Verse. 5141 (AR)

٥٩ - ٱلْحَشْر

59 - Al-Hashr (AR)

كَمَثَلِ الَّذِيْنَ مِنْ قَبْلِہِمْ قَرِيْبًا ذَاقُوْا وَبَالَ اَمْرِہِمْ۝۰ۚ وَلَہُمْ عَذَابٌ اَلِيْمٌ۝۱۵ۚ
Kamathali allatheena min qablihim qareeban thaqoo wabala amrihim walahum AAathabun aleemun

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

مثلهم في ترك الإيمان «كمثل الذين من قبلهم قريبا» بزمن قريب وهم أهل بدر من المشركين «ذاقوا وبال أمرهم» عقوبته في الدنيا من القتل وغيره «ولهم عذاب أليم» مؤلم في الآخرة.

15

Tafseer

الرازي

تفسير : أي مثلهم كمثل أهل بدر في زمان قريب فإن قيل: بم انتصب {قَرِيبًا }، قلنا: بمثل، والتقدير كوجود مثل أهل بدر. {قَرِيباً ذَاقُواْ وَبَالَ أَمْرِهِمْ } أي سوء عاقبة كفرهم وعداوتهم لرسول الله من قولهم: كلأ وبيل أي وخيم سيىء العاقبة يعني ذاقوا عذاب القتل في الدنيا {وَلَهُمْ فِى ٱلآخِرَةِ عَذَابُ أَلِيمٌ }. ثم ضرب لليهود والمنافقين مثلاً فقال:

القرطبي

تفسير : قال ابن عباس: يعني به قَيْنُقاع؛ أمكن الله منهم قبل بني النَّضير. وقال قتادة: يعني بني النَّضِير؛ أمكن الله منهم قبل قُرَيظة. مجاهد: يعني كفار قريش يوم بدر. وقيل: هو عامّ في كل من انتقم منه على كفره قبل بني النَّضِير من نوح إلى محمد صلى الله عليه وسلم. ومعنى {وَبَالَ} جزاء كفرهم. ومن قال: هم بنو قُريظة، جعل {وَبَالَ أَمْرِهِمْ} نزولهم على حكم سعد بن معاذ؛ فحكم فيهم بقتل المقاتلة وسَبْيِ الذرّية. وهو قول الضحاك. ومن قال المراد بنو النَّضير قال: {وَبَالَ أَمْرِهِمْ} الجلاء والنفي. وكان بين النّضير وقُريظة سنتان. وكانت وقعة بدر قبل غزوة بني النّضير بستة أشهر؛ فلذلك قال: «قريباً» وقد قال قوم: غزوة بني النَّضير بعد وقعة أحد. {وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} في الآخرة.

المحلي و السيوطي

تفسير : مثلهم في ترك الإِيمان {كَمَثَلِ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ قَرِيباً } بزمن قريب وهم أهل بدر من المشركين {ذَاقُواْ وَبَالَ أَمْرِهِمْ } عقوبته في الدنيا من القتل وغيره {وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } مؤلم في الآخرة.

ابن عبد السلام

تفسير : {الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ} كفار قريش ببدر أو قتلى بدر أو بنو النضير الذين أجلوا إلى الشام، أو بنو قريظة كانوا بعد إجلاء النضير بسنة {ذَاقُواْ وَبَالَ أَمْرِهِمْ} نزولهم على حكم سعد أن يقتل المقاتلة وسبي الذرية مثَّلهم بهم في تخاذلهم أو في نزول العذاب بهم.

الثعالبي

تفسير : وقوله تعالى: {كَمَثَلِ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ} قال ابن عباس: همْ بنو قينقاع، لأنَّ النبي صلى الله عليه وسلم أجلاهم عن المدينة قبل بني النضير، والوَبَالُ: الشِّدَّةُ والمكروه، وعاقبة السوء والعذاب الأليم: هو في الآخرة. وقوله سبحانه: {كَمَثَلِ ٱلشَّيْطَـٰنِ} معناه: أَنَّ هاتينِ الفرقتين من المنافقين وبني النضير، كمثل الشيطان مع الإنسان؛ فالمنافقونَ مَثَلُهُمُ الشيطان، وبنو النضير مثلهم الإنسان، وذهب مجاهد وجمهور من المتأولين إلى أَنَّ الشيطانَ والإنسانَ في هذه الآية اسما جنس، فكما أَنَّ الشيطان يغوي الإنسان، ثم يَفِرُّ عنه بعد أَنْ يُوَرِّطَهُ؛ كذلك أغوى المنافقون بني النضير وحَرَّضُوهم على الثبوت، ووعدوهم النصرَ، فَلَمَّا نَشَبَ بنو النضير، وكشفوا عن وجوههم ـــ تركهم المنافقون في أسوأ حال، وذهب قوم من رواة القصص إلى أَنَّ هذا في شيطانٍ مخصوصٍ مع عابد مخصوص، اسمه «بَرْصِيصَا»، اسْتُودِعَ امرأة جميلةً، وقيل: سِيقَتْ إليه لِيَشْفِيهَا بدعائه من الجنون، فَسَوَّلَ له الشيطانُ الوقوعَ عليها، فحملت منه، فَخَشِيَ الفضيحة، فسَوَّلَ له قَتْلَهَا وَدَفْنَهَا، ففعل، ثم شَهَّرَهُ، فَلَمَّا اسْتُخْرِجَتِ المرأة، وحُمِلَ العابدُ شَرَّ حَمْلٍ، وَصُلِبَ ـــ جَاءَهُ الشيطانُ فَقَالَ له: اسجد لي سجدةً وأنا أُخَلِّصُكَ، فسجد له، فقال له الشيطان: هذا الذي أردتُ منك أَنْ كفرتَ بربك، إنِّي بريء منك، فضرب اللَّه تعالى هذا المَثَلَ ليهودِ بني النضير والمنافقين، وهذا يحتاج إلى صِحَّةِ سَنَدٍ، والتأويل الأول هو وجه الكلام. * ت *: قال السهيلي: وقد ذكر هذه القصةَ هكذا القاضي إسماعيلُ وغيره من طريق سفيان عن عمرو بن دينار، عن عُرْوَةَ بنِ عَامِرِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ رِفَاعَةَ الزُّرْقِيِّ، عنِ النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : أنَّ رَاهِباً كَانَ في بَنِي إسرائيل»تفسير : فذكر القصة بكمالها، ويقال: إنَّ اسمَ هذا الراهب «بَرْصِيصَا»، ولم يذكر اسمه القاضي إسماعيل، انتهى، قال * ع *: وقول الشيطان: {إِنِّى أَخَافُ ٱللَّهَ} رياءً من قوله، وليست على ذلك عقيدته، ولا يعرف اللَّه حَقَّ معرفته، ولا يحجزه خوفُه عن سُوءٍ يوقع فيه ابنَ آدم من أول إلى آخر {فَكَانَ عَـٰقِبَتَهُمَا} يعني: الشيطان والإنسان على ما تقدم من حملهما على الجنس أو الخصوص.

البقاعي

تفسير : ولما كان الإخبار بعدم عقلهم دعوى دل عليها بأمر مشاهد فقال: {كمثل} أي قصتهم في عدم فقههم بل عقلهم الذي نشأ عنه إخراجهم هذا وما سببه من مكرهم وغدرهم واعتمادهم على ابن أبيّ ومن معه من المنافقين كمثل قصة {الذين من قبلهم} ولما كان إدخال الجار مع دلالته على عدم استغراق زمان القبل يدل على قرب الزمن، صرجح به فقال: {قريباً} وهم كما قال ابن عباس رضي الله عنهما بنو قينقاع من أهل دينهم اليهود أظهروا بأساً شديداً عند ما قصدهم النبي صلى الله عليه وسلم غزوة بدر فوعظهم وحذرهم بأس الله فقالوا: لا يغرنك يا محمد أنك لقيت قوماً أغماراً لا علم لهم بالحرب فأصبت منهم، وأما والله لو قاتلتنا لعلمت أنا نحن الناس، ثم مكروا بامرأة من المسلمين فأرادوها على كشف وجهها فأبت فعقدوا طرف ثوبها من تحت خمارها، فما قامت انكشفت سوأتها فصاحت فغار لها شخص من الصحابة رضي الله عنهم، فقتل اليهودي الذي عقد ثوبها فقتلوه، فانتقض عهدهم، فأنزل النبي صلى الله عليه وسلم بساحتهم جنود الله فأذلهم الله ونزلوا من حصنهم على حكمه صلى الله عليه وسلم وقد كانوا حلفاء ابن أبيّ، ولم يغن عنهم شيئاً غير أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم في أن لا يقتلهم وألح عليه حتى كف عن قتلهم فذهبوا عن المدينة الشريفة بأنفسهم من غير حشر لهم بالإلزام بالجلاء. ولما كان كأنه قيل: ما كان خبرهم؟ قال: {ذاقوا وبال} أي وخامة وسوء عاقبة {أمرهم} في الدنيا وهو كفرهم وعداوتهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم وحزبه الذين هم حزب الله، وسماه أمراً لأنه مما ائتمروا فيه {ولهم} أي في الآخرة {عذاب أليم *} أي شديد الإيلام، ولما شبه سبحانه أمرهم في طاعتهم لابن أبي ومن معه وهم البعداء المحترقون بسبب إبعاد المؤمنين لهم بإبعاد الله واحتراق أكبادهم لذلك مع ما أعد لهم في الآخرة بأمر بني قينقاع، شبه قصة الكل بقصة الشيطان ومن أطاعه من الإنس والجن، فقال مبيناً لمعنى ما حط عليه آخر الكلام: {كمثل} أي مثل الكل الواعدين بالنصر والمغترين بوعدهم مع علمهم بأن الله كتب في الذكر{أية : لأغلبن أنا ورسلي}تفسير : [المجالة: 21] في إخلافهم الوعد وإسلامهم إياهم عند ما حق الأمر يشبه مثل {الشيطان} أي البعيد من كل خير لبعده من الله المحترق بعذابه، والشيطان هنا مثل المنافقين {إذا قال للإنسان} أي كل من فيه نوس واضطراب وهو هنا مثل اليهود: {اكفر} أي بالله بما زين له ووسوس إليه من اتباع الشهوات القائم مقام الأمر. ولما كان الإنسان بما يساعد تزيين الشيطان عليه من شهواته وحُظوظه وأخلاقه يطيع أمره غالباً قال: {فلما كفر} أي أوجد الكفر على أي وجه كان، ودلت الفاء على إسراعه في متابعة تزيينه {قال} أي الشيطان الذي هو هنا عبارة عن المنافقين مؤكداً لما لمن تعلق بمن أكد له الوعد بشيء من صادق الاعتماد عليه والتكذيب بأنه يخذله: {إني بريء منك} أي ليس بيني وبينك علاقة في شيء أصلاً ظناً منه أن هذه البراءة تنفعه شيئاً مما استوجبه المأمور بقبوله لأمره، وذلك كناية عن أنه فعل معه من الإعراض عنه والتمادي في كل ما يدل على إهماله من أكد البراءة منه، وذلك كما فعل المنافقون باليهود جرؤوهم على أمر ينهى وهو الإقامة في بلدهم، فلما نصبوا الحرب طمعاً في نصرهم فعل المنافقون بتباطؤهم عنهم فعل المتبرئ منهم فكان ذلك أشد عليهم مما لم يطمعوهم في نصرهم لأن هذا بمنزله انهزامهم عنهم من الصف الموجب لانهزامهم لا محالة، ثم علل البراءة بقوله: {إني أخاف الله} أي الملك الذي لا أمر لأحد معه فلا تطاق صولته، ثم شرح ذلك بقوله: {رب العالمين *} أي الذي أوجدهم من العدم ورباهم بما يدل على جميع الأسماء الحسنى والصفات العلى، فلا يغني أحد من خلقه عن أحد شيئاً إلا بإذنه وهو لا يغفر أصلاً لمن يقدح ربوبيته ولا سيما إن نسبها إلى غيره، وكان هذا كمثل ما يجد الإنسان بعد الوقوع في المعصية من الندم والحيرة، فإذا وجد ذلك وهم بالتوبة زين له المعصية وصعب عليه أمر التوبة وعسره وجرأه على المعصية بعينها أو على ما هو أكبر منها، ولا يزال كذلك حتى يتعذر عليه الرجوع فيتحقق هلاكه وهلاك من أوقعه، فلذلك سبب عنه قوله: {فكان} ولما كان تقديم الشيء على محله موجباً لروعة تنبه الإنسان للتفتيش عن السبب والتشويق إلى المؤخر قال: {عاقبتهما} مقدماً لخبر "كان" {أنهما} أي الغار والمغرور {في النار} حال كونهما {خالدين فيها} لأنهما ظلما ظلماً لا فلاح معه. ولما كان ذلك قد يحمل على أنه في الإنسان بعينه، قال معلقاً بالوصف، تعميماً وزجراً عنه: {وذلك} أي العذاب الأكبر {جزاء الظالمين *} أي كل من وضع العبادة في غير محلها.

السيوطي

تفسير : أخرج عبد الرزاق وابن راهويه وأحمد في الزهد وعبد بن حميد والبخاري في تاريخه وابن جرير وابن المنذر والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في شعب الإِيمان عن علي بن أبي طالب أن رجلاً كان يتعبد في صومعة، وأن امرأة كان لها إخوة فعرض لها شيء، فأتوه بها، فزينت له نفسه فوقع عليها، فجاءه الشيطان فقال‏:‏ اقتلها فإنهم إن ظهروا عليك افتضحت، فقتلها ودفنها، فجاؤوه فأخذوه، فذهبوا به، فبينما هم يمشون إذ جاءه الشيطان فقال‏:‏ إني أنا الذي زينت لك فاسجد لي سجدة أنجيك، فسجد له، فذلك قوله‏:‏ ‏ {‏كمثل الشيطان إذ قال للإِنسان اكفر‏} ‏ الآية. وأخرج ابن أبي حاتم من طريق العوفي عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏{‏كمثل الشيطان‏}‏ الآية، قال‏:‏ كان راهب من بين إسرائيل يعبد الله فيحسن عبادته، وكان يؤتي من كل أرض فيسأل عن الفقه، وكان عالماً، وإن ثلاثة إخوة لهم أخت حسناء من أحسن الناس، وإنهم أرادوا أن يسافروا، وكبر عليهم أن يدعوها ضائعة، فعمدوا إلى الراهب، فقالوا‏:‏ إنا نريد السفر، وإنا لا نجد أحد أوثق في أنفسنا ولا آمن عندنا منك، فإن رأيت جعلنا أختنا عندك، فإنها شديدة الوجع، فإن ماتت، فقم عليها، وإن عاشت فأصلح إليها حتى ترجع، فقال‏:‏ أكفيكم إن شاء الله، فقام عليها فداواها حتى برئت وعاد إليها حسنها، وإنه اطلع إليها فوجدها متصنعة، ولم يزل به الشيطان حتى وقع عليها فحملت، ثم ندمه الشيطان فزين له قتلها وقال‏:‏ إن لم تفعل افتضحت وعرف أمرك، فلم يكن لك معذره، فلم يزل به حتى قتلها، فلما قدم إخوتها سألوه ما فعلت‏؟‏ قال‏:‏ ماتت، فدفنتها‏.‏ قالوا‏:‏ أحسنت‏.‏ فجعلوا يرون في المنام ويخبرون أن الراهب قتلها وأنها تحت شجرة كذا وكذا، وأنهم عمدوا إلى الشجرة فوجدها قد قتلت، فعمدوا إليه فأخذوه فقال الشيطان‏:‏ أنا الذي زينت لك الزنا وزينت لك قتلها، فهل لك أن تطيعني وأنجيك‏؟‏ قال‏:‏ نعم، قال‏:‏ قال فاسجد لي سجدة واحدة فسجد له ثم قتل فذلك قول الله‏:‏ {‏كمثل الشيطان إذ قال للإِنسان اكفر‏} ‏ الآية‏. وأخرج ابن جرير عن ابن مسعود في هذه الآية قال‏:‏ كانت امرأة ترعى الغنم وكان لها أربعة إخوة، وكانت تأوي بالليل إلى صومعة راهب فنزل الراهب ففجر بها، فأتاه الشيطان فقال‏:‏ اقتلها ثم ادفنها، فإنك رجل مصدق يسمع قولك، فقتلها ثم دفنها، فأتى الشيطان إخوتها في المنام، فقال لهم‏:‏ إن الراهب فجر بأختكم، فلما أحبلها قتلها ثم دفنها في مكان كذا وكذا، فلم أصبح قال رجل منهم‏:‏ لقد رأيت البارحة كذا وكذا فقال الآخر‏:‏ وأنا والله لقد رأيت كذلك فقال الآخر‏:‏ وأنا والله لقد رأيت كذلك قالوا‏:‏ فوالله ما هذا إلا لشيء، فانطلقوا فاستعدوا ملكهم على ذلك الراهب فأتوه فأنزلوه، ثم انطلقوا به، فلقيه الشيطان فقال‏:‏ إني أنا الذي أوقعتك في هذا، ولن ينجيك منه غيري فاسجد لي سجدة واحدة وأنجيك مما أوقعتك فيه، فسجد له فلما أتوا به ملكهم تبرأ منه وأُخِذَ فقُتِل‏. وأخرج ابن أبي الدنيا في مكايد الشيطان وابن مردويه والبيهقي في شعب الإِيمان عن عبيد بن رفاعة الدارمي يبلغ به النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ كان راهب في بني إسرائيل، فأخذ الشيطان جارية فخنقها فألقى في قلوب أهلها أن دواءها عند الراهب، فأتي بها الراهب، فأبى أن يقبلها، فلم يزالوا به حتى قبلها، فكانت عنده، فأتاه الشيطان فوسوس له وزين له، فلم يزل به حتى وقع عليها، فلما حملت وسوس له الشيطان فقال‏:‏ الآن تفتضح يأتيك أهلها فاقتلها، فإن أتوك، فقل‏:‏ ماتت‏،‏ فقتلها ودفنها فأتى الشيطان أهلها فوسوس إليهم، وألقى في قلوبهم أنه أحبلها ثم قتلها، فأتاه أهلها فسألوه فقال: ماتت، فأخذوه فأتاه الشيطان فقال: أنا الذي ألقيت في قلوب أهلها، وأنا الذي أوقعتك في هذا فأطعني تنج واسجد لي سجدتين فسجد له سجدتين فهو الذي قال الله {كمثل الشيطان إذ قال للإِنسان اكفر} الآية. وأخرج ابن المنذر والخرائطي في اعتلال القلوب من طريق عدي بن ثابت عن ابن عباس في الآية قال‏:‏ كان راهب في بني إسرائيل متعبداً زماناً حتى كان يؤتى بالمجانين فيقرأ عليهم ويعودهم حتى يبرؤوا فأتى بامرأة في شرف قد عرض لها الجنون، فجاء إخوتها إليه ليعوذها، فلم يزل به الشيطان يزين له حتى وقع عليها فحملت، فلما عظم بطنها لم يزل الشيطان يزين له حتى قتلها ودفنها في مكان، فجاء الشيطان في صورة رجل إلى بعض إخوتها فأخبره، فجعل الرجل يقول لأخيه‏:‏ والله لقد أتاني آت فأخبرني بكذا وكذا حتى أفضى به بعضهم إلى بعض حتى رفعوه إلى ملكهم، فسار الملك والناس حتى استنزله فأقر واعترف فأمر به الملك فصلب، فأتاه الشيطان وهو على خشبته فقال‏:‏ أنا الذي زينت لك، هذا وألقيتك فيه، فهل أنت مطيعي فيما آمرك به وأخلصك‏؟‏ قال‏:‏ نعم‏.‏ قال‏:‏ فاسجد لي سجدة واحدة، فسجد له وكفر، فقتل في تلك الحال‏. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن طاووس قال‏:‏ كان رجل من بني إسرائيل عابداً وكان ربما داوى المجانين وكانت امرأة جميلة أخذها الجنون فجيء بها إليه فتركت عنده، فأعجبته، فوقع عليها، فحملت، فجاءه الشيطان، فقال‏:‏ إن علم بهذا افتضحت فاقتلها وادفنها في بيتك، فقتلها فجاء أهلها بعد زمان يسألونه عنها، فقال‏:‏ ماتت، فلم يتهموه لصلاحه فيهم ورضاه، فجاءهم الشيطان فقال‏:‏ إنها لم تمت ولكنه وقع عليها فحملت فقتلها ودفنها في بيته في مكان كذا وكذا، فجاء أهلها فقالوا‏:‏ ما نتهمك، ولكن أخبرنا أين دفنتها ومن كان معك ففتشوا بيته فوجدوها حيث دفنها، فأخذ فسجن، فجاءه الشيطان فقال‏:‏ إن كنت تريد أن أخرجك مما أنت فيه فأكفر بالله، فأطاع الشيطان وكفر، فأخذ وقتل فتبرأ منه الشيطان حينئذ. قال طاوس‏:‏ فما أعلم إلا أن هذه الآية أنزلت فيه ‏ {‏كمثل الشيطان إذ قال للإِنسان اكفر‏} ‏ الآية‏. وأخرج ابن مردويه عن ابن مسعود في الآية قال‏:‏ ضرب الله مثل الكفار والمنافقين الذين كانوا على عهد النبي صلى الله عليه وسلم ‏ {‏كمثل الشيطان إذ قال للإِنسان اكفر‏}‏ ‏. وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد رضي الله عنه ‏{‏كمثل الشيطان إذ قال للإِنسان اكفر‏} ‏ قال‏:‏ عامة الناس‏. وأخرج عبد بن حميد عن الأعمش أنه كان يقرأ ‏"‏فكان عاقبتهما أنهما في النار خالدان فيها‏"‏ والله أعلم‏. قوله تعالى‏:‏ ‏ {‏يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله‏}‏ الآية‏.‏ أخرج ابن أبي شيبة ومسلم والنسائي وابن ماجة وابن مردويه عن جرير قال‏:‏ حديث : كنت جالساً عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتاه قوم مجتابي النمار متقلدي السيوف عليهم أزر ولا شيء غيرها، عامتهم من مضر، فلما رأى النبي صلى الله عليه وسلم الذي بهم من الجهد والعري والجوع تغير وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قام فدخل بيته، ثم راح إلى المسجد، فصلى الظهر ثم صعد منبره، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال‏:‏ ‏"‏أما بعد ذلكم فإن الله أنزل في كتابه ‏ {‏يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون ولا تكونوا كالذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم أولئك هم الفاسقون، لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة أصحاب الجنة هم الفائزون‏} ‏ تصدقوا قبل أن لا تصدقوا، تصدقوا قبل أن يحال بينكم وبين الصدقة، تصدق امرؤ من ديناره تصدق امرؤ من درهمه، تصدق امرؤ من بره، من شعيره، من تمره، لا يحقرن شيء من الصدقة ولو بشق التمرة‏"‏ فقام رجل من الأنصار بصرة في كفه فناولها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو على منبره فعرف السرور في وجهه، فقال‏:‏ ‏‏من سن في الإِسلام سنة حسنة فعمل بها كان له أجرها ومثل أجر من عمل بها لا ينقص من أجورهم شيئاً، ومن سن سنة سيئة فعمل بها كان عليه وزرها ومثل وزر من عمل بها لا ينقص من أوزارهم شيئا‏ً" فقام الناس فتفرقوا فمن ذي دينار، ومن ذي درهم، ومن ذي طعام، ومن ذي، ومن ذي فاجتمع فقسمه بينهم‏ . تفسير : وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن قتادة في قوله‏:‏ ‏ {‏ما قدمت لغد‏} ‏ قال‏:‏ يوم القيامة‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن نعيم بن محمد الرحبي قال‏:‏ كان من خطبة أبي بكر الصديق‏:‏ واعلموا أنكم تغدون وتروحون في أجل قد غيب عنكم علمه فإن استطعتم أن ينقضي الأجل وأنتم على حذر فافعلوا، ولن تستطيعوا ذلك إلا بإذن الله، وإن قوماً جعلوا أجلهم لغيرهم فنهاكم الله أن تكونوا أمثالهم، فقال‏:‏ ‏ {‏ولا تكونوا كالذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم أولئك هم الفاسقون‏} ‏ أين من كنتم تعرفون من إخوانكم‏؟‏ قد انتهت عنهم أعمالهم ووردوا على ما قدموا‏.‏ أين الجبارون الأولون الذين بنوا المدائن وحصنوها بالحوائط‏؟‏ قد صاروا تحت الصخر والآكام هذا كتاب الله لا تفنى عجائبه، ولا يطفأ نوره استضيئوا منه اليوم ليوم الظلمة، واستنصحوا كتابه وتبيانه، فإن الله قد أثنى على قوم فقال‏:‏ ‏{‏أية : كانوا يسارعون في الخيرات ويدعوننا رغباً ورهباً وكانوا لنا خاشعين‏}‏ تفسير : ‏[الأنبياء: 90‏]‏ لا خير في قول لا يبتغي به وجه الله، ولا خر في مال لا ينفق في سبيل الله، ولا خير فيمن يغلب غضبه حلمه، ولا خير في رجل يخاف في الله لومة لائم‏.

اسماعيل حقي

تفسير : {كمثل الذين من قبلهم} خبر متبدأ محذوف تقديره مثلهم اى مثل المذكورين من اليهود والمنافقين وصفتهم العجيبة وحالهم الغريبة كمثل أهل بدر وهم مشركوا اهل مكة او كمثل بنى قينقاع على ماقيل انهم اخرجوا قبل بنى النضير وبنوا قينقاع مثلثة النون والضم اشهر كانوا اشجع اليهود واكثرهم اموالا فلما كانت وقعة بدر اظهروا البغى والحسد ونبذوا العهد كبنى النضير فأخرجهم رسول الله من المدينة الى الشأم اى لان قريتهم كانت من اعمالها ودعا عليهم فلم يدر الحول عليهم حتى هلكوا اجمعون وقد عرفت قصتهم فى الجلد الاول {قريبا} انتصابه بمثل اذ التقادير كوقوع مثل الذين الخ يعنى بدلالة المقام لا لاقتضاء الاقرب اى فى زمان قريب قال مجاهد كانت وقعة بدر قبل غزوة بنى النضير بستة اشهر فلذلك قال قريبا فتكون قبل وقعة أحد وقيل بسنتين فتكون تلك الغزوة فى السنة الرابعة لان غزوة بنى النضير كانت بعد أحد وهى كانت بعد بدر بسنة {ذاقوا وبال امرهم} قال الراغب الوبل والوابل المطر الثقيل القطار ولمراعاة الثقل قيل للامر الذى يخاف ضرره وبال وطعام وبيل والامر واحد الامور لا الاوامر اى ذاقوا سوء عاقبة كفرهم فى الدنيا وهو عذاب القتل ببدر وكانت غزوة بدر فى رمضان من السنة الثانية من الهجرة قبل غزوة بنى النضير {ولهم} فى الآخرة {عذاب أليم} مؤلم لايقادر قدره حيث يكون مافى الدنيا بالنسبة اليه كالذوق بالنسبة الى الاكل والمعنى ان حال هؤلاء كحال اولئك فى الدنيا والآخرة لكن لاعلى ان حال كلهم كحالهم بل حال بعضهم الذين هم اليهود كذلك واما حال المنافقين فهو مانطق به قوله تعالى {كمثل الشيطان} فان خبر ثان للمبتدأ المقدر مبين لحالهم متضمن لحال اخرى لليهود وهى اغترارهم بمقالة المنافقين اوله وخيبتهم آخرا وقد اجمل فى النظم الكريم حيث اسند كل من الخبرين الى المقدر المضاف الى ضمير الفريقين من غير تعيين ما أسند اليه بخصوصة ثقة بأن السامع يرد كلا من المثلين الى مايماثله كأنه قيل مثل اليهود فى حلول العذاب بهم كمثل الذين من قبلهم ومثل المنافقين فى اغرآئهم اياهم على القتال حسبما حكى عنهم كمثل الشيطان {اذ قال للانسان اكفر} قول الشيطان مجاز عن الاغوآء والآغراء اى اغراء على الكفر اغرآء الآمر المأمور على المأمور به {فلما كفر} الانسان المذكور اطاعة لاغوآئه وتبعا لاهوآئه {قال} الشيطان {انى بريىء منك} اى بعيد عن عملك وأملك غير راض بكفرك وشركك وبالفارسية من بيزارم ازتو، يقال برىء يبرأ فهو بريىء واصل البرء والبرآءة والتبرى التفصى مما يكره مجاورته قال العلماء ان أريد بالانسان الجنس فهذا التبرى من الشيطان يكون يوم القيامة كما ينبىء عنه قوله تعالى {انى اخاف الله رب العالمين} وان أريد ابو جهل على أن يكون اللام للعهد فقوله تعالى {اكفر} اى دم على الكفر. بس جون برآن ثبات ورزيد ونهاك شرك درزمين دل او استحكام يافت، قال انى الخى عبارة عن قول ابليس له يوم بدر لاغالب لكم اليوم من الناس وانى جار لكم فلما ترآءت الفئتان نكص على عقبيه وقال انى بريىء منكم انى أرى مالاترون انى أخاف الله والله شديد العقاب يعنى لما قاتلوا ورأى ابليس جبرآئيل مع محمد عليهما السلام خافه فتبرأ منهم وانهزم قال بعضهم هذا من كذبات اللعين وانه لو خاف حقيقة وقال صدقا لما استمر على ما ادى الى الخوف بعد ذلك كيف وقد طلب الانظار الى البعث للاغوآء وقال أبو الليث قال ذلك على وجه الاستهزآء ولا بعد ان يقول له ليوقعه فى الحسرة والحرقة انتهى، يقول الفقير الظاهر ان الشيطان يستشعر فى بعض المواد جلال الله تعالى وعظمته فيخافه حذرا من المؤآخذة العاجلة وان كان منظرا ولا شك ان كل احد يخاف السطوة الالهية عند طهور اماراتها ألا ترى الى قوله تعالى {أية : وظنوا انهم أحيط بهم دعوا الله مخلصين له الدين}تفسير : على ان نحو قاطع الطريق وقاتل النفس ربما فعل ما فعل وهو خائف من الأخذ

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: مَثَلهم، أي: مثل اليهود في حلول البأس بهم {كَمَثَلِ الذين مِن قبلهم} وهم أهل بدر {قريبًا} أي: استقر مِن قبلهم زمنًا قريبًا، فكانت غزوة بني النضير على رأس ستة أشهر من بدر، كما صدر به البخاري عن الزهري. ثم قال: وجعله ابن إسحاق بعد بئر معونة وأُحد. هـ. قلت: وهو الموافق لِما تقدم في صدر السورة، وهو المشهور، {ذاقوا وبالَ أمرِهم} أي: ذاقوا سوء عاقبة أمرهم وعداوتهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم وهو القتل في الدنيا، {ولهم} مع ذلك في الآخرة {عذابٌ أليمٌ} . ومَثَل المنافقين {كَمَثَلِ الشيطانِ إِذ قال للإِنسان اكْفُرْ فلما كفر قال إِني بريء منك إِني أخاف اللهَ ربَّ العالمين} أي: مثل المنافقين في أغوائهم اليهود على القتال، ووعدهم إياهم النصر، ثم مشاركتهم لهم وخذلانهم كمثل الشيطان إذ استغوى الإنسان بكيده، ثم تبرّأ منه في العاقبة. وقيل: المراد: استغواؤه قريشًا يوم بدر، وقوله: {أية : لاَ غَالِبَ لَكُمُ ٱلْيَوْمَ مِنَ ٱلنَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَّكُمْ }تفسير : [الأنفال: 48] إلى قوله: {أية : إِنِّي بَرِيۤءٌ مِّنْكُمْ}تفسير : [الأنفال: 48]. قال أبو السعود: وقد أجمل في النظم الكريم، حيث أسند كُلاًّ من الخبرين إلى المقدّر المضاف إلى ضمير الفريقين من غير تعيين ما أسند إليه بخصوصه، ثقةً بأنّ السامع يَرُد كُلاًّ مِن المثالين إلى ما يُماثله، كأنه قيل: مَثَل اليهود في حلول العذاب، كمَثَل الذين من قبلهم... الخ، ومثل المنافقين في إغرائهم إياهم على القتال حسبما تقدّم عنهم كمثل الشيطان...الخ. هـ. {فكان عَاقِبتهما} أي: عاقبة الإنسان الكافر والشيطان، {أنهما في النار خالِدَيْن فيها}، فـ " عاقبتهما": خبر كان، و"أنهما" اسمها، و "خالِدَين": حال. {وذلك جزاءُ الظالمين} أي: الخلود في النار جزاء كل ظالم. وذكر الثعلبي هنا قصة برصيصا الراهب الطويلة، فانظرها فيه، ففيها عبرة، وقيل: فيه نزلت الآية. الإشارة: مثل الأوصاف المذمومة حيث ترد عليها أنوار الشهود؛ كمثل كفار قريش حين استولت عليها الأنصار والمهاجرون، وأمدّهم الله بملائكة السماء، فهزموهم وقتلوهم، ودفنوهم في القليب، ومثل النفوس الأمّارة وجنودها، كمثل الشيطان يوسوس بالمعاصي، ثم يرجع، فكان عاقبتهما إذا أطاعه الإنسان أنهما في النار القطيعة خالدَين فيها، وذلك جزاء الظالمين لنفوسهم، حيث حرموها الوصول. والله تعالى أعلم. ثم أمر بالتقوى، التي هي ملاك الخير كله، والتزوُّد لدار البقاء، فقال: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ}.

الجنابذي

تفسير : {كَمَثَلِ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ} متعلّق بواحدٍ من الافعال السّابقة، او خبر مبتدءٍ محذوفٍ والتّقدير مثلهم فى ذلك كمثل الّذين من قبلهم والمراد بمن قبلهم بنو قينقاعٍ، او الّذين قتلوا ببدرٍ او كلّ ابناء الدّنيا، فانّ من كان من اهل الدّنيا حاله ان لا يفى بوعده ان لم يكن فى الوفاء نفعه الدّنيوىّ وكان من يشاهدونهم اشدّ رهبة فى صدورهم ممّن لا يشاهدونه وتحسبهم جميعاً وقلوبهم شتّى. قيل: انّ بنى قينقاعٍ نقضوا العهد وقت رجوع رسول الله (ص) من بدرٍ فأمرهم رسول الله (ص) ان يخرجوا قال عبد الله بن اُبىٍّ: لا تخرجوا فانّى اتى الى النّبىّ (ص) فاكلّمه فيكم او ادخل معكم الحصن، فكان هؤلاء ايضاً مغترّين بارسال عبد الله بن اُبىٍّ ثمّ ترك نصرتهم {قَرِيباً} اى حالكونهم قريباً منكم او زماناً قريباً {ذَاقُواْ وَبَالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} فى الآخرة.

الهواري

تفسير : ثم قال عزّ وجلّ: {كَمَثَلِ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ} [من قبل قتل قريظة] {قَرِيباً ذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ} يعني بني النضير. كان إهلاك الله إياهم قريباً: كان بين إجلاء بني النضير وقتل قريظة سنتان. نزلت هذه الآية من قوله عز وجل: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُواْ يَقُولُونَ لإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنُخْرِجَنَّ مَعَكُمْ وَلاَ نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَداً أَبَداً وَإِن قُوتِلْتُمْ لَنَنصُرَنَّكُمْ...} إلى هذا الموضع في قتل قريظة، من قبل أن ينزل قوله: {مَا قَطَعْتُم مِّن لِّينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَآئِمَةً عَلَى أُصُولِهَا...} إلى قوله عز وجل: {وَلاَ تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاَّ لِّلَّذِينَ آمَنُواْ رَبَّنَآ إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ} وهي بعدها في التأليف. وتفسير مجاهد: {الَّذِين مِن قَبْلِهِمْ قَرِيباً} أي: كفار قريش يوم بدر. قال تعالى: {ذَاقُواْ وَبَالَ أَمْرِهِمْ} أي: ذاقوا عقوبة أمرهم. والوبال العقوبة. {وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}. قال: {كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلإِنسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَال إِنِّي بَرِيءٌ مِّنكَ إِنِّي أَخَافُ اللهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ} بريء منه ومن عبادته إياه. {فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَآ} أي: عاقبة الشيطان والذي عبده {أَنَّهُمَا فِي النَّارِ خَالِدَيْنِ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَآؤُاْ الظَّالِمِينَ} أي: المشركين. فضرب الله مثل المنافقين واليهود حين اغترت اليهود بما وعدهم المنافقون من النصر فخذلوهم ولم ينصروهم {كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلإِنسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَال إِنِّي بَرِيءٌ مِّنكَ إِنِّي أَخَافُ اللهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ}... إلى قوله عز وجل: {وَذَلِكَ جَزَآؤُاْ الظَّالِمِينَ}. وبلغنا أن عابدا كان في بني إسرائيل قد خرج من الدنيا واتخذ دَيرا يتعبّد فيه. فطلبه الشيطان أن يزله فأعيا عليه. فلما رأى الشيطان ذلك جاء إلى ابنة الملك فدخل فيها فأخذها. فدعوا لها الأطباء فلم يغنوا عنها شيئا. فتكلم على لسانها فقال: لا ينفعها شيء إلا أن تأتوا بها إلا فلان الراهب فيدعو لها. فذهبوا إليه فجعلوها عنده. فأصابها يوما ما كان بها فانكشفت، وكانت امراة حسناء فأعجبته بياضها وحسنها فوقع عليها فأحبلها. فوسوس الشيطان إلى أبيها وإخوتها بأنه قد وقع عليها فأحبلها. ثم وسوس إلى الراهب فقال له: اقتلها وادفنها لئلا يعلموا أنك أحبلتها. فقتلها الراهب ودفنها في أصل حائط. فجاء أبوها وإخوتها، وجاء الشيطان بين أيديهم فسبقهم إلى الراهب وقال: إن القوم قد علموا ما صنعت بالمرأة، فإن سجدت لي سجده رددتهم عنك فسجد له. فلما سجد له أخزاه الله وتبرأ منه الشيطان. وجاء أبوها وإخوتها فاستخرجوها من حيث دفنها وعمدوا إلى الراهب فصلبوه. فضرب الله مثل المنافقين حين خذلوا اليهود فلم ينصروهم. وقد كانوا وعدوهم النصر {كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ} في هذه الآية {إِذْ قَالَ لِلإِنسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَال إِنِّي بَرِيءٌ مِّنكَ إِنِّي أَخَافُ اللهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ}، وكذب. قال الله عز وجلَ: {فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَآ} أي عاقبة الشيطان وذلك الراهب {أَنَّهُمَا فِي النَّارِ خَالِدَيْنِ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَآؤُاْ الظَّالِمِينَ}. وهو تفسير مجاهد.

اطفيش

تفسير : {كَمَثَلِ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ} أي هم كالذين من قبلهم وهم مشركوا مكة {قَرِيباً} ظرف زمان متعلق بما تعلق به الجار وقيل متعلق بمثل اذا التقدير كوجود مثل وذلك ان المشركين اخزاهم الله في بدر قيل غزوة النضير بقليل وقال ابن عباس: الذين من قبلهم هم بنوا قنيقاع اجلاهم عن المدينة قبل النضير ويجوز ان يراد الامم السالفة. {ذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ} سوء عاقبة كفرهم بالعذاب في الدنيا والقتل يقال كلأ وبيل أي وخيم سيء العاقبة {وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} في الآخرة.

الالوسي

تفسير : وقوله تعالى: {كَمَثَلِ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ} خبر مبتدأ محذوف تقديره مثلهم أي مثل المذكورين من اليهود بني النضير، أو منهم ومن المنافقين كمثل أهل بدر كما قال مجاهد أو كبني قينقاع كما قال ابن عباس وهم شعب من اليهود الذين كانوا حوالي المدينة غزاهم النبـي صلى الله عليه وسلم يوم السبت على رأس عشرين شهراً من الهجرة في شوال قبل غزوة بني النضير حيث كانت في ربيع سنة أربع وأجلاهم عليه الصلاة والسلام إلى أذرعات على ما فصل في كتب السير. وقيل: أي مثل هؤلاء المنافقين كمثل منافقي الأمم الماضية. {قَرِيبًا } ظرف لقوله تعالى: {ذَاقُواْ وَبَالَ أَمْرِهِمْ } أي ذاقوا سوء عاقبة كفرهم في زمن قريب من عصيانهم أي لم تتأخر عقوبتهم وعوقبوا في الدنيا إثر عصيانهم. وقيل: انتصاب {قَرِيبًا } ـ بمثل ـ إذ التقدير كوقوع مثل الذين. وتعقب بأن الظاهر أنه أريد أن في الكلام مضافاً هو العامل حقيقة في الظرف إلا أنه لما حذف عمل المضاف إليه فيه لقيامه مقامه، ولا يخفى أن المعنى ليس عليه لأن المراد تشبيه المثل بالمثل أي الصفة الغريبة لهؤلاء بالصفة الغريبة للذين من قبلهم دون تشبيه المثل بوقوع المثل. وأجيب بأن الإضافة من إضافة الصفة إلى موصوفها فيرجع التشبيه إلى تشبيه المثل بالمثل فكأنه قيل: مثلهم كمثل الذين من قبلهم الواقع قريباً، وفيه أن ذلك التقدير ركيك وما ذكر لا يدفع الركاكة، والقول بتقدير مضاف في جانب المبتدأ أيضاً أي وقوع مثلهم كوقوع مثل الذين من قبلهم قريباً فيكون قد / شبه وقوع المثل بوقوع المثل تعسف لا ينبغي أن يرتكب في الفصيح. وقيل: إن العامل فيه التشبيه أي يشبونهم في زمن قريب، وقيل: متعلق الكاف لأنه يدل على الوقوع، وكلا القولين كما ترى، ولا يبعد تعلقه بما تعلقت به الصلة أعني {مِن قَبْلِهِمْ} أي الذين كانوا من قبلهم في زمن قريب فيفيد أن قبليتهم قبلية قريبة، ويلزم من ذلك قرب ما فعل بهم وهو المثل، ويكون هذا مطمح النظر في الإفادة ويتضمن تعييرهم بأنهم كانت لهم في أهل بدر أو بني قينقاع أسوة فبعد لم ينطمس آثار ما وقع بهم وهو كذلك على تقدير الوقوع ونحوه. وجملة {ذَاقُواْ } مفسرة للمثل لا محل لها من الإعراب، ويتعين تعلق {قَرِيبًا } بما بعد على تقدير أن يراد بمن قبل منافقو الأمم الماضية فتدبر. {وَلَهُمْ } في الآخرة {عَذَابٌ أَلِيمٌ } لا يقادر قدره. والجملة قيل: عطف على الجملة السابقة وإن اختلفتا فعلية واسمية، وقيل: حال مقدرة من ضمير {ذَاقُواْ } وأياً مّا كان فهو داخل في حيز المثل، وقيل: عطف على جملة ـ {كَمَثَلِ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ} - ولا يخفى بعده.

ابن عاشور

تفسير : خبر مبتدأ محذوف دلّ عليه هذا الخبر، فالتقدير: مثلهم كمثل الذين من قبلهم قريباً، أي حال أهل الكتاب الموعود بنصر المنافقين كحال الذين مِن قبلهم قريباً. والمراد: أن حالهم المركبة من التظاهر بالبأس مع إضمار الخوف من المسلمين، ومن التفرق بينهم وبين إخوانهم من أهل الكتاب، ومن خذلان المنافقين إياهم عند الحاجة، ومن أنهم لا يقاتلون المسلمين إلا في قرى محصنة أو من وراء جدر، كَحال الذين كانوا من قبلهم في زمن قريب وهم بنو النضير فإنهم أظهروا الاستعداد للحرب وأبَوا الجلاء، فلم يحاربوا إلا في قريتهم إذ حصنوها وقبعوا فيها حتى أعياهم الحصار فاضطُرّوا إلى الجلاء ولم ينفعهم المنافقون ولا إخوانهم من أهل الكتاب. وعن مجاهد أن {الذين من قبلهم} المشركون يوم بدر. و{مِنْ} زائدة لتأكيد ارتباط الظرف بعامله. وانتصب {قريباً} على الظرفية متعلقاً بالكون المضمر في قوله: {كمثل}، أي كحالِ كائن قريب، أو انتصب على الحال من {الذين} أي القوم القريب منهم، كقوله: {أية : وما قوم لوط منكم بِبَعيد}تفسير : [هود: 89]. والوبال أصله: وخامة المرعى المستلذ به للماشية يقال: كلأ وبيل، إذا كان مَرعى خَضِراً «حلواً» تهشّ إليه الإِبل فيحبطها ويمرضها أو يقتلها، فشبهوا في إقدامهم على حرب المسلمين مع الجهل بعاقبة تلك الحرب بإبل ترامت على مرعى وبِيل فهلكت وأُثبت الذوق على طريقة المكنية وتخييلها، فكان ذكر {ذاقوا} مع {وبال} إشارة إلى هذه الاستعارة. و{أمرهم} شأنُهم وما دبّروه وحسبوا له حسابه وذلك أنهم أوقعوا أنفسهم في الجلاء وترك الديار وما فيها، أي ذاقوا سوء أعمالهم في الدنيا. وضمير {ولهم عذاب أليم} عائد إلى {الذين من قبلهم} أي زيادة على ما ذاقوه من عذاب الدنيا بالجلاء وما فيه من مشقة على الأنفس والأجساد لهم عذاب أليم في الآخرة على الكفر.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: كمثل الذين من قبلهم قريباً: أي مثل يهود بني النضير في ترك الإِيمان ومحاربة الرسول صلى الله عليه وسلم كمثل إخوانهم بني قينقاع والمشركين في بدر. ذاقوا وبال أمرهم ولهم عذاب أليم: أي ذاقوا عاقبة كفرهم وحربهم لرسول الله ولهم عذابٌ أليم في الآخرة. كمثل الشيطان إذ قال للإِنسان: أي ومثلهم أيضا في سماعهم من المنافقين وخذلانهم لهم كمثل الشيطان إذ قال للإِنسان. اكفر فلما كفر قال إني بريء منك: أي قال له الشيطان بعد أن كفره إني بريء منك. وذلك جزاء الظالمين: أي خلودهما في النار أي الغاوي والمغوى ذلك جزاءهما وجزاء الظالمين. ولتنظر نفس ما قدمت لغد: أي لينظر كل أحد ما قدم ليوم القيامة من خير وشر. ولا تكونوا كالذين نسوا الله: أي ولا تكونوا أيها المؤمنون كالذين نسوا الله فتركوا طاعته. فأنساهم أنفسهم: أي فعاقبهم بأن أنساهم أنفسهم فلم يعملوا خيراً قط. لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة: أي لأن أصحاب الجنة فائزون بالسلامة من المرهوب والظفر بالمرغوب المحبوب. وأصحاب النار خاسرون. أصحاب الجنة هم الفائزون: في جهنم خالدون. فكيف يستويان؟. معنى الآيات: قوله تعالى {كَمَثَلِ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ} هذه الآية [15] واللتان بعدها [16] و [17] في بقية الحديث عن بني النضير إذ قال تعالى مثل بني النضير في هزيمتهم بعد نقضهم العهد كمثل الذين من قبلهم في الزمان والمكان وهم بنو قينقاع إذ نقضوا عهدهم فأخرجهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وذاقوا وبال أمرهم أي عاقبة نقضهم وكفرهم في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب أليم أي موجع شديد وقوله تعالى {كَمَثَلِ ٱلشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلإِنسَانِ ٱكْفُرْ} بوسائله الخاصة فلما كفر الإِنسان تبرأ منه الشيطان وقال إني بريء منك إني إخاف الله رب العالمين كذلك حال بني النضير مع المنافقين حيث حرضوهم على الحرب والقتال وواعدوهم أن يكونوا معهم ثم خذلوهم وتركوهم وحدهم. وقوله تعالى: {فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَآ} أي عاقبة أمرهما أنهما أي الإِنسان والشيطان أنهما في النار خالدين فيها، وذلك أي خلودهما في النار جزاء الظالمين أي المشركين والفاسقين عن طاعة الله عز وجل. وبعد نهاية قصة بني النضير نادى تعالى المؤمنين ليوجههم وينصح لهم فقال {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} أي صدقوا بالله رباً وبالإِسلام ديناً وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيّاً ورسولاً اتقوا الله بفعل أوامره، واجتناب نواهيه، ولتنظر نفس ما قدمت لغد أي ولينظر أحدكم في خاصة نفسه ماذا قدم لغدٍ أي يوم القيامة. واتقوا الله، أعاد الأمر بالتقوى لأن التقوى هي ملاك الأمر ومفتاح دار السلام والسعادة، وقوله تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} يشجعهم على مراقبة الله تعالى والصبر عليها. وقوله تعالى: {وَلاَ تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ نَسُواْ ٱللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ} أي لا تكونوا كأناسٍ تركوا العمل بطاعة الله وطاعة رسوله فعاقبهم ربهم بأن أنساهم أنفسهم فلم يعملوا لها خيراً وأصبحوا بذلك فاسقين عن أمر الله تعالى خارجين عن طاعته. وقوله تعالى {لاَ يَسْتَوِيۤ أَصْحَابُ ٱلنَّارِ وَأَصْحَابُ ٱلْجَنَّةِ}، أصحاب النار في الدركات السفلى، وأصحاب الجنة في الفراديس العلا فكيف يستويان، إذ أصحاب الجنة فائزون، وأصحاب النار خاسرون. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- ضرب مثل لحال الكافرين في عدم الاتعاظ بحال غيرهم. 2- التحذير من سبل الشيطان وهي الإِغراء بالمعاصي وتزيينها فاذا وقع العبد في الهلكة تبرأ الشيطان منه وتركه في محنته وعذابه. 3- وجوب التقوى بفعل الأوامر وترك النواهي. 4- وجوب مراقبة الله تعالى والنظر يومياً فيما قدم الإِنسان للآخرة وما أخر. 5- التحذير من نسيان الله تعالى المقتضي لعصيانه فإن عقوبته خطيرة وهي أن يُنسى الله العبد نفسه فلا يقدم لها خيراً قط فيهلك ويخسر خسراناً مبيناً. 6- عدم التساوي بين أهل النار وأهل الجنة، إذ أصحاب النار لم ينجو من المرهوب وهو النار، ولم يظفروا بمرغوب وهو الجنة، وأصحاب الجنة عل العكس سلموا من المرهوب، وظفروا بالمرغوب نجوا من النار ودخلوا الجنان.

د. أسعد حومد

تفسير : (15) - وَمَثَلُ بَنِي النَّضِيرِ، مَثَلُ يَهُودِ بَنِي قَيْنُقَاعَ، الذِينَ كَانُوا حَوْلَ المَدِينَةِ، فَغَزَاهُمْ رَسُولُ اللهِ، وَأَجْلاَهُمْ إِلَى أَذْرِعَاتِ الشَّامِ، فَذَاقُوا سُوءَ عَاقِبَةِ كُفْرِهِمْ وَطُغَيَانِهِمْ. (وَكَانَ ذَلِكَ قَبْلَ وَقْعَةِ بَنِي النَّضِيرِ التِي كَانَتْ فِي العَامِ الرَّابعِ لِلْهِجْرَةِ، بَيْنَمَا كَانَتْ وَقْعَةُ بَنِي قَيْنُقَاعَ فِي الشَّهْرِ العِشْرِينَ مِنَ الهِجْرَةِ). وَبَالَ أَمْرِهِمْ - سُوءَ عَاقِبَةِ كُفْرِهِمْ.

الجيلاني

تفسير : {كَمَثَلِ ٱلَّذِينَ} أي: مثلهم كمثل اليهود الذين مضوا {مِن قَبْلِهِمْ قَرِيباً} بزمانهم {ذَاقُواْ وَبَالَ أَمْرِهِمْ} في الدنيا من أنواع الهوان والخسار {وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [الحشر: 15] في الآخرة التي هي دار البوار. بل مثلهم {كَمَثَلِ ٱلشَّيْطَانِ} أي: مثل المنافقين في إغراء اليهود على قتال المؤمنين كمثل الشيطان وقت {إِذْ قَالَ لِلإِنسَانِ} أي: كل فرد وفرد من أفراد الكفرة: {ٱكْفُرْ} حتى أعينك على عموم مقاصدك ومرامك {فَلَمَّا كَفَرَ} الإنسان - العياذ بالله - بتغريره {قَالَ} له الشيطان بعدما كفر: {إِنِّي بَرِيۤءٌ مِّنكَ} لا أعينك على شيء؛ لأنك كفرت بالله، وصرت عدواً لله {إِنِّيۤ أَخَافُ ٱللَّهَ} القادر القاهر الغيور أن ينتقم عني بسبب معاوتنك ومظاهرتك؛ لكونه {رَبَّ ٱلْعَالَمِينَ} [الحشر: 16] فلا يجري التصرف في ملكه بلا إذن منه سبحانه. وبعدما كفر الإنسان بتغرير الشيطان وتلبيسه {فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَآ} أي: عاقبة الشيطان والإنسان الذي كفر بتغريره {أَنَّهُمَا فِي ٱلنَّارِ} تابعاً ومتبوعاً، لا زماناً دون زمان، بل واقعا {خَالِدِينَ فِيهَا} مستمرين أبداً {وَذَلِكَ} الخلود في النار {جَزَآءُ ٱلظَّالِمِينَ} [الحشر: 17] الخارجين عن ربقة الرقية الإلهية، وعروة عبوديته بتلبيس الشيطان وتغريره. {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} مقتضى إيمانكم: التقوى عن محارم الله، والاجتناب عن منهياته {ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ} واحذروا عن بطشه وانتقامه {وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ} أي: كل واحد من النفوس المجبولة على نظرة الدارية والشعور على وجه العبرة والاستبصار {مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ} وما ادخرت ليوم القيامة، وتزودت للنشأة الأخرى بعدما كلفت بأنواع التكاليف، وأُمرت لإعداد زاد المعاد على وجه المبالغة، وكمال الإرشاد {وَ} بالجملة: {ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ} المنتقم الغيور، واحذروا عن مخالفة أمره {إِنَّ ٱللَّهَ} المطلع على ما في ضمائر عباده {خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} [الحشر: 18] من خير وشر، ونفع وضر، يجازيكم على مقتضى خبرته. {وَ} بالجملة: {لاَ تَكُونُواْ} أيها المؤمنون {كَٱلَّذِينَ} أي: كالغافلين الذين {نَسُواْ ٱللَّهَ} أي: ذكره المستلزم للإيمان، المستلزم للمحبة والعرفان {فَأَنسَاهُمْ} سبحانه {أَنفُسَهُمْ} أي: معرفتها المستلزمة لمعرفة الحق، وبالجملة: {أُولَـٰئِكَ} البعداء عن ساحة عز الحضور {هُمُ ٱلْفَاسِقُونَ} [الحشر: 19] المقصورون على الخروج عن مقتضى الحدود الإلهية ولوازم العبودية، الجاهلون بقدر الألوهية مطلقاً. واعلموا أيها المكلفون أنه {لاَ يَسْتَوِيۤ أَصْحَابُ ٱلنَّارِ} منكم وملازموها، وهم الذين اقترفوا طول عمرهم من سيئات الأعمال، وذمائم الأخلاق والأوصاف ما يستحقون دخول النار {وَأَصْحَابُ ٱلْجَنَّةِ} وهم الذين اتصفوا بمحاسن الأعمال والأحوال، ومحامد الأخلاق والأطوار المنتجة لهم أنواع المعارف والحقائق، والمكاشفات المشاهدات الفائضة عليهم حسب استنشاقهم من نسائهم عالم اللاهوت، واسترواحهم من فواتح حضرة الرحموت، وبالجملة: {أَصْحَابُ ٱلْجَنَّةِ هُمُ ٱلْفَآئِزُونَ} [الحشر: 20] المفلحون المقصورون في الدرجات العليَّة، والمقامات السنيَّة مما لا عينٌ رأت ولا أذنٌ سمعت، ولا خطر على قلب بشر.

همام الصنعاني

تفسير : 3193- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {ذَاقُواْ وَبَالَ أَمْرِهِمْ}: [الآية: 15]، قال: هم بنو النضير.