Verse. 5132 (AR)

٥٩ - ٱلْحَشْر

59 - Al-Hashr (AR)

وَمَاۗ اَفَاۗءَ اللہُ عَلٰي رَسُوْلِہٖ مِنْہُمْ فَمَاۗ اَوْجَفْتُمْ عَلَيْہِ مِنْ خَيْلٍ وَّلَا رِكَابٍ وَّلٰكِنَّ اللہَ يُسَلِّطُ رُسُلَہٗ عَلٰي مَنْ يَّشَاۗءُ۝۰ۭ وَاللہُ عَلٰي كُلِّ شَيْءٍ قَدِيْرٌ۝۶
Wama afaa Allahu AAala rasoolihi minhum fama awjaftum AAalayhi min khaylin wala rikabin walakinna Allaha yusallitu rusulahu AAala man yashao waAllahu AAala kulli shayin qadeerun

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«وما أفاء» رد «الله على رسوله منهم فما أوجفتم» أسرعتم يا مسلمون «عليه من» زائدة «خيل ولا ركاب» إبل، أي لم تقاسوا فيه مشقة «ولكن الله يسلط رسله على من يشاء والله على كل شيءٍ قدير» فلا حق لكم فيه ويختص به النبي صلى الله عليه وسلم ومن ذكر معه في الآية الثانية من الأصناف الأربعة على ما كان يقسمه من أن لكل منهم خمس الخمس وله صلى الله عليه وسلم الباقي يفعل فيه ما يشاء فأعطى منه المهاجرين وثلاثة من الأنصار لفقرهم.

6

Tafseer

الرازي

تفسير : قال المبرد: يقال فاء يفيء إذا رجع، وأفاءه الله إذا رده، وقال الأزهري: الفيء ما رده الله على أهل دينه، من أموال من خالف أهل دينه بلا قتال، إما بأن يجلوا عن أوطانهم ويخلوها للمسلمين، أو يصالحوا على جزية يؤدونها عن رؤوسهم، أو مال غير الجزية يفتدون به من سفك دمائهم، كما فعله بنو النضير حين صالحوا رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن لكل ثلاثة منهم حمل بعير مما شاءوا سوى السلاح، ويتركوا الباقي، فهذا المال هو الفيء، وهو ما أفاء الله على المسلمين، أي رده من الكفار إلى المسلمين، وقوله: {مِنْهُمْ } أي من يهود بني النضير، قوله: {فَمَا أَوْجَفْتُمْ } يقال: وجف الفرس والبعير يجف وجفاً ووجيفاً، وهو سرعة السير، وأوجفه صاحبه، إذا حمله على السير السريع، وقوله: {عَلَيْهِ } أي على ما أفاء الله، وقوله: {مِنْ خَيْلٍ وَلاَ رِكَابٍ } الركاب ما يركب من الإبل، واحدتها راحلة، ولا واحد لها من لفظها، والعرب لا يطلقون لفظ الراكب إلا على راكب البعير، ويسمون راكب الفرس فارساً، ومعنى الآية أن الصحابة طلبوا من الرسول عليه الصلاة والسلام أن يقسم الفيء بينهم كما قسم الغنيمة بينهم، فذكر الله الفرق بين الأمرين، وهو أن الغنيمة ما أتعبتم أنفسكم في تحصيلها وأوجفتم عليها الخيل والركاب بخلاف الفيء فإنكم ما تحملتم في تحصيله تعباً، فكان الأمر فيه مفوضاً إلى الرسول يضعه حيث يشاء. ثم ههنا سؤال: وهو أن أموال بني النضير أخذت بعد القتال لأنهم حوصروا أياماً، وقاتلوا وقتلوا ثم صالحوا على الجلاء فوجب أن تكون تلك الأموال من جملة الغنيمة لا من جملة الفيء، ولأجل هذا السؤال ذكر المفسرون ههنا وجهين الأول: أن هذه الآية ما نزلت في قرى بني النضير لأنهم أوجفوا عليهم بالخيل والركاب وحاصرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون بل هو في فدك، وذلك لأن أهل فدك انجلوا عنه فصارت تلك القرى والأموال في يد الرسول عليه السلام من غير حرب فكان عليه الصلاة والسلام يأخذ من غلة فدك نفقته ونفقة من يعوله، ويجعل الباقي في السلاح والكراع، فلما مات ادعت فاطمة عليها السلام أنه كان ينحلها فدكا، فقال أبو بكر: أنت أعز الناس علي فقراً، وأحبهم إلي غنى، لكني لا أعرف صحة قولك، ولا يجوز أن أحكم بذلك، فشهد لها أم أيمن ومولى للرسول عليه السلام، فطلب منها أبو بكر الشاهد الذي يجوز قبول شهادته في الشرع فلم يكن، فأجرى أبو بكر ذلك على ما كان يجريه الرسول صلى الله عليه وسلم ينفق منه على من كان ينفق عليه الرسول، ويجعل ما يبقى في السلاح والكراع، وكذلك عمر جعله في يد علي ليجريه على هذا المجرى، ورد ذلك في آخر عهد عمر إلى عمر، وقال: إن بنا غنى وبالمسلمين حاجة إليه، وكان عثمان رضي الله عنه يجريه كذلك، ثم صار إلى علي فكان يجريه هذا المجرى فالأئمة الأربعة اتفقوا على ذلك والقول الثاني: أن هذه الآية نزلت في بني النضير وقراهم، وليس للمسلمين يومئذ كثير خيل ولا ركاب، ولم يقطعوا إليها مسافة كثيرة، وإنما كانوا على ميلين من المدينة فمشوا إليها مشياً، ولم يركب إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان راكب جمل، فلما كانت المقاتلة قليلة والخيل والركب غير حاصل، أجراه الله تعالى مجرى مالم يحصل فيه المقاتلة أصلاً فخص رسول الله صلى الله عليه وسلم بتلك الأموال، ثم روى أنه قسمها بين المهاجرين ولم يعط الأنصار منها شيئاً إلا ثلاثة نفر كانت بهم حاجة وهم أبو دجانة وسهل بن حنيف والحرث بن الصمة. ثم إنه تعالى ذكر حكم الفيء فقال:

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {وَمَآ أَفَآءَ ٱللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْهُمْ} (هذه الآية والتي بعدها إلى قوله {شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ} فيها عشر مسائل: الأولى ـ قوله تعالى:{وَمَآ أَفَآءَ ٱللَّهُ} يعني ما ردّه الله تعالى{عَلَىٰ رَسُولِهِ} من أموال بني النَّضِير.{فَمَآ أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ} أوْضَعْتم عليه. والإيجاف: الإيضاع في السير وهو الإسراع؛ يقال: وَجَفَ الفرسُ إذا أسرع، وأوجفته أنا أي حركته وأتعبته؛ ومنه قول تميم بن مقبل:شعر : مَذاوِيد بالبِيض الحديثِ صِقالُها عن الركب أحياناً إذا الركب أوْجَفُوا تفسير : والركاب الإبل، واحدها راحلة. يقول: لم تقطعوا إليها شُقّة ولا لقيتم بها حرباً ولا مشقة؛ وإنما كانت من المدينة على مِيلَيْن؛ قاله الفرّاء. فمشَوْا إليها مَشْياً ولم يركبوا خيلاً ولا إبلاً؛ إلا النبيّ صلى الله عليه وسلم فإنه ركب جملاً وقيل حماراً مخطوماً بليف، فافتتحها صلحاً وأجلاهم وأخذ أموالهم. فسأل المسلمون النبيّ صلى الله عليه وسلم أن يَقسم لهم فنزلت:{وَمَآ أَفَآءَ ٱللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَآ أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ} الآية. فجعل أموال بني النَّضير للنبيّ صلى الله عليه وسلم خاصَّةً يضعها حيث شاء؛ فقسمها النبيّ صلى الله عليه وسلم بين المهاجرين. قال الواقدىّ: ورواه ابن وهب عن مالك؛ ولم يعط الأنصار منها شيئاً إلا ثلاثة نفر محتاجين؛ منهم أبو دُجَانة سِمَاك بن خَرَشة، وسهل بن حُنيف، والحارث بن الصِّمّة. وقيل إنما أعطى رجلين، سهلاً وأبا دُجَانة. ويقال: أعطى سعد بن معاذ سيف ابن أبي الحُقَيق، وكان سيفاً له ذِكْرٌ عندهم. ولم يُسلم من بني النَّضير إلا رجلان: سفيان بن عمير، وسعد بن وهب؛ أسلما على أموالهما فأحرزاها. وفي صحيح مسلم حديث : عن عمر قال: كانت أموال بني النضير مما أفاء الله على رسوله مما لم يُوجِف عليه المسلمون بخيل ولا ركاب، وكانت للنبيّ صلى الله عليه وسلم خاصّةً، فكان ينفق على أهله نفقةَ سنة، وما بقى يجعله في الكُرَاع والسلاح عُدّةً في سبيل الله تعالى. وقال العباس لعمر ـ رضي الله عنهما ـ: اقض بيني وبين هذا الكاذب الآثم الغادر الخائن ـ يعني عليا رضي الله عنه ـ فيما أفاء الله على رسوله من أموال بني النضير. فقال عمر: أتعلمان أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «لانُورَث ما تركناه صدقة» قالا نعم. قال عمر: إن الله عز وجل كان خص رسوله صلى الله عليه وسلم بخاصة ولم يُخَصِّص بها أحداً غيره. قال:{مَّآ أَفَآءَ ٱللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ ٱلْقُرَىٰ فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْيَتَامَىٰ وَٱلْمَسَاكِينِ وَٱبْنِ ٱلسَّبِيلِ كَيْ لاَ يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ ٱلأَغْنِيَآءِ مِنكُمْ وَمَآ آتَاكُمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَٱنتَهُواْ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ إِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ} (ما أدري هل قرأ الآية التي قبلها أم لا) فقسم رسول الله صلى الله عليه وسلم بينكم أموال بني النَّضير، فوالله ما استأثرها عليكم ولا أخذها دونكم حتى بقي هذا المال؛ فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأخذ منه نفقة سنة، ثم يجعل ما بقي أسْوَةَ المال... تفسير : الحديث بطوله، خرّجه مسلم. وقيل: لما ترك بنو النَّضير ديارهم وأموالهم طلب المسلمون أن يكون لهم فيها حظ كالغنائم؛ فبيّن الله تعالى أنها فَيْءٌ وكان قد جرى ثَمّ بعضُ القتال؛ لأنهم حوصِروا أياماً وقاتلوا وقتلوا، ثم صالحوا على الجلاء، ولم يكن قتال على التحقيق؛ بل جرى مبادىء القتال وجرى الحصار، وخص الله تلك الأموال برسوله صلى الله عليه وسلم. وقال مجاهد: أعلمهم الله تعالى وذَكَّرهم أنه إنما نصر رسوله صلى الله عليه وسلم ونصرهم بغير كُراع ولا عُدّة.{وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ} أي من أعدائه. وفي هذا بيان أن تلك الأموال كانت خاصّةً لرسول الله صلى الله عليه وسلم دون أصحابه. الثانية ـ: قوله تعالى: {مَّآ أَفَآءَ ٱللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ ٱلْقُرَىٰ} قال ابن عباس: هي قُرَيْظَة والنَّضير، وهما بالمدينة وفَدَك، وهى على ثلاثة أيام من المدينة وخَيْبَر. وقُرَى عُرَينة ويَنْبُع جعلها الله لرسوله. وبَيّن أن في ذلك المال الذي خصه بالرسول عليه السلام سُهْماناً لغير الرسول نظراً منه لعباده. وقد تكلم العلماء في هذه الآية والتي قبلها، هل معناهما واحد أو مختلف، والآية التي في الأنفال؛ فقال قوم من العلماء: إن قوله تعالى: {مَّآ أَفَآءَ ٱللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ ٱلْقُرَىٰ} منسوخ بما في سورة الأنفال من كون الخُمس لمن سمي له، والأخماس الأربعة لمن قاتل. وكان في أوّل الإسلام تُقسم الغنيمة على هذه الأصناف ولايكون لمن قاتل عليها شيء. وهذا قول يزيد بن رومان وقتادة وغيرهما. ونحوه عن مالك. وقال قوم: إنما غنم بصلح من غير إيجاف خيل ولا رِكاب؛ فيكون لمن سمَّى الله تعالى فيه فَيْئاً والأُولى للنبيّ صلى الله عليه وسلم، إذا أخذ منه حاجته كان الباقي في مصالح المسلمين. وقال معمر: الأُولى للنبيّ صلى الله عليه وسلم. والثانية هي الجزية والخراج للأصناف المذكورة فيه. والثالثة الغنيمة في سورة الأنفال للغانمين. وقال قوم منهم الشافعيّ: إن معنى الآيتين واحد؛ أي ما حصل من أموال الكفار بغير قتال قسم على خمسة أسهم؛ أربعة منها للنبيّ صلى الله عليه وسلم. وكان الخمس الباقي على خمسة أسهم: سهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم أيضاً، وسهم لذوي القربى ـ وهم بنو هاشم وبنو المطلب ـ لأنهم مُنِعوا الصدقة فجعل لهم حق في الْفَيْء. وسهم لليتامى. وسهم للمساكين. وسهم لابن السبيل. وأما بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فالذي كان من الْفَيْء لرسول الله صلى الله عليه وسلم يصرف عند الشافعيّ في قول إلى المجاهدين المترصِّدين للقتال في الثغور؛ لأنهم القائمون مقام الرسول عليه الصلاة والسلام. وفي قول آخر له: يصرف إلى مصالح المسلمين من سدّ الثغور وحفر الأنهار وبناء القناطر؛ يقدم الأهم فالأهم، وهذا في أربعة أخماس الفيء. فأما السهم الذي كان له من خمس الفيء والغنيمة فهو لمصالح المسلمين بعد موته صلى الله عليه وسلم بلا خلاف. كما قال عليه الصلاة والسلام: «حديث : ليس لي من غنائمكم إلا الخمس والخمس مردود فيكم»تفسير : . وقد مضى القول فيه في سورة «الأنفال». وكذلك ما خلفه من المال غير موروث، بل هو صدقة يصرف عنه إلى مصالح المسلمين؛ كما قال عليه السلام: «حديث : إنا لا نورث ما تركناه صدقة»تفسير : . وقيل: كان مال الفىء لنبيّه صلى الله عليه وسلم؛ لقوله تعالى: {مَّآ أَفَآءَ ٱللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ} فأضافه إليه؛ غير أنه كان لا يتأثَّل مالاً، إنما كان يأخذ بقدر حاجة عياله وبصرف الباقي في مصالح المسلمين. قال القاضي أبو بكر بن العربيّ: لا إشكال أنها ثلاثة معان في ثلاث آيات؛ أما الآية الأولى فهي قوله: {هُوَ ٱلَّذِيۤ أَخْرَجَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ مِن دِيَارِهِمْ لأَوَّلِ ٱلْحَشْرِ} ثم قال تعالى: {وَمَآ أَفَآءَ ٱللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْهُمْ} يعني من أهل الكتاب معطوفاً عليهم. {فَمَآ أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلاَ رِكَابٍ} يريد كما بيّنا؛ فلا حق لكم فيه، ولذلك قال عمر: إنها كانت خالصة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، يعني بني النضير وما كان مثلها. فهذه آية واحدة ومعنىً متّحد. الآية الثانية ـ قوله تعالى: {مَّآ أَفَآءَ ٱللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ ٱلْقُرَىٰ فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ} وهذا كلام مبتدأ غير الأول لمستحق غير الأول. وسمى الآية الثالثة آية الغنيمة، ولاشك في أنه معنىً آخر باستحقاق ثان لمستحق آخر، بَيْدَ أن الآية الأولى والثانية، اشتركتا في أن كل واحدة منهما تضمنت شيئاً أفاءه الله على رسوله، واقتضت الآية الأولى أنه حاصل بغير قتال، واقتضت آية الأنفال أنه حاصل بقتال، وعِريت الآية الثالثة وهي قوله تعالى: {مَّآ أَفَآءَ ٱللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ ٱلْقُرَىٰ} عن ذكر حصوله بقتال أو بغير قتال؛ فنشأ الخلاف من ها هنا، فمن طائفة قالت: هي ملحقة بالأولى، وهو مال الصلح كله ونحوه. ومن طائفة قالت: هي ملحقة بالثانية وهي آية الأنفال. والذين قالوا إنها ملحقة بآية الأنفال اختلفوا؛ هل هي منسوخة ـ كما تقدّم ـ أو محكمة؟ وإلحاقها بشهادة الله بالتي قبلها أوْلى؛ لأن فيه تجديد فائدة ومعنى. ومعلوم أن حمل الحرف من الآية فضلاً عن الآية على فائدة متجدّدة أوْلى من حمله على فائدة معادة. وروى ابن وهب عن مالك في قوله تعالى: {فَمَآ أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلاَ رِكَابٍ} بني النضير، لم يكن فيها خمس ولم يُوجف عليها بخيل ولا ركاب. كانت صافية لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقَسمها بين المهاجرين وثلاثة من الأنصار؛ حسب ما تقدم. وقوله: {مَّآ أَفَآءَ ٱللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ ٱلْقُرَىٰ} هي قُريظة، وكانت قُريظة والخندق في يوم واحد. قال ابن العربي: قول مالك إن الآية الثانية في بني قُريظة، إشارة إلى أن معناها يعود إلى آية الأنفال، ويلحقها النسخ. وهذا أقوى من القول بالإحكام. ونحن لا نختار إلا ما قسمنا وبيّنا أن الآية الثانية لها معنى مجدّد حسب ما دلّلنا عليه. والله أعلم. قلت ـ ما اختاره حَسَن. وقد قيل إن سورة «الحشر» نزلت بعد الأنفال، فمن المحال أن ينسخ المتقدّمُ المتأخر. وقال ابن أبي نجيح: المال ثلاثة: مَغْنم، أوْ فيءٌ، أو صدقة، وليس منه درهم إلا وقد بيّن الله موضعه. وهذا أشبه. الثالثة ـ الأموال التي للأئمة والوُلاة فيها مَدْخلٌ ثلاثة أضْرُب: ما أخذ من المسلمين على طريق التطهير لهم؛ كالصدقات والزكوات. والثاني ـ الغنائم؛ وهو ما يحصل في أيدي المسلمين من أموال الكافرين بالحرب والقهر والغلبة. والثالث ـ الفيء، وهو ما رجع للمسلمين من أموال الكفار عفواً صفوا من غير قتال ولا إيجاف؛ كالصلح والجزية والخراج والعشور المأخوذة من تجار الكفار. ومثله أن يهرب المشركون ويتركوا أموالهم، أو يموت أحد منهم في دار الإسلام ولا وارث له. فأما الصدقة فمصرفها الفقراء والمساكين والعاملين عليها؛ حسب ما ذكره الله تعالى، وقد مضى في «براءة». وأما الغنائم فكانت في صدر الإسلام للنبيّ صلى الله عليه وسلم يصنع فيها ما شاء؛ كما قال في سورة «الأنفال»: {قُلِ ٱلأَنفَالُ للَّهِ وَٱلرَّسُولِ}، ثم نسخ بقوله تعالى: {أية : وَٱعْلَمُوۤا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِّن شَيْءٍ} تفسير : [الأنفال:41] الآية. وقد مضى في الأنفال بيانه. فأما الفَيء فقسمته وقسمة الخمس سواء. والأمر عند مالك فيهما إلى الإمام، فإن رأى حبسهما لنوازل تنزل بالمسلمين فَعَل، وإن رأى قسمتهما أو قسمة أحدهما قَسَمه كلَّه بين الناس، وسوّى فيه بين عربِيِّهم ومَوْلاهم. ويبدأ بالفقراء من رجال ونساء حتى يَغْنوا، ويعطوْا ذَوُو القربى من رسول الله صلى الله عليه وسلم من الفيء سهمهم على ما يراه الإمام، وليس له حدّ معلوم. واختلف في إعطاء الغنيّ منهم؛ فأكثر الناس على إعطائه لأنه حقٌّ لهم. وقال مالك: لا يعطى منه غير فقرائهم، لأنه جُعل لهم عِوضاً من الصدقة. وقال الشافعي: أيما حصل من أموال الكفار من غير قتال كان يقسم في عهد النبي صلى الله عليه وسلم على خمسة وعشرين سهما: عشرون للنبيّ صلى الله عليه وسلم يفعل فيها ما يشاء. والخُمس يقسم على ما يقسم عليه خُمس الغنيمة. قال أبو جعفر أحمد بن الدَاوُديّ: وهذا قول ما سبقه به أحد علمناه، بل كان ذلك خالصاً له، كما ثبت في الصحيح عن عمر مبيّناً للآية. ولو كان هذا لكان قوله: {أية : خَالِصَةً لَّكَ مِن دُونِ ٱلْمُؤْمِنِينَ} تفسير : [الأحزاب:50] يدل على أنه يجوز الموهوبة لغيره، وأن قوله: {أية : خَالِصَةً يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ} تفسير : [الأعراف:32] يجوز أن يشركهم فيها غيرهم. وقد مضى قول الشافعي مستوعباً في ذلك والحمد لله. ومذهب الشافعي رضي الله عنه: أن سبيل خمس الْفَيء سبيل خمس الغنيمة، وأن أربعة أخماسه كانت للنبيّ صلى الله عليه وسلم، وهي بعده لمصالح المسلمين. وله قول آخر: أنها بعده للمرصدين أنفسهم للقتال بعده خاصة؛ كما تقدم. الرابعة ـ: قال علماؤنا: ويُقسم كل مال في البلد الذي جُبيَ فيه، ولا ينقل عن ذلك البلد الذي جُبِيَ فيه حتى يَغنوا، ثم ينقل إلى الأقرب من غيرهم، إلا أن ينزل بغير البلد الذي جُبيَ فيه فاقةٌ شديدة، فينتقل ذلك إلى أهل الفاقة حيث كانوا، كما فعل عمر بن الخطاب رضي الله عنه في أعوام الرَّمادة، وكانت خمسة أعوام أو ستة. وقد قيل عامين. وقيل: عامٌ فيه اشتد الطاعون مع الجوع. وإن لم يكن ما وصفنا ورأى الإمام إيقاف الفيء أوقفه لنوائب المسلمين، ويعطى منه المنفوس ويبدأ بمن أبوه فقير. والفيء حلال للأغنياء. ويسوّى بين الناس فيه إلا أنه يؤثر أهل الحاجة والفاقة. والتفضيل فيه إنما يكون على قدر الحاجة. ويعطى منه الغرماء ما يؤدون به ديونهم. ويعطى منه الجائزة والصلة إن كان ذلك أهلاً ويرزق القضاة والحكام ومن فيه منفعة للمسلمين. وأولاهم بتوفر الحظ منهم أعظمهم للمسلمين نفعاً. ومن أخذ من الفَيء شيئاً في الديوان كان عليه أن يغزو إذا غزى. الخامسة ـ: قوله تعالى: {كَيْ لاَ يَكُونَ دُولَةً} قراءة العامة «يَكُونُ» بالياء. «دُولَةً» بالنصب، أي كي لا يكون الفيء دولةً. وقرأ أبو جعفر والأعرج وهشام ـ عن ابن عامر ـ وأبو حيوة «تكون» بتاء «دُوَلةٌ» بالرفع، أي كي لا تقع دُولة. فكان تامة. و «دُوَلةٌ» رفع على اسم كان ولا خبر له. ويجوز أن تكون ناقصة وخبرها {بَيْنَ ٱلأَغْنِيَآءِ مِنكُمْ} وإذا كانت تامة فقوله: {بَيْنَ ٱلأَغْنِيَآءِ مِنكُمْ} متعلق بـ «دُولة» على معنى تداول بين الأغنياء منكم. ويجوز أن يكون {بَيْنَ ٱلأَغْنِيَآءِ مِنكُمْ} وصفاً لـ «دُولة». وقراءة العامة «دُولة» بضم الدال. وقرأها السُّلَمِي وأبو حيوة بالنصب. قال عيسى بن عمرو ويونس والأصمعيّ: هما لغتان بمعنىً واحد. وقال أبو عمرو بن العلاء: الدَّولة (بالفتح) الظفر في الحرب وغيره، وهي المصدر. وبالضم اسم الشيء الذي يتداول من الأموال. وكذا قال أبو عبيدة: الدُّولة اسم الشيء الذي يُتداول. والدَّولة الفعل. ومعنى الآية: فعلنا ذلك في هذا الفيء، كي لا تقسمه الرؤساء والأغنياء والأقوياء بينهم دون الفقراء والضعفاء، لأن أهل الجاهلية كانوا إذا غنِموا أخذ الرئيس رُبْعها لنفسه، وهو المِرْباع. ثم يصطفي منها أيضاً بعد المرْباع ما شاء؛ وفيها قال شاعرهم:شعر : لك المِرباع منها والصفايا تفسير : يقول: كي لا يعمل فيه كما كان يعمل في الجاهلية. فجعل الله هذا لرسوله صلى الله عليه وسلم؛ يقسمه في المواضع التي أمر بها ليس فيها خمس، فإذا جاء خمس وقع بين المسلمين جميعاً. السادسة ـ: قوله تعالى: {وَمَآ آتَاكُمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَٱنتَهُواْ} أي ما أعطاكم من مال الغنيمة فخذوه، وما نهاكم عنه من الأخذ والغلول فانتهوا؛ قاله الحسن وغيره. السدّي: ما أعطاكم من مال الفيء فاقبلوه، وما منعكم منه فلا تطلبوه. وقال ابن جُريج: ما آتاكم من طاعتي فافعلوه، وما نهاكم عنه من معصيتي فاجتنبوه. الماوردي: وقيل إنه مـحمول على العموم في جميع أوامره ونواهيه؛ لا يأمر إلا بصلاح ولا ينهى إلا عن فساد. قلت: هذا هو معنى القول الذي قبله. فهي ثلاثة أقوال. السابعة ـ: قال المهدوي: قوله تعالى: {وَمَآ آتَاكُمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَٱنتَهُواْ} هذا يوجب أن كل ما أمر به النبي صلى الله عليه وسلم أمرٌ من الله تعالى. والآية وإن كانت في الغنائم فجميع أوامره صلى الله عليه وسلم ونواهيه دخل فيها. وقال الحكم بن عُمير ـ وكانت له صحبة ـ: قال النبيّ صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن هذا القرآن صَعبٌ مُسْتَصْعَبٌ عسير على من تركه يسير على من اتبعه وطلبه. وحديثي صعب مستصعب وهو الحكم فمن استمسك بحديثي وحفظه نجا مع القرآن. ومن تهاون بالقرآن وحديثي خسر الدنيا والآخرة. وأُمرتم أن تأخذوا بقولي وتكتنفوا أمري وتتبعوا سنتي فمن رضي بقولي فقد رضي بالقرآن ومن استهزأ بقولي فقد استهزأ بالقرآن قال الله تعالى: {وَمَآ آتَاكُمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَٱنتَهُواْ}» تفسير : . الثامنة ـ: قال عبد الرحمن بن زيد: لقي ابن مسعود رجلاً مُحْرِماً وعليه ثيابه فقال له: انزع عنك هذا. فقال الرجل: أتقرأ عليَّ بهذا آيةً من كتاب الله تعالى؟ قال: نعم، {وَمَآ آتَاكُمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَٱنتَهُواْ}. وقال عبد الله بن محمد بن هارون الفِريابي: سمعت الشافعي رضي الله عنه يقول: سلوني عما شئتم أخبركم من كتاب الله تعالى وسنة نبيكم صلى الله عليه وسلم؛ قال فقلت له: ما تقول ـ أصلحك الله ـ في المحرم يقتل الزُّنْبُور؟ قال فقال: بسم الله الرحمن الرحيم، قال الله تعالى: {وَمَآ آتَاكُمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَٱنتَهُواْ} وحدثنا سُفيان بن عُيَيْنَة عن عبد الملك بن عُمير عن رِبْعِيّ ابن حِراش عن حُذيفة بن اليمَان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : اقتدوا باللَذيْن من بعدي أبي بكر وعمر»تفسير : . حدثنا سفيان ابن عُيينة عن مِسْعر بن كِدَام عن قيس بن مسلم عن طارق بن شهاب عن عمر بن الخطاب ـ رضى الله عنه ـ أنه أمر بقتل الزُّنْبُور. قال علماؤنا: وهذا جواب في نهاية الحسن، أفتى بجواز قتل الزنبور في الإحرام، وبيّن أنه يَقتدي فيه بعمر، وأن النبيّ صلى الله عليه وسلم أمر بالاقتداء به، وأن الله سبحانه أمر بقبول ما يقوله النبيّ صلى الله عليه وسلم؛ فجواز قتله مستنبَط من الكتاب والسنة. وقد مضى هذا المعنى من قول عكرمة حين سئل عن أمهات الأولاد فقال: هن أحرار في سورة «النساء» عند قوله تعالى: {أية : أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ وَأُوْلِي ٱلأَمْرِ مِنْكُمْ} تفسير : [النساء:59]. وفي صحيح مسلم وغيره عن علقمةحديث : عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لعن الله الواشِماتِ والمُسْتَوْشِماتِ والمُتَنَمِّصاتِ والمُتَفلِّجاتِ للحُسْن المُغَيِّرَات خلق الله» تفسير : فبلغ ذلك ٱمرأةً من بني أسد يقال لها أم يعقوب؛ فجاءت فقالت: بلغني أنك لعنتَ كَيْتَ وكيتٰ فقال: ومالِي لا ألعنُ مَن لعن رسولُ الله صلى الله عليه وسلم وهو في كتاب اللهٰ فقالت: لقد قرأت ما بين اللوحين فما وجدت فيه ما تقول. فقال: لئن كنتِ قرأتيه لقد وجدتيهٰ أما قرأت {وَمَآ آتَاكُمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَٱنتَهُواْ}! قالت: بلى. قال: فإنه قد نهى عنه.. الحديث. وقد مضى القول فيه في «النساء» مستوفى. التاسعة ـ قوله تعالى: {وَمَآ آتَاكُمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ} وإن جاء بلفظ الإيتاء وهو المناولة فإن معناه الأمر؛ بدليل قوله تعالى: {وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَٱنتَهُواْ} فقابله بالنهي، ولا يقابل النهي إلا بالأمر؛ والدليل على فهم ذلك ما ذكرناه قبلُ مع: قوله عليه الصلاة السلام: «حديث : إذا أمرتكم بأمْرٍ فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه»تفسير : . وقال الكلبي: إنها نزلت في رؤساء المسلمين، قالوا فيما ظهر عليه رسولُ الله صلى الله عليه وسلم من أموال المشركين: يا رسول الله، خذ صَفِيّك والرُّبع، ودعنا والباقي؛ فهكذا كنا نفعل في الجاهلية. وأنشدوه:شعر : لك المِرْباع منها والصَّفايَا وحُكْمُكَ والنَّشِيطة والفُضُولُ تفسير : فأنزل الله تعالى هذه الآية. العاشرة: قوله تعالى: {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ} أي عذاب الله، إنه شديد لمن عصاه. وقيل: اتقوا الله في أوامره ونواهيه فلا تضيّعوها.{إِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ} لمن خالف ما أمره به.

البيضاوي

تفسير : {وَمَا أَفَاء ٱللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ} وما أعاده عليه بمعنى صيره له أورده عليه، فإنه كان حقيقاً بأن يكون له لأنه تعالى خلق الناس لعبادته وخلق ما خلق لهم ليتوسلوا به إلى طاعته فهو جدير بأن يكون للمطيعين. {مِنْهُمْ} من بني النضير أو من الكفرة. {فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ} فما أجريتم على تحصيله من الوجيف وهو سرعة السير. {مِنْ خَيْلٍ وَلاَ رِكَابٍ} ما يركب من الإِبل غلب فيه كما غلب الراكب على راكبه، وذلك إن كان المراد فيءُ بني النضير، فلأن قراهم كانت على ميلين من المدينة فمشوا إليها رجالاً غير رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه ركب جملاً أو حماراً، ولم يجر مزيد قتال ولذلك لم يعط الأنصار منه شيئاً إلا ثلاثة كانت بهم حاجة. {وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يُسَلّطُ رُسُلَهُ عَلَىٰ مَن يَشَاءُ} بقذف الرعب في قلوبهم. {وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلّ شَيْء قَدِيرٌ} فيفعل ما يريد تارة بالوسائط الظاهرة وتارة بغيرها. {مَّا أَفَاء ٱللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ ٱلْقُرَىٰ} بيان للأول ولذلك لم يعطف عليه. {فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِى ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْيَتَامَىٰ وَٱلْمَسَـٰكِينِ وَٱبْنِ ٱلسَّبِيلِ } اختلف في قسم الفيء، فقيل يسدس لظاهر الآية ويصرف سهم الله في عمارة الكعبة وسائر المساجد، وقيل يخمس لأن ذكر الله للتعظيم ويصرف الآن سهم الرسول عليه الصلاة والسلام إلى الإِمام على قول وإلى العساكر والثغور على قول وإلى مصالح المسلمين على قول. وقيل يخمس خمسه كالغنيمة فإنه عليه الصلاة والسلام كان يقسم الخمس كذلك ويصرف الأخماس الأربعة كما يشاء والآن على الخلاف المذكور. {كَيْلاَ يَكُونَ} أي الفيء الذي حقه أن يكون للفقراء. وقرأ هشام في رواية بالتاء. {دُولَةً بَيْنَ ٱلأَغْنِيَاءِ مِنكُمْ } الدولة ما يتداوله الأغنياء ويدور بينهم كما كان في الجاهلية، وقرىء {دُولَةً} بمعنى كيلا يكون الفيء ذا تداول بينهم أو أخذه غلبة تكون بينهم، وقرأ هشام «دُولَةً» بالرفع على كان التامة أي كيلا يقع دولة جاهلية. {وَمَا ءاتَـٰكُمُ ٱلرَّسُولُ } وما أعطاكم من الفيء أو من الأمر. {فَخُذُوهُ } لأنه حلال لكم، أو فتمسكوا به لأنه واجب الطاعة. {وَمَا نَهَـٰكُمْ عَنْهُ} عن أخذه منه، أو عن إتيانه. {فَٱنتَهُواْ} عنه. {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ} في مخالفة رسوله. {إِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ} لمن خالفه. {لِلْفُقَرَاء الْمُهَـٰجِرِينَ} بدل من {ذَا ٱلْقُرْبَىٰ} و {مَا} عطف عليه فإن {ٱلرَّسُولَ} لا يسمى فقيراً، ومن أعطى أغنياء ذوي القربى خصص الإبدال بما بعده، والفيء بفيء بني النضير. {الَّذِينَ أُخْرِجُواْ مِن دِيَـٰرِهِمْ وَأَمْوٰلِهِمْ} فإن كفار مكة أخرجوهم وأخذوا أموالهم. {يَبْتَغُونَ فَضْلاً مّنَ ٱللَّهِ وَرِضْوَاناً} حال مقيدة لإخراجهم بما يوجب تفخيم شأنهم. {وَيَنصُرُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ } بأنفسهم وأموالهم. {أُوْلَـئِكَ هُمُ ٱلصَّـٰدِقُونَ} في إيمانهم. {وَٱلَّذِينَ تَبَوَّءوا ٱلدَّارَ وَٱلإيمَـٰنَ } عطف على المهاجرين، والمراد بهم الأنصار الذين ظهر صدقهم فإنهم لزموا المدينة والإِيمان وتمكنوا فيهما، وقيل المعنى تبوءوا دار الهجرة ودار الإِيمان فحذف المضاف من الثاني والمضاف إليه من الأول وعوض عنه اللام، أو تبوءوا الدار وأخلصوا الإِيمان كقوله: شعر : عَلَفْتُهَا تِبْناً وَمَاءٌ بَارِداًتفسير : وقيل سمى المدينة بالإِيمان لأنها مظهره ومصيره. {مِن قَبْلِهِمُ } من قبل هجرة المهاجرين. وقيل تقدير الكلام والذين تبوءوا الدار من قبلهم والإِيمان. {يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ } ولا يثقل عليهم. {وَلاَ يَجِدُونَ فِى صُدُورِهِمْ} في أنفسهم. {حَاجَةً} ما تحمل عليه الحاجة كالطلب والحزازة والحسد والغيظ. {مّمَّا أُوتُواْ} مما أعطي المهاجرون من الفيء وغيره. {وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ } ويقدمون المهاجرين على أنفسهم حتى إن كان عنده امرأتان نزل عن واحدة وزوجها من أحدهم. {وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ} حاجة من خصاص البناء وهي فرجه. {وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ} حتى يخالفها فيما يغلب عليها من حب المال وبغض الإِنفاق. {فَأُوْلَـئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ } الفائزون بالثناء العاجل والثواب الآجل. {وَٱلَّذِينَ جَاؤُوا مّن بَعْدِهِمْ } هم الذين هاجروا حين قوي الإِسلام، أو التابعون بإحسان وهم المؤمنون بعد الفريقين إلى يوم القيامة ولذلك قيل: إن الآية قد استوعبت جميع المؤمنين. {يَقُولُونَ رَبَّنَا ٱغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوٰنِنَا ٱلَّذِينَ سَبَقُونَا بِٱلإَيمَـٰنِ} أي لإِخواننا في الدين. {وَلاَ تَجْعَلْ فِى قُلُوبِنَا غِلاًّ لّلَّذِينَ ءَامَنُواْ} حقداً لهم. {رَبَّنَا إِنَّكَ رَءوفٌ رَّحِيمٌ} فحقيق بأن تجيب دعاءنا.

ابن كثير

تفسير : يقول تعالى مبيناً لمال الفيء، وما صفته، وما حكمه؟ فالفيء: كل مال أخذ من الكفار من غير قتال، ولا إيجاف خيل ولا ركاب، كأموال بني النضير هذه؛ فإنها مما لم يوجف المسلمون عليه بخيل ولا ركاب، أي: لم يقاتلوا الأعداء فيها بالمبارزة والمصاولة، بل نزل أولئك من الرعب الذي ألقى الله في قلوبهم من هيبة رسول الله صلى الله عليه وسلم فأفاءه على رسوله، ولهذا تصرف فيه كما يشاء، فرده على المسلمين في وجوه البر والمصالح التي ذكرها الله عز وجل في هذه الآيات فقال تعالى: {وَمَآ أَفَآءَ ٱللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْهُمْ} أي: من بني النضير {فَمَآ أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلاَ رِكَابٍ} يعني: الإبل {وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ} أي: هو قدير لا يغالب ولا يمانع، بل هو القاهر لكل شيء. ثم قال تعالى: {مَّآ أَفَآءَ ٱللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ ٱلْقُرَىٰ} أي: جميع البلدان التي تُفتح هكذا، فحكمها حكم أموال بني النضير، ولهذا قال تعالى: {فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِى ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْيَتَامَىٰ وَٱلْمَسَـٰكِينِ وَٱبْنِ ٱلسَّبِيلِ} إلى آخرها، والتي بعدها، فهذه مصارف أموال الفيء ووجوهه. قال الإمام أحمد: حدثنا سفيان، عن عمرو ومَعْمر، عن الزهري، عن مالك بن أوس بن الحدثان، عن عمر، رضي الله عنه قال: كانت أموال بني النضير مما أفاء الله على رسوله مما لو يوجف المسلمون عليه بخيل ولا ركاب، فكانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم خالصة، فكان ينفق على أهله منها نفقة سنته، وقال مرة: قوت سنته، وما بقي جعله في الكُراع والسلاح في سبيل الله، عز وجل. هكذا أخرجه أحمد ههنا مختصراً، وقد أخرجه الجماعة في كتبهم، إلا ابن ماجه، من حديث سفيان عن عمرو بن دينار عن الزهري به، وقد رويناه مطولاً. وقال أبو داود رحمه الله: حدثنا الحسن بن علي ومحمد بن يحيى بن فارس، المعنى واحد، قالا: حدثنا بشر بن عمر الزهراني، حدثني مالك بن أنس عن ابن شهاب عن مالك بن أوس قال: أرسل إليّ عمر بن الخطاب رضي الله عنه حين تعالى النهار، فجئته فوجدته جالساً على سرير مفضياً إلى رماله، فقال حين دخلت عليه: يا مالِ إنه قد دف أهل أبيات من قومك، وقد أمرت فيهم بشيء، فاقسم فيهم، قلت: لو أمرت غيري بذلك، فقال: خذه، فجاءه يرفا، فقال: يا أمير المؤمنين هل لك في عثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف والزبير بن العوام وسعد بن أبي وقاص؟ قال: نعم. فأذن لهم، فدخلوا، ثم جاءه يرفا فقال: يا أمير المؤمنين هل لك في العباس وعلي؟ قال: نعم، فأذن لهما فدخلا، فقال العباس: يا أمير المؤمنين اقض بيني وبين هذا، يعني: علياً، فقال بعضهم: أجل يا أمير المؤمنين اقض بينهما وأرحهما، قال مالك بن أوس: خيل إلي أنهما قدما أولئك النفر لذلك، فقال عمر رضي الله عنه: اتئدا، ثم أقبل على أولئك الرهط، فقال: أنشدكم بالله الذي بإذنه تقوم السماء والأرض، هل تعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : لا نورث ما تركنا صدقة» تفسير : قالوا: نعم. ثم أقبل على علي والعباس فقال: أنشدكما بالله الذي بإذنه تقوم السماء والأرض هل تعلمان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : لا نورث ما تركنا صدقة» تفسير : فقالا: نعم. فقال: إن الله خص رسوله بخاصة لم يخص بها أحداً من الناس، فقال تعالى: { وَمَآ أَفَآءَ ٱللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَآ أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلاَ رِكَابٍ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ} فكان الله تعالى أفاء على رسوله أموال بني النضير، فوالله ما استأثر بها عليكم، ولا أحرزها دونكم، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأخذ منها نفقة سنة، أو نفقته ونفقة أهله سنة، ويجعل ما بقي أسوة المال. ثم أقبل على أولئك الرهط فقال: أنشدكم بالله الذي بإذنه تقوم السماء والأرض، هل تعلمون ذلك؟ قالوا: نعم. ثم أقبل على علي والعباس فقال: أنشدكم بالله الذي بإذنه تقوم السماء والأرض هل تعلمان ذلك؟ قالا: نعم. فلما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أبو بكر: أنا ولي رسول الله صلى الله عليه وسلم فجئت أنت وهذا إلى أبي بكر، تطلب أنت ميراثك من ابن أخيك، ويطلب هذا ميراث امرأته من أبيها، فقال أبو بكر رضي الله عنه: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : لا نورث ما تركنا صدقة» تفسير : والله يعلم إنه لصادق بار راشد تابع للحق، فوليها أبو بكر، فلما توفي، قلت: أنا ولي رسول الله صلى الله عليه وسلم وولي أبي بكر، فوليتها ما شاء الله أن أليها، فجئت أنت وهذا، وأنتما جميع، وأمركما واحد، فسألتمانيها، فقلت: إن شئتما، فأنا أدفعها إليكما على أن عليكما عهد الله أن تلياها بالذي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يليها، فأخذتماها مني على ذلك، ثم جئتماني لأقضي بينكما بغير ذلك، والله لا أقضي بينكما بغير ذلك حتى تقوم الساعة، فإن عجزتما عنها، فَرُداها إلي. أخرجوه من حديث الزهري، به. وقال الإمام أحمد: حدثنا عارم وعفان قالا: حدثنا معتمر، سمعت أبي يقول: حدثنا أنس بن مالك، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أن الرجل كان يجعل له من ماله النخلات، أو كما شاء الله، حتى فتحت عليه قريظة والنضير، قال: فجعل يرد بعد ذلك، قال: وإن أهلي أمروني أن آتي النبي صلى الله عليه وسلم فأسأله الذي كان أهله أعطوه، أو بعضه، وكان نبي الله صلى الله عليه وسلم قد أعطاه أم أيمن، أو كما شاء الله، قال: فسألت النبي صلى الله عليه وسلم فأعطانيهن، فجاءت أم أيمن، فجعلت الثوب في عنقي، وجعلت تقول: كلا والله الذي لا إله إلا هو لا يعطيكهن وقد أعطانيهن، أو كما قالت، فقال نبي الله: «حديث : لك كذا وكذا» تفسير : قال: وتقول: كلا والله قال: ويقول: «حديث : لك كذا وكذا» تفسير : قال: وتقول: كلا والله قال: ويقول: «حديث : لك كذا وكذا» تفسير : قال: حتى أعطاها، حسبت أنه قال: عشرة أمثاله، أو قال: قريباً من عشرة أمثاله، أو كما قال. رواه البخاري ومسلم من طرق عن معتمر، به. وهذه المصارف المذكورة في هذه الآية هي المصارف المذكورة في خمس الغنيمة، وقد قدمنا الكلام عليها في سورة الأنفال بما أغنى عن إعادته ههنا ولله الحمد. وقوله تعالى: {كَى لاَ يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ ٱلأَغْنِيَآءِ مِنكُمْ} أي: جعلنا هذه المصارف لمال الفيء؛ كيلا يبقى مأكلة يتغلب عليها الأغنياء، ويتصرفون فيها بمحض الشهوات والآراء، ولا يصرفون منه شيئاً إلى الفقراء. وقوله تعالى: {وَمَآ ءَاتَـٰكُمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَـٰكُمْ عَنْهُ فَٱنتَهُواْ} أي: مهما أمركم به فافعلوه، ومهما نهاكم عنه فاجتنبوه، فإنه إنما يأمر بخير، وإنما ينهى عن شر. قال ابن أبي حاتم: حدثنا يحيى بن أبي طالب، حدثنا عبد الوهاب، حدثنا سعيد عن قتادة عن الحسن العوفي عن يحيى بن الجزار عن مسروق قال: جاءت امرأة إلى ابن مسعود قالت: بلغني أنك تنهى عن الواشمة والواصلة، أشيء وجدته في كتاب الله تعالى، أو عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: بلى شيء وجدته في كتاب الله، وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت: والله لقد تصفحت ما بين دفتي المصحف، فما وجدت فيه الذي تقول، قال: فما وجدت فيه: {وَمَآ ءَاتَـٰكُمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَـٰكُمْ عَنْهُ فَٱنتَهُواْ}؟ قالت: بلى، قال: فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهى عن الواصلة والواشمة والنامصة، قالت: فلعله في بعض أهلك، قال: فادخلي فانظري، فدخلت فنظرت ثم خرجت، قالت: ما رأيت بأساً، فقال لها: أما حفظت وصية العبد الصالح: {أية : وَمَآ أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَىٰ مَآ أَنْهَـٰكُمْ عَنْهُ}تفسير : [هود: 88]. وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرحمن، حدثنا سفيان عن منصور عن علقمة عن عبد الله، هو ابن مسعود قال: لعن الله الواشمات والمستوشمات، والمتنمصات والمتفلجات للحسن، المغيرات خلق الله عز وجل، قال: فبلغ امرأة من بني أسد في البيت، يقال لها: أم يعقوب، فجاءت إليه فقالت: بلغني أنك قلت كيت وكيت، قال: ما لي لا ألعن من لعن رسولُ الله صلى الله عليه وسلم وفي كتاب الله تعالى؟ فقالت: إني لأقرأ ما بين لوحيه، فما وجدته،فقال: إن كنت قرأتِهِ، فقد وجدتِهِ، أما قرأت: {وَمَآ ءَاتَـٰكُمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَـٰكُمْ عَنْهُ فَٱنتَهُواْ}؟ قالت: بلى. قال: فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عنه. قالت: إني لأظن أهلك يفعلونه. قال: اذهبي فانظري. فذهبت فلم تر من حاجتها شيئاً، فجاءت فقالت: ما رأيت شيئاً، قال: لو كان كذا، لما تجامعنا. أخرجاه في الصحيحين من حديث سفيان الثوري. وقد ثبت في الصحيحين أيضاً عن أبي هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إذا أمرتكم بأمر، فائتوا منه ما استطعتم، وما نهيتكم عنه، فاجتنبوه» تفسير : وقال النسائي: أخبرنا أحمد بن سعيد، حدثنا يزيد، حدثنا منصور بن حيان، عن سعيد بن جُبير، عن ابن عُمر وابن عباس: أنهما شهدا على رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه نهى عن الدباء والحنتم والنقير والمزفت، ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم{وَمَآ ءَاتَـٰكُمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَـٰكُمْ عَنْهُ فَٱنتَهُواْ} وقوله تعالى: {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ إِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ آلْعِقَابِ} أي: اتقوه؛ في امتثال أوامره، وترك زواجره؛ فإنه شديد العقاب لمن عصاه، وخالف أمره وأباه، وارتكب ما عنه زجره ونهاه.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَمَا أَفَاءَ } ردّ {ٱللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ } أسرعتم يا مسلمون {عَلَيْهِ مِنْ } زائدة {خَيْلٍ وَلاَ رِكَابٍ } إبل، أي لم تقاسوا فيه مشقة {وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَىٰ مَن يَشَاءُ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ } فلا حقّ لكم فيه ويختص به النبيّ صلى الله عليه وسلم ومن ذكر معه في الآية الثانية من الأصناف الأربعة على ما كان يقسمه من أنَّ لكل منهم خمس الخمس وله صلى الله عليه وسلم الباقي يفعل فيه ما يشاء فأعطى المهاجرين وثلاثة من الأنصار لفقرهم.

الماوردي

تفسير : {وما أفاء الله على رسوله منهم} يعني ما رده اللَّه على رسوله من أموال بني النضير. {فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب} والإيجاف الإيضاع في السير وهو الإسراع، والركاب: الإبل، وفيهما يقول نصيب: شعر : ألارب ركب قد قطعت وجيفهم إليك ولولا أنت لم توجف الركب تفسير : {ولكن الله يسلط رسله على من يشاء} ذلك أن مال الفيء هو المأخوذ من المشركين بغير قتال ولا إيجاف خيل ولا ركاب، فجعل الله لرسوله أن يضعه حيث يشاء لأنه واصل بتسليط الرسول عليهم لا بمحاربتهم وقهرهم. فجعل الله ذلك طعمة لرسوله خالصاً دون الناس، فقسمه في المهاجرين إلا سهل بن حنيف وأبا دجانة فإنهما ذكرا فقراً فأعطاهما. {كيلا يكون دولة بين الأغنياء منكم} يقال دولة بالضم وبالفتح وقرىء بهما، وفيهما قولان: أحدهما: أنهما واحد، قاله يونس، والأصمعي. الثاني: أن بينهما فرقاً، وفيه أربعة أوجه: أحدها: أنه بالفتح الظفر في الحرب، وبالضم الغنى عن فقر، قاله أبو عمرو ابن العلاء. الثاني: أنه بالفتح في الأيام، وبالضم في الأموال، قاله عبيدة. الثالث: أن بالفتح ما كان كالمستقر، وبالضم ما كان كالمستعار، حكاه ابن كامل. الرابع: أنه بالفتح الطعن في الحرب، وبالضم أيام الملك وأيام السنين التي تتغير، قاله الفراء، قال حسان: شعر : ولقد نلتم ونلنا منكم وكذاك الحرب أحياناً دول تفسير : {وما ءاتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا} فيه أربعة أوجه: أحدها: يعني ما أعطاكم من مال الفيء فاقبلوه، وما منعكم منه فلا تطلبوه، قاله السدي. الثاني: ما آتاكم الله من مال الغنيمة فخذوه، وما نهاكم عنه من الغلو فلا تفعلوه، قاله الحسن. الثالث: وما آتاكم من طاعتي فافعلوه، وما نهاكم عنه من معصيتي فاجتنبوه، قاله ابن جريج. الرابع: أنه محمول على العموم في جميع أوامره ونواهيه لأنه لا يأمر إلا بصلاح ولا ينهى إلا عن فساد. وحكى الكلبي أنها نزلت في رؤساء المسلمين قالوا فيما ظهر عليه رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم من أموال المشركين، يا رسول الله صفيك والربع ودعنا والباقي فهكذا كنا نفعل في الجاهلية وأنشدوه: شعر : لك المرباع منها والصفايا وحكمك والنشيطة والفضول. تفسير : فأنزل الله هذه الآية.

ابن عبد السلام

تفسير : {أَوْجَفْتُمْ} الإيجاف الإسراع، والركاب: الإبل فكانت أموالهم للرسول صلى الله عليه وسلم خاصة فقسهما في المهاجرين إلاَّ سهل بن حنيف وأبا دجانة فإنهما ذكرا فقراً فأعطاهما.

الخازن

تفسير : قوله عز وجل: {وما أفاء الله على رسوله} أي ما رد الله على رسوله {منهم} أي من يهود بني النضير {فما أوجفتم عليه} يعني أوضعتم وهو سرعة السير {من خيل ولا ركاب} يعني الإبل التي تحمل القوم وذلك أن بني النضير لما تركوا رباعهم وضياعهم طلب المسلمون من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقسمها بينهم كما فعل بغنائم خيبر فبين الله تعالى في هذه الآية أنها لم يوجف المسلمون عليها خيلاً ولا ركاباً ولم يقطعوا إليها شقة ولا نالوا مشقة وإنما كانوا يعني بني النضير على ميلين من المدينة فمشوا إليها مشياً ولم يركب إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم كان على جمل، {ولكن الله يسلط رسله على من يشاء} من أعدائه {والله على كل شيء قدير} أي فهي له خاصة يضعها حيث يشاء فقسمها رسول الله صلى الله عليه وسلم بين المهاجرين ولم يعط الأنصار منها شيئاً إلا ثلاثة نفر كانت بهم حاجة وهم أبو دجانة سماك بن خرشة وسهل بن حنيف والحارث بن الصمة (ق) عن مالك بن أوس النضري أن عمر دعاه إذ جاءه حاجبه يرفأ فقال هل لك يا أمير المؤمنين في عثمان وعبد الرحمن بن عوف والزبير وسعد يستأذنون؟ قال نعم فأدخلهم فلبث قليلاً ثم جاء يرفأ فقال هل لك في عباس وعلي يستأذنان؟ قال نعم فأذن لهما فلما دخلا قال العباس يا أمير المؤمنين اقض بيني وبين هذا فقال القوم أجل يا أمير المؤمنين اقض بينهما وأرح أحدهما من الآخر قال مالك بن أوس يخيل إليّ أنهم قد كانوا قدموهم لذلك فقال عمر اتئدوا أنشدكم بالله الذي بإذنه تقوم السماء والأرض هل تعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "حديث : لا نورث ما تركنا صدقة" تفسير : يريد بذلك نفسه قالوا نعم ثم أقبل عمر على العباس وعلي وقال أنشدكما بالله الذي بإذنه تقوم السماء والأرض أتعلمان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "حديث : لا نورث ما تركنا صدقة" تفسير : قالا نعم قال عمر إن الله خص رسول الله صلى الله عليه وسلم بخاصة لم يخصص بها أحداً غيره فقال {وما أفاء الله على رسوله منهم فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب} الآية قال فقسم رسول الله صلى الله عليه وسلم بينكم أموال بني النضير فوالله ما استأثرها عليكم ولا أخذها دونكم فقد أعطاكموها وقسمها فيكم حتى بقي هذا المال وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأخذ منه نفقة سنة ثم ما بقي يجعله مجعل مال الله فعمل بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم حياته ثم أنشدكم بالله الذي بإذنه تقوم السماء والأرض أتعلمون ذلك؟ قالوا نعم قال ثم نشد عباساً وعلياً بمثل ما نشد القوم أتعلمان ذلك؟ قالا نعم قال فلما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أبو بكر أنا ولي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقبضه أبو بكر فعمل فيه بما عمل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنتم حينئذ وأقبل على علي وعباس وقال تذاكران أن أبا بكر عمل فيه كما تقولان والله يعلم إنه لصادق راشد تابع للحق ثم توفى الله أبا بكر فقلت أنا ولي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر فقبضته سنتين من إمارتي أعمل فيهما بما عمل فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر والله يعلم إني فيه لصادق بار راشد تابع للحق ثم جئتماني كلاكما وكلمتكما واحدة وأمركما جميع فقلت لكما إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "حديث : لا نورث ما تركنا صدقة"تفسير : قلتم ادفعها إلينا فلما بدا لي أن أدفعها إليكما قلت إن شئتما دفعته إليكما على أن عليكما عهداً لله وميثاقه لتعملان فيه بما عمل فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وما عملت فيه منذ وليت وإلا فلا تكلماني فقلتما ادفعه إلينا بذلك فدفعته إليكما أفتلتمسان مني قضاء غير ذلك فوالله الذي بإذنه تقوم السماء والأرض لا أقضي فيه بقضاء غير ذلك حتى تقوم الساعة فإن عجزتما عنه فادفعاه إليّ فإني أكفيكماه.

البقاعي

تفسير : ولما كانت الغنائم التي تقسم بين الجيش إنما هي ما قاتلوا عليه، وأما ما أتى منها بغير قتال فهو فيء يأخذه الإمام فيقسمه خمسة أخماس، ثم يقسم خمساً منها خمسة أقسام، أحدها وهو كان للنبي صلى الله عليه وسلم يكون بعده لمصالح المسلمين، والأقسام الأربعة الأخرى من هذا الخمس لمن ذكر في الآية بعدها، والأربعة الأخماس الكائنة من أصل القسمة وهي التي كانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم لأنها حصلت بكفايته وإرعابه للعدو، تفرق بين المرتزقة من جميع النواحي، فكانت الأموال كلها لله إنعاماً على من يعبده بما شرعه على ألسنه رسله عليهم الصلاة والسلام، كانت أموال الكفار في أيديهم غصباً غصبوه من أوليائه، فخص سبحانه رسول صلى الله عليه وسلم بأموال بني النضير يضعها حيث يشاء لأنها فيء فقال: {وما أفاء الله} أي رد الملك الذي له الأمر كله رداً سهلاً بعد أن كان فيما يظهر في غاية العسر والصعوبة {على رسوله} فصيره في يده بعد أن كان خروجه عنها بوضع أيدي الكفار عليه ظلماً وعدواناً كما دل عليه التعبير بالفيء الذي هو عود الظل إلى الناحية التي كان ابتدأ منها {منهم} أي رداً مبتدئاً من الفاسقين، فبين أن هذا فيء لا غنيمة، ويدخل في الفيء أموال من مات منهم عن غير وارث وكذا الجزية، وأما الغنيمة فهي ما كان بقتال وإيجاف خيل وركاب. ولما كان الحرب إنما هو كر وفر في إسراع وخفة ورشاقة بمخاتلة الفرسان ومراوغة الشجعان ومغاورة أهل الضرب والطعان، قال معللاً لكونه فيئاً: {فما أوجفتم} أي أسرعتم، وقال ابن إسحاق: حركتم واتبعتم في السير - انتهى، وذلك الإيجاف للغلبة {عليه} وأعرق في النفي بالجار فقال: {من خيل} وأكد بإعادة النافي لظن من ظن أنه غنيمة لإحاطتهم بهم فقال: {ولا ركاب} أي إبل، غلب ذلك عليها نم بين المركوبات، ولا قطعتم من أجله مسافة، فلم تحصل لكم كبير مشقة في حوز أموالهم لأن قريتهم كانت في حكم المدينة الشريفة ليس بينها وبين ما يلي منها مسافة بل هي ملاصقة لإحدى قرى الأنصار التي المدينة اسم لها كلها، وهي قرية بني عمرو بن عوف في قباء بينهما وبين القرية التي كان رسول الله نازلاً بها نحو ميلين، فمشى الكل مشياً ولم يركب إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يقاتلوا بها قتالاً بعد، فلذلك جعلها الله فيئاً ولم يجعلها غنيمة، فهي تقسم قسمة الفيء، لا قسمة الغنيمة، فخمسها لأهل خمس الغنيمة وهم الأصناف الخمسة المذكورون في الآية التي بعدها، وما فضل فهو الأربعة الأخماس له صلى الله عليه وسلم مضمومة إلى ما حازه من خمس الخمس. ولما كان معنى هذا: فما كان التسليط بكم، استدرك بقوله: {ولكن الله} أي الذي له العز كله فلا كفوء له {يسلط رسله} أي له هذه السنة في كل زمن {على من يشاء} بجعل ما آتاهم سبحانه من الهيبة رعباً في قلوب أعدائه، فهو الذي سلط رسوله صلى الله عليه وسلم على هؤلاء بأن ألقى في روعه الشريف أن يذهب إليهم فيسألهم الإعانة في دية العامريين اللذين قتلهما عمرو بن أمية الضمري رضي الله عنه خطأ، فلما جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى جانب بيت من بيوتهم، وكانوا موادعين له صلى الله عليه وسلم نقضوا عهدهم خفية مكراً منهم بعد أن رحبوا به ووعدوه الإعانة وأمروا أحدهم أن يرمي عليه من فوق السطح صخرة لتقتله، فأعلمه الله بهذا فذهب وترك أصحابه هناك حتى لحقوا به، وهذا بعد ما كان حيي فعل من قدومه مكة وندبه لقريش إلى حرب النبي صلى الله عليه وسلم ومعاقدته لهم على أن يكون معهم عليه عليه الصلاة والسلام، وإعلام الله بذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فأرسل إليهم بعد ما أصبح أنكم قد خنتم الله ورسوله، فأردتم أن تفعلوا كذا، وأن الأرض لله ورسوله، فاخرجوا منها وقد أجلتكم عشراً، فمكثوا على ذلك أياماً يتجهزون ودس إليهم ابن أبي ومن معه من المنافقين أنهم معهم في الشدة والرخاء لا يسلمونهم، وقال ابن أبي: معي ألفان من قومي وغيرهم نم العرب يدخلون حصنكم فيموتون من عند آخرهم، وتمدكم قريظة وحلفاؤكم من غطفان فطمع حيي بن أخطب في ذلك فأرسل إنا لا نخرج من ديارنا فاصنع ما بدا لك، فقصدهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في المؤمنين يحمل رايته علي بن أبي طالب رضي الله عنه فصلى العصر بفنائهم بعد أن استعمل على المدينة ابن أم مكتوم رضي الله عنه وأقام عليهم ست ليال وهم متحصنون، فقطع من نخلهم وحرق فنادوه أن قد كنت تنهى عن الفساد وتعيبه على من صنعه فما بالك تقطع النخل، وتربصوا نصر ابن أبي ومن معه على ما قالوا فلم يفوا لهم، فألقى الله الرعب في قلوبهم فأرسلوا بالإجابة، فقال: لا إلا أن يكون لي سلاحكم وما لم تقدروا على حمله على إبلكم من أموالكم، فتوقفوا ثم أجابوا فحملوا من أموالهم ما استقلت به الإبل إلا الحلقة، وذهبوا على ستمائة بعير، وأظهروا الحلي والحلل وأبدى نساؤهم زينتهن فلحق بعضهم بخيبر وبعضهم بالشام وخلوا الأموال والحلقة لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يسلم منهم إلا رجلان يامين بن عمرو وأبو سعد بن وهب، أسلما على أموالهما فأحرزاها فجعل الله أموال من لم يسلم منهم فيئاً لرسول الله صلى الله عليه وسلم خاصة به يضعها حيث يشاء كما روي ذلك في الصحيح عن عمر رضي الله عنه في قصة مخاصمة علي والعباس رضي الله عنهما، وفيه أنه من خصائصه صلى الله عليه وسلم فإنه قال: إن الله قد خص رسوله صلى الله عليه وسلم في هذا الفيء بشيء لم يعطه أحداً غيره، ثم قرأ {ما أفاء الله على رسوله منهم} إلى قوله تعالى: {قدير} فكانت خالصة لرسول الله صلى الله عليه وسلم والله ما احتازها دونكم ولا استأثر بها عليكم قد أعطاكموها وبثها فيكم حتى بقي منها هذا المال - يعني الذي وقع خصامهما فيه، فكان ينفق رسول الله صلى الله عليه وسلم على أهله نفقة سنتهم من هذا المال ثم يأخذ ما بقي فيجعله مجعل ما لله، وفي الصحيح أيضاً عن مالك بن أوس بن الحدثان عن عمر رضي الله عنه قال: كانت أموال بني النضير مما أفاء الله على رسوله صلى الله عليه وسلم ما لم يوجف المسلمون عليه بخيل ولا ركاب، فكانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم خاصة ينفق على أهله منها نفقة سنة ثم يجعل ما بقي في السلاح والكراع عدة في سبيل الله - انتهى، وقد قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم أموالهم بعد ما تركه لنفسه بين المهاجرين، لم يعط الأنصار منه شيئاً إلا ثلاثة نفر كانت بهم حاجة شديدة: أبو دجانة سماك بن خرشة وسهل بن حنيف والحارث بن الصمة رضي الله عنهم، وكان لسيف ابن أبي الحقيق عندهم ذكر فنفله سعد بن معاذ رضي الله عنه وقال الأصبهاني: إن الفيء كان يقسم على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم على خمسة وعشرين سهماً أربعة أخماسها وهي عشرون سهماً لرسول الله صلى الله عليه وسلم يفعل بها ما يشاء ويحكم فيها ما أراد، والخمس الباقي على ما يقسم عليه خمس الغنيمة - يعني على رسول الله صلى الله عليه وسلم وذوي القربى ومن بعدهم، هكذا كان عمله صلى الله عليه وسلم في صفاياه، فلما توفي كانت إلى إمام المسلمين وكذا جميع ما ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنه قال:"حديث : لا نورث، ما تركناه صدقة". تفسير : فولي ذلك أبو بكر رضي الله عنه ثم عمر رضي الله عنه، فكانا يفعلان فيها ما فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم: وقال الأصبهاني رضي الله عنه أيضاً عن مالك بن أوس بن الحدثان رضي الله عنه: قرأ عمر بن الخطاب رضي الله عنه{أية : إنما الصدقات للفقراء}تفسير : [التوبة: 60] حتى بلغ {عليم حكيم} ثم قال: هذه لهؤلاء ثم قرأ{أية : واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه}تفسير : [الأنفال: 41] ثم قال هذه لهؤلاء، ثم قرأ{أية : ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى}تفسير : [الحشر: 7] حتى بلغ{أية : الفقراء المهاجرين والذين تبوءوا الدار والإيمان والذين جاؤوا من بعدهم}تفسير : [الحشر: 7] ثم قال: استوعبت هذه المسلمين عامة فليس أحد إلا له فيها حق، ثم قال: لئن عشت ليأتين الراعي نصيبه منه لم يعرف جبينه فيه - انتهى. وقال ابن عطية: ما أخذ النبي صلى الله عليه وسلم لبني النضير ومن فدك فهو خاص بالنبي صلى الله عليه وسلم، وليس على حكم الغنيمة التي يوجف عليها ويقاتل فيها، ومذهب الشافعي رضي الله عنه أن هذه الأموال التي هي فيء كبقية الفيء يقسم على خمسة أسهم: خمس منها للأصناف المذكورة أولها النبي صلى الله عليه وسلم وأربعة أخماسها له صلى الله عليه وسلم وحده، وأجاب الشافعي عن قول عمر رضي الله عنه، "فكانت هذه لرسول الله صلى الله عليه وسلم خاصة" بأنه عام أريد به الخاص، ومعناه، فكان ما بقي منها في يد رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد إعطاء الخمس لأربابه خاصاً به صلى الله عليه وسلم، لا يشك أحد في خصوصيته به، ثم إنه مع ذلك ما احتازه دونهم بل كان يفعل ما ذكر في الحديث من الإيثار، قال الشافعي رضي الله عنه: لأنا لا نشك أن النبي صلى الله عليه وسلم أعطى الأصناف المذكورين في الآية منها حقهم وقد عهدنا أن حق هؤلاء الأصناف من مال المشركين الخمس كما هو صريح في سورة الأنفال، واستفيد من قول عمر رضي الله عنه "إنها كانت للنبي صلى الله عليه وسلم" أنه كان له ما كان يشترك فيه المسلمون من الخمس من الغنيمة التي حصلت بما حصل للكفار من الرعب منهم، والذي كان يشترك فيه المسلمون بعد الخمس هو أربعة الأخماس والنبي صلى الله عليه وسلم قام مقام المسلمين فيه إذ هم لم يوجفوا عليه بخيل ولا ركاب، وإنما حصل ذلك بالرعب الذي ألقاه الله لرسوله صلى الله عليه وسلم في قلوب المشركين، فكانت الأربعة الأخماس تختص ممن كان السبب في حصول الجميع كما في الغنيمة، فعلى هذا الفيء الغنيمة لا يختلفان في أن الأربعة الأخماس تختص لمن كان السبب في حصول الجميع وأن خمس المالين يكون للأصناف المذكورة، والذي كان له صلى الله عليه وسلم من الفيء من الأربعة الأخماس يكون بعد موته صلى الله عليه وسلم للمقاتلة لأنه حصل بالرعب الحاصل للكفار منهم كأربعة أخماس الغنيمة التي حصلت بقتالهم. ولما كانت قدرته سبحانه عامة بالتسليط وغيره، أظهر ولم يضمر فقال: {والله} أي الملك الذي له الكمال كله {على كل شيء} أي أي شيء يصح أن تتعلق المشيئة به وهو كل ممكن من التسليط وغيره {قدير *} أي بالغ القدرة إلى أقصى الغايات، والآية تدل على أن إيجاف الخيل والركاب وقصد العدو إلى الأماكن الشاسعة له وقع كبير في النفوس ورعب عظيم.

ابو السعود

تفسير : وقولُهُ تعالى: {وَمَا أَفَاء ٱللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ} شروعٌ في بـيانِ حالِ ما أُخِذَ من أموالِهِم بعدَ بـيانِ ما حلَّ بأنفسِهِم من العذابِ العاجلِ والآجلِ وما فُعلَ بديارِهِم ونخيلِهِم من التخريبِ والقطعِ. أي ما أعادَهُ إليهِ من مالِهِم وفيه إشعارٌ بأنه كان حقيقياً بأن يكونَ له عليهِ الصلاةُ والسلامُ وإنما وقعَ في أيديهِم بغير حقَ فرجعه الله تعالى إلى مستحقِّهِ لأنه تعالى خلقَ الناسَ لعبادَتِهِ وخَلقَ ما خَلقَ ليتوسَّلوا به إلى طاعتِهِ فهو جديرٌ بأنْ يكونَ للمطيعينَ {مِنْهُمْ} أي منْ بني النَّضيرِ {فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ} أي فما أجريتُم على تحصيلِهِ وتغنُّمِهِ. من الوجيفِ وهو سرعةُ السيرِ {مِنْ خَيْلٍ وَلاَ رِكَابٍ} هي ما يركبُ من الإبلِ خاصَّة كما أن الراكبَ عندهم راكبُهَا لا غيرُ، وأما راكبُ الفرسِ فإنما يسمُّونه فارساً، ولا واحدَ لها من لفظِهَا وإنما الواحدةُ منها راحلةٌ والمعنى ما قطعتُم لها شُقةً بعيدةً ولا لقيتُم مشقةً شديدةً ولا قتالاً شديداً وذلك لأنه كانتْ قُراهم على ميلينِ من المدينةِ فمشَوا إليها مشياً وما كان فيهم راكبٌ إلا النبـيُّ عليهِ الصلاةُ والسلامُ فافتتحهَا صُلحاً من غيرِ أن يجريَ بـينهم مسايفةٌ كأنَّهُ قيلَ وما أفاءَ الله على رسولِهِ منهم فما حصلتُموه بكدِّ اليمينِ وعرقِ الجبـينِ {وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يُسَلّطُ رُسُلَهُ عَلَىٰ مَن يَشَاء} أي سُنَّتهُ تعالَى جاريةٌ على أنْ يسلطَهُم على مَنْ يشاءُ من أعدائِهِم تسليطاً خاصَّاً وقد سلَّط النبـيَّ عليهِ الصلاةُ والسلامُ على هؤلاءِ تسليطاً غيرَ مُعتادٍ من غيرِ أنْ تقتحموا مضايقَ الخُطُوبِ وتُقَاسُوا شدائِدَ الحروبِ فلا حقَّ لكِم في أموالِهِم {وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلّ شَيْء قَدِيرٌ} فيفعلُ ما يشاءُ كما يشاءُ تارةً على الوجوهِ المعهودةِ وأُخْرى على غيرِهَا. وقوله تعالى: {مَّا أَفَاء ٱللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ ٱلْقُرَىٰ} بـيانٌ لمصارفِ الفيءِ بعدَ بـيانِ إفاءتِهِ عليهِ عليه الصلاةُ والسلامُ من غيرِ أن يكونَ للمقاتلةِ فيه حقٌّ وإعادةُ عينِ العبارةِ الأُولى لزيادةِ التقريرِ، ووضعُ أهلِ القُرى موضعَ ضميرِهِم للإشعارِ بشمولِ مَا لعقارَاتِهِم أيضاً {فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِى ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْيَتَامَىٰ وَٱلْمَسَـٰكِينِ وَٱبْنِ ٱلسَّبِيلِ} اختُلفَ في قسمةِ الفيءِ فقيلَ يُسدَّسُ لظاهرِ الآيةِ ويصرفُ سهمُ الله إلى عمارةِ الكعبةِ وسائرِ المساجدِ، وقيلَ يُخَمَّسُ لأن ذكرَ الله للتعظيمِ ويصرفُ الآنَ سهمُ الرسولِ عليهِ الصلاةُ والسلامُ إلى الإمامِ على قولٍ، وإلى العساكرِ والثغورِ على قولٍ، وإلى مصالحِ المسلمينَ على قولٍ. وقبلِ يُخَمَّسُ خمسةً كالغنيمةِ فإنه عليهِ الصلاةُ والسلامُ كان يُقسِّمُ الخمسَ كذلكَ ويصرفُ الأخماسَ الأربعةَ كما يشاءُ والآنَ على الخلافِ المذكورِ {كَيْلاَ يَكُونَ} أي الفيءُ الذي حقُّه أن يكونَ للفقراءِ يعيشونَ به {دُولَةً} بضمِّ الدالِ، وقُرِىءَ بفتحِهَا وهيَ ما يدولُ للإنسانِ أيْ يدورُ من الغِنى والجِدِّ والغلبةِ. وقيلِ الدَّولة بالفتحِ من المُلكِ بالضمِّ وبالضمِّ من المِلكِ بكسرِهَا، أو بالضَمِّ في المالِ وبالفتحِ في النصرةِ. أي كيلا يكونَ جِدَّاً {بَيْنَ ٱلأَغْنِيَاء مِنكُمْ} يتكاثرونَ به أو كيلاَ يكونَ دولةً جاهليةً بـينكُمْ؛ فإنَّ الرؤساءَ منهُم كانُوا يستأثرونَ بالغنيمةِ ويقولونَ مَنْ عَزَّ بَزَّ. وقيلَ الدُّولةُ بالضمِّ ما يُتداولُ كالغُرفةِ اسمُ مَا يُغترفُ فالمَعنى كيلا يكونَ الفيْءُ شيئاً يتداولُهُ الأغنياءُ ويتعاورُونَهُ فلا يصيبُ الفقراءَ. والدَّولةُ بالفتحِ بمعنى التداولِ فالمعنَى كيلا يكونَ ذَا تداولٍ بـينَهُم أو كيلا يكونَ إمساكُهُ تداولاً بـينَهُم لا يخرجونَهُ إلى الفقراءِ. وقُرِىءَ دولةٌ بالرفعِ على أنَّ كانَ تامةٌ، أيْ كيلاَ يقعَ دولةٌ على ما فُصِّلَ منَ المعانِي {وَمَا ءاتَـٰكُمُ ٱلرَّسُولُ} أي ما أعطاكُمُوه من الفيءِ أو منَ الأمرِ {فَخُذُوهُ} فإنه حقُّكم أو فتمسكُوا به فإنه واجبٌ عليكم {وَمَا نَهَـٰكُمْ عَنْهُ} عن أخذِهِ أو عنْ تعاطيهِ {فَٱنتَهُواْ} عنْهُ {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ} في مخالفَتِهِ عليهِ الصلاةُ والسلامُ {إنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ} فيعاقبُ مَنْ يخالفُ أمرَهُ ونهيَهُ.

القشيري

تفسير : قوله جل ذكره: {وَمَآ أَفَآءَ ٱللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَآ أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلاَ رِكَابٍ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}. يريد بذلك أموالَ بني النضير، فقد كانت من جملة الفَيْء لا من الغنيمة؛ فالفيءُ ما صار إلى المسلمين من أموالِ الكفَّارِ من غيرِ قتالٍ ولا إيجافِ خَيْلٍ ورِكابٍ، وتدخل في جملته أموالُهم إذا ماتوا وصاروا إلى بيت المال. والغنيمة ما كانت بقتالٍ وإيجاف خيلٍ وركابٍ. وقد خَصَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بأموالِ هؤلاء فقراء المهاجرين، واستأثر لنفسه بما شاء، فطابت نفوسُ الأنصارِ بذلك، وشَكَرَ الله لهم. ذلك لأن تحرُّرَ القلب من الأعواضِ والأملاكِ صِفَةُ السادة والأكابر، ومَنْ أَسَرَتُهُ الأخطارُ وبقي في شُحِّ نَفْسِه فهو في تضييقه وتدنيقه، وهو في مصادقته ومعاملته ومطالبته مع الناس دائماً يبحث في استيفاء حظوظه - وهذا ليس له من مذاقات هذه الطريقة شيءٌ. وأهلُ الصفاء لم تَبْقَ عليهم من هذه الأشياء بقيةٌ، وأمَّا مَنْ بَقِيَ عليه منها شيءٌ فمُتَرسِّمٌ سُوقِيٌّ... لا مُتَحَقَّقٌ صوفيٌّ. قوله جل ذكره: {وَمَآ آتَاكُمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَٱنتَهُواْ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ إِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ}. هذا أصل من أصولِ وجوبِ متابعتِه، ولزومِ طريقته وسيرته - وفي العِلْم تفصيلُه. والواجبُ على العبدِ عَرْضُ ما وقع له من الخواطر وما يُكاشَفُ به من الأحوالِ على العلم - فما لا يقبله الكتابُ والسُّنَّة فهو في ضلال.

اسماعيل حقي

تفسير : {وما أفاء الله على رسوله} شروع فى بيان حال ماأخذ من أموالهم بعد بيان ما حل بأنفسهم من العذاب العاجل والآجل وما فعل بديارهم ونخيلهم من التخريب والقطع وما موصولة مبتدأ وقوله {فما أوجفتم} خبره ويجوز جلعها شرطية وقوله {فما اوجفتم} جوابا والفيىء فى الاصل بمعنى الرجوع وافاء أعاد وارجع فهو على اصل معناه هنا والمعنى ما أعاده اليه من مالهم اى جعله عائدا ففيه اشعار بأنه كان حقيقا بأن يكون له عليه السلام وانما وقع فى أيديهم بغير حق فرجعه الله الى مستحقه لانه تعالى خلق الناس لعبادته وخلق ما خلق ليتوسلوا به الى طاعته فهو جدير بأن يكون للمطيعين وهو عليه السلام رأسهم ورئيسهم وبه أطاع من أطاع فكان أحق به فالعود على هذا بمعنى أن يتحول الشىء الى ما فارق عنه وهو الاشهر ويجوز أن يكون معناه صيره له فالعود على هذا بمعنى أن يتحول الشىء الى مافارق عنه وان لم يكن ذلك التحول مسبوقا بالحصول له والحمل هنا على هذا المعنى لايحوج الى تكلف توجيه بخلاف الاول وكلمة على تؤيد الثانى وقال بعضهم أفاء الله مبنى على ان الفيىء الغنيمة فمعنى أفاء الله على رسوله جعله فيئا له خاصة وقال الراغب الفيىء والفيئة الرجوع الى حالة محمودة وقيل للغنيمة التى لايلحق فيها مشقة فيىء قال بعضهم سمى ذلك بالفيىء تشبيها بالفيىء الذى هو الظل تنبيها على ان أشرف اعراض الدنيا يجرى مجرى ظل زآئل والفئة الجماعة المتظاهرة التى يرجع بعضهم الى بعض فى التعاضد وقال المتطرزى فى المغرب فى الفرق بين الغنيمة والفيىء والنفل ان الغنيمة عن أبى عبيد ما نيل من أهل الشرك عنوة والحرب قائمة وحكمها أن تخمس وسائرها بعد الخمس للغانمين خاصة والفيىء مانيل منهم بعد ماتضع الحرب اوزارها وتصير الدار دار اسلام وحكمه أن يكون لكافة المسلمين ولا يخمس والنفل ماينفله الغازى اى يعطاه زآئدا على سهمه وهو أن يقول الامام او الامير من قتل قتيلا فله سلبه او قال للسرية ما أصبتم فلكم ربعه او نصفه ولا يخمس وعلى الامام الوفاء به وعن على بن عيسى الغنيمة اعم من النفل والفيىء اعم من الغنيمة لانه اسم لكل ماصار للمسلمين من أموال أهل الشرك قال أبو بكر الرازى فالغنيمة فيىء والجزية فيىء ومال اهل الصلح فيىء والخراج فيىء لان ذلك كله مما أفاء الله على المسلمين من المشركين وعند الفقهاء كل مايحل أخذه من أموالهم فهو فيىء {منهم} اى بنى النضير {فما} نافية {اوجفتم عليه} اى فما أجريتم على تحصيله وتغنمه من الوجيف وهو سرعة السير يقال اوجفت البعير أسرعته وفى القاموس الوجيف ضرب من سير الخيل والابل وقيل اوجف فأعجب {من خيل} من زآئدة بعد النفى اى خيلا وهو جماعة الافراس لا واحدا له او واحده خائل لانه يختال والجمع اخيال وخيول كما فى القاموس وقال الراغب الخيلاء التكبر من تخيل فضيلة تترا أى للانسان من نفسه ومنها تتأول لفظة الخيل لما قيل انه لايركب أحد فرسا الا وجد فى نفسه نخوة والخيل فى الاصل اسم للافراس والفرسان جميعا قال تعالى {أية : ومن رباط الخيل}تفسير : ويستعمل فى كل واحد منهما منفردا نحو ماروى يا خيل الله اركبى فهذا للفرسان وقوله عليه السلام "حديث : عفوت لكم عن صدقة الخيل"تفسير : يعنى الافراس انتهى والخيل نوعان عتيق وهجين فالعتيق ما أبواه عربيان سمى بذلك لعتقه من العيوب وسلامته من الطعن فيه بالامور المنقصة وسميت الكعبة بالبيت العتيق لسلامتها من عيب الرق لانه لم يملكها ملك قط واذا ربط الفرس العتيق فى بيت لم يدخله شيطان والهجين الذى ابوه عربى وامه عجمية والفرق ان عظم البر ذونه اعظم من عظم الفرس وعظم الفرس اصلب وأثقل والبر ذونة احمل من الفرس والفرس أسرع منه والعتيق بمنزلة الغزال والبر ذونة بمنزلة الشاة او الفرس برى المنامات كبنى آدم ولا طحال له وهو مثل لسرعته وحركته كما يقال للبعير لامرارة له اى له جسارة {ولاركاب} هى مايركب من الابل خاصة كما ان الراكب عندهم راكبها لاغير واما راكب الفرس فانهم يسمونه فارسا ولا واحد لها من لفظها وانما الواحدة منها راحلة قال فى المفردات الركوب فى الاصل كون الانسان على ظهر حيوان وقد يستعمل فى السفينة والراكب اختص فى التعارف بممتطى البعير جمعه ركب وركبان وركوب واختص الركاب بالمركوب والمعنى ما قطعتم ولها شقة بعيدة ولا لقيتم مشقة شديدة ولا قتالا شديدا وذلك وانه كانت قرى بنى النضير على ميلين من المدينة وهى ساعة واحدة بحساب الساعات النجومية فذهبوا اليها مشيا وما كان فيهم راكب الا النبى عليه السلام وكان يركب حمارا مخطوما بليف على ماسبق او جملا على ماقاله البعض فافتتحها صلحا من غير أن يجرى بينهم مسايفة كأنه قال ما أفاء الله على رسوله منهم فما حصلتموه بكد اليمين وعرق الجبين {ولكن الله يسلط رسله على من يشاء} اى سنته تعالى جارية علىأن يسلطهم على من يشاء من اعدآئهم تسليطا خاصا وقد سلط النبى عليه السلام على هؤلاء تسليطا غير معتاد من غير أن تقتحموا مضايق الخطوب وتقاسموا شدآئد الحروب فلا حق لكم فى اموالهم يعنى ان الامر فيه مفوض اليه يضعه حيث يشاء فلا يقسم قسمة الغنائم التى قوتل عليها واخذت عنوة وقهرا وذلك انهم طلبوا القسمة كخيبر فنزلت {والله على كل شىء قدير} فيفعل مايشاء كما يشاء تارة على الوجوه المعهودة واخرى على غيرها شعر : تيغى آسمانش از فيض خود دهد آب تنها جهان بكيرد بى منت سباهى تفسير : اعلم ان الفيض الالهى الفائض من الله على ساحة قلب السالك على قسمين اما بالوهب المحض من خزانة اسمه الوهاب من غير تعمل من العامل فيه من ركض خيل النية الصالحة ومن سوق ركاب العمل الصالح من الفرآئض والنوافل فهو مقطوع الروابط من جانب السالك العامل فليس للسالك أن يضيف ذلك الفيض والوارد القلبى الى نفسه بوجه من الوجوه ولا الى الاعمال الصادرة منه بسبب الاعضاء والجوارح بل يتركه على صرافة الوهب الربانى وطراوة العطاء الامتنانى والآية الكريمة دالة على هذا القسم واما مشوب بتعمله فهو من خزانة اسمه الجواد فله أن يضيفه الى نفسه واعضائه وجوارحه ليظهر اثره عليها كلها والآية الثالثة الآتية تشير الى القسم الثانى وقد جمع بينهما قوله {أية : لأكلوا من فوقهم ومن تحت ارجلهم}تفسير : فان الاول اشارة الى الاول والثانى الى الثانى وأراد برسوله رسول القلب وانما سمى القلب بالرسول لان الرسالة من حضرة الروح الى النفس الكافرة والهوى الظالم بدعوتهما الى الحق تعالى بالايمان والهدى

ابن عجيبة

تفسير : قلت: جملة {وما أفاء}: شرطية معطوفة على مثلها، وهو: {ما قطعتم..} الآية، وكلتاهما إخبار وإعلام، أي: اعلموا أن ذلك القطع والترك كان بإذن الله، وذلك الفيء كان بتسليط الله لا بسعيكم، لكنه لم يُعلم منه كيفية القسمة، فبيّنها بعدُ بقوله: {وما أفاء الله على رسوله...} الخ، وقيل: غير ذلك على ما سيأتي. يقول الحق جلّ جلاله: {وما أفاء الله على رسوله منهم} أي: ما أعاده الله من مالهم، وفيه إشعار بأنه كان حقيقاً بأن يكون له صلى الله عليه وسلم، وإنما وقع في أيديهم بغير حق، فردّه الله تعالى إلى مستحقه، لأنه تعالى خلق الناس لعبادته، وخَلَقَ ما خَلَقَ ليتوسَلوا به إلى طاعته، فهو جديرٌ بأن يكون للمؤمنين. {فما أوجفتمْ عليه} أي: فما أجريتم على تحصيله وتغنيمه، من: الوجيف، وهو: سرعة السير، و"مِن" في قوله: {مِن خَيْلَ ولا رِكابٍ} زائدة لتأكيد النفي، أي: فما أجريتم على تحصيله خيلاً ولا ركاباً، وهو ما يركب من الإبل خاصة، كما أنَّ الراكب عندهم راكبها لا غير، وأمّا راكب الفرس فإنما يُسمونه فارساً، ولا واحد لها من لفظها، وإنما الواحد منها: راحلة. والمعنى: ما قطعتم لها شقةً بعيدة، ولا لقيتم مشقة شديدة، وذلك لأن قُراهم كانت على ميلين من المدينة، فمشوا إليها مشياً، وما كان فيهم إلاَّ النبي صلى الله عليه وسلم فَفَتَحَها صُلحاً، كأنه قيل: ما أفاء الله على رسوله فما حصَّلتموه بكد اليمين ولا بعرق الجبين، {ولكنَّ اللهَ يُسَلِّطُ رسلَه على مَن يشاء} أي: ولكن جرت سنّة الله أن يُسلّط رسلَه على مَن يشاء من أعدائهم، وقد سلّط رسولَه صلى الله عليه وسلم تسليطاً غير معتاد, من غير أن تقتحموا الخطوب، وتُقاسموا شدائد الحروب، فلا حقّ لكم في أموالهم. {واللهُ على كل شيء قدير} يفعل ما يشاء، تارة على الوجوه المعهودة، وأخرى على غيرها. ثم بيّن قسمة الفيء، فقال: {ما أفاء اللهُ على رسوله من أهل القُرى}، فلم يدخل العاطف؛ لأنَّ الجملة بيان للأولى، وقيل: الأولى نزلت في أموال بني النضير، وقد جعلها الله لرسوله خاصة، فقسمها على المهاجرين، ولم يُعط الأنصارَ منها، إلاّ لثلاثة، لفقرهم، أبو دُجانة، وسهل بن حنيف، والحارث بن الصمة، والثانية: نزلت في كل قريةٍ فُتحت عنوة، وهو الظاهر، فقال في بيان مصرف الفيء: {فللّه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل}. واختلف في قسمته، فقيل: يُسدس لظاهر الآية، ويُصرف سهم الله إلى عمارة الكعبة وسائر المساجد، وقيل: يُخمس، وذكر الله للتعظيم، ويُصرف سهم الرسول للإمام على قولٍ، وإلى العساكر والثغور على قولٍ، وإلى مصالح المسلمين على قولٍ. وقد تقدّم في سورة الأنفال تحقيقه. وإنما بيّنا قسمته، {كي لا يكون دُولَة} أي: كي لا يكون الفيء الذي حقه أن يكون للفقراء يعيشون به {دُولة بين الأغنياء منكم} أي: يتداوله الأغنياء بينهم، ويختصُّون به. والدولة: ما يدول للإنسان، أي: ما يدور له من الغنى والجدّ والغلبة وغيرها، وقيل: الدولة - بالفتح - من المُلك، وبالضم من المِلك - بالكسر-. {وما آتاكم الرسولُ} أي: ما أعطاكموه من الفيء أو من الأمر، {فَخُذوه} فاقبلوه، أو: افعلوه، فإنه واجب، {وما نهاكم عنه} أي: عن أخذه، أو عن تعاطيه {فانتهوا} عنه، ولا تطلبوه، أو: لا تفعلوه، لَمَّا خصّ عليه السلام المهاجرين بفيء بني النضير وما حولها من القرى، قالت الأنصار: لنا معهم سهم، فنزلت {واتقوا الله} في مخالفته عليه السلام، {إنَّ الله شديدُ العقاب} لمَن خالف رسولَه صلى الله عليه وسلم، والأحسن: أن يكون عاماً في كل ما جاء به الرسول، والفيء داخل في العموم. الإشارة: العلم على قسمين؛ علم وهبي إلهي، يفيض على رسول القلب، بمحض الفضل والجود، وهو ما يختص بأسرار الربوبية فهذا يختص به صاحبه، ولا يبذله لغيره إلاّ مَن بذل نفسه له، وإليه تُشير الآية الأولى. وعلم كسبي، يُكتسب بالجد والتشمير في تعلُّمه وأخذه، فهذا يجب بذله لعامة الناس وخاصتهم، وإليه تشير الآية الثانية. وإنما اختص علم السر بأهله كي لا يكون دُولة بين الأغنياء من أهل الظاهر، فيُبتذل ويُشتهر، وهو فساد نظام العالم. وقوله تعالى: {وما آتاكم الرسولُ فخُذوه} قال القشيري: هذا أصل في وجوب متابعة الرسول، ولزوم طريقته وسنته، على ما في العلم تفصيله. والواجبُ على العبد عَرْضُ ما وقع له من الخواطر، ويُكاشَفُ به من الأحوالِ، على العلم، فما لم يقبله الكتاب والسنّة فهو ضلال. هـ. ثم بيّن المساكين المذكورين قبلُ، فقال: {لِلْفُقَرَآءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُواْ مِن دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ}.

الطوسي

تفسير : قرأ ابو جعفر {كيلا تكون} بالتاء {دولة} بالرفع أضاف الفعل إلى {دولة}. الباقون بالياء {دولة} نصب أرادوا الفيء والمال. قوله {وما أفاء الله على رسوله منهم} يعني من اليهود الذين أجلاهم من بني النضير، وإن كان الحكم سارياً فى جميع الكفار إذا كان حكمهم، فالفيء ردّ ما كان للمشركين على المسلمين بتمليك الله إياهم ذلك، على ما شرط فيه، يقال: فاء بفيء فيئاً إذا رجع وأفأته عليه إذا رددته عليه. وقال عمر بن الخطاب ومعمر: مال الفيء هو مال الجزية والخراج. والفيء كل ما رجع من أموال الكافرين إلى المؤمنين، سواء كان غنيمة او غير غنيمة، فالغنيمة ما اخذ بالسيف، فأربعة أخماسه للمقاتلة وخمسه للذين ذكرهم الله فى قوله {أية : واعلموا أنما غنمتم... } تفسير : الآية. وقال كثير من العلماء: ان الفيء المذكور فى هذه الآية هو الغنيمة. وقال قوم: مال الفيء خلاف مال الصدقات، لأن مال الفيء اوسع، فانه يجوز ان يصرف فى مصالح المسلمين، ومال الصدقات إنما هو فى الاصناف الثمانية. وقال قوم: مال الفيء يأخذ منه الفقراء من قرابة رسول الله صلى الله عليه وآله باجماع الصحابة فى زمن عمر ابن الخطاب، ولم يخالفه فيه احد إلا الشافعي، فانه قال: يأخذ منه الفقراء والاغنياء، وإنما ذكروا فى الآية لانهم منعوا الصدقة، فبين الله أن لهم فى مال الفيء حقاً. وقال عمر بن الخطاب: مال بني النضير كان فيأ لرسول الله صلى الله عليه وآله خاصة {ولذي القربى} قرابة رسول الله صلى الله عليه وآله من بني هاشم وبني عبد المطلب. وقيل: جعل ابو بكر وعمر سهمين: سهم رسوله وسهم قرابته من الاغنياء في سبيل الله، وصدقة عن رسول الله صلى الله عليه وآله ذكره قتادة. والباقي في اهل الحاجة من اطفال المسلمين الذين لا أبالهم، وابن السبيل المنقطع به من المسافرين في غير معصية الله. وقال يزيد ابن رومان: الغنيمة ما أخذ من دار الحرب بالقتال عنوة. وقيل: كانت الغنائم في صدر الاسلام لهؤلاء الاصناف. ثم نسخ بما ذكره في سورة الانفال: بالخمس. والباقي للمحاربين - ذكره قتادة -. والذي نذهب اليه أن مال الفيء غير مال الغنيمة، فالغنيمة كل ما اخذ من دار الحرب بالسيف عنوة مما يمكن نقله إلى دار الاسلام، وما لا يمكن نقله إلى دار الاسلام، فهو لجميع المسلمين ينظر فيه الامام ويصرف انتفاعه إلى بيت المال لمصالح المسلمين. والفيء كل ما اخذ من الكفار بغير قتال او انجلاء اهلها وكان ذلك للنبي صلى الله عليه وآله خاصة يضعه في المذكورين في هذه الآية، وهو لمن قام مقامه من الأئمة الراشدين. وقد بين الله تعالى ذلك. ومال بني النضير كان للنبي خاصة، وقد بينه الله بقوله {وما أفاء الله} يعني ما رجعه الله ورده {على رسوله منهم} يعني من بني النضير. ثم بين فقال {فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب} أي لم توجفوا على ذلك بخيل ولا ركاب. والايجاف الايقاع، وهو تسيير الخيل والركاب وهو من وجف يجف وجيفاً، وهو تحرك باضطراب، فالايجاف الازعاج للسير، والركاب الابل {ولكن الله يسلط رسله على من يشاء} من عباده حتى يقهروهم ويأخذوا ما لهم {والله على كل شيء قدير}. ثم قال مبيناً من استحق ذلك، فقال {ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى} يعني بني النضير {فلله وللرسول ولذي القربى} يعني اهل بيت رسول الله {واليتامى والمساكين وابن السبيل} من أهل بيت رسول الله لان تقديره ولذي قرباه ويتامى أهل بيته، وابن سبيلهم، لان الألف واللام تعاقب الضمير، وظاهره يقتضي أنه لهؤلاء سواء كانوا أغنياء او فقراء. ثم بين لم فعل ذلك فقال {كيلا يكون دولة بين الأغنياء منكم} فالدولة - بضم الدال - نقلة النعمة من قوم إلى قوم وبفتح الدال المرة من الاستيلاء والغلبة. ثم قال {وما أتاكم الرسول فخذوه} أي ما اعطاكم رسوله من الفيء فخذوه وارضوا به. وما أمركم به فافعلوه {وما نهاكم عنه فانتهوا} عنه فانه لا يأمر ولا ينهى إلا عن أمر الله. ثم قال {واتقوا الله} فى ترك معاصيه وفعل طاعاته {إن الله شديد العقاب} لمن عصاه وترك أوامره. ثم قال {للفقراء} يعني الذين لا مال لهم {المهاجرين} الذين هاجروا من مكة إلى المدينة او هاجروا من دار الحرب إلى دار الاسلام {الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم} الذي كان لهم بمكة فأخرجوا منها {يبتغون فضلا} أي طالبين بذلك فضلا {من الله ورضواناً} فالجملة فى موضع الحال {وينصرون الله ورسوله} يعني ناصرين لدين الله ورسوله {أولئك هم الصادقون} عند الله فى الحقيقة العظيموا المنزلة لديه. وقيل: تقدير الآية {كيلا يكون دولة بين الأغنياء منكم} بل للفقراء المهاجرين. ثم وصف الانصار فقال {والذين تبوؤا الدار والإيمان من قبلهم} أي جعلوا ديارهم موضع مقامهم وآمنوا بالله من قبلهم نزلت فى الانصار، فانهم نزلوا المدينة قبل نزول المهاجرين. وقيل ان كان من نزل بالمدينة قبل هجرة النبي صلى الله عليه وآله فهو من الانصار. وقوله {والإيمان من قبلهم} يعني إن الانصار آمنوا قبل هجرة المهاجرين وإن كان فى المهاجرين من آمن قبل إيمان الانصار {يحبون من هاجر إليهم} من اهل مكة {ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا} قال الحسن يعني حسداً، قال الزجاج: معناه لا تجد الانصار فى نفوسهم حاجة مما يعطون المهاجرين. وقال البلخي: لا يجدون حاجة فى نفوسهم مما يؤتون المهاجرين من الفضل فى الدين، وقال الطبري: معناه لا يجدون فى نفوسهم حاجة فيما أعطي المهاجرين من مال بني النضير، فان النبي خص به المهاجرين إلا رجلين من الانصار: أباد دجانة سماك بن خرشة، وسهل بن حنيف أعطاهما لفقرهما. وإنما فعل النبي صلى الله عليه وآله ذلك لان مال بني النضير كان له خاصة. والمهاجرين بهم حاجة خصهم بذلك. والانصار كانوا فى غنى فرضوا بذلك، ومدحهم الله على ذلك - ذكره ابن زيد -. وقوله {ويؤثرون على أنفسهم} أي يختارون على أنفسهم من يولونه من ما لهم من المهاجرين {ولو كان بهم خصاصة} يعني حاجة. والخصاصة الحاجة التي يختل بها الحال. والخصاص الفرج التي يتخللها البصر، والواحد خصاص. قال الراجز: شعر : والناظرات من خصاص لمحا تفسير : وأصله الاختصاص بالانفراد بالامر والخصاص الانفراد عما يحتاج اليه والخصوص الانفراد ببعض ما وضع له الاسم، والخص إنفراد كل قصبة من أختها فى الاشراج، والخاصة إنفراد المعنى بما يقوله دون غيره. وقوله {ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون} أي من منع شح نفسه. والشح والبخل واحد. وفى أسماء الدين هو منع الواجب {فأولئك هم المفلحون} يعني المنجحين الفائزين بثواب الله ونعيم جنته. ثم قال {والذين جاءو من بعدهم} يعني بعد المهاجرين والانصار، وهم جميع التابعين لهم إلى يوم القيامة - فى قول الحسن - وهو كل من أسلم بعد العصر الأول. وقال الأصم: يعني من جاءك من المهاجرين أي بعد انقطاع الهجرة وبعد إيمان الانصار {يقولون ربنا} الجملة فى موضع الحال، وتقديره قائلين {ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلاً} أي حقداً وغشاً {للذين آمنوا} ويقولون {ربنا إنك رؤف رحيم} أي متعطف على عبادك منعم عليهم. وقسمة الغنيمة عندنا للفارس سهمان وللراجل سهم. وقال قوم: للفارس ثلاثة أسهم وللراجل سهم إلا ما كان من الارض والاشجار، فانه للامام أن يقسمها إن شاء، وله ان يجعلها أرض الخراج ويردها إلى من كانت في أيديهم قبل، على هذا الوصف بحسب ما يرى، كما فعل عمر بأرض السواد. وقيل: إن النبي صلى الله عليه وآله فتح مكة عنوة ولم يقسم أرضها بين المقاتلة. وقال قوم: فتحها سلماً. وقسم كثيراً من غنائم حنين في المؤلفة قلوبهم دون المقاتلة حتى وقع من نفر من الانصار فى ذلك ما وقع، فقال رسول الله صلى الله عليه وآلهحديث : اما ترضون ان يرجع الناس بالشاة والبعير وترجعون برسول اللهتفسير : ، فرضوا وسلموالله ورسوله في قصة مشهورة.

الجنابذي

تفسير : {وَمَآ أَفَآءَ ٱللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْهُمْ} اى ردّه اليه. اعلم، انّ تمام ما سوى الله مملوك للحقّ تعالى شأنه نحو مملوكيّة القوى العلاّمة والعمّالة للنّفس الانسانيّة بل نحو مملوكيّة الصّور الذّهنيّة للنّفس الانسانيّة وانّ الانسان كلّما رقى مرتبة من المراتب الانسانيّة كان المرتبة الدّانية فى عين مملوكيّته خليفة للمرتبة العالية مثلاً اذا عرج الانسان عن مقام النّفس الى مقام القلب صار مقام النّفس مملوكاً للقلب وخليفة له فى التّصرّف فى القوى، وصارت القوى كما انّها مملوكة للقلب مملوكة للنّفس بعد القلب وهكذا، وانّ الله تعالى مالك لجميع ما سواه وبعده تعالى العقول مالكةٌ لما دونها، وبعدها النّفوس الكلّيّة مالكة، وبعدها النّفوس الجزئيّة مالكة، هذا فى النّزول، وامّا فى الصّعود وهو مختصّ بالانسان، فاذا استكمل الانسان واتّصل بعالم الملأ الاعلى صار مالكاً لما دونه وخليفة لله فيما دونه فكلّما فى عالم الطّبع فهو لله، وما كان لله فهو لرسوله (ص)، وما كان لرسوله (ص) فهو للائمّة (ع)، وما كان للائمّة (ع) فهو مباح لشيعتهم كما قال تعالى: {أية : قُلْ هِي لِلَّذِينَ آمَنُواْ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ} تفسير : [الأعراف:32]، وما كان فى ايدى الاغيار فهو مغصوب فى ايديهم، وما اخذه الرّسول (ص) والائمّة (ع) والمؤمنون منهم فهو حقّهم الّذى كان مأخوذاً منهم غصباً وصار عائداً الى اهله الّذين كانوا مالكين له ولذلك سمّى فيئاً {فَمَآ أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ} وجف يجف اضطرب، والوجيف ضرب من سير الخيل والابل { مِنْ خَيْلٍ وَلاَ رِكَابٍ} الخيل جماعة الافراس لا واحد له، او واحده الخائل، ويطلق على جماعة الفرسان، والرّكاب ككتاب الابل واحدتها الرّاحلة، قيل: نزلت هذه الآية فى غنائم بنى النّضير والآية الآتية فى سائر اموال الكفّار الّتى يفيئها الله على رسوله (ص)، وقيل: كلتاهما نزلتا فى غنائم بنى قريظة وبنى النّضير كانوا بقرب المدينة فمشوا الى قراهم سوى الرّسول (ص) فانّه ركب حماراً او جملاً ولم يجر مزيد قتال ولذلك لم يعط الانصار منها شيئاً الاّ رجلين او ثلاثةً وفى غنائم خيبر وفدكٍ، وقرى عَرُيْنه وينبع، والآية الاولى لبيان عدم استحقاق المقاتلين بحقّ المقاتلة، والآية الثّانية لبيان المصرف {وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ مَّآ أَفَآءَ ٱللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ ٱلْقُرَىٰ فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي ٱلْقُرْبَىِٰ} اى ذى قربى الرّسول (ص) {وَٱلْيَتَامَىٰ وَٱلْمَسَاكِينِ وَٱبْنِ ٱلسَّبِيلِ} من قرابات الرّسول (ص) وقد خصّص فى الاخبار كلّ ذلك باقرباء الرّسول (ص) {كَيْ لاَ يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ ٱلأَغْنِيَآءِ مِنكُمْ} الدّولة بالفتح والضّمّ المال الّذى يتداولونه بينهم، او بالضّمّ فى المال، وبالفتح فى الحرب، او بالضّمّ فى الآخرة، وبالفتح فى الدّنيا، كذا فى القاموس {وَمَآ آتَاكُمُ ٱلرَّسُولُ} اى ما اعطاكم من غنائم بنى النّضير، او من مطلق الغنائم، او من مطلق الاموال والاوامر {فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَٱنتَهُواْ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ} فى مخالفة الرّسول (ص) { إِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَاب} عن الصّادق (ع) انّ الله عزّ وجلّ ادّب رسوله (ص) حتّى قومه على ما اراد ثمّ فوّض اليه فقال عزّ ذكره: ما آتاكم الرّسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا، فما فوّض الله الى رسوله (ص) فقد فوّضه الينا، والاخبار فى تفويض امر العباد الى رسول الله (ص) كثيرة وانّه صلّى الله عليه وآله احلّ وحرّم اشياء فأجازه الله تعالى ذلك له.

الهواري

تفسير : قال تعالى: {وَمَآ أَفَآءَ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَآ أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا َرِكَابٍ وَلَكِنَّ اللهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَن يَشَآءُ وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}. فظَن المسلمون أنه سيقسمه بينهم جميعاً فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم للأنصار إن شئتم أن أقسم لكم وتقرون المهاجرين معكم في دياركم فعلت، وإن شئتم عزلتهم وقسمت لهم هذه الأرض والنخل. فقالوا يا رسول الله، بل أقرهم في ديارنا واقسم لهم الأرض والنخل. فجعلها رسول الله صلى الله عليه وسلم في المهاجرين. قوله تعالى: {مَّآ أَفَآءَ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ مِن أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ} [تفسير قتادة: لما نزلت هذه الآية كان الفىء في هؤلاء كلهم فلما نزلت الآية في الأنفال: (أية : وَاعْلَمُواْ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءِ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ) تفسير : [الأنفال: 41] نسخت الآية الأولى وجعلت الخمس لمن كان له الفيء فصار ما بقي من الغنيمة لأهل القتال. قال بعضهم: وكتب عمر بن عبد العزيز: إن كلا الآيتين واحدة لم تنسخ إحْدَاهُمَا الأخرى. وتفسير الحسن إن الفيء الجزية، ولا يجعلها منسوخة. قال: {مَآ أَفَاءَ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنَ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ} فهذا سهم واحد. قال: {وَلِذِي الْقُرْبَى} أي: قرابة النبي عليه السلام، {وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ}. ذكروا أن نجدة بن عامر كتب إلى ابن عَباس يَسأله عن سهم ذوي القربى فكتب إليه: إنا كنا نراها قرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأبى ذلك علينا قومنا. ذكروا أن أبا بكر وعمر حملا عليه في سبيل الله. قال: [يحيى] وبلغني عن الحسن أنه قال: يعطى منه قرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقال في ابن السبيل: هو الغازي يعطى منه إذا احتاج وإن كان في بلده غنيا. قال تعالى: {كَيْ لاَ يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأَغْنِيَآءِ مِنكُمْ} يعني الفيء فلا يكون فيه للفقراء والمساكين حق. قال تعالى: {وَمَآ آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ} نزلت في الغنيمة صارت بعد في جميع الدين. {وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ} من الغلول {فَانتَهُواْ} وهي بعد في جميع الدين. {وَاتَّقُواْ اللهَ إِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} أي: إذا عاقب.

اطفيش

تفسير : {وَمَا أَفَآءَ} رد {اللهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ} من بني النضير قيل: ومن الكفرة من فدك {فَمَا أَوْجَفْتُمْ} اسرعتم ايها المسلمون والجملة جواب أو خبر من قيام الملزوم مقام اللازم والسبب مقام المسبب والاصل فهو لرسول الله صلى الله عليه وسلم لانكم لم تجروا. {عَلَيْهِ} أي على تحصيله {مِنْ} زائدة في الفعول {خَيْلٍ وَلارِكَابٍ} ما يركب من الابل غلب فيه كما غلب الراكب على راكبه ولا قاتلتم ولا تعبتم وما كانت إلا على ميلين من المدينة مشوا اليها بارجلهم وركب رسول الله صلى الله عليه وسلم حمارا وحملا. {وَلَكِنَّ اللهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَن يَشَآءُ} من اعدائه يقذف الرعب فتلك الاموال لرسوله لعدم القتال ولعدم القتال الكبير يضعها حيث يشاء خلق للعبادة وخلق لتوصل به اليه فهي له ينفقها كيف يشاء كما في الاية الثانية وكان الانصار طلبوا قسمها كسائر الغنائم غنائم القتال من غنيمة خيبر وغيرها فنزلت الآية فنسبها لنفسه والقرابة واليتامى والمساكين وابن السبيل لكل منهم خمس الخمس وله الباقي أعطى من المهاجرين ولم يعط منه انصارياً إلا اثنين لشدة فاقتهم ولشكواهم إياها أبا دجانة وسهل بن حيف وقيل: ثلاثة ولم اطلع على اسم الثالث ثم رأيته الحارث بن الصمت وروي انه ما أخذ صلى الله عليه وسلم إلا قوت عياله وعن بعضهم نفقة سنة. وروي انه قيل للانصار: إن شئتم أن اقسم لكم وتقربوا المهاجرين معكم في دياركم أو اقسم لهم النخل والدور والارض وعزلت فقالوا: اقرهم في ديارنا واقم لهم النخل والدور والارض فجعلها له جميعا. {وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ} يفتح بقتال وغيره وكذا الا شياء بفعلها بواسطة وغيرها.

الالوسي

تفسير : وقوله تعالى: {وَمَا أَفَاء ٱللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْهُمْ } شروع في بيان حال ما أخذ من أموالهم بعد بيان ما حل بأنفسهم من العذاب العاجل والآجل وما فعل بديارهم ونخيلهم من التخريب والقطع أي ما أعاده الله تعالى إلى رسوله صلى الله عليه وسلم من أولئك الكفرة ـ وهم بنو النضير ـ و {مَا } موصولة مبتدأ، والجملة بعدها صلة، والعائد محذوف كما أشرنا إليه، والجملة المقترنة بالفاء بعد خبر، ويجوز كونها شرطية، والجملة بعد جواب. والمراد بما أفاء سبحانه عليه صلى الله عليه وسلم منهم أموالهم التي بقيت بعد جلائهم، والمراد بإعادتها عليه عليه الصلاة والسلام تحويلها إليه، وهو إن لم يقتض سبق حصولها له صلى الله عليه وسلم - نظير ما قيل في قوله تعالى: { أية : أَوْ لَتَعُودُنَّ فِى مِلَّتِنَا } تفسير : [الأعراف: 88] - ظاهر وإن اقتضى سبق الحصول كان فيما ذكر مجازاً، وفيه إشعار بأنها كانت حرية بأن تكون له صلى الله عليه وسلم وإنما وقعت في أيديهم بغير حق فأرجعها الله تعالى إلى مستحقها، وكذا شأن جميع أموال الكفرة التي تكون فيئاً للمؤمنين لأن الله عز وجل خلق الناس لعبادته وخلق ما خلق من الأموال ليتوسلوا به إلى طاعته فهو جدير بأن يكون للمطيعين، ولذا قيل للغنيمة التي لا تلحق فيها مشقة: فيء مع أنه من فاء الظل إذا رجع، ونقل الراغب عن بعضهم أنه سمي بذلك تشبيهاً بالفيء الذي هو الظل تنبيهاً على أن أشرف أعراض الدنيا يجري مجرى ظل زائل. و {أَفَاء } على ما في «البحر» بمعنى المضارع أما إذا كانت {مَا } شرطية فظاهر، وأما إذا كانت موصولة فلأنها إذا كانت الفاء في خبرها تكون مشبهة باسم الشرط، فإن كانت الآية نازلة قبل جلائهم كانت مخبرة بغيب، وإن كانت نزلت بعد جلائهم وحصول أموالهم في يد الرسول صلى الله عليه وسلم كانت بياناً لما يستقبل، وحكم الماضي حكمه، والذي يدل عليه الأخبار أنها نزلت بعد. روي أن بني النضير لما أجلوا عن أوطانهم وتركوا رباعهم وأموالهم طلب المسلمون تخميسها كغنائم بدر فنزل {مَّا أَفَاء ٱللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْهُمْ }. {فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ } الخ فكانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم خاصة، فقد أخرج البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وغيرهم عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه قال: «كانت أموال بني النضير مما أفاء الله تعالى على رسوله صلى الله عليه وسلم مما لم يوجف المسلمون عليه بخيل ولا ركاب وكانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم خاصة فكان ينفق على أهله منها نفقة سنة ثم يجعل ما بقي في السلاح والكراع عدة في سبيل الله تعالى». / وقال الضحاك: كانت له صلى الله عليه وسلم خاصة فآثر بها المهاجرين وقسمها عليهم ولم يعط الأنصار منها شيئاً إلا أبا دجانة سماك بن خرشة وسهل بن حنيف والحرث بن الصمة أعطاهم لفقرهم، وذكر نحوه ابن هشام إلا أنه ذكر الأولين ولم يذكر الحرث، وكذا لم يذكره ابن سيد الناس، وذكر أنه أعطى سعد بن معاذ سيفاً لابن أبـي الحقيق كان له ذكر عندهم، ومعنى {مَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ } ما أجريتم على تحصيله من الوجيف وهو سرعة السير، وأنشد عليه أبو حيان قول نصيب: شعر : ألا ربّ ركب قد قطعت وجيفهم إليك ولولا أنت لم توجف الركب تفسير : وقال ابن هشام: {أَوْجَفْتُمْ } حركتم وأتعبتم في السير، وأنشد قول تميم بن مقبل: شعر : مذ أويد بالبيض الحديث صقالها عن الركب أحياناً إذا الركب أوجفوا تفسير : والمآل واحد. و {مِنْ } في قوله تعالى: {مِنْ خَيْلٍ } زائدة في المفعول للتنصيص على الاستغراق كأنه قيل: فما أوجفتم عليه فرداً من أفراد الخيل أصلاً {وَلاَ رِكَابٍ } ولا ما يركب من الإبل، غلب فيه كما غلب الراكب على راكبه فلا يقال في الأكثر الفصيح: راكب لمن كان على فرس أو حمار ونحوه بل يقال: فارس ونحوه، وإن كان ذلك عاماً لغيره وضعاً، وإنما لم يعملوا الخيل ولا الركاب بل مشوا إلى حصون بن النضير رجالاً إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه كان على حمار أو على جمل ـ كما تقدم ـ لأنها قريبة على نحو ميلين من المدينة فهي قريبة جدّاً منها، وكأن المراد أن ما حصل لم يحصل بمشقة عليكم وقتال يعتدّ به منكم، ولهذا لم يعط صلى الله عليه وسلم الأنصار إلا من سمعت، وأما إعطاؤه المهاجرين فلعله لكونهم غرباء فنزلت غربتهم منزلة السفر والجهاد، ولما أشير إلى نفي كون حصول ذلك بعملهم أشير إلى علة حصوله بقوله عز وجل: {وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يُسَلّطُ رُسُلَهُ عَلَىٰ مَن يَشَاء } أي ولكن سنته عز وجل جارية على أن يسلط رسله على من يشاء من أعدائهم تسليطاً خاصاً، وقد سلط رسوله محمداً صلى الله عليه وسلم على هؤلاء تسليطاً غير معتاد من غير أن تقتحموا مضايق الخطوب وتقاسوا شدائد الحروب فلا حق لكم في أموالهم، ويكون أمرها مفوضاً إليه صلى الله عليه وسلم. {وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلّ شَيْء قَدِيرٌ } فيفعل ما يشاء كما يشاء تارة على الوجوه المعهودة، وأخرى على غيرها. وقيل: الآية في فدك لأن بني النضير حوصروا وقوتلوا دون أهل فدك وهو خلاف ما صحت به الأخبار، والواقع من القتال شيء لا يعتد به.

ابن عاشور

تفسير : يجوز أن يكون عطفاً على جملة {أية : ما قطعتم من لينة}تفسير : [الحشر: 5] الآية فتكون امتناناً وتكملة لمصارف أموال بني النضير. ويجوز أن تكون عطفاً على مجموع ما تقدم عطفَ القصة على القصة والغرض على الغرض للانتقال إلى التعريف بمصير أموال بني النضير لئلا يختلف رجال المسلمين في قسمته. ولبيان أن ما فعله الرسول صلى الله عليه وسلم في قسمة أموال بني النضير هو عدلٌ إن كانت الآية نزلت بعد القسمة وَمَا صْدَقُ {ما أفاء الله} هو ما تركوه من الأرض والنخل والنقض والحطب. والفَيء معروف في اصطلاح الغزاة، ففعل أفاء أعطَى الفيء، فالفيء في الحروب والغارات ما يظفر به الجيْشُ من متاع عدوّهم وهو أعم من الغنيمة ولم يتحقق أيمة اللغة في أصل اشتقاقه فيكون الفيء بقتال ويكون بدون قتال، وأما الغنيمة فهي ما أخذ بقتال. وضمير {منهم} عائد إلى {أية : الذين كفروا من أهل الكتاب}تفسير : [الحشر: 2] الواقع في أول السورة وهم بنو النضير. وقيل: أريد به الكفار، وأنه نزَّلَ في فيء فدك فهذا بعيد ومخالف للآثار. وقوله: {فما أوجفتم عليه} خبر عن (ما) الموصولة قرن بالفاء لأن الموصول كالشرط لتضمنه معنى التسبب كما تقدم آنفاً في قوله: {أية : فبإذن الله}تفسير : [الحشر: 5]. وهو بصريحه امتنان على المسلمين بأن الله ساق لهم أموال بني النضير دون قتال، مثل قوله تعالى: {أية : وكفى الله المؤمنين القتال}تفسير : [الأحزاب: 25]، ويفيد مع ذلك كناية بأن يقصد بالإِخبار عنه بأنهم لم يُوجفوا عليه لازمُ الخبر وهو أنه ليس لهم سبب حقَ فيه. والمعنى: فما هو من حقّكم، أو لا تسألوا قسمته لأنكم لم تنالوه بقتالكم ولكن الله أعطاه رسوله صلى الله عليه وسلم نعمة منه بلا مشقة ولا نصَب. والإِيجاف: نوع من سَير الخيل. وهو سَير سريع بإِيقاع وأريد به الركض للإِغارة لأنه يكون سريعاً. والركابُ: اسم جمع للإِبل التي تُرْكبُ. والمعنى: ما أغرتم عليه بخيل ولا إبل. وحرف (على) في قوله تعالى: {فما أوجفتم عليه} للتعليل، وليس لتعدية {أوجفتم} لأن معنى الإِيجاف لا يتعدى إلى الفيء بحرف الجر، أو متعلقٌ بمحذوف هو مصدر {أوجفتم}، أي إيجافاً لأجله. و{مِن} في قوله: {من خيل} زائدة داخلة على النكرة في سياق النفي ومدخول {مِن} في معنى المفعول به لـ{أوجفتم} أي ما سقتم خيلاً ولا ركاباً. وقوله: {ولكن الله يسلّط رسله على من يشاء} استدراك على النفي الذي في قوله تعالى: {فما أوجفتم عليه} لرفع توهم أنه لا حقّ فيه لأحد. والمراد: أن الله سلط عليه رسوله صلى الله عليه وسلم فالرسول أحق به. وهذا التركيب يفيد قصراً معنوياً كأنه قيل: فما سلطكم الله عليهم ولكن سلط عليهم رسوله صلى الله عليه وسلم وفي قوله تعالى: {ولكن الله يسلط رسله على من يشاء} إيجاز حذف لأن التقدير: ولكن الله سلط عليهم رسوله صلى الله عليه وسلم والله يسلط رُسله على من يشاء وكان هذا بمنزلة التذييل لعمومه وهو دال على المقدر. وعموم {من يشاء} لشمول أنه يسلط رسله على مقاتلين ويسلطهم على غير المقاتلين. والمعنى: وما أفاء الله على رسوله صلى الله عليه وسلم إنما هو بتسليط الله رسوله صلى الله عليه وسلم عليهم، وإلقاء الرعب في قلوبهم والله يسلط رسله على من يشاء. فأغنى التذييل عن المحذوف، أي فلا حقّ لكم فيه فيكون من مال الله يتصرّف فيه رسوله صلى الله عليه وسلم وولاة الأمور من بعده. فتكون الآية تبييناً لما وقع في قسمة فيء بني النضير. ذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يقسمه على جميع الغُزاة ولكن قسمه على المهاجرين سواء كانوا مِمَّن غزوا معهُ أم لم يغزوا إذ لم يكن للمهاجرين أموالٌ. فأراد أن يكفيهم ويكفي الأنصار ما مَنحوه المهاجرين من النخيل. ولم يعط منه الأنصار إلا ثلاثة لشدة حاجتهم وهم أبو دَجانة (سِماك بن خزينة)، وسَهلُ بن حنيف، والحارث بن الصِّمَّة. وأعطى سعد بنَ معاذ سيفَ أبي الحُقيق، وكل ذلك تصرّف باجتهاد الرسول صلى الله عليه وسلم لأن الله جعل تلك الأموال له. فإن كانت الآية نزلت بعد أن قسمت أموال النضير كانت بياناً بأن ما فعله الرسول صلى الله عليه وسلم حقٌّ، أمره الله به، أو جعله إليه، وإن كانت نزلت قبل القسمة، إذ روي أن سبب نزولها أن الجيش سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم تخميس أموال بني النضير مثل غنائم بدر فنزلت هذه الآية، كانت الآية تشريعاً لاستحقاق هذه الأموال. قال أبو بكر ابن العربي: «لا خلاف بين العلماء أن الآية الأولى خاصة لرسول الله صلى الله عليه وسلم أي هذه الآية الأولى من الآيتين المذكورتين في هذه السورة خاصة بأموال بني النضير، وعلى أنها خاصة لرسول الله صلى الله عليه وسلم يضعها حيث يشاء. وبذلك قال عمر بن الخطاب بمحضر عثمان، وعبد الرحمان بن عوف، والزبير، وسعد، وهو قول مالك فيما روَى عنه ابن القاسم وابن وهب. قال: كانت أموال بني النضير صافية لرسول الله صلى الله عليه وسلم واتفقوا على أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يخمسها. واختُلف في القياس عليها كل مال لم يوجف عليه. قال ابن عطية: قال بعض العلماء وكذلك كل ما فتح الله على الأيمة مما لم يوجف عليه فهو لهم خاصة ا هــ. وسيأتي تفسير ذلك في الآية بعدها.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {وَمَآ أَفَآءَ ٱللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَآ أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلاَ رِكَابٍ}. الضمير في منهم هنا عائد على بني النضير. والفيء: الغنيمة بدون قتال، وقد جعله تعالى هنا على رسوله خاصة. وقال: {فَمَآ أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلاَ رِكَابٍ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ} أي لما كان إخراج اليهود مرده إلى الله تعالى بما قذف في قلوبهم الرعب، وبما سلط عليهم رسوله صلى الله عليه وسلم، فكان هذا الفيء لرسول الله صلى الله عليه وسلم يشاركه فيه عيره. وقد جاء مصداق ذلك عن عمر رضي الله عنه الذي ساقه الشيخ تغمده الله برحمته عند آخر كلامه على مباحث الأنفال عند قوله: المسألة التاسعة: اعلم أنه صلى الله عليه وسلم كان يأخذ نفقة سنته من فيء بني النضير لا من المغانم، وساق حديث أنس بن أوس المتفق عليه عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، في قصة مطالبة علي والعباس ميراثهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنه قال لهما: إن الله كان خص رسوله صلى الله عليه وسلم في هذا بشيء لم يعطه أحداً غيره، فقال عز وجل: {وَمَآ أَفَآءَ ٱللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَآ أَوْجَفْتُمْ} إلى قوله {قَدِيرٌ} [الحشر: 6]، فكانت خالصة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، والله ما احتازها دونكم ولا استأثر بها عليكم، لقد أعطاكموه وبثها فيكم، حتى بقي منها هذا المال، فكان النَّبي صلى الله عليه وسلم ينفق على أهله من هذا المال نفقة سنته، ثم يأخذ ما بقي فيجعله مجعل ما لله إلخ اهـ. وكانت هذه خاصة برسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكن جاء بعدها ما هو أعم من ذلك في قوله تعالى: {أية : مَّآ أَفَآءَ ٱللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ ٱلْقُرَىٰ}تفسير : [الحشر: 7] - أي عموماً - {أية : فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْيَتَامَىٰ وَٱلْمَسَاكِينِ وَٱبْنِ ٱلسَّبِيلِ}تفسير : [الحشر: 7]. وهذه الآية لعمومها مصدراً ومصرفاً، فقد اشتملت على أحكام ومباحث عديدة، وقد تقدم لفضيلة الشيخ - تغمده الله برحمته - الكلام على كل ما فيها عند أول سورة الأنفال على قوله تعالى: {أية : يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلأَنْفَالِ}تفسير : [الأنفال: 1]، فاستوفى واستقصى وفصل وبين مصادر ومصارف الفيء والغنيمة والنفل. وما فتح من البلاد صلحاً أو عنوة، ومسائل عديدة مما لا مزيد عليه، ولا غنى عنه والحمد لله تعالى.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: وما أفاء الله على رسوله منهم: أي وما رد الله ليد رسول الله صلى الله عليه وسلم من مال بني النضير. فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب: أي أسرعتم في طلبه والحصول عليه خيلاً ولا إبلاً أي لم تعانوا فيه مشقة. ولكن الله يسلط رسله على من يشاء: أي وقد سلط رسول الله محمداً صلى الله عليه وسلم على بني النضير ففتح بلادهم صلحاً. وما أفاء الله على رسوله من أهل القرى: أي وما رد الله على رسوله من أموال أهل القرى التي لم يوجف عليها بخيلٍ ولا رِكابٍ. فلله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل: أي لله جزء وللرسول جزء ولقرابة الرسول جزء ولليتامى جزء وللمساكين جزء ولابن السبيل جزء تقسم على المذكورين بالسوية. كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم: أي كيلا يكون المال متداولاً بين الأغنياء الأقوياء ولا يناله الضعفاء والفقراء. وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا: أي وما أعطاكم الرسول وأذن لكم فيه أو أمركم به فخذوه وما نهاكم عنه وحظره عليكم ولم يأذن لكم فيه فانتهوا عنه. واتقوا الله إن الله شديد العقاب: أي واتقوا الله فلا تعصوه ولا تعصوا رسوله واحذروا عقوبة الله على معصيته ومعصية رسوله فإن الله شديد العقاب. معنى الآيات: ما زال السياق الكريم في غزوة بني النضير إنه بعد الصلح الذي تم بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد تركوا حوائطهم أي بساتينهم فيئاً لرسول الله صلى الله عليه وسلم ورغب المسلمون في تلك البساتين ورأى بعضهم أنها ستقسم عليهم كما تقسم الغنائم فأبى الله تعالى ذلك عليهم وقال: {وَمَآ أَفَآءَ ٱللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ} أي وما رد الله تعالى على رسوله من مال بني النضير. وكلمة ردّ تفسير لكلمة أفاء لأن الفيء الظل يتقلص ثم يرجع أي يُردّ وأموال بني النضير الأصل فيها لرسول الله صلى الله عليه وسلم لأن بني النضير عاهدوا رسول الله وبمقتضى المعاهدة أبقى عليهم أموالهم فإِذا نقضوا العهد وخانوا لم يستحقوا من المال شيئاً لا سيما وأنهم تآمروا على قتله وكادوا ينفذون جريمتهم التي تحملوا تبعتها ولو لم ينفذوها وبداية القضية كالتالي: أن المعاهدة التي تمت بين الرسول صلى الله عليه وسلم وبين بني النضير من جملة بنودها أن يؤدوا مع الرسول ما يتحمل من ديات. وبعد وقعة أحد بنصف سنة حدث أن عمرو بن أمية الضمري قتل خطأ رجلين من بني كلب أو بني كلاب فجاء ذووهم يطالبون بديتهم من رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ هو المسئول عن المسلمين فخرج صلى الله عليه وسلم إلى بني النضير في قريتهم التي تبعد عن المدينة بميلين يطالب بالإِسهام في دية الرجلين الكلابيين بحكم المعاهدة فلما انتهى إليهم أنزلوه هو وأصحابه بأحسن مجلس وقالوا ما تطلبه هو لك يا أبا القاسم ثم خلوا بأنفسهم وقالوا إن الفرصة سانحة للتخلص من الرجل فجاءوا برحىً "مطحنة" من صخرة وطلعوا بها إلى سطح المنزل وهموا أن يسقطوها على رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو جالس في ظل الجدار مع أصحابه، وقبل أن يسقطوا الرحى أوحى الله إلى رسوله أن قم من مكانك فإن اليهود أرادوا إسقاط حجرعليك ليقتلوك فقام صلى الله عليه وسلم على الفور وتبعه أصحابه وسقط في أيدي اليهود. وما إن رجع الرسول صلى الله عليه وسلم حتى أعلن الخروج إلى بني النضير فإنهم نقضوا عهدهم ووجب قتالهم فنزل بساحتهم وحاصرهم وجرت سفارة وانتهت بصلح يقضي بأن يجلو بنو النضير عن المدينة يحملون أموالهم على إبلهم دون السلاح ويلتحقوا بأذرعات بالشام فكان هذا أول حشر لهم إلى أرض المعاد والمحشر إلا أسرتين نزلتا بخيبر أسرة بني الحقيق الذين منهم حيي ابن اخطب والد صفية زوج رسول الله صلى الله عليه وسلم. ولهذه الغزوة بقية ستأتي عند قوله تعالى {أية : أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ نَافَقُواْ يَقُولُونَ لإِخْوَانِهِمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ} تفسير : [الحشر: 11] الآيات. من هنا علمنا أن مال بني النضير هو لرسول الله صلى الله عليه وسلم أفاءه الله عليه فقال وما أفاء الله على رسوله منهم أي من بني النضير. ولما طمع المؤمنون فيه قال تعالى رداً عليهم فما أوجفتم عليه أي على أموال بني النضير أي ما ركبتم إليه خيلاً ولا إبلاً ولا أسرعتم عدواً إليهم لأنهم في طرف المدينة فلم تتحملوا سفراً ولا تعباً ولا قتالاً موتاً وجراحات فلذا لاحق لكم فيها فإنها فيء وليست بغنائم. ولكن الله يسلط رسله على من يشاء بدون حروب ولا قتال فيفيء عليهم بمال الكفرة الذي هو مال الله فيرده على رسله، وقد سلط الله حسب سنته في رسله محمداً صلى الله عليه وسلم على أعدائه بني النضير فحاز المال بدون قتال ولا سفر فهو له دون غيره ينفقه كما يشاء ومع هذا فقد أنفقه صلى الله عليه وسلم ولم يبق منه إلا قوت سنة لأزواجه رضي الله عنهن وأرضاهن. وقوله تعالى {وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} لا يمتنع منه قوي، ولا يتعزز عليه شريف سرِي. وقوله تعالى: {مَّآ أَفَآءَ ٱللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ ٱلْقُرَىٰ} أي من أموال أهل القرى التي ما فتحت عنوة ولكن صلحاً فتلك الأموال تقسم فيئاً على ما بيّن تعالى فلله وللرسول ولذي القربى أي قرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم بنو هاشم وبنو المطلب. واليتامى الذي لا عائل لهم، والمساكين الذين مسكنتهم الحاجة وابن السبيل وهو المسافر المنقطع عن بلاده وداره وماله. وعلة ذلك بينها تعالى بقوله: {كَيْ لاَ يَكُونَ} أي المال {دُولَةً} أي متداولاً بين الأغنياء منكم، ولا يناله الضعفاء والفقراء فمن الرحمة والعدل أن يقسم الفيء على هؤلاء الأصناف المذكورين وما لله فهو ينفق في المصالح العامة وكذلك ما للرسول بعد وفاته صلى الله عليه وسلم والباقي للمذكورين، وكذا خمس الغنائم فإنه يوزع على المذكورين في هذه الآية أما الأربعة أخماس فعلى المجاهدين. وقوله تعالى: {وَمَآ آتَاكُمُ ٱلرَّسُولُ} من مال وغيره {فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ} أي من مال وغيره فانتهوا عنه واتقوا الله فلا تعصوه ولا تعصوا رسوله واحذروا عقابه فإن الله شديد العقاب أي معاقبته قاسية شديدة لا تطاق فيا ويل من تعرض لها بالكفر والفجور والظلم. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- بيان أن مال بني النضير كان فيئاً خاصاً برسول الله صلى الله عليه وسلم. 2- أن الفيء وهو ما حصل عليه المسلمون بدون قتال وإنما بفرار العدو وتركه أو بصلح يتم بينه وبين المسلمين هذا الفيء يقسم على ما ذكر تعالى في هذه الآية إذ قال وما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله، وللرسول، ولذي القربى، واليتامى، والمساكين، وابن السبيل، وأما الغنائم وهي ما أخذت عنوة بالقوة وسافر إليها المسلمون فإنها تُخَمَّس خمس لله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل يوزع بينهم بالسوية، والأربعة الأخماس الباقية تقسم على المجاهدين الذين شاركوا في المعارك وخاضوها للرجل قسم وللفارس قسمان. 3- وجوب طاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم وتطبيق أحكامه والاستننان بسننه المؤكدة وحرمة مخالفته فيما نهى عنه أمته روى الشيخان ان ابن مسعود رضي الله عنه قال لعن الله الواشمات والمتنمصات والمتفلجات للحسن المغيرات لخلف الله فبلغ ذلك امرأة من بني أسد يقال لها أم يعقوب كانت تقرأ القرآن فقالت بلغني أنك لعنت كيت وكيت. فقال: مالي لا ألعن من لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في كتاب الله عز وجل؟ فقالت لقد قرأت ما بين لوحي المصحف فما وجدته، قال إن كنت قرأته فقد وجدته. أما قرأت قوله تعالى {وَمَآ آتَاكُمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَٱنتَهُواْ} قالت: بلى. قال: فإنه صلى الله عليه وسلم قد نهى عنه. أي الوشم الخ.

القطان

تفسير : ما أفاء الله على رسوله: ما رده الله من اموال بني النضير، والفيء: معناه في اللغة الرجوع. ومعناه في الشرع: ما أُخذ من أموال الاعداء من غير قتال. فما اوجفتم عليه من خيل ولا ركاب: فما اسرعتم في السير اليه بخيل ولا إبل. من أهل القرى: من اهل البلاد التي تفتح بلا قتال. كي لا يكون دُولة بين الاغنياء: كي لا يتداوله الاغنياء بينهم دون الفقراء. يبين الله تعالى هنا حكْم ما أخذ من اموال بني النضير بعد ما حل بهم من الإجلاء ويقول: إن الأموال التي تركها بنو النضير في بيوتهم هي فيءٌ لله وللرسول يضعها حيث يشاء.. لأن ما افاءه الله وردّه على رسوله من أموالهم قد تم مع أنكم ايها المسلمون لم تسرعوا اليهم بالخيل ولا بالإبل ولم تقاتلوهم، بل نزلوا على حكم الرسول الكريم، فالله يسلّط رسله على من يشاء من عباده بلا قتال. {وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}. روى البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي عن سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: "كانت اموال بني النضير مما افاء الله تعالى على رسوله خاصة، فكان ينفق على أهله منها نفقةَ سنة، ثم يجعل ما بقي في السلاح والكراع عدّةً في سبيل الله تعالى". ثم بين الكلامَ في حكم ما أفاء الله على رسوله من قرى الأعداء عامة فقال: {مَّآ أَفَآءَ ٱللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ ٱلْقُرَىٰ فَلِلَّهِ....}. ما ردّه الله على رسوله من أموال أهلِ القرى بغير قتال فهو لله، وللرسول، ولذي القربى من بني هاشم وبني المطلب، ولليتامى الفقراء، وللمساكين ذوي الحاجة والبؤس، ولابن السبيل المسافر الذي انقطع في بلد وليس لديه مال، يُعطى ما يوصله الى بلده. {كَيْ لاَ يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ ٱلأَغْنِيَآءِ مِنكُمْ}. انما حكمْنا بهذه الأحكام وجعلنا المال مقسما بين من ذكَرنا لئلا يأخذه الاغنياء منكم، ويتداولوه فيما بينهم، ويحرم الفقراء منه. وما جاءكم به الرسول من الأحكام والتشريع فتمسّكوا به، وما نهاكم عنه فاتركوه. ثم حذّر الله الجميع من مخالفة أوامره ونواهيه فقال: {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ إِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ}. {لِلْفُقَرَآءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُواْ مِن دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ}. كذلك يعطَى من الفيء الذي افاءه الله على رسوله للفقراء المهاجرين الذين أُخرجوا من ديارهم وتركوا اموالهم طلباً لمرضاة ربهم، ونيلاً لثوابه، ونصرة الإسلام واعلاء شأنه، {أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلصَّادِقُونَ} في ايمانهم وهجرتهم، فحق لهم من ربهم النعيم المقيم وجزيل الثواب.

د. أسعد حومد

تفسير : (6) - نَزَلَ يَهُودُ بَنِي النَّضِيرِ عَلَى حُكْمِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَفَرَضَ عَلَيْهِم الجَلاَءَ، وَتَرْكَ أَمْوَالِهِمْ، إِلاَّ مَا اسْتَطَاعُوا حَمْلَهُ، فَجَعَلَ اللهُ أَمْوَالَهُمْ فَيئاً لِرَسُولِ اللهِ، وَمَغْنَماً خَالِصاً لَهُ، فَكَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يُنْفِقُ مِنْهُ عَلَى عِيَالِهِ، ثُمَّ يُنْفِقُ البَاقِي فِي الوُجُوهِ المُقَرَّرَةِ فِي الآيَةِ التَّالِيَةِ. وَقَدْ جَعَلَ اللهُ تَعَالَى لِلمَالِ الذِي يَغْنَمُهُ المُسْلِمُونَ مِنْ غَيرِ قِتَالٍ، وَلاَ مُصَاوَلَةٍ، وَلاَ إِيجَافِ خَيْلٍ وَلاَ رِكَابٍ، نِظَاماً خَاصَّاً، وَلاَ يُقْسَمُ فِي الجَيْشِ كَمَا تُقْسَمُ الغَنَائِمُ، وَفْقاً لِمَا جَاءَ فِي سُورَةِ الأَنْفَالِ. وَمَعْنَى الآيَةِ: إِنَّ اللهَ أَفَاءَ أَمْوَالَ بَنِي النَّضِيرِ عَلَى رَسُولِهِ دُونَ قِتَالٍ إِذْ قَذَفَ اللهُ الرُّعْبَ فِي قُلُوبِهِمْ فَنَزَلُوا عَلَى حُكْمِ النَّبِيِّ فَقَضَى بِجَلاَئِهِم عَنْ أَرْضِهِمْ. وَاللهُ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ أَعْدَائِهِ، وَيَقْذِفُ الرُّعْبَ فِي قُلُوبِهِمْ فَيَسْتَسْلِمُونَ لَهُمْ بِدُونِ قِتَالٍ، وَاللهُ قَوِيٌّ عَزِيزٌ، قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَفْعَلَ مَا يَشَاءُ، لاَ يُعْجِزُهُ شَيءٌ. الفَيءُ - مَا أُخِذَ مِنْ أَمْوَالِ الكُفَّارِ بِغَيْرِ قِتَالٍ. أَوْجَفَ - حَمَلَ الفَارِسُ أَوْ رَاكِبُ البَعِيرِ رَاحِلَتَهُ عَلَى الإِسْرَاعِ. الرِّكَابُ - مَا يُرْكَبُ مِنَ الإِبلِ - رَاحِلَةٌ.

الثعلبي

تفسير : {وَمَآ أَفَآءَ ٱللَّهُ}: ردّ الله {عَلَىٰ رَسُولِهِ} ورجع إليه، ومنه فيء الظل {مِنْهُمْ} من بني النضير من الأموال {فَمَآ أَوْجَفْتُمْ}: أوضعتم {عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلاَ رِكَابٍ} وهي الإبل، يقول: لم يقطعوا إليها شقة، ولم ينالوا فيها مشقّة ولم يكلّفوا مؤونة ولم يلقوا حرباً وإنّما كانت بالمدينة فمشوا إليها مشياً، ولم يركبوا خيلا ولا إبلا إلاّ النبي صلى الله عليه وسلم فإنّه ركب جملا فافتتحها رسول الله صلى الله عليه وسلم صلحاً وأجلاهم عنها وأحرز أموالهم، فسأل المؤمنون النبيّ صلى الله عليه وسلم القسمة، فأنزل الله سبحانه {وَمَآ أَفَآءَ ٱللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَآ أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلاَ رِكَابٍ}. {وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} فجعل أموال بني النضير لرسول الله صلى الله عليه وسلم خاصّة يضعها حيث يشاء، فقسمها رسول الله (عليه السلام) بين المهاجرين ولم يعطِ الأنصار منها شيئاً إلاّ ثلاثة نفر كانت بهم حاجة وهم أبو دجانة سماك بن خرشة، وسهل بن حنيف، والحرث بن الصمة، ولم يسلم من بني النضير إلاّ رجلان: أحدهما سفيان بن عمير بن وهب، والثاني سعيد بن وهب وسلما على أموالهما فأحرزاها. أخبرنا عبد الله بن حامد قال: أخبرنا حامد بن محمّد قال: أخبرنا بشر بن موسى قال: حدّثنا الحميد قال: حدّثنا سفيان قال: حدّثنا عمرو بن دينار ومعمر بن راشد، عن ابن شهاب الزهري أنّه سمع مالك بن أوس بن الحدثان البصري يقول: سمعت عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول: إنّ أموال بني النضير كانت مما أفاء الله على رسوله ممّا لم يوجف المسلمون عليه بخيل ولا ركاب، فكانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم خالصاً، فكان رسول الله (عليه السلام) ينفق على أهله منه نفقة سنة، وما بقي جعله في الكراع والسلاح عدّة في سبيل الله. أخبرنا محمّد بن عبد الله بن حمدون قال: أخبرنا أحمد بن محمّد بن الحسن قال: حدّثنا محمّد ابن يحيى قال: حدّثنا محمّد بن يوسف قال: حدّثنا ابن عيينة، عن معمر، عن الزهري قال: وأُخبرت عن محمّد بن جرير قال: حدّثنا أبي قال: حدّثنا عبد الأعلى قال: حدّثنا أبو ثور، عن معمر، عن الزهري، عن مالك بن أوس بن الحدثان قال: أرسل إليّ عمر بن الخطاب فدخلت عليه، فقال: إنّه قد حضر أهل ثبات من قومك، وأنّا قد أمرنا لهم برضخ فاقسمه بينهم. فقلت: يا أمير المؤمنين، مر بذلك غيري. قال: اقبضه أيّها المرء. فبينا أنا كذلك إذ جاء مولاه يرفأ فقال: عبد الرحمن بن عوف والزبير وعثمان وسعد يستأذنون. فقال: ايذن لهم. ثم مكث ساعة، ثم جاء فقال: هذا علي والعباس يستأذنان. فقال: ايذن لهما. فلمّا دخل العباس قال: يا أمير المؤمنين، اقضِ بيني وبين هذا الغادر الفاجر الخائن. وهما حينئذ يختصمان فيما أفاء الله عزّوجل على رسوله من أموال بني النضير. فقال القوم: اقضِ بينهما يا أمير المؤمنين وأرح كلّ واحد منهما من صاحبه، فقد طالت خصومتهما. فقال: أنشدكم بالله الذي بإذنه تقوم السماوات والأرض، أتعلمون أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : لا نورّث، ما تركناه صدقة ". تفسير : قالوا: قد قال ذلك. ثم قال لهما: أتعلمان أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ذلك؟ قالا: نعم. قال: فسأخبركم بهذا الفيء، إنّ الله سبحانه خصّ نبيّه (عليه السلام) بشيء لم يعطِ غيره فقال: عزّ من قائل: {وَمَآ أَفَآءَ ٱللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَآ أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلاَ رِكَابٍ} فكانت هذه لرسول الله (عليه السلام) خاصّة، فوالله ما اختارها دونكم ولا استأثرها دونكم، ولقد قسّمها عليكم حتى بقي منها هذا المال، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينفق على أهله منها سنتهم ثم يجعل ما بقي في مال الله، عزّوجل. {مَّآ أَفَآءَ ٱللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ ٱلْقُرَىٰ} يعني من أموال الكفار أهل القرى. قال ابن عباس: هي قريظة والنضير وهما بالمدينة، وفدك وهي من المدينة على ثلاثة أميال، وخيبر، وقرى عرينة، وينبع جعلها الله تعالى لرسوله يحكم فيها ما أراد فاحتواها كلّها. فقال ناس: هلاّ قسّمها؟ فأنزل الله سبحانه هذه الآية {مَّآ أَفَآءَ ٱللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ ٱلْقُرَىٰ}. {فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي ٱلْقُرْبَىٰ} قرابة النبيّ صلى الله عليه وسلم . وهم بنو هاشم وبنو المطلب. واختلف الفقهاء في وجه استحقاقهم سهمهم من مال الفيء والغنيمة. فقال قوم: إنّهم يستحقّون ذلك بالقرابة ولا تعتبر فيهم الحاجة وعدم الحاجة، وإليه ذهب الشافعي وأصحابه. وقال آخرون: إنّهم يستحقون ذلك بالحاجة لا القرابة، وإليه ذهب أبو حنيفة وأصحابه، فإذا قسم ذلك بينهم فضل الذكور على الإناث كالحكم في الميراث، فيكون للذكر سهمان، وللأنثى سهم. وقال محمّد بن الحسن: سوّي بينهم، ولا يفضل الذكران على الإناث. ذكر حكم هاتين الآيتين اختلف العلماء فيه، فقال بعضهم: أراد بقوله: {مَّآ أَفَآءَ ٱللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ ٱلْقُرَىٰ}: الغنائم التي يأخذها المسلمون من أموال الكافرين عنوة وقهراً، وكانت الغنائم في بدء الإسلام لهؤلاء الذين سمّاهم الله سبحانه في سورة الحشر، دون الغانمين والموجفين عليها، ثم نسخ ذلك بقوله في سورة الأنفال: {أية : وَٱعْلَمُوۤا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِّن شَيْءٍ} تفسير : [الأنفال: 41] الآية. وهذا قول يزيد بن رويان وقتادة. وقال بعضهم: الآية الأُولى بيان حكم أموال بني النضير خاصّة لقوله سبحانه: {مَّآ أَفَآءَ ٱللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ ٱلْقُرَىٰ}، والآية الثانية بيان حكم سائر الأموال التي أُصيبت بغير قتال، ولم يوجَف عليها بالخيل والجمال. وقال الآخرون: هما واحد، والآية الثانية بيان قسمة المال الذي ذكر الله سبحانه في الآية الأُولى. واعلم أنّ جملة الأموال التي للأئمّة والولاة فيها مدخل على ثلاثة أوجه: أحدها: ما أخذ من المسلمين على طريق التطهير لهم كالصدقات. والثاني: الغنائم وهي ما يحصل في أيدي المسلمين من أموال الكافرين بالحرب والعهد. والثالث: الفيء وهو ما رجع الى النبيّ صلى الله عليه وسلم من أموال الكافرين عفواً صفواً من غير قتال ولا إيجاف خيل وركاب مثل مال الصلح والجزية والخراج والعشور التي تؤخذ من تجّار الكفّار إذا دخلوا دار الإسلام، ومثل أن يهرب المشركون ويتركوا أموالهم أويموت منهم في دار الإسلام أحد، ولا يكون له وارث. وأمّا الصدقات، فمصرفها ما ذكر الله سبحانه وتعالى: {أية : إِنَّمَا ٱلصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَآءِ...} تفسير : [التوبة: 60] الآية وقد مضى البيان عن أهل السهمين. وأمّا الغنائم فإنّها كانت في بدء الإسلام لرسول الله صلى الله عليه وسلم يصنع بها ما يشاء، كما قال عزّ وجلّ: {أية : قُلِ ٱلأَنفَالُ للَّهِ وَٱلرَّسُولِ}تفسير : [الأنفال: 1] ثم نسخ ذلك بقوله: {أية : وَٱعْلَمُوۤا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِّن شَيْءٍ} تفسير : [الأنفال: 41] الآية: فجعل أربعة أخماسها للغانمين تقسّم بينهم. فأما ما كان من النقود والعروض والأمتعة والثياب والدواب والكراع فإنّه يقسّم بينهم، ولا يحبس منهم. وأمّا العقار،فاختلف الفقهاء فيه، فقال مالك (رحمه الله): للإمام أن يحبس الأراضي عنهم ويجعلها وقفاً على مصالح المسلمين. وقال أبو حنيفة: الإمام مخيّر بين أن يقسّمها بينهم وبين أن يحبسها عنهم ويجعلها وقفاً على مصالح المسلمين. وقال الشافعي رضي الله عنه: ليس للإمام حبسها عنهم بغير رضاهم، وحكمها حكم سائر الأموال. وهو الاختيار؛ لأنّ الله سبحانه أخرج الخمس منها بعدما أضاف الجميع إليهم بقوله: {غَنِمْتُمْ} [الأنفال: 41] فدلّ أنّ الباقي لهم وحقّهم. وأما الخمس الباقي فيقسّم على خمسة أسهم: سهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم وسهم لذوي القربى، وسهم لليتامى، وسهم للمساكين، وسهم لأبناء السبيل. وأمّا الفيء فإنّه كان يقسّم على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم على خمسة وعشرين سهماً: أربعة أخماسها، وهي عشرون سهماً لرسول الله صلى الله عليه وسلم يفعل بها ما شاء ويحكم فيها ما أراد، والخمس الباقي يقسّم على ما يقسم عليه خمس الغنيمة. وأما بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد اختلف الفقهاء في الأربعة الأخماس التي كانت له صلى الله عليه وسلم من الفيء. فقال قوم: إنّها تصرف الى المجاهدين المتصدّين للقتال في الثغور، وهو أحد قولي الشافعي رضي الله عنه. وقال آخرون: تصرف إلى مصالح المسلمين؛ من سد الثغور وحفر الآبار وبناء القناطر ونحوها بدءاً بالأهّم فالأهمّ، وهو القول الآخر للشافعي رضي الله عنه. وأمّا السهم الذي كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم من خمس الفيء وخمس الغنيمة فإنّه يصرف بعده الى مصالح المسلمين بلا خلاف، كما قال صلى الله عليه وسلم "حديث : الخمس مردود فيكم ". تفسير : وهكذا ما خلّفه من مال غير موروث عنه، بل هو صدقة تصرف عنه إلى مصالح المسلمين كما قال صلى الله عليه وسلم "حديث : إنّا لا نورّث، ما تركناه صدقة ". تفسير : فكانت صفايا رسول الله صلى الله عليه وسلم من مال الفيء الذي خصّه الله سبحانه بها له، ينفق منها على أهله نفقة سنة، فما فضل جعله في الكراع والسلاح في سبيل الله كما ذكر. فلمّا توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وليها أبو بكر رضي الله عنه فجعل يفعل بها ما كان يفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم وليها عمر رضي الله عنه على ما ولي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر، فلما استخلف عثمان ولاّها عليّ بن أبي طالب على سبيل التولية وجعله القسيم فيها، يليها على ما وليها رسول الله(عليه السلام) وصاحباه، وبالله التوفيق. أخبرنا عقيل أن أبا الفرج أخبرهم عن أبي جعفر الطبري قال: حدّثنا ابن عبد الأعلى قال: حدّثنا ابن ثور، عن معمر، عن أيوب، عن عكرمة بن خالد، عن مالك بن أوس بن الحدثان قال: قرأ عمر رضي الله عنه. {أية : إِنَّمَا ٱلصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَآءِ...} تفسير : [التوبة: 60] حتى بلغ {أية : عَلِيمٌ حَكِيمٌ} تفسير : [التوبة: 60] ثم قال: هذه لهؤلاء، ثم قرأ {أية : وَٱعْلَمُوۤا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ للَّهِ خُمُسَهُ} تفسير : [الأنفال: 41] الآية ثم قال: هذه لهؤلاء، ثم قرأ {مَّآ أَفَآءَ ٱللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ ٱلْقُرَىٰ} حتى بلغ {لِلْفُقَرَآءِ الْمُهَاجِرِينَ .... وَٱلَّذِينَ تَبَوَّءُوا... وَٱلَّذِينَ جَآءُوا مِن بَعْدِهِمْ}، ثم قال: استوعبت هذه المسلمين عامّة، فليس أحد إلاّ له فيها حقّ. ثم قال: لئن عشت ليأتينّ الراعي وهو يسير حمره نصيبه منها لم يعرق فيها جبينه. {كَيْ لاَ يَكُونَ دُولَةً} قراءة العامة {يَكُونَ} بالياء {دُولَةً} بالنصب على معنى كي لا يكون الفيء دولة. وقرأ أبو جعفر بالتاء والرفع، أي كي لا تكون الغنيمة أو الأموال، ورفع {دُولَةً} فاعلا ل (كان)، وجعل الكينونة بمعنى الوقوع، وحينئذ لا خبر له. والقرّاء كلهم على ضمّ الدال من ال {دُولَةً} إلاّ أبا عبد الرحمن السلمي فإنّه فتح دالها. قال عيسى بن عمر: الحالتان بمعنى واحد. وفرّق الآخرون بينهما، فقالوا: الدولة بالفتح الظفر والغلبة في الحرب وغيرها وهي مصدر، والدُولة بالضمّ اسم الشيء الذي يتداوله الناس بينهم مثل العارية، ومعنى الآية: كي لا يكون الفيء دولة بين الرؤساء والأقوياء والأغنياء فيغلبوا عليه الفقراء والضعفاء؛ وذلك أن أهل الجاهلية كانوا إذا غنموا غنيمة أخذ الرئيس ربعها لنفسه وهو المرباع، ثم يصطفي منها أيضاً يعني المرباع ما شاء، وفيه يقول شاعرهم: شعر : لك المرباع منها والصفايا وحكمك والنشيطة والفضول تفسير : فجعل الله سبحانه أمر الرسول (عليه السلام) بقسمته في المواضع التي أمر بها ليس فيها خمس، فإذا خمس رفع عن المسلمين جميعاً. {وَمَآ آتَاكُمُ}: أعطاكم {ٱلرَّسُولُ} من الفيء والغنيمة {فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ} من الغلول وغيره {فَٱنتَهُواْ}. قال الحسن في هذه الآية: يؤتيهم الغنائم ويمنعهم الغلول. أخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا أبو حذيفة أحمد بن محمّد بن عليّ قال: حدّثنا أبو محمّد عبيد بن أحمد بن عبيد الصفّار الحمصي قال: حدّثنا عطية بن بقيّة بن الوليد قال: حدّثنا عيسى ابن أبي عيسى قال: حدّثنا موسى بن أبي حبيب قال: سمعت الحكم بن عمير الثمالي وكانت له صحبة يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : إنّ هذا القرآن صعب مستصعب عسير على من تركه، يسير لمن تبعه وطلبه. وحديثي صعب مستصعب وهو الحكم، فمن استمسك بحديثي وحفظه نجا مع القرآن. ومن تهاون بالقرآن وبحديثي خسر الدنيا والآخرة. وأمرتم أن تأخذوا بقولي وتكتنفوا أمري وتتبعوا سنتي، فمن رضي بقولي فقد رضي بالقرآن، ومن استهزأ بقولي فقد استهزأ بالقرآن. قال الله سبحانه: {وَمَآ آتَاكُمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَٱنتَهُواْ} ". تفسير : وأخبرنا الحسين قال: حدّثنا ابن شنبة قال: حدّثنا الفريابي وعبيد الله بن أحمد الكناني قالا: حدّثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال: حدّثنا معاوية بن هشام قال: حدّثنا سفيان الثوري، عن الأشتر، عن إبراهيم، عن عبد الرحمن بن يزيد قال: لقي عبد الله بن مسعود رجلا محرماً وعليه ثيابه، فقال: انزع عنك. فقال الرجل: اتقرأ عليّ بهذا آية من كتاب الله؟ قال: نعم {وَمَآ آتَاكُمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَٱنتَهُواْ}. {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ إِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ}.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {فَمَآ أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلاَ رِكَابٍ} فالإيجافُ: السَّيرُ إلى الأَعداءِ. والرِّكابُ: الإِبلُ.

النسائي

تفسير : قوله تعالى: {وَمَآ أَفَآءَ ٱللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ} [6] 595 - أخبرنا محمد بن عبد الأعلى، عن محمدٍ - وهو ابن ثورٍ - عن معمرٍ، عن الزُّهري، عن مالك بن أوس بن الحدثان، أن عمر (رضي الله عنه) قال: سأُخبركم بهذا الفيءِ؛ إن الله (تعالى) خصَّ نبيهُ صلى الله عليه وسلم بشيءٍ لم يعطه غيرهُ، فقال {وَمَآ أَفَآءَ ٱللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَآ أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلاَ رِكَابٍ} فكانت هذه لرسول الله صلى الله عليه وسلم [خاصةً] فواللهِ ما اختارها دُونكم ولا اسـتأثر بها عليكم، ولقد قسَّمها عليكم حتى بقي منها هذا المالُ، (وكان) رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يُنفِقُ (منه على أهلِهِ) سَنَتَهُمْ، ثم يجعلُ ما بقي في مال الله [عزَّ وجلَّ]. - مُختصرٌ. 596 - أخبرنا عُبيدُ الله بن سعيدٍ، ويحيى بن موسى، وهارون بن عبد الله، فقالوا: حدَّثنا سُفيان، عن عمرو، عن الزُّهري، عن مالك بن أوس بن الحدثان، عن عمر بن الخطاب، كانت أموالُ بني النَّضير مما أفاء اللهُ على رسوله [ممَّا] لم يُوجف (عليه المُسلمون) بخيلٍ ولا ركابٍ، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يُنفقُ [منها] على أهله نفقة سنة وما بقي جعلهُ في السِّلاح والكراعِ عدةً في سبيل الله.

همام الصنعاني

تفسير : 3189- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، في قوله تعالى: {فَمَآ أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلاَ رِكَابٍ}: [الآية: 6]، يقول: صالح النبي صلى الله عليه وسلم أَهْلَ فدك - قرى سَمَّاها لا أحفظها - هو مَحاصِرٌ قَوماً أخرين، فأرسلوا إليه بالصلح، فأَفَاءهَا الله عليهم من غير قتال، لم يوجفوا عَلَيْهَا خَيْلاً وَلاَ ركاباً، فقَالَ الله: {فَمَآ أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلاَ رِكَابٍ} يقول: بغير قتال. 3190- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن الزّهري، قال: كانت بنو النضير للنبي خالصاً لم يفتتحوها عنوة، افتتحوهَا عَلَى صُلْحٍ؛ فقسمها النبي صلى الله عليه وسلم بين المهاجرين، ولم يعطِ الأنصارَ مِنْهَا شيئاً إلاَّ رجلين كانت بهما حاجة.