Verse. 5131 (AR)

٥٩ - ٱلْحَشْر

59 - Al-Hashr (AR)

مَا قَطَعْتُمْ مِّنْ لِّيْنَۃٍ اَوْ تَرَكْتُمُوْہَا قَاۗىِٕمَۃً عَلٰۗي اُصُوْلِہَا فَبِـاِذْنِ اللہِ وَلِيُخْزِيَ الْفٰسِقِيْنَ۝۵
Ma qataAAtum min leenatin aw taraktumooha qaimatan AAala osooliha fabiithni Allahi waliyukhziya alfasiqeena

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«ما قطعتم» يا مسلمون «من لينة» نخلة «أو تركتموها قائمة على أصولها فبأذن الله» أي خيَّركم في ذلك «وليخزيَ» بالإذن في القطع «الفاسقين» اليهود في اعتراضهم أن قطع الشجر المثمر فساد.

5

Tafseer

الرازي

تفسير : فيه مسائل: المسألة الأولى: {مّن لِّينَةٍ } بيان لِـ{مَا قَطَعْتُمْ }، ومحل {مَا } نصب بقطعتم، كأنه قال: أي شيء قطعتم، وأنث الضمير الراجع إلى ما في قوله: {أَوْ تَرَكْتُمُوهَا } لأنه في معنى اللينة. المسألة الثانية: قال أبو عبيدة: اللينة النخلة ما لم تكن عجوة أو برنية، وأصل لينة لونة، فذهبت الواو لكسرة اللام، وجمعها ألوان، وهي النخل كله سوى البرني والعجوة، وقال بعضهم: اللينة النخلة الكريمة، كأنهم اشتقوها من اللين وجمعها لين، فإن قيل: لم خصت اللينة بالقطع؟ قلنا: إن كانت من الألوان فليستبقوا لأنفسهم العجوة والبرنية، وإن كانت من كرام النخل فليكون غيظ اليهود أشد. المسألة الثالثة: قال صاحب الكشاف: قرىء (قوماً على أصلها)، وفيه وجهان أحدهما: أنه جمع أصل كرهن ورهن، واكتفى فيه بالضمة عن الواو، وقرىء (قائماً على أصوله)، ذهاباً إلى لفظ ما، وقوله: {فَبِإِذْنِ ٱللَّهِ } أي قطعها بإذن الله وبأمره {وَلِيُخْزِىَ ٱلْفَـٰسِقِينَ } أي ولأجل إخزاء الفاسقين، أي اليهود أذن الله في قطعها. المسألة الرابعة: روي أنه عليه الصلاة والسلام حين أمر أن يقطع نخلهم ويحرق، قالوا: يا محمد قد كنت تنهى عن الفساد في الأرض فما بال قطع النخل وتحريقها؟ وكان في أنفس المؤمنين من ذلك شيء، فنزلت هذه الآية، والمعنى أن الله إنما أذن في ذلك حتى يزداد غيظ الكفار، وتتضاعف حسرتهم بسبب نفاذ حكم أعدائهم في أعز أموالهم. المسألة الخامسة: احتج العلماء بهذه الآية على أن حصون الكفرة وديارهم لا بأس أن تهدم وتحرق وتغرق وترمى بالمجانيق، وكذلك أشجارهم لا بأس بقلعها مثمرة كانت أو غير مثمرة، وعن ابن مسعود قطعوا منها ما كان موضعاً للقتال. المسألة السادسة: روي أن رجلين كانا يقطعان أحدهما العجوة، والآخر اللون، فسألهما رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال هذا: تركتها لرسول الله، وقال هذا: قطعتها غيظاً للكفار، فاستدلوا به على جواز الاجتهاد، وعلى جوازه بحضرة الرسول.

القرطبي

تفسير : فيه خمس مسائل: الأولى: قوله تعالى: {مَا قَطَعْتُمْ مِّن لِّينَةٍ} «ما» في محل نصب بـ «قَطَعْتُمْ»؛ كأنه قال: أي شيء قطعتم. وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم لما نزل على حصون بني النضير ـ وهي البُوَيْرة ـ حين نقضوا العهد بمعونة قريش عليه يوم أُحُد، أمر بقطع نخيلهم وإحراقها. واختلفوا في عدد ذلك؛ فقال قتادة والضحاك: إنهم قطعوا من نخيلهم وأحرقوا ست نخلات. وقال محمد بن إسحاق: إنهم قطعوا نخلة وأحرقوا نخلة. وكان ذلك عن إقرار رسول الله صلى الله عليه وسلم أو بأمره؛ إمّا لإضعافهم بها وإما لسعة المكان بقطعها. فشقّ ذلك عليهم فقالوا ـ وهم يهود أهل الكتاب ـ: يا محمد، ألست تزعم أنك نبيّ تريد الصلاح، أفمن الصلاح قطع النخل وحرق الشجر؟ وهل وجدت فيما أنزل الله عليك إباحة الفساد في الأرض!؟ فشقّ ذلك على النبي صلى الله عليه وسلم. ووجد المؤمنون في أنفسهم حتى اختلفوا؛ فقال بعضهم: لا تقطعوا مما أفاء الله علينا. وقال بعضهم: ٱقطعوا لنغيظهم بذلك. فتزلت الآية بتصديق من نهى عن القطع وتحليل من قطع من الإثم، وأخبر أن قطعه وتركه بإذن الله. وقال شاعرهم سماك اليهودي في ذلك:شعر : ألَسْنا ورِثنا الكتاب الحكيم على عهد موسى ولم نَصْدِفِ وأنتم رِعاءٌ لِشاءٍ عجاف بسَهْلِ تِهامة والأَخْيَف تَرَوْن الرعاية مجداً لكم لدى كلّ دهرٍ لكم مُجْحف فيأيها الشاهدون أنتهُوا عن الظلم والمنطق المُؤْنف لعل الليالي وصَرفَ الدُّهور يُدِلْنَ من العادل المنصف بقَتْل النَّضِير وإجلائها وعَقْرِ النخيل ولم تُقْطفِ تفسير : فأجابه حسان بن ثابت:شعر : تفاقد مَعْشَرٌ نصرُوا قريشاً وليس لهم ببلدتهم نَصيرُ هُمُو أوتوا الكتاب فضيّعوه وهم عُمْيٌ عن التوراة بُورُ كفرتم بالقُرآن وقد أبيتم بتصديق الذي قال النذير وهان على سَراة بني لُؤَيٍّ حريقٌ بالبُوَيْرةِ مستطير تفسير : فأجابه أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب:شعر : أدام الله ذلك من صنيع وحرَّق في نواحيها السَّعِيرُ ستعلم أيُّنا منها بنُزْهٍ وتعلم أي أرْضَيْنا تَصير فلو كان النخيل بها رِكاباً لقالوا لا مُقام لكم فسِيرُوا تفسير : الثانية: كان خروج النبي صلى الله عليه وسلم في ربيع الأوّل أوّل السنة الرابعة من الهجرة، وتحصَّنوا منه في الحصون، وأمر بقطع النخل وإحراقها، وحينئذ نزل تحريم الخمر. ودسّ عبد الله بن أُبَيّ بن سَلُول ومن معه من المنافقين إلى بني النضير: إنا معكم، وإن قوتلتم قاتلنا معكم، وإن أخرجتم خرجنا معكم؛ فاغترُّوا بذلك. فلما جاءت الحقيقة خذلوهم وأسلموهم وألقوا بأيديهم، وسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكف عن دمائهم ويُجْلِيهم؛ على أن لهم ما حملت الإبل من أموالهم إلا السلاح، فاحتملوا كذلك إلى خيبر، ومنهم من سار إلى الشام. وكان ممن سار منهم إلى خَيْبَر أكابرهم؛ كُحَيِّ بن أَخْطَب، وسَلاّم بن أبي الحُقيْق، وكنانة بن الربيع. فدانت لهم خَيبر. الثالثة: ثبت في صحيح مسلم وغيره عن ابن عمر أن رسول صلى الله عليه وسلم قطع نخل بني النَّضير وَحرَّق. ولها يقول حسان:شعر : وهان على سَرَاة بني لُؤَيٍّ حريقٌ بالبُوَيْرة مستطير تفسير : وفي ذلك نزلت: «مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لينَةٍ» الآية. واختلف الناس في تخريب دار العدوّ وتحريقها وقطع ثمارها على قولين: الأول ـ أن ذلك جائز؛ قاله في المدوّنة. الثاني ـ إن علم المسلمون أن ذلك لهم لم يفعلوا، وإن يئسوا فعلوا؛ قاله مالك في الواضحة. وعليه يناظر أصحاب الشافعي، ابن العربي: والصحيح الأوّل. وقد علم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نخل بني النَّضير له؛ ولكنه قَطع وحَرَّق ليكون ذلك نكاية لهم ووَهْنًا فيهم حتى يخرجوا عنها. وإتلافُ بعض المال لصلاح باقيه مصلحة جائزة شرعاً، مقصودة عقلا. الرابعة ـ قال الماوردي: إن في هذه الآية دليلاً على أن كلّ مجتهد مصيب. وقاله الكِيَا الطَّبَرىّ قال: وإن كان الاجتهاد يبعد في مثله مع وجود النبي صلى الله عليه وسلم بين أظهرهم، ولا شك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى ذلك وسكت؛ فتلَقَّوا الحكم من تقريره فقط. قال ابن العربيّ: وهذا باطل: لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان معهم، ولا اجتهاد مع حضور رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنما يدل على اجتهاد النبي صلى الله عليه وسلم فيما لم ينزل عليه: أخذًا بعموم الاْذِيّة للكفار، ودخولاً في الإذن للكل بما يقضي عليهم بالاْجتياح والبوار: وذلك قوله تعالى: {وَلِيُخْزِيَ ٱلْفَاسِقِينَ}. الخامسة ـ اختلف في اللِّينة ما هي؛ على أقوال عشرة: الأوّل ـ النخل كله إلا العَجْوة؛ قاله الزهري ومالك وسعيد بن جُبير وعِكْرمة والخليل. وعن ابن عباس ومجاهد والحسن: أنها النخل كله، ولم يستثنوا عَجْوة ولا غيرها. وعن ابن عباس أيضاً: أنها لون من النخل. وعن الثوري: أنها كرام النخل. وعن أبي عبيدة: أنها جميع ألوان التمر سوى العجوة والبَرْنِي. وقال جعفر بن محمد: إنها العجوة خاصّةً. وذكر أن العتيق والعجوة كانتا مع نوح عليه السلام في السفينة. والعتيق: الفحل. وكانت العجوة أصل الإناث كلها فلذلك شق على اليهود قطعها؛ حكاه الماورديّ. وقيل: هي ضرب من النخل يقال لتمره: اللَّون، تمره أجود التمر، وهو شديد الصفرة، يُرَى نواه من خارجه ويغيب فيه الضِّرس؛ النخلة منها أحبّ إليهم من وَصِيف. وقيل: هي النخلة القريبة من الأرض. وأنشد الأخفش:شعر : قد شجاني الحمام حين تَغَنَّى بفراق الأحباب من فوق لِينَهْ تفسير : وقيل: إن اللِّينة الفَسِيلة؛ لأنها ألين من النخلة. ومنه قول الشاعر:شعر : غَرَسُوا لِينها بمجرى مَعِين ثم حَفّوا النخل بالآجام تفسير : وقيل: إن اللينة الأشجارُ كلّها للينها بالحياة؛ قال ذو الرمّة:شعر : طِراقُ الخَوَافي واقعٌ فوق لِينة نَدَى ليله في ريشه يترقرق تفسير : والقول العاشر ـ أنها الدقَل؛ قاله الأصمعي. قال: وأهل المدينة يقولون لاتنتفخ الموائد حتى توجد الألوان؛ يعنون الدَّقَل. قال ابن العربيّ: والصحيح ما قاله الزهريّ ومالك لوجهين: أحدهما ـ أنهما أعرف ببلدهما وأشجارهما. الثاني ـ أن الاشتقاق يَعْضُده، وأهل اللُّغة يصححونه؛ فإن اللينة وزنها لُونة، واعتلّت على أصولهم فآلت إلى لِينة فهي لون، فإذا دخلت الهاء كُسر أولها؛ كَبْرك الصدر (بفتح الباء) وبِرْكه (بكسرها) لأجل الهاء. وقيل لِينة أصلها لِوْنة فقلِبت الواو ياء لانكسار ما قبلها. وجمع اللينة لِين. وقيل: لِيان؛ قال امرؤ القيس يصف عنق فرسه:شعر : وسالفة كسَحُوقِ اللِّيا نِ أضْرَم فيها الغَويُّ السُّعُرْ تفسير : وقال الأخفش: إنما سميت لينة اشتقاقاً من اللَّون لا من اللين. المهدوِىّ: واختلف في اشتقاقها؛ فقيل: هي من اللون وأصلها لونة. وقيل: أصلها لِينة من لان يلين. وقرأ عبد الله «ما قطعتم مِن لِينةٍ ولا تركتم قوماء على أصولها» أي قائمة على سوقها. وقرأ الأعمش «ما قطعتم مِن لِينةٍ أو تركتموها قُوَّمًا على أصولِها» المعنى لم تقطعوها. وقرىء «قَوْماء على أُصُلِها». وفيه وجهان: أحدهما ـ أنه جمع أصلٍ؛ كَرَهْن ورُهُن. والثاني ـ اكْتُفِي فيه بالضمة عن الواو. وقرىء «قائماً على أصوله» ذهاباً إلى لفظ «ما». {فَبِإِذْنِ ٱللَّهِ} أي بأمره {وَلِيُخْزِيَ ٱلْفَاسِقِينَ} أي ليذلّ اليهود الكفار به وبنبيّه وكتبه.

المحلي و السيوطي

تفسير : {مَا قَطَعْتُمْ } يا مسلمون {مِّن لِّينَةٍ } نخلة {أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَىٰ أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ ٱللَّهِ } أي خيّركم في ذلك {وَلِيُخْزِىَ } بالإِذن في القطع {ٱلْفَٰسِقِينَ } اليهود في اعتراضهم أن قطع الشجر المثمر فساد.

ابن عبد السلام

تفسير : {لِّينَةٍ} النخلة من أي صنف كانت أو كرام النخل أو العجوة وكانت العجوة والعتيق مع نوح في السفينة والعتيق الفحل وكانت العجوة أصول الإناث كلها ولذلك شق على اليهود قطعها أو اللينة الفسيلة لأنها ألين من النخلة أو جميع الأشجار للينها بالحياة وقال الأخفش اللينة من اللون لا من اللين قطعوا وأحرقوا ست نخلات أو قطعوا نخلة وحرقوا أخرى توسيعاً للمكان أو إضعافاً لهم فقالوا ألست تزعم أنك نبي تريد الصلاح أفمن الصلاح قطع النخل وعقر الشجر. وقال شاعرهم سماك اليهودي: شعر : ألسنا ورثنا الكتاب الحكيم على عهد موسى ولم نصدف وأنتم رعاء لشاء عجاف بسهل تهامة والأخيف ترون الرعاية مجداً لكم لدى كل دهر لكم مجحف فيا أيها الشاهدون انتهوا عن الظلم والمنطق الموكف لعل الليالي وصرف الدهور يديل من العادل المنصف بقتل النضير وأجلائها وعقر النخيل ولم يقطف تفسير : فأجابه حسان بن ثابت: شعر : هم أوتوا الكتاب فضيعوه وهم عمي عنا لتوراة بور كفرتم بالقرآن وقد أبيتم بمصداق الذي قال النذير فهان على سراة بني لؤي حريق بالبويرة مستطير تفسير : وحز في صدور بعض المسلمين ما فعلوه فقالوا هذا فساد، وقال آخرون: هذا مما تحدى الله به أعداءه وينصر به أولياءه، فقالوا: يا رسول الله هل لنا فيما قطعنا من أجر وفيما تركنا من وزر فشق ذلك على الرسول صلى الله عليه وسلم فنزلت.

الثعالبي

تفسير : وقوله تعالى: {مَا قَطَعْتُمْ مِّن لِّينَةٍ...} الآيةُ سببُهَا قولُ اليهود: ما هذا الإفساد يا محمد وأنت تنهى عن الفساد؟! فَرَدَّ اللَّهُ عليهم بهذِهِ الآية، قال ابن عباس وجماعة من اللغويين: اللِّينَةُ من النخيل: ما لم يكن عجوةً، وقيل غير هذا. * ص *: أصل «لِينَة»: لونة، فقلبوا الواوَ ياءً لسكونها وانكسارِ ما قبلها، وجمعه لِينٌ؛ كَتَمْرَةٍ وَتَمْرٍ، قال الأخفش: واللينة كأنَّها لونٌ من النخل، أي: ضرب منه، انتهى. وقوله عز وجل: {وَمَا أَفَاءَ ٱللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْهُمْ...} الآية، إعلام بأَنَّ ما أخذ لبني النضير ومن فَدَك، هو خاصٌّ بالنبيِّ صلى الله عليه وسلم، وليس على حكم الغنيمة التي يوجف عليها ويقاتل فيها؛ بل على حكم خُمُسِ الغنائم؛ وذلك أَنَّ بني النضير لم يُوجَفْ عليها ولا قُوتِلَتْ كبيرَ قتالٍ، فأخذ منها صلى الله عليه وسلم قُوتَ عيالِهِ، وقَسَمَ سائرها في المهاجرين، وأدخل معهم أبا دُجَانَةَ وسَهْلَ بن حنيف من الأنصار؛ لأَنَّهما شكيا فقراً، والإيجاف: سرعة السير، والوجيف دون التقريب؛ يقال: وَجَفَ الفرسُ وأوجفه الراكبُ. وقوله تعالى: {مَّا أَفَاءَ ٱللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ ٱلْقُرَىٰ...} الآية: أهل القرى في هذه الآية: هم أهل الصفراء والينبوع ووادي القرى وما هنالك من قرى العرب، وذلك أَنَّها فُتِحَتْ في ذلك الوقت من غير إيجاف، وأعطى رسولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم جميعَ ذلك للمهاجرين، ولم يحبس منها لنفسه شيئاً، ولم يعط الأنصار شيئاً لغناهم، والقُرْبَى في الآية: قرابته صلى الله عليه وسلم مُنِعُوا الصدقةَ فَعُوِّضُوا من الفيء. وقوله سبحانه: {كَى لاَ يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ ٱلأَغْنِيَاءِ مِنكُمْ}: مخاطبة للأنصار؛ لأَنَّهُ لم يكن في المهاجرين في ذلك الوقت غَنِيٌّ، والمعنى: كي لا يتداول ذلك المالَ الأغنياءُ بتصرفاتهم، ويبقى المساكينُ بلا شيءٍ، وقد مضى القولُ في الغنائم في سورة الأنفال، ورُوِيَ أَنَّ قوماً من الأنصار تَكَلَّمُوا في هذه القرى المُفْتَتحَةِ، وقالوا: لنا منها سَهْمُنَا، فنزل قوله تعالى: {وَمَا ءَاتَـٰكُمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ...} الآية: فَرَضُوا بذلك، ثم اطَّرَدَ بعدُ معنى الآية في أوامر النبي صلى الله عليه وسلم ونواهيه، حَتَّى قال قوم: إنَّ الخمر مُحَرَّمَةٌ في كتاب اللَّه بهذه الآية، وانتزع منها ابن مسعود لعنة الواشمة، الحديث. * ت *: وبهذا المعنى يحصل التعميم للأشياء في قوله تعالى: {أية : مَّا فَرَّطْنَا فِى ٱلكِتَـٰبِ مِن شَىْءٍ }.

ابن عادل

تفسير : قوله: {مَا قَطَعْتُم مِّن لِّينَةٍ}. "ما" شرطية في موضع نصب بـ "قطعتم"، و "من لينة" بيان له، و "فبإذن الله" جزاء الشرط، فلا بد من حذف، أي: فقطعها بإذن الله، فيكون "بإذن الله" الخبر لذلك المبتدأ. واللِّيْنة: فيها خلاف كبير. قيل: هي النَّخْلة مطلقاً. وأنشد الشاعر في ذلك: [الطويل] شعر : 4737- كَأنَّ قُتُودِي فوقهَا عُشُّ طَائرٍ عَلَى لِينَةٍ سَوْقاءَ تَهْفُو جُنُوبُهَا تفسير : وقال ذو الرمة: [الطويل] شعر : 4738- طِرَاقُ الخَوافِي واقِعٌ فَوْقَ لِينَةٍ نَدَى لَيْلهِ فِي رِيشِهِ يَتَرقْرَقُ تفسير : وقيل: هي النَّخْلة ما لم تكن عجوة. قاله الزهري، ومالك، وسعيد بن جبير وعكرمة، والخليل. وقيل: ما لم تكن عجوة ولا برنيَّة، وهو قول أبي عبيدة. قال جعفر بن محمد: هي العجوة خاصة، وذكر أن العتيق والعجوة كانتا مع نوح في السفينة والعتيق: الفَحْل، وكانت العجوة أصل الإناث كلها، فلذلك شقّ على اليهود قطعها حكاه الماوردي. وقيل: هي النَّخْلة الكريمة، أي: القريبة من الأرض. وأنشد الأخفش رحمة الله عليه: [الخفيف] شعر : 4739- قَدْ شَجَانِي الحمَامُ حِينَ تَغَنَّى بِفِراقِ الأحْبَابِ مِنْ فَوْقِ لِينَهْ تفسير : وقال سفيان بن عيينة: هي ضرب من النخل، يقال لثمره: اللَّون. تمره أجود التَّمر، وهو شديد الصُّفرة يرى نواه من خارجه، ويغيب فيه الضِّرْس، النخلة منها أحب إليهم من وصيف. وقيل: هي الفَسِيْلة؛ لأنها ألينُ من النخلة. وأنشد: [الخفيف] شعر : 4740- غَرَسُوا لِينَةً بِمَجْرَى مَعِينٍ ثُمَّ حَفُّوا النَّخِيلَ بالآجَامِ تفسير : وقيل: اللينة هي الأشجار كلها للينها بالحياة، وأنشد بيت ذي الرمة المتقدم. وقال الأصمعي: إنها الدَّقَل. قال: وأهل "المدينة" يقولون: لا تنتفخ الموائد حتى توجد الألوان يعنون الدَّقل. قال ابن العربي: "والصَّحيح ما قاله الزهري ومالك". وفي عين "لينة" قولان: أحدهما: أنها "واو"؛ لأنها من اللون، وإنما قلبت ياء لسكونها، وانكسار ما قبلها كـ "ديمة" و "قيمة". الثاني: أنها "ياء"؛ لأنها من اللين. وجمع اللينة "لين"؛ لأنه من باب اسم الجنس كـ "تمرة، وتمر". وقد كسر على "ليان" وهو شاذّ؛ لأن تكسير ما يفرق بتاء التأنيث شاذ كـ "رطبة ورطب وأرطاب". وأنشد: [المتقارب] شعر : 4741- وسَالِفَةٍ كَسَحُوقِ اللِّيَا نِ أضْرَمَ فيهَا الغَويُّ الشُّعُرْ تفسير : والضمير في قوله "تَرَكْتُمُوهَا" عائد على معنى "ما". قوله: "قَائِمَةً". قرأ عبد الله والأعمش وزيد بن علي: "قُوَّماً" على وزن "ضُرَّباً" جمع "قائم" مراعاة لمعنى "ما" فإنه جمع. وقرأ عبد الله، {ما قطعتم من لينةٍ ولا تركتموها على أصولها} أي: لم تقطعوها. وقرىء: "قَائِماً" مفرداً مذكراً. وقوله: {أُصُولِهَا}. قرىء: "أصْلها" بغير "واو"، وفيه وجهان: أحدهما: أنه جمع "أصل" نحو: "رَهْن ورُهُن". والثاني: أن يكون حذف الواو استثقالاً لها، واكتفى بالضمة عن "الواو". فصل في نزول الآية روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما نزل بنو النضير، وتحصنوا بحصونهم أمر بقطع نخيلهم وإحراقها فجزع أعداء الله عند ذلك، وقالوا: يا محمد زعمت أنك تريد الصَّلاح، أفمن الصلاح قطع الشجر وعَقْر النخل؟ وهل وجدت فيما زعمت أنه أنزل عليك الفساد في الأرض؟ فوجد المسلمون في أنفسهم وخشوا أن ذلك فساداً، واختلفوا في ذلك. فقال بعضهم: لا تقطعوا فإنها مما أفَاءَ اللَّه علينا. وقال بعضهم: بل نُغيظهم بقطعها، وأنزل الله هذه الآية بتصديق من نهى عن قطعه، وتحليل من قطعه من الإثم. وروي عن عمر - رضي الله عنه - قال: حرَّق رسول الله صلى الله عليه وسلم نخل بني النضير وقطع وهي "البُويرة"، فنزل: {مَا قَطَعْتُم مِّن لِّينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَآئِمَةً عَلَىٰ أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ ٱللَّهِ} أخبر في هذه الآية أن ما قطعوه وما تركوه "فبإذْنِ الله" أي: بأمره {وَلِيُخْزِيَ ٱلْفَاسِقِينَ}. و "اللام" في "ليخزي" متعلقة بمحذوف أي: أذن في قطعها ليسرَّ المؤمنين ويعزهم ويخزي الفاسقين. فصل في هدم حصون الكفار احتجُّوا بهذه الآية على أنَّ حصون الكفرة وديارهُم يجوز هدمُهَا وتحريقُهَا وتغريقها وأن ترمى بالمجانيق وكذلك أشجارهم. وعن ابن مسعود - رضي الله عنه - أنهم قطعوا منها ما كان موضعاً للقتال. وروي أن رجلين كانا يقطعان أحدهما العجوة والآخر اللون، فسألهما رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال هذا: تركتها لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال الآخر: قطعتها غيظاً على الكُفَّار. واستدلوا به على جواز الاجتهاد بحضرة النبي صلى الله عليه وسلم. قال الماوردي رحمه الله: في هذه الآية دليل على أن كل مجتهد مصيب. وقال إلكيا الطبري: وإن كان الاجتهاد يبعد في مثله مع وجود النبي صلى الله عليه وسلم بين أظهرهم، ولا شكَّ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى ذلك وسكت، فتلقوا الحكم من تقريره فقط. قال ابن العربي: وهذا باطل لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان معهم، ولا اجتهاد مع حضور النبي صلى الله عليه وسلم وإنما يدل على اجتهاد النبي صلى الله عليه وسلم فيما لم ينزل عليه أخذاً بعموم الأذية للكفار، ودخولاً في الإذْنِ للكل فيما يقضي عليهم بالبوارِ، وذلك قوله - عز وجل -: {وَلِيُخْزِيَ ٱلْفَاسِقِينَ}. قوله تعالى: {وَمَآ أَفَآءَ ٱللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ} الآية. قال المبرد: "يقال: أفاء يفيء، إذا رجع، وأفاء الله، إذا رده". وقال الأزهري: "الفَيْء: ما رده الله على أهل دينه من أموالٍ بلا قتالٍ إما بأن يجلوا عن أوطانهم ويخْلُوهَا للمسلمين، أو يصالحون على جزيةٍ يؤدّونها عن رءوسهم، أو مال غير الجزية يفتدون به من سفكِ دمائهم، كما فعله بنو النضير حين صالحوا رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن لكل ثلاثة منهم حمل بعير مما شاءوا سوى السلاح، ويتركوا الباقي، فهذا المال هو الفيءُ، وهو ما أفاء الله على المسلمين، أي: رده من الكفار على المسلمين". وقوله: "مِنْهُمْ" أي: من يهود بني النضير. قوله: {فَمَآ أَوْجَفْتُمْ}. الفاء جواب الشرط، أو زائدة، على أنها موصولة متضمنة معنى الشَّرط، و "ما" نافية. والإيْجَاف: حمل البعير على السَّير السريع، يقال: وجف البعير والفرس إذا أسرع، يَجِفُ وجْفاً ووَجِيفاً ووجفَاناً، وأوجفته أنا إيجافاً، أي: أتعبته وحركته. قال العجاج: [الرجز] شعر : 4742- نَاجٍ طَوَاهُ الأيْنُ مِمَّا وجَفَا تفسير : وقال نصيب: [الطويل] شعر : 4743- ألاَ رُبَّ رَكْبٍ قَدْ قطَعْتُ وجيفَهُمْ إلَيْكَ ولوْلاَ أنْتَ لَمْ يُوجفِ الرَّكْبُ تفسير : قوله تعالى: {مِنْ خَيْلٍ}. "من" زائدة، أي: خيلاً، والرِّكاب: الإبل، واحدها: راحلة، ولا واحد لها من لفظها. قال ابن الخطيب: والعرب لا يطلقون لفظ الرَّاكب إلاَّ على راكب البعير، ويسمون راكب الفرس فارساً. والمعنى: لم تقطعوا إليها شُقَّة، ولا لقيتم بها حرباً ولا مشقة، وإنما كانت من "المدينة" على ميلين قاله الفراء. فمشوا إليها مشياً ولم يركبوا خيلاً، ولا إبلاً إلا النبي صلى الله عليه وسلم فقيل: إنه ركب جملاً. وقيل: حماراً مخطُوماً بليفٍ، فافتتحها صُلْحاً. قال ابن الخطيب: إن الصحابة طلبوا من الرسول - عليه الصلاة والسلام - أن يقسم الفَيْءَ بينهم كما يقسم الغنيمة بينهم، فذكر الله - تعالى - الفرق بين الأمرين، وأن الغنيمة هي التي أتعبتم أنفسكم في تحصيلها، وأما الفيءُ فلم يوجف عليه بخيل ولا ركابٍ، فكان الأمر فيه مفوضاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم يضعه حيث يشاء. وها هنا سؤال، وهو أن أموال بني النَّضير أخذت بعد القتال؛ لأنهم حوصروا أياماً، وقاتلوا وقتلوا، ثم صالحوا على الجلاء، فوجب أن تكون تلك الأموال من جملة الغنائم لا من جملة الفيء؟ فلهذا السؤال ذكر المفسرون ها هنا وجهين: الأول: أن هذه الآية ما نزلت في قرى بني النضير؛ لأنهم أوجفوا عليه بالخيل والرِّكاب، وحاصرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون، بل هي فيء "فَدَك"؛ لأن أهله انجلوا عنه، فصارت تلك القرى والأموال التي في يد رسول الله صلى الله عليه وسلم من غير حربٍ، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأخذ من غلَّة "فدك" نفقته ونفقة من يعوله، ويجعل الباقي للسِّلاح والكراع، فلما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم ادعت فاطمة - رضي الله عنها - أنه كان نحلها "فدكاً"، فقال أبو بكر رضي الله عنه: أنت أعز الناس علي فقراً، وأحبهم إلي غنى، لكني لا أعرف صحة قولك، ولا يجوز لي أن أحكم بذلك، فشهدت لها أم أيمن ومولى للرسول صلى الله عليه وسلم فطلب منها أبو بكر الشَّاهد الذي يجوز شهادته في الشرع فلم يكن فأجرى أبو بكر ذلك على ما كان يجريه الرسول صلى الله عليه وسلم ينفق منه على من كان ينفق عليه الرسول، ويجعل ما يبقى في السلاح والكُراع. وكذلك عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - جعله في يد علي - رضي الله عنه - يجريه على هذا المجرى، ورد هذا في آخر عهد عمر - رضي الله عنه - وقال: إن بنا غنًى وبالمسلمين إليه حاجة. وكان عثمان - رضي الله عنه - يجريه كذلك، ثم عاد إلى علي - رضي الله عنه - فكان يجريه هذا المجرى، والأئمة الأربعة - رضي الله عنهم - اتَّفقوا على ذلك. والقول الثاني: أن هذه الآية نزلت في بني النضير وقراهم، وليس للمسلمين يومئذ كثير خيل ولا ركاب، ولم يقطعوا إليها مسافة كبيرة، وإنما كانوا على ميلين من "المدينة"، فمشوا إليها مشاة، ولم يركب إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما كانت المقاتلة قليلة، والخيل والركاب غير حاصل أجراه الله - تعالى - مجراه ما لم يحصل فيه المقاتلة أصلاً، فخص رسول الله صلى الله عليه وسلم بتلك الأموال فروي أنه صلى الله عليه وسلم قسمها بين المهاجرين، ولم يُعْطِ الأنصار شيئاً منها إلا ثلاثة نفرٍ كانت بهم حاجة: أبو دجانة، وسهل بن حنيف، والحرث بن الصمة. قال بعض العلماء: لما ترك بنو النضير ديارهم وأموالهم طلب المسلمون أن يكون لهم منها حظ كالغنائم، فبين الله - تعالى - أنها فيءٌ، وكان قد جرى بعض القتال؛ لأنهم حوصروا أياماً، وقاتلوا وقتلوا، ثم صالحوا على الجلاء، ولم يكن قتالٌ على التحقيق، بل جرى مبادىء القتال، وجرى الحصار، فخص الله - تعالى - تلك الأموال برسول الله صلى الله عليه وسلم. وقال مجاهد رضي الله عنه: علمهم الله - تعالى - وذكرهم أنه إنما نصر رسوله صلى الله عليه وسلم ونصرهم بغير كراع ولا عدة. {ولكن الله يسلط رسله على من يشاء من عباده} من أعدائه. وفي هذا بيان أن تلك الأموال كانت خاصة لرسول الله صلى الله عليه وسلم دون أصحابه - رضي الله عنهم -. قوله تعالى: {وَمَآ أَفَآءَ ٱللَّهُ}. قال الزمخشري: "لم يدخل العاطف على هذه الجملة؛ لأنها بيان للأولى، فهي منها غير أجنبية عنها". قال ابن عباس رضي الله عنهما: هي "قريظة" و "النضير"، وهما بـ "المدينة" و "فدك" وهي على ثلاثة أميال من "المدينة" و "خيبر"، وقرى "عرينة" و "ينبع" جعلها الله - تعالى - لرسوله صلى الله عليه وسلم وبين أن في ذلك المال الذي خصه الله - تعالى - لرسوله صلى الله عليه وسلم سُهماناً لغير الرسول صلى الله عليه وسلم تطييباً منه لعباده. فصل في المراد بذي القربى قال ابن الخطيب: أجمعوا على أن المراد بذي القربى بنو هاشم، وبنو المطلب. وقال القرطبي: وقد تكلم العلماء في هذه الآية والتي قبلها على معناهما هل معناهما واحد أو مختلف، والآية التي في الأنفال؟. فقال بعضهم: إن قوله تعالى: {مَّآ أَفَآءَ ٱللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ ٱلْقُرَىٰ} منسوخ بآية "الأنفال" من كون الخمس لمن سمي له، والأخماس الأربعة لمن قاتل، وكان في أول الإسلام تقسم الغنيمة على هذه الأصناف، ولا يكون لمن قاتل عليها شيء، وهذا قول يزيد بن رومان، وقتادة وغيرهما، ونحوه عن مالك رضي الله عنه. وقال بعضهم: ما غنمتم بصُلْح من غير إيجاف خيل، ولا ركاب، فيكون لمن سمى الله تعالى فيه فيئاً، الأول للنبي صلى الله عليه وسلم خاصة إذا أخذ منه حاجته كان الباقي في مصالح المسلمين. وقال معمر رضي الله عنه: الأولى: للنبي صلى الله عليه وسلم. والثانية: هي الجزية والخراج للأصناف المذكورة فيه. والثالثة: الغنيمة في سورة "الأنفال" للغانمين. وقال الشافعي رضي الله عنه وبعض العلماء: إنَّ معنى الآيتين واحد، أي: ما حصل من أموال الكفار بغير قتال قسم على خمسة أسهمٍ، أربعة منها لرسول الله صلى الله عليه وسلم ويقسم الخمس الباقي على خمسة أسهمٍ؛ سهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم أيضاً، وسهم لذوي القُرْبى، وهم بنو هاشم، وبنو المطلب؛ لأنهم منعوا الصدقة، فجعل لهم حق في الفيء. وسهم لليتامى، وسهم للمساكين، وسهم لأبناء السبيل. وأما بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم فالذي كان من الفيء لرسول الله صلى الله عليه وسلم يصرف عند الشافعي - رضي الله عنه - في قول إلى المجاهدين المترصّدين للقتال في الثُّغُور؛ لأنهم القائمون مقام الرسول صلى الله عليه وسلم. وفي قول آخر: يصرف إلى مصالح المسلمين من سد الثُّغور، وحفر الأنهار، وبناء القناطر، يقدم الأهم فالأهم، وهذا في أربعة أخماس الفيء. فأما السهم الذي كان له من خمس الفيء والغنيمة فهي لمصالح المسلمين بعد موته صلى الله عليه وسلم بلا خوف، كما قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : لَيْسَ لي مِنْ غَنائِمكُمْ إلاَّ الخمسُ، والخمسُ مردودٌ فِيْكُم ". تفسير : وكذلك ما خلفه من المال غير موروث، بل هو صدقة عنه يصرف في مصالح المسلمين، لقوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إنَّا لا نُورثُ ما تركناهُ صدقة ". تفسير : وقيل: كان مال الفيء لنبيه صلى الله عليه وسلم لقوله تعالى: {وَمَآ أَفَآءَ ٱللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ} فأضافه إليه، غير أنه كان لا يتأثّل مالاً، إنما كان يأخذ بقدر حاجة عياله، ويصرف الباقي في مصالح المسلمين. قال ابن العربي رحمه الله: لا إشكال أنها ثلاثة معانٍ في ثلاث آيات: فالآية الأولى وهي قوله تعالى: {أية : هُوَ ٱلَّذِيۤ أَخْرَجَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ مِن دِيَارِهِمْ لأَوَّلِ ٱلْحَشْرِ} تفسير : [الحشر: 2]، ثم قال تعالى: {وَمَآ أَفَآءَ ٱللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ} يعني: من أهل الكتاب معطوفاً عليهم {فَمَآ أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلاَ رِكَابٍ} يريد - كما بينا - فلا حق لكم فيه، ولذلك قال عمر: كانت خالصة لرسول الله صلى الله عليه وسلم يعني بني النضير، وما كان مثلها فهذه آية واحدة، ومعنى متحد. الآية الثانية: قوله تعالى: {مَّآ أَفَآءَ ٱللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ ٱلْقُرَىٰ فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ}، وهذا كلام مبتدأ غير الأول لمستحق غير الأول وسمى الآية الثانية آية الغنيمة، ولا شك في أنه معنى آخر باستحقاق آخر لمستحق آخر، بيد أن الآية الأولى والثانية مشتركتان في أن كل واحدة منهما تضمنت شيئاً أفاء الله على رسوله، واقتضت الآية الأولى أنه حاصل بغير قتال، واقتضت آية "الأنفال" أنه حاصل بقتال، وعريت الآية الثالثة وهي قوله تعالى: {مَّآ أَفَآءَ ٱللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ ٱلْقُرَىٰ}، عن ذكر حصوله بقتال، أو بغير قتال، فمن ها هنا نشأ الخلاف. فقالت طائفة: هي ملحقة بالأولى، وهو مال الصُّلح كله ونحوه. وقالت طائفة: هي ملحقة بآية "الأنفال"، واختلفوا هل هي منسوخة كما تقدم أو محكمة؟. قال القرطبي: "وإلحاقها بالتي قبلها؛ لأن فيه تجديد فائدة ومعنى". وقد قيل: إن سورة "الحشر" نزلت بعد "الأنفال"، ومن المُحَال أن ينسخ المتقدم المتأخر. فصل في أموال الأئمة والولاة الأموال التي للأئمة والولاة فيها مدخل ثلاثة أضرب: الأول: ما أخذ من المسلمين على طريق التَّطهير لهم كالصَّدقات والزكوات. والثاني: الغنائم، وهو ما يحصل في أيدي المسلمين من أموال الكفار بالحرب والقهر والغلبة. والثالث: الفيء، وهو ما رجع للمسلمين من أموال الكفار عفواً صفواً من غير قتال، ولا إيجاف كالصلح والجزية والخراج والعُشُور والمأخوذ من تجار الكفار. ومثله أن يهرب المشركون، ويتركون أموالهم، أو يموت منهم أحد في دار الإسلام ولا وارث له. فأما الصدقة فمصرفها الفقراء والمساكين والعاملون عليها حسب ما ذكره تعالى في سورة التوبة. وأما الغنائم فكانت في صدر الإسلام للنبي صلى الله عليه وسلم يصنع فيها ما شاء كما قال في "الأنفال": {أية : قُلِ ٱلأَنفَالُ لِلَّهِ وَٱلرَّسُولِ} تفسير : [الأنفال: 1] ثم نسخ بقوله تعالى: {أية : وَٱعْلَمُوۤا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ} تفسير : [الأنفال: 41] الآية وقد مضى وأما الفيء وقسمته وقسمة الخمس سواء. قال القرطبي: "والأمر فيهما عند مالك إلى الإمام، فإن رأى حبسهما لنوازِلَ تنزل بالمسلمين فعل، وإن رأى قسمتهما، أو قسمة أحدهما، قسمها كلها، أو قسم أحدهما بين الناس، ويستوي فيه غريبهم ومولاهم، ويبدأ بالفقراء من رجال ونساء حتى يغنوا، ويعطي ذوي القربى من رسول الله صلى الله عليه وسلم من الفيءِ سهمهم على ما يراه الإمام، وليس لهم حد معلوم". وهل يعطي الغني منهم؟. فأكثر الناس على إعطائه؛ لأنه حق لهم. وقال مالك رضي الله عنه: لا يعطي منهم غير فقرائهم؛ لأنه جعل لهم عوضاً من الصدقة. وقال الشافعي رضي الله عنه: إن ما حصل من أموال الكفار بغير قتال كان يقسم في عهد النبي صلى الله عليه وسلم على خمسة وعشرين سهماً للنبي صلى الله عليه وسلم عشرون سهماً يفعل فيها ما يشاء، والخمس يقسم على ما يقسم عليه خمس الغنيمة. قال أبو جعفر أحمد بن نصر الداودي: وهذا القول ما سبقه به أحد علمناه، بل كان ذلك خالصاً له كما ثبت في الصحيح عن عمر مبيناً للآية، ولو كان هذا لكان قوله: {أية : خَالِصَةً يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ} تفسير : [الأعراف: 32] يجوز أن يشركهم فيها غيرهم. فصل في تقسيم هذه الأموال وتقسم هذه الأموال المتقدم ذكرها في البلد الذي جُبِيَ فيه، ولا ينقل عن ذلك البلد الذي جبي فيه حتى يغنوا، ثم ينقل إلى الأقرب من غيرهم، إلاَّ أن ينزل بغير البلد الذي جبي فيه فاقة شديدة، فينتقل إلى أهل الفاقة حيث كانوا كما فعل عمر - رضي الله عنه - في أعوام "الرَّمادة" وكانت خمسة أعوام أو ستة. وقيل: عامين. وقيل: عام اشتدّ فيه الطَّاعون مع الجوع، وإن لم يكن ما وصفناه. ورأى الإمام إيقاف الفيء أوقفه لنوائب المسلمين، ويبدأ بمن أبوه فقير، والفيء حلال للأغنياء، ويساوي فيه بين الناس، إلا أنه يؤثر أهل الحاجة والفاقة، والتفضيل فيه إنما يكون فيه على قدر الحاجة، ويعطي منه الغرماء ما يؤدون به ديونهم، ويعطي منه الجائزة والصِّلة إن كان ذلك أهلاً، ويرزق القضاة والحكام، ومن فيه مصلحة للمسلمين، وأولاهم بتوفير الحظ منهم أعظمهم للمسلمين نفعاً، ومن أخذ من الفيء شيئاً في الديوان كان عليه أن يغزو إذا وقع الغزو. قوله تعالى: {كَيْ لاَ يَكُونَ دُولَةً}. قرأ هشام: "تكون" بالتاء والياء، "دولة" بالرفع فقط، والباقون: بالياء - من تحت - ونصب "دولة" فأما الرفع فعلى أن "كان" تامَّة، وأما التذكير والتأنيث فواضحتان؛ لأنه تأنيث مجازي. وأما النصب فعلى أنها الناقصة، واسمها ضمير عائد على الفيء، والتذكير واجب لتذكير المرفوع، و "دولة" خبرها. وقيل "دولة" عائد على "ما" اعتباراً بلفظها. وقرأ العامة: "دولة" بضم الدال. وعلي بن أبي طالب - رضي الله عنه - والسلمي: بفتحها. فقيل: هما بمعنى، وهو قول عيسى بن عمر، ويونس، والأصمعي، وهو ما يدولُ للإنسان، أي: ما يدور من الجد والغنى والغلبة. وقال الحُذَّاق من البصريين والكسائي: "الدَّوْلة" - بالفتح - من المُلك - بضم الميم -، وبالضم من "المِلْك" - بكسرها - أو بالضم في المال، وبالفتح في النُّصْرة. وهذا يرده القراءة المروية عن علي والسلمي، فإن النصرة غير مرادة قطعاً، و "كي لا" علة لقوله تعالى: {فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ} أي: استقراره لكذا لهذه العلة. قال المبرد: الدولة اسم للشَّيء الذي يتداوله القوم بينهم. والدولة - بالفتح - انتقال حال سارة من قوم إلى قوم، فالدُّولة - بالضم - اسم لما يتداول، وبالفتح مصدر من هذا، ويستعمل في الحالة السارّة التي تحدث للإنسان، فيقال: هذه دولة فلان، أي قد أقبل، والمعنى: كي لا يكون الفيءُ الذي حقه أن يعطى للفقراء ليكون لهم بُلغةً يعيشون بها واقعاً في يد الأغنياء ودولة لهم. والمعنى: فعلنا ذلك في هذا الفيءِ، كي لا يقسمه الرؤساء والأغنياء والأقوياء بينهم دون الفقراء والضعفاء منها أيضاً بعد المرباع ما شاء. وفيها يقول شاعرهم: [الوافر] شعر : 4744- لَكَ المِرْبَاعُ مِنْهَا والصَّفَايَا ............................ تفسير : يقول: لئلا يعمل فيه كما كان يعمل في الجاهلية. قال الكلبي: إنها نزلت في رؤساء المسلمين، قالوا فيما ظهر عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم من أموال المشركين: يا رسول الله، خُذْ صفيَّك والربح، ودعنا والباقي، فهكذا كنا نفعل في الجاهلية؛ وأنشد: [الوافر] شعر : 4745- لَكَ المِرْبَاعُ مِنْهَا والصَّفَايَا وحُكْمُكَ والنَّشِيطَةُ والفُضُولُ تفسير : فأنزل الله - تعالى - هذه الآية. قوله تعالى: {وَمَآ آتَاكُمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ} [من الأخذ والغلول "فانتهوا"]. قاله الحسن وغيره. وقال السدي: ما أعطاكم من مال الفيء فاقبلوه، وما منعكم عنه فلا تطلبوه، قال ابن جريج: ما آتاكم من طاعتي فافعلوه، وما نهاكم عنه من معصيتي فاجتنبوه. فصل في أن أوامر النبي صلى الله عليه وسلم من أوامر الله تعالى هذه الآية تدل على أن كل ما أمر به النبي صلى الله عليه وسلم أمر من الله - تعالى - لأن الآية وإن كانت في الغنائم، فجميع أوامره صلى الله عليه وسلم ونواهيه داخل فيها. قال عبد الرحمن بن زيد: لقي ابن مسعود رجلاً محرماً وعليه ثيابه، فقال: انزع عنك هذا. فقال الرجل: اتقرأ عليَّ بهذه آية من كتاب الله تعالى؟ قال نعم: {وَمَآ آتَاكُمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَٱنتَهُواْ}. وقال عبد الله بن محمد بن هارون الفريابي: سمعت الشافعي - رضي الله عنه - يقول: سَلُوني عمَّا شئتم أخبركم من كتاب الله - تعالى - وسنة نبيكم صلى الله عليه وسلم قال: فقلت له: أصلحك الله، ما تقول في المحرم يقتل الزُّنْبُور؟ قال: فقال: بسم الله الرحمن الرحيم، قال الله تعالى: {وَمَآ آتَاكُمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَٱنتَهُواْ}. وحدثنا سفيان بن عيينة عن عبد الملك بن عمير عن ربعي بن خراش عن حذيفة بن اليمان - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : اقْتَدُوا باللَّذيْنِ من بَعْدِي أبي بَكرٍ وعُمر رضِيَ اللَّهُ عنهُمَا ". تفسير : حدثنا سفيان بن عيينة بن مسعر بن كدام، عن قيس بن مسلم، عن طارق بن شهاب عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أنه أمر بقتل الزُّنْبُور. وهذا الجواب في غاية الحسن أفتى بجواز قتل الزنبور في الإحرام، وبيَّن أنه يقتدي فيه بـ "عمر"، وأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بالاقتداء به، وأنَّ الله - تعالى - أمر بقُبول ما يقوله الرسول صلى الله عليه وسلم فجواز قتله مستنبط من الكتاب والسُّنَّة. وسئل عكرمة عن أمهات الأولاد، فقال: هل هُنَّ أحرار؟ فقال: في سورة النساء في قوله تعالى: {أية : أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ وَأُوْلِي ٱلأَمْرِ مِنكُمْ} تفسير : [النساء: 59]. وفي "صحيح مسلم" وغيره عن علقمة عن ابن مسعود - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لَعَنَ اللَّهُ الواشِمَاتِ والمُسْتوشِمَاتِ والمُتنمِّصَات والمُتَفلِّجَاتِ للحُسْنِ، المُغيِّراتِ لخَلْقِ الله"تفسير : فبلغ ذلك امرأة من "بَنِي أسد" يقال لها: أم يعقوب، فجاءت فقالت: إنه بلغني أنك لعنت كيت وكيت، فقال: وما لي لا ألعَنُ من لعنه رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في كتاب الله تعالى، فقالت: لقد قرأت ما بين الدفتين فما وجدت فيه ما تقول، فقال: إن كنت قرأتيه فقد وجدتيه، أما قرأت: [{وَمَآ آتَاكُمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَٱنتَهُواْ}. قالت: بلى، قال: فإنه قد نهى الله عنه. الحديث. فصل في الكلام على الآية قوله تعالى: {وَمَآ آتَاكُمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ}. وإن جاء بلفظ الإيتاء وهو المناولة، فإن معناه الأمر بدليل قوله تعالى]: {وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَٱنتَهُواْ}. فقابله بالنهي، ولا يقابل النهي إلا بالأمر، بدليل ما تقدم، مع قوله صلى الله عليه وسلم "حديث : إذَا أمَرتكُمْ بشَيءٍ فأتُوا مِنْهُ ما اسْتطعْتُمْ، وإذَا نَهيْتُكُمْ عن شَيْءٍ فانتهُوا ". تفسير : قوله: {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ} أي: عذاب الله، إنه شديد لمن عصاه. وقيل: اتقوا الله في أوامره ونواهيه، فلا تضيعوها، {فإِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ}.

القشيري

تفسير : اللِّينة: كلُّ نوعٍ من النخيل ما عدا العجوة والبَرْنِيّ. لمَّا أمر سولُ الله صلى الله عليه وسلم بقَطْعِ بعض نخيل بني النضير قالت اليهود: ما فائدة هذا؟! فبقي المسلمون عن الجواب، فأنزل الله تعالى هذه الآية ليوضِّح أن ذلك بإذن الله... فانقطعَ الكلامُ. وفي هذا دليلٌ على أن الشريعةً غيرُ مُعَلّلةٍ، وأنَّ الأمرَ الشرعيَّ إذا جاء بَطَلَ التعليلُ، وسَكَتَتْ الألسنةُ عن المطالبة بـ" لِمَ؟" وخُطُورُ الاعتراضِ أو الاستقباحِ خروجٌ عن حَدِّ العرفان. والشيوخُ. قالوا: مَنْ قال لأستاذِه وشيخه: "لِمَ؟" لا يفلح. وكلُّ مريدٍ يكون لأمثالِ هذه الخواطر في قلبِه جَوَلان لا يجيءُ منه شيءٌ. ومَنْ لم يتجرَّدْ قلبُه من طَلَبِ التعليل، ولم يباشِرْ حُسْنَ الرضا بكلِّ ما يجري واستحسانَ ما يبدو من الغيب لِسِرِّه وقلبِه - فليس من الله في شيء.

اسماعيل حقي

تفسير : {ماقطعتم من لينة} ما شرطية نصب بقطعتم واللينة فعلة نحو حنطة من اللون على ان أصلها لونه فياؤها مقلوبة عن واو لكسرة ماقبلها نحو ديمة وفيمة وتجمع على ألوان وهى كضروب النخل كلها وقيل من اللين وتجمع على لين وأليان وهى النخلة الكريمة الشجرة بكونها قريبة من الارض والطيبة الثمرة قال الراغب في المفردات اللين ضد الخشونة ويستعمل ذلك فى الاجسام ثم يستعار للخلق ولغيره من المعانى فيقال فلان لين وفلان خشن وكل واحد منهما يمدح به طورا ويذم به طورا بحسب اختلاف المواضع وقوله ماقطعتم من لينة اى من نخلة ناعمة ومخرجة مخرج فعلة نحو حنطة ولا يختص بنوع منه دون نوع انتهى والمعنى اى شىء قطعتم من نخلة من نخيلهم بأنواعها وقيل للينة ضروب النخل كلها ماخلا العجوة والبرنية وهما أجود النخل {او تركتموها} الضمير لما وتأنيثه لتفسيره باللينة كما فى قوله تعالى{أية : مايفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها}تفسير : {قائمة} حال من ضمير المفعول {على اصولها} كما كانت من غير أن تتعرضوا لها لشىء من القطع جمع اصل وهو مايتشعب منه الفرع {فباذن الله} فذاك اى قطعها وتركها بأمر الله فلا جناح عليكم فيه فان فى كل من القطع والترك حكمة ومصلحة {وليخزى الفاسقين} اى وليذل اليهود الخارجين عن دآئرة الاسلام اذن فى قطعها وتركها فهو علة لمحذوف يقال خزى الرجل لحقه انكسارا اما من نفسه وهو الحياء المفرط ومصدره الخزاية وما من غيره وهو ضرب من الاستخفاف ومصدره الخزى أذن الله فى قطعها وتركها لانهم اذا رأو المؤمنين يتحكمون فى اموالهم كيف احبوا ويتصرفون فيها حسبما شاؤا من القطع والترك يزدادون غيظا ويتضاعفون حسرة وذلك ان رسول الله عليه السلام حين أمر أن تقطع نخيلهم وتحرق قالت اليهود وهم بنوا النضير يا محمد قد كنت تنهى عن الفساد فى الارض فما بال قطع النخيل واحراقها فشق ذلك على النبى عليه السلام كان فى أنفس المؤمنين ايضا من ذلك شىء فنزل وجعل أمر رسول الله أمره تعالى لانه عليه السلام ماينطق عن الهوى استدل به على جواز هدم ديار الكفرة وقطع اشجارهم مثمرة كانت او غير مثمرة واحراق زروعهم زيادة لغيظهم وتخصيص اللينة بالقطع ان كانت من الالوان ليستبقوا لأنفسهم العجوة والبرنية اللتين هما كرام النخيل وان كانت هى كرام النخيل ليكون غيظهم أشد ويقال ان العتيق والجوة كانتا مع نوح فى السفينة والعتيق الفحل وكانت العجوة أصل الاناث لكها فلذا شق على اليهود قطعها وظهر من هذا أن اللون هو ماعدا العجوة والبرنى من انواع التمر بالمدينة والبرنى بالفارسية حمل مبارك او جيد لان اصله برنيك فعرب ومن انواع تمر المدينة الصيحانى وفى شرح مسلم للنووى ان انواع التمر مائة وعشرون وفى تاريخ المدينة الكبير للسيد السمنودى أن انواع التمر بالمدينة التى أمكن جمعها بلغت مائة وبضعا وثلاثين ويوافقه قوله بعضهم اختبرناها فوجدنا اكثر مما ذكره النووى قال ولعل مازاد على ما ذكر حدث بعد ذلك واما انواع التمر بغير المدينة كالمغرب فلا تكاد تنحصر فقد نقل ان عالم فاس محمد بن غازى أرسل الى عالم سلجماسة ابراهيم بن هلال يسأله عن حصر انواع التمر بتلك البلدة فأرسل اليه حملا او حملين من كل نوع تمرة واحدة فأرسل اليه هذا ماتعلق به علم الفقير وأن تعدوا نعمة الله لاتحصوها وفى نسق الازهار ان بهذه البلدة رطبا يسمى البتونى وهو أخضر اللون واحلى من عسل النحل ونواه فى غاية الصغر وكانت العجوة خير أموال بنى النضير لانهم كانوا يقتاتوتها وفى الحديث "حديث : العجوة من الجنة وتمرها يغذى أحسن الغذاء"تفسير : روى ان آدم عليه السلام نزل بالعجوة من الجنة وفى البخارى من تصبح كل يوم على سبع تمرات عجوة لم يصبه فى ذلك اليوم سم ولا سحر وقد جاء فى العجوة العالية شفاء وانها ترياق اول البكرة وفى كلام بعضهم العجوة ضرب من التمر اكبر من الصيحانى وتضرب الى السواد وهى مما غرسه النبى عليه السلام بيده الشريفة وقد علمت انها فى نخل بنى النضير وعن ابن عباس رضى الله عنهما هبط آدم من الجنة بثلاثة اشياء بالآسة وهى سيدة ريحان الدنيا والسنبلة وهى سيدة طعام الدنيا والعجوة وهى سيدة ثمار الدنيا وفى الحديث "حديث : ان العجوة من غرس الجنة وفيها شفاء وانها ترياق اول البكرة وعليكم بالتمر البرنى فكلوه فانه يسبح فى شجره ويستغفر لآكله وانه من خير تمركم وانه دوآء وليس بدآء"تفسير : وجاء بيت لاتمر فيه جياع أهله قال ذلك مرتين ولما قطعت العجوة شق النساء الجيوب وضربن الخدود ودعون بالويل كما فى انسان العيون قال بعض أهل الاشارة يشير الى من قطع نخلة محبة الدنيا من ارض قلبه بأمر الله وحكمته المقتضية لذلك الامر بالقطع وهم المحرومون المنقطعون عن الدنيا ومحبتها وشهواتها ولذاتها المتوجهون الى طريق السلوك الى الله بتزكية النفس وتصفية القلب وتخلية السر وتحلية الروح والى من ترك الدنيا فى ارض قلبه قائمى على اصولها على حالها باذن الله وحكمته البالغة المقتضية لابقائها وهم الكاملون المكملون الواصلون المواصلون الذين ليس للدنيا و لا للآخرة عندهم قدر ومقدار مازاغ نظر ظاهرهم ولا بصر باطنهم اليهما لاشتغالهم بذكر الله اى بذكر ذاته وصفاته واسمائه كما قال فى حقهم رجال لا تلهيهم تجارة ولابيع عن ذكر الله وليخزى الفاسقين الذين خرجوا من مقام المعرفة والعرفان وما عرفوا ان للحق عبادا ليس للدنيا والآخرة عندهم قدر ومقدار ومازاغ بصر ظاهرهم ولا نظر باطنهم اليهما وطعنوا فيهم بمحبة الدنيا ونسبوا اليهم حب الشهوات الحيوانية واللذات الجسمانية فأخزاهم الله بشؤم هذا الطعن والله يشهد انهم لكاذبون (قال الحافظ) شعر : بس تجربه كرديم درين دير مكافات بادرد كشان هركه در افتاد بر افتاد

ابن عجيبة

تفسير : {ما قطعتم من لِّينَةٍ}، قال القشيري: هو نوع من النخل ما عَدا العجوة والبَرْنِيّ، أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقطعها من مال بني النضير، فقطع بعضها، فقالت اليهود: أي فائدة في هذا؟ فبقي المسلمون في الجواب، فأنزل الله هذه الآية. هـ. وأصلها: لونة، من الألوان، فقلبت ياء، وقيل: اللينة: النخلة الكريمة، كأنهم اشتقوها من اللين، أي: أيّ شيء قطعتم من لِينة {أو تركتموها قائمةً على أصولها} من غير أن تتعرضوا لها بشيء {فبإذن الله}؛ فقطعها وتركها بإذن الله، {وليُخزي الفاسقين} أي: وليذل اليهود ويغيظهم أذِنَ في قطعها وقلعها وفي تركها، وأمر المؤمنين أن يحتكموا في أموالهم كيف شاؤوا. واستُدل به على جواز هدم ديار الكفرة، وقطع أشجارهم، وحرق زروعهم، إذا لم يُرج وكان فيه إنكاء للعدو. وتخصيص اللينة بالقطع ليكون غيظهم أشد. الإشارة: قَطْعُ شجرة حب الدنيا من القلب واجب على المريد في بدايته، ولو أدّى إلى إفساد المال لإصلاح قلبه، ارتكاباً لأخف الضررين، ومنه: قضية الشبلي في إحراق ثوب وقلنسوته، في حكاية التلميذ، فإذا تمكن من المعرفة خُيِّر، وله يقال: {ما قطعتم من لينة أو تركتموها...} الآية. وقال القشيري بعد تفسير الظاهر: وفيه دليل على أن الشرع غير مُعَلل، فإذا جاء الأمر الشرعي بَطَلَ طلب التعليل، وسكتَت الألسن عن المطالبة بـ"لِمَ" وخُطورُ الاعتراض والاستقباحِ بالبال خروج عن حدّ العرفان، والشيوخ قالوا: مَن قال لأستاذه: "لِمَ" لا يفلح، وكل مريدٍ يكون لأمثال هذه الخواطر جولان في قلبه لا يجيءُ منه شيء، ومَن لم يتجرّد قلبُه عن طلب الإعلال، ولم يباشِرْ حُسْنَ الرضا بكل ما يجري، واستحسانَ، كل ما يبدو من الغيب من الله سرّه وقلبَه فليس من الله في شيء. هـ. ومثله قول الحِكَم: "ما ترك مِن الجهل شيئاً مَن أراد أن يظهر في الوقت غير ما أظهره الله فيه". ثم ذكر حكم الفيء، فقال: {وَمَآ أَفَآءَ ٱللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْهُمْ}.

الجنابذي

تفسير : {مَا قَطَعْتُمْ مِّن لِّينَةٍ} اللّينة اردء التّمر، او ما كان اجناساً غير معروفة، ونسب الى الصّادق (ع) انّه قال: يعنى العجوة وهى امّ التّمر وهى الّتى انزلها الله من الجنّة لآدم (ع) {أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَآئِمَةً عَلَىٰ أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ ٱللَّهِ} جواب عمّا قالوا: يا محمّد انّ الله يأمرك بالفساد؟! حين قطع النّخل {وَلِيُخْزِيَ ٱلْفَاسِقِينَ} بغيظهم وحسرتهم على قطع نخيلهم فى حضورهم.

الالوسي

تفسير : {مَا قَطَعْتُمْ مّن لّينَةٍ } هي النخلة مطلقاً على ما قال الحسن ومجاهد وابن زيد وعمرو بن ميمون والراغب. وهي فعلة من اللون وياؤها مقلوبة من واو لكسر ما قبلها كديمة، وتجمع على ألوان، وقال ابن عباس وجماعة من أهل اللغة: هي النخلة ما لم تكن عجوة، وقال أبو عبيدة وسفيان: ما تمرها لون وهو نوع من التمر، قال سفيان: شديد الصفرة يشف عن نواه فيرى من خارج، وقال أبو عبيدة أيضاً: هي ألوان النخل المختلطة التي ليس فيها عجوة ولا برني، وقال جعفر الصادق رضي الله تعالى عنه: هي العجوة، وقال الأصمعي: هي الدقل، وقيل: هي النخلة القصيرة، وقال الثوري: الكريمة من النخل كأنهم اشتقوها من اللين فتجمع على لين، وجاء جمعها لياناً كما في قول أمرىء القيس: شعر : وسالفة كسحوق الليا ن أضرم فيه القويّ السعر تفسير : وقيل: هي أغصان الأشجار للينها، وهو قول شاذ، وأنشدوا على كونها بمعنى النخلة سواء كانت من اللون أو من اللين قول ذي الرمة: شعر : كأن قتودي فوقها عش طائر على لينة سوقاء تهفو جنوبها تفسير : ويمكن أن يقال: أراد باللينة النخلة الكريمة لأنه يصف الناقة بالعراقة في الكرم فينبغي أن يرمز في المشبه به إلى ذلك المعنى. و {مَا } شرطية منصوبة ـ بقطعتم ـ و {مّن لّينَةٍ } بيان لها، ولذا أنث الضمير في قوله تعالى: {أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَىٰ أُصُولِهَا } أي أبقيتموها كما كانت ولم تتعرضوا لها بشيء مّا، وجواب الشرط قوله سبحانه: {فَبِإِذْنِ ٱللَّهِ } أي فذلك أي قطعها أو تركها بأمر الله تعالى الواصل إليكم بواسطة رسوله صلى الله عليه وسلم أو بإرادته سبحانه ومشيئته عز وجل. وقرأ عبد الله والأعمش وزيد بن علي ـ قوماً ـ على وزن فعل كضرب جمع قائم، وقرىء ـ قائماً ـ اسم فاعل مذكر على لفظ ما، وأبقى أصولها على التأنيث، وقرىء ـ أصلها ـ بضمتين، وأصله أصولها فحذفت الواو اكتفاءاً بالضمة أو هو كرهن بضمتين من غير حذف وتخفيف. {وَلِيُخْزِىَ ٱلْفَـٰسِقِينَ } متعلق بمقدر على أنه علة له وذلك المقدر عطف على مقدر آخر أي ليعز المؤمنين وليخزي الفاسقين أي ليذلهم أذن عز وجل في القطع والترك، وجوز فيه أن يكون معطوفاً على قوله تعالى: {بِإِذُنِ ٱللَّهِ } وتعطف العلة على السبب فلا حاجة إلى التقدير فيه. والمراد ـ بالفاسقين ـ أولئك الذين كفروا من أهل الكتاب. ووضع الظاهر موضع المضمر إشعاراً بعلة الحكم، واعتبار القطع والترك في المعلل هو الظاهر وإخزاؤهم بقطع اللينة لحسرتهم على ذهابها بأيدي أعدائهم المسلمين وبتركها لحسرتهم على بقائها في أيدي أولئك الأعداء كذا في «الانتصاف». قال بعضهم: وهاتان الحسرتان تتحققان كيفما كانت، المقطوعة والمتروكة لأن النخل مطلقاً مما يعز على أصحابه فلا تكاد تسمح أنفسهم بتصرف أعدائهم فيه حسبما شاؤوا، وعزته على صاحبه الغارس له أعظم من عزته / على صاحبه غير الغارس له، وقد سمعت بعض الغارسين يقول: السعفة عندي كأصبع من أصابع يدي، وتحقق الحسرة على الذهاب إن كانت المقطوعة النخلة الكريمة أظهر، وكذا تحققها على البقاء في أيدي أعدائهم المسلمين إن كانت هي المتروكة، والذي تدل عليه بعض الآثار أن بعض الصحابة كان يقطع الكريمة وبعضهم يقطع غيرها وأقرهما النبـي صلى الله عليه وسلم لما أفصح الأول بأن غرضه إغاظة الكفار، والثاني بأنه استبقاء الكريمة للمسلمين، وكان ذلك أول نزول المسلمين على أولئك الكفرة ومحاصرتهم لهم، فقد روي أنه عليه الصلاة والسلام أمر في صدر الحرب بقطع نخيلهم فقالوا: يا محمد قد كنت تنهى عن الفساد في الأرض فما بال قطع النخل وتحريقها؟! فنزلت الآية {مَا قَطَعْتُمْ مّن لّينَةٍ } الخ، ولم يتعرض فيها للتحريق لأنه في معنى القطع فاكتفى به عنه، وأما التعرض للترك مع أنه ليس بفساد عندهم أيضاً فلتقرير عدم كون القطع فساداً لنظمه في سلك ما ليس بفساد إيذناً بتساويهما في ذلك. واستدل بالآية على جواز هدم ديار الكفرة وقطع أشجارهم وإحراق زروعهم زيادة لغيظهم، وحاصل ما ذكره الفقهاء في المسألة أنه إن علم بقاء ذلك في أيدي الكفرة فالتخريب والتحريق أولى، وإلا فالإبقاء أولى ما لم يتضمن ذلك مصلحة.

ابن عاشور

تفسير : استئناف ابتدائي أفضى به إلى المقصد من السورة عن أحكام أموال بني النضير وإشارة الآية إلى ما حدث في حصار بني النضير وذلك أنهم قبل أن يستسلموا اعتصموا بحصونهم فحاصرهم المسلمون وكانت حوائطهم خارج قريتهم وكانت الحوائط تسمى البُويرة (بضم الباء الموحدة وفتح الواو وهي تصغير بؤر بهمزة مضمومة بعد الباء فخففت واواً) عمد بعض المسلمين إلى قطع بعض نخيل النضير قيل بأمر من النبي صلى الله عليه وسلم وقيل بدون أمره ولكنه لم يغيره عليهم. فقيل كان ذلك ليوسعوا مكاناً لمُعسكرهم، وقيل لتخويف بني النضير ونكايتهم، وأمسك بعض الجيش عن قطع النخيل وقالوا: لا تقطعوا مما أفاء الله علينا. وقد ذكر أن النخلات التي قطعت ست نخلات أو نخلتان. فقالت اليهود: يا محمد ألست تزعم أنك نبي تريد الصلاح أفمن الصلاح قطع النخل وحرق الشجر، وهل وجدت فيما أنزل عليك إباحة الفساد في الأرض فأنزل الله هذه الآية. والمعنى: أن ما قطعوا من النخل أريد به مصلحة إلجاء العدوّ إلى الاستسلام وإلقاء الرعب في قلوبهم وإذلالِهم بأن يروا أكرم أموالهم عرضة للإِتلاف بأيدي المسلمين، وأن ما أبقي لم يقطع في بقائه مصلحة لأنه آيل إلى المسلمين فيما أفاء الله عليهم فكان في كلا القطع والإِبقاء مصلحة فتعارض المصلحتان فكان حكم الله تخيير المسلمين. والتصرف في وجوه المصالح يكون تابعاً لاختلاف الأحوال، فجعل الله القطع والإِبقاء كليهما بإذنه، أي مرضياً عنده، فأطلق الإِذن على الرضى على سبيل الكناية، أو أطلق إذن الله على إذن رسوله صلى الله عليه وسلم إن ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم أذن بذلك ابتداء، ثم أمر بالكف عنه. وكلام الأيمة غير واضح في إذن النبي صلى الله عليه وسلم فيه ابتداء وأظهر أقوالهم قول مجاهد: إن القطع والامتناع منه كان اختلافاً بين المسلمين، وأن الآية نزلت بتصديق من نهي عن قطعه، وتحليل من قطعه من الإِثم. وفي ذلك قال حسان بن ثابت يتورك على المشركين بمكة إذ غلب المسلمون بني النضير أحلافهم ويتورك على بني النضير إذ لم ينصرهم أحلافهم المشركون من قريش: شعر : تفاقد معشر نصرُوا قريشاً وليس لهم ببلدتهم نصير وهان على سَراة بني لُؤيّ حريقٌ بالبُوَيْرة مستطيرُ تفسير : يريد سراة أهل مكة وكلهم من بني لؤيّ بن غالب بن فهر، وفهر هو قريش أي لم ينقذوا أحلافهم لهوانهم عليهم. وأجابه أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب وهو يومئذٍ مشرك: شعر : أدام الله ذلك من صنيع وحَرَّق في نواحيها السعير ستعلم أيُّنا منها بنزْه وتعلم أيَّ أرضينا تضير تفسير : يريد أن التحريق وقع بنواحي مدينتكم فلا يضير إلا أرضكم ولا يضير أرضنا، فقوله: أدام الله ذلك من صنيع، تهكم. ومن هذه الآية أخذ المحققون من الفقهاء أن تحريق دار العدوّ وتخريبها وقطع ثمارها جائز إذا دعت إليه المصلحة المتعينة وهو قول مالك. وإتلافُ بعض المال لإِنقاذ باقيه مصلحة وقوله: {من لينة} بيان لما في قوله: {ما قطعتم}. واللِّينة: النخلة ذات الثمر الطيّب تُطلق اسم اللينة على كل نخلة غيرِ العجوةِ والبرمنيَّ في قول جمهور أهل المدينة وأيمة اللغة. وتمر اللِّينة يسمى اللَّوْن. وإيثار {لينة} على نخلة لأنه أخف ولذلك لم يرد لفظ نخلة مفرداً في القرآن، وإنما ورد النخل اسم جمع. قال أهل اللغة: ياء لينة أصلها واوٌ انقلبت ياء لوقوعها إثر كسرة ولم يذكروا سبب كسر أوله ويقال: لِونة وهو ظاهر. وفي كتب السيرة يذكر أن بعض نخل بني النضير أحرقه المسلمون وقد تضمن ذلك شعر حسان ولم يذكر القرآن الحرق فلعل خبر الحرق مما أُرجف به فتناقله بعض الرواة، وجرى عليه شعر حسّان وشعر أبي سفيان بن الحارث، أو أن النخلات التي قطعت أحرقها الجيش للطبخ أو للدفء. وجيء بالحال في قوله: {قائمة على أصولها} لتصوير هيئتها وحسنها. وفيه إيماء إلى أن ترك القطع أولى. وضمير {أصولها} عائد إلى {ما} الموصولة في قوله تعالى: {ما قطعتم} لأن مدلول {ما} هنا جمع وليس عائداً إلى {لينة} لأن اللّينة ليس لها عدة أصول بل لكل ليّنة أصل واحد. وتعلق {على أصولها} بـ{قائمة}. والمقصود: زيادة تصوير حسنها. والأصول: القواعد. والمراد هنا: سوق النخل قال تعالى: {أية : أصلُها ثابت وفرعها في السماء}تفسير : [إبراهيم: 24]. ووصفها بأنها {قائمة على أصولها} هو بتقدير: قائمة فروعها على أصولها لظهور أن أصل النخلة بعضها. والفاء من قوله: {فبإذن الله} مزيدة في خبر المبتدأ لأنه اسم موصول، واسم الموصول يعامل معاملة الشرط كثيراً إذا ضُمن معنى التسبب، وقد قرىء بالفاء وبدونها قوله تعالى: {أية : وما أصابكم من مصيبة بما كسبت أيديكم}تفسير : في سورة [الشورى: 30]. وعطف {وليخزي الفاسقين} من عطف العلة على السبب وهو {فبإذن الله} لأن السبب في معنى العلة، ونظيره قوله تعالى: {أية : وما أصابكم يوم التقى الجمعان فبإذن الله وليعلم المؤمنين}تفسير : الآية في [آل عمران: 166]. والمعنى: فقطعُ ما قطعتم من النخل وترك ما تركتم لأن الله أذن للمسلمين به لصلاح لهم فيه، {وليخزي الفاسقين}، أي ليهين بني النضير فيروا كرائم أموالهم بعضها مخضود وبعضها بأيدي أعدائهم. فذلك عزة للمؤمنين وخزي للكافرين والمراد بـ {الفاسقين} هنا: يهود النضير. وعُدل عن الإتيان بضميرهم كما أتي بضمائرهم من قبل ومن بعد إلى التعبير عنهم بوصف {الفاسقين} لأن الوصف المشتق يؤذن بسبب ما اشتق منه في ثبوت الحكم، أي ليجزيهم لأجل الفسق. والفسق: الكفر.

الشنقيطي

تفسير : اللينة هنا، قيل اسم عام للنخل، وهذا اختيار ابن جرير. وقيل: نوع خاص منه، وهو ما عدا البرني والعجوة فقط: ونقل ابن جرير عن بعض أهل البصرة يقول: اللينة من اللون، وقال: وإنما سميت لينة، لأنها فعلة من فعل وهو اللون، وهو ضرب من النخل: ولكن لما انكسر ما قبلها انقلبت إلى يا إلخ وهذا الأخير قريب مما عليه أهل المدينة اليوم: حيث يطلقون كلمة "لونة" على ما لا يعرفون له اسماً خاصاً، ولعل كلمة - لونة - محرفة عن كلمة لينة، ويوجد عند أهل المدينة من أنواع النخيل ما يقرب من سبعين نوعاً. وقيل: إن اللينة كل شجرة لليونتها بالحياة. وقد نزلت هذه الآية في تقطيع وتحريق بعض النخيل لبني النضير عند حصارهم وقطع من البستان المعروف بالبويرة، كما روى ابن كثير عن صاحبي الصحيحين، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حرق نخل بني النضير وقطع، وهي البويرة، فأنزل الله عز وجل: {مَا قَطَعْتُمْ مِّن لِّينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَآئِمَةً عَلَىٰ أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ ٱللَّهِ} [الحشر: 5] الآية. وقال حسان رضي الله عنه: شعر : وهَان عَلَى سراة بَنِي لؤي حريق بالبويرة مستطير تفسير : والبويرة معروفة اليوم، وهو بستان يقع في الجنوب الغربي من مسجد قباء. وقيل في سبب نزولها: إن اليهود قالوا: يا محمد إنك تنهي عن الفساد، فما بالك تأمر بقطع الأشجار؟ فأنزل الله الآية. وقيل: إن المسلمين نهى بعضهم بعضاً عن قطع النخيل، وقالوا إنما هو مغانم المسلمين، فنزل القرآن بتصديق من نهى عن قطعه، وتحليل من قطع من الإثم، وأن قطع ما قطع وترك ما ترك {فَبِإِذْنِ ٱللَّهِ وَلِيُخْزِيَ ٱلْفَاسِقِينَ}. وعلى هذه الأقوال، قال ابن كثيرة وغيره: إن قوله تعالى: {فَبِإِذْنِ ٱللَّهِ} أي الإذن القدري والمشيئة الإلهية، أي كما في قوله تعالى: {أية : وَمَآ أَصَابَكُمْ يَوْمَ ٱلْتَقَى ٱلْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ ٱللَّهِ}تفسير : [آل عمران: 166]، وقوله: {أية : وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ ٱللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ}تفسير : [آل عمران: 152]. والذي يظهر - والله تعالى أعلم. أن الإذن المذكور في الآية، هو إذن شرعي، وهو ما يؤخذ من عموم الإذن في قوله تعالى: {أية : أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُواْ وَإِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ}تفسير : [الحج: 39]، لأن الإذن بالقتال إذن بكل ما يتطلبه بناء على قاعدة الأمر بالشيء أمر به وبمالا يتم إلا به. والحصار نوع من القتال، ولعل من مصلحة الحصار قطع بعض النخيل لتمام الرؤية، أو لإحكام الحصار، أو لإذلال وإرهاب العدو في حصاره وشعاره بعجزه عن حماية أمواله وممتلكاته، وقد يكون فيه إثارة له ليندفع في حمية للدفاع عن ممتلكاته وأمواله، فينكشف عن حصونه ويسهل القضاء عليه، إلى غير ذلك من الأغراض الحربية، والتي أشار الله تعالى إليها في قوله: {وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ} أي بعجزهم وإذلالهم وحسرتهم، وهم يرون نخيلهم يقطع ويحرق فلا يملكون له دفعاً. وعلى كل فالذي أذن بالقتال وهو سفك الدماء وإزهاق الأنفس وما يترتب عليه من سبي وغنائم لا يمنع في مثل قطع النخيل إن لزم الأمر، ويمكن أن يقال: إن ما أذن فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبإذن الله أذن. وبهذا يمكن أن يقال: إذا حاصر المسلمون عدواً، ورأوا أن من مصلحتهم أو من مذلة العدو إتلاف منشآته وأمواله، فلا مانع من ذلك. والله تعالى أعلم. وغاية ما فيه، أنه إتلاف بعض المال للتغلب على العدو وأخذ جميع ماله، وهذا له نظير في الشرع، كعمل الخضر في سفينة المساكين لما خرقها، أي أعابها بإتلاف بعضها ليستخلصها من اغتصاب الملك إياها، وقال{أية : وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي}تفسير : [الكهف: 82]. وقد جاء اعتراض المشركين على المسلمين في قتالهم في الأشهر الحرم، كم اعترض اليهود على المسلمين في قطع النخيل، وذلك في قوله تعالى: {أية : يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلشَّهْرِ ٱلْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِندَ ٱللَّهِ وَٱلْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ ٱلْقَتْلِ}تفسير : [البقرة: 217]. فقد تعاظم المشركون قتل المسلمين لبعض المشركين في وقعة نخلة، ولم يتحققوا دخول الشهر الحرام، واتهموهم باعتداء على حرمة الأشهر الحرم، فأجابهم الله تعالى بموجب ما قالوا بأن القتال في الشهر الحرام كبير، ولكن ما ارتكبه المشركون من صد عن سبيل الله وكفر بالله، وصد عن المسجد الحرام وإخراج أهله منه - وهم المسلمون - أكبر عند الله، والفتنة عن الدين وأكبر من القتل، أي الذي استنكروه من المسلمين. وهكذا هنا، لئن تعاظم اليهود على المسلمين قطع بعض النخيل، وعابوا على المسلمين إيقاع الفساد بإتلاف بعض المال، فيكف بهم بغدرهم وخيانتهم نقضهم العهود، وتمالئهم على قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ وقد سجل هذا المعنى كعب بن مالك يذكر إجلاء بني النضير وقتل ابن الأشرف: شعر : لقد خزيت بغدرتها الحبور كذالك الدهر ذو صرف يدور وذلك أنهم كفروا برب عظيم أمره أمر كبير وقد أوتوا معاً فهماً وعلماً وجاءهم من الله النذير تفسير : إلى أن قال: شعر : فلما أشربوا غدراً وكفراً وجذبهم عن الحق الثغور أرى الله النَّبي برأي صدق وكان الله يحكم لا يجور فأيده وسلطه عليهم وكان نصيره نعم النصير تفسير : فقد أشار إلى أن خزي بني النضير بسبب غدرهم وكفرهم بربهم، فكان الإذن في قطع النخيل هو إذن شرعي، ويمكن أن يقال عنه، هو عمل تشريعي إذا ما دعت الحاجة، لمثل ما دعت الحاجة هنا إليه. والعلم عند الله تعالى.

د. أسعد حومد

تفسير : {قَآئِمَةً} {ٱلْفَاسِقِينَ} (5) - لَمَّا حَاصَرَ الرَّسُولُ صلى الله عليه وسلم بَنِي النَّضِيرِ فِي حُصُونِهِمْ أَمَرَ بِقَطْعِ نَخْلِهِمْ إِرْعَاباً لَهُمْ، فَبَعَثُوا إِلَى رَسُولِ اللهِ يَقُولُونَ: إِنَّكَ تَنْهَى عَنِ الفَسَادِ، فَمَا بَالُكَ تَأْمُرُ بِقَطْعِ الأَشْجَارِ؟ فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى هَذِهِ الآيَةَ وَفِيهَا يَقُولُ تَعَالَى لِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنينَ: إِنَّ مَا قَطَعْتُمْ مِنْ أَشْجَارِ النَّخِيلِ، وَمَا تَرَكْتُمُوهُ دُونَ قَطْعٍ فَالجَمِيعُ بِإِذْنِ اللهِ وَقَدَرِهِ وَقَضَائِهِ، وَلاَ بَأْسَ عَلَيْكُمْ فِيهِ وَلاَ حَرَجَ، وَفِيهِ نِكَايَةٌ وَخِزْيٌ وَنكَالٌ لِلفَاسِقِينَ الخَارِجِينَ عَنْ طَاعَةِ اللهِ. لِينَةٍ - نَخْلَةٍ. عَلَى أُصُولِهَا - عَلَى سُوقِهَا بِدُونِ قَطْعٍ.

مجاهد بن جبر المخزومي

تفسير : أَنبا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله، عز وجل {مَا قَطَعْتُمْ مِّن لِّينَةٍ} [الآية: 5]. يعني: من نخلة. قال: ونهى بعض المهاجرين بعضاً عن قطع النخل، وقالوا: إِنما هي مغانم للمسلمين. وقال الذين قطعوا بل هو غيظ للعدو. فنزل القرآن بتصديق من نهى عن قطعه، وتحليل من قطعه من الإِثم. فقال: إِنما قطعه وتركه بإِذن الله، عز وجل. أَنا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {فَمَآ أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلاَ رِكَابٍ} [الآية: 6]. قال: يذكرهم ربهم أَنه نصرهم بغير كراع ولا عدة، في قريظة وخيبر.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {مَا قَطَعْتُمْ مِّن لِّينَةٍ} معناه من نَخلةٍ. وهو ألوانُ النَّخلِ ما خلا العَجْوةُ أو البَرْنيّ.

الجيلاني

تفسير : فسمع المؤمنون منهم ذلك، وأوجسوا في نفوسهم الكراهة، وعدم اللياقة، فنزلت: {مَا قَطَعْتُمْ} أيها المؤمنون {مِّن لِّينَةٍ} أي: من بعض نخلة من النخلات {أَوْ تَرَكْتُمُوهَا} بلا قطع شيء منها {قَآئِمَةً عَلَىٰ أُصُولِهَا} على ما كانت {فَبِإِذْنِ ٱللَّهِ} أي: القطع والترك كلاهما بأمر الله وحكمه {وَ} إنما أمركم بالقطع والحرق {لِيُخْزِيَ ٱلْفَاسِقِينَ} [الحشر: 5] أي: يرديهم ويذلهم بما غاظهم، ويضيق صدرهم. {وَ} اعلموا أيها المؤمنون أن {مَآ أَفَآءَ ٱللَّهُ} أي: ردّ الله وأعطاه {عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْهُمْ} أي: من يهود بني النضير من الأموال والعقار فهو لرسول الله خاصة خالصة، له أن يفعل به حيث شاء بلا حق لكم فيها، ليس مثل سائر الغنائم {فَمَآ أَوْجَفْتُمْ} وأجريتم {عَلَيْهِ} أي: على تحصيله {مِنْ خَيْلٍ وَلاَ رِكَابٍ} نجائب الإبل؛ إذ هم مشوا إلى بني النضير رجالاً لا فرساناً، وكانت المسافة ميلين من المدينة، ومع ذلك لا يقاتلون معهم مقاتلتكم مع سائر الكفرة {وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ} المنتقم الغيور {يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ} من المستوجبين للطرد والمقت بلا وسائل القتال والحراب، بل يقذف الرعب، وإلقاء الخوف في قلوبهم وغير ذلك من الأمور الخارقة للعادة، الموجبة للهزيمة، لا عن شيء {وَٱللَّهُ} القادر المتقدر {عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ} موجب لقهر أعدائه، ونصر أوليائه {قَدِيرٌ} [الحشر: 6] سواء وافق العادة أو لا. وبالجملة: {مَّآ أَفَآءَ ٱللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْ} أموال {أَهْلِ ٱلْقُرَىٰ} الهالكة بالغلبة والاستيلاء بلا مقاتلة وحراب {فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ} سهم {وَلِذِي ٱلْقُرْبَىٰ} من بني هاشم وبني المطلب سهم {وَٱلْيَتَامَىٰ وَٱلْمَسَاكِينِ وَٱبْنِ ٱلسَّبِيلِ} سهام، وإنما قسم سبحانه مال الفيء بنفسه {كَيْ لاَ يَكُونَ} الفيء الذي حقه أن يصل إلى الفقراء {دُولَةً} متداولة {بَيْنَ ٱلأَغْنِيَآءِ مِنكُمْ} ورؤسائكم، كما هو عادة الجاهلية الأولى {وَ} بعدما قسم سبحانه في كتابه {مَآ آتَاكُمُ} وأعطاكم {ٱلرَّسُولُ} المستخلف منه سبحانه {فَخُذُوهُ} بلا مراء ومجادلة معه {وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ} بإذن الله {فَٱنتَهُواْ} أيضاً عنه بلا مكابرة وإصرار {وَ} بالجملة: {ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ} عن مخالفة أمره، وأمر رسوله النائب عنه، واحذروا عن بطشه وانتقامه {إِنَّ ٱللَّهَ} القادر على وجوه الانتقام {شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ} [الحشر: 7] على من خرج من ربقة عبوديته، ومقتضى ألوهيته.

النسائي

تفسير : بسم الله الرحمن الرحيم سورة الحشر قوله تعالى: {مَا قَطَعْتُمْ مِّن لِّينَةٍ} [5] 593 - أخبرنا قُتيبة بن سعيدٍ، قال: حدثنا اللَّيثُ، عن نافعٍ، عن ابن عمر، أن رسول اللهِ صلى الله عليه وسلم حرَّق نخل بني النضيرِ وقطع، وهي البُوَيرَةُ، فأنزل الله (تبارك وتعالى) {مَا قَطَعْتُمْ مِّن لِّينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَآئِمَةً عَلَىٰ أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ ٱللَّهِ وَلِيُخْزِيَ ٱلْفَاسِقِينَ}. قوله: {وَلِيُخْزِيَ ٱلْفَاسِقِينَ} [5] 594 - أخبرنا الحسنُ بن محمدٍ، عن عفان، قال: حدثنا حفصُ بن غياثٍ، قال: حدَّثنا حبيبُ بنُ أبي عمرةَ، عن سعيد بن جُبيرٍ، عن ابن عباسٍ، في قول الله (تعالى): و{مَا قَطَعْتُمْ مِّن لِّينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَآئِمَةً عَلَىٰ أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ ٱللَّهِ وَلِيُخْزِيَ ٱلْفَاسِقِينَ} قال: (يَسْتَنْزِلُونَهُمْ) من حصونهم وأُمروا بقطع النخَّلِ، فحاك في صُدُورِهم، فقال المسلمون: (قد) قطعنا بعضاً وتركنا بعضاً، فلنسألنَّ رسول اللهِ صلى الله عليه وسلم، هل لنا فيما قطعنا من أجرٍ؟ [وهل علينا] فيما تركنا من وزرٍ فأنزل اللهُ عزَّ وجلَّ {مَا قَطَعْتُمْ مِّن لِّينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَآئِمَةً} (قال): كان عفانُ حدَّثنا بهذا الحديثِ عن عبد الواحدِ، عن حبيبٍ ثم رَجَعَ، فحدثناه عن حفصٍ.

همام الصنعاني

تفسير : 3188- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله: {مَا قَطَعْتُمْ مِّن لِّينَةٍ}: [الآية: 5]، قال: اللينة ألوان النخل كهلا، إلا العجوة.