٥٩ - ٱلْحَشْر
59 - Al-Hashr (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
9
Tafseer
الرازي
تفسير : والمراد من الدار المدينة وهي دار الهجرة تبوأها الأنصار قبل المهاجرين وتقدير الآية: والذين تبوءوا المدينة والإيمان من قبلهم فإن قيل: في الآية سؤالان أحدهما: أنه لا يقال: تبوأ الإيمان والثاني: بتقدير أن يقال: ذلك لكن الأنصار ما تبوءوا الإيمان قبل المهاجرين والجواب عن الأول من وجوه أحدها: تبوءوا الدار وأخلصوا الإيمان كقوله:شعر : ولقد رأيتك في الوغى متقلداً سيفاً ورمحاً تفسير : وثانيها: جعلوا الإيمان مستقراً ووطناً لهم لتمكنهم منه واستقامتهم عليه، كما أنهم لما سألوا سلمان عن نسبه فقال: أنا ابن الإسلام وثالثها: أنه سمى المدينة بالإيمان، لأن فيها ظهر الإيمان وقوي والجواب: عن السؤال الثاني من وجهين الأول: أن الكلام على التقديم والتأخير، والتقدير: والذين تبوءوا الدار من قبلهم والإيمان والثاني: أنه على تقدير حذف المضاف والتقدير: تبوءوا الدار والإيمان من قبل هجرتهم، ثم قال: {وَلاَ يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُواْ } وقال الحسن: أي حسداً وحرارة وغيظاً مما أوتي المهاجرون من دونهم، وأطلق لفظ الحاجة على الحسد والغيظ والحرارة، لأن هذه الأشياء لا تنفك عن الحاجة، فأطلق اسم اللام على الملزوم على سبيل الكناية، ثم قال: {وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ } يقال: آثره بكذا إذا خصه به، ومفعول الإيثار محذوف، والتقدير: ويؤثرونهم بأموالهم ومنازلهم على أنفسهم. عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للأنصار: «حديث : إن شئتم قسمتم للمهاجرين من دوركم وأموالكم وقسمت لكم من الغنيمة كما قسمت لهم وإن شئتم كان لهم الغنيمة ولكم دياركم وأموالكم تفسير : فقالوا: لا بل نقسم لهم من ديارنا وأموالنا ولا نشاركهم في الغنيمة» فأنزل الله تعالى: {وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ } فبين أن هذا الإيثار ليس عن غنى عن المال، ولكنه عن حاجة وخصاصة وهي الفقر، وأصلها من الخصاص وهي الفرج، وكل خرق في منخل أو باب أو سحاب أو برقع فهي خصاص، الواحد خصاصة، وذكر المفسرون أنواعاً من إيثار الأنصار للضيف بالطعام وتعللهم عنه حتى يشبع الضيف، ثم ذكروا أن الآية نزلت في ذلك الإيثار، والصحيح أنها نزلت بسبب إيثارهم المهاجرين بالفيء، ثم لا يمتنع أن يدخل فيها سائر الإيثارات، ثم قال: {وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ } الشح بالضم والكسر، وقد قرىء بهما. واعلم أن الفرق بين الشح والبخل هو أن البخل نفس المنع، والشح هو الحالة النفسانية التي تقتضي ذلك المنع، فلما كان الشح من صفات النفس، لا جرم قال تعالى: {وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ } الظافرون بما أرادوا، قال ابن زيد: من لم يأخذ شيئاً نهاه الله عن أخذه ولم يمنع شيئاً أمره الله بإعطائه فقد وقى شح نفسه.
القرطبي
تفسير : فيه إحدى عشرة مسألة: الأولى ـ قوله تعالى: {وَٱلَّذِينَ تَبَوَّءُوا ٱلدَّارَ وَٱلإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ} لا خلاف أن الذين تبوَّءوا الدار هم الأنصار الذين استوطنوا المدينة قبل المهاجرين إليها. «وَالإْيمَانَ» نصب بفعل غير تبوّأ؛ لأن التبوّء إنما يكون في الأماكن. و {مِن قَبْلِهِمْ} «مِنْ» صلة تبوّأ والمعنى: والذين تبوّءوا الدار من قبل المهاجرين واعتقدوا الإيمان وأخلصوه لإن الإيمان ليس بمكان يتبوّأ، كقوله تعالى: {أية : فَأَجْمِعُوۤاْ أَمْرَكُمْ وَشُرَكَآءَكُمْ} تفسير : [يونس:71] أي وادعوا شركاءهم؛ ذكره أبو عليّ والزمخشريّ وغيرهما. ويكون من باب قوله: عَلَفْتُهَا تِبناً وماءً بارداً. ويجوز حمله على حذف المضاف كأنه قال: تبوّءوا الدار ومواضع الإيمان. ويجوز حمله على ما دل عليه تبوّأ؛ كأنه قال: لزموا الدار ولزموا الإيمان فلم يفارقوهما. ويجوز أن يكون تبوّأ الإيمان على طريق المثل؛ كما تقول: تبوّأ من بني فلان الصميم. والتبوُّء: التمكن والاستقرار. وليس يريد أن الأنصار آمنوا قبل المهاجرين، بل أراد آمنوا قبل هجرة النبيّ صلى الله عليه وسلم إليهم. الثانية ـ: واختلف أيضاً هل هذه الآية مقطوعة مما قبلها أو معطوفة؛ فتأوّل قوم أنها معطوفة على قوله: {لِلْفُقَرَآءِ الْمُهَاجِرِينَ} وأن الآيات التي في الحشر كلها معطوفة بعضها على بعض. ولو تأملوا ذلك وأنصفوا لوجدوه على خلاف ما ذهبوا إليه؛ لأن الله تعالى يقول: {هُوَ ٱلَّذِيۤ أَخْرَجَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ مِن دِيَارِهِمْ لأَوَّلِ ٱلْحَشْرِ مَا ظَنَنتُمْ أَن يَخْرُجُواْ} إلى قوله ـ {ٱلْفَاسِقِينَ} فأخبر عن بني النضير وبني قَيْنُقاع. ثم قال: {وَمَآ أَفَآءَ ٱللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَآ أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلاَ رِكَابٍ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ} فأخبر أن ذلك للرسول صلى الله عليه وسلم؛ لأنه لم يُوجف عليه حين خَلّوه. وما تقدم فيهم من القتال وقطع شجرهم فقد كانوا رجعوا عنه وانقطع ذلك الأمر. ثم قال: {مَّآ أَفَآءَ ٱللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ ٱلْقُرَىٰ فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْيَتَامَىٰ وَٱلْمَسَاكِينِ وَٱبْنِ ٱلسَّبِيلِ} وهذا كلام غير معطوف على الأول. وكذا {وَٱلَّذِينَ تَبَوَّءُوا ٱلدَّارَ وَٱلإِيمَانَ} ابتداء كلام في مدح الأنصار والثناء عليهم؛ فإنهم سلّموا ذلك الفيء للمهاجرين؛ وكأنه قال: الفيء للفقراء المهاجرين، والانصار يحبون لهم لم يحسدوهم على ما صفا لهم من الفيء. وكذا. {وَٱلَّذِينَ جَآءُوا مِن بَعْدِهِمْ} ابتداء كلام؛ والخبر {يَقُولُونَ رَبَّنَا ٱغْفِرْ لَنَا}. وقال إسماعيل ابن إسحاق: إن قوله {وَٱلَّذِينَ تَبَوَّءُوا ٱلدَّارَ} {وَٱلَّذِينَ جَآءُوا} معطوف على ما قبل، وأنهم شركاء في الفيء؛ أي هذا المال للمهاجرين والذين تبوّءوا الدار. وقال مالك بن أوس: قرأ عمر بن الخطاب رضي الله عنه هذه الآية {أية : إِنَّمَا ٱلصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَآءِ} تفسير : [التوبة:60] فقال: هذه لهؤلاء. ثم قرأ {أية : وَٱعْلَمُوۤا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ للَّهِ خُمُسَهُ} تفسير : [الأنفال:41] فقال: هذه لهؤلاء. ثم قرأ {وَمَآ أَفَآءَ ٱللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ} ـ حتى بلغ ـ {لِلْفُقَرَآءِ الْمُهَاجِرِينَ}، {وَٱلَّذِينَ تَبَوَّءُوا ٱلدَّارَ وَٱلإِيمَانَ} {وَٱلَّذِينَ جَآءُوا مِن بَعْدِهِمْ} ثم قال: لئن عشت ليأتين الراعي وهو بَسَرْوِ حمير نصيبه منها لم يَعْرَق فيها جبينه. وقيل: إنه دعا المهاجرين والأنصار واستشارهم فيما فتح الله عليه من ذلك، وقال لهم: تثبتوا الأمر وتدبروه ثم اغدوا عليّ. ففكر في ليلته فتبين له أن هذه الآيات في ذلك أنزلت. فلما غدَوْا عليه قال: قد مررت البارحة بالآيات التي في سورة «الحشر» وتلا {مَّآ أَفَآءَ ٱللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ ٱلْقُرَىٰ} ـ إلى قوله ـ {لِلْفُقَرَآءِ الْمُهَاجِرِينَ} فلما بلغ قوله: {أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلصَّادِقُونَ} قال: ما هي لهؤلاء فقط. وتلا قوله: {وَٱلَّذِينَ جَآءُوا مِن بَعْدِهِمْ} ـ إلى قوله ـ {رَءُوفٌ رَّحِيمٌ}. ثم قال: ما بقي أحد من أهل الإسلام إلا وقد دخل في ذلك. والله أعلم. الثالثة ـ: روى مالك عن زيد بن أسلم عن أبيه أن عمر قال: لولا من يأتي من آخر الناس ما فُتحت قريةٌ إلا قسمتها كما قسم رسولُ الله صلى الله عليه وسلم خَيبر. وفي الروايات المستفيضة من الطرق الكثيرة: أن عمر أبقى سواد العراق ومصر وما ظهر عليه من الغنائم؛ لتكون من أعطيات المقاتلة وأرزاق الحِشْوة والذَّراري، وأن الزبير وبلالاً وغير واحد من الصحابة أرادوه على قسم ما فتح عليهم؛ فكره ذلك منهم واختلف فيما فعل من ذلك؛ فقيل: إنه استطاب أنفس أهل الجيش؛ فمن رضي له بترك حَظه بغير ثمن ليُبقيه للمسلمين قلة. ومن أبى أعطاه ثمن حظه. فمن قال: إنما أبقى الأرض بعد استطابة أنفس القوم جعل فعله كفعل النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنه قسم خَيبر، لأن اشتراءه إياها وترك من ترك عن طيب نفسه بمنزلة قسمها. وقيل: إنه أبقاها بغير شيء أعطاه أهل الجيوش. وقيل: إنه تأول في ذلك قول الله سبحانه وتعالى: {لِلْفُقَرَآءِ الْمُهَاجِرِينَ} ـ إلى قوله ـ {رَبَّنَآ إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ} على ما تقدم. والله أعلم. الرابعة ـ: واختلف العلماء في قسمة العقار؛ فقال مالك: للإمام أن يوقفها لمصالح المسلمين. وقال أبو حنيفة الإمام مخير بين أن يقسمها أو يجعلها وقفاً لمصالح المسلمين وقال الشافعيّ: ليس للإمام حبسها عنهم بغير رضاهم، بل يقسمها عليهم كسائر الأموال. فمن طاب نفساً عن حقه للإمام أن يجعله وقْفاً عليهم فله. ومن لم تَطِب نفسُه فهو أحق بماله. وعمر رضي الله عنه استطاب نفوس الغانمين واشتراها منهم. قلت: وعلى هذا يكون قوله: {وَٱلَّذِينَ جَآءُوا مِن بَعْدِهِمْ} مقطوعاً مما قبله، وأنهم نُدبوا بالدعاء للأولين والثناء عليهم. الخامسة ـ: قال ابن وهب: سمعت مالكاً يذكر فضل المدينة على غيرها من الآفاق فقال: إن المدينة تُبُوِّئت بالإيمان والهجرة، وإن غيرها من القُرى افتتِحت بالسيف؛ ثم قرأ {وَٱلَّذِينَ تَبَوَّءُوا ٱلدَّارَ وَٱلإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ} الآية. وقد مضى الكلام في هذا، وفي فضل الصلاة في المسجدين: المسجد الحرام ومسجد المدينة؛ فلا معنى للإعادة. السادسة ـ: قوله تعالى: {وَلاَ يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّآ أُوتُواْ} يعني لا يحسدون المهاجرين على ما خصوا به من مال الفيء وغيره؛ كذلك قال الناس. وفيه تقدير حذف مضافين؛ المعنى مَسَّ حاجةٍ من فَقد ما أوتوا. وكل ما يجد الإنسان في صدره مما يحتاج إلى إزالته فهو حاجة. وكان المهاجرون في دور الأنصار: فلما غَنم عليه الصلاة والسلام أموال بني النضير، دعا الأنصار وشكرهم فيما صنعوا مع المهاجرين في إنزالهم إياهم في منازلهم، وإشراكهم في أموالهم. ثم قال: حديث : «إن أحببتم قسمت ما أفاء الله عليّ من بني النضير بينكم وبينهم، وكان المهاجرون على ما هم عليه من السكنى في مساكنكم وأموالكم وإن أحببتم أعطيتهم وخرجوا من دوركم». فقال سعد بن عُبادة وسعد بن معاذ: بل نقسمه بين المهاجرين، ويكونون في دورنا كما كانوا. ونادت الأنصار: رضينا وسلمنا يا رسول الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اللهم ارحم الأنصار وأبناء الأنصار»تفسير : . وأعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم المهاجرين ولم يعط الأنصار شيئاً إلا الثلاثة الذين ذكرناهم. ويحتمل أن يريد به {وَلاَ يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّآ أُوتُواْ} إذا كان قليلاً (بل) يقنعون به ويرضون عنه. وقد كانوا على هذه الحالة حين حياة النبي صلى الله عليه وسلم دُنْيَا، ثم كانوا عليه بعد موته صلى الله عليه وسلم بحكم الدنيا. وقد أنذرهم النبي صلى الله عليه وسلم وقال: «حديث : سترون بعدي أَثَرة فاصبروا حتى تلقوني على الحوض»تفسير : . السابعة ـ: قوله تعالى: {وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ} في الترمذي عن أبي هريرة: أن رجلاً بات به ضيف فلم يكن عنده إلا قوته وقوت صبيانه؛ فقال لامرأته: نَوِّمي الصِّبية وأطفئي السراج وقَرّبي للضيف ما عندك؛ فنزلت هذه الآية {وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ} قال: هذا حديث حسن صحيح. خرجه مسلم أيضاً. حديث : وخرّج عن أبي هريرة قال: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إني مجهود. فأرسل إلى بعض نسائه فقالت: والذي بعثك بالحق ما عندي إلا ماء. ثم أرسل إلى الأخرى فقالت مثل ذلك؛ حتى قلن كلُّهن مثل ذلك: لا والذي بعثك بالحق ما عندي إلا ماء. فقال: من يُضيف هذا الليلة رحمه الله.؟ فقام رجل من الأنصار فقال: أنا يا رسول الله. فانطلق به إلى رحله فقال لامرأته: هل عندك شيء؟ قالت: لا، إلا قوت صبياني. قال: فعلّلِيهم بشيء فإذا دخل ضيفنا فأطفئي السراج وأريه أنا نأكل؛ فإذا أهوى ليأكل فقومي إلى السراج حتى تطفئيه. قال: فقعدوا وأكل الضيف. فلما أصبح غدا على النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «قد عجِبَ الله ـ عز وجل ـ من صنيعكما بضيفكما الليلة»تفسير : . وفي رواية عن أبي هريرة قال: حديث : جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليضيفه فلم يكن عنده ما يضيفه. فقال: «ألا رجل يضيف هذا رحمه الله؟» فقام رجل من الأنصار يقال له أبو طلحة. فانطلق به إلى رحلهتفسير : ...؛ وساق الحديث بنحو الذي قبله، وذكر فيه نزول الآية. وذكر المهدويّ عن أبي هريرة أن هذا نزل في ثابت بن قيس ورجل من الأنصار ـ نزل به ثابت ـ يقال له أبو المتوكل، فلم يكن عند أبي المتوكل إلا قوته وقوت صبيانه؛ فقال لامرأته: أطفئي السراج ونوّمي الصبية؛ وقَدّم ما كان عنده إلى ضيفه. وكذا ذكر النحاس قال: قال أبو هريرة: نزل برجل من الأنصار ـ يقال له أبو المتوكل ـ ثابت بن قيس ضيفاً، ولم يكن عنده إلا قوته وقوت صبيانه؛ فقال لامرأته: أطفئي السراج ونوّمي الصبية؛ فنزلت {وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ} ـ إلى قوله ـ {فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ}. وقيل: إن فاعل ذلك أبو طلحة. وذكر القشيري أبو نصر عبد الرحيم بن عبد الكريم: وقال ابن عمر: أهدي لرجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم رأس شاة فقال إن أخي فلاناً وعياله أحوج إلى هذا منّا؛ فبعثه إليهم، فلم يزل يبعث به واحد إلى آخر حتى تداولها سبعة أبيات، حتى رجعت إلى أولئك؛ فنزلت {وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ}. ذكره الثعلبيّ عن أنس قال: أهْدِىَ لرجل من الصحابة رأس شاة وكان مجهوداً فوجّه به إلى جار له، فتداولته سبعة أنفس في سبعة أبيات، ثم عاد إلى الأول؛ فنزلت: {وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ} الآية. وقال ابن عباس: حديث : قال النبي صلى الله عليه وسلم للأنصار يوم بني النضير: «إن شئتم قسمت للمهاجرين من دياركم وأموالكم وشاركتموهم في هذه الغنيمة وان شئتم كانت لكم دياركم وأموالكم ولم نقسم لكم من الغنيمة شيئاً» فقالت الأنصار: بل نقسم لإخواننا من ديارنا وأموالنا ونؤثرهم بالغنيمة؛ فنزلت {وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ} تفسير : الآية. والأول أصح. وفي الصحيحين عن أنس: أن الرجل كان يجعل للنبيّ صلى الله عليه وسلم النخلات من أرضه حتى فُتحت عليه قريظة والنضير، فجعل بعد ذلك يرد عليه ما كان أعطاه. لفظ مسلم. وقال الزهري عن أنس بن مالك: لما قدم المهاجرون من مكة إلى المدينة قدموا وليس بأيديهم شيء، وكان الأنصار أهل الأرض والعقار، فقاسمهم الأنصار على أن أعطوهم أنصاف ثمار أموالهم كل عام ويكفونهم العمل والمؤونة؛ وكانت أمّ أنس بن مالك تُدعى أم سُلَيم، وكانت أم عبد الله بن أبي طلحة، كان أخا لأنس لأمه؛ وكانت أعطت أم أنس رسول الله صلى الله عليه وسلم عِذاقاً لها؛ فأعطاها رسول الله صلى الله عليه وسلم أم أيمن مولاته، أم اسامة بن زيد. قال ابن شهاب: فأخبرني أنس بن مالك: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما فرغ من قتال أهل خيبر وانصرف إلى المدينة، رد المهاجرون إلى الأنصار منائحهم التي كانوا منحوهم من ثمارهم. قال: فرد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أمي عِذاقها، وأعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم أم أيمن مكانهن من حائطه. خرجّه مسلم أيضاً. الثامنة ـ الإيثار: هو تقديم الغير على النفس وحظوظها الدنياوية، ورغبة في الحظوظ الدينية. وذلك ينشأ عن قوة اليقين، وتوكيد المحبة، والصبر على المشقة. يقال: آثرته بكذا؛ أي خصصته به وفضّلته. ومفعول الإيثار محذوف؛ أي يؤثرونهم على أنفسهم بأموالهم ومنازلهم، لا عن غنى بل مع احتياجهم إليها؛ حسب ما تقدم بيانه. وفي موطأ مالك: «أنه بلغه عن عائشة زوج النبيّ صلى الله عليه وسلم، أن مسكيناً سألها وهي صائمة وليس في بيتها إلا رغيف؛ فقالت لمولاة لها: أعطيه إياه؛ فقالت: ليس لك ما تفطرين عليه؟ فقالت: أعطيه إياه. قالت: ففعلت. قالت: فلما أمسينا أهدى لنا أهل بيت أو إنسان ما كان يُهدى لنا: شاةً وكفنها. فدعتني عائشة فقالت: كلي من هذا، فهذا خير من قرصك. قال علماؤنا: هذا من المال الرابح، والفعل الزاكي عند الله تعالى يعجّل منه ما يشاء، ولا ينقص ذلك مما يدخر عنه. ومن ترك شيئاً لله لم يجد فَقْدَه. وعائشة رضي الله عنها في فعلها هذا من الذين أثنى الله عليهم بأنهم يؤثرون على أنفسهم مع ما هم فيه من الخصاصة، وأن من فعل ذلك فقد وقى شُحّ نفسه وأفلح فلاحاً لا خسارة بعده. ومعنى (شاة وكَفَنَها) فإن العرب ـ أو بعض العرب أو بعض وجوههم ـ كان هذا من طعامهم، يأتون إلى الشاة أو الخروف إذا سلخوه غَطّوه كله بعجين البُرِّ وكفنوه به ثم علقوه في التنور، فلا يخرج من ودكه شيء إلا في ذلك الكفن؛ وذلك من طيب الطعام عندهم. وروى النسائي عن نافع أن ابن عمر اشتكى واشتهى عنباً، فاشترى له عنقود بدرهم، فجاء مسكين فسأل؛ فقال: أعطوه إياه؛ فخالف إنسان فاشتراه بدرهم، ثم جاء به إلى ابن عمر، فجاء المسكين فسأل؛ فقال: أعطوه إياه؛ ثم خالف إنسان فاشتراه بدرهم، ثم جاء به إليه؛ فأراد السائل أن يرجع فمنع. ولو علم ابن عمر أنه ذلك العنقود ما ذاقه؛ لأن ما خرج لله لا يعود فيه. وذكر ابن المبارك قال: أخبرنا محمد بن مطرّف قال: حدثنا أبو حازم عن عبد الرحمن بن سعيد بن يربوع عن مالك الدار: أن عمر ابن الخطاب رضي الله عنه أخذ أربعمائة دينار، فجعلها في صرة ثم قال للغلام: اذهب بها إلى أبي عُبيدة بن الجرّاح، ثم تَلَكَّأ ساعة في البيت حتى تنظر ماذا يصنع بها. فذهب بها الغلام إليه فقال: يقول لك أمير المؤمنين: اجعل هذه في بعض حاجتك؛ فقال: وَصَلَه الله ورَحمه، ثم قال: تعالي يا جارية، اذهبي بهذه السبعة إلى فلان، وبهذه الخمسة إلى فلان؛ حتى أنفذها. فرجع الغلام إلى عمر، فأخبره فوجده قد أعدّ مثلها لمعاذ بن جبل؛ وقال: اذهب بهذا إلى معاذ بن جبل؛ وتَلَكأ في البيت ساعة حتى تنظر ماذا يصنع، فذهب بها إليه فقال: يقول لك أمير المؤمنين: اجعل هذه في بعض حاجتك، فقال: رحمه الله ووَصَله، وقال: يا جارية، اذهبي إلى بيت فلان بكذا وبيت فلان بكذا، فاطلعت امرأة معاذ فقالت: ونحن! والله مساكين فأعطنا. ولم يبق في الخرقة إلا ديناران قد جاء بهما إليها. فرجع الغلام إلى عمر فأخبره فسُرّ بذلك عمر وقال: إنهم إخوة! بعضهم من بعض. ونحوه عن عائشة رضي الله عنها في إعطاء معاوية إياها، وكان عشرة آلاف وكان المُنْكَدِر دخل عليها. فإن قيل: وردت أخبار صحيحة في النهي عن التصدق بجميع ما يملكه المرء، قيل له: إنما كره ذلك في حق من لا يوثق منه الصبر على الفقر، وخاف أن يتعرض للمسألة إذا فقد ما ينفقه. فأما الأنصار الذين أثنى الله عليهم بالإيثار على أنفسهم، فلم يكونوا بهذه الصفة، بل كانوا كما قال الله تعالى: {أية : وَٱلصَّابِرِينَ فِي ٱلْبَأْسَآءِ وٱلضَّرَّاءِ وَحِينَ ٱلْبَأْسِ} تفسير : [البقرة:177]. وكان الإيثار فيهم أفضل من الإمساك. والإمساك لمن لا يصبر. ويتعرض للمسألة أولى من الإيثار. وروي أنّ رجلاً حديث : جاء إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم بمثل البيضة من الذهب فقال: هذه صدقة، فرماه بها وقال: «يأتي أحدكم بجميع ما يملكه فيتصدّق به ثم يقعد يتكفف الناس»تفسير : . والله أعلم. التاسعة: ـ والإيثار بالنفس فوق الإيثار بالمال وإن عاد إلى النفس. ومن الأمثال السائرة:شعر : والجُـودُ بالنَّفْس أقصَى غايـة الجُـودِ تفسير : ومن عبارات الصوفية الرشيقة في حدّ المحبة: أنها الإيثار، ألا ترى أن امرأة العزيز لمّا تناهت في حُبّها ليوسف عليه السلام، آثرته على نفسها فقالت: أنا راودته عن نفسه. وأفضل الجود بالنفس الجودُ على حماية رسول الله صلى الله عليه وسلم، ففي الصحيح: أن أبا طَلْحة ترَسّ على النبي صلى الله عليه وسلم يوم أُحُد، وكان النبيّ صلى الله عليه وسلم يتطلّع ليرى القوم. فيقول له أبو طلحة: لا تُشرِف يا رسول الله! لا يصيبونك! نَحْرِي دون نحرك! ووَقى بيده رسول الله صلى الله عليه وسلم فشُلّت. وقال حُذيفة العدوِيّ: انطلقت يوم اليَرْمُوك أطلب ابن عم لي ـ ومعي شيء من الماء ـ وأنا أقول: إن كان به رَمقٌ سقيته، فإذا أنا به، فقلت له: أسقيك، فأشار برأسه أنْ نَعم، فإذا أنا برجل يقول: آه! آه! فأشار إليَّ ابن عمي أن انطلق إليه، فإذا هو هشام بن العاص فقلت: أسقيك؟ فأشار أن نعم. فسمع آخر يقول: آه! آه! فأشار هشام أن انطلق إليه فجئته فإذا هو قد مات. فرجعت إلى هشام فإذا هو قد مات. فرجعت إلى ابن عمي فإذا هو مات. وقال أبو يزيد البِسْطَامِيّ: ما غَلَبني أحدٌ ما غلبني شابٌّ من أهل بَلْخ! قدِم علينا حاجاً فقال لي: يا أبا يزيد، ما حَدُّ الزهد عندكم؟ فقلت: إنْ وَجَدْنا أكلنا. وإن فقدنا صبرنا. فقال: هكذا كلاب بَلْخ عندنا. فقلت: وما حَدّ الزهد عندكم؟ قال: إن فقدنا شكرنا، وإن وجدنا آثرنا. وسُئل ذو النُّون المصري: ما حَدُّ الزاهد المنشرح صدره؟ قال ثلاث: تفريق المجموع، وترك طلب المفقود، والإيثار عند القوت. وحكي عن أبي الحسن الأنطاكي: أنه اجتمع عنده نيّف وثلاثون رجلاً بقرية من قُرَى الرَّيّ، ومعهم أرغفة معدودة لا تُشبع جميعهم، فكسروا الرغفان وأطفئوا السراج وجلسوا للطعام؛ فلما رُفع فإذا الطعام بحاله لم يأكل منه أحد شيئاً؛ إيثاراً لصاحبه على نفسه. العاشرة ـ: قوله تعالى: {وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ} الخصاصة: الحاجة التي تختلّ بها الحال. وأصلها من الاختصاص وهو انفراد بالأمر. فالخصاصة الإنفراد بالحاجة؛ أي ولو كان بهم فاقة وحاجة. ومنه قول الشاعر:شعر : أمّا الربيع إذا تكون خصاصةٌ عاش السقيم به وأَثْرَى الْمُقْترُ تفسير : الحادية عشرة ـ قوله تعالى: {وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ} الشُّحّ والبُخْلُ سواء؛ يقال: رجل شحيح بَيّن الشُّحّ والشَّح والشّحاحة. قال عمرو بن كلثوم:شعر : ترى اللَّحِزَ الشّحيحَ إذا أُمِرّتْ عليه لِمالِه فيها مُهِينا تفسير : وجعل بعض أهل اللغة الشُّحّ أشدّ من البخل. وفي الصحاح: الشّحُّ البخلُ مع حِرص؛ تقول: شَحِحت (بالكسر) تَشَحّ. وشَحَحْتَ أيضاً تَشُحّ وتَشِحّ. ورجل شحيح، وقومٌ شِحاح وأشِحّة. والمراد بالآية: الشّحُّ بالزكاة وما ليس بفرض من صلة ذوي الأرحام والضيافة، وما شاكل ذلك. فليس بشحيح ولا بخيل من أنفق في ذلك وإن أمسك عن نفسه. ومن وَسّع على نفسه ولم ينفق فيما ذكرناه من الزكوات والطاعات فلم يُوقَ شُحَّ نفسه. وروى الأسْودُ عن ابن مسعود أن رجلا أتاه فقال له: إني أخاف أن أكون قد هلكت؟ قال: وما ذاك؟ قال: سمعت الله عز وجل يقول: {وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ} وأنا رجل شحيح لا أكاد أن أُخرج من يدي شيئاً. فقال ابن مسعود: ليس ذلك بالشُّح الذي ذكره الله تعالى في القرآن، إنما الشّح الذي ذكره الله تعالى في القرآن أن تأكل مال أخيك ظلماً، ولكنّ ذلك البخل، وبئس الشَّيء البخل. ففرّق رضي الله عنه بين الشح والبخل. وقال طاوس: البخل أن يبخل الإنسان بما في يده، والشّح أن يَشِح بما في أيدي الناس، يحب أن يكون له ما في أيديهم بالحِلّ والحرام، لا يقنع. ابن جبير: الشح منع الزكاة وادّخار الحرام. ابن عُيَيْنَة: الشح الظلم. الليث: ترك الفرائض وانتهاك المحارم. ابن عباس: من اتبع هواه ولم يقبل بالإيمان فذلك الشحيح. ابن زيد: من لم يأخذ شيئاً (لشيء) نهاه الله عنه، ولم يَدْعُه الشح (على أن يمنع شيئاً من شيء) أمره الله به، فقد وقاه الله شح نفسه. وقال أنس: قال النبيّ صلى الله عليه وسلم: «حديث : بَرِىء من الشّح من أدّى الزكاة وقَرَى الضيف وأعطى في النائبة»تفسير : . وعنه أن النبيّ صلى الله عليه وسلم كان يدعو «حديث : اللهم إني أعوذ بك من شُحّ نفسي وإسرافها ووساوسها»تفسير : . وقال أبو الهَيّاج الأسدي: رأيت رجلا في الطّواف يدعو: اللهم قِني شُحَّ نفسي. لا يزيد على ذلك شيئاً، فقلت له؟ فقال: إذا وقيت شُحّ نفسي لم أسرق ولم أزْنِ ولم أفعل. فإذا الرجل عبد الرحمن بن عَوْف. قلت: يدل على هذا قوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : اتقوا الظلم فإن الظلم ظلمات يوم القيامة واتقوا الشّح فإن الشح أهلك من كان قبلكم حملهم على أن سَفَكوا دماءهم واستحلُّوا محارمهم»تفسير : . وقد بيناه في آخر «آل عمران». وقال كِسرى لأصحابه: أي شيء أضرّ بابن آدم؟ قالوا: الفقر. فقال كِسرى: الشح أضرّ من الفقر؛ لأن الفقير إذا وجد شبع، والشحيح إذا وجد لم يشبع أبداً.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَٱلَّذِينَ تَبَوَّءُو ٱلدَّارَ } أي المدينة {وَٱلإِيمَٰنَ } أي ألفوه وهم الأنصار {مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلاَ يَجِدُونَ فِى صُدُورِهِمْ حَاجَةً } حسداً {مّمَّا أُوتُواْ } أي آتى النبي صلى الله عليه وسلم المهاجرين من أموال بني النضير المختصة به {وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ } حاجة إلى ما يؤثرون به {وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ } حرصها على المال {فَأُوْلـَٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ }.
ابن عطية
تفسير : {الذين تبوءوا} هم الأنصار، والضمير في {قبلهم} للمهاجرين، و {الدار} هي المدينة، والمعنى: تبوءوا الدار مع الإيمان معاً، وبهذا الاقتران يصح معنى قوله: {من قبلهم} فتأمله، {والإيمان} لا يتبوأ لأنه ليس مكاناً ولكن هذا من بليغ الكلام ويتخرج على وجوه كلها جميل حسن. وأثنى الله تعالى في هذه الآية على الأنصار بأنهم {يحبون} المهاجرين، وبأنهم {يؤثرون على أنفسهم} وبأنهم قد وقوا شح أنفسهم لأن مقتضى قوله: {ومن يوق شح نفسه} الآية. أن هؤلاء الممدوحين قد وقوا الشح، والحاجة: الحسد في هذا الموضع، قاله الحسن وتعم بعد جميع الوجوه التي هي بخلاف ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم في إعطاء المهاجرين أموال بني النضير والقرى، و {أوتوا} معناه: أعطوا، والضمير المرفوع بأن لم يسم فاعله هو للمهاجرين، وقوله تعالى: {ويؤثرون} الآية، صفة للأنصار. وقد روي من غير ما طريق، أنها نزلت بسبب رجل من الأنصار، قال أبو المتوكل: هو ثابت بن قيس، وقال أبي هريرة في كتاب مكي: كنية هذا الرجل أبو طلحة، وخلط المهدوي في ذكر هذا الرجل ندب رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت: والله ما عندنا إلا قوت الصبية، فقال: نومي صبيتك وأطفئي السراج وقدمي ما عندك للضيف ونوهمه نحن أنا نأكل، ففعلا ذلك فلما غدا على رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : عجب الله من فعلكما البارحة"تفسير : ، ونزلت الآية في ذلك، والإيثار على النفس أكرم خلق، وقال حذيفة العدوي: طلبت يوم اليرموك ابن عم لي في الجرحى ومعي شيء من ماء، فوجدته، فقلت: أسقيك؟ فأشار أن نعم، فإذا رجل يصيح آه، فأشار ابن عمي أن انطلق إليه فجئته فإذا هو هشام بن العاصي، فقلت: اشرب فإذا آخر يقول: آه، فأشار هشام أن انطلق إليه، فجئته، فإذا به قد فاضت نفسه، فرجعت إلى هشام، فإذا هو قد مات، فرجعت إلى ابن عمي فإذا هو قد مات، فعجبت من إيثارهم رحمهم الله وقال أبو زيد البسطامي: قدم علينا شاب من بلخ حاجاً فقال: ما حد الزهد عندكم؟ فقلت: إذا وجدنا أكلنا وإذا فقدنا صبرنا، فقال: هكذا عندنا كلاب بلخ، فقلت له: فما هو عندكم، فقال: إذا فقدنا صبرنا وإذا وجدنا آثرنا وروي: أن سبب هذه الآيةحديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قسم هذه القرى في المهاجرين قال للأنصار: "إن شئتم قسمتم للمهاجرين من أموالكم ودياركم وشاركتموهم في هذه الغنيمة، وإن شئتم أمسكتم أموالكم وتركتم لهم هذه" فقالوا: بل نقسم لهم من أموالنا ونترك لهم هذه الغنيمةتفسير : ، فنزلت هذه الآية. والخصاصة: الفاقة والحاجة، وهو مأخوذ من خصائص البيت وهو ما يبقى بين عيدانه من الفرج والفتوح فكأن حال الفقير هي كذلك يتخللها النقص والاحتياج، و "شح النفس" هو كثرة منعها وضبطها على المال والرغبة فيه وامتداد الأمل هذا جماع شح النفس وهو داعية كل خلق سوء، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : من أدى الزكاة المفروضة وقرى الضيف وأعطى في النائبة فقد برئ من الشح" تفسير : ،واختلف الناس بعد هذا الذي قلنا، فذهب الجمهور والعارفون بالكلام إلى هذا وعلى هذا التأويل، كان عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه يطوف ويقول: اللهم قني شح نفسي، لا يزيد على ذلك، فقيل له في ذلك فقال إذا وقيته لم أفعل سوءاً. قال القاضي أبو محمد: "شح النفس" فقر لا يذهبه غنى المال بل يزيده وينصب به، وقال ابن زيد وابن جبير وجماعة: من لم يأخذ شيئاً نهاه الله تعالى عنه ولم يمنع الزكاة المفروضة فقد برئ من شح النفس. وقال ابن مسعود رحمه الله "شح النفس": هو أكل مال الغير بالباطل، وأما منع الإنسان ماله فهو بخل وهو قبيح، ولكنه ليس بالشح. وقرأ عبد الله بن عمر: "شِح" بكسر السين، ويوقى وزنه: يفعل من وقى يقي مثل وزن يزن. وقرأ أبو حيوة: "يوَقّ" بفتح الواو وشد القاف و {المفلحون}: الفائزون ببغيتهم. واختلف الناس في قوله تعالى: {والذين جاؤوا من بعدهم} فقال الفراء: أراد الفرقة الثالثة من الصحابة وهي من آمن أو كبر في آخر مدة النبي صلى الله عليه وسلم. وقال جمهور العلماء: أراد من يجيء من التابعين وغيرهم إلى يوم القيامة، فوصف الله تعالى القول الذي ينبغي أن يلتزمه كل من لم يكن من الصدر الأول وإعراب {الذين} رفع عطفاً على {هم} أو على {الذين} أو رفع بالابتداء. وقوله تعالى: {يقولون} حال فيها الفائدة والمراد: والذين جاؤوا قائلون كذا أو يكون يقولون صفة، ولهذه الآية قال مالك وغيره: إنه من كان له في أحد من الصحابة قول سوء أو بغض فلا حظ له في الغنيمة أدباً له، وجاء عراقيون إلى علي بن الحسين فسبوا أبا بكر وعمر وعثمان فقال لهم: أمن المهاجرين الأولين أنتم؟ فقالوا: لا، أفمن {الذين تبوءوا الدار والإيمان}؟ قالوا: لا، قال فقد تبرأتم من هذين الفريقين، وأنا أشهد أنكم لستم من الذين قال الله تعالى فيهم: {والذين جاؤوا من بعدهم} الآية. قوموا فعل الله بكم وفعل، وقال الحسن أدركت ثلاثمائة من الصحابة منهم سبعون بدرياً كلهم يحدثني أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : من فارق الجماعة قيد شبر فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه. فالجماعة أن لا تسبوا الصحابة ولا تماروا في دين الله ولا تكفروا أحداً من أهل التوحيد بذنب". تفسير : والغل: الحقد والاعتقاد الرديء، وقرأ الأعمش: "في قلوبنا غمراً للذين" والغمر: الحقد، وقد تقدم الاختلاف في قراءة {رؤوف}.
ابن عبد السلام
تفسير : {تَبَوَّءُو الدَّارَ} من قبل المهاجرين {وَالإيمَانَ} من بعدهم، أو تبوءوا الدار والإيمان قبل الهجرة إليه وهم الأنصار والدار المدينة. {يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ} بالفضول والمواساة بالأموال والمساكين {حَاجَةً} حسداً على ما خصوا به من مال الفيء وغيره {وَيُؤْثِرُونَ} يقدمونهم على أنفسهم {خَصَاصَةٌ} فاقة وحاجة آثروهم بالفيء والغنيمة حتى قسم في المهاجرين دونهم لما قسم الرسول صلى الله عليه سلم للمهاجرين أموال النضير أو قريظة على أن يردوا على الأنصار ما كانوا أعطوهم من أموالهم، قالت الأنصار: بل نقسم لهم من أموالنا ونؤثرهم بالفيء فنزلت أو آثروهم بأموالهم وواسوهم بها قال الرسول صلى الل عليه وسلم: "حديث : إخوانكم تركوا الأموال والأولاد وخرجوا إليكم " تفسير : فقالوا: يا رسول الله أموالنا بينهم قطائع فقال: "حديث : أو غير ذلك هم قوم لا يعرفون العمل فتكفوهم وتقاسمونهم الثمر "تفسير : يعني ما صار لهم من نخيل بني النضير قالوا: نعم يا رسول الله. {شُحَّ نَفْسِهِ} الشح أن يشح بما في أيدي الناس يحب أن يكون له أو منع الزكاة، أو هوى نفسه "ع"، أو اكتساب الحرام، أو إمساك النفقة، أو الظلم، أو العمل بالمعاصي، أو ترك الفرائض وانتهاك المحارم، والبخل والشح واحد، أو الشح أخذ المال بغير حق والبخل منع المال المستحق، أو الشح بما في يدي غيره والبخل بما في يديه.
الخازن
تفسير : قوله عز وجل: {والذين تبوءوا الدار والإيمان} يعني الأنصار توطنوا الدار وهي المدينة واتخذوها سكناً {من قبلهم} يعني أنهم أسلموا في ديارهم وآثروا الإيمان وابتنوا المساجد قبل قدوم النبي صلى الله عليه وسلم بسنتين والمعنى والذين تبوءوا الدار من قبل المهاجرين وقد آمنوا لأن الإيمان ليس بمكان يتبوأ {يحبون من هاجر إليهم} وذلك أنهم أنزلوا المهاجرين في منازلهم وأشركوهم في أموالهم {ولا يجدون في صدورهم حاجة} أي حزازة وغيظاً وحسداً {مما أوتوا} أي أعطي المهاجرين من الفيء دونهم وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قسم أموال بني النضير بين المهاجرين ولم يعط الأنصار منها شيئاً إلا ثلاثة فطابت أنفس الأنصار بذلك ك{ويؤثرون على أنفسهم} أي ويؤثر الأنصار المهاجرين بأموالهم ومنازلهم على أنفسهم {ولو كان بهم خصاصة} أي فاقة وحاجة إلى ما يؤثرون به (ق) عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال "حديث : جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال إني مجهود فأرسل إلى بعض نسائه فقالت والذي بعثك بالحق ما عندي إلا الماء ثم أرسل به إلى أخرى فقالت مثل ذلك وقلن كلهن مثل ذلك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم من يضيفه يرحمه الله فقام رجل من الأنصار يقال له أبو طلحة فقال أنا يا رسول الله صلى الله عليه وسلم فانطلق به إلى رحله فقال لامرأته هل عندك شيء؟ قالت لا إلا قوت صبياني قال فعلليهم بشيء ونوميهم فإذا دخل ضيفنا فأريه أنا نأكل فإذا هوى بيده ليأكل فقومي إلى السراج كي تصلحيه فأطفئيه ففعلت فقعدوا وأكل الضيف وباتا طاويين فلما أصبح غدا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لقد عجب الله أو ضحك الله من فلان وفلانة" تفسير : زاد في رواية "فأنزل الله {ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة}". (ق) عن أبي هريرة قال "حديث : قالت الأنصار للنبي صلى الله عليه وسلم أقسم بيننا وبين إخواننا النخيل قال لا فقالوا تكفونا ونشرككم في الثمر قالوا سمعنا وأطعنا"تفسير : (خ) عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال "حديث : دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم الأنصار إلى أن يقطع لهم البحرين فقالوا لا إلا أن تقطع لإخواننا من المهاجرين مثلها فقال أما لا فاصبروا حتى تلقوني على الحوض فإنه سيصيبكم أثرة بعدي" تفسير : وفي رواية "حديث : ستلقون بعدي أثرة فاصبروا حتى تلقوني على الحوض" تفسير : الأثرة بفتح الهمزة والثاء والراء وضبطه بعضهم بضم الهمزة وإسكان الثاء والأول أشهر ومعناه الاستئثار وهو أن يستأثر عليكم بأمور الدنيا ويفضل غيركم عليكم ولا يجعل لكم في الأمر نصيب وقيل هو من آثر إذا أعطى أراد يستأثر عليكم بأمور الدنيا ويفضل غيركم عليكم ولا يجعل لكم في الأمر نصيب وقيل هو من آثر إذا أعطى أراد يستأثر عليكم غيركم فيفضل في نصيبه من الفيء والاستئثار الانفراد بالشيء وقيل الأثرة الشدة والأول أظهر وعن ابن عباس قال: "حديث : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم النضير للأنصار "إن شئتم قسمتم للمهاجرين من أموالكم ودياركم وتشاركونهم في هذه الغنيمة وإن شئتم كانت لكم أموالكم ودياركم ولم نقسم لكم شيئاً من الغنيمة فقالت الأنصار بل نقسم لهم من أموالنا وديارنا ونؤثرهم بالغنيمة ولا نشاركهم فيها فأنزل الله عز وجل ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون"" تفسير : والشح في كلام العرب البخل مع الحرص وقد فرق بعض العلماء بين البخل والشح فقال البخل نفس المنع والشح هو الحالة النفسانية التي تقتضي ذلك المنع. ولما كان الشح من صفات النفس لا جرم قال الله تعالى: {ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون} أي الفائزون بما أرادوا وروي أن رجلاً قال لابن مسعود إني أخاف أن أكون قد هلكت قال وما ذاك قال إني أسمع الله يقول ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون وأنا رجل شحيح لا يكاد يخرج من يدي شيء فقال عبد الله ليس ذلك بالشح الذي ذكر الله في القرآن ولكن الشح أن تأكل مال أخيك ظلماً ولكن ذلك البخل وبئس الشيء البخل وقال ابن عمر ليس الشح أن يمنع الرجل ماله إنما الشح أن تطمع عين الرجل فيما ليس له وقيل الشح هو الحرص الشديد الذي يحمل صاحبه على ارتكاب المحارم وقيل من لم يأخذ شيئاً نهاه الله عن أخذه ولم يمنع شيئاً أمره الله بإعطائه فقد وقاه شح نفسه (م) عن جابر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "حديث : اتقوا الظلم فإن الظلم ظلمات يوم القيامة واتقوا الشح فإن الشح أهلك من كان قبلكم حملهم على أن سفكوا دماءهم واستحلّوا محارمهم" تفسير : عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "حديث : شر ما في الرجل شح هالع وجبن خالع" تفسير : أخرجه أبو داود الهلع أشد الجزع والمراد منه أن الشحيح يجزع جزعاً شديداً ويحزن على شيء يفوته أو يخرج من يده والخالع الذي خلع فؤاده لشدة خوفه وفزعه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : لا يجتمع غبار في سبيل الله ودخان جهنم في جوف عبد أبداً ولا يجتمع الشح والإيمان في قلب عبد أبداً" تفسير : أخرجه النسائي.
التستري
تفسير : قوله تعالى: {وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ}[9] قال: يعني مجاعة وفقراً. تقول العرب: فلان مخصوص إذا كان فقيراً، فيؤثرون رضا الله على هواهم، والإيثار شاهد الحب. وقد حكي عن وهيب بن الورد أنه قال: يقول الله تعالى: "حديث : وعزتي وعظمتي وجلالي، ما من عبد آثر هواي على هواه إلا قللت همومه وجمعت عليه ضيعته، ونزعت الفقر من قلبه، وجعلت الغنى بين عينيه، واتجرت له من وراء كل تاجر. وعزتي وجلالي، ما من عبد آثر هواه على هواي إلا كثرت همومه، وفرقت عليه ضيعته، ونزعت الغنى من قلبه، وجعلت الفقر بين عينيه، ثم لا أبالي في أي واد هلك ". تفسير : قوله تعالى: {وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ}[9] قال: أي ومن يوق حرص نفسه وبخلها على شيء هو غير الله وغير ذكره، فأولئك هم الباقون مع الله حياة طيبة بحياة طيبة.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {وَٱلَّذِينَ تَبَوَّءُوا ٱلدَّارَ وَٱلإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ...} الآية. سمعت سعيد بن أحمد يقول: سئل أبو الحسين البوشيخى عن الفتوة؟ فقال: الفتوة عندى ما وصف الله تعالى به الأنصار من قوله: {وَٱلَّذِينَ تَبَوَّءُوا ٱلدَّارَ وَٱلإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ...} الآية. وفى قول النبى صلى الله عليه وسلم: "حديث : المؤمن الذى يرضى لأخيه ما يرضى لنفسه ". تفسير : قال القاسم: من عَمَّر داره للفتوة والفتيان كان محموداً ومن عمَّرها لنفسه والتزين به كان مذموماً قال الله تعالى: {وَٱلَّذِينَ تَبَوَّءُوا ٱلدَّارَ وَٱلإِيمَانَ...} الآية. قوله تعالى: {وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ} [الآية: 9]. قال ابن عطاء: يؤثرون به جوداً وكرماً ولو كان بهم خصاصة يعنى جوعاً. وقال أبو حفص: الإيثار هو أن تقدم حظوظ الإخوان على حظك فى أمر دنياك وآخرتك. وقال بعضهم: الإيثار لا يكون عن اختيار إنما الإيثار أن تقدم حقوق الخلق أجمع على حقك ولا تميز فى ذلك بين أخ وصاحب وذى معرفة. وقال يوسف بن الحسين: إنما الإيثار من رأى لنفسه ملكاً لا يصح له الإيثار لأنه يرى نفسه أحق بالشىء لرؤية ملكه إنما الإيثار لمن يرى الأشياء للحق فمن وصل إليه فهو أحق به وإذا وصل الشىء من ذلك إليه يرى نفسه ويده فيه يد غصب أو يد أمانة يوصلها إلى صاحبها أو يؤديها إليه. قال بعضهم: الإيثار أن تؤثر بحظ آخرتك فإن الدنيا أقل خطراً من أن يكون لإيثارها محل أو ذكر. قوله تعالى: {وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ} [الآية: 9]. قال سهل: حرص نفسه على شىء هو غير الله والذكر له فأولئك هم المفلحون الباقون مع الله أحياء بحياته. سئل الواسطى: متى ينجو العبد من شح نفسه؟ قال: لو أتى بإخلاص الكليم وأدب الخليل وخلق الحبيب ثم كان لسره على سره أثرًا ولشىء على قلبه خطرًا كان محرومًا فى وقته ومرتبطًا بحظه. قال محمد بن الفضل: ما شح أحد إلا ظلم غيره وطلب ما ليس له. وقال بعضهم: الشح متابعة الطبع والإيثار مخالفة النفس.
القشيري
تفسير : قوله جل ذكره: {وَٱلَّذِينَ تَبَوَّءُوا ٱلدَّارَ وَٱلإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلاَ يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّآ أُوتُواْ وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ}. نزلت هذه الآية في الأنصار. {تَبَوَّءُوا ٱلدَّارَ} أي سكنوا المدينة قبل المهاجرين.. {يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ} من أهل مكة. {وَلاَ يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً} مما خُصِّصَ به المهاجرون من الفيء، ولا يحسدونهم على ذلك، ولا يَعْترِضون بقلوبهم على حُكْمِ الله بتخصيص المهاجرين، حتى لو كانت بهم حاجةٌ أو اختلالُ أحوالٍ. {وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ}. قيل نزلت الآية في رجلٍ منهم أُهْدِيَتْ له رأسُ شاةٍ فطاف على سبعة أبيات حتى انتهى إلى الأول. وقيل نزلت في رجلٍ منهم نزل به ضيفٌ فقرَّب منه الطعامَ وأطفأ السراجَ ليُوهِمَ ضيفَه أنه يأكل، حتى يؤثِرَ به الضيفَ عَلَى نفسه وعَلَى عياله، فأنزل الله الآية في شأنه. ويقال: الكريمُ مَنْ بنى الدار لضيفانه وإخوانه (واللئيمُ من بناها لنفسه). وقيل: لم يقل اللهُ: ومَنْ يَتَّقِ شحَّ نفسه بل قال: {وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ}. ويقال: صاحبُ الإيثارِ يُؤْثر الشبعانَ على نفسه - وهو جائع. ويقال: مَنْ مَيَّزَ بين شخصٍ وشخصٍ فليس بصاحبِ إيثارٍ حتى يؤثِرَ الجميع دون تمييز. ويقال: الإيثار أنْ تَرَى أنَّ ما بأيدي الناسِ لهم، وأن ما يحصل في يدك ليس إلا كالوديعة والأمانة عندك تنتظر الإذنَ فيها. ويقال: مَنْ رَأى لنفسه مِلْكاً فليس من أهل الإيثار. ويقال: العابدُ يؤثِر بدنياه غيرَه، والعارفُ يؤثِر بالجنة غيرَه. وعزيزٌ مَنْ لا يطلبُ مِنَ الحقِّ لنَفْسِه شيئاً: لا في الدنيا من جاهٍ أو مالٍ، ولا في الجنَّة من الأفضال، ولا منه أيضاً ذَرَّةً من الإقبال والوصال وغير ذلك من الأحوال. وهكذا وصفُ الفقير؛ يكون بسقوطِ كلِّ أرَبٍ. قوله جل ذكره: {وَٱلَّذِينَ جَآءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا ٱغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا ٱلَّذِينَ سَبَقُونَا بِٱلإِيمَانِ وَلاَ تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِّلَّذِينَ آمَنُواْ رَبَّنَآ إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ}. أي والذين هاجروا من بعدهم، ثم أجيالُ المؤمنين من بعد هؤلاء إلى يوم القيامة.. كلهُم يَتَرَحَّمون على السلف من المؤمنين الذين سبقوهم، ويسلكون طريقَ الشفقة على جميع المسلمين، ويستغفرون لهم، ويستجيرون من الله أن يجعلَ لأحدٍ من المسلمين في قلوبهم غِلاًّ أي حِقْداً. ومَنْ لا شفقةَ له على جيمع المسلمين فليس له نصيبٌ من الدِّين.
اسماعيل حقي
تفسير : {والذين تبوأوا الدار والايمان} كلام مستأنف مسوق لمدح الانصار بخصال حميدة من جملتها محبتهم للمهاجرين ورضاهم باختصاص الفيىء بهم احسن رضى واكمله والانصار بنوا الاوس والخزرج ابنى حارثة بن ثعلبة بن عمرو بن عامر بن حارثة ابن امرىء القيس بن ثعلبة بن مازن بن الازد بن الغوث بن نيت بن مالك بن زيد بن كهلان بن سبأ بن يشجب ابن يعرب بن قحطان قال فى القاموس قحطان بن عامر بن شالخ ابو حى انتهى وهو اصل العرب العرباء ومن الانصار غسان كشداد ماء قرب الجحفة نزل عليه قوم من ولد الازد فشربوا منه فنسبوا اليه وأصل البوآء مساواة الاجزآء فى المكان خلال النبو الذى هو منافاة الاجزآء يقال مكان بوآء اذا لم يكن نابيا بنازله وبوأت له مكانا سويت (وروى) انه عليه السلام كان يتبوأ لبوله كما يتبوأ لمنزله وتبوؤا المنزل اتخاذه منزلا والتمكن والاستقرار فيه فالمتبوأ فيه لابد أن يكون من قبيل المنازل والامكنة والدار هى المدينة وتسمى قديما يثرب وحديثا طيبة وطابة كذلك بخلاف الايمان فانه ليس من هذا القبيل فمعنى تبوئهم الدار والايمان انهم اتخذوا المدينة والايمان مباءة وتمكنوا فيهما اشد تمكن على تنزيل الحال منزلة المكان وقيل ضمن النبوؤ معنى اللزوم وقيل تبوأوا الدار وأخلصوا الايمان او قبلوه او آثروه كقول من قال علفتها تبنا وماء باردا، اى وسقيتها ماء باردا فاختصر الكلام وقيل غير ذلك. يقول الفقير لعل اصل الكلام والذين تبوأوا دار الايمان فان المدينة يقال لها دار الايمان لكونها مظهره ومأوى اصله كما يقال لها دار الهجرة وانما عدل الى ماذكر من صورة العطف تنصيصا على ايمانهم اذ مجرد التبوء لايكفى فى المدح {من قبلهم} اى من قبل هجرة المهاجرين فقدر المضاف لان الانصار لم يؤمنوا قبل المهاجرين بل منهم من آمن قبل الهجرة ومنهم من آمن بعدها قال بعضهم مراد انصارندكه درديار خود ايمان آوردند وبد وسال بيش ازقدوم حضرت مساجد ساختند، وربوا الاسلام كما يربى الطير الفرخ قال فى الارشاد يجوز أن يجعل اتخاذ الايمان مباءة ولزومه واخلاصه عبارة عن اقامة كافة حقوقه التى من جملتها اظهار عامة شعائره واحكامه ولا ريب فى تقدم الانصار فى ذلك على المهاجرين لظهور عجزهم عن اظهار بعضها لا عن اخلاصه قلبا واعتقادا اذ لايتصور تقدمهم عليهم فى ذلك وفى الآية اشارة الى دار القلب التى هى دار الصدق والاخلاص والى الايمان الاختصاصى الوهبى بتحقيقه وتثبيته {يحبون من هاجر اليهم} خبر للموصول اى يحبونهم من حيث مهاجرتهم اليهم لمحتبهم الايمان ولان الله وحبيبه احباهم وحبيب الحبيب حبيب وفى كشف الاسرار كنايتست ازمهمان دوستى انصار {ولايجدون فى صدورهم} اى فى نفوسهم {حاجة} اى شيأ محتاجا اليه {مما اوتوا} اى مما اوتى المهاجرون من الفيىء وغيره ومن بيانية يقال خذ منه حاجتك اى ماتحتاج اليه والمراد من نفى الوجدان نفى العلم لان الوجدان فى النفس ادراك علمى وفيه من المبالغة ماليس فى يعلمون وقال بعضهم طلب محتاج اليه يعنى ان نفوسهم لم تبتغ ما اوتوا ولم تطمح الى شىء منه يحتاج اليه وقيل وجدا على تقديمهم عليهم وغيظا وحسدا ونحو ذلك قال الراغب الحاجة الى الشىء الفقر اليه من محبته {ويؤثرون} اى يقدمون المهاجرين فالمفعول محذوف {على انفهسم} فى كل شىء من اسباب المعاش جودا وكرما حتى ان من كان عنده امرأتان كان ينزل عن احداهما ويزوجها واحدا منهم والايثار عطاؤك ما أنت تحتاج اليه وفى الخبر "حديث : لم يجتمع فى الدنيا قوم قط الا وفيهم اسخياء وبخلاء الا فى الانصار فان كلهم اسخياء مافيهم بخيل"تفسير : {ولو كان بهم خصاصة} اى حاجة وخلة واصلها خصاص البيت وهى فرجة شبه حالة الفقر والحاجة ببيت ذى فرج فى الاشتمال على مواضع الحاجة قال الراغب عبر عن الفقر الذى لايسد بالخصاصة كما عبر عنه بالخلة والخص بيت من قصب وشجر وذلك لما يرى منه من الخصاصة وكان عليه السلام قسم أموال بنى النضير على المهاجرين ولم يعط الانصار الا ثلاثة نفر محتاجين ابا دجانة سماك بن خرشة وسهل بن حنيف والحارث بن الصمة رضى الله عنهم وروى لم يعط الا رجلين سهلا وابا دجانة فان الحارث بن الصمة قتل فى بئر معونة وقال لهم ان شئتم قسمتم للمهاجرين من اموالكم ودياركم وشاركتموهم فى هذه الغنيمة وان شئتم كانت لكم دياركم واموالكم ولم يقسم لكم شىء من الغنيمة فقالت الانصار بل نقسم لهم من أموالنا وديارانا ونؤثرهم بالغنيمة ولا نشاركهم فيها فنزلت وكان عليه السلام أعطى بعض الاراضى وابقى بعضها يزرع له ولما أعطى المهاجرين امرهم برد ما كان للانصار لاستغنائهم عنهم ولانهم ولم يكونوا ملوكهم وانما كانوا دفعوا لهم تلك النخيل لينتفعوا بثمرها ويدخل فى ايثارهم المهاجرين بالفيىء سائر الايثارات وعن انس رضى الله عنه انه قال اهدى لرجل من الانصار رأس شاة وكان مجهودا فوجه به الى جار له زاعما انه احوج اليه منه فوجه جاره ايضا الى آخر فلم يزل يبعث به واحدا الى آخر حتى تداول ذلك الرأس سبعة بيوت الى أن رجع الى المجهود الاول قال حذيفة العدوى انطلقت يوم اليرموك اطلب ابن عم لى ومعى شىء من الماء وانا اقول ان كان به رمق سقيته فاذا أنا به فقلت اسقيك فأشار برأسه أن نعم فاذا برجل يقول آه آه فأشار الى ابنى عمى ان انطلق اليه فاذا هو هشام بن العاص فقلت أسقيك فأشار أن نعم فسمع آخر يقول آه آه فأشار هشام أن انطلق اليه فجئت اليه فاذا هو قد مات فرجعت الى هشام فاذا هو قد مات فرجعت الى ابن عمى فاذا هو قد مات وهذا من قبيل الايثار بالنفس وهو فوق الايثار بالمال شعر : فداى دوست نكرديم عمر ومال دريغ كه كار عشق زما اين قدر نمى آيد تفسير : وقال فى التكملة الصحيح ان الآية نزلت فى أبى طلحة الانصارى رضى الله عنه حين نزل برسول الله عليه السلام ضيف ولمن يكن عنده مايضيفه به فقال ألا رجلا يضيف هذا رحمه الله فقام أبو طلحة فانطلق به الى رحله وقال لامرأته اكرمى ضيف رسول الله فنومت الصبية واطفأت السراج وجعل الضيف يأكل وهما يريان انهما يأكلان معا ولايفعلان فنزلت الآية وكان قناعت السلف اوفر ونفوسهم اقنع وبركتهم اكثر ونحن نؤثر أنفسنا على الغير فاذا وضعت مائدة بين ايدينا يريد كل منا آن يأكل قبل الآخر ويأخذ اكثر مما يأخذ الرفيق ولذلك لم توجد بركة الطعام وينفد سريعا ويروى انه وقع بين ملك ووزيره انه قال الملك ان العلماء احسن حالا واصلح بالا من الفقرآء وقال الوزير بخلاف ذلك ثم قال الوزير نمتحنهما فى أمرين فبعث احدا بعدة آلاف درهم الى اهل المدرسة فقال اذهب وقل لهم ان الملك امرنى أن أعطى هذه الدراهم افضلكم واكملكم فمن هو فقال واحد منهم انا وقال الآخر كذب بل هو انا وهكذا ادعى كل منهم الافضلية فقال الرسول لم يتميز الأفضل عندى ولم أعرفه ولم يعط شيأ فعاد واخبر بما وقع ثم ارسل الوزير تلك الدراهم الى اهل الخانقاه ففعلوا عكس مافعله العلماء واعطى بيده سيفا فقال اذهب فقل لهم ان الملك امرنى أن اضرب عنق رئيسكم فمن هو فقال واحد انا وقال الآخر بل انا وهكذا قال كل منهم ايثار ابقاء اخيه واختيار فدآء رفيقه بنفسه فقال الرسول لم يتميز ماهو الواقع عندى فرجع وأخبر بما وقع فأرسل السيف الى العلماء ففعلوا عكس ما فعله الفقرآء فحج بذلك الوزير على الامير وانت تشاهد أن فقرآء زماننا على عكس هؤلاء الفقرآء فى البلاد والممالك قال أبو يزيد البسطامى قدس سره غلبنى رجل شاب من اهل بلخ حيث قال لى ماحد الزهد عندكم فقلت اذا وجدنا اكلنا واذا فقدنا صبرنا فقال هذا فعل كلاب بلخ عندنا بل اذا فقدنا شكرنا واذا وجدنا آثرنا شعر : كريم كامل آنرامى شناسم اندرين دوران كه كرنانى رسد آزآسياى جرخ كردانش زاستغناى همت باوجود فقر وبى بركى زخود واكير دوسازد ننثار بى نوا بانش تفسير : وفى العوارف من اخلاق الصوفية الايثار والمواساة وحملهم على ذلك فرط الشفقة والرحمة طبعا وقوة اليقين شرعا لانهم يؤثرون الموجود ويصبرون على المفقود قال يوسف بن الحسين رحمه الله من رأى لنفسه ملكا لايصح له الايثار لانه يرى نفسه احق بالشىء برؤية ملكه انما الايثار لمن يرى الاشياء للحق فمن وصل اليه فهو احق به فاذا وصل شىء من ذلك اليه يرى نفسه ويده فيه غصب اويد امانة يوصلها الى صاحبها ويؤديها اليه، معاذ بن جبل راديدندكه دربازار مكه ميكر ديد وزيره تره ميجيد وميكفت هذا ملكك مع رضاك وملك الدنيا مع سخطك شعر : خيز يارا تابميخانه زمانى دم زنيم آتش اندر ملكت آل بنى آدم زنيم هرجه اسبابست جمع آييم وبس جمع آوريم بس بحكم حال بيزارى همه برهم زنيم تفسير : {ومن يوق شح نفسه} وهركه نكاه داشته شود ازبخل نفس او يعنى منع كند نفس را از حب مال وبغض اتفاق الوقاية حفظ الشىء مما يؤذيه ويضره والشح بالضم والكسر بخل مع حرص فيكون جامعا بين ذميمتين من صفات النفس وأضافته الى النفس لانه غريزة فيها مقتضية للحرص على المنع الذى هو البخل اى ومن يوق بتوفيق الله شحها حتى يخالفها فيما يغلب عليها من حب المال وبغض الانفاق {فاولئك هم المفلحون} الفائزون بكل مطلوب الناجون من كل مكروه والفلاح اسم لسعادة الدارين والجملة اعتراض وارد لمدح الانصار والثناء عليهم فان الفتوة هى الاوصاف المذكورة فى حقهم فلهم جلائل الصفات ودقائق الاحوال ولذا قال عليه السلام "حديث : آية الايمان حب الانصار وآية النفاق بغض الانصار"تفسير : وقال عليه السلام "حديث : اللهم اغفر للانصار ولابناء الانصار وابناء ابناء الانصار"تفسير : قال السهروردى فى العوارف السخاء صفة غريزية فى مقابلة الشح والشح من لوازم صقة النفس حكم الله بالفلاح لمن يوقى الشح اى لمن أنفق وبذل والنبى عليه السلام نبه بقوله "حديث : ثلاث مهلكات وثلاث منجيات"تفسير : فجعل احدى المهلكات شحا مطاعا ولم يقل مجرد الشح يكون مهلكا بل انما يكون مهلكا اذا كان مطاعا فاما كونه موجودا فى النفس غير مطاع لاينكر ذلك لانه من لوازم النفس مستمد من اصل جبلتها الترابى وفى التراب قبض وامساك وليس ذلك بالعجب من الآدمى وهو جبلى فيه وانما العجب وجود السخاء فى الغريزة وهو فى نفوس الصوفية الداعى لهم الى البذل والايثار والسخاء اتم واكمل من الجود وفى مقابلة الجود البخل وفى مقابلة السخاء الشح الجود والبخل يتطرق اليهما الاكتساب بطريق العادة بخلاف الشح والسخاء اذا كانا من ضرورة الغريزة وكل سخى جواد وليس كل جواد سخيا والحق تعالى لايوصف بالسخاء لان السخاء من نتيحة الغرآئز والله تعالى منزه عن الغريزة والجود يتطرق اليه الرياء ويأتى به الانسان متطلعا الى عوض من الخلق والثواب من الله تعالى والسخاء لا يتطرق اليه الرياء لانه ينبع من النفس الزكية المرتفعة عن الاعواض دنيا وآخرة لان طلب العوض مشعر بالبخل لكونه معلولا بالعوض فما تمحض سخاء فالسخاء لأهل الصفاء والايثار لاهل الانوار وقال الحسن رحمه الله الشح هو العمل بالمعاصى كأنه يشح بالطاعة فدخل فيه ماقيل الشح أن تطمح عين الرجل الى ماليس له وقال عليه السلام "حديث : من الشح نظرك الى امرأة غيرك"تفسير : وذلك فان الناظر يشح بالغض والعفة فلا يفلح (وروى) ان رجلا قال لعبد الله بن مسعود رضى الله عنه انى أخاف أن اكون قد هلكت قال وما ذاك قال اسمع الله يقول {ومن يوق شحّ نفسه فاولئك هم المفلحون} وأنا رجل شحيح لايكاد يخرج من يدى شىء فقال عبدالله ليس المراد الشح الذى ذكر الله فى القرءآن أن تأكل مال أخيك ظلما ولكن ذاك البخل وبئس الشىء البخل وفسر الشح بغير ذلك وعن الحكيم الترمذى قدس سره الشح اضر من الفقر لان الفقير يتسع اذا وجد بخلاف الشحيح وعن أبى هريرة رضى الله عنه انه سمع رسول الله عليه السلام يقول "حديث : لايجتمع غبار فى سبيل الله ودخان جنهم فى جوف عبد ابدا ولا يجتمع الشح والايمان فى قلب عبد ابدا"تفسير : وقال عليه السلام "حديث : من أدى الزكاة المفروضة وقرى الضيف واعطى فى النائبة فقد برىء من الشح والشح اقبح من البخل"تفسير : وقال عليه السلام "حديث : اتقوا الظلم فان الظلم ظلمات يوم القيامة واتقوا الشح فانه اهلك من كان قبلكم فحملهم على أن يسفكوا دماءهم ويستحلوا محارمهم"تفسير : (قال الحافظ) شعر : احوال كنج قارون كايام داد برباد باغنجة باز كويد تا زر نهان ندارد تفسير : (وقال المولى الجامى فى ذم الخسيس الشحيح) شعر : هرجند زندلاف كرم مرد درم دوست در يوزه احسان زدرا ونتوان كرد ديرين مثلى هست كه از فضله حيوان نار نج توان ساخت ولى بو نتوان كرد
فرات الكوفي
تفسير : {وَالَّذينَ تَبَوَّؤا الدّارَ وَالإيمانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبّونَ مَنْ هاجَرَ إلَيْهِمْ } [تقدم في ح567 في سورة الحجرات في حديث الإمام الباقر الاستشهاد بالآية].
الهواري
تفسير : {وَالَّذِينَ تَبَوَّءُو الدَّارَ} أي: وطنوا الدار، يعني المدينة {وَالإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ} يعني الأنصار. وكان إيمان الأنصار قبل أن يهاجر إليهم المهاجرون، وكان إيمان المهاجرين قبلهم. قال تعالى: {يُحِبُّونَ} يعني الأنصار {مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلاَ يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّآ أُوتُواْ} أي: مما أوتي المهاجرون، أي مما آثروهم به من الطعام والشراب وغير ذلك، في تفسير الحسن. وقال بعضهم: مما قسم للمهاجرين من [أموال] بني النضير. قال تعالى: {وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ}. ذكروا أن رجلاً من المهاجرين قام ثلاثة أيام صائماً، يمسي فلا يجد ما يفطر عليه، فيصبح صائماً حتى فطن له رجل من الأنصار يقال له ثابت بن قيس فقال لأهله: إني أجيء الليلة بضيف لي. فإذا وضعتم طعامكم فليقم أحدكم إلى السراج كأنما يصلحه فليطفئه، ثم اضربوا بأيديكم كأنكم تأكلون، ولا تأكلوا حتى يشبع الضيف. فلما أمسى وضع أهله طعامهم. فقامت امرأته إلى السراج كأنها تصلحه فأطفأته. ثم جعلوا يضربون بأيديهم إلى الطعام كأنهم يأكلون ولا يأكلون، حتى شبع ضيفهم. وإنما كانت خبزة هي قوتهم. فلما أصبح ثابت غدا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال له النبي عليه السلام: حديث : يا ثابت، لقد رضي الله فعلكم البارحة بضيفكم تفسير : . وأنزلت فيه: {وَيُوثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ} أي: حاجة. ذكروا أن عبد الرحمن بن عوف قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم فآخى النبي بينه وبين سعد بن الربيع الأنصاري، فقال له سعد: أقاسمك مالي نصفين. وكان ذا غنى. قال: وعندي امرأتان فأيتهما أعجبتك حتى أطلقها فإذا انقضت عدتها فتزوجها. فقال له: بارك الله لك في مالك وأهلك. دلوني على السوق. فما رجع حتى استحصل أقطا كثيراً وسمنا، وأحسبه قال: وتمرا. فجاء به إلى منزله. فمكثا ما شاء الله. فرأى رسول الله صلى الله عليه وسلم أثر صفرة في صدره فقال: مهيم؟ فقال: يا رسول الله، تزوجت امرأة من الأنصار. قال: ما سقت إليها. قال: تومة من ذهب أو ورق. فقال: أولم ولو بشاة. ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطى من غنائم خيبر الأقرع بن حابس مائة من الإِبل، وأعطى عيينة بن حصن بن بدر مائة من الإبل، فقال أناس من الأنصار: يعطي النبي صلى الله عليه وسلم غنائمنا رجالاً سيوفنا تقطر من دمائهم وسيوفهم تقطر من دمائنا. [فبلغ ذلك صلى الله عليه وسلم فدعا الأنصار] فاجتمعت إليه الأنصار، فقال النبي عليه السلام: حديث : هل فيكم غيركم؟ قالوا: لا يا رسول الله إلا ابن أخت لنا. فقال: ابن أخت القوم منهم. ثم قال: يا معشر الأنصار، ألا ترضون أن يذهب الناس بالدنيا وبالشاء والإِبل وتذهبون أنتم بمحمد إلى دياركم؟ قالوا: بلى، يا رسول الله، قال: لو أخذ الناس واديا وأخذت الأنصار شعباً لسلكت شعب الأنصار. الانصار كرشي وعيبتي، ولولا الهجرة لكنت أمرأ من الأنصار . تفسير : قوله عز وجل: {وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ} [تفسير سعيد بن جبير: وفي إدخال الحرام ومنع الزكاة] {فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}. ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: حديث : برىء من الشح من أعطى زكاة ماله وقرى الضيف وأعطى النائبة في قومه . تفسير : ذكروا عن الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : من أدى زكاة ماله فقد أدى حق الله في ماله ومن زاد فهو خير له .
اطفيش
تفسير : {وَالَّذِينَ تَبَوْءُوا الدَّارَ} أي توطنوا الدار أو هيأوها للمهاجرين وهي المدينة والذين مبتدأ خبر يحبون وقيل معطوف على المهاجرين وفيه ان المهاجرين نعت بل العطف على الفقراء مع انه يلزم من العطف الاعطاء للانصار. {وَالإِيمَانَ} عطف على الدار لتضمن التبوؤ التمكن واللزوم أي لزموا المدينة والايمان وتمكنوا فيهما وإلا فالايمان لا يتوطن ولم يهيأوه وقد يقال عطف على الدار بلا تأويل أي توطنوا الدار والايمان أو هيأوهما وتوطين الايمان مجاز وتوطين النار حقيقة لكن يلزم الجمع بين الحقيقة والمجاز واما التهيؤ فقيل انهم هيأوا الايمان قبل الهجرة لانهم بايعوه قبلها وقيل المراد تبوأوا دار الهجرة ودار الايمان قال: في الدار للعهد أو عوض عن المضاف اليه وحذف المضاف أو اراد بالايمان بالمدينة تسمية للمحل باسم الحال فانها محل له ولظهوره وقد قيل انهم بنوا المساجد قبل الهجرة بسنتين وقيل الواو واو المعية وقيل الايمان مفعول لمحذوف أي والفوا الايمان أو اخلصوه أو اعتقدوه واعترض ابن هشام كون الواو للمعية بعدم الفائدة في تقييد الانصار المعطوفين على المهاجرين بمصاحبة الايمان اذ هو امر معلوم. {مِن قَبْلِهِمْ} أي من قبل هجرتهم والضمير للمهاجرين وقيل من قبلهم معناه انهم سبقوهم في تبوؤ الدار دار الهجرة. {يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ} حتى انزلوهم في منازلهم وقاسموهم أموالهم ولا يستنقلوهم. {وَلا يَجِدُونَ فِى صُدُورِهِمْ} انفسهم {حَاجَةً} قال الحسن: حسدا ومنه توجد الحزازة وهي حزازة القلب والغيظ وفسره بعض بالحزازة وتطلق الحاجة على طلب ما يحتاج اليه وعلى ما يحتاج اليه. {مِّمَّا أُوتُوا} أي مما اعطيه المهاجرون من الفىء وغيره {وَيُؤْثِرُونَ} يختارون المهاجرين وكونهم اشد منهم أثرا أي شدة أي فقرا {عَلَى أَنفُسِهِمْ} بالمال وغيره حتى انه ينزل واحدا عن زوجة من زوجتيه أو ازواجه وتتزوج المهاجر وهذا جائز. {وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ} محتاج الى ما يؤثرونهم به واصلها خصاصة البيت وهي فروجه والجملة حال وروي انه أهدى رأس شاة لانصاري فقال: ان اخي فلانا يعني المهاجر وعياله احوج مني فبعث اليه به فبعثها هو لآخر حتى تداولت سبعة بيوت ورجعت إلى الاول فنزلت الآية والايثار شاهد الحب قال الله: "حديث : بعزتي وجلالي ما من عبد آثر هواي أي رضاي أو حبي على هواه إلا قللت همومه وجمعت عليه ضيعته ونزعت الفقر من قلبه وجعلته الغنى بين عينيه واتجرت له من وراء كل تاجر وعزتي وعظمتي ما من عبد اثر هواه على هواي إلا كثرت همومه وفرقت عليه ضيعته ونزعت الغنى من قلبه وجعلت الفقر بين عينيه ثم لا أبالي في أي واد هلك ". حديث : وجاء رجل الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: اني مجهود فارسل الى بعض نسائه فقالت: والذي بعثك بالحق ما عندي إلا الماء فاقبل به الى كل واحدة فقلن كذلك فقال: من يضيفه يرحمه الله فقال ابو طلحة الانصاري: انا يا رسول الله فانطلق به فقال: لامرأته اعندك شيء فقالت: لا إلا قوت صبياني قال فعليهم بشيء أي إلههم ونوميهم فإذا دخل ضيفنا فتريه إنا نأكل فإذا هوى بيده ليأكل فقومي الى السياج كي تصليحه فاطفئيه ففعلت وأكل الضيف وباتا جائعين ولما اصبح غدا الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: لقد عجب الله من فعلكما البارحة أي عظمه . حديث : ودعا صلى الله عليه وسلم الانصار ليقسم بينهم البحرين فقالوا: لا إلا ان تقطع لاخواننا المهاجرين مثلها قال: اما لا فاصبروا حتى تأتوني على الحوض تفسير : وعنه صلى الله عليه وسلم: حديث : ان بدلاء مني لن يدخلوا الجنة كثرة صوم ولا صلاة انما دخلوها بسلامة الصدر وسخاوة النفس وحسن الخلق والرحمة لجميع المسلمين والايثار على النفس اكرم خلق تفسير : قال ابو زيد البسطامي حديث : قدم علينا شاب من بلخ فقال لي: ما حد الزهد عندكم فقلت: إِذا وجدنا اكلنا وإذا فقدنا صبرنا فقال: هكذا عندنا كلاب بلخ فقلت: له وما هو عندكم فقال إذا فقدنا صبرنا وإذا وجدنا آثرنا وقال المهاجرون له صلى الله عليه وسلم ما رأينا قوما ابذل لكثير ولا احسن مواساة من قليل من قوم نزلنا بين اظهورهم لقد كفونا المؤونة واشركونا في الباقي حتى لقد حفنا ان يذهبوا بالاجر كله فقال صلى الله عليه وسلم: "ما دعوتم الله لهم واثنيتم عليهم ". تفسير : {وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ} أي يزح عنه الشح ويباعد ويحفظ منه والشح الحرص على المال حتى يمنع حقه ويبغض الانفاق او لا يعطي إلا خوفا قال الشاعر: شعر : يمارس نفسا بين جنبيه كره اذا هم بالمعروف قالت له مهلا تفسير : اي منقبضة. واضيف للنفس لانها عزيزة فيه والبخل نفس المنع وقد يترادفان وقيل: الشح البخل مع الحرص وعن بعضهم شحن النفس كثرة طمعها وضبطها على المال والرغبة فيه وامتداد الامل ويوق مجزوم بحذف الالف على الشرط والنائب مستتر وشح مفعول ثان. {فَأُوْلَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ} الفائزون بعصيان النفس لا غيرهم قال رجل لابن مسعود: اني اخاف أن أكون قد هلكت قال: وما ذاك قال اسمع الله يقول ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون وانا رجل شحيح لايكاد يخرج من يدي شيء قال ليس ذلك بالشح الذي ذكر الله في القرآن ولكن الشح ان تأكل مال اخيك ظلما ولكن ذلك البخل وبئس الشر البخل. وعن ابن عمر ليس البخل الحرص الذي يحمل صاحبه على ارتكاب المحارم من اخذ حرام ومع ما يحرم منعه وهذا الشح وفي الحديث "حديث : اتقوا الظلم فإن الظلم ظلمات يوم القيامة واتقوا الشح فإن الشح أهلك من كان قبلكم"تفسير : حملهم على ان سفكوا دماءهم واستحلوا محارمهم وفي الحديث "حديث : شر ما في الرجل شح هالك"تفسير : أي شديد الجزع وجين خالع أي يخلع فؤاده لشدة خوفه وفي الحديث: "حديث : من أدى الزكاة المفروضة واقرىء الضيف واعطى النائبة فقدة بريء من الشح"تفسير : قال ابن زيد: من لم يأخذ شيئا نهاه الله ولم يمنع شيئا امره باعطائه فقد وقي شح نفسه وقرىء بكسر القاف أي ومن يوقه الله من اوقي وقرىء بفتح الشين.
الالوسي
تفسير : {وَٱلَّذِينَ تَبَوَّءوا ٱلدَّارَ وَٱلإيمَـٰنَ } الأكثرون على أنه معطوف على {أية : الْمُهَاجِرِينَ}تفسير : [الحشر: 8] والمراد بهم الأنصار. والتبوّؤ النزول في المكان، ومنه المباءة للمنزل؛ ونسبته إلى الدار - والمراد بها المدينة - ظاهر، وأما نسبته إلى الإيمان فباعتبار جعله مستقراً ومتوطناً على سبيل الاستعارة المكنية التخييلية. والتعريف في (الدار) للتنويه كأنها الدار التي تستحق أن تسمى داراً وهي التي أعدها الله تعالى لهم ليكون تبوّؤهم إياها مدحاً لهم. وقال غير واحد: الكلام من باب: شعر : علفتها تبناً وماءاً بارداً تفسير : أي تبوأوا الدار وأخلصوا الإيمان، وقيل: التبوؤ مجاز مرسل عن اللزوم وهو لازم معناه فكأنه قيل: لزموا الدار والإيمان، وقيل في توجيه ذلك: إن أل في (الدار) للعهد، والمراد دار الهجرة وهي تغني غناء الإضافة وفي {وَٱلإِيمَـٰنَ } حذف مضاف أي ودار الإيمان / فكأنه قيل تبوأوا دار الهجرة ودار الإيمان على أن المراد بالدارين المدنية، والعطف كما في قولك: رأيت الغيث والليث وأنت تريد زيداً، ولا يخفى ما فيه من التكلف والتعسف، وقيل: إن الإيمان مجاز عن المدينة سمي محل ظهور الشيء باسمه مبالغة وهو كما ترى، وقيل: الواو للمعية والمراد تبوأوا الدار مع إيمانهم أي تبوأوها مؤمنين، وهو أيضاً ليس بشيء، وأحسن الأوجه ما ذكرناه أولاً، وذكر بعضهم أن الدار علم بالغلبة على المدينة كالمدينة، وأنه أحد أسماء لها منها طيبة وطابة ويثرب وجابرة إلى غير ذلك. وأخرج الزبير بن بكار عن زيد بن أسلم حديثاً مرفوعاً يدل على ذلك. {مِن قَبْلِهِمُ } أي من قبل المهاجرين، والجار متعلق بتبوأوا، والكلام بتقدير مضاف أي من قبل هجرتهم فنهاية ما يلزم سبق الإيمان الأنصار على هجرة المهاجرين، ولا يلزم منه سبق إيمانهم على إيمانهم ليقال: إن الأمر بالعكس، وجوز أن لا يقدر مضاف، ويقال: ليس المراد سبق الأنصار لهم في أصل الإيمان بل سبقهم إياهم في التمكن فيه لأنهم لم ينازعوا فيه لما أظهروه. وقيل: الكلام على التقديم والتأخير، والتقدير تبوأوا الدار من قبلهم والإيمان فيفيد سبقهم إياهم في تبوىء الدار فقط وهو خلاف الظاهر على أن مثله لا يقبل ما لم يتضمن نكتة سرية وهي غير ظاهرة هٰهنا؛ وقيل: لا حاجة إلى شيء مما ذكر، وقصارى ما تدل الآية عليه تقدم مجموع تبوىء الأنصاري وإيمانهم على تبوىء المهاجرين وإيمانهم، ويكفي في تقدم المجموع تقدم بعض أجزائه وهو هٰهنا تبوؤ الدار، وتعقب بمنع الكفاية ولو سلمت لصح أن يقال: بتقدم تبوىء المهاجرين وإيمانهم على تبوىء الأنصار وإيمانهم لتقدم إيمان المهاجرين. {يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ } في موضع الحال من الموصول، وقيل: استئناف، والكلام قيل: كناية عن مواساتهم المهاجرين وعدم الاستثقال والتبرم منهم إذا احتاجوا إليهم، وقيل: على ظاهره أي يحبون المهاجر إليهم من حيث مهاجرته إليهم لحبهم الإيمان {وَلاَ يَجِدُونَ فِى صُدُورِهِمْ } أي ولا يعلمون في أنفسهم {حَاجَةً } أي طلب محتاج إليه {مّمَّا أُوتُواْ } أي مما أعطي المهاجرون من الفيء وغيره، وحاصله أن نفوسهم لم تتبع ما أعطي المهاجرون ولم تطمح إلى شيء منه تحتاج إليه، فالوجدان إدراك علمي وكونه في الصدر من باب المجاز. ـ والحاجة ـ بمعنى المحتاج إليه، وهو استعمال شائع يقال: خذ منه حاجتك وأعطاه من ماله حاجته. و {مِنْ } تبعيضية، وجوز كونها بيانية والكلام على حذف مضاف وهو طلب، وفيه فائدة جليلة كأنهم لم يتصوروا ذلك ولا مرّ في خاطرهم أن ذلك محتاج إليه حتى تطمح إليه النفس. ويجوز أن يكون المعنى ـ لا يجدون في أنفسهم مايحمل عليه الحاجة كالحزازة والغيظ والحسد والغبطة لأجل ما أعطي المهاجرون ـ على أن الحاجة مجاز عما يتسبب عنها، وقيل: على أنها كناية عما ذكر لأنه لا ينفك عن الحاجة فأطلق اسم اللازم على الملزوم، وما تقدم أولى، وقول بعضهم: أي أثر حاجة تقدير معنى لا إعراب. و {مِنْ } في قوله تعالى: {مّمَّا أُوتُواْ } تعليلية. {وَيُؤْثِرُونَ } أي يقدمون المهاجرين {عَلَى أَنفُسِهِمْ } في كل شيء من الطيبات حتى أن من كان عنده امرأتان كان ينزل عن إحداهما ويزوجها واحداً منهم، ويجوز أن لا يعتبر مفعول ـ يؤثرون ـ خصوص المهاجرين، أخرج البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وغيرهم عن / أبـي هريرة قال: « حديث : أتى رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله أصابني الجهد فأرسلَ إلى نسائه فلم يجد عندهن شيئاً فقال عليه الصلاة والسلام: ألا رجل يضيف هذا الرجل الليلة رحمه الله؟ فقام رجل من الأنصار ـ وفي رواية ـ فقال أبو طلحة: أنا يا رسول الله فذهب به إلى أهله فقال لامرأته: أكرمي ضيف رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت: والله ما عندي إلا قوت الصبية قال: إذا أراد الصبية العشاء فنوميهم وتعالَيْ فأطفئي السراج ونطوي [بطوننا] الليلة لضيف رسول الله صلى الله عليه وسلم ففعلتْ ثم غدا الضيف على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: لقد عجب الله الليلة من فلان وفلانة وأنزل الله تعالى فيهما {وَيُؤْثِرُونَ } » تفسير : الخ. وأخرج الحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في «الشعب» عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، قال: أهدي لرجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم رأس شاة فقال: إن أخي فلاناً وعياله أحوج إلى هذا منا فبعث به إليه فلم يزل يبعث به واحد إلى آخر حتى تداوله أهل سبعة أبيات حتى رجع إلى الأول فنزلت {وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ } {وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ } أي حاجة من خصاص البيت وهو ما يبقي بين عيدانه من الفُرَج والفتوح. والجملة في موضع الحال، وقد تقدم وجه ذلك مراراً {وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ } الشح اللؤم وهو أن تكون النفس كزة حريصة على المنع كما قال: شعر : يمارس نفساً بين جنبيه كزة إذا هم بالمعروف قالت له مهلاً تفسير : وأضيف إلى النفس لأنه غريزة فيها، وأما البخل فهو المنع نفسه، وقال الراغب: الشح بخل مع حرص؛ وذلك فيما كان عادة. وأخرج ابن المنذر عن الحسن أنه قال: البخل أن يبخل الإنسان بما في يده، والشح أن يشح على ما في أيدي الناس، وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبـي شيبة وابن أبـي حاتم والبيهقي في «الشعب» والحاكم وصححه وجماعة عن ابن مسعود أن رجلاً قال له: إني أخاف أن أكون قد هلكت قال: وما ذاك؟ قال: إني سمعت الله تعالى يقول: {وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ } الآية وأنا رجل شحيح لا يكاد يخرج مني شيء فقال له ابن مسعود: ليس ذاك بالشح ولكنه البخل ولا خير في البخل، وإن الشح الذي ذكره الله تعالى أن تأكل مال أخيك ظلماً، وأخرج ابن المنذر وابن مردويه عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أنه قال: ليس الشح أن يمنع الرجل ماله ولكنه البخل إنما الشح أن تطمح عين الرجل إلى ما ليس له، ولم أر لأحد من اللغويين شيئاً من هذه التفاسير للشح، ولعل المراد أنه البخل المتناهي بحيث يبخل المتصف به بمال غيره أي لا يودّ جود الغير به وتنقبض نفسه منه ويسعى في أن لا يكون، أو بحيث يبلغ به الحرص إلى أن يأكل مال أخيه ظلماً أو تطمح عينه إلى ما ليس له ولا تسمح نفسه بأن يكون لغيره فتأمل. وقرأ أبو حيوة وابن أبـي عبلة {وَمَن يُوقَِّ } بشدّ القاف، وقرأ ابن عمر وابن أبـي عبلة {شح } بكسر الشين، وجاء في لغة الفتح أيضاً، ومعنى الكل واحد. ومعنى الآية ومن يوق بتوفيق الله تعالى ومعونته شح نفسه حتى يخالفها فيما يغلب عليها من حب المال وبغض الإنفاق {فَأُوْلَٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ } الفائزون بكل مطلوب الناجون من كل مكروه، والجملة الشرطية تذييل حسن ومدح للأنصار بما هو غاية لتناوله إياهم تناولاً أولياً، وفي الإفراد أولاً والجمع ثانياً رعاية للفظ من ومعناها وإيماء إلى قلة المتصفين بذلك في الواقع عدداً وكثرتهم معنى: شعر : / والناس ألف منهم كواحد وواحد كالألف إن أمر عنا تفسير : ويفهم من الآية ذم الشح جداً، وقد وردت أخبار كثيرة بذمه، أخرج الحكيم الترمذي وأبو يعلى وابن مردويه عن أنس مرفوعاً "حديث : ما محق الإسلام محق الشح شيء قط" تفسير : ، وأخرج ابن أبـي شيبة والنسائي والبيهقي في «الشعب» والحاكم وصححه عن أبـي هريرة مرفوعاً « حديث : لا يجتمع غبار في سبيل الله ودخان نار جهنم في جوف عبد أبداً ولا يجتمع الإيمان والشح في قلب عبد أبداً » تفسير : . وأخرج أبو داود والترمذي ـ وقال غريب ـ والبخاري في «الأدب» وغيرهم عن أبـي سعيد الخدري مرفوعاً « حديث : خصلتان لا يجتمعان في جوف مسلم البخل وسوء الخلق » تفسير : وأخرج ابن أبـي الدنيا وابن عدي والحاكم والخطيب عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « حديث : خلق الله تعالى جنة عدن وغرس أشجارها بيده ثم قال لها: انطقي فقالت: قد أفلح المؤمنون فقال الله عز وجل: وعزتي وجلالي لا يجاورني فيك بخيل ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم {وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ } » تفسير : . وأخرج أحمد والبخاري في «الأدب» ومسلم والبيهقي عن جابر بن عبد الله أن رسول الله عليه الصلاة والسلام قال: « حديث : اتقوا الظلم فإن الظلم ظلمات يوم القيامة واتقوا الشح فإن الشح قد أهلك من كان قبلكم حملهم على أن سفكوا دماءهم واستحلوا محارمهم » تفسير : إلى غير ذلك من الأخبار، لكن ينبغي أن يعلم أن تقوى الشح لا تتوقف على أن يكون الرجل جواداً بكل شيء، فقد أخرج عبد بن حميد وأبو يعلى والطبراني والضياء عن مجمع بن يحيـى مرفوعاً « حديث : برىء من الشح من أدى الزكاة وقرى الضيف وأدى في النائبة » تفسير : . وأخرج ابن مردويه عن جابر بن عبد الله ما يقرب منه، وكذا ابن جرير والبيهقي عن أنس، وأخرج ابن المنذر عن علي كرم الله تعالى وجهه قال: من أدى زكاة ماله فقد وقى شح نفسه.
ابن عاشور
تفسير : الأظهر أن {الذين} عطف على {أية : المهاجرين}تفسير : [الحشر: 8] أي والذين تبوّؤا الدار. والذين تبوّؤا الدار هم الأنصار. والدّار تطلق على البلاد، وأصلُها مَوضع القبيلة من الأرض. وأطلقت على القرية قال تعالى في ذكر ثمود {أية : فأصبحوا في دَارهم جاثمين}تفسير : [الأعراف: 78]، أي في مدينتهم وهي حجر ثمود. والتعريف هنا للعهد لأن المراد بالدار: يثرب، والمعنى الذين هم أصحاب الدار. هذا توطئة لقوله: {يحبون من هاجر إليهم}. والتبوُّء: اتخاذ المباءة وهي البُقعة التي يَبوء إليها صاحبها، أي يرجع إليها بعد انتشاره في أعماله. وفي موقع قوله: {والإيمان} غموض إذ لا يصح أن يكون مفعولاً لفعل تبوَّءوا، فتأوله المفسرون على وجهين: أحدهما أن يجعل الكلام استعارة مكنية بتشبيه الإِيمان بالمَنْزل وجعْل إثبات التَّبَوُّءِ تخييلاً فيكون فعل تبوأوا مستعملاً في حقيقته ومجازه. وجمهور المفسرين جعلوا المعطوف عاملاً مقدراً يدلّ عليه الكلام، تقديره: وأخلصوا الإِيمان على نحو قول الراجز الذي لا يعرف: شعر : علفتها تبناً وماءً بارداً تفسير : وقول عبد الله بن الزِّبَعْرَى: شعر : يا ليت زوجَكِ قد غدا متقلداً سيفاً ورمحاً تفسير : أي وممسكاً رمحاً وهو الذي درج عليه في «الكشاف». وقيل الواو للمعية. و{الإِيمانَ} مفعول معه. وعندي أن هذا أحسن الوجوه، وإن قلّ قائلوه. والجمهور يجعلون النصب على المفعول معه سماعياً فهو عندهم قليل الاستعمال فتجنبوا تخريج آيات القرآن عليه حتى ادعى ابن هشام في «مُغني اللبيب» أنه غير واقع في القرآن بيقين. وتأول قوله تعالى: {أية : فأَجمِعُوا أمرَكم وشركاءَكم}تفسير : [يونس: 71]، ذلك لأن جمهور البصريين يشترطون أن يكون العامل في المفعول معه هو العاملَ في الاسم الذي صاحَبَه ولا يرون واو المعية ناصبة المفعول معه خلافاً للكوفيين والأخفش فإن الواو عندهم بمعنى (مع). وقال عبد القاهر: منصوب بالواو. والحق عدم التزام أن يكون المفعول معه معمولاً للفعل، ألا ترى صحة قول القائل: استوى الماء والخشبةَ. وقولهم: سرْتُ والنيلَ، وهو يفيد الثناء عليهم بأن دار الهجرة دارُهم آووا إليها المهاجرين لأنها دار مؤمنين لا يماثلها يومئذٍ غيرها. وبذلك يتضح أن متعلق {من قبلهم} فعل {تبوؤا} بمفرده، وأن المجرور المتعلق به قيدٌ فِيه دون ما ذكر بعد الواو لأن الواو ليست واو عطف فلذلك لا تكون قائمة مقام الفعل السابق لأن واو المعية في معنى ظرف فلا يعلق بها مجرور. وفي ذكر الدار (وهي المدينة) مع ذكر الإِيمان إيماء إلى فضيلة المدينة بحيث جعل تبوّءهم المدينة قرين الثناء عليهم بالإِيمان ولعل هذا هو الذي عناه مالك رحمه الله فيما رواه عنه ابن وهب قال: سمعت مالكاً يذكر فضل المدينة على غيرها من الآفاق. فقال: إن المدينة تبوّئت بالإِيمان والهجرة وإن غيرها من القرى افتتحت بالسيف ثم قرأ: {والذين تبوؤا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم} الآية. وجملة {يحبون من هاجر إليهم} حال من الذين تَبَوَّؤُوا الدار، وهذا ثناء عليهم بما تقرر في نفوسهم من أخوة الإِسلام إذ أحبوا المهاجرين، وشأن القبائل أن يتحرجوا من الذين يهاجرون إلى ديارهم لمضايقتهم. ومن آثار هذه المحبة ما ثبت في «الصحيح» من خبر سعد بن الربيع مع عبد الرحمان بن عوف إذ عرض سعد عليه أن يقاسمه ماله وأن يَنزل له عن إحدى زوجتيه، وقد أسكنوا المهاجرين معهم في بيوتهم ومنحوهم من نخيلهم، وحسبك الأخوة التي آخى النبي صلى الله عليه وسلم بين المهاجرين والأنصار. وقوله: {ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا} أريد بالوجدان الإِدراك العقلي، وكنى بانتفاء وجدان الحاجة عن انتفاء وجودها لأنها لو كانت موجودة لأدركوها في نفوسهم وهذا من باب قول الشاعر: شعر : ولا ترى الضبّ بها ينجحر تفسير : والحاجة في الأصل: اسم مَصدرِ الحَوْج وهو الاحتياج، أي الافتقار إلى شيء، وتطلق على الأمر المحتاج إليه من إطلاق المصدر على اسم المفعول، وهي هنا مجاز في المأْرب والمرادِ، وإطلاق الحاجة إلى المأرب مجاز مشهور ساوى الحقيقة كقوله تعالى: {أية : ولتبلغوا عليها حاجة في صدوركم}تفسير : [غافر: 80]، أي لتبلغوا في السفر عليها المأْرب الذي تسافرون لأجله، وكقوله تعالى: {أية : إلا حاجة في نفس يعقوب قضاها}تفسير : [يوسف: 68] أي مأربا مُهمّا وقول النابغة: شعر : أيامَ تخبرني نُعْمٌ وأَخْبِرُها ما أكتُم الناسَ من حاجِي وإسراري تفسير : وعليه فتكون (مِن) في قوله: {مما أوتوا} ابتدائية، أي مأرباً أو رغبة ناشئة من فَيْء أُعْطِيهُ المهاجرون. والصدور مراد بها النفوس جمع الصدر وهو الباطن الذي فيه الحواس الباطنة وذلك كإطلاق القلب على ذلك. و(ما أوتوا) هو فيء بني النضير. وضمير {صدورهم} عائد إلى {الذين تَبَوَّؤُا الدار}، وضمير {أوتوا} عائد إلى {من هاجر إليهم}، لأن من هاجر جماعة من المهاجرين فروعي في ضمير معنى (مَنْ) بدون لفظها. وهذان الضميران وإن كانا ضميري غيبة وكانا مقتربَين فالسامع يرد كل ضمير إلى معاده بحسب السياق مثل (ما) في قوله تعالى: {أية : وعَمَروها أكثر مما عمروها}تفسير : في سورة [الروم: 9]. وقول عباس بن مرداس يذكر انتصار المسلمين مع قومه بني سُليم على هَوازن:شعر : عُدنا ولولا نَحنُ أحدَق جمعهم بالمسلمين وأحرزوا ما جمَّعوا تفسير : (أي أحرز جيش هوازن ما جمّعه جيش المسلمين). والمعنى: أنهم لا يخامر نفوسهم تشوف إلى أخذ شيء مما أوتيه المهاجرون من فيْء بني النضير. ويجوز وجه آخر بأن يحمل لفظ حاجة على استعماله الحقيقي اسم مصدر الاحتياج فإن الحاجة بهذا المعنى يصح وقوعها في الصدور لأنها من الوجدانيات والانفعالات. ومعنى نفي وجدان الاحتياج في صدورهم أنهم لفرط حبهم للمهاجرين صاروا لا يخامر نفوسهم أنهم مفتقرون إلى شيء مما يُؤتاه المهاجرون، أي فهم أغنياء عما يؤتاه المهاجرون فلا تستشرف نفوسهم إلى شيء مما يؤتاه المهاجرون بَلْهَ أن يتطلبوه. وتكون (مِن) في قوله تعالى: {مما أوتوا} للتعليل، أي حاجة لأجل ما أوتيه المهاجرون، أو ابتدائية، أي حاجة ناشئة عما أوتيه المهاجرون فيفيد انتفاء وجدان الحاجة في نفوسهم وانتفاء أسباب ذلك الوجدان ومناشئِه المعتادة في الناس تبعاً للمنافسة والغبطة، وقد دل انتفاء أسباب الحاجة على متعلق حاجة المحذوف إذ التقدير: ولا يجدون في نفوسهم حاجة لشيء أوتيه المهاجرون. والإيثار: ترجيح شيء على غيره بمكرمة أو منفعة. والمعنى: يُؤثِرُونَ على أنفسهم في ذلك اختياراً منهم وهذا أعلى درجة مما أفاده قوله: {ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا} فلذلك عقب به ولم يُذكر مفعول {يُؤثِرُونَ} لدلالة قوله: {مما أوتوا} عليه. ومن إيثارهم المهاجرين ما روي في «الصحيح» أن النبي صلى الله عليه وسلم دعا الأنصار ليقطع لهم قطائع بنخل البحرين فقالوا: لا إلا أن تقطع لإِخواننا من المهاجرين مثلها. وإما إيثار الواحد منهم على غيره منهم فما رواه البخاري عن أبي هريرة قال: «حديث : أتى رجل رسولَ الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله أصابني الجهد. فأرسل في نسائه فلم يجد عندهنّ شيئاً فقال النبي صلى الله عليه وسلم ألاَ رجل يُضيف هذا الليلةَ رحمه الله، فقام رجل من الأنصار (هو أبو طلحة) فقال: أنا يا رسول الله، فذهب إلى أهله فقال لامرأته: هذا ضيف رسول الله لا تدَّخريه شيئاً، فقالت: والله ما عندي إلا قُوتُ الصِبية. قال: فإذا أراد الصبية العَشاء فنوِّميهم وتعالَي فأطفئي السراج ونطوي بطوننا الليلة. فإذا دخل الضيف فإذا أهوى ليأكل فقومي إلى السراج تُري أنكِ تصلحينه فأطفئيه وأَرِيه أنَّا نأكل. فقعدوا وأكل الضيفتفسير : . وذكرت قصص من هذا القبيل في التفاسير، قيل: نزلت هذه الآية في قصة أبي طلحة وقيل غير ذلك. وجملة {ولو كان بهم خصاصة} في موضع الحال. و{لو} وصلية وهي التي تدل على مجرد تعليق جوابها بشرط يفيد حالة لا يُظنّ حصول الجواب عند حصولها. والتقدير: لو كان بهم خصاصة لآثروا على أنفسهم فيُعلم أن إيثارهم في الأحوال التي دون ذلك بالأحرى دون إفادة الامتناع. وقد بينا ذلك عند قوله تعالى: {أية : فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهباً ولو افتدى به}تفسير : في سورة [آل عمران: 91]. والخصاصة: شدة الاحتياج. وتذكير فعل {كان} لأجل كون تأنيث الخصاصة ليس حقيقياً، ولأنه فُصل بين {كان} واسمها بالمجرور. والباء للملابسة. وجملة {ومن يوق شُحَّ نفسه فأولئك هم المفلحون} تذييل، والواو اعتراضية، فإن التذييل من قبيل الاعتراض في آخر الكلام على الرأي الصحيح. وتذييل الكلام بذكر فضل من يوقون شح أنفسهم بعد قوله: {ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة} يشير إلى أن إيثارهم على أنفسهم حتى في حالة الخصاصة هو سلامة من شح الأنفس فكأنه قيل لسلامتهم من شح الأنفس {ومن يُوق شُحَّ نفسه فأولئك هم المفلحون}. والشح بضم الشين وكسرها: غريزة في النفس بمَنْع ما هو لها، وهو قريب من معنى البخل. وقال الطيبي: الفرق بين الشح والبخل عسير جداً وقد أشار في «الكشاف» إلى الفرق بينهما بما يقتضي أن البخل أثر الشح وهو أن يمنع أحد ما يراد منه بَذْلُه وقد قال تعالى: {أية : وأحضرت الأنفس الشح}تفسير : [النساء: 128] أي جعل الشح حاضراً معها لا يفارقها، وأضيف في هذه الآية إلى النفس لذلك فهو غريزة لا تسلم منها نفس. وفي الحديث في بيان أفضل الصدقة «أن تصَّدَّق وأنت صحيح شحيح تخشى الفقر وتأمُل الغِنى» ولكن النفوس تتفاوت في هذا المقدار فإذا غلب عليها بمنع المعروف والخير فذلك مذموم ويتفاوت ذمه بتفاوت ما يمنعه. قال وقد أحسن وصفه من قال، لم أقف على قائله: شعر : يمارس نفساً بين جَنْبَيْه كَزَّةً إذا هَمَّ بالمعروف قالت له مهلاً تفسير : فمن وقي شح نفسه، أي وُقي من أن يكون الشح المذموم خُلقاً له، لأنه إذا وُقي هذا الخُلقَ سلِم من كل مواقع ذمه. فإن وقي من بعضه كان له من الفلاح بمقدار ما وُقيه. واسم الإِشارة لتعظيم هذا الصنف من الناس. وصيغة القصر المؤداة بضمير الفصل للمبالغة لكثرة الفلاح الذي يترتب على وقاية شح النفس حتى كأن جنس المفلح مقصور على ذلك المُوقَى. ومن المفسرين من جعل {والذين تبوؤا الدار} ابتداء كلام للثناء على الأنصار بمناسبة الثناء على المهاجرين وهؤلاء لم يجعلوا للأنصار حظاً في ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى وقصروا قوله: {أية : ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى}تفسير : [الحشر: 7] على قرى خاصة هي: قريظة. وفَدَك، وخيبر. والنفع، وعُرينة، ووادي القُرى، ورووا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أفاء الله عليه فيئَها قال للأنصار: «حديث : إن شئتم قاسمتم المهاجرين من أموالكم ودياركم وشاركتموهم في هذه الغنيمة، وإن شئتم أمسكتم أموالكم وتركتم لهم هذا»تفسير : ؟ فقالوا: بل نقسم لهم من أموالنا ونترك لهم هذه الغنيمة، فنزلت آيةُ {أية : ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى}تفسير : الآية [الحشر: 7]. ومنهم من قصر هذه الآية على فَيء بني النضير وكل ذلك خروج عن مهيع انتظام آي هذه السورة بعضها مع بعض وتفكيك لنظم الكلام وتناسبه مع وهن الأخبار التي رووها في ذلك فلا ينبغي التعويل عليه. وعلى هذا التفسير يكون عطف {والذين تبوؤا الدار} عطفَ جملةٍ على جملة، واسم الموصول مبتدأ وجملة {يحبون من هاجر إليهم} خبراً عن المبتدأ.
القطان
تفسير : الذين تبوَّؤا الدار: هم الانصار الذين سكنوا المدينة. ولا يجدون في صدورهم حاجة: الحاجة هنا: الحسد والغيظ. مما أوتوا: مما أُعطي المهاجرون من الفيء. ويؤثِرون: ويقدمون غيرهم على انفسهم، ولو كان بهم خَصاصة: ولو كانوا فقراء. ومن يوقَ شح نفسه: ومن يحفظ نفسه من البخل والحرص على المال. المفلحون: الفائزون. لا تجعل في قلوبنا غِلا: بغضا وحسدا. الذين نافقوا: اظهروا الإسلام واضمروا الكفر. ليولُّنّ الادبار: ليهرُبُنَّ. بأسُهم بينهم شديد: خلافاتهم بينهم كثيرة. وقلوبهم شتى: متفرقة ومملوءة بالبغضاء على بعضهم. ثم مدح اللهُ تعالى الأنصار وأثنى عليهم ثناء عاطرا حين طابت انفسهم عن الفيء، ورضوا أن يكون للمهاجرين من اخوانهم، وقال: إنهم مخلصون في إيمانهم، ذوو صفات كريمة، وشيم جليلة، تدلّ على كرم النفوس، ونبل الطباع. (1) فهم يحبّون المهاجرين، وقد أسكنوهم معهم في دورهم، وآخَوهم، وبعضهم نزل لأخيه من المهاجرين عن بعض ماله. روى الإمام أحمد عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: "حديث : قال المهاجرون: يا رسول الله ما رأينا مثلَ قوم قِدمنا عليهم: حُسْنَ مواساةٍ في قليل، وحسنَ بذل في كثير! لقد كفونا المئونة، وأشركونا في المهيّأ، حتى لقد خشينا ان يذهبوا بالأجر كله، قال: لا، ما أثنيتم عليهم ودعوتم لهم ". تفسير : والمهيأ: كل ما يريح الانسان من مكان او طعام. فعلّمهم الرسول الكريم ان يثنوا على اخوانهم الانصار ويدعوا لهم مقابل ما اكرموهم به. (2) وهم لا يحسّون في انفسهم شيئا مما أوتي المهاجرون من الفيء وغيره. (3) ويؤثرون اخوانهم المهاجرين على انفسهم ويقدّمونهم، ولو كان بهم حاجة، وهذا منتهى الكرم والايثار، وغاية التضحية. ولذلك ورد في بعض الروايات ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: اللهمّ ارحم الأنصارَ وأبناء الأنصار. ثم بين الله تعالى ان الذي ينجو من البخل يفوز برضا الله ويكون من المفلحين فقال: {وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ}. وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : اتقوا الشحّ، فإن الشح قد أهلكَ من كان قَبلكم، حَملَهم على أن سفكوا دماءهم، واستحلّوا محارمهم"تفسير : . رواه الإمام احمد والبخاري في: الأدب المفرد، والبيهقي. وقال الرسول الكريم: "حديث : لا يجتمعُ الإيمانُ والشحُّ في قلبِ عبدٍ أبداً" تفسير : رواه الترمذي وابو يعلى عن انس بن مالك رضي الله عنه. وليس المراد من تقوى الشح الجودَ بكل ما يملك، وانما ان يؤديَ الزكاة، ويَقري الضيف ويعطي ما يستطيع كما روي عن الرسول الكريم انه قال: "حديث : بَرِئَ من الشحّ من أدى الزكاةَ وقَرَا الضيف، وأعطى في النائبة ". تفسير : ثم جاء المدحُ لمن تبع الانصارَ والمهاجرين، وساروا على طريقتهم في كل زمان ومكان الى يوم القيامة فقال تعالى: {وَٱلَّذِينَ جَآءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا ٱغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا ٱلَّذِينَ سَبَقُونَا بِٱلإِيمَانِ}. وهذا يشمل المسلمين الذين اتبعوا الهدى وطبقوا الشريعة، في كل مكان وزمان. كما جاء في سورة براءة الآية 100 {أية : وَٱلسَّابِقُونَ ٱلأَوَّلُونَ مِنَ ٱلْمُهَاجِرِينَ وَٱلأَنْصَارِ وَٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ ٱللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ }. تفسير : {وَلاَ تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِّلَّذِينَ آمَنُواْ رَبَّنَآ إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ}. هؤلاء هم المؤمنون حقا، فهم يستغفرون لأنفسِهم ولإخوانهم الذين سبقوهم بالإيمان. (ويشمل هذا جميعَ الصحابة الكرامِ وتابعيهم وكلَّ من سار على هداهم)، ثم يزيدون فيدْعون الى الله أن لا يجعلَ في قلوبهم حَسداً وحِقدا للمؤمنين جميعا، فكيف ببعضِ من يسبُّ كرامَ الصحابة، ويُبغضهم! عافانا الله من ذلك وطهّر قلوبنا من الغل والحسد والبغضاء. فالقرآن تتجلّى عظمته في هذا الربط المتين: ربطَ أول هذه الأمة بآخرها، وجعلها حلقة واحدةً مترابطةً في تضامن وتكافل وتعاطف وتوادّ، ويمضي الخَلَفُ على آثار السلف، صفاً واحدا على هدف واحد، في مدار الزمان و اختلاف الأوطان. نسأل الله تعالى ان يجمع كلمةَ العرب والمسلمين، ويوحّدَ صفوفهم تحت رايةِ القرآن وسنة رسوله الكريم، انه سميع مجيب. ثم يأتي الحديث عن المنافقين، وكَذِبهم وخداعهم، وعدم وفائهم بما قالوا لإخوانهم اليهود الذين اتفقوا على بُغض الرسول الكريم والمؤمنين، فيقول تعالى تعجّباً من كفرهم وكذبهم ونفاقهم: {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ نَافَقُواْ يَقُولُونَ لإِخْوَانِهِمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلاَ نُطِيعُ فيكُمْ أَحَداً أَبَداً}. الم تَعْجَبْ من حال هؤلاء المنافقين الذين خدعوا إخوانهم في الكفر، اليهودَ من بني النضير، حيث قالوا لهم اصمُدوا في دِياركم ولا تخرُجوا، فإننا سننصركم، وإن أُخرجْتم من المدينة لنخرجنَّ معكم، ولا نطيعُ في شأنِكم أحدا ابدا. {وَإِن قُوتِلْتُمْ لَنَنصُرَنَّكُمْ وَٱللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ}. إن قاتلكم المسلمون قاتلنا نحن معكم. والله يشهد إن المنافقين لكاذبون فيما وعدوا به. ثم بين كذبهم بالتفصيل فقال: {لَئِنْ أُخْرِجُواْ لاَ يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِن قُوتِلُواْ لاَ يَنصُرُونَهُمْ وَلَئِن نَّصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ ٱلأَدْبَارَ ثُمَّ لاَ يُنصَرُونَ}. وقد خرج بنو النضير من ديارهم أذلاء فلم يخرج المنافقون معهم، وقوتلوا فلم ينصروهم، ولو نصروهم وقاتلوا معهم لانهزموا جميعاً. ثم بين الله السببَ في عدم نُصرتهم لليهود، والدخول مع المؤمنين في قتال فقال: {لأَنتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِّنَ ٱللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُونَ}. انكم ايها المسلمون اشدّ مهابةً في صدور المنافقين واليهودِ من الله، وذلك لأنهم قوم لا يعلمون حقيقة الإيمان. ثم أكد جُبن اليهود والمنافقين وشدة خوفهم من المؤمنين فقال: {لاَ يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعاً إِلاَّ فِي قُرًى مُّحَصَّنَةٍ أَوْ مِن وَرَآءِ جُدُرٍ}. ان هؤلاء اليهود والمنافقين معهم قد ألقى اللهُ في قلوبهم الرعب، فلا يواجهونكم بقتالٍ مجتمعين، ولا يقاتلونكم إلا في قرى محصّنة او من وراء جدرانٍ يستترون بها. ذلك لأنهم متخاذلون، وهم في الظاهر أقوياء متّحدون، لكنهم في حقيقة الأمر قلوبُهم متفرقة، وبينهم العداوةُ والبغضاءُ والحسد. {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْقِلُونَ}. ثم بين الله ان هؤلاء قد سبقهم غيرُهم قبلَهم من يهودِ بني قينقاع الذين كانوا حول المدينة وغزاهم النبيُّ صلى الله عليه وسلم وأجلاهم عنها {ذَاقُواْ وَبَالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}. وحالُنا اليومَ مع اليهود مثلُ حالهم في السابق، فهم في الظاهر أقوياء، عندهم أسلحة كثيرة وطائرات حديثة وصواريخ ودبابات، وهذا كله ليس سرَّ قوتهم، وانما سرُّ قوتهم خذلانُنا نحن وتفرُّقُ كلمتنا، ومحاربة بعضنا بعضا. فلو عدنا الى ديننا وجمعْنا شملنا واتحدنا وأعددنا العدة بقدر ما نستطيع - لهزمنا اليهود، فانّ بأسهم بينهم شديد وقلوبهم شتى، ومجتمعهم متفكك مملوء بالجريمة والفِسق والقذارة التي ليس لها مثيل. فمتى يفيق العربُ من سباتهم ويوحدون صفوفهم! لو اجتمعت العراق وسوريا والأردن وفلسطين اجتماعا حقيقيا لكفى هذا، وبإمكانهم وحدهم ان يهزموا اليهود ويستعيدوا أرضهم وكرامتهم.
د. أسعد حومد
تفسير : {تَبَوَّءُوا} {ٱلإِيمَانَ} {فَأُوْلَـٰئِكَ} (9) - ثُمَّ أَثْنَى اللهُ تَعَالَى عَلَى الأَنْصَارِ مُبَيِّناً فَضْلَهُمْ وَشَرَفَهُمْ وَكَرَمَهُمْ، حِينَ جَعَلَ اللهُ الفَيءَ لإِخْوَانِهِم المُهَاجِرِينَ دُونَهُمْ، فَقَالَ تَعَالَى: والذِينَ سَكَنُوا دَارَ الهِجْرَةِ قَبْلَ المُهَاجِرِينَ، وَآمَنُوا قَبْلَ كَثِيرٍ مِنَ المُهَاجِرِينَ، يُحِبُّونَ المُهَاجِرِينَ، وَيَتَمَنَّوْنَ لَهُمْ الخَيْرَ، كَمَا يَتَمَنَّوْنَهُ لأَِنْفُسِهِمْ، وَقَدْ أَسْكَنُوا المُهَاجِرينَ فِي دُورِهِمْ، وَأَشْرَكُوهُمْ فِي أَمْوَالِهِمْ حَتَّى نَزَلَ بَعْضُهُمْ عَنْ بَعْضِ نِسَائِهِ لِلْمُهَاجِرِينَ. وَقَدْ فَعَلُوا ذَلِكَ وَنُفُوسُهُمْ طَيِّيَةٌ، وَأَعْيُنُهُمْ قَرِيرَةٌ بِمَا يَفْعَلُونَ، لاَ يَجِدُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ حَسَداً لِلْمُهَاجِرِينَ. وَلاَ ضِيقاً بِهِمْ لِمَا فَضَّلَهُمُ اللهُ بِهِ مِنَ المَنْزِلَةِ والشَّرَفِ وَالتَّقْدِيمِ فِي الذِّكْرِ والرُّتْبَةِ، وَلِمَا خَصَّهُمْ بِهِ مِنْ مَغْنَمِ بَنِي النَّضِيرِ دُونَهُمْ. (حديث : رُوِيَ أَنَّ المُهَاجِرِينَ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ مَا رَأَيْنَا مِثْلَ قَوْمٍ قَدِمْنَا عَلَيْهِمْ حُسْنَ مُوَاسَاةٍ فِي قَلِيلٍ، وَلاَ حُسْنَ بَذْلٍ فِي كَثِيرٍ، لَقَدْ كَفَوْنَا المَؤُونَةَ، وَأَشْرَكُونَا فِي المَهْنأ، حَتَّى لَقَدْ خَشِينَا أَنْ يَذْهَبُوا بِالأَجْرِ كُلِّهِ. قَالَ: لاَ. مَا أَثْنَيْتُمْ عَلَيْهِمْ، وَدَعَوْتُمْ لَهُمُ اللهَ ). تفسير : وَهُمْ يُقَدِّمُونَ أَهْلَ الحَاجَةِ مِنَ المُهَاجِرِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ، وَيَبْدَؤُونَ بِالنَّاسِ قَبْلَ أَنْفُسِهِمْ فِي حَالِ احْتِيَاجِهِمْ إِلَى ذَلِكَ. (وَقَالَ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم: حديث : أَفْضَلُ الصَّدَقَةِ جُهْدُ المُقِلِّتفسير : ). (البُخَارِيُّ). وَمَنْ سَلِمَ مِنْ آفَةِ الحِرْصِ عَلَى المَالِ وَالبُخْلِ، فَقَدْ فَازَ وَأَفْلَحَ. (وَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: حديث : إِيَّاكُمْ وَالظُّلْمَ فَإِنَّ الظُلْمَ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ القِيَامَةِ، وَاتَّقُوا الشُّحَّ فَإِنَّ الشُحَّ قَدْ أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، حَمَلَهُمْ عَلَى أَنْ سَفَكُوا دِمَاءَهُمْ، وَاسْتَحَلُّوا مَحَارِمَهُمْتفسير : ). التَّبَوُّؤُ - النُّزُولُ فِي المَكَانِ - أَيْ الذِينَ نَزَلُوا المَدِينَةَ. يُؤَثِرُونَ - يُقَدِّمُونَ وَيُفَضِّلُونَ. حَاجَةً - حَسَداً أَوْ شُعُوراً بِالضِّيقِ. خَصَاصَةٌ - فَقْرٌ أَوْ حَاجَةٌ. الشُّحُّ - حِرْصُ النَّفْس عَلَى المَنْعِ. أُوتُوا - أَيْ مَا أُعْطِيَ المُهَاجِرُونَ مِنْ دُونِهِمْ.
مجاهد بن جبر المخزومي
تفسير : أَخبرنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {وَٱلَّذِينَ تَبَوَّءُوا ٱلدَّارَ وَٱلإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ} [الآية: 9]. وهم. الأَنصار. {مِن قَبْلِهِمْ}: من قبل المهاجرين. ثم نعت سخاوة أَنفسهم عند ما زوى عنهم ذلك الفيء وإِيثارهم المهارجين بذلك الفيء، ولم يصب الأَنصار من ذلك الفيء شيئاً. أَنبا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: نا المبارك بن فضالة، عن الحسن: {وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ} [الآية: 9]. يعني فاقة. أَنبا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: ثنا آدم، قال: ثنا ورقاءُ عن أبن أَبي نجيح، عن مجاهد: {وَٱلَّذِينَ جَآءُوا مِن بَعْدِهِمْ} [الآية: 10]. قال: هم الذين أَسلموا نعتوا أَيضاً، منهم عبد الله بن نبتل، وأَوس بن قيظي. أَنا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: ثنا آدم، قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ نَافَقُواْ} [الآية: 11]. يعني: عبد الله بن أُبي بن سلول، ورفاعة.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {وَٱلَّذِينَ تَبَوَّءُوا ٱلدَّارَ} معناه نَزَلوها. وقوله تعالى: {وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ} معناه فَقرٌ وحَاجةٌ. وقوله تعالى: {وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ} معناه يَمنعُ بُخلَ نَفسِهِ والشُّحُّ: البُخلُ. وقوله تعالى: {وَلاَ يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً} معناه حَسدٌ.
النسائي
تفسير : قوله تعالى: {وَٱلَّذِينَ تَبَوَّءُوا ٱلدَّارَ وَٱلإِيمَانَ} [9] 601 - أخبرنا محمدُ بن منصورٍ، قال: حدَّثنا سفيانُ، قال: حدَّثنا حُصينُ بن عبد الرحمن، قال: سمعت عمرو بن ميمونٍ يقولُ: أوصى عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) فقال: أُوصي الخليفة من بعدي بتقوى اللهِ، وأوصيهِ بالمهاجرين الأولين {أية : الَّذِينَ أُخْرِجُواْ مِن دِيَارِهِمْ} تفسير : [الحشر: 8] الآية، أن يعرف لهم هجرتهم، ويعرف لهم فضلهم، وأوصيه بالأنصارِ {وَٱلَّذِينَ تَبَوَّءُوا ٱلدَّارَ وَٱلإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ} الآية، أن يعرفَ لهم فضلهم، وأن يقبل من مُحسنهم، ويتجاوز عن مُسيئهم، وأُوصيه بأهل ذمةِ محمدٍ صلى الله عليه وسلم أن يوفي لهم بعهدهم، وأن لا يحمل عليهم فوق طاقتهم، وأن يُقاتل عدُوهم من ورائهم. قوله تعالى: {وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ} [9] 602 - أخبرنا هنادُ بنُ السَّريِّ، عن وكيعٍ، عن فُضيل بن غزوان، عن أبي حازمٍ، عن أبي هريرة، أن رجلاً من الأنصار بات به ضَيفٌ، فلم يكن عندهُ إلا قوت صبيانهِ، فقال لأمرأتهِ: نوِّمي الصبِّبيةَ وأطفئي السِّراجَ وقرِّبي للضيفِ ما عندك، فنزلت: {وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ}. قوله تعالى: {وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ} [9] 603 - أخبرنا عبدةُ بن عبد الله، قال أخبرنا حُسينٌ - يعني ابن عليٍّ الجُعفيَّ - عن فضيلٍ، عن الأعمشِ، عن عمرو بن مُرَّةَ، عن عبد الله بن الحارثِ، عن زهير بن الأقمرِ، عن عبد الله بن عمرو، قال: قال رسول اللهِ صلى الله عليه وسلم: "حديث : اتَّقوا الظُّلم؛ فإنهُ الظُّلُماتُ يوم القيامةِ، واتَّقوا الفُحش؛ فإن الله لا يُحبُّ الفُحشَ والتفحُّشَ، وإياكم والشُّحَّ فإنهُ أهلك من كان قبلكم؛ أمرهم بالظُّلم فظلموا، [وأمرهم] بالفجورِ ففجروا، [وأمرهم] بالقطيعةِ فقطعوا ".
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):