٥٩ - ٱلْحَشْر
59 - Al-Hashr (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
18
Tafseer
الرازي
تفسير : ثم إنه تعالى رجع إلى موعظة المؤمنين فقال: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ }. الغد: يوم القيامة سماه باليوم الذي يلي يومك تقريباً له، ثم ذكر النفس والغد على سبيل التنكير. أما الفائدة في تنكير النفس فاستقلال الأنفس التي تنظر فيما قدمت للآخرة كأنه قال: فلتنظر نفس واحدة في ذلك، وأما تنكير الغد فلتعظيمه وإبهام أمره كأنه قيل: الغد لا يعرف كنهه لعظمه. ثم قال: {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ } كرر الأمر بالتقوى تأكيداً أو يحمل الأول: على أداء الواجبات والثاني: على ترك المعاصي.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ} في أوامره ونواهيه، وأداء فرائضه واجتناب معاصيه. {وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ} يعني يوم القيامة. والعرب تكني عن المستقبل بالغد. وقيل: ذِكْر الغَدِ تنبيهاً على أن الساعة قريبة؛ كما قال الشاعر:شعر : وإن غـداً للناظـرين قـريب تفسير : وقال الحسن وقتادة: قرّب الساعة حتى جعلها كغَدٍ. ولا شك أن كل آتٍ قريبٌ؛ والموت لا محالة آتٍ. ومعنى «ما قَدَّمت» يعني من خير أو شر. {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ} أعاد هذا تكريراً، كقولك: اعجل اعجل، اِرْم اِرْم. وقيل التقوى الأولى التوبة فيما مضى من الذنوب، والثانية اتقاء المعاصي في المستقبل. {إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} قال سعيد بن جبير: أي بما يكون منكم. والله أعلم.
البيضاوي
تفسير : {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ } ليوم القيامة سماه به لدنوه أو لأن الدنيا كيوم والآخرة كغده، وتنكيره للتعظيم وأما تنكير النفس فلاستقلال الأنفس النواظر فيما قدمن للآخرة كأنه قال: فلتنظر نفس واحدة في ذلك. {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ} تكرير للتأكيد، أو الأول في أداء الواجبات لأنه مقرون بالعمل والثاني في ترك المحارم لاقترانه بقوله: {إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} وهو كالوعيد على المعاصي. {وَلاَ تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ نَسُواْ ٱللَّهَ } نسوا حقه. {فَأَنسَـٰهُمْ أَنفُسَهُمْ} فجعلهم ناسين لها حتى لم يسمعوا ما ينفعها ولم يفعلوا ما يخلصها، أو أراهم يوم القيامة من الهول ما أنساهم أنفسهم. {أُولَـئِكَ هُمُ ٱلْفَـٰسِقُونَ} الكاملون في الفسوق. {لاَ يَسْتَوِى أَصْحَـٰبُ ٱلنَّارِ وَأَصْحَـٰبُ ٱلْجَنَّةِ} الذين استكملوا نفوسهم فاستأهلوا الجنة والذين استمهنوها فاستحقوا النار، واحتج به أصحابنا على أن المسلم لا يقتل بالكافر. {أَصْحَـٰبُ ٱلْجَنَّةِ هُمُ ٱلْفَائِزُونَ} بالنعيم المقيم. {لَوْ أَنزَلْنَا هَـٰذَا ٱلْقُرْءانَ عَلَىٰ جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَـٰشِعاً مُّتَصَدّعاً مّنْ خَشْيَةِ ٱللَّهِ } تمثيل وتخييل كما مر في قوله: {أية : إِنَّا عَرَضْنَا ٱلأَمَانَةَ }تفسير : [الأحزاب: 72] ولذلك عقبه بقوله: {وَتِلْكَ ٱلأَمْثَـٰلُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} فإن الإِشارة إليه وإلى أمثاله. والمراد توبيخ الإِنسان على عدم تخشعه عند تلاوة القرآن لقساوة قلبه وقلة تدبره، والتصدع التشقق. وقرىء «مصدعاً» على الإِدغام. {هُوَ ٱللَّهُ ٱلَّذِى لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ عَالِمُ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَـٰدَةِ } ما غاب عن الحس من الجواهر القدسية وأحوالها، وما حضر له من الأجرام وأعراضها، وتقديم {ٱلْغَيْبَ } لتقدمه في الوجود وتعلق العلم القديم به، أو المعدوم والموجود، أو السر والعلانية. وقيل الدنيا والآخرة. {هُوَ ٱلرَّحْمَـٰنُ ٱلرَّحِيمُ}. {هُوَ ٱللَّهُ ٱلَّذِى لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ٱلْمَلِكُ ٱلْقُدُّوسُ} البالغ في النزاهة عما يوجب نقصاناً. وقرىء بالفتح وهو لغة فيه. {ٱلسَّلَـٰمُ} ذو السلامة من كل نقص وآفة، مصدر وصف به للمبالغة. {ٱلْمُؤْمِنُ} واهب الأمن، وقرىء بالفتح بمعنى المؤمن به على حذف الجار. {ٱلْمُهَيْمِنُ} الرقيب الحافظ لكل شيء مفيعل من الأمن قلبت همزته هاء. {ٱلْعَزِيزُ ٱلْجَبَّارُ} الذي جبر خلقه على ما أراده، أو جبر حالهم بمعنى أصلحه. {ٱلْمُتَكَبّرُ} الذي تكبر عن كل ما يوجب حاجة أو نقصاناً. {سُبْحَـٰنَ ٱللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ} إذ لا يشركه في شيء من ذلك. {هُوَ ٱللَّهُ ٱلْخَـٰلِقُ} المقدر للأشياء على مقتضى حكمته. {البَارِيءُ} الموجد لها بريئاً من التفاوت. {ٱلْمُصَوّرُ} الموجد لصورها وكيفياتها كما أراد. (ومن أراد الإِطناب في شرح هذه الأسماء وأخواتها فعليه بكتابي المسمى بمنتهى المنى). {لَهُ ٱلأَسْمَاء ٱلْحُسْنَىٰ} لأنها دالة على محاسن المعاني. {يُسَبّحُ لَهُ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ} لتنزهه عن النقائص كلها. {وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ} الجامع للكمالات بأسرها فإنها راجعة إلى الكمال في القدرة والعلم. عن النبي صلى الله عليه وسلم «حديث : من قرأ سورة الحشر غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر».
ابن كثير
تفسير : قال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة عن عون بن أبي جحيفة عن المنذر بن جرير عن أبيه قال: كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلمفي صدر النهار، قال: فجاءه قوم حفاة عراة، محتابي النمار أو العباء، متقلدي السيوف، عامتهم من مضر، بل كلهم من مضر، فتغير وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم لما رأى بهم من الفاقة، قال: فدخل ثم خرج، فأمر بلالاً فأذن وأقام الصلاة، فصلى ثم خطب فقال: «حديث : {يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمُ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ} إلى آخر الآية: {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً} [النساء:1] وقرأ الآية التي في الحشر: {وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ} تصدَّق رجل من ديناره، من درهمه، من ثوبه، من صاع بره، من صاع تمره ــــ حتى قال ــــ ولو بشق تمرة» تفسير : قال: فجاء رجل من الأنصار بصرة كادت كفه تعجز عنها، بل قد عجزت،ثم تتابع الناس حتى رأيت كومين من طعام وثياب، حتى رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يتهلل وجهه كأنه مذهبة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : من سن في الإسلام سنة حسنة، فله أجرها وأجر من عمل بها بعده من غير أن ينقص من أجورهم شيء، ومن سن في الإسلام سنة سيئة، كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من غير أن ينقص من أوزارهم شيء» تفسير : انفرد بإخراجه مسلم من حديث شعبة، بإسناده مثله. فقوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ} أمر بتقواه، وهو يشمل فعل ما به أمر، وترك ما عنه زجر. وقوله تعالى: {وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ} أي: حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وانظروا ماذا ادخرتم لأنفسكم من الأعمال الصالحة ليوم معادكم وعرضكم على ربكم، {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ} تأكيد ثان {إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} أي: اعلموا أنه عالم بجميع أعمالكم وأحوالكم، لا تخفى عليه منكم خافية، ولا يغيب عنه من أموركم جليل ولا حقير. وقوله تعالى: {وَلاَ تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ نَسُواْ ٱللَّهَ فَأَنسَـٰهُمْ أَنفُسَهُمْ} أي: لا تنسوا ذكر الله تعالى، فينسيكم العمل لمصالح أنفسكم التي تنفعكم في معادكم، فإن الجزاء من جنس العمل، ولهذا قال تعالى: {أُولَـٰئِكَ هُمُ ٱلْفَـٰسِقُونَ} أي: الخارجون عن طاعة الله، الهالكون يوم القيامة، الخاسرون يوم معادهم؛ كما قال تعالى: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لاَ تُلْهِكُمْ أَمْوَٰلُكُمْ وَلاَ أَوْلَـٰدُكُمْ عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْخَـٰسِرُونَ}تفسير : [المنافقون: 9]. وقال الحافظ أبو القاسم الطبراني: حدثنا أحمد بن عبد الوهاب بن نجدة الحوطي، حدثنا المغيرة، حدثنا جرير بن عثمان عن نعيم بن نمحة قال: كان في خطبة أبي بكر الصديق رضي الله عنه: أما تعلمون أنكم تغدون وتروحون لأجل معلوم؟ فمن استطاع أن يقضي الأجل، وهو في عمل الله عز وجل، فليفعل، ولن تنالوا ذلك إلا بالله عز وجل، إن قوماً جعلوا آجالهم لغيرهم، فنهاكم الله عز وجل أن تكونوا أمثالهم، {وَلاَ تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ نَسُواْ ٱللَّهَ فَأَنسَـٰهُمْ أَنفُسَهُمْ}، أين من تعرفون من إخوانكم؟ قدموا على ما قدموا في أيام سلفهم، وخلوا بالشقوة والسعادة، وأين الجبارون الأولون الذي بنوا المدائن وحصنوها بالحوائط؟ قد صاروا تحت الصخر والآبار، هذا كتاب الله، لا تفنى عجائبه، فاستضيئوا منه ليوم ظلمة، واستضيئوا بسنائه وبيانه، إن الله تعالى أثنى على زكريا وأهل بيته فقال تعالى: {أية : إِنَّهُمْ كَانُواْ يُسَارِعُونَ فِى ٱلْخَيْرَٰتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً وَكَانُواْ لَنَا خـٰشِعِينَ} تفسير : [الأنبياء: 90] لا خير في قول لا يراد به وجه الله، ولا خير في مال لا ينفق في سبيل الله، ولا خير فيمن يغلب جهله حلمه، ولا خير فيمن يخاف في الله لومة لائم. هذا إسناد جيد، ورجاله كلهم ثقات، وشيخ حريز بن عثمان، وهو نعيم بن نمحة، لا أعرفه بنفي ولا إثبات، غير أن أبا داود السجستاني قد حكم بأن شيوخ حريز كلهم ثقات، وقد روي لهذه الخطبة شواهد من وجوه أخر، والله أعلم. وقوله تعالى: {لاَ يَسْتَوِىۤ أَصْحَـٰبُ ٱلنَّارِ وَأَصْحَـٰبُ ٱلْجَنَّةِ} أي: لا يستوي هؤلاء وهؤلاء في حكم الله تعالى يوم القيامة؛ كما قال تعالى: {أية : أَمْ حَسِبَ ٱلَّذِينَ ٱجْتَرَحُواْ ٱلسَّيِّئَـٰتِ أَن نَّجْعَلَهُمْ كَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ سَوَآءً مَّحْيَـٰهُمْ وَمَمَـٰتُهُمْ سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ} تفسير : [الجاثية: 21] وقال تعالى: {أية : وَمَا يَسْتَوِى ٱلأَعْـمَىٰ وَٱلْبَصِيرُ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ وَلاَ ٱلْمُسِىۤءُ قَلِيـلاً مَّا تَتَذَكَّرُونَ} تفسير : [غافر: 58] وقال تعالى: {أية : أَمْ نَجْعَلُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ كَٱلْمُفْسِدِينَ فِى ٱلأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ ٱلْمُتَّقِينَ كَٱلْفُجَّارِ} تفسير : [ص: 28]. في آيات أخر دالات على أن الله تعالى يكرم الأبرار، ويهين الفجار، ولهذا قال تعالى ههنا: {أَصْحَـٰبُ ٱلْجَنَّةِ هُمُ ٱلْفَآئِزُونَ} أي: الناجون المسلمون من عذاب الله، عز وجل.
المحلي و السيوطي
تفسير : {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ } ليوم القيامة {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ }.
الماوردي
تفسير : {يأيها الذين ءامنوا اتقوا الله} روى معن أو عون ابن مسعود أن رجلاً أتاه فقال: اعهد لي، فقال: إذا سمعت الله يقول: {يأيها الين ءامنوا} فأرعها سمعك فإنه خير تؤمر به أو شر تنهى عنه. وفي هذه التقوى وجهان: أحدهما: اجتناب المنافقين. الثاني: هو اتقاء الشبهات. {ولتنظر نفس ما قدمت لغد} قال ابن زيد: ما قدمت من خير أو شر. {لغد} يعني يوم القيامة والأمس: الدنيا. قال قتادة: إن ربكم قدم الساعة حتى جعلها لغد. {واتقوا الله} في هذه التقوى وجهان: أحدهما: أنها تأكيد للأولى. والثاني: أن المقصود بها مختلف وفيه وجهان: أحدهما: أن الأولى التوبة مما مضى من الذنوب، والثانية اتقاء المعاصي في المستقبل. الثاني: أن الأولى فيما تقدم لغد، الثانية فيما يكون منكم. {إن الله خبير بما تعملون} فيه وجهان: أحدهما: أن الله خبير بعملكم. الثاني: خبير بكم عليم بما يكون منكم، وهو معنى قول سعيد بن جبير. {ولا تكونوا كالذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم} فيه أربعة أوجه: أحدها: نسوا الله أي تركوا أمر الله، فأنساهم أنفسهم أن يعملوا لها خيراً، قاله ابن حبان. الثاني: نسوا حق الله فأنساهم حق أنفسهم، قاله سفيان. الثالث: نسوا الله بترك شكره وتعظيمه فأنساهم أنفسهم بالعذاب أن يذكر بعضهم بعضاً، حكاه ابن عيسى. الرابع: نسوا الله عند الذنوب فأنساهم أنفسهم عند التوبة، قاله سهل. ويحتمل خامساً: نسوا الله في الرخاء فأنساهم أنفسهم في الشدائد. {أولئك هم الفاسقون} فيه تأويلان: أحدهما: العاصون: قاله ابن جبير. الثاني: الكاذبون، قاله ابن زيد. {لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة} يحتمل وجهين: أحدهما: لا يستوون في أحوالهم، لأن أهل الجنة في نعيم، وأهل النار في عذاب. الثاني: لا يستوون عند الله، لأن أهل الجنة من أوليائه، وأهل النار من أعدائه. {أصحاب الجنة هم الفائزون} فيه وجهان: أحدهما: المقربون المكرمون. الثاني: الناجون من النار، قاله ابن حبان.
ابن عطية
تفسير : هذه آية وعظ وتذكير وتقريب للآخرة، وتحذير ممن لا تخفى عليه خافية. وقرأ جمهور الناس: "ولْتنظرْ" بسكون اللام وجزم الراء على الأمر، وقرأ يحيى بن الحارث وأبو حيوة وفرقة كذلك بالأمر إلا أنها كسرت اللام على أصل لام الأمر، وقرأ الحسن بن أبي الحسن فيما روي عنه: "ولتنظرَ" بنصب الراء على لام كي كأنه قال وأمرنا بالتقوى لتنظروا، كأنه قال: {اتقوا الله} ولتكن تقواكم "لتنظرَ"، وقوله تعالى: {لغد} يريد يوم القيامة، قال قتادة: قرب الله القيامة حتى جعلها غداً، وذلك أنها آتية لا محالة وكل آت قريب، ويحتمل أن يريد بقوله {لغد}: ليوم الموت، لأنه لكل إنسان كغده ومعنى الآية: ما قدمت من الأعمال، فإذا نظرها الإنسان تزيد من الصالحات، وكف عن السيئات، وقال مجاهد وابن زيد: الأمس: الدنيا، وغد: الآخرة، وقرأ الجمهور: "ولا تكونوا" بالتاء من فوق على مخاطبة جميع الذين آمنوا، وقرأ أبو حيوة "يكونوا" بالياء من تحت كناية عن النفس التي هي اسم الجنس، و {الذين نسوا الله} هم الكفار، والمعنى: تركوا الله وغفلوا عنه، حتى كانوا كالناسين، وعبر عما حفهم به من الضلالة بـ {فأنساهم أنفسهم} سمى عقوبتهم باسم ذنبهم بوجه ما، وهذا أيضاً هو الجزاء على الذنب بالذنب تكسبوهم نسيان جهة الله فعاقبهم الله تعالى بأن جعلهم ينسون أنفسهم، قال سفيان: المعنى حظ أنفسهم، ويعطي لفظ هذه الآية، أن من عرف نفسه ولم ينسها عرف ربه تعالى، وقد قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: اعرف نفسك تعرف ربك، وروي عنه أنه قال أيضاً: من لم يعرف نفسه لم يعرف ربه. وقرأ ابن مسعود: "ولا أصحاب الجنة" بزيادة لا. وقوله تعالى: {لو أنزلنا هذا القرآن} الآية، موعظة للإنسان أو ذم لأخلاقه في غفلته وإعراضه عن داعي الله تعالى، وذلك أن القرآن نزل عليهم وفهموه وأعرضوا عنه، وهو لو نزل على جبل وفهم الجبل منه ما فهم الإنسان لخشع واستكان وتصدع خشية لله تعالى، وإذا كان الجبل على عظمه وقوته يفعل هذا فما عسى أن يحتاج ابن آدم يفعل؟ لكنه يعرض ويصد على حقارته وضعفه، وضرب الله تعالى هذا المثل ليتفكر فيه العاقل ويخشع ويلين قلبه، وقرأ طلحة بن مصرف "مصدعاً" على إدغام التاء في الصاد.
ابن عبد السلام
تفسير : {اتَّقُواْ اللَّهَ} باجتناب المنافقين، أو اتقاء الشبهات {لِغَدٍ} يوم القيامة، قربه حتى جعله كالغد {وَاتَّقُواْ اللَّهَ} تأكيد للأولى أو الأولى التوبة فيما مضى والثانية ترك المعصية في المستقبل، أو الأولى فيما تقدم لغد والثانية فيما يكون منكم {بِمَا تَعْمَلُونَ} بعملكم، أو بما يكون منكم.
الخازن
تفسير : قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد} أي لينظر أحدكم إلى شيء قدم لنفسه من الأعمال عملاً صالحاً ينجيه أم سيئاً يوبقه والمراد بالغد يوم القيامة وقربه على الناس كان يوم القيامة يأتي غداً وكل ما هو آت فهو قريب، {واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون} قيل كرر الأمر بالتقوى تأكيداً وقيل معنى الأول اتقوا الله في أداء الواجبات ومعنى الثاني واتقوا الله فلا تأتوا المنهيات {ولا تكونوا كالذين نسوا الله} أي تركوا أمر الله {فأنساهم أنفسهم} أي أنساهم حظوظ أنفسهم حتى لم يقدموا لها خيراً ينفعها وعنده {أولئك هم الفاسقون لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة أصحاب الجنة هم الفائزون} لما أرشد المؤمنين إلى ما يصلحهم بقوله "ولتنظر نفس ما قدمت لغد هدد الكافرين بقوله نسوا الله فأنساهم أنفسهم بين الفرق بين الفريقين بقوله لا يستوي أصحاب النار يعني الذين هم في العذاب الدائم وأصحاب الجنة يعني الذين هم في النعيم المقيم ثم أتبعه بقوله أصحاب الجنة هم الفائزون ومعلوم أن من جعل له النعيم المقيم فقد فاز فوزاً عظيماً. قوله تعالى: {لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعاً متصدعاً من خشية الله} قيل معناه أنه لو جعل في الجبل تمييزاً وعقلاً كما جعل فيكم وأنزل عليه القرآن لخشع أي تطأطأ وخضع وتشقق وتصدع من خشية الله والمعنى أن الجبل مع صلابته ورزانته مشقق من خشية الله، وحذر من أن لا يؤدي حق الله تعالى في تعظيم القرآن والكافر مستخف بحقه معرض عما فيه من العبر والأحكام كأنه لم يسمعها. وصفه بقساوة القلب فهو غافل عما يتضمنه القرآن من المواعظ والأمثال والوعيد وتمييز الحق من الباطل والواجب مما لا يجب بأحسن بيان وأوضح برهان ومن وقف على هذا وفهمه أوجب له الخشوع والخشية وهذا تمثيل لأن الجبل لا يتصور منه الخشوع والخشية إلا أن يخلق الله تعالى له تمييزاً وعقلاً يدل على أنه تمثيل. قوله تعالى: {وتلك الأمثال نضربها للناس لعلهم يتفكرون} أي الغرض من هذا التمثيل التنبيه على فساد قلوب هؤلاء الكفار وقساوتها وغلظ طباعهم. ولما وصف القرآن بالعظم أتبعه بوصف عظمته فقال تعالى: {هو الله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة} يعني أنه تعالى أعلم بما غاب عن العباد مما لم يعاينوه ولم يعلموه وعلم ما شاهدوه وما علموه وقيل استوى في علمه تعالى السر والعلانية والموجود والمعدوم وقيل علم حال الدنيا والآخرة {هو الرحمن الرحيم} اسمان مشتقان اشتقاقهما من الرحمة وهما صفتان لله تعالى ومعناهما ذو الرحة ورحمة الله إرادته الخير والنعمة والإحسان إلى خلقه وقيل إن الرحمن أشد مبالغة من الرحيم ولهذا قيل هو رحمن الدنيا ورحيم الآخرة لأن إحسانه تعالى في الدنيا يعم المؤمن والكافر وفي الآخرة يختص إحسانه وإنعامه بالمؤمنين {هو الله الذي لا إله إلا هو الملك} أي المتصرف بالأمر والنهي في جميع خلقه المالك لهم فهم تحت ملكه وقهره وإرادته {القدوس} أي الطاهر عن كل عيب المنزه عما لا يليق به وقيل هو الذي كثرت بركته {السلام} أي الذي سلم من النقائص وكل آفة تلحق الخلق. فإن قلت على هذا التفسير لا يبقى بين القدوس والسلام فرق فيكون كالتكرار وذلك لا يليق بفصاحة القرآن. قلت الفرق بينهما أن القدوس إشارة إلى براءته عن جميع العيوب والنقائص في الماضي والحاضر والسلام إشارة إلى أنه لا يطرأ عليه شيء من العيوب والنقائص في المستقبل فإن الذي يطرأ عليه شيء من ذلك تزول سلامته ولا يبقى سليماً وقيل السلام أي سلم خلقه ممن ظلمه، {المؤمن} قال ابن عباس هو الذي أمن الناس من ظلمه وأمن من آمن به من عذابه وقيل هو المصدق لرسله بإظهار المعجزات لهم والمصدق للمؤمنين بما وعدهم من الثواب وبما أوعد الكافرين من العذاب {المهيمن} قال ابن عباس أي الشهيد على عباده بأعمالهم الذي لا يغيب عنه شيء وقيل هو القائم على خلقه برزقه وأنشد في معناه: شعر : ألا إن خير الناس بعد نبيه مهيمنه التاليه في العرب والنكر تفسير : أي القائم على الناس بعده وقيل هو الرقيب الحافظ، وقيل هو المصدق وقيل هو القاضي وقيل هو بمعنى الأمين والمؤتمن وقيل بمعنى العلي ومنه قول العباس يمدح النبي صلى الله عليه وسلم في أبيات منها: شعر : حتى احتوى بينك المهيمن من خندف علياً زانها النطق تفسير : وقيل: المهيمن اسم من أسماء الله تعالى هو أعلم بتأويله وأنشدوا في معناه: شعر : جل المهيمن عن صفات عبيده ولقد تعالى عن عقول أولي النهى راموا بزعمهم صفات مليكهم والوصف يعجز عن مليك لا يرى تفسير : {العزيز} أي الذي لا يوجد له نظير وقيل الغالب القاهر{الجبار} قال ابن عباس الجبار هو العظيم وجبروت الله عظمته فعلى هذا هو صفة ذات وقيل هو من الجبر يعني الذي يغني الفقير ويجبر الكسير فعلى هذا هو صفة فعل وهو سبحانه وتعالى كذلك يجبر كل كسير ويغني كل فقير وقيل هو الذي يجبر الخلق ويقهرهم على ما أراد: وسئل بعضهم عن معنى الجبار فقال هو القهار الذي إذا أراد أمراً فعله لا يحجزه عنه حاجز وقيل الجبار هو الذي لا ينال ولا يداني والجبار في صفة الله تعالى صفة مدح وفي صفة الناس ذم وكذلك {المتكبر} في صفة الناس صفة ذم لأن المتكبر هو الذي يظهر من نفسه الكبر وذلك نقص في حقه لأنه ليس له كبر ولا علو بل له الحقارة والذلة فإذا أظهر الكبر كان كذاباً في فعله فكان مذموماً في حق الناس وأما المتكبر في صفة الله تعالى فهو صفة مدح لأن له جميع صفات العلو والعظمة ولهذا قال في آخر الآية {سبحان الله عما يشركون} كأنه قيل إن بعض الخلق يتكبر فيكون ذلك نقصاً في حقه أما الله تعالى فله العلو والعظمة والعزة والكبرياء فإن أظهر ذلك كان ضم كمال إلى كمال قال ابن عباس المتكبر هو الذي تكبر بربوبيته فلا شيء مثله وقيل هو الذي تكبر عن كل سوء وقيل هو المتعظم عما لا يليق بجماله وجلاله وقيل هو المتكبر عن ظلم عباده وقيل الكبر والكبرياء الامتناع، وقيل هو ذو الكبرياء وهو الملك سبحان الله عما يشركون أي من ادعاء الكبر لأنفسهم.
الثعالبي
تفسير : وقوله سبحانه {يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ...} الآية: هذه آية وعظ وتذكير، وتقريبٍ للآخرة، وتحذيرٍ مِمَّنْ لا تخفى عليه خافيةٌ، وقوله تعالى: {لِغَدٍ}: يريد يوم القيامة، والذين نسوا اللَّه: هم الكفار، والمعنى: تركوا اللَّه وغفلوا عنه، حَتَّى كانوا كالناسين، فعاقبهم بأَنْ [جعلهم] ينسون أنفسهم، وهذا هو الجزاء على الذنب بالذنب، قال سفيان: المعنى: حَظَّ أنفسهم، ويُعْطِي لفظُ الآية أَنَّ مَنْ عرف نفسه ولم يَنْسَهَا عَرَفَ رَبَّهُ تعالى، وقد قال عليُّ بن أبي طالب، ـــ رضي اللَّه عنه ـــ: اعْرِفْ نفسك تَعْرِفْ ربك، وروي عنه أَيضاً أَنَّه قال: مَنْ لم يعرفْ نفسه، لم يعْرف ربه.
البقاعي
تفسير : ولما أبلغ سبحانه في المواعظ في هذه السورة قولاً وفعلاً، وكانت الإيقاعات المذكورة فيها مسببة عن الخيانات ممن كان له عهد فنقضه، أو ممن كان أظهر الإيمان فأبان فعله كذبه، قال سبحانه وتعالى استنتاجاً عن ذلك وعظاً للمؤمنين لأن الوعظ بعد المصائب أوقع في النفس وأعظم في ترقيق القلب وتحذيره مما يوجب العقوبة: {يا أيها الذين آمنوا} منادياً لهم نداء البعد معبراً بأدنى أسنان الإيمان لأنه عقب ذكر من أقر بلسانه فقط {اتقوا الله} أي اجعلوا لكم وقاية تقيكم سخط الملك الأعظم الذي لا أمر لأحد معه ولا بد أن يستعرض عبيده، فاحذروا عقوبته بسب التقصير فيما حده لكم من أمر أو نهي {ولتنظر نفس} أي كل نفس تنظر إلى نفاستها وتريد العلو على أقرانها، ولعله وحدها للإشارة مع إفادة التعميم إلى قلة الممثل لهذا الأمر جداً {ما قدمت} أي من الزاد الذي يكون به صلاح المنزل الذي من لم يسع في إصلاحه لم يكن له راحة، هل يرضي الملك ما قدمته فينجيها أو يغضبه فيرديها. ولما كان الأجل مبهم الوقت، فكان لقاء الله في كل يوم بل كل لحظة للعاقل مترقباً لكونه ممكناً مع كونه على الإطلاق محققاً لا يجهله أحد، قال مشيراً بتنكيره وإبهامه إلى تهويله وإعظامه: {لغد} أي لأجل العرض بعد الموت أو في يوم القيامة الذي هو في غاية القرب لأن هذه الدنيا كلها يوم واحد يجيء فيه ناس ويذهب آخرون، والموت أو الآخرة غده، لا بد من كل منهما، وكل ما لا بد منه فهو في غاية القرب لا سيما إن كان باقياً غير منقض، وكل من نظر لغده أحسن مراعاة يومه، وتنوينه للتعظيم من جهات لا تحصى. ولما أمر بتقواه سبحانه خوفاً من سطواته أمر بتقواه لأجل مراقبته حياء من جلالته وهيبته تأكيداً للأمر لأن مدار النجاة على التقوى لأن مكايد الشيطان دقيقة، فمن لم يبالغ في محاسبة نفسه وتفقد ما يمكن أن يكون من الخلل في أعماله أوشك أن يحبط الشيطان أعماله فقال تعالى: {واتقوا الله} أي الجامع لجميع صفات الكمال أي اتقوه حياء منه، فالتقوى الأولى لإيجاد صور الأعمال، وهذه لتصفيتها وتزكية أرواحها، ولذلك علل بقوله مرغباً مرهباً: {إن الله} أي الذي له الأسماء الحسنى والصفات العلى {خبير} أي عظيم الاطلاع على ظواهركم وبواطنكم والإحاطة {بما تعملون *} فلا تعملون عملاً إلا كان بمرأى منه ومسمع فاستحيوا منه، وكرر الاسم الأعظم كراهية أن يظن تقييد التقوى بحيثية من الحيثيات تعظيماً لهذا المقام إعلاماً بأن شؤونه لا تنحصر وأن إحاطته لا تخص مقاماً دون مقام ولا شأناً سوى شأن. ولما هز إلى تقواه تارة بالخوف وأخرى بالحياء تأكيداً لها، وعلل ذلك بما له شعبة من التحذير، وكان الإنسان لما له من النسيان أحوج إلى التحذير، قال مؤكداً لشعبته وإيضاحاً لأن التقوى الثانية لمحاسبة النفس في تصفية العمل: {ولا تكونوا} أيها المحتاجون إلى التحذير وهم الذي آمنوا {كالذين نسوا الله} أي أعرضوا عن أوامره ونواهيه وتركوها ترك الناسين لمن برزت عنه مع ما له من صفات الجلال والإكرام لما استغواهم به من أمره الشيطان حتى أبعدهم جداً عن العمران {فأنساهم} أي فتسبب عن ذلك أن أنساهم بما له من الإحاطة بالظواهر والبواطن {أنفسهم} فلم يقدموا لها ما ينفعها وإن قدموا شيئاً كان مشوباً بالمفسدات من الرياء والعجب، فكانوا مما قال فيه. سبحانه وتعالى{أية : وجوه يومئذ خاشعة عاملة ناصبة تصلى ناراً حامية تسقى من عين آنية} تفسير : [الغاشية: 2 - 3 - 4 - 5] لأنهم لم يدعوا باباً من أبواب الفسق فإن رأس الفسق الجهل بالله، ورأس العلم ومفتاح الحكمة معرفة النفس، فأعرف الناس بنفسه أعرفهم بربه "من عرف نفسه فقد عرف ربه". ولما كانت ثمرة ذلك أنهم أضاعوها - أي التقوى - فهلكوا قال: {أولئك} أي البعيدون من كل خير {هم} أي خاصة دون غيرهم {الفاسقون *} أي العريقون في المروق من دائرة الدين. ولما تم الدليل على أن حزب الله هم المفلحون لما أيدهم به في هذه الحياة الدنيا من النصر والشدة على الأعداء واللين والمعاضدة للأولياء وسائر الأفعال الموصلة إلى جنة المأوى، وصرح في آخر الدليل بخسران حزب الشيطان فعلم أن لهم مع هذا الهوان عذاب النيران، وكان المغرور بعد هذا بالدنيا الغافل عن الآخرة لأجل شهوات فانية وحظوظ زائلة عاملاً عمل من يعتقد أنه لا فرق بين الشقي بالنار والسعيد بالجنة لتجشمه التجرع لمرارات الأعمال المشتملة عليها، أشج ذلك قوله منزلاً لهم منزلة الجازم بذلك أو الغافل عنه تنبيهاً لهم على غلطهم وإيقاظاً من غفلتهم: {لا يستوي} أي بوجه من الوجوه {أصحاب النار} التي هي محل الشقاء الأعظم {وأصحاب الجنة} التي هي دار النعيم الأكبر لا في الدنيا ولا في الآخرة وهي من أدلة أنه لا يقتل مسلم بكافر. ولما كان نفي الاستواء غير معلم في حد ذاته بالأعلى من الأمرين، كان هذا السياق معلماً بما حفه من القرائن بعلو أهل الجنة، صرح به في قوله: {أصحاب الجنة هم} أي خاصة {الفائزون *} المدركون لكل محبوب الناجون من كل مكروه، وأصحاب النار هم الهالكون في الدارين كما وقع في هذه الغزوة لفريقي المؤمنين وبني النضير ومن والاهم من المنافقين، فشتان ما بينهما. ولما كان قد مر في هذه السورة فضلاً عما تقدمها من حكمة هذا القرآن وإعجازه تارة بمطابقته لما نزل بسببه مطابقة تجلو عنه كل إشكال، وتارة بما يشاهد من صدقه فيما أخبر بإتيانه من الأفعال، وأخرى بما يتحدى به من الأقوال، ومرة بنظم كل جملة مع ما تقدمها على ما لم يكن لبشر مثله في الأحوال إلى غير ذلك من أمور لا يحصرها المقال، ترتب على ذلك قوله مبيناً أن سبب افتراق الفريقين في العقبى افتراقهم في هذا القرآن في الأولى تمثيلاً للقلوب في قسوتها أو لينها عند سماع القرآن وتخيلاً توبيخاً للقاسي ومدحاً للعاطف اللين لافتاً القول إلى أسلوب العظمة لاقتضاء الحال لها: {لو أنزلنا} بعظمتنا التي أبانها هذا الإنزال {هذا القرآن} أي الجامع لجميع العلوم، الفارق بين كل ملتبس - المبين لجميع الحكم {على جبل} أي أي جبل كان {لرأيته} مع صلابته وفوته يا أشرف الخلق إن لم يتأهل غيرك لمثل تلك الرؤية {خاشعاً} أي مطمئناً مخبتاً على صلابته متذللاً باكياً {متصدعاً} أي متشققاً غاية التشقق كما تصدع الطور لتجلينا له بما دون ذلك من العظمة التي جلونا كلامنا الشريف لموسى عليه السلام في ملابسها {من خشية الله} أي من الخوف العظيم من له الكمال كله حذراً من أن لا يكون مؤدياً ما افترض عليه من تعظيم القرآن عند سماعه فما لابن لآدم وقد آتاه الله من العقل ما لم يؤت الجبل يستخف بحقه، ويعرض عما فيه من العبر، وفي الآية مدح للنبي صلى الله عليه وسلم في ثباته لما لا تثبت له الجبال، وذم للمعرضين بكونهم أقسى من الجبال. ولما كان التقدير تبكيتاً وتوبيخاً لمن لم يرق للقرآن{أية : أفلم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق}تفسير : [الحديد: 16] فإنا قد فصلنا لهم الحلال والحرام والأمر والنهي وأوضحنا الحكم ودللنا على المتشابه وقصصنا الأقاصيص بعد جعلهم عقلاء ناطقين، فتلك أقاصيص الماضين لعلهم يعتبرون عطف عليه قوله: {وتلك الأمثال} أي التي لا يضاد فيها شيء {نضربها للناس} أي الذي يحتاجونها وهم من فيهم تذبذب واضطراب {لعلهم يتفكرون *} أي لتكون حالهم عند من ينظرهم حال من يرجى تفكره في تلك الأمثال فينفعه ذلك إذا أراد التفكر إلى التذكر فرأى تنبيه الرسول صلى الله عليه وسلم له أن كل ما في القرآن من شيء فيه مشاهد منه متطابق له كتاب الخلق وكتاب الأمر فتخلى عن الشهوات البهيمية فنجا من الحظوظ النفسية فتحلى بالملابس الروحانية فصار بالمجاهدات والمنازلات إلى الصفات الملكية فكان أهلاً للمقامات القدسية في الجنان العلية.
التستري
تفسير : قوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ}[18] قال: يسأل الله تعالى العبد عن حق نفسه، وحق العلم الذي بينه وبين ربه، وحق العقل، فمن كان له فليؤدِّ حق نفسه وحق العلم الذي بينه وبين ربه بحسن النظر لنفسه في عاقبة أمره. وحكي عن الحسن أنه قال: إذا مات ابن آدم قالت بنو آدم: ما ترك، وقالت الملائكة: ما قدم؟
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ} [الآية: 18]. قال أبو عثمان: من نظر لغده أحسن مراعاة يومه ومن غفل عن غده أهمل أوقاته وساعاته أولئك هم الخاسرون. قال بعضهم: أهل التقوى شغلهم بغدهم وبخاتمتهم ونهايتهم وأهل الحقائق شغلهم بأسهم وسابقتهم وبدايتهم وما جرى عليهم فى الأزل وكل منهم على وتيرة صحيحة وطريقة مستقيمة والمغبون من أغفل هاتين الدرجتين.
القشيري
تفسير : قوله جل ذكره: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ}. التقوى الأولى على ذكر العقوبة في الحال والفِكرِ في العملِ خَيْرِه وشَرِّه. والتقوى الثانية تقوى المراقبة والمحاسبة، ومَنْ لا محاسبة له في أعماله ولا مراقبة له في أحواله.. فعَنْ قريب سيفتضح. وعلامةُ مَنْ نَظَرَ لِغدِه أن يُحْسِنَ مراعاةَ يومِه؛ ولا يكون كذلك إلاَّ إذا فَكَّرَ فيما عَمِلَه في أمْسِه والناس في هذا على أقسام: مُفَكِّرٌ في أمْسِه: ما الذي قُسِمَ له في الأزل؟ وآخر مفكِّر في غده: ما الذي يلقاه؟؟ وثالثٌ مُسْتَقِلٌّ بوقته فيما يلزمه في هذا الوقت فهو مُصطََلَمٌ عن شاهده موصولٌ بربِّه، مُنْدَرَجٌ في مذكوره؛ لا يتطلَّعْ لماضيه ولا لمستقبله، فتوقيتُ الوقتِ يشغله عن وقته. قوله جل ذكره: {وَلاَ تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ نَسُواْ ٱللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ أُولَـٰئِكَ هُمُ ٱلْفَاسِقُونَ}. تركوا طاعتَه فَتَرَكُهم في العذاب؛ وهو الخذلان حتى لم يتوبوا {أُولَـٰئِكَ هُمُ ٱلْفَاسِقُونَ}.
اسماعيل حقي
تفسير : {يا أيها الذين آمنوا} ايمانا خالصا {اتقوا الله} فى كل ما تأتون وما تذرون فتحرزوا عن العصيان بالطاعة وتجنبوا عن الكفران بالشكر وتوقوا عن النسيان بالذكر واحذروا عن الاحتجاب عنه بأفعالكم وصفاتكم بشهود افعاله وصفاته {ولتنظر نفس ماقدمت لغد} ما شرطية اى اى شىء قدمت من الاعمال ليوم القيامة، تا ارك تقديم خيرات وطاعت كند شكر كزارى نمايد ودرزيادتى آن كوشد واكر معاصى فرستاده توبه كندو بشيمان شوده عبر عن يوم القيامة بالغد لدنوه لان كل آت قريب يعنى سماه باليوم الذى يلى يومك تقريبا له وعن الحسن رحمه الله لم يزل يقربه حتى جعله كالغد ونحوه قوله تعالى {أية : كأن لم تغن بالأمس}تفسير : يريد تقريب الزمان الماضى او عبر عنه به لان الدنيا اى زمانها كيوم والآخرة كغده لاختصاص كل منهما بأحوال واحكام متشابهة وتعقيب الثانى الاول فقوله لغد استعارة يقول الفقير انما كانت الآخرة كالغد لان الناس فى الدنيا نيام ولا انتباه الا عند الموت الذى هو مقدمة القيامة كما ورد به الخبر فكل من الموت والقيامة كالصباح بالنسبة الى الغافل كما ان الغد صباح بالنسبة الى النائم فى الليل ودل هذا على ان الدنيا ظلمانية والاخرة نوارنية وتنكيره لتفخيمه وتهويله كأنه قيل لغد لايعرف كنهه لغاية عظمه واصله غدو حذفوا الواو بلا عوض واستشهد عليه بقول البيد شعر : وما الناس الا كالديار واهلها بها يوم حلوها وغدوا بلاقع تفسير : اذ جاء به على اصله والبيت من ابيات العبرة واما تنكير نفس فلاستقلال الانفس النواظر فيما قدمن لذلك اليوم الهائل كأنه قيل ولتنظر نفس واحدة فى ذلك قال بعضهم الاستقلال يكون بمعنى عد الشىء قليلا وبمعنى الانفراد فى الامر فعلى الاول يكون المراد استقلال الله النفوس الناطقة كما قال تعالى {أية : لكن اكثر الناس لايعملون} {أية : ولكن اكثرهم يجلهون}تفسير : فكأنه اقيم الأكثر مقام الكل مبالغة فأمر على الوحدة فلا يضره وجود النفس الكاملة العاقلة الناظرة الى العواقب بالنظر الصائب والرأى الثاقب وعلى الثانى يكون المراد انفراد النفوس فى النظر واكتفاءها فيه بدون انضمام نظر الاخرى فى الاطلاع على ماقدمت خيرا او شرا قليلا او كثيرا وجودا او عدما وفيه حث عظيم شعر : جهل من وعلم توفلك راجه تفاوت آنجاكه بصر نيست جه خوبى وجه زشتى تفسير : {واتقوا الله} تكرير للتأكيد والاهتمام فى شأن التقوى واشارة الى ان اللائق بالعبد أن يكون كل امره مسبوقا بالتقوى ومختوما بها او الاول فى اداء الواجبات كما يشعر به مابعده من الامر بالعمل الثانى فى ترك المحارم كما يؤذن به الوعيد بقوله سبحانه {ان الله خبير بما تعملون} اى عالم بما تعملونه من المعاصى فيجزيكم يوم الجزآء عليها، ودر كشف الاسرار فرمه ده كه اول اشارتست باصل تقوى ودوم بكمال آن يا اول تقواى عوامست وآن برهيز كرده باشد از محرمات وسوم تقواى خواص وآن اجتناب بود از هرجه مادون حقست شعر : اصل تقوى كه زاد اين راهست ترك مجموع ماسوى اللهست تفسير : والتقوى هو التجنب عن كل مايؤثم من فعل او ترك وقال بعض البكار التقوى وقاية النفس فى الدنيا عن ترتب الضرر فى الآخرة فتقوى العامة عن ضرر الافعال وتقوى الخاصة عن ضرر الصفات وتقوى اخص الخواص عن جميع ماسوى الله تعالى، عزيزى كفته است كه دنيا سفالى است وآن نيز درخواب وآخرت نيز جوهرى است يافته دربيدارى مردنه آنست كه درسفال بخواب ديده متقى شود مرد مردان آنست كه دركوهر دربيدارى يافته متقى شود فلابد من التقوى مع وجود العمل (قال الصائب) شعر : بى عمل دامن تقى زمناهى جبدن احتراز سك مسلخ بود از شاشه خويش تفسير : وفى الآية ترغيب فى الاعمال الصالحة وفى الأثر "حديث : ان ابن آدم اذا مات قالت الناس ما خلف وقالت الملائكة ماقدم"تفسير : وعن مالك بن دينار رحمه الله مكتوب على باب الجنة وجدنا ماعلمنا ربحنا ماقدمنا خسرنا ماخلفنا شعر : بقدر الكد تكتسب المعالى ومن الطلب العلى سهر الليالى تفسير : (وحكى) عن مالك بن دينار رحمه الله ايضا انه قال دخلت جبانة البصرة فاذا انا بسعدون المجنون فقلت له كيف حالك وكيف أنت فقال يا مالك كيف حال من أصبح وأمسى يريد سفرا بعيدا بلا اهبة ولا زاد ويقدم على رب عدل حاكم بين العباد ثم بكى بكاء شديدا فقلت مايبكيك قال والله مابكيت حرصا على الدنيا ولا جزعا من الموت والبلى لكن بكيت ليوم مضى من عمرى ولم يحسن فيه عملى ابكانى والله قلة الزاد وبعد المسافة والعقبة الكؤود ولا أدرى بعد ذلك اصير الى الجنة ام الى النار فقلت ان الناس يزعمون انك مجنون فقال وأنت أغتررت بما اغتر به بنوا الدنيا زعم الناس انى مجنون ومابى جنة لكن حب مولاى قد خالط قلبى وجرى بين لحمى ودمى فأنا من حبه هائم مشغوف فقلت ياسعدون فلم لا تجالس الناس ولاتخالطهم فأنشد شعر : كن من الناس جانبا وارض بالله صاحبا قلب الناس كيف شئت تجدهم عقاربا تفسير : وفى التأويلات النجمية ياايها الذى آمنوا بالايمان الحقيقى الشهودى الوجودى اجعلوا الله وقاية نفوسكم فى اضافة الكمالات اليه ولتنظر نفس كاملة عارفة بذات الله وصفاته ما هيأت لغد يوم الشهود واتقوا الله عن الالتفات الى غيره ان الله خبير بما تعملون من الاقبال على الله والادبار عن الدنيا ومن الادبار عن الله والاقبال على الدنيا انتهى ويدخل فى قوله نفس النفوس الجنية لانهم من المكلفين فلهم من التقوى والعمل ما للانس كما عرف فى مواضع كثيرة
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحقّ جلّ جلاله: {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله} في كل ما تأتون وتذرون، {ولتنظرْ نَفْس ما قَدَّمَتْ لِغَدٍ} أي: أيّ شيء قدمت من الأعمال الصالحة ليوم القيامة. سمّاه باليوم الذي يلي يومك تقريبًا له، أو عبّر عن الآخرة بالغد، كأنّ الدنيا والآخرة نهاران يوم وغد، وتنكيره لتفخيمه وتهويله، كأنه قيل: لغد لا يعرف كنهه لغاية عِظمه. وعن مالك بن دينار: مكتوب على باب الجنة: وجدنا ما عملنا، ربحنا ما قدّمنا، خسرنا ما خلفنا. {واتقوا اللهَ}، كرر تأكيدًا للأمر بالتقوى، أو الأول في أداء الواجبات، كما يشعر به ما بعده من الأمر بالعمل، وهذا في ترك المعاصي، كما يؤذن به الوعيد في قوله: {إِنَّ الله خبير بما تعملون} أي: من المعاصي. {ولا تكونوا كالذين نَسُوا اللهَ} أي: نسوا حقوقه تعالى أو: تركوا ذكره، {فأنساهم أنفسهم}؛ فأهملهم ولم يذكرهم بتوفيقِ ولا هداية، أو: جعلهم ناسين لها حتى لم يسمعوا ما ينفعها، ولم يفعلوا ما يخلصها، أو: أراهم يوم القيامة من الأهوال ما أنساهم أنفسهم، {أولئك هم الفاسقون}؛ الكاملون في الفسق. {لا يستوي أصحابُ النار} الذي نسوا الله فاستحقُّوا الخلود في النار {وأصحابُ الجنة} الذين اتقوا الله، فاستحقُّوا الخلود في الجنة، {أصحابُ الجنة هم الفائزون}، وهذا تنبيه وإيقاظ وإيذان بأن غفلتهم وقلة فكرهم في العاقبة، وتهالكهم، على إيثار العاجلة واتباع الشهوات، كأنهم لايعرفون الفرق بين الجنة والنار، والبَوْن العظيم بين أصحابها، وأنَّ الفوز العظيم لأصحاب الجنة، والعذاب الأليم لأصحاب النار، فمِن حقهم أن يعلموا وينتبهوا له، كما تقول لمَن يعق أباه: هو أبوك، تجعله بمنزلة مَن لا يعرفه؛ لتنبهه بذلك على حق الأبوة الذي يقتضي البر والتعطُّف. واستدل بالآية على أنّ المسلم لا يُقتل بالكافر، وأنَّ الكفار لا يملكون أموال المسلمين، ورُدَّ بأنَّ عدم الاستواء إنما هو في الأحوال الأخروية، لا الدنيوية. والله تعالى أعلم. الإشارة: {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله}، أن تشهدوا معه سواه {ولتنظر نفس ما قدمت لغدٍ} من المعرفة، فإنّ الشهود يوم القيامة على قدر المعرفة هنا، "واتقوا الله" فلا تؤثروا عليه سواه، {ولا تكونوا كالذين نسوا الله} أي: ذكره والتوجه إليه، "فأنساهم أنفسهم" أي: غيّبهم عن إصلاحها وعلاجها، حتى ماتت في أودية الخواطر والشكوك، "أولئك هم الفاسقون" الخارجون عن الحضرة المقدسة. "لا يستوي أصحاب النار" أي: نار القطيعة والحجاب "وأصحاب الجنة" أي: جنة المعارف, "أصحاب الجنة هم الفائزون" بكل مطلوب، الناجون من كل مرهوب. ولمَّا لم تؤثر هذه المواعظ في بعض القلوب، صارت أقبح من الحجر، فإنَّ الجبل لو نزل عليه هذا القرآن لخشع، كما قال تعالى: {لَوْ أَنزَلْنَا هَـٰذَا ٱلْقُرْآنَ عَلَىٰ جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعاً}.
الأعقم
تفسير : {يأيها الذين آمنوا اتقوا الله} أي اتقوا عذابه، بأداء الواجبات واجتناب المعاصي {ولتنظر نفس ما قدمت لغدٍ} ليوم القيامة {واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون} فيجازيكم به وكرر الأمر بالتقوى تأكيداً {ولا تكونوا كالذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم} قيل: تركوا ذكر الله فأنساهم بأن خذلهم حتى صاروا كالمنسي {أولئك هم الفاسقون} {لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة} أي لا يستوي حالهما وأحدهما في النار والجحيم والثاني النعيم {أصحاب الجنة هم الفائزون} الظافرون بطلبته. فصل: هذه الآيات روى أنس بن مالك عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): "حديث : من قرأ آخر سورة الحشر غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر" تفسير : وروي عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): "حديث : من قرأ آخر سورة الحشر في ليل أو في نهار فقبض في ذلك اليوم فقد وجبت له الجنة، ومن قرأ آخر سورة الحشر {لو أنزلنا} إلى آخر السورة فمات في ليله مات شهيداً"تفسير : ، وعن أبي هريرة: "حديث : سألت النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عن اسم الله الأعظم فقال: "عليك بآخر سورة الحشر فأكثر قراءتها" فأكثرت عليه وأعاد علي، فأعدت عليه فأعاد علي"تفسير : ، ثم بيّن تعالى عظم حال القرآن وقسوة القلوب فقال سبحانه وتعالى: {لو أنزلنا هذا القرآن على جبل} مع شدته وقسوته {لرأيته خاشعاً متصدعاً من خشية الله} قيل: معناه لو أحيينا الجبل وركبنا فيه العقل {لرأيته خاشعاً}، وقيل: لو كان الجبل ينصدع من هذا القرآن لعظم ذلك، قال في الحاكم: وهو الوجه {وتلك الأمثال نضربها للناس لعلّهم يتفكرون} في ذلك فيتعظون به تدل الآية على عظم حال القرآن وموقعه في الدين ووجوب الخشوع عند قراءته والعمل بما فيه والتفكر فيه والاتعاظ بمواعظه {هو الله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة} قيل: ما شاهد العبد وما لم يشاهد وما لا ينبغي عليه الحس كالمعدومات وما يرى من الموجودات والشهادة ما تقع عليه الحواس، وقيل: ما غاب عن علم الخلق وما علموه، وقيل: السر والعلانية {هو الرحمن} المنعم على كل حي {الرحيم} على المؤمنين بالثواب {هو الله الذي} تحق له العبادة {الذي لا إله إلاَّ هو} ولا تحق العبادة لغيره {الملك} المالك لجميع الأشياء، وقيل: القادر على اختراع الأجسام والأعراض {القدوس} الطاهر من كل ما لا يليق المنزه عن الشرك والولد والفحشاء، وقيل: تسبيح الملائكة سبوح قدوس رب الملائكة والروح {السلام} قيل: الذي يسلم عباده، وقيل: المسلم من جميع الآفات، وقيل: الذي من عنده ترجى السلامة {المؤمن} قيل: المصدق لرسله بالمعجزات، وقيل: يصدق المؤمنين ما وعدهم من الثواب والكافرين ما وعدهم من العذاب، وقيل: الذي أمن الناس من ظلمه {المهيمن} الرقيب على كل شيء الحافظ له {العزيز} القادر الذي لا يرام ولا يمتنع عليه شيء، وقيل: العظيم، وقيل: الباهر {الجبار} قيل: العظيم، وقيل: العالي الذي لا تناله يد أحد، وقيل: الذي يجبر خلقه على ما يريد ويصرفهم كيف شاء {المتكبر} البليغ الكبرياء والعظمة، وقيل: المتكبر عن ظلم عباده {سبحان الله عما يشركون} أي تنزيهاً له عن إضافة الشريك والفحشاء إليه {هو الله الخالق} المحدث للأشياء {البارئ} المخترع للأجسام والأعراض {المصور} الذي يصور الخلق على ما يريد {له الأسماء الحسنى} أسماؤه على ضربين وكل ذلك معنى مفيد لأن الألقاب يجوز عليها فمنها ما يفيد صفته في ذاته كقوله: قادر عالم وحي وقديم وسميع ونحوها، وكل ذلك يقتضي تعظيماً والثاني يفيد صفة ترجع إلى فعله كخالق رازق حكيم ونحوه.
الهواري
تفسير : قوله: {يَآ أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ} أي: للآخرة {وَاتَّقُواْ اللهَ إِنَّ اللهَ خِبِيرٌ بِمَا تَعْملُونَ} أي: عالم بأعمالكم. {وَلاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُواْ اللهَ} أي: تركوا العمل لله بفرائضه {فَأَنسَاهُم أَنفُسَهُمْ} أي: تركهم من الخير ولم يتركهم من الشر. {أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} من فاسق مشرك، أو فاسق منافق؛ جمعهم كلهم جميعاً. قوله عز وجل: {لاَ يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ} أي: أهل النار وأهل الجنة {أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَآئِزُونَ} أي: فازوا من النار إلى الجنة. قوله عز وجل: {لَوْ أَنزَلْنَا هَذَا القُرْءَانَ عَلَى جَبَلٍ} أي: على حدِ ما أنزلناه على العباد من الثواب والعقاب والوعد والوعيد والأمر والنهي {لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعاً مُّتَصَدِّعاً مِّن خَشْيَةِ اللهِ} يوبخ بذلك العباد. ونظيرها قوله تعالى: (أية : إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً) تفسير : [الأحزاب:72]. وقد فسّرناه في سورة الأحزاب. قال تعالى: {وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} أي: لكي يتفكروا فيعلموا أنهم أحق بخشية الله من هذا الجبل، لأنهم يخافون العقاب، وليس على الجبال عقاب. قوله تعالى: {هُوَ اللهُ الَّذِي لآ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ} أي: لا معبود سواه {عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ} الغيب ما أخفى العباد وَالشَّهَدَةِ مَا أَعْلَنُوا. قال تعالى: {هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ} وقد فسّرناه في فاتحة الكتاب. {هُوَ اللهُ الَّذِي لآ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْمَلِكُ القُدُّوسُ} أي: المبارك، أي إن البركة من قبله. وتفسير الكلبي: القدوس: الطاهر {السَّلاَمُ} أي: الذي سلمت الخلائق من ظلمه {الْمُؤْمِنُ} تفسير الحسن: المؤمن بنفسه قبل إيمان خلقه، كقوله عز وجل: (أية : شَهِدَ اللهُ أَنَّهُ لآ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ قَآئِمَاً بِالْقِسْطِ). تفسير : يعني المؤمنين... إلى آخر الآية. [آل عمران:18]. وقال بعضهم: أمن الله الخلائق من ظلمه. وقال بعضهم: الموفي خلقه بما وعدهم، هو المؤمن. {المُهَيْمِنُ} أي: الأمين على ما حدّث أنه كائن وأنه يكون، وبعضهم يقول: الشاهد على خلقه. وتفسير مجاهد: الشهيد، وهو نحوه. {الْعَزِيزُ} في نقمته. وقال الحسن: (العَزِيزُ) بعزته ذلّ من دونه {الجَبَّارُ} أي الذي تجبر على خلقه. وقال بعضهم: القاهر لخلقه بما أراد. {المُتَكَبِّرُ} أي: الذي تكبر على خلقه. {سُبْحَانَ اللهِ} نزه نفسه {عَمَّا يُشْرِكُونَ}.
اطفيش
تفسير : {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ} أي اتركوا المعاصي {وَلتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ} نكر النفس استقلالا للانفس النواظر فيما قدمنا للآخرة كانه قال فلتنظر نفس واحدة في ذلك والغد يوم القيامة ونكره تعظيما ويحتمل ان ينكر النفس للتعظيم أيضا كأنه قال النفس المعتبرة هي تتمكن من النظر فيما قدمت وسمي يوم القيامة غدا تقريبا له. قال الحسن: لم يزل يقربه حتى جعله كالغد وقيل عبر عنه بالغد لأن الدنيا والآخرة نهاران يوم وغد قال مالك بن دينار مكتوب على باب الجنة وجدنا ما عملنا وربحنا ما قدمنا وخسرنا وما خلفنا وروي ان من حق العقل ان تنظر لنفسك وفي عاقبة امرك وان ابن آدم إذا مات قالت بنو آدم ما ترك وقالت الملائكة ما قدم. {وَاتَّقُوا اللهَ} في اداء الواجبات وانما قلنا التقوى الاولى في ترك المعاصي وهذه في اداء الواجبات لان الاولى مقرونة بالعمل والثانية مقترنة بالعمل بقوله {إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} الجاري مجرى الوعيد والمراد واحد والجملة الثانية تكرار والأولى تأكيد.
اطفيش
تفسير : {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ} احذروا عقابه على مخالفته {وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ} المراد الجنس مع الإِثبات والتجريد من (ال) والإِضافة، وهو فصيح وارد فى كلام العرب كقوله تعالى: {أية : علمت نفس ما أَحضرت} تفسير : [التكوير: 14] وحكمة الإِفراد فى الآية التلويح بقلة النفوس الناظرات فى أمر دينها وآخرتها وبإِعظام شأنهن وتعبير الناس بالغفلة عن النظر حتى كأَنه نظرة واحدة فقط. قال - صلى الله عليه وسلم -: "حديث : الناس كإِبل مائة لا تجد فيها راحلة" تفسير : ، أو علمت كل نفس ما أُحضرت فالاستغراق مأخوذ من المحذوف. {مَّا قَدَّمَتْ} من الأَعمال أصالحة أم طالحة أكثير خيرها أم قليل أمخلص أم مكدر. {لِغَدٍ} يوم القيامة استعارة تحقيقية أصلية شبه يوم القيامة بغد الليلة وهو غد الأَمس للقرب عند الله عز وجل وكل آت قريب وإِنما قدم "عز" على "جل" لقوله تعالى: وعزتى وجلالى والدنيا كيوم واحد والآخرة غده أو كليلة والآخرة صبحها، قيل أو الغد يوم الموت وعمر الإِنسان كأَمسه أو ليلته والأَول هو الأَكثر ورودا واعتبارا وتنكيره للتعظيم. {وَاتَّقُوا اللهَ} تأكيد للأَول على أنهما عامان فى الخير والشر أو الأَول فى أداء الواجب على أن ما قدمت لغد يفسر بما قدمت من الأَعمال الصالحات والثانى فى المحارم على أنها المراد فى قوله تعالى: {إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} من المعاصى على أنه تهديد فيعاقبوا والتأَسيس أولى من التأكيد، وأيضا لا يخفى أن المناسب تفسير ما قدمت لغد بالخير وتفسير ما تعملون بعموم الخير والشر أو بالشر. قال ابن عباس قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "حديث : اسم الله الأَعظم في ست آيات من آخر سورة الحشر"تفسير : . وفى هذه الرواية تسمية السورة بسورة الحشر. ومر عن البخارى الكراهة وكذا روى تسميتها بذلك فى روايات كثيرة بهذا الاسم منها ما مر، ومنها ما يأْتى إِن شاء الله.
الالوسي
تفسير : {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ } في كل ما تأتون وتذرون {وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ } أي أيّ شيء قدمت من الأعمال ليوم القيامة عبر عنه بذلك لدنوه دنو الغد من أمسه، أو لأن الدنيا كيوم والآخرة غده يكون فيها أحوال غير الأحوال السابقة. وتنكيره لتفخيمه وتهويله كأنه قيل: لغد لا يعرف كنهه لغاية عظمه، وأما تنكير {نَفْسٌ } فلاستقلال الأنفس النواظر كأنه قيل: ولتنظر نفس واحدة في ذلك، وفيه حث عظيم على النظر وتعيير بالترك وبأن الغفلة قد عمت الكل فلا أحد خلص منها، ومنه ظهر ـ كما في «الكشف» ـ أن جعله من قبيل قوله تعالى: { أية : عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا أَحْضَرَتْ } تفسير : [التكوير: 14] غير مطابق للمقام أي فهو كما في الحديث «حديث : الناس كإبل مائة لا تجد فيها راحلة» تفسير : لأن الأمر بالنظر وإن عم لكن المؤتمر الناظر أقل من القليل، والمقصود بالتقليل هو هذا لأن المأمور لا ينظر إليه ما لم يأتمر، وجوز ابن عطية أن يراد بغد يوم الموت، وليس بذاك. وقرأ أبو حيوة ويحيـى بن الحرث ـ ولتنظر ـ بكسر اللام، وروي ذلك عن حفص عن عاصم، وقرأ الحسن بكسرها وفتح الراء جعلها لام كي. وكان المعنى ولكي تنظر نفس ما قدمت لغد أمرنا بالتقوى. {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ } تكرير للتأكيد، أو الأول في أداء الواجبات كما يشعر به ما بعده من الأمر بالعمل وهذا في ترك المحارم كما يؤذن به الوعيد بقوله سبحانه: {إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ } أي من المعاصي، وهذا الوجه الثاني أرجح لفضل التأسيس على التأكيد، وفي ورود الأمرين مطلقين من الفخامة ما لا يخفى، وقيل: إن التقوى شاملة لترك ما يؤثم ولا وجه وجيه للتوزيع والمقام مقام الاهتمام بأمرها، فالتأكيد أولى وأقوى، وفيه منع ظاهر، وكيف لا والمتبادر مما قدمت أعمال الخير كذا قيل، ولعل من يقول بالتأكيد يقول: إن قوله سبحانه: {إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرٌ } الخ يتضمن الوعد والوعيد ويعمم ما قدمت أيضاً، ولعلك مع هذا تميل للتأسيس.
ابن عاشور
تفسير : انتقال من الامتنان على المسلمين بما يسرّ الله من فتح قرية بني النضير بدون قتال، وما أفاء الله على رسوله صلى الله عليه وسلم منهم، ووصف ما جرى من خيبتهم وخيبة أملهم في نصرة المنافقين، ومن الإِيذان بأن عاقبة أهل القرى الباقية كعاقبة أسلافهم. وكذلك موقف أنصارهم معهم، إلى الأمر بتقوى الله شكراً له على ما منح وما وعد من صادق الوعد فإن الشكر جزاء العبد عن نعمة ربه إذ لا يستطيع جزاء غير ذلك فأقبل على خطاب الذين آمنوا بالأمر بتقوى الله. ولما كان ما تضمنته السورة من تأييد الله إياهم وفَيض نعمه عليهم كان من منافع الدنيا، أعقبه بتذكيرهم بالإِعداد للآخرة بقوله: {ولتنظر نفس ما قدمت لغدٍ} أي لتتأمل كل نفس فيما قدمته للآخرة. وجملة {ولتنظر نفس ما قدمت لغدٍ}، عطف أمر على أمر آخر. وهي معترضة بين جملة {اتقوا الله} وجملة {إن الله خبير بما تعملون}. وذِكر {نفس} إظهار في مقام الإِضمار لأن مقتضى الظاهر: وانظروا ما قدمتم، فعُدل عن الإِظهار لقصد العموم أي لتنظروا وتنظر كل نفس. وتنكير {نفس} يفيد العموم في سياق الأمر، أي لتنظر كل نفس، فإن الأمر والدعاء ونحوهما كالشرط تكون النكرة في سياقها مثل ما هي في سياق النفي كقوله تعالى {أية : وإن أحد من المشركين استجارك فأجره}تفسير : [التوبة: 6] وكقول الحريري: شعر : يا أهلَ ذا المَغْنَى وُقيتم ضُرّا تفسير : (أي كل ضر). وإنما لم يعرَّف بلام التعريف تنصيصاً على العموم لئلا يتوهم نفسٌ معهودة. وأطلق «غد» على الزمن المستقبل مجازاً لتقريب الزمن المستقبل من البعيد لملازمة اقتراب الزمن لمفهوم الغَد، لأن الغد هو اليوم الموالي لليوم الذي فيه المتكلم فهو أقرب أزمنة المستقبل كما قال قرّاد بن أجدع: شعر : فإن يَكُ صدْرُ هذا اليوم ولّى فإن غداً لناظره قريب تفسير : وهذا المجاز شائع في كلام العرب في لفظ (غد) وأخواته قال زهير: شعر : وأعْلَمُ عِلْم اليومِ والأمسِ قبلَه ولكنني عن علم ما في غدٍ عَمِ تفسير : يريد باليوم الزمن الحاضر، وبالأمس الزمن الماضي، وبالغد الزمن المستقبل. وتنكير «غد» للتعظيم والتهويل، أي لغدٍ لا يعرف كنهه. واللام في قوله: {لغدٍ} لام العلة، أي ما قدمتْه لأجل يوم القيامة، أي لأجل الانتفاع به. والتقديم: مستعار للعمل الذي يُعمل لتحصيل فائدته في زمن آت شبه قصد الانتفاع به في المستقبل بتقديم من يَحلّ في المنزل قبل ورود السائرين إليه من جيش أو سَفر ليهيّء لهم ما يصلح أمرهم، ومنه مقدمة الجيش وتقديم الرائد قبل القافلة. قال تعالى: {أية : وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله}تفسير : [البقرة: 110] ويقال في ضده: أَخَّر، إذا ترك عمل شيء قال تعالى: {أية : علمت نفس ما قدمت وأخرت}تفسير : [الأنفطار: 5]. وإعادة {واتقوا الله} ليبنَى عليه {إن الله خبير بما تعملون} فيحصل الربط بين التعليل والمعلل إذ وقع بينهما فصل {ولتنظر نفس ما قدمت لغدٍ}. وإنما أعيد بطريق العطف لزيادة التأكيد فإن التوكيد اللفظي يؤتى به تارة معطوفاً كقوله تعالى: {أية : أولى لك فأولى ثم أولى لك فأولى}تفسير : [القيامة: 34، 35] وقوله: {أية : كلا سوف تعلمون ثم كلا سوف تعلمون}تفسير : [التكاثر: 3 ـــ 4]. وقول عدي بن زيد: «وألفَى قولها كذباً ومَيناً». وذلك أن في العطف إيهام أن يكون التوكيد يجعل كالتأسيس لزيادة الاهتمام بالمؤكد. فجملة {إن الله خبير بما تعملون} تعليل للحث على تقوى الله وموقع {إنَّ} فيها موقع التعليل. ويجوز أن يكون {اتقوا الله} المذكور أولاً مراداً به التقوى بمعنى الخوف من الله وهي الباعثة على العمل ولذلك أردف بقوله: {ولتنظر نفس ما قدمت لغدٍ} ويكون {اتقوا الله} المذكور ثانياً مراداً به الدوام على التقوى الأولى، أي ودوموا على التقوى على حد قوله تعالى: {أية : يا أيها الذين آمنوا آمِنوا بالله ورسوله}تفسير : [النساء: 136] ولذلك أردف بقوله: {إن الله خبير بما تعملون} أي بمقدار اجتهادكم في التقوى، وأردف بقوله: {أية : ولا تكونوا كالذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم}تفسير : [الحشر: 19] أي أهملوا التقوى بعد أن تقلّدوها كما سيأتي أنهم المنافقون فإنهم تقلّدوا الإِسلام وأضاعوه قال تعالى: {أية : نسوا الله فَنسِيَهم إن المنافقين هم الفاسقون}تفسير : [التوبة: 67]. وفي قوله: {إن الله خبير بما تعملون} إظهار اسم الجلالة في مقام الإِضمار، فتكون الجملة مستقلة بدلالتها أتمّ استقلال فتجري مجرى الأمثال ولتربية المهابة في نفس المخاطبين.
الشنقيطي
تفسير : في هذه الآية الكريمة حث على تقوى الله في الجملة، واقترنت بالحث على النظر والتأمل فيما قدمت كل نفس لغد، وتكرر الأمر فيها بتقوى الله، مما يدل على شدة الاهتمام والعناية بتقوى الله على ما سيأتي تفصيله إن شاء الله، سواء كان التكرار للتأكيد أم كان للتأسيس، وسيأتي بيانه إن شاء الله. أما الاهتمام بالحث على التقوى، فقد دلت له عدة آيات من كتاب الله تعالى، ولو قيل: إن الغاية من رسالة الإسلام كلها، بل ومن جميع الأديان هو تحصيل التقوى لما كان بعيداً، وذلك للآتي: أولاً: قوله تعالى: {أية : يَا أَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱعْبُدُواْ رَبَّكُمُ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ وَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}تفسير : [البقرة: 21] ومعلوم أنه تعالى ما خلق الجن والإنس إلا لعبادته، فتكون التقوى بمضمون هاتين الآيتين. هي الغاية من خلق الثقلين الإنس والجن. وقد جاء النص مفصلاً في حق كل أمة على حدة، منها في قوم نوح عليه السلام وقال تعالى: {أية : كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ ٱلْمُرْسَلِينَ إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلاَ تَتَّقُونَ إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ}تفسير : [الشعراء: 105-108] وفي قوم عاد قال تعالى: {أية : كَذَّبَتْ عَادٌ ٱلْمُرْسَلِينَ إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ أَلاَ تَتَّقُونَ إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ}تفسير : [الشعراء: 123-126] وفي قوم لوط:{أية : كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ ٱلْمُرْسَلِينَ إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ أَلا تَتَّقُونَ إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ}تفسير : [الشعراء: 160-163]، وفي قوم شعيب، قوله تعالى:{أية : كَذَّبَ أَصْحَابُ ٱلأَيْكَةِ ٱلْمُرْسَلِينَ إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَلاَ تَتَّقُونَ إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ}تفسير : [الشعراء: 176-179]. فكل نبي يدعو قومه إلى التقوى كما قدمنا، ثم جاء القرآن كله دعوة إلى التقوى وهداية للمتقين، كما في مطلع القرآن الكريم: {أية : الۤمۤ ذَلِكَ ٱلْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ}تفسير : [البقرة: 1-2]، وبين نوع هذه الهداية المتضمنة لمعنى التقوى بقوله تعالى: {أية : ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱلْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ ٱلصَّلاةَ وَممَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ وٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَآ أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِٱلآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ أُوْلَـٰئِكَ عَلَىٰ هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ وَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ}تفسير : [البقرة: 3-5]. وقد بين الشيخ - رحمة الله تعالى عليه - معنى التقوى عند قوله تعالى:{أية : وَلَـٰكِنَّ ٱلْبِرَّ مَنِ ٱتَّقَىٰ}تفسير : [البقرة: 189]. قال: لم يبين هنا من المتقي، وقد بينه تعالى في قوله:{أية : وَلَـٰكِنَّ ٱلْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ وَٱلْمَلاۤئِكَةِ وَٱلْكِتَابِ وَٱلنَّبِيِّينَ وَآتَى ٱلْمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِ ذَوِي ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْيَتَامَىٰ وَٱلْمَسَاكِينَ وَٱبْنَ ٱلسَّبِيلِ وَٱلسَّآئِلِينَ وَفِي ٱلرِّقَابِ وَأَقَامَ ٱلصَّلاةَ وَآتَى ٱلزَّكَاةَ وَٱلْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُواْ وَٱلصَّابِرِينَ فِي ٱلْبَأْسَآءِ وٱلضَّرَّاءِ وَحِينَ ٱلْبَأْسِ أُولَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ صَدَقُوآ وَأُولَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُتَّقُونَ}تفسير : [البقرة: 177]. وقد بينت آيات عديدة آثار التقوى في العاجل والآجل. منها في العاجل قوله تعالى:{أية : وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً}تفسير : [الطلاق: 4]، وقوله:{أية : وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ}تفسير : [الطلاق: 2-3]، وقوله: {أية : وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ ٱللَّهُ}تفسير : [البقرة: 282]، وقوله {أية : إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ وَّٱلَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ}تفسير : [النحل: 128]. أما في الآجل وفي الآخرة، فإنها تصحب صاحبها ابتداء إلى أبواب الجنة كما في قوله تعالى:{أية : وَسِيقَ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوْاْ رَبَّهُمْ إِلَى ٱلّجَنَّةِ زُمَراً حَتَّىٰ إِذَا جَآءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلاَمٌ عَلَيْكُـمْ طِبْتُمْ فَٱدْخُلُوهَا خَالِدِينَ}تفسير : [الزمر: 73]، فإذا ما دخلوها آخت بينهم وجددت روابطهم فيما بينهم وآنستهم من كل خوف، كما في قوله تعالى{أية : ٱلأَخِلاَّءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ ٱلْمُتَّقِينَ}تفسير : [الزخرف: 67]،{أية : يٰعِبَادِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْكُمُ ٱلْيَوْمَ وَلاَ أَنتُمْ تَحْزَنُونَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ بِآيَاتِنَا وَكَانُواْ مُسْلِمِينَ ٱدْخُلُواْ ٱلْجَنَّةَ أَنتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ}تفسير : [الزخرف: 68-70] إلى قوله: {أية : لَكُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِّنْهَا تَأْكُلُونَ}تفسير : [الزخرف: 73] إلى أن تنتهي بهم إلى أعلى عليين، وتحلهم مقعد صدق، كما في قوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرِ}تفسير : [القمر: 54-55]. فتبين بهذا كله منزلة التقوى من التشريع الإسلامي وفي كل شريعة سماوية، وأنها هنا في معرض الحث عليها وتكرارها، وقد جعلها الشاعر السعادة كل السعادة كما في قوله، وهو لجرير: شعر : ولست أرى السعادة جمع مال ولكن التقي هو السعيد فتقوى الله خير الزاد ذخرا وعند الله للأتقى مزيد تفسير : والتقوى دائماً هي الدافع على كل خير، الرادع عن كل شر، روى ابن كثير في تفسيره عن الإمام أحمد في مجيء قوم من مضر، مجتابي الثمار والعباءة. حفاة عراة متقلدي السيوف. فيتمعّر وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فدخل ثم خرج، فأمر بالاً ينادي للصلاة، فصلَّى ثم خطب الناس وقرأ قوله تعالى: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمُ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ}تفسير : [النساء: 1] إلى آخر الآية، وقرأ الآية التي في سورة الحشر: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ}تفسير : [الحشر: 18] الآية، تصدق رجل من ديناره من درهمه من ثوبه من صاع بره حتى قال: ولو بشق تمرة، قال: فجاء رجل من الأنصار بصرة كادت كفه تعجز عنها، بل قد عجزت ثم تتابع الناس إلى قوله: حتى رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يتهلل وجهه كأنه مذهبة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : من سنّ في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها بعده من غير أن ينقص من أجورهم شيء"تفسير : الحديث. فكانت التقوى دافعاً على سنّ سنَّة حسنة تهلل لها وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما أنها تحول دون الشر، من ذلك قوله تعالى: {أية : وَلْيُمْلِلِ ٱلَّذِي عَلَيْهِ ٱلْحَقُّ وَلْيَتَّقِ ٱللَّهَ رَبَّهُ وَلاَ يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئاً}تفسير : [البقرة: 282]، وقوله: {أية : فَلْيُؤَدِّ ٱلَّذِي ٱؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ ٱللَّهَ رَبَّهُ}تفسير : [البقرة: 283] فإن التقوى مانعة من بخس الحق ومن ضياع الأمانة، وكقوله عن مريم في طهرها وعفتها لما أتاها جبريل وتمثل لها بشراً سوياً: {أية : قَالَتْ إِنِّيۤ أَعُوذُ بِٱلرَّحْمَـٰنِ مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيّاً}تفسير : [مريم: 18]. وكما في حديث النفر الثلاثة الذين آواهم المبيت إلى الغار، ومنهم الرجل مع ابنة عمه لما قالت له: اتق الله ولا تفض الخاتم إلا بحقه، فقام عنها وترك لها المال. وهكذا في تصرفات العبد كما في قوله تعالى: {أية : ذٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ ٱللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى ٱلْقُلُوبِ}تفسير : [الحج: 32]. والخطاب في قوله تعالى: {أية : وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ}تفسير : [الحشر: 18]، لكل نفس كما في قوله تعالى: {أية : ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ}تفسير : [البقرة: 281]، وقوله: {أية : وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ}تفسير : [آل عمران: 25]. فالنداء أولاً بالتقوى لخصوص المؤمنين، والأمر بالنظر لعموم كل نفس، لأن المنتفع بالتقوى خصوص للمؤمنين كما أوضحه الشيخ - رحمة الله عليه - في أول سورة البقرة، والنظر مطلوب من كل نفس فالخصوص للإشفاق، والعموم للتحذير. ويدل للأول قوله تعالى: {أية : وَكَانَ بِٱلْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً}تفسير : [الأحزاب: 43]. ويدل للثاني قوله:{أية : يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَراً وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوۤءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدَاً بَعِيداً وَيُحَذِّرُكُمُ ٱللَّهُ نَفْسَهُ وَٱللَّهُ رَؤُوفُ بِٱلْعِبَادِ}تفسير : [آل عمران: 30]. وما في قوله تعالى: {أية : مَّا قَدَّمَتْ}تفسير : [الحشر: 18] عامة في الخير والشر، وفي القليل والكثير. ويدل للأول قوله تعالى:{أية : يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَراً وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوۤءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدَاً بَعِيداً}تفسير : [آل عمران: 30]. ويدل للثاني قوله تعالى: {أية : فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَمَن يَعْـمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ}تفسير : [الزلزلة: 7-8]، والحديث "حديث : اتقوا النار ولو بشق تمرة " تفسير : وغداً تطلق على المستقبل المقابل للماضي، كما قال الشاعر: شعر : واعلم علم اليوم والأمس قبله ولكنني عن علم ما في غد عم تفسير : وعليه أكثر استعمالاتها في القرآن، كقوله تعالى عن إخوة يوسف:{أية : أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَداً يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ}تفسير : [يوسف: 12]، وقوله تعالى {أية : وَلاَ تَقْولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذٰلِكَ غَداً إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ}تفسير : [الكهف: 23-24]. وتطلق على يوم القيامة كما هنا في هذه الآية لدلالة القرآن على ذلك، من ذلك قوله تعالى في نفس المعنى:{أية : يَوْمَ يَنظُرُ ٱلْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ وَيَقُولُ ٱلْكَافِرُ يٰلَيْتَنِي كُنتُ تُرَاباً}تفسير : [النبأ: 40]. والقرائن في الآية منها: اكتنافها بالحث على تقوى الله قبله وبعده. ومنها: التذييل بالتحذير في قوله: {إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} أي بالمقاصد في الأعمال وبالظواهر والبواطن، ولأن يوم القيامة هو موضع النسيان، فاحتاج التنبيه عليه. ويكون التعبير عن يوم القيامة بغد لقرب مجيئه وتحقق وقوعه كقوله تعالى:{أية : ٱقْتَرَبَتِ ٱلسَّاعَةُ وَٱنشَقَّ ٱلْقَمَرُ}}تفسير : [القمر: 1]، وقوله: {أية : وَمَآ أَمْرُ ٱلسَّاعَةِ إِلاَّ كَلَمْحِ ٱلْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}تفسير : [النحل: 77]. ومن ناحية أخرى، فإن الغد لكل إنسان بمعنى يوم القيامة يتحقق بيوم موته، لأنه يعاين ما قدم قدم يوم موته، وقد نكر لفظ نفس وغد هنا، فقيل في الأول لقلة من الناظرين، وفي الثاني لعظم أمره وشدة هوله. وهنا قد تكرر الأمر بتقوى الله كما أسلفنا مرتين، فقيل للتأكيد، قاله ابن كثير، وقيل للتأسيس، قاله الزمخشري وغيره. فعلى أنه للتأكيد ظاهر وعلى التأسيس يكون الأول لفعل المأمور والثاني لترك المحظور، مستدلين بمجيء موجب الفعل أولاً {وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ}، ومجيء موجب التحذير ثانياً {إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ}. وهذا وإن كان له وجه، ويشهد للتأكيد قوله تعالى:{أية : ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ}تفسير : [آل عمران: 102] وإن كانت نسخت بقوله:{أية : فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ مَا ٱسْتَطَعْتُمْ}تفسير : [التغابن: 16] فيدل لمفهومه قوله: {أية : وَآخَرُونَ ٱعْتَرَفُواْ بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُواْ عَمَلاً صَالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً}تفسير : [التوبة: 102] أي بترك بعض المأمور، وفعل بعض المحظور. وعليه فلا تحقق التقوى إلا بمراعاة الجانبين، ولكن مادة التقوى وهي اتخاذ الوقاية مما يوجب عذاب الله تشمل شرعاً الأمرين معاً لقوله تعالى في عموم اتخاذ الوقاية {أية : قُوۤاْ أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً}تفسير : [التحريم: 6]. فكان أحد الأمرين بالتقوى يكفي لذلك ويشمله، ويكون الأمر بالتقوى الثاني لمعنى جديد، وفي الآية ما يرشد إليه، وهو قوله تعالى {مَّا قَدَّمَتْ}، لأن "ما" عامة كما قدمنا وصيغة قدمت على الماضي يكون الأمر بتقوى الله أولاً بالنسبة لما مضى وسبق من عمل تقدم بالفعل، ويكون النظر بمعنى المحاسبة والتأمل على معنى الحديث:"حديث : حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا"تفسير : فقد ذكره ابن كثير. فإذا ما نظر في الماضي وحاسب نفسه، وعلم ما كان من تقصير أو وقوع في محظور، جاءه الأمر الثاني بتقوى الله لما يستقبل من عمل جديد ومراقبة الله تعالى عليه {أية : وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ}تفسير : [الحديد: 10]، فلا يكون هناك تكرار، ولا يكون توزيع، بل بحسب مدلول عموم "ما" وصيغة الماضي "قدمت" والنظر للمحاسبة. تنبيه مجيء "قدمت" بصيغة الماضي حث على الإسراع في العمل، وعدم التأخير، لأنه لم يملك إلا ما قدم في الماضي، والمستقبل ليس بيده، ولا يدري ما يكون فيه، {أية : وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَداً}تفسير : [لقمان: 34] وكما في وقوله:"حديث : حجوا قبل ألا تحجوا"تفسير : ، وقوله تعالى: {أية : وَسَارِعُوۤاْ إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ}تفسير : [آل عمران: 133]، وقوله تعالى: {أية : وَلاَ تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ نَسُواْ ٱللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ أُولَـٰئِكَ هُمُ ٱلْفَاسِقُونَ}تفسير : [الحشر: 19]. بعد الحث على تقوى الله وعلى الاجتهاد في تقديم العمل الصالح ليوم غد جاء التحذير في هذه الآية من النسيان والترك وألا يكون كالذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم، ولم يبين هنا من هم الذين حذر من أن يكونوا مثلهم في هذه النسيان، وما هو النسيان والإنساء المذكوران هنا. وقد نص القرآن على أن الذين نسوا الله هم المنافقون في قوله تعالى في سورة التوبة: {أية : ٱلْمُنَافِقُونَ وَٱلْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِّن بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِٱلْمُنكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُواْ ٱللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ ٱلْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ}تفسير : [التوبة: 67] وهذا عين الوصف الذي وصفوا به في سورة الحشر. وقوله تعالى: {فَنَسِيَهُمْ} أي أنساهم أنفسهم، لأن الله تعالى لا ينسى {أية : لاَّ يَضِلُّ رَبِّي وَلاَ يَنسَى}تفسير : [طه: 52]، {أية : وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّاً}تفسير : [مريم: 64]. وقد جاء أيضاً: وصف كل من اليهود والنصارى والمشركين بالنسيان في الجملة، ففي اليهود يقول تعالى: {أية : فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ لَعنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ ٱلْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ وَنَسُواْ حَظَّا مِّمَّا ذُكِرُواْ بِهِ}تفسير : [المائدة 13]. وفي النصارى يقول تعالى: {أية : وَمِنَ ٱلَّذِينَ قَالُواْ إِنَّا نَصَارَىٰ أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُواْ حَظّاً مِّمَّا ذُكِرُواْ بِهِ}تفسير : [المائدة: 14]. وفي المشركين يقول تعالى: {أية : ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ دِينَهُمْ لَهْواً وَلَعِباً وَغَرَّتْهُمُ ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَا فَٱلْيَوْمَ نَنسَاهُمْ كَمَا نَسُواْ لِقَآءَ يَوْمِهِمْ هَـٰذَا وَمَا كَانُواْ بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ}تفسير : [الأعراف: 51]، فيكون التحذير منصباً أصالة على المنافقين وشاملاً معهم كل تلك الطوائف لاشتراكهم جميعاً في أصل النسيان. أما النسيان هنا، فهو بمعنى الترك، وقد نص عليه الشيخ - رحمة الله تعالى عليه - عند الكلام على قوله تعالى: {أية : وَلَقَدْ عَهِدْنَآ إِلَىٰ ءَادَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ}تفسير : [طه: 115]. فذكر وجهين، وقال: العرب تطلق النسيان وتريد به الترك ولو عمداً، ومنه قوله تعالى: {أية : قَالَ كَذٰلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذٰلِكَ ٱلْيَوْمَ تُنْسَىٰ}تفسير : [طه: 126]. فالمراد من هذه الآية الترك قصداً. وكقوله:{أية : فَٱلْيَوْمَ نَنسَاهُمْ كَمَا نَسُواْ لِقَآءَ يَوْمِهِمْ هَـٰذَا وَمَا كَانُواْ بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ}تفسير : [الاعراف: 51]. وقوله: {أية : فَذُوقُواْ بِمَا نَسِيتُمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هَـٰذَآ إِنَّا نَسِينَاكُمْ}تفسير : [السجدة: 14]. وقوله: {أية : وَلاَ تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ نَسُواْ ٱللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ}تفسير : [الحشر: 19] الآية. انتهى. أما النسيان الذي هو ضد الذكر، وهو الترك عن قصد، فليس داخلاً هنا، لأن هذه الأمة قد أعفيت من المؤاخذة عليه، كما في قوله تعالى: {أية : رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَآ أَوْ أَخْطَأْنَا}تفسير : [البقرة: 286]. الآية. وفي الحديث أن الله تعالى قال:"حديث : قد فعلت قد فعلت"تفسير : أي عند ما تلاها صلى الله عليه وسلم. وجاء في السنة "حديث : إن الله قد تجاوز لي عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه " تفسير : وقد بين الشيخ - رحمة الله تعالى عليه - هذا النوع في دفع إياهم الاضطراب على الجواب عن الإشكال الموجود في نسيان آدم، هل كان عن قصد أو عن غير قصد، وإذا كان عن غير قصد، فكيف يؤاخذ؟. وبين خصائص هذه الأمة في هذا الباب رحمة الله تعالى عليه، فليرجع إليه. وإذا تبين المراد بالتحذير من مشابهتهم في النسيان، وتبين معنى النسيان، فكيف أنساهم الله أنفسهم؟ وهذه مقتطفات من أقوال المفسرين في هذا المقام لزيادة البيان: قال ابن كثير رحمه الله: لا تنسوا ذكر الله تعالى فينسيكم العمل الصالح، فإن الجزاء من جنس العمل. وقال القرطبي: نسوا الله أي تركوا أمره، فأنساهم أنفسهم أن يعملوا لها خيراً. وقال أبو حيان: الذين نسوا الله هم الكفار تركوا عبادة الله، وامتثال ما أمر واجتناب ما نهى فأنساهم أنفسهم حيث لم يسعوا إليها في الخلاص من العذاب، وهذا من المجازات على الذنب بالذنب. إلخ. وقال ابن جرير: تركوا أداء حق الله الذي أوجبه عليهم، وهذا من باب الجزاء من جنس العمل. أما الزمخشري والفخر الرازي، فقد أدخلا في هذا المعنى مبحثاً كلامياً حيث قالا في معنى {نَسُواْ اللَّهَ} [الحشر: 19] كما قال الجمهور، أما في معنى {فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ} [الحشر: 19] فذكرا وجهين. الأول: كالجمهور، والثاني: بمعنى، أراهم يوم القيامة من الأهوال ما نسوا فيه أنفسهم كقوله تعالى: {أية : لاَ يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَآءٌ}تفسير : [إبراهيم: 43]، وقوله: {أية : وَتَرَى ٱلنَّاسَ سُكَارَىٰ وَمَا هُم بِسُكَارَىٰ وَلَـٰكِنَّ عَذَابَ ٱللَّهِ شَدِيدٌ}تفسير : [الحج: 2] اهـ. وهذا الوجه الثاني لا يسلم لهما، لأن ما ذهبا إليه عام في جميع الخلائق يوم القيامة، وليس خاصاً بمن نسي الله كما قال تعالى في نفس الآية التي استدلا بها {وَتَرَى ٱلنَّاسَ سُكَارَىٰ}، فهو عام في جميع الناس. وقوله: {أية : يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّآ أَرْضَعَتْ}تفسير : [الحج: 2]. والذهول أخو النسيان، وهو هنا عام في كل مرضعة {أية : وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا}تفسير : [الحج: 2] وهو أيضاً عام، وذلك من شدة الهول يوم القيامة، ولعل الحامل لهما على إيراد هذا الوجه مع بيان ضعفه، هو فرارهم من نسبة الإنساء إلى الله، وفيه شبهة اعتزال كما لا يخفى. ولوجود إسناد الإنساء إلى لاشيطان في بعض المواضع كما في قصة صاحب موسى: {أية : وَمَآ أَنْسَانِيهُ إِلاَّ ٱلشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ}تفسير : [الكهف: 63]، وكما في قوله تعالى: {أية : وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ ٱلشَّيْطَانُ فَلاَ تَقْعُدْ بَعْدَ ٱلذِّكْرَىٰ مَعَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّالِمِينَ}تفسير : [الأنعام: 68]، وقوله: عن صاحب يوسف: {أية : فَأَنْسَاهُ ٱلشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ}تفسير : [يوسف: 42]. ولكن الصحيح عند علماء السلف أن حقيقة النسيان والإنساء والتذكير والتذكر كحقيقة أي معنى من المعاني، وأنها كلها من الله {أية : قُلْ كُلٌّ مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ}تفسير : [النساء: 78]، {أية : قُل لَّن يُصِيبَنَآ إِلاَّ مَا كَتَبَ ٱللَّهُ لَنَا}تفسير : [التوبة: 51] فما نسب إلى الشيطان فهو بتسليط من الله كما في قوله تعالى: {أية : فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ ٱلْمَرْءِ وَزَوْجِهِ}تفسير : [البقرة: 102]، ثم قال: {أية : وَمَا هُم بِضَآرِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ ٱللَّهِ}تفسير : [البقرة: 102] فيكون إسناد الإنساء إلى الشيطان من باب قول الخليل عليه السلام {أية : وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ}تفسير : [الشعراء: 80] تأدباً في الخطاب مع الله تعالى، ولكن هذا المقام مقام إخبار من الله عما أوقعه بهؤلاء الذين نسوا ما أمرهم به فأنساهم، فأوقع عليهم النسيان لأنفسم مجازاة لهم على أعمالهم، فكان نسبته إلى الله وبإخبار من الله عين الحق وهو أقوى من أسلوب المقابلة: نسوا الله فنسيهم. تنبيهان الأول: جاء في مثل هذا السياق سواء بسواء قوله تعالى: {أية : وَقِيلَ ٱلْيَوْمَ نَنسَاكُمْ كَمَا نَسِيتُمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هَـٰذَا}تفسير : [الجاثية: 34]. وقوله: {أية : فَذُوقُواْ بِمَا نَسِيتُمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هَـٰذَآ إِنَّا نَسِينَاكُمْ}تفسير : [السجدة: 14]. وقوله: {أية : نَسُواْ ٱللَّهَ فَنَسِيَهُمْ}تفسير : [التوبة: 67]، وفي هذا نسبة النسيان إلى الله تعالى فوقع الإشكال مع قوله تعالى: {أية : وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّاً}تفسير : [مريم: 64] وقوله: {أية : لاَّ يَضِلُّ رَبِّي وَلاَ يَنسَى}تفسير : [طه: 52]. وقد أجاب الشيخ - رحمة الله عليه - عن ذلك في دفع إيهام الاضطراب، بأن النسيان المثبت بمعنى الترك كما تقدم، والمنفي عنه تعالى: هو الذي بمعنى السهو، لأنه محال على الله تعالى. التنبيه الثاني مما نص عليه الشيخ - رحمة الله تعالى عليه - في مقدمة الأضواء، أن من أنواع البيان أن يوجد في الآية اختلاف للعلماء وتوجد فيها قرينة دالة على المعنى المراد، وهو موجود هنا في هذه المسألة وهو قوله تعالى: {أية : ٱلْيَوْمَ نَنسَاكُمْ كَمَا نَسِيتُمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هَـٰذَا}تفسير : [الجاثية: 34] وهذا القول يكون يوم القيامة، وقد عبر عن النسيان بصيغة المضارع وهي للحال أو الاستقبال، ولا يكون النسيان المخبر عنه في الحال إلا عن قصد وإرادة، وكذلك لا يخبر عن نسيان سيكون في المستقبل إلا عن قصد وإرادة، وهذا في النسيان بمعنى الترك عن قصد، أما الذي بمعنى السهو فيكون بدون قصد ولا إرادة، فلا يصح التعبير عنه بصيغة المضارع ولا الإخبار بإيقاعه عليهم في المستقبل، فصح أن كل نسيان نسب إلى الله فهو بمعنى الترك، وكان قوله تعالى: {فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ} [الحشر: 19] مفسراً ومبيناً لمعنى {أية : ٱلْيَوْمَ نَنسَاكُمْ}تفسير : [الجاثية: 34] ولقوله {أية : إِنَّا نَسِينَاكُمْ}تفسير : [السجدة: 14] والعلم عند الله تعالى.
د. أسعد حومد
تفسير : {يٰأَيُّهَا} {آمَنُواْ} (18) - يَأْمُرُ اللهُ تَعَالَى المُؤْمِنِينَ بِتَقْوَاهُ، وَذَلِكَ بِأَنْ يَفْعَلُوا مَا أَمَرَهُمْ بِهِ، وَأَنْ يَتْرُكُوا مَا نَهَاهُم عَنْهُ، وَلْيَنْظُرْ كُلُّ وَاحدٍ مِنْهُمْ مَا قَدَّمَ مِنْ عَمَل صَالِحٍ يَنْفَعُهُ فِي آخِرَتِهِ يَوْمَ الحِسَابِ، ثُمَّ يُؤَكِّدُ تَعَالى الأَمْرَ بِتَقْوَاهُ، مُبَيِّناً أَنَّهُ عَلِيمٌ بِأْحْوالِ العِبَادِ، جَمِيعِهَا، وَسَيُحَاسِبُهُمْ عَلَيْهَا.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ} [الحشر: 18] يعني: أيتها القوة المؤمنة اعتبري من هذه الآيات، ومما جرى على القوة المستكبرة والمعجبة، واكتسبي لفنسك اليوم ما ينفعك غداً بعد كشف الغطاء وطي علام الكسب {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ} [الحشر: 18] يعني: اتقوا عن الله عن عبادتكم، وتمسكوا بأذيال رحمته بأيدي عجزكم ومسكنكم. {إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} [الحشر: 18] سراً وجهراً نيةً أو عملاً، فأخلصوا نياتكم؛ لأن الله لا ينظر إلى أعمالكم ولا إلى صوركم، ولكن ينظر إلى قلوبكم ونياتكم وانظروا بعين المنقصة إلى نفوسكم وبعين الفضيلة إلى إخوانكم ولا تطاولوا على القوة النفسية والقالبية المؤمنة بعدكم؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: حديث : مثل أمتي كالمطر لا يدرى أوله من خير أم آخره تفسير : {وَلاَ تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ نَسُواْ ٱللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ} [الحشر: 19] يعني: مثل القوى التي آمنت باللطائف، ثم نسوا ذكر الله واشتغلوا بمشتهيات أنفسهم، وجعلوا دين الله عادة وميراثاً، وغفلوا عن حقيقة الدين {أُولَـٰئِكَ هُمُ ٱلْفَاسِقُونَ} [الحشر: 19] لا يشادهم حظوظ أنفسهم على الحقوق، ووقفوهم على صور الأعمال العارية غير الدخول في معناها {لاَ يَسْتَوِيۤ أَصْحَابُ ٱلنَّارِ وَأَصْحَابُ ٱلْجَنَّةِ} [الحشر: 20] يعني: لا يستوي من زكى قوة نباتية لتكون له بستاناً كمن يشعل نيران الحقد والحسد {لَوْ أَنزَلْنَا هَـٰذَا ٱلْقُرْآنَ عَلَىٰ جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعاً مُّتَصَدِّعاً مِّنْ خَشْيَةِ ٱللَّهِ} [الحشر: 21] يعني: لو أنزلنا الوارد على جبل القوة المعدنية لرأيتها خاشعة متصدعة من قوة الوارد وخشية ما أودع الله في الوارد، ولا تخشع هذه القلوب، فيدل على أن قلوب المنافقين والكافرين والاستعدادات المميزة للقوة الكافرة المنافقة النفسية والقلبية أشد وأصلب من جبل قوى معدنيته، ولأجل هذا السر يتمنى مقام الترابية بعد حصول الاستعدادات {وَتِلْكَ ٱلأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} [الحشر: 21] فينبغي أن يتفكر القارئ في هذه الآية لئلا يشتغل طول عمره بتصحيح مخرجه بلا تفكر يوماً واحداً في عجائب أمثاله وحكمه ويفهم الظاهري؛ أن الله يضرب الأمثال؛ ليتفكروا فيها ويفهموا ما في ضمن هذه الأمثال ولا يفقهون على ظاهر الجبل الذي ضرب به المثل، ويعلم أن مراد الله من إرسال الرسل، وإنزال الكتب تطهير القلب، وتزكية النفس، والتوجه إلى كعبة الوحدة لا حفظ الكتب، والغلبة على الأمم وجمع الدراهم والدنانير والأملاك والعقار والدواب والأنعام والجارية والأزواج والأولاد والتنعم بالنعم والتفوق على الأنام والارتكاب على الآثام أيها الغفلة الجهلة العجزة عن أيدي الشهوة والقوى تظنون أن قراءة الكلام وعلم الحلال والحرام مع الاشتغال بالشهوة على وفق الهوى يجتمعان لا والله لو لم يتصدع قلبك من القراءة، ولم يخشع من الوعظ، ولم يخرج منه حب الرئاسة والجاه؛ لا ينفعك قراءة الكلام، وعملك بالحلال والحرام بل يكون عليك حجة ووبالاً، ويزيد عليك عذاباً ونكالاً وسلاسلاً وأغلالاً.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : يأمر تعالى عباده المؤمنين بما يوجبه الإيمان ويقتضيه من لزوم تقواه، سرا وعلانية، في جميع الأحوال، وأن يراعوا ما أمرهم الله به من أوامره وشرائعه وحدوده، وينظروا ما لهم وما عليهم، وماذا حصلوا عليه من الأعمال التي تنفعهم أو تضرهم في يوم القيامة، فإنهم إذا جعلوا الآخرة نصب أعينهم وقبلة قلوبهم، واهتموا بالمقام بها، اجتهدوا في كثرة الأعمال الموصلة إليها، وتصفيتها من القواطع والعوائق التي توقفهم عن السير أو تعوقهم أو تصرفهم، وإذا علموا أيضا، أن الله خبير بما يعملون، لا تخفى عليه أعمالهم، ولا تضيع لديه ولا يهملها، أوجب لهم الجد والاجتهاد. وهذه الآية الكريمة أصل في محاسبة العبد نفسه، وأنه ينبغي له أن يتفقدها، فإن رأى زللا تداركه بالإقلاع عنه، والتوبة النصوح، والإعراض عن الأسباب الموصلة إليه، وإن رأى نفسه مقصرا في أمر من أوامر الله، بذل جهده واستعان بربه في تكميله وتتميمه، وإتقانه، ويقايس بين منن الله عليه وإحسانه وبين تقصيره، فإن ذلك يوجب له الحياء بلا محالة. والحرمان كل الحرمان، أن يغفل العبد عن هذا الأمر، ويشابه قوما نسوا الله وغفلوا عن ذكره والقيام بحقه، وأقبلوا على حظوظ أنفسهم وشهواتها، فلم ينجحوا، ولم يحصلوا على طائل، بل أنساهم الله مصالح أنفسهم، وأغفلهم عن منافعها وفوائدها، فصار أمرهم فرطا، فرجعوا بخسارة الدارين، وغبنوا غبنا، لا يمكنهم تداركه، ولا يجبر كسره، لأنهم هم الفاسقون، الذين خرجوا عن طاعة ربهم وأوضعوا في معاصيه، فهل يستوي من حافظ على تقوى الله ونظر لما قدم لغده، فاستحق جنات النعيم، والعيش السليم - مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين - ومن غفل عن ذكر الله، ونسي حقوقه، فشقي في الدنيا، واستحق العذاب في الآخرة، فالأولون هم الفائزون، والآخرون هم الخاسرون. ولما بين تعالى لعباده ما بين، وأمرهم ونهاهم في كتابه العزيز، كان هذا موجبا لأن يبادروا إلى ما دعاهم إليه وحثهم عليه، ولو كانوا في القسوة وصلابة القلوب كالجبال الرواسي، فإن هذا القرآن لو أنزله على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله أي: لكمال تأثيره في القلوب، فإن مواعظ القرآن أعظم المواعظ على الإطلاق، وأوامره ونواهيه محتوية على الحكم والمصالح المقرونة بها، وهي من أسهل شيء على [ ص 854 ] النفوس، وأيسرها على الأبدان، خالية من التكلف لا تناقض فيها ولا اختلاف، ولا صعوبة فيها ولا اعتساف، تصلح لكل زمان ومكان، وتليق لكل أحد. ثم أخبر تعالى أنه يضرب للناس الأمثال، ويوضح لعباده في كتابه الحلال والحرام، لأجل أن يتفكروا في آياته ويتدبروها، فإن التفكر فيها يفتح للعبد خزائن العلم، ويبين له طرق الخير والشر، ويحثه على مكارم الأخلاق، ومحاسن الشيم، ويزجره عن مساوئ الأخلاق، فلا أنفع للعبد من التفكر في القرآن والتدبر لمعانيه.
همام الصنعاني
تفسير : 3196- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله: {مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ}: [الآية: 18]، قال: يوم القيامة.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):