Verse. 5128 (AR)

٥٩ - ٱلْحَشْر

59 - Al-Hashr (AR)

ہُوَالَّذِيْۗ اَخْرَجَ الَّذِيْنَ كَفَرُوْا مِنْ اَہْلِ الْكِتٰبِ مِنْ دِيَارِہِمْ لِاَوَّلِ الْحَشْرِ۝۰ۭؔ مَا ظَنَنْتُمْ اَنْ يَّخْرُجُوْا وَظَنُّوْۗا اَنَّہُمْ مَّانِعَتُہُمْ حُصُوْنُہُمْ مِّنَ اللہِ فَاَتٰىہُمُ اللہُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوْا۝۰ ۤ وَقَذَفَ فِيْ قُلُوْبِہِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُوْنَ بُيُوْتَہُمْ بِاَيْدِيْہِمْ وَاَيْدِي الْمُؤْمِنِيْنَ۝۰ۤ فَاعْتَبِرُوْا يٰۗاُولِي الْاَبْصَارِ۝۲
Huwa allathee akhraja allatheena kafaroo min ahli alkitabi min diyarihim liawwali alhashri ma thanantum an yakhrujoo wathannoo annahum maniAAatuhum husoonuhum mina Allahi faatahumu Allahu min haythu lam yahtasiboo waqathafa fee quloobihimu alrruAAba yukhriboona buyootahum biaydeehim waaydee almumineena faiAAtabiroo ya olee alabsari

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب» هم بنو النضير من اليهود «من ديارهم» مساكنهم بالمدينة «لأول الحشر» هو حشرهم إلى الشام وآخره أن أجلاهم عمر في خلافته إلى خيبر «ما ظننتم» أيها المؤمنون «أن يخرجوا وظنوا أنهم مانعتهم» خبر أن «حصونهم» فاعله تم به الخبر «من الله» من عذابه «فأتاهم الله» أمره وعذابه «من حيث لم يحتسبوا» لم يخطر ببالهم من جهة المؤمنين «وقذف» ألقى «في قلوبهم الرعب» بسكون العين وضمها، الخوف بقتل سيدهم كعب بن الأشرف «يخرِّبون» بالتشديد والتخفيف من أخرب «بيوتهم» لينقلوا ما أستحسنوه منها من خشب وغيره «بأيديهم وأيدي المؤمنين فاعتبروا يا أولي الأبصار».

2

Tafseer

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {هُوَ ٱلَّذِيۤ أَخْرَجَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ مِن دِيَارِهِمْ لأَوَّلِ ٱلْحَشْرِ} فيه ثلاث مسائل: الأولى: قوله تعالى: {هُوَ ٱلَّذِيۤ أَخْرَجَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ مِن دِيَارِهِمْ} قال سعيد بن جبير: قلت لابن عباس: سورة الحشر؟ قال: قل سورة النَّضِير؛ وهم رهط من اليهود من ذُرّية هارون عليه السلام، نزلوا المدينة في فِتن بني إسرائيل انتظاراً لمحمد صلى الله عليه وسلم، وكان من أمرهم ما نصّ الله عليه. الثانية ـ: قوله تعالى: {لأَوَّلِ ٱلْحَشْرِ} الحشرُ الجمعُ؛ وهو على أربعة أوجه: حشران في الدنيا وحشران في الآخرة؛ أما الذي في الدنيا فقوله تعالى: {هُوَ ٱلَّذِيۤ أَخْرَجَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ مِن دِيَارِهِمْ لأَوَّلِ ٱلْحَشْرِ} قال الزهريّ: كانوا من سبطٍ لم يصبهم جلاء، (وكان الله عز وجلّ قد كتب عليهم الجلاء؛ فلولا ذلك لعذبهم في الدنيا) وكان أولُ حشْر حُشِروا في الدنيا إلى الشام. قال ابن عباس وعكرمة: من شك أن المحشر في الشام فليقرأ هذه الآية: وأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لهم: حديث : «اخرجوا» قالوا إلى أين؟ قال: «إلى أرض المحشر»تفسير : . قال قتادة: هذا أوّل المحشر. قال ابن عباس: هم أول من حشر من أهل الكتاب وأُخرج من دياره. وقيل: إنهم أخرجوا إلى خَيْبر، وأن معنى {لأَوَّلِ ٱلْحَشْرِ} إخراجهم من حصونهم إلى خيبر، وآخره إخراج عمر رضي الله عنه إياهم من خَيْبر إلى نجد وأذرِعات. وقيل تيماء وأريحاء، وذلك بكفرهم ونقض عهدهم. وأما الحشر الثاني: فحشرهم قرب القيامة. قال قتادة: تأتي نار تحشر الناس من المشرق إلى المغرب، تَبِيت معهم حيث باتوا، وتَقِيل معهم حيث قالوا، وتأكل منهم من تخلّف. وهذا ثابت في الصحيح، وقد ذكرناه في (كتاب التذكرة). ونحوه روى ٱبن وهب عن مالك قال: قلت لمالك هو جلاؤهم من ديارهم؟ فقال لي: الحشر يوم القيامة حشر اليهود. قال: وأجلى رسول الله صلى الله عليه وسلم اليهود إلى خيبر حين سئلوا عن المال فكتموه؛ فاستحلهم بذلك. قال ابن العربيّ: للحشر أوّل ووسط وآخر؛ فالأول إجلاء بني النضير، والأوسط إجلاء خيبر، والآخر حشر يوم القيامة. وعن الحسن: هم بنو قُرَيظة. وخالفه بقية المفسرين وقالوا: بنو قُرَيظة ما حُشروا ولكنهم قتلوا. حكاه الثعلبي. الثالثة ـ: قال الكيا الطبريّ: ومصالحة أهل الحرب على الجلاء من ديارهم من غير شيء لا يجوز الآن، وإنما كان ذلك في أوّل الإسلام ثم نُسخ. والآن فلا بدّ من قتالهم أو سَبْيهم أو ضرب الجِزية عليهم. قوله تعالى: {مَا ظَنَنتُمْ أَن يَخْرُجُواْ} (يريد لعظم أمر اليهود ومنعتهم وقوّتهم في صدور المسلمين، واجتماع كلمتهم). {وَظَنُّوۤاْ أَنَّهُمْ مَّانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم} قيل: هي الوَطيح والنَّطاة والسُّلالم والكَتيبة. {مِّنَ ٱللَّهِ} أي من أمره. وكانوا أهل حَلْقة ـ أي سلاح كثير ـ وحصون منيعة؛ فلم يمنعهم شيء منها. {فَأَتَاهُمُ ٱللَّهُ} أي أمره وعذابه. {مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُواْ} أي لم يظنوا. وقيل: من حيث لم يعلموا. وقيل: {مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُواْ} بقتل كعب بن الأشرف؛ قاله ابن جُريج والسُّدّي وأبو صالح. قوله تعالى: {وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ ٱلرُّعْبَ} بقتل سيدهم كعب بن الأشرف؛ وكان الذي قتله هو محمد بن مَسْلمة، وأبو نائلة سِلْكان بن سلامة بن وَقْش ـ وكان أخا كعب بن الأشرف من الرضاعة ـ وعبّاد بن بِشر بن وَقْش، والحارث بن أوْس بن معاذ، وأبو عَبْس بن جبر. وخبره مشهور في السيرة. وفي الصحيح: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : نُصِرتُ بالرُّعب بين يدَيْ مسيرةِ شهر» تفسير : فكيف لا يُنصر به مسيرة ميل من المدينة إلى محلة بني النضير. وهذه خصِّيصَى لمحمد صلى الله عليه وسلم دون غيره. قوله تعالى: {يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ} قراءة العامة بالتخفيف من أخرب؛ أي يهدمون. وقرأ السُّلمِي والحسن ونصر بن عاصم وأبو العالية وقتادة وأبو عمرو «يخرِّبون» بالتشديد من التخريب. قال أبو عمرو: إنما اخترت التشديد لأن الإخراب تركُ الشيء خراباً بغير ساكن، وبنو النَّضير لم يتركوها خراباً وإنما خرّبوها بالهدم؛ يؤيده قوله تعالى: {بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي ٱلْمُؤْمِنِينَ}. وقال آخرون: التخريب والإخراب بمعنى واحد، والتشديد بمعنى التكثير. وحكى سيبويه: أن معنى فعّلت وأفعلت يتعاقبان؛ نحو أخربته وخرّبته وأفرحته وفرّحته. واختار أبو عبيد وأبو حاتم الأولى. قال قتادة والضحاك: كان المؤمنون يخرّبون من خارج ليدخلوا، واليهود يُخرّبون من داخل ليبنُوا به ما خُرِّب من حِصْنهم. فروي أنهم صالحوا رسول الله صلى الله عليه وسلم على ألا يكونوا عليه ولا له؛ فلما ظهر يومَ بَدْر قالوا: هو النبيّ الذي نُعِت في التوراة، فلا تُردّ له راية. فلما هُزِم المسلمون يوم أحُد ارتابوا ونكثوا، فخرج كعب بن الأشرف في أربعين راكباً إلى مكة، فحالفوا عليه قريشاً عند الكعبة، فأمر عليه السلام محمد بن مسلمة الأنصاري فقتل كَعْباً غِيلةً ثم صبّحهم بالكتائب؛ فقال لهم: اخرجوا من المدينة. فقالوا: الموت أحبّ إلينا من ذلك؛ فتنادَوا بالحرب. وقيل: استمهلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عشرة أيام ليتجهزوا للخروج، فدسّ إليهم عبدُ الله ابن أُبَيّ المنافق وأصحابه لا تخرجوا من الحصن، فإن قاتلوكم فنحن معكم لا نخذلكم، ولئن أُخرِجتم لنخرجنّ معكم. فدُرِّبُوا على الأزقة وحصّنوها إحدى وعشرين ليلةً، فلما قذف الله في قلوبهم الرُّعب وأيسوا من نصر المنافقين طلبوا الصلح؛ فأبى عليهم إلا الجلاء؛ على ما يأتي بيانه. وقال الزهري وابن زيد وعروة بن الزبير: لما صالحهم النبيّ صلى الله عليه وسلم على أن لهم ما أقلّت الإبل؛ كانوا يستحسنون الخشبة والعمود فيهدمون بيوتهم ويحملون ذلك على إبلهم ويخرِّب المؤمنون باقيها. وعن ابن زيد أيضاً: كانوا يخرّبونها لئلا يسكنها المسلمون بعدهم. وقال ابن عباس: كانوا كلما ظهر المسلمون على دار من دورهم هدموها ليتسع موضع القتال، وهم ينقبون دورهم من أدبارها إلى التي بعدها ليتحصّنوا فيها، ويرموا بالتي أخرجوا منها المسلمين. وقيل: ليسدّوا بها أزِقّتهم. وقال عكرمة {بِأَيْدِيهِمْ} في إخراب دواخلها وما فيها لئلا يأخذه المسلمون. وبـ «أيْدي المؤْمنين» في إخراب ظاهرها ليصلُوا بذلك إليهم. قال عكرمة: كانت منازلهم مزخرفة فحسدوا المسلمين أن يسكنوها» فخربوها من داخل وخربها المسلمون من خارج. وقيل: {يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ} بنقض المواعدة {وَأَيْدِي ٱلْمُؤْمِنِينَ} بالمقاتلة؛ قاله الزهري أيضاً. وقال أبو عمرو بن العلاء {بِأَيْدِيهِمْ} في تركهم لها. وبـ {وَأَيْدِي ٱلْمُؤْمِنِينَ} في إجلائهم عنها. قال ابن العربيّ: التناول للإفساد إذا كان باليد كان حقيقة، وإذا كان بنقض العهد كان مجازاً؛ إلا أنّ قول الزهري في المجاز أمْثل من قول أبي عمرو بن العلاء. قوله تعالى: {فَٱعْتَبِرُواْ يٰأُوْلِي ٱلأَبْصَارِ} أي ٱتعظوا يا أصحاب العقول والألباب وقيل: يا من عاين ذلك ببصره؛ فهو جمع للبصر. ومن جملة الاعتبار هنا أنهم اعتصموا بالحصون من الله فأنزلهم الله منها. ومن وجوهه: أنه سلط عليهم من كان ينصرهم. ومن وجوهه أيضاً: أنهم هدموا أموالهم بأيديهم. ومن لم يعتبر بغيره ٱعتبر في نفسه. وفي الأمثال الصحيحة: «السَّعيد من وُعِظ بغيره».

المحلي و السيوطي

تفسير : {هُوَ ٱلَّذِى أَخْرَجَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَٰبِ } هم بنو النضير من اليهود {مِن دِيَٰرِهِم } مساكنهم بالمدينة {لأَوَّلِ ٱلْحَشْرِ } هو حشرهم إلى الشام وآخره أن أجلاهم عمر في خلافته إلى خيبر {مَا ظَنَنتُمْ } أيها المؤمنون {أَن يَخْرُجُواْ وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ مَّانِعَتُهُمْ } خبر أن {حُصُونُهُم } فاعله تم به الخبر {مِنَ ٱللَّهِ } من عذابه {فأَتَٰهُمُ ٱللَّهُ } أمره وعذابه {مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُواْ } لم يخطر ببالهم من جهة المؤمنين {وَقَذَفَ } ألقى {فِى قُلُوبِهِمُ ٱلرُّعْبَ } بسكون العين وضمها، الخوف بقتل سيدهم كعب بن الأشرف {يُخْرِبُونَ } بالتشديد والتخفيف من أخْرب {بُيُوتَهُمْ } لينقلوا ما استحسنوه منها من خشب وغيره {بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِى ٱلْمُؤْمِنِينَ فَٱعْتَبِرُواْ يٰأُوْلِى ٱلأَبْصَٰرِ }.

ابن عبد السلام

تفسير : {لأَوَّلِ الْحَشْرِ} لأنهم أول من أُجلي من اليهود، أو لأنه أول حشرهم لأنه يحشرون بعده إلى أرض المحشر في القيامة، أو حشرهم الثاني بنار تحشرهم من المشرق إلى المغرب تبيت معهم حيث باتوا وتأكل من تخلف {مَا ظَنَنتُمْ أَن يَخْرُجُواْ} لقوتهم وامتناعهم {حُصُونُهُم مِّنَ اللَّهِ} من أمره {لَمْ يَحْتَسِبُواْ} بأمر الله، أو بقتل ابن الأشرف {الرُّعْبَ} بقتل ابن الأشرف، أو بخوفهم من الرسول صلى الله عليه وسلم {بِأَيْدِيهِمْ} بنقض الموادعة {وَأيْدِى الْمؤْمِنِينَ} بالمقاتلة، أو بأيديهم في تركها، وأيدي المؤمنين في إجلائهم عنها، أو كانت منازلهم مزخرفة فحسدوا المسلمين أن يسكنوها فخربوا بواطنها بأيديهم وخرب المسلمون ظواهرها ليصلوا إليه أو كما هدم المؤمنون من حصونهم شيئاً نقضوا من بيوتهم ما يبنون بهم ما خرب من حصونهم أو لما صولحوا على حمل ما أقلته الإبل نقضوا ما أعجبهم من بيوتهم حتى الأوتاد ليحملوها معهم {يخرِّبون} ويخربون واحد أو بالتخفيف خرابها بفعل غيرهم وبالتشديد خرابها بفعلهم أو بالتخفيف فراغها لخروجهم عنها وبالتشديد هَدْمُها.

الخازن

تفسير : {هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب} يعني بني النضير {من ديارهم} يعني التي كانت بالمدينة. قال ابن إسحاق كان إجلاء بني النضير مرجع النبي صلى الله عليه وسلم من أحد، وفتح قريظة مرجعه من الأحزاب وبينهما سنتان {لأول الحشر} قال الزهري كانوا من سبط لم يصبهم جلاء فيما مضى وكان الله قد كتب عليهم الجلاء ولولا ذلك لعذبهم في الدنيا قال ابن عباس من شك أن المحشر بالشام فليقرأ هذه الآية فكان هذا أول حشر إلى الشام قال النبي صلى الله عليه وسلم أخرجوا قالوا إلى أين؟ قال إلى أرض المحشر ثم يحشر الخلق يوم القيامة إلى الشام وقيل إنما قال لأول الحشر لأنهم كانوا أول من أجلي من أهل الكتاب من جزيرة العرب ثم أجلي آخرهم عمر بن الخطاب رضي الله عنه وقيل كان هذا أول الحشر من المدينة والحشر الثاني من خيبر وجميع جزيرة العرب إلى أذرعات وأريحاء من أرض الشام في أيام عمر، وقيل كان هذا أول الحشر والحشر الثاني نار نحشرهم يوم القيامة من المشرق إلى المغرب تبيت معهم حيث باتوا وتقيل معهم حيث قالوا {ما ظننتم} يعني أيها المؤمنين {أن يخرجوا} أي من المدينة لعزتهم ومنعتهم وذلك أنهم كانوا أهل حصون وعقار ونخل كثير {وظنوا أنهم مانعتهم حصونهم من الله} أي وظن بنو النضير أن حصونهم تمنعهم من سلطان الله {فأتاهم الله} أي أتاهم أمر الله وعذابه {من حيث لم يحتسبوا} وهو أن الله أمر نبيه صلى الله عليه وسلم بقتالهم وإجلائهم وكانوا لا يظنون ذلك، {وقذف في قلوبهم الرعب} أي الخوف الشديد بقتل سيدهم كعب بن الأشرف {يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين} قال الزهري وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم لما صالحهم على أن لهم ما أقلت الإبل كانوا ينظرون إلى الخشب في منازلهم فيهدمونها وينزعون ما استحسنوه منها فيحملونه على إبلهم ويخرب المؤمنون باقيها وقيل كانوا يقلعون العمد وينقضون السقوف وينقبون الجدران لئلا يسكنها المؤمنون حسداً منهم وبغضاً وقيل كان المسلمون يخربون ما يليهم من ظاهرها ويخربها اليهود من داخلها وقال ابن عباس كلما ظهر المسلمون على دار من دورهم هدموها لتتسع لهم المقاتل وجعل أعداء الله ينقبون دورهم من أدبارها فيخرجون إلى التي بعدها فيتحصنون فيها ويكسرون ما يليهم ويرمون بالتي خرجوا منها أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، {فاعتبروا} يعني فاتعظوا وانظروا ما نزل بهم {يا أولي الأبصار} يعني يا ذوي العقول والبصائر.

ابو السعود

تفسير : وقولُه تعالى: {هُوَ ٱلَّذِى أَخْرَجَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ مِن دِيَـٰرِهِمْ} بـيانٌ لبعضِ آثارِ عزته تعالى وأحكامِ حكمتِه إثرَ وصفِه تعالى بالعزةِ القاهرةِ والحكمةِ الباهرةِ على الإطلاقِ. والضميرُ راجعٌ إليه تعالى بذلك العنوانِ إما بناءً على كمالِ ظهورِ اتصافه تعالى بهما مع مساعدةٍ تامةٍ من المقامِ أو على جعلِه مُستعاراً لاسمِ الإشارةِ كما في قوله تعالى: { أية : قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ ٱللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَـٰرَكُمْ وَخَتَمَ عَلَىٰ قُلُوبِكُمْ مَّنْ إِلَـٰهٌ غَيْرُ ٱللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ} تفسير : [سورة الأنعام، الآية 46] أي بذلك وعليهِ قولُ رُؤْبَةَ بنْ العجاجِ: شعر : فيهما خطوطً مِنْ سوادٍ وبَلَقْ كأَنَّهُ فِي الجلدِ تَوْليعُ البَهَقْ تفسير : كما هُو المشهورُ كأنه قيلَ: ذلك المنعوتُ بالعزةِ والحكمةِ الذي أخرجَ الخ ففيهِ إشعارٌ بأن في الإخراجِ حكمةً باهرةً وقوله تعالَى: {لأَوَّلِ ٱلْحَشْرِ} أيْ في أولِ حشرِهم إلى الشام وكانوا سبط لم يصبهم جلاءٌ قط وهم أولُ من أخرجَ من جزيرةِ العربِ إلى الشامِ أو هذا أولُ حشرِهم وآخرُ حشرِهم إجلاءُ عمرَ رضي الله عنه إيَّاهم من خيبرَ إلى الشامِ وقيلَ: آخر حشرِهم حشرُ يومِ القيامةِ لأنَّ المحشرَ يكونُ بالشامِ. {مَا ظَنَنتُمْ} أيها المسلمون {أَن يَخْرُجُواْ} من ديارِهم بهذا الذلِّ والهوانِ لشدةِ بأسهِم وقوةِ منعتِهم {وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ مَّانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم مّنَ ٱللَّهِ} أيْ ظنواً أنَّ حصونهم تمنعُهم أو مانعتُهم من بأس الله تعالى. وتغيـيرُ النظم بتقديم الخبر وإسنادُ الجملةِ إلى ضميرِهم للدلالةِ على كمالِ وثوقِهم بحصانةِ حصونِهم واعتقادهم في أنفسهم أنهم في عزةٍ ومنعةٍ لا يُبَالى معها بأحدٍ يتعرضُ لهم أو يطمعُ في مُعازّتهم، ويجوزُ أن يكونَ مانعتُهم خبراً لأنَّ وحصونُهم مرتفعاً على الفاعليةِ {فَـاتَـٰهُمُ ٱللَّهُ} أي أمرُ الله تعالى وقدرُه المقدورُ لهم {مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُواْ} ولم يخطرْ ببالِهم وهو قتلُ رئيسهم كعبِ بنِ الأشرفِ فإنه مما أضعفَ قوتَهُم وفلَّ شوكتَهم وسلب قلوبَهم الأمنَ والطمأنينة. وقيل: الضميرُ في أتاهُم ولم يحتسبوا للمؤمنينَ فأتاهم نصرُ الله وقُرِىءَ فآتاهُم أي فآتاهُم الله العذابَ أو النصرَ {وَقَذَفَ فِى قُلُوبِهِمُ ٱلرُّعْبَ} أيْ أثبتَ فيها الخوفَ الذي يرعبُها أي يملؤُها {يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ} ليسدُّوا بما نقضُوا منها من الخشبِ والحجارةِ أفواهَ الأزقةِ ولئلا يبقى بعد جلائهم مساكنُ للمسلمينَ ولينقلُوا معهم بعضَ آلاتِها المرغوبِ فيها مما يقبلُ النقلَ {وَأَيْدِى ٱلْمُؤْمِنِينَ} حيثُ كانوا يخربونَها إزالةً لمتحصَّنِهم ومتمنَّعِهم وتوسيعاً لمجالِ القتالِ ونكايةً لهمْ وإسنادُ هذا إليهم لما أنهمُ السببُ فيه فكأنَّهم كلَّفوهم إيَّاه وأمرُوهم به. قيلَ: الجملةُ حالٌ أو تفسيرٌ للرعبِ وقُرِىءَ يخَرِّبُونَ بالتشديدِ للتكثيرِ وقيلَ: الإخرابُ التعطيلُ أو تركُ الشيءِ خراباً والتخريبُ النقضُ والهدمُ {فَٱعْتَبِرُواْ يٰأُوْلِى ٱلأَبْصَـٰرِ} فاتعظُوا بما جَرى عليهمْ من الأمورِ الهائلةِ على وجهٍ لا يكادُ تهتدي إليه الأفكارُ واتَّقوا مباشرةَ ما أدَّاهُم إليه منَ الكفرِ والمعاصي، أو انْتَقَلُوا من حالِ الفريقينِ إلى حالِ أنفسِكم فلا تُعوِّلوا على تعاضُدِ الأسبابِ بل توكَّلُوا على الله عزَّ وجلَّ وقدِ استدلَّ به على حجيةِ القياسِ كما فُصِّل في موقِعِه.

التستري

تفسير : قوله تعالى: {يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي ٱلْمُؤْمِنِينَ}[2] قال: أي يخربون قلوبهم ويبطلون أعمالهم باتباعهم البدع وهجرانهم طريقة الاقتداء بالنبيين. {يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ}[2] أي بمجانبة المؤمنين ومشاهدتهم ومجالستهم فيحرمون بركاتهم. {فَٱعْتَبِرُواْ يٰأُوْلِي ٱلأَبْصَارِ}[2] {أية : فَإِنَّ ٱللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَآءُ} تفسير : [فاطر:8] بالخذلان {أية : وَيَهْدِي مَن يَشَآءُ} تفسير : [فاطر:8] بالمعونة، وليس لكم من الأمر شيء.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {فَٱعْتَبِرُواْ يٰأُوْلِي ٱلأَبْصَارِ} [الآية: 2]. قال أبو على الجوزجانى: المعتبر يعتبر إذا رأى من الدنيا شيئاً ليس له إليه حاجة فكأنه جاء من الآخرة وهو يريد العود إليها يرى الدنيا للفناء وينظر العاملين فيها للموت وعمارتها للخراب وأولو الأبصار هم أهل البصائر فى أمر الله وطاعته ورأوا الدنيا بعين الفناء والاخرة بعين البقاء فهم المعتبرون لا غير. وقال يحيى بن معاذ: من لم يعتبر بالمعاينة لم ينتفع بالموعظة من اعتبر بالمعاينة استغنى عن الموعظة قال الله: {فَٱعْتَبِرُواْ يٰأُوْلِي ٱلأَبْصَارِ}. قوله تعالى: {يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي ٱلْمُؤْمِنِينَ} [الآية: 2]. قال سهل: يبطلون أعمالهم باتباع البدع وهجرانهم طريقة الاقتداء أو السنة. وأيدى المؤمنين أى فى مجانبة المؤمنين ومشاهدتهم ومجالستهم فيحرمون بركاتهم. قال بعضهم: {يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ} أى قلوبهم بجهلهم وغفلتهم {فَٱعْتَبِرُواْ يٰأُوْلِي ٱلأَبْصَارِ} من فعل ذلك بهم على بصيرة أن الأمر كله إليه {أية : لَيْسَ لَكَ مِنَ ٱلأَمْرِ شَيْءٌ} تفسير : [آل عمران: 128].

القشيري

تفسير : قوله جل ذكره: {هُوَ ٱلَّذِيۤ أَخْرَجَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ مِن دِيَارِهِمْ لأَوَّلِ ٱلْحَشْرِ}. هم أهل النضير، وكانوا قد عاهدوا النبيَّ صلى الله عليه وسلم إلاَّ يكونوا عليه، ثم بعد أُحُد نقضوا العَهْدَ، وبايعوا أبا سفيان وأهل مكة، فأخبر اللَّهُ تعالى رسولَه بذلك، فبعثَ صلوات الله عليه إليهم محمد بن مسلمة، فأوهم أنه يشكو من الرسول في أخذ الصَّدَقَة. وكان رئيسهم كعب بن الأشرف فقتله محمد بن مسلمة (غيلةً)، وغزاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأجلاهم عن حصونهم المنيعة وأخرجهم إلى الشام، وما كان المسلمون يََتَوَقَّعون الظَّفرَ عليهم لكثرتهم، ولِمَنَعَةِ حصونهم. وظلُّوا يهدمون دورَهم بأيديهم ينقبون ليخرجوا، ويقطعون أشجارهم ليسدوا النقب، فسُّمُّوا أولَ الحشر، لأنهم أول من أُخْرِجَ من جزيزة العرب وحُشِرَ إلى الشام. قال جل ذكره: {فَٱعْتَبِرُواْ يٰأُوْلِي ٱلأَبْصَارِ}. كيف نَصَرَ المسلمين - مع قِلَّتهم - عليهم - مع كثرتهم. وكيف لم تمنعهم حصونُهم إذا كانت الدائرةُ عليهم. وإذا أراد اللَّهُ قَهْرَ عدوٍّ استنوق أسَدُه. ومن مواضع العِبْرةِ في ذلك ما قاله: {مَا ظَنَنتُمْ أَن يَخْرُجُواْ} بحيث داخلتكم الرِّيبةُ في ذلك لِفَرْطِ قُوَّتِهم - فصَانَهُم بذلك عن الإعجاب. ومن مواضع العبرة في ذلك أيضاً ما قاله: {وَظَنُّوۤاْ أَنَّهُمْ مَّانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم مِّنَ ٱللَّهِ} فلم يكن كما ظنُّوه - ومَنْ تَقَوَّ بمخلوقٍ أسْلَمَه ذلك إلى صَغَارِه ومذَلّتِه. ومن الدلائل الناطقة ما أُلْقِي في قلوبهم من الخوفِ والرُّعب، ثم تخريبُهم بيوتهم بأيديهم علامةُ ضَعْف أحوالهم، وبأيدي المؤمنين لقوة أحوالهم، فتمت لهم الغلبةُ عليهم والاستيلاء على ديارهم وإجلاؤهم. هذا كلُّه لا بُدَّ أن يحصل به الاعتبارُ - والاعتبارُ أحَدُ قوانين الشَّرْع. ومَنْ لم يَعْتَبِرْ بغيره اعتَبَرَ به غيرُه. ويقال: يُخَرّبون بيوتهم بأيديهم، وقلوبهم باتِّباع شهواتِ نفوسِهم، ودِينهم بما يمزجونه به من البِدَع.

البقلي

تفسير : قوله تعالى {فَأَتَاهُمُ ٱللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُواْ} لما تكن الاعداء فى شره نفوسهم لم يحتسبوا ان الله سبحانه يقلعهم من ذلك ويخذلهم بنفسه وذلك اضراب جسام قهريات فى ظهور عظمته على وجودهم فاستاصلهم من حيث لا يعرفون كقوله سنستدرجهم من حيث لا يعلمون اتاهم بكشف نعت قهر عظمته من طريق الازل الذى انسد سبيله عن ادراك عقول الغفلة ولو راه بلسان العظمة هار عليهم المصائب لكن ليسوا من اهل معرفته فقهرهم بقهر عزته فاتاهم ولم يروه لم يعرفون ولم يجدوا منه الامس قهره فى قلوبهم بقوله {وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ ٱلرُّعْبَ} فحجبهم الرعب عن مشاهدته وذلك الرعب اورث لهم تخريب قلوبهم بمعول الضلالة والغباوة فلما وجدوا طعم الرعب هربوا من سلطنته كشف العظمة وسقطوا فى اودية اهواء وظلماتها وهذا سنة الله على من ادبر عنه بعد الاقبال عليه يعذبهم بنفسه كما هداهم اليه بنفسه وهذا اعظم العقوبة الا ترى الى قوله ومن يكفر بعد منكم فانى اعذبه عذابا لا اعذبه احدا من العالمين وفيه اشارة عين الجمع لان اتيان حبيبه اليهم هو اتيانه فبذلك خوف العباد المعتبرين بمثل هذه المكريات والقهريات بقوله {فَٱعْتَبِرُواْ يٰأُوْلِي ٱلأَبْصَارِ} يا اولى المعرفة فى والابصار والبصيرة التى هو منورة بكحل نور مشاهدتى وخافونى ان كنتم عارفونى بى وهذا كما قال يحيى بن معاذ من يعتبر بالمعاينة لم ينتفع بالموعظة ومن اعتبر بالمعاينة استغنى عن الموعظة قال الله فاعتبروا يا اولى الابصار.

اسماعيل حقي

تفسير : {هو الذى} اوست خداوندى كه ازروى اذلال {اخرج الذين كفروا من اهل الكتاب} بيان لبعض آثار عزته واحكام حكمته اى امر باخراج اهل التوراة يعنى بنى النضير {من ديارهم} جمع دار والفرق بين الدار والبيت ان الدار دار وان زالت حوآئطها والبيت ليس بيت بعدما انهدم لان البيت اسم مبنى مسقف مدخله من جانب واحد بنى للبيتوتة سوآء كان حيطانه اربعة او ثلاثة وهذا المعنى موجود فى الصفة الا ان مدخلها واسع فيتناولها اسم البيت والبيوت بالمسكن اسم اخص والابيات بالشعر كما فى المفردات {لاول الحشر} اللام تتعلق باخرج وهى للتوقيت اى عند او حشرهم الى الشأم وفى كشف الاسرار اللام لام العلة اى اخرجوا ليكن حشرهم الشام اول الحشر والحشر اخراج جمع من مكان الى آخر وكانوا من سبط لم يصبهم جلاء قط اذ كان انتقالهم من بلاد الشأم الى جانب المدينة عن اختيار منهم وهم اول من اخرج به جزيرة العرب الى الشأم فعلى هذا الوجه ليس الاول مقابلا للآخر وسميت جزيرة لانه أحاط بها بحر الحبشة وبحر فارس ودجلة والفرات قال الخليل بن احمد مبدأ الجزيرة من حفر أبى موسى الى اليمن فى الطول ومن رمل يبرين وهو موضع بحذآء الاحساء الى منقطع السماوة فى العرض والسماوة بالفتح موضع بين الكوفة والشأم او هذا اول حشرهم وآخر حشرهم اجلاء عمر رضى الله عنه اياهم من خيبر الى الشام وذلك حين بلغه الخبر عن النبى عليه السلام "حديث : لايبقين دينان فى جزيرة العرب"تفسير : وقيل آخر حشرهم حشر يوم القيامة لان المحشر يكون بالشأم {ماظننتم} أيها المسلمون {ان يخرجوا} من ديارهم بهذا الذل والهوان لشدة بأسهم ووثاقة حصونهم وكثرة عددهم وعددهم {وظنوا} اى هؤلاء الكافرون ظنا قويا هو بمرتبة اليقين فانه لايقع الا بعد فعل اليقين او مانزل منزلته {انهم مانعتهم حصونهم من الله} الحصون جمع حصن بالكسر وهو كل موضع حصين لايوصل الى جوفه والقلعة الحصن الممتنع على الجبل فالاول اعم من الثانى وتحصن اذا اتخذ الحصن مسكنا ثم تجوزه فقيل درع حصينة لكونها حصنا للبدن وفرس حصان لكونه حصنا لراكبه والمعنى ظنوا ان حصونهم تمنعهم من بأس الله وقهره وقدم الخبر وأسند الجملة الى ضميرهم للدلالة على فرط وثوقهم بحصانتها واعتقادهم فى انفسهم انهم فى عزة ومنعة لايبالى بسببها فتقديم المسند يفيد قصر المسند اليه على المسند فان معنى قائم زيد أن زيدا مقصور على القيام لايتجاوزه الى القعود وكذا معنى الآية ان حصونهم ليس لها صفة غير المانعية ويجوز أن يكون مانعتهم خبرا لأن وحصونهم مرتفعا على الفاعلية لاعتماده على المبتدأ فان قيل ما المانع من جعل مانعتهم مبتدأ وحصونهم خبرا فان كليهما معرفة قلت كون مانعتهم نكرة لان اضافتها غير مخصصة وان القصد الى الاخبار عن الحصون {فأتاهم الله} اى امر الله وقدره المقدور لهم {من حيث لم يحتسبوا} ولم يخطر ببالهم وهو قتل رئيسهم كعب من الاشرف غرة على يد اخيه فانه مما أضعف قوتهم وقل شوكتهم وسلب قلوبهم الأمن والطمأنينة بما قذف فيها من الرعب والفاء اما للتعقيب اشارة الى أن البأس لم يكن متراخيا عن ظنهم او للسبب اشارة الى انهم انما أخذوا بسبب اعجابهم بأنفسهم وقطعهم النظر الى قدرة الله وقوته {وقذف فى قلوبهم الرعب} القذف الرمى البعيد والمراد هنا الالقاء قال فى الكشاف قذف الرعب واثباته وركزه ومنه قالوا فى صفة الاسد مقذف لما ان قذف باللحم قذفا لا كتنازه وتداخل اجزآئه والرعب الانقطاع من امتلاء الخوف ولتصور الامتلاء منه قيل رعبت الحوض اى ملأته وباعتبار القطع قيل رعبت السنام اى قطعته قال بعضهم الرعب خوف يملأ القلب فيغير العقل ويعجز النفس ويشوش الرأى ويفرق التدبير ويضر البدن والمعنى أثبت فيها الخوف الذى يرعبها ويملأها لان المعتبر هو الثابت وماهو سريع الزوال فهو كغير الواقع وقال بعضهم فلا يلزم التكرار لان الرعب الذى اشتمله قوله {فأتاهم الله} هو أصل الرعب وفرق بين حصول اصله وبين ثباته ودلت الآية على ان وقوع ذلك الرعب صار سببا فى اقدامهم على بعض الافعال وبالجملة فالفعل لايحصل الا عند حصول داعية متاكدة فى القلب وحصول تلك الداعية لايكون الا من الله فكانت الافعال بأسرها مستندة الى الله بهذا الطريق كذا فى اللباب {يخربون بيوتهم بأيديهم} الجملة استئناف لبيان حالهم عند الرعب اى يخربونها بأيديهم ليسدوا بما نقضوا منها من الخشب والحجارة افواه الأزقة ولئلا تبقى بعد جلائهم مساكن للمسلمين ولينقلبوا معهم بعض آلاتها المرغوب فيها مما يقبل النقل والاخراب والتخريب واحد يقال خرب المكان خرابا وهو ضد العمارة وقد اخربه وخربه اى افسده بالنقض والهدم غير أن فى التشديد مبالغة من حيث التكثير لكثرة البيوت وهو قرآءة أبى عمرو وفرق أبى عمرو بين الاخراب والتخريب فقال خرب بالتشديد بمعنى هدم ونقض وافسد واخرب بالهمزة ترك الموضع وقال اى ابو عمرو وانما اخترت التشديد لان الاخراب ترك الشىء خرابا بغير ساكن وبنوا النضير لم يتركوها خرابا وانما خربوها بالهدم كما يدل عليه قوله {بأيديهم وأيدى المؤمنين} ان قيل البيوت هى الديار فلم يقل يخربون ديارهم على وفق ماسبق وايضا كيف ماكان الاخراج من ديارهم وهى مخربة أجيب بان الدار ماله بيوت فيجوز اخراب بعضها وابقاء بعضها على مقتضى الرأى فيكون الخروج من الباقى على ان الاخراج لايقتضى العمارة اذ يجوز أن يكون باخراب المساكن والطرح منها قال سهل رحمه الله يخربون بيوتهم بأيديهم اى قلوبهم بالبدع وفى كشف الاسرار نخست دين ودل خويش ازروى باطن خراب كردند تا خرابى باطن بظاهر سرايت كرد وخانه خد نيز خراب كردند {وأيدى المؤمنين} حيث كانوا يخربونها ازالة لمتحصنهم ومتمنعهم وتوسيعا لمجال القال واضرارا بهم واسناد هذا اليهم لما انهم السبب فيه فكأنهم كلفوهم اياه وامروهم به وهذا كما فى قوله عليه السلام "حديث : لعن الله من لعن والديه"تفسير : وهو كقوله عليه السلام "حديث : من اكبر الكبائر أن يسب الرجل والديه" فقالوا وكيف يسب الرجل والديه فقال "يساب الرجل فيسب أباه فيسب أباه ويسب امه فيسب امه ". تفسير : يقول الفقير فى اشارة الى ان استناد الكفار الى الحصون والاحجار وان اعتماد المؤمنين على الله الملك الغفار ولاشك ان من اعتمد على المأ من الحقيقى ظفر بمراده فيه دنياه وآخرته ومن استند الى ما سوى الله تعالى خسر خسرانا مبينا فى تجارته وان الانسان بنيان الرب فربما قتل المرء نفسه وتسبب له فهدم بنيان الله فصار ملعونا وقس على هذا حال القلب فانه بيت الله واجتهد حتى لايغلب عليه النفس والشيطان (قال الحافظ) شعر : من آن نيكن سليمان بهيج نستانم كه كاه كاه برودست اهر من باشد تفسير : {فاعتبروا} بس عبرت كيريد {يااولى الابصار} اى ياولى الالباب والعقول والبصائر يعنى اتعظوا بما جرى عليهم من الامور الهائلة على وجه لاتكاد تهتدى اليه الافكار واتقوا مباشرة ما أداهم اليه من الكفر والمعاصى وانتقلوا من حال الفريقين الى حال أنفسكم فلا تعولوا على تعاضد الاسباب كبنى النضير الذين اعتمدوا على حصونهم ونحوها بل توكلوا على الله تعالى وفى عين المعانى فاعتبروا بها خراب جميع الدينا شعر : جهان اى بسر مالك جاويد نيست ز دينا وفادارى اميد نيست تفسير : والاعتبار مأخوذ من العبور وهو المجاوزة من شىء الى شىء ولهذا سميت العبرة عبرة لانها تنتقل من العين الى الحد سمى اهل التعبير لان صاحبه ينتقل من المتخيل الى المعقول وسميت الالفاظ عبارات لانها تنقل المعانى من لسان القائل الى عقل المستمع ويقال السعيد من اعتبر بغيره لانه ينتقل عقله من حال ذلك الغير الى حاله نفسه شعر : جو بركشته بتختى در افتند ببند ازونيك يختان بكيرند بند تفسير : والبصر يقال للجارحة الناظرة وللقوة التى فيها ويقال القلب المدركة بصيرة وبصر ولايكاد يقال للجارحة بصيرة كما فى المفردات قال بعض التفاسير الابصار جمع بصر وهو مايكون فى الرأس وبه يشاهد عالم الملك وهو عالم الشهادة حتى لو كان بين الرآئي والمرئى مقدار عدة آلاف سنة يشاهده فى طرفة عين بوصول نور من حدقة العين الى المرئى حكاية للرآئى والبصيرة فى القلب كالبصر فى الرأس وبها يشاهد عالم الملكوت وهو عالم الغيب حتى لو كان المشاهد فى العالم وفى اللوح المحفوظ بل فى علم الله تعالى مما تتعلق مشيئة الله بمشاهدة احد اياه من عباده لشاهده فى آن واحد وقد يشاهد الممتنع والمحال وغير المتناهى بنوع مشاهدة كما نجده فى وجداننا وكل ذلك من غرآئب صنع الله وجعل البعض البصر ههنا مجازا عن المشاهدة لانه كثيرا مايكون آلة لمشاهدتها ويكون هو معتبرا باعتبارها حتى لولاها يكون هو فى حكم المفقود وبهذا الاعتبار اورد الابصار فى مقام البصائر فقال فى تفسيره فاتعظوا وانظروا فيما نزل بهم ياذوى العقول والبصائر وهذا هو الاليق بشأن الاتعاظ والاوفق لقوله تعالى فاعتبروا يااولى الالباب اذ اللب وهو العقل الخالص عن الكدورات البشرية والبصيرة التى هى عين القلب حين ما كانت مجلوة خاصة بالعقلاء اللائقين للخطاب بالامر بالاعتبار واما البصر فيوجد فى البهائم والبصيرة الغير المجلوة فتوجد فى العوام وجعله البعض الآخر على حقيقته فقال فى تفسيره فاعتبرنا من عاين تلك الوقائع لكن مآل القولين واحد اذ مجرد البصر المعاين لايفيد الاعتبار بلا بصيرة صحيحة وفى الوسيط معنى الاعتبار النظر فى الامور ليعرف بها شىء آخر من جنسها قال يحيى بن معاذ رحمه الله من لم يعتبر بالمعاينة استغنى عن الموعظة وقد استدل بالآية على حجية القياس من حيث انه أمر بالمجاوزة من حال الى حال وحملها عليها فى حكم لما بينهما من المشاركة المقتضية له كما فصل فى الكتب الاصولية وأشار بأهل الكتاب الى يهودى النفس ونصرانى الهوى وانما نسبنا التنصر الى الهوى والتهود الى النفس لغلبة عطلة النفس فان الهوى بالنسبة الى النفس كالروح بالنسبة الى الجسم البدنى ولهذا المعنى قيل الهوى روح النفس ينفخ فيها هوى الشهوات الحيوانية ويهوى الى هاوية الجحيم والله تعالى يستأصلها من ديار صفاتها الظلمانية بالصدمة الاولى من قتال الحشر الاول وظنوا ان حصون طباعهم الرديئة تمنعهم عن الانسلاخ من صفاتهم الخسيسة فأتاهم الله بالتجلى القهرى وقذف فى قلوب النفس والهوى رغب المفارقة بينهما فان كل واحد منهما كان متمسكا بالآخر تمسك الروح بالبدن وقيام البدن بالروح يخربون بيوت صفاتهم بأيدى اهوآئهم المضلة وبقوة أيدى الروح والسر والقلب لغلبة نوريتهم عليها فاعتبروا يا اولى الابصار الذى صار الحق تعالى بصرهم كما قال فى يبصر وبى يسمع وبى يبطش الحديث بطوله

اطفيش

تفسير : {هَوَ الَّذِى أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ مِن دِيَارِهِمْ} روي انه صلى الله عليه وسلم صالح بني النضير لا له ولا عليه ولما ظهر في بدر قالوا: إنه المبعوث في التوراة انه لا ترد له راية ولما هزم المؤمنون يوم أحد ارتابوا ونكثوا فخرج كعب بن الاشرف في اربعين راكباً إلى مكة فحالفوا قريشا ابا سفيان وغيره عليه عند الكعبة فأمر صلى الله عليه وسلم محمد بن مسلمة الانصاري فقتل كعباً غيلة وهو اخوه من الرضاع ثم صبحهم بالكتائب وهو على حمار مخطوم بليف. فقال: اخرجوا من المدينة فقالوا: الموت احب الينا من ذلك فتنادوا بالحرب وقيل طلبوا الامهال عشرة أيام ليتجهزوا للخروج فقال عبد الله بن ابي المنافق واصحابه لا تخرجوا فإن قاتلوكم فنحن معكم ولئن اخرجتم لنخرجن معكم فدربوا على الازقة وحضوها فحاصرهم احدى وعشرين ليلة فلما قذف الله في قلوبهم الرعب وأيسوا من نصر المنافقين طلبوا الصلح فأبى عليهم إلا الجلاء على ان يحمل كل اهل ثلاثة ابيات على بعير ما شاءوا من متاعهم فخرجوا الى اريحا واذرعات من الشام الا أهل بيتين منهم آل أبي الحقيق وآل حيي بن اخطب فانهم لحقوا بخيبر ولحق طائفة بالحيرة. وروي انهم تحالفوا في استار الكعبة كعب في اربعين وابو سفيان في اربعين واخبر جبريل النبي صلى الله عليه وسلم فأمر بقتل كعب وقتل واصبح وأمر الناس بالمسير الى بني النضير بقرية يقال لها زهر فوجدوهم ينوحون على كعب فقالوا: يا محمد واعية على واعية وباكية على باكية قال: نعم قالوا: ذرنا بك ثم افعل فقال: اخرجوا من المدينة فقالوا: الموت احب الينا إلى آخر ما مر آنفا. وروي انهم ارسلوا اليه بعد التحصين المذكور ليغدروا وان اخرج في ثلاثين ونخرج في ثلاثين فان صدقوك آمنا ففعلوا وقال يهودي: كيف تقتلونه ومعه ثلاثون كل يحب ان يموت قبله لكن ارسلوا اليه كيف نفهم ونحن في ستين ولكن نخرج في ثلاثة وتخرج في ثلاثة فخرجوا في ثلاثة من علمائهم معهم الخناجر فارسلت يهودية منه الى اخ لها مسلم من الانصار بذلك فاخبر النبي صلى الله عليه وسلم سريعاً قبل ان يصله اليهم فرجع وحاصرهم من الغد احدى وعشرين ليلة فطلبوا الصلح كما مر. وروي انه صالحهم على الجلاء ولهم ما قلت الابل إلا السلاح وعن ابن عباس: على ان يحمل اهل كل بيت على بعير ما شاءوا وقيل لكل ثلاثة نفر بعير وسقاء وذلك بعد مرجعه من أحد وأما فتح قريظة فبعد مرجعه من الاحزاب وبينهما سنتان قاله ابن اسحاق وهو في زمان مالك. مسألة: ذكرني هذا الموضع قصة جرت لي في زمان الطلب وهي ان الشيخ اسماعيل ذكر في قناطره ما نصه وعن محمد بن كعب القرظي قال سمعت ابن عباس يقول: والله لربما مررت بالآية من كتاب الله عز وجل في جوف الليل فلا اعرف فيمن انزلت فآخذ ثوبي ثم آتى المسجد وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأوقظ الرجل منهم وأسأله فيمن نزلت آية كذا فان لم أجد عند واحد منهم أتيت آخر كذلك حتى أمُر عليهم جميعا... وكتب الكاتب القرطي بالطاء والمثناة التحية وحشى عليه بعض وقال: انه منسوب الى قرطبة بضم القاف والطاء بلد بالمغرب وكتبت على هذه الحاشية ما نصه قوله منسوب الى قرطبة الخ.. هو من خرافات جهال العصر وهو باطل بل القرظي نسب الى بطن من بني كلاب وأما الذي هو نسب الى قرطبة فهو القرطبي صاحب مختار الصحاح وغيره وقرطبة بلد بالاندلس تعلم فيها الشيخ يوسف بن ابراهيم والاندلس لم يفتح إلا بعد زمان ابن عباس. وهذه الحاشية ابطصلت بها ادعاء نسبة القرطبي بالطاء وبدون الموحدة إلى قرطبة بالطاء والموحدة واوضحت بها ان النسبة الى قرطبة ان يقال القرطبي بالطاء والموحدة هذا مقتضى الحاشية التي اثبت مع ما ذكرت من تأخير فتح الاندلس ولم اتعرض الى صحة نسخة الكاتب ولا لفسادها ولو كانت فاسدة لان الصواب القرظي بالمشالة فالمثناة التحية نسب الى قريظة بالمشالة وهو محمد بن كعب المذكور في القواعد ثم كتب عليها كاتب مانصه لعله القرظي بالمشالة ثم اني لما علمت ان المحشي هو العلامة الحاج يوسف بن حمو جررت القلم على قولي هو من خرافات جهال العصر فظن من ظن لقلة الفهم ما ظن ان قولي قوم من كلاب تفسير القرطبي بالمشالة. {لأَوَّلِ الحَشْرِ} متعلق باخراج واللام للتوقيت كقولك كتبته لكذا ليلة أي عند أول الحشر وهذا أول حشرهم إلى الشام وكانوا من سبط لم يصبهم جلاء قط وهم أول من اخرج من أهل الكتاب من جزيرة العرب الى الشام وأخر حشرهم اجلاء عمر اياهم من خيبر الى الشام وقيل: اخر حشرهم يوم القيامة لان المحشر بالشام. وعن عكرمة من شك ان الحشر بالشام فليقرأ هذه الآية وقيل آخره نار تحشرهم من المشرق الى المغرب تبيت حيث باتوا وتقيل حيث قالوا وقيل: معناه اخراجهم من ديارهم لاول ما حشر لقتالهم لانه أول قتال قاتلهم رسول الله صلى الله على سيدنا محمد. {مَاظَنَنتُمْ} أيها المؤمنون {أَن يَخْرُجُوا} معزتهم ومنعتهم اذ هم أهل حصون وعقار ونخل كثيرة وعدد وعدة {وَظَنُّوا أَنَّهُم مَّانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم مِّنَ اللهِ} أي من بأسه وقد الخبر وهو مانعة على المبتدأ وهو حصون دلالة على فرط وثوقهم بحصانتها ومنها اياهم واكد بأن وجعل خبرها جملة اسمية دلالة على اعتقادهم انهم في عزة لا تستطاع وليس ذلك كله في قولك وظنوا ان حصونهم تمنعهم ويجوز كون ما نعتهم خبر ان وحصونهم فاعل ما نعتهم وفي الحديث: "حديث : لان عشت لاخرجن اليهود إن شاء الله من جزيرة العرب حتى لا يبقى فيها إلا مسلم"تفسير : فقبض قبل ان يفعل وقد امر باخراجهم الناس. {فَأَتَاهُمُ اللهُ} أي عذابه وهو الرعب والاضطرار الى الجلاء وقتل رئيسهم كعب بن الاشرف وذلك مما اضعفهم وسلبهم الامن، والهمم ان يوافقوا المؤمنين في تخريب البيوت وثبط المنافقين وقيل: الضمير للمؤمنين أي اتاهم نصر الله وقرىء بالمد أي اتاهم عذابه أو نصره {مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا} لم يخطر ببالهم لقوة وثوقهم. {وَقَذَفَ فِى قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ} ارسخ فيها الخوف الذي يملأ القلب وقرىء بضم العين قبل وذلك بقتل كعب {يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ} لينقلوا ما استحسنوا من خشبها وغيرها وقيل: ينقضون السقف ويثقبون الجدار أو يهدمون ما استطاعوا لئلا يسكنها المؤمنون وقيل: سدوا الازقة بالخشب والحجارة وخربها ايضا بسوء رأي وقرأ ابو عمرو بتشديد الراء للتوكيد والتكبير وعن بعضهم الاخراب لتعطيل أو ترك الشيء خرابا والتخريب الهدم. {وَأَيْدِى المُؤْمِنِينَ} معنى تخريبها بايدي المؤمنين انهم عصوا ونكثوا وكانوا سببا لتخريب المؤمنين إياها فكأنهم مروا المؤمنين بالقريب وكلفوهم إياهم يخربون ظاهرها واليهود باطنها قال ابن عباس: كلما طهر المؤمنون من دار هدموها ليتسع لهم المقاتل ويزول متحصل اليهود ونكاله واليهود يخربون ويضربون بالنفض من دار لدار والمؤمنون في اثرهم وذلك لما اراد الله من استئصالهم من تلك البلاد. {فَاعْتَبِرُوا} اتعظوا بما دبر الله ويسر من امر اخراجهم من غير قتال ولم ينفعهم ما اعتمدوا عليه من غير الله فلا تعتمدوا على غيره جل وعلا. {يَا أُوْلِى الأَبْصَارِ} قال القاضي: واستدل به على ان القياس حجة من حيث انه امر بالمجاوزة من حال الى حال وحملها عليها لما بينهما من المشاركة المقتضية له وذلك ان الحق اثبات القياس لاهله.

الالوسي

تفسير : وقوله تعالى: {هُوَ ٱلَّذِى أَخْرَجَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ مِن دِيَـٰرِهِمْ } بيان لبعض آثار عزته تعالى وأحكام حكمته عز وجل إثر وصفه تعالى بالعزة القاهرة والحكمة الباهرة على الإطلاق. والمراد بالذين كفروا بنو النضير ـ بوزن الأمير ـ وهم قبيلة عظيمة من يهود خيبر كبني قريظة، ويقال للحيين: الكاهنان لأنهما من ولد الكاهن بن هارون كما في «البحر»، ويقال: إنهم نزلوا قريباً من المدينة في فئة من بني إسرائيل انتظاراً لخروج الرسول صلى الله عليه وسلم فكان من أمرهم ما قصه الله تعالى. وقيل: إن موسى عليه السلام كان قد أرسلهم إلى قتل العماليق وقال لهم: لا تستحيوا منهم أحداً فذهبوا ولم يفعلوا وعصوا موسى عليه السلام فلما رجعوا إلى الشام وجدوه قد مات عليه السلام فقال لهم بنو إسرائيل: أنتم عصاة الله تعالى والله لادخلتم علينا بلادنا فانصرفوا إلى الحجاز إلى أن كان ماكان. وروي عن الحسن أنهم بنو قريظة وهو وهم كما لا يخفى. والجار الأول: متعلق بمحذوف أي كائنين من أهل الكتاب، والثاني متعلق ـ بأخرج ـ وصحت إضافة الديار إليهم لأنهم كانوا نزلوا برية لا عمران فيها فبنوا فيها وسكنوا. وضمير {هُوَ } راجع إليه تعالى بعنوان العزة والحكمة إما بناءاً على كمال ظهور اتصافه تعالى بهما مع مساعدة تامة من المقام، أو على جعله مستعاراً لاسم الإشارة كما في قوله تعالى: { أية : قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ ٱللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَـٰرَكُمْ وَخَتَمَ عَلَىٰ قُلُوبِكُمْ مَّنْ إِلَـٰهٌ غَيْرُ ٱللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ } تفسير : [الأنعام: 46] أي بذلك فكأنه قيل: ذلك المنعوت بالعزة والحكمة الذي أخرج الخ، ففيه إشعار بأن في الإخراج حكمة باهرة. وقوله تعالى: {لأَِوَّلِ ٱلْحَشْرِ } متعلق ـ بأخرج ـ واللام لام التوقيت كالتي في قولهم: كتبته لعشر خلون، ومآلها إلى معنى ـ في ـ الظرفية، ولذا قالوا هنا: أي في أول الحشر لكنهم لم يقولوا: إنها بمعنى ـ في ـ إشارة إلى أنها لم تخرج عن أصل معناها وأنها للاختصاص لأن ما وقع في وقت اختص به دون غيره من الأوقات، وقيل: إنها للتعليل وليس بذاك. ومعنى أول الحشر أن هذا أول حشرهم إلى الشام أي أول ما حشروا وأخرجوا، ونبه بالأولية على أنهم لم يصبهم جلاء قبل ولم يجلهم بختنصر حين أجلى اليهود بناءاً على أنهم لم يكونوا معهم إذ ذاك وأنَّ نقلهم من بلاد الشام إلى أرض العرب كان باختيارهم، أو لم يصبهم ذلك في الإسلام، أو على أنهم أول محشورين من أهل الكتاب من جزيرة العرب إلى الشام، ولا نظر في ذلك إلى مقابلة الأول بالآخر، وبعضهم يعتبرها فمعنى أول الحشر أن هذا أول حشرهم وآخر حشرهم إجلاء عمر رضي الله تعالى عنه إياهم من خيبر إلى الشام، وقيل: آخر حشرهم حشرهم يوم القيامة لأن المحشر يكون بالشام. وعن عكرمة من شك أن المحشر هٰهنا يعني الشام فليقرأ هذه الآية، وكأنه أخذ ذلك من أن المعنى لأول حشرهم / إلى الشام فيكون لهم آخر حشر إليه أيضاً ليتم التقابل، وهو يوم القيامة من القبور، ولا يخفى أنه ضعيف الدلالة؛ وفي «البحر» عن عكرمة والزهري أنهما قالا: المعنى الأول موضع الحشر وهو الشام، وفي الحديث حديث : أنه صلى الله عليه وسلم قال لهم: «اخرجوا قالوا: إلى أين؟ قال: إلى أرض المحشر» تفسير : ولا يخفى ضعف هذا المعنى أيضاً، وقيل: آخر حشرهم أن ناراً تخرج قبل الساعة فتحشرهم كسائر الناس من المشرق إلى المغرب، وعن الحسن أنه أريد حشر القيامة أي هذا أوله والقيام من القبور آخره، وهو كما ترى، وقيل: المعنى أخرجهم من ديارهم لأول جمع حشره النبـي صلى الله عليه وسلم أو حشره الله عز وجل لقتالهم لأنه صلى الله عليه وسلم لم يكن قبل قصد قتالهم، وفيه من المناسبة لوصف العزة ما لا يخفى، ولذا قيل: إنه الظاهر؛ وتعقب بأن النبـي صلى الله عليه وسلم لم يكن جمع المسلمين لقتالهم في هذه المرة أيضاً ولذا ركب عليه الصلاة والسلام حماراً مخطوماً بليف لعدم المبالاة بهم وفيه نظر، وقيل: لأول جمعهم للمقاتلة مع المسلمين لأنهم لم يجتمعوا لها قبل، والحشر إخراج جمع سواء كان من الناس لحرب أو لا، نعم يشترط فيه كون المحشور جمعاً من ذوي الأرواح لا غير، ومشروعية الإجلاء كانت في ابتداء الإسلام، وأما الآن فقد نسخت، ولا يجوز إلا القتل أو السبـي أو ضرب الجزية. {مَا ظَنَنتُمْ } أيها المسلمون {أَن يَخْرُجُواْ } لشدة بأسهم ومنعتهم ووثاقة حصونهم وكثرة عددهم وعدتهم. {وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ مَّانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم مّنَ ٱللَّهِ } أي ظنوا أن حصونهم مانعتهم أو تمنعهم من بأس الله تعالى ـ فحصونهم ـ مبتدأ و{مانعتهم} خبر مقدم، والجملة خبر {أن} وكان الظاهر لمقابلة {مَا ظَنَنتُمْ أَن يَخْرُجُواْ } وظنوا أن لا يخرجوا، والعدول إلى ما في النظم الجليل للإشعار بتفاوت الظنين، وأن ظنهم قارب اليقين فناسب أن يؤتى بما يدل على فرط وثوقهم بما هم فيه فجىء ـ بمانعتهم وحصونهم ـ مقدماً فيه الخبر على المبتدأ؛ ومدار الدلالة التقديم لما فيه من الاختصاص فكأنه لا حصن أمنع من حصونهم، وبما يدل على اعتقادهم في أنفسهم أنهم في عزة ومنعة لا يبالي معهما بأحد يتعرض لهم أو يطمع في معازتهم، فجىء بضمير ـ هم ـ وصير اسماً ـ لأن ـ وأخبر عنه بالجملة لما في ذلك من التقوّي على ما في «الكشف» و«شرح الطيبـي»، وفي كون ذلك من باب التقوّي بحث، ومنع بعضهم جواز الإعراب السابق بناءاً على أن تقديم الخبر المشتق على المبتدأ المحتمل للفاعلية لا يجوز كتقديم الخبر إذا كان فعلاً، وصحح الجواز في المشتق دون الفعل، نعم اختار صاحب «الفرائد» أن يكون {حُصُونُهُم } فاعلاً ـ لمانعتهم ـ لاعتماده على المبتدأ وجوز كون {مَّانِعَتُهُمْ } مبتدأ خبره {حُصُونُهُم }. وتعقب بأن فيه الإخبار عن النكرة بالمعرفة إن كانت إضافة مانعة لفظية، وعدم كون المعنى على ذلك إن كانت معنوية بأن قصد استمرار المنع فتأمل. وكانت حصونهم على ما قيل: أربعة الكتيبة والوطيح والسلالم والنطاة، وزاد بعضهم الوخدة وبعضهم شقا، والذي في «القاموس» أنه موضع بخيبر أو واد به. {فَـأَتَـٰهُمُ ٱللَّهُ } أي أمره سبحانه، وقدره عز وجل المتاح لهم {مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُواْ } ولم يخطر ببالهم؛ وهو على ما روي عن السدي وأبـي صالح وابن جريج / قتل رئيسهم كعب بن الأشرف فإنه مما أضعف قوتهم وفلّ شوكتهم وسلب قلوبهم الأمن والطمأنينة، وقيل: ضمير {أَتَـٰهُمُ } و {لَمْ يَحْتَسِبُواْ } للمؤمنين أي فأتاهم نصر الله من حيث لم يحتسبوا، وفيه تفكيك الضمائر. وقرىء (فآتاهم الله)، وهو حينئذ متعدّ لمفعولين، ثانيهما محذوف أي فآتاهم الله العذاب أو النصر {وَقَذَفَ فِى قُلُوبِهِمُ ٱلرُّعْبَ } أي الخوف الشديد من رعبت الحوض إذا ملأته لأنه يتصور فيه أنه ملأ القلب، وأصل القذف الرمي بقوة أو من بعيد، والمراد به هنا للعرف إثبات ذلك وركزه في قلوبهم. {يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ } ليسدوا بما نقضوا منها من الخشب والحجارة أفواه الأزقة، ولئلا تبقى صالحة لسكنى المسلمين بعد جلائهم ولينقلوا بعض آلاتها المرغوب فيها مما يقبل النقل كالخشب والعمد والأبواب {وَأَيْدِى ٱلْمُؤْمِنِينَ } حيث كانوا يخربونها من خارج ليدخلوها عليهم وليزيلوا تحصنهم بها وليتسع مجال القتال ولتزداد نكايتهم، ولما كان تخريب أيدي المؤمنين بسبب أمر أولئك اليهود كان التخريب بأيدي المؤمنين كأنه صادر عنهم، وبهذا الاعتبار عطفت {أَيْدِىَ ٱلْمُؤْمِنِينَ } على ـ أيديهم ـ وجعلت آلة لتخريبهم مع أن الآلة هي أيديهم أنفسهم ـ فيخربون ـ على هذا إما من الجمع بين الحقيقة والمجاز أو من عموم المجاز، والجملة إما في محل نصب على الحالية من ضمير {قُلُوبِهِمْ } أو لا محل لها من الإعراب، وهي إما مستأنفة جواب عن سؤال تقديره فما حالهم بعد الرعب؟ أو معه أو تفسير للرعب بادعاء الاتحاد لأن ما فعلوه يدل على رعبهم إذ لولاه ما خربوها. وقرأ قتادة والجحدري ومجاهد وأبو حيوة وعيسى وأبو عمرو {يخربون } بالتشديد وهو للتكثير في الفعل أو في المفعول، وجوز أن يكون في الفاعل، وقال أبو عمرو بن العلاء: خرب بمعنى هدم وأفسد، وأخرب ترك الموضع خراباً وذهب عنه، فالإخراب يكون أثر التخريب، وقيل: هما بمعنى عدى خرب اللازم بالتضعيف تارة وبالهمزة أخرى. {فَٱعْتَبِرُواْ يٰأُوْلِى ٱلأَبْصَـٰرُ } فاتعظوا بما جرى عليهم من الأمور الهائلة على وجه لا تكاد تهتدي إليه الأفكار، واتقوا مباشرة ما أداهم إليه من الكفر والمعاصي، واعبروا من حالهم في غدرهم واعتمادهم على غير الله تعالى ـ الصائرة سبباً لتخريب بيوتهم بأيديهم وأيدي أعدائهم ومفارقة أوطانهم مكرهين ـ إلى حال أنفسكم فلا تعولوا على تعاضد الأسباب وتعتمدوا على غيره عز وجل بل توكلوا عليه سبحانه. واشتهر الاستدلال بالآية على مشروعية العمل بالقياس الشرعي، قالوا: ((إنه تعالى أمر فيها بالاعتبار وهو العبور والانتقال من الشيء إلى غيره، وذلك متحقق في القياس إذ فيه نقل الحكم من الأصل إلى الفرع، ولذا قال ابن عباس في الأسنان: اعتبر حكمها بالأصابع في أن ديتها متساوية، والأصل في الإطلاق الحقيقة وإذ ثبت الأمر ـ وهو ظاهر في الطلب الغير الخارج عن اقتضاء الوجوب أو الندب ـ ثبتت مشروعية العمل بالقياس. واعترض بعد تسليم ظهور الأمر في الطلب بأنا لا نسلم أن الاعتبار ما ذكر بل هو عبارة عن الاتعاظ لأنه المتبادر حيث أطلق، ويقتضيه في الآية ترتيبه بالفاء على ما قبله كما في قوله تعالى: { أية : إِنَّ فِى ذٰلِكَ لَعِبْرَةً لأُِوْلِى ٱلأَبْصَـٰرِ } تفسير : [آل عمران: 13] { أية : وَإِنَّ لَكُمْ فِى ٱلأَنْعَـٰمِ لَعِبْرَةً } تفسير : [النحل: 66] ولأن القائس في الفرع إذا أقدم على المعاصي ولم يتفكر في أمر آخرته يقال: إنه غير معتبر، ولو كان القياس هو الاعتبار لم يصح هذا السلب، سلمنا لكن ليس في الآية صيغة عموم تقتضي العمل بكل قياس بل هي مطلقة ـ فيكفي في العمل بها العمل بالقياس العقلي ـ سلمنا لكن العام مخصص بالاتفاق إذ قلتم: إنه إذا قال لوكيله: أعتق غانماً لسواده لا يجوز تعدية ذلك إلى سالم، وإن كان أسود، / وهو بعد التخصيص لا يبقى حجة فيما عدا محل التخصيص سلمنا غير أن الخطاب مع الموجودين وقته فيختص بهم. وأجيب بأنه لو كان الاعتبار بمعنى الاتعاظ حيث أطلق لما حسن قولهم: اعتبرَ فاتعظَ لما يلزم فيه حينئذ من ترتب الشيء على نفسه، وترتيبه في الآية على ما قبله لا يمنع كونه بمعنى الانتقال المذكور لأنه متحقق في الاتعاظ إذ المتعظ بغيره منتقل من العلم بحال ذلك الغير إلى العلم بحال نفسه فكان مأموراً به من جهة ما فيه من الانتقال ـ وهو القياس والآيتان على ذلك ـ ولا يصح غير معتبر في القائس العاصي نظراً إلى كونه قائساً، وإنما صح ذلك نظراً إلى أمر الآخرة، وأطلق النفي نظراً إلى أنه أعظم المقاصد وقد أخل به، والآية إن دلت على العموم فذاك وإن دلت على الإطلاق وجب الحمل على القياس الشرعي لأن الغالب من الشارع مخاطبتنا بالأمور الشرعية دون غيرها، وقد برهن على أن العام بعد التخصيص حجة، وشمول حكم خطاب الموجودين لغيرهم إلى يوم القيامة قد انعقد الإجماع عليه، ولا يضر الخلاف في شمول اللفظ وعدمه على أنه إن عم أو لم يعم هو حجة على الخصوم في بعض محل النزاع، ويلزم من ذلك الحكم في الباقي ضرورة أنه لا يقول بالفرق)). هذا وقال الخفاجي في وجه الاستدلال: قالوا: إنا أمرنا في هذه الآية بالاعتبار وهو ردّ الشيء إلى نظيره بأن يحكم عليه بحكمه، وهذا يشمل الاتعاظ والقياس العقلي والشرعي، وسوق الآية للاتعاظ فتدل عليه عبارة وعلى القياس إشارة. وتمام الكلام على ذلك في الكتب الأصولية.

ابن عاشور

تفسير : {هُوَ ٱلَّذِىۤ أَخْرَجَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ مِن دِيَـٰرِهِمْ لاَِوَّلِ الحَشْرِ مَا ظَنَنتُمْ أَن يَخرُجُواْ}. يجوز أن تجعل جملة {هو الذي أخرج الذين كفروا} إلى آخرها استئنافاً ابتدائياً لقصد إجراء هذا التمجيد على اسم الجلالة لما يتضمنه من باهر تقديره، ولِمَا يؤذن به ذلك من التعريض بوجوب شكره على ذلك الإِخراج العجيب. ويجوز أن تجعل علة لما تضمنه الخبر عن تسبيح ما في السماوات وما في الأرض من التذكير للمؤمنين والتعريض بأهل الكتاب والمنافقين الذين هم فريقان مما في الأرض فإن القصة التي تضمنتها فاتحة السورة من أهل أحوالهما. ويجوز أن تجعل مبينة لجملة {أية : وهو العزيز الحكيم}تفسير : [الحشر: 1] لأن هذا التسخير العظيم من آثار عزّه وحكمته. وعلى كل الوجوه فهو تذكير بنعمة الله على المسلمين وإيماء إلى أن يشكروا الله على ذلك وتمهيد للمقصود من السورة وهو قسمة أموال بني النضير. وتعريف جزأي الجملة بالضمير والموصول يفيد قصر صفة إخراج الذين كفروا من ديارهم عليه تعالى وهو قصر ادعائي لعدم الاعتداد بسعي المؤمنين في ذلك الإِخراج ومعالجتهم بعض أسبابه كتخريب ديار بني النضير. ولذلك فَجملة {ما ظننتم أن يخرجوا} تتنزل منزلة التعليل لجملة القصر. وجملة {وظنوا أنهم مانعتهم حصونهم} عطف على العلة، أي وهم ظنوا أن المسلمين لا يغلبونهم. وإنما لم يقل: وظنوا أن لا يُخرَجوا. مع أن الكلام على خروجهم، من قوله تعالى: {هو الذي أخرج الذين كفروا} فعدل عنه إلى {وظنوا أنهم مانعتهم حصونهم} أي مانعتهم من إخراجهم استغناء عن ذكر المظنون بذكر علة الظن. والتقدير: وظنوا أن لا يخرجوا لأنهم تمنعهم حصونهم، أي ظنوا ظناً قوياً معتمدين على حصونهم. والمراد بـ{الذين كفروا من أهل الكتاب} بنو النضير (بوزن أمير) وهم قبيلة من اليهود استوطنوا بلاد العرب هم وبنو عمهم قُريظة، ويهودُ خَيبر، وكلهم من ذرية هَارون عليْه السلام وكان يقال لبني النضير وبني قريظة: الكاهنان لأن كل فريق منهما من ذرية هارون وهو كاهن الملة الإسرائيلية، والكهانة: حفظ أمور الديانة بيده ويد أعقابه. وقصة استيطانهم بلاد العرب أن موسى عليه السلام كان أرسل طائفة من أسلافهم لقتال العماليق المجاورين للشام وأرض العرب فقصَّروا في قتالهم وتوفي موسى قريباً من ذلك. فلما علموا بوفاة موسى رجعوا على أعقابهم إلى ديار إسرائيل في أريحَا فقال لهم قومهم: أنتم عصيتم أمر موسى فلا تدخلوا بلادنا، فخرجوا إلى جزيرة العرب وأقاموا لأنفسهم قُرى حول يثرب (المدينة) وبنوا لأنفسهم حصُوناً وقرية سَموها الزَّهرة. وكانت حصونهم خمسة سيأتي ذكر أسمائها في آخر تفسير الآية، وصاروا أهل زرع وأموال. وكان فيهم أهل الثراء مثل السموأل بن عَادِيا، وكَعب بن الأشرف، وابن أبي الحُقَيق، وكان بينهم وبين الأوس والخزرج حِلف ومعاملة، فكان من بطون أولئك اليهود بنو النضير وقريظة وخيبر. ووسموا بـ{الذين كفروا} لأنهم كفروا بمحمد صلى الله عليه وسلم تسجيلاً عليهم بهذا الوصف الذميم وقد وُصفوا بـ{الذين كفروا} في قوله تعالى: {أية : ولما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على الكافرين}تفسير : [البقرة: 89] إلى قوله: {أية : عذاب مهين}تفسير : في سورة [البقرة: 90]. وعليه فحرف (من) في قوله: {من أهل الكتاب} بيانية لأن المراد بأهل الكتاب هنا خصوص اليهود أي الذين كفروا برسالة محمد صلى الله عليه وسلم وهم أهل الكتاب وأراد بهم اليهود، فوصفوا بـ{من أهل الكتاب} لئلا يظن أن المراد بـ{الذين كفروا} المشركون بمكة أو بقية المشركين بالمدينة فيُظنّ أن الكلام وعيد. وتفصيل القصة التي أشارت إليها الآية على ما ذكره جمهور أهل التفسير. أن بني النضير لما هاجر المسلمون إلى المدينة جاؤوا فصالحوا النبي صلى الله عليه وسلم على أن لا يكونوا عليه ولا له، ويقال: إن مصالحتهم كانت عقبَ وقعة بَدر لمَّا غلَب المسلمون المشركين لأنهم توسّموا أنه لا تهزم لهم راية، فلما غُلب المسلمون يوم أُحد نكثوا عهدهم وراموا مصالحة المشركين بمكة، إذ كانوا قد قعدوا عن نصرتهم يوم بدر (كدأب اليهود في موالاة القوي) فخرج كعب بن الأشرف وهو سيد بني النضير في أربعين راكباً إلى مكة فحَالفوا المشركين عند الكعبة على أن يكونوا عوناً لهم على مقاتلة المسلمين، فلما أُوحي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك أمرَ محمدَ بن مسلمة أن يقتل كعب بن الأشرف فقتله غيلة في حصنه في قصة مذكورة في كتب السنة والسير. وذكر ابن إسحاق سبباً آخر وهو أنه لما انقضت وقعة بئر معونة في صفر سنة أربع كان عَمرو بن أمية الضَّمْري أسيراً عند المشركين فأطلقه عامر بن الطفيل. فلما كان راجعاً إلى المدينة أقبل رجلان من بني عامر وكان لقومهما عقد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ونزلا مع عمرو بن أمية، فلما ناما عدا عليهما فقتلهما وهو يحسب أنه يثأر بهما من بني عامر الذين قتلوا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ببئر معونة، ولما قدم عمرو بن أمية أخبر رسولَ الله صلى الله عليه وسلم بما فعل فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : لقد قتلت قتيلين ولآدِيَنَّهُمَا»تفسير : ، وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بني النضير يستعينهم في دية ذينك القتيلين إذ كان بين بني النضير وبين بني عامر حِلف، وأضمر بنو النضير الغدر برسول الله صلى الله عليه وسلم وأطلعه الله عليه فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم المسلمين بالتهيّؤ لحربهم. ثم أمر النبي صلى الله عليه وسلم المسلمين بالسيْر إليهم في ربيع الأول سنة أربع من الهجرة فسار إليهم هو والمسلمون وأمرهم بأن يَخرجوا من قريتهم فامتنعوا وتنادوا إلى الحرب ودسّ إليهم عبد الله بنُ أُبيّ ابنُ سلول أن لا يخرجوا من قريتهم وقال: إنْ قاتلَكم المسلمون فنحن معكم ولننصُرنَّكم وإن أخرجتم لَنَخُرجَنّ معكم فَدَرِّبُوا على الأزقة (أي سُدُّوا منافذ بعضها لبعض ليكون كلّ درب منها صالحاً للمدافعة) وحصِّنوها، ووعدهم أن معه ألفين من قومه وغيرهم، وأن معهم قريظة وحلفاءهم من غطفان من العرب فحاصرهم النبي صلى الله عليه وسلم وانتظروا عبد الله بن أُبيّ ابن سلول وقريظة وغطفان أن يقدموا إليهم ليردوا عنهم جيش المسلمين فلما رأوا أنهم لم ينجدوهم قذف الله في قلوبهم الرعب فطلبوا من النبي صلى الله عليه وسلم الصلح فأبى إلا الجلاء عن ديارهم وتشارطوا على أن يخرجوا ويَحملَ كلّ ثلاثة أبيات منهم حِمْل بعير مما شاؤوا من متاعهم، فجعلوا يخرّبون بيوتهم ليحملوا معهم ما ينتفعون به من الخشب والأبواب. فخرجوا فمنهم من لحق بخيبر، وقليل منهم لحقوا ببلاد الشام في مدن (أريحا) وأذرعات من أرض الشام وخرج قليل منهم إلى الحِيرة. واللام في قوله: {لأول الحشر} لام التوقيت وهي التي تدخل على أول الزمان المجعول ظرفاً لعملٍ مثل قوله تعالى: {أية : يقول يا ليتني قدمت لحياتي}تفسير : [الفجر: 24] أي من وقت حياتي. وقولهم: كتب ليوم كذا. وهي بمعنى (عند). فالمعنى أنه أخرجهم عند مبدأ الحشر المقدر لهم، وهذا إيماء إلى أن الله قَدر أن يخرجوا من جميع ديارهم في بلاد العرب. وهذا التقدير أمر به النبي صلى الله عليه وسلم كما سيأتي. فالتعريف في {الحشر} تعريف العهد. والحشر: جمع ناس في مكان قال تعالى: {أية : وابعث في المدائن حاشرين يأتوك بكل سحّار عليم}تفسير : [الشعراء: 36 - 37]. والمراد به هنا: حشر يهود جزيرة العرب إلى أرض غيرها، أي جمْعهم للخروج، وهو بهذا المعنى يرادف الجلاء إذا كان الجلاء لجماعة عظيمة تُجمع من متفرق ديار البلاد. وليس المراد به: حشر يوم القيامة إذ لا مناسبة له هنا ولا يلائم ذكر لفظ «أول» لأن أول كل شيء إنما يكون متحد النوع مع ما أضيف هو إليه. وعن الحسن: أنه حمل الآية على حشر القيامة وركّبوا على ذلك أوهاماً في أن حشر القيامة يكون بأرض الشام وقد سبق أن ابن عباس احترز من هذا حين سمى هذه السورة «سورة بني النضير» وفي جعل هذا الإِخراج وقتاً لأوّل الحشر إيذان بأن حشرهم يتعاقب حتى يكمل إخراج جميع اليهود وذلك ما أوصى به النبي صلى الله عليه وسلم قُبيل وفاته إذ قال: «حديث : لا يبقى دينان في جزيرة العرب»تفسير : . وقد أنفذه عمر بن الخطاب حين أجلى اليهود من جميع بلاد العرب. وقيل: وُصف الحشر بالأول لأنه أول جلاء أصاب بني النضير، فإن اليهود أُجْلُوا من فلسطين مرتين مرة في زمن (بختنصر) ومرة في زمن (طيطس) سلطان الروم وسَلِم بنو النضير ومن معهم من الجلاء لأنهم كانوا في بلاد العرب. فكان أول جلاء أصابهم جلاء بني النضير. {وَظَنُّوۤاْ أَنَّهُمْ مَّانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم مِّنَ ٱللهِ}. أي كان ظن المسلمين وظن أهل الكتاب متواردين على تعذر إخراج بني النضير من قريتهم بسبب حصانة حصونهم. وكان اليهود يتخذون حصوناً يأوون إليها عندما يغزوهم العدوّ مثل حصون خيبر. وكانت لبني النضير ستة حصون أسماؤها: الكُتيبة (بضم الكاف وفتح المثناة الفوقية) والوَطِيح (بفتح الواو وكسر الطاء) والسُّلاَلم (بضم السين) والنَّطَاةُ (بفتح النون وفتح الطاء بعدها ألف وبهاء تأنيث آخرَه) والوَخْدَة (بفتح الواو وسكون الخاء المعجمة ودال مهملة) وشَقّ (بفتح الشين المعجمة وتشديد القاف). ونظم جملة {وظنوا أنهم مانعتهم حصونهم} على هذا النظم دون أن يقال: وظَنُّوا أن حصونهم مانعتُهم ليكون الابتداء بضميرهم لأنه سيعقبه إسناد {مانعتهم} إليه فيكون الابتداء بضميرهم مشيراً إلى اغترارهم بأنفسهم أنهم في عزة ومَنَعة، وأن مَنَعة حصونهم هي من شؤون عزتهم. وفي تقديم {مانعتهم} وهو وصف على {حصونهم} وهو اسم والاسم بحسب الظاهر أولى بأن يجعل في مرتبة المبتدأ ويجعل الوصف خبراً عنه، فعدل عن ذلك إشارة إلى أهمية منَعة الحصون عند ظنهم فهي بمحل التقديم في استحضار ظنهم، ولا عبرة بجواز جعل حصونهم فاعلاً باسم الفاعل وهو {مانعتهم} بناء على أنه معتمد على مسند إليه لأن محامل الكلام البليغ تجري على وجوه التصرف في دقائق المعاني فيصير الجائز مرجوحاً. قال المرزوقي في شرح (باب النسب) قول الشاعر وهو منسوب إلى ذي الرمة في غير ديوان الحماسة: شعر : فإن لم يكن إلا مُعَرَّج ساعة قليلاً فإني نافع لي قليلها تفسير : يجوز أن يكون (قليلها) مبتدأ و (نافع) خبر مقدم عليه ـــ أي لقصد الاهتمام ـــ. والجملة في موضع خبر (إنّ) والتقدير: إني قليلها نافع لي. {فَأَتَـٰهُمُ ٱللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُواْ وَقَذَفَ فِى قُلُوبِهِمُ ٱلرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِى ٱلْمُؤْمِنِينَ فَٱعْتَبِرُواْ يٰأُوْلِى ٱلأَبْصَارِ}. تفريع على مجموع جملتي {ما ظننتم أن يخرجوا وظنوا أنهم مانعتهم حصونهم من الله} اللتين هما تعليل للقصر في قوله تعالى: {هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب}. وتركيب (أتاهم الله من حيث لم يحتسبوا) تمثيل، مُثِّل شأنُ الله حين يسّر أسباب استسلامهم بعد أن صمموا على الدفاع وكانوا أهل عِدة وعُدة ولم يطل حصارهم بحال من أخذ حذره من عدوّه وأحكم حراسته من جهاته فأتاه عدوه من جهة لم يكن قد أقام حراسة فيها. وهذا يشبه التمثيل الذي في قوله تعالى: {أية : والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئاً ووجد الله عنده}تفسير : [النور: 39]. والاحتساب: مبالغة في الحسبان، أي الظنّ أي من مكان لم يظنوه لأنهم قصروا استعدادهم على التحصّن والمنَعة ولم يعلموا أن قوة الله فوق قوتهم. والقذف: الرمي باليد بقوة. واستعير للحصول العاجل، أي حصل الرعب في قلوبهم دفعة دون سابق تأمل ولا حصول سبب للرعب ولذلك لم يؤت بفعل القذف في آية [آل عمران: 151] {أية : سنلقي في قلوب الذين كفروا الرعب}.تفسير : والمعنى: وجعل الله الرعب في قلوبهم فأسرعوا بالاستسلام. وقَذْفُ الرعب في قلوبهم هو من أحوال إتيان الله إياهم من حيث لم يحتسبوا فتخصيصه بالذكر للتعجيب من صنع الله، وعطفُه على أتاهم الله من حيث لم يحتسبوا عطف خاص على عام للاهتمام. و{الرعب}: شدة الخوف والفزع. وهذا معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم «حديث : نصرت بالرعب»تفسير : ، أي برعب أعداء الدين. وجملة {يخربون بيوتهم} حال من الضمير المضاف إليه {قلوبهم} لأن المضاف جزء من المضاف إليه فلا يمنع مجيء الحال منه. والمقصود التعجيب من اختلال أمورهم فإنهم وإن خربوا بيوتهم باختيارهم لكن داعي التخريب قهري. والإِخراب والتخريب: إسقاط البناء ونقضه. والخراب: تهدم البناء. وقرأ الجمهور {يخربون} بسكون الخاء وتخفيف الراء المكسورة مضارع: أَخرب. وقرأه أبو عمرو وحْده بفتح الخاء وتشديد الراء المكسورة مضارع: خَرَّب. وهما بمعنى واحد. قال سيبويه: إن أفعلت وفَعَّلت يتعاقبان نحْو أخربته وخَرّبته، وأفرحته وفرّحته. يريد في أصل المعنى. وقد تقدم ما ذكر من الفرق بين: أَنزل ونَزّل في المقدمة الأولى من مقدمات هذا التفسير. وأشارت الآية إلى ما كان من تخريب بني النضير بيوتهم ليأخذوا منها ما يصلح من أخشاب وأبواب مما يحملونه معهم ليبنوا به منازلهم في مهاجرهم، وما كان من تخريب المؤمنين بقية تلك البيوت كلما حلّوا بقعة تركها بنو النضير. وقوله: {بأيديهم} هو تخريبهم البيوت بأيديهم، حقيقةٌ في الفعل وفي ما تعلق به، وأما تخريبهم بيوتهم بأيدي المؤمنين فهو مجاز عقلي في إسناد التخريب الذي خربه المؤمنون إلى بني النضير باعتبار أنهم سبَّبوا تخريب المؤمنين لما تركه بنو النضير. فعطف {أيدي المؤمنين} على {بأيديهم} بحيث يصير متعلّقاً بفعل {يخربون} استعمال دقيق لأن تخريب المؤمنين ديار بني النضير لمّا وجدوها خاوية تخريب حقيقي يتعلق المجرور به حقيقة. فالمعنى: ويسببون خراب بيوتهم بأيدي المؤمنين فوقع إسناد فعل {يخربون} على الحقيقة ووقع تعلق وتعليق {وأيدي المؤمنين} به على اعتبار المجاز العقلي، فالمجاز في التعليق الثاني. وأما معنى التخريب فهو حقيقي بالنسبة لكلا المتعلقين فإن المعنى الحقيقي فيهما هو العبرة التي نبه عليها قوله تعالى: {فاعتبروا يا أولي الأبصار}، أي اعتبروا بأن كان تخريب بيوتهم بفعلهم وكانت آلات التخريب من آلاتهم وآلات عدوهم. والاعتبار: النظر في دلالة الأشياء على لوازمها وعواقبها وأسبابها. وهو افتعال من العبرة، وهي الموعظة. وقول «القاموس»: هي العجب قصور. وتقدم في قوله تعالى: {أية : لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب}تفسير : في سورة [يوسف: 111]. والخطاب في قوله: {يا أولي الأبصار} موجّه إلى غير معين. ونودي أولو الأبصار بهذه الصلة ليشير إلى أن العبرة بحال بني النضير واضحة مكشوفة لكل ذي بَصر مما شاهد ذلك، ولكل ذي بصر يرى مواقع ديارهم بعدهم، فتكون له عبرة قدرة الله على إخراجهم وتسليط المسلمين عليهم من غير قتال. وفي انتصار الحق على الباطل وانتصار أهل اليقين على المذبذبين. وقد احتج بهذه الآية بعض علماء الأصول لإِثبات حجّيّة القياس بناء على أنه من الاعتبار.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {هُوَ ٱلَّذِيۤ أَخْرَجَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ مِن دِيَارِهِمْ}. أجمع المفسرون أنها في بني النضير، إلا قولاً للحسن أنها في بني قريظة،ورد هذا القول بأن بني قريظة لم يخرجوا ولم يجلوا ولكن قتلوا. وقد سميت هذه السورة بسورة بني النضير، حكاه القرطبي عن ابن عباس. قال سعيد بن جبير: قلت لابن عباس سورة الحشر قال: قل سورة النضير، وهم رهط من اليهود من ذرية هارون عليه السلام نزلوا المدينة في فتن بني إسرائيل، انتظاراً لمحمد صلى الله عليه وسلم. واتفق المفسرون على أن بني النضير كانوا قد صالحوا رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن لا يكونوا عليه ولا له، فلما ظهر يوم بدر قالوا: هو النَّبي الذي نعته في التوراة، لا ترد له راية، فلما هزم المسلمون يوم أُحد ارتابوا ونكثوا. فخرج كعب بن الأشرف في أربعين راكباً إلى مكة، فحالفوا عليه قريشاً عند الكعبة، فأخبر جبريل الرسول صلى الله عليه وسلم بذلك، فأمر بقتل كعب، فقتله محمد بن مسلمة غيلة، وكان أخاه من الرضاعة. وكان النَّبي صلى الله عليه وسلم قد اطلع منهم على خيانة، حين أتاهم في دية المسلمين اللذين قتلهما عمرو بن أمية الضمري منصرفه من بئر معونة، فهموا بطرح الحجر عليه صلى الله عليه وسلم، فعصمه الله تعالى. ولما قتل كعب، أمر صلى الله عليه وسلم بالمسيرة إليهم، وطالبهم بالخروج من المدينة، فاستمهلوه عشرة أيام ليتجهزوا للخروج، ولكن أرسل إليهم عبد الله بن أبي سراً: لا تخرجوا من الحصن، ووعدهم بنصرهم بألفي مقاتل من قومه، ومساعدة بني قريظة وحلفائهم من غطفان، أو الخروج معهم، فدربوا أنفسهم، وامتنعوا بالتحصينات الداخلية. فحاصرهم صلى الله عليه وسلم إحدى وعشرين ليلة. وقيل: أجمعوا على الغدر برسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا له: اخرج في ثلاثين من أصحابك، ويخرج إليك ثلاثون منا ليسمعوا منك، فإن صدقوا آمنا كلنا، ففعل. فقالوا: كيف نفهم. ونحن ستون؟ أخرج في ثلاثة ويخرج إليك ثلاثة من علمائنا، ففعلوا فاشتملوا على الخناجر، وأرادوا الفتك فأرسلت امرأة منهم ناصحة إلى أخيها، وكان مسلماً فأخبرته بما أرادوا، فأسرع إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، فساره بخبرهم قبل أن يصل صلى الله عليه وسلم إليهم، فلما كان من الغد غدا عليهم بالكتائب فحاصرهم إحدى وعشرين ليلة، فقذف الله في قلوبهم الرعب، وأيسوا من نصر المنافقين الذي وعدهم به ابن أبي، فطلبوا الصلح فأبى عليهم صلى الله عليه وسلم إلا الجلاء، على أن يحمل كل أهل ثلاثة أبيات على بعير ما شاءوا من المتاع إلا الحلقة، فكانوا يحملون كل ما استطاعوا ولو أبواب المنازل، يخربون بيوتهم ويحملون ما استطاعوا معهم وقد أوردنا مجمل هذه القصة في سبب نزول هذه السورة لأن عليها تدور معاني هذه السورة كلها، وكما قال الإمام أبو العباس ابن تيمية رحمه الله في رسالة أصول التفسير: إن معرفة السبب تعين على معرفة التفسير (وليعلم المسلمون مدى ما جبل عليه اليهود من غدر وما سلكوا من أساليب المراوغة فما أشبه الليلة بالبارحة). والذي من منهج الشيخ رحمه الله في الأضواء قوله تعالى: {هُوَ ٱلَّذِيۤ أَخْرَجَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ مِن دِيَارِهِمْ} حيث أسند إخراجهم إلى الله تعالى مع وجود حصار المسلمين إياهم. وقد تقدم للشيخ رحمه الله نظيره عند قوله تعالى:{أية : وَرَدَّ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُواْ خَيْراً}تفسير : [الأحزاب: 25]، قال رحمه الله تعالى عندها: ذكر جل وعلا أنه {رد الذين كفروا بغيظهم} الآية، ولم يبين السبب الذي ردهم به. ولكنه جل وعلا بين ذلك بقوله: {أية : فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَّمْ تَرَوْهَا}تفسير : [الأحزاب: 9] اهـ. وهنا أيضاً في هذه الآية أسند إخراجهم إليه تعالى مع حصار المسلمين إياهم، وقد بين تعالى السبب الحقيقي لإخراجهم في قوله تعالى:{أية : فَأَتَاهُمُ ٱللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُواْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ ٱلرُّعْبَ}تفسير : [الحشر: 2]، وهذا من أهم أسباب إخراجهم، لأنهم في موقف القوة وراء الحصون، لم يتوقع المؤمنون خروجهم، وظنوا هم أنهم مانعتهم حصونهم من الله فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا وقد كان هذا الإخراج من الله إياهم بوعد سابق من الله لرسوله في قوله تعالى: {أية : فَإِنْ آمَنُواْ بِمِثْلِ مَآ آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ ٱهْتَدَواْ وَّإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ ٱللَّهُ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ}تفسير : [البقرة: 137]. وبهذا الإخراج تحقق كفاية الله لرسوله صلى الله عليه وسلم منهم، فقد كفاه إياهم بإخراجهم من ديارهم، فكان إخراجهم حقاً من الله تعالى: وبوعد مسبق من الله لرسوله صلى الله عليه وسلم. وقد أكد هذا بقوله تعالى مخاطباً للمسلمين في خصوصهم:{أية : فَمَآ أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلاَ رِكَابٍ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}تفسير : [الحشر: 6] وتسليط الرسول صلى الله عليه وسلم هو بما بين صلى الله عليه وسلم في قوله:"حديث : نصرت بالرعب مسيرة شهر"تفسير : وهو ما يتمشى مع قوله تعالى: {أية : وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ ٱلرُّعْبَ}تفسير : [الحشر: 2]. وجملة هذا السياق هنا يتفق مع السياق في سورة الأحزاب عن بني قريظة سواء بسواء، وذلك في قوله تعالى:{أية : وَأَنزَلَ ٱلَّذِينَ ظَاهَرُوهُم مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ مِن صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ ٱلرُّعْبَ فَرِيقاً تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقاً وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ}تفسير : [الأحزاب: 26-27] وعليه ظهرت حقيقة إسناد إخراجهم لله تعالى، فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا، وقذف في قلوبهم الرعب. كما أنه هو تعالى الذي رد الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيراً. بما أرسل عليهم من الرياح والجنود، وهو الذي كفى المؤمنين القتال. وهو تعالى الذي أنزل بني قريظة من صياصيهم. وورث المؤمنين ديارهم وأموالهم، وكان الله على كل شيء قديراً. ورشح لهذا كله التذييل في آخر الآية. يطلب الاعتبار والاتعاظ بما فعل الله بهم: {أية : فَٱعْتَبِرُواْ يٰأُوْلِي ٱلأَبْصَارِ}تفسير : [الحشر: 2]. أي بإخراج الذين كفروا من حصونهم وديارهم ومواطن قوتهم، ما ظننتم أن يخرجوا لضعف اقتداركم، وظنوا أنهم مانعتهم حصونهم لقوتها ومنعتها، ولكن أتاهم الله من حيث لم يحتسبوا وقذف في قلوبهم الرعب. فلم يستطيعوا البقاء. وكانت حقيقة إخراجهم من ديارهم هي من الله تعالى. قوله تعالى: {لأَوَّلِ ٱلْحَشْرِ}. اختلف في معنى الحشر في هذه الآية، وبناء عليه اختلف في معنى الأول. فقيل: المراد بالحشر أرض المحشر، وهي الشام. وقيل المراد بالحشر: الجمع. واستدل القائلون بالأول بآثار منها: ما رواه ابن كثير عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: من شك في أن أرض المحشر ها هنا يعني الشام فليقرأ هذه الآية:{هُوَ ٱلَّذِيۤ أَخْرَجَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ مِن دِيَارِهِمْ لأَوَّلِ ٱلْحَشْرِ}، وما رواه أبو حيان في البحر عن عكرمة أيضاً والزهري، وساق قوله صلى الله عليه وسلم أنه قال لبني النضير:حديث : أخرجواتفسير : ، قالوا: إلى أين؟ قال:حديث : إلى أرض المحشرتفسير : . وعلى هذا تكون الأولية هنا مكانية، أي لأول مكان من أرض المحشر. وهي أرض الشام، وأوائله خيبر وأذرعات. وقيل: إن الحشر على معناه اللغوي وهو الجمع. قال أبو حيان في البحر المحيط. الحشر الجمع للتوجه إلى ناحية ما، ومن هذا المعنى. قيل: الحشر هو حشد الرسول صلى الله عليه وسلم الكتائب لقتالهم. وهو أول حشر منه لهم وأول قتال قاتلهم. وعليه فتكون الأولية زمانية وتقتضي حشراً بعده. فقيل: هو حشر عمر إياهم بخيبر. وقيل: نار تسوق الناس من المشرق إلى المغرب، وهو حديث في الصحيح. وقيل: البعث. إلا أن هذه المعاني أعم من محل الخلاف لأن النار المذكورة والبعث ليستا خاصتين باليهود، ولا ببني النضير خاصة ومما أشا إليه الشيخ رحمه الله أن من أنواع البيان الاستدلال على أحد المعاني بكونه هو الغالب في القرآن، ومثل له في المقدمة بقوله تعالى:{أية : لأَغْلِبَنَّ أَنَاْ وَرُسُلِيۤ}تفسير : [المجادلة: 21]، فقد قال بعض العلماء: بأن المراد بهذه الغلبة. الغلبة بالحجة والبيان، والغالب في القرآن استعمال الغلبة بالسيف والسنان، وذلك دليل واضح على دخول تلك الغلبة في الآية، لأن خير ما يبين به القرآن القرآن. وهنا في هذه الآية، فإن غلبة استعمال القرآن بل عموم استعماله في الحشر إنما هو للجمع، ثم بين المراد بالحشر لأي شيء منها قوله تعالى: {أية : وَحُشِرَ لِسْلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنْس وَٱلطَّيْرِ}تفسير : [النمل: 17]، وقوله: {أية : وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلاً}تفسير : [الأنعام: 111]، وقوله عن نبي الله داود:{أية : وَٱلطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَّهُ أَوَّابٌ}تفسير : [ص: 19]، وقوله تعالى عن فرعون:{أية : قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ ٱلزِّينَةِ وَأَن يُحْشَرَ ٱلنَّاسُ ضُحًى}تفسير : [طه: 59]، وقوله تعالى: {أية : قَالُوۤاْ أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَأَرْسِلْ فِي ٱلْمَدَآئِنِ حَاشِرِينَ}تفسير : [الأعراف: 111]. وقوله: {أية : فَحَشَرَ فَنَادَىٰ}تفسير : [النازعات: 23] فكلها بمعنى الجمع. وإذا استعمل بمعنى يوم القيامة فإنه يأتي مقروناً بما يدل عليه، وهو جميع استعمالات القرآن لهذا، مثل قوله تعالى:{أية : وَتَرَى ٱلأَرْضَ بَارِزَةً وَحَشَرْنَاهُمْ}تفسير : [الكهف: 47] وذلك في يوم القيامة لبروز الأرض. وقوله تعالى:{أية : يَوْمَ نَحْشُرُ ٱلْمُتَّقِينَ إِلَى ٱلرَّحْمَـٰنِ وَفْداً}تفسير : [مريم: 85]، وذلك في يوم القيامة لتقييده باليوم. وقوله تعالى:{أية : يَوْمَ يُنفَخُ فِي ٱلصُّورِ وَنَحْشُرُ ٱلْمُجْرِمِينَ يَوْمِئِذٍ زُرْقاً}تفسير : [طه: 102]. وقوله تعالى:{أية : وَإِذَا ٱلْوُحُوشُ حُشِرَتْ}تفسير : [التكوير: 5] وقوله تعالى:{أية : وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَآءُ ٱللَّهِ إِلَى ٱلنَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ}تفسير : [فصلت: 19]. إلى غير ذلك مما هو مقيد بما يعين المراد بالحشر، وهو يوم القيامة. فإذا أطلق كان لمجرد الجمع كما في الأمثلة المتقدمة، وعليه فيكون المراد بقوله تعالى: {لأَوَّلِ ٱلْحَشْرِ}، أن الراجح فيه لأول الجمع، وتكون الأولية زمانية وفعلاً، فقد كان أول جمع لليهود، وقد أعقبه جمع آخر لإخوانهم بني قريظة بعد عام واحد، وأعقبه جمع آخر في خيبر، وقد قدمنا ربط إخراج بني النضير من ديارهم بإنزال بني قريظة من صياصيهم، وهكذا ربط جمع هؤلاء بأولئك إلا أن هؤلاء أجلوا وأخرجوا، وأولئك قتلوا واسترقوا. تنبيه وكون الحشر بمعنى الجمع لا يتنافى مع كون خروجهم كان إلى أوائل الشام، لأن الغرض الأول جمعهم للخروج من المدينة، ثم يتوجهون بعد ذلك إلى الشام أو إلى غيرها. وقد استدل بعض العلماء على أن توجههم كان إلى الشام من قوله تعالى: {أية : يَا أَيُّهَآ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ آمِنُواْ بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقاً لِّمَا مَعَكُمْ مِّن قَبْلِ أَن نَّطْمِسَ وُجُوهاً فَنَرُدَّهَا عَلَىٰ أَدْبَارِهَآ أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّآ أَصْحَابَ ٱلسَّبْتِ وَكَانَ أَمْرُ ٱللَّهِ مَفْعُولاً}تفسير : [النساء: 47]، لأن السياق في أهل الكتاب، والتعريض بأصحاب السبت ألصق بهم. فقال بعض المفسرين: الوجوه هنا هي سكناهم بالمدينة، وطمسها تغير معالمها، وردهم على أدبارهم. أي إلى بلاد الشام التي جاءوا منها اولاً حينما خرجوا من الشام إلى المدينة، انتظاراً لمحمد صلى الله عليه وسلم. حكاه أبو حيان وحسنه الزمخشري. قوله تعالى: {فَأَتَاهُمُ ٱللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُواْ}. أتى: تأتي لعدة معان، منها بمعنى المجيء، ومنها بمعنى الإنذار، ومنها بمعنى المداهمة. وقد توهم الرازي أنها من باب الصفات، فقال: المسألة الثانية قوله: {فَأَتَاهُمُ ٱللَّه}، لا يمكنهم إجراؤه على ظاهره باتفاق جمهور العقلاء، فدل على أن باب التأويل مفتوح، وإن صرف الآيات عن ظواهرها بمقتضى الدلائل العقلية جائز اهـ. وهذا منه على مبدئه في تأويل آيات الصفات، ويكفي لرده أنه مبني على متقضى الدلائل العقلية، ومعلوم أن العقل لا مدخل له في باب صفات الله تعالى، لأنها فوق مستويات العقول: {أية : لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْبَصِيرُ}تفسير : [الشورى: 11] ولا يحيطون به علماً سبحانه وتعالى. أما معنى الآية، فإن سياق القرآن يدل على أن مثل هذا السياق ليس من باب الصفات كما في قوله تعالى:{أية : فَأَتَى ٱللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِّنَ ٱلْقَوَاعِدِ}تفسير : [النحل: 26]، أي هدمه واقتلعه من قواعده، ونظيره:{أية : أَتَاهَآ أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَاراً}تفسير : [يونس: 24]. وقوله:{أية : أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا نَأْتِي ٱلأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا}تفسير : [الرعد: 41] وقوله {أية : أَفَلاَ يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي ٱلأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَآ}تفسير : [الأنبياء: 44]. وفي الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه في العدوى: أني قلت أتيت أي دهيت، وتغير عليك حسك فتوهمت ما ليس بصحيح صحيحاً. ويقال: أُتي فلان بضم الهمزة وكسر التاء إذا أظل عليه العدو، ومنه قولهم: "من مأمنه يؤتي الحذر". فيكون قوله تعالى: {فَأَتَاهُمُ ٱللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُواْ} أخذهم ودهاهم وباغتهم من حيث لم يحتسبوا من قتل كعب بن الأشرف وحصارهم، وقذف الرعب في قلوبهم. وهناك موقف آخر في سورة البقرة يؤيد ما ذكرناه هنا، وهو قوله تعالى: {أية : وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً مِّنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ ٱلْحَقُّ فَٱعْفُواْ وَٱصْفَحُواْ حَتَّىٰ يَأْتِيَ ٱللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}تفسير : [البقرة: 109]. فقوله تعالى: {فَٱعْفُواْ وَٱصْفَحُواْ حَتَّىٰ يَأْتِيَ ٱللَّهُ بِأَمْرِهِ} وهو في سياق أهل الكتاب، وهم بذاتهم الذين قال فيهم: {فَأَتَاهُمْ الله} فيكون، فأتاهم الله هنا هو إتيان أمره تعالى الموعود في بادئ الأمر عند الأمر بالعفو والصفح. وقد أورد الشيخ رحمه الله عند قوله تعالى: {فَٱعْفُواْ وَٱصْفَحُواْ حَتَّىٰ يَأْتِيَ ٱللَّهُ بِأَمْرِهِ} أن هذه الآية في أهل الكتاب كما هو واضح من السياق، وقال: والأمر في قوله: {بِأَمْرِهِ}، قال بعض العلماء: هو واحد الأوامر، وقال بعضهم: هو واحد الأمور. فعلى القول الأول بأنه الأمر الذي هو ضد النهي، فإن الأمر المذكور، هو المصرح به في قوله: {أية : قَاتِلُواْ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَلاَ بِٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ ٱلْحَقِّ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ حَتَّىٰ يُعْطُواْ ٱلْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ}تفسير : [التوبة: 29]. وعلى القول بأن واحد الأمور، فهو ما صرح الله به في الآيات الدالة على ما أوقع باليهود من القتل والتشريد كقوله:{أية : فَأَتَاهُمُ ٱللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُواْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ ٱلرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي ٱلْمُؤْمِنِينَ فَٱعْتَبِرُواْ يٰأُوْلِي ٱلأَبْصَارِ وَلَوْلاَ أَن كَتَبَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمُ ٱلْجَلاَءَ لَعَذَّبَهُمْ}تفسير : [الحشر: 2-3] الآية، إلى غير ذلك من الآيات، والآية غير منسوخة على التحقيق. اهـ [من الجزء الأول من الأضواء]. فقد نص رحمه الله على أن آية: {فَٱعْفُواْ وَٱصْفَحُواْ حَتَّىٰ يَأْتِيَ ٱللَّهُ بِأَمْرِهِ} مرتبطة بآية: {فَأَتَاهُمُ ٱللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُواْ} هذه كما قدمنا: أن هذا هو الأمر الموعود به، وقد أتاهم به من حيث لم يحتسبوا، ويشهد لهذا كله القراءة الثانية فآتاهم بالمد: بمعنى أعطاهم وأنزل بهم، ويكون الفعل متعدياً والمفعول محذوف دل عليه قوله {مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُواْ} أي أنزل بهم عقوبة وذلة ومهانة جاءتهم من حيث لم يحتسبوا والعلم عند الله تعالى. قوله تعالى: {وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ ٱلرُّعْبَ}. منطوقه أن الرعب سبب من أسباب هزيمة اليود، ومفهوم المحالفة يدل على أن العكس بالعكس، أي أن الطمأنينة وهي ضد الرعب، سبب من أسباب النصر، وهو ضد الهزيمة. وقد جاء ذلك المفهوم مصرحاً به في آيات من كتاب الله تعالى، منها قوله تعالى: {أية : لَّقَدْ رَضِيَ ٱللَّهُ عَنِ ٱلْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ ٱلشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأنزَلَ ٱلسَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً}تفسير : [الفتح: 18]، ومنها قوله تعالى: {أية : لَقَدْ نَصَرَكُمُ ٱللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئاً وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ ٱلأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ ثُمَّ أَنَزلَ ٱللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ وَعَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ وَأَنزَلَ جُنُوداً لَّمْ تَرَوْهَا وَعذَّبَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَذٰلِكَ جَزَآءُ ٱلْكَافِرِينَ}تفسير : [التوبة: 25-26]، فقد ولوا مدبرين بالهزيمة، ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين، وأنزلَ جنوداً من الملائكة فكان النَّصر لهم، وهزيمة أعدائهم المشار إليها بقوله تعالى: {وَعذَّبَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} أي بالقتل والسبي في ذلك اليوم. ومنها قوله تعالى: {أية : إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ ٱللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ثَانِيَ ٱثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي ٱلْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ ٱللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلسُّفْلَىٰ وَكَلِمَةُ ٱللَّهِ هِيَ ٱلْعُلْيَا وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ}تفسير : [التوبة: 40]. وهذا الموقف آية من آيات الله، اثنان أعزلان يتحديان قريشاً بكاملها، بعددها وعددها، فيخرجان تحت ظلال السيوف، ويدخلان الغار في سدفة الليل، ويأتي الطلب على فم الغار بقلوب حانقة، وسيوف مصلته، وآذان مرهفة حتى يقول الصديق رضي الله عنه: والله يا رسول الله لو نظر أحدهم تحت نعليه لأبصرنا، فيقول صلى الله عليه وسلم وهو في غاية الطمأنينة، ومنتهى السكينة "حديث : ما بالك باثنين الله ثالثهما " تفسير : ومنها، وفي أخطر المواقف في الإسلام، في غزوة بدر، حيثما التقى الحق بالباطل وجهاً لوجه، جاءت قوى الشر في خيلائها وبطرها وأشرها، وأمامها جند الله في تواضعهم وإيمانهم وضراعتهم إلى الله {أية : إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَٱسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِّنَ ٱلْمَلاۤئِكَةِ مُرْدِفِينَ وَمَا جَعَلَهُ ٱللَّهُ إِلاَّ بُشْرَىٰ وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا ٱلنَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ إِذْ يُغَشِّيكُمُ ٱلنُّعَاسَ أَمَنَةً مِّنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّن ٱلسَّمَآءِ مَآءً لِّيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ ٱلشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَىٰ قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ ٱلأَقْدَامَ}تفسير : [الأنفال: 9-11]. فما جعل الله الإمداد بالملائكة إلا لتطمئن به قلوبهم، وما غشاهم النعاس إلا أمنةً منه، وتم كل ذلك بما ربط على قلوبهم، فقاموا بقلتهم قوى الشر على كثرتهم، وتم النصر من عند الله بمدد من الله، كما ربط على قلوب أهل الكهف:{أية : وَرَبَطْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُواْ فَقَالُواْ رَبُّنَا رَبُّ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ لَن نَّدْعُوَاْ مِن دُونِهِ إِلـٰهاً لَّقَدْ قُلْنَا إِذاً شَطَطاً}تفسير : [الكهف: 14]. هذه آثار الطمأنينة والسكينة والربط على القلوب المدلول عليه بمفهوم المخالفة من قوله تعالى: {أية : فَأَتَاهُمُ ٱللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُواْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ ٱلرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي ٱلْمُؤْمِنِينَ}تفسير : [الحشر: 2]، وقد جمع الله تعالى الأمرين المنطوق والمفهوم في قوله تعالى: {أية : إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى ٱلْمَلاۤئِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُواْ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلرُّعْبَ}تفسير : [الأنفال: 12] فنص على الطمأنينة بالتثبيت في قوله:{فَثَبِّتُواْ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ}، ونص على الرعب في قوله: {سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلرُّعْب} فكانت الطمأنينة تثبيتاً للمؤمنين، والرعب زلزلة للكافرين. وقد جاء في الحديث أن جبريل عليه السلام. لما أمر النَّبي صلى الله عليه وسلم بالتوجه إلى بني قريظة، قال: "إني متقدمكم لأزلزل بهم الأقدام"، ومما يدل على أسباب هذه الطمأنينة في هذه المواقف قوله تعالى: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَٱثْبُتُواْ وَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ كَثِيراً لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَٱصْبِرُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلصَّابِرِينَ}تفسير : [الأنفال: 45-46]. فذكر الله تعالى أربعة أسباب للطمأنينة. الأولى: الثبات، وقد دل عليها قوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفّاً كَأَنَّهُم بُنْيَانٌ مَّرْصُوصٌ}تفسير : [الصف: 4]. والثانية: ذكر الله كثيراً، وقد دل عليها قوله تعالى:{أية : أَلاَ بِذِكْرِ ٱللَّهِ تَطْمَئِنُّ ٱلْقُلُوبُ}تفسير : [الرعد: 28]. والثالثة: طاعة الله ورسوله، ويدل لها قوله تعالى:{أية : فَإِذَآ أُنزِلَتْ سُورَةٌ مُّحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا ٱلْقِتَالُ رَأَيْتَ ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ ٱلْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ ٱلْمَوْتِ فَأَوْلَىٰ لَهُمْ طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَّعْرُوفٌ}تفسير : [محمد: 20-21]. والرابعة: عدم التنازع والاعتصام والألفة، ويدل عليها قوله تعالى:{أية : وَٱعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ ٱللَّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُواْ}تفسير : [آل عمران: 103]. ومن ذكر أسباب الهزيمة من رعب القلوب، وأسباب النصر من السكينة والطمأنينة، تعلم مدى تأثير الدعايات في الآونة الأخيرة. وما سمي بالحرب الباردة من كلام وإرجاف مما ينبغي الحذر منه أشد الحذر، وقد حذر الله تعالى منه في قوله تعالى:{أية : قَدْ يَعْلَمُ ٱللَّهُ ٱلْمُعَوِّقِينَ مِنكُمْ وَٱلْقَآئِلِينَ لإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا وَلاَ يَأْتُونَ ٱلْبَأْسَ إِلاَّ قَلِيلاً}تفسير : [الأحزاب: 18]: وقد حذر تعالى من السماع لهؤلاء في قوله تعالى:{أية : لَوْ خَرَجُواْ فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالاً ولأَوْضَعُواْ خِلاَلَكُمْ يَبْغُونَكُمُ ٱلْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِٱلظَّالِمِينَ}تفسير : [التوبة: 47]. ولما اشتد الأمر على المسلمين في غزوة الأحزاب، وبلغ الرسول صلى الله عليه وسلم أن اليهود نقضوا عهدهم، أرسل إليهم صلى الله عليه وسلم من يستطلع خبرهم، وأوصاهم إن هم رأوا غدراً ألا يصرحوا بذلك، وأن يلحنوا له لحناً حفاظاً على طمأنينة المسلمين، وإبعاداً للإرجاف في صفوفهم. كما بين تعالى أثر الدعاية الحسنة في قوله تعالى:{أية : وَأَعِدُّواْ لَهُمْ مَّا ٱسْتَطَعْتُمْ مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ ٱلْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ ٱللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ}تفسير : [الأنفال: 60] وقد كان بالفعل لخروج جيش أسامة بعد انتقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى، وعند تربص الأعراب - كان له الأثر الكبير في إحباط نوايا المتربصين بالمسلمين، وقالوا: ما أنفذوا هذا البعث إلا وعندهم الجيوش الكافية والقوة اللازمة. وما أجراه الله في غزوة بدر من هذا القبيل أكبر دليل عملي، إذ يقلل كل فريق في أعين الآخرين. كما قال تعالى:{أية : إِذْ يُرِيكَهُمُ ٱللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلاً وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيراً لَّفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي ٱلأَمْرِ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ سَلَّمَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ ٱلْتَقَيْتُمْ فِيۤ أَعْيُنِكُمْ قَلِيلاً وَيُقَلِّلُكُمْ فِيۤ أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ ٱللَّهُ أَمْراً كَانَ مَفْعُولاً وَإِلَى ٱللَّهِ تُرْجَعُ ٱلأُمُورُ}تفسير : [الأنفال: 43-44] وهذا كله مما ينبغي الاستفادة منه اليوم على العدو في قضية الإسلام والمسلمين.

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 2- هو الذى أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب - وهم يهود بنى النضير - من ديارهم عند أول إخراج لهم من جزيرة العرب. ما ظننتم - أيها المسلمون- أن يخرجوا من ديارهم لقوتهم، وظنوا - هم - أنهم مانعتهم حصونهم من بأس الله، فأخذهم الله من حيث لم يظنوا أن يؤخذوا من جهته، وألقى فى قلوبهم الفزع الشديد، يخربون بيوتهم بأيديهم ليتركوها خاوية، وأيدى المؤمنين ليقضوا على تحصنهم، فاتعظوا بما نزل بهم يا أصحاب العقول. 3- ولولا أن كتب الله عليهم الإخراج من ديارهم على هذه الصورة الكريمة لعذَّبهم فى الدنيا بما هو أشد من الإخراج، ولهم فى الآخرة - مع هذا الإخراج - عذاب النار. 4- ذلك الذى أصابهم فى الدنيا وما ينتظرهم فى الآخرة لأنهم عادوا الله ورسوله أشد العداء، ومن يُعَادِ الله هذا العداء فلن يفلت من عقابه، فإن الله شديد العقاب. 5- ما قطعتم - أيها المسلمون - من نخلة أو تركتموها باقية على ما كانت عليه فبأمر الله. لا حرج عليكم فيه، ليعز المؤمنين، وليهين الفاسقين المنحرفين عن شرائعه. 6- وما أفاء الله وردَّه على رسوله من أموال بنى النضير فما أسرعتم فى السير إليه بخيل ولا إبل، ولكن الله يُسلط على مَن يشاء من عباده بلا قتال، والله على كل شئ تام القدرة.

د. أسعد حومد

تفسير : {ٱلْكِتَابِ} {دِيَارِهِمْ} {فَأَتَاهُمُ} {يٰأُوْلِي} {ٱلأَبْصَارِ} (2) - كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم قَدْ صَالَحَ يَهُودَ بَنِي النَّضِيرِ فِي المَدِينَةِ عَلَى أَنْ لاَ يَكُونُوا عَلَيهِ وَلاَ لَهُ. فَلَمَّا أُصِيبَ المُسْلِمُونَ يَوْمَ أُحُدٍ، أَخَذَ اليَهُودُ فِي الدَّسِّ وَالوَقِيعَةِ، وَالتَّأْلِيب عَلَى المُسْلِمِينَ، وَذَهَبَ زَعِيمُهُمْ كَعْبُ بْنُ الأَشْرَفِ إِلَى مَكَّةَ فَحَالَفَ قُرَيْشاً وَاسْتَحَثّهَا عَلَى حَرْبِ الرَّسولِ صلى الله عليه وسلم والمُسْلِمِينَ، واسْتِئْصَالِ شَأْفَتِهِم، وَحَاوَلَ يَهُودُ بَنِي النَّضِيرِ قَتْلَ الرَّسُولِ بِطَرْحِ حَجَرٍ عَلَيْهِ مِنْ سَطْحِ أَحَدِ المَنَازِلِ، بَيْنَمَا كَانَ الرَّسُولُ يَجْلِسُ فِي ظِلّهِ. فَأَنْجَاهُ اللهُ مِنْ كَيْدِهِمْ، فَأَمَرَ الرَّسُولُ بِقَتْلِ كَعْبِ بْن الأَشْرَفِ فَقَتَلَهُ رَجُلٌ مِنَ المُسْلِمِينَ - هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ - غِيْلَةً. وَتَأَهَّبَ المُسْلِمُونَ وَسَارُوا لِقِتَالِ بَنِي النَّضِير. فَتَحَصَّنَ بَنُو النَّضيرِ فِي مَوَاقِعِهِمْ، وَاسْتَعَدُّوا لِلْحَرْبِ. وَدَسَّ المُنَافِقُونَ - وَعَلَى رَأْسِهِمْ عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيِّ بْنِ سَلُّولٍ - إِلَى بَنِي النَّضِيرِ - وَكَانَ حَلِيفاً لَهُمْ فِي الجَاهِلِيَّةِ - أَنْ لاَ يَخْرُجُوا مِنْ حُصُونِهِمْ، فَإِنْ قَاتَلَهُم المُسْلِمُونَ فَإِنَّ المُنَافِقِينَ سَيَنْضَمُّونَ إِلَيهِمْ فِي قِتَالِ المُسْلِمِينَ، وَإِنْ أَخْرَجَهُم المُسْلِمُونَ مِنْ دِيَارِهِمْ فَإِنَّهُمْ سَيَخْرُجُونَ مَعَهُمْ. وَجَاءَ المُسْلِمُونَ فَحَاصَرُوا بَنِي النَّضِيرِ إِحْدَى وَعِشْرِينَ لَيْلَةً، وَقَذَفَ اللهُ الرُّعْبَ فِي قُلُوبِهِمْ، وَيَئِسُوا مِنْ نَصْرِ المُنَافِقِينَ، فَطَلَبُوا الصُّلْحَ، فَأَبَى الرَّسُولُ إِلاَّ جَلاَءَهُمْ عَنِ المَدِينَةِ، عَلَى أَنْ يَحْمِلَ كُلُّ ثَلاَثَةِ أَبْيَاتٍ عَلَى بَعِيرٍ وَاحِدٍ مَا شَاؤُوا مِنْ مَتَاعِهِمْ فَجَلاَ أَكْثَرُهُمْ إِلَى الشَّامِ وَالحِيرَةِ. وَعَمَدَ اليَهُودُ إِلَى بُيُوتِهِمْ فَخَرَّبُوهَا لِكَيْلا يَنْتَفِعَ المُسْلِمُونَ بِهَا، وَعَمَدُوا إِلَى مَا لاَ يَسْتَطِيعُونَ نَقْلَهُ مِنْ أَثَاثِهِمْ فَدَمَّرُوهُ. وَكَانَ نَخْلُ بَنِي النَّضِيرِ لِرَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم خَاصَّةً أَعْطَاهُ اللهُ إِيَّاهُ وَخَصَّهُ بِهِ. وَيَقُصُّ اللهُ تَعَالَى فِي هَذِهِ السُّورَةِ قِصَّةَ بَنِي النَّضِيرِ، فَيَقُولُ تَعَالَى: إِنَّهُ هُوَ الذِي أَجْلَى بَنِي النَّضِيرِ عَنْ دِيَارِهِمْ، بِعِزَّتِهِ وَقُدْرَتِهِ، وَكَانَتْ هَذِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ حُشِرُوا فِيهَا وَأُخْرِجُوا مِنَ الجَزِيرَةِ العَرَبِيَّةِ، لَمْ يُصِبْهُمُ الذُّلُّ قَبْلَهَا، وَكَانَ آخِرُ حَشْرٍ لَهُمْ زَمَنَ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ حِينَ أَجْلاَهُمْ مِنْ خَيْبَرَ إِلَى الشَّامِ. وَكَانَ المُسْلِمُونَ لاَ يَظُنُّونَ أَنَّ هَؤُلاَءِ اليَهُودَ يُمْكِنُ أَنْ يُجْلَوا عَنِ المَدِينَةِ لِقُوَّتِهِمْ، وَشِدَّةِ بَأْسِهِمْ وَمَنَعَةِ حُصُونِهِمْ، وَكَثْرَةِ عَدَدِهِمْ وَكَانُوا هُمْ يَظُنُّونَ أَنَّ حُصُونَهُمْ سَتَمْنَعُهُمْ وَسَتَحْمِيهِمْ مِنْ أَنْ يُصِيبَهُمْ سُوءٌ مِنْ أَعْدَائِهِمْ، فَاطْمَأَنُّوا إِلَى تِلْكَ القُوَّةِ، وَشَرَعُوا فِي الدَّسِّ وَالكَيْدِ لِلرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم وَلِلمُسْلِمِينَ، فَجَاءَهُمْ بَأْسُ اللهِ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَتَوَقَّعُوا، وَلَمْ يَخْطُرْ لَهُمْ عَلَى بَالٍ. وَبَأْسُ اللهِ لاَ يُدْفَعُ وَلاَ يُردُّ إِذَا جَاءَ. وَقَدْ قَذَفَ اللهُ الرُّعْبَ فِي قَلُوبِهِمْ فَاسْتَوْلَى عَلَيْهَا الخَوْفُ وَالهَلَعُ حِينَ جَاءَ الرَّسُولُ وَالمُؤْمِنُونَ، فَلَمْ يَسْتَطِيعُوا المُقَاوَمَةَ بَعْدَ قَتْلِ رَئِيسِهِمْ كَعْبِ بْنِ الأَشْرَفِ، وَبَعْدَ أَنْ نَكَلَ عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيِّ بْنِ سَلُولٍ وَمَنْ مَعَهُ مِنْ المُنَافِقينَ عَنْ إِنْجَادِهِمْ، وَمَدِّ يَدِ العَوْنِ إِلَيْهِمْ، كَمَا وَعَدَهُمْ، وَأَخَذُوا، مِنْ شِدَّةِ مَا أَصَابَهُمْ مِنْ هَلَعٍ وَرُعْبٍ، يُخَرِّبُونَ بُيُوتَهُمْ، وَيُدَمِّرُونَ أَثَاثَهُمْ، لِكَيْلاَ يَنْتَفِعَ بِهِ المُسْلِمُونَ، وَكَانَ المُسْلِمُونَ يُدَمِّرُونَ بُيُوتَهُمْ عَلَيْهِمْ مِنْ خَارِجِهَا لِيَدْخُلُوهَا عَلَيْهِمْ، فَيَصِلُوا إِلَيهِمْ، وَيَتَمَكَّنُوا مِنْ قِتَالِهِمْ، فَاتَّعِظُوا يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ وَالبَصَائِرِ بِمَا جَرَى عَلَى هَؤُلاَءِِ، وَالعَاقِلُ مَنِ اتَّعَظَ بِغَيْرِهِ. الحَشْرُ - إِخْرَاجُ جَمْعٍ مِنَ النَّاسِ مِنْ مَكَانٍ إِلَى مَكَانٍ آخَرَ. قَذَفَ - أَلْقَى وَأَنْزَلَ إِنْزَالاً شَدِيداً. الذِينَ كَفَرُوا - هُمْ يَهُودُ بَنِي النَّضِيرِِ. لأَِوَّلِ الحَشْرِ - فِي أَوَّلِ إِخْرَاجٍ مِنَ الأَرْضِ.

همام الصنعاني

تفسير : 3184- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، في قوله تعالى: {مِن دِيَارِهِمْ لأَوَّلِ ٱلْحَشْرِ}: [الآية: 2]، قال: هم بنو النضير، قاتلهم النبي صلى الله عليه وسلم حتى صالحهم رسول الله صلى الله عليه وسلم عَلَى الجلاء، فأجلاهم إلى الشام وعَلَى أنَّ لهم ما أقلَّت الإبل من شيء إلا الحَلْقة، والحَلْقة: السلاح، وكانوا من سبط لم يصبهم جَلاَءٌ فيمَا خَلاَ، وكَانَ الله قد كتبَ عليهم الجلاء، ولولا ذلك عَذَّبهم في الدنيا بالقتل والسباء، وأما قوله: {لأَوَّلِ ٱلْحَشْرِ}: وكان جلاؤهم ذَلِكَ أوّل الحشر في الدنيا إلى الشَّامِ. 3185- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة قال: تجيء نَارٌ مِنْ مشرق الأرض تحشر الناسَ إلى مَغْرِبِهَا، تسوقهم سوق البرق الكَسِير، تبيت مَعَهُم إذا باتوا، وتقيل معهم إذا قالوا، وتأكل من تخلف منهم. 3186- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، في قوله تعالى: {يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ}: [الآية: 2]، قال: لَمَّا صالحوا النبي صلى الله عليه وسلم كان لا يعجبهم خشبة إلاَّ أخذُوهَا، فكان ذلك تخريبهم.؟ 3187- قال عبد الرزاق، وقال معمر، قال قتادة: وكَانَ المسْملِمُونَ يخربونَ ما يليهم من ظارها؛ لِيَدْخُلُوا عليهم، ويُخربها اليهود من دَاخِلِهَا.