Verse. 5129 (AR)

٥٩ - ٱلْحَشْر

59 - Al-Hashr (AR)

وَلَوْلَاۗ اَنْ كَتَبَ اللہُ عَلَيْہِمُ الْجَلَاۗءَ لَعَذَّبَہُمْ فِي الدُّنْيَا۝۰ۭ وَلَہُمْ فِي الْاٰخِرَۃِ عَذَابُ النَّارِ۝۳
Walawla an kataba Allahu AAalayhimu aljalaa laAAaththabahum fee alddunya walahum fee alakhirati AAathabu alnnari

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«ولولا أن كتب الله» قضى «عليهم الجلاء» الخروج من الوطن «لعذبهم في الدنيا» بالقتل والسبي كما فعل بقريظة من اليهود «ولهم في الآخرة عذاب النار».

3

Tafseer

الرازي

تفسير : معنى الجلاء في اللغة، الخروج من الوطن والتحول عنه، فإن قيل: أن {لَوْلاَ } تفيد انتفاء الشيء لثبوت غيره فيلزم من ثبوت الجلاء عدم التعذيب في الدنيا، لكن الجلاء نوع من أنواع التعذيب، فإذاً يلزم من ثبوت الجلاء عدمه وهو محال، قلنا معناه: ولولا أن كتب الله عليهم الجلاء لعذبهم في الدنيا بالقتل كمافعل بإخوانهم بني قريظة، وأما قوله: {وَلَهُمْ فِي ٱلأَخِرَةِ عَذَابُ ٱلنَّارِ } فهو كلام مبتدأ وغير معطوف على ما قبله، إذ لو كان معطوفاً على ما قبله لزم أن لا يوجد لما بينا، أن (لولا) تقتضي انتفاء الجزاء لحصول الشرط.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {وَلَوْلاَ أَن كَتَبَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمُ ٱلْجَلاَءَ} أي لولا أنه قضى أنه سَيُجْليهم عن دارهم، وأنهم يبقون مدة فيؤمن بعضهم ويولد لهم من يؤمن. {لَعَذَّبَهُمْ فِي ٱلدُّنْيَا} أي بالقتل والسَّبي كما فعل ببني قُريظة. والجلاء مفارقة الوطن؛ يقال: جَلاَ بنفسه جلاءً، وأجلاه غيره إجلاءً. والفرق بين الجلاء والإخراج وإن كان معناهما في الإبعاد واحداً من وجهين: أحدهما ـ أن الجلاء ما كان مع الأهل والولد، والإخراج قد يكون مع بقاء الأهل والولد. الثاني ـ أن الجلاء لا يكون إلا لجماعة، والإخراج يكون لواحد ولجماعة؛ قاله الماورديّ. قوله تعالى: {ذَلِكَ} أي ذلك الجلاء {بِأَنَّهُمْ شَآقُّواْ ٱللَّهَ} أي عادَوه وخالفوا أمره. {وَمَن يُشَآقِّ ٱللَّهَ} قرأ طلحة بن مُصَرِّفَ ومحمد بن السَّمَيْقَع «ومن يشاقق الله» بإظهار التضعيف كالتي في «الأنفال» وأدغم الباقون.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَلَوْلاَ أَن كَتَبَ ٱللَّهُ } قضى {عَلَيْهِمُ ٱلْجَلاَءَ } الخروج من الوطن {لَعَذَّبَهُمْ فِى ٱلدُّنْيَا } بالقتل والسبي كما فعل بقريظة من اليهود {وَلَهُمْ فِى ٱلأَخِرَةِ عَذَابُ ٱلنَّارِ }.

ابن عطية

تفسير : أخبر الله تعالى في هذه الآية أنه كتب على بني إسرائيل جلاء، وكانت بنو النضير ممن حل بالحجاز بعد موت موسى عليه السلام بيسير، لأنهم كانوا من الجيش الذي رجع وقد عصوا في أن لم يقتلوا الغلام ابن ملك العماليق لجماله وعقله، وقد كان موسى عليه السلام قال لهم لا تستحيوا أحداً، فلما رجع ذلك الجيش إلى بني إسرائيل بالشام وجدوا موسى ميتاً، وقال لهم بنو إسرائيل أنتم عصاة والله لا دخلتم علينا بلادنا، فقال أهل ذلك الجيش عند ذلك ليس لنا أحب من البلاد التي غلبنا أهلها، فانصرفوا إلى الحجاز، فكانوا فيه فلم يجر عليهم الجلاء الذي أجراه بختنصر على أهل الشام، وقد كان الله تعالى كتب في الأزل على بني إسرائيل جلاء فنالهم هذا {الجلاء} على يدي محمد صلى الله عليه وسلم، ولولا ذلك {لعذبهم} الله {في الدنيا} بالسيف والقتل كأهل بدر وغيرهم. ويقال: جلا الرجل وأجلاه غيره، وقد يقال: أجلى الرجل نفسه بمعنى جلا، والمشاقة كون الإنسان في شق ومخالفه في شق، وقوله: {ما قطعتم من لينة} سببها أن بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وضعوا أيديهم في نخل بني النضير يقطعون ويحرقون، فقال بنو النضير: ما هذا الإفساد يا محمد وأنت تنهى عن الفساد فكف عن ذلك بعض الصحابة وذلك في صدر الحرب معهم، فنزلت الآية معلمة أن جميع ما جرى من قطع أو إمساك {فبإذن الله}، وردت الآية على قول بني النضير، إن محمداً ينهى عن الفساد وها هو ذا يفسد فأعلم الله تعالى أن ذلك بإذنه {ليخزي به الفاسقين} من بني النضير، واختلف الناس في اللينة، فقال الحسن ومجاهد وابن زيد وعمرو بن ميمون: اللينة النخلة اسمان بمعنى واحد وجمعها لين وليان، قال الشاعر [امرؤ القيس]: [المتقارب] شعر : وسالفة كسحوق الليان أضرم فيها الغوي السعر تفسير : وقال الآخر [ذو الرمة]: شعر : طراق الخوافي واقع فوق لينة ندى ليله في ريشه يترقرق تفسير : وقال ابن عباس وجماعة من اللغويين: اللينة من النخل ما لم يكن عجوة. وقال سفيان بن سعيد الثوري: اللينة الكريمة من النخل، وقال أبو عبيدة فيما روي عنه وسفيان: اللينة: ما تمرها لون وهو نوع من التمر، يقال له اللون، قال سفيان، هو شديد الصفرة يشف عن نواة من التمر فيرى من خارج وأصلها لونة فأبدلت لموافقة الكسرة، وقال أيضاً أبو عبيدة اللين: ألوان النخل المختلطة التي ليس فيها عجوة ولا برني. وقرأ ابن مسعود والأعمش: "أو تركتموها قوماء على أصولها"، وقوله تعالى: {وما أفاء الله على رسوله منهم} الآية. إعلام إنما أخذ لبني النضير ومن فدك فهو خاص للنبي صلى الله عليه وسلم وليس على حكم الغنيمة التي يوجف عليها ويقاتل فيها بل على حكم خمس الغنائم، وذلك أن بني النضير لم يوجف عليها، ولا قوتلت كبير قتال، فأخذ منها رسول الله صلى الله عليه وسلم لنفسه قوت عياله وقسم سائرها في المهاجرين، ولم يعط منها الأنصار شيئاً، غير أن أبا دجانة سماك بن خرشة وسهل بن حنيف شكيا عظيمة فأعطاهما، هذا قول جماعة من العلماء، وفي ذلك قول عمر بن الخطاب: كانت أموال بني النضير مما أفاء الله عليه مما لم يوجف عليه المسلمون بـ {خيل ولا ركاب} فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينفق منها على أهله نفقة سنة وما بقي منها جعله في السلاح والكراع عدة في سبيل الله. قال بعض العلماء: وكذلك كل ما فتح على الأئمة مما لم يوجف عليه فهو لهم خاصة والوجيف: دون التضريب، يقال وجف الفرس وأوجفه الراكب والإيجاف: سرعة السير والاجتهاد فيه.

ابن عبد السلام

تفسير : {الْجَلاءَ} القتل لعذبهم في الدنيا بالسَّبى أو الإخراج من المنازل لعذبهم بالقتل أو الجلاء ما كان مع الأهل والولد بخلاف الإخراج فقد يكون مع بقائهما والجلاء لا يكون إلا لجماعة والإخراج قد يكون لواحد.

الخازن

تفسير : {ولولا أن كتب الله عليهم الجلاء} يعني الخروج من الوطن {لعذبهم في الدنيا} يعني بالقتل والسبي كما فعل ببني قريظة {ولهم في الآخرة عذاب النار ذلك} أي الذي لحقهم ونزل بهم {بأنهم شاقوا الله ورسوله} أي خالفوا الله ورسوله {ومن يشاقِّ الله فإن الله شديد العقاب} قوله تعالى: {ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على أصولها فبإذن الله} الآية وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم لما نزل ببني النضير وتحصنوا بحصونهم أمر بقطع نخيلهم وأحرقها فجزع أعداء الله عند ذلك وقالوا يا محمد زعمت أنك تريد الصلاح أفمن الصلاح عقر الشجر وقطع النخل وهل وجدت فيما زعمت أنه أنزل عليك الفساد في الأرض فوجد المسلمون في أنفسهم من قولهم وخشوا أن يكون ذلك فساداً. واختلفوا في ذلك فقال بعضهم لا تقطعوا فإنه مما أفاء الله علينا وقال بعضهم بل نغيظهم بقطعه فأنزل الله هذه الآية بتصديق من نهى عن قطعه وتحليل من قطعه من الإثم وأن ذلك كان بإذن الله تعالى (ق) عن ابن عمر قال: حرق رسول الله صلى الله عليه وسلم نخل بني النضير وقطع وهي البويرة فنزل {ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على أصولها فبإذن الله وليخزي الفاسقين} البويرة اسم موضع لبني النضير وفي ذلك يقول حسان بن ثابت: شعر : وهان على سراة بني لؤيّ حريق بالبويرة مستطير تفسير : قال ابن عباس النخل كلها لينة ما خلا العجوة وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقطع نخلهم إلا العجوة، وأهل المدينة يسمون ما خلا العجوة من التمر الألوان وقيل النخل كلها لينة إلا العجوة والبرنية وقيل اللينة النخل كلها من غير استئناف وقال ابن عباس في رواية أخرى عنه هي لون من النخل وقيل كرام النخل وقيل هي ضرب من النخل يقال لتمرها اللون وهو شديد الصفرة ويرى نواه من خارج يغيب فيه الضرس وكان من أجود تمرهم وأعجبه إليهم وكانت النخلة الواحدة ثمنها ثمن وصيف وأحب إليهم من وصيف فلما رأوهم يقطعونها شق عليهم ذلك وقالوا للمؤمنين إنكم تكرهون الفساد وأنتم تفسدون دعوا هذا النخل قائماً هو لمن غلب عليه فأخبر الله أن قطعها كان بإذنه، {وليخزي الفاسقين} يعني اليهود والمعنى ولأجل إخزاء اليهود أذن الله في قطعها احتج العلماء بهذه الآية على أن حصون الكفار وديارهم لا بأس أن تهدم وتحرق وترمى بالمجانيق وكذلك قطع أشجارهم ونحوها.

البقاعي

تفسير : ولما دل هذا على غاية الوهن منهم فكان موضع التعجب من الكف عن قتلهم، بين أن السبب في ذلك أمره الباهر وعزه القاهر حثاً على ما ختم به الآية السابقة من الاعتبار والتدبر والاستبصار فقال: {ولولا أن كتب الله} أي فرض فرضاً حتماً الملك الذي له الأمر كله، ودل على أنه كتب إذلالاً وإخزاء بقوله: {عليهم} أي بخصوصهم فيما كتب على بني إسرائيل في الأزل كما كتب على بني قينقاع {الجلاء} أي الخروج من ديارهم والجولان في الأرض، فأما معظمهم فأجلاهم بخت نصر من بلاد الشام إلى العراق، وأما هؤلاء فحماهم الله بمهاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذلك الجلاء وجعله على يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأجلاهم فذهب بعضهم إلى خيبر وبعضهم إلى الشام مرة بعد مرة {لعذبهم في الدنيا} أي بالسيف كما سيفعل بأحوالهم من بني قريظة الذين كتب عليهم العذاب دون الجلاء من قتل المقاتلة وسبي الذرية، فإنه تعالى قد قضى قضاء حتماً أنه يطهر المدينة بلد الوحي منهم. ولما كان التقدير: ولكنه كتب عليهم ذلك فهو عذابهم الآن في الدنيا لا محالة وإن اجتمع أهل الأرض على نصرهم، عطف عليه قوله على طريق التهكم بالتعبير بأداة النفع: {ولهم} أي على كل حال أجلوا أو تركوا {في الآخرة} التي هي دار البقاء {عذاب النار *} وهو العذاب الأكبر. ولما أخبر بما نالهم في الدنيا وينالهم في الآخرة، علله بقوله: {ذلك} أي الأمر العظيم الذي فعله بهم من الجلاء ومقدماته في الدنيا ويفعله بهم في الآخرة {بأنهم} ولما كانوا قد ضموا فى هذه القضية إلى ما كانوا عليه من الكفر الظاهر كفراً باطناً بما أرادوا من إلقاء الرحى وغيره من الأذى مكراً منهم، أدغم في قوله: {شاقوا الله} أي الملك الأعلى الذي له الإحاطة التامة، فكانوا في شق غير شقه بأن صاروا في شق الأعداء المحاربين بعد ما كانوا في شق الموادعين. ولما جارى رسول الله صلى الله عليه وسلم إخفاءهم لما أرادوا أن يفعلوا به بالإخفاء لخلاصه منهم بأن رجع إلى المدينة الشريفة وترك أصحابه رضي الله عنهم عندهم قال: {ورسوله} الذي إجلاله من إجلاله. ولما أخبر بفعله وبسببه، عطف عليه تأكيداً لمضمونه وإفاده لأنه يفعل في غيرهم ممن كان على أمرهم أعظم من فعلهم فقال: {ومن يشاق الله} أي يوقع في الباطن مشاققة الملك الأعلى الذي لا كفوء له في الحال أو الماضي أو الاستقبال سواء أبطن معها مشاققة أخرى أو لا، وترك الإدغام على حاله لأنهم ما أظهروا معاداة وإنما كان ما فعلوا مكراً ومساترة، وذلك أخف من المجاهرة، وأظهر في الأنفال لقوة أمر المجاهرين كما مضى، ولم يعد ذكر الرسول تفخيماً له بإفهام أن مشاققته مشاققة لله من غير مثنوية أصلاً، وإشارة إلى أنهم بالغوا في إخفاء مشاققتهم، فلم يظهر عليها غير الله، فلم يحصل منهم في ذلك مفاعلة بينهم وبين الرسول صلى الله عليه وسلم فإنه لم يمكر بهم، وإنما جاهرهم حين أعلمه الله بمكرهم بخلاف ما تقدم في الأنفال، فإن المقام اقتضى هناك الذكر لأنهم مكروا به كما قال تعالى{أية : وإذ يمكر بك الذين كفروا} تفسير : [الأنفال: 30] الآية وهو صلى الله عليه وسلم أخفى أمر هجرته وأعمل الحيلة في الخلاص من مكرهم على حسب ما أمره الله به فحصلت المفاعلة في تحيز كل من الفريقين إلى شق غير شق الآخرة خفية {فإن الله} أي المحيط بجميع العظمة يشدد عقابه له لأنه {شديد العقاب *} وذلك كما فعل ببني قريظة بعد هذا حيث نقضوا عهدهم وأظهروا المشاققة في غزوة الأحزاب وكما فعل أهل خيبر، وكانوا يماكرون ويساترون في الأولى عند فتحها وفي الثانية عند إجلائهم منها، فقد سوى بين المساترين والمجاهرين في العذاب وهو للمجاهرين أشد عذاباً كما هو واضح. ولما دل سبحانه على عزته وحكمته بما فعل ببني النضير الذين يقولون إنهم أشجع الناس وأشدهم شكيمة بما لهم من الأصالة والاصطفاء على العالمين، مع التأييد بالكتاب والحكمة، وختم بأن من شاق رسوله فقد شاقه، ومن شاقه فقد شدد عقابه، أتبعه بيان ما عاقبهم به من قطع الصحابة رضي الله عنهم بأمر النبي صلى الله عليه وسلم لنخلهم الذي هو أعز عليهم من أبكارهم وهم ينظرون إليه لا يغنون شيئاً ولا منعة لديهم فقال: {ما} وهي شرطية وأتبعها بشرطها الناصب لها فقال: {قطعتم} أي كل ما قطعتموه، وبين ما في "ما" من الإبهام بقوله معبراً عن النخل، بما يفيد نوعه وأنه هان عليهم القطع ولان: {من لينة} وهي ضرب من النخل، قال ابن إسحاق: هو ما خالف العجوة من النخل، وقال ابن هشام: اللينة من الألوان، وهي ما لم يكن برنية ولا عجوة من النخل فيما حدثني أبو عبيدة - انتهى. وقال صاحب القاموس اللون: الدقل من النخل، وهي جماعة واحدتها لونه ولينة، قال المهدوي: وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما أيضاً أنها لون من النخل، وقال البغوي: ورواية زاذان عن ابن عباس رضي الله عنه قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يقطع نخلهم إلا العجوة. وأهل المدينة يسمون ما خلا العجوة من التمر الألوان واحدها لون ولينة، وقال عطية والحسن ومجاهد وابن زيد وعمرو بن ميمون: اللينة: النخلة، اسمان بمعنى واحد، وجمعها لين وليان، وقال سفيان الثوري: اللينة ما تمرها لون وهو نوع من التمر شديد الصفرة يشف عن نواة فيرى من خارج، قال البغوي: يغيب فيها الضرس، وكان من أجود تمرهم وأعجبها إليهم، وكانت النخلة الواحدة ثمنها ثمن وصيف أحب إليهم من وصيف، فلما رأوهم يقطعونها شق عليهم وقالوا للمؤمنين: إنكم تكرهون الفساد وأنتم تفسدون، دعوا هذه النخلة، فإنما هي لمن غلب عليها، وقال الرازي في اللوامع واختلاف الألوان فيها ظاهر لأنها أول حالها بيضاء كصدف مليء درّاً منضداً، ثم غبراء ثم خضراء كأنها قطع زبرجد خلق فيها الماء ثم حمراء كأنها ياقوت رص بعضه ببعض ثم صفراء كأنها شذو عقيان، ولذلك إذا بلغ الإرطاب نصفها سميت مجزعة لاختلاف ألوانها الجزع الظفاري. ولما كان ما فسر بمؤنث هو اللينة، أعاد الضمير مؤنثاً فقال: {أو تركتموها} ولما كان الترك يصدق ببقائها مغروسة أو مقطوعة قال: {قائمة} ولما كان المراد نخيلاً كثيرة لإرادة الجنس قال: {على أصولها} بجمع الكثرة {فبإذن الله} أي فقطعها بتمكين الملك الأعظم ورضاه، قال القشيري: وفي هذا دليل على أن الشريعة غير معللة وإذا جاء الأمر الشرعي بطل طلب التعليل وسكتت الألسنة عن التقاضي بـ"لِمَ" وحضور الاعتراض والاستقباح بالبال خروج عن حد العرفان. ولما فطم عن طلب العلل خطاباً للكمل، طيب قلوب من دونهم بعلة معطوفة على ما تقديره: فليس ذلك بفساد ولكنه صلاح أذن لكم فيه ليشفي به صدور المؤمنين ويذهب غيظ قلوبهم، فقال واضعاً موضع ضميرهم ظاهراً يدل على ما أوجب خزيهم: {وليخزي الفاسقين *} الذين هم أصلاء في المروق من دائرة الحق بأن يذلهم ويفضحهم ببيان كذبهم في دعواهم العز والشجاعة والتأييد من الله لأنهم على الدين الحق وأنه لا يتطرق إليه نسخ، وروى أبو يعلى عن جابر رضي الله عنه أنه قال: رخص لهم في قطع النخل ثم شدد عليهم فأتوا النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا رسول الله! علينا إثم فيما قطعنا أو علينا فيما تركنا، فأنزل الله الآية - انتهى وكان ناس من المؤمنين مالوا إلى الكف عن القطع لما سموه اليهود فساداً وطائفة أشاروا بالاستمرار على القطع لأنه يغيظهم، فصوب سبحانه في الآية من أمر بالكف وحلل من أشاروا بالاستمرار بالقطع من الإثم، فدلت الآية على جواز إفساد أموال أهل الحرب على أي حال كان مثمراً كان أو لا بالتحريق والتغريق والهدم وغيره لإخزائهم بذلك.

ابو السعود

تفسير : {وَلَوْلاَ أَن كَتَبَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمُ ٱلْجَلاَء} أي الخروجَ عن أوطانِهِم على ذلك الوجهِ الفظيعِ {لَعَذَّبَهُمْ فِى ٱلدُّنْيَا} بالقتلِ والسَّبـي كما فعلَ ببني قريظة {وَلَهُمْ فِى ٱلآخِرَةِ عَذَابُ ٱلنَّارِ} استئنافٌ غيرُ متعلقٍ بجوابِ لولا جيءَ به لبـيانِ أنَّهُم إنْ نجَوا من عذابِ الدُّنيا بكتابةِ الجلاءِ لا نجاةَ لهم منْ عذابِ الآخرةِ {ذٰلِكَ} أي ما حاقَ بهم وما سيحيقُ {بِأَنَّهُمْ} بسببِ أنهم {شَاقُّواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ} وفعلُوا ما فعلُوا مما حُكَي عنهُم من القبائحِ {وَمَن يُشَاقّ ٱللَّهَ} وقُرِىءَ يشاققِ الله كما في الأنفالِ والاقتصارُ على ذكرِ مشاقَّتِهِ تعالى لتضمُّنِها لمشاقَّتِهِ عليهِ الصلاةُ والسلامُ وليوافقَ قولَهُ تعالى {فَإِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ} وهو إمَّا نفسُ الجزاءِ قد حُذِفَ منه العائدُ إلى عندِ منْ يلتزمُهُ أي شديدُ العقابِ له أو تعليلٌ للجزاءِ المحذوفِ أي يعاقبُهُ الله فإنَّ الله شديدُ العقابِ وأيَّاً مَا كانَ فالشرطيةُ تكملةٌ لما قبلها وتقريرٌ لمضمونِهِ وتحقيقٌ للسببـيةِ بالطريقِ البرهانيِّ كأنه قيلَ ذلك الذي حاقَ بهم من العقابِ العاجلِ والآجلِ بسببِ مشاقَّتِهِم لله تعالى ورسولِهِ، وكلُّ من يشاقَّ الله كائناً مَنْ كان فلهُ بسببِ ذلكَ عقابٌ شديدٌ فإذنْ لهم عقابٌ شديدٌ {مَا قَطَعْتُمْ مّن لّينَةٍ} أيْ أيُّ شيءٍ قطعتُمْ من نخلةٍ وهي فِعْلَةٌ من اللَّوْنِ وياؤُهَا مقلوبةٌ من واوٍ لكسرةِ مَا قَبْلها كَدِيمةٍ وتجمعُ على ألوانٍ وقيلَ من اللينِ وتجمعُ على لِينٍ وهيَ النخلةُ الكريمةُ {أَوْ تَرَكْتُمُوهَا} الضميرُ لِمَا وتأنيثُهُ لتفسيرِهِ باللينةِ كما في قولِهِ تعالى: { أية : مَّا يَفْتَحِ ٱللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلاَ مُمْسِكَ لَهَا} تفسير : [سورة فاطر، الآية 2] {قَائِمَةً عَلَىٰ أُصُولِهَا} كما كانتْ منْ غيرِ أنْ تتعرضُوا لها بشيءٍ مَا. وقُرِىءَ عَلى أُصُلِهَا إما على الاكتفاءِ من الواوِ بالضمِّ أو على أنه جمعٌ كرُهُنٍ، وقُرِىءَ قائماً على أصُولِهِ ذهاباً إلى لفظِ مَا {فَبِإِذْنِ ٱللَّهِ} فذاكَ أي قطعُهَا وتركُهَا بأمرِ الله تعالى: {وَلِيُخْزِىَ ٱلْفَـٰسِقِينَ} أي وليذلَّ اليهودَ ويغيظَهُمْ أَذِنَ في قطعِهَا وتركِهَا لأنهُم إذا رأَوا المؤمنينَ يتحكمونَ في أموالِهِمْ كيفَ أحبُّوا ويتصرفونَ فيها حسبما شاؤوا من القطعِ والتركِ يزدادونَ غيظاً ويتضاعفونَ حسرةً واستُدلَّ بهِ على جوازِ هدمِ ديارِ الكفرةِ وقطعِ أشجارِهِم وإحراقِ زروعِهِم زيادةً لغيظِهِم. وتخصيصُ اللينةِ بالقطعِ إنْ كانت من الألوانِ لاستبقاءِ العجوةِ والبَرْنيةِ اللتينِ هما كرامُ النخيلِ وإن كانتْ هي الكرامَ ليكونَ غيظُهُم أشدَّ.

القشيري

تفسير : قوله جل ذكره: {وَلَوْلاَ أَن كَتَبَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمُ ٱلْجَلاَءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي ٱلدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي ٱلآخِرَةِ عَذَابُ ٱلنَّارِ}. لولا أن قضى اللَّهُ عليهم أن يخرجوا لعذَّبهم اللَّهُ بالقتل والاستئصال، ثم في الآخرة لهم عذابُ النار. {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَآقُّواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَن يُشَآقِّ ٱللَّهَ فَإِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ}. ذلك بأنهم خالفوا أمرَ الله. والمشاقّة أن يتحول المرء إلى شِقٍّ آخر. فالعاصي إذا انتقل من المطيعين إلى العاصين فقد شاقَّ الله، ولِمَنْ شاقَّ الله عذابُ النار.

اسماعيل حقي

تفسير : {ولولا ان كتب الله} حكم {عليهم} اى على بنى النضير {الجلاء} اى الخروج من اوطانهم على ذلك الوجه الفظيع وقد سبق الكلام فى الجلاء ولولا امتناعية وما بعدها مبتدأ فان أن مخففة من الثقيلة اسمها ضمير الشأن المقدر اى ولولا أنه وكتب الله خبرها والجملة فى محل الرفع بالابتدآء بمعنى ولولا كتاب الله عليهم الجلاء واقع فى علمه او فى لوحه {لعذبهم فى الدنيا} بالقتل والسبى كما فعل ببنى قريظة من اليهود قال بعضهم لما استحقوا بجرمهم العظيم قهرا عظيما اخذوا بالجلاء الذى جعل عديلا لقتل النفس لقوله تعالى {أية : ولو أنا كتبنا عليهم ان اقتلوا انفسكم او اخرجوا من دياركم مافعلوه الا قليل منهم}تفسير : مع ان فيه احتمال ايمان بعضهم بعد مدة وايمان من يتولد منهم {ولهم فى الآخرة عذاب النار} استئناف غير متعلق بجواب لولا اذ لو كان معطوفا عليه لزم أن ينجوا من عذاب الآخرة ايضا لان لولا تقتضى انتفاء الجزآء لحصول الشرط وانما جيىء به لبيان انهم ان نجوا من عذاب الدنيا بكتابة الجلاء لانجاة لهم من عذاب الآخرة يقول الفقير لايلزم من نجاتهم من عذاب الدنيا أن لايكون جلاؤهم من قبيل العذاب وانما لم يكن منه بالنسبة الى عذاب الاستئصال والوجه فى جلائهم انهم قصدوا قتل النبى عليه السلام وقتله شر من ألف قتل فأخذوا بالجلاء ليموتوا كل يوم ألف مرة لان انقطاع النفس عن مألوفاتها بمنزلة موتها فجاء الجزآء من جنس العمل قال بعض أهل الاشارة ولولا ان كتب الله على يهودى النفس ونصرانى الهوى جلاء الانسلاخ من ديار وجوداتهم لعذبهم فى طلب الدنيا ومحبتها ولهم فى آخر الامر عذاب نار القطيعة عن مألوفاتهم الطبيعية ومستحسناتهم الحسية

الجنابذي

تفسير : {وَلَوْلاَ أَن كَتَبَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمُ ٱلْجَلاَءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي ٱلدُّنْيَا} مثل بنى قريظة {وَلَهُمْ فِي ٱلآخِرَةِ عَذَابُ ٱلنَّارِ} يعنى انّ عذاب النّار ثابت لهم فى الآخرة وان لم يعذّبوا فى الدّنيا

الأعقم

تفسير : {ولولا أن كتب الله عليهم الجلاء} واقتضته الحكمة {لعذّبهم في الدنيا} بالقتل كما فعل بإخوانهم بني قريظة {ولهم في الآخرة عذاب النار} يعني إن نجوا من الدنيا لم ينجوا من عذاب الآخرة {ذلك بأنهم شاقوا الله} أي خالفوه {ومن يشاق الله فإن الله شديد العقاب} {ما قطعتم من لينة} قيل: أمر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بقطع نخلهم فقالت اليهود: زعمت يا محمد إنك تريد الصلاح أفمن الصلاح قطع النخل فترك بعضه وقطع بعض، وقيل: قالوا: دعوه فإنه لمن غلب فتركه من لينة، قيل: هو من أنواع النخل سمي بذلك للين تمرها {أو تركتموها قائمة على أصولها} فلم تقطعوها {فبإذن الله} فبأمره {وليخزي الفاسقين} قيل: لما خرج بنو النضير من ديارهم سأله المسلمون قيمة أموالهم فنزلت الآية، وجعل لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يحكم فيه بما شاء، وقيل: لما فتح رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بني النضير جمع الأنصار واعتدالهم بحسن فعالهم مع المهاجرين، ثم قال: إن شئتم قسمتم بينكم والمهاجرين في بيوتكم كما كانوا وإن شئتم خصصتم بها المهاجرين وتخرجوا من بيوتكم فنادوا كلهم من كل جانب ان أقسمها بينهم ويكونوا في بيوتنا كما كانوا، ثم بيَّن تعالى حال أموال بني النضير وحال الفيء وكيفية قسمه فقال سبحانه: {وما أفاء الله على رسوله من أهل القرى} أي مما يرجع إليهم من مال بني النضير {فما أوجفتم} أي ما وضعتم عليه {من خيل ولا ركاب} وهي الإِبل التي ركبتها الرجال يعني لم يكن بقتال ولا بتكليف مشقة ولا مؤنة وإنما صارت للمسلمين بما أوقع الله في قلوبهم من الرعب فخرجوا وتركوا أموالهم، وقيل: لم يحاربوا ولكن فتحها رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) صلحاً وأجلاهم {ولكن الله يسلط رسله على من يشاء والله على كل شيء قدير} ثمَّ بيَّن لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ما يصنع بما أفاء الله عليه وأمره أن يضعه حيث يضع الخمس من الغنائم مقسوماً على الأقسام الخمسة قال سبحانه: {ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فللّه وللرسول} الآية {كيلا يكون دولة بين الأغنياء منكم} أي كيلا يكون الفيء الذي حقه أن يعطى الفقراء بين الأغنياء يتكاثرون به، أو كيلا يكون دولة جاهلية بينهم، ومعنى الدولة الجاهلية، واختلفوا في الآيتين فقيل: المراد بالأولى ما فتح صلحاً وفي الثانية خمس الغنائم عن أبي علي، وقيل: بل المراد بالأولى الفيء بيَّن في الآية الأولى أن حكم ذلك إلى رسول الله يقسم كما شاء، ولذلك كان ينفق على نفسه وعياله ووجوه البر والكراع وغير ذلك، ثم بيَّن في هذه الآية مصرف من تجوز صدقته إليه ومن دفعه إليهم لا يجوز، والمراد بالآيتين ما فتحه صلحاً وصار فتح المسلمين بغير قتال {فللّه} قيل: جميع الأشياء إليه وذكر اسمه للتبرك، وقيل: بل السهم المضاف إليه يصرف إلى أعمال البر {وللرسول} فكأن له سهم سقط بموته، وقيل: بل يصرف إلى الخليفة {ولذي القربى} يعني قرابة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ولا خلاف أنهم كان لهم سهم، فالذي رواه الهادي (عليه السلام) يدفع اليهم يستوي فيه الغني والفقير من كان منهم على الحق {للفقراء المهاجرين} يعني الفيء الذي يكون يمنع أن يكون دولة بين الأغنياء إنما هو للفقراء المهاجرين الذين هاجروا إلى المدينة الذين أخرجوا فبقوا في المدينة غرباء فقال: {يبتغون فضلاً من الله} يطلبوا بما فعلوا رضى الله {وينصرون الله} أي دين الله {ورسوله أولئك هم الصادقون} في إيمانهم ثم ثنى بالأنصار فقال: {والذين تبوّءو الدار والإيمان} قيل: فرعوا ديارهم للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، وقيل: تمكنوا وسكنوا في الدار يعني المدنية لأنهم أسلموا قبل مجيء رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى المدينة فصارت المدينة دار إيمان ودار هجرة وأثبتوا المساجد {من قبلهم} أي من قبل قدوم المهاجرين وأسكنوهم دورهم {يحبّون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا} قيل: لا يجدون في قلوبهم حسداً مما أعطي المهاجرون، وروي أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قسم أموال بني النضير على المهاجرين ولم يعط الأنصار إلا ثلاثة نفر محتاجين، وقوله تعالى: {ويؤثرون على أنفسهم} الآية نزلت في الأنصار وأبروا المهاجرين في الفيء، وقيل: نزلت في بيت من الأنصار كان لهم رأس غنم مشوي فاهدوه إلى غيرهم وقالوا: هم أحوج إليه، فبعث الثاني إلى الثالث والثالث إلى الرابع حتى تداول بين سبعة أنفس، وقيل: نزلت في سبعة عطشوا يوم أحد فأتي بما لا يكفي إلا واحد منهم فقال: ناول فلاناً حتى طيف بالماء على جملتهم، وماتوا ولم يشرب منهم أحدٌ، وقيل: نزلت في رجل أضاف عنده رجل وليس عنده إلا قوته وعياله فقدمه فأثنى الله عليه {ومن يوق شح نفسه} أي بخل نفسه {فأولئك هم المفلحون} ثم ثلث بالتابعين فقال سبحانه: {والذين جاؤوا من بعدهم} قيل: من أسلم في أيام الرسول، وقيل: هم التابعون بإحسان إلى يوم القيامة، ثم وصفهم فقال سبحانه: {يقولون ربنا اغفر لنا ولأِخواننا الذين سبقونا بالإِيمان ولا تجعل في قلوبنا غلاً} قيل: غشاً، وقيل: خيانة سألوا الله أن يزيل ذلك.

الهواري

تفسير : قال تعالى: {وَلَوْلآ أَن كَتَبَ اللهُ عَلَيْهِمُ الْجَلآءَ} أي: ولولا حكمِ الله بالجلاء، أي: بالخروجِ إلى الشام {لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا} أي: بالقتل والسباء {وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابُ النَّارِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّواْ اللهَ وَرَسُولَهُ} أي: فارقوا الله ورسوله {وَمَن يُّشَآقِّ اللهَ فَإِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ}. قوله: {مَا قَطَعْتُم مِّن لِّينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَآئِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللهِ} أي: إن الله أذن لكم في ذلِكَ فجعل ذلك إليكم: أن تقطعوا إن شئتم وأن تتركوا إن شئتم. قال تعالى: {وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ}. ذكروا عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حرّق نخل بني النضير وترك العجوة وهي التي يقول فيها الشاعر: شعر : وَهَانَ عَلَى سَرَاةِ بَنِي لُؤَيّ حَرِيقٌ بِالْبُوَيْرَةِ مُسْتَطِيرٌ تفسير : ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عقد يومئذ من صنوف النخل غير العجوة وترك العجوة. ذكروا عن عكرمة أنه قال: كل ما كان دون العجوة من النخل فهو لينة. وتفسير مجاهد أن المهاجرين وقعوا في النخل، فنهاهم بعضهم عن قطع النخل وقالوا: إنما هي مغانم للمسليمن. وقال الذين قطعوا: بل هي غيظ للعدو، فأنزل الله تصديق من نهى عن قطعه و [تحليل] من قطعه من الإِثم [وإنما قطعه وتركه بإذنه]. ذكروا عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : العجوة من الجنة، وهي شفاء من السم .

اطفيش

تفسير : {وَلَوْلا أَن كَتَبَ اللهُ} قضى {عَلَيْهِمُ الجَلآءَ} الخروج عن أوطانهم {لَعَذَّبَهُمْ فِى الدُّنْيَا} بالقتل والسبي كما فعل بقريضة والجلاء اشق عليهم من القتل والسبي وطهر الله المؤمنين وبلادهم منهم واراحهم وعن بعضهم: ان رسول الله صلى الله عليه وسلم وعد المسلمين ان يرثوا ارضهم ولما لهم بلا قتال فكان كذلك قد قضى الله بجلائهم بلا قتال فليعتبروا اولو الابصار. {وَلَهُمْ فِى الأَخِرَةِ عَذَابُ النَّارِ} ولو سلموا من عذاب الدنيا بل لم يسلموا منه فان الجلاء عذاب والجملة مستأنفة.

اطفيش

تفسير : {وَلَوْلاَ أن كَتَبَ اللهُ عَلَيْهِمُ} قضى الله وأن خفيفة لا مخففة لعدم قد أو السين أو سوف أو الجملة الاسمية أو الفعل الجامد بعدها والمصدر المؤول مبتدأ أى ولولا كتْبُ اللهِ بإِسكان التاء وضم الباء وجر الهاء {الْجَلاَءَ} الخروج عن أوطانهم من جلا اللازم يقال جلا أى خرج أو الإِخراج من جلا المتعدى جلاه أى أخرجه ويعدى اللازم أيضا بالهمزة، وقيل الجلاء والإِجلاء مع الأَهل والولد والإِخراج معهما ودونهما وقيل الجلاء والإِجلاء لجماعة والإِخراج لها أو لواحد {لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا} بالقتل ومشاهدته قبله كما فعل بأَهل بدر وكما فعل سنة خمس بقريظة إِذ اقتضته الحكمة {وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابُ النَّارِ} هذا وقوله لولا أن الخ. معطوفان على يخربون إِذا لم يجعل يخرجون تفسيرا للرعب أو للأَزمة إِذ ليسا معنى للرعب ولا للأَزمة كما أن يخربون تفسير له أو للأَزمة ويقال الجلاء أشد عليهم من القتل ولا يخفى أن القتل أشد بالطبع ولأَنهم يصلون به إِلى عذاب الآخرة فى قبورهم وما بعد قبورهم ولكن قبحهم الله لا يعتقدون أنهم معذبون فى القبور وبعدها، وأيام الحياة بعد الجلاء قلائل كالعدم مع تنغصها بمفارقة الوطن والتغرب وإِن اعتقدوا عذاب القبر وما بعده فقد أعرضوا عنه لقسوة قلوبهم {ذَلِكَ} النازل بهم وما سينزل بهم فى الآخرة {بِأَنَّهُمْ} بسبب أنهم {شَاقُّوا اللهَ وَرَسُولَهُ} خالفوا الله ورسوله بارتكاب ما نهوا عنه مع الإِصرار عليه {وَمَنْ يُشاقِّ} كان هؤلاء أو غيرهم {اللهَ} أى ورسوله فذلك من باب الاكتفاء لدليل قوله تعالى شاقوا الله ورسوله، أو لا حذف لأَن مشاقة الله عز وجل مشاقة لرسوله - صلى الله عليه وسلم ووجه الحذف أو عدم التقدير أصلا أن شدة العذاب فى قوله تعالى {فَإِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} مختصة بالله تعالى وإِسناد التعذيب إِلى الله عز وجل دون ذكر مخلوق معه ولو أفضل الخلق - صلى الله عليه وسلم - أهول من ذكره مع المخلوق والرابط محذوف أى فإِن الله شديد العقاب له أو الجواب محذوف أى يعاقبه الله نابت عنه علته، أى يعاقبه لأَن الله شديد العقاب، كذا قيل وفيه أن المقدر لا يعلل بشدة العقاب بل بمطلق العقاب المعتاد المطلق للعصاة أى يعاقبه لأَن شأنه ترك الإِهمال وليس هذا فى الآية إِلا إِن أُريد فى الآية الشدة باللزوم وترك الإِهمال وهو تكلف وإِن قدر يشدد عقابه، لأَن الله شديد العقاب ناسب {مَا قَطَعْتُم} أيها المؤمنون {مِن لِّينَةٍ} بيان لما، فهو نعته واللينة النخلة مطلقا ولو عجوة أو برنيا. وعن ابن عباس النخل كله لينة إِلا العجوة، وأهل المدينة يسمون ما عدا العجوة من النخل الأَلوان وقيل النخل كله لينة إِلا العجوة والبرنى، وعن ابن عباس: اللينة نوع من النخل. وعن ابن عباس وجماعة: النخلة التى ليست عجوة، وقال سفيان: النخلة التى تمرها شديد الصفرة، وزعموا أن منها نوعا يظهر نواه يغيب فيها ضرس، والنخلة منه أحب إِليهم من وصيف، وقيل أنواع النخل المختلط الذى ليس فيه عجوة ولا برنى، وقال جعفر الصادق هى العجوة، والأَصمعى الدقل، وقيل النخلة القصيرة وعن سفيان الكريمة من النخل والياء عن واو قلبت لانكسار ما قبلها. {أوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا} ضمير النصب عائد إِلى (ما) وأنث لأَن (ما) واقعة على لينة كما مر. ومعنى تركها قائمة على أُصولها إِبقاؤها بلا تغيير فلو قطع قلبها أو جذعها من غير أصله لم يصدق أنها قائمة كلها على أُصولها لذهاب بعضها {فَبِإِذْنِ اللهِ} فما ذكر من قطع وترك بإِرادة الله أو بأَمره بأَن أوحى إِليه - صلى الله عليه وسلم - إِباحة القطع فقطع بعضا دون بعض فيجوز إِحراق نخل الكفار وشجرهم وقطعها وهدم ديارهم وطمس مياههم وإِفساد زرعهم وإِن ظهرت مصلحة فى إِبقاء ذلك أبقى، وأفادت الآية والأَحاديث جواز إِحراق شجر المشركين وقطعها وهدم ديارهم وما أشبه ذلك {وَلِيُخْزِىَ الفَاسِقِينَ} عطف علة على سبب لتقارب العلة والسبب ولا يختص ذلك بهما بل يجوز عطف الجار والمجرور على الجار والمجرور مطلقا، ولو اختلف المعنى نحو جلست فى الدار وعلى سطحها ويجوز عطفه على محذوف متعلق بمحذوف مقدم أى إِذن الله عز وجل فى القطع ليعز المؤمنين وليخزى الفاسقين أو بمحذوف مؤخر، أى ليعز المؤمنين وليخزى الفاسقين إِذن فى القطع أو العطف على محذوف متعلق باستقرار بإِذن الله أو فثابت بإِذن الله ليعز المؤمنين وليخزى الفاسقين والمراد بالفاسقين الكافرون من أهل الكتاب، فمقتضى الظاهر وليخزيهم وأظهر ليصفهم بالفسق ذما لهم وتصريحا بموجب الإِخزاء وهو الفسق والمراد أخزاهم بقطع نخلهم بأَيدى أعدائهم وتفويت منفعتها عنهم، وإِخزاؤهم بإِبقاء ما لم يقطع لنفع أعدائهم به فهم متحسرون بالقطع والإِبقاء لمطلق النخل ولا سيما غارسها فإِنه أشد رحمة وشفقة كأَنها ولده حتى أن بعض الغارسين يقول سعفة كإِصبعى، وهم يرون بعض المؤمنين يتجنب الكريمة ويقطع غيرها فيغتاظون بأَنها يبقيها للمؤمنين، وبعض المؤمنين يقطع الكريمة ويجتنب غيرها فيغتاظون بقطعها مع أنها كريمة وقصد المؤمنين إِغاظتهم بذلك، كما روى أن أبا ليلى المازنى يقطع النخل العجوة حين أمر - صلى الله عليه وسلم - بقطع النخل فقيل له لم قطعت العجوة فقال لأَن فيه كبتا للعدو، وعبد الله بن سلام يقطع اللون فقيل له فقال لأَنى أعلم أن النخل يبقى للنبى - صلى الله عليه وسلم - فأَردت أن تبقى له العجوة وروى أنه - صلى الله عليه وسلم - يقطع نخلهم إِلا العجوة، وذلك فى أول نزول المؤمنين عليهم وقد أحرق - صلى الله عليه وسلم - بعض النخل وقالوا يا محمد كنت تنهى عن الفساد فما بال قطع النخل وإِحراقه وهل أوحى إِليك فى زعمك إِباحة الفساد، وخشى بعض المسلمين أن يكون ذلك فسادا كما زعموا فنزلت الآية قيل تصديقا للنهى عن قطعه وتحليلا من الإِثم لقاطعه، ولم يذكر الإِحراق اكتفاء بالقطع ولقلته وذكر الترك مع أنه ليس فسادا عندهم لتقرير عدم كون القطع فسادا لنظمه فى سلك ما ليس فسادا إِيذانا بتساويهما {وَمَا أفَاءَ اللهُ} صيره فائيا أى أعاده ورده الله {عَلَى رَسُولِهِ} لفظ على لتضمن أفاء معنى أنعم أو هى بمعنى إِلى وما موصولة أو شرطية وجهان عند بعض المحققين وذلك على أن ما أفاء عام فإِنه إِن أُريد مخصوص معهود تعين أنه موصول فلا تكون الفاء فى خبره لعدم العموم إِلا عند من أجاز زيادة الفاء فى الخبر مطلقا أو أجزنا زيادتها فى خبر الموصول ولو لم يكن العموم إِذ لا يخلو من شبه اسم الشرط أو اعتبرنا العموم فى إِجزاء ما عهد كأَنه قيل أى ما كان منها، وقد قيل المراد ما يفئ بعد فالعموم ظاهر وكذا إِن قيل نزلت قبل الجلاء، وروى أن المسلمين طلبوا تخميس أموال بنى النضير بعد جلائهم كغنائم بدر فنزلت الآية وقيل أفاء من فئ الظل ولا يخرج هذا عما مر لأَن الفئ الظل الراجع بعد زواله إِذ كان من جهة المشرق وزال ثم كان يعود إِليه بعد نصف النهار، وإِذا جعلت شرطية فمفعول لأَفاء، وإِذا جعلت موصولة فمبتدأ حذف رابط صلته أى ما أفاءه على حد ما رأيت. {مِنْهُمْ} من هؤلاء الكفار ومن للابتداء ويجوز أن تكون للتبعيض على حذف مضاف أى من أموالهم وهو ما يبقى على الجلاء، والمراد بالإِفاءة التصيير ويجوز أن يكون الرجوع كأَنها كانت عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وانتقلت إِليهم ثم رجعت إِليه ووجهه أن الله عز وجل خلق المال للعبادة فكأَنه ملك لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - وللمؤمنين إِذ كفر هؤلاء {فَمَا أوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلاَ رِكَابٍ} ما أجريتم أو ما حركتم أو ما أتعبتم على تحصيله خيلا ولا ركابا وهى ما يركب من الإِبل قيل غلب الركاب عليها كما غلب الراكب على راكب البعير، فلا يقال فى الأَكثر الفصيح راكب لمن ركب الفرس أو الحمار أو نحوه، بل يقال فارس وراكب حمار وراكب بغل بذكر المركوب وحمار وبغال مع أن اللفظ عام وضعا كما قال الله عز وجل: والخيل والبغال والحمير لتركبوها. ولم يركبوا خيلا ولا إِبلا إِلى حصون بنى النضير بل مشوا على أرجلهم إِلا رسول الله صلى الله عليه وسلم - فعلى حمار كما مر أو على جمل لقربها من المدينة نحو ميلين، فما حصل منها إِلا مشقة فيه فكان لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولم يعط الأَنصار بل أعطى المهاجرين لغربتهم وفقرهم فنزلت غربتهم وفقرهم منزلة الجهاد والمشقة، وروى أنه كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ينفق على أهله نفقة سنة ثم يجعل ما بقى فى السلاح والكرائم عدة فى سبيل الله تعالى وعن الضحاك أنه قسمه على المهاجرين ويجمع بأَن هذا فيما بقى بعد نفقة السنة والكرائم والسلاح ولم يعط من الأَنصار إِلا أبا دجانة سماك بن خرشة وسهل بن حنيف والحارث بن الصمة لفقرهم وسعيد بن معاذ فإِنه روى أنه أعطاه سيف ابن أبى الحقيق وكان لهذا السيف شهرة. وفى البخارى ومسلم أن عمر قال للعباس وعلى أنشدكما الله هل تعلمان أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال "حديث : لا نورث ما تركناه صدقة"تفسير : . قالا نعم وكذا قال لعثمان وعبد الرحمن بن عوف والزبير وسعد فقالوا نعم، وقرأ وما أفاء الله على رسوله الخ وقال عملت فيه ما عمل به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبو بكر وقلتما ادفعه إِلينا، فأَخذتما على أن تفعلا به ما فعلا فوالله الذى لا إِله إِلا هو الذى به تقوم السماوات والأَرض لا أقضى بغير ذلك فإِن عجزتما فاردداه إِلىَّ أكفكماه. {وَلَكِنَّ اللهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَن يَشَاءُ} من أعدائهم تسليطاً خاصاً فمن ذلك تسليط رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على بنى النضير وغيرهم ففتحت لكم بلا كد منكم فلا حق لكم فيما أفاء عليه - صلى الله عليه وسلم - وقيل الآية فى فدك لأَن بنى النضير حصروا وقوتلوا دون أهل فدك، قلنا قتالهم قليل ضعيف لا يعتد به فهم المراد لا أهل فدك. {واللهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ} لا يعجزه التسليط أو غيره، فإِن شاء سلط على غير وجوه التسليط المعهود {مَا أَفاءَ} يفى بعد تلك الإِفاءة كأَنه قيل هذا حكم ما أفاء من النضير فما حكم ما يفئ من غيرها فقال ما أفاء الخ ولذلك كان بلا عطف لأَن الجواب للسؤال لا يقرن بواو وقيل هذه الآية بيان للآية قبلها فى بنى النضير، ولذلك كانت بلا واو أمره الله أن يضع ما أفاء من بنى النضير حيث يضع الخمس من الغنائم مقسوماً على خمسة {اللهُ عَلَى رَسُولِهِ مِن أهْلِ الْقُرَى} سائر قرى الكفار عموماً وقيل المراد قرى بنى النضير، وعليه فلم يضمر بأَن يقول منهم ليشمل الأُصول والعروض، كذا قيل. وقال ابن عطية القرى الصفراء وينبوع ووادى القرى وما هناك من قرى العرب وتسمى قرى عرينة وكلها كالنضير لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقسمها كغيرها وقيل المراد قرى خيبر وأن نصفها لله عز وجل ورسوله الكتيبة والوطيح وسلالم والوحدة وللمسلمين وكانت ثلاثة عشر سهماً ونطاة وكانت خمسة أسهم ولم يقسم - صلى الله عليه وسلم - من خيبر إِلا لمن شهد الحديبية ولم يأذن لمن يشهد الحديبية أن يخرج معه إِلى خيبر إِلا جابر بن عبد الله بن عمرو الأَنصارى، وفسر بعضهم ما أفاء الله بالجزية والخراج واحتج عمر رضى الله عنه بهذه الآية على إِبقاء سواد العراق بأَيدى أهله وضرب الخراج والجزية عليهم رداً على من طلب قسمته على الغزاة، ولكن ذلك ليعم المسلمين النفع بالقتال. ويروى أنه قيل لعمر ابدأ بنفسك فقال لا بل ابدأ بالعباس ثم الأَقرب فالأَقرب إِلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولكل واحد من أهل بدر خمسة آلاف درهم ولأَهل الحديبية أربعة آلاف لكل واحد ولمن بعدهم ثلاثة آلاف لكل واحد ثم ألفين وخمسمائة ولأَهل القادسية وأهل الشام ألفين ألفين ولمن بعدهم واليرموك ألفا ألفاً ولمن بعدهم خمسمائة خمسمائة ثم ثلثمائة ثم مائتين، ولكل زوج للنبى - صلى الله عليه وسلم - عشرة آلاف إِلا عائشة فاثنى عشر ألفا، ولنساء أهل بدر خمسمائة ثم أربعمائة ثم ثلثمائة ثم مائتين والصبى مائة والمساكين جريبين فى الشهر ولم يترك فى بيت المال شيئاً فقيل له، فقال: المال فتنة لمن بعدى وفرض الصحابة له قوته وقوت أهله بإِذنه، ثم أمروا له بالزيادة فأَبى وغضب وكان الإِمام على يقسم ما فى بيت المال كل جمعة حتى لا يترك فيه شيئاً وأمر به فكنس ثم صلى فيه رجاء أن يشهد له يوم القيامة وقسم مالا من أصبهان وفيه رغيف أسباعاً وقسم الرغيف سبعة وجعل على كل سبع جزءاً وأقرع بينهم، رواه ابن عبد البر {فَلِلَّهِ} فهو لله {وَلِلرَّسُولِ} سهم الله والرسول واحد هو للرسول وإِنما ذكر الله تعالى تيمنا وتبركا وتعظيماً لشأْنه - صلى الله عليه وسلم - وقال أبو العالية لله سهم يصرف فى بناء الكعبة وما تحتاج إِليه كلباس إِن قربت وإِن بعدت فلمسجد كل بلدة ثبت فيها الخمس، ويرده أنه يلزم أن السهام ستة والمعروف خمسة وسهم الرسول له فى حياته إِجماعاً وهو خُمس الخُمس على ما قيل إِن هذا الخُمس يقسم على خمسة لمن ذكر الله عز وجل وكان ينفق منه على نفسه وعياله ويدخر منه نفقة سنة لأَزواجه وقيل لبعضهن ويصرف الباقى فى مصالح المسلمين كالسلاح والكراع والثغور والقضاة والمشتغلين بالعلم ولو مبتدئين والأَئمة والمؤذنين ومن اشتغل بمصالح المسلمين ومن عجز عن الكسب ولو كان هؤلاء أغنياء، وعنه - صلى الله عليه وسلم -: "حديث : مالي مما أفاء الله عليكم إِلاَّ الخُمس مردود عليكم" تفسير : فنقول يصرف فى مصالح المسلمين واستظهر بعض أنه يصرف إِلى السهام الباقية قلت: عليهم صرفه إِلى مصالح المسلمين وإِلا فإِليها وإِلى السهام الباقية، وقيل سهمه بعده للخلفاء لعلة الخلافة، وكان - صلى الله عليه وسلم - يستحقه لخلافته عن الله تعالى، وإِمامته لا للرسالة إِذ لا أجرة عليها وقيل سقط سهمه بعده لأَن علته الرسالة لأَن الرسول مشتق وتعليق الحكم بمضمون المشتق يؤذن بعلية معنى ما منه الاشتقاق ولا رسالة بعده فسقط كما سقط ماله من الإِصفاء من المغنم. {وَلِذِي القُرْبَى} هذا هو السهم الثانى والمراد قرابته - صلى الله عليه وسلم - بنو هاشم وبنو المطلب قال - صلى الله عليه وسلم:- "حديث : نحن وبنو المطلب شيء واحد وشبك بين أصابعه"تفسير : . رواه البخارى لم يفترقوا فى جاهلية ولا إِسلام ولمزيد تعصبهم أفرد اللفظ ولم يقل لذوى القربى لأَنهم كإِنسان واحد فى شدة الاتصال لا يحب لنفسه إِلا الخير وكأَنهم إِنسان واحد أحب لنفسه الخير وعلى طريق شدة الاعتناء أعاد اللام مع الرسول وذى القربى حتى أن بعضاً أيد بذلك قول من أثبت سهماً لله وسهماً لرسوله - صلى الله عليه وسلم -، والإِمام مفوض فى قسم سهم الله ورسوله وسهم ذى القربى يسوى بين الغنى والفقير والعالم والجاهل والصغير والكبير والذكر والأُنثى، أو يفضل من شاء بحسب نظره لله عز وجل. وقد أعطى العباس منه وله عشرون عبداً يتجرون له وأعطى فاطمة وصفية واختير تفضيل الذكر بسهم زائد على الأُنثى كالإِرث لأَنه استحق بقرابة الأَب وإِن أعرض ذو القربى عن سهمه لم يسقط كما لا يسقط الإِرث وقيل لا بد من التسوية فى ذلك كله ويأْخذ القاصى والدانى ويثبت كون الإِنسان هاشمياً أو مطلبيا بالبينة. واختلف العلماء فى الفئ بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقيل هو للائمة وعن الشافعى أنه للمقاتلين وعنه أيضاً أنه لمصالح الإِسلام يبدأ بالمقاتلين ثم الأَهم فالأَهم، قال قوم خمس الفئ لأَهل خمس الغنيمة وأربعة أخماس للمقاتلين أو للمصالح والأَكثرون أنه لا يخمس بل مصرف جميعه واحد ولجميع المسلمين فيه حق، قرأ عمر ما أفاء الله على رسوله إِلى جاءوا من بعدهم وقال استوعبت الآية جميع المسلمين وما مسلم على وجه الأَرض إِلا وفيه له حق إِلا ما ملكت أيمانكم، وكان عمر يعطى جميع ما فى بيت المال ولا يخزنه وكان يقول لا أتركه فتنة لمن بعدى وكذا كان الإِمام على بل قيل لا يبقى فى بيت المال من الجمعة إِلى الجمعة {وَالْيَتَامَى} مطلقاً من أهل الإِسلام بشرط أن يكونوا فقراء ودخل ولد الزنى والمنفى ولا يدخل اللقيط لأنا لم نتحقق موت أبيه وهذا سهم ثالث، وذكروا مع شمول المساكين لهم دفعا لتوهم أنه لا سهم لهم لكونهم لا جهاد لهم وقيل بدخول اللقيط واليتيم الغنى ويثبت اليتم والفقر والإِسلام بالبينة {وَالْمَسَاكِينِ} هذا سهم رابع {وَابْنِ السَّبِيلِ} سهم خامس ويكفى فى ابن السبيل والمسكين قولهما بلا يمين ولو اتهما ومن ادعى عدداً من العيال أو ادعى تلف المال احتاج لبينة ويقدم فقير بنى هاشم ويتيمهم وابن السبيل منهم وذكر بعض أنه لا يعطى غنيهم، وذكر بعض أن هذه الأَخماس الأَربعة كانت لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - مع خمس الخمس فله من الفئ أحد وعشرون سهماً من خمسة وعشرين وذكر بعض الشافعية أن الفئ ما أخذ من الكفار بلا قتال وإِيجاف خيل وركاب كعشر تجارة وجزية وما صولحوا عليه وما جلوا عنه خوفاً قبل تقابل الجيشين ومال مرتد قتل أو مات وذمى ومعاهد وأما ما جلو عنه خوفا بعد المقابلة فغنيمة ومال المستأْمن لورثته عندنا إِن كان له وارث، وقال قومنا لبيت المال منه ما بقى عن ورثته والغنيمة ما تحصل من كفار حربين بقتال أو تقابل الجيشين وإِن حارب ذميون المشركين فلهم ولا يخمس {كَيْلاَ يَكُونَ} ما أفاء الله على رسوله وكى حرف مصدر معناه الدلالة على الاستقبال والدلالة على المصدر وحرف التعليل والجر، لام مقدرة متعلقة بما يتعلق به لله أو بلله لنيابته {دُولَةً} شيئًا متداولا {بَيْنَ الأَغْنِيَاءِ مِنكُمْ} يدار بينهم تارة عند هذا وتارة عند هذا أو يقسم بينهم لا ينال الفقراء معه شيئاً كغرفة بمعنى ما يغترف بضم الدال وأما فتحها فبمعنى المصدر وهو التداول، وقيل هما بمعنى واحد وهو ما يتداول كما مر وقيل بالضم فى الملك بكسر الميم وبالفتح فى الملك بضمها وهو قول الكسائى وحداق البصرة وقيل بضم الدال فى المال وبفتحها فى النصر، قيل والجاه ومنكم متعلق بنعت محذوف لأَن ال للجنس، كان مدخولها نكرة، أى بين الأَغنياء الثابتين منكم يختصون به كما مر، أو يتكاثرون به أو دولة جاهلية يختص بها الرؤساء الأَغنياء كمغانم الجاهلية. يقولون من عزيز ولا يسمى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقيراً لأَن الفقر شأن من يتعرض لمال ولا يجده بل قيل أيضاً لا يسمى زاهداً لأَن الزهد إِعراض عن الدنيا بعد توجه ما إِليها، وهو - صلى الله عليه وسلم - كالملك لا يتعرض لذلك لكن سيدنا عيسى عليه السلام وصف بهما لأَنه دون رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولم يصح ما روى عنه - صلى الله عليه وسلم - الفقر فخرى فإِن صح فمعناه ما تسمونه فقراً من عدم المال هو فخرى وليس المراد أنه يسمى فقيراً أو معناه الانقطاع إِلى الله كالملك. {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ} إِذ هو حقكم من الفئ كذا قيل وهو ظاهر لفظ الإِيتاء وهو فى المال والمنافع ولو كان فى أمر الشرع لقال وما آتاكم به، كما يقال جاء بالدين وآتاكم بالوحى إِلا أن قوله تعالى {وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا} يدل على أمر الدين إِذ لم يشتهر نهاه عن غنيمة أو نهاه عن فئ فنقول الأولى إِبقاء الايتاء على ظاهره من الإِعطاء من المال ويرد إِليه ما بعده على حذف مضاف أى وما نهاكم عن أخذه فانتهوا عنه ولا يخفى أن حمل الآية على عموم ما أمر به وما نهى عنه حتى أنه يدخل فيه حكم الفئ فيه زيادة فائدة إِلا أن الإِيتاء لا يتبادر فى ذلك ولا سيما أن ما قبله فى الفئ ولكن من الجائز استعمال الإِيتاء فى معنى الإِتيان إِلينا بأَمر الشرع وعليه فما لم يأْمرنا به ولا نهانا عنه فهو حلال إِذ لا حرام إِلا بالنهى كما لا فرض إِلا بالوحى، ولكن أيضاً من الجائز إِبقاء الإِيتاء على ظاهره من الفئ والنهى على عمومه فى الفئ وغيره، ومن العموم ما روى أن علياً قال: سلونى عما شئتم أخبركم عنه من كتاب الله عز وجل وسنة نبيه - صلى الله عليه وسلم - فقال عبد الله بن محمد بن هارون: ما تقول فى محرم قتل الزنبور؟ فأَجاب بقوله تعالى: وما آتاكم الرسول الخ مع حديث حذيفة اقتدوا باللذين من بعدى أبى بكر وعمر مع قول عمر أمر بقتل الزنبور فلا شئ على المحرم القاتل له لأَنه أمر بقتله، ومثله حديث "حديث : اقتلوا كل مؤذٍ في الحل والحرم"تفسير : ، وما فى البخارى ومسلم عن ابن مسعود أنه لعن الواشمة والمستوشمة والمتنمصات والمتفلجات للحسن كما لعنهن رسول الله - صلى الله عليه وسلم. وقال ابن مسعود إِن ذلك فى القرآن فقالت أم يعقوب الأَسدية قرأت القرآن كله ولم أجده فقال هو فى قوله تعالى: {وما آتاكم الرسول فخذوه} الخ وقد آتانا الرسول لعنهن والواشمة التى تشم غيرها والمستوشمة الطالبة أن يفعل بها الوشم، وكذا فى النامصة والمتنمصة ونحوه الفاعلة التى تفعل بغيرها والمتفعلة التى تطلب أن يفعل بها ذلك غيرها، وعكس بعضهم ذلك والفلج التى تفسح بين أسنانها تطلب ذلك من نفسها فتفعله أو تطلب من غيرها أن يفعله بها، وقيل تتفسح فى مشيها. وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "حديث : من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو ردتفسير : . رواه البخارى ومسلم عن عائشة وفي رواية حديث : من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد ". تفسير : وفى أبى داود والترمذى عن أبى رافع عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "حديث : لا ألفين أحدكم متكئاً على أريكته يأتيه أمر مما أمرت به أو نهيت عنه فيقول لا أدري، ما وجدنا في كتاب الله اتبعناه"تفسير : أى بدون أن يعلم ما قيده به الحديث ونحو ذلك {وَاتَّقُوا اللهَ} فى مخالفة ما آتاكم الرسول وما نهاكم عنه {إِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} لمخالفه وقوله {لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ} بدل من لذى القربى الخ بدل كل ودخل فى الإِبدال قوله تعالى: {والذين جاءوا من بعدهم}، إِذا عطفناه على الفقراء ولم يدخل الرسول فى الإِبدال منه لمحاشاته من الإِتصاف بالفقر كما مر آنفاً لكن ذلك الإِبدال يتفرع عليه أنه لا يعطى ذو القربى إِلا إِن كان فقيراً وقيل يعطى غنيهم كما قال الشافعى وعليه قيل يكون الإِبدال من اليتامى، وفيه أنه لو كان بدلا من اليتامى وما بعده لقيل لليتامى بلام الجر كما قال للفقراء بلام الجر فنحتاج إِلى اعتبار تقديرها مع اليتامى بالمعنى لعطفه على ما هى فيه. وقد يقال يجوز الإِبدال من لذى القربى الخ ولو كان يعطى غنى ذوى القربى على أن الآية فى خصوص فئ النضير إِذ كان ذوو القربى فيها فقراء لا فى مطلق الفئ وفيه أنه خلاف الظاهر والظاهر عموم الفئ وأن العباس منهم أعطى وهو غنى كما مر، ويجوز إِبدال للفقراء من لذى القربى ولو لم نشترط الفقر على أن ذكره لواقعة حال لا للتقييد كما تقول أكرم زيد الفقير وتريد أكرمه مطلقا إِلا أنك ذكرت فقره ترحما عليه وبيانا لحاله عند الأَمر بإِكرامه ثم إِن فى الإِبدال إشكالا، إِذ يقتضى أن اليتامى مهاجرون أخرجوا من ديارهم وأموالهم وأنهم يبتغون فضلا من الله ورضوانا وأنهم ينصرون الله ورسوله وأنهم كاملون فى الصدق وأن ابن السبيل متصف بذلك أيضاً وفى ذلك بعد، وقيل قوله للفقراء عائد إِلى قوله كى لا يكون دولة، وكأَنه قيل ولكن يقول للفقراء وقيل كانوا يعلمون أن الخمس يصرف لمن فى قوله عز وجل: {فلله وللرسول} الخ ولم يعلموا مصرف أربعة الأَخماس وكأَنهم قالوا: لمن هى؟ فقيل تكون للفقراء المهاجرين سهماً غير السهام السابقة فلا يكون للفقراء بدلا من لذى القربى وما بعده ولا مما بعده، وكان الرجل يعصب الحجر على بطنه للرجل ويتخذ الحفيرة فى الشتاء ما له دثار غيرها. وفى مسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "حديث : إِنَّ فقراء المهاجرين يسبقون الأَغنياء يوم القيامة إِلى الجنة بأَربعين خريفاً" تفسير : وفى أبى داود عن أبى سعيد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : أبشروا صعاليك المهاجرين بالنور التام يوم القيامة يدخلون الجنة قبل أغنياء الناس بنصف يوم وذلك خمسمائة سنة" تفسير : {مِنْ دِيَارِهِمْ وَأمْوَالِهِمْ} استعمال للمسبب فى معنى السبب لأَنهم عملوا معهم ما يضيفون به عن المقام فى مكة وهذا غالبهم إِذ فيهم من لم يخرج من مكة بل خرج وحده ومنهم من ليس منها، وقد قيل منهم مائة رجل {يَبْتَغُونَ} يطلبون {فَضْلاً} رزقاً {مِن اللهِ} لفقرهم واحتياجهم لخروجهم عن ديارهم وأموالهم فهم مستحقون للفئ فلا تمنعوهم حقهم منه فهذا راجع إِلى الفئ، وذكرهم بما يفخم شأْنهم ويدل على كمال توكلهم فى قوله تعالى {وَرِضْوَانًا} فى الآخرة والدنيا لرضاهم بقضاء الله عز وجل والجملة حال مقارنة {وَيَنصُرُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ} عطف على الجملة الحالية فالجملة حال بواسطة العطف مقارنة لأَن فى خروجهم نصر الله ورسوله لأَنه تقوية لرسوله وتضعيف للكفار وإِغاظة وإِن أُريد بالنصر النصر بالقتال كأَنك مقدرة {أُوْلَئِكَ} العالون مرتبة باتصافهم بمهاجرة الديار والأَوطان والأَحباء والأَموال والتوكل على الله فى طلب الرزق والرضوان وبقصد نصرة الله جل وعز ورسوله - صلى الله عليه وسلم - {هُمُ الصَّادِقُونَ} الكاملون فى الصدق فى ما يدعون من الإِيمان الكامل أو الصادقون صدقا كاملا مع الله عز وجل، وذلك أنهم اختاروا الله عز وجل ورسوله - صلى الله عليه وسلم - على أنفسهم وعلى جميع ما لهم فى الدنيا والحصر إِضافى منظور فيه إِلى من دون رتبهم من المؤمنين وإِمامة الصديق وعمر وعثمان وعلى صحيحة بإِجماع الصحابة الأَكثرين والمعتبرين من الصحابة وغيرهم لا نحتاج إِلى تكلفها من الآية. {والَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ} أى سكنوها وهى المدينة وهم الأَنصار والتبوؤ النزول والسكنى فى منزل كأَنه قيل والمعروفين المشهورين بمنزلهم حتى أنه لا يستحق اسم الدار إِلا منزلهم وهى التى أعد الله تعالى لهم ويمدحهم بها لنفع المؤمنين بها وقد قيل إِن تبوءوا بمعنى هيئوا للإِسلام وأهله منزلا وال للعهد حتى قيل الدار من أسماء المدينة ونزول المدينة حقيقة وأما نزول الإِيمان بمعنى جعله مستقراً وموطنا فمجاز استعارة مكنية تخييلية بإِثبات تبوئه، ففى ذلك جمع بين الحقيقة والمجاز والمانع يحمله على عموم المجاز وهو قصد الشئ ولزومه أو مجاز مرسل لعلاقة الإطلاق والتقييد أو اللزوم بأَن استعمل التبوء بمعنى مطلق القصد أو اللزوم أى لزموا الدار والإِيمان أو يقدر ما يناسب الإِيمان أى وأخلصوا الإِيمان على الأَوجه فى علفتها تبناً وماء بارداً وقدر بعض تبوءوا دار الهجرة ودار الإِيمان كقولك رأيت الغيث والليث وفيه بعد وقيل الإِيمان اسم للمدينة سميت باسم الحال فيها وهو خلاف الأَصل مع أنه يتكرر مع الدار {مِن قَبْلِهِمْ} قبل المهاجرين أى قبل هجرتهم فإِيمانهم سبق هجرة المهاجرين وإِيمان المهاجرين سبق إِيمان الأَنصار وهو متعلق بتبوءوا أسلموا فى ديارهم وآثروا الإِيمان وبنوا المساجد قبل قدوم النبى صلى الله عليه وسلم بسنتين {يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ} جملة حال من الذين أو مدح مستأنف بأَنهم رسخ الإِيمان فيهم فهم يحبون من هاجر إِليهم لإِسلامه وقيل كناية عن إِكرامهم للمهاجرين باموالهم ومساكنهم وكل ما أمكن حتى أن الرجل منهم ينزل عن زوجة من زوجتيه أو أزواجه لمهاجر يتزوجها ولا يصيبهم ملل أو تعبير بالسبب وهو الحب عن المسبب وهو الإِكرام والأَول أولى وعدى بإِلى لتضمن معنى الانتقال. {وَلاَ يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً} لا يلقونها ويصادفونها لعدم وجودها فى صدورهم أو لا يعلمونها فى صدورهم لعدم وجودها والحاجة ما يحتاج إِليه على حذف مضاف أى لا يجدون فى أنفسهم طلب حاجة أو معناه الاحتياج {مِّمَّا أُوتُوا} أى أوتى المهاجرون من الفئ دونهم قسم صلى الله عليه وسلم مال بنى النضير بين المهاجرين ولم يعط الأَنصار إِلا ثلاثة مر ذكرهم ومن للتبعيض أو للبيان أو للتعليل ويتعين التعليل إِذا فسرت الحاجة بالاحتياج وإِيضاح المعنى إنهم لا يطلبون شيئاً مما يعطى المهاجرون ويحتاج إِليه وليس فى قلوبهم احتياج إِليه فضلا من أن ينازعوهم فيه أو يحسدونهم ولا تتبع أنفسهم ما يعطى المهاجرون وواو أوتوا نائب الفاعل هو المفعول الثانى والأَول منصوب محذوف فاعل فى المعنى أى مما أوتيه المهاجرون أى جعل آتيا إِياهم {وَيُؤْثِرُونَ} يختارون المهاجرين وغيرهم فى كل نفع أو لا يقدر معمول أى من شأنهم الإِيثار {عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ} أى فيهم {خَصَاصَةُ} فقر فعن ابن عمر أهدى إِلى رجل لعله من الأَنصار المسلمين شاة فقال إِن أخى فلاناً وعياله أحوج إِليه منا فأَرسل إِليهم حتى تداوله أهل سبعة بيوت فرجع إِلى الأَول فنزلت الآية وهى فى مدح الأَنصار. وعن أبى هريرة حديث : قال رجل يا رسول الله أصابنى الجهد فلم يجد - صلى الله عليه وسلم - شيئاً عند نسائه فقال ألا رجل يضيفه الليلة، فقال أبو طلحة أنا يا رسول الله فمضى به فقالت زوجه ما عندى إِلا قوت الصبية فقال نوميهم وأطفئى السراج ليظن الضيف أنَّا نأْكل ونطوى الليلة أى نجوع لضيف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولما أصبح الرجل ذهب إِلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال لقد عجب الله من فعل أبى طلحة وزوجه تفسير : أى عظمة ونزل فيهما ويؤثرون الخ. قال أنس قال - صلى الله عليه وسلم - كل يوم "حديث : يطلع عليكم الآن رجل من أهل الجنة حتى تمت ثلاثة أيام لرجل من الأَنصار فبات معه عبد الله بن عمرو بن العاص ثلاثاً ليرى عمله فقال له ما هو إِلاَّ ما رأيت إِلاَّ أني لا أغل على مسلم ولا أحسده لو كانت الدنيا لي فأُخذت مني لم أحزن عليها ولو أعطيتها لم أفرح بها فقال عبد الله بن عمرو هذه التي لا نطيق وبها فضلت وإِني أقوم الليل وأصوم النهار لو وهبت لي شاة لفرحت أو ذهبت لحزنت".تفسير : وفى البخارى ومسلم عن أبى هريرة حديث : قالت الأَنصار للنبي - صلى الله عليه وسلم - اقسم بيننا وبين إِخواننا النخيل. قال: لا. قالوا: نشركهم في الثمر . تفسير : وفى البخارى عن أنس أراد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قطع البحرين للأَنصار، فقالوا إِلا أن تقطع لإِخواننا من المهاجرين مثلها قال "حديث : فاصبروا حتى تلقوني على الحوض فإنه سيصيبكم أثرة بعدي" تفسير : أى اختصاص عنكم بالتقدم وفى القسمة بفتح الهمزة والثاء أو بضم ، فإِسكان وقال يوم النصير للأَنصار إِن شئتم قسمتم للمهاجرين من أموالكم ودياركم وتشاركوهم فى هذه الغنيمة وإِن شئتم فلكم أموالكم ودياركم ولا شئ لكم من الغنيمة فقالت الأَنصار بل نقسم لهم من أموالنا وديارنا ونؤثرهم بالغنيمة ولا نشاركهم فيها فنزلت الآية. ولما قسم المهاجرين مال بنى النضير قال للأَنصار: إِن شئتم قاسمتموهم أموالكم ويقاسموكم مال بنى النضير. فقالوا رضى الله عنهم نقاسمهم أموالنا ويختصون بمال النضير فنزل: والذين تبوءوا الدار..الخ. {وَمَن يُوقَ} يمنع {شُحَّ نَفْسِهِ} أضاف الشح للنفس لأَنه غريزة فيها وهو حرصها على المنع وأما البخل فهو المنع نفسه، فالبخل ثمرة الشح وقيل الشح بخل مع حرص وذلك فيما كان عادة. وعن الحسن البخل أن يمنع ما فى يده والشح أن يكره إِعطاء الناس ما بأَيديهم، وقيل لابن مسعود خفت الهلاك لقوله تعالى: ومن يوق.. الآية، لا يكاد يخرج منى شئ فقال: ذلك بخل، ولا ضير فيه، وإِنما الشح أن تأْكل مال أخيك ظلماً، ومثله عن ابن عمر: البخل منع مالك والشح أن تطمح إِلى مال غيرك، ولعل مرادهما شدة الحرص حتى يكره أن يجود أحد أو حتى يأْكل مال غيره ولا يسمح أن يكون للناس ما لهم، ويقال من لم يأخذ شيئاً مما نهاه الله عز وجل عن أخذه ولم يمنع شيئاً مما أمره الله تعالى بإعطائه فقد وقى شح نفسه. وفى أبى داود عن أبى هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "حديث : شر ما في الرجل شح هالع وجبن خالع". تفسير : والهلع أشد الجزع وذلك يجزع جزعا شديداً على ما فاته ويخلع فؤاده لشدة جزعه، وفى النسائى عن أبى هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : لا يجتمع غبار في سبيل الله ودخان جهنم في جوف عبد أبداً، ولا يجتمع الشح والإِيمان في قلب عبد أبداً ". تفسير : ويروى أن النبى - صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : يدخل عليكم ولي من أولياء الله تعالى فدخل رجل ومن الغد قال ذلك فدخل الرجل وكذا في اليوم الثالث فدخل فقال له عمرو بن العاص: أُريد أن تضيفني فأَضافه فراقبه فلم يجد له كثير عمل. فقال: مالي إِلاَّ ما رأيت إِلاَّ أني لو ملكت الدنيا كلها فذهبت لم يتغير قلبي ولا أفرح بما جاءني. فقال له: هذا الذي لا نطيقه وإِني أقوم الليل وأصوم النهار وإِنْ ضاعت لي شاة حزنت وإِن ملكتها فرحت" تفسير : {فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} الفائزون بخير الدنيا والآخرة الناجون من كل مكروه ومن عاقبة الشح الواردة فى حديث أبى هريرة عنه صلى الله عليه وسلم-: "حديث : ما محق الإِسلام محق الشح شيء قط"تفسير : ، وحديثه عنه - صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا يجتمع غبار في سبيل الله ودخان جهنم في جوف عبد أبداً، ولا يجتمع الإِيمان والشح في قلب عبد أبداً"ًتفسير : . وفى حديث أبى سعيد عنه - صلى الله عليه وسلم -: "حديث : خصلتان لا تجتمعان في جوف مسلم: البخل وسوء الخلق"تفسير : . وفى حديث أنس عنه - صلى الله عليه وسلم:- "حديث : خلق الله جنة عدن وغرس أشجارها بيده، أي خلقها بلا واسطة شئ ثم قال لها: انطقي فقالت: قد أفلح المؤمنون. فقال الله عز وجل: وعزتي وجلالي لا لا يجاورني فيك بخيل ثم تلا - صلى الله عليه وسلم-: ومن يوق..." تفسير : الآية. وفى حديث جابر بن عبد الله عنه - صلى الله عليه وسلم-: "حديث : اتقوا الظلم فإِن الظلم ظلمات يوم القيامة واتقوا الشح فإِن الشح قد أهلك من كان قبلكم، حملهم على أن سفكوا دماءهم واستحلوا محارمهم"تفسير : وعن مجمع بن يحيى وجابر بن عبد الله وأنس مرفوعاً: برئ من الشح من أدى الزكاة وقرى الضيف وأدى فى النائبة. وعن على موقوفا: برئ من الشح من أدى زكاة ماله، {وَالَّذِينَ جَاءُوا مِن بَعْدِهِمْ} المؤمنون الذين جاءوا إِلى الإِيمان أو إِلى المدينة من بعد المهاجرين الأَولين والأَنصار، أى من بعد هجرة المهاجرين وإِيمان الأَنصار أو الذين جاءوا إِلى الإِيمان حتى تقوم الساعة بعد المهاجرين والأَنصار، فنقول هم إِن شاء الله مثل جابر بن زيد وأبى عبيدة والربيع بن حبيب ومن بعدهم ومن معهم من أئمة العدل الإِمامة الكبرى كعبد الرحمن ابن رستم ومن بعده من أئمة المغرب كما ذكروا هم وعلماء المغرب وعبادهم فى عدد من سير المغاربة ومن أئمة عمان الجلندى بن مسعود من شراة أبى يحيى سنة إِحدى وثلاثين ومائة والإِمام محمد بن عفان سنة سبع وسبعين ومائة والإِمام وارث بن كعب، سنة تسع وسبعين ومائة والإِمام غسان بن عبد الله سنة اثنتين وتسعين ومائة والإِمام عبد الملك بن حميد سنة مائتين وسبع، والإِمام المهنا بن جيفر سنة ست وعشرين ومائتين والإِمام الصلت بن مالك سنة سبع وثلاثين ومائتين والإِمام عزان بن تميم سنة سبع وسبعين ومائتين ومن بعدهم، ومن المتأَخرين الإِمام ناصر بن مرشد سنة أربع وثلاثين وألف، والإِمام سلطان بن سيف سنة ألف وستين أو هو سيف بن سلطان أو كلاهما واحد بعد واحد. ومن مشاهير علماء عمان موسى بن أبى جابر والبشير بن المنذر وهاشم بن المهاجر وسليمان بن عثمان وهاشم بن غيلان ومحمد بن هاشم وموسى بن على ومحمد بن على وسعيد بن محرز والوضاح بن عقبة ومحمد بن محبوب وعزان بن الصقر وأبو الموسر الصلت بن خميس وبشير بن محمد وخالد بن قحطان وغسان بن محمد وسعد بن عبد الله وعبد الله بن محمد بن بركة وأبو الحسن بن على وابنه محمد وراشد ابن سعيد وأبو الحسن على بن سعيد وأبو سليمان مقداد وأبو زكرياء يحيى بن سعيد وأبو حفص عمر بن محمد اللقخى وغيرهم. {يَقُولُونَ} حال من واو جاءُوا أو مستأنف أو خبر للذين على أنه مبتدأ {رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا} فى دين الله وأُخوة الدين عندهم أعز من أُخوة النسب {الَّذِينَ سَبَقُونَا} فى الزمان وفى الرتبة وللقرب من المنبع صلى الله عليه وسلم وقد تقدم ذكر فضل من تقدم لكثرة الآخذين عنه فوجا يلى فوجا. {بِالإِيمَانِ} الباء على أصلها أو بمعنى فى، وهذا اعتراف بفضل المتقدمين ومدح لهم. {وَلاَ تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ} حقدا {لِلَّذِينَ آمَنُوا} متقدمين أو مصاحبين أو متأَخرين {رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ} حقيق أن تجيب دعاءنا. عن عائشة رضى الله عنها: أمر النبى صلى الله عليه وسلم - الناس أن يستغفروا لأَصحابه فسبوهم وقرأت هذه الآية: والذين جاءُوا الخ، وليس من الشتم القول بأَن الحق مع فلان الصحابى أو فلان الصحابى يستحق أن لا يقول كذا أولا يفعل كذا، وسمع ابن عمر رجلا يسب مهاجرا هوالإِمام عثمان فقرأ عليه: للفقراء المهاجرين الخ وقال: أأنت منهم قال: لا. فقرأ عليه والذين تبوءُوا... الخ وقال هم الأَنصار أأنت منهم قال: لا. وقرأ عليه: والذين جاءُوا الخ وقال: أأنت منهم. قال: أرجو أن أكون منهم. قال: لا والله. ليس من هؤلاء من سب هؤلاء، وذلك كالصفرية والنجدية والأَزارقة القائلين بتشريك على وكل من فعل كبيرة وبحل دم الفاعل لها وماله وكالشيعة المخطئين للصديق عمر وعثمان المصوبين للإِمام على وحده، وكالأَمويين المنافسين له فى الإِمامة. وعن مالك من كان له فى أَحد من الصحابة رضى الله عنهم قول سئ أو بغض فلا حظ له فى الفئ. لهذه الآية وليس من ذلك أن يقال الصحابى ظلم فى كذا أو ما يحق له أن يفعل كذا والمسلمون المهاجرون والأَنصار والتابعون إِلى أخر الزمان ولا يجوز لأَحد أن يخرج عن ذلك وليس من الخروج عنهم أن يقال الحق مع فلان من الصحابة أو غيرهم لا مع فلان وإِن فعل كذا غير صواب وإِن فعل كذا كبيرة يستحق فاعلها العقاب وكان بعض الناس على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يذمون بعض الصحابة على غير موجب فقال - صلى الله عليه وسلم -: حديث : دعوا أصحابي فإِن أحدكم لو أنفق مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه تفسير : كما فى البخارى ومسلم، عن أبى سعيد وفى مسلم عن عروة بن الزبير قالت عائشة: يا ابن أُختى أمروا أن يستغفروا لأَصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم - فسبوهم وذلك حين الفتن بين بنى هاشم وبنى أُمية، قوم على وقوم عثمان. وجاءت الصفرية بعد ذلك بأَنه: من فعل كبيرة كان مشركا صحابيا أو غير صحابى. وفى الترمذى عن عبد الله بن معقل، سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : الله الله في أصحابي. لا تتخذوهم غرضاً بعدي، فمن أحبهم فبحبي أحبهم ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم ومن آذاهم فقد آذاني ومن أذاني فقد آذى الله سبحانه ومن آذى الله تعالى يوشك أن يأَخذه" تفسير : ، وأنت خبير بأَحوال الروافض فى الصحابة، يقولون فيهم السوء إِلا الإِمام عليا ومن معه. فضلت اليهود والنصارى وزادت الروافض قالت اليهود خير ملتنا أصحاب موسى والنصارى خير ملتنا حوارى عيسى والروافض شر ملتنا أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم - قال جابر قيل لعائشة إِن ناسا يتناولون الصحابة حتى أبا بكر وعمر فقالت: وما تعجبون من هذا انقطع عنهم العمل وأحب الله أن لا ينقطع عنهم الأَجر وحب الصحابة كالمطبوع فى القلوب والله أعلم بما يصيبنى إِذا تذكرت قوله - صلى الله عليه وسلم - للملائكة أصيحابى أصيحابى إِذ أجروا بعضا من الصحابة وقولهم ما تدرى ما أحدثوا بعدك، وقوله صلى الله عليه وسلم - "حديث : فسحقاً سحقاً" تفسير : والله ما ندرى من المراد فى الحديث. {أَلَمْ تَرَ} يا محمد أو يا من يصلح للتعجب فإِن الآية تعجيب بأَحوال المنافقين {إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا} هم رهط من بنى عوف منهم عبد الله بن أبى ابن سلول بإِثبات ألف ابن الثانى لأَن ابن الثانى تابع لعبد الله لا لأبى ووديعة بن مالك وسويد وداعس. وقال السدى أسلم ناس من قريظة والنضير وفيهم منافقون والصحيح الأَول، وعلى كل حال أرسل هؤلاء المنافقون المرادون فى الآية بما تضمنه قوله تعالى {يَقُولُونَ لإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أهْلِ الْكِتَابِ} إِلخ والمضارع للتجدد وإِحضار ما مضى كالمشاهد والمراد بالأُخوة الأخوة فى الدين والكفر الشرك، فهؤلاء المنافقون مشركون لإِضمارهم الشرك إِذ سماهم المشركين وأهل الكتاب مشركون ولو آمنوا بالتوراة والإِنجيل والأَنبياء لكفرهم برسول الله صلى الله عليه وسلم - والقرآن، ويجوز أن تفسير الأُخوة بالصداقة والأَكثر فى الدين الإِخوان وفى النسب والصداقة الأُخوة. {لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ} من بلادكم أخرجكم محمد {لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ} من بلادنا نصرة لكم وتقليلا لأَصحاب محمد متبعين لكم حيث ذهبتم {وَلاَ نُطِيعُ فِيكُمْ} فى شأنكم مما يسوؤكم وقيل من قتال أو خذلان وما دون ذلك وفيه أن تقدير القتال مترقب بعد ولأَن وعدهم لهم على ذلك التقدير ليس مجرد طاعتهم لمن يدعوهم إِلى قتالهم بل نصرهم عليه كما قال ولئن قوتلتم لننصرنكم (أحَدًا) يعطلنا عن الخروج {أبَدًا} ولو طال الزمان {وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ} على عدوكم ودعوة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - للمنافقين إِلى خذلان اليهود لا تتصور فضلا عن أن يدعوا عدم طاعتهم فيها، لأَنها لو كانت لكانت عند استعدادهم لنصرهم وإِظهار الكفر وإِنما شأنه - صلى الله عليه وسلم - عند ذلك قتلهم لا دعوتهم إِلى ترك نصر اليهود وليس الخروج معهم بهذه المرتبة من إِظهار الكفر لإِمكان أن خروجهم معهم للصداقة لا للموافقة فى الدين {وَاللهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ} فى وعد الخروج معهم وانتفاء طاعتهم لأَحدهم فيه وكاذبون فى وعد النصر كما بين كذبهم بقوله تعالى {لَئِنْ أُخْرِجُوا لاَ يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِنْ قُوتِلُوا لاَ يَنْصُرُونَهُمْ} وفى ذلك تضمن تكذيب قولهم لا نطيع فيكم أحدا أبداً قالوه مع أنه لم يطلب منهم شئ فى شأنهم والسورة نزلت قبل وقعة النضير فكان ذلك إِخبارا بالغيب إِذ بعث عبد الله بن أُبى إِليهم سرا ألا يخرجوا وأن ينصرهم وأنهم إِن خرجوا خرج معهم هو ومن معه، فأَخبر الله تعالى عز وجل نبيه - صلى الله عليه وسلم - بذلك. {وَلَئِنْ نَّصَرُوهُمْ} شرعوا فى كسب النصر لهم على سبيل الفرض {لَيُوَلُنَّ الأَدْبَارَ} الواو فى نصروهم والمحذوفة فى يولن للمنافقين وفى قوله {ثُمَّ لاَ يُنصَرُونَ} لليهود لا تنصر اليهود بل تهلك ولا يرد عنهم المنافقون شيئا، وقيل واو لا ينصرون للمنافقين وقيل واو يولن المحذوفة لليهود وقيل واو نصروهم لليهود والهاء للمنافقين أى لئن نصر اليهود المنافقين ليولين اليهود الأَدبار، وفيه أن المتبادر من الآية عكس هذا وإِنما قال ولئن نصروهم بعد الإِخبار بأَنهم لا ينصرونهم على سبيل الفرض والتقدير كقوله تعالى: لئن أشركت ليحبطن عملك وكما يعلم ما يكون، يعلم ما لا يكون لو كان كيف يكون كما قال - صلى الله عليه وسلم - فى أطفال المشركين والمنافقين الله أعلم بما كانوا عاملين لو كانوا عاملين.

الالوسي

تفسير : {وَلَوْلاَ أَن كَتَبَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمُ ٱلْجَلاَء } أي الإخراج أو الخروج عن أوطانهم على ذلك الوجه الفظيع {لَعَذَّبَهُمْ فِى ٱلدُّنْيَا } بالقتل كأهل بدر وغيرهم أو كما فعل سبحانه ببني قريظة في سنة خمس إذ الحكمة تقتضيه لو لم يكتب الجلاء عليهم. وجاء أجليت القوم عن منازلهم أي أخرجتهم عنها وأبرزتهم، وجلوا عنها خرجوا وبرزوا، ويقال أيضاً: جلاهم؛ وفرق بعضهم بين الجلاء والإخراج بأن الجلاء ما كان مع الأهل والولد، والإخراج قد يكون مع بقاء الأهل والولد. وقال الماوردي: الجلاء لا يكون إلا لجماعة، والإخراج قد يكون لواحد ولجماعة. ويقال فيه: الجلأ مهموزاً من غير ألف كالنبأ، وبذلك قرأ الحسن بن صالح وأخوه علي بن صالح وطلحة. و(أن) مصدرية لا مخففة واسمها ضمير شأن كما توهمه عبارة «الكشاف»، وقد صرح بذلك الرضي. وقوله تعالى: {وَلَهُمْ فِى ٱلأَخِرَةِ عَذَابُ ٱلنَّارِ } استئناف غير متعلق بجواب {لَوْلاَ } أي إنهم إن نجوا من عذاب الدنيا وهو القتل لأمر أشق عليهم وهو الجلاء لم ينجوا من عذاب الآخرة؛ فليس تمتعهم أياماً قلائل بالحياة وتهوين أمر الجلاء على أنفسهم بنافع، وفيه إشارة إلى أن القتل أشدّ من الجلاء لا لذاته بل لأنهم يصلون عنده إلى عذاب النار، وإنما أوثر الجلاء لأنه أشق عندهم وأنهم غير معتقدين لما أمامهم من عذاب النار أو معتقدون ولكن لا يبالون به بالة، ولم تجعل حالية لاحتياجها للتأويل لعدم المقارنة.

ابن عاشور

تفسير : {وَلَوْلاَ أَن كَتَبَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمُ ٱلْجَلاَءَ لَعَذَّبَهُمْ فِى ٱلدُّنْيَا}. جملة معترضة ناشئة عن جملة {أية : هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب}تفسير : [الحشر: 2]. فالواو اعتراضية، أي أخرجهم الله من قريتهم عقاباً لهم على كفرهم وتكذيبهم للرسول صلى الله عليه وسلم كما قال: {أية : ذلك بأنهم شاقّوا الله ورسوله}تفسير : [الحشر: 4] ولو لم يعاقبهم الله بالجلاء لعاقبهم بالقَتل والأسر لأنهم استحقّوا العقاب. فلو لم يقذف في قلوبهم الرعب حتى استسلموا لعاقبهم بجوع الحصار وفتح ديارهم عنوة فعذبوا قتلاً وأسراً. والمراد بالتعذيب: الألم المحسوس بالأبدان بالقتل والجرح والأسر والإِهانة وإلاّ فإن الإِخراج من الديار نكبة ومصيبة لكنها لا تدرك بالحس وإنما تدرك بالوجدان. و{لولا} حرف امتناع لوجود، تفيد امتناع جوابها لأجل وجود شرطها، أي وجود تقدير الله جلاءهم سبب لانتفاء تعذيب الله إياهم في الدنيا بعذاب آخر. وإنما قدر الله لهم الجلاء دون التعذيب في الدنيا لمصلحة اقتضتها حكمته، وهي أن يأخذ المسلمون أرضهم وديارهم وحوائطهم دون إتلاف من نفوس المسلمين مما لا يخلو منه القتال لأن الله أراد استبقاء قوة المسلمين لما يستقبل من الفتوح، فليس تقدير الجلاء لهم لقصد اللطف بهم وكرامتهم وإن كانوا قد آثروه على الحرب. ومعنى {كتب الله عليهم} قَدّر لهم تقديراً كالكتابة في تحقق مضمونه وكان مظهر هذا التقدير الإِلهي ما تلاحق بهم من النكبات من جلاء النضير ثم فتح قريظة ثم فتح خيبر. والجلاء: الخروج من الوطن بنية عدم العود، قال زهير: شعر : فإن الحق مقطعه ثلاث يمين أو نفارٌ أو جَلاء تفسير : وأعلم أن {أنْ} الواقعة بعد {لولا} هنا مصدريةٌ لأن {أَنْ} الساكنة النون إذا لم تقع بعد فعل عِلم يقين أو ظن ولا بعد ما فيه معنى القول، فهي مصدرية وليست مخففة من الثقيلة. {وَلَهُمْ فِي ٱلآخِرَةِ عَذَابُ ٱلنَّارِ}. عطف على جملة {ولولا أن كتب الله عليهم} الآية، أو على جملة {أية : هو الذي أخرج الذين كفروا}تفسير : [الحشر: 2] الآيات، وليس عطفاً على جواب {لولا} فإن عذاب النار حاقّ عليهم وليس منتفياً. والمقصود الاحتراس من توهم أنَّ الجلاء بَدل من عذاب الدنيا ومن عذاب الآخرة.

د. أسعد حومد

تفسير : (3) - وَلَوْلاَ أَنَّ اللهَ تَعَالَى قَدَّرَ جَلاَءَهُمْ مِنَ المَدِينَةِ، وَخُرُوجَهُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ عَلَى هَذَا الوَجْهِ المُهِينِ، لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا بِمَا هُوَ أَفْظَعُ مِنْهُ كَالقَتْلِ وَالأَسْرِ وَالسَّبْيِ، لأَِنَّ اللهَ كَتَبَ عَلَيْهِمْ أَنَّهُ سَيُعَذِّبُهُمْ فِي الدُّنْيَا مَعَ مَا أَعَدَّ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ مِنَ العَذَابِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ. الجَلاَءُ - الخُرُوجُ مِنَ الدَِّيَارِ بِالأَهْلِ وَالوَلَدِ.

زيد بن علي

تفسير : أخبرنا أبو جعفر. قال: حدثنا علي بن أحمد. قال: حدّثنا عطاء بن السّائب عن أبي خالد عن زيد بن علي عليهما السّلامُ في قولهِ تعالى: {وَلَوْلاَ أَن كَتَبَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمُ ٱلْجَلاَءَ لَعَذَّبَهُمْ} معناه الخُروجُ من أرضٍ إلى أرضٍ. وهو الحَشرُ. ويقالُ: القَتلُ.