Verse. 5136 (AR)

٥٩ - ٱلْحَشْر

59 - Al-Hashr (AR)

وَالَّذِيْنَ جَاۗءُوْ مِنْۢ بَعْدِہِمْ يَقُوْلُوْنَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِاِخْوَانِنَا الَّذِيْنَ سَبَقُوْنَا بِالْاِيْمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِيْ قُلُوْبِنَا غِلًّا لِّلَّذِيْنَ اٰمَنُوْا رَبَّنَاۗ اِنَّكَ رَءُوْفٌ رَّحِيْمٌ۝۱۰ۧ
Waallatheena jaoo min baAAdihim yaqooloona rabbana ighfir lana waliikhwanina allatheena sabaqoona bialeemani wala tajAAal fee quloobina ghillan lillatheena amanoo rabbana innaka raoofun raheemun

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«والذين جاءُوا من بعدهم» من بعد المهاجرين والأنصار إلى يوم القيامة «يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا» حقدا «للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم».

10

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أن قوله: {وَٱلَّذِينَ جَاءوا مِن بَعْدِهِمْ } عطف أيضاً على المهاجرين وهم الذين هاجروا من بعد، وقيل: التابعون بإحسان وهم الذين يجيئون بعد المهاجرين والأنصار إلى يوم القيامة، وذكر تعالى أنهم يدعون لأنفسهم ولمن سبقهم بالإيمان، وهو قوله: {يَقُولُونَ رَبَّنَا ٱغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوٰنِنَا ٱلَّذِينَ سَبَقُونَا بِٱلإَيمَـٰنِ وَلاَ تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لّلَّذِينَ ءَامَنُواْ } أي غشاً وحسداً وبغضاً. واعلم أن هذه الآيات قد استوعبت جميع المؤمنين لأنهم إما المهاجرون أو الأنصار أو الذين جاءوا من بعدهم، وبين أن من شأن من جاء من بعد المهاجرين والأنصار أن يذكر السابقين وهم المهاجرون والأنصار بالدعاء والرحمة فمن لم يكن كذلك بل ذكرهم بسوء كان خارجاً من جملة أقسام المؤمنين بحسب نص هذه الآية.

القرطبي

تفسير : فيه أربع مسائل: الأولى ـ: قوله تعالى: {وَٱلَّذِينَ جَآءُوا مِن بَعْدِهِمْ} يعني التابعين ومن دخل في الإسلام إلى يوم القيامة. قال ابن أبي ليلى: الناس على ثلاثة منازل: المهاجرون، والذين تبوّءوا الدار والإيمان، والذين جاءوا من بعدهم. فاجْهَدْ ألاّ تخرج من هذه المنازل. وقال بعضهم: كن شَمْساً، فإن لم تستطع فكن قَمَراً، فإن لم تستطع فكن كَوْكباً مضيئاً، فإن لم تستطع فكن كوكباً صغيراً، ومن جهة النور لا تنقطع. ومعنى هذا: كن مهاجرياً. فإن قلت: لا أجد، فكن أنصارياً. فإن لم تجد فاعمل كأعمالهم، فإن لم تستطع فأحبهم واستغفر لهم كما أمرك الله. وروى مصعب بن سعد قال: الناس على ثلاثة منازل، فمضت منزلتان وبقيت منزلة؛ فأحسن ما أنتم عليه أن تكونوا بهذه المنزلة التي بقيت. وعن جعفر بن محمد بن علي عن ابيه عن جدّه عليّ بن الحسين رضي الله عنه، أنه جاءه رجل فقال له: يابن بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، ما تقول في عثمان؟ فقال له: يا أخي أنت من قوم قال الله فيهم: {لِلْفُقَرَآءِ الْمُهَاجِرِينَ} الآية. قال لا! قال: فوالله لئن لم تكن من أهل الآية فأنت من قوم قال الله فيهم: {وَٱلَّذِينَ تَبَوَّءُوا ٱلدَّارَ وَٱلإِيمَانَ} الآية. قال لا! قال: فوالله لئن لم تكن من أهل الآية الثالثة لتخرجن من الإسلام ٰ وهي قوله تعالى {وَٱلَّذِينَ جَآءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا ٱغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا ٱلَّذِينَ سَبَقُونَا بِٱلإِيمَانِ} الآية. وقد قيل: إن محمد بن علي بن الحسين، رضي الله عنهم، روى عن أبيه: أن نفراً من أهل العراق جاءوا إليه، فسبّوا أبا بكر وعمر ـ رضي الله عنهما ـ ثم عثمان ـ رضي الله عنه ـ فأكثروا؛ فقال لهم: أمِنَ المهاجرين الأوّلين أنتم؟ قالوا لا. فقال: أفمن الذين تبوّءوا الدار والإيمان من قبلهم؟ فقالوا لا. فقال: قد تبرأتم من هذين الفريقين! أنا أشهد أنكم لستم من الذين قال الله عز وجل: {وَٱلَّذِينَ جَآءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا ٱغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا ٱلَّذِينَ سَبَقُونَا بِٱلإِيمَانِ وَلاَ تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِّلَّذِينَ آمَنُواْ رَبَّنَآ إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ} قوموا، فعل الله بكم وفعل!! ذكره النحاس. الثانية ـ: هذه الآية دليل على وجوب محبة الصحابة؛ لأنه جعل لمن بعدهم حظاً في الفيء ما أقاموا على محبتهم وموالاتهم والاستغفار لهم، وأن مَن سبهَّم أو واحداً منهم أو اعتقد فيه شرَّاً إنه لا حق له في الفيء؛ روي ذلك عن مالك وغيره. قال مالك: من كان يُبْغِض أحداً من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، أو كان في قلبه عليهم غِلٌّ، فليس له حق في فَيْء المسلمين؛ ثم قرأ {وَٱلَّذِينَ جَآءُوا مِن بَعْدِهِمْ} الآية. الثالثة ـ: هذه الآية تدل على أن الصحيح من أقوال العلماء قسمة المنقول، وإبقاء العقار والأرض شملا بين المسلمين أجمعين؛ كما فعل عمر رضي الله عنه؛ إلا أن يجتهد الوالي فينفذ أمراً فيمضي عمله فيه لاختلاف الناس عليه وأن هذه الآية قاضية بذلك؛ لأن الله تعالى أخبر عن الْفَيء وجعله لثلاث طوائف: المهاجرين والأنصار ـ وهم معلومون ـ {وَٱلَّذِينَ جَآءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا ٱغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا ٱلَّذِينَ سَبَقُونَا بِٱلإِيمَانِ}. فهي عامة في جميع التابعين والآتين بعدهم إلى يوم الدين. وفي الحديث الصحيح: حديث : أن النبيّ صلى الله عليه وسلم خرج إلى المقبرة فقال: «السلام عليكم دار قوم مؤمنين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون ودِدْت أن رأيت إخواننا» قالوا: يا رسول الله، ألسنا بإخوانك؟ فقال «بل أنتم أصحابي وإخوانُنا الذين لم يأتوا بعدُ وأنا فَرَطُهم على الحَوْض»تفسير : . فبيّن صلى الله عليه وسلم أن إخوانهم كل من يأتي بعدهم؛ لا كما قال السُّدّي والكَلْبي: إنهم الذين هاجروا بعد ذلك. وعن الحسن أيضاً {وَٱلَّذِينَ جَآءُوا مِن بَعْدِهِمْ} مَن قصد إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم إلى المدينة بعد انقطاع الهجرة. الرابعة ـ: قوله تعالى: {يَقُولُونَ} نصب في موضع الحال؛ أي قائلين {رَبَّنَا ٱغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا ٱلَّذِينَ سَبَقُونَا بِٱلإِيمَانِ} فيه وجهان: أحدهما ـ أُمِروا أن يستغفروا لمن سبق هذه الأمة من مؤمني أهل الكتاب. قالت عائشة رضي الله عنها: فأُمِروا أن يستغفروا لهم فسبُّوهم. الثاني ـ أمروا أن يستغفروا للسابقين الأولين من المهاجرين والأنصار. قال ابن عباس: أمر الله تعالى بالاستغفار لأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، وهو يعلم أنهم سَيُفتنون. وقالت عائشة: أمرتم بالاستغفار لأصحاب محمد فسببتموهم. سمعت نبيَّكم صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : لاتذهب هذه الأمة حتى يلعن آخرها أوّلَها» تفسير : وقال ابن عمر: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : إذا رأيتم الذين يسبُّون أصحابي فقولوا لعن الله أَشَرَّكم»تفسير : . وقال العوّام بن حَوْشَب: أدركت صدر هذه الأمة يقولون: اذكروا محاسن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى تألف عليهم القلوب، ولا تذاكروا ما شَجَر بينهم فتُجسِّروا الناس عليهم. وقال الشعبيّ: تفاضلت اليهود والنصارى على الرافضة بخصلة، سئلت اليهود: مَن خير أهل مِلّتكم؟ فقالوا: أصحاب موسى. وسئلت النصارى: من خير أهل مِلَّتكم؟ فقالوا: أصحاب عيسى. وسئلت الرافضة من شر أهل مِلتكم؟ فقالوا: أصحاب محمد، أمِروا بالاستغفار لهم فسبُّوهم، فالسيف عليهم مسلول إلى يوم القيامة، لا تقوم لهم راية، ولا تثبت لهم قدم، ولا تجتمع لهم كلمة، كلما أوقدوا نارا للحرب أطفأها الله بسفك دمائهم وإدحاض حجتهم. أعاذنا الله وإياكم من الأهواء المضلة. {وَلاَ تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِّلَّذِينَ آمَنُواْ} أي حِقْداً وحسداً {رَبَّنَآ إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ}.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَٱلَّذِينَ جَاءُو مِّن بَعْدِهِمْ } من بعد المهاجرين والأنصار إلى يوم القيامة {يَقُولُونَ رَبَّنَا ٱغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوٰنِنَا ٱلَّذِينَ سَبَقُونَا بِٱلإَيمَٰنِ وَلاَ تَجْعَلْ فِى قُلُوبِنَا غِلاًّ } حقداً {لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ }.

ابن عبد السلام

تفسير : {وَالَّذِينَ جَآءُو مِن بَعْدِهِمْ} المهاجرون بعد ذلك أو التابعون ومن يأتي إلى يوم القيامة {الَّذِينَ سَبَقُونَا} السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار، أو سابقو هذه الأمة ومؤمنو أهل الكتاب قالت عائشة ـ رضي الله تعالى عنهاـ: أمروا أن يستغفروا لهم فسبّوهم {غِلاًّ} غشاً أو عداوة.

الخازن

تفسير : قوله تعالى: {والذين جاؤوا من بعدهم} يعني من بعد المهاجرين والأنصار وهم التابعون لهم إلى يوم القيامة {يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان} أخبر أنهم يدعون لأنفسهم بالمغفرة ولإخوانهم الذين سبقوهم بالإيمان {ولا تجعل في قلوبنا غلاًّ} أي غشاً وحسداً وبغضاً {للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم} فكل من كان في قلبه غل أو بغض لأحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يترحم على جميعهم فإنه ليس ممن عناه الله بهذه الآية لأن الله تعالى رتب المؤمنين على ثلاث منازل المهاجرين ثم من بعدهم التابعون الموصوفون بما ذكر فمن لم يكن من التابعين بهذه الصفة كان خارجاً من أقسام المؤمنين وليس له في المسلمين نصيب وقال ابن أبي ليلى الناس على ثلاثة منازل الفقراء المهاجرون والذين تبوءوا الدار والإيمان والذين جاؤوا من بعدهم فاجتهد أن لا تكون خارجاً من هذه الثلاث منازل (ق) عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : لا تسبوا أصحابي فلو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهباً ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه" تفسير : (م) عن عروة بن الزبير قال قالت عائشة "يا ابن أختي أمروا أن يستغفروا لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فسبوهم" عن عبد الله بن مغفل قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "حديث : الله الله في أصحابي لا تتخذوهم غرضاً بعدي فمن أحبهم فبحبي أحبهم ومن أبغضهم فبغضبي أبغضهم ومن آذاهم فقد آذاني ومن آذاني فقد آذى الله ومن آذى الله فيوشك أن يأخذه" تفسير : أخرجه الترمذي وقال مالك بن أنس: من انتقص أحداً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أو كان في قلبه غل عليهم فليس له حق في فيء المسلمين ثم تلا هذه الآية {أية : ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى} تفسير : [الحشر: 7] - إلى - {أية : والذين جاؤوا من بعدهم} تفسير : [الحشر: 10] - إلى - {أية : رؤوف رحيم} تفسير : [الحشر: 10] وقال مالك بن مغول قال الشعبي يا مالك تفاضلت اليهود والنصارى على الرافضة بخصلة سئلت اليهود من خير أهل ملتكم؟ قالوا أصحاب موسى وسئلت النصارى من خير أهل ملتكم؟ قال حواري عيسى وسئلت الرافضة من شر أهل ملتكم؟ فقالوا أصحاب محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم أمروا أن يستغفروا لهم فسبوهم والسيف مسلول عليهم إلى يوم القيامة لا تقوم لهم راية ولا يثبت لهم قدم ولا تجمع لهم كلمة كلما أوقدوا ناراً للحرب أطفأها الله بسفك دمائهم وتفريق شملهم وإدحاض حجتهم أعاذنا الله وإياكم من الأهواء المضلة. وروي عن جابر قال قيل لعائشة إن ناساً يتناولون أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أبا بكر وعمر فقالت وما تعجبون من هذا انقطع عنهم العمل فأحب الله أن لا يقطع عنهم الأجر. وروي أن ابن عباس سمع رجلاً ينال من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له: من أمن المهاجرين الأولين أنت؟ قال لا قال أفمن الأنصار أنت؟ قال لا قال فأنا أشهد بأنك لست من التابعين لهم بإحسان.

الثعالبي

تفسير : وقوله تعالى: {وَٱلَّذِينَ جَاءُوا مِن بَعْدِهِمْ...} الآية: قال جمهور العلماء: أراد مَنْ يجيء من التابعين وغيرهم إلى يوم القيامة، وقال الفرَّاءُ: أراد الفرقة الثالثة من الصحابة، وهي مَنْ آمن في آخر مُدَّةِ النبي صلى الله عليه وسلم. وقوله: {يَقُولُونَ}: حال فيها الفائدة، والمعنى: والذين جاؤوا قائلين كذا، وروت أُمُّ الدرداء، وأبو الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ كان يقول:«حديث : دَعْوَةُ المُسْلِمِ لأَخِيهِ بِظَهْرِ الْغَيْبِ مُسْتَجَابَةٌ، عِنْدَ رَأْسِهِ مَلَكٌ مَوَكَّلٌ، كُلَّمَا دَعَا لأَخِيهِ قَالَ المَلَكُ المُوَكَّلُ بِهِ: آمِينَ، وَلَكَ مِثْلُهُ» تفسير : رواه مسلم، انتهى، قال * ع *: ولهذه الآية قال مالك وغيره: إِنَّه مَنْ كان له في أحدٍ من الصحابة رأيُ سوءٍ أو بغض، فلا حَظَّ له في فَيْءِ المسلمين، وقال عبد اللَّه بن يزيد: قال الحسن: أدركت ثلاثمائةٍ مِنْ أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم منهم سبعون بَدْرِيًّا كُلُّهم يحدثني أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : مَنْ فَارَقَ الجَمَاعَةَ قِيدَ شِبْرٍ، فَقَدْ خَلَعَ رِبْقَةَ الإسْلاَمِ مِنْ عُنُقِهِ»تفسير : فالجماعة أَلاَّ تَسُبّوا الصحابة، ولا تماروا في دينِ اللَّه، ولا تُكَفِّرُوا أَحداً من أَهْلِ التوحيد بذنب، قال عبد اللَّه: فَلَقِيتُ أبا أمامة وأبا الدرداء وواثلةَ وأَنَساً، فكلُّهم يحدثني عن النبي صلى الله عليه وسلم بمثل حديث الحسن، والغِلُّ: الحقد والاعتقاد الرديء. وقوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ نَافَقُواْ يَقُولُونَ لإِخْوَانِهِمُ...} الآية: نزلت في عبد اللَّه بن أُبَيِّ ابن سلول، ورفاعةَ بن التابوت وقومٍ من منافقي الأنصار؛ كانوا بعثوا إلى بني النضير، وقالوا لهم: اثبتوا في معاقلكم، فإنَّا مَعَكُمْ كيفما تقلبت حالُكم، وكانوا في ذلك كاذبين، وإنَّما أرادوا بذلك أَنْ تقوى نُفُوسُهُمْ؛ عسى أَنْ يثبتوا حَتَّى لا يقدر النبي صلى الله عليه وسلم عليهم، فيتمَّ مرادهم، وجاءت الأفعال غيرَ مجزومة في قوله: {لاَ يَخْرُجُونَ} {لاَ يَنصُرُونَهُم}؛ لأَنَّها راجعةٌ إلى حكم القسم، لا إلى حكم الشرط، والضمير في {صُدُورِهِم} يعود على اليهود والمنافقين، والضمير في قوله: {لاَ يُقَـٰتِلُونَكُمْ جَمِيعاً} لبني النضير وجميع اليهود، هذا قول جماعة المفسرين، ومعنى الآية: لا يبرزون لحربكم، وإنَّما يقاتلون متحصنين بالقُرَى والجدران؛ للرعب والرهب الكائن في قلوبهم. وقوله تعالى: {بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ} أي: في غائلتهم وإحَنِهِمْ {تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً} أي: مجتمعين {وَقُلُوبُهُمْ شَتَّىٰ} أي: متفرقة؛ قال * ع *: وهذه حال الجماعة المتخاذلة، وهي المغلوبةُ أبداً في كُلِّ ما تحاول، واللفظة مأخوذة من الشتات، وهو التفرق ونحوه.

ابن عادل

تفسير : قوله تعالى: {وَٱلَّذِينَ جَآءُو}. يحتمل الوجهين المتقدمين في "الذين" قبله، فإن كان معطوفاً على "المهاجرين"، فـ "يقولون" حال لـ "يحبون" أي: قائلين أو مستأنف، وإن كان مبتدأ فـ "يقولون" خبره. فصل هذه الآيات قد استوعبت جميع المؤمنين؛ لأنهم إما المهاجرون أو الأنصار. {وَٱلَّذِينَ جَآءُو مِن بَعْدِهِمْ}. قال بعض المفسرين: هذا عطف على "المُهَاجرينَ" وهم الذين هاجروا من بعد. وقيل: التابعون لهم بإحسان، ومن دخل في الإسلام إلى يوم القيامة. قال ابن أبي ليلى: الناس على ثلاثة منازل: الأولى منازل المهاجرين، والثانية هي: الذين تبوءوا الدار والإيمان، والثالثة: والذين جاءوا من بعدهم، فاجتهد ألاَّ تخرج من هذه المنازل. وقال بعضهم: كن مهاجراً، فإن قلت: لا أجد، فكن أنصارياً، فإن لم تجد فاعمل كأعمالهم، فإن لم تستطع فأحبَّهم، واستغفر لهم كما أمرك الله. وقال مصعب بن سعد: الناس على ثلاثة منازل، فمضت منزلتان، وبقيت منزلة، فأحسن ما أنتم عليه أن تكونوا بهذه المنزلة التي بقيت. وعن جعفر بن محمد عن أبيه عن جدِّه، أنه جاءه رجل فقال: يا ابن بنت رسول الله ما تقول في عثمان؟ فقال له: يا ابن أخي أنت من قوم قال الله فيهم {أية : لِلْفُقَرَآءِ الْمُهَاجِرِينَ}تفسير : ؟ [الحشر: 8] الآية، قال: لا، قال: فأنت من قوم قال الله فيهم: {أية : وَٱلَّذِينَ تَبَوَّءُو ٱلدَّارَ وَٱلإِيمَانَ}تفسير : ؟ [الحشر: 9] الآية، قال: لا، قال: فوالله لئن لم تكن من أهل الآية الثالثة لتخرجن من الإسلام، وهي قوله تعالى: {وَٱلَّذِينَ جَآءُو مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا ٱغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا ٱلَّذِينَ سَبَقُونَا بِٱلإِيمَانِ}. وروي أن نفراً من أهل "العراق" جاءوا إلى محمد بن علي بن الحسين فسبُّوا أبا بكر وعمر وعثمان - رضي الله عنهم - فأكثروا، فقال لهم: أمن المهاجرين الأولين أنتم؟ قالوا: لا، قال: أفمن الذين تبوءوا الدار والإيمان من قبلهم؟، قالوا: لا، قال: فقد تبرأتم من هذين الفريقين، أنا أشهد أنكم لستم من الذين قال الله فيهم: {وَٱلَّذِينَ جَآءُو مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا ٱغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا ٱلَّذِينَ سَبَقُونَا بِٱلإِيمَانِ وَلاَ تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِّلَّذِينَ آمَنُواْ}، قوموا قد فعل الله بكم وفعل. ذكره النحاس. فصل في وجوب محبة الصحابة هذه الآية دليل على وجوب محبة الصحابة - رضي الله عنهم - لأنه جعل لمن بعدهم حظًّا في الفيء ما أقاموا على محبتهم وموالاتهم، والاستغفار لهم، ومن أبغضهم أو واحداً منهم، أو اعتقد فيه شرًّا أنه لا حقَّ له في الفيء. قال مالك: من كان يبغضُ أحداً من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم وكان في قلبه لهم غلّ فليس له حق في فيء المسلمين، ثم قرأ: {وَٱلَّذِينَ جَآءُو مِن بَعْدِهِمْ}. فصل قال القرطبي: دلت هذه الآية على أن الصحيح من أقوال العلماء قسمة المنقول وإبقاء العقار والأرض بين المسلمين أجمعين كما فعل عمر - رضي الله عنه - إلا أن يجتهد الوالي فينفذ أمراً فيمضي عمله فيه لاختلاف الناس فيه، وإن هذه الآية قاضية بذلك، لأن الله - تعالى - أخبر عن الفيء وجعله لثلاث طوائف: المهاجرين والأنصار - وهم معلومون - {وَٱلَّذِينَ جَآءُو مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا ٱغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا ٱلَّذِينَ سَبَقُونَا بِٱلإِيمَانِ} فهي عامة في جميع التابعين والآتين من بعدهم إلى يوم [الدين]. حديث : يروى أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج إلى المقبرة، فقال: "السَّلامُ [عليكم] دارَ قَوْم مُؤمِنينَ وإنَّا إن شَاءَ اللَّهُ بكم لاحِقُونَ ودِدْتُ لَوْ رأيتُ إخواننا" قالوا: يَا رسُولَ اللَّهِ، ألَسْنَا إخْوَانَكَ؟ فقَالَ رسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "بَلْ أنتُمْ أصْحَابِي، وإخْواننا الذين لَمْ يأتُوا بَعْدُ، وأنَا فَرَطُهمْ على الحوْضِ" . تفسير : فبين النبي صلى الله عليه وسلم أن إخوانهم كلُّ من يأتي بعدهم، لا كما قال السُّديُّ والكلبي: إنهم الذين هاجروا بعد ذلك. وعن الحسن أيضاً: أن الذين جاءوا من بعدهم من قصد إلى النبي صلى الله عليه وسلم إلى "المدينة" بعد انقطاع الهجرة. قوله: {يَقُولُونَ رَبَّنَا ٱغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا ٱلَّذِينَ سَبَقُونَا بِٱلإِيمَانِ}. قيل: أمروا أن يستغفروا لمن سبق هذه الأمة من مؤمني أهل الكتاب، قالت عائشة - رضي الله عنها -: أمرهم أن يستغفروا لهم فَسبُّوهم. وقيل: أمروا أن يستغفروا للسابقين الأولين من المهاجرين والأنصار. قال ابن عباس - رضي الله عنهما -: أمر الله سبحانه بالاستغفار لأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم وهو يعلم أنهم سيُفْتنُونَ. وقالت عائشة - رضي الله عنها -: أمرهم بالاستغفار لأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم فسبوهم، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : لا تَذْهَبُ هذهِ الأمة حتَّى يلعَنَ آخِرُهَا أوَّلهَا ". تفسير : وقال ابن عمر - رضي الله عنهما -: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : إذا رأيتم الَّذين يسُبُّونَ أصْحَابِي فقُولُوا: لَعَنَ اللَّه شَرَّكُم ". تفسير : وقال العوام بن حوشب: أدركت هذه الأمة يقولون: اذكروا محاسن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى تتآلف عليهم القلوب، ولا تذكروا ما شجر بينهم فتجسروا الناس عليهم. وقال الشعبي: تفاضلت اليهود والنَّصارى على الرافضة بخصلة، سئلت اليهود: من خير أهل ملتكم؟ فقالوا: أصحاب موسى - صلوات الله وسلامه عليه -، وسئلت النصارى: من خير أهل ملتكم؟ فقالوا: أصحاب عيسى - صلوات الله وسلامه عليه -، وسئلت الرافضة، من شرُّ أهلِ ملتكم؟ فقالوا: أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم أمروا بالاستغفار لهم فسبوهم، فالسيف عليهم مسلولٌ إلى يوم القيامة لا تقوم لهم راية، ولا يثبت لهم قدم، ولا تجتمع لهم كلمة، كلما أوقدوا ناراً للحرب أطفأها الله بسفكِ دمائهم وإدحاض حجتهم، أعاذنا الله وإياكم من الأهواء المضلَّة. {وَلاَ تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِّلَّذِينَ آمَنُواْ} أي: حسداً وبغضاً، {رَبَّنَآ إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ} قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ نَافَقُواْ يَقُولُونَ لإِخْوَانِهِمُ}. للتبليغ فقط بخلاف قوله عز وجل: {أية : وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِلَّذِينَ آمَنُواْ} تفسير : [العنكبوت: 12] فإنها تحتمل ذلك وتحتمل العلة. فصل قال القرطبي رحمه الله: هذه الآية سبب التعجب من اغترار اليهود لما وعدهم المنافقون من النصر معهم مع علمهم بأنهم لا يعتقدون ديناً ولا كتاباً. قال المقاتلان: يعني عبد الله بن أبيّ ابن سلول، وعبد الله بن نبتل، ورفاعة بن زيد، وقيل: رفاعة بن تابوت، وأوس بن قيظي، كانوا من الأنصار ولكنهم نافقوا، ومالوا ليهود قريظة والنضير. والإخوان: هم الإخوة، وهي هنا تحتمل وجوهاً: أحدها: الأخوّة في الكفر؛ لأن اليهود والمنافقين اشتركوا في عموم الكفرِ بمحمد صلى الله عليه وسلم. وثانيها: الأخوّة بسبب المصادقة والموالاة والمعاونة. وثالثها: الأخوّة بسبب اشتراكهم في عداوة محمد صلى الله عليه وسلم. فقالوا لليهود: {لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ} من المدينة {لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلاَ نُطِيعُ فيكُمْ أَحَداً أَبَداً وَإِن قُوتِلْتُمْ لَنَنصُرَنَّكُمْ}. وقيل: هذا من قول بني النضير لقريظة، وقولهم: {وَلاَ نُطِيعُ فيكُمْ أَحَداً أَبَداً} يعنون محمداً صلى الله عليه وسلم قالوا: لا نطيعه في قتالكم. وفيه دليل على صحة نبوّة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم من جهة الغيب؛ لأنهم أخرجوا فلم يخرجوا معهم، وقوتلوا فلم ينصروهم كما قال سبحانه وتعالى: {وَٱللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ} في قولهم وفعلهم. فقولهم: {وَلاَ نُطِيعُ فيكُمْ أَحَداً أَبَداً} أي: في قتالكم أو في خذلانكم. قوله تعالى: {وَإِن قُوتِلْتُمْ لَنَنصُرَنَّكُمْ}. أجيب القسم المقدر، لأن قبل "إن" لام موطئة حذفت للعلم بمكانها، فإنَّ الأكثر الإتيان بها، ومثله قوله: {أية : وَإِن لَّمْ يَنتَهُواْ عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ} تفسير : [المائدة: 73] وقد تقدم. قوله تعالى: {لَئِنْ أُخْرِجُواْ لاَ يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِن قُوتِلُواْ لاَ يَنصُرُونَهُمْ وَلَئِن نَّصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ ٱلأَدْبَارَ ثُمَّ لاَ يُنصَرُونَ}. أجيب القسم لسبقه، ولذلك رفعت الأفعال ولم تجزم، وحذف جواب الشرط لدلالة جواب القسم عليه، ولذلك كان فعل الشرط ماضياً. وقال أبو البقاء رحمه الله: قوله تعالى: {لاَ يَنصُرُونَهُمْ} لما كان الشرط ماضياً ترك جزم الجواب انتهى. وهو غلط؛ لأن {لاَ يَنصُرُونَهُمْ} ليس جواباً للشرط بل جواب القسم، وجواب الشرط محذوف كما تقدم وكأنه توهم أنه من باب قوله: [البسيط] شعر : 4751- وإنْ أتَاهُ خَلِيلٌ يَوْمَ مَسْألةٍ يَقولُ: لا غَائِبٌ مَالِي ولا حَرِمُ تفسير : وقد سبق أبا البقاء ابنُ عطية إلى ما يوهم شيئاً من ذلك، ولكنه صرح بأنه جواب القسم، فقال: "جاءت الأفعال غير مجزومة في "لا يخرجون ولا ينصرون"؛ لأنها راجعة على حكم القسم لا على حكم الشرط، وفي هذا نظر". فقوله: "وفي هذا نظر" يوهم أنه جاء على خلاف ما يقتضيه القياس وليس كذلك، بل جاء على ما يقتضيه القياس. وفي هذه الضمائر قولان: أحدهما: أنها كلها للمنافقين. والثاني: أنها مختلفة بعضها لهؤلاء، وبعضها لهؤلاء. فصل اعلم أنه - تعالى - عالم بجميع المعلومات التي لا نهاية لها، وقد أخبر تعالى أن هؤلاء اليهود لئن أخرجوا، فهؤلاء المنافقون لا يخرجون معهم، وكان الأمر كذلك؛ لأن بني النضير لما خرجوا لم يخرج معهم المنافقون، وقاتلوا أيضاً فما نصروهم، وهذا كما يقول المعترض الطاعن في كلام الغير: لا نسلم أن الأمر كما تقول، ولئن سلمنا أن الأمر كما تقول إلا أنه لا يفيد ذلك فائدة فكذا هاهنا ذكر تعالى أنهم لا يخرجون معهم، وبتقدير أن ينصروهم إلا أنهم لا بد وأن يتركوا النُّصرة وينهزموا، ويتركوا أولئك المنصورين في أيدي أعدائهم، ونظير هذه الآية قوله تعالى: {أية : وَلَوْ عَلِمَ ٱللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّواْ وَّهُم مُّعْرِضُونَ} تفسير : [الأنفال: 23]. [وقيل: معنى لا ينصرونهم: لا يدومون على نصرهم، هذا على أن الضميرين متفقان على اختلاف الضميرين، فالمعنى: لئن أخرج اليهود لا يخرج معهم المنافقون، ولئن قوتلوا لا ينصرونهم {وَلَئِن نَّصَرُوهُمْ} أي: ولئن نصر اليهود المنافقين ليولُّنَّ الأدبار]. قوله تعالى: {لأَنتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً}. مصدر من "رُهِبَ" المبني للمفعول، فالرهبة واقعة من المنافقين لا من المخاطبين، كأنه قيل: لأنتم أشد رهوبية في صدورهم من الله، فالمخاطبون مُرْهِبُونَ وهو قول كعب بن زهير - رضي الله عنه - في مدح رسول الله صلى الله عليه وسلم: [البسيط] شعر : 4752- فَلَهْوَ أخْوَفُ عِنْدِي إذْ أكَلِّمُهُ وقِيلَ إنَّكَ مَحْبُوسٌ ومَقْتُولُ مِنْ ضَيْغَمٍ بِثَرَاءِ الأرْضِ مُخْدَرُهُ بِبَطْنِ عَثَّرَ غِيلٌ دُونَهُ غِيلُ تفسير : و "رَهْبَةً" تمييز. فصل في معنى الآية المعنى: لأنتم يا معشر المسلمين {أَشَدُّ رَهْبَةً} أي خوفاً وخشية في صدورهم من الله، يعني صدور بني النضير. وقيل: صدور المنافقين، ويحتمل أن يرجع إلى الفريقين، أي: يخافون منكم أكثر مما يخافون من ربهم، "ذَلِكَ" إشارة إلى الخوف أي ذلك الخوف {بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُونَ} قدر عظمة الله وقدرته حتى يخشوه حقَّ خشيته. قوله تعالى: {لاَ يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعاً} يعني اليهود والمنافقين لا يقدرون على مقاتلتكم مجتمعين "إلاَّ" إذا كانوا {فِي قُرًى مُّحَصَّنَةٍ} بالخنادق والدُّروب والحيطان [يظنُّون] أنها تمنعهم منكم، {أَوْ مِن وَرَآءِ جُدُرٍ} أي: من خلف حيطانٍ يستترون بها لجبنهم ورهبتهم. قوله: "جَمِيعاً" حال، و{إِلاَّ فِي قُرًى} متعلق بـ "يُقَاتِلُونَكُمْ". وقوله: "جُدُرٍ". قرأ ابن كثير وأبو عمرو: "جدار" بالإفراد. وفيه أوجه: أحدها: أنه السُّورُ، والسُّورُ الواحد يعم الجميع من المقاتلة ويسترهم. والثاني: أنه واحد في معنى الجمع لدلالة السياق عليه. والثالث: أن كل فرقة منهم وراء جدار لا أنهم كلهم وراء جدار. والباقون قرأوا: "جُدُر" - بضمتين - اعتباراً بأن كل فرقة وراء جدار، فجمع لذلك. وقرأ الحسن وأبو رجاء وابن وثاب والأعمش، ويروى عن ابن كثير وعاصم: بضمة وسكون؛ وهي تخفيف الأولى، وقرأ ابن كثير - أيضاً - في رواية هارون عنه، وهي قراءة كثير من المكيين: "جَدْر" بفتحة وسكون. فقيل: هي لغة في الجدار. وقال ابن عطية: معناه أصل بنيات كالسور ونحوه: قال: ويحتمل أن يكون من جَدْر النخيل أي من وراء نخيلهم. يقال: أجدر النخل إذا طلعت رءوسه أول الربيع. والجدر: نبت، واحده جدرة. وقرىء: "جَدَرٌ" - بفتحتين - حكاها الزمخشري. وهي لغة في الجدار أيضاً. وقرىء: "جُدْر" - بضم الجيم وإسكان الدَّال - جمع الجدار. قال القرطبي: ويجوز أن تكون الألف في الواحد كألف "كتاب" وفي الجمع كألف "ظِراف" ومثله "ناقة هجان، ونوق هجان" لأنك تقول في التثنية "هجانان"، فصار لفظ الواحد والجمع مشتبهين في اللفظ مختلفين في المعنى. قاله ابن جني. قوله: {بَأْسُهُم بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ}. "بَيْنَهُمْ" متعلق بـ "شديد" و "جميعاً" مفعول ثانٍ، أي: مجتمعين. وقوله: {وَقُلُوبُهُمْ شَتَّىٰ}. جملة حالية، أو مستأنفة للإخبار بذلك. والعامة على "شتى" بلا تنوين، لأنها ألف تأنيث. ومن كلامهم: "شَتَّى تئوب الحلبة" أي متفرقين. وقال آخر: [الطويل] شعر : 4753- إلَى اللَّهِ أشْكُو نِيَّةً شَقَّتِ العَصَا هِيَ اليَوْمَ شَتَّى، وهيَ أمْسِ جَمِيعُ تفسير : وقرأ مبشر بن عبيد: "شَتًّى" منونة، كأنه جعلها ألف الإلحاق. وفي قراءة ابن مسعود: "وقُلُوبُهُمْ أشتُّ" يعني أشد تشتيتاً أي أشد اختلافاً. فصل في معنى الآية معنى {بَأْسُهُم بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ} أي: عداوة بعضهم لبعض. قاله ابن عباس. وقال مجاهد: {بَأْسُهُم بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ} بالكلام والوعيد لنفعلن كذا. وقال السُّدي: المراد اختلاف قلوبهم حتى لا يتفقوا على أمر واحدٍ. وقيل: {بَأْسُهُم بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ} إذا لم يلقوا عدوًّا نسبوا أنفسهم إلى الشدة والبأس، وإذا لقوا العدو انهزموا. {تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّىٰ}. يعني اليهود والمنافقين. قاله مجاهد. وعنه أيضاً: يعني المنافقين. وقال الثوري: هم المشركون وأهل الكتاب. وقال قتادة: {تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً} أي: مجتمعين على أمْر ورأي. {وَقُلُوبُهُمْ شَتَّىٰ}: أي: متفرقة فأهل الباطل مختلفة آراؤهم وهم مجتمعون في عداوة أهل الحق. وعن مجاهد أيضاً: أراد أن دين المنافقين مخالف لدين اليهود، وهذا يقوي أنفس المؤمنين عليهم {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْقِلُونَ} أي: ذلك التشتيت والكفر بأنهم قوم لا يعقلون أمر الله. وقيل: لا يعقلون ما فيه الحظ لهم. وقيل: لا يعقلون أن تشتيت القلوب مما يوهن قواهم. قوله تعالى: {كَمَثَلِ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ}. خبر مبتدأ مضمر، أي: مثلهم مثل هؤلاء. و "قريباً" فيه وجهان: أحدهما: أنه منصوب بالتشبيه المتقدم، أي: يشبهونهم في زمن قريب سيقع لا يتأخر، ثم بين ذلك بقوله: {ذَاقُواْ وَبَالَ أَمْرِهِمْ}. والثاني: أنه منصوب بـ "ذاقوا" أي: ذاقوا في زمن قريب. أي: ذاقوه في زمن قريب سيقع ولم يتأخّر. وانتصابه في وجهيه على ظرف الزَّمان. فصل في معنى الآية يعني مثل هؤلاء اليهود كمثل الذين من قبلهم. قال ابن عباس: يعني به بني قينقاع أمكن الله منهم قبل بني النضير. وقال قتادة: يعني بني النضير أمكن الله منهم قبل قريظة، وكان بينهما سنتان. وقال مجاهد رضي الله عنه: يعني كفَّار قريش يوم بدر، وكان ذلك قبل غزوة بني النضير قاله مجاهد. وكانت غزوة بدر قبل غزوة بني النضير بستة أشهر، فلذلك قال: "قَرِيباً". وقيل: هو عامٌّ في كل من انتقم منه على كفره قبل بني النضير من نوح إلى محمد صلى الله عليه وسلم. "وَبَالَ أمرهم" أي: جزاء كفرهم. ومن قال: هم بنو قريظة جعل "وبَالَ أمْرِهِمْ" نزولهم على حكم سعد بن معاذ، فحكم فيهم بقتل المقاتلة وسبي [الذرية]. وهو قول الضحاك. ومن قال: المراد بنو النضير، قال: "وبَالَ أمْرِهِمْ" الجلاء والنفي، {وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} في الآخرة. قوله تعالى: {كَمَثَلِ ٱلشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلإِنسَانِ ٱكْفُرْ}. هذا مثل ضربه الله للمنافقين واليهود في تخاذلهم وعدم الرجاء في نصرتهم، وحذف حرف العطف ولم يقل: وكمثل الشيطان، لأن حذف حرف العطف كثير، كقولك: أنت عاقل، أنت كريم، أنت عالم. وقوله: {كَمَثَلِ ٱلشَّيْطَانِ} كالبيان لقوله {كَمَثَلِ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ}. فصل روي عن النبي صلى الله عليه وسلم: أن الإنسان الذي قال له الشيطان: اكفر؛ راهب، نزلت عنده امرأة أصابها لممٌ ليدعو لها فزيّن له الشيطان فوطئها فحملت، ثم قتلها خوفاً أن يفتضح، فدلّ الشيطان قومها على موضعها، فجاءوا فاستنزلوا الراهب ليقتلوه، فجاء الشيطان فوعده إن سجد له أنجاه من هذه الورطة منهم فسجد فتبرّأ منه فأسلمه، ذكره القاضي إسماعيل، وعلي بن المديني، عن سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن عروة بن عامر، عن عبيد بن رفاعة الزرقي، عن النبي صلى الله عليه وسلم وذكر خبره طويلاً. وذكر ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: {كَمَثَلِ ٱلشَّيْطَانِ} أنه كان راهب في الفترة يقال له: برصيصا، قد تعبد في صومعته سبعين سنة لم يعص الله فيها طرفة عين حتى أعيا إبليس، وذكر خبر برصيصا بتمامه. قال ابن عباس رضي الله عنهما: فضرب الله ذلك مثلاً للمنافقين مع اليهود، وذلك أن الله - تعالى - أمر نبيه أن يُجلِيَ بني النضير من "المدينة"، فدس إليهم المنافقون ألاَّ تخرجوا من دياركم، فإن قاتلوكم قاتلنا معكم، وإن أخرجوكم كنا معكم، فحاربوا النبي صلى الله عليه وسلم فخذلهم المنافقون وتبرءوا منهم كما تبرأ الشيطان من برصيصا العابد. وقيل: المعنى مثل المنافقين في غدرهم لبني النضير كمثل إبليس إذ قال لكفار قريش: {أية : لاَ غَالِبَ لَكُمُ ٱلْيَوْمَ مِنَ ٱلنَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَّكُمْ} تفسير : [الأنفال: 48] الآية. وقال مجاهد: المراد بالإنسان ها هنا جميع الناس في غرور الشيطان إياهم. ومعنى قوله تعالى: {إِذْ قَالَ لِلإِنسَانِ ٱكْفُرْ}. أي: أغواه حتى قال: إنِّي كافر، وليس قول الشيطان: {إِنِّيۤ أَخَافُ ٱللَّهَ رَبَّ ٱلْعَالَمِينَ} حقيقة، إنما هو على وجه التبرُّؤ من الإنسان، فهو تأكيد لقوله تعالى: {إِنِّي بَرِيۤءٌ مِّنكَ}. وفتح الياء من "إني" نافع، وابن كثير، وأبو عمرو، وأسكن الباقون.

البقاعي

تفسير : ولما أثنى الله سبحانه وتعالى على المهاجرين والأنصار رضي الله عنهم بما هم أهله، التابعين لهم بإحسان ما يوجب لهم الثناء فقال عاطفاً على المهاجرين فيقتضي التشريك معهم، أو على أصل القصة من عطف الجمل: {والذين جاؤوا} أي من أي طائفة كانوا، ولما كان المراد المجيء ولو في زمن يسير، أثبت الجار فقال: {من بعدهم} أي بعد المهاجرين والأنصار وهم من آمن بعد انقطاع الهجرة بالفتح وبعد إيمان الأنصار الذين أسلموا بعد النبي صلى الله عليه وسلم إلى يوم القيامة، ثم ذكر الخبر أو الحال على نحو ما مضى في الذي قبله فقال تعالى: {يقولون} أي على سبيل التجديد والاستمرار تصديقاً لإيمانهم بدعائهم لمن سنه لهم: {ربنا} أي أيها المحسن إلينا بإيجاد من مهد الدين قبلنا. ولما كان الإنسان وإن اجتهد موضعاً للنقصان قال ملقناً لنا: {اغفر} أي أوقع الستر على النقائص أعيانها وآثارها {لنا} ولما بدؤوا بأنفسهم، ثنوا بمن كان السبب في إيمانهم فقالوا: {ولإخواننا} أي في الدين فإنه أعظم أخوة، وبينوا العلة بقولهم: {الذين سبقونا بالإيمان} ولما لقنهم سبحانه حسن الخلافة لمن مهد لهم ما هم فيه، أتبعه تلقين ما يعاشرون به أعضادهم الذين هم معهم على وجه يعم من قبلهم، فقال معلماً بأن الأمر كله بيده حثاً على الالتجاء إليه من أخطار النفس التي هي أعدى الأعداء: {ولا تجعل} وأفهم قوله: {في قلوبنا} أن رذائل النفس قل أن تنفك وأنها إن كانت مع صحة القلب أوشك أن لا تؤثر {غلاًّ} أي ضغناً وحسداً وحقداً وهو حرارة وغليان يوجب الانتقام {للذين آمنوا} أي أقروا بالإيمان وإن كانوا في أدنى درجاته. ولما كان هذا دعاء جامعاً للخير، لقنهم ما يجيبهم في لزومه والتخلق به مع ما فيه من التملق للإله والتعريض له بقوة الرجاء فقال: {ربنا} أي أيها المحسن إلينا بتعليم ما لمن نكن نعلم، وأكدوا إعلاماً بأنهم يعتقدون ما يقولونه وإن ظهر من أفعالهم ما يقدح في اعتقادهم ولو في بعض الأوقات فقالوا: {إنك رؤوف} أي راحم أشد الرحمة لمن كانت له بك وصلة بفعل من أفعال الخير {رحيم *} مكرم غاية الإكرام لمن أردته ولو لم يكن له وصلة، فأنت جدير بأن تجيبنا لأنا بين أن يكون لنا وصلة فنكون من أهل الرأفة، أو لا فنكون من أهل الرحمة، فقد أفادت هذه الآية أن من كان في قلبه غل على أحد من الصحابة رضي الله عنهم فليس ممن عنى الله بهذه الآية.

السيوطي

تفسير : أخرج عبد بن حميد عن مجاهد رضي الله عنه ‏{‏والذين جاؤوا من بعدهم‏}‏ قال‏:‏ الذين أسلموا فعنوا أيضاً عبدالله بن نبتل وأوس بن قيظي‏.‏ وأخرج الحاكم وصححه وابن مردويه عن سعد بن أبي وقاص قال‏:‏ الناس على ثلاثة منازل قد مضت منزلتان وبقيت منزلة، فأحسن ما أنتم كائنون عليه أن تكونوا بهذه المنزلة التي بقيت، ثم قرأ ‏{‏للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم‏}‏ الآية، ثم قال‏:‏ هؤلاء المهاجرون وهذه منزلة وقد مضت ثم قرأ ‏ {‏والذين تبوّءُو الدار والإِيمان من قبلهم‏}‏ الآية ثم قال‏:‏ هؤلاء الأنصار وهذه منزلة وقد مضت، ثم قرأ ‏ {‏والذين جاؤوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإِخواننا الذين سبقونا بالإِيمان}‏ فقد مضت هاتان المنزلتان وبقيت هذه المنزلة فأحسن ما أنتم كائنون عليه أن تكونوا بهذه المنزلة‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن الضحاك رضي الله عنه ‏ {‏والذين جاؤوا من بعدهم‏} ‏ الآية قال‏:‏ أمروا بالاستغفار لهم، وقد علم ما أحدثوا‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن الأنباري في المصاحف وابن مردويه عن عائشة رضي الله عنها قالت‏:‏ أمروا أن يستغفروا لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فسبوهم ثم قرأت هذه الآية ‏ {‏والذين جاؤوا يقولون ربنا اغفر لنا ولإِخواننا الذين سبقونا بالإِيمان‏} . وأخرج ابن مردويه عن ابن عمر أنه سمع رجلاً وهو يتناول بعض المهاجرين، فقرأ عليه ‏ {‏للفقراء المهاجرين‏} ‏ الآية، ثم قال‏:‏ هؤلاء المهاجرون فمنهم أنت‏؟‏ قال‏:‏ لا ثم قرأ عليه {‏والذين تبوّءُو الدار والإِيمان‏}‏ الآية، ثم قال‏:‏ هؤلاء الأنصار أفأنت منهم‏؟‏ قال‏:‏ لا. ثم قرأ عليه ‏{‏والذين جاؤوا من بعدهم‏}‏ الآية، ثم قال‏:‏ أفمن هؤلاء أنت‏؟‏ قال‏:‏ أرجو. قال‏:‏ لا ليس من هؤلاء من يسب هؤلاء‏. وأخرج ابن مردويه من وجه آخر عن ابن عمر أنه بلغه أن رجلاً نال من عثمان، فدعاه فأقعده بين يديه، فقرأ عليه ‏ {‏للفقراء المهاجرين‏}‏ الآية قال‏:‏ من هؤلاء أنت‏؟‏ قال‏:‏ لا‏.‏ ثم قرأ ‏ {‏والذين جاؤوا من بعدهم‏} ‏ الآية، قال‏:‏ من هؤلاء أنت‏؟‏ قال‏:‏ أرجو أن أكون منهم‏.‏ قال‏:‏ لا والله ما يكون منهم من يتناولهم وكان في قلبه الغل عليهم‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن الأعمش أنه قرأ ‏{‏ربنا لا تجعل في قلوبنا غلاً للذين آمنوا‏}‏‏ .‏ وأخرج الحكيم الترمذي والنسائي عن أنس رضي الله عنه قال‏:‏ ‏"حديث : ‏بينا نحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال‏:‏ يطلع الآن رجل من أهل الجنة فأطلع رجل من الأنصار تنطف لحيته ماء من وضوئه، معلق نعليه في يده الشمال، فلما كان من الغد‏؛ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏: يطلع عليكم الآن رجل من أهل الجنة فاطلع ذلك الرجل على مثل مرتبته الأولى، فلما كان من الغد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل ذلك، فأطلع ذلك الرجل، فلما قام الرجل أتبعه عبدالله بن عمرو بن العاص فقال‏:‏ إني لاحيت أبي فأقسمت أن لا أدخل عليه ثلاثاً فإن رأيت أن تؤويني إليك حتى تحل يميني فعلت‏.‏ قال‏:‏ نعم، قال أنس‏:‏ فكان عبدالله بن عمرو يحدث أنه بات معه ليلة فلم يره يقوم من الليل شيئاً غير أنه كان إذا تقلب على فراشه ذكر الله وكبر، حتى يقوم لصلاة الفجر فيسبغ الوضوء غير أني لا أسمعه يقول إلا خيراً، فلما مضت الليالي الثلاث وكدت احتقر عمله قلت‏:‏ يا عبدالله إنه لم يكن بيني وبين والدي غضب ولا هجرة ولكني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لك ثلاث مرات في ثلاث مجالس يطلع عليكم الآن رجل من أهل الجنة، فأطلعت أنت تلك المرات الثلاث، فأردت أن آوي إليك فأنظر ما عملك، فإذا ما هو إلا ما رأيت فانصرفت عنه فلما وليت دعاني فقال‏:‏ ما هو إلاّ ما قد رأيت غير أني لا أجد في نفسي غلاً لأحد من المسلمين، ولا أحسده على خير أعطاه الله إياه، فقال له عبدالله بن عمرو‏:‏ هذه التي بلغت بك وهي التي لا نطيق‏‏ "‏‏. تفسير : وأخرج الحكيم الترمذي عن عبد العزيز بن أبي رواد قال‏:‏ "حديث : ‏‏بلغنا أن رجلاً صلى مع النبي صلى الله عليه وسلم، فلما انصرف قال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ هذا الرجل من أهل الجنة. قال عبدالله بن عمرو‏:‏ فأتيته فقلت‏:‏ يا عماه الضيافة، قال نعم، فإذا له خيمة وشاة ونخل، فلما أمسى خرج من خيمته فاحتلب العنز واجتنى لي رطباً ثم وضعه، فأكلت معه فبات نائماً وبت قائماً، وأصبح مفطراً، وأصبحت صائماً، ففعل ذلك ثلاث ليال، فقلت له‏:‏ إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فيك‏: إنك من أهل الجنة فأخبرني ما عملك‏؟‏ فائت الذي أخبرك حتى يخبرك بعملي فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال‏: ائته فمره أن يخبرك فقلت‏:‏ إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرك أن تخبرني‏.‏ قال‏:‏ أما الآن فنعم فقال‏:‏ لو كانت الدنيا لي فأخذت مني لم أحزن عليها، ولو أعطيتها لم أفرح بها وأبيت وليس في قلبي غل على أحد قال عبدالله‏:‏ لكني والله أقوم الليل وأصوم النهار ولو وهبت لي شاة لفرحت بها، ولو ذهبت لحزنت عليها، والله لقد فضلك الله علينا فضلاً بيناً‏‏ "‏‏. تفسير : وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس ‏{‏ألم تر إلى الذين نافقوا‏} ‏ قال عبدالله بن أبيّ بن سلول ورفاعة بن تابوت وعبدالله بن نبتل وأوس بن قيظي وإخوانهم بنو النضير‏.‏ وأخرج ابن إسحق وابن المنذر وأبو نعيم في الدلائل عن ابن عباس أن رهطاً من بني عوف بن الحارث منهم عبدالله بن أبيّ بن سلول ووديعة بن مالك وسويد وداعس بعثوا إلى بني النضير أن اثبتوا وتمنعوا فإنا لا نسلمكم، وإن قوتلتم قاتلنا معكم، وإن خرجتم خرجنا معكم، فتربصوا ذلك من نصرهم فلم يفعلوا وقذف الله الرعب في قلوبهم، فسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجليهم، ويكف عن دمائهم، على أن لهم ما حملت الإِبل من أموالهم إلا الحلقة، ففعل، فكان الرجل منهم يهدم بيته فيضعه على ظهر بعيره فينطلق به فخرجوا إلى خيبر ومنهم من سار إلى الشام‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي قال‏:‏ قد أسلم ناس من أهل قريظة والنضير، وكان فيهم منافقون، وكانوا يقولون لأهل النضير‏:‏ لئن أخرجتم لنخرجن معكم، فنزلت فيهم هذه الآية ‏{‏ألم تر إلى الذين نافقوا يقولون لإِخوانهم‏}‏ الآية‏. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في قوله‏:‏ ‏ {‏ألم تر إلى الذين نافقوا‏} ‏ قال‏:‏ عبدالله بن أبيّ بن سلول ورفاعة بن تابوت وعبدالله بن نبتل وأوس بن قيظي ‏ {‏يقولون لإِخوانهم‏}‏ قال‏:‏ النضير ‏ {‏بأسهم بينهم شديد‏} ‏ قال‏:‏ بالكلام ‏ {‏تحسبهم جميعاً وقلوبهم شتى‏} ‏ قال‏:‏ المنافقون يخالف دينهم دين النضير ‏ {‏كمثل الذين من قبلهم قريباً‏} ‏ قال‏:‏ كفار قريش يوم بدر‏.‏ وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله‏:‏ ‏{‏تحسبهم جميعاً وقلوبهم شتى‏}‏ قال‏:‏ كذلك أهل الباطل مختلفة شهادتهم، مختلفة أهواؤهم، مختلفة أعمالهم، وهم مجتمعون في عداوة أهل الحق ‏{‏كمثل الذين من قبلهم قريباً‏} ‏ قال‏:‏ هم بنو النضير‏. وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس ‏{‏تحسبهم جميعاً وقلوبهم شتى‏} ‏ قال‏:‏ هم المشركون‏.‏ وأخرج الديلمي عن علي قال‏:‏ المؤمنون بعضهم لبعض نصحاء وادّون وإن افترقت منازلهم، والفجرة بعضهم لبعض غششة خونة وإن اجتمعت أبدانهم‏.‏ وأخرج ابن المنذر عن مجاهد ‏ {‏كمثل الذين من قبلهم قريباً‏} ‏ قال‏:‏ هم كفار قريش يوم بدر‏.‏ وأخرج عبد الرزاق عن قتادة ‏{‏كمثل الذين من قبلهم قريباً‏} ‏ قال‏:‏ هم بنو النضير‏.‏

ابو السعود

تفسير : {وَٱلَّذِينَ جَاءوا مِن بَعْدِهِمْ} هم الذينَ هاجرُوا بعد ما قَوِيَ الإسلامُ أو التابعونَ بإحسانٍ وهم المؤمنونَ بعد الفريقينِ إلى يومِ القيامةِ ولذلك قيلَ إن الآيةَ قد استوعبتْ جميعَ المؤمنينَ، وأياً ما كان فالموصولُ مبتدأٌ خبرُهُ {يَقُولُونَ} الخ والجملةُ مسوقةٌ لمدحِهِم بمحبَّتِهِم لمنْ تقدَمَهُم من المؤمنينَ ومراعاتِهِم لحقوقِ الأخوةِ في الدينِ والسبقِ بالإيمانِ كما أنَّ ما عُطفتْ عليه من الجملةِ السابقةِ لمدحِ الأنصارِ، أيْ يدعونَ لهم {رَبَّنَا ٱغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوٰنِنَا} أيْ في الدينِ الذي هو أعزُّ وأشرفُ عندهُم من النسبِ {ٱلَّذِينَ سَبَقُونَا بِٱلإَيمَـٰنِ} وصفُوهُم بذلكَ اعترافاً بفضلِهِم {وَلاَ تَجْعَلْ فِى قُلُوبِنَا غِلاًّ} وقُرِىءَ غِمْراً وهُمَا الحقدُ {لِلَّذِينَ ءامَنُواْ} على الإطلاقِ {رَبَّنَا إِنَّكَ لَرَءوفٌ رَّحِيمٌ} أي مُبالغٌ في الرأفةِ والرحمةِ، فحقيقٌ بأنْ تجيبَ دُعاءَنَا.

اسماعيل حقي

تفسير : {والذين جاؤا من بعدهم} هم الذين هاجروا بعد ماقوى الاسلام فالمراد جاؤا الى المدينة او التابعون باحسان وهم الذين بعد الفريقين الى يوم القيامة ولذلك قيل ان الآية قد استوعبت جميع المؤمنين فالمراد حينئذ جاؤا الى فضاء الوجود وفى الحديث "حديث : مثل امتى مثل المطر لايدرى اوله خير ام آخره"تفسير : يعنى در منفعت وراحت همجون باران بهار انند بارانرانندكه اول آن بهترست ياآخر نفعى است عامر او عامه خلق را حال امت من همجنين است همان درويشان آخر الزمان آن شكستكان سرافكنده وهمين عزيزان وبزركوران صحابههمه برادرانند ودر مقام منفعت وراحت همه يكدست ويكسانند هم كالقطر حيث ماوقع نفع بر مثال بارانند ياران هركجاكه رسد نفع رساند هم در بوستان هم در خارستان هم بريحان وهم بر ام غيلان همجنين اهل اسلام درراحت يكديكر ورأفت بريكديكر يكسانند ويك نشانند {يقولون} خبر للموصول والجملة مسوقة لمدحهم بمحتبهم لمن تقدمهم من المؤمنين ومراعاتهم لحقوق الآخرة فى الدين والسبق بالايمان اى يدعون لهم قائلين {ربنا اغفر لنا} مافرط منا {ولاخواننا} أى فى الدين الذى هو اعز واشرف عندهم من النسب {الذين سبقونا بالايمان} وصفوهم بذلك اعترافا بفضلهم شعر : جو خواهى كه نامت بود جاودان مكن نام نيك بزركان نهان تفسير : قدموا انفسهم فى طلب المغفرة لما فى المشهور من ان العبد لابد أن يكون مغفورا له حتى يستجاب دعاؤه لغيره وفيه حكم بعدم قبول دعاء العاصين قبل أن يغفر لهم وليس كذلك كما دلت عليه الاخبار فلعل الوجه ان تقديم النفس كونها اقرب النفوس مع ان فى الاستغفار اقرارا بالذنب فالاحسن للعبد أن يرى اولا ذنب نفسه كذا فى بعض التفاسير يقول الفقير نفس المرء أقرب اليه من نفس غيره فكل جلب او دفع فهو انما يطلبه اولا لنفسه لاعطاء حق الاقدم واما غيره فهو بعده ومتأخر عنه وايضا ان ذنب نفسه مقطوع بالنسبة اليه واما ذنب غيره فمحتمل فلعل الله قد غفر له وهو لايدرى وايضا تقديمهم فى مثل هذا المقام لايخلوا عن سوء أدب وسوء ظن فى حق السلف {ولاتجعل فى قلوبنا غلا} اى حقدا وهو ذميمة فاحشة فورد المؤمن ليس بحقود يعنى كينه كش. قال الراغب الغل والغلول تدرع الخيانة والعداوة لان الغلالة اسم مايلبس بين الشعار والدثار وتستعار للدرع كما تستعار الدرع لها {للذين آمنوا} على اطلاق صحابة او تابعين وفيه اشارة الى أن الحقد على غيرهم لائق لغيرة الدين وان لم يكن الحسد لائقا (قال الشيخ سعدى) شعر : دلم خانه مهريارست وبس از ان مى نكنجد درو كين كس تفسير : {ربنا انك رؤف رحيم} اى مبالغ فى الرأفة والرحمة فحقيق بأن يجيب دعاءنا وفى الآية دليل على ان الترحم والاستغفار واجب على المؤمنين الآخرين للسابقين منهم لاسيما لآبائهم ولمعلمهم امور الدين قالت عائشة رضى الله عنها امروا أن يستغفروا لهم فسبوهم وفى الحديث "حديث : لاتذهب هذه الامة حتى يلعن آخرها اولها"تفسير : وعن عطاء قال قال عليه السلام "حديث : من حفظنى فى اصحابى كنت له يوم القيامة حافظا ومن شتم اصحابى فعليه لعنة الله والملائكة والناس اجمعين"تفسير : فالرافضة والخوارج ونحوهم شر الخلائق خارجون من اقسام المؤمنين لان الله تعالى رتبهم على ثلاثة منازل المهاجرين والانصار والتابعين الموصوفين بما ذكر الله فمن لم يكن من التابعين بهذه الصفة كان خارجا من اقسامهم قال حجة الاسلام الغزالى رحمه الله يحرم على الواعظ وغيره رواية مقتل الحسين رضى الله عنه وحكاياته وماجرى بين الصحابة من التشاجر والتخاصم فانه يهيج بغض الصحابة والطعن فيهم وهم اعلام الدين وماوقع بينهم من المنازعات فيحمل على محامل صحيحة فلعل ذلك الخطأ فى الاجتهاد لا لطلب الرياسة او الدنيا كما لايخفى وقال فى شرح الترغيب والترهيب المسمى بفتح القريب والحذر ثم الحذر من التعرض لما شجر بين الصحابة فانهم كلهم عدول خير القرون مجتهدون مصيبهم له اجران ومخطئهم له أجر واحد وقال الشيخ عز الدين بن عبدالسلام فى فصل آفات اللسان الخوض فى الباطل هو الكلام فى المعاصى كحكاية أحوال الوقاع ومجالس الخمور وتجبر الظلمة وحكاية مذاهب أهل الاهوآء وكذا حكاية ماجرى بين الصحابة رضى الله عنهم شعر : اى دل از من اكر بجويى بند رو باصحاب مصطفى دل بند همه ايشان آمده ذيشان خواهشى كن شفاعتى زيشان تفسير : وقال بعض أهل الاشارة ربنا اغفر لنا اى استر ظلمة وجودنا بنور وجودك واستر وجودات اخواننا الذين سبقونا بالايمان وهم الروح والسر والقلب السابقون فى السلوك من قرية النفس الى مدينة الروح المؤمنين بأن الفناء الوجودى الامكانى يستلزم الوجود الواجبى الحقانى ولاتجعل فى قلوبنا شك الاثنينية والغيرية للذين آمنوا باخوانية المؤمنين لقوله تعالى {أية : انما المؤمنون اخوة}تفسير : انك رؤف بمن شاهد الكثرة قائمة بالوحدة رحيم بمن شاهد الوحدة ظاهرة بالكثرة وفى تكرير ربنا اظهار لكمال الضراعة وفى الأثر "حديث : من حزبه أمر فقال خمس مرات ربنا انجاه الله مما يخاف"تفسير : قال الامام الرازى اعلم ان العقل يدل على تقديم ذكر الله فى الدعاء لان ذكر الله تعالى بالثناء والتعظيم بالنسبة الى جوهر الروح كالاكسير الاعظم بالنسبة الى النحاس فكما ان ذرة من الاكسير اذا وقعت على عالم النحاس انقلب الكل ذهبا ابريزا فكذا اذا وقعت ذرة من اكسير معرفة جلال الله تعالى على جوهر الروح قوى صفاء وكمل اشراقا ومتى صار كذلك كانت قوته أقوى وتأثيره اكمل وكان حضور الشىء المطلوب عنده اقوى واكمل وهذا هو السبب فى تقديم الدعاء بالثناء انتهى والوارد فى القرءآن من الدعاء مذكور غالبا بلفظ الرب فان على العبد أن يذكر اولا ايجاد الله واخراجه من العدم الى الوجود الذى هو أصل المواهب ويتفكر فى تربية الله اياه ساعة فساعة واما دعوات رسول الله عليه السلام فاكثرها الابتداء بقوله اللهم لانه مظهر الاسم الجامع وقد كان يجمع بينهما ويقول اللهم ربنا كما جمع عيسى عليه السلام وقال اللهم ربنا انزل علينا مائدة من السماء والله سميع الدعاء وقابل الرجاء

الجنابذي

تفسير : {وَٱلَّذِينَ جَآءُوا مِن بَعْدِهِمْ} عطف على المهاجرين، او على الفقراء، او على من هاجر اليهم عطف المفرد، او مبتدأٌ وخبره يقولون والمعنى الّذين يجيئون من بعد المهاجرين من مكّة او من سائر البلاد، او الّذين يجيئون من بعد المهاجرين والانصار من سائر المؤمنين من العدم الى الوجود {يَقُولُونَ رَبَّنَا ٱغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا ٱلَّذِينَ سَبَقُونَا بِٱلإِيمَانِ} اى سبقونا فى رتبة الايمان او سبقونا فى اصل الايمان والتّوصيف به لبيان وجه الاخوّة وانّها اخوة فى الدّين {وَلاَ تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ} اى حقداً {لِّلَّذِينَ آمَنُواْ رَبَّنَآ إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ} تجيب عبادك برأفتك.

فرات الكوفي

تفسير : {رَبَّنا اغْفِرْ لَنا ولاِخْوانِنا الَّذينَ سَبَقونا بِالإيمانِ 10} قال: حدثني محمد بن عيسى الدهقان معنعناً: عن ابن عباس رضي الله عنه قال: قول الله [تعالى. ر] {ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلاً للذين آمنوا ربنا إنك رؤف رحيم} فقال ابن عباس رضي الله عنه: هم ثلاثة نفر: مؤمن آل فرعون وحبيب النجار صاحب مدينة أنطاكية وعلي بن أبي طالب عليه السلام.

الهواري

تفسير : قوله عز وجل: {وَالَّذِينَ جَآءُو مِن بَعْدِهِمْ} يعني بعد أصحاب النبي عليه السلام إلى يوم القيامة [فلم يبق أحد إلا وله في هذا المال حق أعطيه أو منعه] {يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ} أي: أصحاب النبي عليه السلام {وَلاَ تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ} أي: حسدا. وقال بعضهم: عداوة {لِّلَّذِينَ آمَنُواْ رَبَّنَآ إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ}. تفسير الحسن: إن من اتبعهم إلى يوم القيامة، وهي مثل التي في براءة (أية : وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ) تفسير : [التوبة:100] إلى يوم القيامة. ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه سلم قال: حديث : دعوا أصحابي ولا تسبوا أصحابي، فإن أحدكم لو أنفق كل يوم مثل جبل أحد لم يبلغ مد أحدهم . تفسير : ذكروا عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : إذ ذكر القدر فأمسكوا، وإذا ذكر أصحابي فأمسكوا، وإذا ذكرت النجوم فأمسكوا . تفسير : ذكر النضر قال: سمعت أبا قلابة يقول لأيوب: يا أيوب، احفظ علي ثلاثا: لا تجالس أهل البدع ولا تسمع منهم، ولا تفسر القرآن برأيك، فإنك لست من ذلك في شيء، وانظر إلى هؤلاء الرهط من أصحاب النبي ولا تذكرنهم إلا بخير.

اطفيش

تفسير : {وَالَّذِينَ جَآءُو مِن بَعْدِهِمْ} هم الذين هاجروا بعد قوة الاسلام وقيل: التابعون بإحسان الى يوم القيامة فالآية عمت المؤمنين والهاء للمهاجرين الاولين وهو مذهب الجمهور وقال الفراء: اراد الفرقة الثلاثة وهي من آمن في آخر مدة النبي صلى الله عليه وسلم. {يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا} في الدين {الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِى قُلُوبِنَا غِلاًّ} حقدا أو حسدا أو اعتقاداً رديئاً وبغضاً. {لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ} فحقيق ان تجيب دعاءنا والذين معطوف على ما مر ويقولون حال أو مبتدأ وخبر المشهور الاول وعن ابي الدرداء وام الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم "حديث : دعوة المسلم لاخيه بظهر الغيب مستجابة عند رأسه ملك كلما دعا قال آمين"تفسير : ولك مثله قال مالك من كان له في احد من الصحابة رأي سوء أو بغض فلا حظ له في فيء المسلمين وتلا ما أفاء الله إلى رؤوف رحيم. قال الحسن: ادركت ثلاثمائة من اصحاب النبي صلى الله عليه وسلم منهم سبعون بدرياً كلهم يحدث عنه صلى الله عليه وسلم حديث : من فارق الجماعة قيد شبر فقد خلع ربقة الاسلام من عنقه ولا تسبوا الصحابة ولا تماروا في دين الله ولا تكفروا احدا من أهل التوحيد بذنب أي لا تشركوه تفسير : وكذا قال ابو امامة وابو الدرداء وواثلة وانس كل يحدث ذلك عنه صلى الله عليه وسلم وعنه "حديث : أدعوا إِلى أًصحابي لا تسبوهم فإن احدكم لو أًنفق كل يوم مثل جبل أُحد لم يبلغ مد أًحدهم"تفسير : وعنه صلى الله عليه وسلم "حديث : الله الله في اصحابي لا تتخذوهم غرضا بعدي فمن احبهم فبحبي احبهم ومن ابغضهم فببغضي ابغضهم ومن آذاهم فقد آذاني ومن آذاني فقد آذى الله أي عصاه ومن اذاه يوشك ان يأخذه ". تفسير : وقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : إذا ذكر القدر فامسكوا أي عن الخوض فيه بما لا يليق وامنوا به واثبتوه لله واذا ذكر اصحابي فامسكوا واذا ذكر النجوم فامسكوا"تفسير : قالت عائشة رضي الله عنها لعروة بن الزبير: "حديث : يا ابن اختي امروا ان يستغفروا لاصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فسبوهم"تفسير : قال ابو قلابة لايوب: يا ايوب احفظ عني ثلاثا لا تجالس اهل البدع ولا تسمع منهم ولا تفسر القرآن برأيك فإنك لست من ذلك في شيء وانظر الى هؤلاء الرهط من اصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ولا تذكرنهم إلا بخير وقد رتب الله المؤمنين على ثلاث منازل المهاجرين والانصار والتابعين باحسان ومن لم يكن واحدا منهم لاحظ له في الاسلام. وقال الشعبي: يا مالك تفاضلت اليهود والنصاري على الرافضة سئلت اليهود من خير اهل ملتكم قالوا اصحاب موسى وسئلت النصارى من خير اهل ملتكم قالوا حواري عيسى وسئلت الرافضة من شر اهل ملتكم فقالوا اصحاب محمد صلى الله عليه وسلم امروا ان يستغفروا لهم فسبوهم والسيف مسلول عليهم الى القيامة لاتقوم لهم راية ولا يثبت لهم قدم ولا تجتمع لهم كلمة كلما اوقدوا نارا للحرب اطفاها الله وقيل لعائشة رضي الله عنها: ان ناساً يتناولون اصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى ابا بكر وعمر فقالت: ما تعجبون من هذا انقطع عنهم العمل واحب الله ان لا ينقطع عنهم الاجر. وسمع ابن عباس رجلا بنى لهم فقال أمن المهاجرين انت؟ قال لا قال: فمن الانصار؟ قال لا قال: فإنا اشهد انك لست من التابعين لهم باحسان وقالت اصحابنا بكل ذلك إلا من احدث ولم يتب فإنه لا يترحم له عندهم ويتبرأ منه كما تبرأت عائشة وغيرها. فمن احدث وكيف لا توالي من لم يحدث وقد بذلوا جهدهم في الطاعة حديث : روي أًن رجلا من المهاجرين قام ثلاثة ايام صائما لا يجد ما يفطر عليه وفطن به مسلم اسمه ثابت بن قيس فقال لاهله ان أخا لي لضيف لي فإذا وضعتم طعامكم فليقم احدكم الى السراج كانه يصلحة فليطفه ثم اضربوا بايديكم كأنكم تأكلون ولا تأكلوا حتى يشبع ففعلوا وانما كان طعامهم خبزة ولما اصبح غدا الى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا ثابت لقد رضي الله فعلكما البارحة بضيفكم تفسير : ونزل ويؤثرون على انفسهم الخ.... وقدم عبد الرحمن بن عوف عليه صلى الله عليه وسلم ووجد معه سعيد بن ربيع الانصاري فقال له سعيد اقاسمك مالي نصفين وكان ذا غنى ولي امرأتان ايهما اعجبتك طلقتها فتزوجها فقال له: بارك الله لك في مالك واهلك دلوني على السوق فما رجع حتى قضى اقطا كثيراً وسمنا وتمرا فجاء بذلك الى منزلة فمكثا ما شاء الله فرأى صلى الله عليه وسلم اثر صفرة في صدره فقال: "حديث : ما هذا قال: تزوجت امرأة من الانصار قال: ما سقت اليها قال: نواة من ذهب أو ورق فقال: أولم ولو بشاة . تفسير : وروي انه اعطى صلى الله عليه وسلم من غنائم خيبر الاقرع بن حابس مائة من الابل واعطى عيينه مائة فقال اناس من الانصار: يعطي النبي صلى الله عليه وسلم غنائما رجالا سيوفنا تقطر من دمائهم وسيوفهم تقطر في دمائنا واجتمعت فقال: "هل فيكم غيركم فقالوا: لا يا رسول الله إلا ابن اخت لنا فقال: اين اخت القوم منهم فقال: يا معشر الانصار الا ترضون ان يذهب الناس بالدنيا وبالشاة والابل وتذهبون انتم بمحمد الى دياركم قالوا: بلى قال: لو أخذ الناس واديا وأخذ الأنصار شعبا لسلكت شعب الأنصار، الانصار كرشي وعيبتي ولولا الهجرة لكنت امرأ من الأنصار.

الالوسي

تفسير : وقوله تعالى: {وَٱلَّذِينَ جَاءوا مِن بَعْدِهِمْ } عطف عند الأكثرين أيضاً على { أية : الْمُهَـٰجِرِينَ } تفسير : [الحشر: 8]، والمراد بهؤلاء قيل: الذين هاجروا حين قوي الإسلام، فالمجيء حسي وهو مجيئهم إلى المدينة، وضمير {مّن بَعْدِهِمْ } للمهاجرين الأولين، وقيل: هم المؤمنون بعد الفريقين إلى يوم القيامة، فالمجيء إما إلى الوجود أو إلى الإيمان وضمير {مّن بَعْدِهِمْ } للفريقين المهاجرين والأنصار، وهذا هو الذي يدل عليه كلام عمر رضي الله تعالى عنه وكلام كثير من السلف كالصريح فيه، فالآية قد استوعبت جميع المؤمنين. وجملة قوله تعالى: {يَقُولُونَ } الخ حالية، وقيل: استئناف. {رَبَّنَا ٱغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوٰنِنَا } أي في الدين الذي هو أعز وأشرف عندهم من النسب {ٱلَّذِينَ سَبَقُونَا بِٱلإَيمَـٰنِ } وصفوهم بذلك اعترافاً بفضلهم {وَلاَ تَجْعَلْ فِى قُلُوبِنَا غِلاًّ } أي حقداً، وقرىء غمراً {لِلَّذِينَ ءامَنُواْ } على الإطلاق {رَبَّنَا إِنَّكَ رَءوفٌ رَّحِيمٌ } أي مبالغ في الرأفة والرحمة، فحقيق بأن تجيب دعاءنا. وفي الآية حث على الدعاء للصحابة وتصفية القلوب من بغض أحد منهم، وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وجماعة عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: أمروا أن يستغفروا لأصحاب النبـي صلى الله عليه وسلم فسبوهم ثم قرأت هذه الآية {وَٱلَّذِينَ جَاءوا } الخ. وأخرج ابن مردويه عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أنه سمع رجلاً وهو يتناول بعض المهاجرين فدعاه / فقرأ عليه { أية : لِلْفُقَرَاء الْمُهَـٰجِرِينَ } تفسير : [الحشر: 8] الآية، ثم قال: هؤلاء المهاجرون أفمنهم أنت؟ قال: لا، ثم قرأ عليه { أية : وَٱلَّذِينَ تَبَوَّءوا ٱلدَّارَ وَٱلإيمَـٰنَ } تفسير : [الحشر: 9] الآية، ثم قال: هؤلاء الأنصار أفمنهم أنت؟ قال: لا. ثم قرأ عليه {وَٱلَّذِينَ جَاءوا مِن بَعْدِهِمْ } الآية، ثم قال: أفمن هؤلاء أنت؟ قال: أرجو، قال: لا والله ليس من هؤلاء من سب هؤلاء. وفي رواية أن ابن عمر رضي الله تعالى عنه بلغه أن رجلاً نال من عثمان رضي الله تعالى عنه فدعاه فقرأ عليه الآيات وقال له ما قال. وقال الإمام مالك: من كان له في أحد من الصحابة رضي الله تعالى عنهم قول سيء أو بغض فلا حظَّ له في الفىء أخذاً من هذه الآية. وفيها ما يدل على ذم الغل لأحد من المؤمنين، وفي حديث أخرجه الحكيم الترمذي والنسائي عن أنس رضي الله تعالى عنه « حديث : أن النبـي صلى الله عليه وسلم قال: في أيام ثلاثة يطلع عليكم الآن رجل من أهل الجنة فطلع فيها رجل من الأنصار فبات معه عبد الله بن عمرو بن العاص ثلاث ليال مستكشفاً حاله فلم ير له كثير عمل فأخبره الخبر فقال له: ما هو إلا ما رأيت غير أني لا أجد في نفسي غلاً لأحد من المسلمين ولا أحسده على خير أعطاه الله تعالى إياه فقال له عبد الله: هذه التي بلغت بك وهي التي لا نطيق ـ وفي رواية ـ أنه قال: لو كانت الدنيا لي فأخذت مني لم أحزن عليها ولو أعطيتها لم أفرح بها وأبيت وليس في قلبـي غل على أحد فقال عبد الله: لكني أقوم الليل وأصوم النهار ولو وهبت لي شاة لفرحت بها ولو ذهبت لحزنت عليها والله لقد فضلك الله تعالى علينا فضلاً بيناً » تفسير : . هذا وذهب بعضهم إلى أن قوله تعالى: { أية : وَٱلَّذِينَ تَبَوَّءوا } تفسير : [الحشر: 9] الخ مبتدأ، وجملة {يُحِبُّونَ } الخ خبره، والكلام استئناف مسوق لمدح الأنصار، وجوز كون ذلك معطوفاً على {أُوْلَـٰئِكَ } فيفيد شركة الأنصار للمهاجرين في الصدق، وجملة {يُحِبُّونَ } الخ إما استئناف مقرر لصدقهم أو حال من ضمير {تبوأوا} وإلى أن قوله تعالى: {وَٱلَّذِينَ جَاءوا } الخ مبتدأ؛ وجملة {يَقُولُونَ } الخ خبره، والجملة معطوفة على الجملة السابقة مسوقة لمدح هؤلاء بمحبتهم من تقدمهم من المؤمنين ومراعاتهم لحقوق الأخوة في الدين والسبق بالإيمان كما أن ما عطفت عليه من الجملة السابقة لمدح الأنصار. واستدل لعدم عطف { أية : ٱلَّذِينَ تَبَوَّءوا } تفسير : [الحشر: 9] على { أية : الْمُهَـٰجِرِينَ } تفسير : [الحشر: 8] بما روى حديث : أن النبـي عليه الصلاة والسلام قسم أموال بني النضير على المهاجرين ولم يعط الأنصار إلا ثلاثة كما تقدم، وقال عليه الصلاة والسلام لهم:إن شئتم قسمتم للمهاجرين من أموالكم ودياركم وشاركتموهم من هذه الغنيمة وإن شئتم كانت لكم دياركم وأموالكم ولم يقسم لكم شيء من الغنيمة فقالوا: بل نقسم لهم ـ أي للمهاجرين ـ من أموالنا وديارنا ونؤثرهم بالغنيمة ولا نشاركهم فيها » تفسير : فنزلت الآية {وَٱلَّذِينَ تَبَوَّءوا ٱلدَّارَ وَٱلإيمَـٰنَ } إلى آخره، وبعض القائلين بالعطف يقولون: إن قوله تعالى: {وَٱلَّذِينَ تَبَوَّءوا} الخ بيان لحكم الأخماس الأربعة على معنى أن له عليه الصلاة والسلام أن يعم الناس بها حسن اختياره وأن الأنصار مصرف من المصارف، ولكن قد اختار صلى الله عليه وسلم أن يكون إعطاؤهم بالشرط الذي ذكره عليه الصلاة والسلام لهم، وهم اختاروا ما اختاروا إيثاراً منهم، وذلك لا يخرجهم عن كونهم مصرفاً بل في قوله تعالى: { أية : وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ } تفسير : [الحشر: 9] رمز إليه على أن في الأخبار ما هو أصح وأصرح في الدلالة على عطفهم على ما تقدم، وأنهم يعطون من الفيء، وكذا عطف {ٱلَّذِينَ جَاءوا مِن بَعْدِهِمْ } فقد أخرج البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن حبان وغيرهم عن مالك بن أوس بن الحدثان في حديث طويل أن عمر رضي الله تعالى عنه قال ـ أي في قضاء بين علي كرم الله تعالى وجهه وعمه العباس رضي الله تعالى عنه في فدك، وقد كان عمر دفعها إليهما وأخذ عليهما عهد الله تعالى على أن / يعملا فيها بما كان رسول الله عليه الصلاة والسلام يعمل به فيها فتنازعا ـ إن الله تعالى قال: { أية : وَمَّا أَفَاء ٱللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلاَ رِكَابٍ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يُسَلّطُ رُسُلَهُ عَلَىٰ مَن يَشَاء وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلّ شَىْء } تفسير : [الحشر: 6] فكانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم خاصة، ثم قال سبحانه: { أية : مَّا أَفَاء ٱللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ ٱلْقُرَىٰ فَٱلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِى ٱلْقُرْبَىٰ } تفسير : [الحشر: 7] إلى آخر الآية، ثم والله ما أعطاها هؤلاء وحدهم حتى قال تعالى: { أية : لِلْفُقَرَاء الْمُهَـٰجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُواْ مِن دِيَـٰرِهِمْ وَأَمْوٰلِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ ٱللَّهِ وَرِضْوٰناً وَيَنصُرُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَـئِكَ هُمُ ٱلصَّـٰدِقُونَ } تفسير : [الحشر: 8]، ثم والله ما جعلها لهؤلاء وحدهم حتى قال سبحانه: {وَٱلَّذِينَ جَاءوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا ٱغْفِرْ لَنَا } إلى قوله تعالى: {رَّحِيمٌ } فقسمها هذا القسم على هؤلاء الذين ذكر، ولئن بقيت ليأتين الرويعي بصنعاء حقه ودمه في وجهه. وظاهر هذا الخبر يقتضي أن للمهاجرين سهماً غير السهام السابقة، فلا يكون {لِلْفُقَرَاء } بدل من {لِذِى ٱلْقُرْبَىٰ} وما بعده ولا مما بعده دونه، وكذا ظاهر ما في مصحف عبد الله وزيد بن ثابت كما أخرجه ابن الأنباري في «المصاحف» عن الأعمش ـ ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فاللّه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والمهاجرين في سبيل الله ـ على أن الإبدال يقتضي ظاهراً كون اليتامى مهاجرين أخرجوا من ديارهم وأموالهم إلى آخر الصفات، وفي صدق ذلك عليهم بعد، وكذا يقتضي كون ابن السبيل كذلك، وفيه نوع بعد أيضاً كما لا يخفى فلعله اعتبر تعلقه بفعل محذوف والجملة استئناف بياني، وذلك أنهم كانوا يعلمون أن الخمس يصرف لمن تضمنه قوله تعالى: { أية : فَٱلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِى ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْيَتَـٰمَىٰ وَٱلْمَسَـٰكِينِ وَٱبْنِ ٱلسَّبِيلِ } تفسير : [الحشر: 7] فلما ذكر ذلك انقدح في أذهانهم أن المذكورين مصرف الخمس ولم يعلموا مصرف الأخماس الأربعة الباقية فكأنهم قالوا: فلمن تكون الأخماس الأربعة الباقية، أو فلمن يكون الباقي؟ فقيل: تكون الأخماس الأربعة الباقية أو يكون الباقي للفقراء المهاجرين إلى آخره، ولم أر من تعرض لذلك فتأمل، والله تعالى الهادي إلى أحسن المسالك.

ابن عاشور

تفسير : عطف على {أية : والذين تبوءو الدار}تفسير : [الحشر: 9] على التفسيرين المتقدمين؛ فأما على رأي من جعلوا {أية : والذين تبوءو الدار}تفسير : [الحشر: 9] معطوفاً على {أية : للفقراء المهاجرين}تفسير : [الحشر: 8] جعلوا {الذين جاؤوا من بعدهم} فريقاً من أهل القُرى، وهو غير المهاجرين والأنصار بلْ هو من جاء إلى الإِسلام بعد المهاجرين والأنصار، فضمير {من بعدهم} عائد إلى مجموع الفريقين. والمجيء مستعمل للطروِّ والمصير إلى حالة تماثل حالهم، وهي حالة الإِسلام، فكأنهم أتوا إلى مكان لإِقامتهم، وهذا فريق ثالث وهؤلاء هم الذين ذُكروا في قوله تعالى بعدَ ذكر المهاجرين والأنصار {أية : والذين اتَّبعوهم بإحسان}تفسير : [التوبة: 100] أي اتبعوهم في الإِيمان. وإنما صيغ {جاءوا} بصيغة الماضي تغليباً لأن من العرب وغيرهم من أسلموا بعد الهجرة مثل غِفارة، ومُزينة، وأسلم، ومثل عبد الله بن سَلاَم، وسلمان الفارسي، فكأنه قيل: الذين جاؤوا ويجيئون، بدلالة لحن الخطاب. والمقصود من هذا: زيادة دفع إيهام أن يختص المهاجرون بما أفاء الله على رسوله صلى الله عليه وسلم من أهل القرى كما اختصهم النبي صلى الله عليه وسلم بفيْء بني النضير. وقد شملت هذه الآية كل من يوجد من المسلمين أبد الدهر، وعلى هذا جرى فهم عمر بن الخطاب رضي الله عنه. روى البخاري من طريق مالك عن زيد بن أسلم عن أبيه قال: قال عمر: لولا آخر المسلمين ما فتحت قرية إلا قسمتها بين أهلها (أي الفاتحين) كما قسم النبي صلى الله عليه وسلم خيبر. وذكر القرطبي: أن عمر دعا المهاجرين والأنصار واستشارهم فيما فتح الله عليه وقال لهم: تثبتوا الأمر وتدبروه ثم اغدوا عليَّ فلما غدَوا عليه قال: قد مررت بالآيات التي في سورة الحشر وتلا {أية : ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى}تفسير : (7) إلى قوله: {أية : أولئك هم الصادقون}تفسير : (8). قال: ما هي لهؤلاء فقط وتلا قوله: {والذين جاءوا من بعدهم} إلى قوله: {رؤوف رحيم} ثم قال: ما بقي أحد من أهل الإِسلام إلا وقد دخل في ذلك اهـ. وهذا ظاهر في الفيء، وأما ما فُتح عنوة فمسألة أخرى ولعمر بن الخطاب في عدم قسمته سوادَ العراق بين الجيش الفاتحين له عمل آخر، وهو ليس من غرضنا. ومحله كتب الفقه والحديث. والفريق من المفسرين الذين جعلوا قوله تعالى: {أية : والذين تبوءو الدار والإيمان}تفسير : [الحشر: 9] كلاماً مستأنفاً، وجعل {أية : يحبون من هاجر إليهم}تفسير : [الحشر: 9] خبراً عن اسم الموصول، جعلوا قوله: {والذين جاءوا من بعدهم} كذلك مستأنفاً. ومن الذين جعلوا قوله: {أية : والذين تبوءو}تفسير : [الحشر: 9] معطوفاً على {أية : للفقراء المهاجرين}تفسير : [الحشر: 8] من جعل قوله: {والذين جاءوا من بعدهم} مستأنفاً. ونسبه ابن الفرس في «أحكام القرآن» إلى الشافعي. ورأى أن الفيء إذا كان أرضاً فهو إلى تخيير الإِمام وليس يتعين صرفه للأصناف المذكورة في فيء بني النضير. وجملة {يقولون ربنا اغفر لنا} على التفسير المختار في موضع الحال من {الذين جاؤوا من بعدهم}. والغلّ بكسر الغين: الحسد والبغض، أي سألوا الله أن يطَهر نفوسهم من الغلّ والحسد للمؤمنين السابقين على ما أعطُوه من فضيلة صحبة النبي صلى الله عليه وسلم وما فُضّل به بعضهم من الهجرة وبعضهم من النصرة، فبيّن الله للذين جاؤا من بعدهم ما يكسبهم فضيلة ليست للمهاجرين والأنصار، وهي فضيلة الدعاء لهم بالمغفرة وانطواء ضمائرهم على محبتهم وانتفاء البغض لهم. والمراد أنهم يضمرون ما يدعون الله به لهم في نفوسهم ويرضوا أنفسهم عليه. وقد دلت الآية على أن حقاً على المسلمين أن يَذكروا سلفهم بخير، وأن حقاً عليهم محبة المهاجرين والأنصار وتعظيمهم، قال مالك: من كان يبغض أحداً من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم أو كان قلبه عليه غل فليس له حق في فيْء المسلمين، ثم قرأ {والذين جاءوا من بعدهم} الآية. فلعله أخذ بمفهوم الحال من قوله تعالى: {يقولون ربنا اغفر لنا} الآية، فإن المقصد من الثناء عليهم بذلك أن يضمروا مضمونه في نفوسهم فإذا أضمروا خلافه وأعلنوا بما ينافي ذلك فقد تخلف فيهم هذا الوصف، فإن الفيء عطية أعطاها الله تلك الأصناف ولم يكتسبوها بحق قتال، فاشترط الله عليهم في استحقاقها أن يكونوا محبين لسلفهم غير حاسدين لهم. وهو يعني إلا ما كان من شنآن بين شخصين لأسباب عادية أو شرعية مثل ما كان بين العباس وعليّ حين تحاكما إلى عمر، فقال العباس: اقض بيني وبين هذا الظالم الخائن الغادر. ومثل إقامة عمر حدّ القذف على أبي بَكرة. وأما ما جرى بين عائشة وعليّ من النزاع والقتال وبين عليّ ومعاوية من القتال فإنما كان انتصاراً للحق في كلا رأيَي الجانبين وليس ذلك لغلّ أو تنقص، فهو كضرب القاضي أحداً تأديباً له فوجب إمساك غيرهم من التحَزب لهم بعدهم فإنه وإن ساغ ذلك لآحادِهم لتكافىء درجاتهم أو تقاربها. والظنِّ بهم زوال الحزازات من قلوبهم بانقضاء تلك الحوادث، لا يسوغ ذلك للأذناب من بعدهم الذين ليسوا منهم في عير ولا نفير، وإنما هي مسحَة من حمية الجاهلية نَخرت عضد الأمة المحمدية.

د. أسعد حومد

تفسير : {جَآءُوا} {لإِخْوَانِنَا} {بِٱلإِيمَانِ} {آمَنُواْ} {رَءُوفٌ} (10) - وَهَؤُلاَءِ القِسْمُ الثَّالِثُ الذِينَ يَسْتَحِقُّ فُقَرَاءُهُمْ مِنْ مَالِ الفَيءِ، بَعْدَ المُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ، وَهُمُ المُتَّبِعُونَ لَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ، وَيَقُولُونَ: رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا، وَاغْفِرْ لإِخْوَانِنَا فِي الدِّينِ الذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ، وَلاَ تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا حَسَداً لِلمُؤْمِنينَ جَمِيعاً، وَلاَ حِقْداً عَلَيْهِمْ، وَأَنْتَ يَا رَبِّ الغَفُورُ الرَّحِيمُ. الغِلُّ - الحِقْدُ والحَسَدُ.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {وَلاَ تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ} يعني غِشاً.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : {وَٱلَّذِينَ جَآءُوا مِن بَعْدِهِمْ} [الحشر: 10] من القوى المؤمنة النفسية والقالبية، وإن لم يدركهم في المرتبة والمنزلة، ولكن {يَقُولُونَ رَبَّنَا ٱغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا ٱلَّذِينَ سَبَقُونَا بِٱلإِيمَانِ وَلاَ تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِّلَّذِينَ آمَنُواْ رَبَّنَآ إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ} [الحشر: 10] هم أيضاً يكونون من المفلحين لدعائهم لإخوانهم السابقين ومسألتهم من الله ألا يجعل في قلوبهم غلاً وحسداً على ما آتاهم الله بفضله وسعة رحمته، فحظ العامة من الأمة المحمدية ألا يظنوا من أصحاب الرسول رضي الله عنهم؛ ويدعوا لهم بالخير؛ فيعرفوا قدرهم على أنفسهم ولا يفتروا بكثرة مجاهداتهم التي يشتغلون بها؛ لأن السابقين جاهدوا مجاهدة، لو أن جاهدنا بأموالنا وأنفسنا وقاتلنا في معركة العدو أشد مقاتلة حتى قتلنا لا نصل بأدنى مجاهدة السابقين، وينبغي أن يفضلوهم على أنفسهم، وحظ السالك من هذه الآية أن يتواضع لأصحاب شيخه المتقدمين عليه، ويفضلهم على نفسه، ويدعو لهم بالخير، وحظ القوى النفسية والغالبية المؤمنة أن يؤثروا خواطر السرية وحظوظ القوى الحقوقية على أنفسهم، ويزكون الأعمال البدنية والذكر اللساني إذا أراد القوى الحقوقية والسرية أن يتنعموا بالوارد والذكر السري والقلبي أو الروحي أو الخفي، ويصبروا على ترك حظه من الأعمال البدنية، والأذكار اللسانية؛ لأن الله يرأف ويرحم بهم ويوصلهم إلى مرتبة لا يمكن الوصول إليها بالأعمال البدنية، والأذكار اللسانية بجذبته {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ نَافَقُواْ} [الحشر: 11] من القوى النفسية {يَقُولُونَ لإِخْوَانِهِمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ} [الحشر: 11] أي: من القوى السرية الجاحدة {لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلاَ نُطِيعُ فيكُمْ أَحَداً أَبَداً وَإِن قُوتِلْتُمْ لَنَنصُرَنَّكُمْ وَٱللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ} [الحشر: 11] لأنهم يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم، وإذا قذف الله الرعب من الحقوق التي كانت مستكنة في طينتهم؛ ليخرجوا بيوتهم بأيديهم صاروا متملقين {لَئِنْ أُخْرِجُواْ لاَ يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِن قُوتِلُواْ لاَ يَنصُرُونَهُمْ وَلَئِن نَّصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ ٱلأَدْبَارَ ثُمَّ لاَ يُنصَرُونَ} [الحشر: 12] لإدبارهم واشتغالهم بشهواتهم وضعف نياتهم خلاف أهل الكتاب؛ لأنهم كسبوا قوة من إيمانهم باللطيفة السرية من قبل إرسال اللطيفة الخفية.