسلمون من خارج‏. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة قال‏:‏ الجلاء خروج الناس من البلد إلى البلد‏.‏ وأخرج الفريابي وابن المنذر وابن أبي شيبة وعبد بن حميد عن ابن عباس ‏ {‏ما قطعتم من لينة‏} ‏ قال‏:‏ هي النخلة‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة عن سعيد بن جبير مثله‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن عطية وعكرمة ومجاهد وعمرو ابن ميمون مثله‏.‏ وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏ {‏من لينة‏} ‏ قال‏:‏ نوع من النخل‏.‏ وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر عن عكرمة قال‏:‏ اللينة ما دون العجوة من النخل‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن الزهري قال‏:‏ اللينة ألوان النخل كلها إلا العجوة‏.‏ وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس ‏ {‏ما قطعتم من لينة‏} ‏ قال‏:‏ نخلة أو شجرة وأخرج عبد بن حميد عن الأعمش أنه قرأ ‏"‏ما قطعتم من لينة أو تركتموها قواماً على أصولها‏"‏‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن ابن شهاب قال‏:‏ يلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أحرق بعض أموال بني النضير فقال قائل‏: شعر : فهان على سراة بني لؤيّ حريق بالبويرة مستطير تفسير : وأخرج عبد بن حميد عن قتادة قال‏:‏ قطع المسلمون يومئذ النخل، وأمسك أناس كراهية أن يكون فساداً فقالت اليهود‏:‏ الله أذن لكم في الفساد‏؟‏ فقال الله‏:‏ ‏ {‏ما قطعتم من لينة‏} ‏ قال‏:‏ واللينة ما خلا العجوة من النخل إلى قوله‏:‏ ‏{‏وليخزي الفاسقين‏} ‏ قال‏:‏ لتغيظوهم ‏ {‏وما أفاء الله على رسوله منهم فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب‏} ‏ قال‏:‏ ما قطعتم إليها وادياً ولا سيرتم إليها دابة ولا بعيراً إنما كانت حوائط لبني النضير أطعمها الله رسوله صلى الله عليه وسلم‏. وأخرج ابن مردويه عن جابر بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قسم بين قريش والمهاجرين، النضير فأنزل الله ‏ {‏ما قطعتم من لينة‏} ‏ قال‏:‏ هي العجوة والفنيق والنخيل، وكانا مع نوح في السفينة، وهما أصل التمر، ولم يعط رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأنصار أحداً إلا رجلين أبا دجانة وسهل بن حنيف‏.‏ وأخرج البيهقي في الأسماء والصفات عن الأوزاعي قال‏:‏ ‏"‏حديث : أتى النبي صلى الله عليه وسلم يهودي فسأله عن المشيئة قال‏:‏ المشيئة لله، قال‏:‏ فإني أشاء أن أقوم، قال‏: قد شاء الله أن تقوم، قال‏:‏ فإني أشاء أن أقعد، قال‏:‏ فقد شاء الله أن تقعد، قال‏:‏ فإني أشاء أن أقطع هذه النخلة، قال‏: فقد شاء الله أن تقطعها، قال‏:‏ فإني أشاء أن أتركها، قال‏: فقد شاء الله أن تتركها، قال‏:‏ فأتاه جبريل عليه السلام فقال‏:‏ قد لقنت حجتك كما لقنها إبراهيم عليه السلام، قال‏:‏ ونزل القرآن ‏ {‏ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على أصولها فبإذن الله وليخزي الفاسقين‏}‏‏ . تفسير : وأخرج عبد الرزاق والبيهقي وابن المنذر عن الزهري في قوله‏:‏ ‏ {‏فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب‏} ‏ قال‏:‏ صالح النبي صلى الله عليه وسلم أهل فدك وقرى سماها وهو محاصر قوماً آخرين، فأرسلوا بالصلح فأفاءها الله عليهم من غير قتال، ولم يوجفوا عليه خيلاً ولا ركاباً فقال الله‏:‏ ‏ {‏فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب‏}‏ يقول‏:‏ بغير قتال‏.‏ وقد كانت أموال بني النضير للنبي صلى الله عليه وسلم خالصاً لم يفتتحوها عنوة إنما فتحوها على صلح، فقسمها النبي صلى الله عليه وسلم بين المهاجرين ولم يعط الأنصار منها شيئاً إلا رجلين كانت بهما حاجة أبو دجانة وسهل بن حنيف‏. وأخرج أحمد والبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن المنذر عن عمر بن الخطاب قال‏:‏ كانت أموال بني النضير مما أفاء الله على رسوله مما لم يوجف عليه المسلمون بخيل ولا ركاب، فكانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم خاصة فكان ينفق على أهله منها نفقة سنتهم، ثم يجعل ما بقي في الكراع والسلاح عدة في سبيل الله‏. وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد ‏ {‏فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب‏} ‏ قال‏:‏ يذكرهم ربهم أنه نصرهم وكفاهم بغير كراع ولا عدة في قريظة وخيبر‏.‏ وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏ {‏وما أفاء الله على رسوله منهم فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب‏} ‏ قال‏:‏ أمر الله رسوله بالسير إلى قريظة والنضير، وليس للمؤمنين يومئذ كثير خيل ولا ركاب، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يحكم فيه ما أراد، ولم يكن يومئذ خيل ولا ركاب يوجف بها‏.‏ قال‏:‏ والايجاف أن يوضعوا السير وهي لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فكان من ذلك خيبر وفدك وقرى عربية، وأمر الله رسوله أن يعد لينبع، فأتاها رسول الله صلى الله عليه وسلم فاحتواها كلها، فقال أناس‏:‏ هلا قسمها فأنزل الله عذره فقال‏:‏ ‏ {‏ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول‏} ‏ إلى قوله‏:‏ ‏ {‏شديد العقاب‏}‏ ‏. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد في قوله‏:‏ ‏ {‏ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى‏} ‏ قال‏:‏ من قريظة جعله الله لمهاجرة قريش خصوا به‏. وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر عن الزهري في قوله‏:‏ ‏{‏ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى‏} ‏ قال‏:‏ بلغني أنها الجزية والخراج‏.‏ وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال‏:‏ كان ما أفاء الله على رسوله من خيبر نصف لله ورسوله، والنصف الآخر للمسلمين فكان الذي لله ورسوله من ذلك الكتيبة والوطيخ وسلالة ووجدة، وكان الذي للمسلمين الشق والشق ثلاثة عشر سهماً ونطاه خمسة أسهم، ولم يقسم رسول الله صلى الله عليه وسلم من خيبر لأحد من المسلمين إلا لمن شهد الحديبية، ولم يأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم لأحد تخلف عنه عند مخرجه الحديبية أن يشهد معه خيبر إلا جابر بن عبدالله بن عمرو بن حزام الأنصاري‏.‏ وأخرج أبو داود وابن مردويه عن عمر بن الخطاب قال‏:‏ كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم صفايا بني النضير وخيبر وفدك، فأما بنو النضير فكانت حبساً لنوائبه، وأما فدك فكانت لابن السبيل، وأما خيبر فجزأها ثلاثة أجزاء فقسم منها جزأين بين المسلمين، وحبس جزءاً لنفسه ولنفقة أهله، فما فضل عن نفقة أهله رده على فقراء المهاجرين‏.‏ وأخرج ابن الأنباري في المصاحف عن الأعمش قال‏:‏ ليس بين مصحف عبدالله وزيد بن ثابت خلاف في حلال وحرام إلا في حرفين في سورة الأنفال ‏{‏أية : واعلموا أنما غنمتم من شيء فأَنَّ لله خمسة وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل‏}‏ تفسير : ‏[الأنفال: 41‏] وفي سورة الحشر ‏{‏ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والمهاجرين في سبيل الله‏}‏ ‏. وأخرج عبد بن حميد عن قتادة ‏{‏ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل‏}‏ قال‏:‏ كان الفيء بين هؤلاء، فنسختها الآية التي‏:‏ في الأنفال فقال‏‏ ‏{أية : ‏واعلموا أنما غنمتم من شيء فأنَّ لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل}‏ تفسير : ‏[‏الأنفال: 41‏]‏ فنسخت هذه الآية ما كان قبلها في سورة الحشر فجعل الخمس لمن كان له الفيء وصار ما بقي من الغنيمة لسائر الناس لمن قاتل عليها‏. وأخرج أبو عبيد في كتاب الأموال وعبد بن حميد والبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وأبو عوانة وابن حبان وابن مردويه عن مالك بن أوس بن الحدثان قال‏:‏ بعث إليّ عمر بن الخطاب في الهاجرة، فجئته فدخلت عليه فإذا هو جالس على سرير ليس بينه وبين رمل السرير فراش، متكىء على وسادة من آدم، فقال‏:‏ يا مالك إنه قدم علينا أهل أبيات من قومك، وإني قد أمرت فيهم برضخ فخذه فأقسمه بينهم‏،‏ فقلت‏:‏ يا أمير المؤمنين إنهم قومي وأنا أكره أن أدخل بهذا عليهم فمر به غيري‏‏ فإني ‏لأراجعه‏ في ذلك إذ جاءه ‏يرفا غلامه فقال‏:‏ هذا عثمان بن عفان وطلحة بن عبيدالله والزبير وعبد الرحمن بن عوف، فأذن لهم فدخلوا، ثم جاءه يرفا فقال‏:‏ هذا علي وعباس قال‏:‏ ائذن لهما في الدخول فدخلا‏، فقال عباس‏:‏ ألا تعديني على هذا فقال القوم‏:‏ يا أمير المؤمنين اقض بين هذين وأرح كل واحد منهما من صاحبه، فإن في ذلك راحة لك ولهما‏.‏ فجلس عمر ثم قال‏:‏ اتئدوا‏.‏ وحسر عن ذراعيه ثم قال‏:‏ أنشدكم بالله أيها الرهط هل سمعتم رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏حديث : انا لا نورث ما تركنا صدقة إن الأنبياء لا تورث‏"‏تفسير : فقال القوم‏:‏ نعم قد سمعنا ذاك‏.‏ ثم أقبل على علي وعباس فقال‏:‏ أنشدكما بالله هل سمعتما رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ذاك‏؟‏ قالا‏:‏ نعم‏،‏ فقال عمر‏:‏ ألا أحدثكم عن هذا الأمر، إن الله خص نبيه من هذا الفيء بشيء لم يعطه غيره يريد أموال بني النضير كانت نقلاً لرسول الله صلى الله عليه وسلم ليس لأحد فيها حق معه، فوالله ما احتواها دونكم ولا استأثر بها عليكم، لقد قسمها فيكم حتى كان منها هذا المال، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدخر منه قوت أهله لسنتهم، ويجعل ما بقي في سبيل المال حتى توفى الله نبيه صلى الله عليه وسلم، فقام أبو بكر، فقال‏:‏ أنا وليّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أعمل بما كان يعمل وأسير بسيرته في حياته، فكان يدخر من هذا المال قنية أهل رسول الله صلى الله عليه وسلم لسنتهم، ويجعل ما بقي في سبل المال كما كان يصنع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فوليها أبو بكر حياته حتى توفي أبو بكر، قلت‏:‏ أنا ولي رسول الله صلى الله عليه وسلم وولي أبي بكر أعمل بما كانا يعملان به في هذا المال فقبضتها، فلما أقبلتما عليّ وأدبرتما وبدا لي أن أدفعها إليكما أخذت عليكما عهد الله وميثاقه لتعملان فيها بما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعمل به فيها وأبو بكر وأنا، حتى دفعتها إليكما‏‏ أنشدكم الله أيها الرهط هل دفعتها إليهما بذلك‏؟‏ قالوا‏:‏ اللهم نعم، ثم أقبل عليهما فقال‏:‏ أنشدكما بالله هل دفعتها إليكما بذلك‏؟‏ قالا‏:‏ نعم، قال‏:‏ فقضاء غير ذلك تلتمسان مني، فلا والله لا أقضي فيها قضاء غير ذلك حتى تقوم الساعة، فإن كنتما عجزتما عنها فأدياها إليّ ثم قال عمر‏:‏ إن الله قال‏:‏ ‏ {و‏ما أفاء الله على رسوله منهم فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب ولكن الله يسلط رسله على من يشاء والله على كل شيء قدير‏} ‏ فكانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قال‏:‏ ‏ {‏ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذي القربى} إلى آخر الآية ‏{‏واتقوا الله إن الله شديد العقاب‏} ‏ ثم قال‏:‏ والله ما أعطاها هؤلاء وحدهم حتى قال‏:‏ ‏{‏للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلاً من الله ورضواناً وينصرون الله ورسوله أولئك هم الصادقون‏}‏ ثم والله ما جعلها لهؤلاء وحدهم حتى قال‏:‏ ‏ {‏والذين تبوَّءو الدار والإِيمان‏}‏ إلى ‏ {‏المفلحون‏}‏ ثم والله ما أعطاها لهؤلاء وحدهم حتى قال‏:‏ ‏ {‏والذين جاؤوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا‏} ‏ إلى قوله‏:‏ ‏ {‏رحيم‏}‏ فقسمها هذا القسم على هؤلاء الذين ذكر‏.‏ قال عمر‏:‏ لئن بقيت ليأتين الرويعي بصنعاء حقه ودمه في وجهه‏. وأخرج عبد الرزاق وأبو عبيدة وابن زنجويه معاً في الأموال وعبد بن حميد وأبو داود وفي ناسخه وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه والبيهقي في سننه عن مالك بن أوس بن الحدثان قال‏:‏ قرأ عمر بن الخطاب ‏ {‏إنما الصدقات للفقراء والمساكين‏}‏ حتى بلغ ‏{‏عليم حكيم‏}‏ ثم قال‏:‏ هذه لهؤلاء ثم قرأ ‏ {‏ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى‏} ‏ حتى بلغ ‏ {‏للفقراء المهاجرين‏} ‏ إلى آخر الآية فقال‏:‏ هذه للمهاجرين، ثم تلا ‏ {‏والذين تبوّءو الدار والإِيمان من قبلهم‏} ‏ إلى آخر الآية فقال‏:‏ هذه للأنصار، ثم قرأ ‏ {‏والذين جاؤوا من بعدهم‏}‏ إلى آخر الآية ثم قال‏:‏ استوعبت هذه المسلمين عامة وليس أحد إلا له في هذا المال حق، ألا ما تملكون من وصيتكم ثم قال‏:‏ لئن عشت ليأتين الراعي وهو يسير حمره نصيه منها لم يعرق فيه جبينه‏. ‏وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن مردويه والبيهقي عن زيد بن أسلم عن أبيه قال‏:‏ سمعت عمر بن الخطاب يقول‏:‏ اجتمعوا لهذا المال فأنظروا لمن ترونه، ثم قال لهم‏:‏ إني أمرتكم أن تجتمعوا لهذا المال فتنظروا لمن ترونه، وإني قرأت آيات من كتاب الله فكفتني، سمعت الله يقول‏:‏ ‏ {‏ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول‏} ‏ إلى قوله‏:‏ ‏ {‏أولئك هم الصادقون‏} ‏ والله ما هو لهؤلاء وحدهم ‏ {‏والذين تبوّءُو الدار والإِيمان‏} ‏ إلى قوله‏:‏ ‏ {‏المفلحون‏} ‏ والله ما هو لهؤلاء وحدهم ‏{‏والذين جاؤوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا‏}‏ إلى قوله‏:‏ ‏ {‏رحيم‏} ‏ والله ما أحد من المسلمين إلا له حق في هذا المال أعطي منه أو منع عنه حتى راع بعدن‏. وأخرج عبد الرزاق وابن سعد وابن أبي شيبة وابن زنجويه في الأموال وعبد بن حميد وابن المنذر عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال‏:‏ ما على وجه الأرض مسلم إلا وله في هذا المال حق إلا ما ملكت أيمانكم‏.‏ وأخرج عبد بن حميد والبيهقي في سننه عن سعيد بن المسيب رضي الله عنه قال‏:‏ قسم عمر ذات يوم قسماً من المال، فجعلوا يثنون عليه، فقال‏:‏ ما أحمقكم لو كان لي ما أعطيتكم منه درهما‏ً. وأخرج أبو داود في ناسخه عن ابن أبي نجيح رضي الله عنه قال‏:‏ المال ثلاثة‏:‏ مغنم، أو فيء، أو صدقة‏.‏ فليس منه درهم إلا بيّن الله موضعه‏.‏ وأخرج أحمد والحاكم وصححه عن سمرة رضي الله عنه قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"حديث : ‏يوشك أن يملأ الله أيديكم من العجم ثم يجعلهم أسداً لا يفرون فيقتلون مقاتلتكم ويأكلون فيئكم ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن سعد عن السائب بن يزيد سمعت عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول‏:‏ والذي لا إله إلا هو ثلاثاً ما من الناس أحد إلا له حق في هذا المال أعطيه أو منعه، وما أحد أحق به من أحد إلى عبد مملوك، وما أنا فيه إلا كأحدكم، ولكنا على منازلنا من كتاب الله وقسمنا من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فالرجل وبلاؤه في الإِسلام، والرجل وقدمه في الإِسلام، والرجل وغناه في الإِسلام، والرجل وحاجته في الإِسلام، والله لئن بقيت ليأتين الراعي بجبل صنعاء حظه من هذا المال وهو مكانه‏. وأخرج ابن سعد عن الحسن رضي الله عنه قال‏:‏ كتب عمر إلى حذيفة أن أعط الناس أعطيتهم وأرزاقهم، فكتب إليه إنا قد فعلنا وبقي شيء كثير، فكتب إليه عمر‏:‏ إن فيأهم الذي أفاء الله عليهم، ليس هو لعمر ولا لآل عمر اقسمه بينهم‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة عن عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه قال‏:‏ وجدت المال قسم بين هذه الثلاثة الأصناف‏:‏ المهاجرين والأنصار والذين جاؤوا من بعدهم‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة عن الحسن رضي الله عنه مثل ذلك‏.‏ قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وما آتاكم الرسول فخذوه‏} ‏ الآية‏.‏ أخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر عن الحسن رضي الله عنه ‏{‏وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا‏} ‏ قال‏:‏ كان يؤتيهم الغنائم وينهاهم عن الغلول‏.‏ وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر عن الحسن رضي الله عنه في قوله‏:‏ ‏ {‏وما آتاكم الرسول فخذوه‏}‏ قال‏:‏ من الفيء ‏ {‏وما نهاكم عنه فانتهوا‏}‏ قال‏:‏ من الفيء وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج رضي اله عنه ‏ {‏وما آتاكم الرسول‏}‏ من طاعتي وأمري ‏ {‏فخذوه وما نهاكم عنه‏} ‏ من معصيتي فانتهوا‏. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد والنسائي وابن المنذر عن ابن عباس رضي الله عنهما قال‏:‏ ألم يقل الله {‏وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا‏}‏ قالوا‏:‏ بلى، قال‏:‏ ألم يقل الله‏:‏ ‏{أية : ‏وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم‏}‏ تفسير : [الأحزاب: 36‏]‏ الآية قال‏:‏ فإني أشهد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن الدباء والحنتم والنقير والمزفت‏. وأخرج عبد بن حميد عن سعيد بن جبير رضي الله عنه أنه سمع ابن عمر وابن عباس يشهدان على رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن الدباء والحنتم والنقير والمزفت، ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية ‏ {‏وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا‏}‏ ‏.‏ وأخرج أحمد وعبد بن حميد والبخاري ومسلم وابن المنذر وابن مردويه عن علقمة رضي الله عنه قال‏:‏ قال عبدالله بن مسعود‏:‏ لعن الله الواشمات والمستوشمات والمتنمصات والمتفلجات للحسن، المغيرات لخلق الله‏.‏ فبلغ ذلك امرأة من بني أسد يقال لها أم يعقوب، فجاءت إليه فقالت‏:‏ إنه بلغني أنك لعنت كيت وكيت، قال‏:‏ وما لي لا ألعن من لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو في كتاب الله‏.‏ قالت‏:‏ لقد قرأت ما بين الدفتين فما وجدت فيه شيئاً من هذا قال‏:‏ لئن كنت قرأته لقد وجدته أما قرأت ‏{‏وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا‏} ‏ قالت‏:‏ بلى، قال‏:‏ فإنه قد نهى عنه والله أعلم‏.‏

ابو السعود

تفسير : مدنية، وآيُها أربع وعشرون {سَبَّحَ للَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ} مرَّ ما فيه من الكلامِ في صدرِ سورةِ الحديدِ وقد كُرِرَ الموصولُ ههنا لزيادةِ التقريرِ والتنبـيهِ على استقلالِ كلَ من الفريقين بالتسبـيحِ. روي أنه عليه الصلاة والسلام لما قدم المدينة صالحَ بني النضير وهُم رهطٌ من اليهودِ من ذريةِ هارون عليه الصلاة والسلام نزلوا المدينةَ في فتن بني إسرائيلَ انتظاراً لبعثِه عليه الصلاة والسلام وعاهدَهُم أنْ لا يكونُوا لهُ ولا عليهِ فلما ظهرَ عليه الصلاةُ والسلامُ يومَ بدرٍ قالُوا هو النبـيُّ الذي نعتُه في التوراةِ لا تردُّ له رايةٌ فلما كان يومُ أحدٍ ما كان ارتابُوا ونكثُوا فخرجَ كعبُ بن الأشرفِ في الأربعينَ راكباً إلى مكةَ فحالفُوا قريشاً عند الكعبةِ على قتالِه عليه الصلاةُ والسلامُ فأمرَ عليه الصلاةُ والسلامُ محمدَ بنَ مَسْلَمَةَ الأنصاريَّ فقتلَ كعباً غِيلةً وكان أخاهُ من الرضاعَةِ ثم صبَّحهم بالكتائبِ فقال لهم: اخرُجوا من المدينةِ فاستمهلُوه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ عشرةَ أيامٍ ليتجهزُوا للخروجِ فدسَّ عبدُ اللَّهِ بنُ أُبـي المنافقُ وأصحابُه إليهم لا تخرجوا من الحصنِ فإن قاتلوكم فنحنُ معكم لا نخذلُكم ولئن خرجتُم لنخرجَنَّ معكم فدربوا على الأزقَّةِ وحصَّنُوها فحاصرَهُم النبـيّ عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إحدى وعشرينَ ليلةً فلما قذفَ الله في قلوبهم الرعبَ وأيسُوا من نصرِ المنافقين طلبُوا الصلح فأبى عليهم إلا الجلاءَ على أن يَحمِلَ كلُّ ثلاثةِ أبـياتٍ على بعيرٍ ما شاءُوا من متاعِهم فجلوا إلى الشأم إلى أريحا وأذرعاتٍ إلا أهلَ بـيتينِ منهم آلُ أبـي الحقيقِ وآلُ حُيـي بنِ أخطبَ فإنَّهم لحقُوا بخيبرَ ولحقتْ طائفةٌ منهم بالحيرةِ فأنزلَ الله تعالى: {سَبَّحَ للَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ} إلى قولِه: {أية : وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلّ شَيْء قَدِيرٌ} تفسير : [سورة الحشر، الآيه 6].

القشيري

تفسير : قدَّس الله ونزَّهَهُ كُلُّ شيءٍ خَلَقه؛ فكلُّ ما خَلَقَه جَعَلَه على وحدانيته دليلاً، ولِمَنْ أراد أن يَعْرِفَ إلهيتَه طريقاً وسبيلاً. أتقن كلَّ شيءٍ وذلك دليلُ عِلْمِه وحكمته، ورَتَّبَ كُلَّ شيءٍ، وذلك شاهِدٌ على مشيئته و(إرادته). {وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ} فلا شبيه يساويه، ولا شريكِ له في المُلْكِ ينازِعُه ويُضاهيه. {ٱلْحَكِيمُ} الحاكم الذي لا يُوجَدُ في حُكْمِه عَيْبٌ، ولا يتوجَّه عليه عَتْبٌ.

البقلي

تفسير : {سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ} قدس الله كل ذوات الارواح والاشباح والاجسام والحياة بلسان العقول ووجدان نور الايجاد ومباشرة افعاله لانه تعالى خص ذوى العقول برؤية نور الصفات فى الافعال وهيجهم ذلك الى تقديسه وتنزيهه من علل الحدثان وذلك تعريف الله نفسه اياهم بظهور الصفة فى الفعل فعرفوه ثم قدسوه وخص ما دونهم من ذوى الحياة بمباشرة نور الفعل فوهبها منها ارواحا مسبحة وكذلك الجمادات لها لسان الفعلى يصف بها الحق وتنزهه الجمادات وذات سر عجيب لا يعرفه الا من يفقه قول الله سبحانه بقوله وان من شئ الا يسبح بحمده ومن عظم قدر ذلك السر واللسان والوصف والتقديس شدد الامر فى ادراكها بقوله ولكن لا تفقهون تسبيحهم.

اسماعيل حقي

تفسير : {سبح لله مافى السموات ومافى الارض} التسبيح تبعيد الله عن السوء وتظهيره عما لايليق بشأن الوهيته ويكون بالجنان واللسان والحال والاول اعتقاد العبد بتعاليه عما لايليق بالالوهية وذلك لان من معانى التفعيل الاعتقاد بشىء والحكم به مثل التوحيد والتمجيد والتعظيم بمعنى الاعتقاد بالوحدة والمجد والعظمة والحكم بها وعلى هذا المعنى مثل التكفير والتضليل ومثل التجويز والترجيح والثانى القول بما يدل على تعاليه مثل التكبير والتهليل والتأمين بمعنى أن يقول الله اكبر ولا اله الا الله وآمين وهو المشهور وعند الناس والثالث دلالة المصنوعات على ان صانعها متصف بنعوت الجلال متقدس عن الامكان وما يتبعه والمفسرون فسروا مافى القرءآن من امثال الآية الكريمة على كل من الثانى والثالث ليعم تسبيح الكل كذا فى بعض التفاسير وجمهور المحققين على ان هذا التسبيح تسبيح بلسان العبارة والاشارة لا بلسان الاشارة فقط فجميع الموجودات من العقلاء وغيرهم سبحه تعالى يعنى تسبيح ميكويد كه وبه باكى مستأنس ميكند مرخدايرا كه مستحق ثناست، كما سبق تحقيقه فى اول سورة الحديد وفى مواضع أخر من القرءآن شعر : بذكرش هرجه بينى در خروش است دل داند درين معنى كه كوش است نه بلبل بر كلش تسبيح خوانست كه هر خارى به توحيد ش زبانست تفسير : وفى الحديث "حديث : انى لأعرف حجرا بمكة كان يسلم على قبل أن أبعث انى لأعرفه الآن"تفسير : وعن ابن مسعود رضى الله عنه ولقد كنا نسمع تسبيح الطعام وهو يؤكل على ان شهادة الجوارح والجلود مما نطق به القرءآن الكريم وقال مجاهد كل الاشياء تسبح لله حيا كان او جمادا وتسبيحها سبحان الله وبحمده وهذا على الاطلاق واما بالنسبة الى كل موجود فالتسابيح مختلفة فلكل موجود تسبيح مخصوص به من حيث مايقتضيه نشأته كما قال بعض الكبار فاذا رأيت هؤلاء العوالم مشتغلين بالذكر الذى أنت عليه فكشفك خيالى غير صحيح لاحقيقى وانما ذلك خيالك أقيم لك فى الموجودات فاذا شهدت فى هؤلاء تنوعات الاذكار فهو الكشف الصحيح انتهى {وهو العزيز} ذو العزة القاهرة {الحكيم} ذو الحكمة الباهرة وفى ايراد الوصفين بعد التسبيح اشارة الى الباعث له والداعى اليه لان العزة أثر الجلال والحكمة أثر الجمال فله الاتصاف بصفات الكمال. وفى التأويلات النجمية {سبح لله مافى السموات} واقامة البراهين القطعية والادلة الفكرية لعدم جدواها فى تحصيل المطلوب فان ذاته المطلقة جامعة للتنزيه العقلى والتشبيه النفسى كما قال {أية : ليس كمثله شىء}تفسير : وهو التنزيه {أية : وهو السميع البصير}تفسير : وهو التشبيه فجمعت ذاته المطلقة باحدية الجمعية بين التنزيه والتشبيه دفعة واحدة بحيث يكون التنزيه عين التشبيه والتشبيه عن التنزيه كما قال العارف المحقق قدس سره (فان قلت بالامرين كنت مسددا، وكنت اماما فى المعارف سيدا) فان التنزيه نتيجة اسمه الباطن والتشبيه نتيجة اسمه الظاهر فافهم جدا وهو العزيز المنيع جنابه أن ينزه من غير التشبيه الحكيم الذى تقتضى حكمته أن لايشبه من غير التنزيه (روى) ان رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قدم المدينة صالح بن النضير كأمير وهم رهط من اليهود من ذرية هرون أخى موسى عليه السلام قال السهيلى رحمه الله ونسبتهم الى هرون صحيحة لان النبى عليه السلام قال لصفية رضى الله عنها بنت حيى بن أخطب سيد بنى النضير وقد وجدها تبكى لكلام قيل لها أبوك هرون وعمك موسى وبعلك محمد عليه السلام والحديث معروف ومشهور وفى بعض الكتب من أولاد الكاهن بن هرون ونزلوا قريبا من المدية فى فتن بنى اسرآئيل انتظارا لبعثة النبى عليه السلام وكان يقال لهم ولبنى قريظة الكاهنان لانهم من أولاده ايضا وكان بنو النضير وقريظة وبنوا قينقاع فى وسط ارض العرب من الحجاز وان كانوا يهودا والسبب فى ذلك ان بنى اسرآئيل كانت تغير عليهم العماليق فى ارض الحجاز وكانت منازلهم يثرب والجحفة الى مكة فشكت بنوا اسرآئيل ذلك الى موسى عليه السلام فوجه اليهم جيشا وأمرهم أن يقتلوهم ولا يبقوا منهم أحدا ففعلوا ذلك وترك منهم ابن مالك لهم كان غلاما حسنا فرقوا له ثم رجعوا الى الشأم وموسى قد مات فقالت بنو اسرآئيل قد عصيتم وخالفتم فلا نؤويكم فقالوا نرجع الى البلاد التى غلبنا عليها ونكون بها فرجعوا الى يثرب فاستوطنوها وتناسلوا بها الى أن نزل عليهم الاوس والخزرج بعد سيل العرم فكانوا معهم الى الاسلام فلما هاجر عليه السلام عاهد بنى النضير على أن لايكونوا له ولا عليه فلما ظهر عليه السلام اى غلب يوم بدر قالوا فيما بينهم النبى الذى نعته فى التوراة لاترد له راية يعنى نتوان بودكه كسى بروى ظفر يابد يارايت اقبال وى كسى بيفكند، فلما فكان يوم أحد ما كان ارتابوا ونكثوا فخرج كعب من الأشرف فى اربعين راكبا الى مكة فحالفوا قريشا عند الكعبة على قتاله عليه السلام وعاهدوا على الاضرار به ناقضين العهد، كعب اشرف باقوم خود بمدينه باز آمد وجبريل امين رسول را خبرداد ازان عهد وبيمان كه درميان ايشان رفت، فأمر عليه السلام محمد بن مسلمة الانصارى بفتح الميم وكان أخا كعب من الرضاعة فقتل كعبا غيلة بالكسر اى خديعة فان الغيلة أن يخدعه فيذهب به الى موضع فاذا صار اليه قتله وذلك انه أتاه ليلا فاستخرجه من بيته بقوله انى أتيتك لاستقرض منك شيأ من التمر فخرج اليه فقتله ورجع الى النبى عليه السلام واخبره ففرح به لانه أضعف قلوبهم وسلب قوتهم وفى بعض الاخبار انه عليه السلام ذهب الى بنى النضير لاستعانة فى دية فى نفر من اصحابه اى دون العشرة فيهم أبو بكر وعمر وعلى رضى الله عنهم فقالوا له يا أبا القاسم حتى تطعم وترجع بحاجتك وكان عليه السلام جالسا الى جنب جدار من بيوتهم فخلا بعضهم ببعض وقالوا انكم لن تجدوا الرجل على مثل هذه الحالة فهل من رجل يعلو على هذا البيت فيلقى عليه صخرة فيريحنا منه فقال احد ساداتهم وهو عمرو بن جحاش انا لذلك فقال لهم أحد ساداتهم وهو سلام بن مشكم لاتفعلوا والله ليخبرن بما هممتم به انه لنقض للعهد الذى بيننا وبينه فلما صعد الرجل ليلقى الصخرة أتى رسول الله الخبر من السماء بما أراد القوم فقام عليه السلام مظهرا انه يقضى حاجته وترك اصحابه فى مجالسهم ورجع مسرعا الى المدينة فسألوه فقال رأيته داخل المدينة فأقبل أصحابه حتى انتهوا عليه فأخبرهم بما أرادت بنوا النضير فندم اليهود وقالوا قد أخبر بأمرنا فأرسل عليه السلام اليهم محمد بن مسلمة رضى الله عنه ان اخرجوا من بلدى اى لان قريتهم زاهرة كانت من اعمال المدينة فلا تساكنونى بها فلقد هممتم بما هممتم من الغدر فسكتوا ولم يقولوا حرفا فأرسل اليهم المنافقون أن اقيموا فى حصونكم فانا نمدكم فارسلوا الى رسول الله انا لانخرج من ديارنا فافعل مابدا لك وكان المتولى أمر ذلك سيد بنى النضير حيى بن أخطب والد صفية ام المؤمنين فاغتر بقول المنافقين فسار رسول الله عليه وسلم مع المؤمنين وهو على حمار مخطوم بليف وحمل رايته على رضى الله عنه حتى نزل بهم وصلى العصر بفنائهم وقد تحصنوا وقاموا على حصنهم يرمون النبل والحجارة وزربوا على الازقة وحصنوها فحاصرهم النبى عليه السلام احدى وعشرين ليلة فلما قذف الله فى قلوبهم الرعب وأيسوا من نصر المنافقين طلبوا الصلح فأبى عليهم الا الجلاء على أن يحمل كل ثلاث ابيات على بعير ماشاؤا من متاعهم الا السلاح. بس ششنصد شتربار خودرا بر آراستند واظهار جلادت نموده دفعها ميزدند وسرور كويان از بازار مدينه كذشتندت، فجاؤا الشأم الى اريحا من فلسطين والى اذرعات من دمشق الا أهل بيتين منهم آل أبى الحقيق وآل حيى بن أخطب فانهم لحقوا بخيبر ولحقت طائفة بالحيرة وهى بالكسرة بلد بقرب الكوفة ولم يسلم من بنى النضير الا رجلان احدهما سفيان بن عمير بن وهب والثانى سعد بن وهب اسلما على اموالهم فأحرزاه فأنزل الله تعالى {سبح لله} الى قوله {أية : والله على كل شىء قدير}تفسير : قال محمد جلاء بنى النضير كان مرجع النبى عليه السلام من احد سنة ثلاث من الهجرة وكان فتح بنى قريظة مرجعه من الاحزاب فى سنة خمس من الهجرة وبينهما سنتان وفى انسان العيون كانت غزوة بنى النضير فى ربيع الاول من السنة الرابعة والجلاء بالفتح الخروج من البلد والتفرق منه يقال أجليت القوم عن منازلهم وجلوتهم فاجلوا عنها وجلوا اى ابزتهم عنها فان اصل الجلو الكشف الظاهر ومنه الطريقة الجلوتية بالجيم فانها الجلاء والظهور بالصفات الالهية كما عرف فى محله والجلاء اخص من الخروج والاخراج يكون للجماعة والواحد وقيل فى الفرق بينهما ان الجلاء كان مع الاهل والولد بخلاف الخروج فانه لايستلزم ذلك قال العلماء مصالحة اهل الحرب على الجلاء من ديارهم من غير شىء لايجوز الآن وانما كان ذلك فى اول الاسلام ثم نسخ والآن لابد من قتالهم او سبيهم او ضرب الجزية عليهم

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {سَبَّح لله ما في السماوات وما في الأرض} أي: نزّهه أهلُ السماوات السبع، وأهلُ الأرضين السبع. وكرر الموصول هنا لزيادة التقرير، والتنبيه على استقلال كل مِن الفريقين بالتسبيح. قال الكواشي: فيه إيماء إلى قدرة الله تعالى، وأنه أهل لأن يُسبَّح لمنِّه على المؤمنين بنصرهم على أعدائهم، {وهو العزيزُ الحكيم}، قال ابن عطية: صفتان مناسبتان لِمَا يأتي بعدُ، من قصة العدو الذي أخرجهم مِن ديارهم. هـ. رُويَ أنَّ هذه السورة بأسرها نزلت في بني النضير، وهو رهط من اليهود، من ذرية هارون عليه السلام، نزلوا المدينة في فتن بني إسرائيل لبعثته صلى الله عليه وسلم، وقيل: هم بقية الحبرْين اللذين كانا مع تُبع، فنزلا المدينة انتظاراً له صلى الله عليه وسلم، وذلك أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم حين قَدِمَ المدينة صالحهم على ألاّ يكونوا عليه ولا له، فلما ظَهَرَ يوم بدر، قالوا: هو النبيّ الذي نعْتُه في التوراة: لا تُردُّ له رايةٌ، فلما كان يوم أُحُد ما كان، ارتابوا ونكثوا، فخرج كعبُ بن الأشرف في أربعين راكباً، فحالف أبا سفيان عند الكعبة على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمر عليه السلام محمدَ بن مسلمة الأنصاري في فتية، فقتل كعباً غيلة، وكان أخاه من الرضاعة، وقد كان عليه السلام اطلع منهم على خائنةٍ ونقض عهدٍ، حين أتاهم ومعه أبو بكر وعمر وعليّ، ليستعينهم في دية الرجلين اللذَين قتلهما عَمرو بنُ أمية الضمري، غلطاً، فأجابوه على ذلك، وأجسلوه تحت الحِصن، وأمروا رجلاً منهم أن يطرح على النبي صلى الله عليه وسلم رَحىً، فنزل جبريلُ فأخذ بيده وأقامه، فرجع إلى المدينة، وأمر المسلمين بالخروج إلى بني النضير، وهم بقريةٍ يقال لها: زهرة، فأمرهم النبيُّ صلى الله عليه وسلم بالخروج من المدينة، فاستمهلوه عشرة أيام ليتجهزوا للخروج، فدسّ إليهم عبدُ الله بن أُبي وأصحابهُمن المنافقين: لا تخرجوا من الحصن, فإن قاتلوكم فنحن معكم, لا نخذلكم, ولئن خرجتم لَنَخْرُجنَّ معكم، فحصّنوا أسوارَهم، فحاصرهم النبيُّ صلى الله عليه وسلم إحدى وعشرين ليلة، وأمر بقطع نخلهم، فلما قذف اللهُ في قلوبهم الرعب، وأيسوا من نصر المنافقين، طلبوا الصُلح، فأبى عليهم إلاّ الجلاء، على أن يَحْمِل كلُّ ثلاثة أبياتٍ على بعيرٍ ما شاؤوا من متاعهم، وللنبي صلى الله عليه وسلم ما بقي، فخرجوا إلى الشام، وإلى أذرعات وأريحا، إلاّ بيتين؛ آل أبي الحقيق، وآل حُيَي بن أخطب، فإنهم لحقوا بخيبر، ولحقت طائفة بالحيرة، وذلك قوله تعالى: {هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب مِن ديارهم} بالمدينة، أي: هو الذي تولّى إخراجهم، لا بسبب فيه لأحد غيره. واللام في قوله: {لأول الحشر} متعلق بأخْرَج، وهو اللام في قوله: {أية : قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي} تفسير : [الفجر: 24] أي: أخرجهم عند أول الحشر، وكونه أول الحشر؛ لأنّ هذا أول حشرهم إلى الشام، وكانوا مِن سبط لم يُصبهم جلاء قط، وهم أول مَن أُخرج من أهل الكتاب من جزيرة العرب إلى الشام، وآخر حشرهم: إجلاء عُمر إياهم من خيبر إلى الشام، أو: آخر حشرهم: حشر يوم القيامة، قال ابن عباس رضي الله عنه: "مَن شك أنَّ المحشر بالشام فليقرأ هذه الآية" فهم الحشر الأول، وسائر الناس الحشر الثاني. وقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم لمّا خرجوا:حديث : امضوا، فإنكم أول الحشر ونحن على الأثر تفسير : {ما ظننتم أن يخرجوا}، لشدة بأسهم، ومَنعَتهم، ووثاقه حصونهم، وكثرة عَددهم وعُدتهم، {وظنوا أنهم مانعتهم حُصُونُهم من الله} أي: ظنوا أنّ حصونهم تمنعهم من بأس الله. والفرق بين هذا التركيب والنظم الذي جاء عليه التنزيل: أنّ في تقديم الخبر على المبتدأ دليلاً على فرط وُثوقهم بحصانتها ومنعها إياهم، وفي مصير ضميرهم اسماً لـ"أن"، وإسناد الجملة إليه، دليل على اعتقادهم في أنفسهم أنهم في عزة ومنعة، لا يُبالَى معها بأحد يتعرض لهم، أو يطمع في مغازيهم، وليس ذلك في قولك: وظنوا أنّ حصونهم تمنعهم. {فأتاهم اللهُ} أي: أمره وعقابه {من حيث لم يحتسبوا}؛ من حيث لم يظنوا، ولم يخطر ببالهم، حتى قُتل "كعب" رئيسهم على يد أخيه رضاعاً. {وقَذَفَ في قلوبهم الرُّعْبَ}؛ الخوف والجزع، {يُخْربون بيوتَهم بأيديهم وأيدي المؤمنين}، فكانوا يُخربون بواطنَها، والمسلمون ظواهرَها، لِمَا أراد الله مِن استئصال شأفتهم، وألاَّ تبقى لهم بالمدينة دار، ولا منهم دَيَّار. والذي دعاهم إلى التخريب حاجتهم إلى الخشب والحجارة، ليسدُّوا بها أفواه الأزفَّة ولئلا يبقى بعد جلائهم مساكن للمسلمين، وأن ينقلوا معهم ما كان في أبنيتهم من جيّد الخشب والساج، وأمّا المؤمنون فدعاهم إلى التخريب إزالة مُتحصّنهم، وأن تتسع لهم مجال الحرب. ومعنى تخريبهم إياها بأيدي المؤمنين: أنهم لما عرّضوهم بنكث العهد لذلك، وكان السبب فيه؛ فكأنهم أمروهم به، وكلّفوهم إياه. {فاعتبِروا يا أُولي الأبصارِ} أي: فاتعِظوا بما جرى عليهم من الأمور الهائلة على وجهٍ لا تهتدي إليه الأفكار، أو: فتأملوا فيما نزل بهؤلاء، والسبب الذي استحقوا به ذلك، فاحذروا أن تفعلوا مثَل فعلهم، فتُعاقََبوا مثل عقوبتهم. قال البيضاوي: اتعِظوا بحالهم، فلا تغدروا, ولا تعتمدوا على غير الله. هـ. وهذا دليل على جواز القياس. {ولولا أن كتب اللهُ عليهم الجلاء}؛ الخروج من الوطن، على ذلك الوجه الفظيع {لعذَّبهم في الدنيا} بالقتل والسبي، كما فعل ببني قريظة، {ولهم في الآخرة عذابُ النار} الذي لا أشد منه، {ذلك بأنهم} أي: إنما أصابهم ذلك بسبب أنهم {شاقُوا اللهَ}؛ خالَفوه {ورسوله} وفعلوا ما فعلوا، مما حكي عنهم من القبائح، {ومَن يُشاقِّ اللهَ}، وقرئ: "يشاقِق" على الأصل. والاقتصار على مشاققته لتضمنها مشاققته عليه السلام، وليوافق قوله تعالى: {فإنَّ الله شديدُ العقاب}، والجملة: إما نفس الجزاء على حذف العائد، أي: شديد العقاب له، أو: تعليل للجزاء المحذوف، أي: يُعاقبه لأنّ الله شديد العقاب. الإشارة: "سبِّح لله" نزَّه الله تعالى مَن وجود الغيرية والإثنينية ما في سموات الأرواح من علوم الأحدية، ونزّهه ما في أرض النفوس والعقول من البراهين القطعية عن الشبيه والنظير. والعارف الكامل هو الذي يجمع بين التنزيه والتشبيه في ذات واحدة، في دفعة واحدة، فالتنزيه من حيث ذات المعاني, والتشبيه من حيث الأواني، أو التنزيه من حيث الجمع، والتشبيه من حيث الفرق، أو التنزيه من حيث اسمه الباطن، والتشبيه من حيث اسمه الظاهر. وانظر القشيري في مختصر الإشارات، ولعل هذا المنزع هو الذي رام الجيلاني، حيث قال في عينيته: شعر : وإياكَ والتنزيهَ فهو مُقيّدٌ وإياك والتشبيهَ فهو مُخَادِعُ تفسير : أي: لا تقف مع واحدٍ منهما، فأطلق عنان المعاني في كل ما ترى، ولا تشبه المعاني بشيء، إذ ليس مثلها ولا معها فإياك أن تنزّه المعاني عن شيء، فتقيّد عن الشهود فيه، وإياك أن تشببها بشيء؛ إذ ليس مثلها شيء في الوجود. والله تعالى أعلم. ولا يعلم هذا إلا أهل الذوق الكبير. ثم قال تعالى: {هو الذي أخرج} الخواطر الردية، والخبائث اليهودية، من ديار القلوب، عند أول حشرها إلى الحضرة، ما ظننتم أن يخرجوا، لتمكنها من النفس، وتمرُّنها معها، وظنوا أنهم مانعتهم حصونُهم من الله، حيث تحصّنوا بتمكن العوائد ورسوخها في النفس، ومخالطة الأحباب والعشائر، والرئاسة والجاه والمال، فأتاهم الله من حيث لم يحتسِبوا، حيث قيَّض لها شيخاً عارفاً، وقذف في القلب خوفاً مزعجاً، أو شوقاً مقلقاً، وقذف في قلوبهم الرعب، فخرجت تلك الخبائث قهراً، يُخربون بيوتهم، أي: بيوت ظواهرهم بأيديهم وأيدي المؤمنين، أي: بإعانة المشايخ والإخوان، فطهَّروا بواطنهم من الخبائث، وخرّبوا ظواهرهم من زينة الحس، فحينئذ تعمّرت بواطنُهم بأسرار العلوم والمعارف، فاعتبروا يا أولي الأبصار، وافعلوا مثل فعلهم، ولولا أن كتب الله عليهم الجلاء من القلوب؛ لعذّبهم في الدنيا بالحرص والجزع والطمع, ولهم في الآخرة عذاب نار القطيعة، بعد إسدال الحجاب في الدنيا، ذلك بأنهم شاقوا الله ورسوله؛ إذ كل مخالفة إنما هي من النفس وجنودها في عالم الحكمة. ثم قال تعالى: {مَا قَطَعْتُمْ مِّن لِّينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَآئِمَةً}.

الطوسي

تفسير : قرأ ابو عمرو وحده {يخربون بيوتهم} بالتشديد قال الفراء: وهي قراءة ابي عبد الرحمن السلمي والحسن. الباقون بالتخفيف. قال قوم: معناهما واحد مثل اكرمته وكرمته. وقال بعضهم: معنى التخفيف انهم ينتقلون عنها فيعطلونها، وبالتشديد يهدمونها. قد مضي تفسير {سبح لله ما في السماوات وما في الأرض وهو العزيز الحكيم} فلا معنى لاعادته. وقوله {هو الذي أخرج الذين كفروا من ديارهم} معناه ان الذي وصفه بأنه عزيز حكيم هو الله الذي أخرج الكفار من اليهود من ديارهم {لأول الحشر} قال قتادة ومجاهد: هم بنو النضير، لما نزل النبي صلى الله عليه وآله بالمدينة عاقده بنو النضير على ان لا يكونوا عليه ولا له. ثم نقضوا العهد وأرادوا أن يطرحوه حجراً حين مضى النبي صلى الله عليه وآله اليهم يستعين بهم فى تحمل بعض الديتين اللتين لزمتا صاحب النبي صلى الله عليه وآله حين انقلب من بئر معونة فقتل نفسين، كان النبي صلى الله عليه وآله أجرهما، ومالوا للمشركين على النبى صلى الله عليه وآله فأجلاهم الله عن ديارهم على ان لهم الذرية وما حملت إبلهم والباقي لرسول الله فأجلاهم النبي صلى الله عليه وآله على هذا عن ديارهم ومنازلهم، فمنهم من خرج إلى خيبر، ومنهم من خرج إلى الشام. وقوله تعالى {لأول الحشر} قال قوم: أول الحشر هو حشر اليهود من بني النضير إلى ارض الشام، وثاني الحشر حشر الناس يوم القيامة إلى ارض الشام أيضاً. وقال البلخي: يريد أول الجلاء، لان بني النضير أول من أجلي عن ارض العرب. والحشر جمع الناس من كل ناحية، ومنه الحاشر الذي يجمع الناس إلى ديوان الخراج، والجمع حشار {ما ظننتم أن يخرجوا} أي لم تظنوا خروجهم منها {وظنوا} هم {أنهم مانعتهم حصونهم من الله} أي حسبوا ان الحصون التي هم فيها تمنعهم من عذاب الله وإنزاله بهم على يد نبيه، فجعل تعالى امتناعهم من رسوله امتناعاً منه. وقوله تعالى {فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا} أي اتاهم أمر الله من حيث لم يحتسبوا مجيئه منه {وقذف} أي ألقى {في قلوبهم الرعب} وهو الخوف {يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين} معناه إنهم كانوا يهدمون بيوتهم بأيديهم من داخل ليهربوا ويخرب المؤمنون من خارج - على ما ذكره الحسن - ثم قال تعالى {فاعتبروا يا أولي الأبصار} معناه اتعظوا وفكروا فلا تفعلوا كما فعل هؤلاء فيحل بكم ما حل بهم. والحصون جمع حصن، وهو البناء العالي المنيع، يقال: تحصن فلان إذا امتنع بدخوله الحصن. ومن استدل بهذه الآية على صحة القياس فى الشريعة فقد أبعد. لان الاعتبار ليس من القياس فى شيء، وإنما معناه الاتعاظ على ما بيناه، ولا يليق بهذا الموضع قياس فى الشرع، لانه لو قال بعد قوله {يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين} فقيسوا الارز على الحنطة، لما كان كلاماً صحيحاً ولا يليق بما تقدم. وإنما يليق بما تقدم الاتعاظ والانزجار عن مثل افعال القوم من الكفر بالله. وقوله تعالى {ولولا أن كتب الله عليهم الجلاء} معناه لولا ان الله كتب فى اللوح المحفوظ بما سبق فى علمه انهم يجلون عن ديارهم يعني اليهود {لعذبهم في الدنيا} بعذاب الاستئصال. والجلاء الانتقال عن الديار والأوطان للبلاء. وقيل: هو الفرار عن الأوطان يقال: جلا القوم عن منازلهم جلاء، وأجليتهم إجلاء. ثم قال {ولهم في الآخرة} مع الجلاء عن الاوطان فى الدنيا {عذاب النار} يعذبون بها. ثم بين لم فعل بهم ذلك فقال {ذلك} أي فعلنا بهم ذلك {بأنهم شاقوا الله ورسوله} وخالفوهما وعصوهما. ثم توعد من يسلك مسلكهم فى المشاقة لله ورسوله، فقال {ومن يشاق الله ورسوله فإن الله شديد العقاب} يعاقبهم على مشاقتهم باشد العقاب. وقوله {ما قطعتم من لينة} فاللينة كل نخلة لينة سوى العجوة - فى قول ابن عباس وقتادة - وهي لغة أهل المدينة. وقال بعضهم: إلا البرني والعجوة، قال مجاهد وعمرو بن ميمون وابن زيد: كل نخلة لينة ولم يستثنوا. وقال سفيان: اللينة كرام النخل. وأصل اللينة اللونة فقلبت الواو ياء للكسرة. ويجمع لياناً، قال ذو الرمة: شعر : طراق الخوافي مشرق فوق ريعة ندى ليلة فى ريشه يترقرق تفسير : فكأنه قال لون من النخل أي ضرب منه. وقيل: يجوز أن تكون من اللبن للين ثمرتها، وقوله {أو تركتموها قائمة على أصولها فبإذن الله} أي قطعتموها او تركتموها بحالها كل ذلك سائغ لكم، وهو بعلم الله وإذنه فى ذلك وأمره به. وقوله {وليخزي الفاسقين} أي فعل ذلك ليذل به الكفار الفاسقين من اليهود ويهينهم به لا أنهم يفعلونه على وجه الفساد فى الارض، لأن فيما فعلوه إذلال اهل الشرك وعز أهل الاسلام.

الجنابذي

تفسير : {سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ هُوَ ٱلَّذِيۤ أَخْرَجَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ مِن دِيَارِهِمْ لأَوَّلِ ٱلْحَشْرِ} الحشر اخراج جمعٍ من مكانٍ الى آخر والمعنى اخرجهم فى اوّل حشر المؤمنين اليهم للقتال، او فى اوّل حشرهم من حصونهم للقتال، او لاجل حشرهم الاوّل الى الشّام او الى خيبر وثانى حشرهم الى القيامة او الى الشّام، او وقت ظهور القائم (ع) من الشّام، او فى القيامة من الشّام، او المعنى فى اوّل حشرٍ وجلاءٍ وقع فى زمان الرّسول (ص) وبعده وقع جلاءٌ وحشرٌ لغيرهم على يد الرّسول (ص) {مَا ظَنَنتُمْ أَن يَخْرُجُواْ وَظَنُّوۤاْ أَنَّهُمْ مَّانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم مِّنَ ٱللَّهِ} اى من بأس الله {فَأَتَاهُمُ ٱللَّهُ} اى أتاهم عذابه او بأسه او خليفته {مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُواْ} لقوّة وثوقهم واعتمادهم على حصونهم فأتاهم بأس الله فى حصونهم، عن القمّىّ سبب ذلك انّه "حديث : كان بالمدينة ثلاثة ابطن من اليهود، بنى النّضير وقريظة وقينقاع وكان بينهم وبين رسول الله (ص) عهد ومدّة فنقضوا عهدهم وكان سبب ذلك بنى النّضير وذلك انّه اتاهم رسول الله (ص) يستسلفهم دية رجلين قتلهما رجلٌ من اصحابه غيلةً يعنى يستقرض، وكان (ص) قصد كعب بن الاشرف فلمّا دخل على كعبٍ قال: مرحباً يا ابا القاسم واهلاً وقام كأنّه يصنع له الطّعام وحدّث نفسه ان يقتل رسول الله (ص) ويتبع اصحابه، فنزل جبرئيل فأخبره بذلك فرجع رسول الله (ص) الى المدينة وقال لمحمّد بن مسلمة الانصارىّ: اذهب الى بنى النّضير فأخبرهم انّ الله تعالى قد أخبرنى بما هممتم به من الغدر فامّا ان تخرجوا من بلدنا وامّا ان تأذنوا بحربٍ، فقالوا: نخرج من بلادك فبعث اليهم عبد الله بن اُبىٍّ: الاّ تخرجوا وتقيموا وتنابذوا محمّداً الحرب فانّى انصركم انا وقومى وحلفائى، فان خرجتم خرجت معكم وان قاتلتم قاتلت معكم، فأقاموا وأصلحوا حصونهم وتهيّؤا للقتال وبعثوا الى رسول الله (ص) انّا لا نخرج فاصنع ما انت صانع، فقام رسول الله (ص) وكبّر وكبّر اصحابه وقال لامير المؤمنين (ع): تقدّم الى بنى النّضير فأخذ امير المؤمنين (ع) الرّاية وتقدّم وجاء رسول الله (ص) واحاط بحصنهم وغدر بهم عبد الله بن ابىٍّ وكان رسول الله (ص) اذا ظهر بمقدّم بيوتهم حصّنوا ما يليهم وخرّبوا ما يليه، وكان الرّجل منهم ممّن كان له بيت حسن خرّبه وقد كان رسول الله (ص) امر بقطع نخلهم فجزعوا من ذلك وقالوا: يا محمّد (ص) انّ الله يأمرك بالفساد؟! ان كان لك هذا فخذه، وان كان لنا فلا تقطعه، فلمّا كان بعد ذلك قالوا: يا محمّد (ص) نخرج من بلادك فأعطنا مالنا، فقال: "لا، ولكن تخرجون ولكم ما حملت الابل"، فلم يقبلوا معه شيئاً من ذلك، فبقوا ايّاماً ثمّ قالوا: نخرج ولنا ما حملت الابل، فقال: "لا، ولكن تخرجون ولا يحمل احدٌ منكم شيئاً فمن وجدنا معه شيئاً من ذلك قتلناه"،"تفسير : فخرجوا على ذلك ووقع قومٌ منهم الى فدك ووادى القرى، وخرج قوم منهم الى الشّام، وقيل: لمّا غزا رسول الله (ص) غزاة بدرٍ قال بنو النّضير: هذا هو النّبىّ الموعود انّه لا تردّ له راية، فلمّا غزا اغراة احدٍ وهزم المسلمون ارتابوا، وكان بينهم وبين محمّدٍ (ص) عهد فنقضوا العهد وركب كعب بن الاشرف فى اربعين راكباً منهم الى مكّة، فأتوا قريشاً وابا سفيان وحالفوا على ان يكون كلمتهم واحدةً على محمّد (ص)، فأخبر الله تعالى رسوله (ص) بذلك، فلمّا ورد كعب بن الاشرف امر الله رسول (ص) بقتل كعب بن الاشرف فأمر محمّد بن مسلمة وكان اخا كعب من الرّضاعة بقتله فخرج محمّد ومعه اربعة رجال وذهب الى قرب قصره واجلس قومه عند جدارٍ وناداه: يا كعب، فانتبه، وقال: من انت؟ - قال: انا محمّد بن مسلمة اخوك، جئتك استقرض منك دراهم فانّ محمّداً (ص) يسألنا الصّدقة وليس معنا الدّراهم فقال: لا اقرضك الاّ بالرّهن، قال: معى رهنٌ انزل فخذه، وكانت له امرأة بنى بها تلك اللّيلة، فقالت: لا ادعك تنزل لانّى ارى حمرة الدّم فى ذلك الصّوت فلم يلتفت اليها فخرج، وعانقه محمّد بن مسلمة وهما يتحادثان حتّى تباعدا من القصر الى الصّحراء، ثمّ أخذ رأسه ودعا بقومه وصاح كعب فسمعت امرأته وصاحت وسمع بنو النّضير صوتها فخرجوا نحوه فوجدوه قتيلاً. ورجع القوم سالمين الى رسول الله (ص)، فأمر رسول الله (ص) بحربهم. قيل: كان اجلاء بنى النّضير مرجع النّبىّ (ص) من اُحدٍ وكان فتح قريظة مرجعه من الاحزاب، وبينهما سنتان. وقيل: كان اجلاء بنى النّضير قبل اُحدٍ على رأس ستّة اشهر من وقعة بدر، وقيل: كان ذلك بعد الحديبيّة، واليه اشار المولوىّ قدّس سرّه بقوله: شعر : وقت واكَشت حديبيّه رسول دَر تفكّر بود و غمكَين و ملول ناكَهان اندر حق شمع رسل دولت انّا فتحنا زد دهل آمدش بيغام از دولت كه رو تو زمنع اين ظفر غمكَين مشو كاندرا بن خوارى بنقدت فتحها ست نك فلان قلعه فلان قلعه تراست بنكَر آخر جونكه واكَرديد تفت برقريظه وبر نضير ازوى جه رفت تفسير : {وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ ٱلرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ} كانت بنو النّضير يخربون بيوتهم بأيديهم ضنّةً بها على المسلمين واخراجاً لآلاته النّفيسة وتوسعةً للقتال ومجالة مع المسلمين وتحصّناً باطرافها الّتى تليهم بجمع آلات الاطراف الّتى تلى المسلمين فى الاطراف الّتى تليهم {وَأَيْدِي ٱلْمُؤْمِنِينَ} فانّ المؤمنين ايضاً كانوا يخربون الاطراف الّتى تليهم من بيوتهم لتوسعة القتال وامكان الوصول اليهم، ولمّا كانوا سبباً لقتال المسلمين بنقض العهد نسب الاخراب بايدى المؤمنين اليهم، وقرئ يخرّبون بتشديد الرّاء {فَٱعْتَبِرُواْ يٰأُوْلِي ٱلأَبْصَارِ} فاتّعظوا بحالهم فانّ الاعتبار عبارة عن ان ينظر الرّجل الى امرٍ حسنٍ او الى امرٍ قبيحٍ وان ينظر الى عاقبته وما يترتّب عليه ثمّ عطف النّظر الى نفسه فارتدع عن القبيح ورغب فى الحسن، وتمسّك بعض من اعتبر القياس بمثل هذه الآية ولا يخفى عدم دلالتها على اعتبار القياس.

الأعقم

تفسير : قيل: نزلت السورة في أجلاء بني النضير صالحوا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) على أن لا يكونوا لا عليه ولا له، ولما ظهر يوم بدر قالوا: هو النبي الذي نعته في التوراة لا بدَّ له من آية، فلما هزم المسلمون يوم أحد ارتابوا ونكثوا، فخرج كعب بن الأشرف في أربعين راكباً إلى مكة يحالفون قريشاً عليه (صلى الله عليه وآله وسلم) عند الكعبة فأمر (عليه الصلاة والسلام) محمد بن سلمة فقتل كعباً غيلة، وكان أخاه من الرضاعة، ثم صبحهم بالكتائب وطلبهم الخروج من المدينة فقالوا: الموت أحب إلينا من ذلك، فتنادوا الحرب، وقيل: استمهلوا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) عشرة أيام ليتجهزوا للخروج، وبعث عبد الله بن أبي والمنافقون أنهم ينصرونهم، فحاصرهم إحدى وعشرون ليلة، فلما قذف الله عز وجل الرعب في قلوبهم، وأيسوا من نصرهم المنافقين طلبوا الصلح فأبى عليهم إلا الجلاء على أن يحمل كل ثلاثة أبيات على بعير ما شاؤوا من متاعهم، فحملوا إلى الشام إلى أريحا، هذا الكلام في {سبّح} في الحديد {هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب} يعني من بني النضير وكانوا بقرب المدينة {من ديارهم} حصونهم وأوطانهم قال ابن اسحاق: كان آخر بني النضر عند رجع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) من أحد وفتح قريظة وانصرافه من الأحزاب وبينهما سنتان {لأول الحشر} وهم أول من أخرج من أهل الكتاب من جزيرة إلى الشام ثم تبعهم إخوانهم من يهود خيبر وغيرهم، وقيل: أول الحشر من المدينة والثاني من خيبر، وقيل: أول حشر اليهود إلى أرض الشام، وثاني الحشر حشر الناس يوم القيامة إلى الشام {ما ظننتم} أيها المؤمنون {أن يخرجوا} من ديارهم لشدتهم وشوكتهم {وظنّوا} أن حصونهم تمنعهم من بأس رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) {فأتاهم الله من حيث} لم يظنوا ولم يخطر ببالهم وهو قتل رئيسهم كعب بن الأشرف، وذلك مما أضعفهم وأوهن قوتهم، وقلّ من شوكتهم، وسلب قلوبهم الأمن والطمأنينة بما قذف فيها من الرعب، وألهمهم أن يوافقوا المؤمنين في تخريب بيوتهم، ويعينوا على أنفسهم، وثبط المنافقين الذين كانوا يتولوهم ومظاهرتهم وهذا كله لم يكن في حسابهم، وقيل: كان المسلمون يهدمون بيوتهم ليسمع لهم المقاتل وهم يخربون في داخل، وقيل: كان المسلمون يخربون ما يليهم وهم يخربون من دواخلها {فاعتبروا} بهذا ليعلموا كيف فتح الله عليهم تلك الحصون.

الهواري

تفسير : تفسير سورة الحشر وهي مدنية كلها. {بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} قوله: {سَبِّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ}. تفسير الحسن قال: العزيز: بعزته ذلّ من دونه. وقال بعضهم: العزيز في نقمته، الحكيم بأمره. قوله تعالى: {هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِن دِيَارِهِمْ لأَوَّلِ الْحَشْرِ} تفسير الحسن: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لَمَا أَجلى بني النَضير إلى الشَام قال: حديث : هذا أول الحشر، ونحن على الأثر إن شاء الله تفسير : . يعني أمته الذين تقوم عليهم الساعة بالشام. وبعضهم يقول: يبعث الله النار قبل أن تقوم الساعة تطرد الناس إلى الشام، تنزل معهم إذا نزلوا، وترحل معهم إذا ارتحلوا. تطردهم إلى الشام، ثم تقوم عليهم الساعة بالشام. وبعضهم يقول: كان بنو النضير أولَ من أخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من اليهود. ذكروا عن الحسن قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : لئن عشت إن شاء الله لأخرجن اليهود من جزيرة العرب حتى لا أدع فيها إلا مسلماً تفسير : . فَقُبض قبل أن يفعل. ذكروا عن أبي الزبير عن جابر بن عبد الله عن النبي عليه السلام أنه أمر أن يُخرج اليهود من جزيرة العرب. قوله تعالى: {مَا ظََنَنتُمْ أَن يَخْرُجُواْ} أي: ما ظننتم أن يحكم الله بأن يُجلوا إلى الشام. {وَظَنُّواْ} أي اليهود، يعني بني النضير {أَنَّهُم مَّانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم مِّنَ اللهِ فَأَتَاهُمُ اللهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُواْ} أي: لم يكونوا يحتسبون أن يخرجوا من ديَارهم ومن حصونهم. قال تعالى: {وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُم بِأَيْدِيهِمْ} أي: يخربونها من داخل، يقولون: لا نتركها للمؤمنين. قال تعالى: {وَأَيْدِي الْمُؤمِنِينَ} أي: يخربها المؤمنون من خارج في تفسير الحسن. وقال الكلبي: لما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالسير إلى بني النضير درّبوا الأزقة وحصّنوا الدور، فأتاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقاتلهم إحدى وعشرين ليلة؛ كلما ظهر على دار من دورهم أو درب من دروبهم هدمه ليتسع المُقَاتَل وجعلوا ينقبون دورهم من أدبارها إلى الدار التي تليها ويرمون أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بنقضها، فلما يئسوا من نصر المنافقين، وذلك أن المنافقين كانوا واعدوهم إن قاتلهم النبي عليه السلام أن ينصروهم، فلما يئسوا من نصرهم سألوا نبي الله عليه السلام الصلح. فأبى عليهم إلا أن يخرجوا من المدينة. فصالحوه على أن يجليهم إلى الشام على أن لهم أن يحملوا. كل ثلاثة منهم، على بعير واحد، ما شاءوا من طعام وسقاء، ولنبيِّ الله وأصحابه ما فضل؛ ففعلوا. ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعاهم إلى الصلح فأبوا. فلما رآهم لا ينزلون من حصونهم أمر بنخلهم فعُقِرت. فعقر يومئذ من صنوف التمر غير العجوة. فلما رأوا أنه قد ذهب بعيشهم هبطوا إلى الصلح على أن يجليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الشام، وشارطهم على أن لهم ما حمل الظهر، سوى الحلقة والكراع. وزعم بعضهم أن الحلقة الدروع والسلاح كله. فاحتملوا شروطهم حتى إنهم لينقضون سقوفهم. وفيهم أنزل الله: {يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُم بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي المُؤْمِنِينَ}. قال تعالى: {فَاعْتَبِرُواْ} أي تفكّروا واعرفوا الحق {يَآ أُولِي الأَبْصَارِ} أي: يا أهل العقول. يعني المؤمنين.

اطفيش

تفسير : {سَبَّحَ للهِ مَافِى السَّمَٰوَاتِ وَمَا فِى الأَرضِ} أي نزه الله وما للعاقل وغيره ومر الكلام على ذلك قيل أتى بما تغليبا للاكثر على العاقل.{وَهَوَ العَزِيزُ} في ملكه ونقمته وبعزه ذل كل شيء. {الحَكِيمُ} في صنعه.

اطفيش

تفسير : {بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. سَبَّحَ للهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الحَكِيمُ} مثل أول سورة الحديد إِلا أن هنا تكريرا ما، زيادة فى التأَكيد والتنبيه على استقلال ما فى السماوات بالتسبيح واستقلال ما فى الأَرض بالتسبيح {هُوَ الَّذِي أخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أهْلِ الكِتَابِ} من للتبعيض متعلق بمحذوف حال من الذين. {مِن دِيَارِهِمْ} من للابتداء متعلق بأَخرج والآية بيان لبعض آثار قدرته تعالى، والذين كفروا بنوا النضير قبيلة عظيمة من يهود خيبر ويقال لها ولقريظة الكاهنان لأَنهما من ولد الكاهن هارون، خرجوا من الشام إِلى قريب من الشام انتظارا لخروج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليؤمنوا به ويعينوه ولم يؤمن به - صلى الله عليه وسلم - من أدركه من ذريتهم إِلا قليل. وقيل إن موسى عليه السلام أرسلهم إِلى قتل العمالقة كلهم ولم يقاتلوا ورجعوا وقد مات وردهم بنو إِسرائيل عن الشام لأَنهم عصوا موسى عليه السلام فسكنوا الحجاز. يروى أنه لما دخل النبى - صلى الله عليه وسلم - المدينة صالحه بنو النضير على أن لا يقاتلوه ولا يقاتلوا معه، ولما ظهر - صلى الله عليه وسلم - على المشركين يوم بدر قالوا له: الذى نجده فى التوراة لا ترد له راية ولما هزم المسلمون فى أُحد ارتابوا ونقضوا الصلح وركب كعب ابن الأَشرف فى أربعين إِلى مكة وتواثقوا مع أربعين من قريش فيهم أبو سفيان تحت أستار الكعبة فأَوحى الله تعالى إِليه - صلى الله عليه وسلم - بذلك وأمره بقتل كعب فقتله محمد بن مسلمة غيلة، ومن قبل ذلك أتاهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يستعينهم فى دية المسلمين اللذين قتلهما عمرو بن أُمية الضميري فى منصرفه من بئر معونة فهموا بطرح حجر عليه من الحصن فأَخبره الله تعالى فرجع إِلى المدينة فكتب إِليهم أن قد نقضتم العهد ولما قتل كعب أمر - صلى الله عليه وسلم - الناس بالمسير إِلى بنى النضير وهم فى قرية تسمى زهرة ووجدهم ينوحون على كعب فقالوا يا محمد واعية بغد واعية وباكية بعد باكية. فقال: نعم، قالوا: دعنا نبك وافعل أمرك وكتب إِليهم: اخرجوا من القرية فقالوا: الموت أقرب من ذلك وتنادوا بالحرب، وكتب إِليهم أُبى بن سلول ومن معه لا تخرجوا نقاتل معكم وإِن أُخرجتم خرجنا معكم ودربوا على الأَزقة وحصنوها، فقالوا له بقصد الغدر. أخرج إِلينا فى ثلاثين ونخرج إِليكم فى ثلاثين فإن صدقوك آمنا، ففعل ثم قالوا: كيف نصل إِليه وهو فى ثلاثين كل واحد يفديه بنفسه فكتبوا إِليه كيف يفهم الكلام فى ثلاثين مع ثلاثين، ولكن ثلاثة منا وثلاثة منكم وأعدوا الخناجر، وكتبت يهودية بذلك إِلى أخيها من الأَنصار وهو مسلم فسارع إِليه - صلى الله عليه وسلم - فأَخبره سرا قبل أن يصل فرجع - صلى الله عليه وسلم - فصبحهم بالكتائب وحصرهم إِحدى وعشرين ليلة وأمر بقطع نخلهم فقذف فى قلوبهم الرعب وأيسوا من ابن أبى سلول فصالحهم على أن يخرجوا بما حملت إِبلهم إِلا السلاح. وعن ابن عباس على أن يحمل أهل كل بيت على بعير ما شاءُوا وقيل لكل ثلاثة نفر بعير وسقاء ففعلوا إِلى أدرعات وأريحا من الشام إِلا آل أبى الحقيق وآل ابن أخطب فلحقوا بخيبر وطائفة بالحيرة وذلك فى مرجعه - صلى الله عليه وسلم - من أُحد وفتح قريظة فى مرجعه من الأَحزاب وبينهما سنتان، وليس الذين كفروا فى الآية بنى قريظة كما قال الحسن إِنهم بنى قريظة ومن الغريب ما قيل إِن هو مستعار لاسم الإِشارة إِذ لا دليل على ذلك ولا داعى فإِن كان الداعى تكلف اسم مشعر بالعزة والحكمة مثل قولك ذلك المتصف بالعزة والحكمة فإِنه يكفى فى ذلك رد الضمير إِلى الله الموصوف فى الآية بالعزة والحكمة. {لأَوَّلِ الْحَشْرِ} السلام للتوقيت كقولك كتبته لخمس مضين وفيها معنى فى ولم تخل عن التلويح إِلى أصلها وهو الاختصاص فإِن ما وقع فى وقت مخصوص بذلك الوقت، كذا قيل قلت بل مفيد الاختصاص مدخولها دونها، وقيل للتعليل ويرده أن الإِخراج هو أول الحشر فهو تعليل للشئ بنفسه والحشر حشرهم إِلى الشام قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "حديث : اخرجوا. فقالوا إِلى أين؟ قالوا إِلى أرض المحشر" تفسير : ومعنى كونه أولا أنه لم يصبهم إِخراج إِليها قبل وليس هناك إِخراج ثان واعترض هذا بأَن بختنصر قد أخرجهم فما معنى الآية قلت: بختنصر أخرجهم عن الشام وهذا إِخراج إِليه وأيضا الأَولية فى الإِسلام وبختنصر قبل وأيضا المخرجون فى الآية لم يكونوا على عهد بختنصر بل غيرهم وليسوا من ذرياتهم وقد قيل إِن بختنصر أخرجهم من الشام إِلى جزيرة العرب وهم غير الذين أخرجهم بنو إِسرائيل المذكورين آنفاً لما خالفوا موسى بعد موته وقيل للحشر الأَول المذكور فى الآية حشر ثان هو إِخراج عمر إِياهم من أرض العرب إِلى الشام وقيل حشرهم يوم القيامة من قبورهم إِلى الشام لأَنه أرض المحشر، وقيل الحشر الثانى حشر لهم ولغيرهم بنار تخرج من أقصى عدن إِلى المغرب وهو الشام عند قرب الساعة، وقيل المراد بالحشر الأَول حشره - صلى الله عليه وسلم - المسلمين لقتال اليهود ولو لم يحشر المسلمين كلهم إِليه بل جملة منهم فقط حتى أنه مشى - صلى الله عليه وسلم - على حمار مخطوم بليف لعدم اكتراثه بهم، وقيل المراد حشر اليهود أنفسهم ليقاتلوا المسلمين وقد نسخ الحشر للمشركين الكتابيين والمجوس إِلى غير بلدهم بالإِسلام وإِلا فالجزية وإِلا فالقتل وأما غير هؤلاء فالإِسلام أو القتل. {مَا ظَنَنْتُمْ} أيها المسلمون {أنْ يَخْرُجُوا} لشدة بأسهم فيما قيل ووثاقة حصونهم وكثرة عددهم وعدتهم كما أشار الله عز وجل إِلى منعة حصونهم، وقوتها بقوله {وَظَنُّوا أنَّهُم مَّانِعَتُهُمْ} خبر سببى {حُصُونُهُم} فاعل مانعتهم أو مانعتهم خبر لحصونهم والجملة خبر أن لمبتدأ خبره حصونهم، لأَن فيه إِخبارا بالمعرفة عن النكرة وهى مانعتهم لأَن إِضافته لفظية لأَنه للاستقبال وكأَنه منون ناصب للضمير بعده كأَنه قيل إِياهم مانعة ولم يقل وظنوا أن لا يخرجوا مع أنه أنسب بقوله ما ظننتم أن يخرجوا بل قال وظنوا أنهم الخ لتفاوت الظنين، ظن المؤمنون أن اليهود لا يخرجون وظن اليهود أن حصونهم مانعة فإِن واو ظنوا لليهود وظنهم قريب من يقينهم فجئ بالجملة الاسمية، وقدم مانعتهم على أنه خبر مقدم تأَكيدا بالحصر أى ما حصونهم إِلا مانعة. وفى قول بعض فى مثل هذا الحصر إِن المعنى لا مانع إِلا حصونهم {مِنَ اللهِ} من بأس الله عز وجل وذلك لقوة جهلهم حتى صاروا فى نوع من الإِشراك وهو ظنهم أنهم مانعتهم حصونهم من حزب الله تعالى وهم النبى والمؤمنون، ولا يجوز أن يكون واو ظنوا للمؤمنين لأَن المؤمنين لا يظنون أن شيئا ما من الأَشياء يمنع من الله عز وجل ولولا لفظ من الله لاحتمل أن يظنوا أن اليهود تمنعهم من الفتح إِلا إِذا أخبرهم الله عز وجل أنها تفتح وحصونهم ستة: الكتيبة بالتصغير والوطيح بفتح الواو وبالحاء المهملة والسلالم بضم السين وفتحها وكسر اللام بعد الأَلف بلا ياء بعد اللام وبالياء والنطاوة والوحدة وشفا {فَأَتَاهُمُ اللهُ} كناية عن إِخزائهم وأخراب ملكهم أو يقدر مضاف أى أتاهم أمر الله عز وجل {مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا} لم يخطر ببالهم وذلك أنه قتل رئيسهم كعب بن الأَشرف فإِنه زال أمنهم وطمأنينتهم بقتله وكسرت شوكتهم وقيل هاء أتاهم وواو لم يحتسبوا للمؤمنين وأن المراد أتاهم نصر الله من حيث لم يحتسبوا ويرده أن الضمائر قبله فى قوله تعالى وظنوا أنهم مانعتهم حصونهم والضمائر بعده فى قوله: وقذف فى قلوبهم الخ لليهود، وفى رد الهاء والواو بينهما للمؤمنين تفكيك الضمائر بلا داع ولا دليل {وَقَذَفَ} القذف الرمى الشديد أو الرمى من بعيد والمراد هنا الإِثبات الشديد استعارة من الحسى للعقلى وهو إِثبات الرعب فى قلوبهم. {فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ} الخوف الشديد من رعبت الحوض إِذا ملأته. كذا قيل ووجهه أن ملء الحوض حسى وملء القلب عقلى والحسى أقوى ولذا لم يجعل رعب الحوض مأخوذا من رعب القلب. {يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ} يهدمونها ليسدوا بحجارتها وطوبها وخشبها أفواه الطرق عن المؤمنين ولئلا ينتفع المسلمون بسكناهم بعدهم وليرحلوا بما رغبوا فيه من عمود وباب ونحوه. قيل وليرموا المؤمنين بما نقضوا وليخرجوا من باطن إِلى ظاهر والمؤمنون يخربون من ظاهر وهذا أمر عجيب إِلا أن الرمى للقتال ولا قتال ولعلهم خافوا القتال أو ربما قاتلوا أو العامة أو بعضهم لا يعلمون بحقيقة الصلح، وكذا قول اليهود دعوا النخل لمن غلب عليه، يدل على وقوع القتال ولعله كان قتالا خفيفاً ثم أذعنوا للصلح. {وَأيْدِي المؤمِنِينَ} لأَنهم يخربونها من خارج ليدخلوا على اليهود وليزيلوا تحصنهم ويتسع المجال للقتال ولزيادة الانتقام منهم وأسند إِخراب أيدى المؤمنين إِليهم لأَنهم السبب بكفرهم ففى قوله تعالى يخربون جمع بين الحقيقة والمجاز، فإِخرابهم بأَنفسهم حقيقة وإِخرابهم بيوتهم بأَيدى المؤمنين مجاز أو يحمل على عموم المجاز بمعنى يضرون أنفسهم والجملة مستأنفة بيان للازم الرعب، فإِن الإِحزاب من لوازمه أو بولغ فى رعبهم حتى أنه نفس الإِخراب فيكون تفسيرا له، والأَول أولى أو مستأنفة جواب لسؤال كأَنه قيل ما حالهم بعد الرعب أو مع الرعب فأُجيب بأَنهم يخربون ويصح أن تكون حالا من هاء قلوبهم ولو مضافا إِليها لأَن المضاف جزء من مضمونها {فَاعْتَبِرُوا يَا أُوْلِي الأَبْصَارِ} اتعظوا بما صار فيهم من الأُمور الغريبة وأنواع الانتقام منهم لكفرهم وغدرهم واعتمادهم فى ذلك أيضا على غيرهم من الناس وعلى حصونهم.

الالوسي

تفسير : {سَبَّحَ للَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ } إلى قوله تعالى: { أية : وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلّ شَيْء قَدِيرٌ } تفسير : [الحشر: 6] وتقدم الكلام على نظير هذه الجملة في صدر سورة الحديد. وكرر الموصول هٰهنا لزيادة التقرير والتنبيه على استقلال كل من الفريقين بالتسبيح.

سيد قطب

تفسير : نزلت هذه السورة في حادث بني النضير ـ حي من أحياء اليهود ـ في السنة الرابعة من الهجرة. تصف كيف وقع؟ ولماذا وقع؟ وما كان في أعقابه من تنظيمات في الجماعة الإسلامية.. ترويها بطريقة القرآن الخاصة، وتعقب على الأحداث والتنظيمات بطريقة القرآن كذلك في تربية تلك الجماعة تربية حية بالأحداث والتوجيهات والتعقيبات. وقبل أن نستعرض النصوص القرآنية في السورة، نعرض شيئاً مما ذكرته الروايات عن ذلك الحادث الذي نزلت السورة بشأنه؛ لنرى ميزة العرض القرآني، وبعد آماده وراء الأحداث التي تتنزل بشأنها النصوص، فتفي بمقتضيات الأحداث، وتمتد وراءها وحولها في مجالات أوسع وأشمل من مقتضيات تلك الأحداث المحدودة بالزمان والمكان. كانت وقعة بني النضير في أوائل السنة الرابعة من الهجرة بعد غزوة أحد وقبل غزوة الأحزاب. ومما يذكر عنها أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ذهب مع عشرة من كبار أصحابه منهم أبو بكر وعمر وعلي ـ رضي الله عنهم ـ إلى محلة بني النضير، يطلب منهم المشاركة في أداء دية قتيلين بحكم ما كان بينه وبينهم من عهد في أول مقدمه على المدينة. فاستقبله يهود بني النضير بالبشر والترحاب ووعدوا بأداء ما عليهم، بينما كانوا يدبرون أمراً لاغتيال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ومن معه. وكان ـ صلى الله عليه وسلم ـ جالساً إلى جدار من بيوتهم. فقال بعضهم لبعض: إنكم لن تجدوا الرجل على مثل حاله هذه. فمن رجل منكم يعلو هذا البيت، فيلقي عليه صخرة، فيريحنا منه؟ فانتدب لذلك عمرو بن جَحاش بن كعب. فقال: أنا لذلك. فصعد ليلقي عليه صخرة كما قال. فألهم رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ما يبيت اليهود من غدر. فقام كأنما ليقضي أمراً. فلما غاب استبطأه من معه، فخرجوا من المحلة يسألون عنه، فعلموا أنه دخل المدينة. وأمر رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ بالتهيؤ لحرب بني النضير لظهور الخيانة منهم، ونقض عهد الأمان الذي بينه وبينهم. وكان قد سبق هذا إقذاع كعب بن الأشرف ـ من بني النضير ـ في هجاء رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وتأليبه الأعداء عليه. وما قيل من أن كعباً ورهطاً من بني النضير اتصلوا بكفار قريش اتصال تآمر وتحالف وكيد ضد النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ مع قيام ذلك العهد بينهم وبينه. مما جعل رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يأذن لمحمد بن مسلمة في قتل كعب بن الأشرف. فقتله. فلما كان التبييت للغدر برسول الله في محلة بني النضير لم يبق مفر من نبذ عهدهم إليهم. وفق القاعدة الإسلامية: {أية : وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سوآء إن الله لا يحب الخائنين}.. تفسير : فتجهز رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وحاصر محلة بني النضير، وأمهلهم ثلاثة أيام ـ وقيل عشرة ـ ليفارقوا جواره ويجلوا عن المحلة على أن يأخذوا أموالهم، ويقيموا وكلاء عنهم على بساتينهم ومزارعهم. ولكن المنافقين في المدينة ـ وعلى رأسهم عبد الله بن أبي بن سلول رأس النفاق ـ أرسلوا إليهم يحرضونهم على الرفض والمقاومة، وقالوا لهم: أن اثبتوا وتمنعوا فإنا لن نسلمكم. وإن قوتلتم قاتلنا معكم، وإن أخرجتم خرجنا معكم. وفي هذا يقول الله تعالى: {ألم تر إلى الذين نافقوا يقولون لإخوانهم الذين كفروا من أهل الكتاب: لئن أخرجتم لنخرجن معكم ولا نطيع فيكم أحدا أبداً، وإن قوتلتم لننصرنكم والله يشهد إنهم لكاذبون. لئن أخرجوا لا يخرجون معهم، ولئن قوتلوا لا ينصرونهم، ولئن نصروهم ليولن الأدبار ثم لا ينصرون. لأنتم أشد رهبة في صدورهم من الله، ذلك بأنهم قوم لا يفقهون...}. فتحصن اليهود في الحصون؛ فأمر رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ بقطع نخيلهم والتحريق فيها. فنادوه: أن يا محمد قد كنت تنهى عن الفساد وتعيبه على من صنعه: فما بال قطع النخيل وتحريقها؟ وفي الرد عليهم نزل قوله تعالى: {ما قطعتم من لينة أو تركتموها قآئمة على أصولها فبإذن الله وليخزي الفاسقين}.. ولما بلغ الحصار ستاً وعشرين ليلة، يئس اليهود من صدق وعد المنافقين لهم، وقدف الله في قلوبهم الرعب، فسألوا رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أن يجليهم ويكف عن دمائهم، كما سبق جلاء بني قينقاع (وقد ذكرنا سببه وظروفه في تفسير سورة الأحزاب في الجزء الحادي والعشرين) على أن لهم ما حملت الإبل من أموالهم إلا السلاح. فأجابهم رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فاحتملوا من أموالهم ما استقلت به الإبل. فكان الرجل منهم يهدم بيته عن خشبة بابه فيحمله على ظهر بعيره؛ أن يخربه حتى لا يقع في أيدي المسلمين؛ وكان المسلمون قد هدموا وخربوا بعض الجدران التي اتخذت حصوناً في أيام الحصار. وفي هذا يقول الله في هذه السورة: {هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم لأول الحشر ما ظننتم أن يخرجوا وظنوا أنهم مانعتهم حصونهم من الله، فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا، وقذف في قلوبهم الرعب، يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين، فاعتبروا يأولي الأبصار. ولولا أن كتب الله عليهم الجلاء لعذبهم في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب النار. ذلك بأنهم شآقوا الله ورسوله ومن يشآق الله فإن الله شديد العقاب}.. وكان منهم من سار إلى خيبر، ومنهم من سار إلى الشام. وكان من أشرافهم ممن سار إلى خيبر سلام بن أبي الحقيق، وكنانة بن الربيع بن أبي الحقيق، وحي بن أخطب، ممن ورد ذكرهم بعد ذلك في تأليب المشركين على المسلمين في غزوة الأحزاب ووقعة بني قريظة (في سورة الأحزاب) وكان لبعضهم كذلك ذكر في فتح خيبر (في سورة الفتح). وكانت أموال بني النضير فيئاً خالصاً لله وللرسول؛ لم يوجف المسلمون عليه بخيل ولا جمال. فقسمها رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ على المهاجرين خاصة دون الأنصار عدا رجلين من الأنصار فقيرين هما سهل بن حنيف، وأبو دجانة سماك بن خرشة. وذلك أن المهاجرين لم يكن لهم مال بعد الذي تركوه في مكة وتجردوا منه كله لعقيدتهم. وكان الأنصار قد أنزلوهم دورهم وشاركوهم ما لهم في أريحية عالية، وأخوة صادقة، وإيثار عجيب. فلما واتت هذه الفرصة سارع رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ لإقامة الأوضاع الطبيعية في المجتمع الإسلامي، كي يكون للفقراء مال خاص، وكي لا يكون المال متداولاً في الأغنياء وحدهم. ولم يعط من الأنصار إلا الفقيرين اللذين يستحقان لفقرهما.. وتكلم في أموال بني النضير بعض من تكلم ـ والراجح أنهم من المنافقين ـ فقال تعالى: {ومآ أفآء الله على رسوله منهم فمآ أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب، ولـكن الله يسلط رسله على من يشآء والله على كل شيء قدير}.. وقال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ للأنصار: "حديث : إن شئتم قسمتم للمهاجرين من أموالكم ودياركم وشاركتموهم في هذه الغنيمة. وإن شئتم كانت لكم دياركم وأموالكم، ولم يقسم لكم شيء من الغنيمة"تفسير : فقالت الأنصار: بل نقسم من أموالنا وديارنا ونؤثرهم بالغنيمة ولا نشاركهم فيها. وفي هذا نزل قوله تعالى: {للفقرآء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلا من الله ورضواناً، وينصرون الله ورسوله، أولـئك هم الصادقون. والذين تبوأوا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة ممآ أوتوا، ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة. ومن يوق شح نفسه فأولـئك هم المفلحون}. فهذا هو الحادث الذي نزلت فيه هذه السورة، وتعلقت به نصوصها، بما في ذلك خاتمة السورة التي يتوجه فيها الخطاب للذين آمنوا ممن شهدوا هذا الحادث وممن يعرفونه بعد ذلك. على طريقة القرآن في تربية النفوس بالأحداث وبالتعقيب عليها، وربطها بالحقائق الكلية الكبيرة.. ثم الإيقاع الأخير في السورة بذكر صفات الله الذي يدعو الذين آمنوا ويخاطبهم بهذا القرآن. وهي صفات ذات فاعلية وأثر في هذا الكون؛ وعلى أساس تصور حقيقتها يقوم الإيمان الواعي المدرك البصير. وتبدأ السورة وتختتم بتسبيح الله الذي له ما في السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم. فيتناسق البدء والختام، مع موضوع السورة، ومع دعوة المؤمنين للتقوى والخشوع والتفكر في تدبير الله الحكيم. والآن نسير مع النصوص القرآنية لنرى كيف تصور الأحداث، وكيف تربي النفوس بهذه الأحداث.. {سبح لله ما في السماوات وما في الأرض، وهو العزيز الحكيم}.. بهذه الحقيقة التي وقعت وكانت في الوجود. حقيقة تسبيح كل شيء في السماوات وكل شيء في الأرض لله، واتجاهها إليه بالتنزيه والتمجيد.. تفتتح السورة التي تقص قصة إخراج الله للذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم، وإعطائها للمؤمنين به المسبحين بحمده الممجدين لأسمائه الحسنى.. {وهو العزيز الحكيم}.. القوي القادر على نصر أوليائه وسحق أعدائه.. الحكيم في تدبيره وتقديره. ثم يقص نبأ الحادث الذي نزلت فيه السورة: {هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم لأول الحشر. ما ظننتم أن يخرجوا، وظنوا أنهم مانعتهم حصونهم من الله؛ فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا، وقذف في قلوبهم الرعب، يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين، فاعتبروا يأولي الأبصار. ولولا أن كتب الله عليهم الجلاء لعذبهم في الدنيا، ولهم في الآخرة عذاب النار. ذلك بأنهم شآقوا الله ورسوله، ومن يشآق الله فإن الله شديد العقاب}. ومن هذه الآيات نعلم أن الله هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم لأول الحشر. والله هو فاعل كل شيء. ولكن صيغة التعبير تقرر هذه الحقيقة في صورة مباشرة، توقع في الحس أن الله تولى هذا الإخراج من غير ستار لقدرته من فعل البشر! وساق المخرجين للأرض التي منها يحشرون، فلم تعد لهم عودة إلى الأرض التي أخرجوا منها. ويؤكد فعل الله المباشر في إخراجهم وسوقهم بالفقرة التالية في الآية: {ما ظننتم أن يخرجوا، وظنوا أنهم مانعتهم حصونهم من الله}.. فلا أنتم كنتم تتوقعون خروجهم ولا هم كانوا يسلمون في تصور وقوعه! فقد كانوا من القوة والمنعة في حصونهم بحيث لا تتوقعون أنتم أن تخرجوهم منها كما أخرجوا. وبحيث غرتهم هذه المنعة حتى نسوا قوة الله التي لا تردها الحصون! {فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا. وقذف في قلوبهم الرعب}. أتاهم من داخل أنفسهم! لا من داخل حصونهم! أتاهم من قلوبهم فقذف فيها الرعب، ففتحوا حصونهم بأيديهم! وأراهم أنهم لا يملكون ذواتهم، ولا يحكمون قلوبهم، ولا يمتنعون على الله بإرادتهم وتصميمهم! فضلاً على أن يمتنعوا عليه ببنيانهم وحصونهم. وقد كانوا يحسبون حساب كل شيء إلا أن يأتيهم الهجوم من داخل كيانهم. فهم لم يحتسبوا هذه الجهة التي أتاهم الله منها. وهكذا حين يشاء الله أمراً. يأتي له من حيث يعلم ومن حيث يقدر، وهو يعلم كل شيء، وهو على كل شيء قدير. فلا حاجة إذن إلى سبب ولا إلى وسيلة، مما يعرفه الناس ويقدرونه. فالسبب حاضر دائماً والوسيلة مهيأة. والسبب والنتيجة من صنعه، والوسيلة والغاية من خلقه؛ ولن يمتنع عليه سبب ولا نتيجة، ولن يعز عليه وسيلة ولا غاية.. وهو العزيز الحكيم.. ولقد تحصن الذين كفروا من أهل الكتاب بحصونهم فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا وقذف في قلوبهم الرعب. ولقد امتنعوا بدورهم وبيوتهم فسلطهم الله على هذه الدور والبيوت يخربونها بأيديهم، ويمكنون المؤمنين من إخرابها: {يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين}.. وبهذا تتم حكاية ما وقع للذين كفروا من أهل الكتاب، في تلك الصورة الموحية، وهذه الحركة المصورة.. والله ـ سبحانه ـ يأتيهم من وراء الحصون فتسقط بفعلهم هم؛ ثم يزيدون فيخربونها بأيديهم وأيدي المؤمنين. هنا يجيء أول تعقيب في ظل الصورة، وعلى إيقاع هذه الحركة: {فاعتبروا يا أولي الأبصار}.. وهو هتاف يجيء في مكانه وفي أوانه. والقلوب متهيئة للعظة متفتحة للاعتبار. والآية التالية تقرر أن إرادة الله في النكاية بهم ما كانت لتعفيهم بأية حالة من نكال يصيبهم في الدنيا غير ما ينتظرهم في الآخرة: {ولولا أن كتب الله عليهم الجلاء لعذبهم في الدنيا، ولهم في الآخرة عذاب النار}.. فهو أمر مقرر أن ينالهم النكال من الله. بهذه الصورة التي وقعت أو بصورة أخرى. ولولا أن اختار الله جلاءهم لعذبهم عذاباً آخر. غير عذاب النار الذي ينتظرهم هناك. فقد استحقوا عذاب الله في صورة من صوره على كل حال! {ذلك بأنهم شاقوا الله ورسوله. ومن يشاقق الله فإن الله شديد العقاب}.. والمشاقة أن يأخذوا لهم شقا غير شق الله، وجانباً غير جانبه. وقد جعل الله جانبه هو جانب رسوله حين وصف علة استحقاقهم للعذاب في صدر الآية. فاكتفى في عجزها بمشاقة الله وحده فهي تشمل مشاقة الرسول وتتضمنها. ثم ليقف المشاقون في ناحية أمام الله ـ سبحانه ـ وهو موقف فيه تبجح قبيح، حين يقف المخاليق في وجه الخالق يشاقونه! وموقف كذلك رعيب، وهذه المخاليق الضئيلة الهزيلة تتعرض لغضب الله وعقابه. وهو شديد العقاب. وهكذا تستقر في القلوب حقيقة مصائر المشاقين لله في كل أرض وفي كل وقت. من خلال مصير الذين كفروا من أهل الكتاب، وما استحقوا به هذا العقاب. ولا يفوتنا أن نلحظ تسمية القرآن ليهود بني النضير بأنهم {الذين كفروا من أهل الكتاب} وتكرار هذه الصفة في السورة. فهي حقيقة لأنهم كفروا بدين الله في صورته العليا التي جاء بها محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ وقد كان اليهود ينتظرونها ويتوقعونها. وذكر هذه الصفة في الوقت نفسه يحمل بياناً بسبب التنكيل بهم؛ كما أنه يعبئ شعور المسلمين تجاههم تعبئة روحية تطمئن لها قلوبهم فيما فعلوا معهم، وفيما حل بهم من نكال وعذاب على أيديهم. فذكر هذه الحقيقة هنا مقصود ملحوظ! ثم يطمئن المؤمنين على صواب ما أوقعوه بهؤلاء الذين كفروا وشاقوا الله ورسوله من تقطيع نخيلهم وتحريقه، أو تركه كذلك قائماً، وبيان حكم الله فيه. وقد دخل نفوس بعض المسلمين شيء من هذا: {ما قطعتم من لينة أو تركتموها قآئمة على أصولها فبإذن الله وليخزي الفاسقين}.. واللينة الجيدة من النخل، أو نوع جيد منه معروف للعرب إذ ذاك. وقد قطع المسلمون بعض نخل اليهود، وأبقوا بعضه. فتحرجت صدورهم من الفعل ومن الترك. وكانوا منهيين قبل هذا الحادث وبعده عن مثل هذا الاتجاه في التخريب والتحريق. فاحتاج هذا الاستثناء إلى بيان خاص، يطمئن القلوب. فجاءهم هذا البيان يربط الفعل والترك بإذن الله. فهو الذي تولى بيده هذه الموقعة؛ وأراد فيها ما أراد، وأنفذ فيها ما قدره، وكان كل ما وقع من هذا بإذنه. أراد به أن يخزي الفاسقين. وقطع النخيل يخزيهم بالحسرة على قطعه؛ وتركه يخزيهم بالحسرة على فوته. وإرادة الله وراء هذا وذاك على السواء. بذلك تستقر قلوب المؤمنين المتحرجة، وتشفى صدورهم مما حاك فيها، وتطمئن إلى أن الله هو الذي أراد وهو الذي فعل. والله فعال لما يريد. وما كانوا هم إلا أداة لإنفاذ ما يريد. فأما المقطع الثاني في السورة فيقرر حكم الفيء الذي أفاءه الله على رسوله في هذه الوقعة وفيما يماثلها، مما لم يتكلف فيه المسلمون عزواً ولا قتالاً.. أي الوقائع التي تولتها يد الله جهرة ومباشرة وبدون ستار من الخلق كهذه الوقعة: {ومآ أفآء الله على رسوله منهم فمآ أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب. ولـكن الله يسلط رسله على من يشآء، والله على كل شيء قدير. مآ أفآء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل. كي لا يكون دولة بين الأغنيآء منكم. ومآ آتاكم الرسول فخذوه. وما نهاكم عنه فانتهوا واتقوا الله، إن الله شديد العقاب. للفقرآء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم، يبتغون فضلاً من الله ورضواناً، وينصرون الله ورسوله، أولـئك هم الصادقون. والذين تبوأوا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم، ولا يجدون في صدورهم حاجة ممآ أوتوا، ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة. ومن يوق شح نفسه فأولـئك هم المفلحون. والذين جآءوا من بعدهم يقولون: ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان، ولا تجعل في قلوبنا غِلاًّ للذين آمنوا. ربنآ إنك رؤُوف رحيم}.. وهذه الآيات التي تبين حكم الله في هذا الفيء وأمثاله، تحوي في الوقت ذاته وصفاً لأحوال الجماعة المسلمة في حينها؛ كما تقرر طبيعة الأمة المسلمة على توالي العصور، وخصائصها المميزة التي تترابط بها وتتماسك على مدار الزمان، لا ينفصل فيها جيل عن جيل، ولا قوم عن قوم، ولا نفس عن نفس، في الزمن المتطاول بين أجيالها المتعاقبة في جميع بقاع الأرض. وهي حقيقة ضخمة كبيرة ينبغي الوقوف أمامها طويلاً في تدبر عميق.. {ومآ أفآء الله على رسوله منهم فمآ أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب، ولـكن الله يسلط رسله على من يشآء والله على كل شيء قدير}. والإيجاف: الركض والإسراع. والركاب: الجمال. والآية تذكر المسلمين أن هذا الفيء الذي خلفه وراءهم بنو النضير لم يركضوا هم عليه خيلاً، ولم يسرعوا إليه ركباً، فحكمه ليس حكم الغنيمة التي أعطاهم الله أربعة أخماسها، واستبقى خمسها فقط لله والرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل، كما حكم الله في غنائم بدر الكبرى. إنما حكم هذا الفيء أنه كله لله والرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل. والرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ هو الذي يتصرف فيه كله في هذه الوجوه. وذو القربى المذكورون في الآيتين هم قرابة رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أن كانت الصدقات لا تحل لهم، فليس لهم في الزكاة نصيب، وأن كان النبي لا يورث فليس لذوي قرابته من ماله شيء. وفيهم الفقراء الذين لا مورد لهم. فجعل لهم من خمس الغنائم نصيباً، كما جعل لهم من هذا الفيء وأمثاله نصيباً. فأما بقية الطوائف والمصارف فأمرها معروف. والرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ هو المتصرف فيها. هذا هو حكم الفيء تبينه الآيات. ولكنها لا تقتصر على الحكم وعلته القريبة. إنما تفتح القلوب على حقيقة أخرى كبيرة: {ولكن الله يسلط رسله على من يشاء}.. فهو قدر الله. وهم طرف من هذا القدر يسلطه على من يشاء. {والله على كل شيء قدير}.. بهذا يتصل شأن الرسل بقدر الله المباشر؛ ويتحدد مكانهم في دولاب القدر الدوار. ويتبين أنهم ـ ولو أنهم بشر ـ متصلون بإرادة الله ومشئيته اتصالاً خاصاً، يجعل لهم دوراً معيناً في تحقيق قدر الله في الأرض، بإذن الله وتقديره. فما يتحركون بهواهم، وما يأخذون أو يدعون لحسابهم. وما يغزون أو يقعدون، وما يخاصمون أو يصالحون، إلا لتحقيق جانب من قدر الله في الأرض منوط بهم وبتصرفاتهم وتحركاتهم في هذه الأرض. والله هو الفاعل من وراء ذلك كله. وهو على كل شيء قدير.. {مآ أفآء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل.. كي لا يكون دولة بين الأغنيآء منكم. ومآ آتاكم الرسول فخذوه. وما نهاكم عنه فانتهوا. واتقوا الله إن الله شديد العقاب}.. وتبين هذه الآية الحكم الذي أسلفنا تفصيلاً. ثم تعلل هذه القسمة فتضع قاعدة كبرى من قواعد التنظيم الاقتصادي والاجتماعي في المجتمع الإسلامي: {كي لا تكون دولة بين الأغنياء منكم}.. كما تضع قاعدة كبرى في التشريع الدستوري للمجتمع الإسلامي: {وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا}.. ولو أن هاتين القاعدين جاءتا بمناسبة هذا الفيء وتوزيعه، إلا أنهما تتجاوزان هذا الحادث الواقع إلى آماد كثيرة في أسس النظام الاجتماعي الإسلامي. والقاعدة الأولى، قاعدة التنظيم الاقتصادي، تمثل جانباً كبيراً من أسس النظرية الاقتصادية في الإسلام. فالملكية الفردية معترف بها في هذه النظرية. ولكنها محددة بهذه القاعدة. قاعدة ألا يكون المال دولة بين الأغنياء، ممنوعاً من التداول بين الفقراء. فكل وضع ينتهي إلى أن يكون المال دولة بين الأغنياء وحدهم هو وضع يخالف النظرية الاقتصادية الإسلامية كما يخالف هدفاً من أهداف التنظيم الاجتماعي كله. وجميع الارتباطات والمعاملات في المجتمع الإسلامي يجب أن تنظم بحيث لا تخلق مثل هذا الوضع أو تبقي عليه إن وجد. ولقد أقام الإسلام بالفعل نظامه على أساس هذه القاعدة. ففرض الزكاة. وجعل حصيلتها في العام اثنين ونصفاً في المئة من أصل رؤوس الأموال النقدية، وعشرة أو خمسة في المئة من جميع الحاصلات. وما يعادل ذلك في الأنعام. وجعل الحصيلة في الركاز وهو كنوز الأرض مثلها في المال النقدي. وهي نسب كبيرة. ثم جعل أربعة أخماس الغنيمة للمجاهدين فقراء وأغنياء بينما جعل الفيء كله للفقراء. وجعل نظامه المختار في إيجار الأرض هو المزارعة ـ أي المشاركة في المحصول الناتج بين صاحب الأرض وزارعها. وجعل للإمام الحق في أن يأخذ فضول أموال الأغنياء فيردها على الفقراء. وأن يوظف في أموال الأغنياء عند خلو بيت المال. وحرم الاحتكار. وحظر الربا. وهما الوسيلتان الرئيسيتان لجعل المال دولة بين الأغنياء. وعلى الجملة أقام نظامه الاقتصادي كله بحيث يحقق تلك القاعدة الكبرى التي تعد قيداً أصيلاً على حق الملكية الفردية بجانب القيود الأخرى. ومن ثم فالنظام الإسلامي نظام يبيح الملكية الفردية، ولكنه ليس هو النظام الرأسمالي، كما أن النظام الرأسمالي ليس منقولاً عنه، فما يقوم النظام الرأسمالي إطلاقاً بدون ربا وبدون احتكار، إنما هو نظام خاص من لدن حكيم خبير. نشأ وحده. وسار وحده، وبقي حتى اليوم وحده. نظاماً فريداً متوازن الجوانب، متعادل الحقوق والواجبات، متناسقاً تناسق الكون كله. مذ كان صدوره عن خالق الكون. والكون متناسق موزون! فأما القاعدة الثانية ـ قاعدة تلقي الشريعة من مصدر واحد: {أية : وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا}.. تفسير : فهي كذلك تمثل النظرية الدستورية الإسلامية. فسلطان القانون في الإسلام مستمد من أن هذا التشريع جاء به الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ قرآناً أو سنة. والأمة كلها والإمام معها لا تملك أن تخالف عما جاء به الرسول. فإذا شرعت ما يخالفه لم يكن لتشريعها هذا سلطان، لأنه فقد السند الأول الذي يستمد منه السلطان.. وهذه النظرية تخالف جميع النظريات البشرية الوضعية، بما فيها تلك التي تجعل الأمة مصدر السلطات، بمعنى أن للأمة أن تشرع لنفسها ما تشاء، وكل ما تشاء، وكل ما تشرعه فهو ذو سلطان. فمصدر السلطات في الإسلام هو شرع الله الذي جاء به الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ والأمة تقوم على هذه الشريعة وتحرسها وتنفذها ـ والإمام نائب عن الأمة في هذا ـ وفي هذا تنحصر حقوق الأمة. فليس لها أن تخالف عما آتاها الرسول في أي تشريع. فأما حين لا توجد نصوص فيما جاء به الرسول بخصوص أمر يعرض للأمة فسبيلها أن تشرع له بما لا يخالف أصلاً من أصول ما جاء به الرسول. وهذا لا ينقض تلك النظرية، إنما هو فرع عنها، فالمرجع في أي تشريع هو أن يتبع ما جاء به الرسول إن كان هناك نص، وألا يخالف أصلاً من أصوله فيما لا نص فيه. وتنحصر سلطة الأمة ـ والإمام النائب عنها ـ في هذه الحدود. وهو نظام فريد لا يماثله نظام آخر مما عرفته البشرية من نظم وضعيه. وهو نظام يربط التشريع للناس بناموس الكون كله، وينسق بين ناموس الكون الذي وضعه الله له والقانون الذي يحكم البشر وهو من الله. كي لا يصطدم قانون البشر بناموس الكون، فيشقى الإنسان أو يتحطم أو تذهب جهوده أدراج الرياح! وتربط الآية هاتين القاعدتين في قلوب المؤمنين بمصدرها الأول.. وهو الله.. فتدعوهم إلى التقوى وتخوفهم عقاب الله: {واتقوا الله إن الله شديد العقاب}.. وهذا هو الضمان الأكبر الذي لا احتيال عليه، ولا هروب منه. فقد علم المؤمنون أن الله مطلع على السرائر، خبير بالأعمال، وإليه المرجع والمآب. وعلموا أنه شديد العقاب. وعلموا أنهم مكلفون ألا يكون المال دولة بينهم، وأن يأخذوا ما آتاهم الرسول عن رضى وطاعة، وأن ينتهوا عما نهاهم عنه في غير ترخص ولا تساهل وأمامهم يوم عصيب.. ولقد كان توزيع ذلك الفيء ـ فيء بني النضير ـ على المهاجرين وحدهم عدا رجلين من الأنصار إجراء خاصاً بهذا الفيء، تحقيقاً لقاعدة: {كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم}.. فأما الحكم العام، فهو أن يكون للفقراء عامة. من المهاجرين ومن الأنصار وممن يأتي بعدهم من الأجيال. وهذا ما تضمنته الآيات التالية في السياق. ولكن القرآن لا يذكر الأحكام جافة مجردة، إنما يوردها في جو حيّ يتجاوب فيه الأحياء. ومن ثم أحاط كل طائفة من هذه الطوائف الثلاث بصفاتها الواقعية الحية التي تصور طبيعتها وحقيقتها؛ وتقرر الحكم حياً يتعامل مع هؤلاء الأحياء: {للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلاً من الله ورضواناً، وينصرون الله ورسوله، أولئك هم الصادقون}.. وهي صورة صادقة تبرز فيها أهم الملامح المميزة للمهاجرين: أخرجوا إخراجاً من ديارهم وأموالهم. أكرههم على الخروج الأذى والاضطهاد والتنكر من قرابتهم وعشيرتهم في مكة. لا لذنب إلا أن يقولوا ربنا الله.. وقد خرجوا تاركين ديارهم وأموالهم {يبتغون فضلاً من الله ورضواناً} اعتمادهم على الله في فضله ورضوانه. لا ملجأ لهم سواه، ولا جناب لهم إلا حماه.. وهم مع أنهم مطاردون قليلون {ينصرون الله ورسوله}.. بقلوبهم وسيوفهم في أحرج الساعات وأضيق الأوقات. {أولئك هم الصادقون}.. الذين قالوا كلمة الإيمان بألسنتهم، وصدقوها بعملهم. وكانوا صادقين مع الله في أنهم اختاروه. وصادقين مع رسوله في أنهم اتبعوه. وصادقين مع الحق في أنهم كانوا صورة منه تدب على الأرض ويراها الناس! {والذين تبوأوا الدار والإيمان من قبلهم، يحبون من هاجر إليهم، ولا يجدون في صدورهم حاجة ممآ أوتوا، ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة. ومن يوق شح نفسه فأولـئك هم المفلحون}.. وهذه كذلك صورة وضيئة صادقة تبرز أهم الملامح المميزة للأنصار. هذه المجموعة التي تفردت بصفات، وبلغت إلى آفاق، لولا أنها وقعت بالفعل، لحسبها الناس أحلاماً طائرة ورؤى مجنحة ومثلاً عليا قد صاغها خيال محلق.. {والذين تبوأوا الدار والإيمان من قبلهم}.. أي دار الهجرة. يثرب مدينة الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ وقد تبوأها الأنصار قبل المهاجرين. كما تبوأوا فيها الإيمان. وكأنه منزل لهم ودار. وهو تعبير ذو ظلال. وهو أقرب ما يصور موقف الأنصار من الإيمان. لقد كان دارهم ونزلهم ووطنهم الذي تعيش فيه قلوبهم، وتسكن إليه أرواحهم، ويثوبون إليه ويطمئنون له، كما يثوب المرء ويطمئن إلى الدار. {يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا}.. ولم يعرف تاريخ البشرية كله حادثاً جماعياً كحادث استقبال الأنصار للمهاجرين. بهذا الحب الكريم. وبهذا البذل السخي. وبهذه المشاركة الرضية. وبهذا التسابق إلى الإيواء واحتمال الأعباء. حتى ليروى أنه لم ينزل مهاجر في دار أنصاري إلا بقرعة. لأن عدد الراغبين في الإيواء المتزاحمين عليه أكثر من عدد المهاجرين! {ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا}.. مما يناله المهاجرون من مقام مفضل في بعض المواضع، ومن مال يختصون به كهذا الفيء، فلا يجدون في أنفسهم شيئاً من هذا. ولا يقول: حسداً ولا ضيقاً، إنما يقول: {شيئاً}. مما يلقي ظلال النظافة الكاملة لصدورهم والبراءة المطلقة لقلوبهم، فلا تجد شيئاً أصلاً. {ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة}.. والإيثار على النفس مع الحاجة قمة عليا. وقد بلغ إليها الأنصار بما لم تشهد البشرية له نظيراً. وكانوا كذلك في كل مرة وفي كل حالة بصورة خارقة لمألوف البشر قديماً وحديثاً. {ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون}.. فهذا الشح. شح النفس. وهو المعوق عن كل خير. لأن الخير بذل في صورة من الصور. بذل في المال. وبذل في العاطفة. وبذل في الجهد. وبذل في الحياة عند الاقتضاء. وما يمكن أن يصنع الخير شحيح يهم دائماً أن يأخذ ولا يهم مرة أن يعطي. ومن يوق شح نفسه، فقد وقي هذا المعوّق عن الخير، فانطلق إليه معطياً باذلاً كريماً. وهذا هو الفلاح في حقيقة معناه. {والذين جآءوا من بعدهم، يقولون: ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان، ولا تجعل في قلوبنا غِلاًّ للذين آمنوا. ربنآ إنك رءُوف رحيم}.. وهذه الصورة الثالثة النظيفة الرضية الواعية. وهي تبرز أهم ملامح التابعين. كما تبرز أخص خصائص الأمة المسلمة على الإطلاق في جميع الأوطان والأزمان. هؤلاء الذين يجيئون بعد المهاجرين والأنصار ـ ولم يكونوا قد جاءوا بعد عند نزول الآية في المدينة، إنما كانوا قد جاءوا في علم الله وفي الحقيقة القائمة في هذا العلم المطلق من حدود الزمان والمكان ـ سمة نفوسهم أنها تتوجه إلى ربها في طلب المغفرة، لا لذاتها ولكن كذلك لسلفها الذين سبقوا بالإيمان؛ وفي طلب براءة القلب من الغل للذين آمنوا على وجه الإطلاق، ممن يربطهم معهم رباط الإيمان. مع الشعور برأفة الله، ورحمته، ودعائه بهذه الرحمة، وتلك الرأفة: {ربنا إنك رءُوف رحيم}.. وتتجلى من وراء تلك النصوص طبيعة هذه الأمة المسلمة وصورتها الوضيئة في هذا الوجود. تتجلى الآصرة القوية الوثيقة التي تربط أول هذه الأمة بآخرها، وآخرها بأولها، في تضامن وتكافل وتواد وتعاطف، وشعور بوشيجة القربى العميقة التي تتخطى الزمان والمكان والجنس والنسب؛ وتتفرد وحدها في القلوب، تحرك المشاعر خلال القرون الطويلة، فيذكر المؤمن أخاه المؤمن بعد القرون المتطاولة، كما يذكر أخاه الحي، أو أشد، في إعزاز وكرامة وحب. ويحسب السلف حساب الخلف. ويمضي الخلف على آثار السلف. صفاً واحداً وكتيبة واحدة على مدار الزمان واختلاف الأوطان، تحت راية الله تغذ السير صعداً إلى الأفق الكريم، متطلعة إلى ربها الواحد الرؤوف الرحيم. إنها صورة باهرة، تمثل حقيقة قائمة؛ كما تمثل أرفع وأكرم مثال للبشرية يتصوره قلب كريم. صورة تبدو كرامتها ووضاءتها على أتمها حين تقرن مثلاً إلى صورة الحقد الذميم والهدم اللئيم التي تمثلها وتبشر بها الشيوعية في إنجيل كارل ماركس. صورة الحقد الذي ينغل في الصدور، وينخر في الضمير، على الطبقات، وعلى أجيال البشرية السابقة، وعلى أممها الحاضرة التي لا تعتنق الحقد الطبقي الذميم. وعلى الإيمان والمؤمنين من كل أمة وكل دين! صورتان لا التقاء بينهما في لمحة ولا سمة، ولا لمسة ولا ظل. صورة ترفع البشرية إلى أعلى مراقيها، وصورة تهبط بها إلى أدنى دركاتها. وصورة تمثل الأجيال من وراء الزمان والمكان والجنس والوطن والعشيرة والنسب متضامنة مترابطة متكافلة متوادة متعارفة صاعدة في طريقها إلى الله، بريئة الصدور من الغل، طاهرة القلوب من الحقد، وصورة تمثل البشرية أعداء متناحرين يلقي بعضهم بعضاً بالحقد والدخل والدغل والغش والخداع والالتواء. حتى وهم في المعبد يقيمون الصلاة. فالصلاة ليست سوى أحبولة، والدين كله ليس إلا فخاً ينصبه رأس المال للكادحين! {ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان، ولا تجعل في قلوبنا غِلاًّ للذين آمنوا. ربنآ إنك رءُوف رحيم}.. هذه هي قافلة الإيمان. وهذا هو دعاء الإيمان. وإنها لقافلة كريمة. وإنه لدعاء كريم. وحين ينتهي السياق من رسم هذه الصورة الوضيئة، ورفعها على الأفق في إطار النور. يعود إلى الحادث الذي نزلت فيه السورة، ليرسم صورة لفريق آخر ممن اشتركوا فيها. فريق المنافقين: {ألم تر إلى الذين نافقوا يقولون لإخوانهم الذين كفروا من أهل الكتاب: لئن أخرجتم لنخرجن معكم، ولا نطيع فيكم أحداً أبداً، وإن قوتلتم لننصرنكم، والله يشهد إنهم لكاذبون. لئن أخرجوا لا يخرجون معهم، ولئن قوتلوا لا ينصرونهم، ولئن نصروهم ليولن الأدبار، ثم لا ينصرون. لأنتم أشد رهبة في صدورهم من الله، ذلك بأنهم قوم لا يفقهون. لا يقاتلونكم جميعاً إلا في قرى محصنة أو من ورآء جدر، بأسهم بينهم شديد، تحسبهم جميعاً وقلوبهم شتى، ذلك بأنهم قوم لا يعقلون. كمثل الذين من قبلهم قريباً ذاقوا وبال أمرهم، ولهم عذاب أليم. كمثل الشيطان إذ قال للإنسان: اكفر. فلما كفر قال: إني بريء منك، إني أخاف الله رب العالمين. فكان عاقبتهمآ أنهما في النار خالدين فيها، وذلك جزآء الظالمين}.. وهي حكاية لما قاله المنافقون ليهود بني النضير، ثم لم يفوا به، وخذلوهم فيه، حتى أتاهم الله من حيث لم يحتسبوا وقذف في قلوبهم الرعب. ولكن في كل جملة قرآنية لفتة تقرر حقيقة، وتمس قلباً، وتبعث انفعالاً، وتُقر مقوماً من مقومات التربية والمعرفة الإيمان العميق. وأول لفتة هي تقرير القرابة بين المنافقين والذين كفروا من أهل الكتاب: {ألم تر إلى الذين نافقوا يقولون لإخوانهم الذين كفروا من أهل الكتاب}. فأهل الكتاب هؤلاء كفروا. والمنافقون إخوانهم ولو أنهم يلبسون رداء الإسلام! ثم هذا التوكيد الشديد في وعد المنافقين لإخوانهم: {لئن أخرجتم لنخرجن معكم ولا نطيع فيكم أحداً أبداً، وإن قوتلتم لننصرنكم}.. والله الخبير بحقيقتهم يقرر غير ما يقررون، ويؤكد غير ما يؤكدون: {والله يشهد إنهم لكاذبون. لئن أخرجوا لا يخرجون معهم، ولئن قوتلوا لا ينصرونهم، ولئن نصروهم ليولن الأدبار. ثم لا ينصرون}.. وكان ما شهد به الله. وكذب ما أعلنوه لإخوانهم وقرروه! ثم يقرر حقيقة قائمة في نفوس المنافقين وإخوانهم الذين كفروا من أهل الكتاب: {لأنتم أشد رهبة في صدورهم من الله. ذلك بأنهم قوم لا يفقهون}. فهم يرهبون المؤمنين أشد مما يرهبون الله. ولو خافوا الله ما خافوا أحداً من عباده. فإنما هو خوف واحد ورهبة واحدة. ولا يجتمع في قلب خوف من الله وخوف من شيء سواه. فالعزة لله جميعاً، وكل قوى الكون خاضعة لأمره، {ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها} فمم يخاف إذن ذلك الذي يخاف الله؟ ولكن الذين لا يفقهون هذه الحقيقة يخافون عباد الله أشد مما يخافون الله.. {ذلك بأنهم قوم لا يفقهون}.. وهكذا يكشف عن حقيقة القوم الواقعة. ويقرر في الوقت ذاته تلك الحقيقة المجردة. ويمضي يقرر حالة قائمة في نفوس المنافقين والذين كفروا من أهل الكتاب، تنشأ من حقيقتهم السابقة، ورهبتهم للمؤمنين أشد من رهبتهم لله. {لا يقاتلونكم جميعاً إلا في قرى محصنة أو من ورآء جدر. بأسهم بينهم شديد. تحسبهم جميعاً وقلوبهم شتى. ذلك بأنهم قوم لا يعقلون}.. وما تزال الأيام تكشف حقيقة الإعجاز في "تشخيص" حالة المنافقين وأهل الكتاب حيثما التقى المؤمنون بهم في أي زمان وفي أي مكان. بشكل واضح للعيان. ولقد شهدت الاشتباكات الأخيرة في الأرض المقدسة بين المؤمنين الفدائيين وبين اليهود مصداق هذا الخبر بصورة عجيبة. فما كانوا يقاتلونهم إلا في المستعمرات المحصنة في أرض فلسطين. فإذا انكشفوا لحظة واحدة ولوا الأدبار كالجرذان. حتى لكأن هذه الآية نزلت فيهم ابتداء. وسبحان العليم الخبير! وتبقى الملامح النفسية الأخرى {بأسهم بينهم شديد}.. {تحسبهم جميعاً وقلوبهم شتى} على خلاف المؤمنين الذين تتضامن أجيالهم، وتجمعهم آصرة الإيمان من وراء فواصل الزمان والمكان، والجنس والوطن والعشيرة.. {ذلك بأنهم قوم لا يعقلون}.. والمظاهر قد تخدع فنرى تضامن الذين كفروا من أهل الكتاب فيما بينهم، ونرى عصبيتهم بعضهم لبعض، كما نرى تجمع المنافقين أحياناً في معسكر واحد. ولكن الخبر الصادق من السماء يأتينا بأنهم ليسوا كذلك في حقيقتهم؛ إنما هو مظهر خارجي خادع. وبين الحين والحين ينكشف هذا الستار الخداع. فيبدو من ورائه صدق الخبر في دنيا الواقع المنظور، وينكشف الحال عن نزاع في داخل المعسكر الواحد، قائم على اختلاف المصالح وتفرق الأهواء، وتصادم الاتجاهات. وما صدق المؤمنون مرة، وتجمعت قلوبهم على الله حقاً إلا وانكشف المعسكر الآخر أمامهم عن هذه الاختلافات وهذا التضارب وهذا الرياء الذي لا يمثل حقيقة الحال. وما صبر المؤمنون وثبتوا إلا وشهدوا مظهر التماسك بين أهل الباطل يتفسخ وينهار، وينكشف عن الخلاف الحاد والشقاق والكيد والدس في القلوب الشتيتة المتفرقة! إنما ينال المنافقون والذين كفروا من أهل الكتاب.. من المسلمين.. عندما تتفرق قلوب المسلمين، فلا يعودون يمثلون حقيقة المؤمنين التي عرضتها الآية في المقطع السابق في هذه السورة. فأما في غير هذه الحالة فالمنافقون أضعف وأعجز، وهم والذين كفروا من أهل الكتاب متفرقو الأهواء والمصالح والقلوب {بأسهم بينهم شديد}.. {تحسبهم جميعاً وقلوبهم شتى}.. والقرآن يقر هذه الحقيقة في قلوب المؤمنين، ليهون فيها من شأن أعدائهم؛ ويرفع منها هيبة هؤلاء الأعداء ورهبتهم. فهو إيحاء قائم على حقيقة؛ وتعبئة روحية ترتكن إلى حق ثابت. ومتى أخذ المسلمون قرآنهم مأخذ الجد هان عليهم أمر عدوهم وعدو الله؛ وتجمعت قلوبهم في الصف الواحد، فلم تقف لهم قوة في الحياة. والمؤمنون بالله ينبغي لهم أن يدركوا حقيقة حالهم وحال أعدائهم. فهذا نصف المعركة. والقرآن يطلعهم على هذه الحقيقة في سياق وصفه لحادث وقع، وفي سياق التعقيب عليه، وشرح ما وراءه من حقائق ودلائل، شرحاً يفيد منه الذين شهدوا ذلك الحادث بعينه، ويتدبره كل من جاء بعدهم، وأراد أن يعرف الحقيقة من العالم بالحقيقة! ولم يكن حادث بني النضير هو الأول من نوعه، فقد سبقه حادث بني قينقاع الذي تشير إليه الآية بعد ذلك غالباً: {كمثل الذين من قبلهم قريباً ذاقوا وبال أمرهم ولهم عذاب أليم}.. ووقعة بني قينقاع كانت بعد غزوة بدر وقبل غزوة أحد. وكان بينهم وبين رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ عهد. فلما انتصر المسلمون على المشركين في بدر كره اليهود ذلك، وحقدوا على المسلمين أن ينالوا هذا الانتصار العظيم، وخافوا أن يؤثر هذا على موقفهم في المدينة فيضعف من مركزهم بقدر ما يقوي من مركز المسلمين. وبلغ رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ما يتهامسون به وما يفكرون فيه من الشر، فذكرهم العهد وحذرهم مغبة هذا الاتجاه. فردوا رداً غليظاً مغيظاً فيه تهديد. قالوا: يا محمد. إنك لترى أنا قومُك! لا يغرنك أنك لقيت قوماً لا علم لهم بالحرب فأصبت منهم فرصة. إنا والله لئن حاربناك لتعلمن أنا نحن الناس! ثم أخذوا يتحرشون بالمسلمين؛ وذكرت الروايات من هذا أن امرأة من العرب قدمت ببضاعة لها فباعتها بسوق بني قينقاع، وجلست إلى صائغ بها، فجعلوا يريدونها على كشف وجهها، فأبت، فعمد الصائغ إلى طرف ثوبها فعقده إلى ظهرها، فلما قامت انكشفت سوأتها، فضحكوا بها، فصاحت: فوثب رجل من المسلمين على الصائغ فقتله. وشدت يهود على المسلم فقتلوه فاستصرخ أهل المسلم المسلمين. فغضب المسلمون، فوقع الشر بينهم وبين بني قينقاع. وحاصرهم رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ حتى نزلوا على حكمه. فقام رأس المنافقين عبد الله ابن أبي ابن سلول يجادل رسول الله عنهم، باسم ما كان بينهم وبين الخزرج من عهد! ولكن الحقيقة كانت هي هذه الصلة بين المنافقين وإخوانهم الذين كفروا من أهل الكتاب! فرضي رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ في النهاية أن يجلوا عن المدينة، وأن يأخذوا معهم أمواهم ومتاعهم ـ إلا السلاح ـ ورحلوا إلى الشام. فهذه هي الواقعة التي يشير إليها القرآن ويقيس عليها حال بني النضير وحقيقتهم.. وحال المنافقين مع هؤلاء وهؤلاء! ويضرب للمنافقين الذين أغروا إخوانهم الذين كفروا من أهل الكتاب بالمقاومة، فانتهوا بهم إلى تلك النهاية البائسة. يضرب لهم مثلاً بحال دائمة. حال الشيطان مع الإنسان، الذي يستجيب لإغرائه فينتهي وإياه إلى شر مصير: {كمثل الشيطان إذ قال للإنسان: اكفر. فلما كفر قال: إني بريء منك إني أخاف الله رب العالمين. فكان عاقبتهمآ أنهما في النار خالدين فيها، وذلك جزآء الظالمين}.. وصورة الشيطان هنا ودوره مع من يستجيب له من بني الإنسان، تتفقان مع طبيعته ومهمته. فأعجب العجب أن يستمع إليه الإنسان. وحاله هو هذا الحال! وهي حقيقة دائمة ينتقل السياق القرآني إليها من تلك الواقعة العارضة. فيربط بين الحادث المفرد والحقيقة الكلية، في مجال حي من الواقع؛ ولا ينعزل بالحقائق المجردة في الذهن. فالحقائق المجردة الباردة لا تؤثر في المشاعر، ولا تستجيش القلوب للاستجابة. وهذا فرق ما بين منهج القرآن في خطاب القلوب، ومنهج الفلاسفة والدارسين والباحثين! وبهذا المثل الموحي تنتهي قصة بني النضير. وقد ضمنت في ثناياها وفي أعقابها هذا الحشد من الصور والحقائق والتوجيهات. واتصلت أحداثها المحلية الواقعة بالحقائق الكبرى المجردة الدائمة. وكانت رحلة في عالم الواقع وفي عالم الضمير، تمتد إلى أبعد من حدود الحادث ذاته، وتفترق روايتها في كتاب الله عن روايتها في كتب البشر بمقدار ما بين صنع الله وصنع البشر من فوارق لا تقاس!! وعند هذا الحد من رواية الحادث والتعقيب عليه وربطه بالحقائق البعيدة المدى يتجه الخطاب في السورة إلى المؤمنين، يهتف بهم باسم الإيمان، ويناديهم بالصفة التي تربطهم بصاحب الخطاب، وتيسر عليهم الاستجابة لتوجيهه وتكليفه. يتجه إليهم ليدعوهم إلى التقوى. والنظر فيما أعدوه للآخرة، واليقظة الدائمة، والحذر من نسيان الله كالذين نسوه من قبل، ممن رأوا مصير فريق منهم، وممن كتب عليهم أنهم من أصحاب النار: {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله، ولتنظر نفس ما قدمت لغد، واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون، ولا تكونوا كالذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم، أولـئك هم الفاسقون. لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة. أصحاب الجنة هم الفآئزون}.. والتقوى حالة في القلب يشير إليها اللفظ بظلاله، ولكن العبارة لا تبلغ تصوير حقيقتها. حالة تجعل القلب يقظاً حساساً شاعراً بالله في كل حالة. خائفاً متحرجاً مستحيياً أن يطلع عليه الله في حالة يكرهها. وعين الله على كل قلب في كل لحظة. فمتى يأمن أن لا يراه؟! {ولتنظر نفس ما قدمت لغد}.. وهو تعبير كذلك ذو ظلال وإيحاءات أوسع من ألفاظه.. ومجرد خطوره على القلب يفتح أمامه صفحة أعماله بل صفحة حياته، ويمد ببصره في سطورها كلها يتأملها وينظر رصيد حسابه بمفرداته وتفصيلاته. لينظر ماذا قدم لغده في هذه الصفحة.. وهذا التأمل كفيل بأن يوقظه إلى مواضع ضعف ومواضع نقص ومواضع تقصير، مهما يكن قد أسلف من خير وبذل من جهد. فكيف إذا كان رصيده من الخير قليلاً، ونصيبه من البر ضئيلاً؟ إنها لمسة لا ينام بعدها القلب أبداً، ولا يكف عن النظر والتقليب! ولا تنتهي الآية التي تثير كل هذه المشاعر حتى تلح على القلوب المؤمنة بمزيد من الإيقاع: {واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون}.. فتزيد هذه القلوب حساسية ورهبة واستحياء.. والله خبير بما يعملون.. وبمناسبة ما تدعوهم إليه هذه الآية من يقظة وتذكر يحذرهم في الآية التالية من أن يكونوا {كالذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم}.. وهي حالة عجيبة. ولكنها حقيقة.. فالذي ينسى الله يهيم في هذه الحياة بلا رابطة تشده إلى أفق أعلى، وبلا هدف لهذه الحياة يرفعه عن السائمة التي ترعى. وفي هذا نسيان لإنسانيته. وهذه الحقيقة تضاف إليها أو تنشأ عنها حقيقة أخرى، وهي نسيان هذا المخلوق لنفسه فلا يدخر له زاداً للحياة الطويلة الباقية، ولا ينظر فيما قدم لها في الغداة من رصيد. {أولئك هم الفاسقون}.. المنحرفون الخارجون. وفي الآية التالية يقرر أن هؤلاء هم أصحاب النار، ويشير للمؤمنين ليسلكوا طريقاً غير طريقهم وهم أصحاب الجنة. وطريق أصحاب الجنة غير طريق أصحاب النار: {لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة. أصحاب الجنة هم الفائزون}.. لا يستويان طبيعة وحالاً، ولا طريقاً ولا سلوكاً، ولا وجهة ولا مصيراً، فهما على مفرق طريقين لا يلتقيان أبداً في طريق. ولا يلتقيان أبداً في سمة. ولا يلتقيان أبداً في خطة. ولا يلتقيان أبداً في سياسة. ولا يلتقيان أبداً في صف واحد في دنيا ولا آخرة.. {أصحاب الجنة هم الفائزون}.. يثبت مصيرهم ويدع مصير أصحاب النار مسكوتاً عنه. معروفاً. وكأنه ضائع لا يعني به التعبير! ثم يجيء الإيقاع الذي يتخلل القلب ويهزه؛ وهو يعرض أثر القرآن في الصخر الجامد لو تنزل عليه: {لو أنزلنا هـذا القرآن على جبل لرأيته خاشعاً متصدعاً من خشية الله. وتلك الأمثال نضربها للناس لعلهم يتفكرون}. وهي صورة تمثل حقيقة. فإن لهذا القرآن لثقلاً وسلطاناً وأثراً مزلزلاً لا يثبت له شيء يتلقاه بحقيقته. ولقد وجد عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ ما وجد، عندما سمع قارئاً يقرأ: {أية : والطور، وكتاب مسطور، في رق منشور، والبيت المعمور، والسقف المرفوع، والبحر المسجور، إن عذاب ربك لواقع ما له من دافع..}تفسير : فارتكن إلى الجدار. ثم عاد إلى بيته يعوده الناس شهراً مما ألم به! واللحظات التي يكون فيها الكيان الإنساني متفتحاً لتلقي شيء من حقيقة القرآن يهتز فيها اهتزازاً ويرتجف ارتجافاً. ويقع فيه من التغيرات والتحولات ما يمثله في عالم المادة فعل المغنطيس والكهرباء بالأجسام. أو أشد. والله خالق الجبال ومنزل القرآن يقول: {لو أنزلنا هـذا القرآن على جبل لرأيته خاشعاً متصدعاً من خشية الله}.. والذين أحسوا شيئاً من مس القرآن في كيانهم يتذوقون هذه الحقيقة تذوقاً لا يعبر عنه إلا هذا النص القرآني المشع الموحي. {وتلك الأمثال نضربها للناس لعلهم يتفكرون}.. وهي خليقة بأن توقظ القلوب للتأمل والتفكير.. وأخيراً تجيء تلك التسبيحة المديدة بأسماء الله الحسنى؛ وكأنما هي أثر من آثار القرآن في كيان الوجود كله، ينطلق بها لسانه وتتجاوب بها أرجاؤه؛ وهذه الأسماء واضحة الآثار في صميم هذا الوجود وفي حركته وظواهره، فهو إذ يسبح بها يشهد كذلك بآثارها: {هو الله الذي لا إلـه إلا هو، عالم الغيب والشهادة، هو الرحمـن الرحيم}. {هو الله الذي لا إلـه إلا هو، الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر، سبحان الله عما يشركون}.. {هو الله الخالق البارىء المصور، له الأسمآء الحسنى يسبح له ما في السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم}. إنها تسبيحة مديدة بهذه الصفات المجيدة. ذات ثلاثة مقاطع. يبدأ كل مقطع منها بصفة التوحيد: {هو الله الذي لا إله إلا هو}.. أو {هو الله}.. ولكل اسم من هذه الأسماء الحسنى أثر في هذا الكون ملحوظ، واثر في حياة البشر ملموس. فهي توحي إلى القلب بفاعلية هذه الأسماء والصفات. فاعلية ذات أثر وعلاقة بالناس والأحياء. وليست هي صفات سلبية أو منعزلة عن كيان هذا الوجود، وأحواله وظواهره المصاحبة لوجوده. {هو الله الذي لا إله إلا هو}.. فتتقرر في الضمير وحدانية الاعتقاد، ووحدانية العبادة، ووحدانية الاتجاه، ووحدانية الفاعلية من مبدأ الخلق إلى منتهاه. ويقوم على هذه الوحدانية منهج كامل في التفكير والشعور والسلوك، وارتباطات الناس بالكون وبسائر الأحياء. وارتباطات الناس بعضهم ببعض على أساس وحدانية الإله. {عالم الغيب والشهادة}.. فيستقر في الضمير الشعور بعلم الله للظاهر والمستور. ومن ثم تستيقظ مراقبة هذا الضمير لله في السر والعلانية؛ ويعمل الإنسان كل ما يعمل بشعور المراقب من الله المراقِب لله، الذي لا يعيش وحده، ولو كان فيه خلوة أو مناجاة! ويتكيف سلوكه بهذا الشعور الذي لا يغفل بعده قلب ولا ينام! {هو الرحمن الرحيم} فيستقر في الضمير شعور الطمأنينة لرحمة الله والاسترواح. ويتعادل الخوف والرجاء، والفزع والطمأنينة. فالله في تصور المؤمن لا يطارد عباده ولكن يراقبهم. ولا يريد الشر بهم بل يحب الهدى، ولا يتركهم بلا عون وهم يصارعون الشرور والأهواء. {هو الله الذي لا إله إلا هو}.. يعيدها في أول التسبيحة التالية، لأنها القاعدة التي تقوم عليها سائر الصفات.. {الملك}.. فيستقر في الضمير أن لا ملك إلا الله الذي لا إله إلا هو. وإذا توحدت الملكية لم يبق للمملوكين إلا سيد واحد يتجهون إليه، ولا يخدمون غيره. فالرجل لا يخدم سيدين في وقت واحد{أية : ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه } تفسير : {القدوس} وهو اسم يشع القداسة المطلقة والطهارة المطلقة. ويلقي في ضمير المؤمن هذا الإشعاع الطهور، فينظف قلبه هو ويطهره، ليصبح صالحاً لتلقي فيوض الملك القدوس، والتسبيح له والتقديس. {السلام}.. وهو اسم كذلك يشيع السلام والأمن والطمأنينة في جنبات الوجود، وفي قلب المؤمن تجاه ربه. فهو آمن في جواره، سالم في كنفه. وحيال هذا الوجود وأهله من الأحياء والأشياء. ويؤوب القلب من هذا الاسم بالسلام والراحة والاطمئنان. وقد هدأت شرته وسكن بلباله وجنح إلى الموادعة والسلام. {المؤمن} واهب الأمن وواهب الإيمان. ولفظ هذا الاسم يشعر القلب بقيمة الإيمان، حيث يلتقي فيه بالله، ويتصف منه بإحدى صفات الله. ويرتفع إذن إلى الملأ الأعلى بصفة الإيمان. {المهيمن}.. وهذا بدء صفحة أخرى في تصور صفة الله ـ سبحانه ـ إذ كانت الصفات السابقة: {القدوس السلام المؤمن} صفات تتعلق مجردة بذات الله. فأما هذه فتتعلق بذات الله فاعلة في الكون والناس. توحي بالسلطان والرقابة. وكذلك: {العزيز. الجبار. المتكبر}.. فهي صفات توحي بالقهر والغلبة والجبروت والاستعلاء. فلا عزيز إلا هو. ولا جبار إلا هو. ولا متكبر إلا هو. وما يشاركه أحد في صفاته هذه. وما يتصف بها سواه. فهو المتفرد بها بلا شريك. ومن ثم يجيء ختام الآية: {سبحان الله عما يشركون}.. ثم يبدأ المقطع الأخير في التسبيحة المديدة. {هو الله}.. فهي الألوهية الواحدة. وليس غيره بإله. {الخالق}.. {البارئ}.. والخلق: التصميم والتقدير. والبرء: التنفيذ والإخراج، فهما صفتان متصلتان والفارق بينهما لطيف دقيق.. {المصور}. وهي كذلك صفة مرتبطة بالصفتين قبلها. ومعناها إعطاء الملامح المتميزة والسمات التي تمنح لكل شيء شخصيته الخاصة. وتوالي هذه الصفات المترابطة اللطيفة الفروق، يستجيش القلب لمتابعة عملية الخلق والإنشاء والإيجاد والإخراج مرحلة مرحلة ـ حسب التصور الإنساني ـ فأما في عالم الحقيقة فليست هناك مراحل ولا خطوات. وما نعرفه عن مدلول هذه الصفات ليس هو حقيقتها المطلقة فهذه لا يعرفها إلا الله. إنما نحن ندرك شيئاً من آثارها هو الذي نعرفها به في حدود طاقتنا الصغيرة! {له الأسماء الحسنى}.. الحسنى في ذاتها. بلا حاجة إلى استحسان من الخلق ولا توقف على استحسانهم. والحسنى التي توحي بالحسن للقلوب وتفيضه عليها. وهي الأسماء التي يتدبرها المؤمن ليصوغ نفسه وفق إيحائها واتجاهها، إذ يعلم أن الله يحب له أن يتصف بها. وأن يتدرج في مراقيه وهو يتطلع إليها. وخاتمة هذه التسبيحة المديدة بهذه الأسماء الحسنى، والسبحة البعيدة مع مدلولاتها الموحية وفي فيوضها العجيبة، هي مشهد التسبيح لله يشيع في جنبات الوجود، وينبعث من كل موجود: {يسبح له ما في السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم}.. وهو مشهد يتوقعه القلب بعد ذكر تلك الأسماء؛ ويشارك فيه مع الأشياء والأحياء.. كما يتلاقى فيه المطلع والختام. في تناسق والتئام.

ابن عاشور

تفسير : افتتاح السورة بالإخبار عن تسبيح ما في السماوات والأرض لله تعالى تذكيرٌ للمؤمنين بتسبيحهم لله تسبيح شكر على ما أنالهم من فتح بلاد بني النضير فكأنه قال سبحوا لله كما سَبح له ما في السماوات والأرض. وتعريض بأولئك الذين نزلت السورة فيهم بأنهم أصابهم ما أصابهم لتكبرهم عن تسبيح الله حق تسبيحه بتصديق رسوله صلى الله عليه وسلم إذ أعرضوا عن النظر في دلائل رسالته أو كابروا في معرفتها. والقول في لفظ هذه الآية كالقول في نظيرها في أول سورة الحديد (1)، إلا أن التي في أول سورة الحديد فيها: {أية : ما في السماوات والأرض} تفسير : وها هنا قال: {ما في السمٰوات وما في الأرض} لأن فاتحة سورة الحديد تضمنت الاستدلال على عظمة الله تعالى وصفاته وانفراده بخلق السماوات والأرض فكان دليل ذلك هو مجموع ما احتوت عليه السماوات والأرض من أصناف الموجودات فجمع ذلك كله في اسم واحد هو {ما} الموصولة التي صلتها قوله: {في السماوات والأرض}. وأما فاتحة سورة الحشر فقد سيقت للتذكير بمنة الله تعالى على المسلمين في حادثة أرضية وهي خذلان بني النضير فناسب فيها أن يخص أهل الأرض باسم موصول خاص بهم، وهي {ما} الموصولة الثانية التي صلتها {في الأرض}، وعلى هذا المنوال جاءت فواتح سور الصف والجمعة والتغابن كما سيأتي في مواضعها. وأوثر الأخبار عن {سبح لله ما في السمٰوات وما في الأرض} بفعل المضي لأن المخبر عنه تسبيح شكر عن نعمة مضت قبل نزول السورة وهي نعمة إخراج أهل النضير.

الشنقيطي

تفسير : تقدم للشيخ رحمه الله كلام على معنى التسبيح عند قوله تعالى: {أية : وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ ٱلْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَٱلطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ}تفسير : [الأنبياء: 79]. وقال رحمه الله: التسبيح في اللغة الإبعاد عن السوء، وفي اصطلاح الشرع تنزيه الله جل وعلا عن كل ما لا يليق بكماله وجلاله، وساق رحمه الله النصوص في تسبيح المخلوقات جميعها. وقال في آخر المبحث: والظاهر أن قوله تعالى: {وَكُنَّا فَاعِلِينَ} مؤكد لقوله تعالى: {وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ ٱلْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَٱلطَّيْر} والموجب لهذا التأكيد أن تسخير الجبال وتسبيحها أمر عجب خارق للعادة، مظنة لأن يكذب به الكفرة الجهلة [من الجزء الرابع وذكر عند أول سورة الحديد زيادة لذلك]. وفي مذكرة الدراسة مما أملاه رحمه الله في فصل الدراسة على أول سورة الجمعة: {أية : يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ ٱلْمَلِكِ ٱلْقُدُّوسِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَكِيمِ}تفسير : [الجمعة: 1] قال: التسبيح التنزيه، وما التي لغير العقلاء، لتغلب غير العقلاء لكثرتهم، وكان يمكن الاكتفاء بالإحالة على ما ذكره رحمه الله تعالى، إلا أن الحاجة الآن تدعو إلى مزيد بيان بقدر المستطاع، لتعلق المبحث بأمر بالغ الأهمية، ونحن اليوم في عصر تغلب عليه العلمانية والمادية، فنورد ما أمكن أملاً في زيادة الإيضاح. إن أصل التسبيح من مادة سبح، والسباحة والتسبيح مشتركان في أصل المادة، فبينهما اشتراك في أصل المعنى، والسباحة في الماء ينجو بها صاحبها من الغرق، وكذلك المسبح لله والمنزه له ينجو من الشرك ويحيا بالذكر والتمجيد لله تعالى. وقد جاء الفعل هنا بصيغة الماضي: سبح لله كما جاء في أول سورة الحديد. قال أبو حيان عندها: لما أمر الله تعالى الخلق بالتسبيح في آخر سورة الواقعة، يعني في قوله تعالى: {أية : إِنَّ هَـٰذَا لَهُوَ حَقُّ ٱلْيَقِينِ فَسَبِّحْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلْعَظِيمِ}تفسير : [الواقعة: 95-96] جاء في أول السورة التي تليها مباشرة بالفعل الماضي، ليدل على أن التسبيح المأمور به قد فعله والتزم به كل ما في السماوات والأرض اهـ. ومعلوم أن الفعل قد جاء أيضاً بصيغة المضارع كما في آخر هذه السورة: {أية : يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ}تفسير : [الحشر: 24]، وفي أول سورة الجمعة: {أية : يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ ٱلْمَلِكِ ٱلْقُدُّوسِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَكِيمِ}تفسير : [الجمعة: 1]، وفي أول سورة التغابن: {أية : يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ لَهُ ٱلْمُلْكُ وَلَهُ ٱلْحَمْدُ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}تفسير : [التغابن: 1]، وهذه الصيغة تدل على الدوام والاستمرار. بل جاء الفعل بصيغة الأمر:{أية : سَبِّحِ ٱسْمَ رَبِّكَ ٱلأَعْلَىٰ}تفسير : [الأعلى: 1]،{أية : فَسَبِّحْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلْعَظِيمِ}تفسير : [الواقعة: 74]. وجاءت المادة بالمصدر: {أية : سُبْحَانَ ٱلَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلاً}تفسير : [الإسراء: 1]،{أية : فَسُبْحَانَ ٱللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ}تفسير : [الروم: 17]، ليدل ذلك كله بدوام واستمرار التسبيح لله تعالى من جميع خلقه، كما سبح سبحانه نفسه، وسبحته ملائكته ورسله، على ما سيأتي إن شاء الله تعالى بيانه. وما في قوله تعالى: {مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِى الأَرْضِ} من صيغ العموم، وأصل استعماله لغير العقلاء، وقد تستعمل للعاقل إذا نزل غير العاقل، كما في قوله تعالى: {أية : فَٱنكِحُواْ مَا طَابَ لَكُمْ مِّنَ ٱلنِّسَآءِ}تفسير : [النساء: 3]، ومجيؤها هنا لغير العاقل تغليباً له لكثرته كما تقدم، فتكون شاملة للعاقل من باب أولى. ومما يلفت النظر أن التسبيح الذي في معرض العموم كله في القرآن مسند إلى "ما" دون "من" إلا في موضع واحد، هو قوله تعالى: {أية : تُسَبِّحُ لَهُ ٱلسَّمَاوَاتُ ٱلسَّبْعُ وَٱلأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ}تفسير : [الإسراء: 44]، وهذا شاهد على شمول "ما" وعمومها المتقدم ذكرها، لأنه سبحانه أسند التسبيح أولاً إلى السماوات السبع والأرض صراحة بذواتهن، وهن من غير العقلاء بما في كل منهن من أفلاك وكواكب وبروج، أو جبال ووهاد وفجاج، ثم عطف على غير العقلاء بصيغة "من" الخاصة بالعقلاء فقال: {وَمَن فِيهِنَّ}، وإن كان "من"، قد تستعمل لغير العقلاء إذا نزلن منزلة العقلاء كما في قول الشاعر: شعر : أسرب القطا هل من يعير جناحه؟ لعلي إلى من قد هويت أطير تفسير : وبهذا شمل إسناد التسبيح لكل شيء في نطاق السماوات والأرض، عاقل وغير عاقل. وقد أكد هذا الشمول بصريح قوله تعالى: {أية : وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ}تفسير : [الإسراء: 44]، وكلمة "شيء" أعم العمومات، كما في قوله تعالى: { أية : ٱللَّهُ خَالِقُ كُـلِّ شَيْءٍ}تفسير : [الزمر: 62]، فشملت السماوات والأرض والملائكة والإنس والجن والطير والحيوان والنبات والشجر والمدر، وكل مخلوق لله تعالى. وقد جاء في القرآن الكريم، والسنة المطهرة إثبات التسبيح من كل ذلك كل على حدة. أولاً: تسبيح الله تعالى نفسه: {أية : سُبْحَانَ ٱلَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلاً}تفسير : [الإسراء: 1]، {أية : فَسُبْحَانَ ٱللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ وَلَهُ ٱلْحَمْدُ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَعَشِيّاً وَحِينَ تُظْهِرُونَ}تفسير : [الروم: 17-18] {أية : لَوْ كَانَ فِيهِمَآ آلِهَةٌ إِلاَّ ٱللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ ٱللَّهِ رَبِّ ٱلْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ}تفسير : [الأنبياء:22] ثانياً: تسبيح الملائكة {أية : وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي ٱلأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ ٱلدِّمَآءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ}تفسير : [البقرة: 30] وقوله: {أية : وَتَرَى ٱلْمَلاَئِكَةَ حَآفِّينَ مِنْ حَوْلِ ٱلْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ}تفسير : [الزمر: 75]. و{أية : يُسَبِّحُونَ ٱلْلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ لاَ يَفْتُرُونَ}تفسير : [الأنبياء: 20]. ثالثاً: تسبيح الرعد:{أية : وَيُسَبِّحُ ٱلرَّعْدُ بِحَمْدِهِ}تفسير : [الرعد: 13]. رابعاً: تسبيح السماوات السبع والأرض، {أية : تُسَبِّحُ لَهُ ٱلسَّمَاوَاتُ ٱلسَّبْعُ وَٱلأَرْضُ}تفسير : [الإسراء: 44]. خامساً: تسبيح الجبال: {أية : إِنَّا سَخَّرْنَا ٱلجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِٱلْعَشِيِّ وَٱلإِشْرَاقِ}تفسير : [ص: 18]. سادساً: تسبيح الطير: {أية : وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ ٱلْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَٱلطَّيْرَ}تفسير : [الأنبياء: 79]. سابعاً: تسبيح الإنسان: {أية : فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِّنَ ٱلسَّاجِدِينَ}تفسير : [الحجر: 98]، {أية : فَسَبِّحْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلْعَظِيمِ}تفسير : [الواقعة: 74]،{أية : فَخَرَجَ عَلَىٰ قَوْمِهِ مِنَ ٱلْمِحْرَابِ فَأَوْحَىٰ إِلَيْهِمْ أَن سَبِّحُواْ بُكْرَةً وَعَشِيّاً}تفسير : [مريم: 11]. فهذا إسناد التسبيح صراحة لكل هذه العوالم مفصلة ومبينة واضحة. وجاء مثل التسبيح، ونظيره وهو السجود مسنداً لعوالم أخرى وهي بقية ما في هذا الكون من أجناس وأصناف في قوله تعالى:{أية : أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَن فِي ٱلأَرْضِ وَٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ وَٱلنُّجُومُ وَٱلْجِبَالُ وَٱلشَّجَرُ وَٱلدَّوَآبُّ وَكَثِيرٌ مِّنَ ٱلنَّاسِ}تفسير : [الحج: 18]. ويلاحظ هنا أنه تعالى أسند السجود أولاً لمن في السماوات ومن في الأرض و"من" هي للعقلاء، أي الملائكة والإنس والجن، ثم عطف على العقلاء غير العقلاء بأسمائهن من الشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب، فهذا شمول لم يبق كائن من الكائنات ولا ذرة في فلاة إلا شمله. وبعد بيان هذا الشمول والعموم، يأتي مبحث العام الباقي على عمومه، والعام المخصوص، وهل عموم "ما" هنا باق على عمومه أم دخله تخصيص؟ قال جماعة من العلماء منهم ابن عباس، إن العموم باق على عمومه، وإن لفظ التسبيح محمول على حقيقته في التنزيه والتحميد. وقال قوم: إن العموم باق على عمومه لم يدخله خصوص، ولكن التسبيح يختلف، ولكل تسبيح بحسبه، فمن العقلاء بالذكر والتحميد والتمجيد كالإنسان والملائكة والجن، ومن غير العاقل سواء الحيوان والطير والنبات والجماد، فيكون بالدلالة بأن يشهد على نفسه، ويدل على أن الله تعالى خالق قادر. وقال قوم: قد دخله التخصيص. ونقل القرطبي عن عكرمة، قال: الشجرة تسبح والأسطوان لا يسبح. وقال يزيد الرقاشي للحسن وهما في طعام وقد قدم الخوان: أيسبح هذا الخوان يا أبا سعيد؟ فقال: قد كان يسبح مرة. ويريد أن التسبيح من الحي أو النامي سواء الحيوان أو النبات وما عداه فلا. وقال القرطبي: ويستدل لهذا القول من السنة بما ثبت عن أبي عباس رضي الله عنهما من وضع الجريد الأخضر على القبر، وقوله صلى الله عليه وسلم فيه:"حديث : لعله يخفف عنهما ما لم ييبسا"تفسير : . أي بسبب تسبيحهما، فإذا يبسا انقطع تسبيحهما اهـ. والصحيح من هذا كله الأول الذي قاله ابن عباس رضي الله عنهما، وهو الذي يشهد له القرآن الكريم لعدة أمور: أولاً: لصريح قوله تعالى:{أية : وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ وَلَـٰكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ}تفسير : [الإسراء: 44]. ثانياً: أن الحامل لهم على القول بتسبيح الدلالة، هو تحكيم الحس والعقل، حينما لم يشاهدوا ذلك ولم تتصوره العقول، ولكن الله تعالى نفى تحكيم العقل الحسي هنا، وخطر على العقل بقوله تعالى:{أية : وَلَـٰكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ}تفسير : [الإسراء: 44]. ثالثاً: قوله تعالى في حق نبي الله داود عليه السلام:{أية : وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ ٱلْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَٱلطَّيْرَ}تفسير : [الأنبياء: 79]. وقوله تعالى:{أية : إِنَّا سَخَّرْنَا ٱلجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِٱلْعَشِيِّ وَٱلإِشْرَاقِ}تفسير : [ص: 18]، فلو كان تسبيحها معه تسبيح دلالة كما يقولون، لما كان لداود عليه السلام خصوصية على غيره. رابعاً: أخبر الله تعالى أن لهذه العوالم كلها إدراكاً تاماً كإدراك الإنسان أو أشد منه، قال تعالى عن السماوات والأرض والجبال:{أية : إِنَّا عَرَضْنَا ٱلأَمَانَةَ عَلَى ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَٱلْجِبَالِ فَأبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا ٱلإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً}تفسير : [الأحزاب: 72]، فأثبت تعالى لهذه العوالم إدراكاً وإشفاقاً من تحمل الأمانة، بينما سجل على الإنسان ظلماً وجهالة في تحمله إياها، ولم يكن هذا العرض مجرد تسخير، ولا هذا الإباء مجرد سلبية، بل عن إدراك تام، كما في قوله تعالى:{أية : ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ إِلَى ٱلسَّمَآءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ ٱئْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَآ أَتَيْنَا طَآئِعِينَ}تفسير : [فصلت: 11]، فهما طائعين لله، وهما يأبين أن يحملن الأمانة إشفاقاً منها. وفي أواخر هذه السورة الكريمة سورة الحشر، قوله تعالى:{أية : لَوْ أَنزَلْنَا هَـٰذَا ٱلْقُرْآنَ عَلَىٰ جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعاً مُّتَصَدِّعاً مِّنْ خَشْيَةِ ٱللَّهِ}تفسير : [الحشر: 21] ومثله قوله تعالى:{أية : ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِّن بَعْدِ ذٰلِكَ فَهِيَ كَٱلْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ ٱلْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ ٱلأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ ٱلْمَآءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ ٱللَّهِ}تفسير : [البقرة: 74] وهذا هو عين الإدراك أشد من إدراك الإنسان. وفي الحديث: "حديث : لا يسمع صوت المؤذن من حجر ولا مدر ولا شجر إلا شهد له يوم القيامة"تفسير : فبم سيشهد إن لم يك مدركاً الأذان والمؤذن. وعن إدراك الطير، قال تعالى عن الهدهد يخاطب نبي الله سليمان: {أية : أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ إِنِّي وَجَدتُّ ٱمْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ وَجَدتُّهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ ٱلسَّبِيلِ فَهُمْ لاَ يَهْتَدُونَ}تفسير : [النمل: 22-24]. ففي هذا السياق عشر قضايا يدركها الهدهد ويفصح عنها لنبي الله سليمان. الأولى: إدراكه أنه أحاط بما لم يكن في علم سليمان. الثانية: معرفته لسبإ بعينها دون غيرها، ومجيؤه منها بنبأ يقين لا شك فيه. الثالثة: معرفته لتولية المرأة عليهم مع إنكاره ذلك عليهم. الرابعة: إدراكه ما أوتيته سبأ من متاع الدنيا من كل شيء. الخامسة: أن لها عرشاً عظيماً. السادسة: إدراكه ما هم عليه من السجود للشمس من دون الله. السابعة: إدراكه أن هذا شرك بالله تعالى. الثامنة: أن هذا من تزيين الشيطان لهم أعمالهم. التاسعة: أن هذا ضلال عن السبيل القويم. العاشرة: أنهم لا يهتدون. وقد اقتنع سليمان بإدراك الهدهد لهذا كله فقال له:{أية : سَنَنظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ ٱلْكَاذِبِينَ}تفسير : [النمل: 27]. وسلمه رسالة، وبعثه سفيراً إلى بلقيس وقومها: {أية : ٱذْهَب بِّكِتَابِي هَـٰذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَٱنْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ}تفسير : [النمل: 28] وكانت سفارة موفقة جاءت بهم مسلمين في قوله تعالى عنها: {أية : وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ}تفسير : [النمل: 44]. وكذلك ما جاء عن النملة في قوله تعالى عنها:{أية : حَتَّىٰ إِذَآ أَتَوْا عَلَىٰ وَادِي ٱلنَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يٰأَيُّهَا ٱلنَّمْلُ ٱدْخُلُواْ مَسَاكِنَكُمْ لاَ يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ}تفسير : [النمل: 18] فقد أدركت مجيء الجيش، وأنه لسليمان وجنوده وأدركت كثرتهم، وأن عليها وعلى النمل أن يتجنبوا الطريق. ويدخلوا مساكنهم، وهذا الإدراك منها جعل سليمان عليه السلام يتبسم ضاحكاً من قولها. وأن لها قولاً علمه سليمان عليه السلام. فقد جاء في السنة إثبات إدراك الحيوانات للمغيبات فضلاً عن المشاهدات، كام في حديث الموطأ في فصل يوم الجمعة:"حديث : وإن فيه خلق آدم، وفيه أسكن الجنة"تفسير : إلى قوله صلى الله عليه وسلم "حديث : وفيه تقوم الساعة، وما من دابة في الأرض إلى وهي تصيح بأذنها من فجر يوم الجمعة حتى طلوع الشمس إشفاقاً من الساعة إلا الجن والإنس"تفسير : ، فهذا إدراك وإشفاق من الحيوان، وإيمان بالمغيب، وهو قيام الساعة وإشفاق من الساعة أشد من الإنسان. وقصة الجمل الذي ندّ على أهله وخضع له صلى الله عليه وسلم حتى قال الصديق: لكأنه يعلم إنك رسول الله. فقال صلى الله عليه وسلم:"حديث : نعم إنه ما بين لابتيها إلا وهو يعلم أني رسول الله " تفسير : فهذا كله يثبت إدراكاً للحيوان بالمحسوس وبالغيب إدراكاً لا يقل عن إدراك الإنسان، فما المانع من إثبات تسبيحها حقيقة على ما يعلمه الله تعالى منها؟ وقد جاء النص صريحاً في التسبيح المثبت لها في أنه تسبيح تحميد لا مطلق دلالة كما في قوله تعالى:{أية : وَيُسَبِّحُ ٱلرَّعْدُ بِحَمْدِهِ}تفسير : [الرعد: 13]، وقرنه مع تسبيح الملائكة، {أية : وَٱلْمَلاَئِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ}تفسير : [الرعد: 13] وهذا نص في محل النزاع، وإثبات لنوع التسبيح المطلوب. خامسا: لقد شهد المسلمون منطق الجماد بالتسبيح وسمعوه بالتحميد حساً كتسبيح الحصا في كفه صلى الله عليه وسلم، وكحنين الجذع للنبي صلى الله عليه وسلم حتى سمعه كل من في المسجد، وما أخبر به صلى الله عليه وسلم:"حديث : إني لأعلم حجراً في مكة ما مررت عليه إلا وسلم علي"تفسير : ، وما ثبت بفرد يثبت لبقية أفراد جنسه، كما هو معلوم في قاعدة الواحد بالجنس والواحد بالنوع. ومن هذا القبيل في أعظم من ذلك ما رواه البخاري في كتاب المناقب عن أنس رضي الله عنه حديث : أن النَّبي صلى الله عليه وسلم صعد أُحداً وأبو بكر وعمر وعثمان فرجف بهم فقال: "أثبت أُحد فإن عليك نبياً وصديقاً وشهيدين " تفسير : وفي موطأ مالك: لما رجع صلى الله عليه وسلم من سفر طلع عليهم أُحد فقال "حديث : هذا جبل يحبنا ونحبه " تفسير : فهذا جبل من كبار جبال المدينة يرتجف لصعود النَّبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر وعثمان، فيخاطبه صلى الله عليه وسلم خطاب العاقل المدرك:"حديث : أثبت أُحد فإن عليك نبياً وصديقاً وشهيدين"تفسير : ، فيعرف النَّبي ويعرف الصديق والشهيد فيثبت، فبأي قانون كان ارتجافه؟ وبأي معقول كان خطابه؟ وبأي معنى كان ثبوته؟ ثم ها هو يثبت له صلى الله عليه وسلم المحبة المتبادرة بقوله: يحبنا ونحبه. وإذا ناقشنا أقوال القائلين بتخصيص هذا العموم من إثبات التسبيح للجمادات ونحوها، لما وجدنا لهم وجهة نظر إلا أن الحس لم يشهد شيئاً من ذلك، وقد أوردنا الأمثلة على إثبات ذلك لسائر الأجناس، وتقدم تنبيه الشيخ على تأكيد ذلك بقوله تعالى:{أية : وَكُنَّا فَاعِلِينَ}تفسير : [الأنبياء: 79] رداً على استبعاده. ومن الأدلة القرآنية في هذا المقام، ما جاء في سياق قوله تعالى:{أية : وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ}تفسير : [الإسراء: 44]، جاء بعدها قوله تعالى: {أية : وَإِذَا قَرَأْتَ ٱلْقُرآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلآخِرَةِ حِجَاباً مَّسْتُوراً}تفسير : [الإسراء: 45] وهذا نص يكذب المستدلين بالحس. لأن الله تعالى أخبر بأنه جعل بين الرسول صلى الله عليه وسلم في تلك الحالة، وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجاباً يحجبه عنهم، وهذا الحجاب مستور عن أعينهم فلا يرون رسول الله صلى الله عليه وسلم، لأنه محجوب عنهم، ولا يرون الحجاب لأنه مستور، وهذا هو الصحيح في هذه الآية. وقد قال فيها بعض البلاغيين. إن مستوراً هنا بمعنى ساتراً ويقال لهم: إن جعل مستوراً بمعنى ساتر تكرار لمعنى حجاب، لأن قوله تعالى:{أية : جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلآخِرَةِ حِجَاباً مَّسْتُوراً}تفسير : [الإسراء: 45] هو بمعنى ساتر، أي يستره عن الذين لا يؤمنون بالآخرة وليس في ذلك زيادة معنى، ولا كبير معجزة، ولكن الإعجاز في كون الحجاب مستوراً عن أعينهم، وفي هذا تحقيق وجود المعنيين، وهما حجبه صلى الله عليه وسلم عنهم، وستر الحجاب عن أعينهم، وهذا أبلغ في حفظه صلى الله عليه وسلم منهم، لأنه لو كان الحجاب مرئياً أي ساتراً فقط مع كونه مرئياً لربما اقتحموه عليه، وأقوى في الإعجاز، لأنه لو كان الحجاب مرئياً لكان كاحتجاب غيره من سائر الناس. ولكن حقيقة الإعجاز فيه هو كونه مستوراً عن أعينهم، وهذا ما رجحه ابن جرير. وقد جاءت قصة امرأة أبي لهب مفصلة هذا الذي ذكرناه كما ساقها ابن كثير قال: حديث : لما قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم سورة تبت يدا أبي لهب وتب إلى قوله: {وَٱمْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ ٱلْحَطَبِ فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِّن مَّسَدٍ}[المسد: 4-5] جاءت امرأة أبي لهب وفي يدها فهر، ولها ولولة، ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس مع أبي بكر رضي الله عنه عند الكعبة فقال له: إني أخاف عليك أن تؤذيك، فقال صلى الله عليه وسلم: "إن الله تعالى عاصمني منها"، وتلا قرآناً، فجاءت ووقفت على أبي بكر وقالت: إن صاحبك هجاني. قال: لا ورب هذه البنية إنه ليس بشاعر ولا هاج، فقالت: إنك مصدق وانصرفت.تفسير : أي ولم تره وهو جالس مع أبي بكر رضي الله عنه. فهل يقال بعدم وجود الحجاب لأنه مستور لم يشاهد، أم أننا نثبته كما أخبر تعالى وهو القادر على كل شيء؟ وعليه وبعد إثباته نقول: ما الفرق بين إثبات حقيقة قوله تعالى هنا:{أية : حِجَاباً مَّسْتُوراً}تفسير : [الإسراء: 45]، وقوله تعالى:{أية : وَلَـٰكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ}تفسير : [الإسراء: 44]؟ ففي كلا المقامين إثبات أمر لا ندركه بالحس، فالتسبح لا نفقهه، والحجاب لا نبصره. وقد أوردنا هذه النماذج، ولو مع بعض التكرار، لما يوجد من تأثر البعث بدعوى الماديين أو العلمانيين، الذين لا يثبتون إلا المحسوس، لتعطي القارئ زيادة إيضاح، ويعلم أن المؤمن بإيمانه يقف على علم ما لم يعلمه غيره، ويتسع أفقه إلى ما وراء المحسوس، ويعلم أن وراء حدود المادة عوالم يقصر العقل عن معالمها، ولكن المؤمن يثبتها. وقد رسم لنا النَّبي صلى الله عليه وسلم الطريق الصحيح في مثل هذا المقام من إثبات وإيمان، كما في صحيح البخاري حديث : أن النَّبي صلى الله عليه وسلم صلَّى صلاة الصبح، ثم أقبل على الناس فقال: "بينما رجل يسوق بقرة إذ ركبها فضربها فقالت: إنا لم نخلق لهذا، وإنما خلقنا للحرث، فقال الناس سبحان الله بقرة تتكلم؟ فقال: فإني أومن بهذا أنا وأبو بكر وعمر وما هما ثَمَّ، وبينما رجل في غنمه، إذ عدا الذئب فذهب منها بشاة. فطلب حتى كأنه استنقذها منه، فقال له الذئب: هذا: استنقذتها مني، فمن لها يوم السبع يوم لا راعي لها غيري فقال الناس: سبحان الله ذئب يتكلم، قال فإني أومن بهذا أنا وأبو بكر وعمر، وما هما ثم ". تفسير : ففي هذا النص الصريح نطق البقرة ونطق الذئب بكلام معقول من خصائص العقلاء على غير العادة، مما استعجب له الناس وسبحوا الله إعظاماً لما سمعوا، ولكن الرسول صلى الله عليه وسلم يدفع هذا الاستعجاب بإعلان إيمانه وتصديقه، ويضم معه أبا بكر وعمر، وإن كانا غائبين عن المجلس، لعلمه منهما أنهما لا ينكران ما ثبت بالسند الصحيح لمجرد استبعاده عقلاً. وهنا يقال لمنكري التسبيح حقيقة وما المانع من ذلك؟ أهو متعلق القدرة أم استعباد العقل لعدم الإدراك الحسي؟ فأما الأول. فممنوع، لأن الله تعالى على كل شيء قدير. وقد أخرج لقوم صالح ناقة عشراء من جوف الصخرة الصماء، وأنطق الحصا في كفه صلى الله عليه وسلم. وأما الثاني: فلا سبي إليه حتى ينتظر إدراكه وتحكيم العقل فيه، فإن الله تعالى قال:{أية : وَلَـٰكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ}تفسير : [الإسراء: 44]. فلم يبق إلا الإيمان أشبه ما يكون بالمغيبات. وإيمان تصديق وإثبات لا تكييف وإدراك وخالق الكائنات أعلم بحالها وبما خلقها عليه. فيجب أن نؤمن بتسبيح كل ما في السماوات والأرض، وإن كان مستغرباً عقلاً، ولكن أخبر به خالقه سبحانه، وشاهدنا المثال مسموعاً من بعض أفراده.

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 1- نزه الله عما لا يليق به كل ما فى السموات وما فى الأرض، وهو الغالب الذى لا يعجزه شئ، الحكيم فى تدبيره وأفعاله.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: سبح لله ما في السماوات وما في الأرض: أي نزّه الله تعالى وقدَّسَهُ بلسان الحال والقال ما في السماوات وما في الأرض من سائر الكائنات. وهو العزيز الحكيم: أي العزيز في انتقامه من أعدائه الحكيم في تدبيره لأوليائه. هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم: أي أخرج يهود بني النضير من ديارهم بالمدينة. لأول الحشر: أي لأول حشر كان وثاني حشر كان من خيبر إلى الشام. ما ظننتم أن يخرجوا: أي ما ظننتم أيها المؤمنون أن بني النضير يخرجون من ديارهم. وظنوا أنهم مانعتهم حصونهم من الله: أي وظن يهود بني النضير أن حصونهم تمنعهم مما قضى الله به عليهم من إجلائهم من المدينة. فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا: أي فجاءهم الله من حيث لم يظنوا أنهم يؤتون منه. وقذف في قلوبهم الرعب: أي وقذف الله تعالى الخوف الشديد من محمد وأصحابه. يخربون بيوتهم بأيديهم: أي يخربون بيوتهم حتى لا ينتفع بها المؤمنون وليأخذوا بعض أبوابها وأخشابها المستحسنة معهم. وأيدي المؤمنين: إذ كانوا يهدمون عليهم الحصون ليتمكنوا من قتالهم. فاعتبروا يا أولي الأبصار: أي فاتعظوا بحالهم يا أصحاب العقول ولا تغتروا ولا تعتمدوا إلا على الله سبحانه وتعالى. ولولا أن كتب الله عليهم الجلاء: أي ولولا أن كتب الله عليهم الخروج من المدينة. لعذبهم في الدنيا: أي بالقتل والسبيّ كما عذب بني قريظة إخوانهم بذلك. ذلك بأنهم شاقوا الله ورسوله: جزاهم بما جزاهم به من عذاب الدنيا والآخرة بسبب مخالفتهم لله ورسوله ومعاداتهم لهما. ما قطعتم من لينة أو تركتموها: أي ما قطعتم أيها المؤمنون من نخلة لينة أو تركتموها بلا قطع. فبإذن الله وليخزي الفاسقين: أي فقطع ما قطعتم وترك ما تركتم كان بإِرادة الله وكان ليجزي الله الفاسقين يهود بني النضير. معنى الآيات: يخبر تعالى عن جلاله وعظمته بأنه سبحه أي نزهه عن كل النقائص من الشريك والصاحبة والولد والعجز والنقص مطلقاً بلسان القال ولسان الحال جميع ما في السماوات وما في الأرض من الملائكة والإِنس والجن والحيوان والشجر والحجر والمدر، وأنه هو العزيز الانتقام الحكيم في تدبير حياة الأنام. هو الذي أخرج الذين كفروا من يارهم يهود بني النضير أجلاهم من ديارهم بالمدينة لأول الحشر إلى أذرعات بالشام ومنهم من نزل بخيبر وسيكون لهم حشر آخر حيث حشرهم عمر وأجلاهم من خيبر إلى الشام. وقوله تعالى في خطاب المؤمنين: {مَا ظَنَنتُمْ أَن يَخْرُجُواْ} أي من ديارهم وظنوا هم أنهم مانعتهم حصونهم من الله. فخاب ظنهم إذ أتاهم أمر الله من حيث لم يظنوا وذلك بأن قذف في قلوبهم الرعب والخوف الشديد من الرسول وأصحابه حتى أصبحوا يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين. المؤمنون يخربونها من الظاهر لفتح البلاد وهم يخربونها من الباطن وذلك أن الصلح الذي تم بينهم وبين الرسول والمؤمنين أنهم يحملون أموالهم إلا الحلقة أي السلاح ويجلون عن البلاد إلى الشام وهو أول حشر لهم فكانوا إذا أعجبهم الباب أو الخشبة نزعوها من محلها فيخرب البيت لذلك. وقوله تعالى {فَٱعْتَبِرُواْ يٰأُوْلِي ٱلأَبْصَارِ} أي البصائر والنهي أي اتعظوا بحال بني النضير الأقوياء كيف قذف الله الرعب في قلوبهم وأجلوا عن ديارهم فاعتبروا يا أولي البصائر فلا تغتروا بقواكم ولكن اعتمدوا على الله وتوكلوا عليه. وقوله تعالى: {وَلَوْلاَ أَن كَتَبَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمُ ٱلْجَلاَءَ} أزلا في اللوح المحفوظ لعذبهم في الدنيا بالسبي والقتل كما عذب بني قريظة بعدهم. ولهم في الآخرة عذاب النار، ثم علل تعالى لهذا العذاب الذي أنزله وينزله بهم بقوله: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَآقُّواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ} أي خالفوهما وعادوهما، ومن يشاق الله يعاقبه بأشد العقوبات فإن الله شديد العقاب. وقوله تعالى {مَا قَطَعْتُمْ مِّن لِّينَةٍ} أي من نخلة لينة أو تركتموها بلا قطع قائمة على أصولها فقد كان ذلك بإذن الله فلا إثم عليكم فيه فقد أسرّ به المؤمنين وأخزى به الفاسقين اليهود. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- بيان جلال الله وعظمته مع عزه وحكمته في تسبيحه من كل المخلوقات العلوية والسفلية وفي إجلاء بني النضير من ديارهم وهو أول حشر وإجلاء تم لهم وسيعقبه حشرٌ ثانٍ وثالثٌ. 2- بيان أكبر عبرة في خروج بني النضير، وذلك لما كان لهم من قوة ولما عليه المؤمنون من ضعف ومع هذا فقد انهزموا شر هزيمة وتركوا البلاد والأموال ورحلوا إلى غير رجعة. فعلى مثل هذا يتعظ المتعظون فإنه لا قوة تنفع مع قوة الله، فلا يغتر العقلاء بقواهم المادية بل عليهم أن يعتمدوا على الله أولاً وآخراً. 3- علة هزيمة بني النضير ليست إلا محادتهم لله والرسول ومخالفتهم لهما وهذه سنته تعالى في كل من يحاده ويحاد رسوله فإنه ينزل به أشد أنواع العقوبات. 4- عفو الله تعالى على المجتهد إذا أخطأ وعدم مؤاخذته، فقد اجتهد المؤمنون في قطع نخل بني النضير من أجل إغاظتهم حتى ينزلوا من حصونهم. وأخطأوا في ذلك إذ قطع النخل المثمر فساد، ولكن الله تعالى لم يؤاخذهم لأنهم مجتهدون.

القطان

تفسير : الذين كفروا: هم بنو النضير من اليهود، وذلك بنقضهم العهدَ بينهم وبين رسول الله. لأول الحشر: وهو جمعهم واخراجهم من المدينة. حصونهم: واحدها حصن، كان اليهود يسكنون منفردين عن العرب في قلاع مسوَّرة محصنة. فأتاهم الله: جاءهم عذابه. من حيث لم يحتسبوا: من حيث لم يخطر لهم ببال. يخرِّبون بيوتهم بأيديهم: كانوا يهدمون بيوتهم من قبل ان يغادروها. الجلاء: الخروج عن الوطن. اللينة: النخلة. شاقّوا الله ورسوله: خالفوهما وحاربوهما. {سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ.....}. لقد تقدم مثله في اول سورة الحديد وشرحنا ما استطعنا هناك. هو الذي أجلى الذين كفروا من أهل الكتاب "وهم بنو النضير، اكبر قبائل اليهود" أجلاهم من ديارهم، وكان هذا اول مرة حُشروا فيها واخرجوا من المدينة فذهب بعضهم الى الشام، وبعضهم الى خيبر. وما ظننتم أيها المسلمون ان يخرجوا من ديارهم، لقوّتهم، وظنوا هم ان حصونهم تمنعهم من بأس الله.. فأخذهم الله من حيث لم يظنوا ان يؤخذوا، والقى في قلوبهم الرعب الشديد. {يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي ٱلْمُؤْمِنِينَ}. وكانوا يخرّبون بيوتهم ليتركوها غير صالحة للسكنى بعدهم، وتخرّبها ايدي المؤمنين من خارج الحصون ليقضوا على تحصنهم ويخرجوهم أذلاء. {فَٱعْتَبِرُواْ يٰأُوْلِي ٱلأَبْصَارِ}. اتعظوا يا ذوي البصائر السليمة، والعقول الراجحة، بما جرى لهؤلاء القوم المتكبّرين المتجبّرين من حيث لم تنفعهم أموالُهم، ولا اسلحتهم. وعلينا نحن اليوم ان نعتبر ولا نخاف من شدة تسلّح اليهود وما عندهم من قوة وأموال، فلو اتفقنا واتحدنا، وجمعنا شملَنا على قلبٍ واحد صمَّم على الجهاد، واعددنا لهم ما نستطيع من العدة - لكان النصر لنا بإذن الله، سيكون مآل اليهود كمآل اسلافهم المتبجّحين. ولا يمكن ان يأتينا النصرُ من الشرق ولا من الغرب فما النصر الا من عند الله، ومن عند انفسِنا وايماننا وعزمنا على استرداد اراضينا بأيدينا. عندها يكون الله معنا والنصر لنا بإذنه. ثم بين الله تعالى أن الجلاء الذي كُتب عليهم، كان اخفَّ من القتل والأسر فقال: {وَلَوْلاَ أَن كَتَبَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمُ ٱلْجَلاَءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي ٱلدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي ٱلآخِرَةِ عَذَابُ ٱلنَّارِ}. ولولا ان الله قدّر جلاءهم عن المدينة، وخروجهم أذلاّء، لعذّبهم في الدنيا بما هو أفظعُ منه من قتلٍ او أسر، ولهم في الآخرة عذاب النار في جهنم وبئس القرار. كلّ ذلك الذي اصابهم في الدنيا، وما ينتظرهم في الآخرة - إنما كان لأنهم عادوا لله ورسولَه أشدّ العداء، ومن يخالف الله ويعاديهِ فإن الله سيعاقبه اشدّ العقاب. {مَا قَطَعْتُمْ مِّن لِّينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَآئِمَةً عَلَىٰ أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ ٱللَّهِ}. عندما حاصر الرسول الكريم واصحابه يهودَ بني النضير قطعوا بعض نخيلهم حتى يذلّوهم ويجبروهم على الاستسلام، فقال الله تعالى: أي شيء قطعتموه من النخل او أبقيتموه كما كان، فهو بأمر الله، فلا حرجَ عليكم فيه، ليعزّ المؤمنين، وليخزيَ الفاسقين المنحرفين.

د. أسعد حومد

تفسير : {ٱلسَّمَاوَاتِ} (1) - يُخْبِرُ اللهُ تَعَالَى أَنَّ جَمِيعَ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مِنْ مَخْلُوقَاتٍ تُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَتُمَجِّدُهُ، وَتُنَزِّهُهُ عَنِ العَجْزِ وَالنَّقْصِ. وَيَكُونُ تَسْبِيحُ المَخْلُوقَاتِ لِرَبِّهَا إِمَّا بِاللِّسَانِ أَوْ بِالقَلْبِ أَوْبِدَلاَلَةِ الحَالِ. وَاللهُ تَعَالَى هُوَ العَزِيزُ الذِي لاَ يُقْهَرُ، الحَكِيمُ فِي شَرْعِهِ وَقَضَائِهِ وَتَدْبِيرِهِ.

الثعلبي

تفسير : {سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ * هُوَ ٱلَّذِيۤ أَخْرَجَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ مِن دِيَارِهِمْ لأَوَّلِ ٱلْحَشْرِ} الآيات، قال المفسرون: نزلت هذه الآيات بأسرها في بني النضير، وذلك حديث : أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم لما دخل المدينة صالحه بنو النضير على أّلا يقاتلوه ولا يقاتلوا معه، فقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم ذلك، فلمّا غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم بدراً وظهر على المشركين قالت بنو النضير: والله إنّه للنبيّ الذي وجدنا نعته في التوراة: لا تردّ لهم راية. فلما غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم أحداً وهزم المسلمون ارتابوا ونافقوا وأظهروا العداوة لرسول الله (عليه السلام) والمؤمنين، ونقضوا العهد الذي كان بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم فركب كعب بن الأشرف في أربعين راكباً من اليهود إلى مكّة، فأتوا قريشاً فحالفوهم وعاقدوهم على أن تكون كلمتهم واحدة على محمّد (عليه السلام). ثم دخل أبو سفيان في أربعين وكعب في أربعين من اليهود المسجد وأخذ بعضهم على بعض الميثاق بين الأستار والكعبة، ثم رجع كعب بن الأشرف وأصحابه إلى المدينة، فنزل جبريل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره بما تعاقد عليه كعب وأبو سفيان، وأمر (عليه السلام) بقتل كعب بن الأشرف فقتله محمّد بن مسلمة الأنصاري، وكان أخاه من الرضاعة. وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم اطّلع منهم على خيانة ونقض عهد، حتى أتاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه أبو بكر وعمر وعليّ (رضي الله عنه) يستعينهم في دية الرجلين المسلمين اللذين قتلهما عمرو بن أُميّة الضمري في منصرفه من بئر معونة حين أغربا إلى بني عامر، فأجابوه صلى الله عليه وسلم إلى ذلك، وأجلسوه وهمّوا بالفتك به وطرح حجر عليه من فوق الحصن، فأخبره الله سبحانه بذلك وعصمه. وقد مضت هذه القصة وقصة مقتل كعب بن الأشرف، فلمّا قتل كعب أصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمر الناس بالسير إلى بني النضير، وكانوا بقرية لهم يقال لها: زهرة، فلمّا سار إليهم النبيّ صلى الله عليه وسلم وجدهم ينوحون على كعب، وكان سيّدهم، فقالوا: يا محمّد، واعية على إثر واعية، وباكية على إثر باكية؟ قال: "نعم". قالوا: ذرنا نبكي بشجونا ثم ائتمرنا أمرك. فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم "اخرجوا من المدينة". قالوا: الموت أقرب إلينا من ذلك. فتنادوا بالحرب وأذنوا بالقتال، ودسّ المنافقون: عبد الله بن أُبّي وأصحابه إليهم أّلا تخرجوا من الحصن، فإن قاتلوكم فنحن معكم ولا نخذلكم ولننصرنكم، ولئن أُخرجتم لنخرجنّ معكم فدربوا على الأزقة وحصونها. ثم أجمعوا الغدر برسول الله صلى الله عليه وسلم فأرسلوا إليه: اخرج في ثلاثين رجلا من أصحابك، وليخرج منا ثلاثون رجلا حتى نلتقي بمكان نَصَف بيننا وبينكم، فيسمعوا منك، فإن صدّقوك وآمنوا بك آمنّا كلّنا. فخرج النبيّ صلى الله عليه وسلم في ثلاثين من أصحابه وخرج إليه ثلاثون حبراً من اليهود، حتى إذا كانوا في بَراز من الأرض قال بعض اليهود لبعض: كيف تخلصون إليه ومعه ثلاثون رجلا من أصحابه كلّهم يحبّ أن يموت قبله؟ فأرسلوا إليه: كيف نفهم ونحن ستون رجلا، اخرج في ثلاثة من أصحابك، ونخرج لك ثلاثة من علمائنا فيسمعوا منك، فإن آمنوا بك آمنّا كلّنا وصدّقناك. فخرج النبي صلى الله عليه وسلم في ثلاثة من أصحابه، وخرج ثلاثة من اليهود، واشتملوا على الخناجر وأرادوا الفتك برسول الله صلى الله عليه وسلم فأرسلت امرأة ناصحة من بني النضير إلى أخيها وهو رجل مسلم من الأنصار فأخبرته بما أراد بنو النضير من الغدر برسول الله (عليه السلام)، فأقبل أخوها سريعاً حتى أدرك النبي صلى الله عليه وسلم فسارّه بخبرهم قبل أن يصل النبيّ صلى الله عليه وسلم فرجع النبيّ صلى الله عليه وسلم (عليه السلام). فلمّا كان الغد عدا عليهم بالكتائب فحاصرهم إحدى وعشرين ليلة، فلمّا قذف الله سبحانه في قلوبهم الرعب، وأيسوا من نصر المنافقين سألوا نبي الله (عليه السلام) الصلح فأبى عليهم (إلاّ) أن يخرجوا من المدينة على ما يأمرهم به النبيّ صلى الله عليه وسلم فقبلوا ذلك، وصالحهم على الإجلاء، وعلى أنّ لهم ما أقلّت الإبل من أموالهم إلاّ الحلقة وهي السلاح، وعلى أن يخلوا له ديارهم وعقارهم وسائر أموالهم . تفسير : وقال ابن عباس: صالحهم على أن يحمل كل أهل ثلاثة أبيات على بعير ما شاؤوا من متاعهم، وللنبي صلى الله عليه وسلم ما بقي. وقال الضحاك: أعطى كلّ ثلاثة نفر بعيراً وسقاءً، ففعلوا ذلك وخرجوا من المدينة إلى الشام إلى أذرعات وأريحا إلاّ أهل بيتين منهم: آل أبي الحقيق وآل حيي بن أخطب، فإنّهم لحقوا بخيبر، ولحقت طائفة منهم بالحيرة، فذلك قوله سبحانه وتعالى: {هُوَ ٱلَّذِيۤ أَخْرَجَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ} يعني بني النضير {مِن دِيَارِهِمْ} التي كانت بيثرب. قال ابن إسحاق: "حديث : كان إجلاء بني النضير مرجع النبي صلى الله عليه وسلم من أُحد وكان فتح قريظة عند مرجعه من الأحزاب وبينهما سنتان. {لأَوَّلِ ٱلْحَشْرِ} قال الزهري: كانوا من سبط لم يصبهم جلاء فيما مضى، وكان الله سبحانه قد كتب عليهم الجلاء، ولو لا ذلك لعذّبهم في الدنيا وكانوا أول حشر في الدنيا حشروا إلى الشام. قال ابن عباس: من شكّ أنّ المحشر بالشام فليقرأ هذه الآية؛ وذلك أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم (عليه السلام) قال لهم يومئذ: اخرجوا". قالوا: إلى أين؟ فقال: "إلى أرض المحشر"تفسير : ، فأنزل الله سبحانه {لأَوَّلِ ٱلْحَشْرِ} . وقال الكلبي: إنّما قال: {لأَوَّلِ ٱلْحَشْرِ}؛ لأنّهم أوّل من حشروا من أهل الكتاب ونفوا من الحجاز. وقال مرّة الهمداني: كان هذا أوّل الحشر من المدينة، والحشر الثاني من خيبر وجميع جزيرة العرب إلى أذرعات وأريحا من الشام في أيام عمر بن الخطاب رضي الله عنه وعلى بدنه. وقال قتادة: كان هذا أوّل الحشر، والحشر الثاني نار تحشرهم من المشرق إلى المغرب تبيت معهم حيث باتوا، وتقيل معهم حيث قالوا، وتأكل منهم من تخلّف. قال يمان بن رباب: إنّما قال: {لأَوَّلِ ٱلْحَشْرِ} ؛ لأنّ الله سبحانه فتح على نبيّه (عليه السلام) في أول ما قاتلهم. {مَا ظَنَنتُمْ} أيّها المؤمنون {أَن يَخْرُجُواْ} من المدينة {وَظَنُّوۤاْ أَنَّهُمْ مَّانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم مِّنَ ٱللَّهِ} حيث درّبوها وحصّنوها {فَأَتَاهُمُ ٱللَّهُ} أي أمر الله وعدله {مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُواْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ ٱلرُّعْبَ} بقتل سيّدهم كعب بن الأشرف. {يُخْرِبُونَ} قراءة العامّة بالتخفيف، من الإخراب، أي يهدمون، وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي والحسن البصري وأبو عمرو بن العلاء بالتشديد، من التخريب، وقال أبو عمرو: إنّما اخترت التشديد؛ لأنّ الإخراب ترك الشيء خراباً بغير ساكن، وأنّ بني النضير لم يتركوا منازلهم فيرتحلوا عنها ولكنّهم خرّبوها بالنقض والهدم. وقال الآخرون: التخريب والإخراب بمعنى واحد. قال الزهري: ذلك أنّهم لمّا صالحهم النبيّ صلى الله عليه وسلم على أنّ لهم ما أقلّت الإبل، كانوا ينظرون إلى الخشبة في منازلهم ممّا يستحسنونه، أو العمود أو الباب فيهدمون بيوتهم وينزعونها منها ويحملونها على إبلهم ويخرّب المؤمنون باقيها. وقال ابن زيد: كانوا يقتلعون العمد وينقضون السقوف وينقبون الجدران ويقلعون الخشب حتى الأوتاد يخربونها لئلاّ يسكنها المؤمنون، حسداً منهم وبغضاً. وقال الضحاك: جعل المسلمون كلّما هدموا شيئاً من حصونهم جعلوا هم ينقضون بيوتهم بأيديهم ويخربونها ثم يبغون ما خرب المسلمون. وقال ابن عباس: كلّما ظهر المسلمون على دار من دورهم هدموها ليتّسع لهم المقاتل، وجعل أعداء الله ينقبون دورهم من أدبارهم فيخرجون إلى التي بعدها يتحصنّون فيها ويكسرون ما يليهم منها، ويرمون بالتي خرجوا منها أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقال قتادة: كان المسلمون يخربون ما يليهم من ظاهرها، ويخربها اليهود من داخلها فذلك قوله سبحانه {يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي ٱلْمُؤْمِنِينَ}. {فَٱعْتَبِرُواْ}: فاتّعظوا {يٰأُوْلِي ٱلأَبْصَارِ} يا ذوي العقول. {وَلَوْلاَ أَن كَتَبَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمُ ٱلْجَلاَءَ}: الخروج عن الوطن {لَعَذَّبَهُمْ فِي ٱلدُّنْيَا} بالقتل والسبي كما فعل ببني قريظة {وَلَهُمْ فِي ٱلآخِرَةِ عَذَابُ ٱلنَّارِ * ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَآقُّواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَن يُشَآقِّ ٱللَّهَ} وقرأ طلحة بن مصرف: (ومن يشاقق الله) (كالتي في الأنفال) {فَإِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ}. {مَا قَطَعْتُمْ مِّن لِّينَةٍ} الآية، وذلك أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم لما نزل ببني النضير وتحصّنوا في حصونهم أمر بقطع نخيلهم وإحراقها، فجزع أعداء الله عند ذلك وقالوا: يا محمّد، زعمت أنّك تريد الصلاح، أفمن الصلاح عقر الشجر وقطع النخيل؟ فهل وجدت فيما زعمت أنّه أنزل عليك الفساد في الأرض؟ فشقّ ذلك على النبيّ صلى الله عليه وسلم ووجد المسلمون في أنفسهم من قولهم، وخشوا أن يكون ذلك فساداً، واختلف المسلمون في ذلك، فقال بعضهم: لا تقطعوا؛ فإنّه ممّا أفاء الله علينا، وقال بعضهم: بل نغيظهم بقطعها، فأنزل الله سبحانه هذه الآية بتصديق من نهى عن قطعه وتحليل من قطعه من الإثم، وأخبر أن قطعه وتركه بإذن الله سبحانه. أخبرنا عبد الله بن حامد قال: أخبرنا أحمد بن محمّد بن الحسن قال: حدّثنا محمّد بن يحيى وعبد الرحمن بن بشر وأبو الأزهر وحمدان وعلي قالوا: حدّثنا عبد الرزاق قال: أخبرنا ابن جريح قال: أخبرني موسى بن عقبة، عن نافع، عن إبن عمر أنّ النبي (عليه السلام) قطع نخل بني النضير وحرقه، ولها يقول حسان: شعر : وهان على سراة بني لؤي حريق بالبويرة مستطير تفسير : أخبرنا أبو عبد الله محمّد بن عبد الله وأبو محمّد إسحاق بن إبراهيم وأبو علي الحسن بن محمّد وأبو القاسم الحسن بن محمّد قالوا: حدّثنا أبو العباس الأصمّ قال: أخبرنا الربيع قال: أخبرنا الشافعي، عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر، أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم أمر بإحراق نخل بني النضير، فقال فيه حسان بن ثابت: شعر : وهان على سراة بني لؤي حريق بالبويرة مستطير تفسير : وفي ذلك نزل قوله سبحانه: {مَا قَطَعْتُمْ مِّن لِّينَةٍ} . اختلفوا فيها فقال قوم: هي ما دون العجوة من النخل، فالنخل كلّه لينة ما خلا العجوة، وهو قول عكرمة ويزيد بن رويان وقتادة. ورواية باذان عن ابن عباس قال: وكان النبي صلى الله عليه وسلم أمر بقطع نخلهم إلاّ العجوة، وأهل المدينة يسمّون ما خلا العجوة من التمر: الألوان، واحدها لون ولينة، وأصلها لونة فقلبت الواو بالكسرة ما قبلها. وقال الزهري: اللينة ألوان النخل كلّها إلاّ العجوة والبرنيّة، وقال مجاهد وعطية وابن زيد: هي النخل كلّه من غير استثناء. العوفي عن ابن عباس: هي لون من النخل. وأخبرنا عبد الله بن حامد قال: أخبرنا أحمد بن عبد الله المزني قال: حدّثنا الحضرمي قال: حدّثنا جعفر بن محمّد قال: حدّثنا عبد الله بن مبارك، عن عثمان بن عطإ، عن أبيه، عن ابن عباس في قوله: {مَا قَطَعْتُمْ مِّن لِّينَةٍ} قال: النخلة والشجرة. قال سفيان: هي كرام النخل. وقال مقاتل: هي ضرب من النخل يقال لثمرتها: اللون، وهو شديد الصفرة ترى نواهُ من خارج يغيب فيه الضرس. وكان من أجود تمرهم وأعجبها إليهم، وكانت النخلة الواحدة منها ثمن وصيف، وأحبّ إليهم من وصيف، فلما رأوا ذلك الضرب يقطع شقّ عليهم مشقّة شديدة، وقالوا للمؤمنين: تزعمون أنّكم تكرهون الفساد وأنتم تفسدون وتخربون وتقطعون الشجر، دعوا هذا النخل، فإنّما هي لمن غلب عليها. وقيل: هي النخلة القريبة من الأرض. وأنشد الأخفش: شعر : قد شجاني الحمامُ حين تغنّى بفراق الأحباب من فوق لينهْ تفسير : والعرب تسمّي ألوان النخل كلّها لينة، قال ذو الرمّة: شعر : كأنّ قتودي فوقها عش طائر على لينة فرواء تهفو جنوبها تفسير : وقال أيضاً: شعر : طراق الخوافي واقعاً فوق لينة لدى ليلة في ريشه يترقرق تفسير : وجمع اللينة لين، وقيل: ليان، قال امرؤ القيس يصف عنق فرس. شعر : وسالفة كسحوق الليا ن أضرم فيها الغوي السعر تفسير : {أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَآئِمَةً عَلَىٰ أُصُولِهَا}: سوقها فلم تقطعوها ولم تحرقوها، وقرأ عبد الله: (ما قطعتم من لينة ولا تركتم قوماً على أُصولها إلاّ بإذن الله). وقرأ الأعمش: (ما قطعتم من لينة أو تركتم قوّما على أصولها). {فَبِإِذْنِ ٱللَّهِ وَلِيُخْزِيَ ٱلْفَاسِقِينَ} أي وليذلّ اليهود، ويحزنهم ويغيظهم.

الصابوني

تفسير : اللغَة: {ٱلْحَشْرِ} الجمع، وسمي يوم القيامة يوم الحشر لأنه يوم اجتماع الناس للحساب والجزاء ومنه {أية : وَحُشِرَ لِسْلَيْمَانَ جُنُودُهُ}تفسير : [النمل: 17] أي جمع له الجنود {قَذَفَ} ألقى وأنزل بشدة {ٱلْجَلاَءَ} الخروج من الوطن مع الأهل والولد {شَآقُّواْ} عادوا وخالفوا {لِّينَةٍ} بكسر اللام النخلة القريبة من الأرض، الكريمة الطيبة، سميت لينة لجودة ثمرها وأنشد الأخفش: شعر : قد شجاني الحمامُ حين تغنَّى بفراق الأحباب من فوقِ لينة تفسير : {أَوْجَفْتُمْ} الوجيف: سرعة السير يقال: أوجف البعير إِذا حثَّه وحمله على السير السريع {دُولَةً} بضم الدال الشيء الذي يتداول من الأموال، وينتقل من يد إلى يد {خَصَاصَةٌ} فقر واحتياج {غِلاًّ} حِقداً وضغينة. سَبَبُ النّزول: لما نقض اليهود "بنو النضير" العهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حاصرهم صلى الله عليه وسلم وأمر بقطع نخيلهم وإِحراقه إِهانةً لهم وإِرعاباً لقلوبهم، فقالوا يا محمد: ألست تزعم أنك نبيٌ؟ وأنك تنهى عن الفساد؟ فما بالك تأمر بقطع الأشجار وتحريقها؟ فأنزل الله تعالى {مَا قَطَعْتُمْ مِّن لِّينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَآئِمَةً عَلَىٰ أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ ٱللَّهِ..} الآية. التفسِير: {سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ} أي نزَّه الله تعالى ومجَّده وقدَّسه جميع ما في السماواتِ والأرض من ملك، وإِنسان، وجماد، وشجر كقوله تعالى {أية : وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ} تفسير : [الإِسراء: 44] قال ابن كثير: يخبر تعالى أن جميع ما في السماواتِ والأرض يسبح له ويُمجده ويقدِّسه ويُوحِّده {وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ} أي وهو العزيز في ملكه، الحكيمُ في صنعه {هُوَ ٱلَّذِيۤ أَخْرَجَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ مِن دِيَارِهِمْ} بيانٌ لبعض أثار قدرته تعالى الباهرة وعزته الظاهرة أي هو جلَّ وعلا الذي أخرج يهود بني النضير من مساكنهم بالمدينة المنورة {لأَوَّلِ ٱلْحَشْرِ} أي في أول مرة حُشروا وأخرجوا فيها من جزيرة العرب، إِذ لم يصبهم هذا الذل قبل ذلك قال البيضاوي: لما قدم صلى الله عليه وسلم المدينة صالح "بني النضير" على ألاَّ يكونوا معه ولا عليه، فلما ظهر يوم بدر قالوا: إنه النبي المنعوتُ في التوراة بالنصرة لا تُردُّ له راية، فلما هُزم المسلمون يوم أُحد ارتابوا ونكثوا، وخرج "كعب بن الأشرف" في أربعين راكباً إِلى مكة وحالفوا "أبا سفيان" فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم "محمد بن مسلمة" أخا كعبٍ من الرضاعة فقتله غيلةً، ثم صبَّحهم بالكتائب وحاصرهم، حتى صالحوه على الجلاء، فجلا أكثرهم إِلى الشام، ولحقت طائفة بخيبر، فذلك قوله {هُوَ ٱلَّذِيۤ أَخْرَجَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ مِن دِيَارِهِمْ لأَوَّلِ ٱلْحَشْرِ} قال الألوسي: ومعنى {لأَوَّلِ ٱلْحَشْرِ} أن هذا أول حشرهم إِلى الشام أي أول ما حُشروا وأُخرجوا، ونبَّه بلفظ {أول} على أنهم لم يصبهم جلاءٌ قبله {مَا ظَنَنتُمْ أَن يَخْرُجُواْ} أي ما ظننتم أيها المؤمنون أن يخرجوا من أوطانهم وديارهم بهذا الذل والهوان، لعزتهم ومنعتهم، وشدة بأسهم، حيث كانوا أصحاب حصون وعقار، ونخيلٍ وثمار {وَظَنُّوۤاْ أَنَّهُمْ مَّانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم مِّنَ ٱللَّهِ} أي وظنوا أن حصونهم الحصينة تمنعهم من بأس الله، وتدفع عنهم عذابه وانتقامه قال البيضاوي: والأصل أن يُقال: وظنوا أن حصونهم تمنعهم أو مانعتهم من بأس الله، وتغييرُ النظم بتقديم الخبر وإِسناد الجملة إِلى ضميرهم للدلالة على فرط وثوقهم بكونها حصينة، بحيث ظنوا أنه لا يخرجهم منها أحد لأنهم في عزة ومنعة {فَأَتَاهُمُ ٱللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُواْ} أي فجاءهم بأسُ الله وعذابه من حيث لم يكن في حسابهم، ولم يخطر ببالهم {وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ ٱلرُّعْبَ} أي وألقى في قلوب بني النظير الخوف الشديد، مما أضعف قوتهم، وسلبهم الأمن والطمأنينة، حتى نزلوا على حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي الحديث "حديث : نُصرت بالرعب من مسيرة شهر"تفسير : {يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي ٱلْمُؤْمِنِينَ} أي يهدمون بيوتهم بأيديهم من الداخل، وأيدي المؤمنين من الخارج قال المفسرون: كان بنو النضير قبل إِجلائهم عن ديارهم يخربون بيوتهم فيقلعون العُمد، وينقضون السقوف، وينقبون الجدران، لئلا يسكنها المؤمنون حسداً منهم وبغضاً، وكان المسلمون يخربون سائر الجوانب من ظاهرها ليقتحموا حصونهم {فَٱعْتَبِرُواْ يٰأُوْلِي ٱلأَبْصَارِ} أي فاتعظوا بما جرى عليهم يا ذوي العقول والألباب {وَلَوْلاَ أَن كَتَبَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمُ ٱلْجَلاَءَ} أي ولولا أن الله تعالى قضى عليهم بالخروج من أوطانهم مع الأهل والأولاد {لَعَذَّبَهُمْ فِي ٱلدُّنْيَا} أي لعذبهم في الدنيا بالسيف كما فعل بإِخوانهم بني قريظة {وَلَهُمْ فِي ٱلآخِرَةِ عَذَابُ ٱلنَّارِ} أي ولهم مع عذاب الدنيا عذاب جهنم المؤبد {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَآقُّواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ} أي ذلك الجلاء والعذاب بسبب أنهم خالفوا الله وعادوه وعصوا أمره، وارتكبوا ما ارتكبوا من جرائم، ونقضٍ للعهود في حق رسوله {وَمَن يُشَآقِّ ٱللَّهَ فَإِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ} أي ومن يخالف أمر الله، ويعادِ دينه فاللهُ ينتقم منه لأن عذابه شديد، وعقابه أليم {أية : وَكَذٰلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ ٱلْقُرَىٰ وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ}تفسير : [هود: 102].. ثم أخبر تعالى أن كل ما جرى من المؤمنين من قطع النخيل، وإِحراق بعض الأشجار المثمرة، فإِنما كان بأمر الله وإِرادته فقال {مَا قَطَعْتُمْ مِّن لِّينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَآئِمَةً عَلَىٰ أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ ٱللَّهِ} أي ما قطعتم أيها المؤمنون من شجرة نخيل، أو تركتموها كما كانت قائمة على سوقها فبأمر الله وإِرادته ورضاه {وَلِيُخْزِيَ ٱلْفَاسِقِينَ} أي وليغيظ اليهود ويذلهم، بقطع أشجارهم ونخيلهم قال الرازي: المعنى إِنما أذن تعالى في ذلك حتى يزداد غيظ الكفار، وتتضاعف حسرتهم، بسبب نفاذ حكم أعدائهم في أعزَّ أموالهم قال المفسرون: لما حاصر رسول الله صلى الله عليه وسلم بني النضير، كان بعض الصحابة قد شرع يقطع ويحرق في نخيلهم، إِهانةً لهم وإِرعاباً لقلوبهم، فقالوا: ما هذا الإِفساد يا محمد؟ إِنك كنت تنهى عن الفساد، فما بالك تأمر بقطع الأشجار؟ فأنزل الله هذه الآية الكريمة {وَمَآ أَفَآءَ ٱللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْهُمْ} أي وما أعاد الله وردَّه غنيمة على رسوله من أموال يهود بني النضير {فَمَآ أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلاَ رِكَابٍ} أي لم تسيِّروا إِليه خيلكم ولا ركابكم، ولا تعبتم في تحصيله قال القرطبي: يقال: وجف البعير وجيفاً إِذا أسرع السير، وأوجفه صاحبه إِذا حمله على السير السريع، والركاب: ما يُركبُ من الإِبل، والمعنى: لم تقطعوا إِليها شُقةً، ولا لقيتم بها حرباً ولا مشقة، وإِنما كانت من المدينة على ميلين، فافتتحها رسول الله صلى الله عليه وسلم صلحاً، وأجلاهم عنها وأخذ أموالهم، فجعلها الله لرسوله صلى الله عليه وسلم خاصة يضعها حيث شاء {وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ} أي ولكنه تعالى من سنته أن ينصر رسله بقذف الرعب في قلوب أعدائه، من غير أن يقاسوا شدائد الحروب {وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} أي هو تعالى قادر على كل شيءٍ، لا يُغالب ولا يُمانع ولا يعجزه شيء.. ثم بيَّن تعالى حكم الفيء عامةً - وهو ما يغنمه المسلمون بدون حرب - فقال {مَّآ أَفَآءَ ٱللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ ٱلْقُرَىٰ} أي ما جعله الله غنيمةً لرسوله بدون قتال من أموال الكفار قال ابن عباس: هي قريظة، والنضير، وفدك، وخيبر {فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ} أي فحكمها أنها لله تعالى يضعها حيث يشاء، ولرسوله يصرفها على نفسه وعلى مصالح المسلمين {وَلِذِي ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْيَتَامَىٰ وَٱلْمَسَاكِينِ} أي ولأقرباء الرسول من بني هاشم وعبد المطلب، ولليتامى الذين مات آباؤهم، وللمساكين ذوي الحاجة والفقر {وَٱبْنِ ٱلسَّبِيلِ} أي وللغريب المنقطع في سفره قال في التسهيل: لا تعارض بين هذه الآية وبين آية الأنفال، فإِن آية الأنفال في حكم الغنيمة التي تؤخذ بالقتال وإِيجاف الخيل والركاب، فتلك يؤخذ منها الخمس ويقسم الباقي على الغانمين، وأما هذه ففي "حكم الفيء" وهو ما يؤخذ من الكفار من غير قتال فلا تعارض بينهما ولا نسخ، وقد قرر الفقهاء الفرق بين الغنيمة والفيء، وأنَّ حكمهما مختلف، فالغنيمة ما أُخذت بالقتال، والفيءُ ما أُخذ صلحاً، وانظر كيف ذكر هنا لفظ الفيء {أية : مَّآ أَفَآءَ ٱللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ} وذكر في الأنفال لفظ الغنيمة {وَٱعْلَمُوۤا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِّن شَيْءٍ}تفسير : [الأنفال: 41]!! {كَيْ لاَ يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ ٱلأَغْنِيَآءِ مِنكُمْ} أي لئلا ينتفع بهذا المال ويستأثر به الأغنياء دون الفقراء، مع شدة حاجة الفقراء للمال قال القرطبي: أي فعلنا ذلك كيلا يتقاسمه الرؤساء والأغنياء بينهم دون الفقراء والضعفاء، لأن أهل الجاهلية كانوا إِذا غنموا أخذ الرئيس ربعها لنفسه - وهو المرباعُ - ثم يصطفي منها أيضاً ما يشاء قال المفسرون: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قسم أموال بني النضير على المهاجرين فإِنهم كانوا حينئذٍ فقراء، ولم يُعط الأنصار منها شيئاً فإِنهم كانوا أغنياء، فقال بعض الأنصار: لنا سهمنا من هذا الفيء فأنزل الله هذه الآية {وَمَآ آتَاكُمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَٱنتَهُواْ} أي ما أمركم به الرسول صلى الله عليه وسلم فافعلوه، وما نهاكم عنه فاجتنبوه، فإِنه إِنما يأمر بكل خير وصلاح، وينهى عن كل شرٍّ وفساد قال المفسرون: والآية وإِن نزلت في أموال الفيء، إِلا أنها عامة في كل ما أمر به النبي صلى الله عليه وسلم أو نهى عنه من واجبٍ، أو مندوب، أو مستحب، أو محرم، فيدخل فيها الفيء وغيره، عن ابن مسعود أنه قال: "لعن اللهُ الواشمات، والمستوشمات، والمتنمصات، والمتفلجات للحسن، المغيِّرات خلق الله" فبلغ ذل امرأةً من بني أسد يُقال لها "أم يعقوب" - وكانت تقرأ القرآن - فأتته فقالت: ما حديثٌ بلغني عنك أنك قلت كذا وكذا!! وذكرته له، فقال ابن مسعود: وما لي لا ألعنُ من لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في كتاب الله تعالى؟ فقالت المرأةُ: لقد قرأت ما بين لوحي المصحف فما وجدته! فقال: إِن كنتِ قرأتيه لقد وجدتيه، أما قرأتِ قول الله عز وجل {وَمَآ آتَاكُمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَٱنتَهُواْ}؟ {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ} أي خافوا ربكم بامتثال أوامره واجتناب نواهيه {إِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ} أي فإِن عقابه أليم وعذابه شديد، لمن عصاه وخالف ما أمره به {لِلْفُقَرَآءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُواْ مِن دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ ٱللَّهِ وَرِضْوَاناً} هذا متعلقٌ بما سبق من حكم الفيء كأنه يقول: الفيءُ والغنائم لهؤلاء الفقراء المهاجرين الذين ألجأهم كفار مكة إِلى الهجرة من أوطانهم، فتركوا الديار والأموال، ابتغاء مرضاة الله ورضوانه {وَيَنصُرُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ} أي قاصدين بالهجرة إِعلاء كلمة الله ونصرة دينه {أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلصَّادِقُونَ} أي هؤلاء الموصوفون بالصفات الحميدة هم الصادقون في إِيمانهم قال قتادة: هؤلاء المهاجرون الذين تركوا الديار والأموال، والأهلين والأوطان، حباً لله ورسوله، حتى إِن الرجل منهم كان يعصب الحجر على بطنه ليُقيم به صُلبه من الجوع.. ثم مدح تعالى الأنصار وبيَّن فضلهم وشرفهم فقال {وَٱلَّذِينَ تَبَوَّءُوا ٱلدَّارَ وَٱلإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ} أي والذين اتخذوا المدينة منزلاً وسكناً وآمنوا قبل كثيرٍ من المهاجرين وهم الأنصار قال القرطبي: أي تبوءوا الدار من قبل المهاجرين، واعتقدوا الإِيمان وأخلصوه، والتبوء: التمكن والاستقرار، وليس يريد أن الأنصار آمنوا قبل المهاجرين، بل أراد آمنوا قبل هجرة النبي صلى الله عليه وسلم إِليهم {يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ} أي يحبون إِخوانهم المهاجرين ويواسونهم بأموالهم قال الخازن: وذلك أنهم أنزلوا المهاجرين في منازلهم، وأشركوهم في أموالهم {وَلاَ يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّآ أُوتُواْ} أي ولا يجد الأنصار حزازةً وغيظاً وحسداً مما أعطي المهاجرون من الغنيمة دونهم قال المفسرون: إِن رسول الله صلى الله عليه وسلم قسم أموال بني النضير بين المهاجرين ولم يعط الأنصار منها شيئاً إِلا ثلاثة منهم، فطابت أنفس الأنصار بتلك القسمة {وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ} أي يفضلون غيرهم بالمال على أنفسهم ولو كانوا في غاية الحاجة والفاقة إِليه، فإِيثارهم ليس عن غنى عن المال، ولكنه عن حاجة وفقر، وذلك غاية الإِيثار {وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ} أي ومن حماه الله وسلم من البخل فقد أفلح ونجح، والشُحُّ هو البخل الشديد مع الجشع والطمع، وهو غريزة في النفس ولذلك أضيف إِليها، قال ابن عمر: ليس الشح أن يمنع الرجل ماله، إِنما الشحُّ أن تطمع عينه فيما ليس له وفي الحديث "حديث : واتقوا الشُحَّ فإِنه أهلك من كان قبلكم، حملهم علىأن سفكوا دماءهم، واستحلوا محارمهم"تفسير : {وَٱلَّذِينَ جَآءُوا مِن بَعْدِهِمْ} هذا هو الصنف الثالث من المؤمنين المستحقين للإِحسان والفضل، وهم التابعون لهم بإِحسان إِلى يوم القيامة {يَقُولُونَ رَبَّنَا ٱغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا ٱلَّذِينَ سَبَقُونَا بِٱلإِيمَانِ} أي يدعون لهم قائلين: يا ربنا اغفر لنا ولإِخواننا المؤمنين الذين سبقونا بالإِيمان قال أبو السعود: وصفوهم بالسبق بالإِيمان اعترافاً بفضلهم، لأن أخوة الدين عندهم أعزُّ وأشرف من النسب {وَلاَ تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِّلَّذِينَ آمَنُواْ} أي ولا تجعل في قلوبنا بغضاً وحسداً لأحدٍ من المؤمنين {رَبَّنَآ إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ} أي مبالغٌ في الرأفة والرحمة فاستجب دعاءنا، قال ابن كثير: وما أحسن ما استنبط الإِمام مالك من هذه الآية الكريمة أن الرافضي الذي يسب الصحابة ليس له في مال الغنيمة شيء لعدم اتصافه بأوصاف المؤمنين، وقال شيخ زاده: بيَّن تعالى أن من شأن من جاء من بعد المهاجرين والأنصار أن يذكر السابقين بالرحمة والدعاء، فمن لم يكن كذلك بل ذكرهم بسوء فقد كان خارجاً عن جملة أقسام المؤمنين بمقتضى هذه الآيات، وقد روي عن الشعبي أنه قال: تفاضلت اليهود والنصارى على الرافضة بخصلة، سئلت اليهود: من خير أهل ملتكم؟ فقالوا أصحاب موسى وسئلت النصارى فقالوا: أصحاب عيسى، وسئلت الرافضة من شرُّ أهل ملتكم؟ فقالوا: أصحابُ محمد صلى الله عليه وسلم أُمروا بالاستغفار لهم فسبُّوهم، فالسيف عليهم مسلول إِلى يوم القيامة.. اللهم ارزقنا محبة أصحاب نبيك الكريم.

الأندلسي

تفسير : {بِسمِ ٱلله الرَّحْمٰنِ الرَّحِيـمِ * سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ} الآية، هذه السورة مدنية ومناسبتها لما قبلها أنه لما ذكر حال المنافقين واليهود وتولى بعضهم بعضاً ذكر أيضاً ما حل باليهود من غضب الله تعالى عليهم وجلائهم وإمكان الله تعالى رسوله ممن حادّ الله ورسوله ورام القدر بالرسول وأظهر العداوة بحلفهم مع قريش وقيل نزلت في بني النضير وتعد من المدينة لتدانيها منها وكانوا صالحوا رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن لا يكونوا عليه ولا له فلما ظهر يوم بدر قالوا هو النبي الذي نعته في التوراة لا رَد له راية فلما هزم المسلمون يوم أحد ارتابوا ونكثوا فخرج كعب بن الأشرف في أربعين راكباً إلى مكة فحالفوا قريشاً عند الكعبة فأخبر جبريل عليه السلام الرسول صلى الله عليه وسلم بذلك فأمر بقتل كعب بن الأشرف فقتله محمد بن مسلمة غيلة وكان أخاه من الرضاع. {وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ ٱلرُّعْبَ} وأيسوا من نصر المنافقين إياهم فطلبوا الصلح فأبى عليهم إلا الجلاء على أن يحمل كل ثلاثة أبيات على بعير ما شاؤوا من المتاع فجلوا إلى الشام إلى اريحاء وأذرعات إلا أهل بيتين منهم ال أبي الحقيق وآل حي بن أحطب فلحقوا بخيبر ولحقت طائفة منهم بالحيرة وقبض أموالهم وسلاحهم فوجد خمسين درعاً وخمسين بيضة وثلاثمائة وأربعين سيفاً. {مَا قَطَعْتُمْ مِّن لِّينَةٍ} اللينة قال الأخفش: لون من النخل أي ضرب منه وأصلها لونه وقال أبو عبيدة: اللينة اللينة ما ثمرها لون وهي نوع من الثمر يقال له اللون وقال الأصمعي: هي الذقل وما شرطية منصوبة بقطعتم ومن لينة تبيين لإِبهام ما وجواب الشرط. {فَبِإِذْنِ ٱللَّهِ} أي قطعها أو تركها بإِذن الله والضمير في {تَرَكْتُمُوهَا} عائد على معنى ما وقرىء قائماً اسم فاعل مذكر على لفظ ما وأنث في على أصولها وما في قوله: {وَمَآ أَفَآءَ ٱللَّهُ} شرطية أو موصولة وأفاء بمعنى يفي ولا يكون ماضياً في اللفظ والمعنى لأن فعل الشرط لا يكون ماضياً في المعنى وكذلك صلة ما الموصولة إذا كانت الفاء في خبرها لأنها إذ ذاك شبهت باسم الشرط فإِن كانت الآية نزلت قبل جلائهم كانت مخبرة بغيب فوقع كما أخبرت وإن كانت نزلت بعد حصول أموالهم له صلى الله عليه وسلم كان ذلك بياناً لما يستقبل وحكم الماضي المتقدّم حكمه ومن في. {مِنْ خَيْلٍ} زائدة لأن المفعول يدل على الاستغراق. {وَلاَ رِكَابٍ} الإِبل سلط الله تعالى رسوله عليهم وعلى ما في أيديهم ولما جلا بنو النضير عن أوطانهم وتركوا رياعهم وأموالهم طلب المسلمون تخميساً كغنائم بدر فنزل وما أفاء الله على رسوله بين أن أموالهم فيء لم يوجف عليها خيل ولا ركاب ولا قطعت مسافة إنما كانوا ميلين من المدينة مشوا مشياً ولم يركب إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم قال عمر بن الخطاب: كانت أموال بني النضير لرسول الله خاصة ينفق منها على أهله نفقة سنة ثم يجعل ما بقي في السلاح والكراع عدة للمسلمين في سبيل الله تعالى. {مَّآ أَفَآءَ ٱللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ ٱلْقُرَىٰ} أهل القرى المذكورون في هذه الآية هم أهل الصفراء وينبع ووادي القرى وما هنالك من قرى العرب التي تسمى قرى عرينة وحكمها مخالف لبني النضير ولم يحبس من هذه رسول الله صلى الله عليه وسلم لنفسه شيئاً بل أمضاها لغيره وذلك أنها فتحت في ذلك الوقت وقيل الآية الأولى خاصة في بني النضير وهذه الآية عامة والضمير في تكون بالتأنيث عائد على معنى ما إذ المراد به الأموال والمغانم وذلك الضمير هو إسم تكون وكذلك من قرأ بالياء أعاد الضمير على لفظ ما أي يكون الفيء وانتصب. {دُولَةً} على الخبر وعن رفع دولة فتكون تامة ودولة فاعل وكيلا يكون تعليل لقوله: {فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ} أي فالفيء وحكمه لله وللرسول يقسمه ما أمره الله تعالى. {كَيْ لاَ يَكُونَ} أي الفيء الذي حقه أن يعطى للفقراء بلغة يعيشون به متداولاً بين الأغنياء يتكاثرون به أو كيلا يكون دولة جاهلية بينهم كما كان رؤساؤهم يستأثرون بالغنائم ويقولون من عزير والمعنى كيلا يكون أخذ غلبة وآثرة جاهلية. روي أن قوماً من الأنصار تكلموا في هذه القرى المفتتحة وقالوا لنا فيها سهمنا فنزل: {وَمَآ آتَاكُمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَٱنتَهُواْ}. {لِلْفُقَرَآءِ الْمُهَاجِرِينَ} للفقراء بدل من قوله ولذي القربى والمعطوف عليه ومذهب أبي حنيفة لا يستحق ذو القربى الغنى إنما يستحق ذو القربى الفقير فالفقر شرط فيه والشافعي يرى أن الاستحقاق بسبب القرابة فيأخذ ذو القربى الغني بقرابته ثم وصف تعالى المهاجرين بما يقتضي فقرهم ويوجب الإِشفاق عليهم. {أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلصَّادِقُونَ} في إيمانهم وجهادهم قولاً وفعلاً والظاهر أن قوله: {وَٱلَّذِينَ تَبَوَّءُوا} معطوف على المهاجرين وهم الأنصار فيكون قد وقع منهم الاشتراك فيما يقسم من الأموال وقيل هو مستأنف مرفوع بالابتداء والخبر يحبون أثنى تعالى عليهم بهذه الخصال الجليلة كما أثنى على المهاجرين بقوله: {يَبْتَغُونَ} أنهم والإِيمان معطوف على الدار وهي المدينة والإِيمان ليس مكاناً فيتبوؤوا فقيل هو من عطف الجمل أي واعتقدوا الإِيمان وأخلصوا فيه قاله أبو علي وقيل تبوؤوا ضمن معنى آثر وافتقد إلى اثنين. {وَٱلَّذِينَ جَآءُوا مِن بَعْدِهِمْ} الظاهر أنه معطوف على ما قبله من المعطوف على المهاجرين فقال الفراء: هم الفرقة الثالثة من الصحابة وهي من آمن أو كبر في آخر مدّة النبي صلى الله عليه وسلم وقيل والذين جاؤوا من بعدهم مقطوع مما قبله معطوف عطف الجمل لا عطف المفردات فإِعراب والذين: مبتدأ ندبوا بالدعاء للأولين والثناء عليهم وهم من يجيء بعد الصحابة إلى يوم القيامة والخبر يقولون أخبر تعالى عنهم بأنهم لإِيمانهم ومحبة أسلافهم. {يَقُولُونَ رَبَّنَا ٱغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا} وعلى القول الأول يكون يقولون استئناف أخبار قيل أو حال. {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ نَافَقُواْ} نزلت في عبد الله بن أبي ورفاعة بن التابوت وقوم منافقي الأنصار كانوا بعثوا إلى بني النضير بما تضمنته الجمل المحكية بقوله: يقولون واللام في لإِخوانهم للتبليغ والأخوة بينهم الكفر وموالاتهم. {وَلاَ نُطِيعُ فيكُمْ} أي في قتالكم أحداً من الرسول والمؤمنين واخلاف ما وعدناكم من النصرة. {لَنَنصُرَنَّكُمْ} جواب قسم محذوف قبل أن الشرطية وجواب إن محذوف والكثير في كلام العرب إثبات اللام المؤذنة بالقسم قبل أداة الشرط وفي حذفها قوله: {أية : وَإِن لَّمْ يَنتَهُواْ عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ}تفسير : [المائدة: 73]، التقدير ولرى لم ينتهوا لكاذبون أي في مواعيدهم لليهود وفي ذلك دليل على صحة نبوته صلى الله عليه وسلم لأنه إخبار بالغيب.

الجيلاني

تفسير : {سَبَّحَ لِلَّهِ} ونزَّهه تنزيهاً لائقاً بجانبه سبحانه مظاهر {مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ وَ} كيف لا {هُوَ ٱلْعَزِيزُ} بذته، المتعزز برداء العظمة والكبرياء {ٱلْحَكِيمُ} [الحشر: 1] المتقن المدبِّر لمصالح عباده كيف شاء؟!. وبالجملة: {هُوَ ٱلَّذِيۤ أَخْرَجَ} بمقتضى عزته وحكمته المسرفين {ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} بالله وبرسوله، وهو إجلاء بني النضير، مع أنهم {مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ مِن دِيَارِهِمْ} المألوفة، وأوطانهم المأنوسة زجراً عليهم، وتذليلاً له واقعاً إياهم {لأَوَّلِ ٱلْحَشْرِ} أي: في أول الحشر، إجلائهم الواقع عليهم بظهر الإسلام؛ إذ أجلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بني النضير أولاً من المدنية إلى الشام، ثمَّ أجلى بقية الكفرة عمرُ رضي الله عنه في خلافته، انظروا كيف أخرجهم سبحانه بكمال قدرته وعزته، مع أنكم {مَا ظَنَنتُمْ} أيها المؤمنون من {أَن يَخْرُجُواْ} لشدتهم وشوكتهم، واستحكام آماكنهم وقلاعهم {وَ} هم أيضاً {ظَنُّوۤاْ أَنَّهُمْ مَّانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم} أي: ظنهم لأنفسهم أن حصونهم تمنعهم {مِّنَ} بأس {ٱللَّهِ} المنتقم الغيور وبشطه وإن اشتد، لكن لم ينفعهم الحصون والقلاع حين نزول العذاب، بل {فَأَتَاهُمُ ٱللَّهُ} أي: القهر الهائل من لدنه {مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُواْ} أي: من صوب وجهة لم يتوقعوا. {وَ} ذلك أنه {قَذَفَ} وألقى سبحانه {فِي قُلُوبِهِمُ ٱلرُّعْبَ} الشديد، والخوف العظيم من غير قتال، وبسبب ذلك الرعب الهائل اخذوا {يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ} ضناً بها على المسلمين، وإخراج ما فيها من الأمتعة {وَأَيْدِي ٱلْمُؤْمِنِينَ} أيضاً، فإنهم أيضاً كانوا يخرجون بيوتهم إذلالاً لهم، وتوسيعاً لمضمار الحرب والقتال، وبالجملة: {فَٱعْتَبِرُواْ يٰأُوْلِي ٱلأَبْصَارِ} [الحشر: 2] واتعظوا بما جرى على هؤلاء الغواة الطغاة، يثقون بحصونهم ويشيدونها؛ ليتحصنوا بها من بأس الله، ثمَّ لما اضطروا أخذوا يخبرون بأيديهم ما يعتمدون عليه، ويستحفظون به؛ وذلك كمال قدرته الله ومتانة حكمته. {وَ} بالجملة: {لَوْلاَ أَن كَتَبَ ٱللَّهُ} المصلح لأمور دنياهم، ولم يفترض {عَلَيْهِمُ ٱلْجَلاَءَ} ولم يخرجهم من أوطانهم {لَعَذَّبَهُمْ فِي ٱلدُّنْيَا} بالقتل والأسر، وأنواع الإذلال والصغار، كما جرى على الكفرة المتمكنين في أمكانهم بعدهم {وَ} مع ذلك الإصلاح والكرامة لهم في الدنيا {لَهُمْ فِي ٱلآخِرَةِ عَذَابُ ٱلنَّارِ} [الحشر: 3] بواسطة إصرارهم على الكفر، وإنكارهم على الإسلام. {ذَلِكَ} الإذلال والصغار لهم في الدنيا والآخرة {بِأَنَّهُمْ} أي: بسبب أنهم {شَآقُّواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ} بمخالفة أمرهما، والخروج عن حكمهما {وَمَن يُشَآقِّ ٱللَّهَ} يعاقبه ألبتة {فَإِنَّ ٱللَّهَ} المنتقم الغيور {شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ} [الحشر: 4] صعب الانتقام، أليم العذاب على عصاة عباده إرادةً واختياراً. ثمَّ لمَّا توجه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بني النضير حين نقضوا العهد الذي عهدوا مع الله ورسوله، تحصنوا بحصونهم وامتنعوا عن الإسلام، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقطع نخلهم وحرق بساتينهم، قالوا: يا محمد كنت تنهى عن الفساد في الأرض، فما بال قطع النخل وحرقها؟!

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : أيها المسبح المفلح المجمح: اسبح في بحر التسبيح؛ كالحوت تسمع تسبيح أهل السماوات والأرض للحي الذي لا يموت، ومتى مادمت تتعلق بكل حشيش وتخاف من الفرق، وتدور حول السواحل فما أنت من المسبحين، فإذا دخلت البحر وصرت بحريا تأمن من الفرق وتستريح من الحرق، فافهم ما يقول الله تعالى في سورة الحشر {سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ} [الحشر: 1] أي: في سماوات دماغك {وَمَا فِي ٱلأَرْضِ} [الحشر: 1] بعزته أي: في أرض بدنك من القوى المخزونة في الدماغ، ومن القوى المدفونة في البدن {وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ} [الحشر: 1] بعزته حذف القوة الحافظة والذاكرة والمتفكرة والمتخلية وأخواتها في سماوات الدماغ لئلا يصل إليها أبخرة المعدة وقاذرواتها وبحكمه أودع القوى الجارية والعارية والهاضمة والدافعة، وأخواتها من أرض البدن لبريتها ويدفع منها ما يضرها ويجذب إليها ما ينفعها؛ ليصل كل جزء إلى كلها، ويلحق كل فرع بأصلها في السفل والترقي وكشف هذا السر من حد القرآن {هُوَ ٱلَّذِيۤ أَخْرَجَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ مِن دِيَارِهِمْ لأَوَّلِ ٱلْحَشْرِ} [الحشر: 2] يعني: هو الحق الذي سبحه أهل السماوات والأرض بالحق وأخرج القوة الكافرة من أهل الكتاب السري من ديارهم القالبية لأول حشر في وادي المقدس الخفي حشر الخواطر الخفية {مَا ظَنَنتُمْ أَن يَخْرُجُواْ} [الحشر: 2] من حصون إيمانهم الذين تحصنوا بها وقت ظهور اللطيفة السرية {وَظَنُّوۤاْ أَنَّهُمْ مَّانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم مِّنَ ٱللَّهِ} [الحشر: 2] يعني: أن حصون إيمانهم باللطيفة السرية يمنعهم من جند خواطر اللطيفة الخفية، وإن لم يؤمنوا باللطيفة الخفية، ولم يخرجوا من حصون إيمانهم التقليدي الذي صار لهم عادة، وورثوا عن آبائهم تقليداً لا تحقيقاً عادةً لا عبادةً {فَأَتَاهُمُ ٱللَّهُ مِنْ حَيْثُ} [الحشر: 2] يعني: أتى حزب الله، وهو الخواطر الخفية من حيث {لَمْ يَحْتَسِبُواْ} [الحشر: 2] يعني: من حقوقهم التي كانت مدفونة مستكنة فيهم وقت التخمير {وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ ٱلرُّعْبَ} [الحشر: 2] بقتل خواطر الهوى وهو سيد خواطرهم {يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ} [الحشر: 2] يعني: أين يخربون القوى الكافرة الجاحدة باستعدادهم الحاصل من إيمانهم باللطيفة السرية حيث أبدانهم بالمجاهدة {وَأَيْدِي ٱلْمُؤْمِنِينَ} [المؤمنين: 2] أي: باستعداد الخواطر الخفية، وهذه حالة نظر أعلى السالك عند اشتغاله بالمنكر الخفي واشتغال القوى الثابتة للطيفة السرية بالذكر السري؛ ليصد السالك عن الذكر الخفي، فلا يلتفت السالك إلى ذكركم، ويشتغل بذكره، فهم بالذكر السري يخربون بوت البدن، والسالك يخرب بيت البدن بمعول الذكر الخفي؛ لينقض جدار البيت المظلم، وينور بنور الشمس الطالعة الحقيقة {فَٱعْتَبِرُواْ يٰأُوْلِي ٱلأَبْصَارِ} [الحشر: 2] حكمة الملك الغفار، وعزة الواحد القهار، كيف هدى اللطيفة الخفية وقواها على الثبات على ذكرها بحكمته وكيف قذف الرعب والخوف في قلوب القوى الثابتة اللطيفة السرية الجاحدة اللطيفة الخفية من حقوقهم التي كانت مستكنة فيهم بعزته {وَلَوْلاَ أَن كَتَبَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمُ ٱلْجَلاَءَ} [الحشر: 3] يعني: الخروج من حصونهم بما قذف في قلوبهم {لَعَذَّبَهُمْ فِي ٱلدُّنْيَا} [الحشر: 3] بالعذاب العاجل، وهو سد المعرفة السرية والأنوار النفسية {وَلَهُمْ فِي ٱلآخِرَةِ عَذَابُ ٱلنَّارِ} [الحشر: 3] التي أوقدتها القوى الجاحدة من نيران الحسد والبغض في قوالبها.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : { بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لأوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأبْصَارِ }. إلى آخر القصة. هذه السورة تسمى { سورة بني النضير } وهم طائفة كبيرة من اليهود في جانب المدينة، وقت بعثة النبي صلى الله عليه وسلم، فلما بعث النبي صلى الله عليه وسلم، وهاجر إلى المدينة، كفروا به في جملة من كفر من اليهود، فلما هاجر النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة هادن سائر طوائف اليهود الذين هم جيرانه في المدينة، فلما كان بعد [وقعة] بدر بستة أشهر أو نحوها، خرج إليهم النبي صلى الله عليه وسلم، وكلمهم أن يعينوه في دية الكلابيين الذين قتلهم عمرو بن أمية الضمري، فقالوا: نفعل يا أبا القاسم، اجلس هاهنا حتى نقضي حاجتك، فخلا بعضهم ببعض، وسول لهم الشيطان الشقاء الذي كتب عليهم، فتآمروا بقتله صلى الله عليه وسلم، وقالوا: أيكم يأخذ هذه الرحى فيصعد فيلقيها على رأسه يشدخه بها؟ فقال أشقاهم عمرو بن جحاش: أنا، فقال لهم سلام بن مشكم: لا تفعلوا، فوالله ليخبرن بما هممتم به، وإنه لنقض العهد الذي بيننا وبينه، وجاء الوحي على الفور إليه من ربه، بما هموا به، فنهض مسرعا، فتوجه إلى المدينة، ولحقه أصحابه، فقالوا: نهضت ولم نشعر بك، فأخبرهم بما همت يهود به. وبعث إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : أن اخرجوا من المدينة ولا تساكنوني بها، وقد أجلتكم عشرا، فمن وجدت بعد ذلك بها ضربت عنقه ". تفسير : فأقاموا أياما يتجهزون، وأرسل إليهم المنافق عبد الله بن أبي [بن سلول]: "أن لا تخرجوا من دياركم، فإن معي ألفين يدخلون معكم حصنكم، فيموتون دونكم، وتنصركم قريظة وحلفاؤكم من غطفان". وطمع رئيسهم حيي بن أخطب فيما قال له، وبعث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إنا لا نخرج من ديارنا، فاصنع ما بدا لك. فكبر رسول الله صلى عليه وسلم وأصحابه، ونهضوا إليهم، وعلي بن أبي طالب يحمل اللواء. فأقاموا على حصونهم يرمون بالنبل والحجارة، واعتزلتهم قريظة، وخانهم ابن أبي وحلفاؤهم من غطفان، فحاصرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقطع نخلهم وحرق. فأرسلوا إليه: نحن نخرج من المدينة، فأنزلهم على أن يخرجوا منها بنفوسهم، وذراريهم، وأن لهم ما حملت إبلهم إلا السلاح، وقبض رسول الله صلى الله عليه وسلم، الأموال والسلاح. وكانت بنو النضير، خالصة لرسول الله صلى الله عليه وسلم لنوائبه ومصالح المسلمين، ولم يخمسها، لأن الله أفاءها عليه، ولم يوجف المسلمون عليها بخيل ولا ركاب، وأجلاهم إلى خيبر وفيهم حيي بن أخطب كبيرهم، واستولى على أرضهم وديارهم، وقبض السلاح، فوجد من السلاح خمسين درعا، وخمسين بيضة، وثلاثمائة وأربعين سيفا، هذا حاصل قصتهم كما ذكرها أهل السير. فافتتح تعالى هذه السورة بالإخبار أن جميع من في السماوات والأرض تسبح بحمد ربها، وتنزهه عما لا يليق بجلاله، وتعبده وتخضع لجلاله لأنه العزيز الذي قد قهر كل شيء، فلا يمتنع عليه شيء، ولا يستعصي عليه مستعصي الحكيم في خلقه وأمره، فلا يخلق شيئا عبثا، ولا يشرع ما لا مصلحة فيه، ولا يفعل إلا ما هو مقتضى حكمته. ومن ذلك، نصر الله لرسوله صلى الله عليه وسلم على الذين كفروا من أهل الكتاب من بني النضير حين غدروا برسوله فأخرجهم من ديارهم وأوطانهم التي ألفوها وأحبوها. وكان إخراجهم منها أول حشر وجلاء كتبه الله عليهم على يد رسوله محمد صلى الله عليه وسلم، فجلوا إلى خيبر، ودلت الآية الكريمة أن لهم حشرا وجلاء غير هذا، فقد وقع حين أجلاهم النبي صلى الله عليه وسلم من خيبر، ثم عمر رضي الله عنه، [أخرج بقيتهم منها]. { مَا ظَنَنْتُمْ } أيها المسلمون { أَنْ يَخْرُجُوا } من ديارهم، لحصانتها، ومنعتها، وعزهم فيها. { وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ } فأعجبوا بها وغرتهم، وحسبوا أنهم لا ينالون بها، ولا يقدر عليها أحد، وقدر الله تعالى وراء ذلك كله، لا تغني عنه الحصون والقلاع، ولا تجدي فيهم القوة والدفاع. ولهذا قال: { فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا } أي: من الأمر والباب، الذي لم يخطر ببالهم أن يؤتوا منه، وهو أنه تعالى { قذف فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ } وهو الخوف الشديد، الذي هو جند الله الأكبر، الذي لا ينفع معه عدد ولا عدة، ولا قوة ولا شدة، فالأمر الذي يحتسبونه ويظنون أن الخلل يدخل عليهم منه إن دخل هو الحصون التي تحصنوا بها، واطمأنت نفوسهم إليها، ومن وثق بغير الله فهو مخذول، ومن ركن إلى غير الله فهو عليه وبال، فأتاهم أمر سماوي نزل على قلوبهم، التي هي محل الثبات والصبر، أو الخور والضعف، فأزال الله قوتها وشدتها، وأورثها ضعفا وخورا وجبنا، لا حيلة لهم ولا منعة معه، فصار ذلك عونا عليهم، ولهذا قال: { يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ } وذلك أنهم صالحوا النبي صلى الله عليه وسلم، على أن لهم ما حملت الإبل. فنقضوا لذلك كثيرا من سقوفهم، التي استحسنوها، وسلطوا المؤمنين بسبب بغيهم على إخراب ديارهم وهدم حصونهم، فهم الذين جنوا على أنفسهم، وصاروا من أكبر عون عليها، { فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأبْصَارِ } أي: البصائر النافذة، والعقول الكاملة، فإن في هذا معتبرا يعرف به صنع الله تعالى في المعاندين للحق، المتبعين لأهوائهم، الذين لم تنفعهم عزتهم، ولا منعتهم قوتهم، ولا حصنتهم حصونهم، حين جاءهم أمر الله، ووصل إليهم النكال بذنوبهم، والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فإن هذه الآية تدل على الأمر بالاعتبار، وهو اعتبار النظير بنظيره، وقياس الشيء على مثله، والتفكر فيما تضمنته الأحكام من المعاني والحكم التي هي محل العقل والفكرة، وبذلك يزداد العقل، وتتنور البصيرة ويزداد الإيمان، ويحصل الفهم الحقيقي، ثم أخبر تعالى أن هؤلاء اليهود لم يصبهم جميع ما يستحقون من العقوبة، وأن الله خفف عنهم. فلولا أنه كتب عليهم الجلاء الذي أصابهم وقضاه عليهم وقدره بقدره الذي لا يبدل ولا يغير، لكان لهم شأن آخر من عذاب الدنيا ونكالها، ولكنهم - وإن فاتهم العذاب الشديد الدنيوي - فإن لهم في الآخرة عذاب النار، الذي لا يمكن أن يعلم شدته إلا الله تعالى، فلا يخطر ببالهم أن عقوبتهم قد انقضت وفرغت ولم يبق لهم منها بقية، فما أعد الله لهم من العذاب في الآخرة أعظم وأطم. وذلك لأنهم { شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ } وعادوهما وحاربوهما، وسعوا في معصيتهما، وهذه عادته وسنته فيمن شاقه { وَمَنْ يُشَاقِّ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ }. ولما لام بنو النضير رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمين في قطع النخيل والأشجار، وزعموا أن ذلك من الفساد، وتوصلوا بذلك إلى الطعن بالمسلمين، أخبر تعالى أن قطع النخيل إن قطعوه أو إبقاءهم إياه إن أبقوه، إنه بإذنه تعالى، وأمره { وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ } حيث سلطكم على قطع نخلهم، وتحريقها، ليكون ذلك نكالا لهم، وخزيا في الدنيا، وذلا يعرف به عجزهم التام، الذي ما قدروا على استنقاذ نخلهم، الذي هو مادة قوتهم. واللينة: اسم يشمل سائر النخيل على أصح الاحتمالات وأولاها، فهذه حال بني النضير، وكيف عاقبهم الله في الدنيا. ثم ذكر من انتقلت إليه أموالهم وأمتعتهم، فقال: { وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ } أي: من أهل هذه القرية، وهم بنو النضير. { فـ } إنكم يا معشر المسلمين { ما أَوْجَفْتُمْ } أي: ما أجلبتم وأسرعتم وحشدتم، { عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكَابٍ } أي: لم تتعبوا بتحصيلها، لا بأنفسكم ولا بمواشيكم، بل قذف الله في قلوبهم الرعب، فأتتكم صفوا عفوا، ولهذا. قال: { وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } من تمام قدرته أنه لا يمتنع منه ممتنع، ولا يتعزز من دونه قوي. وتعريف الفيء في اصطلاح الفقهاء: هو ما أخذ من مال الكفار بحق، من غير قتال، كهذا المال الذي فروا وتركوه خوفا من المسلمين، وسمي فيئا، لأنه رجع من الكفار الذين هم غير مستحقين له، إلى المسلمين الذين لهم الحق الأوفر فيه. وحكمه العام، كما ذكره الله في قوله { مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى } عموما، سواء أفاء الله في وقت رسوله أو بعده، لمن يتولى من بعده أمته. { فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ } وهذه الآية نظير الآية التي في سورة الأنفال، في قوله: {أية : وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ }. تفسير : فهذا الفيء يقسم خمسة أقسام: خمس لله ولرسوله يصرف في مصالح المسلمين [العامة]، وخمس لذوي القربى، وهم: بنو هاشم وبنو المطلب، حيث كانوا يسوى [فيه] بين، ذكورهم وإناثهم، وإنما دخل بنو المطلب في خمس الخمس، مع بني هاشم، ولم يدخل بقية بني عبد مناف، لأنهم شاركوا بني هاشم في دخولهم الشعب، حين تعاقدت قريش على هجرهم وعداوتهم فنصروا رسول الله صلى الله عليه وسلم، بخلاف غيرهم، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم، في بني عبد المطلب: "حديث : إنهم لم يفارقوني في جاهلية ولا إسلام ". تفسير : وخمس لفقراء اليتامى، وهم: من لا أب له ولم يبلغ، وخمس للمساكين، وسهم لأبناء السبيل، وهم الغرباء المنقطع بهم في غير أوطانهم. وإنما قدر الله هذا التقدير، وحصر الفيء في هؤلاء المعينين لـ { كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً } أي: مدوالة واختصاصا { بَيْنَ الأغْنِيَاءِ مِنْكُمْ } فإنه لو لم يقدره، لتداولته الأغنياء الأقوياء، ولما حصل لغيرهم من العاجزين منه شيء، وفي ذلك من الفساد، ما لا يعلمه إلا الله، كما أن في اتباع أمر الله وشرعه من المصالح ما لا يدخل تحت الحصر، ولذلك أمر الله بالقاعدة الكلية والأصل العام، فقال: { وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا } وهذا شامل لأصول الدين وفروعه، ظاهره وباطنه، وأن ما جاء به الرسول يتعين على العباد الأخذ به واتباعه، ولا تحل مخالفته، وأن نص الرسول على حكم الشيء كنص الله تعالى، لا رخصة لأحد ولا عذر له في تركه، ولا يجوز تقديم قول أحد على قوله، ثم أمر بتقواه التي بها عمارة القلوب والأرواح [والدنيا والآخرة]، وبها السعادة الدائمة والفوز العظيم، وبإضاعتها الشقاء الأبدي والعذاب السرمدي، فقال: { وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ } على من ترك التقوى، وآثر اتباع الهوى.