٥٩ - ٱلْحَشْر
59 - Al-Hashr (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
8
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أن هذا بدل من قوله: {أية : وَلِذِى ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْيَتَـٰمَىٰ وَٱلْمَسَـٰكِينِ وَٱبْنِ ٱلسَّبِيلِ } تفسير : [الحشر: 7] كأنه قيل: أعني بأولئك الأربعة هؤلاء الفقراء والمهاجرين الذين من صفتهم كذا وكذا، ثم إنه تعالى وصفهم بأمور: أولها: أنهم فقراء وثانيها: أنهم مهاجرون وثالثها: أنهم أخرجوا من ديارهم وأموالهم يعني أن كفار مكة أحوجوهم إلى الخروج فهم الذين أخرجوهم ورابعها: أنهم يبتغون فضلاً من الله ورضواناً، والمراد بالفضل ثواب الجنة وبالرضوان قوله: {أية : وَرِضْوٰنٌ مّنَ ٱللَّهِ أَكْبَرُ } تفسير : [التوبة: 72] وخامسها: قوله: {وَيَنصُرُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ } أي بأنفسهم وأموالهم وسادسها: قوله: {أُوْلَـئِكَ هُمُ ٱلصَّـٰدِقُونَ } يعني أنهم لما هجروا لذات الدنيا وتحملوا شدائدها لأجل الدين ظهر صدقهم في دينهم، وتمسك بعض العلماء بهذه الآية على إمامة أبي بكر رضي الله عنه، فقال: هؤلاء الفقراء من المهاجرين والأنصار كانوا يقولون لأبي بكر يا خليفة رسول الله، والله يشهد على كونهم صادقين، فوجب أن يكونوا صادقين في قولهم يا خليفة رسول الله، ومتى كان الأمر كذلك وجب الجزم بصحة إمامته. ثم إنه تعالى ذكر الأنصار وأثنى عليهم حين طابت أنفسهم عن الفيء إذ للمهاجرين دونهم فقال:
القرطبي
تفسير : أي الفَيءُ والغنائم {لِلْفُقَرَآءِ الْمُهَاجِرِينَ}. وقيل: {كَيْ لاَ يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ ٱلأَغْنِيَآءِ} ولكن يكون «لِلْفُقَراءِ». وقيل: هو بيان لقوله: وَلِذِي القُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَاْبنِ السَّبِيلِ» فلما ذُكروا بأصنافهم قيل المال لهؤلاء، لأنهم فقراء ومهاجرين وقد أُخرجوا من ديارهم؛ فهم أحق الناس به. وقيل: {وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ} للفقراء المهاجرين لكيلا يكون المال دولة للأغنياء من بني الدنيا. وقيل: والله شديد العقاب للمهاجرين؛ أي شديد العقاب للكفار بسبب الفقراء المهاجرين ومن أجلهم. ودخل في هؤلاء الفقراء المتقدم ذكرهم في قوله تعالى: {وَلِذِي ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْيَتَامَىٰ}. وقيل: هو عطف على ما مضى، ولم يأت بواو العطف كقولك: هذا المال لزيد لِبَكْر لفلان لفلان. والمهاجرون هنا: من هاجر إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم حُبَّاً فيه ونُصْرَةً له. قال قتادة: هؤلاء المهاجرون الذين تركوا الديار والأموال والأهلين والأوطان حبّاً لله ولرسوله، حتى إن الرجل منهم كان يَعْصِب الحجر على بطنه ليقيم به صلبه من الجوع، وكان الرجل يتخذ الحَفِيرة في الشتاء ما له دِثار غيرها. وقال عبد الرحمن بن أبزَى وسعيد ابن جُبَير: كان ناس من المهاجرين لأحدهم العبد والزوجة والدار والناقة يحجّ عليها ويغزو، فنسبهم الله إلى الفقراء وجعل لهم سهماً في الزكاة. ومعنى {أُخْرِجُواْ مِن دِيَارِهِمْ} أي أخرجهم كفار مكة؛ أي أحوَجُوهم إلى الخروج؛ وكانوا مائة رجل. {يَبْتَغُونَ} يطلبون. {فَضْلاً مِّنَ ٱللَّهِ} أي غنيمة في الدنيا {وَرِضْوَاناً} في الآخرة؛ أي مرضاة ربهم. {وَيَنصُرُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ} في الجهاد في سبيل الله. {أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلصَّادِقُونَ} في فعلهم ذلك. وروي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه خطب بالجابية فقال: من أراد أن يسأل عن القرآن فليأت أُبَيّ بن كعب، ومن أراد أن يسأل عن الفرائض فليأت زيد بن ثابت، ومن أراد أن يسأل عن الفقه فليأت معاذ بن جبل، ومن أراد أن يسأل عن المال فليأتني؛ فإن الله تعالى جعلني له خازناً وقاسماً. ألاَ وإني بادٍ بأزواج النبي صلى الله عليه وسلم فمعطيهن، ثم المهاجرين الأولين؛ أنا وأصحابي.أُخرِجنا من مكة من ديارنا وأموالنا.
ابن كثير
تفسير : يقول تعالى مبيناً حال الفقراء المستحقين لمال الفيء أنهم: {الَّذِينَ أُخْرِجُواْ مِن دِيَـٰرِهِمْ وَأَمْوَٰلِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ ٱللَّهِ وَرِضْوَٰناً} أي: خرجوا من ديارهم، وخالفوا قومهم ابتغاء مرضاة الله ورضوانه {وَيَنصُرُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلصَّـٰدِقُونَ} أي: هؤلاء الذين صدقوا قولهم بفعلهم، وهؤلاء هم سادات المهاجرين. ثم قال تعالى مادحاً للأنصار، ومبيناً فضلهم وشرفهم وكرمهم، وعدم حسدهم وإيثارهم مع الحاجة فقال تعالى: {وَٱلَّذِينَ تَبَوَّءُوا ٱلدَّارَ وَٱلإِيمَـٰنَ مِن قَبْلِهِمْ} أي: سكنوا دار الهجرة من قبل المهاجرين، وآمنوا قبل كثير منهم. قال عمر: وأوصي الخليفة بعدي بالمهاجرين الأولين؛ أن يعرف لهم حقهم، ويحفظ لهم كرامتهم، وأوصيه بالأنصار خيراً؛ الذين تبوؤوا الدار والإيمان من قبل؛ أن يقبل من محسنهم، وأن يعفو عن مسيئهم. رواه البخاري ههنا أيضاً. قوله تعالى: {يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ} أي: من كرمهم وشرف أنفسهم يحبون المهاجرين، ويواسونهم بأموالهم. قال الإمام أحمد: حدثنا يزيد، حدثنا حميد عن أنس قال: قال المهاجرون: يا رسول الله ما رأينا مثل قوم قدمنا عليهم أحسن مواساة في قليل، ولا أحسن بذلاً في كثير، لقد كفونا المؤنة، وأشركونا في المهنأ، حتى لقد خشينا أن يذهبوا بالأجر كله. قال: «حديث : لا، ما أثنيتم عليهم، ودعوتم الله لهم» تفسير : لم أره في الكتب من هذا الوجه. وقال البخاري: حدثنا عبد الله بن محمد، حدثنا سفيان عن يحيى بن سعيد سمع أنس بن مالك حين خرج معه إلى الوليد قال: دعا النبي صلى الله عليه وسلم الأنصار أن يقطع لهم البحرين. قالوا: لا، إلا أن تقطع لإخواننا من المهاجرين مثلها، قال: «حديث : إما لا، فاصبروا حتى تلقوني؛ فإنه سيصيبكم بَعْدي أثرة» تفسير : تفرد به البخاري من هذا الوجه. وقال البخاري: حدثنا الحكم بن نافع، أخبرنا شعيب، حدثنا أبو الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة قال: قالت الأنصار: اقسم بيننا وبين إخواننا النخيل، قال: لا. فقالوا: أتكفوننا المؤنة، ونشرككم في الثمرة؟ قالوا: سمعنا وأطعنا. تفرد به دون مسلم. {وَلاَ يَجِدُونَ فِى صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّآ أُوتُواْ} أي: ولا يجدون في أنفسهم حسداً للمهاجرين فيما فضلهم الله به؛ من المنزلة والشرف، والتقديم في الذكر والرتبة. قال الحسن البصري: {وَلاَ يَجِدُونَ فِى صُدُورِهِمْ حَاجَةً} يعني: الحسد. {مِّمَّآ أُوتُواْ} قال قتادة: يعني: فيما أعطى إخوانهم. وكذا قال ابن زيد. ومما يستدل به على هذا المعنى ما رواه الإمام أحمد حيث قال: حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر عن الزهري عن أنس قال: كنا جلوساً مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «حديث : يطلع عليكم الآن رجل من أهل الجنة» تفسير : فطلع رجل من الأنصار تنطف لحيته من وضوئه، قد علق نعليه بيده الشمال، فلما كان الغد، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل ذلك، فطلع ذلك الرجل مثل المرة الأولى، فلما كان في اليوم الثالث، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل مقالته أيضاً، فطلع ذلك الرجل على مثل حاله الأولى، فلما قام رسول الله صلى الله عليه وسلم تبعه عبد الله بن عمرو بن العاص فقال: إني لاحيت أبي، فأقسمت أني لا أدخل عليه ثلاثاً، فإن رأيت أن تؤويني إليك حتى تمضي فعلت، قال: نعم. قال أنس: فكان عبد الله يحدث أنه بات معه تلك الليالي الثلاث، فلم يره يقوم من الليل شيئاً، غير أنه إذا تعارَّ، وتقلب على فراشه، ذكر الله وكبر حتى يقوم لصلاة الفجر. قال عبد الله: غير أني لم أسمعه يقول إلا خيراً، فلما مضت الليالي الثلاث، وكدت أن أحتقر عمله، قلت: يا عبد الله لم يكن بيني وبين أبي غضب ولا هجرة، ولكن سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لك ثلاث مرات: «حديث : يطلع عليكم الآن رجل من أهل الجنة» تفسير : فطلعت أنت الثلاث المرات، فأردت أن آوي إليك لأنظر ما عملك، فأقتدي به، فلم أرك تعمل كبير عمل، فما الذي بلغ بك ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ماهو إلا ما رأيت، فلما وليت، دعاني فقال: ما هو إلا ما رأيت، غير أني لا أجد في نفسي لأحد من المسلمين غشاً، ولا أحسد أحداً على خير أعطاه الله إياه. قال عبد الله: فهذه التي بلغت بك، وهي التي لا تطاق. ورواه النسائي في اليوم والليلة، عن سُويد بن نصر، عن ابن المبارك، عن معمر به، وهذا إسناد صحيح على شرط الصحيحين، لكن رواه عقيل وغيره عن الزهري عن رجل عن أنس، فالله أعلم. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم في قوله تعالى: {وَلاَ يَجِدُونَ فِى صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّآ أُوتُواْ} يعني مما أوتوا: المهاجرين، قال: وتكلم في أموال بني النضير بعض من تكلم في الأنصار، فعاتبهم الله في ذلك، فقال تعالى: { وَمَآ أَفَآءَ ٱللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَآ أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلاَ رِكَابٍ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ} قال: وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن إخوانكم قد تركوا الأموال والأولاد، وخرجوا إليكم» تفسير : فقالوا: أموالنا بيننا قطائع، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : أو غير ذلك» تفسير : قالوا: وما ذاك يا رسول الله؟ قال: «هم قوم لا يعرفون العمل فتكفونهم وتقاسمونهم الثمر» فقالوا: نعم يا رسول الله. وقوله تعالى: {وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ} يعني: حاجة أي: يقدمون المحاويج على حاجة أنفسهم، ويبدؤون بالناس قبلهم في حال احتياجهم إلى ذلك. وقد ثبت في الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : أفضل الصدقة جهد المقل» تفسير : وهذا المقام أعلى من حال الذين وصف الله تعالى: {أية : وَيُطْعِمُونَ ٱلطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ} تفسير : [الإنسان: 8] وقوله: {أية : وَءَاتَى ٱلْمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِ} تفسير : [البقرة: 177]. فإن هؤلاء يتصدقون وهم يحبون ما تصدقوا به، وقد لا يكون لهم حاجة إليه، ولا ضرورة به، وهؤلاء آثروا على أنفسهم مع خصاصتهم وحاجتهم إلى ما أنفقوه، ومن هذا المقام تصدق الصديق رضي الله عنه بجميع ماله، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : ما أبقيت لأهلك؟» تفسير : فقال رضي الله عنه: أبقيت لهم الله ورسوله، وهكذا الماء الذي عرض على عكرمة وأصحابه يوم اليرموك، فكل منهم يأمر بدفعه إلى صاحبه، وهو جريح مثقل أحوج ما يكون إلى الماء، فرده الآخر إلى الثالث، فما وصل إلى الثالث حتى ماتوا عن آخرهم، ولم يشربه أحد منهم رضي الله عنهم وأرضاهم. وقال البخاري: حدثنا يعقوب بن إبراهيم بن كثير، حدثنا أبو أسامة، حدثنا فضيل بن غزوان، حدثنا أبو حازم الأشجعي عن أبي هريرة قال: أتى رجل لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله أصابني الجهد، فأرسل إلى نسائه، فلم يجد عندهن شيئاً، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : ألا رجل يضيف هذه الليلة رحمه الله» تفسير : فقام رجل من الأنصار فقال: أنا يا رسول الله، فذهب إلى أهله فقال لامرأته: هذا ضيف رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تدخريه شيئاً، فقالت: والله ما عندي إلا قوت الصبية. قال: فإذا أراد الصبية العشاء، فنوميهم، وتعالي فأطفئي السراج، ونطوي بطوننا الليلة، ففعلت، ثم غدا الرجل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «حديث : لقد عجب الله عز وجل ــــ أو ضحك ــــ من فلان وفلانة» تفسير : وأنزل الله تعالى: {وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ}. وكذا رواه البخاري في موضع آخر، ومسلم والترمذي والنسائي من طرق عن فضيل بن غزوان. وفي رواية لمسلم تسمية هذا الأنصاري بأبي طلحة رضي الله عنه. وقوله تعالى: {وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ} أي: من سلم من الشح، فقد أفلح وأنجح. قال أحمد: حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا داود بن قيس الفراء عن عبيد الله بن مقسم، عن جابر بن عبد الله: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إياكم والظلم؛ فإن الظلم ظلمات يوم القيامة، واتقوا الشح؛ فإن الشح أهلك من كان قبلكم، حملهم على أن سفكوا دماءهم، واستحلوا محارمهم» تفسير : . انفرد بإخراجه مسلم، فرواه عن القعنبي عن داود بن قيس، به. وقال الأعمش وشعبة، عن عمرو بن مرة، عن عبد الله بن الحارث، عن زهير بن الأقمر، عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : اتقوا الظلم؛ فإن الظلم ظلمات يوم القيامة، واتقوا الفحش؛ فإن الله لا يحب الفحش ولا التفحش، وإياكم والشح؛ فإنه أهلك من كان قبلكم، أمرهم بالظلم فظلموا، وأمرهم بالفجور ففجروا، وأمرهم بالقطيعة فقطعوا» تفسير : . ورواه أحمد وأبو داود من طريق شعبة، والنسائي من طريق الأعمش، كلاهما عن عمرو بن مرة، به. وقال الليث عن يزيد بن الهاد، عن سهيل بن أبي صالح، عن صفوان بن أبي يزيد، عن القعقاع بن اللجلاج عن أبي هريرة، أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : لا يجتمع غبار في سبيل الله ودخان جهنم في جوف عبد أبداً، ولا يجتمع الشح والإيمان في قلب عبد أبداً» تفسير : وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عبدة بن سليمان، أخبرنا ابن المبارك، حدثنا المسعودي عن جامع ابن شداد عن الأسود بن هلال قال: جاء رجل إلى عبد الله فقال: يا أبا عبد الرحمن إني أخاف أن أكون قد هلكت، فقال له عبد الله: وما ذاك؟ قال: سمعت الله يقول: {وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ} وأنا رجل شحيح، لا أكاد أن أخرج من يدي شيئاً، فقال عبد الله: ليس ذلك بالشح الذي ذكره الله في القرآن، إنما الشح الذي ذكر الله في القرآن أن تأكل مال أخيك ظلماً، ولكن ذاك البخل، وبئس الشيء البخل. وقال سفيان الثوري عن طارق بن عبد الرحمن عن سعيد بن جبير عن أبي الهياج الأسدي قال: كنت أطوف بالبيت، فرأيت رجلاً يقول: اللهم قني شح نفسي، لا يزيد على ذلك، فقلت له، فقال: إني إذا وقيت شح نفسي، لم أسرق ولم أزن ولم أفعل، وإذا الرجل عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه. رواه ابن جرير. وقال ابن جرير: حدثني محمد بن إسحاق، حدثنا سليمان بن عبد الرحمن الدمشقي، حدثنا إسماعيل بن عياش، حدثنا مجمع بن جارية الأنصاري عن عمه يزيد بن جارية عن أنس بن مالك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : برىء من الشح من أدى الزكاة، وقرى الضيف، وأعطى في النائبة»تفسير : وقوله تعالى: {وَٱلَّذِينَ جَآءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا ٱغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَٰنِنَا ٱلَّذِينَ سَبَقُونَا بِٱلإَيمَـٰنِ وَلاَ تَجْعَلْ فِى قُلُوبِنَا غِلاًّ لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ رَبَّنَآ إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ} هؤلاء هم القسم الثالث ممن يستحق فقراؤهم من مال الفيء، وهم المهاجرون ثم الأنصار، ثم التابعون لهم بإحسان كما قال في آية براءة {أية : وَٱلسَّـٰبِقُونَ ٱلأَوَّلُونَ مِنَ ٱلْمُهَـٰجِرِينَ وَٱلأَنْصَـٰرِ وَٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِىَ ٱللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ} تفسير : [التوبة: 100] فالتابعون لهم بإحسان هم المتبعون لآثارهم الحسنة وأوصافهم الجميلة، الداعون لهم في السر والعلانية، ولهذا قال تعالى: في هذه الآية الكريمة {وَٱلَّذِينَ جَآءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ} أي: قائلين {رَبَّنَا ٱغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَٰنِنَا ٱلَّذِينَ سَبَقُونَا بِٱلإَيمَـٰنِ وَلاَ تَجْعَلْ فِى قُلُوبِنَا غِلاًّ} أي: بغضاً وحسداً {لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ رَبَّنَآ إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ} وما أحسن ما استنبط الإمام مالك رحمه الله من هذه الآية الكريمة: أن الرافضي الذي يسب الصحابة ليس له في مال الفيء نصيب؛ لعدم اتصافه بما مدح الله به هؤلاء في قولهم: {رَبَّنَا ٱغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَٰنِنَا ٱلَّذِينَ سَبَقُونَا بِٱلإَيمَـٰنِ وَلاَ تَجْعَلْ فِى قُلُوبِنَا غِلاًّ لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ رَبَّنَآ إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ}. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا موسى بن عبد الرحمن المسروقي، حدثنا محمد بن بشر، حدثنا إسماعيل بن إبراهيم بن مهاجر عن أبيه عن عائشة أنها قالت: أمروا أن يستغفروا لهم، فسبوهم، ثم قرأت هذه الآية: {وَٱلَّذِينَ جَآءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا ٱغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَٰنِنَا ٱلَّذِينَ سَبَقُونَا بِٱلإَيمَـٰنِ} الآية. وقال إسماعيل بن عُلية، عن عبد الملك بن عمير، عن مسروق عن عائشة قالت: أمرتم بالاستغفار لأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم فسببتموهم، سمعت نبيكم صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : لا تذهب هذه الأمة حتى يلعن آخرُها أولَها» تفسير : رواه البغوي. وقال أبو داود: حدثنا مُسدد، حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، حدثنا أيوب، عن الزهري قال: قال عمر رضي الله عنه: {وَمَآ أَفَآءَ ٱللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَآ أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلاَ رِكَابٍ} قال الزهري: قال عمر رضي الله عنه: هذه لرسول لله صلى الله عليه وسلم خاصة، قرى عرينه: فَدَك وكذا وكذا مما أفاء الله على رسوله من أهل القرى، فلله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل، وللفقراء المهاجرين الذي أخرجوا من ديارهم وأموالهم، والذين تبوؤوا الدار والإيمان من قبلهم، والذين جاؤوا من بعدهم، فاستوعبت هذه الآية الناس، فلم يبق أحد من المسلمين إلا له فيها حق ــــ قال أيوب: أو قال: حظٌّ ــــ إلا بعض من تملكون من أرقائكم. كذا رواه أبو داود، وفيه انقطاع. وقال ابن جرير: حدثنا ابن عبد الأعلى، حدثنا أبو ثور عن معمر عن أيوب عن عكرمة بن خالد عن مالك بن أوس بن الحدثان قال: قرأ عمر بن الخطاب: {أية : إِنَّمَا ٱلصَّدَقَـٰتُ لِلْفُقَرَآءِ وَٱلْمَسَـٰكِينِ} تفسير : حتى بلغ {أية : عَلِيمٌ حَكِيمٌ} تفسير : [التوبة: 60] ثم قال: هذه لهؤلاء، ثم قرأ: {أية : وَٱعْلَمُوۤا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ للَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي ٱلْقُرْبَىٰ} تفسير : [الأنفال: 41] الآية. ثم قال: هذه لهؤلاء، ثم قرأ: {مَّآ أَفَآءَ ٱللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ ٱلْقُرَىٰ فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِى ٱلْقُرْبَىٰ} حتى بلغ {لِلْفُقَرَآءِ} {وَٱلَّذِينَ تَبَوَّءُوا ٱلدَّارَ وَٱلإِيمَانَ} {وَٱلَّذِينَ جَآءُوا مِن بَعْدِهِمْ} ثم قال: استوعبت هذه الآية المسلمين عامة وليس أحد إلا له فيها حق، ثم قال: لئن عشت، ليأتين الراعي وهو بسرو حمير نصيبه فيها، لم يعرق فيها جبينه.
المحلي و السيوطي
تفسير : {لِلْفُقَرَاءِ } متعلق بمحذوف، أي أعجبوا {الْمُهَٰجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُواْ مِن دِيَٰرِهِمْ وَأَمْوٰلِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ ٱللَّهِ وَرِضْوٰناً وَيَنصُرُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَٰئِكَ هُمُ ٱلصَّٰدِقُونَ } في إيمانهم.
الشوكاني
تفسير : قوله: {لِلْفُقَرَاء } قيل: هو بدل من {لذى ٱلْقُرْبَىٰ} وما عطف عليه، ولا يصح أن يكون بدلاً من الرسول، وما بعده لئلا يستلزم وصف رسول الله صلى الله عليه وسلم بالفقر، وقيل التقدير: {كَى لاَ يَكُونَ دُولَةً} ولكن يكون للفقراء، وقيل: التقدير: اعجبوا للفقراء، وقيل: التقدير: والله شديد العقاب للفقراء أي: شديد العقاب للكفار بسبب الفقراء، وقيل: هو عطف على ما مضى بتقدير الواو، كما تقول: المال لزيد لعمرو لبكر، والمراد بـ{الْمُهَـٰجِرِينَ}: الذين هاجروا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم رغبة في الدين ونصرة له. قال قتادة: هؤلاء المهاجرون هم الذين تركوا الديار، والأموال، والأهلين، ومعنى {أُخْرِجُواْ مِن دِيَـٰرِهِم }: أن كفار مكة أخرجوهم منها، واضطروهم إلى الخروج، وكانوا مائة رجل {يَبْتَغُونَ فَضْلاً مّنَ ٱللَّهِ وَرِضْوَاناً } أي: يطلبون منه أن يتفضل عليهم بالرزق في الدنيا، وبالرضوان في الآخرة {وَيَنصُرُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ } بالجهاد للكفار، وهذه الجملة معطوفة على {يبتغون}، ومحل الجملتين النصب على الحال، الأولى مقارنة، والثانية مقدّرة، أي: ناوين لذلك، ويجوز أن تكون حالاً مقارنة؛ لأن خروجهم على تلك الصفة نصرة لله ورسوله، والإشارة بقوله: {أُوْلَـٰئِكَ } إليهم من حيث اتصافهم بتلك الصفات، وهو مبتدأ، وخبره: {هُمُ ٱلصَّـٰدِقُونَ } أي: الكاملون في الصدق الراسخون فيه. ثم لما فرغ من مدح المهاجرين مدح الأنصار فقال: {وَٱلَّذِينَ تَبَوَّءوا ٱلدَّارَ وَٱلإيمَـٰنَ مِن قَبْلِهِمْ } المراد بالدار: المدينة، وهي دار الهجرة، ومعنى تبوّئهم الدار والإيمان: أنهم اتخذوها مباءة، أي: تمكنوا منهما تمكناً شديداً، والتبوّأ في الأصل إنما يكون للمكان، ولكنه جعل الإيمان مثله لتمكنهم فيه تنزيلاً للحال منزلة المحل، وقيل: إن الإيمان منصوب بفعل غير الفعل المذكور، والتقدير: واعتقدوا الإيمان، أو وأخلصوا الإيمان كذا قال أبو علي الفارسي. ويجوز أن يكون على حذف مضاف، أي: تبوءوا الدار وموضع الإيمان، ويجوز أن يكون تبوّءوا مضمناً لمعنى لزموا، والتقدير: لزموا الدار والإيمان، ومعنى {مِن قَبْلِهِم}: من قبل هجرة المهاجرين، فلا بدّ من تقدير مضاف، لأن الأنصار إنما آمنوا بعد إيمان المهاجرين، والموصول مبتدأ، وخبره: {يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ } وذلك لأنهم أحسنوا إلى المهاجرين، وأشركوهم في أموالهم ومساكنهم {وَلاَ يَجِدُونَ فِى صُدُورِهِمْ حَاجَةً } أي: لا يجد الأنصار في صدورهم حسداً، وغيظاً، وحزازة {مّمَّا أُوتُواْ } أي: مما أوتي المهاجرون دونهم من الفيء، بل طابت أنفسهم بذلك. وفي الكلام مضاف محذوف، أي: لا يجدون في صدورهم مسّ حاجة، أو أثر حاجة، وكلّ ما يجده الإنسان في صدره مما يحتاج إليه فهو حاجة. وكان المهاجرون في دور الأنصار فلما غنم النبيّ صلى الله عليه وسلم بني النضير دعا الأنصار، وشكرهم فيما صنعوا مع المهاجرين من إنزالهم إياهم في منازلهم، وإشراكهم في أموالهم، ثم قال: «حديث : إن أحببتم قسمت ما أفاء الله عليّ من بني النضير بينكم وبين المهاجرين - وكان المهاجرون على ما هم عليه من السكنى في مساكنكم، والمشاركة لكم في أموالكم - وإن أحببتم أعطيتهم ذلك، وخرجوا من دياركم»تفسير : ، فرضوا بقسمة ذلك في المهاجرين، وطابت أنفسهم {وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ } الإيثار: تقديم الغير على النفس في حظوظ الدنيا رغبة في حظوظ الآخرة، يقال: آثرته بكذا، أي: خصصته به، والمعنى: ويقدّمون المهاجرين على أنفسهم في حظوظ الدنيا {وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ } أي: حاجة وفقر، والخصاصة مأخوذة من خصاص البيت، وهي الفرج التي تكون فيه، وجملة: {وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ } في محل نصب على الحال، وقيل: إن الخصاصة مأخوذة من الاختصاص، وهو الانفراد بالأمر، فالخصاصة الانفراد بالحاجة، ومنه قول الشاعر:شعر : إن الربيع إذا يكون خصاصة عاش السقيم به وأثرى المقتر تفسير : {وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ } قرأ الجمهور: {يوق} بسكون الواو، وتخفيف القاف من الوقاية، وقرأ ابن أبي عبلة، وأبو حيوة بفتح الواو، وتشديد القاف. وقرأ الجمهور: {شحّ نفسه} بضم الشين. وقرأ ابن عمر، وابن أبي عبلة بكسرها. والشحّ: البخل مع حرص، كذا في الصحاح، وقيل: الشحّ أشدّ من البخل. قال مقاتل: شحّ نفسه: حرص نفسه. قال سعيد بن جبير: شحّ النفس هو أخذ الحرام، ومنع الزكاة. قال ابن زيد: من لم يأخذ شيئًا نهاه الله عنه، ولم يمنع شيئًا أمره الله بأدائه، فقد وقى شحّ نفسه. قال طاووس: البخل أن يبخل الإنسان بما في يده، والشحّ أن يشحّ بما في أيدي الناس، يحبّ أن يكون له ما في أيديهم بالحلال والحرام لا يقنع. وقال ابن عيينة: الشحّ: الظلم. وقال الليث: ترك الفرائض وانتهاك المحارم. والظاهر من الآية أن الفلاح مترتب على عدم شحّ النفس بشيء من الأشياء التي يقبح الشحّ بها شرعاً من زكاة، أو صدقة، أو صلة رحم، أو نحو ذلك، كما تفيده إضافة الشحّ إلى النفس، والإشارة بقوله: {فَأُوْلَـئِكَ } إلى «من» باعتبار معناها، وهو مبتدأ، وخبره {هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ } والفلاح الفوز والظفر بكل مطلوب. ثم لما فرغ سبحانه من الثناء على المهاجرين والأنصار، ذكر ما ينبغي أن يقوله من جاء بعدهم، فقال: {وَٱلَّذِينَ جَاءوا مِن بَعْدِهِمْ } وهم التابعون لهم بإحسان إلى يوم القيامة، وقيل: هم الذين هاجروا بعد ما قوي الإسلام، والظاهر شمول الآية لمن جاء بعد السابقين من الصحابة المتأخر إسلامهم في عصر النبوّة، ومن تبعهم من المسلمين بعد عصر النبوّة إلى يوم القيامة؛ لأنه يصدق على الكلّ أنهم جاءوا بعد المهاجرين الأوّلين والأنصار، والموصول مبتدأ، وخبره {يَقُولُونَ رَبَّنَا ٱغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوٰنِنَا ٱلَّذِينَ سَبَقُونَا بِٱلإَيمَـٰنِ } ويجوز أن يكون الموصول معطوفاً على قوله: {وَٱلَّذِينَ تَبَوَّءوا ٱلدَّارَ وَٱلإيمَـٰنَ }، فيكون {يقولون} في محل نصب على الحال، أو مستأنف لا محل له، والمراد بالأخوّة هنا: أخوة الدّين، أمرهم الله أن يستغفروا لأنفسهم، ولمن تقدّمهم من المهاجرين والأنصار {وَلاَ تَجْعَلْ فِى قُلُوبِنَا غِلاًّ لّلَّذِينَ ءامَنُواْ } أي: غشاً وبغضاً وحسداً. أمرهم الله سبحانه بعد الاستغفار للمهاجرين والأنصار أن يطلبوا من الله سبحانه أن ينزع من قلوبهم الغلّ للذين آمنوا على الإطلاق، فيدخل في ذلك الصحابة دخولاً أوّلياً لكونهم أشرف المؤمنين، ولكون السياق فيهم، فمن لم يستغفر للصحابة على العموم، ويطلب رضوان الله لهم، فقد خالف ما أمره الله به في هذه الآية، فإن وجد في قلبه غلاً لهم، فقد أصابه نزغ من الشيطان، وحلّ به نصيب وافر من عصيان الله بعداوة أوليائه، وخير أمة نبيه صلى الله عليه وسلم، وانفتح له باب من الخذلان يفد به على نار جهنم إن لم يتدارك نفسه باللجأ إلى الله سبحانه، والاستغاثة به، بأن ينزع عن قلبه ما طرقه من الغلّ لخير القرون، وأشرف هذه الأمة، فإن جاوز ما يجده من الغلّ إلى شتم أحد منهم، فقد انقاد للشيطان بزمام، ووقع في غضب الله وسخطه، وهذا الداء العضال إنما يصاب به من ابتلي بمعلم من الرافضة، أو صاحب من أعداء خير الأمة الذين تلاعب بهم الشيطان، وزين لهم الأكاذيب المختلفة، والأقاصيص المفتراة، والخرافات الموضوعة، وصرفهم عن كتاب الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه، ولا من خلفه، وعن سنة رسول الله، المنقولة إلينا بروايات الأئمة الأكابر في كل عصر من العصور، فاشتروا الضلالة بالهدى، واستبدلوا الخسران العظيم بالربح الوافر، ومازال الشيطان الرجيم ينقلهم من منزلة إلى منزلة، ومن رتبة إلى رتبة حتى صاروا أعداء كتاب الله وسنة رسوله، وخير أمته وصالحي عباده وسائر المؤمنين، وأهملوا فرائض الله وهجروا شعائر الدين، وسعوا في كيد الإسلام وأهله كل السعي، ورموا الدين وأهله بكلّ حجر ومدر، والله من ورائهم محيط. {رَبَّنَا إِنَّكَ رَءوفٌ رَّحِيمٌ } أي: كثير الرأفة والرحمة بليغهما لمن يستحق ذلك من عبادك. وقد أخرج البخاري عن عمر بن الخطاب أنه قال: أوصي الخليفة بعدي بالمهاجرين الأوّلين أن يعرف لهم حقهم، ويحفظ لهم حرمتهم، وأوصيه بالأنصار الذين تبوّءوا الدار والإيمان من قبلهم أن يقبل من محسنهم، ويتجاوز عن مسيئهم. وأخرج البخاري، ومسلم، وغيرهما عن أبي هريرة قال: أتى رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله أصابني الجهد، فأرسل إلى نسائه، فلم يجد عندهنّ شيئًا فقال: "حديث : ألا رجل يضيف هذه الليلة رحمه الله"تفسير : ، فقال رجل من الأنصار، وفي رواية، فقال أبو طلحة الأنصاري: أنا يا رسول الله، فذهب به إلى أهله، فقال لامرأته: أكرمي ضيف رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تدّخريه شيئًا، قالت: والله ما عندي إلاّ قوت الصبية، قال: فإذا أراد الصبية العشاء، فنوّميهم وتعالي فأطفئي السراج، ونطوي بطوننا الليلة لضيف رسول الله صلى الله عليه وسلم، ففعلت، ثم غدا الضيف على النبيّ صلى الله عليه وسلم فقال: لقد عجب الله الليلة من فلان وفلانة، وأنزل فيهما {وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ }». وأخرج الحاكم وصححه، وابن مردويه، والبيهقي في الشعب عن ابن عمر قال: أهدي إلى رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم رأس شاة فقال: إن أخي فلاناً وعياله أحوج إلى هذا منا، فبعث به إليه، فلم يزل يبعث به واحد إلى آخر حتى تداولها أهل سبعة أبيات حتى رجعت إلى الأوّل، فنزلت فيهم: {وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ }. وأخرج الفريابي، وسعيد بن منصور، وابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني والحاكم وصححه، وابن مردويه، والبيهقي في الشعب عن ابن مسعود أن رجلاً قال: إني أخاف أن أكون قد هلكت، قال: وما ذاك؟ قال: إني سمعت الله يقول: {وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ } وأنا رجل شحيح لا يكاد يخرج مني شيء، فقال له ابن مسعود: ليس ذاك بالشحّ، ولكنه البخل، ولا خير في البخل، وإن الشحّ الذي ذكره الله في القرآن أن تأكل مال أخيك ظلماً. وأخرج ابن المنذر، وابن مردويه عن ابن عمر في الآية قال: ليس الشحّ أن يمنع الرجل ماله، ولكنه البخل، وإنه لشرّ، إنما الشحّ أن تطمح عين الرجل إلى ما ليس له. وأخرج ابن المنذر عن عليّ بن أبي طالب قال: من أدّى زكاة ماله، فقد وقى شحّ نفسه. وأخرج الحكيم الترمذي، وأبو يعلى، وابن مردويه عن أنس قال: قال رسول الله: «حديث : ما محق الإسلام محق الشحّ شيء قط»تفسير : . وأخرج أحمد، والبخاري في الأدب، ومسلم، والبيهقي عن جابر بن عبد الله أن رسول الله قال: «حديث : اتقوا الظلم، فإن الظلم ظلمات يوم القيامة، واتقوا الشحّ، فإن الشحّ أهلك من كان قبلكم، حملهم على أن سفكوا دماءهم، واستحلوا محارمهم»تفسير : . وقد وردت أحاديث كثيرة في ذمّ الشحّ. وأخرج الحاكم وصححه، وابن مردويه عن سعد بن أبي وقاص قال: الناس على ثلاث منازل، قد مضت منزلتان، وبقيت منزلة، فأحسن ما أنتم كائنون عليه أن تكونوا بهذه المنزلة التي بقيت، ثم قرأ: {وَٱلَّذِينَ جَاءوا مِن بَعْدِهِمْ } الآية. وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن الأنباري في المصاحف، وابن مردويه عن عائشة قالت: أمروا أن يستغفروا لأصحاب النبيّ، فسبوهم، ثم قرأت هذه الآية: {وَٱلَّذِينَ جَاءوا مِن بَعْدِهِمْ }. وأخرج ابن مردويه عن ابن عمر أنه سمع رجلاً، وهو يتناول بعض المهاجرين فقرأ عليه {لِلْفُقَرَاء الْمُهَـٰجِرِينَ } الآية، ثم قال: هؤلاء المهاجرون، أفمنهم أنت؟ قال: لا، ثم قرأ عليه {وَٱلَّذِينَ تَبَوَّءوا ٱلدَّارَ وَٱلإيمَـٰنَ } الآية. ثم قال: هؤلاء الأنصار، أفأنت منهم؟ قال: لا، ثم قرأ عليه {وَٱلَّذِينَ جَاءوا مِن بَعْدِهِمْ } الآية، ثم قال: أفمن هؤلاء أنت؟ قال: أرجو، قال: ليس من هؤلاء من سبّ هؤلاء.
الماوردي
تفسير : {للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم} يعني بالمهاجرين من هاجر عن وطنه من المسليمن إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في دار هجرته وهي المدينة خوفاً من أذى قومه ورغبة في نصرة نبيّه فهم المقدمون في الإسلام على جميع أهله. {يبتغون فضلاً من الله ورضواناً} يعني فضلاً من عطاء الله في الدنيا، ورضواناً من ثوابه في الآخرة. ويحتمل وجهاً ثانياً: أن الفضل الكفاية، والرضوان القناعة. وروى علي بن رباح اللخمي أن عمر بن الخطاب خطب بالجابية فقال: من أراد أن يسأل عن الفرائض فليأت زيد بن ثابت، ومن أراد أن يسأل عن الفقة فليأت معاذ بن جبل، ومن أراد أن يسأل عن المال فليأتني فإن الله تعالى جعلني خازناً وقاسماً، إني بادىء بأزواج النبي صلى الله عليه وسلم فمعطيهن، ثم بالمهاجرين الأولين أنا وأصحابي أخرجنا من مكة من ديارنا وأموالنا. قال قتادة: لأنهم اختاروا الله ورسوله صلى الله عليه وسلم على ما كانت من شدة، حتى ذكر لنا أن الرجل كان يعصب على بطنه الحجر ليقيم صلبه من الجوع، وكان الرجل يتخذ الحفيرة في الشتاء ما له دثار غيرها. {والذين تبوءوا الدار والإيمان من قبلهم} ويكون على التقديم والتأخير ومعناه تبوءوا الدار من قبلهم والإيمان. الثاني: أن الكلام على ظاهره ومعناه أنهم تبوءوا الدار والإيمان قبل الهجرة إليهم يعني بقبولهم ومواساتهم بأموالهم ومساكنهم. {يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا} فيه وجهان: أحدهما: غيرة وحسداً على ما قدموا به من تفضيل وتقريب، وهو محتمل. الثاني: يعني حسداً على ما خصوا به من مال الفيء وغيره فلا يحسدونهم عليه، قاله الحسن. {ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة} يعني يفضلونهم ويقدمونهم على أنفسهم ولو كان بهم فاقة وحاجة، ومنه قول الشاعر: شعر : أما الربيع إذا تكون خصاصة عاش السقيم به وأثرى المقتر تفسير : وفي إيثارهم وجهان: أحدهما: أنهم آثروا على أنفسهم بما حصل من فيىء وغنيمة حتى قسمت في المهاجرين دونهم، قاله مجاهد، وابن حيان. روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قسم على المهاجرين ما أفاء الله من النضير ونفل من قريظة على أن يرد المهاجرون على الأنصار ما كانوا أعطوهم من أموالهم فقالت الأنصار بل نقيم لهم من أموالنا ونؤثرهم بالفيء، فأنزل الله هذه الآية. الثاني: أنهم آثروا المهاجرين بأموالهم وواسوهم بها. روى ابن زيد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لهم: "حديث : إن إخوانكم تركوا الأموال والأولاد وخرجوا إليكم" تفسير : فقالوا: أموالنا بينهم قطائع، فقال: "حديث : أو غير ذلك"تفسير : ؟ فقالوا: وما ذاك يا رسول الله؟ فقال: "حديث : هم قوم لا يعرفون العمل فتكفونهم وتقاسمونهم التمر" تفسير : يعني مما صار إليهم من نخيل بني النضير، قالوا نعم يا رسول الله. {ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون} فيه ثماينة أقاويل: أحدها: أن هذا الشح هو أن يشح بما في أيدي الناس يحب أن يكون له ولا يقنع، قاله ابن جريج وطاووس. الثاني: أنه منع الزكاة، قاله ابن جبير. الثالث: يعني هوى نفسه، قاله ابن عباس. الرابع: أنه اكتساب الحرام، روى الأسود عن ابن مسعود أن رجلاً أتاه فقال: إني أخاف أن أكون قد هلكت، قال وما ذاك؟ قال سمعت الله عز وجل يقول: {ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون} وأنا رجل شحيح لا أكاد أخرج من يدي شيئاً فقال ابن مسعود: ليس ذلك بالشح الذي ذكره الله تعالى في القرآن، إنما الشح الذي ذكره الله في القرآن أن تأكل مال أخيك ظلماً ولكن ذلك البخل، وبئس الشيء البخل. الخامس: أنه الإمساك عن النفقة، قاله عطاء. السادس: أنه الظلم، قاله ابن عيينة. السابع: أنه أراد العمل بمعاصي الله، قاله الحسن. الثامن: أنه أراد ترك الفرائض وانتهاك المحارم، قاله الليث. وفي الشح والبخل قولان: أحدهما: أن معناهما واحد. الثاني: أنهما يفترقان وفي الفرق بينهما وجهان: أحدهما: أن الشح أخذ المال بغير حق، والبخل أن يمنع من المال المستحق، قاله ابن مسعود. الثاني: أن الشح بما في يدي غيره، والبخل بما في يديه، قاله طاووس. {والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا} فيهم قولان: أحدهما: أنهم الذين هاجروا بعد ذلك، قاله السدي والكلبي. الثاني: أنهم التابعون الذين جاءوا بعد الصحابة ثم من بعدهم إلى قيام الدنيا هم الذين جاءوا من بعدهم، قاله مقاتل. وروى مصعب بن سعد قال: الناس على ثلاثة منازل، فمضت منزلتان وبقيت الثالثة: فأحسن ما أنتم عليه أن تكونوا بهذه المنزلة التي بقيت. وفي قولهم: {اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان} وجهان: أحدهما: أنهم أمروا أن يستغفروا لمن سبق من هذه الأمة ومن مؤمني أهل الكتاب. قالت عائشة: فأمروا أن يستغفروا لهم فسبّوهم. الثاني: أنهم أمروا أن يستغفروا للسابقين الأولين من المهاجرين والأنصار. {ولا تجعل في قلوبنا غلاً للذين ءامنوا} الآية. في الغل وجهان: أحدهما: الغش، قاله مقاتل. الثاني: العداوة، قاله الأعمش.
ابن عبد السلام
تفسير : {الْمُهَاجِرِينَ} إلى المدينة لنصرة الرسول صلى الله عليه وسلم وخوفاً من قومهم {فَضْلاً} من عطاء الدنيا {وَرِضْوَاناً} ثواب الآخرة. كان أحدهم يعصب الحجر على بطنه ليقم به صلبه من الجوع ويتخذ الحفيرة في الشتاء ما له دثار غيرها.
الخازن
تفسير : {للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم} يعني ألجأهم كفار مكة إلى الخروج {يبتغون فضلاً من الله} أي رزقاً وقيل ثواباً من الله {ورضواناً} أي أخرجوا من ديارهم طلباً لرضا الله عز وجل: {وينصرون الله ورسوله} أي بأنفسهم وأموالهم والمراد بنصر الله نصر دينه وإعلاء كلمته {أولئك هم الصادقون} أي في إيمانهم قال قتادة المهاجرون الذين تركوا الديار والأموال والعشائر وخرجوا حباً لله ولرسوله واختاروا الإسلام على ما كانوا فيه من شدة حتى ذكر لنا أن الرجل كان يعصب الحجر على بطنه ليقيم به صلبه من الجوع وكان الرجل يتخذ الحفيرة في الشتاء ما له دثار غيرها (م) عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "حديث : إن فقراء المهاجرين يسبقون الأغنياء يوم القيامة إلى الجنة بأربعين خريفاً" تفسير : وعن أبي سعيد قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : أبشروا صعاليك المهاجرين بالنور التام يوم القيامة تدخلون الجنة قبل أغنياء الناس بنصف يوم وذلك خمسمائة سنة" تفسير : أخرجه أبو داود.
الثعالبي
تفسير : وقوله تعالى: {لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَـٰجِرِينَ}: بيان لقوله: {وَٱلْمَسَـٰكِينِ وَٱبْنِ ٱلسَّبِيلِ} وكرر لام الجر، لما كانت الجملة الأولى مجرورةً باللام؛ ليبيِّنَ أَنَّ البدل إنَّما هو منها، ثم وصفهم تعالى بالصفة التي تقتضي فقرهم، وتُوجِبُ الشفقة عليهم، وهي إخراجهم من ديارهم وأموالهم {يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ ٱللَّهِ وَرِضْوَاناً}: يريد به الآخرة والجنة: {أُوْلَـئِكَ هُمُ ٱلصَّـٰدِقُونَ} أي: في الأقوال والأفعال والنِّيَّاتِ {وَٱلَّذِينَ تَبَوَّءُوا ٱلدَّارَ}: هم الأنصار ـــ رضي اللَّه عن جميعهم ـــ، والضمير في {مِن قَبْلِهِمُ} للمهاجرين، والدار هي المدينة، والمعنى: تبوؤوا الدار مع الإيمان، وبهذا الاقتران يتضح معنى قوله تعالى: {مِن قَبْلِهِمْ} فتأمله، قال * ص *: {وَٱلإِيمَـٰنَ} منصوب بفعل مُقَدَّرٍ، أي: واعتقدوا الإيمان، فهو من عطف الجمل؛ كقوله: [من الرجز] شعر : عَلَفْتُهَا تِبْناً وَمَاءً بَارِداً ...................... تفسير : انتهى، وقيل غير هذا، وأثنى اللَّه تعالى في هذه الآية على الأنصار بِأَنَّهُمْ يحبون المهاجرين، وبأَنَّهم يؤثرون على أنفسهم، وبأَنَّهم قد وُقُوا شُحَّ أنفسهم. * ت *: وروى الترمذيُّ عن أنس قال: «حديث : لَمَّا قَدِمَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم المَدِينَةَ أَتَاهُ المُهَاجِرُونَ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا رَأَيْنَا قَوْماً أَبْذَلَ لِكَثِيرٍ وَلاَ أَحْسَنَ مُوَاساةً في قلِيلٍ مِنْ قَوْمٍ نَزَلْنَا بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ؛ لَقَدْ كَفَوْنَا المَؤُونَةَ، وَأَشْرَكُونَا في الْمِهْنَةِ، حَتَّى لَقَدْ خِفْنَا أَنْ يَذْهَبُوا بِالأَجْرِ كُلِّهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: لاَ، مَا دَعَوتُمُ اللَّهَ لَهُمْ وَأَثْنَيْتُمْ عَلَيْهِمْ»تفسير : قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح، انتهى، والحاجة: الحسد في هذا الموضع؛ قاله الحسن، ثم يَعُمُّ بعدُ وُجُوهاً، وقال الثعلبيُّ: {حَاجَةً} أي: حَزَازَةً، وقيل: حسداً {مِّمَّا أُوتُواْ} أي: مما أعطي المهاجرون من أموال بَنِي النضير والقرى، انتهى. وقوله تعالى: {وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ}: صفة للأنصار، وجاء الحديث الصحيح من غير ما طريق، حديث : أَنَّها نزلت بسبب رجل من الأنصار وصنيعه مع ضيفِ رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم؛ إذْ نَوَّمَ صبيانه، وَقَدَّمَ للضيف طعامَه، وأطفأتْ أهلُه السراجَ، وأوهما الضيفَ أَنَّهُمَا يأكلان معه، وباتا طاويين؛ فلمَّا غدا الأنصاريُّ على رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قال له: «لَقَدْ عَجِبَ اللَّهُ مِنْ فِعْلِكُمَا الْبَارِحَةَ» تفسير : ونزلت الآية في ذلك، قال صاحب «سلاح المؤمن»: الرجل الأنصاريُّ الذي أضاف هو، أبو طلحة انتهى، قال الترمذيُّ الحكيم في كتاب «ختم الأولياء» له: حدثنا أبي قال: حدثنا عبد اللَّه بن عاصم: حدثنا الجمانيُّ: حدثنا صالح المُرِّيُّ عن أبي سعيد الخُدْرِيِّ قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: «حديث : إنَّ بُدَلاَءَ أُمَّتِي لَمْ يَدْخُلُوا الْجَنَّةَ بكَثْرَةِ صَوْمٍ وَلاَ صَلاَةٍ؛ إنَّما دَخَلُوهَا بِسَلاَمَةِ الصُّدُورِ، وَسَخَاوَةِ الأَنْفُسِ، وَحُسْنِ الخُلُقِ، والرَّحْمَةِ بِجَمِيعِ المُسْلِمِينَ»تفسير : انتهى، والإيثار على النفس أكرم خلق، قال أبو يزيد البسطاميُّ: قدم علينا شاب من بَلْخٍ حاجًّا فقال لي: ما حَدُّ الزهد عندكم؟ فقلت: إذَا وَجَدْنَا أَكَلْنَا، وَإذَا فَقَدْنَا صَبَرْنَا، فقال: هكذا عندنا كلابُ بلخ! فقلت له: فما هو عندكم؟! فقال: إذا فقدنا صَبْرَنَا، وَإذَا وجدنا آثرنا، ورُوِيَ أَنَّ سبب هذه الآيةِ أَنَّ النبي صلى الله عليه وسلم، لَمَّا فَتَحَ هٰذِهِ الْقُرَى قَالَ لِلأَنْصَارِ: «حديث : إنْ شِئْتُمْ قَسَمْتُمْ لِلْمُهَاجِرِينَ مِنْ أَمْوَالِكْمْ وَدِيَارِكُمْ؛ وَشَارَكْتُمُوهُمْ في هٰذِهِ الْغَنِيمَةِ، وَإنْ شِئْتُمْ أَمْسَكْتُمْ أَمْوَالَكُمْ وَتَرَكْتُمْ لَهُمْ هٰذِهِ الغَنِيمَةَ، فَقَالُوا: بَلْ نَقْسِمُ لَهُمْ مِنْ أَمْوَالِنَا، وَنَتْرُكُ لَهُمْ هٰذِهِ الغَنِيمَةَ»تفسير : ، فنزلت الآية، والخصاصة: الفاقَةُ والحاجةُ، وشُحُّ النفس: هو كثرةَ طَمَعِهَا. وضبطها على المال، والرغبةُ فيه، وامتدادُ الأمل؛ هذا جماع شُحِّ النفس. وهو داعية كُلِّ خلق سوء، وقد قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: حديث : مَنْ أَدَّى الزَّكَاةَ الْمَفْرُوضَةَ، وَقَرَى الضَّيْفَ، وَأَعْطَى في النَّائِبَةِ ـــ فَقَدْ بَرِىءَ من الشُّحِّتفسير : ، وَإلى هذا الذي قلناه ذهب الجمهور والعارفون بالكلام، وقيل في الشح غير هذا، قال * ع *: وشُحُّ النفس فَقْرٌ لا يذهبه غِنَى المالِ، بل يزيده، وينصب به؛ و{يُوقَ} مِنْ وَقَىٰ يَقِي، وقال الفخر: اعلم أَنَّ الفرق بين الشُّحِّ والبخل هو أَنَّ البخل نفس المنع، والشُّحُّ هو الحالة النفسانية التي تقتضي ذلك المَنْعَ، ولَمَّا كان الشُّحُّ من صفات النفس لا جَرَمَ، قال اللَّه تعالى: {وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ} أي: الظافرون بما أرادوا، قال ابن زيد: من لم يأخذ شيئاً نهاه اللَّه عن أخذه، ولم يمنع شيئاً أمره اللَّه تعالى بإعطائه ـــ فقد وُقِيَ شُحَّ نفسه، انتهى.
ابن عادل
تفسير : قوله تعالى: {لِلْفُقَرَآءِ} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنه بدل من "لِذي القُربى". قاله أبو البقاء والزمخشري. قال أبو البقاء: "قيل: هو بدل من "لذي القُرْبى" وما بعده". [وقال الزمخشري: بدل من "لذي القُرْبى" وما عطف عليه]، والذي منع الإبدال من "لله وللرسول" والمعطوف عليهما، وإن كان المعنى لرسول الله صلى الله عليه وسلم أن الله - عز وجل - أخرج رسوله صلى الله عليه وسلم من الفقراءِ في قوله: {وَيَنصُرُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ} وأن الله - تعالى - يترفع برسوله صلى الله عليه وسلم عن تسميته بالفقيرِ، وأن الإبدال على ظاهر اللفظ من خلاف الواجب في تعظيم الله عز وجل. يعني أنه لو قيل: بأنه بدل من "الله ورسوله" صلى الله عليه وسلم وهو قبيح لفظاً، وإن كان المعنى على خلاف هذا الظاهر كما قيل: إن معناه لرسول الله صلى الله عليه وسلم وإنما ذكر الله - عز وجل - تفخيماً، وإلا فالله - تعالى - غني عن الفيء وغيره، وإنما جعله بدلاً من "لذي القُربى"؛ لأنه حنفي، والحنفية يشترطون الفقر في إعطاء ذوي القربى من الفيءِ. الثاني: أنه بيان لقوله تعالى: {أية : وَٱلْمَسَاكِينِ وَٱبْنِ ٱلسَّبِيلِ} تفسير : [الحشر: 7]، وكررت لام الجر لما كانت الأولى مجرورة بـ "اللام" ليبين أنَّ البدل إنما هو منها. قاله ابن عطية. وهي عبارة قلقةٌ جداً. الثالث: أن "للفقراء" خبر لمبتدأ محذوف، أي: ولكن الفيء للفقراء. وقيل: تقديره: ولكن يكون للفقراء، وقيل: اعجبوا للفقراء. قوله "يبتغون" يجوز أن يكون حالاً، وفي صاحبها وجهان: أحدهما: للفقراء. والثاني: "واو" أخرجوا. قالهما مكي. فصل في معنى الآية ومعنى الآية أن الفيء والغنائم للفقراء والمهاجرين. وقيل: {كي لا يكون دولة بين الأغنياء} ولكن يكون "للفقراء" وهو مبني على الإعراب المتقدم، وعلى القول بأنه بيان لذوي القربى، "واليتامى والمساكين" أي: المال لهؤلاء؛ لأنهم فقراء ومهاجرون، وقد أخرجوا من ديارهم فهم أحق الناس به. وقيل: {أية : وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ} تفسير : [الحشر: 6] للفقراء المهاجرين كي لا يكون المال دولة بين الأغنياء مهاجرين من بني الدنيا. وقيل: والله شديدُ العقاب للفقراء المهاجرين، أي: شديد العقاب للكافر بسبب الفقراء المهاجرين ومن أجلهم، ودخل في هؤلاء الفقراء المتقدم ذكرهم في قوله تعالى: {أية : وَلِذِي ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْيَتَامَىٰ} تفسير : [الحشر: 7]. قال القرطبي: "وقيل: هو عطف على ما مضى، ولم يأت بواو العطف كقولك: هذا المال لزيد لبكر لفلان. و "المهاجرون": من هاجر إلى النبي صلى الله عليه وسلم حبًّا فيه ونُصرةً له". وقال قتادة: هؤلاء المهاجرين الذين تركوا الدِّيار والأموال والأهلين والأوطان حبًّا لله - عز وجل - ولرسوله صلى الله عليه وسلم حتَّى إن الرجل منهم كان يَعْصِبُ على بطنه ليقيم به صلبه من الجوع، وكان الرجل يتخذ الحفيرة في الشتاء ما له دثار غيرها. قوله تعالى: {ٱلَّذِينَ أُخْرِجُواْ مِن دِيَارِهِمْ} أي: أخرجهم كفار "مكة"، أي: أحوجوهم إلى الخروج، وكانوا مائة رجل "يَبْتَغُونَ" أي: يطلبون {فَضْلاً مِّنَ ٱللَّهِ}: أي غنيمة في الدنيا "ورضْوَاناً" في الآخرة أي: مرضاة ربهم {وَيَنصُرُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ} في الجهاد {أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلصَّادِقُونَ} في فعلهم ذلك. وروي أن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - خطب بـ "الجابية"، فقال: من أراد أن يسأل عن القرآن فليأت أبيَّ بن كعب، ومن أراد أن يسأل عن الفرائض فليأت زيد بن ثابت، ومَنْ أراد أن يسأل عن الفقهِ، فليأت معاذ بن جبل، ومن أراد أن يسأل عن المال فليأتني، فإن الله - تعالى - جعلني له خازناً وقاسماً، ألا وإنِّي بادٍ بأزواج النبي صلى الله عليه وسلم فمعطيهنّ، ثم بالمهاجرين الأولين أنا وأصحابي، أخرجنا من "مكة" من ديارنا وأموالنا. قوله: {أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلصَّادِقُونَ}. يعني: أنهم لما هجروا لذَّات الدنيا، وتحملوا شدائدها لأجل الدِّين ظهر صدقهم في دينهم. قوله تعالى: {وَٱلَّذِينَ تَبَوَّءُو ٱلدَّارَ وَٱلإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ}. يجوز في قوله: {والذين تبوّءوا الدار} وجهان: أحدهما: أنه عطف على "الفقراء" فيكون مجروراً، ويكون من عطف المفردات، ويكون "يحبون" حالاً. والثاني: أن يكون مبتدأ، خبره "يُحبُّون" ويكون حينئذ من عطف الجمل. وفي قوله: "والإيمان". ستة أوجه: أحدها: أنه ضمن "تَبَوَّءوا" معنى لزموا، فيصح عطف الإيمان عليه، إذ الإيمان لا يتبوأ. الثاني: أنه منصوب بمقدر، أي: واعتقدوا، أو وألفوا، أو وأحبوا، أو وأخلصوا، كقوله: [الرجز] شعر : 4746- عَلَفْتُهَا تِبْناً ومَاءً بَارِداً ....................... تفسير : وقوله: [مجزوء الكامل] شعر : 4747-..................... مُتَقَلِّداً سَيْفاً ورُمْحَا تفسير : الثالث: أنه يتجوّز في الإيمان، فيجعل اختلاطه بهم وثباتهم عليه كالمكان المحيط بهم، فكأنهم نزلوه، وعلى هذا فيكون جمع بين الحقيقة والمجاز في كلمة واحدة. وفيه خلاف مشهور. الرابع: أن يكون الأصل: دار الهجرة، ودار الإيمان، فأقام "لام" التعريف في "الدار" مقام المضاف إليه، وحذف المضاف من دار الإيمان، ووضع المضاف إليه مقامه. الخامس: أن يكون سمى "المدينة"؛ لأنها دار الهجرة، ومكان ظهور الإيمان. قال بهذين الوجهين الزمخشري. وليس فيه إلاَّ قيام "ال" مقام المضاف إليه، وهو محل نظر، وإنما يعرف الخلاف، هل يقوم "ال" مقام الضمير المضاف إليه؟. فالكوفيون يُجِيزُونه، كقوله: {أية : فَإِنَّ ٱلْجَنَّةَ هِيَ ٱلْمَأْوَىٰ} تفسير : [النازعات: 41] أي: مأواه. [والبصريون: يمنعونه، ويقولون: الضمير محذوف، أي: المأوى له]. وقد تقدم تحرير هذا وأما كونها عوضاً من المضاف إليه فلا نعرف فيه خلافاً. السادس: أنه منصوب على المفعول معه أي: مع الإيمان معاً. قاله ابن عطية. وقال: وبهذا الاقتران يصح معنى قوله "من قبلهم" فتأمله. قال شهاب الدين: "وقد شرطوا في المفعول معه أن يجوز عطفه على ما قبله حتى جعلوا قوله تعالى: {أية : فَأَجْمِعُوۤاْ أَمْرَكُمْ وَشُرَكَآءَكُمْ} تفسير : [يونس: 71] من باب إضمار الفعل؛ لأنه لا يقال: أجمعت شركائي، إنما يقال: جمعت". فصل في المراد بهذا التبوء "التَّبَوُّء": التمكن والاستقرار، وليس يريد أن الأنصار آمنوا قبل المهاجرين، بل أراد آمنوا قبل هجرة النبي صلى الله عليه وسلم إليهم، ولا خلاف أن الذين تبوَّءُوا الدار هم الأنصار الذين استوطنوا "المدينة" قبل المهاجرين إليها، والمراد بالدَّار: "المدينة". والتقدير: والذين تبوَّءُوا الدار من قبلهم. فصل قيل هذه الآية معطوفة على قوله: "للفقراء المهاجرين" وأن الآيات في "الحَشْر" كلها معطوفة بعضها على بعض. قال القرطبي: ولو تأملوا ذلك، وأنصفوا لوجدوه على خلاف ما ذهبوا إليه؛ لأن الله - تعالى - يقول: {أية : هُوَ ٱلَّذِيۤ أَخْرَجَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ مِن دِيَارِهِمْ} تفسير : [الحشر: 2] - إلى قوله - "الفاسقين" فأخبر عن بني النضير وبني قينقاع، ثم قال تعالى: {أية : وَمَآ أَفَآءَ ٱللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَآ أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلاَ رِكَابٍ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ} تفسير : [الحشر: 6] فأخبر أن ذلك للرسول صلى الله عليه وسلم لأنه لم يوجف عليه حين خلَّوه، وما تقدم فيهم من القتالِ، وقطع شجرهم فقد كانوا رجعوا عنه وانقطع ذلك الأمر، ثم قال تعالى: {أية : مَّآ أَفَآءَ ٱللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ ٱلْقُرَىٰ فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْيَتَامَىٰ وَٱلْمَسَاكِينِ وَٱبْنِ ٱلسَّبِيلِ} تفسير : [الحشر: 7]، وهذا كلام غير معطوف على الأول، وكذا {والذين تبوّءوا الدار والإيمان} ابتداء كلام في مدحِ الأنصار والثناء عليهم، فإنهم سلموا ذلك الفيء للمهاجرين، وكأنه قال: الفَيْء للفقراء المهاجرين، والأنصار يحبون لهم لم يحسدوهم على ما صفا لهم من الفيء، وكذا {أية : وَٱلَّذِينَ جَآءُو مِن بَعْدِهِمْ} تفسير : [الحشر: 10] ابتداء كلام، والخبر {أية : يَقُولُونَ رَبَّنَا ٱغْفِرْ لَنَا} تفسير : [الحشر: 10]. وقال إسماعيل بن إسحاق: إن قوله تعالى: {وَٱلَّذِينَ تَبَوَّءُو ٱلدَّارَ}، {أية : وَٱلَّذِينَ جَآءُو مِن بَعْدِهِمْ} تفسير : [الحشر: 10] معطوف على ما قبله، وأنهم شركاء في هذا الفيء، أي: هذا المال للمهاجرين، والذين تبوَّءوا الدار والإيمان. وقال مالك بن أوس: قرأ عمر بن الخطاب رضي الله عنه: {أية : إِنَّمَا ٱلصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَآءِ وَٱلْمَسَاكِينِ} تفسير : [التوبة: 60]. ثم قال: هذه لهؤلاء، ثم قرأ: {أية : وَٱعْلَمُوۤا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ} تفسير : [الأنفال: 41]، فقال: هذه لهؤلاء، ثم قرأ: {أية : وَمَآ أَفَآءَ ٱللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ} تفسير : [الحشر: 6] حتى بلغ {لِلْفُقَرَآءِ الْمُهَاجِرِينَ}، {وَٱلَّذِينَ تَبَوَّءُو ٱلدَّارَ وَٱلإِيمَانَ}، {أية : وَٱلَّذِينَ جَآءُو مِن بَعْدِهِمْ} تفسير : [الحشر: 10] ثم قال: لئن عشت ليأتين الراعي بـ "سَرْو حمير" نصيبه منها لم يعرق جبينه. وقيل: إنه دعا للمهاجرين والأنصار واستبشارهم بما فتح الله عليه من ذلك، وقال لهم: تبينوا الأمر وتدبروه ثم اغدوا عليَّ ففكر في ليلته، فتبين له أن هذه الآيات في ذلك أنزلت فلما غدوا عليه، قال: قد مررت البارحة بالآيات التي في سورة "الحشر" وتلا: {أية : مَّآ أَفَآءَ ٱللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ ٱلْقُرَىٰ} تفسير : [الحشر: 7] إلى قوله تعالى: {لِلْفُقَرَآءِ الْمُهَاجِرِينَ} فلما بلغ قوله: {أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلصَّادِقُونَ} قال: ما هي لهؤلاء فقط، وتلا قوله: {وَٱلَّذِينَ جَآءُو مِن بَعْدِهِمْ} [الحشر: 10] إلى قوله {أية : رَءُوفٌ رَّحِيمٌ} تفسير : [الحشر: 10] ثم قال: ما بقي أحد من أهل الإسلام إلا وقد دخل في ذلك. فصل روى مالك بن زيد بن أسلم عن أبيه أن عمر - رضي الله عنه - قال: لولا من يأتي من آخر النَّاس ما فتحت قرية إلا قسمتها كما قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم خيبر. وصح عن عمر أنه أبقى سواد "العراق" و "مصر" وما ظهر عليه من الغنائم ليكون في أعطيات المقاتلة، وأرزاق الجيش والذَّراري، وأن الزبير وبلالاً وغير واحد من الصحابة أرادوه على قسم ما فتح عليهم، فكره ذلك منهم. واختلف فيما فعل من ذلك: فقيل: إنه استطاب أنفس أهل الجيش فمن رضي له بترك حظه بغير ثمن ليبقيه للمسلمين فله، ومن أبى أعطاه ثمن حظه فمن قال: إنما أبقى الأرض بعد استطابة أنفس القوم جعل فعله كفعل النبي صلى الله عليه وسلم لأنه قسم "خيبر"، لأنّ اشتراءه إياها وترك من ترك عن طيب نفسه بمنزلة قسمها. وقيل: إنه أبقاها بغير شيء أعطاه أهل الجيوش. وقيل: إنه تأول في ذلك قول الله تعالى: {لِلْفُقَرَآءِ الْمُهَاجِرِينَ} إلى قوله: {أية : رَبَّنَآ إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ} تفسير : [الحشر: 10] على ما تقدم أيضاً. فصل في اختلاف الفقهاء في قسمة العقار اختلفوا في قسمة العقار، فقال مالك - رضي الله عنه - للإمام أن يوقفها لمصالح المسلمين. وقال أبو حنيفة رضي الله عنه: الإمام مخير بين قسمتها، أو وقفها لمصالح المسلمين. وقال الشافعي - رضي الله عنه - ليس للإمام حبسها عنهم بغير رضاهم، بل يقسمها عليهم كسائر الأموال، فمن طاب نفساً عن حقه للإمام أن يجعلها وقفاً عليهم فله، ومن لم تطب نفسه فهو أحق بماله. وعمر - رضي الله عنه - استطاب نفوس القائمين واشتراها منهم، وعلى هذا يكون قوله تعالى: {أية : وَٱلَّذِينَ جَآءُو مِن بَعْدِهِمْ} تفسير : [الحشر: 10] مقطوعاً مما قبله، وأنهم ندبوا بالدعاء للأولين والثناء عليهم. فصل في فضل المدينة قال القرطبي: "روى ابن وهب قال: سمعت مالكاً يذكر فضل "المدينة" على غيرها من الآفاق، فقال: إن "المدينة" تُبُوئتْ بالإيمان والهجرة، وإن غيرها من القرى افتتحت بالسيف، ثم قرأ: {وَٱلَّذِينَ تَبَوَّءُو ٱلدَّارَ وَٱلإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ} الآية". قوله تعالى: {وَلاَ يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّآ أُوتُواْ}. فيه وجهان: أحدهما: أن الحاجة هنا على بابها من الاحتياج إلا أنها واقعة موقع المحتاج إليه، والمعنى: لا يجدون طلب محتاج إليه مما أوتي المهاجرون من الفيءِ وغيره، والمحتاج إليه يسمى حاجة تقول: خذ منه حاجتك، وأعطاه من ماله حاجته. قاله الزمخشري. فعلى هذا يكون الضمير الأول للجائين بعد المهاجرين، وفي "أوتُوا" للمهاجرين. والثاني: أن الحاجة هنا من الحسد. قال الحسنُ: حسداً وحزازة مما أوتوا المهاجرين دونهم، وأطلق لفظ الحاجة على الحسد والغيظ والحزازة؛ لأن هذه الأشياء لا تنفك عن الحاجة فأطلق اسم اللازم على الملزوم على سبيل الكناية. والضميران على ما تقدم قبل. وقال أبو البقاء: "الحاجة مس حاجة". أي: أنه حذف المضاف للعلم به، وعلى هذا، فالضميران لـ {الذين تبوّءو الدار والإيمان}. وقال القرطبي: "يعني لا يحسدون المهاجرين على ما خُصُّوا به من مال الفيءِ وغيره، كذلك قال الناس. وفيه تقدير حذف مضافين، والمعنى: مس حاجة من فقد ما أوتوا، وكل ما يجد الإنسان في صدره مما يحتاج إلى إزالته فهو حاجة". فصل في سبب نزول الآية قال القرطبي: "حديث : كان المهاجرون في دور الأنصار، فلما غنم رسول الله صلى الله عليه وسلم أموال بني النضير، دعا الأنصار وشكرهم فيما صنعوا مع المهاجرين في إنزالهم إياهم في منازلهم وإشراكهم في الأموال، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنْ أحْبَبْتُمْ قَسَمْتُ مَا أفَاءَ اللَّه عَلَيَّ مِن بَنِي النَّضيرِ بَيْنكُمْ وبَيْنَهُمْ، وكَان المُهَاجرُونَ على مَا هُمْ عليْهِ مِنَ السُّكْنَى في مَسَاكنكُمْ وأمْوالكُمْ، وإنْ أحَبَبْتُمْ أعْطَيتُهم وخَرَجُوا من دِيَارِكُمْ"، فقال سَعْدُ بنُ عُبَادَةَ وسَعْدُ بْنُ معاذٍ - رضي الله عنهما - بَلْ نَقْسِمهُ بَيْنَ المهاجرينَ، ويُكونُونَ في دُورنا كَمَا كَانُوا، ونادت الأنصار: رَضيْنَا وسلَّمْنَا يا رسُولَ الله، فقال رسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "اللَّهُمَّ ارْحَمِ الأنصَارَ وأبْنَاءَ الأنْصَارِ" وأعطى رسول الله للمهاجرين، ولم يعط الأنصار إلا الثلاثة الذين ذكرناهم ". تفسير : ويحتمل أن يريد به {وَلاَ يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّآ أُوتُواْ} إذا كانوا قليلاً يقنعون به، ويرضون عنه، وقد كانوا على هذه الحال حين حياة النبي صلى الله عليه وسلم دنيا، ثم كانوا عليه بعد موته صلى الله عليه بحكم الدنيا، وقد أنذرهم النبي صلى الله عليه وسلم وقال: "حديث : سَتَرَونَ بَعْدِي أثَرَةً فاصْبرُوا حَتَّى تلْقَونِي على الحَوْضِ ". تفسير : قوله: {وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ}. قال ابن عباس - رضي الله عنهما -: حديث : قال النبي صلى الله عليه وسلم يوم بني النضير: "إن شِئْتُم قَسمْتُمْ للمُهَاجرينَ من أمْوالكُمْ ودِيَاركُمْ وشَارَكتُمُوهُم في هذه الغنيمةِ، وإن شِئْتُم كَانَتْ لكُم ديَارُكمْ وأموالكُمْ ولَمْ نَقْسِمْ لَكُمْ مِنَ الغَنِيمَةِ شَيْئاً". فقالت الأنصار: بل نقسم لإخواننا من ديارنا وأموالنا ونؤثرهم بالغنيمةتفسير : ، فنزل: {وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ} الآية. قال ابن الخطيب: "وذكر المفسرون أنواعاً من إيثار الأنصار للضيف بالطعام، وتعللهم عنه حتى يشبع الضيف، ثم ذكروا أن هذه الآية نزلت في ذلك الإيثار، والصحيح أنها نزلت بسبب إيثارهم المهاجرين بالفيء، ثم لا يمتنع أن يدخل فيها سائر الإيثارات. فذكر القرطبي: أن الترمذي روى عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن رجلاً بات به ضيف، ولم يكن عنده إلا قوته وقوت صبيانه، فقال لامرأته: نومي الصبية، وأطفئي السراج، وقربي للضيف ما عندك، فنزلت هذه الآية". وخرجه مسلم أيضاً: عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: "حديث : جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إني مجهودٌ، فأرسل إلى بعض نسائه، فقالت: والذي بعثك بالحق نبيًّا ما عندي إلا ماء، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مَنْ يُضيف هذا الليلة رحمه الله؟" فقام رجل من الأنصار، فقال: يا رسول الله أنا، فانطلق به إلى رحله، فقال لامرأته: هل عندك شيء؟ قالت: لا، إلا قوت صبياني، قال: فعلليهم بشيء، فإذا دخل ضيفنا فأطفئي السراج"تفسير : ، وذكر نحو الحديث الأول. وفي رواية: فقام رجل من الأنصار يقال له: أبو طلحة، فانطلق به إلى رحله. وذكر المهدوي: أنها نزلت في ثابت بن قيس، ورجل من الأنصار يقال له: أبو المتوكل، ولم يكن عند أبي المتوكل إلا قوته. وذكر القشيري قال: أهدي لرجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم رأس شاة فقال: إن أخي فلاناً وعياله أحوج إلى هذا منّا، فبعثه إليه ولم يزل يبعث به واحد إلى آخر حتى تداولها سبعة أبيات حتى رجعت إلى أولئك، فنزلت: {وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ} الآية. وذكر الثعلبي عن أنس، قال: أهدي لرجل من الصحابة رأس شاة، وكان مجهوداً فوجه به إلى جار له، فتداوله سبعة أنفس في سبعة أبيات، ثم عاد إلى الأول، فنزلت الآية. فصل في معنى الإيثار الإيثار هو تقديم الغير على النفس وحظوظها الدنيوية رغبة في الحظوظ الأخروية، وذلك ينشأ عن قوة اليقين وتوكيد المحبة، والصبر على المشقة، يقال: آثرته بكذا، أي: خصصته به وفضلته، ومفعول الإيثار محذوف، أي: يؤثرونهم على أنفسهم بأموالهم ومنازلهم، لا عَنْ غِنًى بل مع احتياجهم إليها. فإن قيل: قد صح في الخبر النهي عن التصدق بجميع ما يملكه المرء؟. فالجواب: إنما كره ذلك في حق من لا يوثق به بالصبر على الفقر، وخاف أن يتعرّض للمسألة إذا فقد ما ينفقه، فأما الأنصار الذين أثنى الله - تعالى - عليهم بالإيثار على أنفسهم، فكانوا كما قال الله تعالى: {أية : وَٱلصَّابِرِينَ فِي ٱلْبَأْسَآءِ وٱلضَّرَّاءِ وَحِينَ ٱلْبَأْسِ} تفسير : [البقرة: 177]. فكان الإيثار فيهم أفضل من الإمساك، والإمساك لمن لا يصبر ويتعرض للمسألة أولى من الإيثار. حديث : كما روي أن رجلاً جاء إلى النبي بمثل البيضة من الذَّهب، فقال هذه صدقة، فرماه بها، وقال: "يَأتِي أحدُكُمْ بِجميعِ مَا يَملِكُهُ فيتصدَّق بِهِ، ثُمَّ يقعدُ فيتكفَّفُ النَّاس" تفسير : انتهى. فصل في الإيثار بالنفس الإيثار بالنَّفس فوق الإيثار بالمال وإن عاد إلى النفس. ومن الأمثال: [البسيط] شعر : 4748- الجُودُ بالمَالِ جُودٌ ومكرمةٌ والجُودُ بالنَّفْسِ أقْصَى غايةِ الجُودِ تفسير : وأفضل من الجود بالنفس الجود على حماية رسول الله صلى الله عليه وسلم. ففي الصحيح: أن أبا طلحة ترس على النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يتطلع ليرى القوم، فيقول له أبو طلحة: لا تشرف يا رسول الله، لا يصيبونك، نحري دون نحرك يا رسول الله ووقى بيده رسول الله صلى الله عليه وسلم فشلتْ. وقال حذيفة العدوي: انطلقت يوم "اليَرْموك" أطلب ابن عم لي [ومعي شيء من الماء وأنا أقول: إن كان به رمقٌ سقيته، فإذا أنا به، فقلت له: أسقيك، فأشار برأسه أن نعم]، فإذا أنا برجل يقول: آه آه فأشار إليّ ابن عمي أن انطلق إليه، فجئت إليه، فإذا هو هشام بن العاص، فقلت: أسقيك؟ فأشار أن نعم، فسمعت آخر يقول: آه آه فأشار هشام أن انطلق إليه، فجئت إليه، فإذا هو قد مات، فرجعت إلى هشام، فإذا هو قد مات، فرجعت إلى ابن عمي فإذا هو قد مات. وقال أبو اليزيد البسطامي رحمه الله: ما غلبني أحد سوى شاب من أهل "بلخ" قدم علينا حاجًّا، وقال: يا أبا اليزيد، ما حد الزهد عندكم؟. فقلت له: إذا وجدنا أكلنا وإذا فقدنا صبرنا. فقال: هكذا كلاب "بلخ" عندنا. فقلت: وما حدّ الزهد عندكم؟. قال: إذا فقدنا شكرنا، وإذا وجدنا آثرنا. وسئل ذو النون المصري: ما حدُّ الزهد؟ قال: ثلاث، تفريق المجموع، وترك طلب المفقود، والإيثار عند الفوت. وحكي عن أبي الحسن الأنطاكي: أنه اجتمع عنده نيف وثلاثون رجلاً بقرية من قرى "الري" ومعهم أرغفة معدودة لا تشبح جميعهم، فكسروا الرغفان وأطفئوا السراج، وجلسوا للطعام، فلما فرغوا فإذا الطعام بحاله لم يأكل أحد منهم شيئاً إيثاراً لصاحبه على نفسه. قوله تعالى: {وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ}. هذه واو الحال، والخصاصة: الحاجة، وأصلها من خصاص البيت، وهي فروجه، وحال الفقير يتخللها النقص، فاستعير لها ذلك. وقال القرطبي: "أصلها من الاختصاص، وهو الانفراد بالأمر، فالخصاصة: انفراد بالحاجة، أي: ولو كانت بهم فاقة وحاجة". ومنه قول الشاعر: [الكامل] شعر : 4749- أمَّا الرَّبيعُ إذَا تَكُونُ خَصَاصَةٌ عَاشَ السَّقِيمُ بِهِ وأثْرَى المُقْتِرُ تفسير : قوله تعالى: {وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ}. العامة على سكون الواو، وتخفيف القاف من الوقاية، وابن أبي عبلة وأبو حيوة: بفتح الواو وتشديد القاف. والعامة - بضم الشين - من "شح"، [وابن أبي عبلة] وابن عمر - رضي الله عنهما - بكسرها. قال القرطبي: الشُّحُّ والبخل سواء، يقال: رجل شحيح بيِّن الشُّح والشَّح والشحاحة. قال عمرو بن كلثوم: [الوافر] شعر : 4750- تَرَى اللَّحِزَ الشَّحِيحَ إذَا أمِرَّتْ عَليْهِ لِمَاله فِيهَا مُهِينَا تفسير : وجعل بعض أهل اللغة الشُّحَّ أشد من البخل. وفي "الصحاح": الشح: البخل مع حرصٍ، شَحِحْتُ - بالكسر - تشحّ، وشَحَحْتُ أيضاً تَشُحُّ وتشِحُّ، ورجل شَحِيحٌ، وقومٌ شحاحٌ وأشحَّة. والمراد بالآية: الشُّح بالزكاة، وما ليس بفرض من صلة ذوي الأرحام والضِّيافة، وما شاكل ذلك، فليس بشحيحٍ ولا بخيل من أنفق في ذلك وإن أمسك عن نفسه، ومن وسّع على نفسه ولم ينفق فيما ذكرنا من الزكوات والطَّاعات فلم يُوقَ شح نفسه. روى الأسود عن ابن مسعود رضي الله عنه: أن رجُلاً أتاه فقال: إنِّي أخاف أن أكون قد هلكت، قال: وما ذاك؟ قال: سمعت الله يقول: {وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ} وأنا رجل شحيح لا أكاد أخرج من يديّ شيئاً، فقال ابن مسعود: ليس ذلك الذي ذكر الله - تعالى -، إنما الشُّحُّ أن تأكل مال أخيك ظُلْماً، ولكن ذلك هو البخل، وبئس الشيء البخل، ففرق رضي الله عنه بين الشح والبخل. وقال طاوس: البخل أن يبخل الإنسان بما في يده، والشُّحُّ أن يشح بما في أيدي النَّاس، يجب أن يكون له ما في أيديهم بالحل والحرام فلا يقنع. قال ابن زيد: ليس الشح أن يمنع الرجل ماله، إنما الشُّح أن تطمح عين الرجل فيما ليس له. وقال ابن جريج: الشح: منع الزكاة وادخار الحرام. وقال ابن عيينة: الشح: الظلم. وقال الليث: ترك الفرائض وانتهاك المحارم. وقال ابن عباس: من اتبع هواه، ولم يقبل الإيمان، فذلك هو الشحيح. وقال ابن زيد: من لم يأخذ شيئاً نهاه الله عنه، ولم يمنع شيئاً أمره الله بإعطائه، فقد وقاه الله شحَّ نفسه. وقال أنس رضي الله عنه قال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : بَرِىء مِن الشُّحِّ مَنْ أدَّى الزَّكَاةَ وأقْرَى الضَّيْفَ، وأعْطَى في النَّائِبَة ". تفسير : وعنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يدعو "حديث : اللَّهُمَّ إنِّي أعُوذُ بِكَ مِنْ شُحِّ نَفْسِي، وإسْرافِهَا وَسوآتِهَا ". تفسير : وقال أبو الهياج الأسدي: رأيت رجلاً في الطواف يدعو: اللهم قني شُحَّ نفسي، لا يزيد على ذلك، فقلت له، فقال: إذا وقيت شح نفسي لم أسرق ولم أزْنِ ولم أفعل، فإذا الرجل عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه. قال القرطبي: ويدل على هذا قوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : اتَّقُوا الظُّلْمَ فإنَّ الظُّلْمَ ظُلماتٌ يَوْمَ القِيَامةِ، واتَّقُوا الشُّحَّ فإنَّ الشُّحَّ أهْلكَ مَن كَانَ قَبْلَكُم حَملهُمْ على أن سفَكُوا دِمَاءهُمْ واسْتَحَلُّوا مَحَارمَهُمْ ". تفسير : وروى أبو هريرة - رضي الله عنه - أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : لا يَجْتَمِعُ غُبَارٌ في سَبيلِ اللَّهِ ودُخَانُ جَهَنَّم في جَوْفِ عَبْدٍ أبَداً، ولا يَجْتَمِعُ الشُّحُّ والإيمَانُ في قَلْبِ عَبْدٍ أبَداً ". تفسير : وقال كسرى لأصحابه: أي شيء أضرُّ بابن آدم؟ قالوا: الفقرُ، فقال: الشح أضر من الفقر، لأن الفقير إذا وجد شبع، والشحيح إذا وجد لم يشبعْ أبداً.
البقاعي
تفسير : ولما نزع سبحانه أموال الفيء وما كانت عليه في الجاهلية، وبين مصرف الفيء من القرى، وتهدد في المخالفة في ذلك لصعوبته على النفوس، فكان ذلك جديراً بالتقبل بعد أن أفهم أن أموال بني النضير لمن سلطه عليهم وهو رسوله صلى الله عليه وسلم، وكان من المعلوم من حاله صلى الله عليه وسلم الإيثار على نفسه والقناعة بما دون الكفاف، بين المصرف فيها بعد كفايته صلى الله عليه وسلم لأن بيان ذلك هو المقصود الأعظم لكونه حاصلاً حاضراً، الموطأ له بأموال أهل القرى، فقال مبدلاً من {لله وللرسول} وما عطف عليهما لأن من أعطى المهاجرين لهجرتهم وتجردهم من أموالهم وديارهم فإنما أعطاهم لوجه الله ووجه رسوله صلى الله عليه وسلم، ولا يكون بدلاً من {ذي القربى} لئلا يختص بفقيرهم، أو يكون جواباً لمن كأنه قال: قد سمعنا وأطعنا فلمن يكون ما سلط الله ورسوله صلى الله عليه وسلم من أموالهم؟ فقيل له: {للفقراء} أي الذي كان الإنسان منهم يعصب الحجر على بطنه من الجوع ويتخذ الحفرة في الشتاء لتقيه البرد، ما له دثار غيرها بعد أن كان له من الأموال ما يسعه ويفضل منه ما يصل به غيره، وإنما وصفهم بالفقر لأنهم كانوا عند نزولها كذلك، ثم خصص بالوصف فقال: {المهاجرين} ولما كانت الهجرة قد تطلق على من هجر أهل الكفر من غير مفارقة الوطن فقال: {الذين أخرجوا} وبناه للمفعول لأن المنكئ الإخراج، لا كونه من مخرج معين {من ديارهم} ولما كان الإخراج هنا مضمناً معنى المنع، واختبر التعبير به إشارة إلى أن المال السترة للإنسان لأنه ظرف له، قال: {وأموالهم}. ولما كان غلب الدنيا من النقائص، بين أنه إذا كان من الله لم يكن كذلك، وأنه لا يكون قادحاً في الإخلاص، وأن أمر بني النضير إنما يسر تحقيقاً لرجائهم فقال: {يبتغون} أي أخرجوا حال كونهم يطلبون على وجه الاجتهاد. وبين أنه لا يجب عليه شيء لأحد بقوله تعالى: {فضلاً من الله} أي الملك الأعظم الذي لا كفوء له لأنه المختص بجميع صفات الكمال من الدنيا والدين والآخرة فيغنيهم بفضله عمن سواه {ورضواناً} يوفقهم لما يرضيه عنهم ولا يجعل رغبتهم في العوض منه قادحاً في الإخلاص فيوصلهم إلى دار كرامته. ولما وصفهم بتعليق بواطنهم به سبحانه وقطعها بالرضا بالإخراج عمن أو عما سواه، وصفهم ببذل ظواهرهم له فقال: {وينصرون} أي على سبيل التجديد في كل وقت والاستمرار {الله} أي الملك الأعظم المجيد {ورسوله} الذي عظمته من عظمته بأنفسهم وأموالهم ليضمحل حزب الشيطان. ولما بان ما له بهم سبحانه من العناية ترقب السامع من مدحهم ما يليق بهذا الإحبار. فقال مستأنفاً ما هو كالعلة لتخصيصهم: {أولئك} أي العالو الرتبة في الأخلاق الفاضلة {هم} أي خاصة لا غيرهم {الصادقون} العريقون في هذا الوصف لأن مهاجرتهم لما ذكر وتركهم لما وصف دل على كمال صدقهم فيما ادعوه من الإيمان بالله ورسوله صلى الله عليه وسلم حيث نابذوا من عاداهما وهو القريب الصافي نسباً وداراً وأولوا أولياءهما من كانوا وإن بعدت دارهم وشط مزارهم، وهذا يدل على أن مبنى الدين على إقامة البينات بالثبات عن الابتلاءات على أن العون قد يأتي على قدر البلاء لأن الله تعالى قد خص المهاجرين مما أذن فيه من أموال بني النضير. ولما مدح المهاجرين وأعطاهم فطابت نفوس الأنصار بذلك وكانوا في كل حال معه صلى الله عليه وسلم كالميت بين يدي الغاسل، مهما شاء فعل، ومهما أراد منهم صار إليه ووصل، أتبعه مدحهم جبراً لهم وشكراً لصنيعهم فقال عاطفاً على مجموع القصة: {والذين تبوؤ} أي جعلوا بغاية جهدهم {الدار} الكاملة في الدور وهي التي أعدها الله في الأزل للهجرة وهيأها للنصرة وجعلها دائرة على جميع البلدان محيطة بها غالبة عليها محل إقامتهم وملابستهم وصحبتهم وملازمتهم لكونها أهلاً لأن يعود إليها من خرج منها فلا يهجرها أصلاً، فهي محل مناه وليست موضعاً يهاجر منه لبركتها أو خيرها. ولما كان المراد الإبلاغ في مدحهم، قال مضمناً "تبوؤا" معنى لازم: {والإيمان} أي ولابسوه وصحبوه وخصوه بالصحبة ولزموه لزوماً هو كلزوم المنزل الذي لا غنى لنازله عنه، ويجوز أن يكون الإيمان وصفاً للدار بإعادة العاطف للإشارة إلى التمكن في كل من الوصفين فيكون كأنه قيل: تبوؤا المدينة التي هي الدار وهي الإيمان لأنها محل تمكن الإيمان وانتشاره وظهوره في سائر البلدان فلشدة ملابستها له سميت به، ويجوز أن يكون المعنى: ومحل الإيمان إشارة إلى أنهم ما أقاموا بها لأجل أن أموالهم بها بل محبة في الإيمان علماً منهم بأنه لا يتم بدره، ويكمل شرفه وقدره، وتنشر أعلامه ويقوى ذكره إلا بها، ولولا ذلك لهجروها وهاجروا إلى النبي صلى الله عليه وسلم في أي مكان حله، فهو مدح لهم بأنه متصفون بالهجرة بالقوة مع اتصافهم بالنصرة بالفعل. ولما كان انفرادهم بإقامة الإيمان في الدار المذكورة قبل قدوم المهاجرين عليهم مدحاً تاماً، قال مادحاً لهم بذلك دالاً بإثبات الجارّ على أنهم لم يستغرقوا زمان القبل من حين إرسال الرسول صلى الله عليه وسلم بالأمرين: {من قبلهم} أي قبل هجرة المهاجرين لأن وصفهم بالهجرة لم يكن إلا بعد إيجادها فالأنصار جمعوا التمكن في الإيمان إلى التمكن في الدار من قبل أن يجمع المهاجرون بينهما بالهجرة. ولما ابتدأ ذكرهم هذا الابتداء الجليل، أخبر عنهم بقوله: {يحبون} أي على سبيل التجديد والاستمرار، وقيل العطف على المهاجرين، وهذه حال فيكون هذا حكماً بالمشاركة {من هاجر} وزادهم محبة فيهم وعطفاً عليهم بقوله: {إليهم} لأن القصد إلى الإنسان يوجب حقه عليه لأنه لولا كمال محبته له ما خصه بالقصد إليه، والدليل الشهودي على ما أخبر الله عنهم به من المحبة أنهم شاطروا المهاجرين في أموالهم وعرضوا عليهم أن يشاطروهم نساءهم على شدة غيرتهم، فأبى المهاجرون المشاطرة في النساء وقبلوا منهم الأموال. ولما أخبرهم بالمحبة ورغبهم في إدامتها، عطف على هذا الخبر ما هو من ثمراته فقال: {ولا يجدون} أي أصلاً {في صدورهم} التي هي مساكن قلوبهم فتصدر منها أوامر القلوب فضلاً عن أن تنطق ألسنتهم. ولما كان المراد نفي الطلب منهم لما خص به المهاجري، وكان الحامل على طلب ذلك الحاجة، وكان كل أحد يكره أن ينسب إلى الحاجة وإن أخبر بها عن نفسه في وقت ما لغرض قال: {حاجة} موقعاً اسم السبب على المسبب {مما أوتوا} أي المهاجرون من الفيء وغيره من أموال بني النضير وغيرهم من أي مؤت كان فكيف إذا كان المؤتي هو الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، وإذا لم يجدوا حاجة تدعوهم إلى الطلب فلأن لا يجدوا حسداً ولا غيظاً من باب الأولى، فهذه الآية من أعظم حاث على حسن الإخاء محذر من الحسد والاستياء. ولما أخبر عن تخليهم عن الرذائل أتبعه الإخبار بتحليهم بالفضائل فقال: {ويؤثرون} عظم ذلك بقصر الفعل فصار المعنى: يوقعون الأثرة وهي اختيار الأشياء الحسنة لغيرهم تخصيصاً لهم بها لا على أحبائهم مثلاً بل {على أنفسهم} فيبذلون لغيرهم {كائناً} من كان ما في أيديهم، وذكر النفس دليل على أنهم في غاية النزاهة من الرذائل لأن النفس إذا ظهرت كان القلب أطهر، وأكد ذلك بقوله: {ولو كان} أي كوناً هو في غاية المكنة {بهم} أي خاصة لا بالمؤثر {خصاصة} أي فقر وخلل في الأحوال وحاجة شديدة تحيط بهم من كل جانب، من خصائص البناء وهي فرجه. ولما كان التقدير: فمن كان كذلك فهو من الصادقين: عطف عليه قوله: {ومن} ولما كان المقصود النزاهة عن الرذيلة من أي جهة كانت، وكان علاج الرذائل صعباً جداً، لا يطيقه الإنسان إلا بمعونة من الله شديدة، بنى للمفعول قوله: {يوق شح نفسه} أي يحصل بينه وبين أخلاقه الذميمة المشار إليها بالنفس، وقاية تحول بينه وبينها، فلا يكون مانعاً لما عنده، حريصاً على ما عند غيره حسداً، قال ابن عمر رضي الله عنه: الشح أن تطمح عين الرجل فيما ليس له، قال صلى الله عليه وسلم:"حديث : اتقوا الشح فإنه أهلك من كان قبلكم، حملهم على أن سفكوا دماءهم واستحلوا محارمهم ". تفسير : ولما كان النظر إلى التطهير من سفساف الأخلاق عظيماً، سبب عنه إفهاماً لأنه لا يحصل ما سببه عنه بدونه قوله {فأولئك}: أي العالو المنزلة {هم} أي خاصة لا غيرهم {المفلحون *} أي الكاملون في الفوز بكل مراد، قال القشيري: وتجرد القلب من الأعراض والأملاك صفة السادة والأكابر، ومن أسرته الأخطار وبقي في شح نفسه فهو في مصارفة معاملته ومطالبة الناس في استيفاء حظه، فليس له من مذاقات هذه الطريقة شيء. وشرح الآية أن الأنصار كانوا لما قدم عليهم المهاجرون قسموا دورهم وأموالهم بينهم وبينهم، فلما أفاء الله على رسوله صلى الله عليه وسلم أموال بني النضير خطب النبي صلى الله عليه وسلم فذكر ما صنعوا بالمهاجرين من إنزالهم إياهم وأثرتهم على أنفسهم، ثم قال"حديث : إن أحببتم قسمت بينكم وبين المهاجرين ما أفاء الله عليّ من بني النضيرتفسير : ، وكان المهاجرون على ما هم عليه من السكنى في منازلكم وأموالكم، وإن أحببتم أعطتيهم وخرجوا من دياركم، فقال السعدان رضي الله عنهما: بل يقسم بين المهاجرين خاصة ويكونون في دورنا كما كانوا، وقالت الأنصار: رضينا وسلمنا، وفي رواية أنهم قالوا: اقسم فيها هذه خاصة واقسم لهم من أموالنا ما شئت، فنزلت {ويؤثرون على أنفسهم} - الآية، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:حديث : اللهم ارحم الأنصار وأبناء الأنصار، وقال أبو بكر الصديق رضي الله عنه: جزاكم الله خيراً يا معشر الأنصارتفسير : ، فوالله ما مثلنا ومثلكم إلا كما قال العنزي: شعر : جزى الله عنا جعفراً حين أزلقت بنا نعلنا في الواطئين فزلت أبوا أن يملونا ولو أنا أمنا تلاقي الذي يلقون منا لملت تفسير : فهم لعمري الحقيقون باسم إخوان الصفاء، وخلان المروءة والوفاء، والكرامة والاصطفاء، ورضي الله عنهم وعن تابعيهم من الكرام الخلفاء والسادة والحنفاء.
السيوطي
تفسير : أخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة رضي الله عنه في قوله: {للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا} الآية قال: هؤلاء المهاجرون تركوا الديار والأموال والأهلين والعشائر، وخرجوا حباً لله ولرسوله، واختاروا الإِسلام على ما كان فيه من شدة، حتى لقد ذكر لنا أن الرجل كان يعصب الحجر على بطنه ليقيم به صلبه من الجوع وإن كان الرجل ليتخذ الحفر في الشتاء ما له دثار غيرها. قوله تعالى: {والذين تبوّءُو الدار والإِيمان} . أخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة في قوله: {والذين تبوءُو الدار والإِيمان} إلى آخر الآية، قال: هم هذا الحي من الأنصار أسلموا في ديارهم، وابتنوا المساجد قبل قدوم النبي صلى الله عليه وسلم بسنتين، وأحسن الله عليهم الثناء في ذلك وهاتان الطائفتان الأولتان من هذه الآية أخذتا بفضلهما ومضتا على مهلهما، وأثبت الله حظهما في هذا الفيء، ثم ذكر الطائفة الثالثة، فقال: {والذين جاؤوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإِخواننا} إلى آخر الآية. قال: إنما أمروا أن يستغفروا لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ولم يؤمروا بسبهم. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد {والذين تبوّءُو الدار والإِيمان من قبلهم} قال: الأنصار نعت سخاوة أنفسهم عندما رأى من ذلك وإيثارهم إياهم ولم يصب الأنصار من ذلك الفيء شيء. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن يزيد بن الأصم حديث : أن الأنصار قالوا: يا رسول الله أقسم بيننا وبين إخواننا المهاجرين الأرض نصفين، قال: "لا ولكن يكفونكم المؤنة وتقاسمونهم الثمرة، والأرض أرضكم"تفسير : قالوا: رضينا فأنزل الله {والذين تبوّءُو الدار والإِيمان من قبلهم} إلى آخر الآية. أخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر عن الحسن قال: فضل المهاجرين على الأنصار فلم يجدوا في صدورهم حاجة قال: الحسد. وأخرج ابن أبي شيبة والبخاري وابن مردويه عن عمر أنه قال: أوصي الخليفة بعدي بالمهاجرين الأولين أن يعرف لهم حقهم، ويحفظ لهم حرمتهم، وأوصيه بالأنصار الذين تبوّءُو الدار والإِيمان من قبل أن يهاجر النبي صلى الله عليه وسلم أن يقبل من محسنهم، ويعفو عن مسيئهم. وأخرج الزبير بن بكار في أخبار المدينة عن زيد بن أسلم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : للمدينة عشرة أسماء هي المدينة وهي طيبة وطابة ومسكينة وجابرة ومجبورة وتبدد ويثرب والدار ". تفسير : قوله تعالى: {ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة} . أخرج ابن أبي شيبة والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن جرير وابن المنذر والحاكم وابن مردويه البيهقي في الأسماء والصفات عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: حديث : أتى رجل لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله أصابني الجهد، فأرسل إلى نسائه فلم يجد عندهن شيئاً فقال: "ألا رجل يضيف هذا الليلة رحمه الله تعالى" فقال رجل من الأنصار، وفي رواية فقال أبو طلحة الأنصاري: أنا يا رسول الله، فذهب به إلى أهله فقال لامرأته: اكرمي ضيف رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تدخرين شيئاً. قالت: والله ما عندي إلا قوت الصبية. قال: فإذا أراد الصبية العشاء فنوميهم، وتعالي، فأطفئي السراج ونطوي بطوننا الليلة لضيف رسول الله صلى الله عليه وسلم ففعلت ثم غدا الضيف على النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: "لقد عجب الله من فلان وفلانة وأنزل الله فيهما {ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة}" . تفسير : وأخرج مسدد في مسنده وابن أبي الدنيا في كتاب قري الضيف وابن المنذر عن أبي المتوكل الناجي رضي الله عنه حديث : أن رجلاً من المسلمين مكث صائماً ثلاثة أيام، يمسي فلا يجد ما يفطر فيصبح صائماً حتى فطن له رجل من الأنصار يقال له ثابت بن قيس رضي الله عنه، فقال لأهله: إني ساجيء الليلة بضيف لي فإذا وضعتم طعامكم فليقم بعضكم إلى السراج كأنه يصلحه فليطفئه ثم اضربوا بأيدكم إلى الطعام كأنكم تأكلون فلا تأكلوا حتى يشبع ضيفنا، فلما أمسى ذهب به فوضعوا طعامهم فقامت امرأته إلى السراج كأنها تصلحه فأطفأته، ثم جعلوا يضربون أيديهم في الطعام كأنهم يأكلون ولا يأكلون حتى شبع ضيفهم، وإنما كان طعامهم ذلك خبزة هي قوتهم، فلما أصبح ثابت غدا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "يا ثابت لقد عجب الله البارحة منكم ومن ضيفكم"تفسير : فنزلت فيه هذه الآية {ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة} . وأخرج الحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في شعب الإِيمان عن ابن عمر رضي الله عنه قال: أهدي لرجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم رأس شاة فقال: إن أخي فلاناً وعياله أحوج إلى هذا منا فبعث به إليهم، فلم يزل يبعث به واحداً إلى آخر حتى تداولها أهل سبعة أبيات حتى رجعت إلى الأول فنزلت {ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة} . وأخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل رضي الله عنه في قوله: {ولو كان بهم خصاصة} قال: فاقة. قوله تعالى: {ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون} . أخرج الفريابي وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في شعب الإِيمان عن ابن مسعود رضي الله عنه أن رجلاً قال له: إني أخاف أن أكون قد هلكت، قال: وما ذاك؟ قال: إني سمعت الله يقول: {ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون} وأنا رجل شحيح لا يكاد يخرج مني شيء، فقال له ابن مسعود رضي الله عنه: ليس ذاك بالشح، ولكنه البخل، ولا خير في البخل، وإن الشح الذي ذكره الله في القرآن أن تأكل مال أخيك ظلماً. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن مردويه عن ابن عمر رضي الله عنه في قوله: {ومن يوق شح نفسه} قال: ليس الشحيح أن يمنع الرجل ماله، ولكنه البخل وإنه لشر إنما الشح أن تطمح عين الرجل إلى ما ليس له. وأخرج ابن المنذر عن الحسن رضي الله عنه قال: النظر إلى المرأة، لا يملكها من الشح. وأخرج ابن المنذر عن طاووس رضي الله عنه قال: البخل أن يبخل الإِنسان بما في يديه، والشح أن يشح على ما في أيدي الناس. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن عساكر عن عبد الرحمن بن عوف أنه كان يطوف بالبيت يقول: اللهم قني شح نفسي لا يزيد على ذلك فقيل له فقال: إذا وقيت شح نفسي لا أسرق ولا أزني ولم أفعل شيئاً. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن سعيد بن جبير في قوله: {ومن يوق شح نفسه} قال: إدخال الحرام ومنع الزكاة. وأخرج ابن المنذر عن علي بن أبي طالب قال: من أدى زكاة ماله فقد وقي شح نفسه. وأخرج الخرائطي في مساوىء الأخلاق عن ابن عمرو قال: الشح أشد من البخل لأن الشحيح يشح على ما في يديه فيحبسه ويشح على ما في أيدي الناس حتى يأخذه، وإن البخيل إنما يبخل على ما في يديه. وأخرج ابن أبي الدنيا في كتاب ذم البخل عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : خلق الله جنة عدن ثم قال لها: انطقي، فقالت: {قد أفلح المؤمنون} [المؤمنون: 1] فقال الله: "وعزتي وجلالي لا يجاورني فيك بخيل"تفسير : ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم {ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون} . وأخرج ابن مردويه عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : ثلاث من كن فيه فقد برىء من الشح، من أدى زكاة ماله، وقرى الضيف، وأعطى في النوائب ". تفسير : وأخرج الحكيم الترمذي وأبو يعلى وابن مردويه عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"حديث : ما محق الإِسلام محق الشح شيء قط" تفسير : وأخرج ابن مردويه عن أبي زرعة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : من كان الفقر في قلبه فلا يغنيه ما أكثر له في الدنيا وإنما يضر نفسه شحها ". تفسير : وأخرج عبد بن حميد عن مجمع بن يحيى بن جارية قال: حدثني عمي خالد بن يزيد بن جارية رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : برىء من الشح من أدى الزكاة وقرى الضيف وأدى في النائبة ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة والنسائي والحاكم وصححه والبيهقي في الشعب عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا يجتمع غبار في سبيل الله ودخان جهنم في جوف عبد أبداً، ولا يجتمع الشح والإِيمان في قلب عبد أبداً ". تفسير : وأخرج الترمذي والبيهقي عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : خصلتان لا يجتمعان في جوف مسلم البخل وسوء الظن ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة وأبو داود وابن مردويه والبيهقي عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:حديث : شر ما في رجل شح هالع وجبن خالع ". تفسير : وأخرج أحمد والبخاري في الأدب ومسلم والبيهقي عن جابر بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : اتقوا الظلم فإن الظلم ظلمات يوم القيامة، واتقوا الشح فإن الشح أهلك من كان قبلكم حملهم على أن سفكوا دماءهم واستحلوا محارمهم ". تفسير : وأخرج ابن مردويه والبيهقي عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : إياكم والشح والبخل، فإنه دعا من قبلكم إلى أن يقطعوا أرحامهم فقطعوها، ودعاهم إلى أن يستحلوا محارمهم فاستحلوها، ودعاهم إلى أن يسفكوا دماءهم فسفكوها ". تفسير : وأخرج الترمذي والبيهقي عن أنس رضي الله عنه حديث : أن رجلاً توفي فقالوا: ابشر بالجنة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أولا تدرون فلعله قد تكلم بما لا يعنيه أو بخل بما لا ينفعه" . تفسير : وأخرج البيهقي من وجه آخر عن أنس رضي الله عنه قال:حديث : أصيب رجل يوم أحد فجاءت امرأة فقالت: يا بني لتهنك الشهادة فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: "وما يدريك لعله كان يتكلم بما لا يعنيه ويبخل بما لا يغنيه" . تفسير : وأخرج البيهقي عن ابن عمرو رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : خلقان يحبهما الله وخلقان يبغضهما الله. فأما اللذان يحبها الله فالسخاء والسماحة، وأما اللذان يبغضهما الله فسوء الخلق والبخل، فإذا أراد الله بعبد خيراً استعمله على قضاء حوائج الناس ". تفسير : وأخرج ابن جرير وابن مردويه والبيهقي عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : برىء من الشح من أدى الزكاة وقرى الضيف وأدى في النائبة ". تفسير : وأخرج البيهقي وضعفه عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا يذهب السخاء على الله، السخي قريب من الله، فإذا لقيه يوم القيامة أخذ بيده فأقله عثرته ". تفسير : وأخرج البيهقي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : صلاح أوّل هذه الأمة بالزهد والتقوى وهلاك آخرها بالبخل والفجور ". تفسير : وأخرج البيهقي وضعفه عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : السخيّ قريب من الله قريب من الجنة بعيد من النار، والبخيل بعيد من الله بعيد من الجنة قريب من النار، والجاهل السخي أحب إلى الله من العابد البخيل ". تفسير : وأخرج البيهقي عن جابر بن عبدالله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : السخي قريب من الله قريب من الجنة قريب من الناس بعيد من النار، والبخيل بعيد من الله بعيد من الجنة بعيد من الناس قريب من النار، ولَجَاهل سخيٌ أحب إلى الله من عابد بخيل ". تفسير : وأخرج ابن عدي في الكامل والبيهقي وضعفه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : السخي قريب من الله قريب من الجنة قريب من الناس بعيد من النار، والبخيل بعيد من الله بعيد من الجنة بعيد من الناس قريب من النار، ولفاجر سخيّ أحبّ إلى الله من عابد بخيل، وأي داء أدوأ من البخل ". تفسير : وأخرج البيهقي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " حديث : يا بني سلمة من سيدكم اليوم؟ قالوا: الجد بن قيس ولكنا نبخله، قال: وأي داء أدوأ من البخل؟ ولكن سيدكم عمرو بن الجموح ". تفسير : وأخرج البيهقي عن جابر رضي الله عنه قال: لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : يا بني سلمة من سيدكم؟ قالوا: الجد بن قيس وإنا لنبخله. قال: وأي داء أدوأ من البخل بل سيدكم الخير الأبيض عمرو بن الجموح"تفسير : قال: وكان على أضيافهم في الجاهلية قال: وكان يولم على رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا تزوّج. وأخرج البيهقي من طريق الزهري عن عبد الرحمن بن عبدالله بن كعب بن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : من سيدكم يا بني سلمة؟ قالوا: الجد بن قيس. قال: وبم تسوّدونه؟ قالوا: بأنه أكثرنا مالاً وإنا على ذلك لنزنه بالبخل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: وأي داء أدوأ من البخل، ليس ذاك سيدكم. قالوا: فمن سيدنا يا رسول الله؟ قال: سيدكم البراء بن معرور"تفسير : قال البيهقي مرسل. وأخرج الحاكم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : من سيدكم يا بني عبيد؟ قالوا: الجد بن قيس على أن فيه بخلاً، قال: وأي داء أدوأ من البخل؟ بل سيدكم وابن سيدكم بشر بن البراء بن معرور ". تفسير : وأخرج البيهقي عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا يدخل الجنة بخيل ولا خب ولا خائن ولا سيء الملكة، وأول من يقرع باب الجنة المملوكون وإذا أحسنوا فيما بينهم وبين الله وبين مواليهم ". تفسير : وأخرج البيهقي عن أبي سهل الواسطي رفع الحديث قال: "حديث : إن الله اصطنع هذا الدين لنفسه وإنما صلاح هذا الدين بالسخاء وحسن الخلق فاكرموه بهما ". تفسير : وأخرج البيهقي من طرق وضعفه عن جابر بن عبدالله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : قال لي جبريل: قال الله تعالى: إن هذا الدين ارتضيته لنفسي ولا يصلحه إلا السخاء وحسن الخلق فأكرموه بهما ما صحبتموه ". تفسير : وأخرج البيهقي وضعفه عن عبدالله بن جراد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إذا ابتغيتم المعروف فابتغوه في حسان الوجوه، فوالله لا يلج النار إلا بخيل، ولا يلج الجنة شحيح، إن السخاء شجرة في الجنة تسمى السخاء، وإن الشح شجرة في النار تسمى الشح ". تفسير : وأخرج البيهقي وضعفه عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : السخاء شجرة من شجر الجنة أغصانها متدليات في الدنيا من أخذ بغصن منها قاده ذلك الغصن إلى الجنة، والبخل شجرة من شجر النار أغصانها متدليات في الدنيا من أخذ بغصن منها قاده ذلك الغصن إلى النار ". تفسير : وأخرج البيهقي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : السخاء شجرة في الجنة فمن كان سخياً أخذ بغصن منها، فلم يتركه الغصن حتى يدخله الجنة، والشح شجرة في النار فمن كان شحيحاً أخذ بغصن منها فلم يتركه الغصن حتى يدخله النار ". تفسير : وأخرج البيهقي وضعفه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: "حديث : كنت قاعدا مع النبي صلى الله عليه وسلم فجاء ثلاثة عشر رجلاً عليهم ثياب السفر فسلموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قالوا: من السيد من الرجال يا رسول الله قال: ذاك يوسف بن يعقوب بن إسحق بن إبراهيم. قالوا: ما في أمتك سيد؟ قال: بلى، رجل أعطي مالاً حلالاً ورزق سماحة فأدنى الفقير فقلت شكايته في الناس ". تفسير : وأخرج البخاري ومسلم والنسائي عن أبي هريرة قال: "ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل البخيل والمتصدق كمثل رجلين عليهما جبتان من حديد قد اضطرت أيديهما إلى ثديهما وتراقيهما فجعل كلما تصدق بصدقة انبسطت عنه، حتى تغشى أنامله وتعفو أثره، وجعل البخيل كلما هم بصدقة قلصت وأخذت كل حلقة مكانها فهو يوسعها ولا تتسع". وأخرج الزبير بن بكار في الموفقيات عن عبدالله بن أبي عبيدة بن محمد بن عمار بن ياسر قال: حديث : قدم خالد بن الوليد من ناحية أرض الروم على النبي صلى الله عليه وسلم بأسرى، فعرض عليهم الإِسلام فأبوا، فأمر أن تضرب أعناقهم، حتى إذا جاء إلى آخرهم قال النبي صلى الله عليه وسلم: "يا خالد كف عن الرجل" قال: يا رسول الله ما كان في القوم أشد عليّ منه. قال: "هذا جبريل يخبرني عن الله أنه كان سخيّاً في قومه فكف عنه" وأسلم الرومي .
ابو السعود
تفسير : {لِلْفُقَرَاء الْمُهَـٰجِرِينَ} بدلٌ من لذِي القُربى وما عُطفَ عليهِ فإنَّ الرسولَ عليهِ الصلاةُ والسلامُ لا يسمَّى فقيراً. ومَن أعطَى الأغنياءَ ذوِي القُربى خصَّ الإِبدالَ بما بعدَهُ وأما تخصيصُ اعتبارِ الفقرِ بفيءِ بني النضيرِ فتعسفٌ ظاهرٌ {الَّذِينَ أُخْرِجُواْ مِن دِيَـٰرِهِمْ وَأَمْوٰلِهِمْ} حيثُ اضطرهُم كفارُ مكةَ وأحوجُوهُم إلى الخروجِ وكانُوا مائةَ رجلٍ فخرجُوا منها {يَبْتَغُونَ فَضْلاً مّنَ ٱللَّهِ وَرِضْوَاناً} من الديار والأموالِ. وقُيِّدَ ذلكَ ثانياً بما يوجبُ تفخيمَ شأنِهِم ويؤكدُهُ {وَيَنصُرُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ} عطفٌ على يبتغونَ فهيَ حالٌ مقدرةٌ أي ناوينَ لنصرةِ الله تعالى ورسولِهِ، أو مقارِنةٌ فإنَّ خروجَهُم من بـين الكفارِ مراغمينَ لهم مهاجرينَ إلى المدينةِ نصرةٌ وأيُّ نصرةٍ {أُوْلَـٰئِكَ} الموصوفونَ بما فُصِّلَ من الصفاتِ الحميدةِ {هُمُ ٱلصَّـٰدِقُونَ} الراسخونَ في الصدقِ حيثُ ظهرَ ذلكَ بما فعلُوا ظهوراً بـيناً {وَٱلَّذِينَ تَبَوَّءوا ٱلدَّارَ وَٱلإيمَـٰنَ} كلامٌ مستأنفٌ مسوقٌ لمدحِ الأنصارِ بخصالٍ حميدةٍ من جُملَتِها محبَّتُهُم للمهاجرينَ ورضاهُم باختصاصِ الفيءِ بهم أحسنَ رِضا وأكملَهُ. ومعنى تبوئِهِم الدارَ أنهم اتخذوا المدينةَ والإيمانَ مَبَاءةً وتمكَّنوا فيهما أشدَّ تمكنٍ، على تنزيلِ الحالِ منزلةَ المكانِ. وقيلَ ضُمِّنَ التبوؤُ معنى اللزومِ. وقيلَ تبوؤُوا الدارَ وأخلَصُوا الإيمانَ كقولِ مَنْ قالَ: شعر : عَلَفْتُهَا تِبْناً وَمَاءً بارِداً تفسير : وقيلَ المَعْنَى تبوؤُا دارَ الهجرةِ ودارَ الإيمانِ، فحُذِفَ المضافُ منَ الثاني، والمضافِ إليهِ منَ الأولِ، وعَوِّضَ منه اللامُ. وقيلَ سَمَّى المدينةَ بالإيمانِ لكونِهَا مظهَرَهُ ومنشأَهُ {مِن قَبْلِهِمُ} أيْ من قبلِ هجرةِ المهاجرينَ على المعانِي الأُوَلِ، ومن قبلِ تبوؤِ المهاجرينَ على الأخيرينِ. ويجوزُ أن يُجعلَ اتخاذُ الإيمانِ مباءةً ولزومُهُ وإخلاصُهُ على المعَانِي الأَوَلِ عبارةً عن إقامةِ كافَّةِ حُقوقِهِ التي من جُمْلَتِهَا إظهارُ عامَّةِ شعائرِه وأحكامِهِ، ولا ريبَ في تقدمِ الأنصارِ في ذلك على المهاجرينَ لظهورِ عجزِهِم عن إظهارِ بعضِهَا لا عَنْ إخلاصِهِ قلباً واعتقاداً إذْ لا يُتصور تقدُّمهم عليهِمْ في ذلكَ. {يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ} خبرٌ للموصولِ أي يحبونَهُم من حيثُ مهاجَرَتُهُم إليهم لمحبتِهِم الإيمانَ {وَلاَ يَجِدُونَ فِى صُدُورِهِمْ} أي في نفوسِهِم {حَاجَةً} أي شيئاً محتاجاً إليه يقالُ خُذْ منْهُ حاجتَكَ أي ما تحتاجُ إليهِ، وقيلَ إثر حاجةٍ كالطلبِ والحزازةِ والحسدِ والغيظِ {مّمَّا أُوتُواْ} أي ما أُوتِيَ المهاجرونَ منَ الفيءِ وغيرَهِ {وَيُؤْثِرُونَ} أي يقدمونَ المهاجرينَ {عَلَى أَنفُسِهِمْ} في كلِّ شيءٍ من أسبابِ المعاشِ حتى إنَّ من كانَ عندهُ امرأتانِ كان ينزلُ عن إحداهُمَا ويزوجها واحداً منهُم {وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ} أيْ حاجةٌ وخَلَّةٌ. وأصلُهَا خَصَاصُ البـيتِ وهي فُرجَهُ والجملةُ في حيزِ الحالِ، وقدْ عرفتَ وجهَهُ مراراً. وكان النبـيُّ عليهِ الصلاةُ والسلامُ قسَّم أموالَ بني النضيرِ على المهاجرين ولم يُعطِ الأنصارَ إلا ثلاثةً نفرٍ محتاجينَ أبا دُجَانَةَ سماكَ بنَ خَرَشَةَ وسهلَ بنَ حُنيفٍ والحارثَ بنَ الصِّمَّةِ، وقالَ لهم إنْ شئتُمْ قسمتُم للمهاجرينَ من أموالِكُم وديارِكُم وشاركتُمُوهُم في هذه الغنيمةِ وإن شئتُم كانتْ لكُم ديارُكُم وأموالُكُم، ولم يُقسم لكم شيءٌ من الغنيمةِ فقالتِ الأنصارُ بلْ نقسمُ لهم من أموالِنَا وديارِنَا ونؤثرهُم بالغنيمةِ ولا نشاركهُم فيهَا فنزلتْ وهذا صريحٌ في أنَّ قولَهُ تعالَى والذينَ تبوؤُا الخ مستأنفٌ غيرُ معطوفٍ على الفقراءِ أو المهاجرينَ نعم يجوزُ عطفُهُ على أولئكَ فإنَّ ذلكَ إنما يستدْعِي شركةَ الأنصارِ للمهاجرينَ في الصدقِ دونَ الفيءِ فيكونُ قولُهُ تعالى يحبونَ وما عُطفَ عليهِ استئنافاً مقرراً لصدقِهِم أو حالاً من ضميرِ تبوؤُا {وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ} الشُّح بالضمِّ والكسرِ وقدْ قُرِىءَ بهِ أيضاً: اللؤمُ. وإضافتُهُ إلى النفسِ لأنَّه غريزةٌ فيها مقتضيةٌ للحرصِ على المنعِ الذي هو البخلُ أي ومن يُوقَ بتوفيقِ الله تعالى شُحَّها حتى يخالفَهَا فيما يغلبُ عليها من حُبِّ المالِ وبغضِ الإنفاقِ {فَأُوْلَـئِكَ} إشارةٌ إلى مَنْ باعتبارِ معناها العامِّ المنتظمِ للمذكورينَ انتظاماً أولياً {هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ} الفائزونَ بكلِّ مطلوبٍ الناجونَ عن كلِّ مكروهٍ. والجملةُ اعتراضٌ واردٌ لمدحِ الأنصارِ والثناءِ عليهم وقُرِىءَ يُوَقَّ بالتشديدِ.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {لِلْفُقَرَآءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُواْ مِن دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ} [الآية: 8]. قال ابن عطاء: هم الذين تركوا كل علاقة وسبب ولم يلتفتوا من الكون وفرغو أنفسهم لعبادة ربهم واتباع رسوله صلى الله عليه وسلم وشغلهم فرحهم بما وفق لهم من معرفة ربهم وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم عن حب الأهل والولد والديار والأموال وفقوا له من أولئك الذين أثنى الله عليهم وجعلهم أئمة العارفين ومحل أدب المريدين. سمعت سعيد بن أحمد يقول: سئل أبو الحسين البوشيخى عن التصوف ما هو؟ فقال: فراغ القلب وخلو اليدين وقلة المبالاة بالأشكال أما فراغ القلب ففى قوله: {وَٱلَّذِينَ تَبَوَّءُوا ٱلدَّارَ وَٱلإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ...} [الآية: 9] وأما خلو اليدين فقوله {لِلْفُقَرَآءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُواْ مِن دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ...} الآية. وأما قلة المبالاة بالاشتغال فقوله: {أية : وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لاۤئِمٍ} تفسير : [المائدة: 54]. وقال الخراز: من عطف بقلبه على شىء سوى ربه فليس بفقير لأن الله يقول: {لِلْفُقَرَآءِ الْمُهَاجِرِينَ...} الآية. وسئل الحسين: من الفقراء؟ فقال الذين وقفوا مع الحق راضين على جريان إرادته فيهم.
القشيري
تفسير : يريد أن هذا الفيء لهؤلاء الفقراء الذين كانوا مقدارَ مائةِ رجلٍ. {يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ ٱللَّهِ} وهو الرزق {وَرِضْوَاناً} بالثواب في الآخرة. وينصرون دين الله، {أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلصَّادِقُونَ}: والفقيرُ الصادقُ هو الذي يترك كلَّ سببٍ وعلاقة، ويفرغ أوقاته لعبادة الله، ولا يعطف بقلبه على شيء سوى الله، ويَقِفُ مع الحقِّ راضياً بِجَرَيَانِ حُكْمه فيه.
اسماعيل حقي
تفسير : {للفقراء المهاجرين} بدل من لذى القربى وما عطف عليه لا من الله والرسول والا يلزم دخول الرسول فى زمرة الفقرآء وهو لايسمى فقيرا لانه يوهم الذم والنقصان لان اصل الفقر كسر فقار الظهر من قولهم فقرته ولهذا سميت الحاجة والداهية فاقرة لانهما تغلبان الانسان وتكسران فقار ظهره واذا لم يصح تسيمة الرسول فقيرا فلأن لايصح تسميته تعالى فقيرا اولى من ان الله تعالى أخرجه عليه السلام من الفقرآء هنا بقوله {وينصرون الله ورسوله} بقى ان ابن السبيل الذى له مال فى وطنه لايسمى فقيرا نص عليه فى التلويح وغيره ومن أعطى اغنياء ذوى القربى كالشافعى خص الابدال بما بعده بخلاف أبى حنيفة رحمه الله فان استحقاق ذوى القربى الفيىء مشروط عنده بالفقر واما تخصيص اعتبار الفقر بفيىء بنى النضير فتعسف ظاهر كما فى الارشاد {الذين اخرجوا من ديارهم} از سراهاى ايشان كه درمكه داشتند {واموالهم} ودور افتاده انداز مالهاى خود، حيث اضطرهم كفار مكة الى الخروج واخذوا اموالهم ودور افتاده انداز مالهاى خود. حيث اضطرهم كفار مكة الى الخروج واخذوا اموالهم وكانوا مائة رجل فخرجوا منها والافهم هاجروا باختيارهم حبا لله ورسوله واختاروا الاسلام على ماكانوا فيه من الشدة حتى كان الرجل يعصب الحجر على بطنه ليقيم صلبه من الجوع وكان الرجل يتخذ الحفيرة فى الشتاء ماله دار غيرها وصح عن رسول الله عليه السلام انه كان يستفتح بصعاليك المهاجرين وقال عليه السلام "حديث : ابشروا يامعشر صعاليك المهاجرين بالنور التام يوم القيامة تدخلون الجنة قبل الاغنياء بنصف يوم"تفسير : وذلك مقدار خمسمائة عام {يبتغون فضلا من الله ورضوانا} اى حال كونهم طالبين منه تعالى رزقا فى الدنيا ومرضاة فى الآخرة وصفوا اولا بما يدل على استحقاقهم للفيىء من الاخراج من الديار وقد أعاد ذلك ثانيا بما يوجب تفخيم شأنهم ويؤكده فهو حال من واو واخرجوا وفى ذكر حالهم ترقٍ من العالى الى الأعلى فان رضوان الله اكبر من عطاء الدنيا {وينصرون الله ورسوله} عطف على يبتغون فهى حال مقدرة اى ناوين نصرة الله باعلاء دينه ونصرة رسوله ببذل وجودهم فى طاعته او مقارنة فان خروجهم من بين الكفار مراغمين لهم مهاجرين الى المدينة نصرة واى نصرة {اولئك} المهاجرون الموصوفون بما ذكر من الصفات الحميدة {هم الصادقون} الراسخون فى الصدق حيث ظهر ذلك بما فعلوا ظهورا بينا كأن الصدق مقصور عليهم لكمال آثاره الصدق صدقة السر يعنى صدقه ملك سراست وصداق الجنة يعنى صداق سراى سرورست وصديق الحق يعنى صديق بادشاه حق است راست كارى بيشه كن كاندر مصاف رستخيز، نيستند از خشم حق جزرا استنكاران رستكار مصطفى عليه السلام كفت مامهتر كليت عالم ايم وبهتر ذريت آدم ومارا بدين فخرنه شربتهاى كرم بردست مانهادند وهديتهاى شريف بحجره مافرستادند ولباسهاى نفيس درمايوشيدند وطراز اعزاز براستين ماكشيدند ومارا بدان هيج فخرنه كفتند مهترا بس اختيار توجيست وافتخار توبجيست كفت اختيار ما آنست وافتخار مابدانست كه روزى ساعتى جوييم وبا اين فقراى مهاجرين جون بلال وصهيب وسلمان وعمار ساعتى حديث اوكييم شعر : بردل ذكر امتش نثارست مرا وزفقر لباس اختيارست مرا دينار ودرم بجه كارست مرا باحق همه كارجن بكارست مرا تفسير : بدانكه فقر دواست يكى آنست كه رسول خدا ازان استعاذه كرده كفته أعوذ بك من الفقر وديكر آنست كه رسول خدا كفته الفقر فخرى آن يكى نزديك بكفر واين يكى نزديك بحق اما آن فقركه بكفر نزديك است فقر دلست كه علم وحكمت واخلاص وصبر ورضا وتسليم وتوكل ازدل ببرد تادل ازين ولايتها درويش كردد وجون زمين خراب شود دل خراب شود منزل شيطان كردد آنكه جون شيطان فرود آمد سباه شيطان روى بوى نهند شهوت وغضب وحسد وشرك وشك وشبه ونفاق ونشان اين فقر آن بودكه هرجه بيند همه كثر بيند سمع اوهمه مجاز شنود زبان همه دروغ وغيبت كويد قدم بكوى همه ناشايست نهد اين آن فقرست كه رسول خدا كفت كاد الفقر أن يكون كفرا الله انى أعوذ بك من الفقر والكفر اما آن فقركه كفت الفقر فخرى آنست كه مرداز دنيا برهنه كردد ودرين برهنكى بدين نزديك كردد وفى الخبر "حديث : الايمان عريان ولباسه التقوى"تفسير : هما نست كد متصوفه آنرا تجريد كويندكه مرد مجرد شوادز رسوم انسانيت جنانكه تيغ مجرد شوادز نيام خويش وتيغ مادامكه درنيام باشد هنرش آشكارا نكردد وفعل او بيدا نيايد همجنين دل تادر غلاف انسانيت است هنروى آشكارا نكردد وازوى كارى نكشايد جون از غلاف انسانيت برهنه كردد صورتها وصفتها درو بنمايد، وقال الشيخ نجم الدين الكاشفى رحمه الله الافتقار على ثلاثة اقسام افتقار الى الله دون الغير واليه الاشارة بقوله عليه السلام "حديث : الفقر سواد الوجه فى الدارين"تفسير : انتها وفى كل من الاحاديث المذكورة معانٍ اخر جلية على اولى الالباب وطعن اهل الحديث فى قوله "حديث : الفقر فخرى (لكن معناه صحيح) اللهم اغننى بالافتقار اليك"تفسير : وسئل الحسين رحمه الله من الفقرآء قال "حديث : الذين وقفوا مع الحق راضين على جريان ارادته فيهم"تفسير : وقال بعضهم هم الذين تركوا كل سبب وعلاقة ولم يلتفتوا من الكونين الى شىء سوى ربهم فجعلهم الله ملوكا وخدمهم الاغنياء تشريفا لهم. وفى التأويلات النجمية ابدل الله من ذوى القربى المهاجرين الى الله اى ذووا القربى هم المهاجرون من قرية النفس الى مدينة الروح والقلب بالسير والسلوك وقطع المفاوز النفسانية والبواد الحيوانية المخرجون من ديار وجوداتهم واموال صفاتهم واخلاقهم الى حضرة خالقهم ورازقهم طالبين من فضله وجوده وجوده ونور رضوان صفاته ونعوته ناصرين الله بمظهريتم لله الاسم الجامع ورسوله بمظهريتهم لاحكامه وشرآئعه الظاهرة اولئك هم الصادقون فى مقام الفناء عنهم فى ذواتهم وصفاتهم وافعالهم والبقاء به اى بذاته وصفاته وافعاله جعلنا الله واياكم هكذا بفضله
ابن عجيبة
تفسير : قلت: "للفقراء" يتعلق بمحذوف، أي: يعطي، أو: اعْجَبوا، على أنه استئناف، وقيل: بدل من "ذي القربى". و"وتبوؤوا الدارَ والإيمان" أي: وأَلِفوا الإيمان، ولا يصح العطف؛ لئلا يلزم أنّ الإيمان متبوأ، وإنما يُتبوأ المنزل؛ إذ التبوء: التهيؤ، يقال: بوأت له منزلاً، أي: هيأته له، وفي إعراب الحوفي في سورة آل عمران: يقال تبوأ فلان الدار إذا لزمها. هـ. فعلى هذا يصح العطف، ولا يحتاج إلى تقدير عاملٍ آخر. قال ابن هشام: ولا يجوز كون الإيمان مفعولاً معه؛ لعدم الفائدة في تقييد الأنصار المعطوفين على المهاجرين بمصاحبة الإيمان, إذ هو أمر معلوم. هـ. وانظر ابن جزي، فإنه هو الوجه المستحسن عنده في توجيه الآية، والمعنى: أنهم جمعوا بين الحالتين قبل المهاجرين؛ لأن المهاجرين إنما سبقوهم بالإيمان، لا بنزول الدار، قال: فيكون الإيمان على هذا مفعولاً معه، وأصله لابن عطية، وبهذا الاقتراح يصح معنى قوله: {مِن قبلهم} فتأمله. انظر الحاشية. يقول الحق جلّ جلاله: {للفقراءِ} أي: يعطى الفيء للفقراء {المهاجرين الذين أُخرجوا من ديارهم وأموالِهم} حيث اضطرهم كفارُ مكة إلى الخروج من مكة، وكانوا مائة رجل. وفيه دليل على أنّ الكفار يملكون ما استولوا عليه من أموال المسلمين؛ لأنّ الله تعالى سمّاهم فقراء، مع أنهم كانت لهم ديار وأموال بمكة، فخرجوا {يبتغون فضلاً من الله ورضواناً} أي: طالبين منه تعالى رزقاً في الدنيا، ورضا في الآخرة، أو: يطلبون الجنة ورضوان الله أو: زيادة في الإيمان والرضوان، {وينصرون اللهَ ورسولَه} أي: ناوين نصرة دين الله وإعانة رسوله، {أولئك} الموصوفون بما فصّل من الصفات الحميدة {هُم الصادقون}؛ الراسخون في الصدق، حيث ظهر ذلك عليهم؛ بما فعلوا من مفارقة الأوطان والأهل والولدان. {والذين تبوؤوا الدارَ والإِيمانَ}، هذا استئناف مسوق لمدح الأنصار بخصال حميدة، من جملتها: محبتهم للمهاجرين، ورضاهم باختصاصهم بالفيء أكمل رضا، أي: اتخذوا المدينة والإيمان مباءة وسكناً وتمكّنوا فيهما أشد تمكين، {مِن قبلهم} أي: من قبل هجرة المهاجرين, أو تبوؤوا الدار ولزموا الإيمان، ولزومه: إخلاصه وظهور شعائره وأحكامه، ولا ريب في تقدُّم الأنصار في ذلك على المهاجرين؛ لأنّ المهاجرين لم يتأتَّ لهم أظهاره قبل الهجرة، فتقدمهم في إظهاره فقط، لا في إخلاصه؛ إذ لا يتصور تقدمهم عليهم في ذلك. {يُحبون مَنْ هاجر إليهم} حتى شاطروهم أموالهم، وأنزلوهم منازلهم، ونزل مَن كانت له امرأتان عن إحداهما ليتزوجها المهاجري، ومحبتهم للمهاجرين من حيث هجرتهم لنصرة الدين لشدة محبتهم للإيمان، {ولا يجدون في صُدورهم}؛ في نفوسهم {حاجةً} أي: شيئاً محتاجاً إليه، يقال: خذ منه حاجتك، أي: ما تحتاج إليه، يعني: أنّ نفوسهم لم تتبع ما أوتوا من الفيء، ولم تطمح إلى شيء منه تحتاج إليه، وقيل: حاجة: حسداً أو كزازة، مما أُعطي المهاجرون من الفيء، حيث خصّهم النبيُّ صلى الله عليه وسلم به. {ويُؤثرون على أنفسهم} أي: يُقدمون المهاجرين على أنفسهم في كل شيء من أسباب المعاش، {ولو كان بهم خصاصةٌ} أي: حاجة وخلّة، وأصلها: خُصاص البيت، أي: فروجه. والجملة: حال، أي: يُؤثرون في حال خصاصتهم. قال ابن عباس: لما ظفر النبيُّ صلى الله عليه وسلم بأموال بني النضير، قال للأنصار: إن شئتم قسمتم للمهاجرين من أموالكم ودياركم، وشاركتموهم في هذه الغنيمة، وإن شئتم كانت لكم دياركم وأموالكم, ولم يقسم لكم شيء من الغنيمة, فقالت الأنصار: بل نقسم لهم من ديارنا وأموالنا، ونؤثرهم بالغنيمة، ولا نُشاركهم فيها، فنزلت. وهذا صريح في أنَّ قوله تعالى: {والذين تبوؤوا الدار} استئناف غير معطوف على الفقراء المهاجرين، نعم يجوز عطفه عليهم باعتبار شركة الأنصار للمهاجرين في الصدق، دون الفيء، فيكون قوله تعالى: {يُحبون} وما عطف عليه استئنافاً مقرراً لصدقهم، أو حال. قاله أبو السعود. قلت: إذا جعلنا قولَه تعالى: {ما أفاء اللهُ على رسوله مِن أهل القُرى} استئنافاً غير مُبيّنِ لِما قبله، بل في كل فيء يأتي بعد بني النضير، صحّ عطف الأنصار على فقراء المهاجرين في كل شيء، وكذا قوله: {والذين جاؤوا مِن بعدهم} عطف عليهم، فيكون المعنى: يقسم الفيء للفقراء المهاجرين، وللذين تبوؤوا الدار والإيمان من قبلهم، وللذين جاؤوا مِن بعدهم. ويؤيد هذا ما رُوي أنّ عمر رضي الله عنه لمّا قرأ هذه الآية إلى آخرها قال: هذه الآية استوعبت المسلمين، ما على وجه الأرض مسلم إلاَّ وله في هذا الفيء حق، إلا ما ملكت أيْمَانهم. هـ. وقيل: نزلت في حديث : ضيفٍ نزل بالنبي صلى الله عليه وسلم فلم يجد عنده شيئاً، فقال صلى الله عليه وسلم: "مَن يُضيف هذا؟" فقال: رجلٌ من الأنصار - قيل: أبو طلحة، أنا يا رسول الله، فلم يجد من الطعام إلاّ ما يكفي الصبية، فقال لامرأته: نوّمي الصبيان، وأطِفئي السراج، وقرّبي الطعام، فنظهر للضيف أنَّا نأكل معه، ونمضغ ألسنتنا ليأكل، فأكل الضيف وحده، فلما أصبح قال صلى الله عليه وسلم للرجل: "إنَّ الله ضحك مِن فعلكما" تفسير : . عن أنس: أُهدي لبعضهم رأس مشويّ، وهو مجهود، فَوَجَّهه إلى جارِه، وجارُه وَجَّهَه إلى جارِه، فتداولته تسعةُ أنْفُس، حتى عاد إلى الأول. {ومَن يُوق شُحَّ نفسه} أي: مَن يقيه الله شحَّ نفسه حتى يغالبها فيما يغلب عليها، مِن حب المال وبُغضَ الإنفاق، {فأولئك هم المفلحون}؛ الفائزون بكل مطلوب، والناجون من كل مرهوب. والشح - بالضم والكسر -: اللُّؤم، وأن تكون نفس الرجل كزّةً حريصة على المنع. وإضافته إلى النفس لأنه غريزة فيها، وأما البخل فهم المنع نفسه، وقيل: الشُح: أكل مال أخيك ظلماً، والبخل: منع مالك، وقيل: الشُح: منع ما عندك والطمع في غيرك، والبُخل: منع مالك من غير طمع، فالشُح أقبح من البخل. والجملة: اعتراض وارد لمدح الأنصار بالسخاء، بعد مدحهم بالإيثار. وجميع الإشارة باعتبار "مَن" لأنها واقعة على الجمع. ثم ذكر التابعين، فقال: {والذين جاؤوا مِن بعدهم} هم التابعون بإحسان إلى يوم القيامة، وقيل: هم الذين هاجروا بعدما قوي الإسلام، {يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان}، وصفوهم بذلك اعترافاً بفضلهم، وعن عائشة رضي الله عنها: "حديث : أُمِرُوا بأن يستغفروا لهم، فسبُّوهم"تفسير : . {ولا تجعل في قلوبنا غِلاًّ} أي: حقداً وعداوة {للذين آمنوا} على الإطلاق، {ربنا إِنك رؤوف رحيم}؛ مبالغ في الرأفة والرحمة، فأنت حقيق بأن تجيب دعاءنا برأفتك ورحمتك. الإشارة: الذين يستحقون المواهب، والفيض الإلهي والاصطفاء، ثلاث أصناف، الأول: الفقراء الذين هاجروا أوطانهم، وتركوا ديارهم وعشائرهم؛ طلباً لصلاح قلوبهم وأسرارهم، والثاني: القوم الذين نزلوا بهم إذا آووهم وآثروهم بأموالهم وأنفسهم، الثالث: مَن جاء بعدهم طلباً لذلك، على الوصف الذي ذكره الحق {يقولون ربنا اغفر لنا...} الخ. قال الورتجبي: قوله تعالى: {والذين تبوؤوا الدارَ والإيمان...} الخ، أثنى الله سبحانه على الفقراء، ووصَفَهم بأحسن الوصف، إذ كانوا صادقين في فقرهم، ثم أثنى على الأغنياء لِصدقهم في غناهم، ووصَفَهم بالإيمان والمعرفة بالله من قبلهم ولزومهم مواضع قربه، وخفضِهم جناحهم لإخوانهم من الفقراء، ومحبتهم، وتقديسهم من الحسد والشح والبُغض وحب الدنيا، ثم وَصَفَهم بالسخاء والإيثار، فلم يبقَ في قلوبهم من حب الدنيا وجاهها ذرة. ومَنْ سجيتُه مقدسة مِن حرص نفسه أفلح وظفر برؤية ربه. هـ. قلت: كأنه يشير إلى أنَّ قوله تعالى: {للفقراء المهاجرين} هم أهل السير من المريدين، وقوله تعالى: {والذين تبوؤوا الدار...} هو الواصلون العارفون، أي: تبوؤوا دارَ المعرفة، حيث سكنوها، ورسخوا فيها، وأَلفِوا الإيمان وذاقوا حلاوته. وقوله تعالى: {ويُؤثرون على أنفسهم...} الخ، بعد أن وَصَفَهم بقطع الطمع والحرص، والزهد فيما لم يملكوا بقوله: {ولا يجدون في صدورهم حاجة} وَصَفَهم بالإيثار فيما ملكوا، وبذلك يتم تحقيق خروج الدنيا من قلوبهم، بحيث لا يتعلق القلب بما فات منها، ولا يُمسك ما وجد منها، بل يُؤثر به مع الحاجة إليه، فالآية تشير إلى سلامة الصدور، وسخاوة الأنفس، وهذا كان وصف الصحابة - رضي الله عنهم - وبهذين الخصلتين فاقوا جميعَ الناس، وهي أخلاق الصوفية - رضي الله عنهم - قال الشيخ أبو يزيد: ما غلبني أحد غير شاب من بَلْخ، قَدِمَ حاجًّا، فقال: يا أبا يزيد، ما الزهد عندكم؟ فقلت: إذا وجدنا أكلنا، وإذا فقدنا صبرنا، فقال: هكذا عندنا الكلاب ببلخ، فقلت: وما الزهد عندكم؟ فقال: إذا وجدنا آثرنا، وإذا فقدنا شكرنا. هـ. وسُئل ذو النون: ما حد الزاهد المشروح صدره؟ فقال: ثلاثة؛ تفريق المجموع، وترك طلب المفقود، والإيثار عند القوت. هـ. ثم عَجَّبَ من المنافقين، فقال: {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ نَافَقُواْ يَقُولُونَ لإِخْوَانِهِمُ}.
الجنابذي
تفسير : {لِلْفُقَرَآءِ الْمُهَاجِرِينَ} بدل من قوله لذى القربى،، او بدل من مجموع قوله لله وللرّسول ويكون ابداله بالنّسبة الى الله ورسوله نحو بدل الاشتمال، وبالنّسبة الى ذى القربى وما بعده نحو بدل الكلّ من الكلّ والمراد بالمهاجرين من هاجر من مكّة او من سائر بلاد الكفر الى المدينة او من هاجر السّيّئات الى الحسنات، او من هاجر من دار النّفس الامّارة الى دار النّفس اللّوامة، ومنها الى النّفس المطمئنّة اللّتين هما دار الاسلام، ومنها الى القلب الّذى هو دار الايمان {الَّذِينَ أُخْرِجُواْ} صفة للفقراء او ابتداء كلام ومبتدأٌ ويبغون خبره، او اولئك هم الصّادقون خبره والجملة فى مقام التّعليل، ووضع الظّاهر موضع المضمر ليكون بعقد الوضع دالاًّ على علّة الحكم ايضاً والمقصود انّهم اخرجهم الكفّار من مكّة او من سائر بلادهم، او اخرجهم الملائكة من بلاد الكفر، او من مراتب نفوسهم وقال: اخرجوا دون خرجوا للاشعار بانّ الخارج من وطنه او من مقام الى مقام ان لم يكن بحسب الظّاهر له مخرجٌ فهو خارج بمخرجٍ باطنىٍّ وليس خارجاً بنفسه فيكون خروجه نعمة من ربّه {مِن دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ} فى ذلك الخروج {فَضْلاً مِّنَ ٱللَّهِ وَرِضْوَاناً} الفضل كما تكرّر ذكره النّعم الصّوريّة والرّسالة واحكامها وقبولها، والرّضوان الولاية وآثارها وقبولها {وَيَنصُرُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلصَّادِقُونَ وَٱلَّذِينَ تَبَوَّءُوا ٱلدَّارَ} عطف على الفقراء المهاجرين او على المهاجرين او على الّذين اخرجوا او مبتدء وخبره يحبّون من هاجر اليهم والجملة معطوفة على سابقتها والمعنى الّذين اقاموا فى دورهم وهم الانصار الّذين لم يكن لهم ان يخرجوا لهجرة الرّسول (ص) اليهم {وَٱلإِيمَانَ} يعنى اقاموا فى الايمان فانّ الاوصاف كثيراً يحكم عليها بحكم الظّروف {مِن قَبْلِهِمْ} اى من قبل المهاجرين فيكون المراد الّذين آمنوا بمكّة ثمّ رجعوا الى المدينة وانتظروا قدوم محمّدٍ (ص)، او المعنى تبوّأوا الدّار والايمان من قبل هجرة المهاجرين {يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ} من المؤمنين المهاجرين لانّهم احسنوا الى المهاجرين واسكنوهم دورهم واشركوهم فى اموالهم {وَلاَ يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّآ أُوتُواْ} اى المهاجرون اى لا يجد الّذين تبوّأوا الدّار فى انفسهم حسداً او غيظاً لازماً للحاجة والفقر ناشئاً ممّا اوتى المهاجرون، او من اجل ما اوتى المهاجرون من غنائم اهل القرى او غنائم بنى النّضير، او ممّا اوتوا من الفضل الصّورىّ والمعنوىّ لتسليمهم لقسم الله وتوكّلهم على الله ورضاهم بما آتى الله العباد من الفضل الصّورىّ والمعنوىّ، او لا يجدون فى صدورهم حاجة فى شيءٍ من الاشياء لاجل ما اوتوا من قوّة اليقين وقوّة التّوكّل واستغناء القلب فيكون حينئذٍ مرفوع اوتوا راجعاً الى الّذين تبوؤا الدّار {وَيُؤْثِرُونَ} المؤمنين المهاجرين {عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ} بان يقدّموا المؤمنين فى حظوظهم النّفسانيّة وفى افضال الله بحسب الظّاهر والباطن {وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ} فقر وحاجة {وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ} يعنى من حفظه الله من شحّ نفسه والشّحيح ابلغ من البخيل فانّ البخيل من يبخل بما فى يده ولا يعطيه لمستحقّه، والشّحيح من يبخل بمال الغير بمعنى انّه يريد ان يكون ما فى يد الغير له ويحتال فى اخذ ما فى يد الغير بالحلال او الحرام، وقيل: شحّ النّفس هو اخذ الحرام ومنع الزّكاة {فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ} "حديث : روى انّه جاء رجل الى رسول الله (ص) فشكى اليه الجوع فبعث رسول الله (ص) الى بيوت ازواجه فقلن: ما عندنا الاّ الماء، فقال رسول الله (ص): "من لهذا الرّجل اللّيلة؟" - فقال علىّ بن ابى طالب (ع): انا له يا رسول الله (ص)، وأتى فاطمة (ع) فقال لها: "ما عندك يا ابنة رسول الله؟، فقالت: ما عندنا الاّ قوت العشيّة لكنّا نؤثر ضيفنا، فقال يا ابنة محمّدٍ (ص) نوّمى الصّبية واطفئ المصباح"، فلمّا اصبح علىّ (ع) غدا على رسول الله (ص) فأخبره الخبر فلم يبرح حتّى انزل عزّ وجلّ: {وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ}"تفسير : (الآية)، وقيل: انّه اهدى لبعض الصّحابة رأسٌ مشوىّ وكان مجهوداً فوجّه به الى جارٍ له فتداولته تسعة ثمّ عاد الى الاوّل فنزل: ويؤثرون على انفسهم. وقيل: "حديث : قال رسول الله (ص) يوم بنى النّضير للانصار: ان شئتم قسّمتم للمهاجرين من اموالكم ودياركم وتشاركونهم فى هذه الغنيمة، وان شئتم كانت لكم دياركم واموالكم ولم يقسّم لكم شيءٌ من الغنيمة"تفسير : فقال الانصار: بل نقسّم لهم من اموالنا وديارنا ونؤثرهم بالغنيمة ولا نشاركهم فيها، فنزلت الآية. وقيل: نزلت فى سبعةٍ عطشوا فى يوم اُحدٍ فجيئ بماءٍ يكفى لاحدهم فقال واحد منهم: ناول فلاناً حتّى طيف على سبعتهم وماتوا ولم يشرب احد منهم، فأثنى الله سبحانه عليهم بهذه الآية.
الهواري
تفسير : ثم قال: {لِلْفُقَرَآءِ الْمُهَاجِرِينَ} أي: وللفقراء المهاجرين، رجع إلى أول الآية: {مَآ أَفَاءَ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنَ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَاليَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ} وللفقراء المهاجرين. ثم قال: {وَالذِينَ تَبَوَّءُو الدَّارَ والإِيمَانَ} أي: وللذين تبوءوا الدار، تبعاً للكلام الأول... إلى قوله: {فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} ثم قال الله عز وجل: {وَالذِينَ جَآءُو مِن بَعْدِهِمْ} أي: وللذين جاءوا من بعدهم تبعاً للكلام الأول أيضاً. قال [بعضهم]: فلم يبق أحد إلا وله في هذا المال حق. وهذا تفسير الحسن. ذكروا أن عمر بن الخطاب قال: ما من أحمر ولا من أسود إلا يملكون فيئه. أي: إلا وله في هذا المال حقه، أُعطِيَه أو مُنِعَه. ولئن عشت إن شاء الله ليأتين الراعي باليمن حقه منه قبل أن يسأله أو يحمرّ فيه وجهه. [ابن لهيعة عن أبي الأسود قال: أدركت زمان عثمان بن عفان وما من المسلمين أحد إلا وله في مال الله حق]. قوله: {وَمَآ ءَاتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ}. ذكروا عن عبد الله بن مسعود أنه لعن المتفلجات والمتوشمات والمتنمصات المغيرات خلق الله. فجاءته امرأة من بني أسد فقالت: أنت الذي تقول: لعن الله المتفلجات والمتوشمات والمتنمصات المغيرات خلق الله؟ فقال: ألا ألعنُ من لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ وقال بعضهم: قال: يسعنى أن ألعن من لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقالت لقد قرأت ما بين اللوحين فما وجدت هذا فيه. فقال إن كنت قرأت ما بين اللوحين إنه لفيه. أما وجدت: {وَمَا ءَاتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا} قالت بلى. فقالت: والله إني رأيت امرأتك تفعله. قال: اذهبي وانظري إليها. فإن رأيت فيها شيئاً من ذلك لم تصحبني. فدخلت فنظرت فلم تر شيئاً. ثم رجعت فقالت: ما رأيت فيها شيئاً من ذلك. ذكروا عن الحسن قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : ألا هل عسى رجل أن يكذبني وهو متكىء على حشاياه، يبلغه الحديث عني فيقول: كتاب الله ودعونا من حديث رسول الله . تفسير : ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: حديث : لا تقوم الساعة حتى يرفع العلم. فقال زياد بن لبيد: أيرفع العلم يا رسول الله ونحن نقرأ القرآن إيماناً ولسانا. فقال: ثكلتك أمك يا زياد بن لبيد، قد كنت أعدك من فقهاء المدينة. أوليس كتاب الله عند اليهود والنصارى فما أغنى عنهم. إن ذهاب العلم ذهاب العلماء . تفسير : ذكروا عن عروة بن الزبير عن عبد الله بن عمرو قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: حديث : إن الله لا ينزع العلم عنكم بعد أن أعطاكموه انتزاعاً، ولكن ينزعه عنكم بقبض العلماء. أي: يذهب العلماء بعلمهم ويبقى الناس جهالاً يستفتون فيقولون برأيهم فيضلون ويُضلون. تفسير : قال عروة: فحدثت بذلك عائشة فقالت: والله لقد حفظ عبد الله. ذكر غير واحد، وذكروه عن عمر بن الخطاب قال: أصحاب الرأي أعداء السنن أعيتهم الأحاديث أن يحفظوها، وتفلتت منهم أن يعوها فسُئلوا فقالوا برأيهم فضلوا وأضلوا. ذكروا عن بعضهم قال: ما حدثك به أصحاب النبي عليه السلام فحدِّث. ذكروا عن الحسن عن أبي مسلم الخولاني قال: مثل العلماء في الأرض كمثل النجوم يهتدي بها الناس ما بدت، فإذا خفيت تحيّروا. ذكروا عن بعضهم قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : السنة سنتان: سنة في فريضة الأخذ بها هدى وتركها ضلالة، وسنة في غير فريضة الأخذ بها فضيلة، وتركها ليس بخطيئة . تفسير : ذكروا عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : ما أمرتكم به من شيء فأتوا منه ما استطعتم وما نهيتكم عنه فانتهواتفسير : . فهذا الأمر في غير السنة التي لا تترك فيما كان من فضيلة. ذكروا عن الحسن أنه قال: ركوب النهي أشد من ترك الأمر. قال بعضهم: يعني بالأمر الذي فيه فضيلة ليس بسنة لا تترك. قوله عز وجل: {لِلْفُقَرَآءِ المُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُواْ مِن دِيَارِهِمْ وَأَمْوالِهِمْ} أي: أخرجهم المشركون من مكة {يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللهِ وَرِضْوَاناً} أي بالعمل الصالح {وَيَنْصُرُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ} أي: في القول والعمل.
اطفيش
تفسير : {لِلْفُقَرَآءِ} الظاهر انه يدل من الذي في قوله ولذي القربى وما عطف عليه وان قلنا ان اغنياء ذوي القربى يعطون فهو بدل من قوله اليتامى والمساكين وابن السبيل أو الفىء فيء بني النضير قاله القاضي قلت: لو كان بدلا من اليتامى وما بعده لم نقل باللام اللهم إلا ان لوحظت زيادتها أو روعيت اللام في اليتامى ولا يصح بدلا من الله وما بعده أو من الرسول وما بعده لخروجه عن تعظيم الله ولو قلنا المراد بالله انه لسبيله ولان رسول الله لا يسمى فقيرا وقد أخرجه الله من الفقراء في قوله {وَيَنصُرُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ} ويجوز تعليقه بمحذوف أي اعجبوا للفقراء. {المُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا} اخرجهم اهل مكة واخذوا اموالهم {مِن دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمٍ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللهِ} أي رزقا ليتمكنوا من الطاعة وقيل ثوابا. {وَرِضْوَاناً} منه عنهم. {وَيَنصُرُونَ اللهَ} دينه {وَرَسُولَهُ} بالمال والنفس ويبتغون حال وذكر اخراجهم واتبغاؤهم مقصدهم ليشقوا عليهم وتفخيما لهم وقال قتادة هم المهاجرون الذي تركوا الدنيا والمال والعشيرة وخرجوا حبا لله واخراج الكفار اياهم لسبقهم عليهم في الدين واصرارهم عليه حتى خرجوا وترى واحدا عصب حجرا على بطنه للجوع وآخر لباسه حصير في الشتاء ما له سواه. وفي الحديث: "حديث : فقراء المهاجرين يسبقون الاغنياء يوم القيامة الى الجنة باربعين خريفاً"تفسير : وقال حديث : ابشروا صعاليك المهاجرين بالنور التام يوم القيامة تدخلون الجنة قبل اغنياء الناس بنصف يوم تفسير : وذلك خمسمائة سنة. {أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ} قولا وفعلا واعتقادا حديث : روي أن الانصار قالوا: يا رسول الله اقسم بيننا وبين اخواننا المهاجرين الارض نصفين قال: لا ولكنكم تكفلونهم المؤونة وتقاسمونهم التمره والارض ارضكم فقالوا: رضينا بذلك يا رسول الله تفسير : فنزل.
الالوسي
تفسير : {لِلْفُقَرَاء الْمُهَـٰجِرِينَ } قال الزمخشري: بدل من قوله تعالى: { أية : وَلِذِى ٱلْقُرْبَىٰ } تفسير : [الحشر: 7] والمعطوف عليه، والذي منع الإبدال من {لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ } وما بعد وإن كان المعنى لرسول الله صلى الله عليه وسلم أن الله عز وجل أخرج رسوله عليه الصلاة والسلام من الفقراء في قوله سبحانه: {وَيَنصُرُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ } وأنه يترفع برسول الله عليه الصلاة والسلام عن التسمية بالفقير، وأن الإبدال على ظاهر اللفظ من خلاف الواجب في تعظيم الله عز وجل، (وهذا كما لا يجوز أن يوصف سبحانه بعَلاَّمة لأجل التأنيث لفظاً لأن فيه سوء أدب) انتهى. وعنى أنه بدل كل من كل لاعتبار المبدل منه مجموع ما ذكر، قال الإمام: فكأنه قيل: أعني بأولئك الأربعة هؤلاء الفقراء والمهاجرين، وما ذكر من الإبدال من {لذي ٱلْقُرْبَىٰ} وما بعده مبني على قول الحنفية إنه لا يعطى الغني من ذوي القربى وإنما يعطي الفقير، ومن يرى كالشافعي أنه يعطي غنيهم كما يعطي فقيرهم خص / الإبدال باليتامى وما بعده، وقيل: يجوز ذلك أيضاً إلا أنه يقول بتخصيص اعتبار الفقر بفيء بني النضير فإنه عليه الصلاة والسلام لم يعط غنياً شيئاً منه، والآية نازلة فيه وفيه تعسف ظاهر. وفي «الكشف» أن {لِلْفُقَرَاء} ليس للقيد بل بياناً للواقع من حال المهاجرين وإثباتاً لمزيد اختصاصهم كأنه قيل: لله وللرسول وللمهاجرين، وقال ابن عطية: {لِلْفُقَرَاء } الخ بيان لقوله تعالى: { أية : ٱلْيَتَـٰمَىٰ وَٱلْمَسَـٰكِينِ وَٱبْنِ ٱلسَّبِيلِ } تفسير : [الحشر: 7] وكررت لام الجر لما كان ما تقدم مجروراً بها لتبيين أن البدل هو منها. وقيل: اللام متعلقة بما دل عليه قوله تعالى: { أية : كَى لاَ يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ ٱلأَغْنِيَاء مِنكُمْ } تفسير : [الحشر: 7] كأنه قيل: ولكن يكون للفقراء المهاجرين. وسيأتي إن شاء الله تعالى ما خطر لنا في ذلك من الاحتمال بناءاً على ما يفهم من ظاهر كلام عمر بن الخطاب بمحضر جمع من الأصحاب. {ٱلَّذِينَ أُخْرِجُواْ مِن دِيَـٰرِهِم وَأَمْوٰلَهُمْ} حيث اضطرهم كفار مكة وأحوجوهم إلى الخروج فخرجوا منها، وهذا وصف باعتبار الغالب، وقيل: كان هؤلاء مائة رجل {يَبْتَغُونَ فَضْلاً مّنَ ٱللَّهِ وَرِضْوَاناً} أي طالبين منه تعالى رزقاً في الدنيا ومرضاة في الآخرة، وصفوا أولاً بما يدل على استحقاقهم للفيء من الإخراج من الديار والأموال، وقيد ذلك ثانياً بما يوجب تفخيم شأنهم ويؤكده مما يدل على توكلهم التام ورضاهم بما قدره المليك العلام {وَيَنصُرُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ} عطف على {يَبْتَغُونَ} فهي حال مقدرة أي ناوين لنصرة الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم أو مقارنة فإن خروجهم من بين الكفار مراغمين لهم مهاجرين إلى المدينة نصرة وأي نصرة. {أُوْلَـٰئِكَ} الموصوفون بما ذكر من الصفات الجليلة {هُمُ ٱلصَّـٰدِقُونَ} أي الكاملون في الصدق في دعواهم الإيمان حيث فعلوا ما يدل أقوى دلالة عليه مع إخراجهم من أوطانهم وأموالهم لأجله لا غيرهم ممن آمن في مكة ولم يخرج من داره وماله، ولم يثبت منه نحو ما ثبت منهم لنحو لين منه مع المشركين، فالحصر إضافي ووجه بغير ذلك. وحمل بعضهم الكلام على العموم لحذف متعلق الصدق، وتمسك به لذلك فيه الاستدلال على صحة إمامة أبـي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه لأن هؤلاء المهاجرين كانوا يدعونه بخليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم، والله تعالى قد شهد بصدقهم فلا بد أن تكون إمامته رضي الله تعالى عنه صحيحة ثابتة في نفس الأمر، وهو تمسك ضعيف مستغنية عن مثله دعوى صحة خلافة الصديق رضي الله تعالى عنه بإجماع الصحابة، ومنهم علي كرم الله تعالى وجهه، ونسبة التقية إليه بالموافقة لا يوافقُ الشيعةَ عليها متق كدعوى الإكراه، بل مستغنية بغير ذلك أيضاً.
ابن عاشور
تفسير : بدل مما يصلح أن يكون بدلاً منه من أسماء الأصناف المتقدمة التي دخلت عليها اللام مباشرة وعطفاً قوله: {أية : ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل}تفسير : [الحشر: 7] بدل بعض من كل. وأول فائدة في هذا البدل التنبيه على أن ما أفاء الله على المسلمين من أهل القرى المعْنية في الآية لا يجري قسمه على ما جرى عليه قسم أموال بني النضير التي اقتُصر في قسمها على المهاجرين وثلاثة من الأنصار ورابع منهم، فكأنه قيل: ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل لِلفقراء منهم لا مطلقاً، يدخل في ذلك المهاجرون والأنصار والذين آمنوا بعدهم. وأعيد اللام مع البدل لربطه بالمبدل منه لانفصال ما بينهما بطول الكلام من تعليل وتذييل وتحذير. ولإِفادة التأكيد. وكثيراً ما يقترن البدل بمثل العامل في المبدل منه على وجه التأكيد اللفظي، وتقدم في قوله تعالى: {أية : تكون لنا عيداً لأولنا وآخرنا}تفسير : في سورة [العقود: 114]. فبقي احتمال أن يكون قيداً{أية : ولذى القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل}تفسير : [الحشر: 7]، فيتعين أن يكون قوله: {للفقراء} إلى آخره مسوقاً لتقييد استحقاق هؤلاء الأصناف وشأن القيود الواردة بعد مفردات أن ترجع إلى جميع ما قبلها، فيقتضي هذا أن يُشترط الفقر في كل صنف من هذه الأصناف الأربعة، لأن مطلقها قد قُيّد بقيد عَقب إطلاق، والكلام بأواخره فليس يجري هنا الاختلاف في حمل المطلق على المقيد، ولا تجري الصور الأربع في حمل المطلق على المقيد من اتحاد حكمهما وجنسهما. ولذلك قال مالك وأبو حنيفة: لا يعطى ذوو القربى إلا إذا كانوا فقراء لأنه عوض لهم عما حرموه من الزكاة. وقال الشافعي وكثير من الفقهاء: يشترط الفقر فيما عدا ذوي القربى لأنه حق لهم لأجل القرابة للنبي صلى الله عليه وسلم قال إمام الحرمين: أغلظ الشافعي الرد على مذهب أبي حنيفة بأن الله علق الاستحقاق بالقرابة ولم يشترط الحاجة، فاشتراطُها وعدمُ اعتبار القرابة يضارّه ويحَادّه. قلت: هذا محل النزاع فإن الله ذكر وصف اليتامى ووصف ابن السبيل ولم يشترط الحاجة. واعتذر إمام الحرمين للحنفية بأن الصدقات لما حُرمت على ذوي القربى كانت فائدة ذكرهم في خمس الفيْء والمغانم أنه لا يمتنع صرفه إليهم امتناعَ صرف الصدقات، ثم قال: لا تغترَّ بالاعتذار فإن الآية نص على ثبوت الاستحقاق تشريفاً لهم فمن علّله بالحاجة فَوّت هذا المعنى اهـ. وعند التأمل تجد أن هذا الرد مدخول، والبحث فيه يطول. ومحله مسائل الفقه والأصول. ومن العلماء والمفسرين من جعل جملة {للفقراء المهاجرين} ابتدائية على حذف المبتدأ. والتقدير: ما أفاء الله على رسوله للمهاجرين الفقراء إلى آخر ما عطف عليه فتكون هذه مصارف أخرى للفيء، ومنهم من جعلها معطوفة بحذف حرف العطف على طريقة التعداد كأنه قيل: فلله وللرسول، إلى آخره، ثم قيل: {للفقراء المهاجرين}. فعلى هذين القولين ينتفي كونها قيداً للجملة التي قبلها، وتنفتح طرائق أخرى في حمل المطلق على المقيد، والاختلاف في شروط الحمل، وهي طرائق واضحة للمتأمل، وعلى الوجه الأول يكون المعوّل. ووُصِف المهاجرون بالذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم تنبيهاً على أن إعطاءهم مراعىً جبر مَا نكبوا به من ضياع الأموال والديار، ومراعىً فيه إخلاصهم الإيمان وأنهم مكرّرُون نصرَ دين الله ورسوله صلى الله عليه وسلم فذيل بقوله: {أولئك هم الصادقون}. واسم الإِشارة لتعظيم شأنهم وللتنبيه على أن استحقاقهم وصف الصادقين لأجل ما سبق اسمَ الإِشارة مِن الصفات وهي أنهم أخرجوا من ديارهم وأموالهم وابتغاؤهم فضلاً من الله ورضواناً ونصرهم الله ورسوله فإن الأعمال الخالصة فيما عملت لأجله يَشهد للإِخلاص فيها ما يلحق عاملها من مشاقّ وأذى وإضرار، فيستطيع أن يخلص منها لو ترك ما عمله لأجلها أو قصر فيه. وجملة {هم الصادقون} مفيدة القصر لأجل ضمير الفصل وهو قصر ادعائي للمبالغة في وصفهم بالصدق الكامل كأنَّ صدق غيرهم ليس صدقاً في جانب صدقهم. وموقع قوله: {أولئك هم الصادقون} كموقع قوله: {أية : وأولئك هم المفلحون}تفسير : في سورة [البقرة: 5].
الشنقيطي
تفسير : في هذه الآية الكريمة وصف شامل للمهاجرين في دوافع الهجرة: أنهم {يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ ٱللَّهِ}، وغايتها: وهي {وَيَنصُرُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَه}، والحكم لهم بأنهم {أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلصَّادِقُون}. ومنطوق هذه الأوصاف يدل بمفهومه أنه خاص بالمهاجرين، مع أنه جاءت نصوص أخرى تدل على مشاركة الأنصار لهم فيه: منها قوله تعالى:{أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱلَّذِينَ آوَواْ وَّنَصَرُوۤاْ أُوْلَـٰئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ}تفسير : [الأنفال: 72]، وقوله تعالى بعدها: {أية : وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱلَّذِينَ آوَواْ وَّنَصَرُوۤاْ أُولَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُؤْمِنُونَ حَقّاً}تفسير : [الأنفال: 74]. فذكر المهاجرين بالجهاد بالمال والنفس، وذكر معهم الأنصار بالإيواء والنصر، ووصف الفريقين معاً بولاية بعضهم لبعض، وأثبت لهم معاً حقيقة الإيمان{أية : أُولَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُؤْمِنُونَ حَقّاً}تفسير : [الأنفال: 4]، أي الصادقون في إيمانهم فاستوى الأنصار مع المهاجرين في عامل النصرة وفي صدق الإيمان. وفي قوله تعالى: {أية : وَٱلَّذِينَ تَبَوَّءُوا ٱلدَّارَ وَٱلإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلاَ يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّآ أُوتُواْ وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ}تفسير : [الحشر: 9] وصف شامل للأنصار، تبوءوا الدار: أي المدينة، والإيمان من قبلهم: أي ببيعة العقبة الأولى والثانية من قبل مجيء المهاجرين، بل ومن قبل إيمان بعض المهاجرين يحبون من هاجر إليهم ويستقبلونه بصدور رحبة، ويؤثرون غيرهم على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة، لأنهم هاجروا إليهم. وظاهر النصوص تدل بمفهومها أن غيرهم لم يشاركهم في هذه الصفات، ولكن في الآية الأولى ما يدل لمشاركة المهاجرين الأنصار في هذا الوصف الكريم، وهو الإيثار على النفس، لأن حقيقة الإيثار على النفس هو بذل المار للغير عند حاجته مقدماً غيره على نفسه، وهذا المعنى بالذات سبق أن كان من المهاجرين أنفسهم المنصوص عليه في قوله تعالى: {أية : لِلْفُقَرَآءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُواْ مِن دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ}تفسير : [الحشر: 8] فكانت لهم ديار، وكانت عندهم أموال وأخرجوا منها كلها، فلئن كان الأنصار واسوا إخوانهم المهاجرين ببعض أموالهم، وقاسموهم ممتلكاتهم، فإن المهاجرين لم ينزلوا عن بعض أموالهم فحسب، بل تركوها كلها. أموالهم وديارهم وأولادهم وأهلهم، فصاروا فقراء بعد إخراجهم من ديارهم وأموالهم. ومن يخرج من كل ماله ودياره ويترك أهله وأولاده، لا يكون أقل تضحية ممن آثر غيره ببعض ماله، وهو مستقر في أهله ودياره، فكأن الله عوضهم بهذا الفيء عما فات عنهم. وقد ذكر ابن كثير رحمه الله: أنه صلى الله عليه وسلم قال للأنصار ما يشعر بهذا المعنى، وهو قوله صلى الله عليه وسلم:"حديث : إن إخوانكم قد تركوا الأموال والأولاد وخرجوا إليكم فقالوا يا رسول الله: أموالنا بيننا قطائع"تفسير : الحديث. أي أن الأنصار عرفوا ذلك للمهاجرين، وعليه أيضاً، فقد استوى المهاجرون مع الأنصار في هذا الوصف المثالي الكريم، وكان خلقاً لكثيرين منهم بعد الهجرة كما فعل الصديق رضي الله عنه حين تصدق بكل ماله فقال له، رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : ما أبقيت لأهلك"تفسير : ؟ فقال رضي الله عنه: أبقيت لهم الله ورسوله. وكذلك عائشة الصديقة رضي الله عنها. حينما كانت صائمة وليس عندها سوى قرص من الشعير وجاء سائل فقالت لبريرة: ادفعي إليه ما عندك، فقالت: لها: ليس إلا ما ستفطرين عليه، فقالت لها: ادفعيه إليه، ولعلها أحوج إليه الآن، أو كما قالت. ولما جاء المغرب أهدى إليهم رجل شاة بقرامها - وقرامها هو ما كانت العرب تفعله إذا أرادوا شواء شاة طلوها من الخارج بالعجين حفظاً لها من رماد الجمر - فقالت لبريرة: كلي، هذا خير من قرصك. وكما فعل عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه تصدق بالعير وما تحمله من تجارة حين قدمت، والرسول صلى الله عليه وسلم يخطب يوم الجمعة فخرج الناس إليها. فعلى هذا، كان مجتمع المدينة في عهده صلى الله عليه وسلم مجتمعاً متكافلاً بعضهم أولياء بعض، وقد نوَّه صلى الله عليه وسلم في قصة غنائم حنين بفضل كلا الفريقين في قوله صلى الله عليه وسلم:"حديث : لولا الهجرة لكنت امرءاً من الأنصار " تفسير : ومن بعده عمر رضي الله عنه قال: وأوصي الخليفة بعدي بالمهاجرين الأولين أن يعرف لهم حقهم ويحفظ لهم كرامتهم. وأوصيه بالأنصار خيراً الذين تبوأوا الدار والإيمان، من قبل أن يقبل من محسنهم، وأن يعفو عن مسيئهم. ثم كان هذا خلق المهاجرين والأنصار جميعاً، كما وقع في وقعة اليرموك، قال حذيفة العدوي: انطلقت يوم اليرموك أطلب ابن عم لي، ومعي شيء من الماء وأنا أقول: إن كان به رمق سقيته، فإذا أنا به فقلت له: أسقيك؟ فأشار برأسه أن نعم، فإذا أنا برجل يقول: آه آه، فأشار إلي ابن عمي أن أنطلق إليه، فإذا هو هشام بن العاص، فقلت أسقيك؟ فأشار أن نعم، فسمع آخر يقول آه آه. فأشار هشام أن أنطلق إليه فجئته، فإذا هو قد مات، فرجعت إلى هشام، فإذا هو قد مات، فرجعت إلى ابن عمي فإذا هو قد مات. وكان منهج الخواص من بعدهم، كما نقل القرطبي عن أبي يزيد البسطامي أنه قال: ما غلبني أحد ما غلبني شاب من أهل بلخ، قدم علينا حاجاً فقال لي: ما حد الزهد عندكم؟ فقلت: إن وجدنا أكلنا، وإن فقدنا صبرنا، فقال: هكذا كلاب بلخ عندنا. فقلت: وما حد الزهد عندكم؟ قال: إن فقدنا شكرنا وإن وجدنا آثرنا. وفي قوله: {أية : وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ}تفسير : [الحشر: 9]. الإيثار على النفس: تقديم الغير عليها مع الحاجة، والخصاصة: التي تختل بها الحال، وأصلها من الاختصاص، وهو الانفراد في الأمر. فالخصاصة الانفراد بالحاجة أي ولو كان بهم فاقة وحاجة. ومنه قول الشاعر: شعر : أما الربيع إذا تكون خصاصة عاش السقيم به وأثرى المقتر تفسير : وهل يصح الإيثار من كل إنسان ولو كان ذا عيال أو تلزمه نفقة غيره أم لا؟ وما علاقته مع قوله {أية : وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ ٱلْعَفْو}تفسير : [البقرة: 219]؟ والجواب على هذا كله في كلام الشيخ رحمه الله على قوله تعالى: {أية : وَممَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ}تفسير : [البقرة: 3] في أول سورة البقرة. قال رحمه الله: قوله تعالى: {وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ}، عبر في هذه الآية الكريمة بمن التبعيضية الدالة على أنه ينفق لوجه الله بعض ماله لا كله، ولم يبين هنا القدر الَّذي ينبغي إنفاقه، والذي ينبغي إمساكه، ولكنه بين في مواضع أخرى أن القدر الذي ينبغي إنفاقه هو الزائد على الحاجة، وسد الخلَّة التي لا بد منها، وذلك كقوله: {وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ ٱلْعَفْوَ}، والمراد بالعفو الزائد على قدر الحاجة التي لا بد منها على أصح التفسيرات، وهو مذهب الجمهور ومنه قوله تعالى: {أية : حَتَّىٰ عَفَوْاْ}تفسير : [الأعراف: 95] أي كثروا وكثرت أموالهم وأولادهم. وقال بعض العلماء: العفو نقيض الجهد، وهو أن ينفق ما لا يبلغ إنفاقه منه الجهد واستفراغ الوسع. ومنه قول الشاعر: شعر : خذي العفو مني تستديمي مودتي ولا تنطقي في سورتي حين أغضب تفسير : وهذا القول راجع إلى ما ذكرنا، وبقية الأقوال ضعيفة، وقوله تعالى:{أية : وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَىٰ عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ ٱلْبَسْطِ}تفسير : [الإسراء: 29] فنهاه عن البخل بقوله: {وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَىٰ عُنُقِك}، ونهاه عن الإسراف بقوله: {وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ ٱلْبَسْطِ}، فيتعين الوسط بين الأمرين، كما بينه بقوله: {أية : وَٱلَّذِينَ إِذَآ أَنفَقُواْ لَمْ يُسْرِفُواْ وَلَمْ يَقْتُرُواْ وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً}تفسير : [الفرقان: 67]. فيجب على المنفق أن يفرق بين الجود والتبذير وبين البخل والإقتار، فالجود غير التبذير، والاقتصاد غير البخل فالمنع في محل الإعطاء مذموم، وقد نهى الله عنه نبيه صلى الله عليه وسلم بقوله: {أية : وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَىٰ عُنُقِكَ}تفسير : [الإسراء: 29]، والإعطاء في محل المنع مذموم أيضاً، وقد نهى الله عنه نبيه صلى الله عليه وسلم بقوله: {أية : وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ ٱلْبَسْطِ}تفسير : [الإسراء: 29]. وقد قال الشاعر: شعر : لا تمدحن ابن عباد وإن هطلت يداه كالمزن حتى تخجل الديما فإنها خطرات من وساوسه يعطي ويمنع لا بخلاً ولا كرما تفسير : وقد بين تعالى في مواضع أخرى، أن الإنفاق المحمود لا يكون كذلك إلا إذا كان مصرفه الذي صرف منه مما يرضي الله كقوله تعالى:{أية : قُلْ مَآ أَنْفَقْتُمْ مِّنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَٱلأَقْرَبِينَ}تفسير : [البقرة: 215] الآية، وصرح في أن الإنفاق فيما لا يرضي الله حسرة على صاحبه في قوله: {أية : فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً}تفسير : [الأنفال: 36]. وقد قال الشاعر: شعر : إن الصنيعة لا تعد صنيعة حتى يصاب بها طريق المصنع تفسير : فإن قيل: هذا الذي قررتم يقتضي أن الإنفاق المحمود هو إنفاق ما زاد عن الحاجة الضرورية، مع أن الله تعالى أثنى على قوم بالإنفاق وهم في حاجة إلى ما أنفقوا، وذلك في قوله: {أية : وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ}تفسير : [الحشر: 9]. فالظاهر في الجواب والله تعالى أعلم: هو ما ذكره بعض العلماء من أن لكل مقام مقالاً، ففي بعض الأحوال يكون الإيثار ممنوعاً، وذلك كما إذا كانت على المنفق واجبة كنفقة الزوجات ونحوها، فتبرع بالإنفاق في غير واجب، وترك الفرض لقوله صلى الله عليه وسلم:"حديث : وابدأ بمن تعول"تفسير : ، وكأن يكون لا صبر عنده عن سؤال الناس فينفق ماله، ويرجع إلى الناس يسألهم مالهم، فلا يجوز له ذلك؟ والإيثار فيما إذا كان لم يضيع نفقة واجبة، وكان واثقاً من نفسه بالصبر والتعفف وعدم السؤال. وأما على القول بأن قوله تعالى:{أية : وَمِمَّا رَزَقْنَاهُم يُنفِقُونَ}تفسير : [البقرة: 3] يعني به الزكاة، فالأمر واضح، والعلم عند الله تعالى. انتهى منه. والواقع أن للإنفاق في القرآن مراتب ثلاثة: الأولى: الإنفاق من بعض المال بصفة عامة، كما في قوله تعالى: {وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ}. الثانية: الإنفاق مما يحبه الإنسان ويحرص عليه، كما في قوله تعالى {أية : وَآتَى ٱلْمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِ}تفسير : [البقرة: 177]، وهذا أخص من الأول، وقوله: {أية : وَيُطْعِمُونَ ٱلطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً}تفسير : [الإنسان: 8] الآية. الثالثة: الإنفاق مع الإيثار على النفس كهذه الآية {أية : وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ}تفسير : [الحشر: 9] فهي أخص من الخاص الأول. وتعتبر المرتبة الأولى هي الحد الأدنى في الواجب، حتى قيل: إن المراد بها الزكاة. وهي تشمل النافلة، وتصدق على أدنى شيء ولو شق تمرة، وتدخل في قوله تعالى: {أية : فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ}تفسير : [الزلزلة: 7] وتعتبر المرتبة الثالثة هي الحد الأقصى، لأنها إيثار للغير على خاصة النفس، والمرتبة الثانية هي الوسطى بينهما، وهي الحد الوسط بين الاكتفاء بأقل الواجب، وبين الإيثار على النفس وهي ميزان التوسط لعامة الناس، كما بينه تعالى بقوله: {أية : وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَىٰ عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ ٱلْبَسْطِ}تفسير : [الإسراء: 29]. وكما امتدح الله تعالى قوماً بالاعتدال في قوله: {أية : وَٱلَّذِينَ إِذَآ أَنفَقُواْ لَمْ يُسْرِفُواْ وَلَمْ يَقْتُرُواْ وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً}تفسير : [الفرقان: 67]. وهذا هو عين تطبيق قاعدة الفلسفة الأخلاقية القائلة: "الفضيلة وسط بين طرفين" أي طرفي الإفراط والتفريط. فالشجاعة مثلاً وسط بين التهور والجبن، والكرم وسط بين التبذير والتقتير. والإنفاق جوانب متعددة، وأحكام متفاوتة، قد بين الشيخ رحمه الله جانباً من الأحكام، وقد بين القرآن الجوانب الأخرى، وتنحصر في الآتي: نوع ما يقع منه الإنفاق، الجهة المنفق عليها، موقف المنفق، وصورة الإنفاق. أما ما يقع منه الإنفاق: قد بينه تعالى أولاً من كسب حلال لقوله تعالى: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ أَنْفِقُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّآ أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ ٱلأَرْضِ وَلاَ تَيَمَّمُواْ ٱلْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلاَّ أَن تُغْمِضُواْ فِيهِ وَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ}تفسير : [البقرة: 267]. وقوله تعالى: {أية : لَن تَنَالُواْ ٱلْبِرَّ حَتَّىٰ تُنْفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ}تفسير : [آل عمران: 92]. أما الجهة المنفق عليها: فكما في قوله تعالى:{أية : يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَآ أَنْفَقْتُمْ مِّنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَٱلأَقْرَبِينَ وَٱلْيَتَامَىٰ وَٱلْمَسَاكِينِ وَٱبْنِ ٱلسَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ ٱللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ}تفسير : [البقرة: 215] فبدأ بالوالدين براً لهما، وثنَّى بالأقربين. وقال صلى الله عليه وسلم:"حديث : الصدقة على القريب صدقة وصلة، وعلى البعيد صدقة"تفسير : ثم اليتامى وهذا واجب إنساني وتكافل اجتماعي، لأن يتيم اليوم منفق الغد، وولد الأبوين اليوم قد يكون يتيماً غداً، أي أن من أحسن إلى اليتيم اليوم قد يترك أيتاماً، فيحسن عليهم ذلك اليتيم الذي أحسنت إليه بالأمس، والمساكين وابن السبيل أمور عامة. وجاء بالقاعدة العامة التي يحاسب الله تعالى عليها ويجازي صاحبها {أية : وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ}تفسير : [البقرة: 215] - أي مطلقاً - {أية : فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ}تفسير : [البقرة: 215]، وكفى في ذلك علمه تعالى. أما موقف المنفق وصورة الإنفاق: فإن هذا هو سر النفقة في الإسلام، وفلسفة الإنفاق كلها تظهر في هذا الجانب، مما تميز به الإسلام دون غيره من جميع الأديان أو النظم. لأنه يركز على الحفاظ على شعور وإحساس المسكين، بحيث لا يشعره بجرح المسكنة، ولا ذلة الفاقة كما في قوله تعالى: {أية : ٱلَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ثُمَّ لاَ يُتْبِعُونَ مَآ أَنْفَقُواُ مَنّاً وَلاَ أَذًى لَّهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ}تفسير : [البقرة: 262]. ثم فاضل بين الكلمة الطيبة والصدقة المؤذية في قوله تعالى: {أية : قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِّن صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَآ أَذًى وَٱللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ}تفسير : [البقرة: 263] يعطي ولا يمن بالعطاء. وأفهم المنفقين أن المنّ والأذى يبطل الصدقة {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُبْطِلُواْ صَدَقَاتِكُم بِٱلْمَنِّ وَٱلأَذَىٰ}تفسير : [البقرة: 264] لما فيه من جرح شعور المسكين. وقد حثَّ على إخفائها إمعاناً في الحفاظ على شعوره وإحساسه {أية : إِن تُبْدُواْ ٱلصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ}تفسير : [البقرة: 271] - أي مع الآداب السابقة -{أية : وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا ٱلْفُقَرَآءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ}تفسير : [البقرة: 271] أي لكم أنتم في حفظ ثوابها. وقد حديث : جعل صلى الله عليه وسلم من السبعة الذين يظلهم الله تحت ظله يوم لا ظل إلا ظله "رجل تصدق بصدقة فأخفاها، حتى لا تعلم شماله ما أنفقت يمينه"تفسير : ، وكما قال تعالى:{أية : ٱلَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِٱللَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ سِرّاً وَعَلاَنِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ}تفسير : [البقرة: 274]. ومن خصائص الإسلام في هذا الباب أنه كما أدب الأغنياء في طريقة الإنفاق، فقد أدب الفقراء في طريقة الأخذ. وذلك في قوله تعالى: {أية : لِلْفُقَرَآءِ ٱلَّذِينَ أُحصِرُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ ضَرْباً فِي ٱلأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ ٱلْجَاهِلُ أَغْنِيَآءَ مِنَ ٱلتَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُم بِسِيمَاهُمْ لاَ يَسْأَلُونَ ٱلنَّاسَ إِلْحَافاً}تفسير : [البقرة: 273].
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: يبتغون فضلا من الله ورضوانا: أي هاجروا حال كونهم طالبين من الله رزقاً يكفيهم ورضا منه تعالى. أولئك هم الصادقون: أي في إيمانهم حيث تركوا ديارهم وأموالهم وهاجروا ينصرون الله ورسوله. والذين تبوءوا الدار والإِيمان: أي والأنصار الذين نزلوا المدينة وألِفُوا الإِيمان بعدما اختاروه على الكفر. من قبلهم: أي من قبل المهاجرين. ولا يجدون في صدورهم حاجة: أي حسداً ولا غيظاً. مما أوتوا: أي مما أوتى أخوانهم المهاجرون من فيىء بني النضير. ويؤثرون على أنفسهم: أي في كل شيء حتى إن الرجل منهم تكون تحته المرأتان فيطلق أحداهما ليزوجها مهاجراً. ولو كان بهم خصاصة: أي حاجة شديدة وخلَّة كبيرة لا يجدون ما يسدونها به. ومن يوق شح نفسه: أي ومن يقه الله تعالى حرص نفسه على المال والبخل به. والذين جاءوا من بعدهم: أي من بعد المهاجرين والأنصار من التابعين إلى يومنا هذا فما بعد. ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا: أي حقداً أي انطواء على العداوة والبغضاء. معنى الآيات: ما زال السياق الكريم في الحديث عن فيء بني النضير وتوزيع الرسول صلى الله عليه وسلم له فقال تعالى {لِلْفُقَرَآءِ} أي أعجبوا أن يعطى فيء بني النضير للفقراء المهاجرين الذين أُخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون أي حال كونهم في خروجهم يطلبون فضلا من الله أي رزقاً يكف وجوههم عن المسآلة ورضواناً من ربهم أي رضاً عنهم لا يعقبه سخط. إذ كان الرسول صلى الله عليه وسلم أعطى فيء بني النضير للمهاجرين ولم يعط للأنصار إلا ما كان من أبي دجانة وسهل بن حنيف فقد ذكرا لرسول الله صلى الله عليه وسلم حاجة فأعطاهما. فتكلم المنافقون للفتنة وعابوا صنيع رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله تعالى هذه الآية يعجب منهم الرسول والمؤمنين في إنكارهم على عطاء رسول الله صلى الله عليه وسلم المهاجرين دون الأنصار، وهو قوله تعالى {لِلْفُقَرَآءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُواْ مِن دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ ٱللَّهِ وَرِضْوَاناً وَيَنصُرُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلصَّادِقُونَ} أي في إيمانهم إذ صدقوا القول بالعمل، وما كان معتقداً باطناً أصبح عملاً ظاهراً بهذه الأوصاف التي ذكر تعالى للمهاجرين أعطاهم الرسول من فيء بني النضير. وأما الأنصار الذين لم يعطهم المال الزائل وهم في غير حاجة إليه فقد أعطاهم ما هو خير من المال. واسمع ثناءه تعالى عليهم: {وَٱلَّذِينَ تَبَوَّءُوا ٱلدَّارَ} أي المدينة النبوية والإِيمان أي بوأوه قلوبهم وأحبوه وألفوه. من قبلهم أي من قبل نزول المهاجرين إلى المدينة يحبون من هاجر إليهم من سائر المؤمنين الذين يأتون فراراً بدينهم، ولا يجدون في صدورهم حاجة أي حسداً ولا غيظاً مما أوتوا أي مما أعطى الرسول صلى الله عليه وسلم المهاجرين. ويؤثرون على أنفسهم غيرهم من المهاجرين ولو كان بهم خصاصة أي حاجة شديدة وخلة كبيرة لا يجدون ما يسدونها به، وفي السيرة من عجيب إيثارهم العجب العجاب في أن الرجل يكون تحته امرأتان فيطلق إحداهما فإذا انتهت عدتها زوجها أخاه المهاجر فهل بعد هذا الإِيثار من إيثار؟. وقوله تعالى {وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ} أي من يقيه الله تعالى مرض الشح وهو البخل بالمال والحرص على جمعه ومنعه فهو في عداد المفلحين وقد وقى الأنصار هذا الخطر فهم مفلحون فهذا أيضاً ثناءٌ عليهم وبشرى لهم. وقوله تعالى: {وَٱلَّذِينَ جَآءُوا مِن بَعْدِهِمْ} أي من بعد المهاجرين الأولين والأنصار الذين تبوءوا الدار والإِيمان يقولون في دعائهم الدائم لهم {رَبَّنَا} أي يا ربنا {ٱغْفِرْ لَنَا} أي ذنوبنا واغفر {وَلإِخْوَانِنَا ٱلَّذِينَ سَبَقُونَا بِٱلإِيمَانِ} وهم المهاجرون والأنصار، {وَلاَ تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِّلَّذِينَ آمَنُواْ} بك وبرسولك {رَبَّنَآ إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ} أي ذو رأفة بعبادك ورحمة بالمؤمنين بك فاستجب دعاءنا فاغفر لنا ولإِخواننا الذين سبقونا بالإِيمان ولا تجعل في قلوبنا غلاً لهم. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- بيان فضل المهاجرين والأنصار، وأن حبهم إيمان وبغضهم كفران. 2- فضيلة الإِيثار على النفس. 3- فضيلة إيواء المهاجرين ومساعدتهم على العيش في دار الهجرة المهاجرين الذين هاجروا في سبيل الله تعالى فراراً بدينهم ونصرة لإِخوانهم المجاهدين والمرابطين. 4- خطر الشح وهو البخل بما وجب إخراجه من المال والحرص على جمعه من الحلال والحرام. 5- بيان طبقات المسلمين ودرجاتهم وهي ثلاثة بالإِجمال: 1- المهاجرون الأولون. 2- الأنصار الذين تبوءوا الدار "المدينة" وألفوا الإِيمان. 3- من جاء بعدهم من التابعين وتابعي التابعين إلى قيام الساعة من أهل الإِيمان والتقوى.
د. أسعد حومد
تفسير : {الْمُهَاجِرِينَ} {دِيَارِهِمْ} {أَمْوَالِهِمْ} {رِضْوَاناً} {أُوْلَـٰئِكَ} {ٱلصَّادِقُونَ} (8) - يُبَيِّنُ اللهُ تَعَالَى حَالَةَ الفُقَرَاءِ المُسْتَحِقِّينَ لِمَالِ الفَيْءِ فَيَذْكُرُ أَنَّهُم الذِينَ اضْطَرَّهُم كُفَّارُ مَكَّةَ إِلَى الخُرُوجِ مِنْ دِيَارِهِمْ، وَتَرْكِ أَمْوَالِهِمْ، وَقَدْ فَعَلُوا ذَلِكَ طَلَباً لِمَرْضَاةِ اللهِ تَعَالَى، وَابْتِغَاءَ ثَوَابِهِ، وَنُصْرَةً للهِ وَرَسُولِهِ، وَهَؤُلاَءِ هُمُ الصَّادِقُونَ فِي إِيْمَانِهِمْ، الذِينَ وَفَّقُوا قَوْلَهُمْ مَعَ فِعْلِهِمْ، وَهَؤُلاَءِ هُمُ المُهَاجِرُونَ.
الثعلبي
تفسير : {لِلْفُقَرَآءِ} يعني كي لا يكون ما أفاء الله على رسوله دولة بين الاغنياء منكم، ولكن يكون للفقراء {الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُواْ مِن دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ ٱللَّهِ وَرِضْوَاناً وَيَنصُرُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلصَّادِقُونَ} في إيمانهم. قال قتادة: هؤلاء المهاجرون الذي تركوا الديار والأموال والأهلين والعشائر وخرجوا حباً لله ولرسوله، واختاروا الإسلام على ما كانت فيهم من شديدة، حتى ذكر لنا أنّ الرجل يعصب الحجر على بطنه ليقيم به صلبه من الجوع، وكان الرجل يتّخذ الحفرة في الشتاء ماله دثار غيرها. وروى جعفر بن المغيرة، عن سعيد بن جبير وسعيد بن عبد الرحمن بن أبزي قالا: كان أناس من المهاجرين لأحدهم الدار والزوجة والعبد والناقة يحجّ عليها ويغزو فنسبهم الله أنّهم فقراء، وجعل لهم سهماً في الزكاة. {وَٱلَّذِينَ تَبَوَّءُوا}: توطّنوا {ٱلدَّارَ} أي اتّخذوا المدينة دار الإيمان والهجرة، وهم الأنصار أسلموا في ديارهم وبنوا المساجد قبل قدوم النبي صلى الله عليه وسلم بسنتين فأخر الله عليهم البناء. ونظم الآية: {وَٱلَّذِينَ تَبَوَّءُوا ٱلدَّارَ وَٱلإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ} أي من قبل قدوم المهاجرين عليهم وقد آمنوا {يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلاَ يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً} حزازة وغيظاً وحسداً {مِّمَّآ أُوتُواْ} أي ممّا أعطوا المهاجرين من الفيء. وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قسم أموال بني النضير بين المهاجرين، ولم يعط الأنصار منها شيئاً إلاّ ثلاثة نفر كما ذكرناهم، فطابت أنفس الأنصار بذلك. {وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ} إخوانِهم من المهاجرين بأموالهم وديارهم {وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ}: فاقة وحاجة إلى ما هو يزول؛ وذلك أنّهم قاسموهم ديارهم وأموالهم. وأخبرنا أبو محمّد الحسن بن أحمد بن محمّد السيستاني قال: حدّثنا أبو العبّاس محمّد بن إبراهيم الثقفي قال: أخبرنا محمود بن خداش وسمعته يقول: ما أخذت شيئاً أشتري قط قال: حدّثنا محمّد بن الحسن السيستاني قال: حدّثنا الفضيل بن غزوان عن أبي حازم عن أبي هريرة قال: حديث : جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقد أصابه الجهد فقال: يا رسول الله، إني جائع فأطعمني. فبعث النبيّ صلى الله عليه وسلم (عليه السلام) إلى أزواجه: "هل عندكنّ شيء؟". فكلّهنّ قلن: والذي بعثك بالحقّ نبيّاً ما عندنا إلاّ الماء. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «ما عند رسول الله ما يطعمك هذه الليلة". ثم قال: "من يضف هذا هذه الليلة يرحمه الله". فقام رجل من الأنصار قال: أنا يا رسول الله. فأتى به منزله، فقال لأهله: هذا ضيف رسول الله صلى الله عليه وسلم فأكرميه ولا تدّخري عنه شيئاً. فقالت: ما عندنا إلاّ قوت الصبية. قال: قومي فعلّليهم عن قوتهم حتى يناموا ولا يطعموا شيئاً، ثم أسرجي فأبرزي، فاذا أخذ الضيف ليأكل قومي كأنّك تصلحين السراج فأطفئيه وتعالي نمضغ ألسنتنا لضيف رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى يشبع ضيف رسول الله. قال: فقامت إلى الصبية فعللتهم حتى ناموا عن قوتهم ولم يطعموا شيئاً، ثم قامت فأبرزت وأسرجت فلمّا أخذ الضيف ليأكل قامت كأنّها تصلح السراج فأطفأته، وجعلا يمضغان ألسنتهما لضيف رسول الله (عليه السلام) فظنّ الضيف أنّهما يأكلان معه، حتى شبع ضيف رسول الله صلى الله عليه وسلم وباتا طاويين. فلمّا أصبحا عَدوا إلى رسول الله(عليه السلام)، فلمّا نظر إليهما تبسّم ثم قال: "لقد عجب الله من فلان وفلانة هذه الليلة"تفسير : . فأنزل الله سبحانه: {وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ} الآية. قال أنس بن مالك: أُهدي لبعض الصحابة رأس شاة مشوي وكان مجهوداً، فوجّهه إلى جار له فتناوله تسعة أنفس ثم عاد إلى الأوّل، فأنزل الله سبحانه: {وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ}. ويحكى عن أبي الحسن الأنطاكي أنّه اجتمع عنده نيف وثلاثون رجلا بقرية بقرب الري ولهم أرغفة معدودة لم تسع جميعهم ونشروا الرغفان وأطفؤوا السراج وجلسوا للطعام، فلمّا رفع فإذا الطعام بحاله لم يأكل واحد منهم إيثاراً لصاحبه. ويحكى عن حذيفة العدوي قال: انطلقت يوم اليرموك لطلب ابن عم لي ومعي شيء من ماء وأنا أقول: إن كان به رمق سقيقه ومسحت وجهه، فإذا أنا به، قلت: أسقيك؟ فأشار أي نعم، فإذا رجل يقول: آه، فأشار ابن عمي أن انطلق به إليه، فإذا هو هشام بن العاص، فقلت: أسقيك؟ فسمع به آخر قال: آه، فأشار هشام أن انطلق به إليه، فجئته فإذا هو قدمات، ثم رجعت الى هشام فإذا هو قدمات، ثم رجعت الى ابن عمي فإذا قد مات رحمه الله. سمعت أبا القاسم الحسن بن محمّد النيسابوري قول: سمعت أبا عبد الله محمّد بن عبيد الله الجرجاني يقول: سمعت الحسن بن علوية الدامغاني يحكي عن أبي يزيد البسطامي قال: ما غلبني أحد مثل ما غلبني شاب من أهل بلخ قدم علينا حاجّاً، فقال لي: يا أبا يزيد، ما حدّ الزهد عندكم؟ قلت: إذا وجدنا أكلنا وإذا فقدنا صبرنا. فقال هكذا عندنا كلاب بلخ. فقلت: ماحدّ الزهد عندكم؟ فقال: إذا فقدنا صبرنا، وإذا وجدنا آثرنا. وسمعت أبا القاسم الحبيبي يقول: سمعت أبا محمّد أحمد بن محمّد بن إبراهيم البلاذري يقول: سمعت بكر بن عبد الرحمن يقول: سئل ذو النون المصري عن علامة الزاهد المشروح صدره فقال: ثلاث: تفريق المجموع، وترك طلب المفقود، والإيثار عند القوت. قال ابن عباس: حديث : قال رسول الله (صلى الله عليه سلم) يوم النضير للأنصار: "إن شئتم قسمتم للمهاجرين من أموالكم ودياركم وتشاركونهم في هذه الغنيمة، وإن شئتم كانت لكم دياركم وأموالكم ولم يقسم لكم شيء من الغنيمة". فقالت الأنصار: بل نقسم لهم من أموالنا وديارنا ونؤثرهم بالقسمة ولا نشاركهم فيهاتفسير : . فأنزل الله سبحانه: {وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ}. {وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ} والشح في كلام العرب: البخل ومنع الفضل، يقال: فلان شحيح من الشُّح والشِّحّ والشحّة والشحاحة، قال عمرو بن كلثوم: شعر : ترى اللحز الشحيح إذا أمرّت عليه لماله فيها مهينا تفسير : وفرّق العلماء من السلف بينهما. فأخبرني الحسن بن محمّد قال: حدّثنا موسى بن محمّد بن علي قال: حدّثنا إدريس بن عبد الكريم الحدّاد قال: حدّثنا عاصم بن علي بن عاصم، وأخبرنا عبد الخالق قال: حدّثنا ابن حبيب قال: حدّثنا ابن شاكر قال: حدّثنا عاصم بن علي قال: حدّثنا المعادي، عن جامع بن شداد، عن أبي الشعثاء قال: قال رجل لعبد الله بن مسعود: يا أبا عبد الرحمن، إني أخاف أن أكون قد هلكت. قال: وما ذاك؟ قال: سمعت الله سبحانه يقول: {وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ} وأنا رجل شحيح لا يكاد يخرج من يديّ شيء. فقال: ليس ذاك الشحّ الذي ذكر الله سبحانه في القرآن، ولكن الشحّ أن تأكل مال أخيك ظلماً، ولكن ذلك البخل، وبئس الشيء البخل. الوالبي علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: {وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ} قال: يقول: هوى نفسه يتبع هواه فلم يقبل الإيمان. وقال ابن زيد: من لم يأخذ شيئاً لشيء نهاه الله سبحانه ولم يدعه الشحّ الى أن يمنع شيئاً من شيء أمره الله تعالى به فقد وقاه شحّ نفسه. وقال طاووس: البخل أن يبخل الإنسان بما في يديه، والشحّ أن يبخل بما في أيدي الناس. وأخبرني أبي قال: أخبرنا محمّد بن أحمد بن عبد الله النحوي قال: أخبرنا محمّد بن حمدون ابن خالد قال: حدّثنا محمّد بن عبد الوهاب بن أبي تمام العسقلاني قال: حدّثنا سليمان ابن بنت شراحيل قال: حدّثنا إسماعيل بن عبّاس قال: حدّثنا عمارة بن عديّة الأنصاري، عن عمّه عمر بن جارية، عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : برئ من الشحّ من أدّى الزكاة، وقرى الضيف وأعطى في النائبة ". تفسير : أخبرني أبو عبد الله الحافظ قال: أخبرنا أبو حذيفة أحمد بن محمّد بن عليّ بن عبد الله ابن محمّد الطائي قال: حدّثنا عبد الله بن زيد قال: حدّثنا إبراهيم بن العلاء قال: حدّثنا إسماعيل بن عباس عن هشام بن الغاد عن أبان عن أنس أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يدعو: "حديث : اللهم إنيّ أعوذ بك من شحّ نفسي وإسرافها ووسواسها ". تفسير : وأخبرنا أبو عبد الله قال: حدّثنا هارون بن محمّد بن هارون قال: أخبرنا عبد الله بن محمّد بن سنان قال: حدّثنا عبد الله بن مسلمة القعنبي قال: حدّثنا داود بن قيس الفرّاء، عن عبد الله بن مقسم، عن جابر بن عبد الله، أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : اتقوا الشحّ؛ فانّ الشحّ أهلك من كان قبلكم، حملهم على أن سفكوا دماءهم واستحلّوا محارمهم ". تفسير : وروى سعيد بن جبير، عن أبي الهياج الأسدي قال: كنت أطوف بالبيت، فرأيت رجلا يقول: اللهم قني شحّ نفسي. لا يزيد على ذلك. فقلت له فيه، فقال: إنّي اذا وقيت شحّ نفسي لم أسرق، ولم أزن، ولم أفعل. وإذا الرجل عبد الرحمن بن عوف. ويحكى أنّ كسرى قال لاصحابه: أي شيء أضرّ بابن آدم؟ قالوا: الفقر. فقال كسرى: الشحّ أضرّ من الفقر؛ لأنّ الفقير اذا وجد اتّسع، والشحيح لا يتسع أبداً. {وَٱلَّذِينَ جَآءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا ٱغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا ٱلَّذِينَ سَبَقُونَا بِٱلإِيمَانِ وَلاَ تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِّلَّذِينَ آمَنُواْ رَبَّنَآ إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ}. قال ابن أبي ليلى: الناس على ثلاثة منازل: الفقراء المهاجرون، والذين تبوّأوا الدار والإيمان، والذين جاءوا من بعدهم، فاجهد ألاّ تكون خارجاً من هذه المنازل. أخبرني الحسن قال: حدّثنا علي بن إبراهيم الموصلي قال: حدّثنا محمّد بن مخلد الدوري قال: حدّثنا محمّد بن إسماعيل الحساني قال: حدّثني أبو يحيى الحماني، عن الحسن بن عمارة، عن الحكم بن عيينة، عن مقسم، عن ابن عباس قال: أمر الله سبحانه بالاستغفار لأصحاب محمّد صلى الله عليه وسلم وهو يعلم أنهم سيفتنون. وأخبرنا عبد الله بن حامد قال: حدّثنا أحمد بن عبد الله قال: حدّثنا محمّد بن عبد الله ابن سليمان قال: حدّثنا ابن نمير قال: حدّثنا أبي، عن إسماعيل بن إبراهيم، عن عبد الملك بن عمير، عن مسروق، عن عائشة رضي الله عنه قالت: أُمرتم بالاستغفار لأصحاب محمّد صلى الله عليه وسلم فسببتموهم، سمعت نبيّكم صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : لا تذهب هذه الأُمّة حتى يلعن آخرها أوّلها ". تفسير : وأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا عبد الله بن يوسف قال: حدّثنا الحسن بن علي الطوسي قال: حدّثنا محمّد بن المؤمّل بن الصباح البصري قال: حدّثنا النصر بن حماد العتكي قال: حدّثنا سيف ابن عمر الأسدي قال: حدّثنا عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : إذا رأيتم الذين يسبّون أصحابي فقولوا: لعن الله شركم ". تفسير : وأخبرنا ابن فنجويه قال: حدّثنا الفضل بن الفضل الكندي قال: حدّثنا ابن النعمان قال: حدّثنا هارون بن سليمان قال: حدّثنا عبد الله يعني ابن داود قال: حدّثنا كثير بن مروان الشامي، عن عبد الله بن يزيد الدمشقي قال: أتيت الحسن فذكر كلاماً إلاّ إنّه قال: أدركت ثلاثمائة من أصحاب محمّد صلى الله عليه وسلم منهم سبعون بدرياً كلّهم يحدّثونني أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : من فارق الجماعة قيد شبر فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه ". تفسير : فالجماعة ألاّ تسبّوا الصحابة، ولا تماروا في دين الله، ولا تكفّروا أحداً من أهل التوحيد بذنب قال عبد الله بن زيد: فلقيت أبا أمامة وأبا الدرداء وواثلة وأنس بن مالك، وكلّهم يحدّثونني بحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بمثل حديث الجماعة. وأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن حبيش قال: حدّثنا أبو الفضل صالح بن الأصبغ التنوخي قال: حدّثنا أبو الفضل الربيع بن محمّد بن عيسى الكندي قال: حدّثنا سعيد بن منصور قال: حدّثنا شهاب بن حراش، عن عمّه العوّام بن حوشب، قال: أدركت من أدركت من صدر هذه الأمّة وهم يقولون: اذكروا محاسن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى تأتلف عليهم القلوب ولا تذكروا ما شجر بينهم فتحرشوا الناس عليهم. وسمعت عبد الله بن حامد يقول: سمعت محمّد بن محمّد بن الحسن قال: سمعت أبا عبد الله محمّد بن القاسم الجمحي المكّي قال: سمعت محمّد بن سعدان المروزي قال: سمعت أحمد بن إسماعيل المروزي، عن عبد الرحمن بن مالك بن مغول، عن أبيه قال: قال عامر بن شراحيل الشعبي: يا مالك، تفاضلت اليهود والنصارى على الرافضة بخصلة، سئلت اليهود: من خير أهل ملّتكم؟ فقالوا: أصحاب موسى. وسئلت النصارى من خير أهل ملتكم؟ فقالوا: حواريّو عيسى. وسئلت الرافضة: من شرّ أهل ملّتكم فقالوا: أصحاب محمّد، أُمروا بالاستغفار إليهم فسبوّهم؛ فالسيف عليهم مسلول إلى يوم القيامة، لا تقوم لهم راية ولا تثبت لهم قدم، ولا تجمع لهم كلمة، كلّما أوقدوا ناراً للحرب أطفأها الله بسفك دمائهم وتفريق شملهم، وإدحَاض حجّتهم، أعاذنا الله وإياكم من الأهواء المضلّة. وأخبرنا أبو الحسن عبد الرحمن بن إبراهيم بن محمّد المعدل قال: حدّثنا أبو عبد الله محمد بن يونس المقري قال: حدّثنا أحمد بن محمّد بن سالم قال: حدّثنا سوار بن عبد الله القاضي قال: حدّثنا أبي قال: قال مالك بن أنس: من ينتقص أحداً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان في قلبه عليهم غلّ، فليس له حق في فيء المسلمين، ثم تلا {مَّآ أَفَآءَ ٱللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ ٱلْقُرَىٰ} حتى أتى على هذه الآية، ثم قرأ {لِلْفُقَرَآءِ} حتى أتى على هذه الآية، ثم قال: {وَٱلَّذِينَ تَبَوَّءُوا ٱلدَّارَ وَٱلإِيمَانَ} حتى أتى على هذه الآية ثم قال: {وَٱلَّذِينَ جَآءُوا مِن بَعْدِهِمْ} إلى قوله: {رَءُوفٌ رَّحِيمٌ} فمن ينتقصهم أو كان في قلبه عليهم غلّ فليس له من الفيء حقّ.
الجيلاني
تفسير : ثمَّ بيَّن سبحانه مصارف الفيء بعد إخراج سهم الله ورسوله، وقدم منهم فقراء المهاجرين اهتماماً بشأنهم فقال: {لِلْفُقَرَآءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُواْ مِن دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ} أي: أخرجهم المشركون، ونهبوا أموالهم، وسبوا أولادهم، والحال أنهم في مصائبهم هذه {يَبْتَغُونَ} ويطلبون {فَضْلاً} تفضلاً وإحساناً {مِّنَ ٱللَّهِ وَرِضْوَاناً} منه سبحانه؛ لكمال تمكنهم ورسوخهم في مقام الرضا والتسليم {وَ} مع ذلك {يَنصُرُونَ ٱللَّهَ} يترويج دينه، وإعلاء كلمة توحيده {وَرَسُولَهُ} بالمعاونة والمظاهرة، وبذل المال والنفس في تقويته ونصره {أُوْلَـٰئِكَ} السعداء المقبولون، الباذلون مهجهم في طريق الحق، وتقوية دينه القويم وصراطه المستقيم، ونصرة رسوله الكريم {هُمُ ٱلصَّادِقُونَ} [الحشر: 8] المقصورون على الصدق والإخلاص ظاهراً وباطناً. {وَ} بعد أولئك الفقراء الأنصار، وهم {ٱلَّذِينَ تَبَوَّءُوا ٱلدَّارَ وَٱلإِيمَانَ} أي: توطنوا وتمكنوا في المدينة، ورسخوا على الإيمان والإسلام بالعزيمة الصادقة الخالصة {مِن قَبْلِهِمْ} أي: قبل هجرة المهاجرين إليها، ومع رسوخهم وتمكنهم في الإيمان {يُحِبُّونَ} محبة خالصة {مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ} من المؤمنين {وَ} من كمال محبتهم وإخلاصهم بأخوانهم المهاجرين: {لاَ يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ} ووجدانهم {حَاجَةً} باعثة لهم إلى أن يحسدوا {مِّمَّآ أُوتُواْ} وأعُطوا؛ أي: المهاجرين من سهام الفيء، وسائر الغنائم والصدقات؛ وذلك من غاية محبتهم ومودتهم بالنسبة إليهم، بل {وَيُؤْثِرُونَ} أي: يختارون ويقدمون المهاجرين {عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ} حتى إن من كان له امرأتان نزل عن واحدة وزوَّجها على أحدهم. وبالجملة: يؤثرونهم ويختارونهم؛ أي: المهاجرين على أنفسهم في آخر ما آثروا لنفوسهم {وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ} أي: حاجة شديدة بليغة، ومحبة بالنسبة إلى ذلك الشيء، وما هو إلا من فرط محبتهم وإخلاصهم بالنسبة إلى إخوانهم المهاجرين {وَ} بالجملة: {مَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ} ويخالفها حتى يمنعها عن مقتضاها طلباً لمرضاة الله، ورعايةً لجانب أخيه المسلم {فَأُوْلَـٰئِكَ} السعداء المحافظون على آداب الأخوة والمروَّة {هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ} [الحشر: 9] المقصورون على الفوز العظيم من عنده سبحانه عاجلاً وآجلاً، في العاجل بالذكر الجميل، وي الآجل بالجزاء الجزيل. {وَ} بعد فقراء الأنصار للفقراء التابعين، وهم {ٱلَّذِينَ جَآءُوا مِن بَعْدِهِمْ} مهاجرين من بقعة الإمكان نحو فضاء الوجوب، مقتفين أثر أولئك الكرام، مريدين لهم بإحسان، مذكرين لهم بغفران، حيث {يَقُولُونَ} في مناجاتهم مع ربهم في خلواتهم، وأعقاب صلواتهم: {رَبَّنَا} يا من ربَّانا على فطرة الإسلام {ٱغْفِرْ لَنَا} ذنوبنا التي صدرت عنَّا {وَلإِخْوَانِنَا} في الدين، وهم {ٱلَّذِينَ سَبَقُونَا بِٱلإِيمَانِ} وسلوك طريق العرفان {وَ} بالجملة: {لاَ تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا} يا مولانا {غِلاًّ} حقداً وحسداً {لِّلَّذِينَ آمَنُواْ} مطلقاً، لا للسابقين ولا للاحقين {رَبَّنَآ} يا من ربَّانا على الإخلاص والتوفيق تقبل منَّا مناجاتنا، واقض لنا حاجاتنا {إِنَّكَ رَءُوفٌ} عطوف على عموم عبادك، سيما المخلصين منهم {رَّحِيمٌ} [الحشر: 10] تقبل توبتهم، وتغفر زلتهم إن استغفروا نحوك نادمين عما صدر عنهم.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : ثم ذكر تعالى الحكمة والسبب الموجب لجعله تعالى الأموال أموال الفيء لمن قدرها له، وأنهم حقيقون بالإعانة، مستحقون لأن تجعل لهم، وأنهم ما بين مهاجرين قد هجروا المحبوبات والمألوفات، من الديار والأوطان والأحباب والخلان والأموال، رغبة في الله ونصرة لدين الله، ومحبة لرسول الله، فهؤلاء هم الصادقون الذين عملوا بمقتضى إيمانهم، وصدقوا إيمانهم بأعمالهم الصالحة والعبادات الشاقة، بخلاف من ادعى الإيمان وهو لم يصدقه بالجهاد والهجرة وغيرهما من العبادات، وبين أنصار وهم الأوس والخزرج الذين آمنوا بالله ورسوله طوعا ومحبة واختيارا، وآووا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومنعوه من الأحمر والأسود، وتبوأوا دار الهجرة والإيمان حتى صارت موئلا ومرجعا يرجع إليه المؤمنون، ويلجأ إليه المهاجرون، ويسكن بحماه المسلمون إذ كانت البلدان كلها بلدان حرب وشرك وشر، فلم يزل أنصار الدين تأوي إلى الأنصار، حتى انتشر الإسلام وقوي، وجعل يزيد شيئا شيئا فشيئا، وينمو قليلا قليلا حتى فتحوا القلوب بالعلم والإيمان والقرآن، والبلدان بالسيف والسنان. الذين من جملة أوصافهم الجميلة أنهم { يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ } وهذا لمحبتهم لله ولرسوله، أحبوا أحبابه، وأحبوا من نصر دينه. { وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا } أي: لا يحسدون المهاجرين على ما آتاهم الله من فضله وخصهم به من الفضائل والمناقب التي هم أهلها، وهذا يدل على سلامة صدورهم، وانتفاء الغل والحقد والحسد عنها. ويدل ذلك على أن المهاجرين، أفضل من الأنصار، لأن الله قدمهم بالذكر، وأخبر أن الأنصار لا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا، فدل على أن الله تعالى آتاهم ما لم يؤت الأنصار ولا غيرهم، ولأنهم جمعوا بين النصرة والهجرة. وقوله: { وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ } أي: ومن أوصاف الأنصار التي فاقوا بها غيرهم، وتميزوا بها على من سواهم، الإيثار، وهو أكمل أنواع الجود، وهو الإيثار بمحاب النفس من الأموال وغيرها، وبذلها للغير مع الحاجة إليها، بل مع الضرورة والخصاصة، وهذا لا يكون إلا من خلق زكي، ومحبة لله تعالى مقدمة على محبة شهوات النفس ولذاتها، ومن ذلك قصة الأنصاري الذي نزلت الآية بسببه، حين آثر ضيفه بطعامه وطعام أهله وأولاده وباتوا جياعا، والإيثار عكس الأثرة، فالإيثار محمود، والأثرة مذمومة، لأنها من خصال البخل والشح، ومن رزق الإيثار فقد وقي شح نفسه { وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ } ووقاية شح النفس، يشمل وقايتها الشح، في جميع ما أمر به، فإنه إذا وقي العبد شح نفسه، سمحت نفسه بأوامر الله ورسوله، ففعلها طائعا منقادا، منشرحا بها صدره، وسمحت نفسه بترك ما نهى الله عنه، وإن كان محبوبا للنفس، تدعو إليه، وتطلع إليه، وسمحت نفسه ببذل الأموال في سبيل الله وابتغاء مرضاته، وبذلك يحصل الفلاح والفوز، بخلاف من لم يوق شح نفسه، بل ابتلي بالشح بالخير، الذي هو أصل الشر ومادته، فهذان الصنفان، الفاضلان الزكيان هم الصحابة الكرام والأئمة الأعلام، الذين حازوا من السوابق والفضائل والمناقب ما سبقوا به من بعدهم، وأدركوا به من قبلهم، فصاروا أعيان المؤمنين، وسادات المسلمين، وقادات المتقين. وحسب من بعدهم من الفضل أن يسير خلفهم، ويأتم بهداهم، ولهذا ذكر الله من اللاحقين، من هو مؤتم بهم وسائر خلفهم فقال: { وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ } أي: من بعد المهاجرين [ ص 852 ] والأنصار { يَقُولُونَ } على وجه النصح لأنفسهم ولسائر المؤمنين: { رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإيمَانِ } وهذا دعاء شامل لجميع المؤمنين، السابقين من الصحابة، ومن قبلهم ومن بعدهم، وهذا من فضائل الإيمان أن المؤمنين ينتفع بعضهم ببعض، ويدعو بعضهم لبعض، بسبب المشاركة في الإيمان المقتضي لعقد الأخوة بين المؤمنين التي من فروعها أن يدعو بعضهم لبعض، وأن يحب بعضهم بعضا. ولهذا ذكر الله في الدعاء نفي الغل عن القلب، الشامل لقليل الغل وكثيره، الذي إذا انتفى ثبت ضده، وهو المحبة بين المؤمنين والموالاة والنصح، ونحو ذلك مما هو من حقوق المؤمنين. فوصف الله من بعد الصحابة بالإيمان، لأن قولهم: { سَبَقُونَا بِالإيمَانِ } دليل على المشاركة في الإيمان، وأنهم تابعون للصحابة في عقائد الإيمان وأصوله، وهم أهل السنة والجماعة، الذين لا يصدق هذا الوصف التام إلا عليهم، ووصفهم بالإقرار بالذنوب والاستغفار منها، واستغفار بعضهم لبعض، واجتهادهم في إزالة الغل والحقد عن قلوبهم لإخوانهم المؤمنين، لأن دعاءهم بذلك مستلزم لما ذكرنا، ومتضمن لمحبة بعضهم بعضا، وأن يحب أحدهم لأخيه ما يحب لنفسه، وأن ينصح له حاضرا وغائبا، حيا وميتا، ودلت الآية الكريمة [على] أن هذا من جملة حقوق المؤمنين بعضهم لبعض، ثم ختموا دعاءهم باسمين كريمين، دالين على كمال رحمة الله وشدة رأفته وإحسانه بهم، الذي من جملته، بل من أجله، توفيقهم للقيام بحقوق الله وحقوق عباده. فهؤلاء الأصناف الثلاثة هم أصناف هذه الأمة، وهم المستحقون للفيء الذي مصرفه راجع إلى مصالح الإسلام. وهؤلاء أهله الذين هم أهله، جعلنا الله منهم، بمنه وكرمه. ثم تعجب تعالى من حال المنافقين، الذين طمعوا إخوانهم من أهل الكتاب، في نصرتهم، وموالاتهم على المؤمنين، وأنهم يقولون لهم: { لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا } أي: لا نطيع في عدم نصرتكم أحدا يعذلنا أو يخوفنا، { وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ } في هذا الوعد الذي غروا به إخوانهم. ولا يستكثر هذا عليهم، فإن الكذب وصفهم، والغرور والخداع مقارنهم، والنفاق والجبن يصحبهم، ولهذا كذبهم [الله] بقوله، الذي وجد مخبره كما أخبر الله به، ووقع طبق ما قال، فقال: { لَئِنْ أُخْرِجُوا } من ديارهم جلاء ونفيا { لا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ } لمحبتهم للأوطان، وعدم صبرهم على القتال، وعدم وفائهم بوعدهم. { وَلَئِنْ قُوتِلُوا لا يَنْصُرُونَهُمْ } بل يستولي عليهم الجبن، ويملكهم الفشل، ويخذلون إخوانهم، أحوج ما كانوا إليهم. { وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ } على الفرض والتقدير { لَيُوَلُّنَّ الأدْبَارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ } أي: ليحصل منهم الإدبار عن القتال والنصرة، ولا يحصل لهم نصر من الله. والسبب الذي أوجب لهم ذلك أنكم - أيها المؤمنون - { أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ } فخافوا منكم أعظم مما يخافون الله، وقدموا مخافة المخلوق الذي لا يملك لنفسه ولا لغيره نفعا ولا ضرا، على مخافة الخالق، الذي بيده الضر والنفع، والعطاء والمنع. { ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ } مراتب الأمور، ولا يعرفون حقائق الأشياء، ولا يتصورون العواقب، وإنما الفقه كل الفقه، أن يكون خوف الخالق ورجاؤه ومحبته مقدمة على غيرها، وغيرها تبعا لها.
النسائي
تفسير : المهاجرون 600 - أخبرنا الحُسين بن منصورٍ، قال: حدثنا مُبشرُ بن عبد الله، قال: حدَّثنا سفيان بن حُسينٍ، عن يعلى بن مُسلمٍ، عن جابرٍ بن زيدٍ، قال: قال ابن عباسٍ: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم [بمكةَ]، / وإنَّ أبا بكرٍ، وعمر، وإنَّ أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كانوا من المهاجرين؛ لأنهم هجروا المشركين. وكان من الأنصار مُهاجرون؛ لأن المدينة كانت دار شِركٍ، فجاءوا إلى رسول اللهِ صلى الله عليه وسلم ليلةَ العقبة.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):