Verse. 5140 (AR)

٥٩ - ٱلْحَشْر

59 - Al-Hashr (AR)

لَا يُقَاتِلُوْنَكُمْ جَمِيْعًا اِلَّا فِيْ قُرًى مُّحَصَّنَۃٍ اَوْ مِنْ وَّرَاۗءِ جُدُرٍ۝۰ۭ بَاْسُہُمْ بَيْنَہُمْ شَدِيْدٌ۝۰ۭ تَحْسَبُہُمْ جَمِيْعًا وَّقُلُوْبُہُمْ شَتّٰى۝۰ۭ ذٰلِكَ بِاَنَّہُمْ قَوْمٌ لَّا يَعْقِلُوْنَ۝۱۴ۚ
La yuqatiloonakum jameeAAan illa fee quran muhassanatin aw min warai judurin basuhum baynahum shadeedun tahsabuhum jameeAAan waquloobuhum shatta thalika biannahum qawmun la yaAAqiloona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«لا يقاتلونكم» أي اليهود «جميعا» مجتمعين «إلا في قرى محصنة أو من وراء جدار» سور، وفي قراءة جدر «بأسهم» حربهم «بينهم شديد تحسبهم جميعا» مجتمعين «وقلوبهم شتى» متفرقة خلاف الحسبان «ذلك بأنهم قوم لا يعقلون».

14

Tafseer

الرازي

تفسير : ثم قال تعالى: {لاَ يُقَـٰتِلُونَكُمْ جَمِيعاً إِلاَّ فِي قُرًى مُّحَصَّنَةٍ أَوْ مِن وَرَاء جُدُرٍ } يريد أن هؤلاء اليهود والمنافقين لا يقدرون على مقاتلتكم مجتمعين إلا إذا كانوا في قرى محصنة بالخنادق والدروب أو من وراء جدر، وذلك بسبب أن الله ألقى في قلوبهم الرعب، وأن تأييد الله ونصرته معكم، وقرىء {جُدُرٍ } بالتخفيف وجدار وجدر وجدر وهما الجدار. ثم قال تعالى: {بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّىٰ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْقِلُونَ } وفيه ثلاثة أوجه أحدها: يعني أن البأس الشديد الذي يوصفون به إنما يكون إذا كان بعضهم مع بعض، فأما إذا قاتلوكم لم يبق لهم ذلك البأس والشدة، لأن الشجاع يجبن والعز يذل عند محاربة الله ورسوله وثانيها: قال مجاهد: المعنى أنهم إذا اجتمعوا يقولون: لنفعلن كذا وكذا، فهم يهددون المؤمنين ببأس شديد من وراء الحيطان والحصون، ثم يحترزون عن الخروج للقتال فبأسهم فيما بينهم شديد، لا فيما بينهم وبين المؤمنين وثالثها: قال ابن عباس: معناه بعضهم عدو للبعض، والدليل على صحة هذا التأويل قوله تعالى: {تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّىٰ } يعني تحسبهم في صورتهم مجتمعين على الألفة والمحبة، أما قلوبهم فشتى، لأن كل أحد منهم على مذهب آخر، وبينهم عداوة شديدة، وهذا تشجيع للمؤمنين على قتالهم، وقوله: {ذٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْقِلُونَ } فيه وجهان: الأول: أن ذلك بسبب أنهم قوم لا يعقلون ما فيه الحظ لهم والثاني: لا يعقلون أن تشتيت القلوب مما يوهن قواهم.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {لاَ يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعاً} يعني اليهود {إِلاَّ فِي قُرًى مُّحَصَّنَةٍ} أي بالحيطان والدُّور؛ يظنون أنها تمنعهم منكم. {أَوْ مِن وَرَآءِ جُدُرٍ} أي من خلف حيطان يستترون بها لجُبْنِهم وَرَهْبَتِهم. وقراءة العامة «جُدُرٍ» على الجمع، وهو اختيار أبي عبيدة وأبي حاتم؛ لأنها نظير قوله تعالى: {فِي قُرًى مُّحَصَّنَةٍ} وذلك جمع. وقرأ ابن عباس ومجاهد وابن كثير وابن مُحَيْصِن وأبو عمرو «جِدَارٍ» على التوحيد؛ لأن التوحيد يؤدى عن الجمع. وروي عن بعض المكّيين «جَدْر» (بفتح الجيم وإسكان الدال)؛ وهي لغة في الجدار. ويجوز أن يكون معناه من وراء نخيلهم وشجرهم؛ يقال: أجْدَر النخل إذا طلعت رؤوسه في أوّل الربيع. والجِدْر: نبتٌ واحدته جِدْرة. وقُرِىء «جُدْر» (بضم الجيم وإسكان الدال) جمع الجدار. ويجوز أن تكون الألف في الواحد كألف كِتاب، وفي الجمع كألف ظِراف. ومثله ناقة هِجَانٌ ونُوقٌ هجان؛ لأنك تقول في التثنية: هجانان؛ فصار لفظ الواحد والجمع مشتبهين في اللفظ مختلفين في المعنى؛ قاله ابن جِنيّ. قوله تعالى: {بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ} يعني عداوة بعضهم لبعض. وقال مجاهد: {بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ} أي بالكلام والوعيد لنفعلن كذا. وقال السدّي: المراد اختلاف قلوبهم حتى لا يتفقوا على أمر واحد. وقيل: {بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ} أي إذا لم يلقَوْا عدوّاً نسبوا أنفسهم إلى الشدة والبأس، ولكن إذا لَقُوا العدوّ انهزموا. {تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّىٰ} يعني اليهود والمنافقين؛ قاله مجاهد. وعنه أيضاً يعني المنافقين. الثورِيّ: هم المشركون وأهل الكتاب. وقال قتادة: {تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً} أي مجتمعين على أمر ورأي. {وَقُلُوبُهُمْ شَتَّىٰ} متفرّقة. فأهل الباطل مختلفة آراؤهم، مختلفة شهادتهم، مختلفة أهواؤهم؛ وهم مجتمعون في عداوة أهل الحق. وعن مجاهد أيضاً: أراد أن دين المنافقين مخالف لدين اليهود؛ وهذا ليقوّي أنفس المؤمنين عليهم. وقال الشاعر:شعر : إلى الله أشكو نِيَّةً شَقّت العَصَا هي اليوم شَتَّى وهي أمس جُمَّعُ تفسير : وفي قراءة ابن مسعود «وقلوبهم أشَتّ» يعني أشدّ تشتيتاً؛ أي أشدّ اختلافاً. {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْقِلُونَ} أي ذلك التشتيت والكفر بأنهم لا عقل لهم يعقلون به أمر الله.

المحلي و السيوطي

تفسير : {لاَ يُقَٰتِلُونَكُمْ } أي اليهود {جَمِيعاً } مجتمعين {إِلاَّ فِى قُرًى مُّحَصَّنَةٍ أَوْ مِن وَرَاءِ جُدُرٍ} أسوار وفي قراءة جدران { بَأْسُهُمْ } حربهم {بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً } مجتمعين {وَقُلُوبُهُمْ شَتَّىٰ } متفرقة خلاف الحسبان {ذٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْقِلُونَ }.

ابن عطية

تفسير : الضمير في قوله تعالى: {لا يقاتلونكم} لبني النضير وجميع اليهود، وهذا قول جماعة المفسرين، ويحتمل أن يريد بذلك: اليهود والمنافقين، لأن دخول المنافقين في قوله تعالى: {بأسهم بينهم شديد تحسبهم جميعاً وقلوبهم شتى} متمكن بين. ومعنى الآية: {لا يقاتلونكم} في جيش مفحص، والقرى المدن. قال الفراء هذا جمع شاذ. قال الزجاج: ما في القرآن فليس بشاذ وهو مثل ضيعة وضيع. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وكثير من المكيين "جدار" على معنى الجنس. وقرأ كثير من المكيين وهارون عن ابن كثير: "جَدْر" بفتح الجيم وسكون الدال ومعناه أصل بنيان كالسور ونحوه، وقرأ الباقون من القراء "جُدُر" بضم الجيم والدال وهو جمع جدار، وقرأ أبو رجاء وأبو حيوة "جُدْر" بضم الجيم وسكون الدال وهو تخفيف في جمع جدار، ويحتمل أن يكون من جدر النخل أي من وراء نخلهم إذ هي مما يتقى به عند المضايقة، وقوله تعالى: {بأسهم بينهم شديد} أي في عائلتهم وأحبتهم، وفي قراءة عبد الله بن مسعود "تحسبهم جميعاً وفي قلوبهم أشتات"، وهذه حال الجماعات المتخاذلة وهي المغلوبة أبداً فيما يحاول، واللفظة مأخوذة من الشتات وهو التفرق ونحوه، وقوله تعالى: {كمثل الذين من قبلهم} معناه مثلهم {كمثل}، و {الذين من قبلهم}، قال ابن عباس: هم بنو قينقاع، لأن النبي صلى الله عليه وسلم أجلاهم عن المدينة قبل بني النضير وكانوا مثلاً لهم، وقال قتادة ومجاهد: {الذين من قبلهم} أهل بدر الكفار فإنهم قبلهم ومثل لهم في أن غلبوا وقهروا، وقال بعض المتأولين: الضمير في قوله {قبلهم} للمنافقين، و {الذين من قبلهم} هم منافقو الأمم المتقدمة وذلك أنهم غلبوا ونالتهم الذلة على وجه الدهر فهم مثل لهؤلاء، ولكن قوله {قريباً} إما أن يكون في زمن موسى وإلا فالتأويل المذكور يضعف، إلا أن تجعل {قريباً} ظرفاً للذوق، فيكون التقدير {ذاقوا وبال أمرهم} {قريباً} من عصيانهم وبحدثانه، ولا يكون المعنى أن المثل قريب في الزمن من الممثل له، وعلى كل تأويل فـ {قريباً} ظرف أو نعت لظرف والوبال: الشدة والمكروه وعاقبة السوء، و "العذاب الأليم": هو في الآخرة، وقوله تعالى: {كمثل الشيطان} معناه مثل هاتين الفرقتين من المنافقين وبني النضير {كمثل الشيطان} والإنسان، فالمنافقون مثلهم الشيطان وبنو النضير مثلهم الإنسان، وذهب مجاهد وجمهور من المتأولين إلى أن {الشيطان} و "الإنسان" في هذه الآية أسماء جنس لأن العرف أن يعمل هذا شياطين بناس كما يغوي الشيطان الإنسان ثم يفر منه بعد أن يورطه، كذلك أغوى المنافقون بني النضير وحرضوهم على الثبوت ووعدوهم النصر، فلما نشب بنو النضير وكشفوا عن وجوههم تركهم المنافقون في أسوأ حال، وذهب قوم من رواة القصص أن هذا شيطان مخصوص مع عابد من العباد مخصوص، وذكر الزجاج أن اسمه برصيص، قالوا إنه استودع امرأة وقيل سيقت إليه ليشفيها بدعائه من الجنون فسول له الشيطان الوقوع عليها فحملت، فخشي الفضيحة، فسول له قتلها ودفنها، ففعل ثم شهره، فلما استخرجت المرأة وحمل العابد شر حمل وهو قد قال: إنها قد ماتت فقمت عليها ودفنتها، فلما وجدت مقتولة علموا كذبه فتعرض له الشيطان فقال له: اكفر واسجد لي وأنجيك، ففعل وتركه عند ذلك. وقال {إني بريء منك}، وهذا كله حديث ضعيف، والتأويل الأول هو وجه الكلام وقول الشيطان: {إني أخاف الله}، رياء من قوله وليست على ذلك عقيدته، ولا يعرف الله حق معرفته ولا يحجزه خوفه عن سوء يوقع فيه ابن آدم من أول إلا آخر، وقوله تعالى: {فكان عاقبتهما} الآية، يحتمل الضمير أن يعود على المخصوصين المذكورين، ويحتمل أن يعود على اسمي الجنس أي هذا هو عاقبة كل شيطان وإنسان يكون أمرهما هكذا، وقرأ الحسن وعمرو بن عبيد: "عاقبتُهما" بالرفع، وقرأ جمهور الناس: "عاقبتَهما" بالنصب وموضع أن يخالف إعراب المعاقبة في القراءتين إن شاء الله تعالى، وقرأ الأعمش وابن مسعود: "خالدان" بالرفع على أنه خبر "أن"، والظرف ملغى، ويلحق هذه الآية من الاعتراض إلغاء الظرف مرتين قاله الفراء، وذلك جائز عند سيبويه على التأكيد.

ابن عبد السلام

تفسير : {بَأْسُهُم} "حرب بعضهم لبعض" أو اختلافهم واختلاف قلوبهم فلا يتفقون على أمر واحد ووعيدهم للمسلمين لنفعلن كذا وكذا {تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً} اليهود، أو المنافقون واليهود {شَتَّى} مختلفة لأنهم على باطل والباطل مختلف أو على نفاق والنفاق اختلاف " وتركه ائتلاف ".

التستري

تفسير : قوله تعالى: {تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّىٰ}[14] قال: أهل الحق مجتمعون، وأهل الباطل متفرقون أبداً. وإن اجتمعوا في أبدانهم وتوافقوا في الظاهر، فإن الله تعالى يقول في كتابه العزيز: {تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّىٰ}[14].

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّىٰ} [الآية: 14]. قال سهل: أهل الحق مجتمعين أبداً موافقين وإن تفرقوا بالأبدان وتباينوا بالظواهر وأهل الباطل متفرقين أبداً وإن اجتمعوا بالأبدان وتوافقوا بالظواهر لأن الله عز وجل يقول: {تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّىٰ}. قال الصادق: اتقوا مخالفتى ثم اتقوا مفارقتى. وقال بعضهم: قلوب أهل الحق قلوب مجتمعه لموافقة الحقائق وقلوب أهل الباطل متفرقة لمخالفة الباطل.

البقلي

تفسير : قوله تعالى {تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّىٰ} وصف الله قلوب المخالفين بالتشتت والتفرق فى نياتهم وقصودهم وارائهم بانهم لا يرشدون طرق المأب الى الله ولا يتوافقوا بابدانهم وذلك التفرقة من عينهم عن رؤية محل اصواب قال سهل اهل الحق مجتمعين ابدا موافقين وان تفرقوا بالابد ان وتباينوا بالظواهر واهل الباطل متفرقين ابدا وان اجتمعوا بالابدان ووافقوا فى الظواهر لان الله يقول تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى.

اسماعيل حقي

تفسير : {لايقاتلونكم} اى اليهود والمنافقون بمعنى لايقدرون على قتالكم ولايجترئون عليه {جميعا} اى مجتمعين متفقين فى موطن من المواطن {الا فى قرى} جمع قرية وهى مجتمع الناس للتوطن {محصنة} محكمة بالدروب والخنادق وما اشبه ذلك قال الراغب اى مجعولة بالاحكام كالحصون {او من ورآء جدر} دون أن يحضروا لكم ويبارزوكم اى يشافهوكم بالمحاربة لفرط رهبتهم جمع جدار وهو كالحائط الا ان الحائط يقال اعتبارا بالاحاطة بالمكان والجدار يقال اعتبار بالنتو والارتفاع ولذا قيل جدر الشجر اذا خرج ورقه كأنه حمص وجدر الصبى اذا خرج جدرية تشبيها بجدر الشجر {بأسهم بينهم شديد} استئناف سيق لبيان ان ماذكر من رهبتهم ليس لضعفهم وجبنهم فى انفسهم فان بأسهم وحربهم بالنسبة الى اقرانهم شديد وانما ضعفهم وجبنهم بالنسبة اليكم بما قذف الله فى قلوبهم من الرعب وايضا ان الشجاع يجبن والعزيز يذل اذا حارب الله ورسوله قال فى كشف الاسرار اذا أراد الله نصرة قوم استأسد أرنبهم واذا أراد الله قهر قوم استرنب اسدهم شعر : اكر مردى ازمردى خود مكوى نه هرشهسوارى بدر برى كوى تفسير : ان قيل ان البأس شدة الحرب فما الحاجة الى الحكم عليه بشديد أجيب بأنه أريد من البأس هنا مطلق الحرب فاخبر بشدته لتصريح الشدة او أريد المبالغة فى اثبات الشدة لبأسهم مبالغة فى شدة بأس المؤمنين لغلبته على بأسهم بتأييد الله ونصرته لهم عليهم والظرف متعلق بشديد والتقديم للحصر ويجوز أن يكون متعلقا بمقدر صفة او حالا اى بأسهم الواقع بينهم او واقعا بينهم فقولهم الظرف الواقع بعد المعرفة يكون حالا البتة ليس بمرضى فان الامرين جائزان بل قد ترجح الصفة {تحسبهم} يا محمد او يأكل من يسمع ويعقل {جميعا} مجتمعين متفقين ذوى ألفة واتحاد {وقلوبهم شتى} اى والحال ان قلوبهم متفرقة لا الفة بينها فهم بخلاف من وصفهم بقوله {أية : ولكن الله ألف بينهم}تفسير : جمع شتيت كمرضى ومريض وبالفارسية براكنده وبريشان، يقال شت يشت شتا وشتاتا وشتيتا فرق وافترق كانشت وتشتت وجاؤا اشتاتا اى متفرقين فى النظام وفى الآية تشجيع لقلوب المؤمنين على قتالهم وتجسير لهم وان اللائق بالمؤمن الاتفاق والاتحاد صورة ومعنى كما كان المؤمنون متفقين فى عهد النبى عليه السلام ويقال الاتفاق قوة والافتراق هلكة والعدو ابليس يظفر فى الافتراق بمراده قال سهل أهل الحق مجتمعون ابدا موافقون وان تفرقوا بالابدان وتباينوا بالظواهر واهل الباطن متفرقون ابدا وان اجتمعوا بالابدان وتوافقوا بالظواهر لان الله تعالى يقول {تحسبهم} الخ {ذلك بأنهم} اى ماذكر من تشتت قلوبهم بسبب انهم {قوم لايعقلون} اى لايعقلون شيأ حتى يعرفوا الحق ويتبعوه وتطمئن به قلوبهم وتتحد كلمتهم ويرموا عن قوس واحدة فيقعون فى تيه الضلال وتتشتت قلوبهم حسب تشتت طرقه وتفرق فنونه وتشتت القلوب يوهن قواهم لان صلاح القلب يؤدى الى صلاح الجسد وفساده الى فساده كما قالوا كل اناء يترشح بما فيه علم ان الله تعالى ذم الكفار فى القرءآن بكل من عدم الفقه والعلم والعقل قال الراغب الفقه هو التوصل الى علم غائب بعلم شاهد فهو أخص من العلم والعلم ادراك الشىء بحقيقته وهو نظرى وعملى وايضا عقلى وسمعى والعقل يقال للقوة المتهيئة لقبول العلم ويقال للعلم الذى يستفيده الانسان بتلك القوة عقل ولهذا قال امير المؤمنين على رضى الله عنه، وان العقل عقلان، فمسموع ومطبوع، ولاينفع مطبوع، اذا لم يك مسموع، كما لاتنفع الشمس، وضوء العين ممنوع، والى الاول أشار عليه السلام بقوله "حديث : ماخلق الله شيأ اكرم عليه من العقل"تفسير : والى الثانى أشار بقوله "حديث : ماكسب احد شيئا افضل من عقل يهديه الى هدى او يرده عن ردى"تفسير : وهذا العقل هو المعنى بقوله {أية : ومايعقلها الا العالمون}تفسير : وكل موضع ذم الكفار بعدم العقل فاشار الى الثانى دون الاول وكل موضع رفع التكليف عن العبد لعدم العقل فاشارة الى الاول انتهى. وفى الحديث "حديث : العقل نور فى القلب يفرق به بين الحق والباطل"تفسير : وعن انس رضى الله عنه قيل يارسول الله الرجل يكون حسن العقل كثير الذنوب قال "حديث : وما من آدمى الا له ذنوب وخطايا يقترفها فمن كان سجيته العقل وغريزته اليقين لم تضره ذنوبه"تفسير : قيل كيف ذلك يارسول الله قال "حديث : لانه كلما اخطأ لم يلبث أن يتدارك ذلك بتوبة وندامة على ما كان منه فيمحو ذنوبه ويبقى له فضل يدخل به الجنة"تفسير : وعنه ايضا رضى الله عنه أتى قوم على رجل عند رسول الله حتى بالغوا فى الثناء بخصال الخير فقال رسول الله "حديث : كيف عقل الرجل"تفسير : فقالوا يارسول الله نخبرك عنه باجتهاده فى العبادة واصناف الخير وتسألنا عن عقله فقال نبى الله "حديث : ان الأحمق يصيب بحمقه اعظم من فجور الفاجر وانما يرتفع العباد غدا فى الدرجات وينالون الزلفى من ربهم على قدر عقولهم"تفسير : قال على بن عبيدة العقل ملك والخصال رعية فاذا ضعف عن القيام عليها وصل الخلل اليها فسمعه اعرابى فقال هذا الكلام يقطر عسله وقال بعضهم اذا كمل العقول نقص الفضول اى لان العقل يعقله ويمنعه عما لا يعنيه كل شىء اذا كثر رخص غير العقل فانه اذا كثر غلا وقال اعرابى لو صور العقل لاضلمت معه الشمس ولو صور الحمق لاضاء معه الليل فالعقل انور شىء والحمق اظلمه وقيل العاقل يعيش بعقله حيث كان كما يعيش الأسد بقوته اى ففى العقل قوة شجاعة الأسد ويعلم منه بالمقايسة ان فى الحمق ضعف حال الأرنب ونحوه شعر : كشتى بى لنكر آمد مردشر كه زباد كر نيابد او حذر لنكر عقلست عاقل را امان لنكرى در يوزه كن از عاقلان

الجنابذي

تفسير : {لاَ يُقَاتِلُونَكُمْ} ايّها المؤمنون {جَمِيعاً} اى المنافقون واليهود اذا اجتمعوا لا يقاتلونكم {إِلاَّ فِي قُرًى مُّحَصَّنَةٍ} لخوفهم منكم وهذه تجرئة للمؤمنين {أَوْ مِن وَرَآءِ جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ} ولكن لالقاء الرّعب فى قلوبهم لا يجترئون على مقاتلتكم لا لضعفٍ وجبن فيهم {تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّىٰ} كما انّ هذا شأن جميع اهل الدّنيا تكون ابدانهم مجتمعةً وقلوبهم متفرّقةً {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْقِلُونَ} لا عقل لهم، او لا يدركون بعقولهم، او لا يتعقّلون ما فيه صلاحهم.

اطفيش

تفسير : {لايُقَاتِلُونَكُمْ} أي اليهود والمنافقون وقيل اليهود {جَمِيعاً} مجتمعين أي ومع اجتماعهم لا يقاتلونكم {إِلا فِى قُرىً} جمع قرية {مُّحَصَّنَةٍ} بالدروب والخنادق {أَوْمِن وَرَآءِ جُدُرٍ} رعبا منكم لا يظهرون وقرأ ابن كثير وأبو عمر واو من وراء جدار بكسر الجيم وبألف بعد اسكان الدال واما ابو عمر فتح الدال وقرىء جدر بضم الجيم واسكان الدال وقرىء جدر بفتح الجيم واسكان الدال والمراد الحائط الساتر والمضمومان جمعان. {بَأْسُهُم} ضرهم او حربهم {بَينَهُمٌْ} شديد واما معكم فلا يبقى لهم بأس لان الشجاع يجبن والعزيز يذل إذا حارب الله ورسوله وقيل بأسهم شديد بينهم من وراء الحيطان وإذا برزوا اليكم فهم اجبن خلق الله. {تَحْسَبْهُمْ جَمِيعاً} مجمتعين ذوي الفة {وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى} متفرقة جمع شتيت كقتيل وقتلى الفة للتأنيث يعني ان بينهم حذا وعداوات لا يتعاضدون حق التعاضد ولا يرمون عن قوس واحدة ولا شيء اخزى للقوم من اختلاف قلوبهم فهذا تجسير للمؤمنين وتشجيع لقلوبهم على قتالهم وذلك لاختلاف مقاصدهم وعقائدهم قال قتادة اهل الباطل مختلفة اهوائهم مختلفة اعمالهم مختلفة شهاداتهم وهم مجتمعون في عداوة اهل الحق وقيل اراد ان دين المنافقين وآرائهم تخالف دين اليهود وارائهم. {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ} ما فيه صلاحهم ولا يعلمون ان تشتيت القلوب يوهن قواهم.

الالوسي

تفسير : {لاَ يُقَـٰتِلُونَكُمْ } / أي اليهود والمنافقون، وقيل: اليهود، يعني لا يقتدرون على قتالكم {جَمِيعاً } أي مجتمعين متفقين في موطن من المواطن {إِلاَّ فِى قُرًى مُّحَصَّنَةٍ } بالدروب والخنادق ونحوها {أَوْ مِن وَرَاء جُدُرٍ } يتسترون بها دون أن يصحروا لكم ويبارزوكم لقذف الله تعالى الرعب في قلوبهم ومزيد رهبتهم منكم. وقرأ أبو رجاء والحسن وابن وثاب {جدر } بإسكان الدال تخفيفاً، ورويت عن ابن كثير وعاصم والأعمش، وقرأ أبو عمرو وابن كثير في الرواية المشهورة وكثير من المكيين (جِدار) بكسر الجيم وألف بعد الدال وهي مفرد الجدر، والقصد فيه إلى الجنس، أو المراد به السور الجامع للجدر والحيطان. وقرأ جمع من المكيين وهارون عن ابن كثير {جَدْر } بفتح الجيم وسكون الدال، قال صاحب «اللوامح»: وهو الجدار بلغة اليمن، وقال ابن عطية: معناه أصل بنيان كَسُور وغيره، ثم قال: ويحتمل أن يكون من جدر النخل أي من وراء نخلهم إذ هي مما يتقى به عند المصافة. {بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ } استئناف سيق لبيان أن ما ذكر من رهبتهم ليس لضعفهم وجبنهم في أنفسهم فإن بأسهم إذا اقتتلوا شديد وإنما ضعفهم وجبنهم بالنسبة إليكم بما قذف الله تعالى في قلوبهم من الرعب. {تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً } أي مجتمعين ذوي ألفة واتحاد {وَقُلُوبُهُمْ شَتَّىٰ } جمع شتيت أي متفرقة لا ألفة بينها يعني أن بينهم إحناً وعداوات فلا يتعاضدون حق التعاضد ولا يرمون عن قوس واحدة، وهذا تجسير للمؤمنين وتشجيع لقلوبهم على قتالهم. وقرأ مبشر بن عبيد {شتىٰ } بالتنوين جعل الألف ألف الإلحاق، وعبد الله ـ وقلوبهم أشت ـ أي أكثر أو أشد تفرقاً. {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ } أي ما ذكر من تشتت قلوبهم بسبب أنهم {قَوْمٌ لاَّ يَعْقِلُونَ } شيئاً حتى يعلموا طرق الألفة وأسباب الاتفاق، وقيل: لا يعقلون أن تشتت القلوب مما يوهن قواهم المركوزة فيهم بحسب الخلقة ويعين على تدميرهم واضمحلالهم وليس بذاك.

ابن عاشور

تفسير : {لاَ يُقَـٰتِلُونَكُمْ جَمِيعاً إِلاَّ فِى قُرًى مُّحَصَّنَةٍ أَوْ مِن وَرَآءِ جُدُرٍ}. هذه الجملة بدل اشتمال من جملة {أية : لأنتم أشد رهبة في صدورهم من الله}تفسير : [الحشر: 13]، لأن شدة الرهبة من المسلمين تشتمل على شدة التحصّن لقتالهم إياهم، أي لا يقدرون على قتالكم إلاّ في هاته الأحوال والضمير المرفوع في {يقاتلونكم} عائد إلى {أية : الذين كفروا من أهل الكتاب}تفسير : [الحشر: 11]. وقوله: {جميعاً} يجوز أن يكون بمعنى كلهم كقوله تعالى: {أية : إلى الله مرجعكم جميعاً}تفسير : [المائدة: 48] فيكون للشمول، أي كلهم لا يقاتلونكم اليهود والمنافقون إلا في قرى محصنّة الخ. ويجوز أن يكون بمعنى مجتمعين، أي لا يقاتلونكم جيوشاً كشأن جيوش المتحالفين فإن ذلك قتال من لا يقبعون في قُراهم فيكون النفي منصّباً إلى هذا القيد، أي لا يجتمعون على قتالكم اجتماع الجيوش، أي لا يهاجمونكم ولكن يقاتلون قتال دفاع في قراهم. واستثناء {إلا في قرى} على الوجه الأول في {جميعاً} استثناء حقيقي من عموم الأحوال، أي لا يقاتلونكم كلهم في حال من الأحوال إلا في حال الكون في قرى محصّنة الخ. وهو على الوجه الثاني في {جميعاً} استثناء منقطع لأن القتال في القرى ووراء الجدر ليس من أحوال قتال الجيوش المتساندين. وعلى كلا الاحتمالين فالكلام يفيد أنهم لا يقاتلون إلا متفرقين كل فريق في قريتهم، وإلا خائفين متَترِّسِينَ. والمعنى: لا يهاجمونكم، وإن هاجمتموهم لا يبرزون إليكم ولكنهم يدافعونكم في قرى محصنة أو يقاتلونكم من وراء جُدر، أي في الحصون والمعاقل ومن وراء الأسوار، وهذا كناية عن مصيرهم إلى الهزيمة إذ ما حورب قوم في عُقر دارهم إلا ذلُّوا كما قال عَلِيّ رضي الله عنه: وهذا إطلاع لهم على تطمين للرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنين ودخائل الأعداء. و «الجُدُر» بضمتين في قراءة الجمهور جمع جدار. وقرأه ابن كثير وأبو عمرو {جِدار} على الإِفراد، والمراد الجنس تساوي الجمع. و{محصنة} ممنوعة ممن يريد أخذها بأسوار أو خنادق. و{قُرىً} بالقصر جمع قرية، ووزنه وقصره على غير قياس لأن ما كان على زنة فَعْلَة معتل اللام مثل قرية يجمع على فِعال بكسر الفاء ممدوداً مثل: ركوة وركاء، وشَكوة وشِكاء. ولم يسمع القصر إلا في كَوة بفتح الكاف لغة وكوى، وقَرية وقُرى ولذلك قال الفراء: قُرىً شاذ، يريد خارج عن القياس. {بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّىٰ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْقِلُونَ}. استئناف بياني لأن الإِخبار عن أهل الكتاب وأنصارهم بأنهم لا يقاتلون المسلمين إلا في قرى محصنة المفيد أنهم لا يتفقون على جيش واحد متساندين فيه مما يثير في نفس السامع أن يسأل عن موجب ذلك مع أنهم متفقون على عداوة المسلمين. فيجاب بأن بينهم بأساً شديداً وتدابراً، فهم لا يتفقون. وافتتحت الجملة بــــ{بأسهم} للاهتمام بالإخبار عنه بأنه {بينهم}، أي متسلط من بعضهم على بعض وليس بأسهم على المسلمين، وفي تهكم. ومعنى {بينهم} أن مجال البأس في محيطهم فما في بأسهم من إضرار فهو منعكس إليهم، وهذا التركيب نظير قوله تعالى: {أية : رحماء بينهم}تفسير : [الفتح: 29]. وجملة {تحسبهم جميعاً} إلى آخرها استئناف عن جملة {بأسهم بينهم شديد}. لأنه قد يسأل السائل: كيف ذلك ونحن نراهم متفقين؟ فأجيب بأن ظاهر حالهم حال اجتماع واتحاد وهم في بواطنهم مختلفون فآراؤهم غير متفقة إلا إلفة بينهم لأن بينهم إحَناً وعداوات فلا يتعاضدون. والخطاب لغير معيّن لأن النبي صلى الله عليه وسلم لا يحسب ذلك. وهذا تشجيع للمسلمين على قتالهم والاستخفاف بجماعتهم. وفي الآية تربية للمسلمين ليحذروا من التخالف والتدابر ويعلموا أن الأمة لا تكون ذات بأس على أعدائها إلا إذا كانت متفقة الضمائر يرون رأياً متماثلاً في أصول مصالحهما المشتركة، وإن اختلفت في خصوصياتها التي لا تنقض أصول مصالحها، ولا تفرِّق جامعتها، وأنه لا يكفي في الاتحاد توافق الأقوال ولا التوافق على الأغراض إلا أن تكون الضمائر خالصة من الإِحن والعداوات. والقلوب: العقول والأفكار، وإطلاق القلب على العقل كثير في اللغة. وشتَّى: جمع شتيت بمعنى مفارق بوزن فَعْلَى مثل قتيل وقَتلى، شبهت العقول المختلفة مقاصدها بالجماعات المتفرقين في جهات في أنها لا تتلاقى في مكان واحد، والمعنى: أنهم لا يتفقون على حرب المسلمين. وقوله: {ذلك} إشارة إلى ما ذكر من أن بأسهم بينهم ومن تشتت قلوبهم أي ذلك مسبب على عدم عقلهم إذ انساقوا إلى إرضاء خواطر الأحقاد والتشفي بين أفرادهم وأهملوا النظر في عواقب الأمور واتباع المصالح فأضاعوا مصالح قومهم. ولذلك أقحم لفظ القوم في قوله {بأنهم قوم لا يعقلون} إيماء إلى أن ذلك من آثار ضعف عقولهم حتى صارت عقولهم كالمعدومة فالمراد: أنهم لا يعقلون المعقل الصحيح. وأوثر هنا {لا يعقلون}. وفي الآية التي قبلها {أية : لا يفقهون}تفسير : [الحشر: 13] لأن معرفة مآل التشتت في الرأي وصرف البأس إلى المشارك في المصلحة من الوَهن والفتّ في ساعد الأمة معرفة «مشهورة» بين العقلاء. قال أحد بني نبهان يخاطب قومه إذ أزمعوا على حرب بعضهم: شعر : وأن الحزامة أن تصرفوا لحَي سِوانا صدورَ الأسل تفسير : فإهمالهم سلوك ذلك جعلهم سواء مع من لا عقول لهم فكانت هذه الحالة شقوة لهم حصلت منها سعادة للمسلمين. وقد تقدم غير مرة أن إسناد الحكم إلى عنوان قوم يؤذن بأن ذلك الحكم كالجبلّة المقومة للقومية وقد ذكرته آنفاً.

د. أسعد حومد

تفسير : {يُقَاتِلُونَكُمْ} (14) - وَيُؤَكِّدُ اللهُ تَعَالَى جُبْنَ اليَهُودِ وَالمُنَافِقِينَ فَيَقُولُ: إِنَّ اللهَ أَلْقَى فِي قُلُوبِهِمْ الرُّعْبَ فَلاَ يُوَاجِهُونَ المُسْلِمِينَ بِقِتَالٍ مُجْتَمِعِينَ، بَلْ يُقَاتِلونَهُمْ فِي قُرًى حَصِينَةٍ، أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدْرَانٍ وَهُمْ مُحَاصَرُونَ، وَعَدَاوَتُهُمْ فِيمَا بَيْنَهُمْ شَدِيدَةٌ. وَإِذَا رَآهُمُ الرَّائِي حَسِبَهُمْ مُتَّفِقِينَ، وَهُمْ فِي الحَقِيقَةِ مُخْتَلِفُونَ إِلَى أَبْعَدِ حُدُودِ الاخْتِلاَفِ لِمَا بَيْنَهُم مِنْ أَحْقَادٍ وَعَدَاوَاتٍ، فَهُمْ لاَ يَتَعَاضَدُونَ، وَلاَ يَتَسَانَدُونَ، وَلاَ يُخْلِصُونَ فِي القِتَالِ، وَقَدْ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا لأَِنَّهُمْ قَوْمٌ لاَ يَعْلَمُونَ أَنَّ الوَحْدَةَ والتَّسَانُدَ المُخْلِصَ هُمَا سِرُّ النَّصْرِ وَالنَّجَاحِ. بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ - قِتَالُهُمْ بَيْنَهُمْ. قُلُوبُهُمْ شَتَّى - مُتَفَرِّقَةٌ لِتَعَادِيهِمْ.

مجاهد بن جبر المخزومي

تفسير : أَنبا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: ثنا آدم، قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله، عز وجل: {تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّىٰ} [الآية: 14]. قال: المنافقون يخالف دينهم دين بني النضير. أَنبا عبد الرحمن، قال: ثنا [إِبراهيم]، قال: ثنا آدم قال: ثنا ورقاءُ عن بن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {كَمَثَلِ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ قَرِيباً ذَاقُواْ وَبَالَ أَمْرِهِمْ} [الآية: 15]. يعني: كفار قريش يوم بدر. /81 و/ أَبنا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: ثنا آدم، قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {إِذْ قَالَ لِلإِنسَانِ ٱكْفُرْ} [الآية: 16]. قال: يعني الناس عامة. أَنا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد قال: {ٱلْمُهَيْمِنُ} [الآية: 23]: الشاهد على ما قبله من الكتب.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّىٰ} معناهُ مُتفرقةٌ.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : { لا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا } أي: في حال الاجتماع { إِلا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ } أي: لا يثبتون لقتالكم ولا يعزمون عليه، إلا إذا كانوا متحصنين في القرى، أو من وراء الجدر والأسوار. فإنهم إذ ذاك ربما يحصل منهم امتناع، اعتمادا [على] حصونهم وجدرهم، لا شجاعة بأنفسهم، وهذا من أعظم الذم، { بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ } أي: بأسهم فيما بينهم شديد، لا آفة في أبدانهم ولا في قوتهم، وإنما الآفة في ضعف إيمانهم وعدم اجتماع كلمتهم، ولهذا قال: { تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا } حين تراهم مجتمعين ومتظاهرين. { و } لكن { قلوبهم شَتَّى } أي: متباغضة متفرقة متشتتة. { ذَلِكَ } الذي أوجب لهم اتصافهم بما ذكر { بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ } أي: لا عقل عندهم، ولا لب، فإنهم لو كانت لهم عقول، لآثروا الفاضل على المفضول، ولما رضوا لأنفسهم بأبخس الخطتين، ولكانت كلمتهم مجتمعة، وقلوبهم مؤتلفة، فبذلك يتناصرون ويتعاضدون، ويتعاونون على مصالحهم ومنافعهم الدينية والدنيوية. مثل هؤلاء المخذولين من أهل الكتاب، الذين انتصر الله لرسوله منهم، وأذاقهم الخزي في الحياة الدنيا، وعدم نصر من وعدهم بالمعاونة { كَمَثَلِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَرِيبًا } وهم كفار قريش الذين زين لهم الشيطان أعمالهم، وقال: {أية : لا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ [وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لا تَرَوْنَ] } تفسير : الآية. فغرتهم أنفسهم، وغرهم من غرهم، الذين لم ينفعوهم، ولم يدفعوا عنهم العذاب، حتى أتوا "بدرا" بفخرهم وخيلائهم، ظانين أنهم مدركون برسول الله والمؤمنين أمانيهم. فنصر الله رسوله والمؤمنين عليهم، فقتلوا كبارهم وصناديدهم، وأسروا من أسروا منهم، وفر من فر، وذاقوا بذلك وبال أمرهم وعاقبة شركهم وبغيهم، هذا في الدنيا، { وَلَهُمْ } في الآخرة عذاب النار. ومثل هؤلاء المنافقين الذين غروا إخوانهم من أهل الكتاب { كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ للإنْسَانِ اكْفُرْ } أي: زين له الكفر وحسنه ودعاه إليه، فلما اغتر به وكفر، وحصل له الشقاء، لم ينفعه الشيطان، الذي تولاه ودعاه إلى ما دعاه إليه، بل تبرأ منه و { قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ } أي: ليس لي قدرة على دفع العذاب عنك، ولست بمغن عنك مثقال ذرة من الخير. { فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَا } أي: الداعي الذي هو الشيطان، والمدعو الذي هو الإنسان حين أطاعه { أَنَّهُمَا فِي النَّارِ خَالِدَيْنِ فِيهَا } كما قال تعالى: {أية : إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ } تفسير : { وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ } الذين اشتركوا في الظلم والكفر، وإن اختلفوا في شدة العذاب وقوته، وهذا دأب الشيطان مع كل أوليائه، فإنه يدعوهم ويدليهم إلى ما يضرهم بغرور، حتى إذا وقعوا في الشباك، وحاقت بهم أسباب الهلاك، تبرأ منهم وتخلى عنهم. واللوم كل اللوم على من أطاعه، فإن الله قد حذر منه وأنذر، وأخبر بمقاصده وغايته ونهايته، فالمقدم على طاعته، عاص على بصيرة لا عذر له.