Verse. 5148 (AR)

٥٩ - ٱلْحَشْر

59 - Al-Hashr (AR)

ہُوَاللہُ الَّذِيْ لَاۗ اِلٰہَ اِلَّا ہُوَ۝۰ۚ عٰلِمُ الْغَيْبِ وَالشَّہَادَۃِ۝۰ۚ ہُوَالرَّحْمٰنُ الرَّحِيْمُ۝۲۲
Huwa Allahu allathee la ilaha illa huwa AAalimu alghaybi waalshshahadati huwa alrrahmanu alrraheemu

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«هو الله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة» السر والعلانية «هو الرحمن الرحيم».

22

Tafseer

الرازي

تفسير : وقيل: السر والعلانية وقيل: الدنيا والآخرة. اعلم أنه تعالى قدم الغيب على الشهادة في اللفظ وفيه سر عقلي، أما المفسرون فذكروا أقوالاً في الغيب والشهادة، فقيل: الغيب المعدوم، والشهادة الموجود ما غاب عن العباد وما شاهدوه.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {هُوَ ٱللَّهُ ٱلَّذِي لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ عَالِمُ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَادَةِ} قال ابن عباس: عالم السر والعلانية. وقيل: ما كان وما يكون. وقال سهل: عالم بالآخرة والدنيا. وقيل: {ٱلْغَيْبِ} ما لم يعلم العباد ولا عاينوه. {وَٱلشَّهَادَةِ} ما علموا وشاهدوا. {هُوَ ٱلرَّحْمَـٰنُ ٱلرَّحِيمُ} تقدّم.

المحلي و السيوطي

تفسير : {هُوَ ٱللَّهُ ٱلَّذِى لاَ إِلَٰهَ إِلاَّ هُوَ عَالِمُ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَٰدَةِ } السرّ والعلانية {هُوَ ٱلرَّحْمَٰنُ ٱلرَّحِيمُ }.

ابن عطية

تفسير : لما قال تعالى: {أية : من خشية الله}تفسير : [الحشر: 21] جاء بالأوصاف التي توجب لمخلوقاته هذه الخشية، و {الغيب} ما غاب عن المخلوقين، و {الشهادة} ما شاهدوه. وقال حرب المكي {الغيب}: الآخرة {والشهادة}: الدنيا. وقرأ جمهور الناس: "القُدوس" بضم القاف، وهو فعول من تقدس إذا تطهر، وحظيرة القدس الجنة، لأنها طاهرة، ومنه روح القدس، ومنه الأرض المقدسة بيت المقدس، وروي عن أبي ذر أنه قرأ: "القَدوس" بفتح القاف وهي لغة، و {السلام} معناه: الذي سلم من جوره، وهذا اسم على حذف مضاف أي ذو {السلام}، لأن الإيمان به وتوحيده وأفعاله هي لمن آمن سلام كلها، و {المؤمن} اسم فاعل من آمن بمعنى أمن. قال أحمد بن يحيى ثعلب معناه: المصدق للمؤمنين في أنهم آمنوا. قال النحاس: أو في شهادتهم على الناس في القيامة. وقال ناس من المتأولين معناه: المصدق نفسه في أقواله الأزلية: لا إله غيره و {المهيمن} معناه: الأمين والحفيظ. قاله ابن عباس وقال مؤرج: {المهيمن}: الشاهد بلغة قريش، وهذا بناء لم يجئ منه في الصفات إلا مهيمن ومسيطر ومبيقر ومبيطر، جاء منه في الأسماء مجيمر: وهو اسم واد ومديبر. و: {العزيز} الذي لا يغلب والقاهر الذي لا يقهر يقال عزيز إذا غلب برفع العين في المستقبل. قال الله تعالى: {أية : وعزني في الخطاب} تفسير : [ص: 23] أي غلبني، وفي المثل من عز بزّ أي من غلب سلب، و {الجبار} هو الذي لا يدانيه شيء ولا يلحق رتبه، ومنه نخلة جبارة إذا لم تلحق وأنشد الزهراوي: [الطويل] شعر : أطافت به جيلان عند قطاعه وردت إليه الماء حتى تجبرا تفسير : و {المتكبر} معناه الذي له التكبر حقاً، ثم نزه الله تعالى نفسه عن إشراك الكفار به الأصنام التي ليس لها شيء من هذه الصفات، و: {البارئ} بمعنى {الخالق}، برأ الله الخلق أي أوجدهم، و: {المصور} هو الذي يوجد الصور، وقرأ علي بن أبي طالب: "المصوَّرَ" بنصب الواو والراء على إعمال {البارئ} به، وهي حسنة يراد بها الجنس في الصور، وقال قوم عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه إنه قرأ: "المصوَّرِ" بفتح الواو وكسر الراء على قولهم الحسن الوجه وقوله تعالى: {له الأسماء الحسنى} أي ذات الحسن في معانيها القائمة بذاته لا إله إلا هو، وهذه الأسماء هي التي حصرها رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: "حديث : إن لله تعالى تسعة وتسعين اسماً، مائة إلا واحداً من أحصاها دخل الجنة"تفسير : ، وقد ذكرها الترمذي وغيره مسندة، واختلف في بعضها ولم يصح فيها شيء إلا إحصاؤها دون تعين، وباقي الآية بين.

ابن عبد السلام

تفسير : {هُوَ اللَّهُ} قال جابر بن زيد اسم الله الأعظم هو الله لمكان هذه الآية. {الْغَيْبِ وَالْشَّهَادَةِ} السر والعلانية "ع"، أو ما كان وما يكون، أو الدنيا والآخرة، أو ما يدرك وما لا يدرك من الحياة والموت والأجل والرزق.

البقاعي

تفسير : ولما أعلى سبحانه أولياءه بأن فتح السورة بالإيمان بالغيب وهو العزيز الحكيم بعد التنزيه عن نقائص التعطيل وكل شائبة نقص وينزل لعباده في أسباب الصفات والأفعال إلى أن أوصلهم إلى محسوس الأمثال فتأهلوا للفناء في ذاته وما على صفاته الموجبة لخشيته، رقاهم إلى التفكر في تفصيل ما افتتح به، فقال عادلاً عن أسلوب العظمة إلى أعظم منها بإسبال حجب العزة على منهاج الحكمة: {هو} أي الذي وجوده من ذاته فلا عدم له أصلاً بوجه من الوجوه، فلا يستحق الوصف بـ"هو" غيره لأنه الموجود دائماً أزلاً وأبداً، فهو حاضر في كل ضمير غائب بعظمته عن كل حس، فلذلك يتصدع الجبل من خشيته. ولما عبر بأخص أسمائه، أخبر عنه لطفاً بنا وتنزلاً لنا بأشهرها الذي هو مسمّي الأسماء كلها فقال: {الله} أي المعبود الذي لا ينبغي العبادة إلا له، الذي بطن بما لم تحط ولا تحيط به العقول من نعوت الكبرياء والعظمة والإكرام، فظهر بأفعاله التي لا تضاهى بوجه غاية الظهور، فتميز غاية التميز، فلم يلحقه شرك أصلاً في أمة من الأمم ولا نسمة من النسم، قال الحرالي في شرح الأسماء: وهو لوه القلوب والعقول أي محارها الذي لا تدركه، فلزم الخلق من توحيد اسم الإله ما حصل لهم من توحيد اسم الله من الأحدية الإحاطية - انتهى - فلذلك كان وصفه {الذي لا إله إلا هو} فإنه لا مجانس له ولا يليق ولا يصبح ولا يتصور أن يكافئه أو يدانيه شيء والإله أول اسم الله فلذلك - لا يكون أحداً مسلماً إلا بتوحيده فتوحيده فرض وهو أساس كل فريضة، وتوحيد سائر الأسماء نقل وهو أساس كل نافلة، فمن وحد في الكل فقد كمل دينه وتمت النعمة عليه وإلا كان من الذين آمنوا، فإن كان ذلك منه قولاً عصم من نار الأحكام على الأبدان في الدنيا، وإن كان علماً تخلص من نار الهلع على النفوس في الدنيا، وهو الجزع عند مس الشر، والمنع والبخل عند مس الخير، ولن يشهد التوحيد في هذه الكلمة التي مضمونها توحيد اسم الإله إحساناً إلا بعد إحصاء جميع الأسماء علماً، قال الحرالي: والإله: التعبد وهو التذلل، فمن توهم حاجته بشيء وتوهم أن عنده قوام حاجته تذلل فكان تذلله له تألهاً، وكل من عبد ما أحاط عينه فقد خذل عقله عن تصحيح معنى الإله الذي يجب أن يكون غيباً، فكان تصحيح معنى الإله أنه غيب قائم مستحق للعبادة والتذلل لأجل قيامه والاستغناء به. ولما أخبر بتفرده، دل عليه بآية استحقاقه لذلك، فقال مقدماً لما هو متقدم في الوجود: {عالم الغيب} أي الذي غاب عن علم جميع خلقه. ولما كنا ربما ظن أن وصفه بالغيب أمر نسبي سمي غيباً بالنسبة لناس دون ناس، دل بذكر الضد على أن المراد كل ما غاب وكل ما شهد فقال تعالى: {والشهادة} أي الذي وجد فكان بحيث يحسه ويطلع عليه بعض خلقه. ولما تعالى في صفات العظمة ونعوت الجلال والكبر فبطن غاية البطون، أخذ رحمة العبادة بالتنزيل لهم بالتعرف إليهم بعواطف الرحمة فقال بانياً الكلام على الضمير إعلاماً بأن المحدث عنه أولاً هو بعينه المحدث عنه ثانياً: {هو الرحمن} أي العام الرحمة، قال الحرالي رحمه الله تعالى: والرحمة إجراء الخلق على ما يوافق حسبهم ويلائم خلقهم وخلقهم ومقصد أفئدتهم، فإذا اختص ذلك بالبعض كان رحيمية، وإذا استغرق كان رحمانية، ولاستغراق معنى اسم الرحمن لم يكن لإتمام في معنى استغراقه - يعني باسم الله. ولما كانت الرحيمية خاصة بما ترضاه الإلهية قال تعالى: {الرحيم *} أي ذو الرحمة العامة المسعدة في الظاهر والرحمة الخاصة المسعدة في الباطن، قال الحرالي: الرحمة من الرحيم اختصاص من شملته الرحمانية بمزية ما أوثر به من الرحمة في مقابلة من آل أمره إلى نعمه ليجمع مقتضى الاسمين بين عموم الرحمانية واختصاص الرحيمية: ولما أظهر على الخلق خصوص الإيثار، أجرى عليهم اسم الرحيم كرحمة الخلق أبناءهم. ولما كان حق اسم الرحيم إثبات رحمة غير مجذوذة ولم يكن ذلك للخلق لم يكن بالحقيقة الرحيم إلا الله الذي إذا اختص بالرحمة لم يحدها{أية : فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها والله سميع عليم}تفسير : [البقرة: 256] "إن الله لا ينزع العلم انتزاعاً بعد أن أعطاكموه"{أية : وأما الذين سعدوا ففي الجنة خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك عطاء غير مجذوذ}تفسير : [هود: 108] فلذلك لا رحيم بالحقيقة إلا الله تحقيق علم كما أنه لا رحمان إلا الله بادي معنى. ولما كان الملك كمال استيلاء على الخلق يقصرهم به ملكهم على بعض مستطاعهم ويدينهم - أي يجيزهم - على حسب دينهم أي ما وضع لهم من عادة قصره لهم وحكمه عليهم وبحسب إحصائه عليهم دقيق أعمالهم وإحاطته بخفي أحوالهم والاطلاع على سرائرهم بتحقيق استيفاء الجزاء فيتحقق بذلك كمال الملك، فكان لذلك لا تتحقق حقيقة الملك فيمن هو دون العلم بالسر وأخفى، والمحصي الحسيب لمثاقيل الدر، الخبير بخبأ الكون، فكان لا ملك في الحقيقة إلا الله، ولكنه تعالى لما كان قد أولى الخلق من رفعه بعضهم فوق بعض ما أجرى عليهم اسم الملك فتنة لهم فضل بسبب ذلك قوم ادعوا الملك الحقيقي، فغلط من أراد الله من الخلق فيهم فضلوا بهم، أعاد التهليل مع اسمه الملك كما ابتدأ مع اسمه الإله أول أسماء الله، ولذلك أيضاً قال النبي صلى الله عليه وسلم في حديث أبي هريرة رضي الله عنه الذي رواه الشيخان وأبو داود والترمذى في حديث الذي يسمى ملك الملوك في رواية المسلم:حديث : لا ملك إلا اللهتفسير : ، فقال مصرحاً بما في باطن اسمي الرحمة من القهر والجبر على النسق الأول في البناء على الضمير تأكيداً لتعين المحدث عنه وتوحيده: {هو الله} أي الذي لا يقدر على تعميم الرحمة لمن أراد وتخصيصها بمن شاء {الذي لا إله} أي معبود بحق {إلا هو الملك} فلا ملك في الحقيقة إلا هو لأنه لا يحتاج إلى شيء، فإنه مهما أراد كان. ولما كان الملك أصل ما لحق الخلق من الآفات لأنه رأس الشرف الذي هو باب الترف الملازم لمخالفة كتاب الله أما في الأعمال فيكون فتنة، وأما في الرأي فيكون علواً وكبراً وكفراً، فإن أمر الله في آدم على ماهو نبوة ثم ينزل فيصير خلافة ثم ينتهي نزوله فيكون ملكاً ثم تتداعى الأحداث، فلمكان تداعي الملك لموجبات الذم قال عقب صفات الملك: {القدوس} مصرحاً بما لزم عن تمام ملكه من أنه بليغ في النزاهة عن كل وصم يدركه حسن أو يتصوره خيال أو يسبق إليه وهم أيو يختلج به ضمير، فإن القدس طهر لا يقبل التغير ولا يلحقه رجس فلا يزال على وصف الحمد بثبات القدس، ولمكان ما حوّل سبحانه الخلق من حال طهر لا يظهر فيه تغير بما دونه أجرى عليهم اسم القدس كروح القدس المؤيد للشارع ينفث في روعة المؤيد لشاعره في مكافحته عنه، ولأجل قصر تخلي الخالق بالملك في قليل متاع الدنيا رغب النبي العبد صلى الله عليه وسلم عنه، واختار العبودية الدائمة بدوام العزة لسيده، فوضح بذلك علم أن لا قدوس إلا الله حقيقة معنى وتصحيح إحاطة. ولما كان سبحانه لتمام ملكه وعلو ملكه وكمال قدسه لا يتصور أن يلحقه نقص في ذات ولا صفة ولا فعل، فلا يقبح منه إهلاك على حال من الأحوال ولا مس بضر في الدنيا والآخرة في وقت من الأوقات لأنه سبحانه، لعلمه بالظواهر والبواطن على حد سواء، يصنع الأمور في أحكم مواضعها بما لا يدركه غيره أصلاً أو لا يدركه حق إدراكه فاحتيج إلى ما يؤمن من ذلك، وكان السلام حد ما بين الألفة والفرقة وحد ما بين الرحمة والسطوة وهو أدنى منال الجاهل من عباد الرحمان، ومنال المعتدي من المقتدر، وكان سلام المسلم للجاهل مداراة لئلا يزيد في جهله عليه، أو ارتقاباً لاستقبال مكنة، وكان الله لا يعبأ بالخلق ولا يحتاج لارتقاب مكنة لأنه لا يعجزه شيء فلم يتحقق السلام بكل معنى من وجود السلامة له وإفاضتها على غيره تماماً إلا منه إعفاء من معاجلة استحقاق السطوة وحفيظة لحرمة اختصاص الرحمة، أتبع ذلك مؤمناً للعاصي من المعاجلة وللمطيع من سوء المعاملة قوله: {السلام} لأنه حد ما بينهما ظاهراً، ولذلك أردفه بما يتعلق بالباطن لتحصل إحاطة السلامة ظاهراً وباطناً فقال: {المؤمن} لأن الأمن حد ما بين المحبة والكره فيمن لا وسيلة له للحب وهو أدنى ما يقبله ذو الحق ممن يستحق منه الحب، ولذلك لم يقبل الحق ممن كان ظاهر الوسيلة للحب - إلا بالحب فلم يثبت إيمان المؤمن بمجرد الإيمان حباً له بل إيثاراً لمحبته على كل حب ومساواة لأخيه المؤمن فيما يحب لنفسه، وأدناه الأمنة في الغيب من الغيبة والعيب إلى غاية الأمان من بوائق الغشم والظلم من الجار المستحق حفظ جاره في غيبه، فالإحلال بالإيمان لكونه الأمنة في الغيب نفاق، والإخلال بالإسلام لكونه السلم في المواجهة إحرام، فبأدنى إخلال في جانب الحق أو الخلق ينثلم الإسلام والإيمان، وذلك كله إنما هو في الحقيقة من الله تعالى فهو الذي يعزى إليه الأمن والأمان بإفادته أسبابه ومنع أسباب المخاوف فلا أمن في الوجود ولا أمان إلا وهو مستفاد من جهته. ولما كان الاطلاع على بيّن ما ذكر ليتحقق معنى السلم والأمن، وعلى كل من تلك الحدود خفياً جداً يفتقر إلى مزيد علم، قال: {المهيمن} فإن الهيمنة شهادة خبرة وإحاطة وإبصار لكلية ظاهر الأمر وباطنه بحيث لا يخفى منه خافية هوية ولا بادية ظاهر، ولإحاطة معناه لا يكاد يقع له في الخلق مسوغ إطلاق إلا مسامحة لأن الخلق لا يشهدون إلا الظواهر ولا يشهدون من الباطن، ولذلك انعجم معناه على كثير من فصحاء العرب، فمفهوم معناه موجب توحيده فواضح إذ لا مهيمن بمعنى أنه شهيد على الوجه المشروح مع الأمانة المأمونة والحفظ والرعاية فيكون قائماً على كل شيء بكل ما له من رزق وعمل وأجل إلا هو، ولذلك كان القرآن الذي هو صفته سبحانه وتعالى مهيمناً على جميع الكتب التي قبله مصدقاً لما يستحق التصديق منها مكذباً لما يستحق التكذيب، فمن كان به أمهر كان بذلك أعلم. ولما كان تمام الخبرة ملزوماً لتمام القدرة، صرح بها اللازم فقال؛ {العزيز} والعزة غلبة لا يجد معها المغلوب وجه مدافعة وجه مدافعة ولا انفلات ولا إعجاز، فالعزيز الذي صعب على طالبه إدراكه مع افتقار كل شيء إليه في كل لحظة، الشديد في انتقامه الذي لا معجز له في إنفاذ حكمه، ولذلك ينظم كثير بآيات إمضاء الأحكام متصلاً بالحكمة والعلم إنباء عن العدل، قال الغزالي: وهو الذي يقل وجود مثله وتشتد الحاجة إليه ويصعب الوصول إليه. ولما كان المغلوب على الشيء فيؤخذ من يده قد لا ينقاد باطناً فلا يباشر ما غلب عليه للغالب وقد لا يكون العز ظاهراً لكل أحد، أردفه بقوله: {الجبار} وهو العظيم الذي يفوت المقاوم مناله، فهو على هذا من أسماء الذات ويصلح أمور من يريد من الخلق ويقهرهم على ما يريد، فهم أحقر من أن يعصوه طرفة عين بغير إرادته، والجبر: طول يلجيء الأدنى لما يريد منه الأعلى ويغيب من الأعلى ما يحاول مناله منه الأدنى مع الظهور التام الذي تدور مادته عليه، فالجبار لا يخرج شيء من قبضته، وتقصر الأيدي عن حمى عز حصرته، ولا ينال منه إلا ما نوّل، وهو أبعد شيء عن أوصاف الخلق لمنال الذباب منهم منا شاء وعجزهم عنه، ولما فيه من الإلجاء كان هو الاسم الذي يجليء النار لقصرها على مراده منها من الحسب الذي جبلها على ضده من الاستزادة فلا تزال تقول ما جبلت عليه: هل من مزيد، حتى يضع الجبار فيها قدمه أي يهينها فإن القدم موضع الإهانة، وهذه الإهانة - هي من مبدأ ظهور غلبة الرحمة للغضب، فله الملك ظهوراً بالأيدي الظاهرة من الإنسان وما دونه، وله الملكوت بطوناً بالأيدي الباطنة من الملك وما دونه، ولو الجبروت اختصاصاً من وراء كل ملك وملكوت. ولما كان الإلجاء قد يكون بنوع ملاطفة، أتبعه قوله: {المتكبر} ليعم الإلجاء الظاهر والباطن فالكبرياء جملة تأدي أمر الله وظاهر خلقه الذي يجد الخلق صغرهم من دونه وكبره عليهم وامتناعه عما لا يريد من مرادهم، لأن الكل حقيرون بالإضافة إلى جلاله وعز جبروته وعظمته وكماله، ولسواء الخلق في عام حضرة القدرة شملهم الصغر فلم يصح منهم كبر، ولا شرع لهم تكبر، فلم يكن للخلق منهم حقيقة حظ ولا لبس حق، فاختص بهذا الاسم لاستيلائه على الظواهر بإظهار ما لهم من الكبر لعدم الحاجة إلى شيء وبإلجاء غيره إلى الاحتياج إليه والإيقاع بجبابرتهم وإذلالهم وغير ذلك من الأمور المزعجة المرهبة من غير مبالاة بشيء كما اختص بالجبار لاستيلائه على البواطن. ولما تقرر بما ذكر من مظاهر عظمته استيلاؤه على الظواهر والبواطن باللطف والعنف، أنتج ذلك تعاليه عن شوب نقص لا سيما بالشرك فقال سبحانه: {سبحان الله} أي تنزه الملك الأعلى الذي اختص بجميع صفات الكمال تنزهاً لا تدرك العقول منه أكثر من أنه علا عن أوصاف الخلق فلا يدانيه شيء من نقص {عما يشركون *} أي من هذه المخلوقات من الأصنام وغيرهما مما في الأرض أو في السماء من كبير وصغير. وجليل وحقير. ولما تم دليل الوحدانية بما حل من التفهيم بالتدني إلى الملك ثم بالتعلي إلى التكبر فأنتج هذه الخاتمة، ابتدأ سبحانه دليلاً آخر هو في غاية التنزل والوضوح، فقال مفتتحاً بما افتتح به الأول من الترتيب في المراتب الثلاث، غيب الغيب ثم الغيب ثم الظهور على مراتبه، إعلاماً بأنه لا براح عن الإيمان بالغيب، ومن برح عنه هلك {وهو} أي الذي لا شيء يستحق أن يطلق عليه هذا الضمير غيره لأن وجوده من ذاته ولا شيء غيره إلا وهو ممكن فهو أهل لأن لا يكون فلا يكون له ظهور ليكون له بطون. ولما ابتدأ بهذا الغيب المحض الذي هو أظهر الأشياء، أخبر عنه بأشهر الأسماء الذي لم يقع فيه شركة بوجه فقال: {الله} أي الذي ليس له سمي فلا كفوء له فهو المعهود بالحق فلا شريك له بوجه. ولما بدأ سبحانه بهذا الدليل الجامع بين الغيب والظهور، ثنى بتنزيل متضمن للعلم والقدرة فهو في غاية الظهور فقال: {الخالق} أي الذي لا خالق على الحقيقة إلا هو لأن الخلق فرض حد وقدر في مطلق منه لم يكن فيه بعد حد ولا قدر كالحاذي يخلق أي يقدر في الجلد حداً وقدراً لنعل ونحوه وهو سابق للفري والبري ونحو "سبق العلم العمل" فالخالق في الحقيقة هو الذي كل شيء عنده بمقدار، الذي يقول{أية : يخلقكم في بطون أمهاتكم خلقاً من بعد خلق}تفسير : [الزمر: 6] {أية : وإن من شيء إلا عندنا خزائنه وما ننزله إلا بقدر معلوم} تفسير : [الحجر:21] ومن ناشئة القدر الفرق والترتيب، ومن ناشئة الفرق والترتيب الإحياء والإماتة، ومن معاد الفرق والإحياء والإماتة على أول أمره الجمع والرب، فلا يملك الخلق والفرق إلا من يملك الجمع والرب، وقد أوتي الحق ملكة ما في الفرق والشتات، ولم يملكوا جمع ما فرقوا ولا ألف ما شتتوا كالقاطع عضواً لا يقدر على لأمه، والهادم بناء لا يقدر على رمه على حده، والكاسر شيئاً لا يقدر على وصله، فلأن الخلق لا يحيطون بتقدير ما يسرعون في قدره ولا يقدرون بعد الفرق والفري على رمه ووصله كان المحيط التقدير في الشيء من جميع جهاته وجملة حدوده، القادر على جمع ما فرق الذي كما بدء أول خلق يعيده هو أحسن الخالقين، وتلايح تحت هذا اللبس في إطلاق اسم الخالق على الخالق الحق ذي الحول والقوة والقدرة والإحاطة والإبداء والإعادة، وعلى الخالق من الخلق المقدر بغير إحاطة علم ولا تأصيل حول ولا قدرة، ولا إتمام إبداء لاحظ من إعادة أنه لا خالق إلا الله كما أنه لا معيد لما بدأ إلا الله، وأن ليس إطلاق هذا الاسم على الخلق مبدأ فتنته التي يضل بها من يشاء ويهدي من يشاء، وتحقيق أفراد الخلق لله فيما ظهر على أيدي أهل الملك والملكوت وإحاطة جبروته بما ظهر وما بطن من أعمالهم وصنائعهم، هو أول مجمع من مجامع التوحيد، وهو أساس لإيمان أمة محمد صلى الله عليه وسلم، حيث فرض عليهم في الفاتحة {إياك نعبد وإياك نستعين} فهم خير أمة أخرجت للناس حيث أخلصوا الدين لله، ولموقع الشرك فيه كان القدرية مجوس هذه الأمة. ولما كان الخالق الحق هو من أتقن التقدير والبريء وإن كان أغلب الخلق لقصورهم لا يفهمون منه إلا مطلق التقدير كما قال شاعرهم: شعر : ولأنت تفري ما خلقت وبعض القوم يخلق ثم لا يفري تفسير : أردفه تنبيهاً على ذلك وتصريحاً وتأكيداً قوله: {البارئ} أي الذي يدقق بما وقع به التقدير ويقطعه ويصلحه لقبول الصورة على أتم حال، فإن كان من المحيط العلم كان تمام التهيؤ للصورة على كمال المشيئة فيها، وإن كان ممن لا يحيط علماً طرأ له في البرء من النقص عن التمام ما لا يمكن معه حصول المقصود في الصورة، ولا يكاد يقع الإحسان للخلق في مصوراتهم إلا وفاقاً لا يعلمون كنهه ولا يثقون بحصوله. ولما كان من يهيئ الأمور للتصوير قد لا يتقنه قال: {المصور} فإن التصوير إتمام تفصيل الخلق الظاهر وإكمال تخطيطه وإحكام أعضائه وهو حد ما انتهى إليه الخلق في الظهور، وليس وراء ظهور الصور كون إلا لطائف تطويرها في إسنان كمالها بعد بعثها بإحيائها بما لها من الروح المقوم لها سواء كان حيوانياً أو غيره إلى غاية كما لها الذي يعطيه المصور لها إفضالاً ومزيداً ويظهره إبداعاً، ويتضح الفرق جداً بين الأسماء الثلاثة بالبناء فإنه يحتاج أولاً إلى مقدر يقدر ما لا بد منه من الحجر واللبن والخشب والحديد ومساحة الأرض وعدد الأبنية وطولها وعرضها، وهذا يتولاه المهندس فيرسمه وهو الخلق ثم يحتاج إلى حجار ينحت الحجارة ويهيئها لتصلح لمواضعها التي تكون فيها من الأبواب وأوساط الجدر وأطرافها وزواياها غير ذلك، وكذا الخشاب والحداد في الخشب والحديد وهو البرئ ثم يأخذ الكل البناء فيضعها مواضعها إلى أن تقوم صورتها التي رسمها المهندس أولاً وقدرها، ولا تقوم الصورة بالحق إلا إذا كانت محكمة بحسب الطاقة كما أن البناء يضع الحجارة أولاً ثم يجعل الخشب فوقها لا بالاتفاق بل بالحكمة، ولو قلب ذلك لم تثبت الصورة ولم يكن لها الاسم إلا على أقل وجوه الضعف فكل من كان أحكم كان تصويره أعظم، ولذلك لا مصور في الحقيقة إلا الله الخالق البارئ المصور سبحانه، قال الرازي في اللوامع: والتصوير موجود في كل أجزاء العالم وإن صغر حتى في الذرة والنملة بل في كل عضو من أعضاء النملة، بل الكلام يطول في طبقات العين وعددها وهيئاتها وشكلها ومقاديرها وألوانها، ووجه الحكمة فيها، فمن لم يعرف صورتها لم يعرف مصورها إلا بالاسم المجمل، وهكذا القول في كل صورة لكل حيوان ونبات بل لكل جزء من نبات وحيوان. ولما علم من هذا أنه لا بد أن يكون المصور بالغ الحكمة، أردفه بقوله تعالى: {له} أي خاصة لا لغيره {الأسماء الحسنى} أي من الحكيم وغيره ممن لا يتم التصوير إلا به ولا تدركونه أنتم حق إدراكه. ولما أخبر سبحانه أول السورة أن الكائنات أوجدت تسبيحه خضوعاً لعزته وحكمته، ودل على ذلك بما تقدم إلى أن أسمعه الآذان الواعية بالأسماء الحسنى، دل على دوام اتصافه بذلك من يحتاج لما له من النقص من الخلق إلى التذكير فعبر بالمضارع فقال: {يسبح} أي يكرر التنزيه الأعظم من كل شائبة نقص على سبيل التجدد والاستمرار {له} أي على وجه التخصيص بما أفهمه قصر المتعدي وتعديته باللام {ما في السماوات} ولما كان هذا المنزه الذي استجلى التنزيه من الأسماء الحسنى قد أشرقت أنفاسه ولطفت أقطاره وأغراسه حتى صار علوياً فرأى الأرض عالية كالسماء لما شاركتها به في الدلالة على تمام كماله لجعلها معها لأنه لا يحتاج إلى تأكيد كالشيء الواحد بإسقاط "ما" وألصقها بها إلاحة إلى ذلك فقال: {والأرض} فمن تأمل الوجود مجملاً ومفصلاً، علم تسبيح ذلك كله بنعوت الكمال وأوصاف الجلال والجمال {وهو} أي والحال أنه وحده {العزيز} أي الذي يغلب كل شيء ولا يغلبه شيء ولا يوجد له مثل، ويعز الوصول إليه ويشتد الحاجة إليه. ولما كان من يكون بهذه الصفة لا يتم أمره وثبت كل ما يريده إلا إن كان على قانون الحكمة قال: {الحكيم *} من الحكمة وهي إتقان الحكم وإنهاؤها إلى جد لا يمكن نقضهن والحكم قال الحرالي: المنع عما يترامى إليه المحكوم إيالة عليه وحمله على ما يمتنع منه نظراً له، ففي ظاهره الجهد وفي باطنه الرفق، وفي عاجله الكره، وفي آجله الرضى والروح، فموقعه في الأبدان المداواة "تداووا عباد الله فإن الذي أنزل الداء أنزل الدواء"، وموقعه في الأديان التزام الأحكام والصبر والمصابرة على مجاهدة الأعمال وجهاد الأعداء ظاهراً من عدو الدين والبغي وباطناً من عدو النفس (أعدى عدوك نفسك التي بين جنبيك) ومن بعض الأهل والولد عدو، والشيطان عدو يجري من ابن آدم مجرى الدم {أية : إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدواً}تفسير : [فاطر: 6] فالحمل على جميع أنواع الصبر والمصابرة ظاهراً بالإيالة العالية هو الحكم والعلم بالأمر الذي لأجله وجب الحكم من قوام أمر عاجلته وحسن العقبى في آجلته من الحكمة، فالحكم مباح التعليم للناس عامة بل واجب أن يتعلم كل امرئ من الأحكام ما يخصه، وأن ينتدب طائفة لعلم ما يعم جميع الناس{أية : فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين} تفسير : [التوبة: 122] والحكمة التي هي العلم بما لأجله وجب الحكم من مشروطه التعليم بالتزكية{أية : هو الذي بعث في الأميين رسولاً منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين}تفسير : [الجمعة: 2] فما يعلمهم الحكمة إلا بعد التزكية فمن تزكى فهو من أهلها ومن يترك فليس من أهلها، فالحكمة تحلي مرارة جهد العمل بالأحكام فييسر بها ما يعسر دونها، والحكم ضيق الأمر للنفس كما أن السجن ضيق الخلق للبدن، والحكمة تود محمل ضيق الحكم لأنها تخرج وتؤول إلى سعة الواسع، ولا يتم الحكم وتستوي الحكمة إلا بحسب سعة العلم. ولما لم يكن للخلق من العلم إلا بقدر ما يهبهم الله لم يكن لهم من الحكمة إلا مقدار ما يورثهم {أية : ولقد آتينا لقمان الحكمة}تفسير : [لقمان: 12] ولما كان إنما العلم عند الله كان إنما الحكمة حكمة الله وإنما الحكم حكم الله، فهو الحكيم الذي لا حكيم إلا هو - انتهى. وقد علم سر اتباع الأسماء الشريفة من غير عطف، وذاك أنه لما ابتدأ بـ"هو" وأخبر عنه بالاسم العلم الأعظم المفرد المصون الجامع لجميع معاني الأسماء الحسنى، أتبعه تلك الأوصاف العلى من غير عطف إعلاماً بأنه لا شيء منها يؤدي جميع معناه بالمفهوم المتعارف عند أهل اللغة، ولذلك جمع بعدها الأسماء إشارة إلى أنه لا يجمع معناه إلا جميع الأوصاف المنزلة في كتبه والمأخوذة عن أوليائه التي استأثر بها في غيبه وليس شيء مما ذكر ههنا مضاداً في المعنى الظاهري للآخر كالأول والآخر حتى يظن لأجله نقص في المعنى بسبب ترك العطف، وأما ترتيبها هكذا فلأن كل اسم منها كما مضى شارح لما خفي من الذي قبله ومبين للازمه، وموضع لما ألاح أنه من مضمونه، وقد انعطف على افتتاحها وختامها وعانق ابتداؤها تمامها، ووفى مطلعها مقطعها، وزاد وبلغ الغاية من الإرشاد إلى سبيل الرشاد، فسبحان من أنزله برحمته رحمة للعباد، وهادياً إلى الصواب والسداد.

التستري

تفسير : قوله تعالى: {عَالِمُ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَادَةِ}[22] قال: الغيب السر، والشهادة العلانية. وقال تعالى أيضاً: {عَالِمُ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَادَةِ}[22] عالم بالدنيا والآخرة. والله سبحانه وتعالى أعلم.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {عَالِمُ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَادَةِ} [الآية: 22]. قال سهل: الغيب السر والشهادة العلانية. وقال أيضاً: عالم بالدنيا والآخرة. سئل بعضهم عن ذات الله؟ فقال: إن سألت عن قوله فقوله: {أية : إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَآ أَرَدْنَاهُ...}تفسير : [النحل: 40] الآية. وإن سألت عن فعله: {أية : كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ}تفسير : [الرحمن: 29] وإن سألت عن وصفه فقوله: {أية : هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ..} تفسير : [الإخلاص: 1] الآية. وإن سألت عن اسمه فقوله: {هُوَ ٱللَّهُ ٱلَّذِي لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ عَالِمُ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَادَةِ...} إلى آخره. وإن سألت عن ذاته: {أية : لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْبَصِيرُ} تفسير : [الشورى: 11].

القشيري

تفسير : {ٱلْغَيْبِ}: ما لا يُعْرَفُ بالضرورة، ولا يُعْرَف بالقياس من المعلومات. ويقال: هو ما استأثر الحقُّ بعِلْمِه، ولم يجعل لأحدٍ سبيلاً إليه. {وَٱلشَّهَادَةِ}: ما يَعْرفُه الخَلْقُ. وفي الجملة. لا يَعْزُبُ عن عِلْمِه معلومٌ.

البقلي

تفسير : قوله تعالى {هُوَ ٱللَّهُ ٱلَّذِي لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ عَالِمُ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَادَةِ} هو اشارة غيب الغيب والله ظهور الغيب والذى رجوع الوصف الى الغيب ولا نفى المعارف واله تلبيس ومكر لشغل المخاطب عنه بالاسم والرسم والا هو باين حق الحقيقة وكشفها بنعت الهوية فى الغيب فاول الخطاب نكرة وأخر الخطاب نكرة غيب فى غيب اذ لا يعرف الازل والابد ثم وصف نفسه بان غيبه مكشوف لعينه يرى الغيب كما يرى الظاهر اذا الغيب ظاهر والظاهر غيب وهو قوله عالم الغيب والشهادة الغيب ما فى صميم السر ومكامن روح الرّوح ونفس النفس والشهادة ما خرج من العدم عالم بالمعلومات الغيبية قبل وجودها وبعد وجودها لا يزيد علمه بالغيب علمه بالعلانية ولا علمه بالعلانية علمه بالغيب قال سهل الغيب السر والشهادة العلانية ثم رجع الى بيان الهوية التى هى مستورة عن الكل بقوله {هُوَ ٱلرَّحْمَـٰنُ ٱلرَّحِيمُ} ابرز الصفة بعد غيوبتها ونعت نفسه بالرحمة الواسطة بالمبالغة وتواثيرها الايجار وظهورها فى الافعال ثم رجع بعد الاظهار الى ذكر الغيوب والنكرات فى النكرات بقوله {هُوَ ٱللَّهُ ٱلَّذِي لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ} ثم ابان الصفة بالفعل بقوله {ٱلْمَلِكُ} ثم افرد الصفة عن الفعل فقال {ٱلْقُدُّوسُ} مقدس عن مباشرة الحدوثية ثم زاد وصف قدسه عن ادراك الحدث وعلل الكون بقوله {ٱلسَّلاَمُ} وصف نفسه بانه ما من الخائفين بقوله {ٱلْمُؤْمِنُ} ثم وصف نفسه ايضا بانه الصادق فى وعده المصدق اولياءه بقوله {ٱلْمُهَيْمِنُ} ثم زاد فى وصفه بانه العالى عن همم الخلائق المتمتع بذاته عن اداركهم لا يقوم فى كبريائه الحدثان بقوله {ٱلْعَزِيزُ ٱلْجَبَّارُ ٱلْمُتَكَبِّرُ} ثم زاد فى ذكر قدسه بقوله {سُبْحَانَ ٱللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ} عما يشيرون اليه بالنواظر والخواطر ثم زاد وصف غيبه وكنه الكنه وعين العين الظاهر بلباس الغيب ثم ذكر تاثير ظهوره باظهار الخلق بقوله {هُوَ ٱللَّهُ ٱلْخَالِقُ ٱلْبَارِىءُ ٱلْمُصَوِّرُ} ثم بين لذاته النعوت والاسامى القديمة المقدسة عن الاشراك والادراك بقوله {لَهُ ٱلأَسْمَآءُ ٱلْحُسْنَىٰ} فلما ظهر بهذه الاوصاف ظهر انوار صفاته فى الأيات والبس ارواح نوره الارواح والاشباح والاعصار والاذهار والشواهد والحوادث فسبحته الكل بالسنة نورية غيبية صفاتية بقوله {يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} ثم بين انه منزه بتنزيه عن تنزيههم وادراكهم وعلمهم به بقوله {وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ} العزيز عن الادراك الحكيم فى انشاء الاقدار تعالى الله عما اشار اليه الواصف الحدثان فى والسان الانسانى قال ابن عطا القدوس المنزه عما لا يليق به من الاضداد والانداد قال بعضهم المؤمن الذى لا يخاف ظلمه والمهيمن الحافظ لعباده وان لم يحفظوا اوامره والعزيز الذى عجز طلابه عن ادراكه ولو ادركه ذلك والجبار الذى حير ---على ما اراد ويصرفهم على يريد قال ابن عطا المؤمني المصدق لمن اطاعه وايضا قال لانه أمن المؤمنين عن خوف ما سواه حتى لم يخافوا سواه وقال القسيم البارئ الذى لا يتلوّن تبلون العاد ولا ينتقل من صفة الرضا الى صفة الغضب بتنقيل الكسوة وقال ابن عطا البارئ مبتدع الاشياء من غير شئ المصور المتمم تصويره على غاية الكمال وقال المهيمن على سرائر العباد فلا تخفى عليه خافية والسلام هو الذى سلم من النقص والأفات.

اسماعيل حقي

تفسير : {هو الله الذى لا اله الا هو} هو فى اصل وضعه كناية عن المفرد المذكر الغائب وهى كناية عن المفردة المؤنثة الغائبة وكثيرا مايكنى به عمن لايتصور فيه الذكورة والانوثة كما هو ههنا فانه راجع الى الله تعالى للعلم به ولك أن تقول هو موضوع لمفرد ليس فيه تأنيث حقيقة وحكما وهو لمفرد يكون فيه ذلك وهو مبتدأ خبره لفظة الله بمعنى هو المعبود بالحق المسمى بهذا الاسم الاعظم الدال على جلال الذات وكمال الصفات فلا يلزم أن يتحد المبتدأ والخبر بأن يكون التقدير الله الله اذ لا فائدة فيه او الله بدل من هو والموصول مع صلته خبر المبتدأ او هو اشارة الى الشان والله مبتدأ والذى لا اله الا هو خبره والجملة خبر ضمير الشان ولا فى كلمة التوحيد لنفى افراد الجنس على الشمول والاستغراق واله مبنى على الفتح بها مرفوع المحل على الابتدآء والمراد به جنس المعبود بالحق لا مطلق جنس المعبود حقا او باطلا والا فلا يصح فى نفسه لتعدد الآلهة الباطلة ولا يفيد التوحيد الحق والا هو مرفوع على البدلية من محل المنفى او من ضمير الخبر المقدر للا والخبر قد يقدر موجود فيتوهم ان التوحيد يكون باعتبار الوجود لا الامكان فان نفى وجود اله غير الله لايستلزم نفى امكانه وقد يقدر ممكن فيتوهم ان اثبات الامكان لايقتضى الوقوع فكم من شىء ممكن لم يقع وقد يقدر لنا فيتوهم انه لابد من مقدر فيعود الكلام والجواب انه اذا كان المراد بالاله المعبود بالحق كما ذكر فهو لايكون الا رب العالمين مستحقا لعبادة المكلفين فاذا نفيت الالوهية على هذا المعنى عن غيره تعالى واثبتت له سبحانه يندفع التوهم على التقدير كلها ان قيل ان أراد القائل لا اله الا الله شمول النفى له تعالى ولغيره فهو مشكل نعوذ بالله مع ان الاستثناء يكون كاذبا وان أراد شموله لغيره فقط فلا حاجة الى الاستنثاء أجيب بأن مراده فى قلبه هو الثانى الا انه يرى التعميم ظاهرا فى اول الامر ليكون الاثبات بالاستنثاء آكد فى آخر الامر فالمعنى لا اله غيره وهذا حال الاستثناء مطلقا قال الشيخ أبو القاسم هذا القول وان كان ابتدآؤه النفى لكن المراد به الاثبات ونهاية التحقيق فان قول القائل لا أخ لى سواك ولا معين لى غيرك آكد من قوله أنت أخى ومعينى كل من لا اله الا الله ولا اله الا هو كلمة توحيد لو روده فى القرءآن بخلاف لا اله الا الرحمن فانه ليس بتوحيد مع ان اطلاق الرحمن على غيره تعالى غير جائز واطلاق هو جائز نعم ان الاولى كونه توحيدا الا انه لم يشتهر به التوحيد اصالة بخلافهما. اعلم ان هو من اسماء الذات عند اهل المعرفة لانه بانفراده عن انضمام لفظ آخر اشارة الى الله مستجمع لجميع الصفات المدلول عليها بالاسماء الحسنى فهو جملة الاذكار عند الابرار قال الامام القشيرى رحمه الله هو للاشارة وهو عند هذه الطائفة اخبار عن نهاية التحقيق فاذا قلت هو لايسبق الى قلوبهم غيره تعالى فيكتفون به عن كل بيان يتلوه لاستهلاكهم فى حقائق القرب واستيلاء ذكر الحق على اسرارهم وقال الامام الفاضل محمد بن أبو بكر الرازى رحمه الله فى شرح الاسماء الحسنى، اعلم ان هذا الاسم عند اهل الظاهر مبتدأ يحتاج الى خبر ليتم الكلام وعند اهل الطريق لايحتاج بل هو مفيد وكلام تام بدون شىء آخر يتصل به او يضم له لاستهلاكهم فى حقائق القرب واستيلاء ذكر الحق على اسرارهم وقال الشيخ العارف احمد الغزالى آخو الامام محمد الغزالى رحمه الله كاشف القلوب بقوله لا اله الا الله وكاشف الارواح بقو ل الله وكاشف الاسرار بقول هو هو لا اله الاّ الله قوت القلوب والله قوت الارواح وهو قوت الاسرار فلا اله الا الله مغناطيس القلوب والله مغناطيس الارواح وهو مغناطيس الاسرار والقلب والروح والسر بمنزلة درة فى صدفة فى حقة فانظر انه رحمه الله فى اى درجة وضع هو وعن بعض المشايخ رأيت بعض الوالهين فقلت له ما اسمك فقال هو قلت من أنت قال هو قلت من أين تجيىء قال هو قلت من تعنى بقولك هو قال هو فما سألته عن شىء الا قال هو فقلت لعلك تريد الله فصاح وخرجت روحه فكن من الذاكرين بهو ولا تلتفت الى المخالفين فانهم من اهل لاهوآء ولكل من العقل والنفس والقلب والروح معنيان اما العقل فيطلق على قوة دراكة توجد فى الانسان بها يدرك مدركاته وعلى لطيفة ربانية هى حقيقة الانسان المستخدمة للبدن فى الامور الدنيوية والاخروية وهى العالم والعارف والعاقل وهى الجاهل والقاصر والغافل الى غير ذلك وكذا النفس تطلق على صفة كائنه فى الانسان جامعة للاخلاق المذمومة داعية الى الشهوات باعثة على الاهوآء والآفات وتطلق على تلك اللطيفة المذكورةكما قال بعض الافاضل شعر : يا خادم الجسم كم تسعى لخدمته وتطلب الربح مما فيه خسران عليك بالنفس فاستكمل فضائلها فأنت بالنفس لا بالجسم انسان تفسير : وكذا القلب يطلق على قطعة لحم صنوبرية تكون فى جوف الانسان وعلى تلك اللطيفة وكذا الروح يطلق على جسم لطيف وعلى اللطيفة الربانية المذكورة فكل من الالفاظ الأربعة يطلق على نفس الانسان الذى هو المتكلم والمخاطب والمثاب والمعاقب بالاصالة وتبيعتها يقع الثواب والعقاب للجسد الذى هو القفص لها فالتغاير على هذا اعتبارى فان النفس نفس باعتبار انها نفس الشىء وذاته وعقل باعتبار ادراكها وقلب باعتبار انقلابها من شىء الى شىء وروح باعتبار استراحتها بما يلائمها وتستلذ به وعلى المعانى الأخر لهن حقيقى ثم ان النفس اما أن تكون تابعة للهوى فهى الامارة لمبالغة أمرها للاعضاء بالسيئات فذكر دآئرة النفس لا اله الا الله واما أن يهب الله له الانصاف والندامة على تقصيراتها والميل الى التدارك لما فات من المهمات فهى اللوامة للومها صاحبها بل نفسها على سوء عملها فذكر هذه الدآئرة الله الله ويقال لها دائرة القلب لانقلابها الى جانب الحق واما أن تطمئن الى الحق وتستقر فى الطاعة وتتلذذ بالعبادة فهى المطمئنة لاطمئنانها تحت أمر الله بحب الله ويقال لهذه الدآئرة دآئرة الروح لاستراحتها بعبادة الله وذكره وتلذذها بشكره وذكر هذ الدآئرة هو هو واما ماقال بعض الكبار من ان الذكر بلا اله الا الله أفضل من الذكر بكلمة الله الله وهو هو من حيث انها جامعة بين النفى والاثبات ومحتوية على زيادة العلم والمعرفة فبالنسبة الى حال المبتدى فكلمة التوحيد تظهر مرءآة النفس بنارها فتوصل السالك الى دآئرة القلب وكلمة الله تنور القلب بنورها فتوصل الى دائرة الروح وكلمة هو تجلى الروح فتوصل من شاء الله الى دآئرة السر والسر لفظ استأثره المشايخ للحقيقة التى هى ثمرة الطريقة التى هى خلاصة الشريعة التى هى لازمة القبول لكل مؤمن اما أخذا مما روى عن النبى عليه السلام انه قال حكاية عن الله "حديث : بينى وبين عبدى سر لايسعه ملك مقرب ولا نبى مرسل"تفسير : واما لكونه مستورا عن اكثر الناس ليس من لوازم الشريعة والطريقة ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم يشهد الله اينما يبد وانه لا اله الا هو شعر : هست هر ذره بو خدت خويش بيش عارف كواه وحدت او باك كن جامى از غبار دويى لو خاطر كه حق يكيست نه دو تفسير : {عالم الغيب والشهادة} اللام للاستغراق فيعلم كل غيب وكل شهادة اى ماغاب عن الحسن من الجواهر القدسية واحوالها وما حضر له من الاجرام واعراضها ومن المعدوم والموجود فالمراد بالغيب حينئذ ماغاب عن الوجود ومن السر والعلانية ومن الآخرة والاولى ونحو ذلك قال الراغب ماغاب عن حواس الناس وبصائرهم وما شهدوه بهما والمعلومات اما معدومات يمتنع وجودها او معدومات يمكن وجودها واما موجودات يمتنع عدمها او موجودات لايمتنع عدمها ولكل من هذه الاقسام الاربعة احكام وخواص والكل معلوم لله تعالى وقدم الغيب على الشهادة لتقدمه فى الوجود وعلق العلم القديم به من حيث كونه موجودا، واعلم ان ماورد من اسناد علم الغيب الى الله فهو الغيب بالنسبة الينا لا بالنسبة اليه تعالى لانه لايخفى على الله شىء فى الارض ولا فى السماء واذا انتفى الغيب بالنسبة اليه انتفى العلم به ايضا وايضا لما سقطت جميع النسب والاضافات فى مرتبة الذات البحت والهوية الصرفة انتفت النسبة العلمية مطلقا فانتفى العلم بالغيب فافهم {هو الرحمن الرحيم} كرر هو لان له شأنا شريفا ومقاما منيفا من اشتغل به ملك من اعرض عنه هلك والله تعالى رحمته الدنيوية عامة لكل انسى وجنى مؤمنا كان او كافرا شعر : اديم زمني سفره عام اوست برين خان يغما جه دشمن جه دوست تفسير : على ما قال عليه السلام أيها الناس ان الدنيا عرض حاضر يأكل منها البر والفاجر وان الآخرة وعد صادق يحكم فيها ملك عادل قادر يحق فيها الحق ويبطل الباطل كونوا من ابناء الآخرة ولا تكونوا من ابناء الدنيا فان كل ام يتبعها ولدها ولذلك يقال يارحمن الدنيا لان مافيه زيادة حرف يراد به زيادة فى المعنى ورحمته الاخروية خاصة بالمؤمنين ولذا يقال يارحيم الآخرة فعلى هذا فى معنى الرحمن زيادة باعتبار المنعم عليه ونقصان باعتبار الانواع والافراد فى تخصيص هذين الاسمين المنبيئن عن وفور رحمته فى الدارين تنبيه على سبق رحمته وتبشير للعاصين أن لايقنطوا من رحمة الله وتنشيط للمطيعين بأنه يقبل القليل ويعطى الجزيل وحظ العبد من اسم الرحمن الرحيم أن يكون كثير الرحمة بأن يرحم نفسه اولا ظاهرا وباطنا ثم يرحم غيره بتحصيل مراده وارشاده والنظر اليه بعين الرحمة كما قال بعض المشايخ شعر : وارحم جميع الخالق كلهموا وانظر اليهم بعين اللطف والشفقه وقر كبير همو وارحم صغير همو وراع فى كل خلق حق من خلقه تفسير : قال الزروقى رحمه الله كل الاسماء يصح التخلق بمعانيها الا الاسم الله فانه للتعلق فقط وكل الاسماء راجعة اليه فالمعرفة به معرفة بها ولابد للعبد من قلب مفرد فيه توحيد مجرد وسر مفرد وبه يحصل جميع المقاصد سئل الجنيد قدس سره كيف السبيل الى الانقطاع الى الله تعالى قال بتوبة الاصرار وخوف يزيل التسويف ورجاء يبعث على مسالك العمل واهانة النفس بقربها من الاجل وبعدها من الأمل قيل له بما يصل العبد الى هذا قال بقلب مفرد فيه توحيد مجرد انتهى وهو عجيب وفى التأويلات النجمية تشير الآية الى هويته الجامعة عالم غيب الوجود المسمى باسم الباطن وعالم شهادة الوجود المسمى باسم الظاهر وهو الرحمن الرحيم اى هو المتجلى بالتجلى الرحمانى العام وهو المتجلى بالتجلى الرحيمى الخاص وهو المطلق عن العموم والخصوص فى عين العموم والخصوص غير اعتباراته وحيثياته

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {هو اللهُ الذي لا إِله إِلاّ هو} وحده {عَالِمُ الغيبِ والشهادة} أي: ما غاب عن الحس من الأسرار القديمة، وما حضر له من الأجرام الحسية. قال الورتجبي: أي: عالم بالمعلومات الغيبية قبل وجودها، وبعد وجودها، لا يزيد علمه بالغيب علمه بالعلانية، لا علمه بالعلانية علمه بالغيب. هـ. وتقديم الغيب على الشهادة لتقدُّمه في الوجود، وتعلُّق العلم القديم به، أو: المراد بالغيب: المعدوم، وبالشهادة: الموجود، أو السر والعلانية، {هو الرحمنُ الرحيم} أي: الرحمن بجلائل النِعم، والرحيم بدقائقها، أو: الرحمن بنعمة الإيجاد، والرحيم بنعمة الإمداد. {هو اللهُ الذي لا إله إلاّ هو}، كرر لإبراز الاعتناء بأمر التوحيد، {الملكُ}؛ المتصرف بالإطلاق، الذي لا يزول مُلكه أبدًا، {القدوسُ}؛ البليغ في النزاهة عما لا يليق به. وقُرىء بالفتح, وهي لغة فيه، {السلام} ذو السلامة من كل نقص، أو: الذي يَسلم الخلق من ظلمه، أو: ذو السلام على أوليائه يوم القيامة، {المؤمنُ}؛ واهب الأمْن، أو: المؤمن مِن عذابه مَن أطاعه، أو المصدِّق لعباده إذا وحّدوه, أو: المصدِّق للرسل بالمعجزات، {المهيمِنُ}؛ الرقيب الحافظ لكل شيء مُفَيْعِل، من: الأمن، بقلب همزته هاء، {العزيزُ}، الغالب الذي لا يُغلب، {الجبَّارُ} الذي جَبَرَ خلقه على ما أراد، أو: جبر أحوالهم، أي: أصلحها، {المتكبّر} الذي تكبّر عن كل ما يوجب حاجة أو نقصًا، أو: البليغ الكبرياء والعظمة. {سبحان الله عما يشركون}، نزَّه ذاته عما يصفه به المشركون إثر تعداد صفاته التي لا يمكن أن يُشارَك في شيءٍ منها أصلاً. {هو اللهُ الخالقُ}؛ المقدّر للأشياء على مقتضى حكمته، {البارىء}؛ الموجد لها بريةً من التفاوت؛ وقيل: المميِز بعضها من بعض بالأشكال المختلفة، {المُصَوِّر}؛ الموجد لصورها وكيفيتها كما أراد. قال الغزالي: الخالق من حيث إنه مُقدِّر، البارىء من حيث إنه مُوجد، المصوِّر، مِن حيث أنه مُصَوِّر صور المخترعات أحسن ترتيب، ومُزيّنها أحسن تزيين. هـ. قلت: وحاصل كلامه: أن الخالق يرجع للإرادة، والبارىء للقدرة، والمُصَوِّر للحكمة، والأحسن: أن يُقال: إنّ الخالق: المخترع للأشياء من غير أصل، البارىء: المهيىء كلَّ ممكن لقبول صورته، فهو من معنى الإرادة؛ إذ متعلّقه التخصيص، المُصَوِّر: المُعطي كل مخلوق ما هيىء له من صورة وجوده بحكمته، فهو معاني اسمه " الحكيم ". {له الأسماءُ الحسنى} لدلالتها على المعاني الحسنة، وتقدم عدها في آخر الإسراء. {يُسبح له ما في السمواتِ والإرض}؛ ينطق بتنزيهه عن جميع النقائص تنزيهًا ظاهرًا، {وهو العزيزُ} لا يُغلب، {الحكيمُ} الذي لايمكن الاعتراض عليه في شيء من تقديراته. ختم السورة بما بدأ به من التسبيح. عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: سألت حبيبي رسولَ الله صلى الله عليه وسلم عن اسم الله الأعظم؟ فقال: "حديث : عليك بآخر الحشر، فأَكْثِر قراءته"تفسير : ، فأعدتُ عليه، فأعاد عليّ فأعدت عليه، فأعاد عليّ، وعنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: " حديث : مَن قال حين يُصبح ثلاث مرات: أعوذ بالله السيمع العليم، من الشيطان الرجيم، وقرأ ثلاث آيات من آخر سورة الحشر، وكّلَ اللهُ سبعين ألف ملك يُصلُّون عليه حتى يُمسي، فإذا مات في ذلك اليوم مات شهيدًا، ومَن قالها حين يُمسي كان بتلك المنزلة" تفسير : رواه الترمذي. وأسند ابن جزي حديثًا إلى حديث : عبد الله بن مسعود: أنه قال: قرأتُ على النبي صلى الله عليه وسلم فلما انتهيت إلى آخر الحشر، قال: "ضع يدك على رأسك" قلت: ولِمَ ذلك يا رسول الله؟ قال: أقرأني جبريلُ القرآنَ، فلما انتهيت إلى آخر الحشر، قال: ضع يدك على رأسك يا محمد، قلت: ولمَ ذاك؟ قال: إن الله تبارك وتعالى افتتح القرآن فضرب فيه، فلما انتهى إلى آخر الحشر، أمر الملائكة أن تضع يدها على رؤوسها، فقالت: يا ربنا ولِمَ ذلك؟ قال: لأنه شفاء من كل داء إلا السام" تفسير : . وسمعتُ من شيخنا الفقيه الجنوي أنه حديث ضعيب، يعمل به الإنسان وحده، فإذا كان مع الناس تركه، لئلا تعتقد العامة أنه مندوب أو واجب. هـ. الإشارة: قد ذكرنا في تفسير الفاتحة الكبير كيفية التعلُّق والتخلُّق والتحقُّق بهذه الأسماء. وقال الورتجبي: بيّن بقوله: " الأسماء" أنَّ لذاته النعوت والأسامي القديمة المقدسة عن الإشراك والإدراك، فلما ظهر بهذه الأوصاف أظهر أنوار صفاته في الآيات، وألبس أرواح نوره الأرواح والأشباح والأعصار والأدهار والشواهد والحوادث, فسبّحه الكلُّ بألسنة نورية غيبية صفاتية، لقوله: {يُسبح له...} الآية، قلت: أرواح نوره هي أسرار ذاته اللطيفة السارية في الأشباح والأرواح والجمادات وجميع الموجودات، التي بها قامت. قال: ثم بيّن أنه منزّه بتنزيهه عن تنزيههم وإدراكهم وعلمهم بقوله: {وهو العزيز الحكيم} العزيز عن الإدراك، الحكيم في إنشاء الأقدار. تعالى الله عما أشار إليه الواصف الحدثاني واللسان الإنساني. هـ.

الجنابذي

تفسير : {هُوَ ٱللَّهُ ٱلَّذِي لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ} كلامٌ منقطعٌ عن سابقه والمنظور اثبات التّوحيد الّذى هو المنظور من كلّ منظورٍ ومبدء كلّ مبدءٍ وغاية كلّ غايةٍ والثّناء عليه وتعداد محامده {عَالِمُ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَادَةِ} اى عالم بما غاب عن الخلق وبما كان مشهوداً لهم، او عالمٌ بعالم الغيب وعالم الشّهادة {هُوَ ٱلرَّحْمَـٰنُ} المفيض للوجودات وللكمالات الاوّليّة على الموجودات {ٱلرَّحِيمُ} المفيض للكمالات الثّانويّة عليها، او الرّحمن هو المفيض لاصل الوجود وجميع كمالاته على الاشياء والمفيض للوجود وكمالاته الاولويّة على الانسان، والرّحيم هو المفيض للكمالات الثّانية على الانسان وقد سبق معناهما مفصّلاً فى سورة فاتحة الكتاب.

اطفيش

تفسير : {هُوَ اللهُ الَّذِى لا إِلَهَ إِلا هُوَ عَالِمُ الغَيْبِ} ما غاب عن الحس {وَالشَّهَادَةِ} ما حضر وقدم الغيب لاختصاص الله به ولتقدمه في الوجود وقيل الغيب المعدوم والشهادة الموجود وقيل الغيب ما اسر العباد والشهادة ما اعلنوا وقيل الغيب الآخرة والشهادة الدنيا. {هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ} أي كثير الأنعام وعظيمه وقيل الرحمن ابلغ وسبق الكلام على ذلك.

اطفيش

تفسير : {هُوَ اللهُ الَّذِي لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ} أى الغائب أو ذا الغيب كله، ماضيه وحاضره ومستقبله، ما فى الدنيا وما فى الآخرة، والسر والإِعلان، و (الـ) للاستغراق وهو ما لم يتعلق به علم مخلوق فهو عالم بنفسه، وما تحت الأَرضين وما بداخل الأَرض وداخل كل جسم وما يتضمن الماء والأَرض والشجرة من الثمار وما يتضمن الحجر والشجر من النار وهكذا. وقدم الغيب لتقدمه فى الوجود فى حق المخلوق فيما يحدث له علم به، أو لأَن علم الله تعالى به دليل على علمه بالشهادة، والغيب المطلق ما لا يتعلق به علم مخلوق ولا إِحساسه. والغيب المضاف ما لم يتعلق به علم مخلوق دون آخر. وفسر بعضهم الآية بالمطلق أمكن أن يعلم بعد أو لم يمكن وعلم بعد، أو لم يعلم. وتفسيرها بالأَعم أولى وقيل الغيب ما لا يقع عليه علم مخلوق من المعدوم أو الموجود الذى لا يدرك. وقيل الغيب ما لم يكن وبه قال أبو جعفر من آل البيت. وقال الحسن الغيب السر وقيل الغيب الآخرة لأَنه لم يشاهد منها شئ {وَالشَّهَادَةِ} ما علمه بعض الخلق ولو جهله بعض أو ما علم مع الحضور بالبصر أو القلب. وقيل ما يقع عليه الإِدراك بالحس، وقال أبو جعفر الشهادة ما كان، وقال الحسن: العلانية. وقيل ما فى الدنيا وما لم يكن غيباً فهو شهادة وما لم يكن شهادة فغيب والمراد الشاهد أو ذا الشهادة {هُوَ الرَّحْمَنُ} فى الدنيا والآخرة {الرَّحِيمُ} لكل أحد إِلا من أبى فى الآخرة، فالرحمن لأَنه يرحم فى الدنيا من هو مؤمن، ومن هو كافر، وهذا كما قيل رحمن الدنيا ورحيم الآخرة {هُوَ اللهُ الَّذِى لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ} تأْكيد للتوحيد إِذ لم يقل لا إِله إِلا الله {الْمَلِكُ} المتنزه تنزها عظيماً عن صفات الخلق والنقص الكامل فى أوصافه {السَّلاَمُ} ذو السلامة من كل نقص أو ترجى منه السلامة أو يسلِّمُ على عباده المؤمنين فيسلمون من كل مكروه ولا يتكرر مع القدوس إِذا فسر بالسلامة، لأَن القدوس من معنى السلامة على الإِطلاق من كل نقص، والسلام من السلامة أن يصيبه نقص بعد {الْمُؤْمِنُ} الذى يصير خلقه آمنين من جوره لانتفاء الجور عنه أو المؤمن بنفسه ورسله المصدق لهم بالمعجزات أو مؤمِّن خلْقَه السعداء من الفزع الأَكبر أو مخبرهم أن لا خوف عليهم، أو المصدق للمؤمنين فى قولهم آمنا، وفى شهادتهم على الناس يوم القيامة {الْمُهَيْمِنُ} مفيعل من الأَمن للمبالغة فيه كمسيطر وليس تصغيراً أو أخطأَ من قال إِنه تصغير فإِن التصغير لا يدخل أسماء الله تعالى. ولعل مراد المبرد بقوله بالتصغير أنه على صورة التصغير، ومعناه الرقيب الحافظ لكل شئ؛ الذى لا يغيب عنه شئ. القائم على خلقه فحذف المتعلق للعموم والأُصول فيه كما رأيت الهاء المبدلة من همزة أمن ومعنى أصالتها أنها غير زائدة والميم والنون والفعل هيمن بوزن فيعل، والأَصل أيمن بفتح الهمزة والميم وسكون الياء بينهما. ويقال أمن الراعى الذئب على الغنم بمعنى أنه كمل حفظه عليها والله سبحانه وتعالى كامل القدرة والحفظ على خلقه لا يخرج منه شئ عما أراد، وقيل من الأَمانة، لأَن الأَمين على الشئ حافظ له، وضعف هذا القول لأَنه لا ينبئ عن المبالغة وعموم القدرة والعلم كما ينبئ على ذلك ما ذكر قبله. وقال الجوهرى اسم فاعل من أمنه الخوف، أبدلت الهمزة هاء لئلا تجتمع همزتان وذلك كما فى هراق الماء والأَصل أراق وهياك فى إِياك ومعناه صير الخلق آمنين، وكل من المؤمن والمهيمن يفسر بما لم يفسر به الآخر وفسره بعض بالقاضى وبعض بالأَمين وبعض بالعلى {الْعَزِيزُ} الغالب وقيل الذى يعذب من أراد وهو تفسير باللازم من القول الأَول وقيل الذى لا يحط من منزلته وهو أيضاً تفسير باللازم، وقيل الذى عليه ثواب العاملين، وليس هذا من معانيه فى اللغة. وقيل الذى لا نظير له {الْجَبَّارُ} صفة مبالغة من الثلاثى على القياس وهو من الجبر للكسر بمعنى إِصلاحه، يقال جبر الله العظم فانجبر، والله عز وجل أصلح أحوال خلقه إِصلاحاً عظيماً إِيجاداً وإِبقاء وشكلا وصورة وهداية إِلى كل ما ينفعهم دنيا وديناً ومن خالف عوقب، جبر الله الفقير بالغنى ويجبر الكسير فهو صفة فعل، وقيل الذى لا ينافس فى فعله ولا يطالب بعلة ولا يحجر عليه فى مقدوره. وفسره ابن عباس بالعظيم وجبروت الله سبحانه: عظمته فهو صفة ذات، وقيل الذى لا يناله غيره كما يقال للنخلة التى لا تصلها اليد بلا طلوع لطولها جبار وكما يقال جرح العجماء جبار والمعدن جُبار بالضم والتخفيف أى مهدور لا يدرك، وقيل صفة مبالغة من الرباعى وهو أجبره بمعنى قهره، وذلك وارد مسموع لا يقاس. وجاء أيضاً جبره بلا همزة بمعنى قهره وذلك على القلة، فصيغة المبالغة على القياس {الْمُتَكَبِّرُ} التفعل للعلاج والله منزه عنه فيفسر فى صفات الله وأفعاله بلازمه وهو كونه بليغاً فى الوصف لأَن الأَمر الذى يتكلف ويعالج يكون قويا صحيحاً فالمراد بالمتكبر كبير الشأن كبراً قوياً جداً، وله الكبرياء فى السماوات والأَرض أو المتنزه عن كل نقص تنزها عظيماً، وقد شرحت الأَسماء الحسنى وشرحت قبلى، ويفسر كل ما لم يفسربه الآخر ولا بأس بالترادف تأكيداً، والتأْسيس أولى. وعن ابن عباس: المتكبر هو الذى يتكبر بربوبيته، فلا شئ مثله إِذ لا رب سواه تعالى، وقيل المرتفع عن كل سوء وقيل المتعظم عما لا يليق بجماله، وقيل المتكبر عن ظلم العباد. {سُبْحَانَ اللهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ} ما اسم والرابط محذوف مع الضمير الآخر، أى عن الأَشياء التى يشركونها به أو عن أشياء يشركونها به أو مصدرية أى عن إِشراكهم {هُوَ اللهُ الْخَالِقُ} الموجد لكل شئ من شئ أو من غير شئ، أو المقدر لكل شئ على وجه تقتضيه الحكمة. وبعض القوم يخلق ثم لا يفرى أى يقدر الشئ ولا يقطع فيه، وقيل المقدر لقلب الشئ إِلى غيره بالتدبير. وفى هذا القول تخصيص فى مقام العموم، ولعل قائله اعتبر العموم فى قوله البارئ فصح له التخصيص فى لفظ الخالق. {الْبَارِئُ} الموجد للأَشياء بريئة من التفاوت بحسب الحكمة ولا يتكرر مع لفظ الخالق بمعنى الموجد، فإِنه أخص من الخالق، فإِن الخلق مطلق الإِيجاد والبرأ الإِيجاد مع البراءة من التفاوت، وقيل البارئ مميز بعض عن بعض بحيث يبرأ عن الالتباس، إِذ جعل كلا على شكل غير شكل الآخر {الْمُصَوِّرُ} الموجد لصور الأَشياء وأشكالها أو ما تتميز به فى الحسن كصورة الإِنسان وصورة الفرس، أو عقلا كتميز الإِنسان عن نحو الفرس من العقل ونحوه. كما قال بعض الممثل للمخلوقات بالعلامات التى يتميز بها بعض عن بعض، وبعض بالخالق على غير مثال سابق، وقيل الخالق على غير مثال سابق والبارئ المنشئ لما يريد من خلقه من العدم إِلى الوجود والمصور المنشئ على صور مختلفة، وقيل التصوير التخطيط، فأَولا يكون خلقاً ثم برأ ثم تصويراً. ويقال قدم الخالق على البارئ لأَن تأْثير الإِرادة مقدم على تأْثير القدرة، وقدم البارئ على المصور لأَن إِيجاد الذات مقدم على إِيجاد الصفات، وفيه أنه لا تخلق ذات موجدة عن صفة أولا: {لَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى} بمعنى الأَلفاظ المخلوقة بعد الأَزل، والقديم هو معانى صفات الذات منها وعلمه بما سيحدثه بعد لزمانه ومقداره وكيفيته من صفات الأَفعال وكونه أهلا لذلك كله، وحسنها راجع لذاتها بمعنى أنها شئ يستحسن وراجع إِلى غيرها وهو الانتفاع بالإِيمان بها دنيا ودينا وأخرى وإجابة الدعاء بها والتبرك والرقيا وصفات الذات هو لا غيره ولا تبعض لتعددها فذات الواجب كافية فى معانيها. {يُسَبِّحُ لَهُ} بلسان الحال ولسان القال. {مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ} الأَرضين السبع وغيرهن كالعرش والكرسى وما تحت الأَرضين وما بين كل شيئين من ذلك وأجزاء ذلك، فإِن جزء الشئ فى الشئ {وَهُوَ الْعَزِيزُ} أعاده تأْكيدا أو هذا بمعنى من المعانى السابقة والأَول بمعنى آخر منها {الْحَكِيمُ} فى كل قول وفعل قيل، والحكمة تحلية فأخرت والعزة تخلية فقدمت والله أعلم.

الالوسي

تفسير : {هُوَ ٱللَّهُ ٱلَّذِى لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ } وحده سبحانه {عَـٰلِمُ ٱلْغَيْبِ } وهو ما لم يتعلق به علم مخلوق وإحساسه أصلاً وهو الغيب المطلق {وَٱلشَّهَـٰدَةِ } وهو ما يشاهده مخلوق. قال الراغب: ((الشهود والشهادة الحضور مع المشاهدة إما بالبصر أو بالبصيرة، وقد يعتبر الحضور مفرداً لكن الشهود بالحضور المجرد أولى والشهادة مع المشاهدة أولى))، وحمل الغيب على المطلق هو المتبادر، وأل فيه للاستغراق إذ لا قرينة للعهد، ومقام المدح يقتضيه مع قوله تعالى: { أية : عَلَّـٰمُ ٱلْغُيُوبِ } تفسير : [المائدة: 109] فيشمل كل غيب واجباً كان أو ممكناً موجوداً أو معدوماً أو ممتنعاً لم يتعلق به علم مخلوق، ويطلق الغيب على ما لم يتعلق به علم مخلوق معين وهو الغيب المضاف أي الغيب بالنسبة إلى ذلك المخلوق وهو على ما قيل: مراد الفقهاء في قولهم: مدعي علم الغيب كافر، وهذا قد يكون من عالم الشهادة كما لا يخفى. وذكر الشهادة مع أنه إذا كان كل غيب معلوماً له تعالى كان كل شهادة معلوماً له سبحانه بالطريق الأولى من باب قوله عز وجل: { أية : لاَ يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا } تفسير : [الكهف: 49]. وقيل: الغيب ما لا يقع عليه الحس من المعدوم أو الموجود الذي لا يدرك، والشهادة ما يقع عليه الإدراك بالحس. وقال الإمام أبو جعفر رضي الله تعالى عنه: الغيب ما لم يكن والشهادة ما كان، وقال الحسن: الغيب السر والشهادة العلانية، وقيل: الأول: الدنيا بما فيها. والثاني: الآخرة بما فيها، وقيل: الأول: الجواهر المجردة وأحوالها. والثاني: الأجرام والأجسام وأعراضها، وفيه أن في ثبوت المجردات خلافاً قوياً، وأكثر السلف على نفيها. وتقديم الغيب لأن العلم به كالدليل على العلم بالشهادة، وقيل: لتقدمه على الشهادة فإن كل شهادة كان غيباً وما برز ما برز إلا من خزائن الغيب، وصاحب القيل الأخير يقول: إن تقديم الغيب لتقدمه في الوجود وتعلق العلم القديم به. واستدل بالآية على أنه تعالى عالم بجميع المعلومات، ووجهه ما أشرنا إليه، وتتضمن على ما قيل: دليلاً آخر عليه لأنها تدل على أنه لا معبود إلا هو ويلزمه أن يكون سبحانه خالقاً لكل شيء بالاختيار كما هو الواقع في نفس الأمر، والخلق بالاختيار يستحيل بدون العلم، ومن هنا قيل: الاستدلال بها على هذا المطلب أولى من الاستدلال بقوله تعالى: { أية : وَٱللَّهُ بِكُلّ شَيْء عَلِيمٌ } تفسير : [البقرة: 282]. {هُوَ ٱلرَّحْمَـٰنُ ٱلرَّحِيمُ } برحمة تليق بذاته سبحانه، والتأويل وإن ذكره علماء أجلاء من الماتريدية والأشاعرة لا يحتاج إليه سلفي كما حقق في «التمييز» وغيره.

ابن عاشور

تفسير : لما تكرر في هذه السورة ذكر اسم الله وضمائره وصفاته أربعين مرة منها أربع وعشرون بذكر اسم الجلالة وست عشرة مرة بذكر ضميره الظاهرِ، أو صفاته العلية. وكان ما تضمنته السورة دلائل على عظيم قدرة الله وبديع تصرفه وحكمته. وكان مما حوته السورة الاعتبارُ بعظيم قدرة الله إذْ أيد النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين ونصرَهم على بني النضير ذلك النصرَ الخارق للعادة، وذِكر ما حل بالمنافقين أنصارهم وأن ذلك لأنهم شاقُّوا الله ورسوله وقوبل ذلك بالثناء على المؤمنين بالله ورسوله صلى الله عليه وسلم الذين نصروا الدّين، ثم الأمر بطاعة الله والاستعداد ليوم الجزاء، والتحذير من الذين أعرضوا عن كتاب الله ومن سوء عاقبتهم، وختم ذلك بالتذكير بالقرآن الدال على الخير، والمعرّف بعظمة الله المقتضية شدة خشيته، عقب ذلك بذكر طائفة من عظيم صفات الله ذات الآثار العديدة في تصرفاته المناسبة لغرض السورة زيادة في تعريف المؤمنين بعظمته المقتضية للمزيد من خشيته. وبالصفات الحسنى الموجبة لمحبته، وزيادةً في إرهاب المعاندين المعرضين من صفات بطشه وجبروته، ولذلك ذُكر في هذه الآيات الخواتم للسورة من صفاته تعالى ما هو مختلِف التعلق والآثار للفريقين حظ مَا يليق به منها. وفي غضون ذلك كله دلائل على بطلان إشراكهم به أصنامهم. وسنذكر مراجع هذه الأسماء إلى ما اشتملت عليه السورة فيما يأتي. فضمير الغيبة الواقع في أول الجملة عائد إلى اسم الجلالة في قوله تعالى: { أية : يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله}تفسير : [الحشر: 18]، و{هو} مبتدأ واسم الجلالة خبر عنه و{الذي} صفة لاسم الجلالة. وكان مقتضى الظاهر الاقتصار على الضمير دون ذكر اسم الجلالة لأن المقصود الإِخبار عن الضمير بـ{الذي لا إلٰه إلا هو} وبما بعد ذلك من الصفات العلية، فالجمع بين الضمير وما يساوي معادَة اعتبار بأن اسم الجلالة يجمع صفات الكمال لأن أصله الإِلٰه ومدلول الإِلٰه يقتضي جميع صفات الكمال. ويجوز أن يجعل الضمير ضمير الشأن ويكون الكلام استئنافاً قُصد منه تعليم المسلمين هذه الصفات ليتبَصَّرُوا فيها وللردّ على المشركين إشراكهم بصاحب هذه الصفات معه أصنافاً ليس لواحد منها شيء من مثل هذه الصفات، ولذلك ختمت طائفة منها بجملة {أية : سبحان الله عما يشركون}تفسير : [الحشر: 23]، لتكون ختاماً لهذه السورة الجليلة التي تضمنت منة عظيمة، وهي منة الفتح الواقع والفتح الميسّر في المستقبل، لا جرم أنه حقيق بأن يعرفوا جلائل صفاته التي لتعلقاتها آثار في الأحوال الحاصلة والتي ستحصل من هذه الفتوح وليعلمَ المشركون والكافرون من اليهود أنهم ما تعاقبت هزائمهم إلاّ من جرّاء كفرهم. ولما كان شأن هذه الصفات عظيماً ناسب أن تفتتح الجملة بضمير الشأن، فيكون اسم الجلالة مبتدأ و{الذي لا إلٰه إلا هو} خبر. والجملة خبر عن ضمير الشأن فيكون اسم الجلالة مبتدأ و{الذي لا إلٰه إلا هو} خبراً والجملة خبراً عن ضمير الشأن. وابتدىء في هذه الصفات العلية بصفة الوحدانية وهي مدلول {الذي لا إلٰه إلا هو} وهي الأصل فيما يتبعها من الصفات. ولذلك كثر في القرآن ذكرها عقب اسم الجلالة كما في آية الكرسي، وفاتحة آل عمران. وثني بصفة {عالم الغيب} لأنها الصفة التي تقتضيها صفة الإِلٰهية إذ علم الله هو العلم الواجب وهي تقتضي جميع الصفات إذ لا تتقوّم حقيقة العلم الواجب إلا بالصفات السَّلبية، وإذْ هو يقتضي الصفات المعنوية، وإنما ذكر من متعلقات علمه أمور الغيب لأنه الذي فارق به علمُ الله تعالى علمَ غيره، وذكر معه علم الشهادة للاحتراس تَوهُّم أنه يعلم الحقائق العالية الكلية فقط كما ذهب إليه فريق من الفلاسفة الأقدمين ولأن التعريف في {الغيب والشهادة} للاستغراق. أي كل غيب وشهادة، وذلك مما لا يشاركه فيه غيره. وهو علم الغيب والشهادة، أي الغائب عن إحساس الناس والمشاهد لهم. فالمقصود فيهما بمعنى اسم الفاعل، أي عالم ما ظهر للناس وما غاب عنهم من كل غائب يتعلق به العلم على ما هو عليه. والتعريف في {الغيب والشهادة} للاستغراق الحقيقي. وفي ذكر الغيب إيماء إلى ضلال الذين قصَروا أنفسهم على المشاهدات وكفروا بالمغيبات من البعث والجزاء وإرسال الرسل، أمّا ذكر علم الشهادة فتتميم على أن المشركين يتوهمون الله لا يطلع على ما يخفونه. قال تعالى: {أية : وما كنتم تستترون أن يشهد عليكم سمعكم ولا أبصاركم} تفسير : [فصلت: 22] إلى قوله: {أية : من الخاسرين} تفسير : [فصلت: 23]. وضمير {هو الرحمٰن الرحيم} ضمير فصل يفيد قصر الرحمة عليه تعالى لعدم الاعتداد برحمة غيره لقصورها قال تعالى: {أية : ورحمتي وسعت كل شيء}تفسير : [الأعراف: 156]. وقال النبي صلى الله عليه وسلم «حديث : جعل الله الرحمة في مائة جزء فأمسك عنده تسعة وتسعين جزءاً وأنزل في الأرض جزءاً واحداً. فمن ذلك الجُزء يتراحم الخلق حتى ترفع الفرس حافرها عن ولدها خشيةَ أن تصيبه»تفسير : . وقد تقدم الكلام على {أية : الرحمٰن الرحيم}تفسير : في سورة [الفاتحة: 3]. ووجه تعقيب صفة عموم العلم بصفة الرحمة أن عموم العلم يقتضي أن لا يغيب عن علمه شيء من أحوال خلقه وحاجتهم إليه، فهو يرحم المحْتاجين إلى رحمته ويُهْمِل المعاندين إلى عقاب الآخرة، فهو رحمان بهم في الدنيا، وقد كثر إتباع اسم الجلالة بصفتي {الرحمٰن الرحيم} في القرآن كما في الفاتحة.

الشنقيطي

تفسير : جاءت في هذه الآيات الثلاث: ذكر كلمة التوحيد مرتين، كما ذكر فيها أيضاً تسبيح الله مرتين وذكر معهما العديد من أسماء الله الحسنى وصفاته العليا، فكانت بذلك مشتملة على ثلاث قضايا أهم قضايا الأديان كلها مع جميع الأمم ورسلهم، لأن دعوة الرسل كلها في توحيد الله تعالى في ذاته وأسمائه وصفاته وتنزيهه، والرد على مفتريات الأمم على الله تعالى: فاليهود قالوا: عزير ابن الله. والنصارى قالوا المسيح ابن الله. والمشركون قالوا:{أية : ٱتَّخَذَ ٱلرَّحْمَـٰنُ وَلَداً}تفسير : [مريم: 88]، {أية : وَجَعَلُواْ ٱلْمَلاَئِكَةَ ٱلَّذِينَ هُمْ عِبَادُ ٱلرَّحْمَـٰنِ إِنَاثاً}تفسير : [الزخرف: 19]، وقالوا:{أية : أَجَعَلَ ٱلآلِهَةَ إِلَـٰهاً وَاحِداً إِنَّ هَـٰذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ}تفسير : [ص: 5]. فكلهم ادعى الشريك مع الله، وقالوا: ثالث ثلاثة وغير ذلك. وكذلك في قضية التنزيه، فاليهود قالوا: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَآءُ}تفسير : [آل عمران: 181]، وقالوا: {أية : يَدُ ٱللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ}تفسير : [المائدة: 64]. والمشركون قالوا: {أية : وَمَا ٱلرَّحْمَـٰنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا وَزَادَهُمْ نُفُوراً}تفسير : [الفرقان: 60]، ونسبوا الله ما لا يرضاه أحدهم لنفسه، وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثاً، في الوقت الذي إذا بشر أحدهم بالأُنثى ظلَّ وجهُه مسودّاً وهو كظيم. وهذا كما تراه أعظم افتراء على الله تعالى، وقد سجله عليهم القرآن في قوله تعالى {أية : وَيُنْذِرَ ٱلَّذِينَ قَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ وَلَداً مَّا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلاَ لآبَائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِن يَقُولُونَ إِلاَّ كَذِباً}تفسير : [الكهف: 4-5] وكما قال تعالى: {أية : أَلاَ إِنَّهُم مِّنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ وَلَدَ ٱللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ}تفسير : [الصافات: 151-152]، وقال مبيناً جرم مقالتهم، {أية : وَقَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱلرَّحْمَـٰنُ وَلَداً لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدّاً تَكَادُ ٱلسَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ ٱلأَرْضُ وَتَخِرُّ ٱلْجِبَالُ هَدّاً أَن دَعَوْا لِلرَّحْمَـٰنِ وَلَداً وَمَا يَنبَغِي لِلرَّحْمَـٰنِ أَن يَتَّخِذَ وَلَداً}تفسير : [مريم: 88-92]. فكانت تلك الآيات الثلاث علاجاً في الجملة لتلك القضايا الثلاث، توحيد الألوهية، وتوحيد الأسماء والصفات، وتنزيه الله سبحانه وتعالى مع إقامة الأدلة عليها. وقد اجتمعت معاً لأنه لا يتم أحدها إلا بالآخرين، ليتم الكمال لله تعالى. قال أبو السعود: إن الكمالات كلها مع كثرتها وتشعبها راجعة إلى الكمال في القدرة والعلم اهـ. وهذا كله متوفر في هذا السياق، وقد بدأ بكلمة التوحيد، لأنها الأصل، لأن من آمن بالله وحده آمن بكل ما جاء عن الله، وآمن بالله على ما هو له أهل، ونزهه عما ليس له بأهل قال تعالى: {هُوَ ٱللَّهُ ٱلَّذِي لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ} [الحشر:22] ثم أعقبه بالدليل على إفراده تعالى بالألوهية بما لا يشاركه غيره فيه بقوله تعالى:{عَالِمُ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَادَةِ} [الحشر: 22]. وهذا الدليل نص عليه على أنه دليل لوحدانية الله تعالى في مواضع أخرى منها قوله تعالى {أية : إِنَّمَآ إِلَـٰهُكُمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِي لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً}تفسير : [طه: 98] ووسع كل شيء هنا تساوى عالم الغيب والشهادة، ومنها قوله تعالى {أية : أَلاَّ يَسْجُدُواْ للَّهِ ٱلَّذِي يُخْرِجُ ٱلْخَبْءَ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ ٱللَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ رَبُّ ٱلْعَرْشِ ٱلْعَظِيمِ}تفسير : [النمل: 25-26]. وقوله تعالى {أية : ٱللَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ٱلْحَيُّ ٱلْقَيُّومُ لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ}تفسير : [البقرة: 255] إلى قوله {أية : يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَآءَ}تفسير : [البقرة: 255]. وهذا قطعاً لا يشاركه فيه غيره، كما قال تعالى: {أية : وَعِندَهُ مَفَاتِحُ ٱلْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَآ إِلاَّ هُوَ}تفسير : [الأنعام: 59] فكان من حقه على خلقه أن يعبدوه وحده لا إله إلا هو، وجاء بدليل ثان، وهو قوله تعالى {هُوَ ٱلرَّحْمَـٰنُ ٱلرَّحِيمُ} وقد نص عليه صراحة أيضاً كدليل على الوحدانية في قوله تعالى {أية : وَإِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ لاَّ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ٱلرَّحْمَـٰنُ ٱلرَّحِيمُ}تفسير : [البقرة: 163] فهو رحمن الدنيا ورحيم الآخرة. من رحمته التي اختص بها في الدنيا قوله:{أية : وَهُوَ ٱلَّذِي يُنَزِّلُ ٱلْغَيْثَ مِن بَعْدِ مَا قَنَطُواْ وَيَنشُرُ رَحْمَتَهُ}تفسير : [الشورى: 28] وقوله: {أية : فَٱنظُرْ إِلَىٰ آثَارِ رَحْمَةِ ٱللَّهِ كَيْفَ يُحْيِيِ ٱلأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَآ}تفسير : [الروم: 50] أي: بإنزاله الغيب وإنبات النبات مما لا يقدر عليه إلا هو فكان حقه على خلقه أن يعبدوه وحده لا إله إلا هو. وقد جمع الدليلين العلم والرحمة معاً في قوله تعالى: {أية : رَبَّنَا وَسِعْتَ كُـلَّ شَيْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْماً}تفسير : [غافر: 7]. ثم جاءت كلمة التوحيد مرة أخرى، {هُوَ ٱللَّهُ ٱلَّذِي لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ}، وجاء بعدها من الصفات الجامعة قوله: {ٱلْمَلِكُ ٱلْقُدُّوسُ ٱلسَّلاَمُ ٱلْمُؤْمِنُ ٱلْمُهَيْمِنُ ٱلْعَزِيزُ ٱلْجَبَّارُ ٱلْمُتَكَبِّرُ}، وهذا الدليل على وحدانيته تعالى نص عليه في موضع آخر صريحاً في قوله تعالى: {أية : قُلْ يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنِّي رَسُولُ ٱللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً ٱلَّذِي لَهُ مُلْكُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ يُحْيِـي وَيُمِيتُ}تفسير : [الأعراف: 158] فالذي له ملك السماوات والأرض هو الملك الحق الكامل الملك، وهو الذي يملك التصرف في ملكه كما يشاء بالإحياء والإماتة وحده، كما قال تعالى {أية : تَبَارَكَ ٱلَّذِي بِيَدِهِ ٱلْمُلْكُ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلْمَوْتَ وَٱلْحَيَاةَ}تفسير : [الملك: 1-2] وهو القدوس السلام المؤمن المهيمن على ملكه كما في قوله أيضاً {أية : ٱللَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ٱلْحَيُّ ٱلْقَيُّومُ لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ لَّهُ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ مَن ذَا ٱلَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَآءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ وَلاَ يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ ٱلْعَلِيُّ ٱلْعَظِيمٌ}تفسير : [البقرة: 255] فالقيوم هو المهيمن والقائم بكل نفس، العزيز الجبار المتكبر سبحان الله عما يشركون، ثم جاء بالدليل الأعظم في قوله تعالى: {هُوَ ٱللَّهُ ٱلْخَالِقُ ٱلْبَارِىءُ ٱلْمُصَوِّرُ} فهو وحده المتفرد بالخلق والإيجاد، والإبداع والتصوير، وقد نص على هذا الدليل في أكثر من موضع كما في قوله تعالى: {أية : بَدِيعُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَّهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ}تفسير : [الأنعام: 101] ثم قال {أية : ذٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمْ لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَٱعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ}تفسير : [الأنعام: 102]. وذكر أيضاً الخلق مفصلاً والملك مجملاً في قوله تعالى {أية : خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَأَنزَلَ لَكُمْ مِّنَ ٱلأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُـمْ خَلْقاً مِّن بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلاَثٍ}تفسير : [الزمر: 6] ثم قال{أية : ذَلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ ٱلْمُلْكُ لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ فَأَنَّىٰ تُصْرَفُونَ}تفسير : [الزمر: 6] وقال {أية : ذَلِكُـمُ ٱللَّهُ رَبُّـكُمْ خَالِقُ كُـلِّ شَيْءٍ}تفسير : [غافر: 62] ثم قال {أية : لاَّ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ فَأَنَّىٰ تُؤْفَكُونَ}تفسير : [غافر: 62] وجمع الملك والخلق معاً في قوله {أية : ٱلَّذِي لَهُ مُلْكُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَمْ يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي المُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً}تفسير : [الفرقان: 2] إلى غير ذلك من الآيات في هذا المعنى. ومن تأمل براهين القرآن على وحدانية الله تعالى، وعلى قدرته، على البعث وهما أهم القضايا العقائدية يجد أهمها وأوضحها وأكثرها، هو هذا الدليل، أعني دليل الخلق والتصوير. وقد جاء هذا الدليل في القرآن جملة وتفصيلاً، فمن الإجمال ما جاء في أصل المخلوقات جميعاً {أية : ٱللَّهُ خَالِقُ كُـلِّ شَيْءٍ}تفسير : [الزمر: 62] وقوله تعالى: {أية : تَبَارَكَ ٱلَّذِي بِيَدِهِ ٱلْمُلْكُ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}تفسير : [الملك: 1]، وقال:{أية : إِنَّمَآ أَمْرُهُ إِذَآ أَرَادَ شَيْئاً أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ}تفسير : [يس: 82] ثم قال {أية : فَسُبْحَانَ ٱلَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ}تفسير : [يس: 83] وقال:{أية : تَبَارَكَ ٱلَّذِي بِيَدِهِ ٱلْمُلْكُ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلْمَوْتَ وَٱلْحَيَاةَ}تفسير : [الملك: 1-2] أي خالق الإيجاد والعدم، وخلق العدم يساوي في الدلالة على القدرة خلق الإيجاد، لأنه إذا لم يقدر على إعدام ما أوجد يكون الموجود مستعصياً عليه، فيكون عجزاً في الموجد له، كمن يوجد اليوم سلاحاً ولا يقدر على إعدامه، وإبطال مفعوله، فقد يكون سبباً في إهلاكه، ولا تكتمل القدرة حقاً إلا بالخلق والإعدام معاً، وقال في خلق السماوات والأرض: {أية : ٱلْحَمْدُ للَّهِ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ وَجَعَلَ ٱلظُّلُمَاتِ وَٱلنُّورَ}تفسير : [الأنعام: 1]. وقال في خلق الأفلاك وتنظيمها: {أية : وَهُوَ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلْلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ}تفسير : [الأنبياء: 33]. ثم في أصول الموجودات في الأرض بقوله: {أية : هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَّا فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً}تفسير : [البقرة: 29]. وفي أصول الأجناس: الماء والنار والنبات والإنسان، قال: {أية : أَفَرَأَيْتُمْ مَّا تُمْنُونَ أَأَنتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَم نَحْنُ ٱلْخَالِقُونَ}تفسير : [الواقعة: 58-59]. وذكر معه القدرة على الإعدام: {أية : نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ ٱلْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ}تفسير : [الواقعة: 60]. وفي أصول النبات: {أية : أَفَرَأَيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ أَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ ٱلزَّارِعُونَ}تفسير : [الواقعة: 63-64]. وفي أصول الماء: {أية : أَفَرَأَيْتُمُ ٱلْمَآءَ ٱلَّذِي تَشْرَبُونَ أَأَنتُمْ أَنزَلْتُمُوهُ مِنَ ٱلْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ ٱلْمُنزِلُونَ}تفسير : [الواقعة: 68-69]. وفي أصل تطوير الحياة: {أية : أَفَرَأَيْتُمُ ٱلنَّارَ ٱلَّتِي تُورُونَ أَأَنتُمْ أَنشَأْتُمْ شَجَرَتَهَآ أَمْ نَحْنُ ٱلْمُنشِئُونَ}تفسير : [الواقعة: 71-72]. وفي جانب الحيوان {أية : أَفَلاَ يَنظُرُونَ إِلَى ٱلإِبْلِ كَيْفَ خُلِقَتْ}تفسير : [الغاشية: 17] الآية. ولهذا فقد تمدح تعالى بهذه الصفة، صفة الخلق وصفة آلهة المشركين بالعجز، كما قال تعالى: {أية : خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا وَأَلْقَىٰ فِي ٱلأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٍ وَأَنزَلْنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ}تفسير : [لقمان: 10] ثم قال: {أية : هَـٰذَا خَلْقُ ٱللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ ٱلَّذِينَ مِن دُونِهِ بَلِ ٱلظَّالِمُونَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ}تفسير : [لقمان: 11]. ومعلوم أنها لم تخلق شيئاً كما قال تعالى موبخاً لهم: {أية : أَيُشْرِكُونَ مَا لاَ يَخْلُقُ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ}تفسير : [الأعراف: 191]. وبين أنهما لا يستويان في قوله: {أية : أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لاَّ يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ}تفسير : [النحل: 17]، ثم بين نهاية ضعفها وعجزها في قوله تعالى: {أية : وَٱتَّخَذُواْ مِن دُونِهِ آلِهَةً لاَّ يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلاَ يَمْلِكُونَ لأَنْفُسِهِمْ ضَرّاً وَلاَ نَفْعاً وَلاَ يَمْلِكُونَ مَوْتاً وَلاَ حَيَـاةً وَلاَ نُشُوراً}تفسير : [الفرقان: 3] وهذا غاية العجز. كما ضرب لذلك المثل بقوله: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ لَن يَخْلُقُواْ ذُبَاباً وَلَوِ ٱجْتَمَعُواْ لَهُ وَإِن يَسْلُبْهُمُ ٱلذُّبَابُ شَيْئاً لاَّ يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ ٱلطَّالِبُ وَٱلْمَطْلُوبُ}تفسير : [الحج: 73] فهم حقاً لا يملكون لأنفسهم نفعاً ولا ضراً ولو بقدر الذبابة؟ وهكذا ترى صفة الخلق المتصف بها سبحانه وتعالى أعظم دليل على وحدانية الله تعالى، وهي متضمنة صفة التصوير والعلم لأن لكل مخلوق صورة تخصه؟ ولا يكون ذلك إلا عن علم بالغيب والشهادة، كما تقدم. وهكذا أيضاً كان هذا الدليل أقوى الأدلة على البعث، كما قال تعالى:{أية : أَوَلَمْ يَرَ ٱلإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن نُّطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مٌّبِينٌ وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَن يُحيِي ٱلْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ قُلْ يُحْيِيهَا ٱلَّذِيۤ أَنشَأَهَآ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ}تفسير : [يس: 77-79] إلى آخر السورة. وكذلك في قوله تعالى صريحاً في ذلك ونصاً عليه: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّنَ ٱلْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِن مُّضْغَةٍ مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِّنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي ٱلأَرْحَامِ مَا نَشَآءُ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلاً ثُمَّ لِتَبْلُغُوۤاْ أَشُدَّكُمْ وَمِنكُمْ مَّن يُتَوَفَّىٰ وَمِنكُمْ مَّن يُرَدُّ إِلَىٰ أَرْذَلِ ٱلْعُمُرِ لِكَيْلاَ يَعْلَمَ مِن بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً وَتَرَى ٱلأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَآ أَنزَلْنَا عَلَيْهَا ٱلْمَآءَ ٱهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ}تفسير : [الحج: 5] ثم قال تعالى: {أية : ذٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِـي ٱلْمَوْتَىٰ وَأَنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ ٱلسَّاعَةَ آتِيَةٌ لاَّ رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ ٱللَّهَ يَبْعَثُ مَن فِي ٱلْقُبُورِ}تفسير : [الحج: 6-7]. ثم بين تعالى أن جاحد هذا الدليل إنما هو مكابر جاهل، ضال مضل، وذلك في قوله بعده مباشرة:{أية : ومِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي ٱللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلاَ هُدًى وَلاَ كِتَابٍ مُّنِيرٍ ثَانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ لَهُ فِي ٱلدُّنْيَا خِزْيٌ وَنُذِيقُهُ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ عَذَابَ ٱلْحَرِيقِ ذٰلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ وَأَنَّ ٱللَّهَ لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِّلعَبِيدِ}تفسير : [الحج: 8-10]. ومن هنا كان أول نداء في المصحف يوجه إلى الناس جميعاً بعبادة الله كان لاستحقاقه عبادته وحده، لأنه متصف بصفة الخلق كما قال تعالى: {أية : يَاأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱعْبُدُواْ رَبَّكُمُ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ وَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ فِرَاشاً وَٱلسَّمَاءَ بِنَآءً وَأَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ ٱلثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَّكُمْ فَلاَ تَجْعَلُواْ للَّهِ أَندَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ}تفسير : [البقرة: 21-22]. أي لأنهم ليسوا له بأنداد فيما اتصف به سبحانه فلا تشركوهم مع الله في عبادته. فكانت هذه الصفات لله تعالى في آخر هذه السورة حقاً أدلة على إثبات وحدانية الله تعالى في ذاته وأسمائه وصفاته، وأنه المستحق لأن يعبد وحده لا إله إلا هو. والواجب على الخلق تنزيهه عما لا يليق بجلاله سبحانه وتعالى عما يشركون، يسبح له ما في السموات والأرض، لأنها من مخلوقاته وهو العزيز الحكيم، وقوله تعالى {لَهُ ٱلأَسْمَآءُ ٱلْحُسْنَىٰ} لم يبين هنا المراد من أنه سبحانه له الأسماء الحسنى، وقد بين في سورة الأعراف المراد بذلك في قوله تعالى:{أية : وَللَّهِ ٱلأَسْمَآءُ ٱلْحُسْنَىٰ فَٱدْعُوهُ بِهَا}تفسير : [الأعراف: 180]. قال القرطبي: سمى الله سبحانه أسماءه بالحسنى، لأنها حسنة في الأسماع والقلوب، فإنها تدل على توحيده وكرمه وجوده وإفضاله، ومجيء، قوله تعالى: {لَهُ ٱلأَسْمَآءُ ٱلْحُسْنَىٰ} بعد تعداد أربعة عشر اسماً من أسمائه سبحانه يدل على أن له أكثر من ذلك، ولم يأت حصرها ولا عدها في آية من كتاب الله. وقد جاء في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : إن لله تسعة وتسعين اسماً مائة إلا واحداً من أحصاها دخل الجنة وهو وتر يحب الوتر " تفسير : وسرد ابن كثير عدد المائة مع اختلاف في الروايات. وذكر عند آية الأعراف أنها ليست محصورة في هذا العدد لحديث ابن مسعود في مسند أحمد أنه صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : ما أصاب أحداً قط هم ولا حزن فقال: اللهم إني عبدك ابن عبدك ابن أمتك ناصيتي بيدك ماض في حكمك عدل في قضاؤك أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك أو أنزلته في كتابك أو علمته أحداً من خلقك أو استأثرت به في علم الغيب عندك أن تجعل القرآن الكريم ربيع قلبي ونور صدري وجلاء حزني وذهاب همي، إلا أذهب الله حزنه وهمه"تفسير : الحديث اهـ. ومحل الشاهد منه ظاهر في أن لله أسماء أنزلها في كتبه وأسماء خص بها بعض خلقه كما خص الخضر بعلم من لدنه، وأسماء استأثر بها في علم الغيب عنده، كما يدل حديث الشفاعة:"حديث : فيلهمني ربي بمحامد لم أكن أعرفها من قبل"تفسير : ، والواقع أنه لا تعارض بين الحديثين. لأن الأول: يتعلق بعدد معين، وبما يترتب عليها من الجزاء. والحديث الثاني: يتعلق ببيان أقسام أسمائه تعالى، من حث العلم بها وتعليمها وما أنزل منها. وقد ذكر هذا الجمع ابن حجر في الفتح في كتاب الدعوات عند باب: لله مائة اسم غير واحد. وقد حاول بعض العلماء استخراج المائة اسم من القرآن فزادوا ونقصوا لاعتبارات مختلفة، وقد أطال في الفتح بحث هذا الموضوع في أربع عشرة صحيفة مما لا غنى عنه ولا يمكن نقله، ولا يصلح تلخيصه. وقد ذكر من أفردها بالتأليف. كما أن القرطبي ذكر أنه ألف فيها، وأساس البحث يدور على نقطتين: الأولى: تعيين المائة اسم المرادة والثانية: معنى أحصاها، وفي رواية حفظها. وقد حضرت مجلساً للشيخ رحمة الله تعالى عليه في بيته مع الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز وسأله عن الصحيح في ذلك، فكان حاصل ما ذكر في ذلك المجلس أن التعيين لم يأت فيه نص صحيح، وأن الإحصاء أو الحفظ لا ينبغي حمله على مجرد الحفظ للألفاظ غيباً، ولكن يحمل على أحصى معانيها وحفظها من التحريف فيها والتبديل والتعطيل، وحاول التخلق بحسن صفاتها كالحلم والعفو والرأفة والرحمة والكرم، ونحو ذلك، والحذر من مثل الجبار والقهار، ومراقبة مثل: الحسيب الرقيب، وكذلك التعرض لمثل التواب والغفور بالتوبة وطلب المغفرة، والهادي والرزاق بطلب الهداية والرزق ونحو ذلك. ونقل القرطبي عن ابن العربي عند قوله تعالى: {أية : فَٱدْعُوهُ بِهَا}تفسير : [الأعراف: 180] أي اطلبوا منه بأسمائه، فيطلب بكل اسم ما يليق به تقول: يا رحمن ارحَمني، يا رزَّاق ارزقني: يا هادي اهدني، يا توَّاب تب علي، وهكذا رتب دعاءك تكن من المخلصين اهـ. مسألة يؤخذ من كلام ابن العربي هذا ما يقوله الفقهاء في ذكر اسم الله عند الذبح أن يقتصر على قوله: بسم الله ولا يقول الرحمن الرَّحيم، لأن اسم الرحمن الرَّحيم يقتضي الرَّحمة، وهي لا يتناسب معها الذبح ورسول الروح. ويؤيد هذا ما ذكره ابن قدامة أنهحديث : ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا ذبح قال: "بسم الله والله أكبر"تفسير : أي أكبر وأقدرك عليها، وهو أكبر منك عليك منها. فإذا فقه الإنسان أسماء الله الحسنى على هذا النحو، كان حقاً قد أحصاها وحفظها في استعمالها في معانيها، فكان حقاً من أهل الجنة، والعلم عند الله تعالى. ولقد استوقفني طويلاً مجيء هذه الآيات في نهاية هذه السورة تذييلاً لها وختاماً وبأسلوب الإجمال والتفصيل لقضايا التوحيد، وإقامة الدليل، وإلزام أهل الإلحاد والتعطيل، فمكثت طويلاً أتطلب ربطها بما قبلها، فلم أجد في كل ما عثرت عليه من التفسير أكثر من شرح المفردات، وإيراد بعض التنبيهات مما لا ينفذ إلى أعماق الموضوع، ولا يشفي عليلاً في مجتمعاتنا الحديثة، أو يذهب شبه المدنية المادية، فرجعت إلى السورة بكاملها أتأمل موضوعها فإذا بها تبدأ أولاً بتسبيح العوالم كلها لله العزيز الحكيم، وهذا أمر فوق مستوى الإدراك الإنساني، ثم تسوق أعظم حدث تشهده المدينة بعد الهجرة من إخراج اليهود، ولم يكن مظنوناً إخراجهم، فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا فكانوا موضع العبرة والموعظة. ثم تأتي لموقف فريقين متقابلين، فريق المؤمنين والكافرين. يتمثل الفريق الأول في المهاجرين والأنصار وما كانوا عليه من أخوة ومودة ورحمة وعطاء وإيثار على النفس. ويتمثل الفريق الآخر في المنافقين واليهود، وما كان بينهم من مواعدة وإغراء وتحريض، ثم تخل عنهم وخذلان لهم. فكان في ذلك تصوير لحزبين متقابلين متناقضين حزب الرحمن، وحزب الشيطان، وهي صورة المجتمع في المدينة آنذاك. ثم تأتي إلى مقارنة أخرى بين نتائج هذين الحزبين ومنتهاهما وعدم استوائهما، وفي ذلك تقرير المصير: {أية : لاَ يَسْتَوِيۤ أَصْحَابُ ٱلنَّارِ وَأَصْحَابُ ٱلْجَنَّةِ أَصْحَابُ ٱلْجَنَّةِ هُمُ ٱلْفَآئِزُونَ}تفسير : [الحشر: 20]. وهذه أخطر قضية في كل أمة أي تقرير مصيرها، ثم بيان حقيقة تأثير القرآن وفعاليته في المخلوقات، ولو كانت جبلاً أشم أو حجراً أصم لو أنزل عليه لرأيته خاشعاً متصدعاً من خشية الله، فإذا بها قد اشتملت على موضوع الخلق والخالق والأمة والرسالة والبدء والنهاية وصراع الحق مع الباطل، والكفر والإيمان والنفوس في الشح والإحسان، وكلها مواقف عملية ومناهج واقعية وأمثلة بيانية{أية : وَتِلْكَ ٱلأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ}تفسير : [الحشر: 21]. فإذا ما توجه الفكر في هذا العرض، وتنقل من موقف إلى موقف، وتأمل صنع الله وقدرته وآياته، نطق بتسبيحه، وعلم أنه سبحانه هو الله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة، علم ما سيكون عليه العالم قبل وجوده، فأوجده على مقتضى علمه به، وسيره على النحو الذي أوجده عليه، علم خذلان المنافقين لليهود قبل أن يحرضهم، فكان كما علم سبحانه وحذر من مشابهتهم، وعلم أنه لو أنزل القرآن على جبل ماذا يكون حاله، فحث العباد بالأخذ به، ولعلمه هذا بالغيب والشهادة، كان حقاً هو الله وحده. ثم مرة أخرى: {هُوَ ٱللَّهُ ٱلَّذِي لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ٱلْمَلِكُ ٱلْقُدُّوسُ ٱلسَّلاَمُ ٱلْمُؤْمِنُ ٱلْمُهَيْمِنُ ٱلْعَزِيزُ ٱلْجَبَّارُ ٱلْمُتَكَبِّرُ} [الحشر: 23]، برهان آخر في صور متعددة، وبراهين متنوعة على وحدانيته سبحانه الملك القدّوس، الملك المهيمن على ملكه القدّوس المسلم من كل نقص، المسيطر على ما في ملكه كله لا يعزب عنه مثقال ذرة. كما قال تعالى: {أية : تَبَارَكَ ٱلَّذِي بِيَدِهِ ٱلْمُلْكُ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}تفسير : [الملك: 1]. وهنا وقفة لتأمل اجتماع تلك الصفات معاً عالم الغيب والشهادة، والملك القدوس والسلام المهيمن، فنجدها مترابطة متلازمة لأن العالم إذا لم يملك التصرف ولم يهيمن على شيء فلا فعالية لعلمه. والملك الذي لا يعلم ولم يتقدس عن النقص لا هيمنة له على ملكه. فإذا اجتمع كل ذلك وتلك الصفات: العلم والملك والتقديس والهيمنة، حصل الكمال والجلال، ولا يكون ذلك إلا لله وحده العزيز الجبار المتكبر، ولا يشركه أحد في شيء من ذلك سبحانه وتعالى عما يشركون، هو الله الخالق البارئ المصور له الأسماء الحسنى. وهنا، في نهاية هذا السياق يقف المؤمن وقفة إجلال وتعظيم لله. فالخالق هو المقدر قبل الإيجاد. والبارئ الموجد من العدم على مقتضى الخلق والتقدير، وليس كل من قدر شيئاً أوجده إلا الله. والمصور المشكل لكل موجود على الصورة التي أوجده عليها، ولم يفرد كل فرد من موجوداته على صورة تختص به إلا الله سبحانه وتعالى، كما هو موجود في خلق الله للإنسان والحيوان والنبات كل في صورة تخصه. وبالرجوع مرة أخرى إلى أول السياق، فإن الخلق والتقدير لا بد أن يكون بموجب العلم سواء كان في الحاضر المشاهد أو للمستقبل الغائب، وهذا لا يكون إلا لله وحده عالم الغيب والشهادة، فكان تقديره بموجب علمه والملك القدوس القادر على التصرف في ملكه يوجد ما يقدره. والمهيمن: يسير ما يوجد على مقتضى ما يقدره. والذي قدر فهدى، العزيز الذي لا يقهر الجبال الذي يقهر كل شيء لإرادته، وتقديره، ويخضعه لهيمنته. المتكبر الذي لا يتطاول لكبريائه مخلوق، وأكبر من أن يشاركه غيره في صفاته، تكبر عن أن يماثله غيره أو يشاركه أحد فيما اختص به سبحان الله عما يشركون. وفي نهاية السياق إقامة البرهان الملزم وانتزاع الاعتراف والتسليم، {هُوَ ٱللَّهُ ٱلْخَالِقُ ٱلْبَارِىءُ ٱلْمُصَوِّرُ} [الحشر: 24] وهو أعظم دليل كما تقدم، وهو كما قال: دليل الإلزام، لأن الخلق لا بد لهم من خالق، وهذه قضية منطقية مسلمة، وهي أن كل موجود لا بد له من موجد، وقد ألزمهم في قوله تعالى:{أية : أَمْ خُلِقُواْ مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ ٱلْخَالِقُونَ}تفسير : [الطور: 35]، وهذا بالسير، والتقسيم أن يقال: إما خلقوا من غير شيء خلقهم أي من العدم، ومعلوم أن العدم لا يخلق شيئاً لأن فاقد الشيء لا يعطيه، والعدم ليس أمراً وجودياً حتى يمكن له أن يوجد موجوداً. أم هم الخالقون؟ وهم أيضاً يعلمون من أنفسهم أنهم لم يخلقوا أنفسهم، فيبقى المخلوق لا بد له من خالق، وهو الله تعالى: الخالق البارئ. ولو قيل من جانب المنكر: إن ما نشاهده من وجود الموجود كالإنسان والحيوان والنبات يتوقف وجوده على أسباب نشاهدها، كالأبوين للحيوان وكالحرث والسقي للنبات إلخ، فجاء قوله تعالى: {المصور}، فهل الأبوان يملكان تصوير الجنين من جنس الذّكورة أوالأنوثة أو من جنس اللّون والطّول والقصر والشبه؟ الجواب: لا وكلا، بل ذلك لله وحده، هو الذي يصوركم في الأرحام كيف يشاء، كما قال تعالى: {أية : لِلَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ يَهَبُ لِمَن يَشَآءُ إِنَاثاً وَيَهَبُ لِمَن يَشَآءُ ٱلذُّكُورَ أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَاناً وَإِنَاثاً وَيَجْعَلُ مَن يَشَآءُ عَقِيماً إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ}تفسير : [الشورى: 49-50]. وكذلك في النبات، توضع الحبة وتسقى بالماء، فالتربة واحدة، والماء واحد، فمن الذي يصور شكل النبات هذا نجم على وجه الأرض، وذاك نبت على ساق، وهذا كرم على عرش، وذاك نخل باسقات، فإذا طلعت الثمرة في أول طورها فمن الذي يصورها في شكلها، من استداردتها أو استطالتها أو غير ذلك، وإذا تطورت إلى النضج فمن الذي صورها في لونها الأحمر أو الأصفر أو الأسود أو الأخضر أو الأبيض؟ هل هي التربة أو الماء أو هما معاً، لا وكلا. إنه هو الله الخالق البارئ المصور، سبحانه له الأسماء الحسنى يسبح له ما في السماوات والأرض طوعاً وكرهاً. وهنا عود على بدء يختم السورة بما بدأت به مع بيان موجباته واستحقاقه، وآيات وحدانيته، سبحانه لا إله إلا هو العزيز الحكيم.

د. أسعد حومد

تفسير : {عَالِمُ} {ٱلشَّهَادَةِ} (22) - يُخْبِرُ اللهُ تَعَالَى عَنْ نَفْسِهِ الكَرِيمَةِ أَنَّهُ هُوَ اللهُ الذِي لاَ إِلهَ إِلاَّ هُوَ، فَلاَ رَبَّ غيرُهُ في الوُجُودِ، وَلاَ مَعْبُودَ سِوَاهُ، وَأَنَّهُ عَالِمٌ بِجَمِيعِ الكَائِنَاتِ المُشَاهَدَاتِ لَنَا، وَالغَائِبَاتِ عَنَّا، فَلاَ يَخْفَى عَلَيْهِ شَيءٌ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَاءِ، وَأَنَّهُ ذُو الرَّحْمَةِ الوَاسِعَةِ الشَّامِلَةِ لِجَمِيعِ خَلْقِهِ فَهُوَ رَحْمنُ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَرَحِيمُهُمَا. الغَيْبُ - مَا غَابَ عَنِ الحِسِّ. الشَّهَادَة - مَا حَضَرَ مِنَ الأَشْيَاءِ المُشَاهَدَةِ.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : {هُوَ ٱللَّهُ ٱلَّذِي لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ عَالِمُ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَادَةِ} [الحشر: 22] يعلم ما في ضميركم بعلمه الغيبي، ويعلم ما تكسب جوارحكم بعمله الشهاوي {هُوَ ٱلرَّحْمَـٰنُ ٱلرَّحِيمُ} [الحشر: 22] بصفة رحمانية استوى على العرش وسوى عليه أمور عالم الغيب الروحاني {هُوَ ٱللَّهُ ٱلَّذِي لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ٱلْمَلِكُ ٱلْقُدُّوسُ ٱلسَّلاَمُ ٱلْمُؤْمِنُ ٱلْمُهَيْمِنُ ٱلْعَزِيزُ ٱلْجَبَّارُ ٱلْمُتَكَبِّرُ} [الحشر: 23] يعني: هو الله الملك لا ملك إلا هو ولا ملك إلا له، ولا ملك إلا بيده ولا الملك إلا خلقه القدوس بمعنى مقدس منزه عما تخط به الأفكار والعقول {ٱلسَّلاَمُ} [الحشر: 23] يعني: مسلم عن صفات العجز والنقص {ٱلْمُؤْمِنُ}[الحشر: 23] يعني: يأمن من عذابه من يؤمن به وبرسله وكتبه واليوم الآخر والقدر خيره وشره منه {ٱلْمُهَيْمِنُ} [الحشر: 23] يعني: شهيد على الكل حفيظ للكل {ٱلْعَزِيزُ} [الحشر: 23] يعني: غالب على أمره في لطفه وقهره الجبار؛ يعني: يجبر قلوب المجاهدين له والمهاجرين إليه بإطلاعهم على معارف عالم جبروته المتكبر يعني: الممتنع جنابه عن أن يلج عليه متكبر من خلقه مستكبر على اللطيفة المبلغة {سُبْحَانَ ٱللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ} [الحشر: 23] يعني: هو منزه عن أن يشرك به أحد بالنظر إلى اختيار نفسه والالتجاء إلى غير ربه وقت القبض والابتلاء والنكرة {هُوَ ٱللَّهُ ٱلْخَالِقُ ٱلْبَارِىءُ ٱلْمُصَوِّرُ لَهُ ٱلأَسْمَآءُ ٱلْحُسْنَىٰ} [الحشر: 24] يعني: هو القدر المقلب للشيء كما يريده طوراً فطوراً، وهو البارئ المنشئ بعد التقدير، والتقليب أعيان المقدور، والقلوب وهو المصور بعد الخلق والإنشاء في أي صورة يشاء. الأسماء الحسنى يعني: أسماء لأفعاله وافهم أنه ابتداء بالاسم الذاتي، ثم بأسمائه الحسنى الناسوتية مطلقاً مجملاً مفصلاً، ثم ذكر تفصيله على سبيل الإجمال في قوله تعالى: {يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ} [الحشر: 24] يعني: بعزته سر أسماء شقائق ناسوتية، وبحكمته أودع سره في بحر تسبيحه، وإشارته إلى ما في السماوات والأرض لتفطن لها الخبير، ويطلع على أسراره المودعة في الشقائق الناسوتية المقصودة من الكل التي هي آخر العمل، وكل ما تقدم عليه مطلوب لظهور الشقيقة الكاملة المستحقة للمرائية، وهي مطلوبة لذات الله تعالى، ولهذا السر رجع في نهاية هذه السورة إلى بدايتها، وختم على قوله: {يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ} [الحشر: 24] وهذا السر مخصوص بحد القرآن، وأما السر الذي افتتح السورة بصيغة الماضي واختتمها بصيغة المستقبل من مطلع القرآن كلاهما منتهي إفشاؤهما، فاطلب في صفة العزة سر الابتداء، وفي صفة الحكمة سر الانتهاء، واعلم أن عين العزة عين العلم وحاء الحكمة حاء الحياة المحيطة بالكل يحيي بأوليته، ويتقن الأمر المحكم بآخريته، وهو الحي الحكيم، والله أتى في تفسير بطن هذه السورة لقد أسمعت لو ناديت حياً، ولكن لا حياة لمن أنادي اللهم اجعلنا عارفين بأسمائك الحسنى بمحمد المطصفى صلى الله عليه وسلم، وعلى آله المجتبين وأصحابه المرتضين.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : هذه الآيات الكريمات قد اشتملت على كثير من أسماء الله الحسنى وأوصافه العلى، عظيمة الشأن، وبديعة البرهان، فأخبر أنه الله المألوه المعبود، الذي لا إله إلا هو، وذلك لكماله العظيم، وإحسانه الشامل، وتدبيره العام، وكل إله سواه فإنه باطل لا يستحق من العبادة مثقال ذرة، لأنه فقير عاجز ناقص، لا يملك لنفسه ولا لغيره شيئا، ثم وصف نفسه بعموم العلم الشامل، لما غاب عن الخلق وما يشاهدونه، وبعموم رحمته التي وسعت كل شيء ووصلت إلى كل حي. ثم كرر [ذكر] عموم إلهيته وانفراده بها، وأنه المالك لجميع الممالك، فالعالم العلوي والسفلي وأهله، الجميع مماليك لله، فقراء مدبرون. { الْقُدُّوسُ السَّلامُ } أي: المقدس السالم من كل عيب وآفة ونقص، المعظم الممجد، لأن القدوس يدل على التنزيه عن كل نقص، والتعظيم لله في أوصافه وجلاله. { الْمُؤْمِنُ } أي: المصدق لرسله وأنبيائه بما جاءوا به، بالآيات البينات، والبراهين القاطعات، والحجج الواضحات. { الْعَزِيزُ } الذي لا يغالب ولا يمانع، بل قد قهر كل شيء، وخضع له كل شيء، { الْجَبَّارُ } الذي قهر جميع العباد، وأذعن له سائر الخلق، الذي يجبر الكسير، ويغني الفقير، { الْمُتَكَبِّرِ } الذي له الكبرياء والعظمة، المتنزه عن جميع العيوب والظلم والجور. { سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ } وهذا تنزيه عام عن كل ما وصفه به من أشرك به وعانده. { هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ } لجميع المخلوقات { الْبَارِئُ } للمبروءات { الْمُصَوِّرُ } للمصورات، وهذه الأسماء متعلقة بالخلق والتدبير والتقدير، وأن ذلك كله قد انفرد الله به، لم يشاركه فيه مشارك. { لَهُ الأسْمَاءُ الْحُسْنَى } أي: له الأسماء الكثيرة جدا، التي لا يحصيها ولا يعلمها أحد إلا الله هو، ومع ذلك، فكلها حسنى أي: صفات كمال، بل تدل على أكمل الصفات وأعظمها، لا نقص في شيء منها بوجه من الوجوه، ومن حسنها أن الله يحبها، ويحب من يحبها، ويحب من عباده أن يدعوه ويسألوه بها. ومن كماله، وأن له الأسماء الحسنى، والصفات العليا، أن جميع من في السماوات والأرض مفتقرون إليه على الدوام، يسبحون بحمده، ويسألونه حوائجهم، فيعطيهم من فضله وكرمه ما تقتضيه رحمته وحكمته، { وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ } الذي لا يريد شيئا إلا ويكون، ولا يكون شيئا إلا لحكمة ومصلحة. تم تفسير سورة الحشر، فلله الحمد على ذلك، والمنة والإحسان.