٥٩ - ٱلْحَشْر
59 - Al-Hashr (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
21
Tafseer
الرازي
تفسير : ثم إنه تعالى لما شرح هذه البيانات عظم أمر القرآن فقال: {لَوْ أَنزَلْنَا هَـٰذَا ٱلْقُرْءانَ عَلَىٰ جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَـٰشِعاً مُّتَصَدّعاً مِّنْ خَشْيَةِ ٱللَّهِ } والمعنى أنه لو جعل في الجبل عقل كما جعل فيكم، ثم أنزل عليه القرآن لخشع وخضع وتشقق من خشية الله. ثم قال: {وَتِلْكَ ٱلأَمْثَـٰلُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ } أي الغرض من ذكر هذا الكلام التنبيه على قساوة قلوب هؤلاء الكفار، وغلظ طباعهم، ونظير قوله: {أية : ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مّن بَعْدِ ذٰلِكَ فَهِيَ كَٱلْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً } تفسير : [البقرة: 74] واعلم أنه لما وصف القرآن بالعظم، ومعلوم أن عظم الصفة تابع لعظم الموصوف، أتبع ذلك بشرح عظمة الله فقال:
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {لَوْ أَنزَلْنَا هَـٰذَا ٱلْقُرْآنَ عَلَىٰ جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعاً} حث على تأمّل مواعظ القرآن، وبيَّن أنه لا عذر في ترك التدبُّر؛ فإنه لو خوطب بهذا القرآن الجبالُ مع تركيب العقل فيها لانقادت لمواعظه، ولرأيتها على صلابتها ورزانتها خاشعةً متصدّعةً؛ أي متشقِّقةً من خشية الله. والخاشع: الذليل. والمتصدع: المتشقق. وقيل: «خِاشِعاً» لله بما كلّفه من طاعته. {مُّتَصَدِّعاً} من خشية الله أن يعصيه فيعاقبه. وقيل: هو على وجه المثل للكفار. قوله تعالى: {وَتِلْكَ ٱلأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ} أي إنه لو أنزل هذا القرآن على جبل لخشع لوعده وتصدّع لوعيده؛ وأنتم أيها المقهورون بإعجازه لا ترغبون في وعده، ولا ترهبون من وعيده! وقيل: الخطاب للنبيّ صلى الله عليه وسلم؛ أي لو انزلنا هذا القرآن يا محمد على جبل لما ثبت، وتصدع من نزوله عليه؛ وقد أنزلناه عليك وثبَّتْناك له؛ فيكون ذلك امتناناً عليه أن ثبّته لما لا تثبت له الجبال. وقيل: إنه خطاب للأمة، وأن الله تعالى لو أنذر بهذا القرآن الجبال لتصدعت من خشية الله. والانسان أقل قوةً وأكثر ثباتاً؛ فهو يقوم بحقه إن أطاع، ويقدر على ردّه إن عصى؛ لأنه موعود بالثواب، ومزجور بالعقاب.
ابن كثير
تفسير : يقول تعالى معظماً لأمر القرآن، ومبيناً علو قدره، وأنه ينبغي أن تخشع له القلوب وتتصدع عند سماعه؛ لما فيه من الوعد الحق، والوعيد الأكيد: {لَوْ أَنزَلْنَا هَـٰذَا ٱلْقُرْءَانَ عَلَىٰ جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَـٰشِعاً مُّتَصَدِّعاً مِّنْ خَشْيَةِ ٱللَّهِ} أي: فإذا كان الجبل في غلظته وقساوته، لو فهم هذا القرآن فتدبر ما فيه، لخشع وتصدع من خوف الله عز وجل، فكيف يليق بكم يا أيها البشر أن لا تلين قلوبكم، وتخشع وتتصدع من خشية الله، وقد فهمتم عن الله أمره، وتدبرتم كتابه، ولهذا قال تعالى: {وَتِلْكَ ٱلأَمْثَـٰلُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ}. قال العوفي عن ابن عباس في قوله تعالى: {لَوْ أَنزَلْنَا هَـٰذَا ٱلْقُرْءَانَ عَلَىٰ جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَـٰشِعاً مُّتَصَدِّعاً} إلى آخرها، يقول: لو أني أنزلت هذا القرآن على جبل حملته إياه، لتصدع وخشع من ثقله، ومن خشية الله، فأمر الله الناس إذا نزل عليهم القرآن أن يأخذوه بالخشية الشديدة والتخشع، ثم قال تعالى: {وَتِلْكَ ٱلأَمْثَـٰلُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} وكذا قال قتادة وابن جرير. وقد ثبت في الحديث المتواتر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما عمل له المنبر، وقد كان يوم الخطبة يقف إلى جانب جذع من جذوع المسجد، فلما وضع المنبر أول ما وضع، وجاء النبي صلى الله عليه وسلم ليخطب، فجاوز الجذع إلى نحو المنبر، فعند ذلك حن الجذع، وجعل يئن كما يئن الصبي الذي يسكت؛ لما كان يسمع من الذكر والوحي عنده، ففي بعض روايات هذا الحديث قال الحسن البصري بعد إيراده: فأنتم أحق أن تشتاقوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من الجذع. وهكذا هذه الآية الكريمة، إذا كانت الجبال الصم لو سمعت كلام الله وفهمته لخشعت وتصدعت من خشيته، فكيف بكم وقد سمعتم وفهمتم؟ وقد قال تعالى: {أية : وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ ٱلْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ ٱلأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ ٱلْمَوْتَىٰ} تفسير : [الرعد: 31] الآية. وقد تقدم أن معنى ذلك، أي: لكان هذا القرآن، وقد قال تعالى: {أية : وَإِنَّ مِنَ ٱلْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ ٱلأَنْهَـٰرُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ ٱلْمَآءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ ٱللَّهِ} تفسير : [البقرة: 74]. ثم قال تعالى: { هُوَ ٱللَّهُ ٱلَّذِى لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ عَالِمُ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَـٰدَةِ هُوَ ٱلرَّحْمَـٰنُ ٱلرَّحِيمُ} أخبر تعالى: أنه الذي لا إله إلا هو، فلا رب غيره، ولا إله للوجود سواه، وكل ما يعبد من دونه فباطل، وأنه عالم الغيب والشهادة، أي: يعلم جميع الكائنات المشاهدات لنا، والغائبات عنا، فلا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء؛ من جليل وحقير، وصغير وكبير، حتى الذر في الظلمات. وقوله تعالى: {هُوَ ٱلرَّحْمَـٰنُ ٱلرَّحِيمُ} قد تقدم الكلام على ذلك في أول التفسير بما أغنى عن إعادته ههنا، والمراد أنه ذو الرحمة الواسعة الشاملة لجميع المخلوقات، فهو رحمن الدنيا والآخرة ورحيمهما، وقد قال تعالى: {أية : وَرَحْمَتِى وَسِعَتْ كُلَّ شَىْءٍ} تفسير : [الأعراف: 156] وقال تعالى: {أية : كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَىٰ نَفْسِهِ ٱلرَّحْمَةَ} تفسير : [الأنعام: 54] وقال تعالى: {أية : قُلْ بِفَضْلِ ٱللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ} تفسير : [يونس: 58] ثم قال تعالى: {هُوَ ٱللَّهُ ٱلَّذِى لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ٱلْمَلِكُ} أي: المالك لجميع الأشياء، المتصرف فيها بلا ممانعة ولا مدافعة. وقوله تعالى: {ٱلْقُدُّوسُ} قال وهب بن منبه: أي: الطاهر. وقال مجاهد وقتادة: أي: المبارك. وقال ابن جريج: تقدسه الملائكة الكرام. {ٱلسَّلَـٰمَ} أي: من جميع العيوب والنقائص؛ لكماله في ذاته وصفاته وأفعاله. وقوله تعالى: {ٱلْمُؤْمِنُ} قال الضحاك عن ابن عباس: أي: أمن خلقه من أن يظلمهم. وقال قتادة: أمن بقوله: أنه حق. وقال ابن زيد: صدق عباده المؤمنين في إيمانهم به. وقوله تعالى: {ٱلْمُهَيْمِنُ} قال ابن عباس وغير واحد: أي: الشاهد على خلقه بأعمالهم، بمعنى: هو رقيب عليهم؛ كقوله {أية : وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ شَهِيدٌ} تفسير : [البروج:9] وقوله {أية : ثُمَّ ٱللَّهُ شَهِيدٌ عَلَىٰ مَا يَفْعَلُونَ} تفسير : [يونس: 46] وقوله: {أية : أَفَمَنْ هُوَ قَآئِمٌ عَلَىٰ كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ} تفسير : [الرعد: 33] الآية. وقوله تعالى: {ٱلعَزِيزُ} أي: الذي قد عز كل شيء فقهره، وغلب الأشياء، فلا ينال جنابه؛ لعزته وعظمته وجبروته وكبريائه، ولهذا قال تعالى: {ٱلْجَبَّارُ ٱلْمُتَكَبِّرُ} أي: الذي لا تليق الجبرية إلا له، ولا التكبر إلا لعظمته؛ كما تقدم في الصحيح: «حديث : العظمة إزاري، والكبرياء رادئي، فمن نازعني واحداً منهما، عذبته» تفسير : . وقال قتادة: الجبار: الذي جَبَر خلقه على ما يشاء. وقال ابن جرير: الجبار: المصلحُ أمورَ خلقه، المتصرف فيهم بما فيه صلاحهم. وقال قتادة: المتكبر: يعني عن كل سوء. ثم قال تعالى: {سُبْحَـٰنَ ٱللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ}. وقوله تعالى: {هُوَ ٱللَّهُ ٱلْخَـٰلِقُ ٱلْبَارِىءُ ٱلْمُصَوِّرُ} الخلق: التقدير، والبرء: هو الفري، وهو التنفيذ، وإبراز ما قدره وقرره إلى الوجود، وليس كل من قدر شيئاً ورتبه يقدر على تنفيذه وإيجاده سوى الله عز وجل. قال الشاعر يمدح آخر:شعر : وَلأَنْتَ تَفري ما خَلَقْتَ وبَعْـ ـضُ القومِ يخلُق ثُمَّ لا يَفْري تفسير : أي: أنت تنفذ ما خلقت، أي: قدرت، بخلاف غيرك؛ فإنه لا يستطيع ما يريد، فالخلق: التقدير، والفري: التنفيذ، ومنه يقال: قدر الجلاد ثم فرى، أي: قطع على ما قدره بحسب ما يريده. وقوله تعالى: {ٱلْخَـٰلِقُ ٱلْبَارِىءُ ٱلْمُصَوِّرُ} أي: الذي إذا أراد شيئاً، قال له: كن، فيكون على الصفة التي يريد، والصورة التي يختار؛ كقوله تعالى: {أية : فِىۤ أَىِّ صُورَةٍ مَّا شَآءَ رَكَّبَكَ}تفسير : [الانفطار: 8] ولهذا قال: {ٱلْمُصَوِّرُ}، أي: الذي ينفذ ما يريد إيجاده على الصفة التي يريدها. وقوله تعالى: {لَهُ ٱلأَسْمَآءُ ٱلْحُسْنَىٰ} قد تقدم الكلام على ذلك في "سورة الأعراف". ونذكر الحديث المروي في الصحيحين عن أبي هريرة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن لله تعالى تسعة وتسعين اسماً، مئة إلا واحداً، من أحصاها، دخل الجنة، وهو وتر يحب الوتر» تفسير : وتقدم سياق الترمذي وابن ماجه له، عن أبي هريرة أيضاً، وزاد بعد قوله: «حديث : وهو وتر يحب الوتر»تفسير : . واللفظ للترمذي: «حديث : هو الله الذي لا إله إلا هو الرحمن، الرحيم، الملك، القدوس، السلام، المؤمن، المهيمن، العزيز، الجبار، المتكبر، الخالق، البارىء، المصور، الغفار، القهار، الوهاب، الرزاق، الفتاح، العليم، القابض، الباسط، الخافض، الرافع، المعز، المذل، السميع، البصير، الحكم، العدل، اللطيف، الخبير، الحليم، العظيم، الغفور، الشكور، العلي، الكبير، الحفيظ، المقيت، الحسيب، الجليل، الكريم، الرقيب، المجيب، الواسع، الحكيم، الودود، المجيد، الباعث، الشهيد، الحق، الوكيل، القوي، المتين، الولي، الحميد، المحصي، المبدىء، المعيد، المحيي، المميت، الحي، القيوم، الواجد، الماجد، الواحد، الصمد، القادر، المقتدر، المقدم، المؤخر، الأول، الآخر، الظاهر، الباطن، الوالي، المتعالي، البر، التواب، المنتقم، العفو، الرؤوف، مالك الملك، ذو الجلال والإكرام، المقسط، الجامع، الغني، المغني، المعطي، المانع، الضار، النافع، النور، الهادي، البديع، الباقي، الوارث، الرشيد، الصبور»تفسير : . وسياق ابن ماجه بزيادة ونقصان، وتقديم وتأخير، وقد قدمنا ذلك مبسوطاً مطولاً بطرقه وألفاظه بما أغنى عن إعادته ههنا. وقوله تعالى: {يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ} كقوله تعالى: {أية : تُسَبِّحُ لَهُ ٱلسَّمَـٰوَٰتُ ٱلسَّبْعُ وَٱلأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ وَإِن مِّن شَىْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ وَلَـٰكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا}تفسير : [الإسراء: 44] وقوله تعالى: {وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ} أي: فلا يرام جنابه {ٱلْحَكِيمُ} في شرعه وقدره. وقد قال الإمام أحمد: حدثنا أبو أحمد الزبيري، حدثنا خالد، يعني: ابن طَهْمان، أبو العلاء الخفاف، حدثنا نافع بن أبي نافع، عن معقل بن يسار عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : من قال حين يصبح ثلاث مرات: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، ثم قرأ ثلاث آيات من آخر سورة الحشر، وكل الله به سبعين ألف ملك يصلون عليه حتى يمسي، وإن مات في ذلك اليوم مات شهيداً، ومن قالها حين يمسي، كان بتلك المنزلة» تفسير : ورواه الترمذي عن محمود بن غيلان عن أبي أحمد الزبيري به. وقال: غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه.
المحلي و السيوطي
تفسير : {لَوْ أَنزَلْنَا هَٰذَا ٱلْقُرْءَانَ عَلَىٰ جَبَلٍ } وجعل فيه تمييز كالإِنسان {لَّرَأَيْتَهُ خَٰشِعاً مُّتَصَدِّعاً } متشققاً {مِّنْ خَشْيَةِ ٱللَّهِ وَتِلْكَ ٱلأَمْثَٰلُ } المذكورة {نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ } فيؤمنون.
الشوكاني
تفسير : لما فرغ سبحانه من ذكر أهل الجنة وأهل النار، وبيّن عدم استوائهم في شيء من الأشياء ذكر تعظيم كتابه الكريم، وأخبر عن جلالته، وأنه حقيق بأن تخشع له القلوب، وترقّ له الأفئدة، فقال: {لَوْ أَنزَلْنَا هَـٰذَا ٱلْقُرْءانَ عَلَىٰ جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَـٰشِعاً مُّتَصَدّعاً مّنْ خَشْيَةِ ٱللَّهِ } أي: من شأنه، وعظمته، وجودة ألفاظه، وقوّة مبانيه، وبلاغته، واشتماله على المواعظ التي تلين لها القلوب أنه لو أنزل على جبل من الجبال الكائنة في الأرض لرأيته مع كونه في غاية القسوة، وشدّة الصلابة، وضخامة الجرم خاشعاً متصدعاً، أي: متشققاً من خشية الله سبحانه، حذراً من عقابه، وخوفاً من أن لا يؤدي ما يجب عليه من تعظيم كلام الله، وهذا تمثيل وتخييل يقتضي علوّ شأن القرآن وقوّة تأثيره في القلوب، ويدلّ على هذا قوله: {وَتِلْكَ ٱلأمْثَـٰلُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ } فيما يجب عليهم التفكر فيه؛ ليتعظوا بالمواعظ، وينزجروا بالزواجر، وفيه توبيخ، وتقريع للكفار حيث لم يخشعوا للقرآن، ولا اتعظوا بمواعظه، ولا انزجروا بزواجره، والخاشع: الذليل المتواضع. وقيل: الخطاب للنبيّ صلى الله عليه وسلم، أي: لو أنزلنا هذا القرآن يا محمد على جبل لما ثبت، ولتصدّع من نزوله عليه، وقد أنزلناه عليك، وثبتناك له، وقوّيناك عليه، فيكون على هذا من باب الامتنان على النبيّ صلى الله عليه وسلم؛ لأن الله سبحانه ثبته لما لا تثبت له الجبال الرواسي. ثم أخبر سبحانه بربوبيته وعظمته، فقال: {هُوَ ٱللَّهُ ٱلَّذِى لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ } وفي هذا تقرير للتوحيد ودفع للشرك {عَـٰلِمُ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَـٰدَةِ } أي: عالم ما غاب من الإحساس وما حضر، وقيل: عالم السرّ والعلانية، وقيل: ما كان وما يكون، وقيل: الآخرة والدنيا، وقدّم الغيب على الشهادة لكونه متقدّماً وجوداً {هُوَ ٱلرَّحْمَـٰنُ ٱلرَّحِيمُ } قد تقدّم تفسير هذين الاسمين {هُوَ ٱللَّهُ ٱلَّذِى لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ } كرره للتأكيد والتقرير لكون التوحيد حقيقاً بذلك {ٱلْمَلِكُ ٱلْقُدُّوسُ } أي: الطاهر من كل عيب، المنزّه عن كل نقص، والقدس بالتحريك في لغة أهل الحجاز: السطل؛ لأنه يتطهر به، ومنه القادوس لواحد الأواني التي يستخرج بها الماء. قرأ الجمهور: {القدّوس} بضم القاف. وقرأ أبو ذرّ، وأبو السماك بفتحها، وكان سيبويه يقول: سبوح قدّوس بفتح أوّلهما، وحكى أبو حاتم عن يعقوب أنه سمع عند الكسائي أعرابياً فصيحاً يقرأ: {القدّوس} بفتح القاف. قال ثعلب: كل اسم على فعول فهو مفتوح الأوّل إلاّ السبوح والقدّوس، فإن الضم فيهما أكثر، وقد يفتحان {ٱلسَّلَـٰمُ } أي: الذي سلم من كل نقص وعيب، وقيل: المسلم على عباده في الجنة، كما قال: {أية : سَلاَمٌ قَوْلاً مّن رَّبّ رَّحِيمٍ }تفسير : [يۤس: 58] وقيل: الذي سلم الخلق من ظلمه، وبه قال الأكثر، وقيل: المسلم لعباده، وهو مصدر وصف به للمبالغة {ٱلْمُؤْمِنُ } أي: الذي وهب لعباده الأمن من عذابه، وقيل: المصدّق لرسله بإظهار المعجزات، وقيل: المصدّق للمؤمنين بما وعدهم به من الثواب، والمصدّق للكافرين بما أوعدهم به من العذاب، يقال: أمنه من الأمن وهو ضدّ الخوف، ومنه قول النابغة:شعر : والمؤمن العائذات الطير يمسحها ركبان مكة بين الغيل والسند تفسير : وقال مجاهد: المؤمن الذي وحد نفسه بقوله: {أية : شَهِدَ ٱللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ } تفسير : [آل عمران: 18]. قرأ الجمهور: {المؤمن} بكسر الميم، اسم فاعل من آمن بمعنى: أمن. وقرأ أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين بفتحها بمعنى: المؤمن به على الحذف كقوله: {أية : وَٱخْتَارَ مُوسَىٰ قَوْمَهُ }تفسير : [الأعراف: 155] وقال أبو حاتم: لا تجوز هذه القراءة؛ لأن معناه: أنه كان خائفاً فأمنه غيره {ٱلْمُهَيْمِنُ } أي: الشهيد على عباده بأعمالهم الرقيب عليهم. كذا قال مجاهد، وقتادة، ومقاتل. يقال: هيمن يهيمن فهو مهيمن: إذا كان رقيباً على الشيء. قال الواحدي: وذهب كثير من المفسرين إلى أن أصله مؤيمن من آمن يؤمن، فيكون بمعنى المؤمن، والأوّل أولى، وقد قدّمنا الكلام على المهيمن في سورة المائدة {ٱلْعَزِيزُ } الذي لا يوجد له نظير، وقيل: القاهر، وقيل: الغالب غير المغلوب، وقيل: القويّ {ٱلْجَبَّارُ} جبروت الله: عظمته، والعرب تسمي الملك الجبار، ويجوز أن يكون من جبر: إذا أغنى الفقير وأصلح الكسير، ويجوز أن يكون من جبره على كذا: إذا أكرهه على ما أراد، فهو الذي جبر خلقه على ما أراد منهم، وبه قال السديّ، ومقاتل، واختاره الزجاج، والفراء، قال: هو من أجبره على الأمر، أي: قهره. قال: ولم أسمع فعالاً من أفعل إلاّ في جبار من أجبر، ودرّاك من أدرك، وقيل: الجبار: الذي لا تطاق سطوته {ٱلْمُتَكَبّرُ } أي: الذي تكبر عن كل نقص، وتعظم عما لا يليق به، وأصل التكبر: الامتناع وعدم الانقياد، ومنه قول حميد بن ثور:شعر : عفت مثل ما يعفو الفصيل فأصبحت بها كبرياء الصعب وهي ذلول تفسير : والكبر في صفات الله مدح، وفي صفات المخلوقين ذمّ. قال قتادة: هو الذي تكبر عن كل سوء. قال ابن الأنباري: المتكبر ذو الكبرياء، وهو الملك، ثم نزه سبحانه نفسه عن شرك المشركين، فقال: {سُبْحَـٰنَ ٱللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ } أي: عما يشركونه، أو عن إشراكهم به {هُوَ ٱللَّهُ ٱلْخَـٰلِقُ } أي: المقدّر للأشياء على مقتضى إرادته ومشيئته {ٱلْبَارِىء } أي: المنشىء المخترع للأشياء الموجد لها. وقيل: المميز لبعضها من بعض {ٱلْمُصَوّرُ } أي: الموجد للصور المركب لها على هيئات مختلفة، فالتصوير مترتب على الخلق والبراية وتابع لهما، ومعنى التصوير: التخطيط والتشكيل، قال النابغة:شعر : الخالق البارىء المصور في الـ ـأرحام ماء حتى يصير دما تفسير : وقرأ حاطب بن أبي بلتعة الصحابي: {المصوّر} بفتح الواو ونصب الراء على أنه مفعول به للبارىء أي: الذي برأ المصوّر، أي: ميزه {لَهُ ٱلأسْمَاء ٱلْحُسْنَىٰ } قد تقدّم بيانها، والكلام فيها عند تفسير قوله: {أية : وَللَّهِ ٱلاسْمَاء ٱلْحُسْنَىٰ فَٱدْعُوهُ بِهَا } تفسير : [الأعراف 180] {يُسَبّحُ لَهُ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأرْض} أي: ينطق بتنزيهه بلسان الحال أو المقال كل ما فيهما {وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ } أي: الغالب لغيره الذي لا يغالبه مغالب، الحكيم في كل الأمور التي يقضي بها. وقد أخرج ابن جرير، وابن مردويه عن ابن عباس، في قوله: {لَوْ أَنزَلْنَا هَـٰذَا ٱلْقُرْءانَ عَلَىٰ جَبَلٍ } قال: يقول: لو إني أنزلت هذا القرآن على جبل حملته إياه تصدّع، وخشع من ثقله ومن خشية الله، فأمر الله الناس إذا نزل عليهم القرآن أن يأخذوه بالخشية الشديدة والتخشع. قال: كذلك يضرب الله الأمثال للناس لعلهم يتفكرون. وأخرج الديلمي عن ابن مسعود وعليّ مرفوعاً في قوله: {لَوْ أَنزَلْنَا هَـٰذَا ٱلْقُرْءانَ عَلَىٰ جَبَلٍ } إلى آخر السورة قال: هي رقية الصداع. رواه الديلمي بإسنادين لا ندري كيف حال رجالهما. وأخرج الخطيب في تاريخه بإسناده إلى إدريس بن عبد الكريم الحداد قال: قرأت على خلف، فلما بلغت هذه الآية قال: ضع يدك على رأسك، فإني قرأت على حمزة، فلما بلغت هذه الآية قال: ضع يدك على رأسك، فإني قرأت على الأعمش، ثم ساق الإسناد مسلسلاً هكذا إلى ابن مسعود فقال: فإني قرأت على النبيّ صلى الله عليه وسلم، فلما بلغت هذه الآية قال لي: «حديث : ضع يدك على رأسك، فإن جبريل لما نزل بها قال لي: ضع يدك على رأسك، فإنها شفاء من كلّ داء إلاّ السام»تفسير : ، والسام: الموت. قال الذهبي: هو باطل. وأخرجه ابن السني في عمل اليوم والليلة، وابن مردويه عن أنس؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر رجلاً إذا آوى إلى فراشه أن يقرأ آخر سورة الحشر وقال: «حديث : إن متّ متّ شهيداً»تفسير : . وأخرج ابن مردويه عن أبي أمامة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : من تعوّذ بالله من الشيطان ثلاث مرات، ثم قرأ آخر سورة الحشر بعث الله سبعين ملكاً يطردون عنه شياطين الإنس والجنّ إن كان ليلاً حتى يصبح، وإن كان نهاراً حتى يمسي»تفسير : . وأخرج أحمد، والدارمي، والترمذي وحسنه، والطبراني، وابن الضريس، والبيهقي في الشعب عن معقل بن يسار عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : من قال حين يصبح ثلاث مرّات: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، ثم قرأ الثلاث آيات من آخر سورة الحشر، وكل الله به سبعين ألف ملك يصلون عليه حتى يمسي، وإن مات ذلك اليوم مات شهيداً، ومن قالها حين يمسي كان بتلك المنزلة»تفسير : . قال الترمذي بعد إخراجه: غريب لا نعرفه إلاّ من هذا الوجه. وأخرج ابن عديّ، وابن مردويه، والخطيب، والبيهقي في الشعب عن أبي أمامة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : من قرأ خواتيم الحشر في ليل أو نهار، فمات من يومه أو ليلته أوجب الله له الجنة»تفسير : . وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {عَـٰلِمُ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَـٰدَةِ } قال: السرّ والعلانية. وفي قوله: {ٱلْمُؤْمِنُ } قال: المؤمِّن خلقه من أن يظلمهم، وفي قوله: {ٱلْمُهَيْمِنُ } قال: الشاهد.
الماوردي
تفسير : {لو أنزلنا هذا القرءآن على جبل} يحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون خطاباً لرسول الله صلى الله عليه وسلم إننا لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لما ثبت له بل انصدع من نزوله عليه، وقد أنزلناه عليك وثبتناك له، فيكون ذلك امتناناً عليه أن ثبته لما لا تثبت له الجبال. الثاني: أنه خطاب للأمة، وأن الله لو أنذر بهذا القرآن الجبال لتصدعت من خشية الله، والإنسان أقل قوة وأكثر ثباتاً، فهو يقوم بحقه إن أطاع، ويقدرعلى رده إن عصى، لأنه موعود بالثواب ومزجور بالعقاب. وفيه قول ثالث: إن الله تعالى ضربه مثلاً للكفار أنه إذا نزل هذا القرآن على جبل خشع لوعده وتصدع لوعيده، وأنتم أيها المقهروون بإعجازه لا ترغبون في وعده ولا ترهبون من وعيده. {هو الله الذي لا إله إلا هو} كان جابر بن زيد يرى أن اسم الله الأعظم هو الله، لمكان هذه الآية. {عالم الغيب والشهادة} فيه أربعة أقاويل: أحدها: عالم السر والعلانية، قاله ابن عباس. الثاني: عالم ما كان وما يكون. الثالث: عالم ما يدرك وما لا يدرك من الحياة والموت والأجل والرزق. الرابع: عالم بالآخرة والدنيا، قاله سهل. {هو الله الذي لا إله إلا هو الملك القدوس} في {القدوس} أربعة أوجه: أحدها: أنه المبارك، قاله قتادة، ومنه قول رؤبة: شعر : دعوت رب العزة القدوسا دعاء من لا يقرع الناقوسا تفسير : الثاني: أنه الطاهر، قاله وهب، ومنه قول الراجز: شعر : قد علم القدوس مولى القدوس. تفسير : الثالث: أنه اسم مشتق من تقديس الملائكة، قاله ابن جريج، وقد روي أن من تسبيح الملائكة سبوح قدوس رب الملائكة والروح. الرابع: معناه المنزه عن القبائح لاشتقاقه من تقديس الملائكة بالتسبيح فصار معناهما واحد. وأما {السلام} فهو من أسمائه تعالى كالقدوس، وفيه وجهان: أحدهما: أنه مأخوذ من سلامته وبقائه، فإذا وصف المخلوق بمثله قيل سالم وهو في صفة الله سلام، ومنه قول أمية بن أبي الصلت: شعر : سلامك ربنا في كل فجر بريئاً ما تعنتك الذموم تفسير : الثاني: أنه مأخوذ من سلامة عباده من ظلمه، قاله ابن عباس. [وفي {المؤمن} ثلاثة أوجه: أحدها: الذي يؤمن أولياءه من عذابه] الثاني: أنه مصدق خلقه في وعده، وهو معنى قول ابن زيد. الثالث: أنه الداعي إلى الإيمان، قاله ابن بحر. وأما {المهيمن} فهو من أسمائه أيضاً، وفيه خمسة أوجه: أحدها: معناه الشاهد على خلقه بأعمالهم، وعلى نفسه بثوابهم، قاله قتادة، والمفضل، وأنشد قول الشاعر: شعر : شهيد عليَّ الله أني أحبها كفى شاهداً رب العباد المهيمن تفسير : والثاني: معناه الأمين، قاله الضحاك. الثالث: المصدق، قاله ابن زيد. الرابع: أنه الحافظ، حكاه ابن كامل، وروي أن عمر بن الخطاب قال: إني داع فهيمنوا، أي قولوا آمين حفظنا الدعاء، لما يرجى من الإجابة. الخامس: الرحيم، حكاه ابن تغلب واستشهد بقول أمية بن أبي الصلت: شعر : مليك على عرش السمآء مهيمن لعزته تعنو الوجوه وتسجد تفسير : {العزيز} هو القاهر، وفيه وجهان: أحدهما: العزيز في امتناعه. الثاني: في انتقامه. {الجبار} فيه أربعة أوجه: أحدها: معناه العالي العظيم الشأن في القدرة والسلطان. الثاني: الذي جبر خلقه على ما شاء، قاله أبو هريرة، والحسن، وقتادة. الثالث: أنه الذي يجبر فاقة عباده، قاله واصل بن عطاء. الرابع: أنه الذي يذل له من دونه. {المتكبر} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: المتكبر عن السيئات، قاله قتادة. الثاني: المستحق لصفات الكبر، والتعظيم، والتكبر في صفات الله مدح، وفي صفات المخلوقين ذم. الثالث: المتكبر عن ظلم عباده. {هو الله الخالق} فيه وجهان: أحدهما: أنه المحدِث للأشياء على إرادته. الثاني: أنه المقدر لها بحكمته. {الْبَارِىءُ} فيه وجهان: أحدهما: المميز للخلق، ومنه قوله: برئت منه، إذا تميزت منه. الثاني: المنشىء للخلق، ومنه قول الشاعر: شعر : براك الله حين براه غيثاً ويجري منك أنهاراً عذاباً تفسير : {المصور} فيه وجهان: أحدهما: لتصوير الخلق على مشيئته. الثاني: لتصوير كل جنس على صورته. فيكون على الوجه الأول محمولاً على ابتداء الخلق بتصوير كل خلق على ما شاء من الصور. وعلى الوجه الثاني يكون محمولاً على ما استقر من صور الخلق، فيحدث خلق كل جنس على صورته وفيه على كلا الوجهين دليل على قدرته. ويحتمل وجهاً ثالثاً: أن يكون لنقله خلق الإنسان وكل حيوان من صورة إلى صورة، فيكون نطفة ثم علقة ثم مضغة إلى أن يصير شيخاً هرماً، كما قال النابغة: شعر : الخالق البارىء المصور في الــــ أرحام ماء حتى يصير دماً تفسير : {له الأسماء الحسنى} فيه وجهان: أحدهما: أن جميع أسمائه حسنى لاشتقاقه من صفاته الحسنى. الثاني: أن له الأمثال العليا، قاله الكلبي.
الثعالبي
تفسير : وقوله سبحانه: {لَوْ أَنزَلْنَا هَـٰذَا ٱلْقُرْءَانَ عَلَىٰ جَبَلٍ...} الآية: موعظةٌ للإنسان، وَذَمٌّ لأخلاقه وإعراضه وغفلته عن تَدَبُّرِ كلام خالقه، وإذا كان الجبلُ، على عِظَمِهِ وقُوَّتِهِ، لو أُنْزِلَ عليه القرآن وفَهِمَ منه ما فَهِمَهُ الإنسان، لخشع واستكان، وتصدَّع، خشيةً للَّه تعالى ـــ: فالإِنسانُ على حقارته وضَعْفِهِ أولى بذلك، وضرب اللَّه سبحانه هذا المثل؛ ليتفكر فيه العاقلُ، ويخشعَ ويلينَ قلبُهُ. وقوله سبحانه: {هُوَ ٱللَّهُ ٱلَّذِى لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ عَالِمُ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَـٰدَةِ هُوَ ٱلرَّحْمَـٰنُ ٱلرَّحِيمُ} الآية: لما قال تعالى: {مِّنْ خَشْيَةِ ٱللَّهِ}، جاء بالأوصاف العَلِيَّةِ التي تُوجِبُ لمخلوقاته هذه الخشيةَ، وقرأ الجمهور: «القُدُّوسُ» ـــ بضم القاف ـــ؛ من تَقَدَّسَ إذا تطهَّرَ وتنزَّه. وقوله: {ٱلسَّلَـٰمُ} أي: ذو السلام؛ لأَنَّ الإيمان به وتوحيدَه وأفعاله هي لمن آمنَ سلام كُلُّها، و{ٱلْمُؤْمِنُ}: اسم فاعل من آمن بمعنى أمن من الأمن، وقيل: معناه: المُصَدِّقُ عبادَهُ المؤمنين، و{ٱلْمُهَيْمِنُ}: معناه: الحفيظ والأمين؛ قاله ابن عباس، و{ٱلْجَبَّارُ}: هو الذي لا يدانيه شيءٌ، ولا تُلْحَقُ رتبته، قال الفخر: وفي اسمه تعالى: {ٱلْجَبَّارُ} وجوه: أحدها: أَنَّه فَعَّالٌ؛ من جَبَرَ إذا أغنى الفقيرَ وجبر الكسير. والثاني: أنْ يكون الجبار من جَبَرَهُ إذا أكرهه؛ قال الأزهريُّ: وهي لغة تميم، وكثيرٌ من الحجازيين يقولونها بغير ألف في الإكراه، وكان الشافعيُّ رحمه اللَّه يقول: جَبَرَهُ السلطانُ على كذا بغير ألف، وجعل الفرَّاءُ {ٱلْجَبَّارُ} بهذا المعنى من أجبر بالألف، وهي اللغة المعروفة في الإكراه، انتهى، و{ٱلْمُتَكَبِّرُ}: معناه: الذي له التكبُّرُ حَقًّا و{ٱلْبَارِىءُ} بمعنى: الخالق، و{ٱلْمُصَوِّرُ}: هو الذي يوجد الصورَ، وباقي الآية بَيِّنٌ، وروى مَعْقِلُ بن يسار عنِ النبي صلى الله عليه وسلم أَنَّه قال:«حديث : مَنْ قَالَ حِينَ يُصْبِحُ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ: أَعُوذُ بِاللَّهِ السَّمِيعِ الْعَلِيمِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ، وَقَرَأَ ثَلاَثَ آياتٍ مِنْ آخِرِ سُورَةِ الْحَشْرِ ـــ: وَكَّلَ اللَّهُ بِهِ سَبْعِينَ أَلْفَ مَلَكٍ يُصَلُّونَ عَلَيْهِ، حَتَّى يُمْسِي، وَإنْ مَاتَ في ذَلِكَ الْيَوْمِ مَاتَ شَهِيداً، وَمَنْ قَالَهَا حِينَ يُمْسِي كَانَ بِتَلْكَ الْمَنْزِلَةِ»تفسير : رواه الترمذي، وقال: حديث حسن غريب، انتهى.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن المنذر عن الضحاك في قوله: {لو أنزلنا هذا القرآن على جبل} الآية، قال: لو أنزلت هذا القرآن على جبل فأمرته بالذي أمرتكم وخوّفته بالذي خوفتكم به إذاً يصدع ويخشع من خشية الله، فأنتم أحق أن تخشوا وتذلوا وتلين قلوبكم لذكر الله. وأخرج ابن المنذر عن مالك بن دينار قال: أقسم لكم لا يؤمن عبد بهذا القرآن إلا صدع قلبه. وأخرج ابن جرير وابن مردويه عن ابن عباس في قوله: {لو أنزلنا هذا القرآن} الآية قال: يقول: لو أني أنزلت هذا القرآن على جبل حملته إياه تصدع وخشع من ثقله ومن خشية الله فأمر الله الناس إذا نزل عليهم القرآن أن يأخذوه بالخشية الشديدة والتخشع قال: {كذلك يضرب الله الأمثال للناس لعلهم يتفكرون} . وأخرج الديلمي عن ابن مسعود وعليّ مرفوعاً في قوله: {لو أنزلنا هذا القرآن على جبل} إلى آخر السورة، قال: هي رقية الصداع. وأخرج الخطيب البغدادي في تاريخه قال: حديث : أنبأنا أبو نعيم الحافظ أبنأنا أبو الطيب محمد بن أحمد بن يوسف بن جعفر المقري البغدادي، يعرف بغلام ابن شنبوذ، أبنأنا إدريس بن عبد الكريم الحداد قال: قرأت على خلف فلما بلغت هذه الآية {لو أنزلنا هذا القرآن على جبل} قال: ضع يدك على رأسك فإني قرأت على سليم فلما بلغت هذه الآية قال: ضع يدك على رأسك فإني قرأت على الأعمش، فلما بلغت هذه الآية قال: ضع يدك على رأسك، فإني قرأت على يحيى بن وثاب، فلما بلغت هذه الآية قال: ضد يدك على رأسك، فإني قرأت على علقمة والأسود، فلما بلغت هذه الآية قال: ضع يدك على رأسك، فإنا قرأنا على عبدالله، فلما بلغنا هذه الآية قال: ضعا أيديكما على رؤوسكما فإني قرأت على النبيّ صلى الله عليه وسلم، فلما بلغت هذه الآية قال لي: "ضع يدك على رأسك فإن جبريل لما نزل بها إليّ قال لي: ضع يدك على رأسك فإنها شفاء من كل داء إلا السأم والسأم الموت" . تفسير : أخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: اسم الله الأعظم هو الله. وأخرج ابن مردويه عن أبي أيوب الأنصاري أنه كان له مربد للتمر في بيته، فوجد المربد قد نقص، فلما كان الليل أبصره، فإذا بحس رجل فقال له: من أنت؟ قال: رجل من الجن، أردنا هذا البيت فأرملنا من الزاد فأصبنا من تمركم، ولا ينقصكم الله منه شيئاً، فقال له أبو أيوب الأنصاري: إن كنت صادقاً فناولني يدك فناوله يده، فإذا بشعر كذراع الكلب، فقال له أبو أيوب: ما أصبت من تمرنا فأنت في حل، ألا تُخبرني بأفضل ما تتعوّذ به الإِنس من الجن؟ قال: هذه الآية آخر سورة الحشر. وأخرج ابن مردويه عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : من قرأ آخر سورة الحشر ثم مات من يومه وليلته كفر عنه كل خطيئة عملها ". تفسير : وأخرج ابن السني في عمل يوم وليلة وابن مردويه عن أنس حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر رجلاً إذا أوى إلى فراشه أن يقرأ آخر سورة الحشر، وقال: "إن متَّ متَّ شهيداً" . تفسير : وأخرج أبو علي عبد الرحمن بن محمد النيسابوري في فوائده عن محمد بن الحنفية أن البراء بن عازب قال لعلي بن أبي طالب: سألتك بالله إلا ما خصصتني بأفضل ما خصك به رسول الله صلى الله عليه وسلم، مما خصه به جبريل، مما بعث به إليه الرحمن، قال: يا براء إذا أردت أن تدعو الله باسمه الأعظم فاقرأ من أول الحديد عشر آيات وآخر سورة الحشر، ثم قل: يا من هو هكذا وليس شيء هكذا غيره أسألك أن تفعل بي كذا وكذا، فوالله يا براء لو دعوت عليّ لخسف بي. وأخرج ابن مردويه عن أبي أمامة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : من تعوذ بالله من الشيطان ثلاث مرات ثم قرأ آخر سورة لحشر بعث الله إليه سبعين ألف ملك يطردون عنه شياطين الإِنس والجن إن كان ليلاً حتى يصبح، وإن كان نهاراً حتى يمسي ". تفسير : وأخرج ابن مردويه عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله إلا أنه قال:حديث : يتعوذ الشيطان عشر مرات ". تفسير : وأخرج أحمد والدارمي والترمذي وحسنه وابن الضريس والبيهقي في شعب الإِيمان عن معقل بن يسار عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : من قال حين يصبح عشر مرات أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، ثم قرأ الثلاث آيات من آخر سورة الحشر وكل الله به سبعين ألف ملك يصلون عليه حتى يمسي، وإن مات ذلك اليوم مات شهيداً، ومن قالها حين يمسي كان بتلك المنزلة ". تفسير : وأخرج ابن عدي وابن مردويه والخطيب والبيهقي في شعب الإِيمان عن أبي أمامة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : من قرأ خواتيم الحشر في ليل أو نهار فمات في يومه أو ليلته فقد أوجب له الجنة ". تفسير : وأخرج ابن الضريس عن عتيبة قال: حدثنا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه من قرأ خواتيم الحشر حين يصبح أدرك ما فاته من ليلته وكان محفوظاً إلى أن يمسي، ومن قرأها حين يمسي أدرك ما فاته من يومه وكان محفوظاً إلى أن يصبح، وإن مات أوجب. وأخرج الدارمي وابن الضريس عن الحسن قال: من قرأ ثلاث آيات من آخر سورة الحشر إذا أصبح فمات من يومه ذلك طبع بطابع الشهداء، وإن قرأ إذا أمسى فمات من ليلته طبع بطابع الشهداء. وأخرج الديلمي عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : اسم الله الأعظم في ستة آيات من آخر سورة الحشر ". تفسير : وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {عالم الغيب والشهادة} قال: السر والعلانية، وفي قوله: {المؤمن} قال: المؤمن خلقه من أن يظلمهم وفي قوله: {المهيمن} قال: الشاهد. وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله: {عالم الغيب} قال: ما يكون وما هو كائن وفي قوله: {القدوس} قال: تقدسه الملائكة. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وأبو الشيخ في العظمة في قوله: {القدوس} قال: المبارك {السلام المؤمن} قال: المؤمن من آمن به {المهيمن} الشهيد عليه {العزيز} في نقمته إذا انتقم {الجبار} جبر خلقه على ما يشاء المتكبر عن كل سوء. وأخرج ابن المنذر عن زيد بن علي قال: إنما سمي نفسه {المؤمن} لأنه آمنهم من العذاب. وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر والبيهقي في الأسماء والصفات عن محمد بن كعب قال: إنما تسمى {الجبار} أنه يجبر الخلق على ما أراده.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {لَوْ أَنزَلْنَا هَـٰذَا ٱلْقُرْآنَ عَلَىٰ جَبَلٍ} [الآية: 21]. قال ابن عطاء: أشار إلى فضله وإلى أوليائه وأهل معرفته أن شيئاً من الأشياء لا يقوم بصفاته ولا يبقى مع تجليه إلاَّ من قواه الله على ذلك وهو قلوب العارفين فقاموا له به لا بغيره فهو القائم بهم لا هم.
القشيري
تفسير : أي لو كان للجبلِ عقلٌ وصلاحُ فِكْرٍ وسِرٍّ، وأنزلنا عليه هذا القرآن لخَضَعَ وخَشَعَ. ويجوز أن يكون على جهة ضرب المثل كما قال: {أية : تَكَادُ ٱلسَّمَٰوَٰتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ} تفسير : [مريم: 90] ويدل عليه أيضاً قوله: {وَتِلْكَ ٱلأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ}: ليعقلوا ويهتدوا، أي بذلك أمَرْناهم، والمقصود بيان قسوة قلوبهم عند سماع القرآن. ويقال: ليس هذا الخطابُ على وَجْهِ العتابِ معهم، بل هو على سبيل المدح وبيان تخصيصه إيَّاهم بالقوة؛ فقال: {لَوْ أَنزَلْنَا هَـٰذَا ٱلْقُرْآنَ عَلَىٰ جَبَلٍ} لم يُطِقْ ولخَشَع - وهؤلاء خَصَصْتُهم بهذه القوة حتى أطاقوا سماع خطابي.
البقلي
تفسير : قوله تعالى {لَوْ أَنزَلْنَا هَـٰذَا ٱلْقُرْآنَ عَلَىٰ جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعاً مُّتَصَدِّعاً مِّنْ خَشْيَةِ ٱللَّهِ} فى هذه الآية بعض العتاب مع اهل الماب بانهم لا يذوبون تحت موارد الخطاب الازلى ولا يفنون فى مشاهدة الصفات ولا يرونها عين الذات فان من حقه ان يكون المخاطب بعد متابعة فانيا عن نفسه وعن اكون فيه ولو كان الجبال مقامه فى الخطاب لتدكدكت الجبال وتدررت وانفلقت الصخور والصمم وانهدمت الشامخات والعاديات فى سطوات انواره وهجوم سنا اقداره اذ كل حرف من خطابه اعظم من العرش والكرسى والجنة والنار والاكوان والحدثان وذلك بانها عرفت حقيقة واقرت بالعجز عن حمل هذا الخطاب العظيم حيث قال سبحانه فابين ان يحملها واشفقن منها وحملها الانسان انه كان ظلوما جهولا ظلمة قيامه بازاء القدم وجهلله قلة معرفته بحقائق العبودية والربوبية ولا تخض يا اخى فى بحر كلام المتكلمين ان الجبال ليس لها عقل فان هناك ارواحا وعقولا لا يعلمها الا الله قال الله يا جبال اوبى ولولا هناك ما تقبل الخطاب لما خاطبها فان ببعض الخطاب ومباشرة الامر تهبط من خشية الله قال الله وان منها لما يشقق فيخرج من الماء وان منها ما يهبط من خشية الله مكنا العلم بالله وبخطابه وفيه اشارة أخرى فى بيان شرف النبى صلى الله عليه وسلم وامته بانهم حملوا ما لم يحملوا الجبال بقوتها يحملونه بذوق الخطاب وكشف النقاب والسرور بالماب فانهم حملوا بهذا الوجه عظائم كلمات لو حلمتها الجبال الشامخات فى برحائها كما قيل شعر : لو ان ما بى بالحصا فلق الحصا بالريح لم يسمع لهن هبوب تفسير : قال ابن عطا اشار الى فضله باوليائه واهل معرفته ان شيئا من الاشياء لا يقوم بصفاته ولا يبقى مع تجليه الا من قوّاه الله على ذك وهو قلوب العارفين فقاموا له به لا بغيره وهو القائم بهم لا هم وهكذا قال الاستاذ ليس هذا الخطاب على وجه العتاب معهم بل هو على سبيل المدح وبيان تخصيصه اياهم بالقوة فقال لو انزلنا هذا القرأن على حبل لو تطق ولتخشع وهولاء خصصتهم بهذه القوة اطاقوا سماع خطابى.
اسماعيل حقي
تفسير : {لو أنزلنا هذا القرءآن} العظيم الشأن المنزل عليكم ايها الناس المنطوى على فنون القوارع او المنزل عليك يا محمد او على محمد بحسب الالتفات فى الخطاب قال ابن عباس رضى الله عنهما ان السماء اطت يعنى آو ازداد من ثقل الالواح لما وضعها الله عليها فى وقت موسى فبعث الله لكل حرف منها ملكا فلم يطيقوا حلمها فخففها على موسى وكذلك الانجيل على عيسى والفرقان على محمد عليهم السلام ثم انه لايلزم فى الاشارة وجود جملة المشار اليه ذى الابعاض المترتبة وجودا بل يكفى وجود بعض الاشارة حقيقة ووجود بعض آخر حكما ويحتمل أن يكون المشار اليه هنا الآية السابقة من قوله تعالى {أية : يا أيها الذين آمنوا}تفسير : الخ فان لفظ القرءآن كما يطلق على المجموع يطلق على البعض منه حقيقة بالاشتراك او باللغة او مجازا بالعلاقة فيكون التذكير باعتبار تذكير المشار اليه {على جبل} من الجبال وهى ستة آلاف وستمائمة وثلاثة وسبعون جبلا سوى التلول كما فى زهرة الرياض وهى محركة كل وتد للارض عظم وطال فان انفرد فأكمة وقنة بضم القاف و اعتبر معانية فاستعير واشتق منه بحسبه فقيل فلان جبل لايتد حرج تصور المعنى الثابت وجبله ا لله على كذا اشارة الى ماركب فيه من الطبع الذى يأبى على الناقل نقله {لرأيته} يامن من شأنه الرؤية اويا محمد مع كونه علما فى القسوة وعدم التأثر مما يصدمه {خاشعا} خاضعا ذليلا وهو حال من الضمير المنصوب فى قوله {لرأيته} لانه من الرؤية البصرية قال بعضهم الخشوع انقياد الباطن للحق والخضوع انقياد الظاهر له وقال بعضهم الخضوع فى البدن والخشوع فى الصوت والبصر قال الراغب الخشوع ضراعة واكثر مايستعمل فيما يوجد فى الجوارح والضراعة اكثر ماتستعمل فيما يوجد فى القلب ولذلك قيل فيما روى اذا ضرع القلب خشعت الجوارح {متصدعا من خشية الله} اى متشققا منها أن يعصيه فيعاقبه والصدع شق فى الاجسام الصلبة كالزجاج والحديد ونحوهما ومنه استعير الصداع وهو الانشقاق فى الرأس من الوجع قال العلماء هذا بيان وتصوير لعلو شأن القرءآن وقوة تأثير مافيه من المواعظ أريد به توبيخ الانسان على قسوة قلبه وعدم تخشعه عند تلاوته وقلة تدبره فيه والمعنى لو ركب فى الجبل عقل وشعور كما ركب فيكم أيها الناس ثم أنزل عليه القرءآن ووعد وأوعد حسب حالكم لخشع وخضع وتصدع من خشية الله حذرا من ان لايؤدى حق الله تعالى فى تعظيم القرءآن والامتثال لما فيه من امره ونهيه والكافر المنكر اقسى منه ولذا لا يتأثر اصلا (مصراع) اى دل سنكين تويك ذره سوهان كيرنيست، وهو كما تقول لمن تعظه ولا ينجع فيه وعظك لو كلمت هذا الحجر لأثر فيه ونظيره قول الامام مالك للشافعى لو رأيت أبا حنيفة رأيت رجلا لو كلمك فى هذه السارية ان يجعلها ذهبا لقامت حجته شعر : دلرا اثر روى توكل بوش كند جانرا سخن خوب تو مدهوش كند آتش كه شراب وصل تونوش كند از لطف تو سوختن فراموش كند تفسير : يقول الفقير فيه ذهول عن ان الله تعالى خلق الاشياء كلها ذات حياة وادراك فى الحقيقة والا لما اندك الجبل عند التجلى ولما شهد للمؤذن كل رطب ويابس سمع صوته ونحو ذلك وقد كاشف عن هذه الحياة اهل الله وغفل عنها المحجوبون على ما حقيق مرارا نعم فرق بين الجبل عند التجلى وعندما أنزل عليه القرءآن وبينه عند الاستتار وعدم الانزال فان اثر الحياة فى الصورة الاولى محسوس مشاهد للعامة والخاصة واما فى الصورة الثانية فمحسوس للخاصة فقط فاعرف {وتلك الامثال} اشارة الى هذا المثل والى امثاله فى مواضع من التنزيل اى هذا القول الغريب فى عظمة القرءآن ودناءة حال الانسان وبيان صفتهما العجيبة وسائر الامثال الواقعة فى القرءآن فان لفظ المثل حقيقة عرفية فى القول السائر ثم يستعار لكل امر غريب وصفة عجيبة الشان تشبيها له بالقول السائر فى الغرابة لانه لايخلو عن غرابة {نضربها للناس} بيان ميكنيم مرانسانرا قد جاء فى سورة الزمر ولقد ضربنا للناس فى هذا القرءآن من كل مثال بالاخبار على المضى مع انها مكية وقال هنا نضربها بالاستقبال مع ان السورة مدنية فلعل الاول من قبيل عدما سيحقق مما حقق لتحققه بلا خلاف والثانى من قبيل التعبير عن الماضى بالمضارع لاحضار الحال او لارادة الاستمرار على الاحوال بمعنى ان شأننا ان نضرب الامثال للناس {لعلهم يتفكرون} اى لمصلحة التفكر ومنفعة التذكر، يعنى شايد كه انديشه كنند دران وبهره بردارند ازان بايمان، ولا يقتضى كون الفعل معللا بالحكمة والمصلحة ان يكون معللا بالغرض حتى تكون افعاله تعالى معلة بالاغراض اذا الغرض من الاحتياج والحكمة اللطف بالمحتاج وعن بعض العلماء انه قال من عجز عن ثمانية فعليه بثمانية اخرى لينال فضلها من أراد فضل صلاة الليل وهو نائم فلا يعص بالنهار ومن أراد فضل صيام التطوع وهو مفطر فليحفظ لسانه عما لايعنيه ومن أراد فضل العلماء فعليه بالتفكر ومن أراد فضل المجاهدين والغزاة وهو قاعد فى بيته فليجاهد الشيطان ومن أراد فضل الصدقة وهو عاجز فليعلم الناس ماسمع من العلم ومن أراد فضل الحج وهو عاجز فليلتزم الجمعة ومن اراد فضل العابدين فليصلح بين الناس ولا يوقع العداوة ومن أراد فضل الابدال فليضع يده على صدره ويرضى لاخيه مايرضى لنفسه قال عليه السلام "حديث : اعطوأ اعينكم حظها من العبادة"تفسير : قالوا ماحظها من العبادة يارسول الله قال "حديث : النظر فى المصحف والتفكر فيه والاعتبار عند عجائبه"تفسير : (وفى المثنوى) شعر : خوش بيان كرد آن حكيم غزنوى بهر محجوبان مثال معنوى كه ز قرآن كرنه بيند غير قال اين عجب نبودزاصحاب ضلال كز شعاع آفتاب برز نور غير كرمى مى نيابد جشم كور تفسير : وعن ابن عباس رضى الله عنهما ركعتان مقتصدتان فى تفكر خير من قيام ليلة بلا قلب وعن الحسن البصرى رحمه الله من لم يكن كلامه حكمة فهو لغو ومن لم يكن سكوته تفكرا فهو سهو ومن لم يكن نظره عبرة فهو لهو وعن أبى سليمان رحمه الله الفكرة فى الدنيا حجاب عن الآخرة وعقوبة لاهل الولاية والفكرة فى الآخرة تورث الحكمة وتحيى القلب وكثيرا ماينشد سفيان بن عيينة ويقول شعر : اذا المرء كانت له فكرة ففى كل شىء له عبرة تفسير : والتفكر اما أن يكون فى الخالق او الخلق والاول اما فى ذاته او فى صفاته او فى افعاله اما فى ذاته فممنوع لانه لايعرف الله الا الله الا أن يكون التفكر فى ذاته باعتبار عظمته وجلاله وكبريائه من حيث وجوب الوجود ودوام البقاء وامتناع الامكان والفناء والصمدية التى هى الاستغناء عن الكل واما فى صفاته فهو فيها باعتبار كمالها بحيث يحيط علمه بجميع المعلومات وقدرته بجميع الاشياء وارادته بجميع الكائنات وسمعه بجميع المسموعات وبصره بجميع المبصرات ونحو ذلك واما فى افعاله فهو فيها بحسب شمولها وكثرتها ومتانتها ووقوعها على الوجه الاتم كل يوم هو فى شأن والثانى اما أن يكون فيما كان من العلويات والسفليات اوفيما سيكون من اهوال القيامة واحوال الآخرة الى الآباد قال بعض العارفين الفكر اما فى آيات الله وصنائعه فيتولد منه المعرفة واما فى عظمة الله وقدرته فيتولد منه الحياة واما فى نعم الله ومنته فيتولد منه المحبة واما فى وعد الله بالثواب فيتولد منه الرغبة فى الطاعة وما فى وعيد الله بالعقاب فيتولد منه الرهبة من المعصية واما فى تفريط العبد فى جنب الله فيتولد منه الحياء والندامة والتوبة ومن مهمات التفكر أن يتفكر المتفكر فى امر نفسه من مبدأه ومعاشه ومن اطاعته لربه ببدنه ولسانه وفؤاده ولو صرف عمره فى فكر نفسه نظرا الى اول أمره واوسطه وآخره لما اتم وفى الآية اشارة الى ان الله لو تجلى بصورة القرءآن الجمعى المشتمل على حروف الموجودات العلوية وكلمات المخلوقات السفلية على جبل الوجود الانسانى لتلاشى من سطوة التجلى والى ان العارف ينبغى أن يذوب تحت الخطاب الالهى من شدة التأثير والى ان هذه الامة حملوا بهمتهم مالم تحمله الجبال بقوتها كما قال تعالى {أية : فأبين أن يحلمنها وأشفقن منها وحملها الانسان }
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحقّ جلّ جلاله: {لو أنزلنا هذا القرآن} العظيم الشأن، المنطوي على فنون القوارع، {على جبلٍ} من الجبال، مع كونه علَماً في القسوة وعدم التأثير بما يُصادمه، {لَرَأيته خاشعًا}؛ خاضعًا متصدِّعًا متشققًا {من خشية الله} أي: من شأن القرآن وعظمته أنه لو جُعل في الجبل تمييز، ونزل عليه، لخضع وتطأطأ وتشقق من خشية الله، وهذا تمثيل وتخييل لعلو شأن القرآن، وقوة تأثير ما فيه من المواعظ، كما ينطق به قوله تعالى: {وتلك الأمثالُ نضربها للناس لعلهم يتفكرون}، وهي إشارة إلى هذا المثل، وإلى أمثاله في مواضع من التنزيل. والمراد: توبيخ الإنسان على قسوة قلبه، وقلة تخشُّعه عند تلاوة القرآن، وتدبُّر قوارعه وزواجره. الإشارة: قال ابن عطاء: أشار إلى فضله على أوليائه وأهل معرفته، أنَّ شيئًا من الأشياء لا يقوم لصفاته، ولا يبقى مع تجلَّيه، إِلاّ مَن قوّاه الله على ذلك، وهو قلوب العارفين. هـ. قلت: وهذا في تجلِّي الصفات، فما بالك بتجلِّي الذات؟! فلا يطيقه إلاّ قلوب الراسخين المقربين، وقال العارف الورتجبي: لو كانت الجبالُ مقامَ الإنسان في الخطاب لتدكدكت الجبال، وتذرّرت، وانفلتت الصخور الصم، وانهدمت الشامخات العاليات، في سطوات أنواره، وهجوم سنا أقداره، وذلك بأنها عرفت حقيقةً، وأقرت بالعجز عن حمل هذا الخطاب العظيم حيث قال سبحانه: {أية : فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا }تفسير : [الأحزاب: 72]. قلت: وكأنه يُشير إلى أن تجلي صفة كلامه من جملة الأمانة التي عرضت على السموات والأرض والجبال، فأبيْنَ أن يحملنها، وهذه الأمانة هي تجلِّي الذات وتجلِّي الصفات، فلم يطق حملها إلاَّ الإنسان الكامل، وهو العارف الحقيقي، أما عن تجلِّي الذات فقد أشفقت مِن حمله السمواتُ والأرضُ والجبالُ، حسبما تقدّم. أما تجلِّي الصفات؛ فذكر هنا أنه لو تجلّت للجبل لخضع وتشقّق ولم يطق حملها، فلو زالت حُجب الغفلة عن القلوب لذابت من هيبة تجلِّي صفة كلامه وخطابه تعالى، إلاَّ أنَّ الله تعالى قَوَّى قلوب أوليائه حتى أطاقوا شهود ذاته، وسماع خطابه، بعد انقشاع الحُجب عن قلوبهم. ثم قال الورتجبي: ولا تخض يا أخي في بحر كلام المتكلمين أنَّ الجبال ليس لها عقل، فإِنَّ هناك أرواحًا وعقولاً لا يعلمها إلا الله {أية : يَآجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ }تفسير : [سبأ:10] ولو لا هناك ما يقبل الخطاب لما خاطبها، فإنَّ ببعض الخطاب ومباشرة الأمر تهبط من خشية الله، قال الله تعالى: {أية : وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ ٱللَّهِ } تفسير : [البقرة:74] والخشية: مكان العلم بالله وبخطابه. هـ. قلت: أسرار المعاني القائمة بالأواني سارية في الجمادات وغيرها، فهي عاقلة عالمة في باطن الأمر. والله تعالى أعلم. ثم عرَّف بذاته، لتتربّى الخشية والهيبة في القلوب عند سماع كلامه، فقال: {هُوَ ٱللَّهُ ٱلَّذِي لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ}.
الطوسي
تفسير : يقول الله تعالى معظماً لشأن القرآن الذى انزله عليه مكبراً لحاله فى جلالة موقعه بأنه لو أنزل القرآن على جبل لرئي الجبل خاشعاً، والمراد به المثل، وتقديره لو كان الجبل مما ينزل عليه القرآن ولو شعر به - مع غلظه وجفاء طبعه وكبر جسمه - لخشع لمنزله تعظيماً لشأنه ولتصدع من خشيته، فالانسان أحق بهذا لو عقل الأحكام التي فيه. والتصدع التفرق بعد التلاؤم، ومثله التفطر يقال: صدعه يصدعه صدعا فهو صادع وذاك مصدوع ومنه الصداع فى الرأس وهو معروف، وتصدع تصدعا وانصدع إنصداعاً فبين انه على وجه المثل بقوله {وتلك الأمثال نضربها للناس لعلهم يتفكرون} ومعناه ليتفكروا، لان (لعل) بمعنى الشك، والشك لا يجوز على الله. وقوله {هو الله الذي لا إله إلا هو} معناه هو المستحق للعبادة الذي لا تحق العبادة إلا له {عالم الغيب والشهادة} معناه عالم بما يشاهده العباد، وعالم بما يغيب عنهم علمه. وقيل: معناه {عالم الغيب} ما لا يقع عليه حس من المعدوم او الموجود الذي لا يدرك مما هو غائب عن الحواس كأفعال القلوب وغيرها {والشهادة} أي وعالم بما يصح عليه الادراك بالحواس. وقال الحسن: الغيب ما اخفاه العباد، والشهادة ما أعلنوه، ففي الوصف بها بين كونه عالماً بجميع المعلومات، لأنها لا تعدو هذين القسمين. وقوله {هو الرحمن} يعني المنعم على جميع خلقه {الرحيم} بالمؤمنين، ولا يوصف بالرحمن سوى الله تعالى. وأما الرحيم، فانه يوصف به غيره تعالى. ثم اعاد قوله {هو الله الذي لا إله إلا هو الملك} يعني السيد المالك لجميع الاشياء الذي له التصرف فيها على وجه ليس لأحد منعه منه {القدوس} ومعناه المطهر فتطهر صفاته عن ان يدخل فيها صفة نقص {السلام} وهو الذي يسلم عباده من ظلمه {المؤمن} الذي أمن العباد من ظلمه لهم إذ قال {أية : لا يظلم مثقال ذرة} تفسير : {المهيمن} قال ابن عباس معناه الأمين. وقال قوم: معناه المؤمن إلا انه أشد مبالغة فى الصفة، لانه جاء على الأصل فى المؤمن، فقلبت الهمزة هاء، وفخم اللفظ به لتفخيم المعنى. وقال قتادة: معناه الشهيد كأنه شهيد على إيمان من آمن به أو الشهيد على الأمن فى شهادته {العزيز} يعنى القادر الذي لا يصح عليه القهر {الجبار} العظيم الشأن في الملك والسلطان، ولا يستحق ان يوصف به على هذا الاطلاق إلا الله تعالى، فان وصف بها العبد، فانما هو على وضع لفظة في غير موضعها، فهو ذم على هذا المعنى {المتكبر} يعني في كل شيء. وقيل: معناه المستحق لصفات التعظيم. وقوله {سبحان الله عما يشركون} تنزيه لله تعالى عن الشرك به كما يشرك به المشركون من الاصنام وغيرها. ثم قال {هو الله الخالق} يعني للاجسام والاعراض المخصوصة {البارىء} المحدث المنشيء لجميع ذلك {المصور} الذى صور الاجسام على اختلافها من الحيوان والجماد {له الأسماء الحسنى} نحو الله، الرحمن، الرحيم، القادر، العالم، الحي وما اشبه ذلك. ثم قال {يسبح له ما في السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم} وقد مضى تفسيره.
الجنابذي
تفسير : {لَوْ أَنزَلْنَا هَـٰذَا ٱلْقُرْآنَ عَلَىٰ جَبَلٍ} مع صلابته وعظمته {لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعاً مُّتَصَدِّعاً مِّنْ خَشْيَةِ ٱللَّهِ} وقد انزلناه عليكم وانتم ضعفاء ليّنون وما خشعتم وما تصدّعتم من خشية الله، وهذه قضيّة فرضيّة وتعريض ببنى آدم {وَتِلْكَ ٱلأَمْثَالُ} الفرضيّة {نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} فى احوالهم وينظرون الى قساوتهم ويتدبّرون فى تليين قلوبهم.
اطفيش
تفسير : {لَوْ أَنزَلْنَا هَذَا القُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعاً مُّتَصَدِّعاً مِّن خَشْيَةِ اللهِ} توبيخ للانسان على عدم تخشعه بالقرآن لقساوة قلبه وقلة تدبره والجبل الذي هو عظيم من حجر صم يخشع ويتصدع أي يتفرق منه لو انزل عليه وذلك حقيقة أو على طريقة العرب في التخييل والتمثيل وعلى انه حقيقة يخلق له عقل قبل وبدل على انه على طريق التخييل قوله {وَتِلْكَ الأَمْثَالُ} هذا المثل وغيره {نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} فيعلمون انهم احق بالخشية من الجبل لانه لاعقاب عليه وقرىء مصدعاً بتشديد الصاد ايضا ادغاما للتاء فيه قلبها صاداً.
الالوسي
تفسير : {لَوْ أَنزَلْنَا هَـٰذَا ٱلْقُرْءانَ } العظيم الشأن المنطوي على فنون القوارع {عَلَىٰ جَبَلٍ } من الجبال أو جبل عظيم {لَّرَأَيْتَهُ } مع كونه علماً في القسوة وعدم التأثر مما يصادمه {خَـٰشِعاً مُّتَصَدّعاً مّنْ خَشْيَةِ ٱللَّهِ } أي متشققاً منها. وقرأ أبو طلحة (مصدعاً) بإدغام التاء في الصاد. وهذا تمثيل وتخييل لعلو شأن القرآن وقوة تأثير ما فيه من المواعظ والزواجر، والغرض توبيخ الإنسان على قسوة قلبه وقلة تخشعه عند تلاوة القرآن وتدبر ما فيه من القوارع وهو الذي لو أنزل على جبل وقد ركب فيه العقل لخشع وتصدع، ويشير إلى كونه تمثيلاً قوله تعالى: / {وَتِلْكَ ٱلأَمْثَـٰلُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ } فإن الإشارة فيه إلى قوله تعالى: {لَوْ أَنزَلْنَا } الخ وإلى أمثاله، فالكلام بتقدير وقوع تلك، أو المراد تلك وأشباهها والأمثال في الأغلب تمثيلات متخيلة.
ابن عاشور
تفسير : لما حذّر المسلمين من الوقوع في مهواة نسيان الله التي وقع فيها الفاسقون، وتوعد الذين نَسُوا الله بالنار، وبيّن حالهم بأن الشيطان سوّل لهم الكفر. وكان القرآن دالاً على مسالك الخير ومحذّراً من مسالك الشر، وما وقع الفاسقون في الهلكة إلا من جراء إهمالهم التدبر فيه، وذلك من نسيانهم الله تعالى انتقل الكلام إلى التنويه بالقرآن وهديه البيّن الذي لا يصرف الناسَ عنه إلا أهواؤُهم ومكابرتهم، وكان إعراضهم عنه أصل استمرار ضلالهم وشركهم، ضَرب لهم هذا المثل تعجيباً من تصلبهم في الضلال. وفي هذا الانتقال إيذان بانتهاء السورة لأنه انتقال بعد طول الكلام في غرضِ فَتح قُرى اليهود وما ينال المنافقين من جَرَّائِه من خسران في الدنيا والآخرة. و{هذا القرآن} إشارة إلى المقدار الذي نَزل منه، وهو ما عرفوه وتلَوه وسمعوا تلاوته. وفائدة الإِتيان باسم إشارة القريب التعريض لهم بأن القرآن غير بعيد عنهم. وأنه في متناولهم ولا كلفة عليهم في تدبره ولكنهم قصدوا الإِعراض عنه. وهذا مثَلٌ ساقه الله تعالى كما دلّ عليه قوله: {وتلك الأمثال} الخ. وقد ضرب هذا مثلاً لقسوة الذين نَسُوا الله وانتفاء تأثرهم بقوارع القرآن. والمراد بالجبل: حقيقته، لأن الكلام فرض وتقدير كما هو مقتضى {لَو} أن تجيء في الشروط المفروضة. فالجبل: مثال لأشد الأشياء صلابة وقلة تأثر بما يقرعه. وإنزال القرآن مستعار للخطاب به. عبر عنه بالإِنزال على طريقة التبعية تشبيهاً لشرف الشيء بعلوّ المكان، ولإِبلاغه للغير بإنزال الشيء من علوّ. والمعنى: لو كان المخاطب بالقرآن جَبلاً، وكان الجبل يفهم الخطاب لتأثر بخطاب القرآن تأثراً ناشئاً من خشية لله خشية تؤثرها فيه معاني القرآن. والمعنى: لو كان الجبل في موضع هؤلاء الذين نسُوا الله وأعرضوا عن فهم القرآن ولم يتّعظوا بمواعظه لاتَّعظ الجبل وتصدّع صخرهُ وتربه من شدة تأثره بخشية الله. وضرَب التصدع مثلاً لشدة الانفعال والتأثر لأن منتهى تأثر الأجسام الصلبة أن تنْشَقَّ وتتصدع إذ لا يحصل ذلك لها بسهولة. والخشوع: التطأطؤ والركوع، أي لرأيته ينزل أعلاه إلى الأرض. والتصدع: التشقق، أي لتزلزل وتشقق من خوفه الله تعالى. والخطاب في {لرأيته} لغير معيّن فيعمّ كل من يسمع هذا الكلام والرؤية بصرية، وهي منفية لوقوعها جواباً لحرف {لو} الامتناعية. والمعنى: لو كان كذلك لرأيت الجبل في حالة الخشوع والتصدع. وجملة {وتلك الأمثال نضربها للناس} تذييل لأن ما قبلها سيق مساق المثل فذُيّل بأن الأمثال التي يضربها الله في كلامه مثلَ المثل أراد منها أن يتفكروا فإن لم يتفكروا بها فقد سُجّل عليهم عنادُهم ومكابرتهم، فالإِشارة بتلك إلى مجموع ما مرّ على أسماعهم من الأمثال الكثيرة، وتقديرُ الكلام: ضربنا هذا مثلاً، {وتلك الأمثال نضربها للناس}. وضرب المثل سَوقه، أطلق عليه الضرب بمعنى الوضع كما يقال: ضرب بيتاً، وقد تقدم بيان ذلك عند قوله تعالى: {أية : إن الله لا يستحي أن يضرب مثلاً ما}تفسير : في سورة [البقرة: 26].
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {لَوْ أَنزَلْنَا} يدل على أنه لم ينزله، وأنه ذكر على سبيل المثال ليتفكر الناس في أمره كما قال تعالى: {أية : وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ ٱلْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ ٱلأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ ٱلْمَوْتَىٰ}تفسير : [الرعد: 31] الآية. قال الشيخ رحمة الله تعالى عليه، عندها: جواب لو محذوف. قال بعض العلماء: تقديره لكان هذا القرآن إلخ اهـ. وقال ابن كثير: يقول تعالى: معظماً لأمر القرآن ومبيناً علو قدره، وأنه ينبغي أن تخشع له القلوب وتتصدع عند سماعه لما فيه من الوعد الحق والوعيد الأكيد، {لَوْ أَنزَلْنَا هَـٰذَا ٱلْقُرْآنَ} الآية. فإن كان الجبل في غلظته وقساوته لو فهم هذا القرآن فتدبر ما فيه لخشع وتصدع من خوف الله عز وجل. فكيف يليق بكم أيها البشر ألا تلين قلوبكم وتخشع وتتصدع من خشية الله، وقد فهمتم عن الله أمره وقد تدبرتم كتابه، ولهذا قال تعالى: {وَتِلْكَ ٱلأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ}. وقد وجد لبعض الناس شيئاً من ذلك عن سماع آيات من القرآن، من ذلك ما رواه ابن كثير في سورة الطور عن عمر رضي الله عنه قال: خرج عمر رضي الله عنه يعس بالمدينة ذات ليلة فمر بدار رجل من المسلمين فوافقه قائماً يصلي فوقف يستمع قراءته فقرأ والطور حتى بلغ إن عذاب ربك لواقع ماله من دافع. قال: قسم ورب الكعبة حق، فنزل عن حماره واستند إلى حائط فمكث ملياً ثم رجع إلى منزله فمكث شهراً يعوده الناس لا يدرون ما مرضه. وذكر القرطبي: قال جبير بن مطعم قدمت المدينة لأسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم في أسارى بدر فوافيته يقرأ في صلاة المغرب والطور إلى قوله تعالى:{أية : إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ مَّا لَهُ مِن دَافِعٍ}تفسير : [الطور: 7-8]، فكأنما صدع قلبي فأسلمت خوفاً من نزول العذاب، وما كنت أظن أن أقوم من مقامي حتى يقع بي العذاب. وذكر في خبر مالك بن دينار أنه سمعها فجعل يضطرب حتى غشي عليه اهـ. وقد نقل السيوطي في الإتقان خبر مالك بن دينار بتمامه في فصل إعجاز القرآن. وقال: قد مات جماعة عند سماع آيات منه أفردوا بالتصنيف، وقد ينشأ هنا سؤال كيف يكون هذا تأثير القرآن لو أنزل على الجبال ولم تتأثر به القلوب، وقد أجاب القرآن عن ذلك في قوله تعالى: {أية : ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِّن بَعْدِ ذٰلِكَ فَهِيَ كَٱلْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً}تفسير : [البقرة: 74]، وكذلك أصموا آذانهم عن سماعه وغلفوا قلوبهم بالكفر عن فهمه، وأوصدوها بأقفالها فقالوا: قلوبنا غلف، وكذلك قوله تعالى:{أية : وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِآيِاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ إِنَّا جَعَلْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْراً}تفسير : [الكهف: 57] أي: بسبب الإعراض وعدم التدبر والنسيان، ولذا قال تعالى عنهم: {أية : أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ ٱلْقُرْآنَ أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَآ}تفسير : [محمد: 24] فهذه أسباب عدم تأثر الكفار بالقرآن كما قال الشاعر: شعر : إذا لم يكن للمرء عين صحيحة فلا غرو أن يرتاب والصبح مسفر تفسير : بمفهوم المخالفة أن المؤمنين تخشع قلوبهم وتلين جلودهم، كما نص تعالى عليه بقوله تعالى: {أية : اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ ٱلْحَدِيثِ كِتَاباً مُّتَشَابِهاً مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ ٱلَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَىٰ ذِكْرِ ٱللَّهِ ذَلِكَ هُدَى ٱللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشَآءُ}تفسير : [الزمر: 23] وقوله تعالى: {لوْ أَنزَلْنَا} يدل على أنه لم ينزله على جبل ولم يتصدع منه. وقد جاء في القرآن ما يدل عليه: لو أنزله، من ذلك قوله تعالى: {أية : إِنَّا عَرَضْنَا ٱلأَمَانَةَ عَلَى ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَٱلْجِبَالِ فَأبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا}تفسير : [الأحزاب: 72]. وهذا نص صريح لأن الجبال أشفقت من حمل الأمانة وهي أمانة التكليف بمقتضى خطاب الله تعالى إياها. فإذا كانت الجبال أشفقت لمجرد العرض عليها فكيف بها لو أنزل عليها وكلفت به. ومنها: أن الله تعالى لما تجلى للجبل جعله دكاً وخر موسى صعقاً. والقرآن كلام الله وصفة من صفاته، فهو شاهد وإن لم يكن نصاً. ومنها النص على أن بعض الجبال التي هي الحجارة ليهبط من خشية الله لقوله تعالى: {أية : وَإِنَّ مِنَ ٱلْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ ٱلأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ ٱلْمَآءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ ٱللَّهِ}تفسير : [البقرة: 74]. وقد جاء في السنة إثبات ما يشبه ذلك في جبل أُحد، حديث : حينما صعد عليه النَّبي صلى الله عليه وسلم، وأبو بكر، وعمر، وعثمان رضي الله عنهما فارتجف بهم، فقال صلى الله عليه وسلم: "أثبت أحد فإن عليك نبي وصديق شهيدان " تفسير : وسواء كان ارتجافه إشفاقاً أو إجلالاً فدل هذا كله على أنه تعالى: وإن لم ينزل القرآن على جبل أنه لو أنزله عليه لرأيته كما قال تعالى: {خَاشِعاً مُّتَصَدِّعاً مِّنْ خَشْيَةِ ٱللَّهِ}. وبهذا أيضاً يتضح أن جواب لو في قوله تعالى:{أية : وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ ٱلْجِبَالُ}تفسير : [الرعد: 31] لكان هذا القرآن أرجح من تقديرهم لكفرتم بالرحمن، لأن موضوع تسيير الجبال وخشوعها وتصديعها واحد، وهو الذي قدمه الشيخ رحمة الله تعالى عليه هناك، والعلم عند الله تعالى. قوله تعالى: {وَتِلْكَ ٱلأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ}. الأمثال: جمع مثل، وهو مأخوذ من المثل، وأصل المثل الانتصاب، والممثل بوزن اسم المفعول المصور على مثال غيره. قال الراغب الأصفهاني، يقال: مثل الشيء إذا انتصب وتصور، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم:"حديث : من أحب أن يمثل له الرجال فليتبوأ مقعده من النار"تفسير : والتمثال: الشيء المصور، وتمثل كذا تصور قال تعالى: {أية : فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَراً سَوِيّاً}تفسير : [مريم: 17]. والمثل: عبارة عن قول في شيء يشبه قولاً في شيء آخر مشابهة ليبين أحدهما الآخر ويصوره، نحو قولهم: الصيف ضيعت اللبن، فإن هذا القول يشبه قولك: أهملت وقت الإمكان أمرك، وعلى هذا الوجه ما ضرب الله تعالى من الأمثال فقال: {أية : وَتِلْكَ ٱلأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ}تفسير : [الحشر: 21]. وفي آية أخرى: {أية : وَتِلْكَ ٱلأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَآ إِلاَّ ٱلْعَالِمُونَ}تفسير : [العنكبوت: 43]. والمثال يقال على وجهين: أحدهما: بمعنى المثل نحو مشبه ومشبه به، قال بعضهم: وقد يعبر بهما عن وصف الشيء، نحو قوله تعالى: {أية : مَّثَلُ ٱلْجَنَّةِ ٱلَّتِي وُعِدَ ٱلْمُتَّقُونَ}تفسير : الرعد: 35]. والثاني: عبارة عن المشابهة لغيره في معنى من المعاني أي معنى كان، وهو أعم الألفاظ الموضوعة للمشابهة. وذلك ان الند يقال فيما يشارك في الجوهر فقط. والشبه يقال فيما يشارك في الكيفية فقط. والمساوي يقال فيما يشارك في الكمية فقط. والشكل يقال فيما يشارك في القدر والمساحة فقط، والمثل عام في جميع ذلك. ولهذا لما أراد الله تعالى نفي التشبيه من كل وجه خصه بالذكر فقال: {أية : لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ}تفسير : [الشورى: 11]. إلخ اهـ. فقوله في تعريف المثل. إنه عبارة عن قول في شيء يشبه قولاً في شيء آخر، بينهما مشابهة ليبين أحدهما الآخر ويصوره. فإنهم اتفقوا على أن القول لا يتغير بل يحكى على ما قيل أولاً كقولهم: الصيف ضيعت اللبن بكسر التاء خطاباً للمؤنثة. فلو قيل لرجل أهمل وقت الإمكان ثم راح يطلبه بعد فواته، لقلت له: الصيف ضيعت اللبن بكسر التاء على الحكاية. وهذا مما يسمى الاستعارة التمثيلية من أبلغ الأساليب، وأكثر ما في القرآن من أمثلة إنما هو من قبيل التشبيه التمثيلي، وهو تشبيه صورة بصورة، وهو من أوضح أساليب البيان. وقد ساق الشيخ رحمة الله تعالى عليه، عدداً منها في الجزء الرابع عند قوله تعالى: {أية : وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِن كُلِّ مَثَلٍ وَكَانَ ٱلإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً}تفسير : [الكهف: 54]، ومن أهم أغراض هذا النوع من التشبيه هو بيان صورة بصورة وجعل الخفي جلياً، والمعنوي محسوساً كقوله تعالى: {أية : لَهُ دَعْوَةُ ٱلْحَقِّ وَٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ لاَ يَسْتَجِيبُونَ لَهُم بِشَيْءٍ إِلاَّ كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى ٱلْمَآءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ}تفسير : [الرعد: 14]. فلو نظرت إلى مثل هذا الشخص على هذه الحالة، وفي تلك الصورة بكل أجزائها، وهو باسط يده مفرجة الأصابع إلى ماء بعيد عنه، وهو فاغر فاه ليشرب، لقلت وأي جدوى تعود عليه، ومتى يذوق الماء وهو على تلك الحالة، إنه يموت عطشاً ولا يذوق منه قطرة. وكذلك حال من يدعو غير الله مع ما يدعوهم من دونه لا يحصل على طائل كقوله تعالى: {أية : مَثَلُ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَوْلِيَآءَ كَمَثَلِ ٱلْعَنكَبُوتِ ٱتَّخَذَتْ بَيْتاً وَإِنَّ أَوْهَنَ ٱلْبُيُوتِ لَبَيْتُ ٱلْعَنكَبُوتِ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ}تفسير : [العنكبوت: 41] فأي غناء لإنسان في بيت العنكبوت. وكذلك أي غناء في ولاية غير الله فكذلك الحال هنا، أريد بالأمثال صور يصور لانتزاع الحكم من السامع بعد أن تصبح الصورة محسوسة ملموسة، وانظر قوله تعالى: {أية : هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ}تفسير : [البقرة: 187] وكيف غطى وأخفى في هذا الأسلوب ما يستحي منه وأبرزه بلباسه في التشبيه بما يتقي به، ومدى مطابقة معنى اللباس لحاجة كل من الزوجين للآخر، وتلك في قوله تعالى: {وَتِلْكَ ٱلأَمْثَالُ} عائدة إلى الأمثلة المتقدمة قريباً في عمل المنافقين مع اليهود ونتائج أعمالهم، وهكذا كل موالاة بين غير المسلمين وكل معاداة وانصراف عما جاء به سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم. وكذلك في بيان مدى فعالية القرآن وتأثيره، لو أنزل على الجبال لخشعت وتصدعت، مما يستوجب التفكير فيه والأتعاظ به، ثم مثال الفريقين في قوله تعالى: {أية : وَلاَ تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ نَسُواْ ٱللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ}تفسير : [الحشر: 19]، ونتيجة ذلك في الآخرة من عدم استواء الفريقين، فأصحاب نار وأصحاب جنة. ولكأن الأمثال هنا والتنبيه عليها إشارة إلى أن أولئك بنسيانهم لله وإنسائه إياهم أنفسهم، صاروا بهذا النسيان أشد قساوة من الجبال، بل إن الجبال أسرع تأثراً بالقرآن منهم لو كانوا يتفكرون. وقد قال أبو السعود: إنه أراد توبيخ الإنسان على قسوة قلبه وعدم تخشعه عند تلاوته وقلة تدبره فيه اهـ. وهكذا بهذه الأمثلة ينتزع الحكم من السامع على أولئك المعرضين الغافلين بأن قلوبهم قاسية كالجبال أو أشد قسوة كما قدمنا، بخلاف المؤمنين تلين جلودهم وقلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق كما قال تعالى: {أية : ٱللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ ٱلْحَدِيثِ كِتَاباً مُّتَشَابِهاً مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ ٱلَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَىٰ ذِكْرِ ٱللَّهِ ذَلِكَ هُدَى ٱللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشَآءُ}تفسير : [الزمر: 23].
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: لو أنزلنا هذا القرآن على جبل: أي وجعلنا فيه تميزاً وعقلاً وإدراكاً. لرأيته خاشعاً متصدعاً: أي لرأيت ذلك الجبل متشققاً متطامناً ذليلاً. من خشية الله: أي من خوف الله خشية أن يكون ما أدى حقه من التعظيم. وتلك الأمثال نضربها للناس: أي مثل هذا المثل نضرب الأمثال للناس. لعلهم يتفكرون: أي يتذكرون فيؤمنون ويوحدون ويطيعون. هو الله الذي لا إله إلا هو: أي الله المعبود بحق الذي لا معبود بحق إلا هو عز وجل. عالم الغيب والشهادة: أي عالم السر والعلانية. هو الرحمن الرحيم: أي رحمن الدنيا والآخرة ورحيمهما. هو الله الذي لا إله إلا هو: أي لا معبود بحق إلا هو لأنه الخالق الرازق المدبر وليس لغيره ذلك. الملك القدوس: أي الذي يملك كل شيء ويحكم كل شيء القدوس الطاهر المنزه عما لا يليق به. السلام المؤمن المهيمن: أي ذو السلامة من كل نقص الذي لا يطرأ عليه النقص المصدق رسله بالمعجزات. المهيمن: الرقيب الشهيد على عباده بأعمالهم. العزيز الجبار المتكبر: العزيز في انتقامه الجبار لغيره على مراده، المتكبر على خلقه. سبحان الله عما يشركون: أي تنزيها لله تعالى عما يشركون من الآلهة الباطلة. هو الله الخالق البارىء: أي هو الإِله الحق لا غيره الخالق لكل المخلوقات المنشىء لها من العدم. المصور: أي مصور المخلوقات ومركبها على هيئات مختلفة. له الأسماء الحسنى: أي تسعة وتسعون اسماً كلها حسنى في غاية الحسن. يسبح له ما في السماوات والأرض: أي ينزهه ويسبحه بلسان القال والحال جميع ما في السماوات والأرض. وهو العزيز الحكيم: أي العزيز الغالب على أمره الحكيم في جميع تدبيره. معنى الآيات: قوله تعالى: {لَوْ أَنزَلْنَا هَـٰذَا ٱلْقُرْآنَ ...} لما أمر تعالى في الآيات السابقة ونهى ووعظ وذكر بما لا مزيد عليه أخبر أنه لو أنزل هذا القرآن العظيم على جبل بعد أن خلق فيه إدراكاً وتمييزاً كما خلق ذلك في الإِنسان لُرُؤِيَ ذلك الجبل خاشعاً ذليلاً متصدعاً متشققاً من خشية الله أي من الخوف من الله لعله قصّر في حق الله وحق كتابه ما أداهما على الوجه المطلوب، وفي هذا موعظة للمؤمنين ليتدبرا القرآن ويخشعوا عند تلاوته وسماعه. ثم أخبر تعالى أنّ ما ضرب من أمثال في القرآن ومنها هذا المثل المضروب بالجبل. يقول نجعلها للناس رجاء أن يتفكروا فيؤمنوا ويهتدوا إلى طريق كمالهم وسعادتهم ثم أخبر تعالى عن جلاله وكماله بذكر أسمائه وصفاته فقال {هُوَ ٱللَّهُ ٱلَّذِي لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ} أي لا معبود بحق إلا هو، عالم الغيب والشهادة أي السر والعلن والموجود والمعدوم والظاهر والباطن. هو الرحمن الذي وسعت رحمته كل شيء الرحيم بعباده المؤمنين، الملك الذي له ملك السموات والأرض والمدبر للأمر في الأرض والسماء القدوس الطاهر المنزه عن كل نقص وعيب عن الشريك والصاحبة والولد. السلام ذو السلامة من كل نقص مفيض السلام على من شاء من عباده. المؤمن المصدق رسله بما آتاهم من المعجزات المصدق عباده المؤمنين فيما يشكون إليه مما أصابهم، ويطلبونه ما هم في حاجة إليه من رغائبهم وحاجاتهم، المهيمن على خلقه الرقيب عليهم المتحكم فيهم لا يخرج شيء من أعمالهم وتصرفاتهم عن إرادته وإذنه، العزيز الغالب على أمره الذي لا يمانع فيما يريده. الجبار للكل على مُرادِه وما يريده، المتكبر على كل خلقه وله الكبرياء في السماوات والأرض والجلال والكمال والعظمة. وقوله تعالى {سُبْحَانَ ٱللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ} نزه تعالى نفسه عما يشرك به المشركون من عبدة الأصنام والأوثان وغيرها من كل ما عُبد من دونه سبحانه وتعالى هو الله الخالق الباريء المصور: المقدر للخلق الباريء له المصور له في الصورة التي أراد أن يوجده عليها. له الأسماء الحسنى وهي مائة اسم إلا اسماً واحداً كما أخبر بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم في صحيح البخاري وأسماؤه متضمنة صفاته وكُل أسمائه حسنى وكل صفاته عليا منزه عن صفات المحدثين يسبح له ما في السماوات والأرض من مخلوقات وكائنات أي ينزهه ويقدسه عما لا يليق به ويدعوه ويرغب إليه في بقائه وكمال حياته. وهو العزيز الحكيم الغالب على أمره الحكيم في تدبير ملكه. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- بيان ما حواه القرآن من العظات والعبر، والأمر والنهي والوعد والوعيد الأمر الذي لو أن جبلاً ركب فيه الإِدراك والتمييز كالإِنسان ونزل عليه القرآن لخشع وتصدع من خشية الله. 2- استحسان ضرب الأمثال للتنبيه والتعليم والإِرشاد. 3- تقرير التوحيد، وأنه لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله. 4- إثبات أسماء الله تعالى، وأنها كلها حسنى، وأنها متضمنة صفات عليا. 5- ذكر أَسمائه تعالى تعليم لعباده بها ليدعوه بها ويتوسلوا بها إليه.
القطان
تفسير : خاشعا: منقادا متذللا. متصدعا: متشققا. عالمَ الغيب: كل ما غاب عن حواسنا من العوالم التي لا نراها. الشهادة: ما حضر من الاجرام المادية التي نشاهدها. القدّوس: المنزه عن النقص. السلام: الذي ينشر السلام في هذا الكون والامان والنظام. المؤمن: واهب الأمن للخلق أجمعين. المهيمن: الرقيب الحافظ. العزيز: الغالبُ على امره. الجبار: الذي جَبَرَ خلقه على ما أراد، والعالي الذي لا يُنال. المتكبر: صاحب الكبرياء والعظمة المنفرد بها. الخالق: الموجِد للأشياء على مقتضى الحكمة. البارئ: المبرز لها على صفحة الوجود بحسب السنن التي وضعها، والغرض الذي وجدت له. المصوِّر: موجد الاشياء على صورها ومُختلف اشكالها كما اراد. الأسماء الحسنى: الأسماء الدالّة على المعاني التي تظهر في مظاهر هذا الوجود، فنظم الحياة وبدائع ما فيها دليل على كمال صفاته. في ختام هذه السورة الكريمة يُشيدُ الله تعالى بالقرآن الكريم، وأنه هو الإمام المرشدُ الهادي للمؤمنين، وان مِن عظمة هذا القرآن ان له قوةً فائقة لو أُنزل مثلها على جبلٍ لخشع ولانَ من خشية الله وكلامه، وان البشر أَولى ان يخشعوا لكلام الله وتَلينَ قلوبهم فيتدبّروا ما فيه ويسيروا على هديه. {وَتِلْكَ ٱلأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ}. في حكم القرآن، وعظمة مُنزله، ويهتدون بنوره الى سواء السبيل، {أية : إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَىٰ لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى ٱلسَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ} تفسير : [ق: 37]. ثم وصف الله تعالى نفسَه بجليل الأسماء والصفات التي هي سرُّ العظمة والجلال، وذكر ان عظمةَ القرآن جاءت من عظمة الخالق، فأورد سبحانه احدَ عشر اسماً من أسمائه الحسنى فسرّناها باختصار في اول هذه الآيات، فهو الإله الذي لا ربَّ غيره {لَهُ ٱلأَسْمَآءُ ٱلْحُسْنَىٰ} يسبّح له ما في السماوات وما في الارض وهو العزيزُ الحكيم. وقد شرحنا التسبيح فيما مضى، وتجيء هذه التسبيحة المديدة بأسماء الله الحسنى بحسن الختام.
د. أسعد حومد
تفسير : {ٱلْقُرْآنَ} {خَاشِعاً} {ٱلأَمْثَالُ} (21) - إِنَّ الجَبَلَ لَوْ فَهِمَ هَذَا القُرْآنَ، وَتَدَبَّرَهُ، لَخَشَعَ وَتَصَدَّعَ مِنْ خَوْفِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَكَيْفَ يَلِيقُ بِالبَشَرِ أَنْ لاَ تَلِينَ قُلُوبُهُمْ، وَلاَ تَخْشَعَ وَتَتَصَدَّعَ مِنْ خَشيَةِ اللهِ وَقَدْ فَهِمُوا مَعَانِيَهُ وَتَدَبَّرُوا مَا فِيهِ؟. وَيَضْرِبُ اللهُ تَعَالَى الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لِيُقَرِّبَ مَعَانِيَ القُرْآنِ إِلَى أَفْهَامِهِمْ، لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ فِيهَا وَيَعْتَبِرُونَ. خَاشِعاً - ذَلِيلاً مُسْتَكِيناً خَاضِعاً. مُتَصَدِّعاً - مُتَشَقِّقاً.
الجيلاني
تفسير : ثمَّ وبَّخ سبحانه نوع الإنسان المجبول على فطرة الإيمان والعرفان، وقرعهم بغفلتهم عن القرآن المرشد لهم إلى طريق التوحيد والإيقان بقوله: {لَوْ أَنزَلْنَا هَـٰذَا ٱلْقُرْآنَ} المنزل عليكم أيها التائهون في تيه الغفلة والنسيان {عَلَىٰ جَبَلٍ} من الجبال العظام، والله {لَّرَأَيْتَهُ} أيها المعتبر الرائي؛ أي: الجبل {خَاشِعاً} خاضعاً {مُّتَصَدِّعاً} متشققاً {مِّنْ خَشْيَةِ ٱللَّهِ} القادر الغيور؛ يعني: من تأثير الوعيدات الهائلة، والإنذارات الشديدة الواقعة فيه على أهل التكليف، مع عدم قابليته على التأثير، وأنتم أيها الهلكى الحمقى، الهالكون التائهون في تيه الجهل والضلال، مع كمال قابليتكم واستعدادكم لا تتأثرون من وعيداته البليغة، وإنذاراته الشديدة. ثمَّ قال سبحانه: {وَتِلْكَ ٱلأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ} الناسين مرتبة العبودية؛ من كمال البطر {لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} [الحشر: 21] ويتفطنون منها إلى فطرتهم الأصلية المجبولة على التذلل والخشوع، والانكسار والخضوع، فيشتغلون بما جُبلوا لأجله من الإتيان بالطاعات، وأنواع العبادات اللائقة لمرتبة الألوهية والربوبية. وكيف لا تتذللون له سبحانه أيها الحمقى الهالكون، مع أنه سبحانه {هُوَ ٱللَّهُ} أي: الموجود الحق الحقيق {ٱلَّذِي لاَ إِلَـٰهَ} ولا موجود في الوجود {إِلاَّ هُوَ} الواحد الأحد الصمد، المستقل بالألوهية والربوبية {عَالِمُ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَادَةِ} على التفصيل الواقع في الواقع، بحيث لا يعزب عن حيطة علمه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء، ومع ذلك {هُوَ ٱلرَّحْمَـٰنُ} على عموم الأكوان بإفاضة الوجود عليهم وتربيتهم، وتدبير مصالحهم في النشأة الأولى {ٱلرَّحِيمُ} [الحشر: 22] لهم، يوصلهم إلى فضاء وحدته، وسعة جنته ورحمته في النشأة الأخرى؟! وبالجملة: {هُوَ ٱللَّهُ} المتوحد بالألوهية والربوبية، المتوحد بالقيومية، المتفرد بالديمومية {ٱلَّذِي لاَ إِلَـٰهَ} يُعبد بالحق، ويُرجع إليه في الخطوب {إِلاَّ هُوَ} باستقلاله وصمديته في ذاته، وقيوميته في ملكه وملكوته بحسب مقتضيات أسمائه الحسنى، وصفاته العليا؛ إذ هو {ٱلْمَلِكُ} المتفرد بالحكم والاستيلاء التام، والسلطنة الغالبة {ٱلْقُدُّوسُ} البالغ في النزاهة إلى أقصى الغاية والنهاية {ٱلسَّلاَمُ} السالم عن مطلق النقائض، ولوازم الاستكمال، ولواحق الإمكان {ٱلْمُؤْمِنُ} ذو الأمن والأمان على عموم الأعيان والأكوان {ٱلْمُهَيْمِنُ} المراقب المحافظ على مقتضيات استعدادات عموم الأنام بكمال العدل والإحسان {ٱلْعَزِيزُ} الغالب على عموم مراداته ومقدوراته بالفضل والامتنان {ٱلْجَبَّارُ} على عموم من خرج عن ربقة عبوديته بالإنكار والطغيان {ٱلْمُتَكَبِّرُ} المتعالي عن كل أمر يشينه من العجز والنقصان، وبالجملة: {سُبْحَانَ ٱللَّهِ} أي: تنزه وتعالى ذاته وشأنه {عَمَّا يُشْرِكُونَ} [الحشر: 23] ويثبتون له المشركون المفرطون علواً كبيراً. كيف يشركون معه غيره أولئك المسرفون، مع أنه سبحانه {هُوَ ٱللَّهُ ٱلْخَالِقُ} المقصور المنحصر، المستقل على خلق الأشياء وتقديرها، وإيجادها وإظهارها من كتم العدم بمقتضى حكمته بالإرادة والاختيار {ٱلْبَارِىءُ} الموجد لها بمقتضى اسمه الرحمن بلا تفاوت ونقصان {ٱلْمُصَوِّرُ} الصور الأشياء وهياكلها وأشكالها على أبلغ نظام وأعجب شأن، ولا يشغله شأن عن شأن، بالجملة: {لَهُ ٱلأَسْمَآءُ ٱلْحُسْنَىٰ} التي لا تُعد ولا تُحصى، يتجلى على مقتضاها في كل آن في شأن؛ لذلك {يُسَبِّحُ لَهُ} مظاهر {مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ} وينزهه على الدوام عن كل ما لا يليق بشأنه؟! {وَ} بالجملة: {هُوَ ٱلْعَزِيزُ} الغالب القادر على عموم ما أحاط به علمه {ٱلْحَكِيمُ} [الحشر: 24] المدبر المقتن على مقتضى علمه وإرادته بلا مدافعة أحد ومظاهرته. جعلنا الله ممن تحقق بوحدة ذاته، وانكشف بكمالات أسمائه وصفاته. خاتمة السورة عليك أيها السالك المتحقق بمقر التوحيد، المكشف بوحدة الذات وكمالات الأسماء والصفات الذاتية الإلهية - مكنك الله في مقر عزك بلا تذبذب وتلوين - أن تطالع آثار أسمائه الحسنى، وصفاته العليا على صفحات الكائنات الغيبية والشهادية، وتعتبر منها حسب استعدادك، وقدر قابليتك الموعدة فيك من قِبَل الحق. وإياك إياك أن تنحرف عن جادة العدالة الشرعية التي هي منتخبة عن العدالة الإلهية الواقعة بين مقتضيات أسمائه الذاتية، وصفاته العليَّة، فلك أن تطابق عموم أعمالك وأخلاقك وأطوارك عليها، بحيث لا تهمل شيئاً من دقائقها؛ إذ بقدر إهمالك من حدودها أحطت عن درجة التوحيد، ومرتبة أهل الوحدة الذاتية؛ إذ الشريعة إنما هي الوقاية الموضوعة بالوضع الإلهي بين الأنام؛ ليوفقهم الحق بها إلى دار السلام التي هي مقعد صدق الرضا والتسليم الذي هو أعلى مقامات العارفين، وأقصى حالات الموحدين المكاشفين. هدانا الله وعموم عباده إلى سواء السبيل، وأعاذنا الله وإياهم عن الانحراف والتحويل بلطفه الجميل، وكرمه الجزيل.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):