Verse. 5137 (AR)

٥٩ - ٱلْحَشْر

59 - Al-Hashr (AR)

اَلَمْ تَرَ اِلَى الَّذِيْنَ نَافَقُوْا يَقُوْلُوْنَ لِاِخْوَانِہِمُ الَّذِيْنَ كَفَرُوْا مِنْ اَہْلِ الْكِتٰبِ لَىِٕنْ اُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلَا نُطِيْعُ فِيْكُمْ اَحَدًا اَبَدًا۝۰ۙ وَّاِنْ قُوْتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ۝۰ۭ وَاللہُ يَشْہَدُ اِنَّہُمْ لَكٰذِبُوْنَ۝۱۱
Alam tara ila allatheena nafaqoo yaqooloona liikhwanihimu allatheena kafaroo min ahli alkitabi lain okhrijtum lanakhrujanna maAAakum wala nuteeAAu feekum ahadan abadan wain qootiltum lanansurannakum waAllahu yashhadu innahum lakathiboona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«ألم ترْ» تنظر «إلى الذين نافقوا يقولون لإخوانهم الذين كفروا من أهل الكتاب» وهم بنو النضير وإخوانهم في الكفر «لئن» لام قسم في الأربعة «أخرجتم» من المدينة «لنخرجن معكم ولا نطيع فيكم» في خذلانكم «أحدا أبدا وإن قوتلتم» حذفت منه اللام الموطئة «لننصرنكم والله يشهد إنهم لكاذبون».

11

Tafseer

الرازي

تفسير : قال المقاتلان: يعني عبد الله بن أبي، وعبد الله بن نبتل، ورفاعة بن زيد، كانوا من الأنصار، ولكنهم نافقوا يقولون لإخوانهم، وهذه الأخوة تحتمل وجوهاً أحدها: الأخوة في الكفر لأن اليهود والمنافقين كانوا مشتركين في عموم الكفر بمحمد صلى الله عليه وسلم وثانيها: الأخوة بسبب المصادقة والموالاة والمعاونة وثالثها: الأخوة بسبب ما بينهما من المشاركة في عداوة محمد صلى الله عليه وسلم، ثم أخبر تعالى عنهم أنهم قالوا لليهود: {لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ } من المدينة {لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلاَ نُطِيعُ فيكُمْ } أي في خذلانكم {أَحَداً أَبَداً } ووعدوهم النصر أيضاً بقولهم: {وَإِن قُوتِلْتُمْ لَنَنصُرَنَّكُمْ } ثم إنه تعالى شهد على كونهم كاذبين في هذا القول فقال: {وَٱللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَـٰذِبُونَ }. ولما شهد على كذبهم على سبيل الإجمال أتبعه بالتفصيل فقال:

القرطبي

تفسير : تعجُّبٌ من اغترار اليهود بما وعدهم المنافقون من النصر مع علمهم بأنهم لا يعتقدون ديناً ولا كتاباً. ومن جملة المنافقين عبد الله بن أبَيّ بن سَلُول، وعبد الله بن نَبْتَل، ورفاعة بن زيد. وقيل: رافعة بن تابوت، وأوْس بن قَيْظِيّ، كانوا من الأنصار ولكنهم نافقوا، وقالوا ليهود قُريظة والنَّضير. {لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ}. وقيل: هو من قول بني النَّضير لقُرَيْظة. وقوله: {وَلاَ نُطِيعُ فيكُمْ أَحَداً أَبَداً} يعنون محمداً صلى الله عليه وسلم؛ لا نطيعه في قتالكم. وفي هذا دليل على صحة نُبُوة محمدٍ صلى الله عليه وسلم من جهة علم الغيب؛ لأنهم أخرجوا فلم يخرجوا، وقوتلوا فلم ينصروهم؛ كما قال الله تعالى: {وَٱللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ} أي في قولهم وفعلهم.

البيضاوي

تفسير : {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ نَـٰفَقُواْ يَقُولُونَ لإِخْوَانِهِمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ } يريد الذين بينهم وبينهم أخوة الكفر أو الصداقة والموالاة. {لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ } من دياركم. {لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلاَ نُطِيعُ فيكُمْ } في قتالكم أو خذلانكم. {أَحَداً أَبَداً } أي من رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين. {وَإِن قُوتِلْتُمْ لَنَنصُرَنَّكُمْ } لنعَاوننكم. {وَٱللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَـٰذِبُونَ } لعلمه بأنهم لا يفعلون ذلك كما قال: {لَئِنْ أُخْرِجُواْ لاَ يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِن قُوتِلُواْ لاَ يَنصُرُونَهُمْ } وكان كذلك فإن ابن أبي وأصحابه راسلوا بني النضير بذلك ثم أخلفوهم، وفيه دليل على صحة النبوة وإعجاز القرآن. {وَلَئِن نَّصَرُوهُمْ } على الفرض والتقدير. {لَيُوَلُّنَّ ٱلأَدْبَـٰرَ} انهزاماً. {ثُمَّ لاَ يُنصَرُونَ } بعد بل يخذلهم الله ولا ينفعهم نصرة المنافقين، أو نفاقهم إذ ضمير الفعلين يحتمل أن يكون لليهود وأن يكون للمنافقين. {لأَنتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً} أي أشد مرهوبية مصدر للفعل المبني للمفعول. {فِى صُدُورِهِمْ } فإنهم كانوا يضمرون مخافتهم من المؤمنين. {مِنَ ٱللَّهِ} على ما يظهرونه نفاقاً فإن استبطان رهبتكم سبب لإِظهار مرهبة الله. {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُونَ } لا يعلمون عظمة الله حتى يخشوه حق خشيته ويعلموا أنه الحقيق بأن يخشى. {لاَ يُقَـٰتِلُونَكُمْ} اليهود والمنافقون. {جَمِيعاً} مجتمعين متفقين. {إِلاَّ فِى قُرًى مُّحَصَّنَةٍ} بالدروب والخنادق. {أَوْ مِن وَرَاء جُدُرٍ} لفرط رهبتهم، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو «جدار» وأمال أبو عمرو فتحة الدال. {بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ} أي وليس ذلك لضعفهم وجبنهم فإنه يشتد بأسهم إذا حارب بعضهم بعضاً، بل لقذف الله الرعب في قلوبهم ولأن الشجاع يجبن والعزيز يذل إذا حارب الله ورسوله. {تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً} مجتمعين متفقين. {وَقُلُوبُهُمْ شَتَّىٰ} متفرقة لافتراق عقائدهم واختلاف مقاصدهم. {ذٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْقِلُونَ} ما فيه صلاحهم وإن تشتت القلوب يوهن قواهم. {كَمَثَلِ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ } أي مثل اليهود كمثل أهل بدر، أو بني قينقاع إن صح أنهم أخرجوا قبل النضير، أو المهلكين من الأمم الماضية. {قَرِيبًا} في زمان قريب وانتصابه بمثل إذ التقدير كوجود مثل. {ذَاقُواْ وَبَالَ أَمْرِهِمْ } سوء عاقبة كفرهم في الدنيا. {وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } في الآخرة. {كَمَثَلِ ٱلشَّيْطَـٰنِ } أي مثل المنافقين في إغراء اليهود على القتال كمثل الشيطان. {إِذْ قَالَ لِلإِنسَـٰنِ ٱكْفُرْ } أغراه على الكفر إغراء الآمر المأمور. {فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنّى بَرِىءٌ مّنكَ إِنّى أَخَافُ ٱللَّهَ رَبَّ ٱلْعَـٰلَمِينَ } تبرأ منه مخافة أن يشاركه في العذاب ولم ينفعه ذلك كما قال. {فَكَانَ عَـٰقِبَتَهُمَا أَنَّهُمَا فِى ٱلنَّارِ خَـٰلِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاء ٱلظَّـٰلِمِينَ } والمراد من الإِنسان الجنس. قيل أبو جهل قال له إبليس يوم بدر {أية : لاَ غَالِبَ لَكُمُ ٱلْيَوْمَ مِنَ ٱلنَّاسِ وَإِنّي جَارٌ لَّكُمْ }تفسير : [الأنفال: 48] الآية. وقيل راهب حمله على الفجور والارتداد وقرىء {عَـٰقِبَتَهُمَا } و «خالدان» على أنه خبر إن و {فِى ٱلنَّارِ} لغو.

ابن كثير

تفسير : يخبر تعالى عن المنافقين كعبد الله بن أبي وأضرابه، حين بعثوا إلى يهود بني النضير يعدونهم النصر من أنفسهم، فقال تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ نَـٰفَقُواْ يَقُولُونَ لإِخْوَانِهِمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلاَ نُطِيعُ فيكُمْ أَحَداً أَبَداً وَإِن قُوتِلْتُمْ لَنَنصُرَنَّكُمْ} قال الله تعالى: {وَٱللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَـٰذِبُونَ} أي: لكاذبون فيما وعدوهم به، إما لأنهم قالوا لهم قولاً، ومن نيتهم أن لا يفوا لهم به، وإما لأنهم لا يقع منهم الذي قالوه، ولهذا قال تعالى: {وَلَئِن قُوتِلُواْ لاَ يَنصُرُونَهُمْ} أي: لا يقاتلون معهم، {وَلَئِن نَّصَرُوهُمْ} أي: قاتلوا معهم، {لَيُوَلُّنَّ ٱلأَدْبَـٰرَ ثُمَّ لاَ يُنصَرُونَ} وهذه بشارة مستقلة بنفسها، ثم قال تعالى: {لاََنتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِى صُدُورِهِمْ مِّنَ ٱللَّهِ} أي: يخافون منكم أكثر من خوفهم من الله كقوله: {أية : إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَخْشَوْنَ ٱلنَّاسَ كَخَشْيَةِ ٱللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً} تفسير : [النساء: 77] ولهذا قال تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُونَ}. ثم قال تعالى: {لاَ يُقَـٰتِلُونَكُمْ جَمِيعاً إِلاَّ فِى قُرًى مُّحَصَّنَةٍ أَوْ مِن وَرَآءِ جُدُرٍ} يعني: أنهم من جبنهم وهلعهم لا يقدرون على مواجهة جيش الإسلام بالمبارزة والمقاتلة، بل إما في حصون، أو من وراء جدر محاصرين، فيقاتلون للدفع عنهم ضرورة. ثم قال تعالى: {بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ} أي: عداوتهم فيما بينهم شديدة؛ كما قال تعالى: {أية : وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ} تفسير : [الأنعام: 65] ولهذا قال تعالى: {تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّىٰ} أي: تراهم مجتمعين، فتحسبهم مؤتلفين، وهم مختلفون غاية الاختلاف. قال إبراهيم النخعي: يعني أهل الكتاب والمنافقين {ذٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْقِلُونَ}. ثم قال تعالى: { كَمَثَلِ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ قَرِيباً ذَاقُواْ وَبَالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} قال مجاهد والسدي ومقاتل بن حيان: يعني كمثل ما أصاب كفار قريش يوم بدر. وقال ابن عباس: {كَمَثَلِ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ}، يعني: يهود بني قينقاع، وكذا قال قتادة، ومحمد بن إسحاق. وهذا القول أشبه بالصواب؛ فإن يهود بني قينقاع كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أجلاهم قبل هذا. وقوله تعالى: {كَمَثَلِ ٱلشَّيْطَـٰنِ إِذْ قَالَ لِلإِنسَـٰنِ ٱكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّى بَرِىۤءٌ مِّنكَ} يعني: مثل هؤلاء اليهود في اغترارهم بالذين وعدوهم النصر من المنافقين، وقول المنافقين لهم: لئن قوتلتم لننصرنكم، ثم لما حقت الحقائق، وجد بهم الحصار والقتال، تخلوا عنهم، وأسلموهم للهلكة، مثالهم في هذا كمثل الشيطان إذ سول للإنسان - والعياذ بالله ــــ الكفر، فإذا دخل فيما سول له، تبرأ منه، وتنصل وقال: {إِنِّىۤ أَخَافُ ٱللَّهَ رَبَّ ٱلْعَـٰلَمِينَ}. وقد ذكر بعضهم ههنا قصة لبعض عباد بني إسرائيل، هي كالمثال لهذا المثل، لا أنها المرادة وحدها بالمثل، بل هي منه مع غيرها من الوقائع المشاكلة لها، فقال ابن جرير: حدثنا خلاد بن أسلم، أخبرنا النضر بن شميل، أخبرنا شعبة عن أبي إسحاق، سمعت عبد الله بن نهيك قال: سمعت علياً رضي الله عنه يقول: إن راهباً تعبد ستين سنة، وإن الشيطان أراده فأعياه، فعمد إلى امرأة، فأجنها، ولها إخوة، فقال لإخوتها: عليكم بهذا القس فيداويها، قال: فجاؤوا بها إليه، فداواها وكانت عنده، فبينما هو يوماً عندها، إذ أعجبته، فأتاها فحملت، فعمد إليها فقتلها، فجاء إخوتها، فقال الشيطان للراهب: أنا صاحبك، إنك أعييتني، أنا صنعت هذا بك، فأطعني أنجك مما صنعت بك، فاسجد لي سجدة، فسجد له، فلما سجد له، قال: إني بريء منك، إني أخاف الله رب العالمين، فذلك قوله: {كَمَثَلِ ٱلشَّيْطَـٰنِ إِذْ قَالَ لِلإِنسَـٰنِ ٱكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّى بَرِىۤءٌ مِّنكَ إِنِّىۤ أَخَافُ ٱللَّهَ رَبَّ ٱلْعَـٰلَمِينَ}. وقال ابن جرير: حدثني يحيى بن إبراهيم المسعودي، حدثنا أبي عن أبيه عن جده عن الأعمش عن عمارة عن عبد الرحمن بن يزيد عن عبد الله بن مسعود في هذه الآية: { كَمَثَلِ ٱلشَّيْطَـٰنِ إِذْ قَالَ لِلإِنسَـٰنِ ٱكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّى بَرِىۤءٌ مِّنكَ إِنِّىۤ أَخَافُ ٱللَّهَ رَبَّ ٱلْعَـٰلَمِينَ} قال: كانت امرأة ترعى الغنم، وكان لها أربعة إخوة، وكانت تأوي بالليل إلى صومعة راهب، قال: فنزل الراهب، ففجر بها، فحملت، فأتاه الشيطان، فقال له: اقتلها ثم ادفنها؛ فإنك رجل مصدق يسمع قولك، فقتلها ثم دفنها، قال: فأتى الشيطان إخوتها في المنام، فقال لهم: إن الراهب صاحب الصومعة فجر بأختكم، فلما أحبلها، قتلها ثم دفنها في مكان كذا وكذا، فلما أصبحوا، قال رجل منهم: والله لقد رأيت البارحة رؤيا، ما أدري أقصها عليكم أم أترك؟ قالوا: لا، بل قصها علينا. قال: فقصها، فقال الآخر: وأنا والله لقد رأيت ذلك، فقال الآخر: وأنا والله لقد رأيت ذلك، قالوا: فوالله ما هذا إلا لشيء، قال: فانطلقوا فاستعدوا ملكهم على ذلك الراهب، فأتوه فأنزلوه، ثم انطلقوا به، فلقيه الشيطان، فقال: إني أنا الذي أوقعتك في هذا، ولن ينجيك منه غيري، فاسجد لي سجدة واحدة، وأنجيك مما أوقعتك فيه، قال: فسجد له، فلما أتوا به ملكهم، تبرأ منه، وأُخذ فقتل. وكذا روي عن ابن عباس وطاوس ومقاتل بن حيان نحو ذلك، واشتهر عند كثير من الناس أن هذا العابد هو برصيصا، فالله أعلم. وهذه القصة مخالفة لقصة جريج العابد؛ فإن جريجاً اتهمته امرأة بغي بنفسها، وادعت أن حملها منه، ورفعت أمرها إلى ولي الأمر، فأمر به فأنزل من صومعته، وخربت صومعته وهو يقول: ما لكم ما لكم؟ قالوا: يا عدو الله فعلت بهذه المرأة كذا وكذا، فقال جريج: اصبروا، ثم أخذ ابنها وهو صغير جداً، ثم قال: يا غلام من أبوك؟ قال: أبي الراعي، وكانت قد أمكنته من نفسها فحملت منه، فلما رأى بنو إسرائيل ذلك، عظموه كلهم تعظيماً بليغاً، وقالوا: نعيد صومعتك من ذهب، قال: لا، بل أعيدوها من طين كما كانت. وقوله تعالى: {فَكَانَ عَـٰقِبَتَهُمَآ أَنَّهُمَا فِى ٱلنَّارِ خَـٰلِدِينَ فِيهَا} أي: فكان عاقبة الآمر بالكفر، والفاعل له، ومصيرهما، إلى نار جهنم خالدين فيها، {وَذَلِكَ جَزَآءُ ٱلظَّـٰلِمِينَ} أي: جزاء كل ظالم.

المحلي و السيوطي

تفسير : {أَلَمْ تَرَ } تنظر {إِلَى ٱلَّذِينَ نَافَقُواْ يَقُولُونَ لإِخْوَانِهِمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَٰبِ } وهم بنو النضير وإخوانهم في الكفر {لَئِنْ } لام قسم في الأربعة {أُخْرِجْتُمْ } من المدينة {لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلاَ نُطِيعُ فيكُمْ } في خذلانكم {أَحَداً أَبَداً وَإِن قُوتِلْتُمْ } حذفت منه اللام الموطئة {لَنَنصُرَنَّكُمْ وَٱللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَٰذِبُونَ }.

الشوكاني

تفسير : لما فرغ سبحانه من ذكر الطبقات الثلاث من المؤمنين، ذكر ما جرى بين المنافقين واليهود من المقاولة؛ لتعجيب المؤمنين من حالهم، فقال: {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ نَـٰفَقُواْ } والخطاب لرسول الله، أو لكل من يصلح له، والذين نافقوا هم: عبد الله بن أبيّ، وأصحابه، وجملة {يَقُولُونَ لإِخْوَانِهِمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ } مستأنفة؛ لبيان المتعجب منه، والتعبير بالمضارع؛ لاستحضار الصورة، أو للدلالة على الاستمرار، وجعلهم إخواناً لهم لكون الكفر قد جمعهم، وإن اختلف نوع كفرهم، فهم إخوان في الكفر، واللام في {لإخوانهم} هي لام التبليغ، وقيل: هو من قول بني النضير لبني قريظة، والأوّل أولى؛ لأن بني النضير، وبني قريظة هم يهود، والمنافقون غيرهم، واللام في قوله: {لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ } هي الموطئة للقسم، أي: والله لئن أخرجتم من دياركم {لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ } هذا جواب القسم، أي: لنخرجن من ديارنا في صحبتكم {وَلاَ نُطِيعُ فيكُمْ } أي: في شأنكم، ومن أجلكم {أَحَدًا } ممن يريد أن يمنعنا من الخروج معكم، وإن طال الزمان، وهو معنى قوله: {أَبَدًا }. ثم لما وعدوهم بالخروج معهم، وعدوهم بالنصرة لهم، فقالوا: {وَإِن قُوتِلْتُمْ لَنَنصُرَنَّكُمْ لا ينصرونهم} على عدوّكم. ثم كذبهم سبحانه فقال: {وَٱللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَـٰذِبُونَ } فيما وعدوهم به من الخروج معهم والنصرة لهم. ثم لما أجمل كذبهم فيما وعدوا به فصّل ما كذبوا فيه فقال: {لَئِنْ أُخْرِجُواْ لاَ يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِن قُوتِلُواْ } وقد كان الأمر كذلك، فإن المنافقين لم يخرجوا مع من أخرج من اليهود، وهم بنو النضير ومن معهم، ولم ينصروا من قوتل من اليهود، وهم بنو قريظة وأهل خيبر {وَلَئِن نَّصَرُوهُمْ } أي: لو قدِّر وجود نصرهم إياهم؛ لأن ما نفاه الله لا يجوز وجوده. قال الزجاج: معناه: لو قصدوا نصر اليهود {لَيُوَلُّنَّ ٱلاْدْبَـٰرَ } منهزمين {ثُمَّ لاَ يُنصَرُونَ } يعني: اليهود لا يصيرون منصورين إذا انهزم ناصرهم، وهم المنافقون، وقيل: يعني لا يصير المنافقون منصورين بعد ذلك، بل يذلهم الله، ولا ينفعهم نفاقهم، وقيل معنى الآية: لا ينصرونهم طائعين، ولئن نصروهم مكرهين ليولنّ الأدبار، وقيل: معنى {لاَ يَنصُرُونَهُمْ } لا يدومون على نصرهم، والأوّل أولى، ويكون من باب قوله: {أية : وَلَوْ رُدُّواْ لَعَـٰدُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ }تفسير : [الأنعام: 28]. {لاَنتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِى صُدُورِهِمْ مّنَ ٱللَّهِ } أي: لأنتم يا معاشر المسلمين أشدّ خوفاً وخشية في صدور المنافقين، أو صدور اليهود، أو صدور الجميع من الله، أي: من رهبة الله، والرهبة هنا بمعنى: المرهوبية؛ لأنها مصدر من المبني للمفعول، وانتصابها على التمييز {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُونَ } أي: ما ذكر من الرهبة الموصوفة بسبب عدم فقههم لشيء من الأشياء، ولو كان لهم فقه لعلموا أن الله سبحانه هو الذي سلطكم عليهم، فهو أحقّ بالرهبة منه دونكم. ثم أخبر سبحانه بمزيد فشلهم، وضعف نكايتهم فقال: {لاَ يُقَـٰتِلُونَكُمْ جَمِيعاً } يعني: لا يبرز اليهود والمنافقون مجتمعين لقتالكم ولا يقدرون على ذلك {إِلاَّ فِى قُرًى مُّحَصَّنَةٍ } بالدروب والدور {أَوْ مِن وَرَاء جُدُرٍ } أي: من خلف الحيطان التي يستترون بها لجبنهم ورهبتهم. قرأ الجمهور: {جدر} بالجمع، وقرأ ابن عباس، ومجاهد، وابن محيصن، وابن كثير، وأبو عمرو: {جدار} بالإفراد. واختار القراءة الأولى أبو عبيد، وأبو حاتم؛ لأنها موافقة لقوله: {قُرًى مُّحَصَّنَةٍ }. وقرأ بعض المكيين: {جدر} بفتح الجيم، وإسكان الدال، وهي لغة في الجدار {بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ } أي: بعضهم غليظ فظ على بعض، وقلوبهم مختلفة، ونياتهم متباينة. قال السديّ: المراد اختلاف قلوبهم حتى لا يتفقوا على أمر واحد. وقال مجاهد: {بأسهم بينهم شديد} بالكلام والوعيد ليفعلن كذا، والمعنى: أنهم إذا انفردوا نسبوا أنفسهم إلى الشدّة والبأس، وإذا لاقوا عدوّاً ذلوا وخضعوا، وانهزموا، وقيل: المعنى أن بأسهم بالنسبة إلى أقرانهم شديد، وإنما ضعفهم بالنسبة إليكم لما قذف الله في قلوبهم من الرعب، والأوّل أولى لقوله: {تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّىٰ } فإنه يدلّ على أن اجتماعهم إنما هو في الظاهر مع تخالف قلوبهم في الباطن، وهذا التخالف هو البأس الذي بينهم الموصوف بالشدّة، ومعنى {شَتَّىٰ}: متفرقة، قال مجاهد: يعني اليهود والمنافقين تحسبهم جميعاً وقلوبهم شتى. وروي عنه أيضاً أنه قال: المراد: المنافقون. وقال الثوري: هم المشركون، وأهل الكتاب. قال قتادة: {تحسبهم جميعاً}، أي: مجتمعين على أمر ورأي، {وقلوبهم شتى} متفرقة، فأهل الباطل مختلفة آراؤهم مختلفة شهادتهم، مختلفة أهواؤهم، وهم مجتمعون في عداوة أهل الحقّ. وقرأ ابن مسعود: (وقلوبهم أشت) أي: أشد اختلافاً {ذٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْقِلُونَ } أي: ذلك الاختلاف والتشتت بسبب أنهم قوم لا يعقلون شيئًا، ولو عقلوا؛ لعرفوا الحقّ واتبعوه. {كَمَثَلِ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ } أي: مثلهم كمثل الذين من قبلهم، والمعنى: أن مثل المنافقين واليهود كمثل الذين من قبلهم من كفار المشركين {قَرِيبًا } يعني: في زمان قريب، وانتصاب {قريباً} على الظرفية أي: يشبهونهم في زمن قريب، وقيل: العامل فيه {ذاقوا}، أي: ذاقوا في زمن قريب، ومعنى {ذَاقُواْ وَبَالَ أَمْرِهِمْ } أي: سوء عاقبة كفرهم في الدنيا بقتلهم يوم بدر، وكان ذلك قبل غزوة بني النضير بستة أشهر، قاله مجاهد، وغيره، وقيل: المراد بنو النضير حيث أمكن الله منهم، قاله قتادة. وقيل: قتل بني قريظة، قاله الضحاك. وقيل: هو عامّ في كل من انتقم الله منه بسبب كفره، والأوّل أولى {وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } أي: في الآخرة. ثم ضرب لليهود والمنافقين مثلاً آخر فقال: {كَمَثَلِ ٱلشَّيْطَـٰنِ إِذْ قَالَ لِلإِنسَـٰنِ ٱكْفُرْ } أي: مثلهم في تخاذلهم وعدم تناصرهم، فهو إما خبر مبتدأ محذوف، أو خبر آخر للمبتدأ المقدّر قبل قوله: {كَمَثَلِ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ } على تقدير حذف حرف العطف، كما تقول: أنت عاقل، أنت عالم، أنت كريم. وقيل: المثل الأوّل خاص باليهود، والثاني خاص بالمنافقين، وقيل: المثل الثاني بيان للمثل الأوّل، ثم بيّن سبحانه وجه الشبه فقال: {إِذْ قَالَ لِلإِنسَـٰنِ ٱكْفُرْ } أي: أغراه بالكفر، وزينه له، وحمله عليه، والمراد بالإنسان هنا: جنس من أطاع الشيطان من نوع الإنسان، وقيل: هو عابد كان في بني إسرائيل حمله الشيطان على الكفر، فأطاعه {فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنّى بَرِىء مّنكَ } أي: فلما كفر الإنسان مطاوعة للشيطان، وقبولاً لتزيينه قال الشيطان: إني برىء منك، وهذا يكون منه يوم القيامة، وجملة: {إِنّى أَخَافُ ٱللَّهَ رَبَّ ٱلْعَـٰلَمِينَ } تعليل لبراءته من الإنسان بعد كفره، وقيل: المراد بالإنسان هنا: أبو جهل، والأوّل أولى. قال مجاهد: المراد بالإنسان هنا: جميع الناس في غرور الشيطان إياهم، قيل: وليس قول الشيطان: {إِنّى أَخَافُ ٱللَّهَ } على حقيقته، إنما هو على وجه التبرّي من الإنسان، فهو تأكيد لقوله: {إِنّى بَرِىء مّنكَ } قرأ الجمهور: {إني} بإسكان الياء. وقرأ نافع، وابن كثير، وأبو عمرو بفتحها {فَكَانَ عَـٰقِبَتَهُمَا أَنَّهُمَا فِى ٱلنَّارِ } قرأ الجمهور {عاقبتهما} بالنصب على أنه خبر كان، واسمها {أنهما في النار}. وقرأ الحسن، وعمرو بن عبيد بالرفع على أنها اسم كان، والخبر ما بعده؛ والمعنى: فكان عاقبة الشيطان، وذلك الإنسان الذي كفر أنهما صائران إلى النار {خَـٰلِدِينَ فِيهَا } قرأ الجمهور: {خالدين} بالنصب على الحال، وقرأ ابن مسعود، والأعمش، وزيد بن عليّ، وابن أبي عبلة: {خالدان} على أنه خبر "أنّ"، والظرف متعلق به {وَذَلِكَ جَزَاء ٱلظَّـٰلِمِينَ } أي: الخلود في النار جزاء الظالمين، ويدخل هؤلاء فيهم دخولاً أوّلياً. ثم رجع سبحانه إلى خطاب المؤمنين بالموعظة الحسنة فقال: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ } أي: اتقوا عقابه بفعل ما أمركم به، وترك ما نهاكم عنه {وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ } أي: لتنظر أيّ شيء قدّمت من الأعمال ليوم القيامة، والعرب تكني عن المستقبل بالغد، وقيل: ذكر الغد تنبيهاً على قرب الساعة {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ } كرّر الأمر بالتقوى للتأكيد {إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ } لا تخفى عليه من ذلك خافية، فهو مجازيكم بأعمالكم إن خيراً فخير، وإن شرّاً فشرّ، {وَلاَ تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ نَسُواْ ٱللَّهَ } أي: تركوا أمره، أو ما قدّروه حق قدره، أو لم يخافوه، أو جميع ذلك {فَأَنسَـٰهُمْ أَنفُسَهُمْ } أي: جعلهم ناسين لها بسبب نسيانهم له، فلم يشتغلوا بالأعمال التي تنجيهم من العذاب، ولم يكفوا عن المعاصي التي توقعهم فيه، ففي الكلام مضاف محذوف، أي: أنساهم حظوظ أنفسهم. قال سفيان: نسوا حقّ الله، فأنساهم حق أنفسهم، وقيل: نسوا الله في الرخاء، فأنساهم أنفسهم في الشدائد {أُولَـئِكَ هُمُ ٱلْفَـٰسِقُونَ } أي: الكاملون في الخروج عن طاعة الله. {لاَ يَسْتَوِى أَصْحَـٰبُ ٱلنَّارِ وَأَصْحَـٰبُ ٱلْجَنَّةِ } في الفضل، والرتبة، والمراد الفريقان على العموم، فيدخل في فريق أهل النار من نسي الله منهم دخولاً أوّلياً، ويدخل في فريق أهل الجنة الذين اتقوا دخولاً أوّلياً؛ لأن السياق فيهم، وقد تقدّم الكلام في معنى مثل هذه الآية في سورة المائدة، وفي سورة السجدة، وفي سورة صۤ. ثم أخبر سبحانه وتعالى عن أصحاب الجنة بعد نفي التساوي بينهم، وبين أهل النار فقال: {أَصْحَـٰبُ ٱلْجَنَّةِ هُمُ ٱلْفَائِزُونَ } أي: الظافرون بكلّ مطلوب الناجون من كلّ مكروه. وقد أخرج ابن مردويه عن ابن عباس في قوله: {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ نَـٰفَقُواْ } قال: عبد الله بن أبيّ بن سلول، ورفاعة بن تابوت، وعبد الله بن نبتل، وأوس بن قيظي، وإخوانهم بنو النضير. وأخرج ابن إسحاق، وابن المنذر، وأبو نعيم في الدلائل عنه أن رهطاً من بني عوف بن الحارث منهم عبد الله بن أبيّ بن سلول، ووديعة بن مالك، وسويد وداعس، بعثوا إلى بني النضير أن اثبتوا، وتمنعوا، فإننا لا نسلمكم، وإن قوتلتم قاتلنا معكم، وإن أخرجتم خرجنا معكم، فتربصوا ذلك من نصرهم، فلم يفعلوا، وقذف الله في قلوبهم الرعب، فسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجليهم، ويكفّ عن دمائهم، على أن لهم ما حملت الإبل إلاّ الحلقة، ففعل، فكان الرجل منهم يهدم بيته، فيضعه على ظهر بعير، فينطلق به، فخرجوا إلى خيبر، ومنهم من سار إلى الشام. وأخرج ابن مردويه عنه أيضاً في قوله: {تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّىٰ } قال: هم المشركون. وأخرج عبد الرزاق، وابن راهويه، وأحمد في الزهد، وعبد بن حميد، والبخاري في تاريخه، وابن جرير، وابن المنذر، والحاكم وصححه، وابن مردويه، والبيهقي في الشعب عن عليّ بن أبي طالب أن رجلاً كان يتعبد في صومعة، وأن امرأة كان لها إخوة، فعرض لها شيء، فأتوه بها فزينت له نفسه فوقع عليها، فحملت، فجاءه الشيطان، فقال: اقتلها، فإنهم إن ظهروا عليك افتضحت، فقتلها، ودفنها، فجاءوه، فأخذوه، فذهبوا به، فبينما هم يمشون إذ جاءه الشيطان فقال: إني أنا الذي زينت لك، فاسجد لي سجدة أنجيك، فسجد له، فذلك قوله: {كَمَثَلِ ٱلشَّيْطَـٰنِ إِذْ قَالَ لِلإِنسَـٰنِ ٱكْفُرْ } الآية. قلت: وهذا لا يدلّ على أن هذا الإنسان هو المقصود بالآية، بل يدلّ على أنه من جملة من تصدق عليه. وقد أخرجه ابن أبي حاتم عن ابن عباس بأطول من هذا، وليس فيه ما يدلّ على أنه المقصود بالآية. وأخرجه بنحوه ابن جرير عن ابن مسعود. وأخرج ابن مردويه عن ابن مسعود في قوله: {كَمَثَلِ ٱلشَّيْطَـٰنِ } قال: ضرب الله مثل الكفار والمنافقين الذين كانوا على عهد النبيّ صلى الله عليه وسلم، {كمثل الشيطان إذ قال للإنسان اكفر}.

الماوردي

تفسير : {بأسهم بينهم شديد} فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: أنه اختلاف قلوبهم حتى لا يتفقوا على أمر واحد، قاله السدي. الثاني: أنه وعيدهم للمسلمين لنفعلن كذا وكذا، قاله مجاهد. {تحسبهم جيمعاً} فيه قولان: أحدهما: أنهم اليهود. الثاني: أنهم المنافقون واليهود، قاله مجاهد. {وقلوبهم شتى} يعني مختلفة متفرقة، قال الشاعر: شعر : إلى الله أشكو نية شقت العصا هي اليوم شتى وهي بالأمس جمع تفسير : وفي قراءة ابن مسعود "وَقُلُوبُهُمْ أَشَتُّ" بمعنى أشد تشتيتاً، أي أشد اختلافاً. وفي اختلاف قلوبهم وجهان: أحدهما: لأنهم على باطل، والباطل مختلف، والحق متفق. الثاني: أنهم على نفاق، والنفاق اختلاف. وقوله تعالى: {كمثل الذين من قبلهم قريباً} الآية. فيه أربعة أقاويل: أحدها: أنهم كفار قريش يوم بدر، قاله مجاهد. الثاني: أنهم قتلى بدر، قاله السدي، ومقاتل. الثالث: أنهم بنو النضير الذين أجلوا من الحجاز إلى الشام، قاله قتادة. الرابع: أنهم بنو قريظة، كان قبلهم إجلاء بني النضير. {ذاقوا وبال أمرهم} بأن نزلوا على حكم سعد [بن معاذ] فحكم فيهم بقتل مقاتليهم وسبي ذراريهم، قاله الضحاك. وفيه وجهان: أحدهما: في تجارتهم. الثاني: في نزول العذاب بهم. {كمثل الشيطان إذ قال للإنسان اكفر} فيه قولان: أحدهما: أنه مثل ضربه الله الكافر في طاعته للشيطان، وهو عام في الناس كلهم، قاله مجاهد. الثاني: أنها خاصة في سبب خاص صار به المثل عاماً، وذلك ما رواه عطية العوفي عن ابن عباس أن راهباً كان في بني إسرائيل يعبد الله فيحسن عبادته، وكان يؤتى من كل أرض يسأل عن الفقه وكان عالماً، وأن ثلاثة إخوة كانت لهم أخت من أحسن النساء مريضة، وأنهم أرادوا سفراً فكبر عليهم أن يذروها ضائعة، فجعلوا يأتمرون فيما يفعلون، فقال أحدهم: ألا أدلكم على من تتركونها عنده؟ فقال له من؟ فقال: راهب بني إسرائيل، وإن مات قام عليها، وإن عاشت حفظها حتى ترجعوا إليه، فعمدوا إليه وقالوا: إنا نريد السفر وإنا لا نجد أحداً أوثق في أنفسنا منك ولا آمن علينا غيرك، فاجعل أختنا عندك فإنها ضائعة مريضة، فإن ماتت فقم عليها، وإن عاشت فاحفظها حتى نرجع، فقال: أكفيكم إن شاء الله، وإنهم انطلقوا، فقام عليها وداواها حتى برئت فلم يزل به الشيطان يزين له حتى وقع عليها وحبلت، ثم تقدم منه الشيطان فزين له قتلها وقال: إن لم تفعل افتضحت، فقتلها. فلما عاد إخوتها سألوه عنها فقال: ماتت فدفنتها، قالوا أحسنت، فجعلوا يرون في المنام أن الراهب قتلها وأنها تحت شجرة كذا، فعمدوا إلى الشجرة فوجدوها قد قتلت، فأخذوه، فقال له الشيطان: أنا الذي زينت لك قتلها بعد الزنى فهل لك أن أنجيك وتطيعني؟ قال: نعم، قال فاسجد لي سجدة واحدة، فسجد ثم قتل، فذلك قوله تعالى: {كمثل الشيطان} فكذا المنافقون وبنو النضير مصيرهم إلى النار.

ابن عطية

تفسير : هذه الآية نزلت في عبد الله بن أبي ابن سلول ورفاعة بن التابوت، وقوم من منافقي الأنصار كانوا بعثوا إلى بني النضير وقالوا لهم، أثبتوا في معاقلكم فإنا معكم حيثما تقلبت حالكم، وإنما أرادوا بذلك أن تقوى نفوسهم عسى أن يثبتوا حتى لا يقدر محمد عليهم فيتم لهم مرادهم وكانوا كذبة فيما قالوا من ذلك، ولذلك لم يخرجوا حين أخرج بني النضير بل قعدوا في ديارهم. وقوله عز وجل: {لئن نصروهم} معناه: ولئن حاولوا ذلك فإنهم ينهزمون، ثم لا ينصر الله تعالى منهم أحداً، وجاءت الأفعال غير مجزومة في قوله: {لا يخرجون} و: {لا ينصرونهم} لأنها راجعة على حكم القسم لا على حكم الشرط، وفي هذا نظر، ثم خاطب تعالى أمة محمد مخبراً أن اليهود والمنافقين أشد خوفاً من المؤمنين منهم من الله تعالى، لأنهم يتوقعون عاجل الشر من المؤمنين، لا يؤمنون بآجل العذاب من الله تعالى وذلك لقلة فهمهم بالأمور وفقهم بالحق.

النسفي

تفسير : {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ نَـٰفَقُواْ } أي ألم تر يا محمد إلى عبد الله بن أبيّ وأشياعه {يَقُولُونَ لإِخْوَانِهِمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ } يعني بني النضير والمراد إخوة الكفر {لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ } من دياركم {لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ } رُوي أن ابن أبيّ وأصحابه دسوا إلى بني النضير حين حاصرهم النبي صلى الله عليه وسلم: لا تخرجوا من الحصن فإن قاتلوكم فنحن معكم لا نخذلكم ولئن أخرجتم لنخرجن معكم {وَلاَ نُطِيعُ فيكُمْ } في قتالكم {أَحَداً أَبَداً } من رسول الله والمسلمين إن حملنا عليه أو في خذلانكم وإخلاف ما وعدناكم من النصرة {وَإِن قُوتِلْتُمْ لَنَنصُرَنَّكُمْ وَٱللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَـٰذِبُونَ } في مواعيدهم لليهود، وفيه دليل على صحة النبوة لأنه إخبار بالغيب. {لَئِنْ أُخْرِجُواْ لاَ يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِن قُوتِلُواْ لاَ يَنصُرُونَهُمْ وَلَئِن نَّصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ ٱلأَدْبَـٰرَ ثُمَّ لاَ يُنصَرُونَ } إنما قال {وَلَئِن نَّصَرُوهُمْ } بعد الإخبار بأنهم لا ينصرونهم على الفرض والتقدير كقوله {أية : لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ } تفسير : [الزمر: 65] وكما يعلم ما يكون فهو يعلم ما لا يكون لو كان كيف يكون. والمعنى ولئن نصر المنافقون اليهود لينهزمن المنافقون ثم لا ينصرون بعد ذلك أي يهلكهم الله ولا ينفعهم نفاقهم لظهور كفرهم، أو لينهزمن اليهود ثم لا ينفعهم نصرة المنافقين {لأَنتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً } أي أشد مرهوبية. مصدر رهب المبني للمفعول. وقوله {فِى صُدُورِهِمْ } دلالة على نفاقهم يعني أنهم يظهرون لكم في العلانية خوف الله وأنتم أهيب في صدورهم {مّنَ ٱللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُونَ } لا يعلمون الله وعظمته حتى يخشوه حق خشيته {لاَ يُقَـٰتِلُونَكُمْ } لا يقدرون على مقاتلتكم {جَمِيعاً } مجتمعين يعني اليهود والمنافقين {إِلا } كائنين {فِى قُرًى مُّحَصَّنَةٍ } بالخنادق والدروب {أَوْ مِن وَرَاء جُدُرٍ } {جدار} مكي وأبو عمرو { بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ } يعني أن البأس الشديد الذي يوصفون به إنما هو بينهم إذا اقتتلوا ولو قاتلوكم لم يبق لهم ذلك البأس والشدة لأن الشجاع يجبن عند محاربة الله ورسوله {تَحْسَبُهُمْ } أي اليهود والمنافقين {جَمِيعاً } مجتمعين ذوي ألفة واتحاد {وَقُلُوبُهُمْ شَتَّىٰ } متفرقة لا ألفة بينها يعني أن بينهم إحناً وعداوات فلا يتعاضدون حق التعاضد، وهذا تحسير للمؤمنين وتشجيع لقلوبهم على قتالهم {ذٰلِكَ } التفرق {بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْقِلُونَ } أن تشتت القلوب مما يوهن قواهم ويعين على أرواحهم. {كَمَثَلِ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ } أي مثلهم كمثل أهل بدر فحذف المبتدأ {قَرِيبًا } أي استقروا من قبلهم زمناً قريباً {ذَاقُواْ وَبَالَ أَمْرِهِمْ } سوء عاقبة كفرهم وعداوتهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم من قولهم كلأ وبيل وخيم سيء العاقبة يعني ذاقوا عذاب القتل في الدنيا {وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } أي ولهم مع ذلك في الآخرة عذاب النار {كَمَثَلِ ٱلشَّيْطَـٰنِ إِذْ قَالَ لِلإِنسَـٰنِ ٱكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنّى بَرِىء مّنكَ إِنّى أَخَافُ ٱللَّهَ رَبَّ ٱلْعَـٰلَمِينَ } أي مثل المنافقين في إغرائهم اليهود على القتال ووعدهم إياهم النصر، ثم متاركتهم لهم وإخلافهم كمثل الشيطان إذا استغوى الإنسان بكيده ثم تبرأ منه في العاقبة. وقيل: المراد استغواؤه قريشاً يوم بدر وقوله لهم {لاَ غَالِبَ لَكُمُ ٱلْيَوْمَ مِنَ ٱلنَّاسِ وَإِنّي جَارٌ لَّكُمْ } إلى قوله {أية : إِنّي بَرِىء مّنْكُمْ }تفسير : [الأنفال: 48] {فَكَانَ عَـٰقِبَتَهُمَا } عاقبة الإنسان الكافر والشيطان {أَنَّهُمَا فِى ٱلنَّارِ خَـٰلِدِينَ فِيهَا } {عَـٰقِبَتَهُمَا } خبر «كان» مقدم و«أن» مع اسمها وخبرها أي في النار في موضع الرفع على الاسم و {خَـٰلِدِينَ } حال {وَذَلِكَ جَزَاء ٱلظَّـٰلِمِينَ يأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ } في أوامره فلا تخالفوها {وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ } نكر النفس تقليلاً للأنفس النواظر فيما قدّمن للآخرة {مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ } يعني يوم القيامة سماه باليوم الذي يلي يومك تقريباً له أو عبر عن الآخرة بالغد كأن الدنيا والآخرة نهاران يوم وغد. وتنكيره لتعظيم أمره أي لغد لا يعرف كنهه لعظمه. وعن مالك بن دينار: مكتوب على باب الجنة وجدنا ما عملنا ربحنا ما قدما خسرنا ما خلفنا. {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ } كرر الأمر بالتقوى تأكيداً أو اتقوا الله في أداء الواجبات لأنه قرن بما هو عمل، واتقوا الله في ترك المعاصي لأنه قرن بما يجري مجرى الوعيد وهو {إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ } وفيه تحريض على المراقبة لأن من علم وقت فعله أن الله مطلع على ما يرتكب من الذنوب يمتنع عنه {وَلاَ تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ نَسُواْ ٱللَّهَ } تركوا ذكر الله عز وجل وما أمرهم به {فَأَنسَـٰهُمْ أَنفُسَهُمْ } فتركهم من ذكره بالرحمة والتوفيق {أُولَـئِكَ هُمُ ٱلْفَـٰسِقُونَ } الخارجون عن طاعة الله. {لاَ يَسْتَوِى أَصْحَـٰبُ ٱلنَّارِ وَأَصْحَـٰبُ ٱلْجَنَّةِ أَصْحَـٰبُ ٱلْجَنَّةِ هُمُ ٱلْفَائِزُونَ } هذا تنبيه للناس وإيذان بأنهم لفرط غفلتهم وقلة فكرهم في العاقبة وتهالكهم على إيثار العاجلة واتباع الشهوات كأنهم لا يعرفون الفرق بين الجنة والنار، والبون العظيم بين أصحابهما وأن الفوز العظيم مع أصحاب الجنة والعذاب الأليم مع أصحاب النار، فمن حقهم أن يعلموا ذلك وينبهوا عليه كما تقول لمن يعق أباه «هو أبوك» تجعله بمنزلة من لا يعرفه فتنبهه بذلك على حق الأبوّة الذي يقتضي البر والتعطف. وقد استدلت الشافعية بهذه الآية على أن المسلم لا يقتل بالكافر، وأن الكافر لا يملك مال المسلم بالاستيلاء، وقد أجبنا عن مثل هذا في أصول الفقه والكافي. {لَوْ أَنزَلْنَا هَـٰذَا ٱلْقُرْءانَ عَلَىٰ جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَـٰشِعاً مُّتَصَدّعاً مّنْ خَشْيَةِ ٱللَّهِ } أي من شأن القرآن وعظمته أنه لو جعل في الجبل تمييز وأنزل عليه القرآن لخشع أي لخضع وتطأطأ وتصدع أي تشقق من خشية الله، وجائز أن يكون هذا تمثيلاً كما في قوله {أية : إِنَّا عَرَضْنَا ٱلأَمَانَةَ }تفسير : [الأحزاب: 72] ويدل عليه قوله {وَتِلْكَ ٱلأَمْثَـٰلُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ } وهي إشارة إلى هذا المثل وإلى أمثاله في مواضع من التنزيل، والمراد توبيخ الإنسان على قسوة قلبه وقلة تخشعه عند تلاوة القرآن وتدبر قوارعه وزواجره. ثم رد على من أشرك وشبهه بخلقه فقال {هُوَ ٱللَّهُ ٱلَّذِى لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ عَالِمُ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَـٰدَةِ } أي السر والعلانية أو الدنيا والآخرة أو المعدوم والموجود {هُوَ ٱلرَّحْمَـٰنُ ٱلرَّحِيمُ هُوَ ٱلَّذِى لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ٱلْمَلِكُ } الذي لا يزول ملكه {ٱلْقُدُّوسُ } المنزه عن القبائح وفي تسبيح الملائكة: سبوح قدوس رب الملائكة والروح {ٱلسَّلَـٰمُ } الذي سلم الخلق من ظلمه عن الزجاج {ٱلْمُؤْمِنُ } واهب الأمن. وعن الزجاج: الذي آمن الخلق من ظلمه أو المؤمن من عذابه من أطاعه {ٱلْمُهَيْمِنُ } الرقيب على كل شيء الحافظ له مفيعل من الأمن إلا أن همزته قلبت هاء {ٱلْعَزِيزُ } الغالب غير المغلوب {ٱلْجَبَّارُ } العالي العظيم الذي يذل له من دونه أو العظيم الشأن في القدرة والسلطان أو القهار ذو الجبروت {ٱلْمُتَكَبّرُ } البليغ الكبرياء والعظمة {سُبْحَـٰنَ ٱللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ } نزه ذاته عما يصفه به المشركون {هُوَ ٱللَّهُ ٱلْخَـٰلِقُ } المقدر لما يوجده {ٱلْبَارِىء } الموجد {ٱلْمُصَوّرُ } في الأرحام {لَهُ ٱلأَسْمَاء ٱلْحُسْنَىٰ } الدالة على الصفات العلا {يُسَبّحُ لَهُ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوٰتِ وَٱلأَرْضِ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ } ختم السورة بما بدأ به. عن أبي هريرة رضي الله عنه سألت حبيبي رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الاسم الأعظم: فقال «حديث : عليك بآخر الحشر فأكثر قراءته»تفسير : فأعدت عليه فأعاد عليّ فأعدت عليه فأعاد عليّ.

الخازن

تفسير : قوله عز وجل: {ألم تر إلى الذين نافقوا} يعني أظهروا خلاف ما أضمروا وهم عبد الله بن أبيّ ابن سلول وأصحابه {يقولون لإخوانهم الذين كفروا من أهل الكتاب} يعني اليهود من بني قريظة وبني النضير وإنما جعل المنافقين إخوانهم لأنهم كفار مثلهم {لئن أخرجتم} أي من المدينة {لنخرجن معكم} أي منها {ولا نطيع فيكم أحداً أبداً} يعني إن سألنا أحد خلافكم وخذلانكم فلا نطيعه فيكم {وإن قوتلتم لننصرنكم} أي لنعيننكم ولنقاتلن معكم} {والله يشهد إنهم} يعني المنافقين {لكاذبون} أي فيما قالوا ووعدوا ثم أخبر الله عن حال المنافقين فقال تعالى: {لئن أخرجوا لا يخرجون معهم ولئن قوتلوا لا ينصرونهم} وكان الأمر كذلك فإنهم أخرجوا ولم يخرج المنافقون معهم وقوتلوا فلم ينصروهم {ولئن نصروهم ليولن الأدبار} يعني لو قدروا نصرهم أو لو قصدوا نصر اليهود لولوا الأدبار منهزمين {ثم لا ينصرون} يعني بني النضير لا يصيرون منصورين إذا انهزم ناصروهم.

البقاعي

تفسير : ولما دل على أن هذا الثناء للصادقين في الإيمان بإقامة السنة بالهجرة والإيثار والاجتهاد في الدعاء لمن تبين الإيمان فسهل به طريق الأمان، فأخرج ذلك المنافقين وأفهم أنهم لا يفعلون ذلك لأنهم لا رسوخ لهم في الإيمان الحامل على ذلك، دل على نفاقهم الموجب لكذبهم بقوله متمماً للقصة مخاطباً لأعلى الخلق إشارة إلى أنه لا يطلع على نفاقهم لما لهم فيه من دقة المكر حق الاطلاع غيره صلى الله عليه وسلم معجباً من حالهم في عدم رسوخهم مع ما يرون من المعجزات والآيات البينات ويرون من حال المؤمنين من إسباغ الرحمة عليهم بتسهيل الأمور والنصرة على الجبابرة والإعراض عن الدنيا مع الإقبال على الآخرة والاجتهاد في الدين الذي هو وحده داع إلى الإيمان ومرقق للقلوب ومبين للحقائق غاية البيان: {ألم تر} أي تعلم علماً هو في قوة الجزم به كالمشاهد يا أعلى الخلق، وبين بعدهم عن جنابه العالي ومنصبه الشريف الغالي بأداة الانتهاء فقال تعالى: {إلى الذين نافقوا} أي أظهروا غير ما أضمروا، أظهروا الخير وبالغوا في إخفاء عقائدهم بالشر مبالغة من ساجل غيره، وهم عبد الله بن أبي وأصحابه، قالوا: والنفاق لفظ إسلامي لم تكن العرب تعرفه قبله، وهو استعارة من فعل الضب في نافقائه وقاصعائه، وصور حالهم بقوله: {يقولون لإخوانهم} أي من الموالاة بالضلالة. ولما جمعهم في الكفر وإن افترقوا في المساترة والمجاهرة، وصف المجاهرين بنوع مساترة توجب النفرة منهم وتقضي بهلاك من صادقهم فقال: {الذي كفروا} أي غطوا أنوار المعارف التي دلتهم على الحق، وعينهم بما أبلغ في ذمهم من حيث إنهم ضلوا على علم فقال: {من أهل الكتاب} وهم بنو النضير هؤلاء، وبكتهم بكذبهم فيما أكدوا الموعد به لأنه في حيز ما ينكر من جهة أنهم لا يقدرون على المجاهرة بكفرهم فكيف بالمبارزة بالخلاف لقومهم الأنصار والنبي صلى الله عليه وسلم فيهم في قولهم: {لئن أخرجتم} أي من مخرج ما من بلدهم الذي في المدينة الشريفة فخرجتم من غير أن تقاتلوا {لنخرجن معكم} فكان ما قضي به على إخوانهم من الإخراج فألاً وكل بمنطقهم. ولما كان من المعلوم أن للمنافقين أقارب من أكابر المؤمنين، وكان من المعلوم - أنهم يقومون عليهم في منعهم من القيام معهم نصيحة لهم وإحساناً إليهم، وكان تجويز بني النضير موهناً لذلك، قالوا مؤكدين للكون معهم: {ولا نطيع فيكم} أي في خذلانكم، والمعنى أنه لو فرض أنه صار أحد في القرب منكم مثل قرب المظروف من الظرف ما أطعناه في التقصير فيما يسركم {أحداً} أي يسألنا خذلانكم من الرسول والمؤمنين، وأكدوا بقولهم: {أبداً} أي ما دمنا نعيش، وبمثل هذا العزم استحق الكافر الخلود الأبدي في العذاب. ولما قدموا في معونتهم ما كان فألاً قاضياً عليهم، أتبعوه قولهم: {وإن قوتلتم} أي من أي مقاتل كان فقاتلتم ولم تخرجوا {لننصرنكم} فالآية من الاحتباك: ذكر الإخراج أولاً دليلاً على ضده ثانياً، والقتال ثانياً دليلاً على حذف ضده أولاً، ومعنى الآية أن النبي صلى الله عليه وسلم إلى بني النضير:"حديث : اخرجوا من بلدي ولا تساكنوني، قد هممتم بالغدر بن وقد أجلتكم عشراً، فمن رئي بعد لك منكم ضربت عنقه"تفسير : فأرسل إليهم ابن أبي بما تقدم. ولما كان قولهم هذا كلاماً يقضي عليه سامعه بالصدق من حيث كونه مؤكداً مع كونه مبتدأ من غير سؤال فيه، بين حاله سبحانه بقوله: {والله} أي يقولون ذلك والحال أن المحيط بكل شيء قدرة وعلماً {يشهد} بما يعلم من بواطنهم في عالم الغيب. ولما كان بعض من يسمع قولهم هذا ينكر أن لا يطابقه الواقع، وكان إخلافهم فيه متحققاً في علم الله، أطلق عليه ما لا يطلق إلا على ما كشف الواقع عن أنه غير مطابق، فقال تشجيعاً للمؤمنين على قتالهم مؤكداً {إنهم} أي المنافقون {لكاذبون *} وهذا من أعظم دلائل النبوة لأنه إخبار بمغيب بعيدة عن العادة بشهادة ما ظننتم أن يخرجوا فحققه الله عن قريب. ولما كان الكذب في قولهم هذا كونه إخباراً بما لا يكون، شرحه بقوله مؤكداً بأعظم من تأكيدهم: {لئن أخرجوا} أي بنو النضير من أي مخرج كان {لا يخرجون} أي المنافقون {معهم} أي حمية لهم لأسباب يعلمها الله {ولئن قوتلوا} أي اليهود من أي مقاتل كان فكيف بأشجع الخلق وأعلمهم صلى الله عليه وسلم {لا ينصرونهم} أي المنافقون ولقد صدق الله وكذبوا في الأمرين معاً: القتال والإخراج، لا نصروهم ولا خرجوا معهم، فكان ذلك من أعلام النبوة، وعلم به من كان شاكاً فضلاً عن الموقنين، صدق الكلام على ما لم يكن ولا ليكون لو كان كيف كان يكون بصدق الكلام على ما لم يكن ويكون كيف يكون إذا كان في قوله تعالى: {ولئن نصروهم} أي المنافقون في وقت من الأوقات {ليولن} أي المنافقون ومن ينصرونه، وحقرهم بقوله: {الأدبار} ولما كان من عادة العرب الكر بعد الفر، بين أنهم لا كرة لهم بعد هذه الفرة وإن طال المدى فقال: {ثم لا ينصرون *} أي لا يتجدد لفريقيهم ولا لواحد منهما نصرة في وقت من الأوقات، وقد صدق سبحانه لم يزل المنافقون واليهود في الذل ولا يزالون. ولما كان ربما قيل: إن تركهم لنصرهم إنما هو لخوف الله أو غير ذلك مما يحسن وقعه، علل بما ينفي ذلك ويظهر أن محط نظرهم المحسوسات كالبهائم فقال مؤكداً له لأجل أن أهل النفاق ينكرون ذلك وكذا من قرب حاله منهم: {لا أنتم} أيها المؤمنون {أشد رهبة} أي من جهة الرهبة وهو تمييز محول عن المبتدأ أي لرهبتكم الكائنة فيهم أشد وأعظم {في صدورهم} أي اليهود ومن ينصرهم مما أفاض إليها من قلوبهم {من الله} أي من رهبتهم التي يظهرونها لكم منه وإن ذكروه بكل صفة من صفاته فرهبتهم منكم بسبب لإظهارهم أنه يرهبون الله رياء لكم. ولما كان هذا مما يتعجب منه المؤمن علله بقوله: {ذلك} أي الأمر الغريب وهو خوفهم الثابت اللازم من مخلوق مثلهم ضعيف يزينهم له وعدم خوفهم من الخالق على ما له من العظمة وذاته ولكونه غنياً عنهم {بأنهم قوم} أي على ما لهم من القوة {لا يفقهون *} أي لا يتجدد لهم بسبب كفرهم واعتمادهم على مكرهم في وقت من الأوقات فهم يشرح صدورهم ليدركوا به أن الله هو الذي ينبغي إن يخشى لا غيره، بل هم كالحيوانات لا نظر لهم إلى الغيب إنما هم مع المحسوسات، والفقه هو العلم بمفهوم الكلام ظاهره الجلي وغامضه الخفي بسرعة فطنة وجودة قريحة. ولما أخبر برهبتهم دل عليها بقوله: {لا يقاتلونكم} أي كل من الفريقين اليهود والمنافقين أو أحدهما. ولما كان الشيء قد يطلق ويراد بعضه، حقق الأمر بقوله: {جميعاً} أي قتالاً يقصدونه مجاهرة وهم مجتمعون كلهم في وقت من الأوقات ومكان من الأماكن {إلا في قرى محصنة} أي ممنعة بحفظ الدروب وهي السكك الواسعة بالأبواب والخنادق ونحوها {أو من وراء جدر} أي محيط بهم سواء كان بقرية أو غيرها لشدة خوفهم، وقد أخرج بهذا ما حصل من بعضهم عن ضرورة كاليسير، ومن كان ينزل من أهل خيبر من الحصن يبارز ونحو ذلك، فإنه لم يكن عن اجتماع، أو يكون هذا خاصاً ببني النضير في هذه الكرة. ولما كان ربما ظن أن هذا عن عجز منهم لازم لهم دفعه بقوه إعلاماً بأنه إنما هو من معجزات هذا الدين: {بأسهم} أي قوتهم ما فيهم من الصفات التي يتأثر عنها العذاب {بينهم شديد} أي إذا أداروا رأياً أو حارب بعضهم بعضاً فجرأ المؤمنين عليهم بأن ما ينظرونه من شدتهم وشجاعتهم إذا حاربوا المشركين لا ينكر عند محاربة المؤمنين كرامة أكرم الله بها المؤمنين تتضمن علماً من أعلام النبوة تقوية لإيمانهم وإعلاء لشأنهم. ولما كانت علة الشدة الاجتماع، شرح حالتي الشدة والرهبة بقوله مخاطباً للنبي صلى الله عليه وسلم إشارة إلى شدة ما يظهرون من ألف بعضهم لبعض: {تحسبهم} أي اليهود والمنافقين يا أعلى الخلق ويا أيها الناظر من كان ذلك التعاطف الظاهر {جميعاً} لما هم فيه من اجتماع الدفاع وعن ذلك نشأت الشدة {وقلوبهم شتى} أي مفترقة أشد افتراق، وعن ذلك نشأت الرهبة، وموجب هذا الشتات اختلاف الأهواء التي لا جامع لها من نظام العقل كالبهائم وإن اجتمعوا في عداوة أهل الحق كاجتماع البهائم في الهرب من الذئب، قال القشيري: اجتماع النفوس مع تنافر القلوب واختلافها أصل كل فساد وموجب كل تخاذل، ومقتض لتجاسر العدو، واتفاق القلوب والاشتراك في الهمة والتساوي في القصد يوجب كل ظفر وكل سعادة. ولما كان السبب الأعظم في الافتراق ضعف العقل، قال معللاً: {ذلك} أي الأمر الغريب من الافتراق بعد الاتفاق الذي يخيل الاجتماع {بأنهم قوم} أي مع شدتهم {لا يعقلون *} فلا دين لهم يجمعهم لعلمهم أنهم على الباطل فهم أسرى الأهوية، والأهوية في غاية الاختلاف، فالعقل مدار الاجتماع كما كان الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين في زمن النبي صلى الله عليه وسلم كما أن الهوى مدار الاختلاف.

ابو السعود

تفسير : {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ نَـٰفَقُواْ} حكايةٌ لِمَا جَرَى بـينَ الكفرةِ والمنافقينَ من الأقوالِ الكاذبةِ والأحوالِ الفاسدةِ، وتعجيبٌ منها بعد حكايةِ محاسنِ أحوالِ المؤمنينَ وأقوالِهِم على اختلافِ طبقاتِهِمْ. والخطابُ لرسولِ الله صلى الله عليه وسلم، أو لكلِّ أحدٍ ممن له حظٌ من الخطابِ. وقولِهِ تعالى: {يَقُولُونَ} الخ استئنافٌ لبـيانِ المتعجَّبِ منهُ. وصيغةُ المضارعِ للدلالةِ على استمرارِ قولِهِم أو لاستحضارِ صورتِهِ. واللامُ في قولِهِ تعالى: {لإِخْوَانِهِمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ} للتبليغِ. والمرادُ بأخوَّتِهِم إما توافُقُهُم في الكفرِ أو صداقَتُهُم وموالاتُهُمْ. واللامُ في قولِهِ تعالى: {لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ} أي من ديارِكُم قَسْراً واللام موطئةٌ للقسمِ. وقولُهُ تعالى: {لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ} جوابُ القسمِ، أيْ والله لئِنْ أُخْرجتُم لنخرجنَّ معكم البتةَ ونذهبنَّ في صُحْبَتكم أينما ذهبتُم {وَلاَ نُطِيعُ فيكُمْ} أيْ في شأنِكُمْ {أَحَدًا} يمنعنا منَ الخروجِ معكُم {أَبَدًا} وإنْ طالَ الزمانُ، وقيلَ لا نطيعُ في قتالِكُم أو خذلانِكُم وليسَ بذاكَ لأن تقديرَ القتالِ مترقبٌ بعد ولأن وعدَهُم لهم على ذلك التقديرِ ليسَ مجردَ عدمِ طاعتِهِم لمن يدعُوهُم إلى قتالهِم بل نصرتَهُم عليهِ كما ينطقُ به قولُهُ تعالى: {وَإِن قُوتِلْتُمْ لَنَنصُرَنَّكُمْ} أي لنعاونَنَّكُم على عدوِّكم على أن دعوتَهُم إلى خذلانِ اليهودِ مما لا يمكنُ صدورُهُ عن رسولِ الله صلى الله عليه وسلم والمسلمينَ حتى يدَّعوا عدمَ طاعتِهِم فيها ضرورةَ أنَّها لو كانَتْ لكانَتْ عند استعدادِهِم لنصرتِهِم وإظهارِ كفرِهِم ولا ريبَ في أنَّ ما يفعله عليه الصلاةُ والسلامُ عند ذلكَ قتلَهُم لا دعوَتَهُم إلى تركِ نصرتِهِم، وأما الخروجُ معهم فليسَ بهذه المرتبةِ من إظهارِ الكفرِ لجوازِ أن يدَّعوا أن خروجَهُم معهم لما بـينَهُم من الصداقةِ الدنيويةِ لا للموافقةِ في الدينِ {وَٱللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَـٰذِبُونَ} في مواعيدِهِم المؤكدةِ بالأيمانِ الفاجرةِ. وقولُهُ تعالى: {لَئِنْ أُخْرِجُواْ لاَ يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ} الخ تكذيبٌ لهم في كلِّ واحدٍ من أقوالِهِم على التفصيلِ بعدَ تكذيبِهِم في الكُلِّ على الإجمالِ {وَلَئِن قُوتِلُواْ لاَ يَنصُرُونَهُمْ} وكانَ الأمرُ كذلك فإنَّ ابْنَ أُبـيّ وأصحابَهُ أرسلُوا إلى بَنِي النضيرِ ذلكَ سراً ثم أخلفُوهُم وفيه حجةٌ بـينةٌ لصحةِ النبوة وإعجازِ القرآنِ. {وَلَئِن نَّصَرُوهُمْ} على الفرضِ والتقديرِ {لَيُوَلُّنَّ ٱلأَدْبَـٰرَ} فراراً {ثُمَّ لاَ يُنصَرُونَ} أي المنافقونَ بعد ذلكَ، أي يهلكهم الله ولا ينفَعُهُم نفاقُهُم لظهورِ كفرِهِم أو ليَهْزُمَنَّ اليهودُ ثم لا ينفعُهُم نصرةُ المنافقينَ.

القشيري

تفسير : يريد بهم منافقي المدينة؛ ظاهروا بني النضير وقريظة، وعاهَدوهم على الموافقة بكلِّ وَجْهٍ، فأخبر اللَّهُ - سبحانه - أنهم ليسوا كما قالوا وعاهدوا عليه، وأخبرَ أَنَّهم لا يتناصرون، وأنَّهم يتخاذلون، ولئنْ ساعدوهم في بعضِ الحروب فإنهم يتخاذلون إن رأوهم ينهزمون أمام مَنْ يجاهدونهم.

اسماعيل حقي

تفسير : {الم تر} استئناف لبيان التعجب مما جرى بين الكفرة والمنافقين من الاقوال الكاذبة والاحوال الفاسدة والمعنى آيانكاه نكرده يامحمد أو يا من له حظ من الخطاب {الى الذين نافقوا} من اهل المدينة قال الراغب النفق الطريق النافذ والسرب فى الارض النافذ ومنه نافقاء اليربوع وقد نافق اليربوع ونفق ومنه النفاق وهو الدخول فى الشرع من باب والخروج عنه من باب على هذا نبه بقوله {أية : ان المنافقين هم الفاسقون}تفسير : اى الخارجون عن الشرع {يقولون لاخوانهم الذين كفروا من اهل الكتاب} اللام للتبليغ والمراد بالاخوان بنوا النضير وبأخوتهم اما توافقهم فى الكفر فان الكفر ملة واحدة او صداقتهم وموالاتهم {لئن اخرجتم} اللام موطئة للقسم وهى اللام الداخلة على حرف الشرط بعد تمام القسم ظاهرا او مقدرا ليؤذن ان الجواب له لا للشرط وقد تدخل علىغير الشرط والمعنى والله لئن اخرجتم أيها لاخوان من دياركم وقراكم قسرا باخراج محمد واصحابه اياكم منها {لنخرجن معكم} البتة ونذهبن فى صحبتكم اينما ذهبتم لتمام المحبة بيننا وبينكم وهو جواب للقسم وجواب الشرط مضمر ولما كان جواب القسم وجواب الشرط متماثلين اقتصر على جواب القسم واضمر جواب الشرط وجعل المذكور جوابا للقسم بسعة وكذا قوله {أية : لا يخرجون معهم}تفسير : وقوله {أية : لا ينصرونهم}تفسير : كل واحد منهما جواب القسم ولذلك رفعت الافعال ولم تجزم وحذف جواب الشرط لدلالة جواب القسم عليه {ولا نطيع فيكم} اى فى شأنكم {احدا} يمنعنا من الخروج معكم {ابدا} وان طال الزمان ونصبه على الظرفية وهو لاستغراق المستقبل كما ان الازل لاستغراق الماضى ولاستعمالهما فى طول الزمانين جدا قد يضافان الى جمعهما فيقال أبد الآباد وازل الآزال واما السرمد فلاستغراق الماضى والمستقبل يعنى لاستمرار الوجود لا الى نهاية فى جانبهما (ومنه قول المولى الجامى) شعر : دردت زازل آيد تاروز ابد بايد جوق شكر كزار دكس اين دولت سرمدرا تفسير : {وان قوتلتم} اى قاتلكم محمد واصحابه حذفت منه اللام الموطئة {لننصرنكم} اى لنعاوننكم على عدوكم ولا نخذلكم {والله يشهد انهم لكاذبون} فى مواعيدهم المؤكدة بالايمان الفاجرة

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {ألم تَرَ إلى الذين نافقوا} أي: ألم ترَ يا محمد، أو: يا مَن يسمع، إلى عبد الله بن أُبيّ وأشياعه؟ حكاية لما جرى بين الكفرة والمنافقين، من الأقوال الكاذبة والأحوال الفاسدة، بعد حكاية محاسن أقوال المؤمنين، وأحوالهم الحميدة، على اختلاف طبقاتهم. وقوله تعالى: {يقولون} استئناف لبيان المتعجب منه، وصيغة المضارع للدلالة على استمرار قولهم، أو: لاستحضار صورته. واللام في قوله: {لإِخوانهم الذين كفروا من أهل الكتاب} للتبليغ، والمراد بالأخوة: أخوة الكفر، واللام في قوله: {لئن أُخرجتم} موطئة للقسم، و{لنَخْرُجَنَّ} جوابه، أي: والله لئن أُخرجتم من دياركم {لنَخْرُجَنَّ معكم}، رُوي أن ابن أُبي وأصحابه دسُّوا إلى بني النضير، حين حاصرهم النبي صلى الله عليه وسلم: لا تخرجوا من الحصن، فإن قاتلوكم فنحن معكم، لا نخذلكم، ولئن أُخرجتم لنخرُجن معكم، {ولا نُطيعُ فيكم}؛ في قتالكم {أحداً أبداً}، يعني رسول الله والمسلمين، أو: لا نُطيع في خذلانكم وإخلاف ما وعدناكم من النصرة أحداً، وإن طال الزمان، {وإن قُوتلتم لننصرنكم}، قال تعالى في تكذيبهم: {واللهُ يشهد إنهم لكاذبون} في مواعدهم المؤكدة بأيمانهم الفاجرة. {لئن أُخرجوا لا يخرجون معهم ولئن قُوتلوا لا ينصرونهم}، وكان الأمر كذلك، فلم يقدر أحد أن يرفع رأسه لنصرتهم، ففيه معجزة واضحة، {ولئن نصروهم} على الفرض والتقدير، {ليُوَلُّنَّ الأدبارَ} فراراً {ثم لا يُنصرون} أبداً، إما المنافقون أو اليهود، أي: لا تكون لهم شوكة أبداً. وإنما قال: {ولئن نصروهم} بعد الإخبار بأنهم لا ينصرونهم، أي: على الفرض والتقدير كقوله: {أية : لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ}تفسير : [الزمر: 65]، والحق تعالى كما يعلم ما يكون، يعلم ما لا يكون أن لو كان كيف يكون. {لأنتم أشدُّ رهبةً} أي: أشد مرهوبية، مصدر: رُهِبَ، المبني للمفعول، أي: أنتم أشد خوفاً {في صُدورهم من الله} دلالة على نفاقهم، يعني: إنهم يُظهرون لكم في العلانية خوفَ الله، وأنتم أهيب في صدورهم من الله، {ذلك} أي: ما ذكر من كون رهبتهم منكم أشد من رهبة الله {بأنهم قوم لا يفقهون} شيئاً حتى يعلموا عظمة الله تعالى، فيخشوه حق خشيته. {لا يُقاتلونكم} أي: اليهود والمنافقون، أي: لا يقدرون على قتالكم {جميعاً}؛ مجتمعين متفقين في موطن من المواطن، {إلاّ في قُرىً محصنةٍ}، بالدُّروب والخنادق، {أو مِن وراء جُدُر} دون أن يصحروا ويبارزوكم؛ لفرط رهبتهم. وقرأ المكي: "جدار" بالإفراد. {بأسُهم بينهم شديدٌ}، بيان لِما ذكر من أنَّ رهبتهم ليس لضعفهم وجُبنهم في أنفسهم، فإنّ بأسهم بالنسبة إلى أقرانهم شديد، وإنما ضعفُهم وجبنهُم بالنسبة إليكم، بما قذف الله تعالى في قلوبهم من الرعب. {تَحْسَبُهم} أي: المنافقين واليهود {جميعاً} أي: مجتمعين ذوي أُلفة واتحاد، {وقلوبُهم شَتَّى}؛ متفرقة لا أُلفة بينها. قال ابن عطية: وهذه حالة الجماعة المتخاذلة. هـ. يعني: أنّ بينهم إحناً وعداوات، فلا يتعاضدون حقَّ التناصر ولا ينصرون أبداً. قال القشيري: اجتماع النفوس مع تنافر القلوب أصلِ كل فساد، وموجب كل تخاذل، واتفاق القلوب، والاشتراك في الهمّة، والتساوي في القصد، يُوجب كلٍّ ظفرٍ وسعادة. هـ. وما وصف به الحق تعالى المنافقين واليهود كله تجسير للمؤمنين، وتشجيع لقلوبهم على قتالهم. {ذلك} التفرُّق {بأنهم قوم لا يعقلون} شيئاً، حتى يعرفوا الحق ويتبعوه، وتطئمن به قلوبهم، وتتحد كلمتهم، ويَرمُوا عن قوس واحدة، لكن لّمَّا جهلوا الحق تشتتت طُرُقهم، وتشتتت القلوب حسب تشتُّت الطُرق، وأما ما قيل من أنّ المعنى: لا يعقلون أنّ تشتيت القلوب مما يُوهن قلوبهم، فبعيد. الإشارة: إذا حاصر المريدُ قريةَ القلب ليُخرج منها الأوصاف المذمومة لتتهيأ لسكنى سلطان المعرفة، تقول الحظوظ والأهوية المنافقة للنفس، وأوصافها اليهودية: لا تخرجوا، فنحن نُعاونكم، وفي نصرتكم، لئن أُخرجتم لنخرجنَّ معكم، ولا نُطيع فيكم أحداً أبداً، وإن قوتلتم بالمجاهدة والرياضة؛ لننصرنكم بالتخاذل والتثُّبط، والله يشهد أنهم لكاذبون؛ إذ لا قدرة لشيء إلاّ بإذن الله. {لئن أُخرجوا لا يخرجون معهم... } الآية. لا يقاتلونكم جميعاً، أي: لا يجتمع جند الهوى النفس على قتالكم، إلاّ في قلوب غافلة, شديدة العلائق والمساوىء محصنة من دخول النور بأسوار الشواغل والعلائق, أو: تُوَسْوِس من وراء جُدُر الإيمان, وأما القلوب الفارغة من الشواغل, المطهرة من المساوئ، فإنما يقاتلها البعض الباقي فيها. بأسهم بينهم شديد، أي: الحرب بينهم سجال، إذا غلب جند النفس استولت ظلماتها على الروح، وإذا غلب جند القلب والروح استولى النورُ على ظلمة النفس، تحسبهم جميعاً وقلوبهم شتى، أي: تظنون أنَّ مهاوي الهوى ومهاوي النفس واحدة, وقلوبهم شتى, فالأهواء مختلفة، والحظوظ متفاوتة، والمساوىء متفرقة، فلكل شخص حظ، ولكل نفس هوى غير ما يشتهي الآخر، وذلك بأنهم قوم لا يعقلون، ولو عقلوا لاتفقت أهواؤهم في محبة الله ورسوله، قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تابعاً لما جئتُ به ". تفسير : ثم شبَّه بني النضير بقتلى أهل بدر، فقال: {كَمَثَلِ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ قَرِيباً}.

الطوسي

تفسير : قرأ ابن كثير وابو عمرو {من وراء جدار} على التوحيد. الباقون {جدر} على الجمع. لما وصف الله تعالى المهاجرين الذين هاجروا من مكة وما لهم من الفضل، وذكر الانصار وما لهم من جزيل الثواب، وذكر التابعين باحسان وما يستحقونه من النعيم في الجنان، ذكر المنافقين وما يستحقونه وما هم عليه من الاوصاف. فقال {ألم تر} يا محمد {إلى الذين نافقوا} فأظهروا الايمان وأبطنوا الكفر {يقولون لإخوانهم} في الكفر وهم {الذين كفروا من أهل الكتاب} يعني يهود بني النضير {لئن أخرجتم} من بلادكم {لنخرجن معكم} مساعدين لكم {ولا نطيع فيكم أحداً أبداً} يعني في قتالكم ومخاصمتكم {ولئن قوتلتم} معاشر بني النضير {لننصرنكم} ولندفعن عنكم. فقال الله تعالى {والله يشهد إنهم لكاذبون} فيما يقولونه في مساعدتهم والخروج معهم والدفاع عنهم. وظاهره يدل على انهم لم يخبروا عن ظنهم، لانهم لو اخبروا عن ظنهم وعن نيتهم لما كانوا كاذبين. ويحتمل: ان يكونوا كاذبين في العزم ايضاً بأن يقولوا إنهم عازمون ولا يكونوا كذلك. ثم قال تعالى {لئن أخرجوا} يعني بني النضير {لا يخرجون معهم} يعني المنافقون الذين قالوا لهم إنا نخرج معكم {ولئن قوتلوا لا ينصرونهم ولئن نصروهم ليولن الأدبار} أي ينهزمون ويسلمونهم {ثم لا ينصرون} الجميع، وقال الزجاج: فيه وجهان: احدهما - إنهم لو تعاطوا نصرهم. الثاني - ولئن نصرهم من بقي منهم لولوا الأدبار، فعلى هذا لا ينافي قوله {لا ينصرونهم} قوله {ولئن نصروهم}. ثم خاطب المؤمنين، فقال {لأنتم أشد رهبة في صدورهم من الله} أي أنتم أشد خوفاً في قلوب هؤلاء المنافقين يخافونكم ما لا يخافون الله {ذلك بأنهم قوم لا يفقهون} أي لانهم قوم لا يفقهون الحق ولا يعرفونه ولا يعرفون معاني صفات الله، فالفقه العلم بمفهوم الكلام في ظاهره ومتضمنه عند إدراكه، ويتفاضل أحوال الناس فيه. وقيل: إن المنافقين الذين نزلت فيهم هذه الآية عبد الله بن ابي سلول وجماعة معه بعثوا إلى بني النضير بهذه الرسالة - ذكره ابن عباس ومجاهد - ثم عاد تعالى إلى ذكر الخبر عن أحوال بني النضير، فقال {لا يقاتلونكم} معاشر المؤمنين {إلا في قرى محصنة} يعني ممتنعة جعل عليها حصون {أو من وراء جدر} أى من وراء الحيطان، فالجدار الحائط. فمن قرأ على التوحيد فلأنه اسم جنس يقع على القليل والكثير، ومن قرأ على الجمع، فلاختلاف الجدران. ثم قال {بأسهم بينهم شديد تحسبهم جميعاً وقلوبهم شتى} معناه عداوة بعض هؤلاء اليهود لبعض شديدة وقلوبهم شتى بمعاداة بعضهم لبعض أى ظاهرهم على كلمة واحدة وهم متفرقون في الباطن {ذلك بأنهم قوم لا يعقلون} يعنى ما فيه الرشد مما فيه الغي. وقال مجاهد {وقلوبهم شتى} يعني المنافقين وأهل الكتاب، وإنما كان قلوب من يعمل بخلاف العقل شتى لاختلاف دواعيهم وأهوائهم، وداعي الحق واحد، وهو داعي العقل الذى يدعو إلى طاعة الله والاحسان في الفعل. وقوله {كمثل الذين من قبلهم قريباً} معناه مثل هؤلاء كمثل الذين من قبلهم يعني بني قينقاع - في قول ابن عباس - وقال مجاهد: هم مشركوا قريش ببدر - {ذاقوا وبال أمرهم} من الشرك والكفر بالله فان عاقبة أمرهم كان القتل او الجلاء وفي الآية دلالة على النبوة من جهة علم الغيب الذى لا يعلمه إلا الله تعالى وقوله {ولئن نصروهم ليولن الأدبار} جاء على تقدير المستقبل كما يجيء في الماضي بـ (لو) لتبين خورهم وضعف قلوبهم، واللام في قوله {لئن أخرجوا} و {لئن قوتلوا} و {لئن نصروهم} كلها لام القسم. واللام في قوله {ليولن الأدبار} جواب القسم.

الجنابذي

تفسير : {أَلَمْ تَرَ} يا محمّد (ص) او من يمكنه الرّؤية {إِلَى ٱلَّذِينَ نَافَقُواْ} وهو عبد الله بن اُبىٍّ {يَقُولُونَ لإِخْوَانِهِمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ} يعنى بنى النّضير {لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ} من دياركم {لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلاَ نُطِيعُ فيكُمْ أَحَداً أَبَداً} يعنى لا نطيع محمّداً (ص) واصحابه فى القتَال معكم {وَإِن قُوتِلْتُمْ لَنَنصُرَنَّكُمْ وَٱللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ لَئِنْ أُخْرِجُواْ لاَ يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِن قُوتِلُواْ لاَ يَنصُرُونَهُمْ} وكان كذلك حيث وعدهم ابن اُبىٍّ ثمّ تخلّف كما مضى {وَلَئِن نَّصَرُوهُمْ} قضيّة فرضيّة فانّه لم يقع منهم نصرٌ لهم {لَيُوَلُّنَّ ٱلأَدْبَارَ ثُمَّ لاَ يُنصَرُونَ لأَنتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِّنَ ٱللَّهِ} لانّهم لا يخافون من الله ويخالفونه ويخافون منكم ويوافقونكم {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُونَ} لا يعلمون علماً دينيّاً اخرويّاً وكان ادراكاتهم محصورةً على ظاهر الدّنيا ولذلك لا يخافون من الله ويخافون منكم.

الأعقم

تفسير : {ألم تر إلى الذين نافقوا} قيل: نزلت في المنافقين حيث بعث عبد الله بن أبي جماعة من المنافقين إلى بني النضير أن يحصنوا أحصنهم فإنا ننصركم، فأخبر الله تعالى نبيه بذلك وبيَّن أنهم لا يفعلون ذلك، ألم تر تعجيب لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) من حالهم {إلى الذين نافقوا يقولون لإِخوانهم الذين كفروا من أهل الكتاب} يعني بني النضير الذي حاربوا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وبني قريظة {لئن أخرجتم} من ديارنا {لنخرجن معكم} يعني لئن أخرجكم محمد من دياركم بالغلبة {لنخرجن معكم} أروهم بذلك أنهم يوافقونهم في حرب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) {ولا نطيع فيكم أحداً أبداً} أي لا نطيع رسول الله ولا المؤمنين ان أمرونا بخذلانكم وإن قاتلكم محمد {لننصرنكم} عليه {والله يشهد إنهم لكاذبون} في هذا القول {لئن أخرجوا لا يخرجون معهم ولئن قوتلوا لا ينصرونهم ولئن نصروهم ليولن الأدبار ثم لا ينصرون} {لأنتم} يا معشر.... {أشد رهبة في صدورهم من الله} قيل: هذا تعجب من حالهم حيث خافوا المؤمنين ولم يخافوا الله، وقيل: تذكيراً لنعمه عليهم بما ألقى في قلوبهم من الرعب من المسلمين {ذلك بأنهم قوم لا يفقهون} أي لا يعلمون عظمة الله وشدَّة عقابه {لا يقاتلونكم جميعاً} يعني اليهود لا يقاتلون المسلمين {إلا في قرى محصنة أو من وراء جدر} قيل: لاختلاف قلوبهم لا يحشدون البروز للحرب إلا في مواضع حصنة وخلف جدار {بأسهم بينهم شديد} قيل: عداوة بعضهم شديدة {تحسبهم جميعاً وقلوبهم شتى} أي يحسب الناظر أنهم مجتمعون وقلوبهم متفرقة، وقيل: قلوبهم شتى أي قلوب المنافقين وأهل الكتاب، وقيل: أهل الباطل مختلفة أهواءهم وهم مجتمعون على عداوة أهل الحق {ذلك بأنهم قوم لا يعقلون} أمر الله {كمثل الذين من قبلهم قريباً}، قيل: مشركي مكة {ذاقوا وبال أمرهم} جرى قتلهم يوم بدر {كمثل الشيطان} قيل: مثل المنافقين في وعدهم لبني النضير مثل الشيطان في وعده الغرور، وقيل: كمثل الشيطان يوم بدر دعا إلى حرب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فلما رأى الملائكة تنزل رجع القهقرى {قال إني بريء منك} إني بريء منك {إني أخاف الله رب العالمين} ولا بد من محذوف كأنه قيل: فلما كفر استنصره قال إني بريء منك، وقيل: أراد بالشيطان والإِنسان الجنس، وقيل: هو إنسان بعينه كان من الرهبان كان اسمه برصيصاً فأغواه الشيطان بأنه سحبه من بلية وقع فيها فقال له: اسجد لي سجدة واحدة، ففعل، ثم لما احتاج إليه أسلمه حتى قتل عن ابن مسعود وابن عباس، والله أعلم، وفيه قصة طويلة لا تصح أكثرها، ومتى قيل: كيف يقول إني أخاف الله وهو يدعوهم إلى الكفر؟ قلنا: يقولها يوم القيامة، وقيل: قال يوم بدر حين رأى الملائكة {فكان عاقبتهما أنهما في النار} يعني عاقبة الشيطان والإِنسان {انهما في النار خالدين فيها وذلك جزاء الظالمين}.

الهواري

تفسير : قول عز وجل: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُواْ يَقُولُونَ لإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أَهْلِ الْكِتَابِ} تفسير الحسن: يعني قريظة والنضير {لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلاَ نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَداً أَبَداً} يقول المنافقون: لا نطيع فيكم محمداً وأصحابه {وَإِن قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ} فاغترت قريظة بذلك {وَاللهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ لَئِنْ أُخْرِجُواْ لاَ يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِن قُوتِلُواْ لاَ يَنصُرُونَهُمْ وَلَئِن نَّصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الأَدْبَارَ ثُمَّ لاَ يُنصَرُونَ}. فأجلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بني النضير إلى الشام فلم يخرجوا معهم، وقتل بني قريظة بعد ذلك بحكم سعد بن معاذ فلم يقاتلوا معهم. قال الكلبي: كان بين إجلاء بني النضير وقتل بني قريظة سنتان. كانوا مقيمين بالمدينة بعد إجلاء بني النضير في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين. فلما سار أبو سفيان بالأحزاب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم غدرت بنو قريظة نبيَّ الله، وقطعوا الحلف الذي كان بينه وبينهم. فلما هزم الله الأحزاب أمر الله نبيه أن يقاتل بني قريظة. فأرسل إليهم المنافقون: إن أراد محمد أن يخرجكم من المدينة كما أخرج بني النضير فلا تخرجوا، فوالله لئن خرجتم لنخرجن معكم وإن قوتلتم لننصرنكم. فاغتر بنو قريظة بذلك ولزموا حصونهم. فقاتلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم قريباً من شهر. وقذف الله في قلوبهم الرعب فلم ينصروهم. فلما رأت بنو قريظة أن المنافقين قد خذلوهم وأيسوا من نصرتهم نزلوا على حكم سعد بن معاذ، فحكم فيهم أن تقتل مقاتلتهم وتسبى ذراريهم وتقسم أموالهم بين المهاجرين والأنصار. ذكروا عن عبد الله عمر بن سعد بن معاذ عن أبيه أن سعداً لم يحكم فيهم، ولكن النبي عليه السلام أرسل إليه فجاء على حمار فقال: حديث : أشر علي فيهم. فقال سعد: لقد علمتُ أن الله أمرك فيهم بأمرٍ أنت فاعل ما أُمِرتَ به. قال: أشر علي فيهم. قال: لو وُليت أمرهم لقتلت مقاتلتهم وسبيت ذراريهم ونساءهم ولقسمت أموالهم. فقال النبي عليه السلام: والذي نفسي بيده لقد أشرت علي فيهم بالذي أمرني الله به فيهم . تفسير : ذكروا عن عطية القرظي، وكان فيمن عرض على النبي عليه السلام يوم قريظة. فمن نبتت عانته قتل، ومن لم تنبت ترك. قال: فنظروا فإذا عانتي لم تنبت وتركت.

اطفيش

تفسير : {أَلَمْ تَرَ} تنظر {إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا} اظهروا خلاف ما ابطنوا وهم عبدالله بن أُبي بن سلول وغيره من اصحابه وقوم من منافقي الانصار.{يَقُولُونَ لإِخْوَانِهِمُ} في الكفر والموالاة {الَّذِينَ} نعت اخوان {كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ} هم قريظة والنضير {لَئِنْ} اللام موطئة في الاربعة. {أُخْرِجْتُمْ} من المدينة {لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ} منها {وَلا نُطِيعُ فِيكُمْ} في قتالكم وخذلانكم {أَحَداً} من رسول الله والمؤمنين {أَبَداً وَإِن قُوتِلْتُمْ} أي ولئن قوتلتم فحذف اللام بدليل {لَنَنصُرَنَّكُمْ} لنعيننكم واغتروا بما هو كذب كما قال عز وجل {وَاللهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ} لعلمه بانهم لا يفعلون ذلك ولو قالوه كما قال.

الالوسي

تفسير : {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ نَـٰفَقُواْ } حكاية لما جرى بين الكفرة والمنافقين من الأقوال الكاذبة والأحوال الفاسدة، وتعجيب منها بعد حكاية محاسن أحوال المؤمنين على اختلاف طبقاتهم. والخطاب لرسول الله عليه الصلاة والسلام أو لكل أحد ممن يصلح للخطاب. والآية كما أخرج ابن إسحٰق وابن المنذر وأبو نعيم عن ابن عباس نزلت في رهط من بني عوف منهم عبد الله بن أبـي سلول ووديعة بن مالك وسويد وداعس، بعثوا إلى بني النضير بما تضمنته الجمل المحكية بقوله تعالى: {يَقُولُونَ } الخ. وقال السدي: أسلم ناس من بني قريظة والنضير وكان فيهم منافقون فبعثوا إلى بني النضير ما قص الله تعالى، والمعول عليه الأول. وقوله سبحانه: {يَقُولُونَ } استئناف لبيان المتعجب منه، وصيغة المضارع للدلالة على استمرار قولهم، أو لاستحضار صورته. واللام في قوله عز وجل: {لإِخْوَانِهِمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ } للتبليغ؛ والمراد بأخوتهم الأخوة في الدين واعتقاد الكفرة أو الصداقة، وكثر جمع الأخ مراداً به ما ذكر على إخوان، ومراداً به الأخوة في النسب على أخوة، وقل خلاف ذلك. واللام في قوله تعالى: {لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ } موطئة للقسم؛ وقوله سبحانه: {لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ } جواب القسم أي والله لئن أخرجتم من دياركم قسراً لنخرجن من ديارنا معكم البتة ونذهبن في صحبتكم أينما ذهبتم / {وَلاَ نُطِيعُ فيكُمْ } في شأنكم {أَحَدًا } يمنعنا من الخروج معكم وهو لدفع أن يكونوا وعدوهم الخروج بشرط أن يمنعوا منه {أَبَدًا } وإن طال الزمان، وقيل: لا نطيع في قتالكم أو خذلانكم، قال في «الإرشاد»: ((وليس بذاك لأن تقدير القتال مترقب بعد، ولأن وعدهم لهم على ذلك التقدير ليس مجرد عدم طاعتهم لمن يدعوهم إلى قتالهم بل نصرتهم عليه كما ينطق به قوله تعالى: {وَإِن قُوتِلْتُمْ لَنَنصُرَنَّكُمْ } أي لنعاوننكم على عدوكم على أن دعوتهم إلى خذلان اليهود مما لا يمكن صدوره عن رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين حتى يدعوا عدم طاعتهم فيها ضرورة أنها لو كانت لكانت عند استعدادهم لنصرتهم وإظهار كفرهم، ولا ريب في أن ما يفعله عليه الصلاة والسلام عند ذلك قتلهم لا دعوتهم إلى ترك نصرتهم، وأما الخروج معهم فليس بهذه المرتبة من إظهار الكفر لجواز أن يدّعوا أن خروجهم معهم لما بينهم من الصداقة الدنيوية لا للموافقة في الدين))، ونوقش في ذلك. وجواب {إِن} محذوف، و {لَنَنصُرَنَّكُمْ } جواب قسم محذوف قبل {إِن} الشرطية، وكذا يقال فيما بعد على ما هو القاعدة المشهورة فيما إذا تقدم القسم على الشرط {وَٱللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَـٰذِبُونَ } في مواعيدهم المؤكدة بالأيمان.

ابن عاشور

تفسير : أعقب ذكر ما حلّ ببني النضير وما اتصل به من بيان أسبابه، ثم بيانِ مصارف فيْئهم وفَيْء ما يُفتح من القرى بعد ذلك، بذكر أحوال المنافقين مع بني النضير وتغريرهم بالوعود الكاذبة ليعلم المسلمون أن النفاق سجية في أولئك لا يتخلون عنه ولو في جانب قوم هم الذين يودُّون أن يظهروا على المسلمين. والجملة استئناف ابتدائي والاستفهام مستعمل في التعجيب من حال المنافقين فبني على نفي العلم بحالهم كناية عن التحريض على إيقاع هذا العلم كأنه يقول: تأمَّل الذين نافقوا في حال مقالتهم لإِخوانهم ولا تترك النظر في ذلك فإنه حال عجيب، وقد تقدم تفصيل معنى: {ألم تر} إلى كذا عند قوله تعالى: {أية : ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم}تفسير : في سورة [البقرة: 243]. وجملة {يقولون} في موضع المفعول الثاني. والتقدير: ألم تَرَهم قائلين. وجيء بالفعل المضارع لقصد تكرر ذلك منهم، أي يقولون ذلك مؤكّدينه ومكرِّرينه لا على سبيل البداء أو الخاطر المعدول عنه. و{الذين نافقوا} المخبر عنهم هنا هم فريق من بني عوف من الخزرج من المنافقين سمي منهم عبد الله بنُ أُبيّ ابنُ سلول، وعبد الله بن نبتَل، ورفاعة بن زيد، ورافعة بن تابوت، وأوس بن قيظي، ووديعة بن أبي قوتل، أو ابن قوقل، وسويد (لم يُنسب) وداعس (لم ينسب)، بَعثوا إلى بني النضير حين حاصر جيش المسلمين بني النضير يقولون لهم: اثبتوا في معاقلكم فإنَّا معكم. والمراد بإخوانهم بنو النضير وإنما وصفهم بالإِخوة لهم لأنهم كانوا متّحدين في الكفر برسالة محمد صلى الله عليه وسلم وليست هذه أخوة النسب فإن بني النضير من اليهود، والمنافقين الذين بَعثوا إليهم من بني عوف من عرب المدينة وأصلهم من الأزد. وفي وصف إخوانهم بـ{الذين كفروا} إيماء إلى أن جانب الأخوة بينهم هو الكفر إلا أن كفر المنافقين كفرُ الشرك وكفر إخوانهم كفر أهل الكتاب وهو الكفر برسالة محمد صلى الله عليه وسلم. ولام {لئن أخرجتم} موطئة للقسم، أي قالوا لهم كلاماً مؤكداً بالقسم. وإنما وعدوهم بالخروج معهم ليطمئنُّوا لنصرتهم فهو كناية عن النصر وإلاَّ فإنهم لا يرضون أن يفارقوا بلادهم. وجملة {ولا نطيع فيكم أحداً} معطوفة على جملة {لئن أخرجتم} فهي من المقول لا من المقسَم عليه، وقد أُعريت عن المؤكد لأن بني النضير يعلمون أن المنافقين لا يطيعون الرسول صلى الله عليه وسلم والمسلمين فكان المنافقون في غنية عن تحقيق هذا الخبر. ومعنى {فيكم} في شأنكم، ويعرف هذا بقرينة المقام، أي في ضركم إذ لا يخطر بالبال أنهم لا يطيعُون من يَدعوهم إلى موالاة إخوانهم، ويقدر المضاف في مثل هذا بما يناسب المقام. ونظيره قوله تعالى: {أية : فترى الذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم}،تفسير : [المائدة: 52] أي في الموالاة لهم. ومعنى {لننصرنكم} لنعيننكم في القتال. والنصر يطلق على الإِعانة على المعادي. وقد أعلم الله رسوله صلى الله عليه وسلم بأنهم كاذبون في ذلك بعد ما أعلمه بما أقسموا عليه تطميناً لخاطره لأن الآية نزلت بعد إجْلاء بني النضير وقبل غزو قريظة لئلا يتوجس الرسول صلى الله عليه وسلم خِيفة من بأس المنافقين، وسمى الله الخبر شهادة لأنه خبر عن يقين بمنزلة الشهادة التي لا يتجازف المخبر في شأنها.

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 11- ألم تنظر - متعجباً - إلى المنافقين، يتكرر منهم القول لإخوانهم الذين كفروا من أهل الكتاب - وهم بنو النضير -: والله إن أُجبرتم على الخروج من المدينة لنخرجن معكم، ولا نطيع فى شأنكم أحداً مهما طال الزمان، وإن قاتلكم المسلمون لننصركم، والله يشهد إن المنافقين لكاذبون فيما وعدوا به. 12- لئن أُخرج اليهود لا يخرج المنافقون معهم، ولئن قوتلوا لا ينصرونهم، ولئن نصروهم ليفرون مدبرين ثم لا ينصرون. 13- لأنتم - أيها المسلمون - أشد مهابة فى صدور المنافقين واليهود من الله؛ ذلك لأنهم قوم لا يعلمون حقيقة الإيمان. 14- لا يقاتلكم اليهود مجتمعين إلا فى قرى محصنة أو من وراء جدران يستترون بها، بأسهم بينهم شديد، تظنهم مجتمعين متحدين مع أن قلوبهم متفرقة، اتصافهم بهذه الصفات لأنهم قوم لا يعقلون عواقب الأمور. 15- مثل بنى النضير كمثل الذين كفروا من قبلهم قريباً ذاقوا فى الدنيا عاقبة كفرهم ونقضهم العهود، ولهم فى الآخرة عذاب شديد الألم. 16- مثل المنافقين فى إغرائهم بنى النضير - بالتمرد على رسول الله - كمثل الشيطان حين أغرى الإنسان بترك الإيمان، فقال له: أكفر، فلما كفر قال، إنى برئ منك. إنى أخاف الله رب العالمين.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: ألم تر: أي ألم تنظر. نافقوا: أي أظهروا الإِيمان وأخفوا في نفوسهم الكفر. لإِخوانهم الذين كفروا من أهل الكتاب: أي يهود بني النضير. لئن أخرجتم: أي من دياركم بالمدينة. لنخرجن معكم: أي نخرج معكم ولا نبقى بعدكم في المدينة. وإن قوتلتم: أي قاتلكم محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه. لننصرنكم: أي بالرجال والسلاح. والله يشهد إنهم لكاذبون: أي فيما وعدوا به إخوانهم من بني النضير. ولئن نصروهم: أي وعلى فرض أنهم نصروهم ليولن الأدبار ثم لا ينصرون المنافقون كاليهود سواء. لأنتم أشد رهبة في صدورهم: أي تالله لأنتم أشد خوفاً في صدورهم. من الله: لأن الله تعالى يؤخر عذابهم وأنتم تعجلونه لهم. ذلك بأنهم: أي المنافقين. قوم لا يفقهون: لظلمة كفرهم وعدم استعدادهم للفهم عن الله ورسوله. لا يقاتلونكم جميعا: أي لا يقاتلكم يهود بني النضير مجتمعين. إلا في قرىً محصنة: أي بالأسوار العالية. أو من وراء جُدُر: أي من وراء المباني والجدران أما المواجهة فلا يقدرون عليها. بأسهم بينهم شديد: أي العداوة بينهم شديدة والبغضاء أشد. تحسبهم جميعاً: أي مجتمعين. وقلوبهم شتى: أي متفرقة خلاف ما تحسبهم عليه. بأنهم قوم لا يعقلون: إذ لو كانوا يعقلون لاجتمعوا على الحق ولا ما كفروا به وتفرقوا فيه فهذا دليل عدم عقلهم. معنى الآيات: ما زال السياق في الحديث عن غزوة بني النضير فيقول تعالى لرسوله محمد صلى الله عليه وسلم {أَلَمْ تَرَ} أي تنظر يا رسولنا إلى الذين نافقوا وهم عبدالله بن أبي بن سلول ووديعة ومالك ابنا نوفل وسويد وداعس إذ بعثوا إلى بني النضير حين نزل بساحتهم رسول الله صلى الله عليه وسلم لحربهم بعثوا إليهم أن اثبتوا وتمنعوا وإن قوتلتم قاتلنا معكم وإن أخرجنا خرجنا معكم غير أنهم لم يفوا لهم ولم يأتهم منهم أحد وقذف الله الرعب في قلوبهم فسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يُجليهم ويكف عن دمائهم على أن لهم ما حملت الإِبل من أموالهم إلا الحلْقة "السلاح" هذا معنى قوله تعالى {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ نَافَقُواْ يَقُولُونَ لإِخْوَانِهِمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} من أهل الكتاب "يهود بني النضير" لئن أخرجتم من المدينة لنخرجن معكم، ولا نطيع فيكم أي في نصرتكم والوقوف إلى جنبكم أحداً كائنا من كان وإن قوتلتم أي قاتلكم محمد صلى الله عليه وسلم ورجاله لننصرنكم. والله يشهد إنهم لكاذبون فيما قالوا لهم وفعلا لم يقاتلوا معهم ولم يخرجوا معهم كما خرجوا من ديارهم. وهو قوله تعالى {لَئِنْ أُخْرِجُواْ لاَ يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِن قُوتِلُواْ لاَ يَنصُرُونَهُمْ} وعلى فرض أنهم نصروهم ليولن الأدبار هاربين من المعركة، ثم لا ينصرون اليهود كالمنافقين سواء. وقوله تعالى: {لأَنتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِّنَ ٱللَّهِ} يخبر تعالى رسوله والمؤمنين بأنهم أشد رهبة أي خوفاً في صدور المنافقين من الله تعالى لأنهم يرون أن لله تعالى يؤجل عذابهم، وأما المؤمنون فإنهم يأخذونهم بسرعة للقاعدة (من بدل دينه فاقتلوه) فإذا أعلنوا عن كفرهم وجب قتلهم وقتالهم. وقوله تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُونَ} هذا بيان لجبنهم وخوفهم الشديد من الرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنين. إذ لو كانوا يفقهون لما خافوا البعد ولم يخافوا المعبود. وقوله تعالى: {لاَ يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعاً} أي اليهود والمنافقون {إِلاَّ فِي قُرًى مُّحَصَّنَةٍ} بأسوار وحصون أو من وراء جدر أي في المباني ووراء الجدران. وقوله تعالى {بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ} أي العداوة بينهم قوية والبغضاء شديدة تحسبهم جميعاً في الظاهر وأنهم مجتمعون ولكن {وَقُلُوبُهُمْ شَتَّىٰ} أي متفرقة لا تجتمع على غير عداوة الإِسلام وأهله، وذلك لكثرة أطماعهم وأغراضهم وأنانيتهم وأمراضهم النفسية والقلبية. وقوله تعالى {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْقِلُونَ} إذ لو كانوا يعقلون لما حاربوا الحق وكفروا به وهم يعملون فعرضوا أنفسهم لغضب الله ولعنته وعذابه. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- تقرير حقيقة وهي أن الكفر ملة واحدة وأن الكافرين إخوان. 2- خلف الوعد آية النفاق وعلاماته البارزة. 3- الجبن والخوف صفة من صفات اليهود اللازمة لهم ولا تنفك عنهم. 4- عامة الكفار يبدون متحدين ضد الإِسلام وهم كذلك ولكنهم فيما تمزقهم العداوات وتقطعهم الأطماع وسوء الأغراض والنيات.

د. أسعد حومد

تفسير : {لإِخْوَانِهِمُ} {ٱلْكِتَابِ} {لَئِنْ} {لَكَاذِبُونَ} (11) - أَرْسَلَ رَئِيسُ المُنَافِقِينَ عَبدُ اللهِ بْنُ أُبَيِّ بْنِ سَلُولٍ وَعَدَدٌ مِنَ المُنَافِقِينَ مَعَهُ إِلَى يَهُودِ بَنِي النَّضِيرِ يَعِدُونَهُمُ النُّصْرَةَ إِنْ قَاتَلهُم المُسْلِمُونَ، والخُرُوجَ مَعَهُمْ مِنْ أَرْضِهِمْ إِنْ أُخْرِجُوا، وَعَدَّ اللهُ المُنَافِقِينَ كَفَرَةً، وَإِخْوَاناً لِلكَافِرِينَ مِنَ اليَهُودِ.. ثُمَّ يُؤَكِّدُ تَعَالَى أَنَّ هَؤُلاَءِ المُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ فِيمَا يَعِدُونَ بِهِ اليَهُودَ. المُنَافِقُ - هُوَ الذِي يُظْهِرُ غَيْرَ مَا يُبْطِنُ، وَالذِي يُبَالِغُ فِي إِخْفَاءِ مُعْتَقَدِهِ.

الثعلبي

تفسير : {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ نَافَقُواْ}، أي أظهروا خلاف ما أضمروا، وهو مأخوذ من (نافقاء اليربوع) وهي أخذ جحرته، إذا أُخذ عليه جحر أخذ من جحر آخر، فيقال عند ذلك: نفق ونافق، فشبه فعل المنافق بفعل اليربوع؛ لأنه يدخل من باب ويخرج من باب، فكذلك المنافق يدخل في الإسلام باللفظ ويخرج منه بالعقد. والنفاق لفظ إسلامي لم يكن يعرفه العرب قبل الإسلام. {يَقُولُونَ لإِخْوَانِهِمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ} وهم بنو قريظة والنضير {لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ} من دياركم {لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلاَ نُطِيعُ فيكُمْ أَحَداً} سألنا خذلانكم وخلافكم {أَبَداً وَإِن قُوتِلْتُمْ لَنَنصُرَنَّكُمْ وَٱللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ * لَئِنْ أُخْرِجُواْ لاَ يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِن قُوتِلُواْ لاَ يَنصُرُونَهُمْ وَلَئِن نَّصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ ٱلأَدْبَارَ ثُمَّ لاَ يُنصَرُونَ * لأَنتُمْ} يا معشر المؤمنين {أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِّنَ ٱللَّهِ} يقول: يرهبونكم أشدّ من رهبتهم من الله {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُونَ * لاَ يُقَاتِلُونَكُمْ} يعني اليهود {جَمِيعاً إِلاَّ فِي قُرًى مُّحَصَّنَةٍ}، ولا يبرزون لكم بالقتال {أَوْ مِن وَرَآءِ جُدُرٍ}. قرأ ابن عباس ومجاهد وابن كثير وابو عمرو: (جدار) بالألف على الواحد. وروي عن بعض أهل مكّة: (جَدْر) بفتح الجيم وجزم الدال وهي لغة في الجدار. وقرأ يحيى بن وثاب (جُدْر)، بضم الجيم وسكون الدال. وقرأ الباقون بضمّهما. {بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ} يعني: بعضهم فظّ على بعض وبعضهم عدوّ لبعض، وعداوتهم بعضهم بعضاً شديدة. وقيل: بأسهم فيما بينهم من وراء الحيطان والحصون شديدة، فإذا خرجوا لكم فهم أجبن خلق الله سبحانه. {تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّىٰ} متفرقة مختلفة. قال قتادة: أهل الباطل مختلفة أهواؤهم، مختلفة شهاداتهم مختلفة أعمالهم وهم مجتمعون في عداوة أهل الحق، وقال مجاهد: أراد أن دين المنافقين يخالف دين اليهود {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْقِلُونَ * كَمَثَلِ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ} يعني مثل هؤلاء كمثل الذين من قبلهم وهم مشركو مكة. {قَرِيباً ذَاقُواْ وَبَالَ أَمْرِهِمْ} يوم بدر قاله مجاهد، وقال ابن عباس: كمثل الذين من قبلهم يعني بني قينقاع. وقيل: مثل قريظة كمثل بني النضير وكان بينهما سَنتان، فربما ذاقوا وبال أمرهم الجلاء والنفي. {وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}. ثم ضرب مثلا للمنافقين واليهود في تخاذلهم فقال عزّ من قائل: {كَمَثَلِ ٱلشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلإِنسَانِ ٱكْفُرْ} الآية. أخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا الباقرحي قال: حدّثنا الحسن بن علوُية قال: حدّثنا إسماعيل بن عيسى قال: حدّثنا إسحاق بن بشر قال: حدّثنا مقاتل عن عطاء عن ابن عباس وعبد الرحمن بن يزيد عن أبيه عن ابن عباس في قوله سبحانه: {فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيۤءٌ مِّنكَ} الآية قال: كان راهب في الفترة يُقال له بَرصيصَا وكان قد تعبّد في صومعة لهُ سبعين سنة لم يعص الله فيها طرفة عين وأن إبليس أعياه في أمره الحيل، فلم يستطيع له شيء فجمع ذات يوم مردة الشياطين فقال: ألا أحدٌ منكم يكفيني أمر بَرصيصا، فقال الأبيض، وهو صاحب الأنبياء وهو الذي يتصدى للنبي صلى الله عليه وسلم وجاءه في صورة جبرائيل ليوسوسُ إليه على وجهِ الوحي فجاءه جبرائيل حتى دخل بينهما فدفعه بيده دفعة هينةً فوقع من دفعة جبرائيل إلى أقصى أرض الهند، فذلك قوله سبحانه: {أية : ذِي قُوَّةٍ عِندَ ذِي ٱلْعَرْشِ مَكِينٍ * مُّطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ} تفسير : [التكوير: 20]. فقال الأبيض لإبليس: أنا أكفيك فانطلق فتزيّن بزينة الرهبان وحلق وسط رأسِهِ ثم مضى حتى أتى صومعة بَرصيصا فناداه فلم يجبه برصيصا وكان لا ينفتل عن صلاته إلاّ في كل عشرة أيام ولا يفطر إلاّ في عشرة أيام مرّة، فكان يواصل الأيام العشرة والعشرين والأكثر، فلما رأى الأبيض أنَّه لا يجيبه أقبل على العبادة في أصل صومعتهِ فلما أنفتر برصيصا اطّلع من صومعته ورأى الأبيض قائماً مُنتصباً يُصلّي في هيئة حسنة من هيئة الرهبان فلما رأى ذلك من حاله ندم في نفسه حين لها عنه فلم يجبه، فقال له: إنّك ناديتني وكنت مُشتغلا عنك فحاجتك ؟ قال: حاجتي أني أحببت أن أكون معك فأنادبك وأقتبس من علمك ونجتمع على العبادة فتدعو لي وأدعو لك قال: برصيصا: إني لفي شغل عنك فإن كنت مؤمناً فإن الله سبحانه سيجعل لك فيما أدعو للمؤمنين والمؤمنات نصيباً إن استجاب لي، ثم أقبل على صلاته وترك الأبيض، وأقبل الأبيض يُصلي فلم يلتفت إليه برصيصا أربعين يوماً بعدها، فلمّا انفتل رآه قائماً يصلي، فلمّا رآى برصيصا شدّة اجتهاده وكثرة تضرّعه وابتهاله الى الله سبحانه كلّمه وقال له: حاجتك؟ قال: حاجتي أن تأذن لي فارتفع إليك، فأذن له فارتفع إليه في صومعته فأقام الأبيض معه حولا يتعبد لا يفطر إلاّ في كل أربعين يوماً ولا ينفتل عن صلاته إلاّ في كل أربعين يوماً مرّة وربّما مدَّ الى الثمانين، فلما رأى برصيصا أجتهاده تفاطرت إليه نفسه فأعجبه شأن الأبيض، فلما حال الحول قال الأبيض لبرصيصا: إني منطلق فأنَّ لي صاحباً غيرك ظننت أنك أشدّ اجتهاداً ممّا أرى، وكان يبلغنا عنك غير الذي رأيت، قال: فدخل على برصيصا من ذلك أمر شديد وكره مفارفته للّذي رأى من شدّة اجتهاده، فلما ودّعه قال له الأبيض: إنَّ عندي دعوات أعلّمكها أياك تدعو بهن فهي خير مما أنت فيه، يشفي الله بها السقيم، ويعافي بها المبتلى والمجنون، قال برصيصا: إني أكره هذه المنزلة، لأن لي في نفسي شغلا وإني أخاف إنْ علم بهذا الناس شغلوني عن العبادة، فلم يزل به الأبيض حتى علّمه، ثم انطلق حتى أتى أبليس فقال له: قد والله أهلكتُ الرجل، قال: فانطلق الأبيض فتعرّض لرجل فخنقه ثم جاءه في صورة رجل متطبّب فقال لأهله: إنَّ بصاحبكم جنوناً فأعالجه؟ قالوا: نعم، فقال لهم: إني لا أقوى على جنِّيَته ولكن سأرشدكم الى من يدعو الله عزّ وجلّ فيعافى، فقالوا له: دلّنا، فانطلقوا الى برصيصا فإنَّ عنده أسم الله الذي إذا دعى به أجاب، قال: فانطلقوا إليه فسألوه ذلك فدعا بتلك الكلمات فذهب عنهُ الشيطان، وكان يفعل الأبيض بالناس مثل، من مكانك قال: وما هي؟ قال: تسجد لي، قال: أفعل، فسجد له، فقال: يا برصيصا هذا الذي أردت منك صارت عاقبة أمرك الى أن كفرت بربّك فلما كفر قال: {إِنِّيۤ أَخَافُ ٱللَّهَ رَبَّ ٱلْعَالَمِينَ} يقول الله سبحانه: {فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَآ} يعني الشيطان وذلك الإنسان {أَنَّهُمَا فِي ٱلنَّارِ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَآءُ ٱلظَّالِمِينَ}. قال ابن عباس: فضرب الله هذا المثل ليهود بني النضير والمنافقين من أهل المدينة، وذلك أن الله سبحانه أمر نبيّه (عليه السلام) أن يخلي بني النضير عن المدينة، فدسّ المنافقون إليهم، فقالوا: لا تجيبوا محمداً الى مادعاكم ولا تخرجوا من دياركم فإن قاتلكم كنا معكم وإن أخرجكم خرجنا معكم. قال: فأطاعوهم فدربوا على حصونهم وتحصّنوا في ديارهم رجاء نصر المنافقين حتى جاءهم النبي صلى الله عليه وسلم فناصبوه الحرب يرجون نصر المنافقين فخذلوهم وتبرّؤوا منهم كما تبرّأ الشيطان من برصيصا وخذله. قال ابن عباس: فكانت الرهبان بعد ذلك في بني إسرائيل لا يمشون إلاّ بالتقية والكتمان وطمع اهل الفجور والفسق في الاحبار فرموهم بالبهتان والقبيح، حتى كان أمر جريج الراهب، فلمّا برّأ الله جريجاً الراهب مما رموه به فانبسطت بعدها الرهبان وظهروا للناس. {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ} باداء فرائضه واجتناب معاصيه {وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ} يعني يوم القيامة {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ * وَلاَ تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ نَسُواْ ٱللَّهَ} أي نسوا حق الله وتركوا أمره {فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ} يعني حظ أنفسهم أن يقدّموا لها خيراً {أُولَـٰئِكَ هُمُ ٱلْفَاسِقُونَ * لاَ يَسْتَوِيۤ أَصْحَابُ ٱلنَّارِ وَأَصْحَابُ ٱلْجَنَّةِ أَصْحَابُ ٱلْجَنَّةِ هُمُ ٱلْفَآئِزُونَ * لَوْ أَنزَلْنَا هَـٰذَا ٱلْقُرْآنَ عَلَىٰ جَبَلٍ} وركبّنا فيه العقل {لَّرَأَيْتَهُ} في صلابته ورزانته {خَاشِعاً} ذليلا خاضعاً {مُّتَصَدِّعاً} يعني متشققاً {مِّنْ خَشْيَةِ ٱللَّهِ وَتِلْكَ ٱلأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ * هُوَ ٱللَّهُ ٱلَّذِي لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ عَالِمُ ٱلْغَيْبِ} وهو ما غاب عن العباد مما لم يعاينوه ولم يعلموه {وَٱلشَّهَادَةِ} وهي ماعلموه وشاهدوه، وقال الحسن: يعني السرّ والعلانية. {هُوَ ٱلرَّحْمَـٰنُ ٱلرَّحِيمُ * هُوَ ٱللَّهُ ٱلَّذِي لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ٱلْمَلِكُ} وهو ذو الملك وقيل: القادر على اختراع الأعيان {ٱلْقُدُّوسُ} الظاهر من كل عيب المنزه عما لايليق به. قال قتادة: المبارك، وقال ابن كيسان: الممجّد وهو بالسريانية قديشا. {ٱلسَّلاَمُ ٱلْمُؤْمِنُ} قال بعضهم: المصدّق لرسله باظهار معجزاته عليهم، ومصدّق للمؤمنين ما وعدهم من الثواب وقابل إيمانهم، ومصدق للكافرين ما أوعدهم من العقاب. قال ابن عباس ومقاتل: هو الذي آمن الناس من ظلمه وآمن من آمن به من عذابه من الإيمان الذي هو هذا التخويف كما قال: {أية : وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ} تفسير : [قريش: 4] . وقال النابغة: شعر : والمؤمن العائذات الطير يمسحها ركبان مكة بين الغيل والسند تفسير : وقال ابن زيد: هو الذي يصدّق المؤمنين إذا وحّدُوه، وقال الحسين بن الفضل: هو الداعي الى الإيمان والآمر به والموجب لأهله اسمه. القرظي: هو المجير كما قال: {أية : وَهُوَ يُجْيِرُ وَلاَ يُجَارُ عَلَيْهِ} تفسير : [المؤمنون: 88] . {ٱلْمُهَيْمِنُ} قال ابن عباس ومجاهد وقتادة: الشهيد. ضحاك: الأمين. ابن زيد: المصدّق. ابن كيسان: هو اسم من أسماء الله في الكتب، الله أعلم بتأويله. عطا: المأمون على خلقه. الخليل: هو الرقيب. يمان: هو المطّلع. سعيد بن المسيب: القاضي. المبرد: [المهيمن في معنى مؤيمن إلاّ أن الهاء بدل من الهمزة]. قال أبو عبيدة: هي خمسة أحرف في كلام العرب على هذا الوزن: المهيمن والمسيطر والمبيطر والمنيقر وهو الذاهب في الأرض، والمخيمر اسم جبل. {ٱلْعَزِيزُ ٱلْجَبَّارُ} قال ابن عباس: هو العظيم، وجبروت الله عظمته، وهو على هذا القول صفة ذات، وقيل: هو من الجبر وهو الإصلاح، يقال: جبرت العظم إذا أصلحته بعد كسر، وجبرت الأمر، والجبر وجبرته فجبر تكون لازماً ومتعدياً قال العجاج: شعر : قد جبر الدين الإله فجبر تفسير : ونظيره في كلام العرب: دلع لسانه فدلع، وفغر فاه ففغر، وعمّر الدار فعمرت، وقال السدي: هو الذي يقهر الناس ويجبرهم على ما اراد. أخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا عبد الله بن يوسف، قال: حدّثنا عبد الله بن محمد بن عبد العزيز البغوي، قال: حدّثنا محمد بن بكار بن الريان. قال حدّثنا أبو معشر عن محمد بن كعب قال: إنما يسمّى الجبار، لأ نَّه جبر الخلق على ما أراد والخلق أرق شأناً من أن يعصوا (له أمراً) بل طرفة عين إلاّ بما أراد، وسُئل بعض الحكماء عن معنى الجبّار فقال: هو القهّار الذي إذا أراد أمراً فعله وحكم فيه بما يريد لا يحجزه عنه حاجز ولا يفكّر فيمن دُونه. إن آدم أجتبي من غير طاعة وإن أبليس لعن على كثرة الطاعة، وقيل: هو الذي لا تناله الأيدي، من قول العرب: نخلة جبّارة، إذا طالت وفاتت الأيدي قال الشاعر: شعر : سوامق جبار أثيث فروُعه وعالين قنواناً من البسر أحمرا تفسير : {ٱلْمُتَكَبِّرُ} عن كل سوء، المتعظّم عمّا لا يليق به، وأصل الكبر والكبرياء: الأمتناع وقلة الإنقياد، قال حميد بن ثور: عفت مثل ما يعفو الفصيل فأصبحت بها كبرياء الصعب وهي ذلول {ٱلْخَالِقُ} المقدّر المقلّب للشي بالتدبير الى غيره كما قال: {أية : يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُـمْ خَلْقاً مِّن بَعْدِ خَلْقٍ} تفسير : [الزمر: 6] وقال: {أية : خَلَقَكُمْ أَطْوَاراً} تفسير : [نوح: 14] المنشيء للأعيان من العدم الى الوجود {ٱلْمُصَوِّرُ} الممثل للمخلوقات والعلامات المميّزة والهيئات المتفرّقة حتى يتميّز بها بعضها من بعض يقال: هذه صورة الأمر أي مثاله، فأولا يكون خلقاً ثم (نطفة ثمّ علقة) ثم تصويراً إذا انتهى وكمل، والله أعلم. {لَهُ ٱلأَسْمَآءُ ٱلْحُسْنَىٰ يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ }. أخبرنا أحمد بن محمد بن يعقوب الفقيه بالقصر قال: أخبرنا إسماعيل بن محمد بن إسماعيل ببغداد قال: حدّثنا الحسن بن عرفة قال: حدّثنا محمد بن صالح الواسطي عن سليمان ابن محمد عن عمر بن نافع عن أبيه قال: قال عبد الله بن عمر: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم قائماً على هذا المنبر يعني منبر رسول صلى الله عليه وسلم وهو يحكي عن ربّه سبحانه فقال: "حديث : إنَّ الله تعالى إذا كان يوم القيامة جمع السموات والأرضين السبع في قبضته تبارك وتعالى ثم قال هكذا وشدّ قبضته ثم بسطها ثم يقولُ: أنا الله أنا الرحمن أنا الرحيم أنا الملك أنا القدّوس أنا السلام أنا المؤمن أنا المهيمن أنا العزيز أنا الجبّار أنا المتكبّر أنا الذي بدأت الدنيا ولم تك شيئاً، أنا الذي أعدتها أين الملوك أين الجبابرة ". تفسير : أخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن وهب قال: حدّثنا محمد بن يونس الكريمي قال: حدّثنا عمرو بن عاصم قال حدثنا أبو الأشهب عن يزيد بن آبان عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : من قرأ آخر سورة الحشر غُفر له ما تقدّم من ذنبه وما تأخّر ". تفسير : وأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن شنبة قال: حدّثنا ابن وهب قال: حدثنا أحمد بن أبي سريح وأحمد بن منصور الرمادي قالا: حدّثنا أبو أحمد الزبيدي قال: حدّثنا خالد بن سليمان قال: حدّثني نافع عن أبي نافع عن معقل بن يسار أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : من قال حين يصبح ثلاث مرات: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم وقرأ ثلاث آيات من آخر سورة الحشر، وكّل الله به سبعين ألف ملك يُصلّون عليه حتى يمسي، فأن مات في ذلك اليوم مات شهيداً، ومن قال حين يمسي كان بتلك المنزلة ". تفسير : وأخبرني محمد بن القاسم قال: حدّثنا عبد الله بن محمد قال: حدّثنا السماح قال: حدّثنا أحمد بن الفرح قال: حدّثنا أبو عثمان يعني المؤذن قال: حدّثنا محمد بن زياد قال: سمعت أبا أمامة يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : من قرأ خواتيم الحشر من ليل أو نهار فقبض في ذلك اليوم أو الليلة فقد أوجب الجنة ". تفسير : وأخبرني ابن القاسم قال حدّثنا ابن بختيار قال: حدثنا مكي بن عيدان قال: حدّثنا إبراهيم ابن عبد الله قال: حدّثنا عمرو بن عاصم قال: حدّثنا أبو الأشهب قال: حدّثنا يزيد الرقاسي عن أنس أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : من قرأ آخر سورة الحشر: لو أنزلنا هذا القرآن على جبل الى آخرها فمات من ليلته مات شهيداً ". تفسير : وأخبرني أبو عثمان بن أبي بكر الحبري قال: حدثنا أبو الحسين محمد بن محمد الحجاجي قال: أخبرنا عبد الله بن أبان بن شداد أن إسماعيل بن محمد الحبريني حدّثهم قال: حدثنا علي بن زريق قال: حدثنا هشام عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار حديث : عن أبي هريرة قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن اسم الله الأعظم فقال: "عليك بأخر سورة الحشر فأكثر قراءتها، فاعدت عليه فعاد عليّ، فأعدت عليه فعاد عليّ" .

الصابوني

تفسير : المنَاسَبَة: لما ذكر تعالى أوصاف المؤمنين الصادقين، أعقبه بذكر أوصاف المنافقين المخادعين، الذين تركوا نصرة المؤمنين وصادقوا اليهود وحالفوهم على حرب المسلمين، ثم ذكر البون الشاسع بين أصحاب النار وأصحاب الجنة، وأنهم لا يستوون في الحال ولا المآل، وختم السورة الكريمة بذكر بعض أسماء الله الحسنى، وصفاته العليا. اللغَة: {شَتَّىٰ} متفرقة تشتَّت جمعهم أي تفرق {خَاشِعاً} ذليلاً خاضعاً {مُّتَصَدِّعاً} متشققاً تصدَّع البنيان أي تشقق {ٱلْقُدُّوسُ} المنزَّه عن كل نقص وعيب {ٱلْمُؤْمِنُ} المصدّق لرسله بالمعجزات {ٱلْمُهَيْمِنُ} الرقيب على كل شيء {ٱلْعَزِيزُ} القويُ الغالب {ٱلْجَبَّارُ} العظيم القاهر، صاحب العظمة والجبروت {ٱلْمُتَكَبِّرُ} المبالغ في الكبرياء والعظمة {ٱلْبَارِىءُ} المبدع المخترع {ٱلْمُصَوِّرُ} خالق الصور. التفسِير: {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ نَافَقُواْ} تعجيبٌ من الله تعالى لرسوله من حال المنافقين أي ألا تعجب يا محمد من شأن هؤلاء المنافقين الذين أظهروا خلاف ما أضمروا؟ {يَقُولُونَ لإِخْوَانِهِمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ} أي يقولون ليهود بني قريظة والنضير الذين كفروا برسالة محمد صلى الله عليه وسلم {لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ} أي لئن أخرجتم من المدينة لنخرجنَّ معكم منها قال في التسهيل: نزلت في عبد الله بن أُبي بن سلول وقوم من المنافقين، بعثوا إِلى بني النضير وقالوا لهم: اثبتوا في حصونكم فإِنا معكم كيف ما تقلبت حالكم، وإِنما جعل المنافقين إِخوانهم لأنهم كفار مثلهم {وَلاَ نُطِيعُ فيكُمْ أَحَداً أَبَداً} أي ولا نطيع أمر محمد في قتالكم، ولا نسمع من أحدٍ إِذا أمرنا بخذلانكم {وَإِن قُوتِلْتُمْ لَنَنصُرَنَّكُمْ} أي ولئن قاتلكم أحد لنعاوننكم على عدوكم ونكون بجانبكم {وَٱللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ} أي والله يشهد إِن المنافقين لكاذبون فيما قالوه ووعدوهم به.. ثم أخبر الله عن حال المنافقين بالتفصيل فقال {لَئِنْ أُخْرِجُواْ لاَ يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ} أي لئن أخرج اليهود لا يخرج المنافقون معهم {وَلَئِن قُوتِلُواْ لاَ يَنصُرُونَهُمْ} أي ولئن قوتل اليهود لا ينصرهم المنافقون ولا يقاتلون معهم قال القرطبي: وفي هذا دليل على صحة نبوَّة محمد صلى الله عليه وسلم من جهة أمر الغيب، لأنهم أُخرجوا فلم يخرجوا معهم، وقوتلوا فلم ينصروهم كما أخبر عنه القرآن {وَلَئِن نَّصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ ٱلأَدْبَارَ ثُمَّ لاَ يُنصَرُونَ} أي ولئن جاءوا لنصرتهم وقاتلوا معهم - على سبيل الفرض والتقدير - فسوف ينهزمون، ثم لا ينفعهم نصرة المنافقين قال الإِمام الفخر: أخبر تعالى أن هؤلاء اليهود لئن أخرجوا فإِن المنافقين لا يخرجون معهم - وقد كان الأمر كذلك، فإِن بني النضير لما أُخرجوا لم يخرج معهم المنافقون وقُوتلوا كذلك فما نصروهم - وأما قوله تعالى {وَلَئِن نَّصَرُوهُمْ} فهذا على سبيل الفرض والتقدير أي بتقدير أنهم أرادوا نصرتهم لا بدَّ وأن يتركوا تلك النصرة وينهزموا {لأَنتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِّنَ ٱللَّهِ} أي لأنتم يا معشر المسلمين أشدُّ خوفاً وخشيةً في قلوب المنافقين من الله، فإِنهم يرهبون ويخافون منكم أشدَّ من رهبتهم من الله {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُونَ} أي ذلك الخوف منكم بسبب أنهم لا يعلمون عظمة الله تعالى حتى يخشوه حقَّ خشيته قال القرطبي: أي لا يفقهون قدر عظمة الله وقدرته .. ثم أخبر تعالى عن اليهود والمنافقين بأنهم جبناء من شدة الهلع، وأنهم لا يقدرون على قتال المسلمين إِلا إِذا كانوا متحصنِّين في قلاعهم وحصونهم فقال {لاَ يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعاً إِلاَّ فِي قُرًى مُّحَصَّنَةٍ} أي لا يقدرون على مقاتلتكم مجتمعين إِلا إِذا كانوا في قرى محصَّنة بالأسوار والخنادق {أَوْ مِن وَرَآءِ جُدُرٍ} أي أو يكونوا من وراء الحيطان ليتستروا بها، لفرط جبنهم وهلعهم {بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ} أي عداوتهم فيما بينهم شديدة {تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّىٰ} أي تظنهم مجتمعين على أمرٍ ورأي - في الصورة - ذوي ألفةٍ واتحاد، وهم مختلفون غاية الاختلاف لأن آراءهم مختلفة، وقلوبهم متفرقة قال قتادة: أهل الباطل مختلفةٌ آراؤهم، مختلفة أهواؤهم، مختلفةٌ شهادتهم، وهم مجتمعون في عداوة أهل الحق {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْقِلُونَ} أي ذلك التفرق والتشتت بسبب أنهم لا عقل لهم يعقلون به أمر الله قال في البحر: وموجب ذلك التفرق والشتات هو انتفاء عقولهم، فهم كالبهائم لا تتفق على حالة {كَمَثَلِ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ قَرِيباً} أي صفةُ بني النضير فيما وقع لهم من الجلاء والذل، كصفةِ كفار مكة فيما وقع لهم يوم بدر من الهزيمة والأسر قال البيضاوي: أي مثل اليهود كمثل أهل بدر، أو المهلكين من الأمم الماضية في زمان قريب {ذَاقُواْ وَبَالَ أَمْرِهِمْ} أي ذاقوا سوء عاقبة إِجرامهم في الدنيا {وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} أي ولهم عذاب شديد موجعٌ في الآخرة {كَمَثَلِ ٱلشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلإِنسَانِ ٱكْفُرْ} أي مثل المنافقين في إِغراء اليهود على القتال، كمثل الشيطان الذي أغرى الإِنسان بالكفر ثم تخلى عنه وخذله {فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيۤءٌ مِّنكَ} أي فلما كفر الإِنسان تبرأ منه الشيطان وقال {إِنِّيۤ أَخَافُ ٱللَّهَ رَبَّ ٱلْعَالَمِينَ} أي أخاف عذاب الله وانتقامه إِن كفرتُ به قال في التسهيل: هذا مثلٌ، مثَّل اللهُ للمنافقين - الذين أغووا يهود بني النضير ثم خذلوهم بعد ذلك - بالشيطان الذي يُغوي ابن آدم ثم يتبرأ منه، والمراد بالشيطان والإِنسان هنا الجنس، وقولُ الشيطان {إِنِّيۤ أَخَافُ ٱللَّهَ} كذبٌ منه ورياءٌ لأنه لو خاف الله لامتثل أمره وما عصاه {فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَآ أَنَّهُمَا فِي ٱلنَّارِ خَالِدِينَ فِيهَا} أي فكان عاقبة المنافقين واليهود، مثل عاقبة الشيطان والإِنسان، حيث صارا إِلى النار المؤبدة {وَذَلِكَ جَزَآءُ ٱلظَّالِمِينَ} أي وذلك عقاب كل ظالم فاجر، منتهكٍ لحرمات الله والدين.. ولمَّا ذكر صفات كلٍ من المنافقين واليهود وضرب لهم الأمثال، وعظ المؤمنين بموعظةٍ حسنة، تحذيراً من أن يكونوا مثل من تقدم ذكرهم فقال {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ} أي خافوا الله واحذروا عقابه، بامتثال أوامره، واجتناب نواهيه {وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ} أي ولتنظر كلُّ نفسٍ ما قدَّمت من الأعمال الصالحة ليوم القيامة قال ابن كثير: انظروا ماذا ادخرتم لأنفسكم من الأعمال الصالحة ليوم معادكم وعرضكم على ربكم، وسُمي يوم القيامة غداً لقرب مجيئه {أية : وَمَآ أَمْرُ ٱلسَّاعَةِ إِلاَّ كَلَمْحِ ٱلْبَصَرِ}تفسير : [النحل: 77] والتنكير فيه للتفخيم والتهويل {وَٱتَّقُواْ} كرَّره للتأكيد ولبيان منزلة التقوى التي هي وصية الله تعالى للأولين والآخرين {أية : وَلَقَدْ وَصَّيْنَا ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ}تفسير : [النساء: 131] {إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} أي مطلع على أعمالكم فيجازيكم عليها {وَلاَ تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ نَسُواْ ٱللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ} أي ولا تكونوا يا معشر المؤمنين كالذين تركوا ذكر الله ومراقبته وطاعته، فأنساهم حقوق أنفسهم والنظر لها بما يصلحها قال أبو حيان: وهذا من المجازاة على الذنب بالذنب، تركوا عبادة الله وامتثال أوامره، فعوقبوا على ذلك بأن أنساهم حظَّ أنفسهم، حتى لم يقدموا له خيراً ينفعها {أُولَـٰئِكَ هُمُ ٱلْفَاسِقُونَ} أي أولئك هم الفجرة الخارجون عن طاعة الله {لاَ يَسْتَوِيۤ أَصْحَابُ ٱلنَّارِ وَأَصْحَابُ ٱلْجَنَّةِ} أي لا يتساوى يوم القيامة الأشقياء والسعداء، أهل النار وأهل الجنة في الفضل والرتبة {أَصْحَابُ ٱلْجَنَّةِ هُمُ ٱلْفَآئِزُونَ} أي أصحاب الجنة هم الفائزون بالسعادة الأبدية في دار النعيم، وذلك هو الفوز العظيم.. ثم ذكر تعالى روعة القرآن، وتأثيره على الصمِّ الراسيات من الجبال فقال {لَوْ أَنزَلْنَا هَـٰذَا ٱلْقُرْآنَ عَلَىٰ جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعاً مُّتَصَدِّعاً مِّنْ خَشْيَةِ ٱللَّهِ} أي لو خلقنا في الجبل عقلاً وتمييزاً كما خلقنا للإِنسان، وأنزلنا عليه هذا القرآن، بوعده ووعيده، لخشع وخضع وتشقق، خوفاً من الله تعالى، ومهابةً له وهذا تصويرٌ لعظمة قدر القرآن، وقوة تأثيره، وأنه بحيث لو خوطب به جبلٌ - على شدته وصلابته - لرأيته ذليلاً متصدعاً من خشية الله، والمراد منه توبيخ الإِنسان بأنه لا يتخشع عند تلاوة القرآن، بل يعرض عما فيه من عجائب وعظائم، فهذه الآية في بيان عظمة القرآن، ودناءة حال الإِنسان وقال في البحر: والغرضُ توبيخ الإِنسان على قسوة قلبه، وعدم تأثره بهذا الذي لو أُنزل على الجبل لتخشَّع وتصدَّع، وإِذا كان الجبل على عظمته وتصلبه يعرض له الخشوع والتصدع، فابن آدم كان أولى بذلك، لكنه على حقارته وضعفه لا يتأثر {وَتِلْكَ ٱلأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} أي وتلك الأمثال نفصّلها ونوضحها للناس لعلهم يتفكرون في آثار قدرة الله ووحدانتيه فيؤمنون.. ثم لما وصف القرآن بالرفعة والعظمة، أتبعه بشرح عظمة الله وجلاله فقال {هُوَ ٱللَّهُ ٱلَّذِي لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ} أي هو جلَّ وعلا الإِله المعبود بحقٍ لا إِله ولا رب سواه {عَالِمُ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَادَةِ} أي عالم السر والعلن، يعلم ما غاب عن العباد مما لم يبصروه، وما شاهدوه وعلموه {هُوَ ٱلرَّحْمَـٰنُ ٱلرَّحِيمُ} أي هو تعالى ذو الرحمة الواسعة في الدنيا والآخرة {هُوَ ٱللَّهُ ٱلَّذِي لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ} كرر اللفظ اعتناءً بأمر التوحيد أي لا معبود ولا رب سواه {ٱلْمَلِكُ} أي المالك لجميع المخلوقات، المتصرف في خلقه بالأمر والنهي، والإِيجاد والإِعدام {ٱلْقُدُّوسُ} أي المنزَّه عن القبائح وصفات الحوادث قال في التسهيل: القُدُّوسُ مشتقٌ من التقديس وهو التنزه عن صفات المخلوقين، وعن كل نقص وعيب، والصيغة للمبالغة كالسبُّوح، وقد ورد أن الملائكة تقول في تسبيحها: "سبُّوح قُدُّوس، ربُّ الملائكة والروح" {ٱلسَّلاَمُ} أي الذي سلم الخلق من عقابه، وأمنوا من جوره {أية : وَلاَ يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً}تفسير : [الكهف: 49] وقال البيضاوي: أي ذو السلامة من كل نقص وآفة، وهو مصدر وصف به للمبالغة {ٱلْمُؤْمِنُ} أي المصدِّق لرسله بإِظهار المعجزات على أيديهم {ٱلْمُهَيْمِنُ} أي الرقيبُ الحافظ لكل شيء وقال ابن عباس: الشهيد على عباده بأعمالهم الذي لا يغيب عنه شيء {ٱلْعَزِيزُ} أي القادر القاهر الذي لا يُغلب ولا يناله ذل {ٱلْجَبَّارُ} أي القهار العالي الجناب الذي يذل له من دونه قال ابن عباس: هو العظيم الذي إِذا أراد أمراً فعله، وجبروتُ الله عظمته {ٱلْمُتَكَبِّرُ} أي الذي له الكبرياء حقاً ولا تليق إِلا به وفي الحديث القدسي "حديث : العظمة إِزاري، والكبرياء ردائي، فمن نازعني فيهما قصمته ولا أبالي" تفسير : قال الإِمام الفخر: واعلم أن المتكبر في صفة الناس صفة ذم، لأن المتكبر هو الذي يُظهر من نفسه الكِبْر، وذلك نقصٌ في حق الخلق، لأنه ليس له كبر ولا علوٍ، بل ليس له إِلا الذلة والمسكنة، فإِذا أظهر العلو كان كاذباً فكان مذموماً في حق الناس، وأما الحقُّ سبحانه فله جميع أنواع العلو والكبرياء، فإِذا أظهره فقد أرشد العباد إِلى تعريف جلاله وعظمته وعلوه، فكان ذلك في غاية المدح في حقه جل وعلا، ولهذا قال في آخر الآية {سُبْحَانَ ٱللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ} أي تنزَّه الله وتقدَّس في جلاله وعظمته، عمَّا يلحقون به من الشركاء والأنداد {هُوَ ٱللَّهُ ٱلْخَالِقُ ٱلْبَارِىءُ} أي هو جل وعلا الإِله الخالق لجميع الأشياء، الموجد لها من العدم، المنشىء لها بطريق الاختراع {ٱلْمُصَوِّرُ} أي المبدع للأشكال على حسب إرادته {أية : هُوَ ٱلَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي ٱلأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَآءُ}تفسير : [آل عمران: 6] قال الخازن: أي الذي يخلق صورة الخلق على ما يريده {لَهُ ٱلأَسْمَآءُ ٱلْحُسْنَىٰ} أي له الأسماء الرفيعة الدالة على محاسن المعاني {يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ} أي ينزهه تعالى عن صفات العجز والنقص جميع ما في الكون بلسان الحال أو المقال قال الصاوي: ختم السورة بالتسبيح كما ابتدأها به إشارة إلى أنها المقصود الأعظم، والمبدأ والنهاية، وأن غاية المعرفة بالله تنزيه عظمته عما صورته العقول {وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ} أي العزيز في ملكه، الحكيم في خلقه وصنعه. البَلاَغَة: تضمنت السورة الكريمة وجوهاً من البيان والبديع نوجزها فيما يلي: 1- طباق السلب {أية : مَا ظَنَنتُمْ أَن يَخْرُجُواْ وَظَنُّوۤاْ أَنَّهُمْ مَّانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم مِّنَ ٱللَّهِ}تفسير : [الحشر: 2]. 2- المقابلة اللطيفة بين {أية : وَمَآ آتَاكُمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ}تفسير : [الحشر: 7] وبين {أية : وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَٱنتَهُواْ}تفسير : [الحشر: 7]. 3- وضع الضمير بين المبتدأ والخبر لإِفادة الحصر {أية : أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلصَّادِقُونَ}تفسير : [الحشر: 8]. 4- الاستعارة اللطيفة {أية : تَبَوَّءُوا ٱلدَّارَ وَٱلإِيمَانَ}تفسير : [الحشر: 9] شبَّه الإِيمان المتمكن في نفوسهم، بمنزلٍ ومستقرٍ للإِنسان نزل فيه وتمكَّن منه حتى صار منزلاً له، وهو ومن لطيف الاستعارة. 5- الاستفهام الذي يراد به الإِنكار والتعجيب {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ نَافَقُواْ..} الآية. 6- الطباق بين جميعاً وشتى في قولهم {تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّىٰ}. 7- التشبيه التمثيلي {كَمَثَلِ ٱلشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلإِنسَانِ ٱكْفُرْ..} وجه الشبه منتزع من متعدد. 8- الكناية اللطيفة {وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ} كنَّى عن القيامة بالغد لقربها. 9- الطباق بين {ٱلْغَيْبِ.. وَٱلشَّهَادَةِ} وبين {ٱلْجَنَّةِ.. وٱلنَّارِ} الخ. لطيفَة: أخرج الشيخان عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: "حديث : جاء رجلٌ إِلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله: إني مجهود - أي اشتد بي الجوع والفاقة - فأرسل إِلى بعض نسائه يسألها هل عندك شيء؟ فقالت: والذي بعثك بالحق ما عندي إِلا الماء، ثم أرسل إِلى أُخرى فقال مثل ذلك، وقلن كلهن مثل ذلك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من يضيفه هذه الليلة يرحمه الله؟ فقام رجل من الأنصار يقال له "أبو طلحة" فقال أنا يا رسول الله!! فانطلق به إِلى رحله - أي إِلى منزله - فقال لها: هذا ضيف رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تدخري عنه شيئاً وأكرميه، فقالت: ما عندي إلا قوتُ الصبيان، فقال علّليهم بشيء ونوِّميهم، فإِذا دخل ضيفنا فأريه أنا نأكل ثم قومي إِلى السراج كي تصلحيه فأطفئيه، ففعلت فقعدوا وأكل الضيف وباتا طاويين، فلما أصبح غدا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما نظر إِليه رسول الله صلى الله عليه وسلم تبسم، ثم قال: لقد عجب الله من صنيعكما الليلة بصاحبكما وأنزل الله {وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ..} تفسير : الآية.

الجيلاني

تفسير : ثمَّ قال سبحانه على سبيل التوبيخ والتقريع: {أَلَمْ تَرَ} أيها الرائي {إِلَى ٱلَّذِينَ نَافَقُواْ} مع المؤمنين حيث {يَقُولُونَ} في خلواتهم {لإِخْوَانِهِمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ} وكان بينهم صداقة الشرك وأخوة الكفر، وموالاة البغض مع المؤمنين: لا تصالحوا مع هؤلاء المدعين؛ يعنون: المؤمنين، وإنَّا معكم، والله {لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ} من دياركم عنوةً {لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ} ألبتة {وَلاَ نُطِيعُ} ونتبع {فيكُمْ} أي: في قتالكم وحرابكم {أَحَداً أَبَداً} من هؤلاء الأعادي {وَإِن قُوتِلْتُمْ لَنَنصُرَنَّكُمْ} ونعاوننكم ألبتة بلا تخلف منَّا {وَٱللَّهُ} المطلع على عموم أفعالهم ونياتهم فيها {يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ} [الحشر: 11] في قولهم وعهدهم هذا مع إخوانهم. حيث قال سبحانه: {لَئِنْ أُخْرِجُواْ لاَ يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ} ألبتة {وَلَئِن قُوتِلُواْ لاَ يَنصُرُونَهُمْ} جزماً، وقد وقع ذلك، فإن أُبي وأصحابه عهدوا مع بني النضير على هذا، ثمَّ أخلفوهم، وهم قد خرجوا من ديارهم، وهؤلاء لم يخرجوا {وَلَئِن نَّصَرُوهُمْ} بالفرض والتقدير، ويقاتلوا معكم أيها المؤمنون من جانب عدوكم، والله {لَيُوَلُّنَّ ٱلأَدْبَارَ} وقت كركم عليهم {ثُمَّ لاَ يُنصَرُونَ} [الحشر: 12] بعد ذلك؛ لشدة خوفكم ورعبكم في قلوبهم. وبالجملة: {لأَنتُمْ} أيها المؤمنون {أَشَدُّ رَهْبَةً} مرهوبية ومرعوبية راسخة {فِي صُدُورِهِمْ} متمكنة في نفوسهم من قبلكم، والحال أن تلك الرهبة الشديدة الحاصلة منكم إياهم ناشئة {مِّنَ ٱللَّهِ} إذ هو سبحانه قذفها في صدورهم من جانبكم، وأقدركم عليها {ذَلِكَ} أي: عدم تفطنهم بمنشئها {بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُونَ} [الحشر: 13] ولا يعلمون عظمة الله، وحق قدره حتى يخشوا منه حق خشيته. وبالجملة: لا تبالوا أيها المؤمنون بودادة المنافقين مع اليهود، واتفاقهم معهم؛ إذ {لاَ يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعاً} مجتمعين متفقين {إِلاَّ فِي قُرًى مُّحَصَّنَةٍ} محصورة، مسورة بالدروب والخنادق {أَوْ مِن وَرَآءِ جُدُرٍ} يستحصنون بها؛ وذلك من فرط رعبهم، وشدة رهبتهم من المؤمنين، وإلاَّ {بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ} أي: حين حارب بعضهم بعضاً، أو مع غير المؤمنين، قتالهم شديد وحرابهم عظيم، وإذا حاربوا مع المؤمنين {تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً} مجتمعين ظاهراً في بادئ النظر {وَ} لكن {قُلُوبُهُمْ شَتَّىٰ} متفرقة مختلفة حقيقةً؛ لافتراق عقائدهم، واختلاف مقاصدهم {ذَلِكَ} الافتراق والاختلاف {بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْقِلُونَ} [الحشر: 14] ولا يفهمون ما هو صلاحهم في الدارين، وفلاحهم في النشأتين.