Verse. 5142 (AR)

٥٩ - ٱلْحَشْر

59 - Al-Hashr (AR)

كَمَثَلِ الشَّيْطٰنِ اِذْ قَالَ لِلْاِنْسَانِ اكْفُرْ۝۰ۚ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ اِنِّىْ بَرِيْۗءٌ مِّنْكَ اِنِّىْۗ اَخَافُ اللہَ رَبَّ الْعٰلَمِيْنَ۝۱۶
Kamathali alshshaytani ith qala lilinsani okfur falamma kafara qala innee bareeon minka innee akhafu Allaha rabba alAAalameena

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

مثلهم أيضا في سماعهم من المنافقين وتخلفهم عنهم «كمثل الشيطان إذ قال للإنسان اكفر فلما كفر قال إني بريء منك إني أخاف الله رب العالمين» كذبا منه ورياءً.

16

Tafseer

الرازي

تفسير : أي مثل المنافقين الذين غروا بني النضير بقولهم: {أية : لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ } تفسير : [الحشر: 11] ثم خذلوهم وما وفوا بعهدهم: {كَمَثَلِ ٱلشَّيْطَـٰنِ إِذْ قَالَ لِلإِنسَـٰنِ ٱكْفُرْ } ثم تبرأ منه في العاقبة، والمراد إما عموم دعوة الشيطان إلى الكفر، وإما إغواء الشيطان قريشاً يوم بدر بقوله: {أية : لاَ غَالِبَ لَكُمُ ٱلْيَوْمَ مِنَ ٱلنَّاسِ وَإِنّي جَارٌ لَّكُمْ} تفسير : إلى قوله {أية : إِنّي بَرِىء مّنْكُمْ } تفسير : [الأنفال: 48]. ثم قال:

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {كَمَثَلِ ٱلشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلإِنسَانِ ٱكْفُرْ} هذا ضرب مثل للمنافقين واليهود في تخاذلهم وعدم الوفاء في نُصْرتهم. وحَذَف حرف العطف، ولم يقل: كمثل الشيطان؛ لأن حذف حرف العطف كثير؛ كما تقول: أنت عاقل، أنت كريم، أنت عالم. وقد روي عن النبيّ صلى الله عليه وسلم: أن الإنسان الذي قال له الشيطان اكفر، راهبٌ تُركت عنده امرأة أصابها لَمَمٌ ليَدْعُوَ لها، فزيّن له الشيطان فوطئها فحملت، ثم قتلها خوفاً أن يفتضح، فدل الشيطان قومها على موضعها، فجاءوا فاستنزلوا الراهب ليقتلوه، فجاء الشيطان فوعده أنه إن سجد له أنجاه منهم، فسجد له فتبرأ منه فأسلمه. ذكره القاضي إسماعيل وعليّ بن المدِيني عن سفيان بن عُيَيْنة عن عمرو بن دينار عن عروة بن عامر عن عُبيد بن رفاعة الزُّرَقِيّ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم. وذكر خبره مطولاً ابنُ عباس ووهب بن مُنَبّه. ولفظهما مختلف. قال ابن عباس في قوله تعالى: {كَمَثَلِ ٱلشَّيْطَانِ}: كان راهب في الفَتْرة يقال له: برصيصا؛ قد تعبّد في صَومعته سبعين سنة، لم يعص الله فيها طَرْفة عين، حتى أعيا إبليس؛ فجمع إبليس مردة الشياطين فقال: ألا أجد منكم من يكفيني أمر برصيصا؟ فقال الأبيض، وهو صاحب الأنبياء، وهو الذي قصد النبيّ صلى الله عليه وسلم في صورة جبريل ليوسوس إليه على وجه الوحي، فجاء جبريل فدخل بينهما، ثم دفعه بيده حتى وقع بأقصى الهند؛ فذلك قوله تعالى: {أية : ذِي قُوَّةٍ عِندَ ذِي ٱلْعَرْشِ مَكِينٍ} تفسير : [التكوير:20] فقال: أنا أكْفِيكَه؛ فانطلق فتزيّا بزِيّ الرهبان، وحلق وسط رأسه حتى أتى صومعة برصيصا فناداه فلم يجبه؛ وكان لا ينفتل من صلاته إلا في كل عشرة أيام يوماً، ولا يُفطر إلا في كل عشرة أيام؛ وكان يواصل العشرة الأيام والعشرين والأكثر؛ فلما رأى الأبيض أنه لا يجيبه أقبل على العبادة في أصل صَوْمعته؛ فلما انفتل برصيصا من صلاته، رأى الأبيض قائماً يصلّي في هيئة الرهبان؛ فندم حين لم يجبه، فقال: ما حاجتك؟ فقال: أن أكون معك، فأتأدّب بأدبك، وأقتبس من عملك، ونجتمع على العبادة؛ فقال: إني في شغل عنك؛ ثم أقبل على صلاته؛ وأقبل الأبيض أيضاً على الصلاة؛ فلما رأى برصيصا شدّة اجتهاده وعبادته قال له: ما حاجتك؟ فقال: أن تأذن لي فأرتفع إليك. فأذن له فأقام الأبيض معه حَوْلاً لا يفُطر إلا في كل أربعين يوماً يوماً واحداً، ولا ينفتل من صلاته إلا في كل أربعين يوماً، وربما مدّ إلى الثمانين؛ فلما رأى برصيصا اجتهاده تقاصرت إليه نفسه. ثم قال الأبيض: عندي دعوات يَشْفِي الله بها السقيم والمبتلى والمجنون؛ فعلّمه إياها. ثم جاء إلى إبليس فقال: قد والله أهلكت الرجل. ثم تعرّض لرجل فخنقه، ثم قال لأهله ـ وقد تصوّر في صورة الآدميين ـ: إن بصاحبكم جنوناً أفأطِبّه؟ قالوا نعم. فقال: لا أقوى على جِنِّيتْه، ولكن اذهبوا به إلى برصيصا، فإن عنده اسم الله الأعظم الذي إذا سئل به أعطى، وإذا دُعي به أجاب؛ فجاءوه فدعا بتلك الدعوات، فذهب عنه الشيطان. ثم جعل الأبيض يفعل بالناس ذلك ويرشدهم إلى برصيصا فيعافَوْن. فانطلق إلى جارية من بنات الملوك بين ثلاثة إخوة، وكان أبوهم ملكاً فمات واستخلف أخاه، وكان عمها ملكاً في بني إسرائيل فعذبها وخنقها. ثم جاء إليهم في صورة رجل متطبب ليعالجها فقال: إن شيطانها مارد لا يطاق، ولكن اذهبوا بها إلى برصيصا فدعوها عنده، فإذا جاء شيطانها دعا لها فبرئت؛ فقالوا: لا يجيبنا إلى هذا؛ قال: فابْنوا صومعةً في جانب صومعته ثم ضعوها فيها، وقولوا: هي أمانة عندك فاحتسب فيها. فسألوه ذلك فأبى، فبنَوْا صومعة ووضعوا فيها الجارية؛ فلما انفتل من صلاته عاين الجارية وما بها من الجمال فَأسْقِط في يده، فجاءها الشيطان فخنقها فانفتل من صلاته ودعا لها فذهب عنها الشيطان، ثم أقبل على صلاته فجاءها الشيطان فخنقها. وكان يكشف عنها ويتعرض بها لبرصيصا، ثم جاءه الشيطان فقال: ويحك! واقِعْها، فما تجد مثلها ثم تتوب بعد ذلك. فلم يزل به حتى واقعها فحملت وظهر حملها. فقال له الشيطان: ويحك! قد افتضحت. فهل لك أن تقتلها ثم تتوب فلا تفتضح، فإن جاءوك وسألوك فقل جاءها شيطانها فذهب بها. فقتلها برصيصا ودفنها ليلاً؛ فأخذ الشيطان طَرف ثوبها حتى بقي خارجاً من التراب؛ ورجع برصيصاً إلى صلاته. ثم جاء الشيطان إلى إخوتها في المنام فقال: إن برصيصا فعل بأختكم كذا وكذا، وقتلها ودفنها في جبل كذا وكذا؛ فاستعظموا ذلك وقالوا لبرصيصا: ما فعلت أختنا؟ فقال: ذهب بها شيطانها؛ فصدقوه وانصرفوا. ثم جاءهم الشيطان في المنام وقال: إنها مدفونة في موضع كذا وكذا، وإن طرف ردائها خارج من التراب؛ فانطلقوا فوجدوها، فهدموا صومعته وأنزلوه وخنقوه، وحملوه إلى الملك فأقرّ على نفسه فأمر بقتله. فلما صُلب قال الشيطان: أتعرفني؟ قال لا والله! قال: أنا صاحبك الذي علمتك الدعوات، أما اتقيت الله أما استحيت وأنت أعبد بني إسرائيل! ثم لم يكفِك صنيعك حتى فضحت نفسك، وأقررت عليها وفضحت أشباهك من الناس! فإن متّ على هذه الحالة لم يفلح أحد من نظرائك بعدك. فقال: كيف أصنع؟ قال: تطيعني في خصلة واحدة وأنجيك منهم وآخذ بأعينهم. قال: وما ذاك؟ قال تسجد لي سجدة واحدة؛ فقال: أنا أفعل؛ فسجد له من دون الله. فقال: يا برصيصا، هذا أردت منك؛ كان عاقبة أمرك أن كفرت بربك، إني بريء منك، إني أخاف الله رب العالمين. وقال وهب بن مُنَبّه: إن عابداً كان في بني إسرائيل، وكان من أعبد أهل زمانه، وكان في زمانه ثلاثة إخوة لهم أخت، وكانت بكراً، ليست لهم أخت غيرها، فخرج البعث على ثلاثتهم؛ فلم يدروا عند من يخلّفون أختهم، ولا عند من يأمنون عليها، ولا عند من يضعونها. قال فاجتمع رأيهم على أن يخلفوها عند عابد بني إسرائيل، وكان ثقةً في أنفسهم، فأتوه فسألوه أن يخلفوها عنده، فتكون في كنفه وجواره إلى أن يقفلوا من غَزاتهم، فأبى ذلك عليهم وتعوّذ بالله منهم ومن أختهم. قال فلم يزالوا به حتى أطمعهم فقال: أنزلوها في بيت حِذاء صَوْمعتي، فأنزلوها في ذلك البيت ثم انطلقوا وتركوها، فمكثت في جوار ذلك العابد زماناً، ينزل إليها الطعام من صومعته، فيضعه عند باب الصومعة، ثم يغلق بابه ويصعد في صومعته، ثم يأمرها فتخرج من بيتها فتأخذ ما وضع لها من الطعام. قال: فتلطّف له الشيطان فلم يزل يرغّبه في الخير، ويعظم عليه خروج الجارية من بيتها نهاراً، ويخوّفه أن يراها أحد فيعلقها. قال: فلبث بذلك زماناً، ثم جاءه إبليس فرغّبه في الخير والأجر، وقال له: لو كنت تمشي إليها بطعامها حتى تضعه في بيتها كان أعظم لأجرك؛ قال: فلم يزل به حتى مشى إليها بطعامها فوضعه في بيتها، قال: فلبث بذلك زماناً ثم جاءه إبليس فرغّبه في الخير وحَضّه عليه، وقال: لو كنت تكلّمها وتحدّثها فتأنس بحديثك، فإنها قد استوحشت وحشةً شديدة. قال: فلم يزل به حتى حدّثها زماناً يطلع عليها من فوق صومعته. قال: ثم أتاه إبليس بعد ذلك فقال: لو كنت تنزل إليها فتقعد على باب صومعتك وتحدّثها وتقعد على باب بيتها فتحدّثك كان آنس لها. فلم يزل به حتى أنزله وأجلسه على باب صومعته يحدّثها، وتخرج الجارية من بيتها، فلبثا زماناً يتحدثان، ثم جاءه إبليس فرغّبه في الخير والثواب فيما يصنع بها، وقال: لو خرجت من باب صومعتك فجلست قريباً من باب بيتها كان آنس لها. فلم يزل به حتى فعل. قال: فلبثا زماناً، ثم جاءه إبليس فرغّبه في الخير وفيما له من حسن الثواب فيما يصنع بها، وقال له: لو دنوت من باب بيتها فحدّثتها ولم تخرج من بيتها، ففعل. فكان ينزل من صومعته فيقعد على باب بيتها فيحدثها. فلبثَا بذلك حيناً ثم جاءه إبليس فقال: لو دخلت البيت، معها تحدثها ولم تتركها تُبرز وجهها لأحد كان أحسن بك. فلم يزل به حتى دخل البيت، فجعل يحدثها نهاره كله، فإذا أمسى صعد في صومعته. قال: ثم أتاه إبليس بعد ذلك، فلم يزل يزيّنها له حتى ضرب العابد على فخذها وقَبّلها. فلم يزل به إبليس يحسّنها في عينه ويسوّل له حتى وقع عليها فأحبلها، فولدت له غلاماً. فجاءه إبليس فقال له: أرأيت أن جاء إخوة هذه الجارية وقد وَلدتْ منك! كيف تصنع! لا آمن عليك أن تفتضح أو يفضحوك! فاعمِد إلى ابنها فاذبحه وادفنه، فإنها ستكتم عليك مخافة إخواتها أن يطلعوا على ما صنعت بها، ففعل. فقال له: أتراها تكتم إخوتها ما صنعت بها وقتلتَ ابنها! خذها فاذبحها وادفنها مع ابنها. فلم يزل به حتى ذبحها وألقاها في الحَفِيرة مع ابنها، وأطبق عليها صخرة عظيمة، وسوّى عليها التراب، وصعد في صومعته يتعبّد فيها؛ فمكث بذلك ما شاء الله أن يمكث؛ حتى قفل إخوتها من الغزو، فجاءوه فسألوه عنها فنعاها لهم وترحّم عليها، وبكى لهم وقال: كانت خيرَ أَمَة، وهذا قبرها فانظروا إليه. فأتى إخوتها القبر فبكَوْا على قبرها وترحّموا عليها، وأقاموا على قبرها أياماً ثم انصرفوا إلى أهاليهم. فلما جَنّ عليهم الليل وأخذوا مضاجعهم، أتاهم الشيطان في صورة رجل مسافر، فبدأ بأكبرهم فسأله عن أختهم؛ فأخبره بقول العابد وموتها وترحُّمه عليها، وكيف أراهم موضع قبرها؛ فكذّبه الشيطان وقال: لم يَصْدُقْكم أمر أختكم، إنه قد أحبل أختكم وولدت منه غلاماً فذبحه وذبحها معه فزعاً منكم، وألقاها في حفيرة احتفرها خلف الباب الذي كانت فيه عن يمين من دخله. فانطلقوا فادخلوا البيت الذي كانت فيه عن يمين من دخله فإنكم ستجدونهما هنالك جميعاً كما أخبرتكم. قال: وأتى الأوسط في منامه وقال له مثل ذلك. ثم أتى أصغرهم فقال له مثل ذلك. فلما استيقظ القوم استيقظوا متعجبين لما رأى كل واحد منهم. فأقبل بعضهم على بعض، يقول كل واحد منهم: لقد رأيت عجباً، فأخبر بعضهم بعضاً بما رأى. قال أكبرهم: هذا حُلم ليس بشيء، فامضوا بنا ودَعُوا هذا. قال أصغرهم: لا أمضي حتى آتي ذلك المكان فأنظر فيه. قال: فانطلقوا جميعاً حتى دخلوا البيت الذي كانت فيه أختهم، ففتحوا الباب وبحثوا الموضع الذي وصف لهم في منامهم، فوجدوا أختهم وابنها مذبوحين في الحفيرة كما قيل لهم، فسألوا العابد فصدّق قول إبليس فيما صنع بهما. فاستعدَوا عليه ملكهم، فأنزِل من صومعته فقدّموه لِيُصْلَب، فلما أوقفوه على الخشبة أتاه الشيطان فقال له: قد علمت أني صاحبك الذي فتنتك في المرأة حتى أحبلتها وذبحتها وذبحتَ ابنها، فإن أنت أطعتني اليوم وكفرت بالله الذي خلقك خلّصتك مما أنت فيه. قال: فكفر العابد بالله؛ فلما كفر خلّى عنه الشيطان بينه وبين أصحابه فصلبوه. قال: ففيه نزلت هذه الآية {كَمَثَلِ ٱلشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلإِنسَانِ ٱكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيۤءٌ مِّنكَ إِنِّيۤ أَخَافُ ٱللَّهَ رَبَّ ٱلْعَالَمِينَ} ـ إلى قوله ـ {جَزَآءُ ٱلظَّالِمِينَ} قال ابن عباس: فضرب الله هذا مثلاً للمنافقين مع اليهود. وذلك أن الله تعالى أمر نبيّه عليه السلام أن يُجْلي بني النَّضِير من المدينة، فَدَسّ إليهم المنافقون ألا تخرجوا من دياركم، فإن قاتلوكم كنا معكم، وإن أخرجوكم كنا معكم، فحاربوا النبيّ صلى الله عليه وسلم فخذلهم المنافقون، وتبّرءوا منهم كما تبرأ الشيطان من بَرْصيصَا العابد. فكان الرهبان بعد ذلك لا يمشون إلا بالتقِيّة والكتمان. وطمع أهل الفسوق والفجور في الأحبار فرموهم بالبهتان والقبيح، حتى كان أمر جُريج الراهب، وبرّأه الله فانبسطت بعده الرهبان وظهروا للناس. وقيل: المعنى مثَلُ المنافقين في غدرهم لبني النَّضِير كمثل إبليس إذ قال لكفار قريش: {أية : لاَ غَالِبَ لَكُمُ ٱلْيَوْمَ مِنَ ٱلنَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَّكُمْ} تفسير : [الأنفال:48] الآية. وقال مجاهد: المراد بالإنسان ها هنا جميع الناس في غرور الشيطان إياهم. ومعنى قوله تعالى: {إِذْ قَالَ لِلإِنسَانِ ٱكْفُرْ} أي أغواه حتى قال: إني كافر. وليس قول الشيطان: {إِنِّيۤ أَخَافُ ٱللَّهَ رَبَّ ٱلْعَالَمِينَ} حقيقة، إنما هو على وجه التبرؤ من الإنسان، فهو تأكيد لقوله تعالى: {إِنِّي بَرِيۤءٌ مِّنكَ} وفتح الياء من «إني» نافع وابن كثير وأبو عمرو. وأسكن الباقون. {فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَآ} أي عاقبة الشيطان وذلك الإنسان {أَنَّهُمَا فِي ٱلنَّارِ خَالِدِينَ فِيهَا} نصب على الحال. والتثنية ظاهرة فيمن جعل الآية مخصوصة في الراهب والشيطان. ومن جعلها في الجنس فالمعنى: وكان عاقبة الفريقين أو الصنفين. ونصب «عَاقِبَتهُمَا» على أنه خبر كان. والإسم {أَنَّهُمَا فِي ٱلنَّارِ} وقرأ الحسن «فَكَانَ عَاقِبَتُهُما» بالرفع على الضد من ذلك. وقرأ الأعمش «خَالِدَانِ فِيهَا» بالرفع وذلك خلاف المرسوم. ورفعه على أنه خبر «أنّ» والظرف ملغى.

المحلي و السيوطي

تفسير : مثلهم أيضاً في سماعهم من المنافقين وتخلفهم عنهم {كَمَثَلِ ٱلشَّيْطَٰنِ إِذْ قَالَ لِلإِنسَٰنِ ٱكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنّى بَرِىءٌ مِّنكَ إِنّى أَخَافُ ٱللَّهَ رَبَّ ٱلْعَٰلَمِينَ } كذباً منه ورياء.

ابن عبد السلام

تفسير : {لِلإِنسَانِ} ضرب مثلاً للكافر في طاعة الشيطان وهو عام في كل إنسان أو عني راهباً حسن العبادة من بني إسرائيل فافتتن إلى أن زنا وقتل النفس وسجد لإبليس وقصته مشهورة فكذلك المنافقون وبنو النضير مصيرهم إلى النار.

ابو السعود

تفسير : قولُه تعالى: {كَمَثَلِ ٱلشَّيْطَـٰنِ} فإنَّه خبرٌ ثانٍ للمبتدأ المقدرِ مبـينٌ لحالِهِم متضمنٌ لحالٍ أُخْرَى لليهودِ وهي اغترارُهم بمقالةِ المنافقينَ أولاً وخيبتُهُم آخِراً وقد أُجْمِلَ في النظمِ الكريمِ، حيثُ أُسنِدَ كلٌّ من الخبرينِ إلى المقدرِ المضافِ إلى ضميرِ الفريقينِ منْ غير تعيـينِ ما أُسْنِدَ إليهِ بخصوصِهِ ثقةً بأنَّ السامعَ يردُّ كلاً من المثلينِ إلى ما يماثلُهُ كأنَّهُ قيلَ مثلُ اليهودِ في حلولِ العذابِ بهم كمثلِ الذينَ منْ قبلِهِم الخ. ومثلُ المنافقينَ في إغرائِهِم إيَّاهُم على القتالِ حسبما نُقِلَ عنهُم كمثلِ الشيطانِ {إِذْ قَالَ لِلإِنسَـٰنِ ٱكْفُرْ} أيْ أغراهُ على الكفرِ إغراءِ الآمرِ المأمورَ على المأمورِ بهِ {فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنّى بَرِىء مّنكَ} وقُرِىءَ أنا بريءٌ منكَ. إنْ أريدَ بالإنسانِ الجنسُ فهذَا التبرؤُ منَ الشيطانِ يكونُ يومَ القيامةِ كما ينبىءُ عنْهُ قولُهُ تعالى {إِنّى أَخَافُ ٱللَّهَ رَبَّ ٱلْعَـٰلَمِينَ} وإنْ أُرِيدَ بهِ أبو جهلٍ، فقولُهُ تعالى: {ٱكْفُرْ} عبارةٌ عنْ قولِ إبليسِ يومَ بدرٍ {أية : لاَ غَالِبَ لَكُمُ ٱلْيَوْمَ مِنَ ٱلنَّاسِ وَإِنّي جَارٌ لَّكُمْ } تفسير : [سورة الأنفال، الآية 48] وتبرؤه قولُه يومئذٍ {أية : إِنّي بَرِىء مّنْكُمْ إِنّي أَرَىٰ مَا لاَ تَرَوْنَ إِنّي أَخَافُ ٱللَّهَ } تفسير : [سورة الأنفال، الآية 48] الآيةَ {فَكَانَ عَـٰقِبَتَهُمَا} بالنصبِ على أنَّهُ خبرُ كانَ واسمُهَا {أَنَّهُمَا فِى ٱلنَّارِ} وقرىءَ بالعكسِ وقد مرَّ أنه أوضحُ {خَـٰلِدِينَ فِيهَا} وقُرِىءَ خالدانِ فيها عَلى أنه خبرُ أنَّ وفي النارِ لغوٌ {وَذَلِكَ جَزَاء ٱلظَّـٰلِمِينَ} أي الخلودُ في النارِ جزاءُ الظالمينَ على الإطلاقِ دونَ هؤلاءِ خاصَّة. {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ} أي في كلِّ ما تأتونَ وما تذرونَ {وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ} أيْ أيُّ شيءٍ قدمَتْ من الأعمالِ ليومِ القيامةِ عبرَ عنْهُ بذلكَ لدنوِّهِ أو لأن الدنيا كيومٍ والآخرةُ هي غَدُهُ وتنكيرُهُ لتفخيمِه وتهويلِه كأنه قيلَ لغدٍ لا يُعرفُ كنهُهُ لغايةِ عظمِه، وأما تنكيرُ نفسٍ فلاستقلالِ الأنفسِ النواظرِ فيما قدَّمن لذلكَ اليومَ الهائلِ، كأنه قيلَ ولتنظُر نفسٌ واحدةٌ في ذلكَ. {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ} تكريرٌ للتأكيدِ، أو الأولُ في أداءِ الواجباتِ كما يُشعرُ به ما بعدَهُ من الأمرِ بالعملِ، وهذا في تركِ المحارمِ كما يُؤذنُ بهِ الوعيدُ بقولِهِ تعالَى: {إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} أي من المعاصِي {وَلاَ تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ نَسُواْ ٱللَّهَ} أي نَسُوا حقوقَهُ تعالَى وما قدرُوه حقَّ قدرِهِ ولم يراعُوا مواجبَ أوامرِهِ ونواهِيه حقَّ رعايتِهَا {فَأَنسَـٰهُمْ} بسببِ ذلكَ {أَنفُسِهِمْ} أي جعلَهُم ناسينَ لها حتَّى لم يسمعُوا ما ينفعُها ولم يفعَلُوا ما يخلِّصُهَا أو أراهُم يومَ القيامةِ من الأهوالِ ما أنساهُم أنفسَهُم {أُولَـئِكَ هُمُ ٱلْفَـٰسِقُونَ} الكاملونَ في الفسوقِ.

القشيري

تفسير : أي مَثَلُ هؤلاء المنافقين مع النضير - في وَعْدِهم بعضهم لبعض بالتناصر {كَمَثَلِ ٱلشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلإِنسَانِ}. وكذلك أربابُ الفترة وأصحاب الزَّلَّة وأصحاب الدعاوى.. هؤلاء كلُّهم في درجة واحدة في هذا الباب - وإن كان بينهم تفاوت - لا تنفع صُحْبَتُهم في الله؛ قال تعالى: {أية : ٱلأَخِلاَّءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ ٱلْمُتَّقِينَ}تفسير : [الزخرف: 67] وكلُّ أحدٍ - اليومَ - يألَفُ شَكْلَه؛ فصاحبُ الدعوى إلى صاحب الدعوى، وصاحبُ المعنى إلى صاحب المعنى.

الطوسي

تفسير : معنى قوله {كمثل الشيطان} أي مثل هؤلاء المنافقين فيما قالوا لليهود، مثل قيل الشيطان {إذ قال للإنسان اكفر} واغواه به ودعاه اليه {فلما كفر} يعني الانسان {قال} الشيطان {إني بريء منك إني أخاف الله رب العالمين} بمعنى أخاف عقابه. وإنما يقول الشيطان للانسان اكفر بأن يدعوه اليه ويغويه به ويقول له: التوحيد ليس له حقيقة والشرك هو الحق ويأمره بجحد النبوة، ويقول لا أصل لها. وإنما هي مخرقة. والبراءة قطع العلقة إلى ما تقتضيه العداوة فهذه البراءة من الدين، وقد تكون البراءة قطع العلقة بما يدفع المطالبة كبراءة الدين، وبراءة الطلاق، وبراءة الذمي إذا أخذت منه الجزية. والاصل قطع العلقة التي يقع بها مطالبة فى نقيض الحكمة، فالتقدير فى الآية إن مثل المنافقين فى وعدهم لبني النضير مثل الشيطان فى وعده للانسان بالغرور، فلما أحتاج اليه الانسان أسلمه للهلاك. وقيل: إن ذلك فى إنسان بعينه كل من الرهبان فاغواه الشيطان بأن ينجيه من بلية وقع فيها عند السلطان، فقال له: اسجد لي سجدة واحدة، فلما احتاج اليه أسلمه حتى قتل - روي ذلك عن ابن عباس وابن مسعود - وقال مجاهد: هو عام فى جميع الكفار، فقال الله تعالى {فكان عاقبتهما} يعني عاقبة الفريقين الداعي والمدعو من الشيطان ومن أغواه والمنافقين واليهود {أنهما في النار} معذبان فيها، والعاقبة نهاية العمل فى البادية، فعاقبة الطاعة الله تعالى الجنة، وعاقبة معصيته النار {خالدين فيها} أي مؤبدين فيها معذبين ثم قال {وذلك جزاء الظالمين} لانفسهم بارتكاب المعاصي. ثم خاطب المؤمنين فقال {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله} باجتناب معاصيه وفعل طاعاته {ولتنظر نفس ما قدمت لغد} أي تنظر وتفكر ما الذي تقدمه من الافعال ليوم القيامة من طاعة او معصية {واتقوا الله} باجتناب معاصيه وفعل طاعاته {إن الله خبير بما تعملون} أي عالم بأعمالكم لا يخفى عليه شيء منها فيجازيكم بحسبها على الطاعات بالثواب وعلى المعاصي بالعقاب. وقيل معناه {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله} فيما تقدم نفس لغد {واتقوا الله} فيما يعلمه منكم، وليس ذلك بتكرار ثم قال {ولا تكونوا كالذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم} أي كالذين تركوا أداء حق الله فانهم نسوه فأنساهم أنفسهم بأن حرمهم حظوظهم من الخير والثواب، وقال سفيان: نسوا حق الله فأنساهم حظ أنفسهم. وقيل: نسوا الله بترك ذكره والشكر والتعظيم فأنساهم انفسهم بالعذاب الذي نسي به بعضهم بعضاً، كما قال تعالى {أية : فإذا دخلتم بيوتاً فسلموا على أنفسكم}تفسير : أي يسلم بعضكم على بعض ثم اخبر عنهم فقال {أولئك هم الفاسقون} الذين خرجوا من طاعته إلى معصيته. وقوله {لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة} أي لا يتساويان، لان هؤلاء مستحقون للنار وأولئك مستحقون لثواب الجنة، ثم قال {أصحاب الجنة هم الفائزون} بثواب الله. ولا يدل على أن من معه إيمان وفسق لا يدخل الجنة، لأنه تعالى قسم أصحاب الجنة وأصحاب النار الذين يستحقون ثواباً بلا عقاب او عقاباً بلا ثواب، لانهما لا يتقاربان، ولم يذكر من يستحق الامرين. وعندنا أن الفاسق المسلم يستحق الأمرين فليس هو داخلاً فيه.

الجنابذي

تفسير : {كَمَثَلِ ٱلشَّيْطَانِ} متعلّق بقوله تعالى: من قبلهم، او بذاقوا او بقوله لهم فى لهم عذابٌ اليمٌ، او خبر مبتدءٍ محذوفٍ والتّقدير مثل عبد الله بن اُبىٍّ فى غزوة بنى النّضير وبنى قينقاع كمثل الشّيطان {إِذْ قَالَ لِلإِنسَانِ ٱكْفُرْ} قولاً فعليّاً او قولاً نفسانيّاً {فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيۤءٌ مِّنكَ إِنِّيۤ أَخَافُ ٱللَّهَ رَبَّ ٱلْعَالَمِينَ} الاتيان بالماضى للاشعار بانّ المراد بذلك القول وهذا الانسان قولٌ شخصىٌّ وانسان مشخّص لا القول النّوعىّ والانسان الجنسىّ، والاّ كان المناسب ان يقول كمثل الشّيطان يقول للانسان على الاستمرار اكفر، ولعلّه اشارة الى تمثّله بصورة سراقة واغراء المشركين على محمّدٍ (ص) ببدرٍ، وقيل: انّه اشارة الى عابد بنى اسرائيل كان اسمه برصيصا، عبد الله زماناً من الدّهر حتّى بلغ من عبادته الى ان يؤتى بالمجانين اليه وكان يداويهم ويعوّذهم، فيبرؤن، وأتى بامراةٍ كانت فى شرف فى اهلها قد جنّت وكان لها اخوة فأتوه بها فكانت عنده فلم يزل به الشّيطان حتّى وقع عليها فحملت فلمّا استبان حملها قتلها ودفنها، فذهب الشّيطان فقال لاخوتها واحداً واحداً، فجعل الرّجل يلقى اخاه فيقول: والله لقد أتانى آتٍ فذكر لى شيئاً يكبر علىّ ذكره، فذكر بعضهم لبعضٍ حتّى بلغ ذلك ملكهم، فسار الملك والنّاس فاستذلّوه فاقرّ لهم بما فعل، فأمر به فصلب، فلمّا رفع على خشبته تمثّل له الشّيطان فقال: انا الّذى القيتك فى هذا فهل انت مطيعى فيما اقول لك اخلّصك ممّا انت فيه؟ - قال: نعم، قال: اسجد لى سجدةً واحدةً فقال: كيف اسجد لك وانا على هذه الحالة؟ - فقال: اكتفى منك بالايماء، فأومى له بالسّجود فكفر بالله وقتل الرّجل.

اطفيش

تفسير : {كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ} أي مثل المنافقين في اغراء اليهود على القتال والوعد بالنصر ثم خذلوهم كمثل الشيطان ابليس. {إِذْ قَالَ لِلإِنسَانِ} ابي جهل {اكْفُرْ} قال له يوم بدر لا غالب لكم اليوم من الناس واني جار لكم. {فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّى بَرِىءٌ مِّنكَ إِنِّى} وسكن الكوفيون وابن عامر الياء {أَخَافُ اللهَ رَبَّ العَالَمِينَ} تبرأ منه مخافة ان يشاركه في العذاب ولم ينفعه ذلك كذلك لما قاتلوا لم ينصرهم المنافقون وقيل: الانسان الجنس والشيطان ايضا يحتمل الجنسية وقيل: الشيطان الابيض من ولد ابليس اشد مكر من اولاده والانسان برصيصا الراهب ذكره الشيخ هود رحمه الله والسمرقندي وغيرهما كالقاضي روي عن ابن عباس ان برصيصا تعبد في صومعه سبعين سنة لم يعص طرفة عين. وأعيا ابليس واعوانه وجمع ابليس مردته ايكم يكفيه قال الابيض انا وهو الذي تصدى للنبي صلى الله عليه سلم وجاءه في صورة جبريل ليوسوسه فلحقه جبريل فدفعه الى اقصى الهند حلق وسد رأسه كالرهبان وتزيى بزيهم ونادى برصيصا فلم يجبه لانه كان لا ينتقل عن الصلاة إلا بعد عشرة ايام مرة فتعبد الابيض تحت الصومعة ولما تمت العشرة اطلع منها فرآه متعبدا بزي الراهب فندم على عدم اجابته وقال كنت مشتغلا عنك فما حاجتك قال ان اكون معك فاتأدب بأدبك واتعلم منك وتدعو لي وادعو لك فقال اني في شغل وان كنت مؤمنا جعل الله لك نصيبا في دعائي ان استجاب لي ثم اقبل على العبادة وتركه. ولما تمت اربعون يوما اطلع عليه فرآه يصلي فقال ما حاجتك قال ان تأذن لي فارتفع معك فأذن فعبد معه وجعل لا يفطر ولا يخرج من صلاته إلا بعد اربعين يوما مرة وربما بلغ الثمانين فتقاصرت نفس برصيصا لما رأى اجتهاده ولما حال الحول قال الابيض: اني منطلق ان لي صاحبا غيرك ظننت انك اشد اجتهادا مما رأيت وبلغنا عنك غير الذي رأيت فاشتد ذلك على برصيصا وكره مفارقته لاجتهاده ولما ودعه الابيض قال: عندي دعوة أعلمكها يشف الله بها السقيم المجنون قال برصيصا: كرهتت هذه المنزلة ان علم الناس شغلوني عن العبادة قال له انها خير مما انت فيه فما زال حتى علمه وقال لأبليس قد اهلكته فخنق رجلا ثم ظهر وقال: ان بصاحبكم جنونا افأعالجه قالوا نعم فعالجه فاظهر انه لم يقدر ولكن انطلقوا الى برصيصا فإن عنده الاسم الاعظم فانطلقوا فدعا له فذهب الشيطان وكان الابيض يفعل ذلك ويرشد الى برصيصا. ثم حنث وعذب بنت ملك في بني اسرائيل مات واستخلف عليها اخاه ولها ثلاثة اخوة وظهر وقال اعالجها فقالوا نعم فاظهر انه لم يطق فارشدهم الى برصيصا فقالوا: لا يجيبنا الى ذلك فقال: ابنوا صومعة لجنبه وضعوها فيها وقولوا هذه أمانتنا فاحتسبها، فسألوه فقال لا فبنوا لها وقالوا ذلك فما انتقل عن صلاته حتى عاينها ودخله امر عظيم فجاء الشيطان فخنقها فدعا برصيصا لها فذهب الشيطان واقبل على صلاته فجاءه الشيطان وقال له واقعها فإنك لا تجد مثلها وستتوب وكانت تنكشف له ففعل فحملت فقال له الشيطان قد افتضحت هل لك ان تقتلها فإن سألوك فقل ذهب بها شيطانها فقتلها برصيصا ودفنها تحت الجبل فجاء الشيطان وهو يدفنها بالليل فجبد طرف ازارها خارجا. واقبل على صلاته في صومعته فجاء اخوتها يتعادهدونها ويوصونه بها كالعادة قبل ذلك فقالوا ما فعلت اختنا فقال جاء شيطانها وذهب بها فلم اطقه فصدقوه وانصرفوا مكروبين فجاء الشيطان في المنام الى اكبرهم فاخبره بالقصة من الزنا والقتل والحبل والدفن بموضع كذا فكذب الرؤيا وعاوده مرتين وهو يكذبه وفعل ذلك بالاوسط كذلك ولم يخبرا احدا وفعل ذلك بالاصغر وفي الثالثة قال ذلك لاخوية فقال ارينا كما رأيت فجاءوا برصيصا فقالوا: ما فعلت اختنا فقال اليس قد اعلمتكم وقد اتهمتوني فقالوا لا وانصرفوا خجلين فقال لهم الشيطان انها في الموضع وازارها خارج من التراب فجاوا الموضع فوجودها كما رأوا في المنام فمشوا هم ومواليهم بالفؤوس والمساحي فهدموا صومعته وكتفوه الى الملك وهو عمها فأقر لان الشيطان قال له اعترف لئلا يجتمع عليك قتل ومكابرة وصلبه على خشبة فقال له الابيض: اتعرفني قال لا قال انا الذي علمتك الدعوات اما اتقيت الله في امانتك وانك تزعم انك اعبد بني اسرائيل ولم يزل يعيره ويعنفه حتى قال الم يكفك ما صنعت حتى اقررت وفضحت نفسك واشباهكم وان مت على هذا فلن تفلح انت ولا اشباهك بعدك قال كيف افعل فقال اسجد لي اخلصك من اعينهم فسجد له فقال له هذا ما اريد منك صارت عاقبتك الكفر.

الالوسي

تفسير : وقوله تعالى: {كَمَثَلِ ٱلشَّيْطَـٰنِ} جعله غير واحد خبر مبتدأ محذوف أيضاً أي مثلهم كمثل الشيطان على أن ضمير ـ مثلهم ـ ههنا للمنافقين وفيما تقدم لبني النضير، وقال بعضهم: ضمير ـ مثلهم ـ المقدر في الموضعين للفريقين، وجعله بعض المحققين خبراً ثانياً للمبتدأ المحذوف في قوله تعالى: { أية : كَمَثَلِ ٱلَّذِينَ } تفسير : [الحشر: 15] على أن الضمير هناك للفريقين إلا أن المثل الأول: يخص بني النضير، والثاني: يخص المنافقين، وأسند كل من الخبرين إلى ذلك المقدر المضاف إلى ضميرهما من غير تعيين ما أسند إليه بخصوصه ثقة بأن السامع يرد كلاً إلى ما يليق به ويماثله كأنه قيل: مثل أولئك الذين كفروا من أهل الكتاب في حلول العذاب بهم كمثل الذين من قبلهم، ومثل المنافقين في إغرائهم إياهم على القتال حسبما نقل عنهم كمثل الشيطان. {إِذْ قَالَ لِلإِنسَـٰنِ ٱكْفُرْ } أي أغراه على الكفر إغراء الآمر للمأمور به فهو تمثيل واستعارة {فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنّى بَرِىء مّنكَ إِنّى أَخَافُ ٱللَّهَ رَبَّ ٱلْعَـٰلَمِينَ } تبرأ منه مخافة أن يشاركه في العذاب ولم ينفعه ذلك كما قال سبحانه: {فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَآ أَنَّهُمَا فِي ٱلنَّارِ خَالِدِينَ فِيهَا...}.

ابن عاشور

تفسير : هذا مثل آخر لمُمَثَّل آخر، وليس مثلاً منْضمًّا إلى المثل الذي قبله لأنه لو كان ذلك لكان معطوفاً عليه بالواو، أو بـ(أو) كقوله تعالى {أية : أو كصيّب من السماء}تفسير : [البقرة: 19]. والوجه: أن هذا المثل متصل بقوله: {أية : ولهم عذاب أليم}تفسير : [الحشر: 15] كما يفصح عنه قوله في آخره: {فكان عاقبتهما أنهما في النار} الآية، أي مثلهم في تسبيبهم لأنفسهم عذاب الآخرة كمثل الشيطان إذ يوسوس للإنسان بأن يكفر ثم يتركه ويتبرأ منه فلا ينتفع أحدهما بصاحبه ويقعان معاً في النار. فجملة {كمثل الشيطان} حال من ضمير {أية : ولهم عذاب أليم}تفسير : [الحشر: 15] أي في الآخرة. والتعريف في {الشيطان} تعريف الجنس وكذلك تعريف «الإنسان». والمراد به الإنسان الكافر. ولم تُرد في الآخرة حادثة معيَّنة من وسوسة الشيطان لإِنسان معيَّن في الدنيا، وكيف يكون ذلك والله تعالى يقول: {فلمّا كَفَرَ قال إني بريء منك إني أخاف الله رب العالمين}، وهل يتكلم الشيطان مع الناس في الدنيا فإن ظاهرة قوله: {قال إني بريء منك} أنه يقوله للإِنسان، وإما احتمال أن يقوله في نفسه فهو احتمال بعيد. فالحق: أن قول الشيطان هذا هو ما في آية {أية : وقال الشيطان لما قضي الأمر إن الله وعدكم وعد الحق ووعدتُكم فأخلفتكم وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي فلا تلوموني ولوموا أنفسكم ما أنا بمصرخِكم وما أنتم بمصرخي إني كفرت بما أشركتمون من قبل}تفسير : في سورة [إبراهيم: 22]. وقد حكى ابن عباس وغيرهما من السلف في هذه الآية قصة راهب بحكاية مختلفة جعلت كأنها المراد من الإنسان في هذه الآية. ذكرها ابن جرير والقرطبي وضَعَّف ابن عطية أسانيدها فلئن كانوا ذكروا القصة فإنما أرادوا أنها تصلح مثالاً لما يقع من الشيطان للإِنسان كما مال إليه ابنُ كثير. فالمعنى: إذ قال للإِنسان في الدنيا: اكفر، فلما كفر ووافى القيامة على الكفر قال الشيطان يوم القيامة: إني بريء منك}، أي قال كل شيطان لقرينه من الإِنس: {إنّي بريء منك} طمعاً في أن يكون ذلك منجيه من العذاب. ففي الآية إيجاز حذف حُذف فيها معطوفات مقدرة بعد شرط (لَمَّا) هي داخلة في الشرط إذ التقدير: فلما كفر واستمر على الكفر وجاء يوم الحشر واعتذر بأن الشيطان أضله قال الشيطان: {إني بريء منك} الخ. وهذه المقدرات مأخوذة من آيات أخرى مثل آية سورة إبراهيم وآية سورة [ق: 27]. {أية : قال قرينه ربّنا ما أطغيته} تفسير : الآية. وظاهر أن هذه المحاجة لا تقع إلا في يوم الجزاء وبعد موت الكافر على الكفر دون من أسلموا. وقول: فكان عاقبتهما أنهما في النار خالدين فيها} من تمام المثل. أي كان عاقبة الممثل بهما خسرانهما معاً. وكذلك تكون عاقبة الفريقين الممثلين أنهما خائبان فيما دبّرا وكادا للمسلمين. وجملة {وذلك جزاء الظالمين} تذييل، والإِشارة إلى ما يدل عليه {فكان عاقبتهما أنهما في النار} من معنى، فكانت عاقبتهما سوأى والعاقبة السّوأى جزاء جميع الظّالمين المعتدين على الله والمسلمين، فكما كانت عاقبة الكافر وشيطانه عاقبة سوء كذلك تكون عاقبة الممثلين بهما وقد اشتركا في ظلم أهل الخير والهدى.

القطان

تفسير : لغد: يوم القيامة، كأنه من قربه يوم غد، وكل آت قريب. نسوا الله: لم يطيعوه وجروا وراء اهوائهم وملذاتهم. فأنساهم انفسهم: بما ابتلاهم من الغفلة وحب الدنيا، فصاروا لا يعرفون ما ينفعها مما يضرها. في هذه الآيات الكريمة نصيحةٌ للمؤمنين وتعليم وتهذيب لهم أن يلزموا التقوى، ويعملوا الصالحات ويقدّموا الخيرات والمالَ والجاه للمحتاجين، حتى يجدوه امامهم يوم القيامة. وقد كرر الله تعالى الحديث على التقوى لما لها من فوائد وعليها يبنى المجتمع الصالح. {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ}. لا يخفى عليه صغيرة ولا كبيرة في هذا الكون الواسع. ثم ضرب الأمثالَ لنا تحذيراً وإنذاراً من ان نقع في حب الدنيا، فننسى واجباتنا، ونغفُل عما ينقصنا فقال: {وَلاَ تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ نَسُواْ ٱللَّهَ.....}. لا تكونوا كالذين نسوا حقوق الله وما عليهم من الواجبات، فأنساهم الله انفسَهم حتى اصبحوا كالحيوانات لا همَّ لهم الا شهواتهم وملذاتهم والجري وراء الدنيا. {أُولَـٰئِكَ هُمُ ٱلْفَاسِقُونَ}. الخارجون عن طاعة الله، فاستحقّوا عقابه يوم القيامة. فالانسان له حقوق وعليه واجبات، والدنيا أخذٌ وعطاء، فلا خير في مال لا ينفق في سبيل الله، ولا خير فيمن يغلب جهله حِلْمَهُ، ولا خير في قول لا يراد به وجه الله. ثم بين الله تعالى أن من يعمل الحسناتِ يذهب الى الجنة، وان من يعمل السيئاتِ يذهب الى النار، وانهم لا يستوون. فلا يستوي من يذهب الى النار يعذَّب فيها، ومن يذهب الى الجنة ينعُم فيها، {أَصْحَابُ ٱلْجَنَّةِ هُمُ ٱلْفَآئِزُونَ} بكل ما يحبّون.

د. أسعد حومد

تفسير : {ٱلشَّيْطَانِ} {لِلإِنسَانِ} {ٱلْعَالَمِينَ} (16) - وَمَثَلُ هَؤُلاَءِ المُنَافِقِينَ الذِينَ وَعَدُوا اليَهُودَ بِالنُّصْرَةِ إِنْ قُوتِلُوا وَبِالخُرُوجِ مَعَهُمْ إِنْ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ، كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ الذِي غَرَّ الإِنْسَانَ، وَوَعَدَهُ بِالنَّصْرِ عِنْدَ الحَاجَةِ إِلَيهِ، إِذَا أَطَاعَهُ وَكَفَرَ بِاللهِ، فَلَمَّا احْتَاجَ الإِنْسَانُ إِليهِ، وَطَلَبَ مِنْهُ النُّصْرَةَ، تَبَرَّأَ الشَّيْطَانُ مِنْهُ، وَخَذَلَهُ وَتَرَكَهُ لِمَصِيرِهِ، وَقَالَ لَهُ: إِنِّي أَخَافُ اللهَ إِنْ نَصْرْتُكَ أَنْ يُشْرِكَنِي رَبُّ العَالَمِينَ مَعَكَ فِي العَذَابِ.

همام الصنعاني

تفسير : 3194- قال عبد الرزاق، عن معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه، قال: كَانَ رَجُلٌ من بني إسرائيل، وكان عابداً وكان ربما داوى المجانين، وكانت امرأة جميلة أخذها الْجُنُون، فجيء بها إليه، فتُرِكَت عنده، فأعجبته، فوقع عليها فَحَمَلَتْ، فجاءه الشيطان فقال: إنْ عُلِمَ بهذا افْتُضِحْتَ فاقْتُلْها، وادْفِنْهَا في بيتك، فقلتها ودفنها في بيته، فجاء أهلها بعد ذَلِكَ بِزَمَانٍ يسألونه عَنْهَا، فقال: ماتت، فلم يتهموه لصلاحه فيهم، ورضاه، فجاءهم الشيطان فقال: إنها لمت تمت، وكنه وقع عليها، فَحَمَلَت فقلتها ودفنها، وهي فيب بيته في مكَانَ كذا وكذا، فجاء أهلها؛ فقالوا: ما نتهمك، ولكن أخبرنا أين دفنتها؟ ومن كَانَ مَعَكَ؟ ففتشوا بيته، فَوَجَدُوهَا حيث دَفَنَها، فأُخِذَ فسُجنَ فجاء الشيطان فقال: إن كنت تريد أن أَخَلِّصك مما أنت فيه وتخرج منه، فَاكْفُر باللهِ، فأطاع الشيطانَ وَكَفَرَ، فأُخِذَ فَقَتِلَ؛ فتبرأ منه الشيطان حنيئذٍ، قال: طاوس: فما أعلم إلا أنَّ هذه الآية أُنزلت فيه. {كَمَثَلِ ٱلشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلإِنسَانِ ٱكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيۤءٌ مِّنكَ إِنِّيۤ أَخَافُ ٱللَّهَ رَبَّ ٱلْعَالَمِينَ}: [الآية: 16]. 3195- حدثنا عبد الرزاق، عن الثَّوري، عن أبي إسحاق، عن ثميك بن عبد الله السلولي، عن عليّ أنَّ رَجُلاً كَانَ يتعبد في صومعة، وأن امرأة كان لها إخوة، فعرض لها شيء، فأتوه بها فزينت له نفسه فوقع عَلَيْهَا فحملت منه، فجاء الشيطان فقال له: اقتلها، فإنهم إنْ ظَهَرُوا عليك افتضحت. فقتلها ودفنها. فجاءُوهُ فأخذوه فَذََهَبُوا به، فبينما هم يمشون إذا جاء الشيطان فقال: إنا الذي زينت لك، فاسجد لي أنجك. قال فسجد له فذلك قوله: {كَمَثَلِ ٱلشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلإِنسَانِ ٱكْفُرْ ...}: [الآية: 16].