٥٩ - ٱلْحَشْر
59 - Al-Hashr (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
13
Tafseer
الرازي
تفسير : أي لا يعلمون عظمة الله حتى يخشوه حق خشيته.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {لأَنتُمْ} يا معشر المسلمين {أَشَدُّ رَهْبَةً} أي خوفاً وخشية {فِي صُدُورِهِمْ مِّنَ ٱللَّهِ} يعني صدور بني النَّضير. وقيل: في صدور المنافقين. ويحتمل أن يرجع إلى الفريقين؛ أي يخافون منكم أكثر مما يخافون من ربهم ذلك الخوف. {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُونَ} أي لا يفقهون قدر عظمة الله وقدرته.
المحلي و السيوطي
تفسير : {لأَنتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً } خوفاً {فِى صُدُورِهِمْ } أي المنافقين {مِنَ ٱللَّهِ } لتأخير عذابه {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُونَ }.
الخازن
تفسير : {لأنتم} يعني يا معشر المسلمين {أشد رهبة في صدورهم من الله} أصل الرهبة والرهب الخوف الشديد مع حزن واضطراب والمعنى أنهم يرهبون ويخافون منكم أشد من رهبتهم من الله {ذلك} أي الخوف منكم {بأنهم قوم لا يفقهون} يعني عظمة الله تعالى: {لا يقاتلونكم جميعاً إلا في قرى محصنة} أي لا يبرزون لقتالكم إنما يقاتلونكم متحصنين بالقرى والجدران وهو قوله تعالى: {أو من وراء جدار} وقرىء جدر {بأسهم بينهم شديد} أي بعضهم فظ على بعض أو عداوة بعضهم بعضاً شديدة وقيل بأسهم فيما بينهم من وراء الحيطان والحصون شديد فإذا خرجوا إليكم فهم أجبن خلق الله {تحسبهم جميعاً وقلوبهم شتى} أي متفرقة مختلفة قال قتادة أهل الباطل مختلفة أهواؤهم مختلفة أعمالهم مختلفة شهاداتهم وهم مجتمعون في عداوة أهل الحق وقيل أراد أن دين المنافقين وآراءهم يخالف دين اليهود وآراءهم {ذلك بأنهم قوم لا يعقلون} ثم ضرب لليهود مثلاً فقال تعالى: {كمثل الذين من قبلهم قريباً} يعني مشركي مكة {ذاقوا وبال أمرهم} يعني القتل ببدر وكان ذلك قبل غزوة بني النضير وقال ابن عباس "كمثل الذين من قبلهم" يعني بني قينقاع وقيل مثل قريظة كمثل بني النضير وكان بينهما سنتان {ولهم عذاب أليم} أي في الآخرة ثم ضرب مثلاً آخر للمنافقين واليهود جميعاً في تخاذلهم وتخلى بعضهم عن بعض فقال تعالى {كمثل الشيطان} أي مثل المنافقين مع بني النضير وخذلانهم إياهم كمثل الشيطان {إذ قال للإنسان اكفر} وذلك ما روي عن عطاء وغيره عن ابن عباس قال كان راهب في الفترة يقال له برصيصا تعبد في صومعة له سبعين سنة لم يعص الله فيها طرفة عين وأن إبليس أعياه في أمره الحيل فجمع ذات يوم مردة الشياطين وقال ألا أحد منكم يكفيني أمر برصيصا؟ فقال الأبيض وهو صاحب الأنبياء وهو الذي تصدى للنبي صلى الله عليه وسلم وجاء في صورة جبريل ليوسوس إليه على وجه الوحي فلحقه جبريل عليه السلام فدفعه إلى أقصى أرض الهند لإبليس أنا أكفيك أمره فانطلق فتزين بزينة الرهبان وحلق وسط رأسه وأتى صومعة برصيصا فناداه فلم يجبه وكان لا يفتل عن صلاته إلا في كل عشرة أيام ولا يفطر إلا في كل عشرة أيام مرة فلما رأى الأبيض أنه لا يجيبه أقبل على العبادة في أصل الصومعة فلما انفتل برصيصا من صلاته اطلع من صومعته فرأى الأبيض قائماً يصلي في هيئة حسنة على هيئة الرهبان فلما رأى ذلك من حاله ندم في نفسه أي لام نفسه حين لم يجبه فقال له إنك ناديتني وكنت مشتغلاً عنك فما حاجتك قال الأبيض حاجتي أني جئت لأكون معك فأتأدب بأدبك وأقتبس من عملك ونجتمع على العبادة فتدعو لي وأدعو لك قال برصيصا إني لفي شغل عنك فإن كنت مؤمناً فإن الله سيجعل لك فيما للمؤمنين نصيباً إن استجاب لي ثم أقبل على صلاته وترك الأبيض وأقبل الأبيض يصلي فلم يلتفت إليه برصيصا أربعين يوماً فلما انفتل بعدها رآه قائماً يصلي فلما رأى برصيصا شدة اجتهاد الأبيض قال له ما حاجتك؟ قال حاجتي أن تأذن لي فأرتفع إليك فأذن له فارتفع إليه في صومعته فأقام حولاً يتعبد لا يفطر إلا في كل أربعين يوماً مرة ولا ينفتل عن صلاته إلا كذلك وربما مد إلى الثمانين فلما رأى برصيصا اجتهاده تقاصرت إليه نفسه وأعجبه شأن الأبيض فلما حال الحول قال الأبيض لبرصيصا إني منطلق فإن لي صاحباً غيرك ظننت أنك أشد اجتهاداً مما رأيت وكان يبلغنا عنك غير الذي رأيت فدخل من ذلك على برصيصا أمر شديد وكره مفارقته لما رأى من كثرة اجتهاد ولما ودعه الأبيض قال له إن عندي دعوات أعلمكها تدعو بهن فهو خير لك مما أنت فيه يشفي الله بها السقم ويعافي بها المبتلى والمجنون قال برصيصا أنا أكره هذه المنزلة لأن لي في نفسي شغلاً وإني أخاف إن علم الناس شغلوني عن العبادة فلم يزل به الأبيض حتى علمه ثم انطلق حتى أتى إبليس فقال قد والله أهلكت الرجل فانطلق الأبيض فتعرض لرجل فخنقه ثم جاء في صورة رجل متطبب فقال لأهله إن بصاحبكم جنوناً أفأعالجه؟ قالوا نعم فعالجه فلم يفد فقال لهم إني لا أقوى على جنته ولكن سأرشدكم إلى من يدعو الله فيعافيه انطلقوا إلى برصيصا فإن عنده الاسم الذي إذا دعا به أجيب قال انطلقوا إليه فسألوه ذلك فدعا بتلك الكلمات فذهب عنه الشيطان فكان الأبيض يفعل ذلك بالناس ويرشدهم إلى برصيصا فيدعو لهم فيعافون فانطلق الأبيض فتعرض لجارية من بنات ملوك بني إسرائيل ولها ثلاثة إخوة وكان أبوهم هو الملك فلما مات استخلف أخاه فكان عم تلك الجارية ملك بني إسرائيل فخنقها وعذبها، ثم جاء إليهم كما كان يأتي الناس في صورة متطبب فقال لهم أعالجها؟ قالوا نعم فقال إن الذي عرض لها مارد لا يطاق ولكن سارشدكم إلى من تثقون به تدعونها عنده فإذا جاء شيطانها دعا لها فإذا علمتم أنها قد عوفيت تردونها صحيحة قالوا ومن هو؟ قال برصيصا قالوا وكيف لنا أن يجيبنا إلى هذا وهو أعظم شأناً من ذلك قال فانطلقوا فابنوا صومعة إلى جنب صومعته حتى تشرف عليه فإن قبلها وإلا فضعوها في صومعتها وقولوا له هذه أمانة عندك فاحتسب أمانتك قال فانطلقوا فسألوه ذلك فأبى عليهم فبنوا صومعة على ما أمرهم الأبيض ثم انطلقوا فوضعوا الجارية في صومعتها وقالوا يا برصيصا هذه أختنا أمانة عندك فاحتسب فيها ثم انصرفوا فلما انفتل برصيصا عن صلاته حتى عاين الجارية وما هي عليه من الجمال فوقعت في قلبه ودخل عليه أمر عظيم فجاءها الشيطان فخنقها فدعا برصيصا بتلك الدعوات فذهب الشيطان عنها ثم أقبل برصيصا على صلاته فجاءها الشيطان فخنقها فكانت تكشف عن نفسها وتتعرض لبرصيصا فجاءه الشيطان وقال له ويحك واقعها فلم تجد مثلها وستتوب بعد ذلك فتدرك ما تريد من الأمر فلم يزل به حتى واقعها فلم يزل كذلك يأتيها حتى حملت وظهر حملها فقال له الشيطان ويحك يا برصيصا قد افتضحت فهل لك أن تقتلها وتتوب؟ فإن سألوك فقل ذهب بها شيطانها فلم أقف عليه فقتلها ثم انطلق بها فدفنها إلى جانب الجبل فجاء الشيطان وهو يدفنها بالليل فأخذ بطرف إزارها فبقي خارجاً من التراب ثم رجع برصيصا إلى صومعته وأقبل على صلاته إذ جاء إخوتها يتعاهدون أختهم وكانوا يجيئون في بعض الأيام يسألون عنها ويوصونه بها فقالوا يا برصيصا ما فعلت أختنا قال قد جاء شيطانها فذهب بها ولم أطقه فصدقوه وانصرفوا فلما أمسوا وهم مكروبون جاء الشيطان إلى أكبرهم في منامه فقال ويحك إن برصيصا فعل فعل بأختك كذا وكذا وإنه دفنها في موضع كذا وكذا فقال هذا حلم وهو من الشيطان إن برصيصا خير من ذلك فتتابع عليه ثلاث ليال فلم يكترث به فانطلق الشيطان إلى أوسطهم فقال الأوسط مثل ما قال الأكبر ولم يخبر به أحداً فانطلق إلى أصغرهم بمثل ذلك قال الأصغر لأخويه والله لقد رأيت كذا وكذا فقال الأوسط أنا والله قد رأيت مثله فقال الأكبر أنا والله قد رأيت مثله فانطلقوا إلى برصيصا فقالوا يا برصيصا ما فعلت أختنا فقال أليس قد أعلمتكم بحالها فكأنكم قد اتهمتموني فقالوا لا والله لا نتهمك واستحيوا منه وانصرفوا فجاءهم الشيطان فقال ويحكم إنها لمدفونة في موضع كذا وكذا وإن طرف إزارها خرج من التراب فانطلقوا فرأوا أختهم على ما رأوه في النوم فمشوا في مواليهم وغلمانهم معهم الفؤوس والمساحي فهدموا صومعة برصيصا وأنزلوه منها وكتفوه ثم انطلقوا به للملك فأقر على نفسه وذلك أن الشيطان أتاه فوسوس له فقال له تقتلها ثم تكابر يجتمع عليك أمران قتل ومكابرة اعترف فلما اعترف أمر الملك بقتله وصلبه على خشبة فلما صلب أتاه الأبيض فقال يا برصيصا أتعرفني؟ قال لا فقال أنا صاحبك الذي علمتك الدعوات وكنت إذا دعوت بهن يستجاب لك ويحك ما اتقيت الله في أمانتك خنت أهلها وإنك زعمت أنك أعبد بني إسرائيل أما استحيت فلم يزل يعيره ويعنفه حتى قال في آخر ذلك ألم يكفك ما صنعت حتى أقررت على نفسك وفضحت أشباهك من الناس وفضحت نفسك فإن مت على هذه الحالة لن تفلح أبداً ولن يفلح أحد من نظرائك قال فكيف أصنع؟ قال تطيعني في خصلة واحدة حتى أخلصك مما أنت فيه فآخذ بأعينهم وأخرجك من مكانك قال وما هي؟ قال تسجد لي قال ما أستطيع أفعل قال بطرفك افعل فسجد له برصيصا فقال يا برصيصا هذا الذي أردت منك صارت عاقبة أمرك إلى أن كفرت بربك، {فلما كفر قال إني بريء منك إني أخاف الله رب العالمين}.
ابو السعود
تفسير : {لأَنتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً} أي أشدُّ مرهوبـيةً على أنها مصدرٌ من المبنيِّ للمفعولِ {فِى صُدُورِهِمْ مّنَ ٱللَّهِ} أي رهبتُهُم منكُم في السرِّ أشدُّ مما يظهرونَهُ لكم من رهبةِ الله فإنهم كانُوا يدَّعونَ عندَهُم رهبةً عظيمةً من الله تعالى {ذٰلِكَ} أي ما ذُكِرَ من كونِ رهبتِهِم منكُم أشدَّ من رهبةِ الله {بِأَنَّهُمْ} بسببِ أنَّهُم {قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُونَ} أيْ شيئاً حتى يعلمُوا عظمةَ الله تعالى فيخشَوه حقَّ خشيتِهِ. {لاَ يُقَـٰتِلُونَكُمْ} أي اليهودَ والمنافقونَ بمعنى لا يقدرونَ على قتالِكُم {جَمِيعاً} أي مجتمعينَ متفقينَ في موطنٍ من المواطنِ {إِلاَّ فِى قُرًى مُّحَصَّنَةٍ} بالدروبِ والخنادقِ {أَوْ مِن وَرَاء جُدُرٍ} دونَ أنْ يصحرُوا لكُم ويبارزُوكم لفرطِ رهبتِهِم وقُرِىءَ جُدْرٍ بالتخفيفِ وقُرِىءَ جِدَارٍ وبإمالةِ فتحةِ الدالِ وجَدْرِ وجدر وهما الجدارُ {بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ} استئنافٌ سيقَ لبـيانِ أن ما ذكرَ من رهبتِهِم ليسَ لضعفِهِم وجبنِهِم في أنفسِهِم فإنَّ بأسَهُم بالنسبة إلى أقرانِهِم شديدٌ وإنما ضعفُهُم وجبنُهُم بالنسبةِ إليكُم بما قذفَ الله تعالَى قلوبَهُم من الرعبِ {تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً} مجتمعينَ متفقينَ {وَقُلُوبُهُمْ شَتَّىٰ} متفرقةٌ لا أُلفةَ بـينَهَا {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ} أي ما ذُكِرَ منْ تشتتِ قلوبِهِم بسببِ أنَّهُم {قَوْمٌ لاَّ يَعْقِلُونَ} أي لا يعقلونَ شيئاً حتَّى يعرفُوا الحقَّ ويتبعُوه وتطمئنَ به قلوبُهُم وتتحدَ كلمتُهُم ويرمُوا عن قوسٍ واحدةٍ فيقعونَ في تيهِ الضلالِ وتشتتِ قلوبِهِم حسبَ تشتتِ طرقِهِ وتفرقِ فنونِهِ، وأمَّا ما قِيل مِنْ أنَّ المعنى لا يعقلونَ أنَّ تشتتَ القلوبِ مما يُوهِنُ قُواهُم فبمعزلٍ منَ السدادِ. وقولُهُ تعالَى: {كَمَثَلِ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ} خبرُ مبتدأٍ محذوفٍ تقديرُهُ مثلُهم أيْ مثلُ المذكورينَ من اليهودِ والمنافقينَ كمثلِ أهلِ بدرٍ أو بني قَينُقَاع على ما قيلَ من أنهم أُخرِجُوا قبلَ بني النضيرِ {قَرِيبًا} في زمانٍ قريبٍ، وانتصابُهُ بمثَلِ، إذِ التقديرُ كوقوعِ مثلِ الخ {ذَاقُواْ وَبَالَ أَمْرِهِمْ} أي سوءَ عاقبةِ كُفرِهِم في الدُّنيا {وَلَهُمْ} في الآخرةِ {عَذَابٌ أَلِيمٌ} لا يُقَادِرُ قَدْرُهُ والمَعْنَى أنَّ حالَ هؤلاءِ كحالِ أولئكَ في الدُّنيا والآخرةِ لكنْ لا على أنَّ حالَ كُلِّهم كحالِهِم بلْ حالُ بعضِهِم الذينَ هم اليهودُ كذلكَ وأما حالُ المنافقينَ فهيَ ما نطقَ به
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {لأَنتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِّنَ ٱللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُونَ} [الآية: 13]. إن فى ترك الدنيا مشاهدة الآخرة وفى مشاهدة الآخرة رفض الدنيا كما أن فى مشاهدة الفاسد وحضوره زوال عزة النفس وفى مطالعة صفات الله سقوط صفات العبد وملاحظة الحق لا يقارنها حب الدنيا ولا عزة النفس ولا رؤية الأفعال ولا رؤية الصفات فما دامت للشواهد والأعراض على سره أثر لم يفقه ألا ترى الله يقول: {لأَنتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِّنَ ٱللَّهِ}. والحق إذا تجلى لقلب عبد ذهبت عنه أخطار الأكوان وأهلها.
القشيري
تفسير : قوله جل ذكره: {لأَنتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِّنَ ٱللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُونَ}. أخبر - سبحانه - أن المسلمين أشدُّ رهبةً في صدورهم من الله، وذلك لِقلَّةِ يقينهم، وإعراضِ قلوبِهم عن الله. قوله جلّ ذكره: {لاَ يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعاً إِلاَّ فِي قُرًى مُّحَصَّنَةٍ أَوْ مِن وَرَآءِ جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ}. أخبر أنهم لا يجسرون على مقاتلة المسلمين إلاَّ مُخاتلةً، أو من وراء جدرانٍ. وإنما يشتدُّ بأسُهم فيما بينهم، أي إذا حارب بعضهم بعضاً، فأمَّا معكم.. فلا. {تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّىٰ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْقِلُونَ}. اجتماعُ النفوس - مع تنافرُ القلوب واختلافها - أصلُ كلَّ فساد، وموجِبُ كُلِّ تخاذُل، ومقتضى تجاسُرِ العدوِّ. واتفاقُ القلوبِ؛ والاشتراكُ في الهِمَّةِ؛ والتساوي في القَصْدِ يُوجِبُ كُلَّ ظَفَرٍ وكلَّ سعادة.. ولا يكون ذلك للأعداء قطّ؛ فليس فيهم إلا اختلالُ كلِّ حالٍ، وانتقاضُ كلِّ شَمْلٍ. قوله جلّ ذكره: {كَمَثَلِ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ قَرِيباً ذَاقُواْ وَبَالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}. مَثَلُ بني قُرَيظة كمثل بني النضير؛ ذاق النضير وَبالَ أَمرِهم قبل قريضة بِسَنَةٍ؛ وذاق قريظة بعْدَهم وبال أمرهم.
البقلي
تفسير : قوله تعالى {لأَنتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِّنَ ٱللَّهِ} وصف الله المؤمنين باسا له اياهم رداء عظمته وتعظيم فى عيون الكفرة والاضداد حتى فزعوا من رؤسهم ولو انهم تحققوا فى معرفة الله لخافوه ولم يخافوا من غيره فلما لم يصلوا الى معرفة الله صار اقدار الخلق اعظم من قدر الله فى قلوبهم وذلك قوله {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُونَ} اى لا يعرفون عظمة الله وقدرته فزعهم وخوفهم بالواسطة من الله وهم لا يفقهون ان ذلك الخوف من لباس عظمة الله عليهم فما داموا لم يكونوا من اهل رؤية عظمته صرفا الجاهم الى الفزع منه بالواسطة قال الواسطى لا يفقهون ان فى ترك الدنيا مشاهدة الأخرة وفى مشاهدة الأخرة رفض الدنيا كما ان فى مشاهدة الثانية وحضوره زوال عزة النفس وفى مطالعة صفات الله سقوط صفات العبد وملاحظة الحق لا يقاربها حب الدنيا ولا عظمة النفس ولا رؤية الافعال ولا رؤية الصفات ما دام الشواهد والاعراض على سره اثر لم يفقهه الا يرى الله يقول لانتم اشد رهبة فى صدورهم من الله والحق اذا تجلى القلب عبد ذهب عنه اخطار الاكوان واهلها.
اسماعيل حقي
تفسير : {لانتم} يامعشر المسلمين وبالفارسية هرآينه شماكه مؤمنانيد {اشد رهبة} الرهبة مخافة مع تحزن واضطراب وهى هنا مصدر من المبنى للمفعول وهو رهب اى أشد مرهوبية وذلك لان أنتم خطاب للمسلمين والخوف ليس واقعا منهم بل من المنافقين فالمخاطبون مرهوبون غير خائفين {فى صدورهم} اى صدور المنافقين {من الله} اى من رهبة الله بمعنى مرهوبيته قال فى الكشاف قوله فى صدورهم دال على نفاقهم يعنى انهم يظهرون لكم فى العلانية خوف الله وأنتم اهيب فى صدورهم من الله فان قلت كأنهم كانوا يرهبون من الله حتى يكون رهبتهم منه أشد قلت معناه ان رهبتهم فى السر منكم أشد من رهبتهم من الله التى يظهرونها لكم وكانوا يظهرون رهبة شديدة من الله. يقول الفقير انما رهبوا من المؤمنين لظهور نور الله فيهم فكما ان الظلمة تنفر من النور ولاتقاومه فكذا أهل الظلمة ينفر من أهل النور ولايقوم معه ومرادنا بالظلمة ظلمة الشرك والكفر والرياء والنفاق وبالنور نور التوحيد والايمان والاخلاص والتقوى ولذلك قال تعالى {أية : اعلموا ان الله مع المتقين}تفسير : حيث ان الله تعالى اثبت معيته لأهل التقوى فنصرهم على مخالفيهم {ذلك} اى ماذكر من كون رهبتهم منكم أشد من رهبة الله {بانهم} اى بسبب انهم {قوم لايفقهون} اى شيأ حتى يعلموا عظمة الله تعالى فيخشوه حق خشيته قال بعض الكبار ليس العظمة بصفة للحق تعالى على التحقيق انما هى صفة للقلوب العارفة به فهى عليها كالردآء على لابسه ولو كانت العظمة وصفا للعظيم لعظم كل من رأه ولم يعرفه وفى الحديث "حديث : ان الله يتجلى يوم القيامة لهذه الامة وفيها منافقوها فيقول أنا ربكم فيستعيذون به منه ولايجدون له تعظيما وينكرونه لجهلهم به"تفسير : فاذا تجلى لهم فى العلامة التى يعرفونه بها وجدوا عظمته فى قلوبهم وخروا له ساجدين والحق اذا تجلى لقلب عبد ذهب منه اخطار الاكوان ومابقى الا عظمة الحق وجلاله وفيه تنبيه على ان من علامات الفقه أن يكون خوف العبد من الله أشد من خوفه من الغير وتقبيح لحال اكثر الناس على ماترى وتشاهد قال عليه السلام "حديث : من يرد الله به خيرا يفقهه فى الدين"تفسير : قال بعض العارفين الفقيه عند أهل الله هو الذى لايخاف الا من مولاه ولا يراقب الا اياه ولا يلتفت الى ماسواه ولا يرجوا الخير من الغير ويطير فى طلبه طيران الطير قال بعض الكبار لاينقص الكمل من الرجال خوفهم من سبع او ظالم او نحو ذلك لان الجزع فى النشأة الانسانية اصلى فالنفوس ابدا مجبولة على الخوف ولذة الوجود بعد العدم لايعدلها لذة وتوهم العدم العينى له ألم شديد فى النفوس لايعرف قدره الا العلماء بالله فكل نفس تجزع من العدم أن يلحق بها او بما يقاربها وتهرب منه وترتاع وتخاف على ذهاب عينها فالكامل اضعف الخلق فى نفسه لما يشهده من الضعف فى تألمه بقرصة برغوث فهو آدم ملئان بذله وفقره مع شهوده اصله علما وحالا وكشفا ولذلك لم يصدر قط من رسول ولا نبى ولا ولى كامل فى وقت حضوره انه ادعى دعوى تناقض العبودية ابدا
الهواري
تفسير : قوله عز وجل: {لأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِم مِّنَ اللهِ} أي: هم أشد خوفاً منكم منهم من الله، يعني بني النضير. قال: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُونَ}. قال: {لاَ يُقَاتِلُونَكُمْ} يعني اليهود {جَمِيعاً} أي: لا يقاتلونكم شذاذا، أي: لا يقاتلونكم إلا جميعاً من شدة رعبهم الذي دخلهم منكم {إِلاَّ فِي قُرىً مُّحَصَّنَةٍ} أي: لا يقاتلونكم في الصحارى. قال تعالى: {أَوْ مِن وَرَآءِ جُدُرٍ} أي في المدائن {بَأْسُهُم بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ} أي: يقولون إذا اجتمعوا: لنفعلن بمحمد كذا وكذا ولنفعلن بمحمد كذا وكذا. قال الله عز وجل: {تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى} أي: مختلفة مفترقة، أي: في قتالكم. وقال مجاهد: {قُلُوبُهُمْ شَتَّى}. وهم المنافقون مختلف دينهم ودين بني النضير. قال تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْقِلُونَ}.
اطفيش
تفسير : {لأَنتُمْ} اللام للابتداء {أَشَدُّ رَهْبَةً} أي مرهوبية مصدر من المبني للمفعول والرهبة الخوف الشديد مع حزن واضطراب {فِى صُدُورِهِم} أي صدور المنافقين وقيل المنافقين واليهود وقيل اليهود. {مِّنَ اللهِ} وذلك دليل النفاق أي يظهرون لكم في العلاقة خوف الله وانتم اشد في صدروهم منه ولولا رهبتهم منكم لم يظهر وللرهبة من الله اكاذبة والآية نص في ثبوت رهبة شديدة لهم من الله وفي ان رهبتهم من المؤمنين اشد والمراد ان رهبتهم في السر منكم اشد من رهبتهم من الله التي يظهرونها لكم وكانوا يظهرون رهبة شديدة من الله أو ان اليهود يخافونكم في صدورهم اشد من خوفهم من الله لانهم كانوا قوماً أولي بأس ونجدة فكانوا يتشجعون لهم من اضمار الخوف والكفار ابدا في خوف من المسلمين ما لم يعلموا اعمال الكفار اجلي صلى الله عليه وسلم النضير الى الشام فلم يخرجوا معهم وقاتل قريظة بحكم سعد بن معاذ فلم يقاتلوا معهم وتقدم ان جلاء النضير وقتال قريظة سنتين اقاموا بالمدينة بعد اجلاء النضير فلما سار ابو سفيان بالاحزاب الى رسول الله صلى الله عليه وسلم غدروا فلما هزم الاحزاب امره ان يقاتل قريظة فارسل اليهم المنافقون ان اراد اخراجكم من المدينة فلا تخرجوا لئن اخرجتم لنخرجن معكم وإن قوتلتم لننصرنكم فاغتروا فقاتلوا قدر شهرا واقل ولم ينصروهم فنزلوا على سعد فحكم أن يقتل مقاتلهم وتسبى ذريتهم ويقسم مالهم بين المهاجرين والانصار. وقال عبد الله بن عمر عن سعد بن معاذ: حديث : أَنه صلى الله عليه وسلم أَرسل الى سعد فجاء على حمار فقال: اشرع لي فيهم فقال عسى ان الله امرك فيهم بأمر انت فاعله قال: اشرع لي فيهم قال لو وليت امرهم لقتلت مقاتلهم وسبيت ذراريهم ونساءهم ولقسمت اموالهم فقال صلى الله عليه وسلم: "والذي نفسي بيده لقد اشرت علي فيهم بالذي امرني الله فيهم"تفسير : وكان محمد بن كعب القرظي ممن لم ينبت شعر عانته فترك. {مِّنَ اللهِ ذَلِكَ} الخوف {بِأَنَّهُم قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ} لا يعلمون عظمة الله سبحانه حتى يخشوه حق الخشية نفى عنهم فقه الدين وهو اشد ما ينفى فانه لا شيء يعادل العلم وفي الحديث "حديث : لا تقوم الساعة حتى يرفع العلم"تفسير : قال زياده بن لبيد: حديث : يرفع العلم يا رسول الله ونحن نقرأ القرآن إيمانا ولسانا فقال ثكلتك امك يا زياد قد كنت اعدك من فقهاء المدينة أوليس كتاب الله عند اليهود والنصارى فما اغنى عنهم ان ذهاب العلم ذهاب العلماء وقال: ان الله لاينزل العلم منكم بعد اعطاكموه انتزاعاً ولكن ينزعه بقبض العلماء. . تفسير : وعن عمر رضي الله عنه (اصحاب الرأي اعداء السنن اعيتهم الاحاديث ان يحفظوها وتفلتت منهم ان يعوها وسئلوا فقالوا برأيهم فضلوا وأضلوا) وعن بعض: ما حدثك اصحاب النبي صلى الله عليه وسلم به فحدث وما حدثك اصحاب الرأي فارم به في البحر وعن بعضهم: مثل العلماء في الارض كمثل النجوم يهتدي بها الناس ما بدت فإذا خفيت تجبروا. وعن الحسن: ركوب النهي اشد من ترك الامر يعين من ترك ما امر به مما ليس واجبا.
اطفيش
تفسير : {لأَنْتُمْ} أيها المؤمنون {أشَدُّ رَهْبَةً} إِرهابا فهو اسم مصدر فالرهبة فعل للمؤمنين لأَنه بمعنى الإِرهاب الذى هو مصدر من المبنى للفاعل ويجوز أن يكون مصدرا من المبنى للمفعول الثلاثى لأَن المؤمنين مرهوبون لا راهبون {فِي صُدُورِهِم} صدور اليهود أو المنافقين أو الفريقين {مِنَ اللهِ} أى إِرهابكم إِياهم أشد عندهم من إِرهاب الله لهم أو رهبتهم منكم أشد مما يظهرونه لكم من رهبة الله عز وجل، وكانوا يظهرون لهم رهبة شديدة من الله عز وجل، واعلم أن تقديم عزة الله على جلاله أولى لتقدمها فى الحديث القدسى، كما مر فى قوله تعالى: وعزتى وجلالى، ولم يقل وجلالى وعزتى، والأَولى أن المعنى تخيفونهم أكثر مما يخيفهم الله عز وجل عندهم، أو يخافونكم أشد مما يخافون الله عز وجل، وفى ذكر الصدر مع أن الخوف لا يكون إِلا منه مبالغة كقولك: هذا ما كتبته بيدى، وهذا مما رأيته بعينى وهذا مما سمعته بأُذنى. {ذَلِكَ} المذكور من كونكم أشد إِرهابا لهم من الله عندهم أو كونهم أشد لكم رهبة منه تعالى {بِأَنَّهُمْ} بسبب أنهم {قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُونَ} عظمة الله عز وجل فلم يخشوه حق خشيته، {لاَ يُقَاتِلُونَكُمْ} أى اليهود أو هم والمنافقون فبهذا ضعف ودهاء صدورهم إِلى المنافقين وحدهم {جَمِيعًا} حال من الواو لا من الكاف، أى لا يقدرون على قتالكم مع أنهم مجتمعون {إِلاَّ فِي قُرًى} حال، أى إِلا فى حال أنهم فى قرى أو متعلق بيقاتل، أى لا يستعملون إِليكم إِلا فى قرى وخوفهم شديد بحيث يصدق عليهم قول المتنبى: شعر : وضاقت الأَرض حتى صار هاربهم إِذا رأى غير شئ ظنه رجلا تفسير : وقول بعض: شعر : ما زلت تحسب كل شئ بعدهم خيلا تكر عليهم ورجالا تفسير : {مُحَصَّنَةٍ أوْ مِن وَرَاءِ جُدُرٍ} فكيف يقاتلونكم غير مجتمعين أو فى غير قرى أو فى قرى غير محصنة لقذف الله عز وجل الرعب فى قلوبهم ومزيد رهبتهم والتحصين بالخنادق والدروب والشوك ونحو ذلك، والجدر الحيطان أو جذوع النخل القائمات فإِن النخل مما يستتر به. {بَأْسُهُم بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ} إِذا تقاتلوا ولكن خوفهم الله عز وجل منكم، والجملة مستأنفة أو حال وبين متعلق بشديد قدم للحصر والفاصلة، أو حال من ضمير شديد {تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا} مجتمعين بقلوبهم ذوى أُلفة واتحاد {وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى} متفرقة لا أُلفة بينهم لعداوة وحقد بينهم فليسوا يقاتلونكم بيد واحدة ففيهم ضعف وافتراق فلا تخافوهم، فكأَنكم تقاتلون عدداً أقل مما ترون من عددهم، وكأَنه فيهم من يعينكم لتعاديهم فيما بينهم، وهذا تجسير للمؤمنين عليهم والجملة حال من ضمير تحسب والربط بواو الحال أو من الهاء والربط بواو الحال والضمير، وشتى جمع شتيت وألفه للتأَنيث، وقيل المراد أن دين المنافقين وآراءَهم يخالف دين اليهود وآراءهم. {ذَلِكَ} الأَمر البعيد فى الجملة عن الخير، وهو تشتت القلوب الذى تزول به شوكتهم المركوزة فيهم بالخلقة {بِأَنَّهُمْ} بسبب أنهم {قَوْمٌ لاَ يَعْقِلُونَ} طريق نفع أنفسهم وهى الأُلفة والاتفاق ويضعف أن يقال: لا يعقلون أن تشتت القلوب يوهن قواهم. {كَمَثَلِ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ} خبر لمحذوف أى مثل اليهود من بنى النضير أو اليهود والمنافقين كمثل الكفار المقتولين ببدر قبلهم، أو كمثل بنى قينقاع من اليهود الذين حول المدينة غزاهم النبى - صلى الله عليه وسلم يوم السبت على رأس عشرين شهراً من الهجرة فى شوال قبل غزوة بنى النضير الواقعة فى ربيع سنة أربع وأجلاهم إِلى أذرعات، أو مثل قريظة كمثل بنى النضير وبينهما سنتان، أو مثل هؤلاء المنافقين كمثل منافقى الأُمم الماضية، وهو ضعيف. إِذ ليس فى الكلام تلويح إِلى منافقى الأُمم الماضية، وهو ضعيف. إِذ ليس فى الكلام تلويح إِلى منافقى الأُمم ولأشهر اسم المنافقين فيهم {قَرِيبًا} زماناً قريبا متعلق بما تعلق به من قبلهم أو بمن قبلهم، أى ثبتوا أو مضوا من قبلهم فى زمان قريب منهم فإِن قتلى بدر وقينقاع، متقدمون قبلهم بزمان قليل فلهم أُسوة بهم فى الإِهلاك. ويجوز تعليقه بقوله عز وجل {ذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ} أى ذاقوا سوء عاقبة كفرهم فى زمان قريب من زمانهم أو لا بد من تعليقه بذاقوا إِذا فسرنا الذين من قبلهم بمنافقى الأُمم الماضية، وهذه الجملة مستأنفة تفسير للمماثلة فى العذاب والصلة من قبلهم أو هى الصلة ومن قبلهم متعلق بقالوا {وَلَهُمْ عَذَابٌ ألِيمٌ} فى الآخرة لا يعلم قدره فى العظم إِلا الله تعالى والجملة معطوفة على ذاقوا عطف لسببية على فعلية أو حال مقارنة من واو ذاقوا لأَن ثبوت العذاب لهم مستمر أزلى. {كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ} خبر لمحذوف أى مثل المنافقين كمثل الشيطان ومثلهم قبل هذا بنو النضير، وأُجيز أن يكون مثلهم المقدر هنا ومثلهم المقدر قبل هذا الفريقين أو كمثل خبر ثان للمبتدأ المقدر فى قوله عز وجل: كمثل الذين، أى مثل الفريقين كمثل الذين الخ. وكمثل الشيطان إِلا أن مثل الذين عائد إِلى بنى النضير ومثل الشيطان عائد إِلى المنافقين كأَنه قيل: مثل الذين كفروا من أهل الكتاب فى حلول العذاب كمثل الذين من قبلهم، ومثل المنافقين فى الإِغراء على القتال كمثل الشيطان {إِذْ قَالَ لِلإِنْسَانِ} مرغبا له فى الكفر {اكْفُرْ} بالله عز وجل وما يجب الإِيمان به، والإِنسان الجنس وكذا الشيطان، وقيل الشيطان إِبليس والإِنسان أبو جهل، والجمهور على الأول. ولم يقل له قولا باللسان مسموعا بالآذان بل زين ووسوس فالقول استعارة تمثيلية أو مفردة، وعلى التفسير بإِبليس وأبى جهل يكون القول حقيقة، وعليه فمعنى اكفر: دم على الكفر أو زد منه أو ذلك تمثيل {فَلَمَّا كَفَرَ} الإِنسان {قَالَ} الشيطان {إِنِّي بَرِئٌ مِّنْكَ} من كفرك لا يصيبنى ما يصيبك ولا وصلة بيننا، ولا ترج أن أدفع عنك عقاب كفرك. {إِنِّي أَخَافُ اللهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ} أى أخاف عقابه على الكفر فى الدنيا قبل الآخرة، وقيل فى الآخرة وهو الأَوفق بقول الجمهور: إِن الإِنسان والشيطان الجنس ولا حجة لهم فى قوله عز وجل: {إِني أخاف الله رب العالمين}، لأَن عذاب الدنيا يخاف كما يخاف عذاب الآخرة. وقد روى أن إِبليس تصور بصورة إِنسان وقال لأَبى جهل يوم بدر: لا غالب لكم اليوم من الناس، وإِنى جار لكم ولما شاهد الملائكة، ورأى ما رأى قال: إِنى برئ منكم، إِنى أرى مالا ترون، إِنى أخاف الله... الآية. لما وقع من برصيصا ما وقع على ما يأْتى قريبا إِن شاء الله تعالى، كان الرهبان فى كتمان وهوان حتى صار من جريج ما كان، رجعوا فى عز كما فى مسلم مجموعا، وفى البخارى مفرقا عن أبى هريرة عنه - صلى الله عليه وسلم - "حديث : أنه نادت جريجاً أُمه في ثلاثة أيام فيقول يا رب أُمي وصلاتي فيقبل على الصلاة فدعت عليه أن لا يموت حتى ينظر في وجوه الزواني، وذكر بنو إِسرائيل عبادته فقالت امرأة جميلة جداً أنا أفتنه، فتعرضت له وأعرض عنها وأمكنت نفسها من راعٍ يأوي إِلى صومعته، وجروه وجعلوا يضربونه، فقال: لم ذلك؟ فقالوا: زنيت بفلانة الزانية وولدت منك. فقال: أين الصبي؟ فجاءُوا به، فقال: دعوني أُصلي. فلما صلى طعن في بطن الغلام وقال: من أبوك؟ قال: فلان الراعي فقبلوه وتمسحوا به وقالوا: نبني صومعتك بالذهب. قال: بل بالطين كما كانت، ومر رجل بصبي يرضع فقالت أُمه: اللهم اجعل ابني مثله، وكان حسن الهيئة وترك الرضاع ونظر إِليه فقال اللهم لا تجعلني مثله، فرجع إِلى الرضاع. قال أبو هريرة كأَني أنظر إِليه - صلى الله عليه وسلم - يحكى رضاعه بإِصبعه السبابة في فيه. ومر بجارية تُضرب ويقال: زنيت وسرقت وتقول: حسبي الله ونعم الوكيل، فقالت أُمه: اللهم لا تجعل ابني مثلها فترك الرضاع ونظر إِليها فقال: اللهم اجعلني مثلها، والرجل جبار والأَمة بريئةتفسير : . وفى الآية السابقة تشبيه حال المنافقين بحال الشيطان يوم بدر. وفى القصص أن برصيصا كان يتعبد فى صومعته فجاءه رجال بأُختهم أصابها جنون، ليدعو لها بالشفاء فزنى بها وحملت وقال إِبليس اقتلها لئلا تفتضح، وأخذوه للقتل، فقال له إِبليس: أنا الذى زينت لك الزنى بها والقتل فاسجد لى سجدة أنجك فسجد له، فقال: إِنى برئ منك، إِنى أخاف الله رب العالمين. وعلى هذا فخوف الله تعالى تقوى يدعيها إِبليس كذبا أو رياء، إِذ لا يدرى الناس أنه إِبليس. ويروى أن برصيصا عَبَدَ الله فى صومعته سبعين عاما لم يعص الله تعالى فيها وذلك فى الفترة، وأعيا إِبليس فجمع مردته، فقال الأَبيض منهم: أنا أضله وحلق وسط رأسه كالراهب فنادى برصيصا ولم يجبه، وكان لا ينفتل عن صلاته ولا يفطر إِلا بعد عشرة أيام، فبعدها اشرف عليه فرآه يصلى فندم على ترك إِجابته وقال له وما حاجتك كنت مشغولا. قال: أُريد أن أعبد معك وأتعلم منك العبادة وتدعو لى وأدعو لك. فقال: إِنى فى شغل عنك، إِن كنت مؤمنا جعل الله لك نصيبا فى دعائى، وأشرف عليه بعد أربعين ورآه يصلى على حاله الأُولى، قال: ما حاجتك قال: أكون معك. ففتح له لشدة اجتهاده وكان معه لا يفطر ولا ينفتل عن صلاته إِلا بعد أربعين يوما وقد يتم ثمانين، ولما تم الحول قال: بلغنى عنك أكثر مما رأيت، فأَنا ذاهب إِلى صاحب لى وكره برصيصا فرقته لشدة اجتهاده ووادعه وقال أعلمك كلمات تشفى بها المرضى والمجنون، خيرا لك من ذلك. وقال: لا لأَن الناس يشغلوننى فى ذلك، فما زال به حتى قبل تعليمه. فقال لإِبليس قد أهلكته فخنق رجلا وقال لأَهله أُعالجه فأَظهر أنه لم يقدر عليه، ودلهم على برصيصا فدعا بتلك الكلمات فخرج الأَبيض عنه وكان يفعل ذلك بالناس، وخنق بنت الملك فأَرشدهم إِلى برصيصا. فقالوا: لا يجيبنا إِلى ذلك. قال: ابنوا لها صومعة بجنب صومعته وقولوا هذه أمانة عندك، فرآها فأَعجبته وخنقها فدعا برصيصا وخرج الأَبيض وأقبل على صلاته ثم خنقها الأَبيض أيضا وعالجها برصيصا، وكانت تتعرض له، فقال له واقعها وتب فحملت منه. وقال له: اقتلها وتب وقل لهم ذهب بها شيطانها وادفنها بجانب الجبل لئلا تفتضح ففعل فجبذ الأَبيض طرف إِزارها فجاءُوا، وقال ذهب بها شيطانها وصدقوه، فقال الأَبيض فى النوم لأَخيها الأَكبر: زنى بها برصيصا وحملت منه وقتلها ودفنها فكذبه. وجاء للأَوسط كذلك فكذبه ثم الأَصغر فأَخبرهما وقالا رأينا ما رأيت، فقالوا لبرصيصا: أين أُختنا؟ فقال قد أخبرتكم فهل اتهمتمونى؟ قالوا: لا والله فرجعوا. وجاءهم الأَبيض وقال: إِنها تحت جبل كذا وإِن طرف إِزارها ظاهر، وعاينوا ذلك فهدموا صومعته وكتفوه وصلبه الملك، وقال له الأَبيض: أقر لهم لئلا يجتمع عليك القتل وانكاره وقد زنيت وقتلت وفضحت أمثالك، وأنا صاحبك الذى علمك الكلمات، قال: فما الحيلة؟ قال: اسجد لى أحلك وأغيبك، قال: لا أقدر. قال: اسجد لى بطرفك، ففعل، فقال: هذا الذى أُريد منك {فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَا} خبر مقدم {أَنَّهُمَا فِي النَّارِ} أبداً {وَذَلِكَ} الخلود فيها {جَزَاءُ الظَّالِمِينَ} جزاء من ذكر ولم يضمر ليذكرهم بالظلم الموجب للخلود أو الظالمين الجنس أو الاستغراق فيدخل المذكورون بالأَولى.
الالوسي
تفسير : {لأَنتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً } أي أشدّ مرهوبية على أن {رَهْبَةً } مصدر من المبني للمفعول، لأن المخاطبين وهم المؤمنون مرهوب منهم لا راهبون {فِى صُدُورِهِمْ مّنَ ٱللَّهِ } أي رهبتهم منكم في السر أشد مما يظهرونه لكم من رهبة الله عز وجل، وكانوا يظهرون لهم رهبة شديدة من الله عز وجل، ويجوز أن يراد أنهم يخافونكم في صدورهم أشد من خوفهم من الله تعالى ولشدة البأس والتشجع ما كانوا يظهرون ذلك، قيل: إن {فِى صُدُورِهِمْ } على الوجه الأول مبالغة وتصوير على نحو رأيته بعيني. {ذٰلِكَ } أي ما ذكر من كونكم أشد رهبة في صدورهم من الله تعالى {بِأَنَّهُمْ } بسبب أنهم {قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُونَ } شيئاً حتى يعلموا عظمة الله عز وجل فيخشوه حق خشيته سبحانه وتعالى، والمراد بهؤلاء اليهود، وقيل: المنافقون؛ وقيل: الفريقان.
ابن عاشور
تفسير : لما كان المقصود من ذكر وهن المنافقين في القتال تشديد نفس النبي صلى الله عليه وسلم وأنفُسِ المؤمنين حتى لا يرهبوهم ولا يخشوا مساندتهم لأهل حرب المسلمين أحلاف المنافقين قريظة وخيبر أعقب ذلك بإعلام المؤمنين بأن المنافقين وأحلافهم يخشون المسلمين خشية شديدة وُصفت شدتها بأنها أشد من خشيتهم الله تعالى، فإن خشية جميع الخلق من الله أعظم خشية فإذا بلغت الخشية في قلب أحد أن تكون أعظم من خشية الله فذلك منتهى الخشية. والمقصود تشديد نفوس المسلمين ليعلموا أن عدوّهم مُرهَب منهم، وذلك مما يزيد المسلمين إقداماً في محاربتهم إذ ليس سياق الكلام للتسجيل على المنافقين واليهود قلة رهبتهم لله بل إعلام المسلمين بأنهم أرهب لهم من كل أعظم الرهبات. والخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم ومن معه من المسلمين. والصدور مراد بها: النفوس والضمائر لأن محل أجهزتها في الصدور. والرَّهبة: مصدر رهب، أي خاف. وقوله: {في صدورهم} لـ{رهبة} فهي رهبة أولئك. وضمير {صدورهم} عائد إلى {أية : الذين نافقوا}تفسير : [الحشر: 11] و{أية : الذين كفروا من أهل الكتاب}تفسير : [الحشر: 11] إذ ليس اسم أحد الفريقين أولى بعود الضمير إليه مع صلاحية الضمير لكليهما، ولأن المقصودِين بالقتال هم يهود قريظة وخيبر وأما المنافقون فكانوا أعواناً لهم. وإسناد {أشَدّ} إلى ضمير المسلمين المخاطبين إسناد سببيّ كأنه قيل: لرهبتكم في صدورهم أشد من رهبة فيها. فالرهبة في معنى المصدر المضاف إلى مفعوله، وكل مصدر لفعل متعدّ يحتمل أن يضاف إلى فاعله أو إلى مفعوله، ولذلك فسره الزمخشري بأشد مرهوبية. و{من الله} هو المفضل عليه، وهو على حذف مضاف، أي من رهبة الله، أي من رهبتهم الله كما قال النابغة: شعر : وقد خفت حتى ما تزيد مخافتي على وَعِلٍ في ذي المطارة عاقل تفسير : أي على مخافة وَعل. وهذا تركيب غريب النسج بديعه. والمألوف في أداء مثل هذا المعنى أن يقال: لَرهبتهم منكم في صدورهم أشد من رهبتهم من الله، فحُوّل عن هذا النسج إلى النسج الذي حبك عليه في الآية، ليتأتّى الابتداء بضمير المسلمين اهتماماً به وليكون متعلّق الرهبة ذوات المسلمين لتوقع بطشهم وليأتي التمييز المحول عن الفاعل لما فيه من خصوصية الإِجمال مع التفصيل كما تقرر في خصوصية قوله تعالى: {أية : واشتعل الرأس شيباً}تفسير : [مريم: 4] دون: واشتعل شيبُ رأسي. وليتأتى حذف المضاف في تركيب {من الله}، إذ التقدير: من رهبة الله لأن حذفه لا يحسن إلا إذا كان موقعه متصلاً بلفظ {رهبة}، إذ لا يحسن أن يقال: لرهبتهم أشد من الله. وانظر ما تقدم عند تفسير قوله تعالى: {أية : إذا فريق منهم يخشون الناس كخشية الله أو أشدّ خشية}تفسير : في سورة [النساء: 77]. فاليهود والمنافقون من شأنهم أن يخشوا الله. أما اليهود فلأنهم أهل دين فَهُم يخافون الله ويحذرون عقاب الدنيا وعقاب الآخرة. وأما المنافقون فهم مشركون وهم يعترفون بأن الله تعالى هو الإِلٰه الأعظم، وأنه أولى الموجودات بأن يخشى لأنه ربّ الجميع وهم لا يثبتون البعث والجزاءَ فخشيتهم الله قاصرة على خشية عذاب الدنيا من خسف وقحط واستئصال ونحو ذلك وليس وراء ذلك خشية. وهذا بشارة للنبيء والمسلمين بأن الله أوقع الرعب منهم في نفوس عدوّهم كما قال النبي: نُصِرت بالرعب مسيرة شهر. ووجه وصف الرهبة بأنها في صدورهم الإِشارة إلى أنها رهبة جدُّ خفيّة، أي أنهم يتظاهرون بالاستعداد لحرب المسلمين ويتطاولون بالشجاعة ليرهبهم المسلمون وما هم بتلك المثابة فأطلع الله رسوله على دخيلتهم فليس قوله: {في صدورهم} وصفاً كاشفاً. وإذ قد حصلت البشارة من الخبر عن الرعب الذي في قلوبهم ثُنّي عنان الكلام إلى مذمّة هؤلاء الأعداء من جراء كونهم أخوفَ للناس منهم لله تعالى بأن ذلك من قلة فقه نفوسهم، ولو فقهوا لكانوا أخوف لله منهم للناس فنظروا فيما يخلصهم من عقاب التفريط في النظر في دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم فعلموا صدقهُ فنجَوا من عواقب كفرهم به في الدنيا والآخرة فكانت رهبتهم من المسلمين هذه الرهبة مصيبة عليهم وفائدة للمسلمين. فالجملة معترضة بين البيان ومبيّنه. والإِشارة بذلك إلى المذكور من قوله: {لأنتم أشد رهبة في صدورهم من الله} واجتلاب اسم الإِشارة ليتميز الأمر المحكوم عليه أتم تمييز لغرابته. والباء للسببية والمجرورُ خبر عن اسم الإِشارة، أي سبب ذلك المذكور وهو انتفاء فقاهتهم. وإقحام لفظ {قوم} لما يؤذن به من أن عدم فقه أنفسهم أمر عرفوا به جميعاً وصار من مقومات قَوميتهم لا يخلو عنه أحد منهم، وقد تقدم بيان ذلك عند قوله تعالى: {أية : إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار} تفسير : [البقرة: 164] إلى قوله: {أية : لآيات لقوم يعقلون}تفسير : في سورة [البقرة: 164]. والفقه: فهم المعاني الخفية، وقد تقدم عند قوله تعالى: {أية : فما لهؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثاً}تفسير : في سورة [النساء: 78]، وقوله: {أية : انظر كيف نصرّف الآيات لعلّهم يفقهون}تفسير : في سورة [الأنعام: 65]، ذلك أنهم تَبِعوا دواعي الخوف المشاهد وذهلوا عن الخوف المغيب عن أبصارهم، وهو خوف الله فكان ذلك من قلة فهمهم للخفيّات.
د. أسعد حومد
تفسير : (13) - وَيُبَيِّنُ اللهُ تَعَالَى السَّبَبَ فِي عَدَمِ جُرْأَةِ المُنَافِقِينَ عَلَى الانْضِمَامِ إِلَى اليَهُودِ، فِي قِتَالِ المُسْلِمِينَ، فَيُخْبِرُ تَعَالَى: أَنَّ المُسْلِمِينَ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِ هَؤُلاَءِ المُنَافِقِينَ مِنَ اللهِ، فَهُمْ يَخَافُونَ بَأْسَ المُسْلِمِينَ أَكْثَرَ مِمَّا يَخَافُونَ اللهَ، لأَِنَّهُمْ لاَ يَفْقَهُونَ مِقْدَارَ عَظَمَةِ اللهِ، فَهُمْ لِذَلِكَ يَسْتَخِفُّونَ بِمَعَاصِيهِ، وَلاَ يَرْهَبُونَ عِقَابَهُ، قَدْرَ رَهْبَتِهِم المُسْلِمِينَ وَسَطْوَتِهمْ.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {لأَنتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً} معناه خَوفٌ.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : {لأَنتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِّنَ ٱللَّهِ} [الحشر: 13] يعني: أيتها القوة المؤمنة هم يرهبون منكم أشد رهبة من الله لجهلهم بالله وقصور نظرهم عن الحق {ذَلِكَ} [الحشر: 13] بنظرهم إلى الباطن {بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُونَ} [الحشر: 13] أي: ليس لهم قلب يعرف صفات الله من بطشه وقهره {لاَ يُقَاتِلُونَكُمْ} [الحشر: 14] القوى السرية الجاحدة {إِلاَّ فِي قُرًى مُّحَصَّنَةٍ} [الحشر: 14] يعني: لا يبرزون ليحاربوكم مواجهة؛ بل يدخلون في حصون إيمانهم الحاصلة باللطيفة السرية ولا تمنعهم من جنود اللطيفة الخفية؛ لأن هذه الجنود تجيء من أعلاها والحصن تمنع من يكون أسفلها مثل جند الشيطان والهوى {أَوْ مِن وَرَآءِ جُدُرٍ} [الحشر: 14] يعني: وراء الخواطر السرية {بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ} [الحشر: 14] يعني: ما داموا في حصونهم يكون بأسهم شديداً، ولكن ليس الحصول بما نعتهم عن جنود الخواطر الخفية {تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً} [الحشر: 14] في حصن واحد في الصورة {وَقُلُوبُهُمْ شَتَّىٰ} [الحشر: 14] لأنهم متفرقون في طلب شهواتهم لا يتحصنوا بهذا الحصن من تحقيق ولأجل الله، بل لعادتهم ولاستيفاء حظوظهم من القوى السرية الضعيفة الجاهلة الجاحدة {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْقِلُونَ} [الحشر: 14] حقيقة التحصن بإيمانهم مثلهم {كَمَثَلِ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ قَرِيباً ذَاقُواْ وَبَالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [الحشر: 15] بظنهم حصونهم مانعتهم عن ضرب الرحمن، ومثل المنافقين {كَمَثَلِ ٱلشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلإِنسَانِ ٱكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيۤءٌ مِّنكَ} [الحشر: 16] يعني: إذا قالت القوة المستكبرة الشيطانية للقوة المستجلة الإنسانية بعد طول مجاهدتها في طريق الكشف، واطلاعها على بعض أسرار المكاشفات اكفري بنعمة الله التي أنعم في حقك، وهو بأن تباشر مع القوة النفسية على وفق الهوى بالشهوة الحظيّة بقول القوة الشيطانية، ويطلعها على أسرار مكاشفاتها، ثم يقتلها بالمجاهدات لحظها الهوى، فلما فعلت هذه الفعلة القبيحة لشؤم عجبها قالت لها القوة الشيطانية {إِنِّي بَرِيۤءٌ مِّنكَ إِنِّيۤ أَخَافُ ٱللَّهَ رَبَّ ٱلْعَالَمِينَ * فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَآ أَنَّهُمَا فِي ٱلنَّارِ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَآءُ ٱلظَّالِمِينَ} [الحشر: 16-17] لأن القوة المستكبرة أبت من أخذ الحق والقوة المعجبة أعجبت بنفسها ونسيت توفيق ربها، وغفلت عن ذكره الحق، وكفرت بنعمة المكاشفة، وقبلت كلام العدو.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):