Verse. 5151 (AR)

٦٠ - ٱلْمُمْتَحَنَة

60 - Al-Mumtahana (AR)

يٰۗاَيُّہَا الَّذِيْنَ اٰمَنُوْا لَا تَتَّخِذُوْا عَدُوِّيْ وَعَدُوَّكُمْ اَوْلِيَاۗءَ تُلْقُوْنَ اِلَيْہِمْ بِالْمَوَدَّۃِ وَقَدْ كَفَرُوْا بِمَا جَاۗءَكُمْ مِّنَ الْحَـقِّ۝۰ۚ يُخْرِجُوْنَ الرَّسُوْلَ وَاِيَّاكُمْ اَنْ تُؤْمِنُوْا بِاللہِ رَبِّكُمْ۝۰ۭ اِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِہَادًا فِيْ سَبِيْلِيْ وَ ابْتِغَاۗءَ مَرْضَاتِيْ۝۰ۤۖ تُسِرُّوْنَ اِلَيْہِمْ بِالْمَوَدَّۃِ۝۰ۤۖ وَاَنَا اَعْلَمُ بِمَاۗ اَخْفَيْتُمْ وَمَاۗ اَعْلَنْتُمْ۝۰ۭ وَمَنْ يَّفْعَلْہُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاۗءَ السَّبِيْلِ۝۱
Ya ayyuha allatheena amanoo la tattakhithoo AAaduwwee waAAaduwwakum awliyaa tulqoona ilayhim bialmawaddati waqad kafaroo bima jaakum mina alhaqqi yukhrijoona alrrasoola waiyyakum an tuminoo biAllahi rabbikum in kuntum kharajtum jihadan fee sabeelee waibtighaa mardatee tusirroona ilayhim bialmawaddati waana aAAlamu bima akhfaytum wama aAAlantum waman yafAAalhu minkum faqad dalla sawaa alssabeeli

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوَّكم» أي كفار مكة «أولياء تلقون» توصلون «إليهم» قصد النبي صلى الله عليه وسلم غزوهم الذي أسرَّوُ إليكم وَوَرَّى بحُنَين «بالمودة» بينكم وبينهم كتب حاطب بن أبي بلتعة إليهم كتابا بذلك لما له عندهم من الأولاد والأهل المشركين فاسترده النبي صلى الله عليه وسلم ممن أرسله معه بإعلام الله تعالى له بذلك وقبل عذر حاطب فيه «وقد كفروا بما جاءكم من الحق» أي دين الإسلام والقرآن «يخرجون الرسول وإياكم» من مكة بتضييقهم عليكم «أن تؤمنوا» أي لأجل أن آمنتم «بالله ربكم إن كنتم خرجتم جهادا» للجهاد «في سبيلي وابتغاء مرضاتي» وجواب الشرط دل عليه ما قبله، أي فلا تتخذوهم أولياء «تُسرون إليهم بالمودة وأنا أعلم بما أخفيتم وما أعلنتم ومن يفعله منكم» أي إسرار خبر النبي إليهم «فقد ضل سواء السبيل» أخطأ طريق الهدى، والسواء في الأصل الوسط.

1

Tafseer

الرازي

تفسير : {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ عَدُوّى وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاء تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِٱلْمَوَدَّةِ } وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: اعلم أن من جملة ما يتحقق به التعلق بما قبلها هو أنهما يشتركان في بيان حال الرسول صلى الله عليه وسلم مع الحاضرين في زمانه من اليهود والنصارى وغيرهم، فإن بعضهم أقدموا على الصلح واعترفوا بصدقه، ومن جملتهم بنو النضير، فإنهم قالوا: والله إنه النبي الذي وجدنا نعته وصفته في التوراة، وبعضهم أنكروا ذلك وأقدموا على القتال، إما على التصريح وإما على الإخفاء، فإنهم مع أهل الإسلام في الظاهر، ومع أهل الكفر في الباطن، وأما تعلق الأول بالآخر فظاهر، لما أن آخر تلك السورة يشتمل على الصفات الحميدة لحضرة الله تعالى من الوحدانية وغيرها، وأول هذه السورة مشتمل على حرمة الاختلاط مع من لم يعترف بتلك الصفات. المسألة الثانية: أما سبب النزول فقد روي أنها نزلت في حاطب بن أبي بلتعة، لما كتب إلى أهل مكة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يتجهز للفتح ويريد أن يغزوكم فخذوا حذركم، ثم أرسل ذلك الكتاب مع امرأة مولاة لبني هاشم، يقال لها سارة جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة، فقال عليه السلام: حديث : أمسلمة جئت؟ تفسير : قالت: لا، قال: حديث : أمهاجرة جئت؟ تفسير : قالت: لا، قال: حديث : فما جاء بك؟ تفسير : قالت: قد ذهب الموالي يوم بدر ـ أي قتلوا في ذلك اليوم ـ فاحتجت حاجة شديدة فحث عليها بني المطلب فكسوها وحملوها وزودوها، فأتاها حاطب وأعطاها عشرة دنانير وكساها برداً واستحملها ذلك الكتاب إلى أهل مكة، فخرجت سائرة، فأطلع الله الرسول عليه السلام على ذلك، فبعث علياً وعمر وعماراً وطلحة والزبير خلفها وهم فرسان، فأدركوها وسألوها عن ذلك فأنكرت وحلفت، فقال علي عليه السلام: والله ما كذبنا، ولا كذب رسول الله، وسل سيفه، فأخرجته من عقاص شعرها، فجاءوا بالكتاب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فعرضه على حاطب فاعترف، وقال: إن لي بمكة أهلاً ومالاً فأردت أن أتقرب منهم، وقد علمت أن الله تعالى ينزل بأسه عليهم، فصدقه وقبل عذره، فقال عمر: دعني يا رسول الله أضرب عنق هذا المنافق، فقال صلى الله عليه وسلم: حديث : ما يدريك يا عمر لعل الله تعالى قد اطلع على أهل بدر فقال لهم: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم، تفسير : ففاضت عينا عمر، وقال: الله ورسوله أعلم فنزلت، وأما تفسير الآية فالخطاب في: {يا أيها الذين آمنوا } قد مر، وكذلك في الإيمان أنه في نفسه شيء واحد وهو التصديق بالقلب أو أشياء كثيرة وهي الطاعات، كما ذهب إليه المعتزلة، وأما قوله تعالى: {لاَ تَتَّخِذُواْ عَدُوّى وَعَدُوَّكُمْ } فاتخذ يتعدى إلى مفعولين، وهما عدوي وأولياء، والعدو فعول من عدا، كعفو من عفا، ولكونه على زنة المصدر أوقع على الجمع إيقاعه على الواحد، والعداوة ضد الصداقة، وهما لا يجتمعان في محل واحد، في زمان واحد، من جهة واحدة، لكنهما يرتفعان في مادة الإمكان، وعن الزجاج والكرابيسي {عَدُوّى } أي عدو ديني، وقال عليه السلام: «حديث : المرء على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل» تفسير : وقال عليه السلام لأبي ذر: «حديث : يا أبا ذر أي عرا الإيمان أوثق، تفسير : فقال الله ورسوله أعلم، فقال حديث : الموالاة في الله والحب في الله والبغض في الله» تفسير : وقوله تعالى: {تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِٱلْمَوَدَّةِ } فيه مسألتان: المسألة الأولى: قوله: {تُلْقُونَ } بماذا يتعلق، نقول: فيه وجوه الأول: قال صاحب النظم: هو وصف النكرة التي هي أولياء، قاله الفراء والثاني: قال في الكشاف: يجوز أن يتعلق بلا تتخذوا حالاً من ضميره، وأولياء صفة له الثالث: قال ويجوز أن يكون استئنافاً، فلا يكون صلة لأولياء، والباء في المودة كهي في قوله تعالى: {أية : وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ } تفسير : [الحج: 25] والمعنى: تلقون إليهم أخبار النبي صلى الله عليه وسلم وسره بالمودة التي بينكم وبينهم، ويدل عليه: {تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِٱلْمَوَدَّةِ }. المسألة الثانية: في الآية مباحث الأول: اتخاذ العدو ولياً كيف يمكن، وقد كانت العداوة منافية للمحبة والمودة، والمحبة المودة من لوازم ذلك الاتخاذ، نقول: لا يبعد أن تكون العداوة بالنسبة إلى أمر، والمحبة والمودة بالنسبة إلى أمر آخر، ألا ترى إلى قوله تعالى: {أية : إِنَّ مِنْ أَزْوٰجِكُمْ وَأَوْلـٰدِكُمْ عَدُوّاً لَّكُمْ } تفسير : [التغابن: 14] والنبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : أولادنا أكبادنا» تفسير : الثاني: لما قال: {عَدُوّى } فلم لم يكتف به حتى قال: {وَعَدُوَّكُمْ } لأن عدو الله إنما هو عدو المؤمنين؟ نقول: الأمر لازم من هذا التلازم، وإنما لا يلزم من كونه عدواً للمؤمنين أن يكون عدواً لله، كما قال: {إِنَّ مِنْ أَزْوٰجِكُمْ وَأَوْلـٰدِكُمْ عَدُوّاً لَّكُمْ }، الثالث: لم قال: {عَدُوّي وَعَدُوَّكُمْ } ولم يقل بالعكس؟ فنقول: العداوة بين المؤمن والكافر بسبب محبة الله تعالى ومحبة رسوله، فتكون محبة العبد من أهل الإيمان لحضرة الله تعالى لعلة، ومحبة حضرة الله تعالى للعبد لا لعلة، لما أنه غني على الإطلاق، فلا حاجة به إلى الغير أصلاً، والذي لا لعلة مقدم على الذي لعلة، ولأن الشيء إذا كان له نسبة إلى الطرفين، فالطرف الأعلى مقدم على الطرف الأدنى، الرابع: قال: {أَوْلِيَاء } ولم يقل: ولياً، والعدو والولي بلفظ، فنقول: كما أن المعرف بحرف التعريف يتناول كل فرد، فكذلك المعرف بالإضافة الخامس: منهم من قال: الباء زائدة، وقد مر أن الزيادة في القرآن لا تمكن، والباء مشتملة على الفائدة، فلا تكون زائدة في الحقيقة. ثم قال تعالى: {وقد كفروا بما جاءكم من الحق يخرجون الرسول وإياكم أن تؤمنوا بالله ربكم إن كنتم خرجتم جهاداً في سبيلي وابتغاء مرضاتي تسرون إليهم بالمودة وأنا أعلم بما أخفيتم وما أعلنتم ومن يفعله منكم فقد ضل سواء السبيل }. {وَقَدْ كَفَرُواْ } الواو للحال، أي وحالهم أنهم كفروا: {بِمَا جَاءكُمْ مّنَ } الدين {ٱلْحَقّ }، وقيل: من القرآن {يُخْرِجُونَ ٱلرَّسُولَ وَإِيَّـاكُمْ } يعني من مكة إلى المدينة {أَن تُؤْمِنُواْ } أي لأن تؤمنوا {بِٱللَّهِ رَبّكُمْ } وقوله: {إِن كُنتُمْ خَرَجْتُمْ } قال الزجاج: هو شرط جوابه متقدم وهو: لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء، وقوله: {جِهَاداً فِى سَبِيلِى وَٱبْتِغَاء مَرْضَاتِى } منصوبان لأنهما مفعولان لهما، {تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِٱلْمَوَدَّةِ } عن مقاتل بالنصيحة، ثم ذكر أنه لا يخفى عليه من أحوالهم شيء، فقال: {وَأَنَاْ أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ } من المودة للكفار {وَمَا أَعْلَنتُمْ } أي أظهرتم، ولا يبعد أن يكون هذا عاماً في كل ما يخفى ويعلن، قال بعضهم: هو أعلم بسرائر العبد وخفاياه وظاهره وباطنه، من أفعاله وأحواله، وقوله: {وَمَن يَفْعَلْهُ مِنكُمْ } يجوز أن تكون الكناية راجعة إلى الإسرار، وإلى الإلقاء، وإلى اتخاذ الكفار أولياء، لما أن هذه الأفعال مذكورة من قبل، وقوله تعالى: {فَقَدْ ضَلَّ سَوَاء ٱلسَّبِيلِ } فيه وجهان: الأول: عن ابن عباس: أنه عدل عن قصد الإيمان في اعتقاده، وعن مقاتل: قد أخطأ قصد الطريق عن الهدى، ثم في الآية مباحث: الأول: {إِن كُنتُمْ خَرَجْتُمْ } متعلق بلا تتخذوا، يعني لا تتولوا أعدائي إن كنتم أوليائي، {وتسرون} استئناف، معناه: أي طائل لكم في إسراركم وقد علمتم أن الإخفاء والإعلان سيان في علمي. الثاني: لقائل أن يقول: {إِن كُنتُمْ خَرَجْتُمْ } الآية، قضية شرطية، ولو كان كذلك فلا يمكن وجود الشرط، وهو قوله: {إِن كُنتُمْ خَرَجْتُمْ } بدون ذلك النهي، ومن المعلوم أنه يمكن، فنقول: هذا المجموع شرط لمقتضى ذلك النهي، لا للنهي بصريح اللفظ، ولا يمكن وجود المجموع بدون ذلك لأن ذلك موجود دائماً، فالفائدة في ابتغاء مرضاتي ظاهرة، إذ الخروج قد يكون ابتغاء لمرضاة الله وقد لا يكون. الثالث: قال تعالى: {بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنتُمْ } ولم يقل: بما أسررتم وما أعلنتم، مع أنه أليق بما سبق وهو {تُسِرُّونَ }، فنقول فيه من المبالغة ما ليس في ذلك، فإن الإخفاء أبلغ من الإسرار، دل عليه قوله: {أية : يَعْلَمُ ٱلسّرَّ وَأَخْفَى } تفسير : [طه: 7] أي أخفى من السر. الرابع: قال: {بِمَا أَخْفَيْتُمْ } قدم العلم بالإخفاء على الإعلان، مع أن ذلك مستلزم لهذا من غير عكس. فنقول هذا بالنسبة إلى علمنا، لا بالنسبة إلى علمه تعالى، إذ هما سيان في علمه كما مر، ولأن المقصود هو بيان ما هو الأخفى وهو الكفر، فيكون مقدماً. الخامس: قال تعالى: {وَمَن يَفْعَلْهُ مِنكُمْ } ما الفائدة في قوله: {مّنكُمْ } ومن المعلوم أن من فعل هذا الفعل {فَقَدْ ضَلَّ سَوَاء ٱلسَّبِيلِ } نقول: إذا كان المراد من {مّنكُمْ } من المؤمنين فظاهر، لأن من يفعل ذلك الفعل لا يلزم أن يكون مؤمناً. ثم إنه أخبر المؤمنين بعداوة كفار أهل مكة فقال:

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَآءَ} عَدَّى اتِخذ إلى مفعولين، وهما {وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَآءَ}. والعَدُوّ فَعُول من عَدَا، كعفُوّ من عَفَا. ولكونه على زِنَة المصدر أوقع على الجماعة إيقاعه على الواحد. وفي هذه الآية سبع مسائل: الأولى ـ: قوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ} روى الأئمة ـ واللفظ لمسلم ـ حديث : عن عليّ رضي الله عنه قال: بَعَثَنا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم أنا والزُّبير والمِقْداد فقال: «ائتوا رَوْضَة خَاخٍ فإن بها ظَعِينة معها كتاب فخذوه منها»، فانطلقنا تَعادَى بنا خَيْلُنا، فإذا نحن بالمرأة، فقلنا: أخْرِجي الكتاب، فقالت: ما معي كتاب. فقلنا: لَتُخْرِجَنّ الكتاب أو لَتُلْقِيَنَّ الثياب، فأخرجته من عِقاصها. فأتينا به رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا فيه: من حاطب بن أبي بَلْتَعَةَ... إلى ناس من المشركين من أهل مكة يخبرهم ببعض أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا حاطب ما هذا؟» قال لا تعجل عليّ يا رسول الله، إني كنت امرأً مُلْصَقاً في قريش ـ قال سفيان: كان حَلِيفاً لهم، ولم يكن من أنْفُسِها ـ وكان ممن كان معك من المهاجرين لهم قرابات يَحْمُون بها أهليهم، فأحببت إذ فاتني ذلك من النَّسَب فيهم أن أتّخذ فيهم يداً يحمون بها قرابتي، ولم أفعله كفراً ولا ارتداداً عن ديني، ولا رضاً بالكفر بعد الإسلام. فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم: «صَدَق». فقال عمر: دَعْني يا رسول الله أضرب عنق هذا المنافق. فقال: «إنه قد شهد بدراً وما يدريك لعل الله اطلع على أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم» تفسير : فأنزل الله عز وجل: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَآءَ}. قيل: اسم المرأة سارّة من موالي قريش. وكان في الكتاب: «أمّا بعدُ، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد توّجه إليكم بجيش كالليل يسير كالسَّيْل، وأقسم بالله لو لم يَسْر إليكم إلا وحده لأظفره الله بكم، وأنجز له مَوْعِدَه فيكم، فإن الله ولِيُّه وناصره. ذكره بعض المفسرين. وذكر القُشَيرِيّ الثعلبي: أن حاطب بن أبي بَلْتَعَة كان رجلاً من أهل اليمن، وكان له حِلْف بمكة في بني أسد بن عبد العُزَّى رَهْطِ الزبير بن العوام. وقيل: كان حليفاً للزبير بن العوّام، فقدمت من مكة سارّة مولاة أبي عمرو بن صَيْفيّ بن هشام بن عبد مناف إلى المدينة ورسول الله صلى الله عليه وسلم يتجهّز لفتح مكة. وقيل: كان هذا في زمن الحُدَيْبِية؛ فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : «أمُهاجرة جئت يا سارة». فقالت لا. قال: «أمسلمة جئت» قالت لا. قال: «فما جاء بك» قالت: كنتم الأهل والموالي والأصل والعشيرة، وقد ذهب الموالي ـ تعني قُتلوا يوم بدر ـ وقد احتجتُ حاجةً شديدة فقدِمت عليكم لتعطوني وتكسوني؛ فقال عليه الصلاة والسلام: «فأين أنتِ عن شباب أهل مكة» وكانت مغنية، قالت: ما طُلب منِّي شيء بعد وقعة بدر. فحثّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بني عبد المطلب وبني المطلب على إعطائها؛ فكسَوْها وأعطوها وحملُوها فخرجت إلى مكة، وأتاها حاطب فقال: أعطيك عشرة دنانير وبُرُداً على أن تبلِّغي هذا الكتاب إلى أهل مكة. وكتب في الكتاب: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يريدكم فخذوا حِذْركم. فخرجت سارّة، ونزل جبريل فأخبر النبيّ صلى الله عليه وسلم بذلك، فبعث علياً والزبير وأبا مَرْثَد الغَنَوِيّ. وفي رواية: عليّا والزبير والمِقْداد. وفي رواية: أرسل عليّاً وعمّار بن ياسر. وفي رواية: عليّا وعماراً وعمر والزبير وطَلْحة والمقداد وأبا مَرْثَد ـ وكانوا كلهم فرساناً ـ وقال لهم: «انطلقوا حتى تأتوا رَوْضَة خاخٍ فإن بها ظعينة ومعها كتاب من حاطب إلى المشركين فخذوه منها وخلُّوا سبيلها فإن لم تدفعه لكم فاضربوا عنقها» فأدركوها في ذلك المكان، فقالوا لها: أين الكتاب؟ فحلفت ما معها كتاب، ففتشوا أمتعتها فلم يجدوا معها كتابا، فهمُّوا بالرجوع فقال عليّ: والله ما كَذَبَنا ولا كَذَّبْنَا! وسَلَّ سيفه وقال: أخرجي الكتاب وإلا والله لأجردنّكِ ولأضرِبَنّ عنقكِ، فلما رأت الجِدّ أخرجته من ذؤابتها ـ وفي رواية من حُجْزَتها ـ فخلّوْا سبيلها ورجعوا بالكتاب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. فأرسل إلى حاطب فقال: «هل تعرف الكتاب؟» قال نعم. تفسير : وذكر الحديث بنحو ما تقدم. ورُوِي أن النبيّ صلى الله عليه وسلم أمّن جميع الناس يوم الفتح إلا أربعة هي أحدهم. الثانية ـ: السورة أصلٌ في النَّهْيِ عن مولاة الكفار. وقد مضى ذلك في غير موضع. ومن ذلك قوله تعالى: {أية : لاَّ يَتَّخِذِ ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلْكَافِرِينَ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ ٱلْمُؤْمِنِينَ} تفسير : [آل عمران:28]. {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ} تفسير : [آل عمران:118]. {أية : يَـۤأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ ٱلْيَهُودَ وَٱلنَّصَارَىٰ أَوْلِيَآءَ} تفسير : [المائدة:51]. ومثله كثير. وذكر أن حاطباً لما سمع {يَـۤأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} غُشِيَ عليه من الفرح بخطاب الإيمان. الثالثة ـ: قوله تعالى: {تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِٱلْمَوَدَّةِ} يعني بالظاهر؛ لأن قلب حاطب كان سليماً؛ بدليل أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال لهم: «حديث : أمّا صاحبكم فقد صدق» تفسير : وهذا نصٌ في سلامة فؤاده وخلوص اعتقاده. والباء في «بِالْمَوَدَّةِ» زائدة؛ كما تقول: قرأت السورة وقرأت بالسورة، ورميت إليه ما في نفسي وبما في نفسي. ويجوز أن تكون ثابتة على أن مفعول «تُلْقُونَ» محذوف؛ معناه تلقون إليهم أخبار رسول الله صلى الله عليه وسلم بسبب المودّة التي بينكم وبينهم. وكذلك «تُسِرُّونَ إلَيْهِمْ بِالْمَوَدةَّ» أي بسبب المودة. وقال الفرّاء: {تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِٱلْمَوَدَّةِ} من صلة «أولياء» ودخول الباء في المودّة وخروجها سواء. ويجوز أن تتعلق بـ «لا تَتَّخِذُوا» حالاً من ضميره. و بـ «أولياء» صفة له. ويجوز أن تكون استئنافاً. ومعنى «تُلْقُونَ إلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّة» تخبرونهم بسرائر المسلمين وتنصحون لهم؛ وقاله الزجاج. الرابعة ـ: مَن كَثُر تطلّعه على عورات المسلمين وينبّه عليهم ويعرّف عدوّهم بأخبارهم لم يكن بذلك كافراً إذا كان فعله لغَرَض دُنْيَوِيّ واعتقاده على ذلك سليم؛ كما فعل حاطب حين قصد بذلك اتخاذ اليَدِ ولم يَنْوِ الرِّدّة عن الدِّين. الخامسة ـ: إذا قلنا لا يكون بذلك كافراً فهل يقتل بذلك حدّاً أم لا؟ اختلف الناس فيه؛ فقال مالك وابن القاسم وأشهب: يجتهد في ذلك الإمام. وقال عبد الملك: إذا كانت عادته تلك قُتل، لأنه جاسوس، وقد قال مالك بقتل الجاسوس ـ وهو صحيح لإضراره بالمسلمين وسعيه بالفساد في الأرض. ولعل ابن الماجِشُون إنما اتخذ التكرار في هذا لأن حاطباً أخذ في أوّل فعله. والله أعلم. السادسة ـ: فإن كان الجاسوس كافراً فقال الأوزاعيّ: يكون نقضاً لعهده. وقال أَصْبَغ: الجاسوس الحربي يقتل، والجاسوس المسلم والذميّ يعاقبان إلا إن تظاهرا على الإسلام فيقتلان. وقد روي عن عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه: حديث : أن النبيّ صلى الله عليه وسلم أتي بَعْينٍ للمشركين اسمه فُرَات بن حَيّان، فأمر به أن يُقتل؛ فصاح: يا معشر الأنصار، أقْتَلُ وأنا أشهد أن لا إلٰه إلا الله وأن محمداً رسول الله! فأمر به النبيّ صلى الله عليه وسلم فخلّى سبيله. ثم قال:«إنّ منكم من أَكِلُه إلى إيمانه منهم فُرَات بن حَيَّان»تفسير : . وقوله: {وَقَدْ كَفَرُواْ} حال، إمّا من {لاَ تَتَّخِذُواْ} وإما من {تُلْقُونَ} أي لا تتولوهم أو تُوادّوهم، وهذه حالهم. وقرأ الجحدري «لما جاءكم» أي كفروا لأجل ما جاءكم من الحق. السابعة ـ: قوله تعالى: {يُخْرِجُونَ ٱلرَّسُولَ} استئناف كلام كالتفسير لكفرهم وَعُتُوّهم، أو حال من «كَفَرُوا». {وَإِيَّاكُمْ أَن تُؤْمِنُواْ بِٱللَّهِ رَبِّكُمْ} تعليلٌ لـ «يخرِجون» المعنى يخرجون الرسول ويخرجونكم من مكة لأن تؤمنوا بالله، أي لأجل إيمانكم بالله. قال ابن عباس: وكان حاطب ممن أخرج مع النبيّ صلى الله عليه وسلم. وقيل: في الكلام تقديم وتأخير، والتقدير لا تتخذوا عدوّي وعدوّكم أولياء إن كنتم خرجتم مجاهدين في سبيلي. وقيل: في الكلام حذف، والمعنى إن كنتم خرجتم جهاداً في سبيلي وابتغاء مرضاتي، فلا تلقوا إليهم بالمودّة. وقيل: {إِن كُنتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَاداً فِي سَبِيلِي وَٱبْتِغَآءَ مَرْضَاتِي} شرط وجوابه مقدّم. والمعنى إن كنتم خرجتم جهاداً في سبيلي فلا تتخذوا عدوّي وعدوّكم أولياء. ونصب «جِهَاداً» و «ابْتِغَاءً» لأنه مفعول له. وقوله: {تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِٱلْمَوَدَّةِ} بدل من «تلقون» ومبيِّن عنه. والأفعال تبدل من الأفعال، كما قال (تعالى): {أية : وَمَن يَفْعَلْ ذٰلِكَ يَلْقَ أَثَاماً يُضَاعَف لَهُ ٱلْعَذَاب} تفسير : [الفرقان:68-69]. وأنشد سِيبويه:شعر : مَتَى تأتِنَا تُلْمِم بنا في ديارنا تَجِدْ حَطَباً جَزْلاً وناراً تأجُجَا تفسير : وقيل: هو على تقدير أنتم تُسِرّون إليهم بالمودّة، فيكون استئنافاً. وهذا كلّه معاتبةٌ لحاطب. وهو يدل على فضله وكرامته ونصيحته لرسول الله صلى الله عليه وسلم وصدق إيمانه، فإن المعاتبة لا تكون إلا من محِب لحبيبه. كما قال:شعر : أعاتب ذا المودّة من صديق إذا ما رابني منه اجتناب إذا ذهب العِتاب فليس ودٌّ ويبقى الودّ ما بقي العتاب تفسير : ومعنى «بالْمَوَدَّةِ» أي بالنصيحة في الكتاب إليهم. والباء زائدة كما ذكرنا، أو ثابتة غير زائدة. قوله تعالى: {وَأَنَاْ أَعْلَمُ بِمَآ أَخْفَيْتُمْ} أضمرتم {وَمَآ أَعْلَنتُمْ} أظهرتم. والباء في «بِمَا» زائدة، يقال: علمت كذا وعلمت بكذا. وقيل: وأنا أعلم من كل أحد بما تخفون وما تعلنون، فحذف من كل أحد. كما يقال: فلان أعلم وأفضل من غيره. وقال ابن عباس: وأنا أعلم بما أخفيتم في صدوركم، وما أظهرتم بألسنتكم من الإقرار والتوحيد. {وَمَن يَفْعَلْهُ مِنكُمْ} أي من يُسرّ إليهم ويكاتبهم منكم {فَقَدْ ضَلَّ سَوَآءَ ٱلسَّبِيلِ} أي أخطأ قصد الطريق.

البيضاوي

تفسير : {مدنية وآيها ثلاث عشرة آية بسم الله الرحمن الرحيم يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ عَدُوّى وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ} نزلت في حاطب بن أبي بلتعة، فإنه لما علم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يغزو أهل مكة كتب إليهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يريدكم فخذوا حذركم،حديث : وأرسل كتابه مع سارة مولاة بني المطلب، فنزل جبريل عليه السلام فأعلم رسول الله، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم علياً وعماراً وطلحة والزبير والمقداد وأبا مرثد وقال: انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ فإن بها ظعينة معها كتاب حاطب إلى أهل مكة، فخذوه منها وخلوها فإن أبت فاضربوا عنقها، فأدركوها ثمة فجحدت فهموا بالرجوع، فسل علي رضي الله تعالى عنه السيف فأخرجته من عقاصها، فاستحضر رسول الله صلى الله عليه وسلم حاطباً وقال: ما حملك عليه؟ فقال: يا رسول الله ما كفرت منذ أسلمت ولا غششتك منذ نصحتك ولكني كنت امرأ ملصقاً في قريش وليس لي فيهم من يحمي أهلي، فأردت أن آخذ عندهم يداً وقد علمت أن كتابي لا يغني عنهم شيئاً، فصدقه رسول الله صلى الله عليه وسلم وعذرهتفسير : {تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِٱلْمَوَدَّةِ} تفضون إليهم المودة بالمكاتبة، والباء مزيدة أو إخبار رسول الله صلى الله عليه وسلم بسبب المودة، والجملة حال من فاعل {لاَ تَتَّخِذُواْ} أو صفة لأولياء جرت على غير من هي له، ولا حاجة فيها إلى إبراز الضمير لأنه مشروط في الاسم دون الفعل. {وَقَدْ كَفَرُواْ بِمَا جَاءكُمْ مّنَ ٱلْحَقّ } حال من فاعل أحد الفعلين. {يُخْرِجُونَ ٱلرَّسُولَ وَإِيَّـٰكُمْ} أي من مكة وهو حال من {كَفَرُواْ} أو استئناف لبيانه. {أَن تُؤْمِنُواْ بِٱللَّهِ رَبّكُمْ} بأن تؤمنوا به وفيه تغليب المخاطب والالتفات من التكلم إلى الغيبة للدلالة على ما يوجب الإِيمان. {إِن كُنتُمْ خَرَجْتُمْ} عن أوطانكم. {جِهَاداً فِى سَبِيلِى وَٱبْتِغَاء مَرْضَاتِى} علة للخروج وعمدة للتعليق وجواب الشرط محذوف دل عليه {لاَ تَتَّخِذُواْ}. {تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِٱلْمَوَدَّةِ } بدل من {تُلْقُونَ} أو استئناف معناه: أي طائل لكم في أسرار المودة أو الإخبار بسبب المودة. {وَأَنَاْ أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنتُمْ} أي منكم. وقيل {أَعْلَمُ} مضارع والباء مزيدة و «ما» موصولة أو مصدرية. {وَمَن يَفْعَلْهُ مِنكُمْ} أي من يفعل الاتخاذ. {فَقَدْ ضَلَّ سَوَاء ٱلسَّبِيلِ} أخطأه. {إِن يَثْقَفُوكُمْ } يظفروا بكم. {يَكُونُواْ لَكُمْ أَعْدَاءً} ولا ينفعكم إلقاء المودة إليهم. {وَيَبْسُطُواْ إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِٱلسُّوءِ} ما يسوؤكم كالقتل والشتم. {وَوَدُّواْ لَوْ تَكْفُرُونَ} وتمنوا ارتدادكم، ومجيء {وَدُّواْ} وحده بلفظ الماضي للإِشعار بأنهم {وَدُّواْ} قبل كل شيء، وأن ودادتهم حاصلة وإن لم يثقفوكم. {لَن تَنفَعَكُمْ أَرْحَـٰمُكُمْ } قراباتكم. {وَلاَ أَوْلَـٰدُكُمْ} الذين توالون المشركين لأجلهم. {يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ} يفرق بينكم بما عراكم من الهول فيفر بعضكم من بعض فما لكم ترفضون اليوم حق الله لمن يفر منكم غداً، وقرأ حمزة والكسائي بكسر الصاد والتشديد وفتح الفاء، وقرأ ابن عامر «يُفَصّلُ » على البناء للمفعول وهو {بَيْنِكُمْ}، وقرأ عاصم {يُفَصّلُ}. {وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ } فيجازيكم عليه. {قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} قدوة. اسم لما يؤتسى به. {فِى إِبْرٰهِيمَ وَٱلَّذِينَ مَعَهُ} صفة ثانية أو خبر كان و {لَكُمْ} لغو أو حال من المستكن في {حَسَنَةٌ} أو صلة لها لا لـ {أُسْوَةٌ } لأنها وصفت. {إِذْ قَالُواْ لِقَوْمِهِمْ} ظرف لخبر كان. {إِنَّا بُرَاءُ مّنكُمْ } جمع بريء كظريف وظرفاء. {وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ } أي بدينكم أو بمعبودكم، أو بكم وبه فلا نعتد بشأنكم وآلهتكم. {وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ ٱلْعَدَاوَةُ وَٱلْبَغْضَاءُ أَبَداً حَتَّىٰ تُؤْمِنُواْ بِٱللَّهِ وَحْدَهُ} فتنقلب العداوة والبغضاء ألفة ومحبة. {إِلاَّ قَوْلَ إِبْرٰهِيمَ لأَبِيهِ لأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ} استثناء من قوله {أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} فإن استغفاره إبراهيم عليه السلام لأبيه الكافر ليس مما ينبغي أن يأتسوا به، فإنه كان قبل النهي أو لموعدة وعدها إياه. {وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ ٱللَّهِ مِن شَىْء} من تمام قوله المستثنى ولا يلزم من استثناء المجموع استثناء جميع أجزائه. {رَّبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ ٱلْمَصِيرُ} متصل بما قبل الاستثناء أو أمر من الله للمؤمنين بأن يقولوه تتميماً لما وصاهم به من قطع العلائق بينهم وبين الكفار.

ابن كثير

تفسير : كان سبب نزول صدر هذه السورة الكريمة قصة حاطب بن أبي بلتعة، وذلك أن حاطباً هذا كان رجلاً من المهاجرين، وكان من أهل بدر أيضاً، وكان له بمكة أولاد ومال، ولم يكن من قريش أنفسهم، بل كان حليفاً لعثمان، فلما عزم رسول الله صلى الله عليه وسلم على فتح مكة، لما نقض أهلها العهد، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم المسلمين بالتجهيز لغزوهم، وقال: «حديث : اللهم عَمِّ عليهم خبرنا» تفسير : فعمد حاطب هذا فكتب كتاباً، وبعثه مع امرأة من قريش إلى أهل مكة، يعلمهم بما عزم عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم من غزوهم؛ ليتخذ بذلك عندهم يداً، فأطلع الله تعالى على ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم استجابة لدعائه، فبعث في أثر المرأة، فأخذ الكتاب منها، وهذا بين في هذا الحديث المتفق على صحته. قال الإمام أحمد: حدثنا سفيان عن عمه عمرو، أخبرني حسن بن محمد بن علي، أخبرني عبد الله بن أبي رافع، وقال مرة: إن عبيد الله بن أبي رافع أخبره: أنه سمع علياً رضي الله عنه يقول: بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا والزبير والمقداد، فقال: «حديث : انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ؛ فإن بها ظعينة معها كتاب، فخذوه منها» تفسير : فانطلقنا تعادي بنا خيلنا حتى أتينا الروضة، فإذا نحن بالظعينة، قلنا: أخرجي الكتاب، قالت: ما معي كتاب، قلنا: لتخرجن الكتاب، أو لتلقين الثياب، قال: فأخرجت الكتاب من عقاصها، فأخذنا الكتاب، فأتينا به رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا فيه: من حاطب بن أبي بلتعة إلى أناس من المشركين بمكة، يخبرهم ببعض أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : يا حاطب ما هذا؟» تفسير : قال: لا تعجل علي، إني كنت امرأً ملصقاً في قريش، ولم أكن من أنفسهم، وكان من معك من المهاجرين لهم قرابات يحمون أهليهم بمكة، فأحببت إذ فاتني ذلك من النسب فيهم، أن أتخذ فيهم يداً يحمون بها قرابتي، وما فعلت ذلك كفراً ولا ارتداداً عن ديني، ولا رضاً بالكفر بعد الإسلام، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إنه صدقكم»تفسير : فقال عمر: دعني أضرب عنق هذا المنافق، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إنه قد شهد بدراً، وما يدريك لعل الله اطلع إلى أهل بدر، فقال: اعملوا ما شئتم، فقد غفرت لكم» تفسير : وهكذا أخرجه الجماعة إلا ابن ماجه، من غير وجه، عن سفيان بن عُيينة به، وزاد البخاري في كتاب المغازي: فأنزل الله السورة: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ عَدُوِّى وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَآءَ} وقال في كتاب التفسير: قال عمرو: ونزلت فيه: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ عَدُوِّى وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَآءَ} وقال: لا أدري الآية في الحديث، أو قال عمرو؟ قال البخاري: قال علي، يعني: ابن المديني: قيل لسفيان: في هذا نزلت: {لاَ تَتَّخِذُواْ عَدُوِّى وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَآءَ} فقال سفيان: هذا في حديث الناس حفظته من عمرو، ما تركت منه حرفاً، ولا أدري أحداً حفظه غيري. وقد أخرجاه في الصحيحين من حديث حصين بن عبد الرحمن عن سعد بن عبيدة، عن أبي عبد الرحمن السلمي عن علي قال: بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبا مرثد والزبير بن العوام، وكلنا فارس، وقال: «حديث : انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ؛ فإن بها امرأة من المشركين معها كتاب من حاطب بن أبي بلتعة إلى المشركين» تفسير : فأدركناها تسير على بعير لها حيث قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلنا: الكتاب؟ فقالت: ما معي كتاب، فأنخناها، فالتمسنا فلم نر كتاباً، فقلنا: ما كذب رسول الله صلى الله عليه وسلم لتخرجن الكتاب، أو لنجردنك، فلما رأت الجد، أهوت إلى حجزتها، وهي محتجزة بكساء، فأخرجته، فانطلقنا بها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال عمر: يا رسول الله قد خان الله ورسوله والمؤمنين، فدعني فلأضرب عنقه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : ما حملك على ما صنعت؟» تفسير : قال حاطب: والله ما بي إلا أن أكون مؤمناً بالله ورسوله صلى الله عليه وسلم أردت أن تكون لي عند القوم يد يدفع الله بها عن أهلي ومالي، وليس أحد من أصحابك إلا له هناك من عشيرته من يدفع الله به عن أهله وماله، فقال: «حديث : صدق، لا تقولوا له إلا خيراً»تفسير : فقال عمر: إنه قد خان الله ورسوله والمؤمنين، فدعني فلأضرب عنقه، فقال: «حديث : أليس من أهل بدر؟ ــــ فقال ــــ لعل الله قد اطلع إلى أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم، فقد وجبت لكم الجنة ــــ أو قد غفرت لكم ــــ » تفسير : فدمعت عينا عمر وقال: الله ورسوله أعلم، هذا لفظ البخاري في المغازي في غزوة بدر، وقد روي من وجه آخر عن علي، قال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسن الهسنجاني، حدثنا عبيد بن يعيش، حدثنا إسحاق بن سليمان الرازي عن أبي سنان، هو سعيد بن سنان، عن عمرو بن مرة الجَملي عن أبي البختري الطائي، عن الحارث، عن علي قال: لما أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يأتي مكة، أسر إلى أناس من أصحابه أنه يريد مكة، منهم حاطب بن أبي بلتعة، وأفشى في الناس أنه يريد خيبر، قال: فكتب حاطب بن أبي بلتعة إلى أهل مكة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يريدكم، فأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: فبعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبا مرثد، وليس منا رجل إلا وعنده فرس، فقال: «حديث : ائتوا روضة خاخ؛ فإنكم ستلقون بها امرأة معها كتاب، فخذوه منها»تفسير : فانطلقنا حتى رأيناها بالمكان الذي ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلنا لها: هات الكتاب، فقالت: ما معي كتاب، فوضعنا متاعها، وفتشناها فلم نجده في متاعها، فقال أبو مرثد: لعله أن لا يكون معها، فقلت: ما كذب رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا كذبنا، فقلنا لها: لتخرجنه أو لنعرينك. فقالت: أما تتقون الله! ألستم مسلمين! فقلنا: لتخرجنه أو لنعرينك. قال عمرو بن مرة: فأخرجته من حجزتها. وقال حبيب بن أبي ثابت: أخرجته من قبلها، فأتينا به رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا الكتاب من حاطب بن أبي بلتعة، فقام عمر فقال: يا رسول الله خان الله ورسوله، فائذن لي فلأضرب عنقه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : أليس قد شهد بدراً؟ تفسير : قالوا: بلى، وقال عمر: بلى، ولكنه قد نكث وظاهر أعداءك عليك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : فلعل الله اطلع إلى أهل بدر، فقال: اعملوا ما شئتم إني بما تعملون بصير» تفسير : ففاضت عينا عمر، وقال: الله ورسوله أعلم، فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى حاطب فقال: «حديث : يا حاطب ما حملك على ما صنعت؟» تفسير : فقال: يا رسول الله إني كنت امرأً ملصقاً في قريش، وكان لي بها مال وأهل، ولم يكن من أصحابك أحد إلا وله بمكة من يمنع أهله وماله، فكتبت بذلك إليهم، والله يا رسول الله إني لمؤمن بالله ورسوله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : صدق حاطب، فلا تقولوا لحاطب إلا خيراً» تفسير : قال حبيب بن أبي ثابت: فأنزل الله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ عَدُوِّى وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَآءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِٱلْمَوَدَّةِ} الآية. وهكذا رواه ابن جرير عن ابن حميد عن مهران، عن أبي سنان سعيد بن سنان بإسناده مثله. وقد ذكر ذلك أصحاب المغازي والسير، فقال محمد بن إسحاق بن يسار في السيرة: حدثني محمد بن جعفر بن الزبير، عن عروة بن الزبير وغيره من علمائنا قال: لما أجمع رسول الله صلى الله عليه وسلم المسير إلى مكة، كتب حاطب بن أبي بلتعة كتاباً إلى قريش يخبرهم بالذي أجمع عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأمر في السير إليهم، ثم أعطاه امرأة، زعم محمد بن جعفر أنها من مزينة، وزعم غيره أنها سارة مولاة لبني عبد المطلب، وجعل لها جعلاً على أن تبلغه لقريش، فجعلته في رأسها، ثم فتلت عليه قرونها، ثم خرجت به، وأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم الخبر من السماء بما صنع حاطب، فبعث علي بن أبي طالب والزبير بن العوام فقال: «حديث : أدركا امرأة قد كتب معها حاطب كتاباً إلى قريش، يحذرهم ما قد أجمعنا له من أمرهم»تفسير : فخرجا حتى أدركاها بالحليفة، حليفة بني أبي أحمد، فاستنزلاها بالحليفة، فالتمسا في رحلها فلم يجدا شيئاً، فقال لها علي بن أبي طالب: إني أحلف بالله ما كذب رسول الله، وما كذبنا، ولتخرجن لنا هذا الكتاب، أو لنكشفنك. فلما رأت الجد منه، قالت: أعرض، فأعرض، فحلت قرون رأسها، فاستخرجت الكتاب منها، فدفعته إليه، فأتى به رسول الله صلى الله عليه وسلم فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم حاطباً فقال: «حديث : يا حاطب ما حملك على هذا؟» تفسير : فقال: يا رسول الله أما والله إني لمؤمن بالله وبرسوله، ما غيرت ولا بدلت، ولكني كنت امرأً ليس لي في القوم من أهل ولا عشيرة، وكان لي بين أظهرهم ولد وأهل، فصانعتهم عليهم، فقال عمر بن الخطاب: يا رسول الله دعني فلأضرب عنقه؛ فإن الرجل قد نافق، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : وما يدريك يا عمر؟ لعل الله قد اطلع إلى أصحاب بدر يوم بدر، فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم»تفسير : فأنزل الله عز وجل في حاطب {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ عَدُوِّى وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَآءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِٱلْمَوَدَّةِ} إلى قوله {أية : قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِيۤ إِبْرَاهِيمَ وَٱلَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُواْ لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِّنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ ٱلْعَدَاوَةُ وَٱلْبَغْضَآءُ أَبَداً حَتَّىٰ تُؤْمِنُواْ بِٱللَّهِ وَحْدَهُ} تفسير : [الممتحنة:4] إلى آخر القصة. وروى مَعمر، عن الزهري، عن عروة نحو ذلك، وهكذا ذكر مقاتل بن حيان: أن هذه الآيات نزلت في حاطب بن أبي بلتعة: أنه بعث سارة مولاة بني هاشم، وأنه أعطاها عشرة دراهم، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث في أثرها عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهما، فأدركاها بالجحفة، وذكر تمام القصة كنحو ما تقدم، وعن السدي قريباً منه، وهكذا قال العوفي عن ابن عباس ومجاهد وقتادة وغير واحد: أن هذه الآيات نزلت في حاطب بن أبي بلتعة. فقوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَآءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِٱلْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُواْ بِمَا جَآءَكُمْ مِّنَ ٱلْحَقِّ} يعني: المشركين والكفار الذين هم محاربون لله ولرسوله وللمؤمنين، الذين شرع الله عداوتهم ومصارمتهم، ونهى أن يتخذوا أولياء وأصدقاء وأخلاء؛ كما قال تعالى: {أية : يَـٰۤأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ ٱلْيَهُودَ وَٱلنَّصَـٰرَىٰ أَوْلِيَآءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ} تفسير : [المائدة: 51] وهذا تهديد شديد ووعيد أكيد وقال تعالى: {أية : يَـٰۤأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ دِينَكُمْ هُزُواً وَلَعِباً مِّنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ مِن قَبْلِكُمْ وَٱلْكُفَّارَ أَوْلِيَآءَ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} تفسير : [المائدة: 57] وقال تعالى: {أية : يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ ٱلْكَـٰفِرِينَ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَن تَجْعَلُواْ للَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَاناً مُّبِيناً} تفسير : [النساء: 144] وقال تعالى: {أية : لاَّ يَتَّخِذِ ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلْكَـٰفِرِينَ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ فَلَيْسَ مِنَ ٱللَّهِ فِي شَىْءٍ إِلاَ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَـٰةً وَيُحَذِّرْكُمُ ٱللَّهُ نَفْسَهُ} تفسير : [آل عمران: 28] ولهذا قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم عُذر حاطب، لما ذكر أنه إنما فعل ذلك مصانعة لقريش؛ لأجل ما كان له عندهم من الأموال والأولاد. ويذكر ههنا الحديث الذي رواه الإمام أحمد: حدثنا مصعب بن سلام، حدثنا الأجلح عن قيس بن أبي مسلم عن ربعي بن حراش، سمعت حذيفة يقول: ضرب لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أمثالاً: واحداً، وثلاثة، وخمسة، وسبعة، وتسعة، وأحد عشر، قال: فضرب لنا منها مثلاً، وترك سائرها قال: «حديث : إن قوماً كانوا أهل ضعف ومسكنة، قاتلهم أهل تجبر وعداء، فأظهر الله أهل الضعف عليهم، فعمدوا إلى عدوهم، فاستعملوهم وسلطوهم، فأسخطوا الله عليهم إلى يوم يلقونه» تفسير : . وقوله تعالى: {يُخْرِجُونَ ٱلرَّسُولَ وَإِيَّـٰكُمْ} هذا مع ما قبله من التهييج على عداوتهم وعدم موالاتهم؛ لأنهم أخرجوا الرسول وأصحابه من بين أظهرهم؛ كراهة لما هم عليه من التوحيد وإخلاص العبادة لله وحده، ولهذا قال تعالى: {أَن تُؤْمِنُواْ بِٱللَّهِ رَبِّكُمْ} أي: لم يكن لكم عندهم ذنب إلا إيمانكم بالله رب العالمين؛ كقوله تعالى: {أية : وَمَا نَقَمُواْ مِنْهُمْ إِلاَّ أَن يُؤْمِنُواْ بِٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَمِيدِ} تفسير : [البروج:8] وكقوله تعالى: {أية : ٱلَّذِينَ أُخْرِجُواْ مِن دِيَـٰرِهِم بِغَيْرِ حَقٍّ إِلاَّ أَن يَقُولُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُ} تفسير : [الحج: 40]. وقوله تعالى: {إِن كُنتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَاداً فِى سَبِيلِى وَٱبْتِغَآءَ مَرْضَاتِى} أي: إن كنتم كذلك، فلا تتخذوهم أولياء، إن كنتم خرجتم مجاهدين في سبيلي، باغين لمرضاتي عنكم، فلا توالوا أعدائي وأعداءكم، وقد أخرجوكم من دياركم وأموالكم؛ حنقاً عليكم، وسخطاً لدينكم. وقوله تعالى: {تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِٱلْمَوَدَّةِ وَأَنَاْ أَعْلَمُ بِمَآ أَخْفَيْتُمْ وَمَآ أَعْلَنتُمْ} أي: تفعلون ذلك، وأنا العالم بالسرائر والضمائر والظواهر، { وَمَن يَفْعَلْهُ مِنكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَآءَ ٱلسَّبِيلِ إِن يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُواْ لَكُمْ أَعْدَآءً وَيَبْسُطُوۤاْ إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِٱلسُّوۤءِ} أي: لو قدروا عليكم، لما اتقوا فيكم من أذى ينالونكم به بالمقال والفعال {وَوَدُّواْ لَوْ تَكْفُرُونَ} أي: ويحرصون على أن لا تنالوا خيراً، فهم عداوتهم لكم كامنة وظاهرة، فكيف توالون مثل هؤلاء؟ وهذا تهييج على عداوتهم أيضاً. وقوله تعالى: { لَن تَنفَعَكُمْ أَرْحَـٰمُكُمْ وَلاَ أَوْلَـٰدُكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} أي: قراباتكم لا تنفعكم عند الله إذا أراد الله بكم سوءاً، ونفعهم لا يصل إليكم إذا أرضيتموهم بما يسخط الله، ومن وافق أهله على الكفر ليرضيهم، فقد خاب وخسر، وضل عمله، ولا ينفعه عند الله قرابته من أحد، ولو كان قريباً إلى نبي من الأنبياء. قال الإمام أحمد: حدثنا عفان، حدثنا حماد، عن ثابت، عن أنس: أن رجلاً قال: يا رسول الله أين أبي؟ قال: «حديث : في النار» تفسير : فلما قفَّى، دعاه فقال: «حديث : إن أبي وأباك في النار» تفسير : . ورواه مسلم وأبو داود، من حديث حماد بن سلمة، به.

المحلي و السيوطي

تفسير : {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ عَدُوِّى وَعَدُوَّكُمْ } أي كفار مكة {أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ } توصلون {إِلَيْهِمُ } قصد النبي صلى الله عليه وسلم غزوهم الذي أسرَّه إليكم وَوَرَّى بحُنَيْن {بِٱلْمَوَدَّةِ } بينكم وبينهم، كتب حاطب بن أبي بلتعة إليهم كتاباً بذلك لما له عندهم من الأولاد والأهل المشركين فاستردّه النبي صلى الله عليه وسلم ممن أرسله معه بإعلام الله تعالى له بذلك وقبل عذر حاطب فيه {وَقَدْ كَفَرُواْ بِمَا جَاءَكُمْ مِّنَ ٱلْحَقِّ } أي دين الإِسلام والقرآن {يُخْرِجُونَ ٱلرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ } من مكة بتضييقهم عليكم {أَن تُؤْمِنُواْ } أي لأجل أن آمنتم {بِٱللَّهِ رَبِّكُمْ إِن كُنتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَٰداً } للجهاد {فِى سَبِيلِى وَٱبْتِغَاءَ مَرْضَاتِى } وجواب الشرط دل عليه ما قبله أي فلا تتخذوهم أولياء {تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِٱلْمَوَدَّةِ وَأَنَاْ أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنتُمْ وَمَن يَفْعَلْهُ مِنكُمْ } أي إسرار خبر النبي إليهم {فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ ٱلسَّبِيلِ } أخطأ طريق الهدى والسواء في الأصل الوسط.

الشوكاني

تفسير : قال المفسرون: نزلت {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ عَدُوّى وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاء } في حاطب بن أبي بلتعة حين كتب إلى مشركي قريش يخبرهم بمسير النبيّ صلى الله عليه وسلم إليهم، وسيأتي ذكر القصة آخر البحث إن شاء الله، وقوله: {عَدُوّى } هو المفعول الأوّل {وَعَدُوَّكُمْ } معطوف عليه، والمفعول الثاني أولياء، وأضاف سبحانه العدوّ إلى نفسه تعظيماً لجرمهم، والعدوُّ مصدر يطلق على الواحد، والاثنين، والجماعة، والآية تدلّ على النهي عن موالاة الكفار بوجه من الوجوه {تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِٱلْمَوَدَّةِ } أي: توصلون إليهم المودّة على أن الباء زائدة، أو هي سببية. والمعنى: تلقون إليهم أخبار النبيّ صلى الله عليه وسلم بسبب المودّة التي بينكم وبينهم. قال الزجاج: تلقون إليهم أخبار النبيّ صلى الله عليه وسلم وسرّه بالمودّة التي بينكم وبينهم، والجملة في محل نصب على الحال من ضمير تتخذوا؛ ويجوز أن تكون مستأنفة؛ لقصد الإخبار بما تضمنته، أو لتفسير موالاتهم إياهم، ويجوز أن تكون في محل نصب صفة لأولياء، وجملة {وَقَدْ كَفَرُواْ بِمَا جَاءكُمْ مّنَ ٱلْحَقّ } في محل نصب على الحال من فاعل تلقون، أو من فاعل لا تتخذوا، ويجوز أن تكون مستأنفة؛ لبيان حال الكفار. قرأ الجمهور: {بما جاءكم} بالباء الموحدة. وقرأ الجحدري، وعاصم في رواية عنه: (لما جاءكم) باللام، أي: لأجل ما جاءكم من الحق على حذف المكفور به، أي: كفروا بالله والرسول لأجل ما جاءكم من الحق، أو على جعل ما هو سبب للإيمان سبباً للكفر توبيخاً لهم {يُخْرِجُونَ ٱلرَّسُولَ وَإِيَّـٰكُمْ } الجملة مستأنفة لبيان كفرهم، أو في محل نصب على الحال، وقوله: {أَن تُؤْمِنُواْ بِٱللَّهِ رَبّكُمْ } تعليل للإخراج، أي: يخرجونكم لأجل إيمانكم، أو كراهة أن تؤمنوا {إِن كُنتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَاداً فِى سَبِيلِى وَٱبْتِغَاء مَرْضَاتِى } جواب الشرط محذوف، أي: إن كنتم كذلك، فلا تلقوا إليهم بالمودّة، أو إن كنتم كذلك، فلا تتخذوا عدوّي وعدوّكم أولياء، وانتصاب {جهاداً} {وابتغاء} على العلة، أي: إن كنتم خرجتم لأجل الجهاد في سبيلي؛ ولأجل ابتغاء مرضاتي، وجملة: {تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِٱلْمَوَدَّةِ } مستأنفة للتقريع والتوبيخ، أي: تسرّون إليهم الأخبار بسبب المودّة، وقيل: هي بدل من قوله: {تُلْقُونَ }. ثم أخبر سبحانه بأنه لا يخفى عليه من أحوالهم شيء، فقال: {وَأَنَاْ أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنتُمْ } والجملة في محل نصب على الحال، أي: بما أضمرتم وما أظهرتم، والباء في {بما} زائدة، يقال: علمت كذا، وعلمت بكذا، هذا على أن أعلم مضارع، وقيل: هو أفعل تفضيل، أي: أعلم من كل أحد بما تخفون وما تعلنون {وَمَن يَفْعَلْهُ مِنكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاء ٱلسَّبِيلِ } أي: من يفعل ذلك الاتخاذ لعدوّي وعدوّكم أولياء، ويلقي إليهم بالمودّة، فقد أخطأ طريق الحق والصواب، وضلّ عن قصد السبيل. {إِن يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُواْ لَكُمْ أَعْدَاء } أي: إن يلقوكم ويصادفوكم يظهروا لكم ما في قلوبهم من العداوة، ومنه المثاقفة، وهي طلب مصادفة الغرّة في المسابقة، وقيل المعنى: إن يظفروا بكم، ويتمكنوا منكم، والمعنيان متقاربان {وَيَبْسُطُواْ إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِٱلسُّوء } أي: يبسطوا إليكم أيديهم بالضرب ونحوه، وألسنتهم بالشتم ونحوه {وَوَدُّواْ لَوْ تَكْفُرُونَ } هذا معطوف على جواب الشرط أو على جملة الشرط والجزاء، ورجح هذا أبو حيان، والمعنى: أنهم تمنوا ارتدادهم، وودّوا رجوعهم إلى الكفر. {لَن تَنفَعَكُمْ أَرْحَـٰمُكُمْ وَلاَ أَوْلَـٰدُكُمْ } أي: لا تنفعكم القرابات على عمومها، ولا الأولاد، وخصهم بالذكر مع دخولهم في الأرحام لمزيد المحبة لهم، والحنوّ عليهم، والمعنى: أن هؤلاء لا ينفعونكم حتى توالوا الكفار لأجلهم، كما وقع في قصة حاطب بن أبي بلتعة، بل الذي ينفعكم هو ما أمركم الله به من معاداة الكفار، وترك موالاتهم، وجملة: {يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ } مستأنفة لبيان عدم نفع الأرحام والأولاد في ذلك اليوم ومعنى {يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ }: يفرّق بينكم، فيدخل أهل طاعته الجنة، وأهل معصيته النار. وقيل: المراد بالفصل بينهم أنه يفرّ كلّ منهم من الآخر من شدّة الهول، كما في قوله: {أية : يَوْمَ يَفِرُّ ٱلْمَرْء مِنْ أَخِيهِ } تفسير : الآية [عبس: 34] الآية. قيل: ويجوز أن يتعلق يوم القيامة بما قبله، أي: لن تنفعكم أرحامكم ولا أولادكم يوم القيامة فيوقف عليه. ويبتدأ بقوله: {يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ } والأولى أن يتعلق بما بعده، كما ذكرنا {وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ } لا يخفى عليه شيء من أقوالكم وأفعالكم، فهو مجازيكم على ذلك. قرأ الجمهور: {يفصل} بضم الياء، وتخفيف الفاء، وفتح الصاد مبنياً للمفعول، واختار هذه القراءة أبو عبيدة. وقرأ عاصم بفتح الياء، وكسر الصاد مبنياً للفاعل. وقرأ حمزة، والكسائي بضم الياء، وفتح الفاء، وكسر الصاد مشدّدة. وقرأ علقمة بالنون. وقرأ قتادة، وأبو حيوة بضم الياء، وكسر الصاد مخففة. وقد أخرج البخاريّ، ومسلم، وغيرهما عن عليّ بن أبي طالب قال: بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا، والزبير، والمقداد، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ، فإن بها ظعينة معها كتاب، فخذوه منها فأتوني به"تفسير : ، فخرجنا حتى أتينا الرّوضة، فإذا نحن بالظعينة، فقلنا أخرجي الكتاب، قالت: ما معي من كتاب، فقلنا: لتخرجنّ الكتاب، أو لتلقينَّ الثياب، فأخرجته من عقاصها، فأتينا به النبيّ صلى الله عليه وسلم، فإذا فيه: من حاطب بن أبي بلتعة إلى أناس من المشركين بمكة يخبرهم ببعض أمر النبيّ، فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم:«حديث : ما هذا يا حاطبتفسير : ؟ قال: لا تعجل عليّ يا رسول الله، إني كنت امرأ ملصقاً في قريش، ولم أكن من أنفسها، وكان من معك من المهاجرين لهم قرابات يحمون بها أهليهم، وأموالهم بمكة، فأحببت إذ فاتني ذلك من النسب فيهم أن أصطنع إليهم يداً يحمون بها قرابتي، وما فعلت ذلك كفراً، ولا ارتداداً عن ديني، فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم: حديث : صدقتفسير : ، فقال عمر: دعني أضرب عنقه. فقال: حديث : إنه شهد بدراً، وما يدريك لعلّ الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم، فقد غفرت لكمتفسير : . ونزلت {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ عَدُوّى وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاء تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِٱلْمَوَدَّةِ }. وفي الباب أحاديث مسندة ومرسلة متضمنة لبيان هذه القصة، وأن هذه الآيات إلى قوله: {قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِى إِبْرٰهِيمَ} نازلة في ذلك.

الماوردي

تفسير : قوله تعالى: {يأيها الذين ءامنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء} سبب نزولها أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أرد التوجه إلى مكة أظهر أنه يريد خيبر، وكتب حاطب بن أبي بلتعة إلى أهل مكة أن النبي صلى الله عليه وسلم خارج إليهم وأرسل مع امرأة ذكر أنها سارة مولاة لبني عبد المطلب، فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك، فأنفذ علياً وأبا مرثد، وقيل عمر بن الخطاب، وقيل الزبير رضي الله عنهم، وقال لهما، اذهبا إلى روضة خاخ فإنكم ستلقون بها امرأة معها كتاب فخذاه وعودا، فأتيا الموضع فوجداها والكتاب معها، فأخذاه وعادا، فإذا هو كتاب حاطب فقال عمر: ائذن لي يا رسول الله أضرب عنقه فقد خان الله ورسوله فقال صلى الله عليه وسلم قد شهد بدراً، فقالوا: بلى ولكنه قد نكث وظاهر أعداءك عليك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم فلعل الله قد اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم إني بما تعملون خبير. ففاضت عينا عمر وقال: الله ورسوله أعلم [ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لحاطب] ما حملك على ما صنعت؟ فقال: يا رسول الله كنت امرأ مصلقاً من قريش وكان لي بها مال فكتبت إليهم بذلك، والله يا رسول الله إني لمؤمن بالله ورسوله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم صدق حاطب فلا تقولوا له إلآ خيراً. فنزلت هذه الآية والتي بعدها. وفي قوله تعالى: {تسرون إليهم بالمودة} وجهان: أحدهما: تعلمونهم سراً أن بينكم وبينهم مودة. الثاني: تعلمونهم سراً بأحوال النبي صلى الله عليه وسلم بمودة بينكم وبينهم.

ابن عطية

تفسير : العدو اسم يقع للجمع والمفرد والمراد به هاهنا كفار قريش، وهذه الآية نزلت بسبب حاطب بن أبي بلتعة، وذلكحديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أراد الخروج إلى مكة عام الحديبية فورى عن ذلك بخيبر، فشاع في الناس أنه خارج إلى خيبر، وأخبر هو جماعة من كبار أصحابه بقصده، منهم حاطب بن أبي بلتعة فكتب حاطب إلى قوم من كفار مكة يخبرهم بقصد رسول الله صلى الله عليه وسلم إياهم فجاء الخبر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبعث علياً والزبير وثالثاً هو المقداد، وقيل أبو مرثد، وقال انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ، فإن بها ظعينة معها كتاب من حاطب إلى المشركين، فانطلقوا حتى وجدوا المرأة واسمها سارة مولاة لقوم من قريش، وقيل بل كانت امرأة من مزينة ولم تكن سارة، فقالوا لها: أخرجي الكتاب. قالت: ما معي كتاب، ففتشوا جميع رحلها فما وجدوا شيئاً، فقال بعضهم: ما معها كتاب، فقال علي: ما كذب رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا تكذبي والله لتخرجن الكتاب أو لنجردنك. قالت: أعرضوا عني فحلته من قرون رأسها، وقيل: أخرجته من حجزتها، فجاؤوا به رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لحاطب: من كتب هذا؟ فقال: أنا يا رسول الله ولكن لا تعجل علي فوالله ما فعلت ذلك ارتداداً عن ديني ولا رغبة عنه ولكني كنت أمرأً ملصقاً في قريش ولم أكن من أنفسها فأحببت أن تكون لي عندهم يد يرعونني بها في قرابتي. فقال عمر بن الخطاب: دعني يا رسول الله أضرب عنق هذا المنافق. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم صدق حاطب إنه من أهل بدر وما يدريك يا عمر لعل الله قد اطلع على أهل بدر. فقال: "اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم، ولا تقولوا لحاطب إلا خير"تفسير : ،فنزلت الآية بهذا السبب، وروي أن حاطباً كتب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد غزوكم في مثل الليل، والسيل، وأقسم بالله لو غزاكم وحده لنصر عليكم فكيف وهو في جمع كثير، و {تلقون} في موضع الصفة لـ {أولياء}، وألقيت يتعدى بحرف الجر، وبغير حرف جر، فدخول الباء وزوالها سواء، وهذا نظير قوله عز وجل: {أية : وألقيت عليك محبة مني} تفسير : [طه: 39] وقوله تعالى: {أية : سنلقي في قلوب الذين كفروا الرعب} تفسير : [آل عمران: 151] وروى ابن المعلى عن عاصم أنه قرأ: "وقد كفروا لما" بلام... وقوله تعالى: {يخرجون} في موضع الحال من الضمير في {كفروا} والمعنى: يخرجون الرسول ويخرجونكم، وهي حال موصوفة، فلذلك ساق الفعل مستقبلاً والإخراج قد مر، وتضييق الكفار على النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين إخراج إذ كان مؤدياً إلى الخروج، وقوله تعالى: {إن تؤمنوا} مفعول من أجله أي اخرجوا لأجل أن آمنتم بربكم، وقوله تعالى: {إن كنتم} شرط جوابه متقدم في معنى ما قبله، وجاز ذلك لما لم يظهر عمل الشرط، والتقدير: "إن كنتم خرجتم جهاداً في سبيلي وابتغاء مرضاتي، فلا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء" و {جهاداً} نصب على المصدر وكذلك {ابتغاء}، ويجوز أن يكون ذلك مفعولاً من أجله، و "المرضاة" مصدر كالرضى، و {تسرون} بدل من {تلقون}، ويجوز أن تكون في موضع خبر ابتداء، كأنه قال أنتم {تسرون}، ويصح أن تكون فعلاً مرسلاً ابتدئ به القول والإلقاء بالمودة معنى ما، والإسرار بها معنى زائد على الإلقاء، فيترجح بهذا أن {تسرون} فعل ابتدئ به القول أي تفعلون ذلك وأنا أعلم، وقوله تعالى: {أعلم} يحتمل أن يكون أفعل، ويحتمل أن يكون فعلاً، لأنك تقول عملت بكذا فتدخل الباء وقوله تعالى: {وأنا أعلم} الآية، جملة في موضع الحال، وقرأ أهل المدينة "وأنا" بإشباع الألف في الإدراج، وقرأ غيرهم "وأنا" بطرح الألف في الإدراج، والضمير في {يفعله} عائد على الاتخاذ المذكور، ويجوز أن تكون {سواء} مفعولاً بـ {ضل} وذلك على بعد، وذلك على تعدي {ضل}، ويجوز أن يكون ظرفاً على غير التعدي لأنه يجيء بالوجهين والأول أحسن في المعنى، والسواء الوسط وذلك لأنه تتساوى نسبته إلى أطراف الشيء والسبيل هنا شرع الله وطريق دينه.

ابن عبد السلام

تفسير : لما أراد الرسول صلى الله عليه وسلم التوجه إلى مكة ورَّى لخيبر فأرسل حاطب إلى أهل مكة يخبرهم بذلك ليحفظ ماله عندهم فاطلع الرسول صلى الله عليه وسلم على كتابه فاسترده ثم سأله فاعتذر بأنه فعل ذلك ليحموا ماله فقدره الرسول صلى الله عليه وسلم وصدقه ونزلت هذه الآية والتي بعدها {تُسِرُّونَ} تعلمونهم في السر أن بينكم وبينهم مودة، أو تعلمونهم سراً بأحوال الرسول لمودة بينكم وبينهم.

النسفي

تفسير : روي أن مولاة لأبي عمرو بن صيفي بن هاشم يقال لها سارة، أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة وهو يتجهز للفتح فقال لها: أمسلمة جئت؟ قالت: لا. قال: أفمهاجرة جئت؟ قالت: لا. قال: فما جاء بك؟ قالت: احتجت حاجة شديدة فحث عليها بني عبد المطلب فكسوها وحملوها وزودوها فأتاها حاطب بن أبي بلتعة وأعطاها عشرة دنانير وكساها برداً واستحملها كتاباً إلى أهل مكة نسخته: من حاطب بن أبي بلتعة إلى أهل مكة اعلموا أن رسول الله يريدكم فخذوا حذركم. فخرجت سارة ونزل جبريل بالخبر فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم علياً وعماراً وعمر وطلحة والزبير والمقداد وأبا مرثد ـ وكانوا فرساناً ـ وقال: انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ فإن بها ظعينة معها كتاب من حاطب إلى أهل مكة فخذوه منها وخلوها، فإن أبت فاضربوا عنقها، فأدركوها فجحدت وحلفت فهموا بالرجوع فقال علي: والله ما كذبنا ولا كذب رسول الله صلى الله عليه وسلم وسلّ سيفه وقال: أخرجي الكتاب أو تضعي رأسك، فأخرجته من عقاص شعرها. وروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمن جميع الناس يوم الفتح إلا أربعة هي أحدهم، فاستحضر برسول الله صلى الله عليه وسلم حاطباً وقال: ما حملك عليه؟ فقال: يا رسول الله ما كفرت منذ أسلمت ولا غششتك منذ نصحتك ولا أحببتهم منذ فارقتهم، ولكني كنت أمرأ ملصقاً في قريش ولم أكن من أنفسها، وكل من معك من المهاجرين لهم قرابات بمكة يحمون أهاليهم وأموالهم غيري، فخشيت على أهلي فأردت أن أتخذ عندهم يداً وقد علمت أن الله ينزل عليهم بأسه وأن كتابي لا يغني عنهم شيئاً فصدقه وقبل عذره. فقال عمر رضي الله عنه: دعني يا رسول الله أضرب عنق هذا المنافق فقال صلى الله عليه وسلم: وما يدريك يا عمر لعل الله قد اطلع على أهل بدر فقال لهم اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم ففاضت عينا عمر رضي الله عنه فنزل. {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ عَدُوّى وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاء } عدي «اتخذ» إلى مفعوليه وهما {عَدُوّى } و {أَوْلِيَاء } والعدوّ فعول من عدا كعفوّ من عفا ولكنه على زنة المصدر، أوقع على الجمع إيقاعه على الواحد، وفيه دليل على أن الكبيرة لا تسلب اسم الإيمان {تُلْقُونَ } حال من الضمير في {لاَ تَتَّخِذُواْ } والتقدير لا تتخذوهم أولياء ملقين {إِلَيْهِمْ بِٱلْمَوَدَّةِ } أو مستأنف بعد وقف على التوبيخ. والإلقاء عبارة عن إيصال المودة والإفضاء بها إليهم. والباء في {بِٱلْمَوَدَّةِ } زائدة مؤكدة للتعدي كقوله: {أية : وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى ٱلتَّهْلُكَةِ }تفسير : [البقرة: 195] أو ثابتة على أن مفعول {تُلْقُونَ } محذوف معناه تلقون إليهم أخبار رسول الله صلى الله عليه وسلم بسبب المودة التي بينكم وبينهم {وَقَدْ كَفَرُواْ } حال من {لاَ تَتَّخِذُواْ } أو من{تُلْقُونَ } أي لا تتولوهم أو توادونهم وهذه حالهم {بِمَا جَاءكُمْ مّنَ ٱلْحَقّ } دين الإسلام والقرآن {يُخْرِجُونَ ٱلرَّسُولَ وَإِيَّـٰكُمْ } استئناف كالتفسير لكفرهم وعتوهم أو حال من {كَفَرُواْ } {أَن تُؤْمِنُواْ } تعليل لـ {يُخْرِجُونَ } أي يخرجونكم من مكة لإيمانكم {بِٱللَّهِ رَبّكُمْ إِن كُنتُمْ خَرَجْتُمْ } متعلق ب {لاَ تَتَّخِذُواْ } أي لا تتولوا أعدائي إن كنتم أوليائي. وقول النحويين في مثله هو شرط جوابه محذوف لدلالة ما قبله عليه {جِهَاداً فِى سَبِيلِى } مصدر في موضع الحال أي إن كنتم خرجتم مجاهدين في سبيلي {وَٱبْتِغَاء مَرْضَاتِى } ومبتغين مرضاتي {تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِٱلْمَوَدَّةِ } أي تفضون إليهم بمودتكم سراً أو تسرون إليهم أسرار رسول الله صلى الله عليه وسلم بسبب المودة وهو استئناف {وَأَنَاْ أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنتُمْ } والمعنى أي طائل لكم في أسراركم وقد علمتم أن الإخفاء والإعلان سيان في علمي وأنا مطلع رسولي على ما تسرون {وَمَن يَفْعَلْهُ } أي هذا الإسرار {مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاء ٱلسَّبِيلِ } فقد أخطأ طريق الحق والصواب. {إِن يَثْقَفُوكُمْ } إن يظفروا بكم ويتمكنوا منكم {يَكُونُواْ لَكُمْ أَعْدَاء } خالصي العداوة ولا يكونوا لكم أولياء كما أنتم {وَيَبْسُطُواْ إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِٱلسُّوء } بالقتل والشتم {وَوَدُّواْ لَوْ تَكْفُرُونَ } وتمنوا لو ترتدون عن دينكم فإذاً موادة أمثالهم خطأ عظيم منكم. والماضي وإن كان يجري في باب الشرط مجرى المضارع ففيه نكتة كأنه قيل: ودّوا قبل كل شيء كفركم وارتدادكم يعني أنهم يريدون أن يلحقوا بكم مضار الدنيا والدين من قتل الأنفس وتمزيق الأعراض وردكم كفاراً أسبق المضار عندهم وأولها لعلمهم أن الدين أعز عليكم من أرواحكم، لأنكم بذالون لها دونه، والعدو أهم شيء عنده أن يقصد أهم شيء عند صاحبه. {لَن تَنفَعَكُمْ أَرْحَـٰمُكُمْ } قراباتكم {وَلاَ أَوْلَـٰدُكُمْ } الذين توالون الكفار من أجلهم وتتقربون إليهم محاماة عليهم ثم قال {يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ } وبين أقاربكم وأولادكم {أية : يَوْمَ يَفِرُّ ٱلْمَرْء مِنْ أَخِيهِ }تفسير : [عبس: 34] الآية. فما لكم ترفضون حق الله مراعاة لحق من يفرّ منكم غداً. {يُفَصّلُ }: عاصم. {يُفَصّلُ } حمزة وعلي والفاعل هو الله عز وجل {يُفَصّلُ } ابن ذكوان غيرهم {يُفَصّلُ } {وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ } فيجازيكم على أعمالكم. {قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ } قدوة في التبري من الأهل {حَسَنَةٌ فِى إِبْرٰهِيمَ } أي في أقواله ولهذا استثنى منها إلا قول إبراهيم {وَٱلَّذِينَ مَعَهُ } من المؤمنين وقيل: كانوا أنبياء {إِذْ قَالُواْ لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَءاؤاْ مّنْكُمْ } جمع بريء كظريف وظرفاء {وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ ٱلْعَدَاوَةُ } بالأفعال {وَٱلْبَغْضَاء } بالقلوب {أَبَداً حَتَّىٰ تُؤْمِنُواْ بِٱللَّهِ وَحْدَهُ } فحينئذ نترك عداوتكم {إِلاَّ قَوْلَ إِبْرٰهِيمَ لأَبِيهِ لأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ } وذلك لموعدة وعدها إياه أي اقتدوا به في أقواله ولا تأتسوا به في الاستغفار لأبيه الكافر {وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ ٱللَّهِ مِن شَىْء } أي من هداية ومغفرة وتوفيق، وهذه الجملة لا تليق بالاستثناء ألا ترى إلى قوله: {أية : قُلْ فَمَن يَمْلِكُ لَكُمْ مّنَ ٱللَّهِ شَيْئاً }تفسير : [الفتح: 11] ولكن المراد استثناء جملة قوله لأبيه والقصد إلى موعد الاستغفار له وما بعده تابع له كأنه قال: أستغفر لك وما في طاقتي إلا الاستغفار {رَّبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا } متصل بما قبل الاستثناء وهو من جملة الأسوة الحسنة. وقيل: معناه قولوا ربنا فهو ابتداء أمر من الله للمؤمنين بأن يقولوه {وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا } أقبلنا {وَإِلَيْكَ ٱلْمَصِيرُ } المرجع {رَبَّنَا لاَ تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لّلَّذِينَ كَفَرُواْ } أي لا تسلطهم علينا فيفتنونا بعذاب {وَٱغْفِرْ لَنَا رَبَّنَا إِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ } أي الغالب الحاكم.

الخازن

تفسير : قوله عز وجل: {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء} الآية (ق) عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال "حديث : بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا والزبير والمقداد فقال انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ فإن بها ظعينة معها كتاب فخذوه منها، قال فانطلقنا تتعادى بنا خيلنا حتى أتينا الروضة فإذا نحن بالظعينة فقلنا أخرجي الكتاب فقالت ما معي من كتاب فقلنا لتخرجي الكتاب أو لنلقين الثياب فأخرجته من عقاصها فأتينا به النبي صلى الله عليه وسلم فإذا فيه من حاطب بن أبي بلتعة إلى ناس من المشركين من أهل مكة يخبرهم ببعض أمر النبي صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم يا حاطب ما هذا فقال يا رسول الله لا تعجل علي إني كنت امراً ملصقاً في قريش ولم أكن من أنفسهم وكان من معك من المهاجرين لهم قرابات يحمون بها أهليهم وأموالهم بمكة فأحببت إذ فاتني ذلك من النسب فيهم أن أتخذ فيهم يداً يحمون بها قرابتي وما فعلته كفراً ولا ارتداداً عن ديني ولا رضا بالكفر بعد الإسلام، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إنه قد صدقكم فقال عمر دعني يا رسول الله أضرب عنق هذا المنافق فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إنه قد شهد بدراً وما يدريك لعل الله اطلع على أهل بدر فقالوا اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم تفسير : فأنزل الله عز وجل {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء إلى قوله سواء السبيل} روضة خاخ موضع بقرب حمراء الأسد من المدينة وقيل إنه موضع قريب من مكة والأول أصح والظعينة المرأة المسافرة سميت بذلك لملازمتها الهودج والعقاص الشعر المضفور قال المفسرون نزلت هذه الآية في حاطب بن أبي بلتعة كما جاء في الحديث حديث : وذلك أن سارة مولاة أبي عمرو بن صيفي بن هاشم بن عبد مناف أتت المدينة من مكة ورسول الله صلى الله عليه وسلم يتجهز لفتح مكة فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم أمسلمة جئت؟ قالت لا قال أمهاجرة جئت؟ قالت لا قال فما جاء بك؟ قالت كنتم الأهل والعشيرة والموالي وقد ذهبت موالي وقد احتجت حاجة شديدة فقدمت عليكم لتعطوني وتكسوني وتحملوني فقال لها وأين أنت من شباب مكة وكانت مغنية نائحة قالت ما طلب مني شيء بعد وقعة بدر فحث عليها بني عبد المطلب فأعطوها نفقة وكسوها وحملوها فأتاها حاطب بن أبي بلتعة حليف بني أسد بن عبد العزى فكتب معها إلى أهل مكة وأعطاها عشرة دنانير وكساها برداً على أن توصل الكتاب إلى أهل مكة وكتب في الكتاب من حاطب بن أبي بلتعة إلى أهل مكة إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يريدكم فخذوا حذركم فخرجت سارة ونزل جبريل عليه السلام فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بما فعل فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم علياً وعماراً والزبير وطلحة والمقداد بن الأسود وأبا مرثد فرساناً فقال انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ فإن بها ظعينة معها كتاب من حاطب بن أبي بلتعة إلى المشركين فخذوه منها وخلوا سبيلها وإن لم تدفعه لكم فاضربوا عنقها فخرجوا حتى أدركوها في ذلك المكان الذي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا لها أين الكتاب؟ فحلفت بالله ما معها من كتاب فبحثوا وفتشوا متاعها فلم يجدوا معها كتاباً فهموا بالرجوع، فقال علي والله ما كذبنا ولا كذب رسول الله صلى الله عليه وسلم وسل السيف وقال أخرجي الكتاب وإلا لأجردنك ولأضربن عنقك فلما رأت الجد أخرجته من ذوائبها وكانت قد خبأته في شعرها فخلوا سبيلها ولم يتعرضوا لها ولا لما معها ورجعوا بالكتاب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى حاطب فأتاه فقال له هل تعرف الكتاب قال نعم قال فما حملك على ما صنعت؟ فقال والله ما كفرت منذ أسلمت ولا غششتك منذ نصحتك ولا أحببتهم منذ فارقتهم ولكن لم يكن أحد من المهاجرين إلا وله بمكة من يمنع عشيرته وكنت غريباً منهم وكان أهلي بين ظهرانيهم فخشيت على أهلي فأردت أن أتخذ لي عندهم يداً وقد علمت أن الله تعالى ينزل بهم بأسه وأن كتابي لا يغني عنهم شيئاً فصدقه رسول الله صلى الله عليه وسلم وعذره فقام عمر بن الخطاب فقال يا رسول الله دعني أضرب عنق هذا المنافق فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم وما يدريك يا عمل لعل الله قد اطلع على أهل بدر فقال لهم اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم تفسير : فأنزل الله في شأن حاطب بن أبي بلتعة: يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء يعني أصدقاء وأنصاراً {تلقون إليهم بالمودة} أي بأسباب المحبة وقيل معناه تلقون إليهم أخبار النبي صلى الله عليه وسلم وسره بالمودة التي بينكم وبينهم {وقد كفروا} أي وحالهم أنهم كفروا {بما جاء من الحق} يعني القرآن {يخرجون الرسول وإياكم} يعني من مكة {أن تؤمنوا} أي لأن آمنتم، كأنه قال يفعلون ذلك لإيمانكم {بالله ربكم إن كنتم خرجتم} هذا شرط جوابه متقدم والمعنى إن كنتم خرجتم {جهاداً في سبيلي وابتغاء مرضاتي} فلا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء. وقوله: {تسرون إليهم بالمودة} أي بالنصيحة {وأنا أعلم بما أخفيتم} أي من المودة للكفار {وما أعلنتم} أي أظهرتم بألسنتكم منها {ومن يفعله منكم} أي الإسرار وإلقاء المودة إليهم فقال: {فقد ضل سواء السبيل} أي أخطأ طريق الهدى ثم أخبر عن عداوة الكفار فقال تعالى: {إن يثقفوكم يكونوا لكم أعداء...}.

القمي النيسابوري

تفسير : القراءات: {يفصل} ثلاثياً معلوماً: عاصم غير المفضل وسهل ويعقوب {يفصل} بالتشديد: حمزة وعلي وخلف. مثله ولكن مجهولاً: ابن ذكوان. الآخرون: ثلاثياً مجهولاً {في إبراهام} كنظائره {أن تولوهم} بتشديد التاء: البزي وابن فليح {تمسكوا} بالتشديد: أبو عمرو وسهل ويعقوب. الوقوف {من الحق} ج لأن ما بعده يحتمل الحال من ضمير {كفروا} والاستئناف {بالله ربكم} ط {أعلنتم} ط {السبيل} ه {تكفرون} ه {أولادكم} ج لاحتمال تعلق الظرف بـ {لن تنفعكم} أو يفصل {يوم القيامة} ج بناء على المذكور {بينكم} ط {بصير} ه {والذين معه} ج لأن الظرف قد يتعلق باذكر محذوفاً أو أسوة {من دون الله} ط لأن ما بعد مستأنف في النظم وإن كان متصلاً في المعنى {من شيء} ط {المصير} ه {لنا ربنا} ه للابتداء بأن مع أن التقدير فإنك {الحكيم} ه {الآخر} ط {الحميد} ه {مودة} ط {قدير} ه {رحيم} ه {إليهم} ط {المقسطين} ه {تولوهم} ج للشرط مع العطف {الظالمون} ه {فامتحنوهنّ} ط {بإيمانهنّ} ط {الكفار} ط {لهنّ} ط {ما أنفقوا} ط {أجورهنّ} ط {ما أنفقوا} ط {حكم الله} ط {بينكم} ط {حكيم} ه ز {ما أنفقوا} ط {مؤمنون} ه {لهنّ الله} ط {رحيم} ه {القبور} ه. التفسير: يروى أن مولاة أبي عمرو ابن صيفي بن هاشم يقال لها سارة، أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة وهو متجهز لفتح مكة فعرضت حاجتها، فحث بني المطلب على الإحسان إليها فأتاها حاطب بن أبي بلتعة وأعطاها عشرة دناينر وكساها برداً واستحملها كتاباً إلى أهل مكة هذه نسخته " من حاطب بن أبي بلتعة إلى أهل مكة. اعلموا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يريدكم فخذوا حذركم". فخرجت سارة ونزل جبريل عليه السلام بالخبر، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم علياً رضي الله عنه وعماراً وعمرو فرساناً أخر وقال: انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ فإن بها ظعينة معها كتاب فخذوه منها، فإن أبت فاضربوا عنقها. فأدركوها فجحدته وحلفت فهموا بالرجوع فقال علي رضي الله عنه: والله ما كذبنا ولا كذب رسول الله صلى الله عليه وسلم وسل سيفه وقال: أخرجي الكتاب أن تضعي رأسك فأخرجته من عقاص شعرها. فقال رسول الله عليه وسلم لحاطب: ما حملك عليه؟ فقال: يا رسول الله ما كفرت منذ أسلمت ولا غششتك منذ نصحتك ولا أحببتهم منذ فارقتهم ولكني كنت غريباً في قريش وكل من معك من المهاجرين لهم قرابات بمكة يحمون أهاليهم وأموالهم فخشيت على أهلي فأردت أن أتخذ عندهم يداً، وقد علمت أن الله ينزل عليهم بأسه وأن كتابي لا يغني عنهم شيئاً فصدّقه وقبل عذره فقال عمر: دعني يا رسول الله أضرب عنق هذا المنافق. فقال: وما يدريك يا عمر لعل الله قد أطلع على أهل بدر فقال لهم: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم. ففاضت عينا عمر وقال: الله ورسوله أعلم وأنزلت السورة. و {تلقون} مستأنف أو حال من ضمير {لا تتخذوا} أو صفة لأولياء، ولا حاجة إلى الضمير البارز وهو أنتم وإن جرى على غير من هو له لأن ذاك في الأسماء دون الأفعال كما لو قلت مثلاً ملقين أنتم والإلقاء عبارة عن الإيصال التام. والباء في {بالمودة} إما زائدة كما في قوله {أية : ولا تلقوا بأيديكم}تفسير : [البقرة: 195] أو للسببية ومفعول {تلقون} محذوف معناه تلقون إليهم أخبار الرسول صلى الله عليه وسلم بسبب المودة. و {أن تؤمنوا} تعليل لـ {يخرجون} أي يخرجونكم لإيمانكم. و {إن كنتم خرجتم} تأكيد متعلق بـ {لا تتخذوا} وجوابه مثله. وانتصب {جهاداً} و {ابتغاء} على العلة أي إن كنتم خرجتم من أوطانكم لأجل جهاد عدوّى ولابتغاء رضواني فلا تتولوا أعدائي. وقوله {تسرون} مستأنف والمقصود أنه لا فائدة في الإسرار فإن علام الغيوب لا يخفى عليه شيء. ثم خطأ رأيهم بوجه آخر وهو أنهم إن يظفروا بهم أخلصوا العداوة ويقصدونهم بكل سوء باللسان والسنان. قال علماء المعاني: إنما عطف قوله {وودّوا} وهو ماضٍ لفظاً على ما تقدمه وهو مضارع تنبيهاً على أن ودادهم كفرهم أسبق شيء عندهم لعلمهم أن الدين أعز على المؤمنين من الأرواح والأموال وأهم شيء عند العدوّ أن يقصد أعز شيء عند صاحبه. ثم بين خطأ رأيهم بوجه آخر وهو أن المودة إذا لم تكن في الله لم تنفع في القيامة لانفصال كل اتصال يومئذ كما قال {أية : يوم يفر المرء من أخيه} تفسير : [عبس: 34] الآية. ويجوز أن يكون الفصل بمعنى القضاء والحكم. ثم ذكر أن وجوب البغض في الله وإن كان أخاه أو أباه أسوة في إبراهيم عليه السلام والذين آمنوا معه حيث جاهروا قومهم بالعداوة وقشروا لهم العصا وصرحوا بأن سبب العدوة ليس إلا الكفر بالله، فإذا آمنوا انقلبت العداوة موالاة والمناوأة مصافاة والمقت محبة. ثم استثنى {إلا قول إبراهيم} من قوله أسوة كأنه قال حق عليكم أن تأتسوا بأقواله إلا هذا القول الذي هو الاستغفار لقوله {أية : ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين}تفسير : [التوبة: 113] أما قوله {وما أملك لك من الله من شيء} فليس بداخل في حكم الاستثناء لأنه قول حق، وإنما أورده إتماماً لقصة إبراهيم مع أبيه. وقال في الكشاف: هو مبني على الاستغفار وتابع له كأنه قال: أنا أستغفر لك وما في طاقتي إلا الاستغفار. ثم أكد أمر المؤمنين بأن يقولوا {ربنا عليك توكلنا} الآية. ويجوز أن يكون من تتمة قول إبراهيم ومن معه وفيه مزيد توجيه. ثم أكد أمر الائتساء بقوله {لقد كان} فأدخل لام الابتداء وأبدل من قوله {لكم} قوله {لمن كان يرجو} وختم الآية بنوع من الوعيد. ثم أطمع المؤمنين فيما تمنوا من عداوة أقاربهم بالمودة {والله قدير} على تقليب القلوب وتصريف الأحوال {والله غفور رحيم} لمن وادهم قبل النهي أو لمن أسلم من المشركين، فحين يسر الله فتح مكة أسلم كثير منهم ولم يبق بينهم إلا التحاب والتصافي. ولما نزلت هذه الآيات تشدّد المؤمنون في عداوة أقاربهم وعشائرهم فنزل {لا ينهاكم الله} وقوله {أن تبروهم} بدل من {الذين لم يقاتلوكم} وكذا قوله {أن تولوهم} من {الذين قاتلوكم} والمعنى لا ينهاكم عن مبرة هؤلاء وإنما ينهاكم عن تولي هؤلاء. ومعنى {تقسطوا إليهم} تعطوهم مما تملكون من طعام وغيره قسطاً. وعدّي بـ " إلى " لتضمنه معنى الإحسان وقال في الكشاف: تقضوا إليهم بالقسط أي العدل ولا تظلموهم. وقيل: أراد بهم خزاعة وكانوا صالحوا رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن لا يقاتلوه ولا يعينوا عليه. وعن مجاهد: الذين آمنوا بمكة. وقيل: هم النساء والصبيان. وعن قتادة: نسختها آية القتال. قال المفسرون: إن صلح الحديبية كان على أن من أتاكم من أهل مكة رد إليهم ومن أتى مكة منهم لم يرد إليكم وكتبوا بذلك كتاباً وختموه. فجاءت سبيعة بنت الحرث الأسلمية مسلمة والنبي صلى الله عليه وسلم بالحديبية، فأقبل زوجها مسافراً المخزومي. وقيل: صيفي بن الراهب فقال: يا محمد اردد إليّ امرأتي فإنك قد شرطت لنا أن ترد علينا من أتاك منا وهذه طية الكتاب لم تجف فأنزل الله تعالى {يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات} الآية. فكانت بياناً لأن الشرط إنما كان في الرجال دون النساء. وعن الضحاك: كان بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين المشركين عهد أن تأتيك منا امرأة ليست على دينك إلا رددتها إلينا، فإن دخلت في دينك ولها زوج أن ترد على زوجها الذي أنفق عليها. وللنبي صلى الله عليه وسلم من الشرط مثل ذلك فأتت امرأة فاستحلفها رسول الله صلى الله عليه وسلم لقوله تعالى {فامتحنوهن} فحلفت فأعطى زوجها ما أنفق وتزوّجها عمر. وفائدة قوله {الله أعلم بأيمانهنّ} أنه لا سبيل لكم إلى ما تسكن إليه النفس من اليقين الكامل لأنكم تختبرونهن بالحلف والنظر في سائر الأمارات التي لا تفيد إلا الظن، وأما الإحاطة بحقيقة إيمانهن فإن ذلك مما تفرد به علام الغيوب {فإن علمتموهن مؤمنات} العلم الذي يليق بحالكم وهو الظن الغالب {فلا ترجعون إلى} أزواجهن {الكفار} لأنه لا حلّ بين المؤمنة والمشرك وآتوا أزواجهن {مثل ما أنفقوا} مثل ما دفعوا إليهن من المهور. ثم نفى عنهم الحرج في تزوّج هؤلاء المهاجرات إذا أعطوهن مهورهن. قال العلماء: إما أن يريد بهذا الأجر ما كان يدفع إليهن ليدفعنه إلى أزواجهن فيشترط في إباحة تزوّجهن تقديم أدائه، وإما أن يراد بيان أن ذلك المدفوع لا يقوم مقام المهر وأنه لا بد من إصداق. احتج أبو حنيفة بالآية على أن أحد الزوجين إذا خرج من دار الحرب مسلماً أو بذمة وبقي الآخر حربياً وقعت الفرقة بينهما ولا يرى العدة على المهاجرة ويصح نكاحها إلا أن تكون حاملاً {ولا تمسكوا بعصم الكوافر} وهو ما يعتصم به من عقد وسبب قال ابن عباس: أراد من كانت له امرأة كافرة بمكة فلا يعدّها من نسائه لأن اختلاف الدين قطع عصمتها وحل عقدتها. وعن النخعي: هي المسلمة تلحق بدار الحرب فتكفر. وقال مجاهد: هذا أمر بطلاق الباقيات مع الكفار ومفارقتهن {واسئلوا ما أنفقتم} من مهور أزواجكم الملحقات بالكفار {وليسئلوا ما أنفقوا} من مهور نسائهم المهاجرات. أمر المؤمنين بالإيتاء ثم أمر الكافرين بالسؤال وهذه غاية العدل ونهاية الإنصاف. ثم أكد ما ذكر من الأحكام بأنها حكم الله. قال جار الله: {يحكم بينكم} كلام مستأنف أو حال من حكم الله على حذف العائد أي يحكمه الله، أو جعل الحكم حاكماً على المبالغة. يروى أن بعض المشركين أبوا أن يؤدّوا شيئاً من مهور الكوافر إلى أزواجهن المسلمين فأنزل الله تعالى {وإن فاتكم} أي سبقكم وانفلت منكم {شيء من أزواجكم} أحد منهن قال أهل المعاني: فائدة إيقاع شيء في هذا التركيب التغليظ في الحكم والتشديد فيه أي لا ينبغي أن يترك شيء من هذا الجنس وإن قل وحقر غير معوّض عنه. ويجوز أن يراد وإن فاتكم شيء من مهور أزواجكم. ومعنى {فعاقبتم} فجاءت عقبتكم من أداء المهر والعقبة النوبة شبه أداء كل طائفة من المسلمين والكافرين المهر إلى صاحبتها بأمر يتعاقبون فيه كما يتعاقب في الركوب وغيره {فآتوا الذين ذهبت أزواجهم} إلى الكفار {مثل ما أنفقوا} أي مثل مهرها من مهر المهاجرة ولا تؤتوه زوجها الكافر. وقال الزجاج: معنى {فعاقبتم} فأصبتموهم في القتال بعقوبة حتى غنمتم، فالذي ذهبت زوجته كان يعطي من الغنيمة المهر. قال بعض المفسرين: جميع من لحق بالمشركين من نساء المؤمنين المهاجرين ست نسوة: أم الحكم ينت أبي سفيان كانت تحت عياض بن شدّاد الفهرى، وفاطمة بنت أبي أمية كانت تحت عمر بن الخطاب وهي أخت أم سلمة، وبروع بنت عقبة كانت تحت شماس بن عثمان، وعبدة بنت عبد العزى بن نصلة وزوجها عمرو بن عبد ودّ، وهند بنت أبي جهل كانت تحت هشام بن العاص، وكلثوم بنت جرول كانت تحت عمر. أعطاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم مهور نسائهم من الغنيمة. وفي قوله {واتقوا الله} ندب إلى سيرة التقوى ورعاية العدل ولو مع الكفرة. ثم نبّه نبيه صلى الله عليه وسلم على شرائط المبالغة وهي المعاهدة على كل ما يقع عليه اتفاق كالإسلام والإمارة والإمامة، والمراد ههنا المعاقدة على الإسلام وإعطاء العهود به وبشرائطه وعدم قتل الأولاد ووأد البنات، وكانت المرأة تلتقط المولود فتقول لزوجها هو ولدي منك فكني عنه بالهتان المفترى بين يديها ورجليها لأن بطنها الذي تحمله فيه هو بين اليدين وفرجها الذي تلد به بين الرجلين. وقيل: البهتان في الآية الكذب والتهمة والمشي بالسعاية مختلفة من تلقاء أنفسهنّ. وقيل: قذف المحصنين. قال ابن عباس: في قوله {ولا يعصينك في معروف} إنما هو شرط شرطه الله تعالى على النساء، والمعروف كل ما ندب إليه الشرع ونهى عنه من المحسنات والمقبحات. واختلف في كيفية مبايعته إياهنّ فقيل: دعا بقدح من ماء وغمس يده فيه ثم غمسن أيديهنّ. وقيل: صافحهنّ وكان على يده ثوب. وقيل: كان عمر يصافحهنّ ما مست يد رسول الله صلى الله عليه وسلم يد امرأة يملكها إنما كان كلاماً. وعن أميمة بنت رقيقة قالت: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في نسوة من الأنصار نبايعه على الإسلام فأخذ علينا يبايعنك على أن لا يشركن بالله شيئاً ولا يسرقن ولا يزنين ولا يقتلن أولادهنّ ولا يأتين ببهتان يفترينه بين أيديهنّ وأرجلهنّ ولا يعصينك في معروف. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فيما استطعن وأطقتن. قلنا؛ الله وسوله أرحم بنا منا بأنفسنا هلمّ نصافحك يا رسول الله. قال: إني لا أصافح النساء إنما قولي لمائة امرأة كقولي لامرأة واحدة. يروى أن بعض فقراء المسلمين كانوا يواصلون اليهود طمعاً في ثمارهم فنزلت {لا تتلوا قوماً} الآية. وسبب يأسهم من الآخرة تكذيبهم بصحة نبوّة الرسول ثم عنادهم كما يئس الكفار من موتاهم أن يرجعوا أحياء. وقيل: من أصحاب القبور بيان للكفار لأنهم أيسوا من خير الآخرة ومعرفة المعبود الحق فكأنهم أولى.

الثعالبي

تفسير : قوله عز وجل: {يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ عَدُوِّى وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ...} الآية: المراد بالعدو ههنا: كُفَّارُ قريش، وسبب نزول هذه الآية حَاطِبُ بْنُ أبي بَلْتَعَةَ؛ وذلك حديث : أَنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم أرادَ الخروجَ إلى مَكَّةَ عامَ الحديبية. * ت *: بل عام فتح مَكَّةَ، فكتب حاطبٌ إلى قوم من كُفَّارِ مَكَّةَ يخبرهم بقصد رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ولم يكن ذلك منه ارتداداً، فنزل الوحي مخبراً بما صنع حاطبٌ، فبعث النبي صلى الله عليه وسلم عَلِيًّا والزبيرَ وثالثاً ـــ قيل هو المقداد ـــ وقال: انطلقوا حَتَّى تأتُوا روضة خاخ، فإنَّ بها ظغينةً معها كتابٌ من حاطبٍ إلى المشركين، فخذوه منها، وخَلُّوا سبيلها، فانطلقوا حَتَّى وجدوا المرأة، فقالوا لها: أَخْرِجِي الكتابَ، فقالت: ما معي كتاب! ففتشوا رحلها فما وجدوا شيئاً فقال عليٌّ: ما كَذَبَ رسولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم، ولا كُذِّب، واللَّهِ، لَتُخْرِجِنَّ الكِتَابَ أَوْ لَتُلْقِينَّ الثِّيَابَ، فقالَتْ: أَعْرِضُوا عَنِّي، فَحَلَّتْهُ مِنْ قُرُونِ رَأْسِهَا، فجاؤوا بِهِ النبيَّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ لِحَاطِبٍ: مَنْ كَتَبَ هَذَا؟ فَقَالَ: أنا يا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ: مَا حَمَلَكَ عَلَىٰ مَا صَنَعْتَ؟ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لاَ تَعْجَلْ عَليّ فَواللَّهِ، مَا كَفَرْتُ مُنْذُ أَسْلَمْتُ، وَمَا فَعَلْتُ ذَلِكَ. ٱرْتِدَاداً عَن دِينِي وَلاَ رَغْبَةً عَنْهُ؛ وَلَكِنْ لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ مِنَ المُهَاجِرِينَ إلاَّ وَلَهُ بِمَكَّةَ مَنْ يَمْنَعُ عَشِيرَتَهُ، وَكُنْتُ ٱمْرَأً مُلْصَقاً فِيهِمْ، وَأَهْلِي بَيْنَ ظَهْرَانِيهِمْ، فَخَشِيتُ عَلَيْهِمْ فَأَرَدْتُ أَنْ أَتَّخِذَ عَنْدَهُمْ يَداً، فَصَدَّقَهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم وقال: لاَ تَقُولُوا لِحَاطِبٍ إلاَّ خَيْراًتفسير : وروي أَنَّ حاطباً كَتَبَ: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يُرِيدُ غَزْوَكُمْ في مِثْلِ اللَّيْلِ وَالسَّيْلِ، وَأُقْسِمُ بِاللَّهِ، لَوْ غَزَاكُمْ وَحْدَهُ، لَنُصِرَ عَلَيْكُمْ، فَكَيْفَ وَهُوَ في جَمْعٍ كَثِيرٍ؟! * ص *: و{تُلْقُونَ} مفعوله محذوف، أي: تلقون إليهم أخبارَ الرسول وأسراره، و{بِٱلْمَوَدَّةِ}: الباء للسبب، انتهى. وقوله تعالى: {أَن تُؤْمِنُواْ}: مفعول من أجله، أي: أخرجوكم من أجل أنْ آمنتم بربكم. وقوله تعالى: {إِن كُنتُمْ}: شرط، جوابُهُ متقدم في معنى ما قبله، وجاز ذلك لما لم يظهر عمل الشرط، والتقدير: إنْ كنتم خرجتم جهاداً في سبيلي وابتغاءَ مرضاتي، فلا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياءَ، و{جِهَاداً} منصوب على المصدر، وكذلك {ٱبْتِغَاءَ} ويجوزُ أنْ يكونَ ذلك مفعولاً من أجله، والمرضاة: مصدر كالرضى و{تُسِرُّونَ} حال من {تُلْقُونَ}، ويجوز أنْ يكون في موضع خبر ابتداء، كأَنَّهُ قال: أنتم تُسِرُّونَ، ويَصِحُّ أنْ يكون فعلاً ابتدىء به القول. وقوله تعالى: {أَعْلَمُ} يحتمل أنْ يكون أفعل، ويحتمل أنْ يكون فعلاً؛ لأَنَّكَ تقول: علمت بكذا فتدخل الباء. * ص *: والظاهر أَنَّه أفعل تفضيل؛ ولذلك عُدِّيَ بالباء، انتهى، و{سَوَآءَ} يجوز أنْ يكون مفعولاً بـ{ضَلَّ} على تعدي «ضل»، ويجوز أنْ يكون ظرفاً على غير التعدي؛ لأَنَّهُ يجيء بالوجهين، والأوَّلُ أحسن في المعنى، والسواء: الوسط، و{ٱلسَّبِيلِ}: هنا شرع اللَّه وطريقُ دينه.

ابن عادل

تفسير : قوله تعالى: {يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَآءَ} الآية. وجه تعلق أول هذه السورة بآخر ما قبلها، هو أن آخر تلك السورة تشتمل على الصفات الجميلة [اللائقة بحضرة الله - تعالى - من الوحدانية وغيرها]، وأول هذه السورة يشتمل على حرمة الاختلاط مع من لم يعترف بتلك الصفات. قوله: {عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَآءَ}. هذان مفعولا الاتخاذ. و"العَدو" لما كان بزنةِ المصادر وقع على الواحد فما فوق. وأضاف العدو لنفسه تغليظاً في جرمهم. روى مسلم عن علي - رضي الله عنه - قال: حديث : بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا والزبير والمقداد، فقال: "ائْتُوا روضة "خَاخٍ" فإنَّ بِهَا ظعينةً معها كتابٌ فخذُوهُ مِنْهَا" فانطلقنا تُعادي بنا خيلنَا، فإذا نحن بالمرأة، وهي امرأة عبد الرحمن ابن عوف ولدت إبراهيم بن عبد الرحمن، فقلنا: أخرجي الكتاب، فقالت: ما معي كتاب، فقلنا: لتُخرجنَّ الكتاب أو لنلقينَّ الثياب فأخرجته من عقاصها، فأتينا به رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا فيه: من حاطب بن أبي بلتعة إلى ناس من المشركين من أهل "مكة" يخبرهم ببعض أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا حاطب ما هذا؟ فقال: لا تَعْجَلْ عليَّ يا رسول الله، إني كنت أمرأً ملصقاً في قريش - قال سفيان: يقول: كنت حليفاً - ولم أكن من أنفسها، وكان ممن معك من المهاجرين من له قرابات يحمون أهليهم وأموالهم، فأحببت إذ فاتني ذلك من النَّسَب أن أتخذ عندهم يداً يحمون قرابتي، ولم أفعله كفراً ولا ارتداداً عن ديني، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أمَا إنَّهُ قَدْ صَدقَكُمْ"، فقال عمر: يا رسول الله، دعني أضرب عنق هذا المنافق، فقال: إنَّهُ شهد بَدْراً، ومَا يُدْريك لعلَّ اللَّه اطلع على مَنْ شَهِدَ بَدْراً، فقال: اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ فقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْتفسير : فأنزل الله تعالى: {يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَآءَ} إلى قوله: {سَوَآءَ ٱلسَّبِيلِ}. قيل: اسم المرأة سارة من موالي قريش، وكان في الكتاب: "أما بعد، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد توجه إليكم بجيش كالليل يسير كالسيل، وأقسم بالله لو لم يسر إليكم إلا وحده لأظفره الله بكم، وأنجز له وعده فيكم، فإن الله وليه وناصره". وقيل: حديث : إن سارة مولاة أبي عمرو بن صيفي بن هاشم بن عبد مناف أتت [المدينة من مكة ورسول الله] يتجهز لفتح مكة. قيل: كان هذا زمن الحديبية، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم أمهاجرةً جئت يا سارة؟ قالت: لا، قال: أمسلمة جئت؟ قالت: لا، قال: فما جاء بك؟ قالت: كنتم الأهل والموالي والأصل والعشيرة، وقد ذهبت الموالي - تعني قُتِلُوا يوم بدر - وقد احتجت حاجة شديدة فقدمت عليكم لتعطوني وتكسوني، فقال عليه الصلاة والسلام: فأيْنَ أنت عَن شَبابِ أهْلِ مكَّة؟ - وكانت مغنيةً نائحةً قالت: ما طلب مني شيء بعد وقعة بدرٍ، فحث رسول الله صلى الله عليه وسلم بني عبد المطلب وبني المطلب على إعطائها، فكسوها وحملوها وأعطوها، فخرجت إلى مكة، وأتاها حاطب بن أبي بلتعة حليف بني أسد بن عبد العزى، وقال: أعطيك عشرة دنانير، وبُرداً على أن تبلغي هذا الكتاب إلى أهل "مكَّة"، وكتب في الكتاب: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يريدكم، فخذوا حذركم، فخرجت سارة، ونزل جبريل عليه السلام فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك، فبعث عليّاً والزبير والمقداد وأبا مرثد الغنوي، وفي رواية: عليّاً وعمار بن ياسر، وفي رواية: عليّاً وعماراً وعمراً والزبير وطلحة والمقداد وأبا مرثد، وكانوا كلهم فرساناً، وقال لهم: انطلقوا حتى تأتوا روضة "خاخ"، فإن بها ظعينة، ومعها كتاب من حاطب إلى المشركين، فخذوه منها وخلُّوا سبيلها، فإن لم تدفعه إليكم فاضربوا عنقها، فأدركوها في ذلك المكان، فقالوا: أين الكتاب؟ فحلفت باللَّه ما معها كتاب، ففتشوا أمتعتها فلم يجدوا معها كتاباً فهموا بالرجوع، فقال علي: والله ما كذبنا ولا كذَّبنا وسلَّ سيفه، وقال أخرجي الكتاب وإلا والله لأجرّدنّكِ ولأضربن عنقك، فلما رأت الجد أخرجته من ذؤابتها قد خبأته في شعرها - وفي رواية في حُجزتِهَا - فخلُّوا سبيلها، ورجعوا بالكتاب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأرسل إلى حاطب، فقال: هل تعرف هذا الكتاب؟ قال: نعم، وذكر الحديث تفسير : فصل في النهي عن موالاة الكفار هذه السورة أصل في النهي عن موالاة الكُفَّار، وقد تقدم نظيره، كقوله: {أية : لاَّ يَتَّخِذِ ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلْكَافِرِينَ أَوْلِيَآءَ}تفسير : [آل عمران: 28]. وقوله: {أية : يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ}تفسير : [آل عمران: 118] {أية : يَـۤأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ ٱلْيَهُودَ وَٱلنَّصَارَىٰ أَوْلِيَآءَ}تفسير : [المائدة: 51]. روي أن حاطباً لما سمع {يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} غشي من الفرح بخطاب الإيمان. قوله: "تُلقُون". فيه أربعة أوجه: أحدها: أنه تفسير لموالاتهم إياها. الثاني: أنه استئناف إخبار بذلك، فلا يكون للجملة على هذين الوجهين محلّ من الإعراب. الثالث: أنها حال من فاعل "تتَّخذُوا" أي: لا تتخذوا ملقين المودّة. الرابع: أنها صفة لأولياء. قال الزمخشري: "فإن قلت: إذا جعلته صفة وقد جرى على غير من هو له، فأين الضمير البارز، وهو قولك: تلقون إليهم أنتم بالمودّة؟. قلت: ذاك إنما اشترطوه في الأسماء دون الأفعال ولو قيل: أولياء ملقين إليهم بالمودة على الوصف لما كان بُدّ من الضمير البارز". وقد تقدمت هذه المسألة مستوفاة، وفيها كلام مكي وغيره. إلا أن أبا حيّان اعترض على كونها صفة أو حالاً، بأنهم نهوا عن اتخاذهم أولياء مطلقاً في قوله: {أية : لاَ تَتَّخِذُواْ ٱلْيَهُودَ وَٱلنَّصَارَىٰ أَوْلِيَآءَ} تفسير : [المائدة: 51]، والتقييد بالحال والوصف يوهم جواز اتخاذهم أولياء إذا انتفى الحال أو الوصف. قال شهاب الدين: "ولا يلزم ما قال، لأنه معلوم من القواعد الشرعية، فلا مفهوم لها ألبتة". وقال الفرَّاء: "تلقون" من صلة "أولياء". وهذا على أصولهم من أن النكرة توصل لغيرها من الموصولات. قوله: "بِالمَودَّةِ". في الباء ثلاثة أوجه: أحدها: أن الباء مزيدة في المفعول به، كقوله: {أية : وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ}تفسير : [البقرة: 195]، وقوله: {أية : وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ}تفسير : [الحج: 25]. والثاني: أنها غير مزيدة، والمفعول محذوف، ويكون معنى الباء: السببية، كأنه قيل: تلقون إليهم أسرار رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخباره بسبب المودة التي بينكم وبينهم. قاله الزجاج. الثالث: أنها متعلقةٌ بالمصدر الدال عليه "تلقون" أي: إلقاؤهم بالمودة. نقله الحوفي عن البصريين [وجعل القول بزيادة الباء قول الكوفيين. إلا أنَّ هذا الذي نقله عن البصريين] لا يوافق أصولهم، إذ يلزم منه حذف المصدر وإبقاء معموله، وهو لا يجوز عندهم، وأيضاً فإن فيه حذف الجملة برأسها، فإن "إلقاءهم" مبتدأ، و"بالمَودَّةِ" متعلق به، والخبر أيضاً محذوف، وهذا إجحاف. فصل في الكلام على الآية قال ابن الخطيب: في الآية مباحث. الأول: اتخاذ العدو أولياء، كيف يمكن، والعداوة منافية للمحبة؟. والجواب: لا يبعد أن تكون العداوة بالنسبة إلى أمر آخر، ألا ترى إلى قوله تعالى: {أية : أَنَّمَآ أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ}تفسير : [الأنفال: 28]. وقال عليه الصلاة والسلام: "حديث : أوْلادُنَا أكْبَادُنَا " تفسير : الثاني: لم قال: {عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ} ولم يقل بالعكس؟. والجواب: أنَّ العداوة بين المؤمن والكافر بسبب محبّة الله ومحبَّة رسوله - عليه الصلاة والسلام - فتكون محبة العبد من أصل الإيمان بحضرة الله تعالى لعلةٍ، ومحبة حضرة الله - تعالى - للعبد لا لعلة، والذي لا لعلة مقدم على الذي لعلة؛ ولأن الشيء إذا كانت له نسبة إلى الطرفين، فالطرف الأعلى مقدم على الأدنى. الثالث: قال: "أولياء"، ولم يقل: ولي العدو أو العدو معرفاً؟. فالجواب: أن المعرف بحرف التعريف يتناول كل فرد، فكذلك المعرف بالإضافة. فصل قال القرطبي: قوله: {تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِٱلْمَوَدَّةِ} يعني بالظَّاهر، لأن قلب حاطب كان سليماً بدليل أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لهم: "حديث : أمَّا صَاحبُكمْ فقدْ صَدَقَ"تفسير : وهذا نصٌّ في سلامة فؤاده، وخلوص اعتقاده. فصل فيمن تطلع على عورات المسلمين قال القرطبي: من كثر تطلّعه على عورات المسلمين، وينبه عليهم، ويعرف عدوهم بأخبارهم لم يكن بذلك كافراً إذا كان فعله ذلك لغرض دنيوي، واعتقاده على ذلك سليم، كما فعل حاطب حين قصد بذلك اتخاذ اليد، ولم ينو الردة عن الدين. وإذا قيل: بأنه لا يكون كافراً بذلك فهل يقتل حدًّا أم لا؟ فقال مالك وابن القاسم وأشهب: يجتهد الحاكم الإمام في ذلك. وقال عبد الملك: إذا كانت عادته تلك قُتِلَ لأنه جاسوس، وقد قال مالك: يقتل الجاسوس لإضراره بالمسلمين، وسعيه بالفساد في الأرض، ولعل ابن الماجشون إنما أخذ التكرار في هذا؛ لأن حاطباً أخذ في أول فعله، فإن كان الجاسوس كافراً، فقال الأوزاعي: يكون نقضاً لعهده، وقال: الجاسوس الحربي يقتل، والجاسوس المسلم والذمي يعاقبان إلا أن يظاهرا على الإسلام فيقتلان. وقد روي عن عليٍّ بن أبي طالبٍ - رضي الله عنه - حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم أتي بعين للمشركين اسمه: فُرات بن حيَّان، فأمر به أن يقتل، فصاح: يا معشر الأنصار، أقتل وأنا أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله؟ فأمر به النبي صلى الله عليه وسلم فخلي سبيله، ثم قال: "إنَّ مِنكُمْ من أكِلُهُ إلى إيمانِهِ، مِنْهُمْ فُراتُ بنُ حيَّانَ " تفسير : قوله: "وقَدْ كَفرُوا". فيه أوجه: أحدها: الاستئناف. الثاني: حال من فاعل "تتخذوا". الثالث: حال من فاعل "تلقون"، أي: لا تتولَّوهم أو لا توادوهم وهذه حالهم. وقرأ العامة: "بما" - بالباء -، والجحدري وعاصم في رواية: "لما" - باللام - أي: لأجل ما جاءكم من الحق، فعلى هذا الشيء المكفور به غير مذكور، وتقديره: كفروا بالله ورسوله. قوله:{يُخْرِجُونَ ٱلرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ}. يجوز أن يكون مستأنفاً، وأن يكون تفسيراً لكفرهم، فلا محلَّ لها على هذين، وأن يكون حالاً من فاعل "كَفَرُوا". قوله: "وإيَّاكُمْ". عطف على "الرَّسُول" وقدّم عليهم تشريفاً له. وقد استدل به من يجوز انفصال الضمير مع القدرة على اتصاله، إذ كان يجوز أن يقال: يخرجونكم والرسول، فيجوز: يخرجون إياكم والرسول في غير القرآن. وهو ضعيف، لأن حالة تقديم الرسول دلالة على شرفه، لا نسلم أنه يقدر على اتصاله. وقد تقدم الكلام على هذه الآية عند قوله تعالى: {أية : وَلَقَدْ وَصَّيْنَا ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ}تفسير : في سورة النساء [131]. قوله: {أَن تُؤْمِنُواْ} مفعول له، وناصبة "يخرجون" أي: يخرجونكم لإيمانكم أو كراهة إيمانكم. فصل قال القرطبي: {أن تؤمنوا بالله} تعليل لـ"يخرجون" والمعنى: يخرجون الرسول، ويخرجونكم من "مكة" لأن تؤمنوا بالله، أي: لأجل إيمانكم بالله. قال ابن عباس: وكان حاطب ممن أخرج مع النبي صلى الله عليه وسلم. وقيل: إن الكلام فيه تقديم وتأخير، والتقدير: لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء إن كنتم خرجتم مجاهدين في سبيلي. وقيل: في الكلام حذف، والمعنى: إن كنتم خرجتم جهاداً في سبيلي، وابتغاء مرضاتي [فلا تلقوا إليهم بالمودة. وقيل: {إِن كُنتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَاداً فِي سَبِيلِي وَٱبْتِغَآءَ مَرْضَاتِي}] شرط وجوابه مقدم، والمعنى: إن كنتم خرجتم جهاداً في سبيلي فلا تتَّخذوا عدوي وعدوكم أولياء. قال أبو حيان: {إِن كُنتُم خَرَجْتُمْ} جوابه محذوف عند الجمهور لتقدم "لا تتخذوا" وتقدم، وهو "لا تتخذوا" عند الكوفيين ومن تابعهم. قال الزمخشري: و{إن كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ} متعلق بـ"لا تتخذوا" يعني: لا تتولوا أعدائي إن كنتم أوليائي، وقول النحويين في مثله: هو جواب شرط، جوابه محذوف لدلالة ما قبله عليه انتهى. يريد: أنه متعلق به من حيث المعنى، وأما من حيث الإعراب، فكما قال جمهور النحويين. قوله: {جِهَاداً فِي سَبِيلِي} {وَٱبْتِغَآءَ مَرْضَاتِي} يجوز أن ينتصبا على المفعول له، أي: خرجتم لأجل هذين، أو على المصدر بفعل مقدر أي: تجاهدون وتبتغون، أو على أنهما في موضع الحال. قوله: "تُسِرُّونَ". يجوز أن يكون مستأنفاً، ولم يذكر الزمخشري غيره. ويجوز أن يكون حالاً ثانية مما انتصب عنه "تلقون" حالاً. ويجوز أن يكون بدلاً من "تلقون". قاله ابن عطية. والأشبه أن يكون بدل اشتمال، لأن إلقاء المودة يكون سرًّا وجهراً، فأبدل منه هذا للبيان بأيّ نوع وقع الإلقاء. قال القرطبي: "تُسِرُّونَ" بدل من "تُلْقُونَ" ومبين عنه، والأفعال تبدل من الأفعال كما قال تعالى: {أية : وَمَن يَفْعَلْ ذٰلِكَ يَلْقَ أَثَاماً يُضَاعَفْ لَهُ ٱلْعَذَابُ}تفسير : [الفرقان: 68، 69]. وأنشد سيبويه: [الطويل] شعر : 4759 - مَتَى تَأتِنَا تُلْمِمْ بِنَا فِي دِيَارِنَا تَجِدْ حَطَباً جَزْلاً ونَاراً تَضرَّمَا تفسير : ويجوز أن يكون خبر مبتدأ مضمر، أي: أنتم تسرون. قاله ابن عطية. ولا يخرج عن معنى الاستئناف. وقال أبو البقاء: "هو توكيد لـ"تلقون" بتكرير معناه". قال شهاب الدين: "وفيه نظر، لأن الإلقاء أعم من أن يكون سرًّا وجهراً". وتقدم الكلام على الباء في قوله: "بالمودَّة". قوله: {وَأَنَاْ أَعْلَمُ}. هذه الجملة حال من فاعل "تُسِرُّونَ"، أي: وأيُّ طائلٍ لكم في إسراركم، وقد علمتم أن الإسرار والإعلان سيان في علمي. و "أعْلَمُ"، يجوز أن يكون أفعل تفضيل، وهو الظاهر، أي: أنا أعلم من كل أحد بما يخفون، وما يعلنون. وأن يكون فعلاً مضارعاً. قاله ابن عطية، وعُدِّي بالباء، لأنك تقول: علمت بكذا، وعلمت كذا فتكون زائدة. وقيل: وأنا أعلم من كل أحد كما يقال: فلان أعلم وأفضل من غيره. [فإن قيل: لم قدم العلم بالإخفاء على العلم بالإعلان مع أن ذلك مستلزم لهذا من غير عكس؟. فالجواب هذا بالنسبة إلى علمنا، لا بالنسبة إلى علمه - تعالى - إذ هما سيّان في علمه تعالى؛ لأن المقصود بيان ما هو الإخفاء، وهو الكفر، فيكون مقدماً. فإن قيل: لم لم يقل: بما أسررتم، ثم وما أعلنتم، مع أنه أليق بما سبق في قوله: "تُسِرُّونَ؟" فالجواب: أن فيه من المبالغة ما ليس في ذلك، فإنَّ الإخفاء أبلغ من الإسرار بدليل قوله: {أية : يَعْلَمُ ٱلسِّرَّ وَأَخْفَى}تفسير : [طه: 7]، أي: أخفى من السِّر]. فصل في معاتبة حاطب قال القرطبي: وهذا كله معاتبة لحاطب، وهو يدل على فضله وكرامته، ونصيحته للرسول صلى الله عليه وسلم وصدق إيمانه؛ فإن المعاتبة لا تكون إلا من محبٍّ لحبيب؛ كما قال: [الوافر] شعر : 4760 - إذَا ذَهَبَ العِتَابُ فليْسَ وُدٌّ ويَبْقَى الودُّ مَا بَقِيَ العِتَابُ تفسير : فصل في المراد بالمودة والمراد بالمودّة في الآية النصيحة. قال ابن عباس رضي الله عنهما: وأنا أعلم بما أخفيتم في صدوركم، وما أظهرتم بألسنتكم من الإقرار والتوحيد. {وَمَن يَفْعَلْهُ مِنكُمْ} أي: من يسر إليهم ويكاتبهم {فَقَدْ ضَلَّ سَوَآءَ ٱلسَّبِيلِ} أي: أخطأ طريق الهدى. قوله: "ومَن يفعلهُ". في الضمير وجهان: أظهرهما: أنه يعود على الإسرار؛ لأنه أقرب مذكور. والثاني: يعود على الاتِّخاذ. قاله ابن عطية. قوله: {سَوَآءَ ٱلسَّبِيلِ}. يجوز أن يكون منصوباً على الظرف، إن قلنا: ضلَّ قاصر. وأن يكون مفعولاً به، إن قلنا: هو متعد. [فإن قيل: ما الفائدة في قوله "مِنكُمْ"، ومن المعلوم أن من فعل هذا، فقد ضل سواء السبيل؟ فالجواب: إن كان المراد من قوله: "مِنْكُمْ" هم المؤمنون فظاهر، لأن من يفعل ذلك لا يلزم أن يكون مؤمناً].

البقاعي

تفسير : ولما كان التأديب عقب الإنعام جديراً بالقبول، وكان قد أجرى سبحانه سنته الإلهية بذلك، فأدب عباده المؤمنين عقب سورة الفتح السببي بسورة الحجرات، وكانت سورة الحشر مذكرة بالنعمة في فتح بني النضير ومعلمة بأنه لا ولي إلا الله، ولذلك ختمها بصفتي العزة والحكمة بعد أن افتتحها بهما، وثبت أن من حكمة حشر الخلق، وأن أولياء الله هم المفلحون، وأن أعداءه هم الخاسرون، وكان الحب في الله والبغض في الله أفضل الأعمال وأوثق عرى الإيمان، ولذلك ذم سبحانه من والى أعداءه وناصرهم، وسماهم مع التكلم بكلمة الإسلام منافقين، أنتج ذلك قطعاً وجوب البراءة من أعدائه والإقبال على خدمته وولائه، فقال معيداً للتأديب عقب سورة الفتح على أهل الكتاب بسورة جامعة تتعلق بالفتح الأعظم والفتح السببي: {يا أيها الذين آمنوا} منادياً بأداة العبد وإن كان من نزلت بسببه من أهل القرب، ومعبراً بالماضي إقامة لمن والى الكفار نوع موالاة في ذلك المحل إلهاباً له وتهييجاً إلى الترفع عنه لئلا يقدح في خصوصيته ويحط من عليّ رتبته مع اللطف به بالتسمية له بالإيمان حيث شهد سبحانه على من فعل نحو فعله مع بني النضير بالنفاق وأحله محل أهل الشقاق، فحكم على القلوب في الموضعين فقال هناك: {الذين نافقوا} كما قال هنا: {الذين آمنوا}. ولما كان قد تقدم في المجادلة النهي الشديد عن إظهار مطلق الموادة للكفار، وفي الحشر الزجر العظيم عن إبطان ذلك فتكفلت السورتان بالمنع من مصاحبة ودهم ظاهراً أو باطناً، بكت هنا من اتصف بالإيمان وقرعه ووبخه على السعي في موادتهم والتكلف لتحصيلها، فإن ذلك قادح في اعتقاد تفرده سبحانه بالعزة والحكمة، فعبر لذلك بصيغة الافتعال فقال بعد التبكيت بالنداء بأداة البعد والتعبير بأدنى أسنان الإيمان: {لا تتخذوا} وزاد في ذلك المعنى من وجهين: التعبير بما منه العداوة تجرئة عليهم وتنفيراً منهم والتوحيد لما يطلق على الجمع لئلا يظن أن المنهي عنه المجموع بقيد الاجتماع والإشارة إلى أنهم في العداوة على قلب واحد، فأهل الحق أولى بأن يكونوا كذلك في الولاية فقال: {عدوي} أي وأنتم تدعون موالاتي ومن المشهور أن مصادق العدو أدنى مصادقة لا يكون ولياً فكيف بما هو فوق الأدنى وهو فعول من عدى، وأبلغ في الإيقاظ بقوله: {وعدوكم} أي العريق في عداوتكم ما دمتم على مخالفته في الدين. ولما وحد لأجل ما تقدم من الإشارة إلى اتحاد الكلمة، بين أن المراد الجمع فقال: {أولياء} ثم استأنف بيان هذا الاتحاد بقوله مشيراً إلى غاية الإسراع والمبادرة إلى ذلك بالتعبير بقوله: {تلقون} أي جميع ما هو في حوزتكم مما لا تطمعون فيه إلقاء الشيء الثقيل من علو {إليهم} على بعدهم منكم حساً ومعنى {بالمودة} أي بسببها. ولما توقع السامع التصريح بمضادتهم في الوصف الذي ناداهم به بعد التلويح إليه، ملهياً ومهيجاً إلى عداوتهم بالتذكير بمخالفهم إياه في الاعتقاد المستلزم لاستصغارهم لأنه أشد المخالفة {وقد} أي هو الحال أنهم قد {كفروا} أي غطوا جميع ما لكم من الأدلة {بما} أي بسبب ما {جاءكم من الحق} أي الأمر الثابت الكامل في الثبات الذي لا شيء أعظم ثباتاً منه، ثم استأنف بين كفرهم بما يبعد من مطلق موادتهم فضلاً عن السعي فيها بقوله مذكراً لهم بالحال الماضية زيادة في التنفير منهم ومصوراً لها بما يدل على الإصرار بأنهم {يخرجون الرسول} أي الكامل في الرسلية الذي يجب على كل أحد عداوة من عاداه أدنى عداوة ولو كان أقرب الناس فكيف إذا كان عدواً، وبين أن المخاطب من أول السورة من المهاجرين وأن إيراده على وجه الجمع للسير والتعميم في النهي بقوله: {وإياكم} أي من دياركم من مكة المشرفة. ولما بين كفرهم، معبراً بالمضارع إشارة إلى دوام أذاهم لمن آمن المقتضي لخروجه عن وطنه، علل الإخراج بما يحقق معنى الكفر والجداوة فقال: {أن} أي أخرجوكم من أوطانكم لأجل أن {تؤمنوا} أي توقعوا حقيقة الإيمان مع التجديد والاستمرار. ولما كان الإيمان به سبحانه مستحقاً من وجهي الذات والوصف لفت الخطاب من التكلم إلى الغيبة للتنبيه عليهما فقال: {بالله} أي الذي اختص بجميع صفات الكمال، ولما عبر بما أبان أنه مستحق للإيمان لذاته أردفه بما يقتضي وجوب ذلك لإحسانه فقال: {ربكم} ولما ألهبهم على مباينتهم لهم بما فعلوا معهم وانقضى ما أريد من التنبيه بسياق الغيبة عاد إلى التكلم لأنه أشد تحبباً وأعظم استعطافاً وأكمل على الرضا فألهبهم بما كان من جانبهم من ذلك الفعل أن لا يضيعوه، فقال معلماً إن ولايته سبحانه لا تصح إلا بالإيمان، ولا يثبت الإيمان إلا بدلائله من الأعمال، ولا تصح الأعمال إلا بالإخلاص، ولا يكون الإخلاص إلا بمباينه الأعداء: {إن كنتم} أي كوناً راسخاً حين أخرجوكم من أوطانكم لأجل إيمانكم بي {خرجتم} أي منها وهي أحب البلاد إليكم {جهاداً} أي لأجل الجهاد {في سبيلي} أي بسبب إرادتكم تسهيل طريقي التي شرعتها لعبادي أن يسلكوها {وابتغاء مرضاتي} أي ولأجل تطلبكم بأعظم الرغبة لرضاي ولكل فعل يكون موضعاً له، وجواب هذا الشرط محذوف لدلالة {لا تتخذوا} عليه. ولما فرغ من بيان حال العدو وشرط إخلاص الولي، وكان التقدير: فلا تتخذوهم أولياء، بنى عليه قوله مبيناً {تلقون} إعلاماً بأن الإسرار إلى أحد بما فيه نفعه لا يكون إلا تودداً: {تسرون} أي توجدون إسرار جميع ما يدل على مناصحتهم والتودد إليهم، وأشار إلى بعدهم عنهم بقوله: {إليهم} إبلاغاً في التوبيخ بالإشارة إلى أنهم يتجشمون في ذلك مستفتين إبلاغ الأخبار التي يريد النبي صلى الله عليه وسلم وهو المؤيد بالوحي كتمها عنهم على وجه الإسرار خوف الافتضاح والإبلاغ إلى المكان البعيد {بالمودة} أي بسببها أو بسبب الإعلام بأخبار يراد بها أو يلزم منها المودة. ولما كان المراد بالإسرار الستر على من يكره ذلك، قال مبكتاً لمن يفعله: {وأنا} أي والحال أني {أعلم} أي من كل أحد من نفس الفاعل {بما أخفيتم} أي من ذلك {وما أعلنتم} فأيّ فائدة لإسراركم إن كنتم تعلمون أني عالم به، وإن كنتم تتوهمون أني لا أعلمه فهي القاصمة. ولما كان التقدير بما هدى إليه العاطف: فمن فعل منكم فقد ظن أني لا أعلم الغيب أو فعل ما يقتضي ظن ذلك، عطف عليه قوله: {ومن يفعله} أي يوجد الاتخاذ سراً أو علناً أو يوجد الإسرار بالمودة فالإعلان أولى في وقت من الأوقات ماض أو حال أو استقبال. ولما كان المحب قد يفعل بسبب الإدلال ما يستحق به التبكيت، فإذا بكت ظن أن ذلك ليس على حقيقته لأن محبته لا يضرها شيء، وكان قد ستر المعايب بأن أخرج الكلام مخرج العموم، صرح بأن هذا العتاب مراد به الإحباب فقال: {منكم} وحقق الأمر وقربه بقوله: {فقد ضل} أي عمي ومال وأخطأ {سواء السبيل *} أي قويم الطريق الواسع الموسع إلى القصد قويمه وعدله، وسبب نزول هذه الآية روي من وجوه كثيرة فبعضه في الصحيح عن علي ومنه في الطبراني عن أنس ومنه في التفاسير "حديث : أن سارة مولاة أبي عمرو بن صيفي بن هاشم بن عبد مناف أتت المدينة ورسول الله صلى الله عليه وسلم يتجهز لفتح مكة فسألها ما أقدمها، فقالت: ذهب موالي وقد احتجت حاجة شديدة، وكنتم الأهل والعشيرة والموالي، فحث رسول الله صلى الله عليه وسلم بني عبد المطلب وبني المطلب فأعطوها وكسوها وحملوها، فكتب معها حاطب بن أبي بلتعة حليف بني أسد بن عبد العزى من حاطب بن أبي بلتعة إلى أهل مكة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يريدكم فخذوا حذركم، فأعطاها عشرة دنانير، فنزل جبريل عليه السلام بالخبر فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عمر وعلياً وعماراً والزبير وطلحة والمقداد وأبا مرثد وكانوا كلهم فرساناً فقال: انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ فإن بها ظعينة معها كتاب من حاط إلى المشركين، فخذوه منها وخلوا سبيلها، وإن لم تدفعه إليكم فاضربوا عنقها. فانطلقوا تعادي بهم خيلهم، فأدركوها في ذلك المكان فأنكرت وحلفت بالله، ففتشوها فلم يجدوه فهموا بالرجوع، فقال علي رضي الله عنه: ما كذبنا ولا كذبنا، وسل سيفه فقال: أخرجي الكتاب أو لألقين الثياب ولأضربن عنقك، فقالت: على أن لا تردوني، ثم أخرجته من عقاصها قد لفت عليه شعرها، فخلوا سبيلها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لحاطب: هل تعرف الكتاب قال: نعم، قال: فما حملك على هذا؟ قال: لا تعجل يا رسول الله، والله ما كفرت منذ أسلمت ولا غششت منذ نصحتك ولا أحببتهم منذ فارقتهم، ولكن لم يكن أحد من المهاجرين إلا وله بمكة من يدفع الله به عن عشيرته، وكنت غريباً خليفاً فيهم، وكان أهلي بين ظهرانيهم فأردت أن أتخذ عندهم يداً يدفع الله بها عن أهلي، وقد علمت أن الله تعالى ينزل بهم بأسه، وأن كتابي لا يغني عنهم شيئاً، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: صدق ولا تقولوا له إلا خيراً، فقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: دعني يا رسول الله أضرب عنق هذا المنافق، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: وما يدريك يا عمر لعل الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم، ففاضت عينا عمر رضي الله عنه وقال: الله ورسوله أعلم، فأنزل الله {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم}" تفسير : الآيات. ولاق الإمام أبو جعفر بن الزبير: افتتحت - يعني هذه السورة - بوصية المؤمنين على ترك موالاة أعدائهم ونهيهم عن ذلك وأمرهم بالتبرؤ منهم، وهو المعنى الوارد في قوله خاتمة المجادلة {لا تجد قوماً يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم} إلى آخر السورة، وقد حصل منها أن أسنى أحوال أهل الإيمان وأعلى مناصبهم{أية : أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه} تفسير : [المجادلة: 22] فوصى عباده في افتتاح الممتحنة بالتنزه عن موالاة الأعداء ووعظهم بقصة إبراهيم عليه الصلاة والسلام والذين معه في تبرئهم من قومهم ومعاداتهم، والاتصال في هذا بين، وكأن سورة الحشر وردت مورد الاعتراض المقصود بها تمهيد الكلام وتنبيه السامع على ما به تمام الفائدة لما ذكر أن شأن المؤمنين أنهم لا يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا أقرب الناس إليهم، اعترض بتنزيهه عن مرتكباتهم، ثم أتبع ذلك ما عجله لهم من النقمة والنكال، ثم عاد الأمر إلى النهي عن موالاة الأعداء جملة له، ثم لما كان أول سورة الممتحنة إنما نزل في حاطب بن أبي بلتعة رضي الله عنه وكتابه لكفار قريش بمكة، والقصة مشهورة وكفار مكة ليسوا من يهود، وطلبوا المعادة للجميع واحد، فلهذا فضل بما هو من تمام الإخبار بحال يهود، وحينئذ عاد الكلام إلى الوصية عن نظائرهم من الكفار المعاندين، والتحمت السور الثلاث وكثر في سورة الممتحنة تزداد الوصايا والعهود، وطلب بذلك كله ولهذا المناسبة ذكر فيها الحكم في بيعة النساء وما يشترط عليهن في ذلك، فمبنى السورة على طلب الوفاء افتتاحاً واختتاماً حسب ما بين في التفسير لينزه المؤمن عن حال من قدم ذكره في سورة الحشر وفي خاتمة سورة المجادلة - انتهى.

السيوطي

تفسير : أخرج أحمد والحميدي وعبد بن حميد والبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وأبو عوانة وابن حبان وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي وأبو نعيم معاً في الدلائل حديث : عن عليّ قال‏:‏ بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا والزبير والمقداد، فقال‏: انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ فإن بها ظعينة معها كتاب فخذوه منها، فائتوني به، فخرجنا حتى أتينا الروضة، فإذا نحن بالظعينة، فقلنا‏:‏ أخرجي الكتاب‏.‏ قالت‏:‏ ما معي كتاب‏.‏ قلنا‏:‏ لتخرجن الكتاب أو لتلقين الثياب، فأخرجته من عقاصها فأتينا به النبي صلى الله عليه وسلم فإذا فيه من حاطب بن أبي بلتعة إلى أناس من المشركين بمكة يخبرهم ببعض أمر النبي صلى الله عليه وسلم فقال النبي صلى الله عليه وسلم‏: ما هذا يا حاطب‏؟‏ قال‏:‏ لا تعجل عليّ يا رسول الله، إني كنت امرأ ملصقاً من قريش، ولم أكن من أنفسها، وكان من معك من المهاجرين لهم‏:‏ قرابات يحمون بها أهليهم وأموالهم بمكة، فأحببت إذ فاتني ذلك من النسب فيهم أن أصطنع إليهم يداً يحمون بها قرابتي، وما فعلت ذلك كفراً ولا ارتداداً عن ديني فقال النبي صلى الله عليه وسلم‏: صدق، فقال عمر‏:‏ دعني يا رسول الله فأضرب عنقه، فقال إنه شهد بدراً وما يدريك لعل الله اطلع على أهل بدر فقال‏:‏ اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم، ونزلت فيه ‏{‏يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة‏}‏‏ ‏ . تفسير : وأخرج أبو يعلى وابن المنذر من طريق الحارث عن علي قال‏:‏ لما أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأتي مكة أسر إلى ناس من أصحابه أنه يريد الدخول إلى مكة منهم حاطب بن أبي بلتعة، وأفشى في الناس أنه يريد خيبر، فكتب حاطب إلى أهل مكة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يريدكم، فأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فبعثني أنا ومن معي فقال‏:‏ ائتوا روضة خاخ فذكر له ما تقدم فأنزل الله ‏{‏يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم‏} ‏ الآية‏. وأخرج ابن المنذرر من طريق قتادة وابن مردويه عن أنس رضي الله عنه في الآية قال‏:‏ لما أراد النبي صلى الله عليه وسلم السيرورة من الحديبية إلى مشركي قريش كتب إليهم حاطب بن أبي بلتعة يحذرهم، فأطلع الله نبيه على ذلك، فوجد الكتاب مع امرأة في قرن من رأسها فقال له‏:‏ ما حملك على الذي صنعت‏؟ قال‏:‏ أما والله ما ارتبت في أمر الله، ولا شككت فيه، ولكنه كان لي بها أهل ومال، فأردت مصانعة قريش، وكان حليفاً لهم، ولم يكن منهم، فأنزل الله فيه القرآن ‏{‏يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم‏} ‏ الآية‏. وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله‏:‏ ‏{‏يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم‏}‏ الآية، قال‏:‏ نزلت في رجل كان مع النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة من قريش كتب إلى أهله وعشيرته بمكة يخبرهم وينذرهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سائر إليهم، فأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بصحيفته فبعث علي بن أبي طالب رضي الله عنه، فأتاه بها‏. وأخرج أبو يعلى والحاكم وصححه وابن مردويه والضياء في المختارة عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، قال‏:‏ حديث : كتب حاطب بن أبي بلتعة إلى المشركين بكتاب فجيء به إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم، فقال‏: يا حاطب ما دعاك إلى ما صنعت‏؟‏ قال‏:‏ يا رسول الله كان أهلي فيهم فخشيت أن يصرموا عليهم، فقلت‏:‏ أكتب كتاباً لا يضر الله ورسوله، فقلت‏:‏ أضرب عنقه يا رسول الله فقد كفر، فقال‏: وما يدريك يا ابن الخطاب أن يكون الله أطلع على أهل العصابة من أهل بدر‏؟‏ فقال‏:‏ ‏"‏اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم"‏ . تفسير : وأخرج ابن مردويه من طريق شهاب حديث : عن عروة بن الزبير عن عبد الرحمن بن حاطب بن أبي بلتعة، وحاطب رجل من أهل اليمن كان حليفاً للزبير بن العوام من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قد شهد بدراً، وكان بنوه وإخوته بمكة، فكتب حاطب وهو مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة إلى كفار قريش بكتاب ينتصح لهم فيه، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم علياً والزبير، فقال لهما انطلقا حتى تدركا امرأة معها كتاب، فخذا الكتاب، فائتياني به، فانطلقا حتى أدركا المرأة بحليفة بني أحمد، وهي من المدينة على قريب من اثني عشر ميلاً، فقالا لها‏:‏ أعطينا الكتاب الذي معك‏.‏ قالت‏:‏ ليس معي كتاب‏.‏ قالا كذبت قد حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن معك كتاباً، والله لتعطين الكتاب الذي معك أو لا نترك عليك ثوباً إلا التمسنا فيه‏.‏ قالت‏:‏ أو لستم بناس مسلمين‏؟‏ قالا‏:‏ بلى، ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد حدثنا أن معك كتاباً حتى إذ ظنت أنهما ملتمسان كل ثوب معها حلت عقاصها، فأخرجت لهما الكتاب من بين قرون رأسها كانت قد اعتقصت عليه، فأتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا هو كتاب من حاطب بن أبي بلتعة إلى أهل مكة فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم حاطباً، قال‏: أنت كتبت هذا الكتاب‏؟ قال‏:‏ نعم قال‏:‏ فما حملك على أن تكتب به‏؟‏ قال حاطب‏:‏ أما والله ما ارتبت منذ أسلمت في الله عز وجل، ولكني كنت امرأ غريباً فيكم أيها الحيّ من قريش وكان لي بنون وإخوة بمكة فكتبت إلى كفار قريش بهذا الكتاب لكي أدفع عنهم، فقال عمر‏:‏ ائذن لي يا رسول الله أضرب عنقه‏.‏ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ "‏دعه فإنه قد شهد بدراً، وإنك لا تدري لعل الله أطلع على أهل بدر فقال‏:‏ اعملوا ما شئتم فإني غافر لكم ما عملتم فأنزل الله في ذلك ‏ {‏يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة‏} ‏ حتى بلغ ‏{‏لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر‏}‏‏ . تفسير : أخرجه عبد الرزاق وعبد بن حميد عن عروة مرسلاً‏.‏ وأخرج ابن مردويه عن أنس رضي الله عنه قال‏:‏ أمن رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس يوم الفتح إلا أربعة‏:‏ عبد الله بن خطل، ومقيس بن صبابة، وعبد الله بن سعد بن أبي سرح، وأم سارة، فذكر الحديث قال‏:‏ وأما أم سارة فإنها كانت مولاة لقريش فأتت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فشكت إليه الحاجة، فأعطاها شيئاً، ثم أتاها رجل، فبعث معها بكتاب إلى أهل مكة يتقرب بذلك إليها لحفظ عياله، وكان له بها عيال، فأخبر جبريل النبي صلى الله عليه وسلم بذلك، فبعث في أثرها عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهما، فلقياها في الطريق، ففتشاها، فلم يقدرا على شيء معها، فأقبلا راجعين، ثم قال أحدهما لصاحبه‏:‏ والله ما كذبنا ولا كذبنا ارجع بنا إليها، فرجعا إليها، فسلاّ سيفهما، فقالا‏:‏ والله لنذيقنك الموت أو لتدفعنّ إلينا الكتاب، فأنكرت، ثم قالت‏:‏ أدفعه إليكما على أن لا ترداني إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقبلا ذلك منها فحلت عقاص رأسها، فأخرجت الكتاب من قرن من قرونها، فدفعته إليهما، فرجعا به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فدعاه إليه، فدعا الرجل فقال‏: ما هذا الكتاب‏؟‏ فقال‏:‏ أخبرك يا رسول الله أنه ليس من رجل ممن معك إلا وله بمكة من يحفظ عياله، فكتبت بهذا الكتاب ليكونوا لي في عيالي، فأنزل الله ‏ {‏يا أيها الذين أمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء‏}‏ الآية‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن الحسن قال‏:‏ حديث : كتب حاطب بن أبي بلتعة إلى المشركين كتاباً يذكر فيه مسير النبي صلى الله عليه وسلم، فبعث به مع امرأة فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم في طلبها فأخذ الكتاب منها فجيء به إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فدعا حاطباً فقال‏:‏ أنت كتبت هذا الكتاب‏؟‏ قال‏:‏ نعم يا رسول الله، أما والله إني لمؤمن بالله وبرسوله، وما كفرت منذ أسلمت ولا شككت منذ استيقنت، ولكني كنت امرأ لا نسب لي في القوم، إنما كنت حليفهم، وفي أيديهم من أهلي ما قد علمت، فكتبت إليهم بشيء قد علمت أن لن يغني عنهم من الله شيئاً أراده أن أدرأ به عن أهلي ومالي، فقال عمر بن الخطاب‏:‏ يا رسول الله خلّ عني وعن عدوّ الله هذا المنافق فأضرب عنقه، فنظر إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم نظراً عرف عمر أنه قد غضب، ثم قال‏:‏ "ويحك يا عمر بن الخطاب وما يدريك لعل الله قد اطلع على أهل موطن من مواطن الخير فقال للملائكة‏:‏ اشهدوا أني قد غفرت لأعبدي‏ هؤلاء فليعملوا ما شاؤوا‏؟" قال عمر‏:‏ الله ورسوله أعلم‏.‏ قال‏: "إنهم أهل بدر فاجتنب أهل بدر إنهم أهل بدر، فاجتنب أهل بدر إنهم أهل بدر فاجتنب أهل بدر" ‏‏‏.‏ تفسير : وأخرج أحمد وعبد بن حميد حديث : عن جابر أن حاطب بن أبي بلتعة كتب إلى أهل مكة يذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم أراد غزوهم، فدلّ النبي صلى الله عليه وسلم على المرأة التي معها الكتاب، فأرسل إليها، فأخذ كتابها من رأسها، فقال‏:‏ يا حاطب أفعلت‏؟‏ قال‏:‏ نعم أما إني لم أفعل غشاً لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا نفاقاً قد علمت أن الله مظهر رسوله ومتم له غير أني كنت غريباً بين ظهرانيهم، وكانت والدتي فأردت أن أخدمها عندهم، فقال له عمر‏:‏ ألا أضرب رأس هذا‏؟‏ قال‏: أتقتل رجلاً من أهل بدر، وما يدريك لعل الله قد اطلع على أهل بدر وقال‏:‏ ‏"‏اعملوا ما شئتم" . تفسير : وأخرج عبد بن حميد ومسلم والترمذي والنسائي حديث : عن جابر أن عبداً لحاطب بن أبي بلعتة جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليشتكي حاطباً فقال‏:‏ يا رسول الله ليدخلن حاطب النار، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ "‏كذبت لا يدخلها فإنه قد شهد بدراً والحديبية‏" ‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن مردويه عن سعيد بن جبير قال‏:‏ اسم الذي أنزلت فيه ‏ {‏يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء‏} ‏ حاطب بن أبي بلتعة‏. وأخرج عبد بن حميد عن قتادة قال‏:‏ حديث : ذكر لنا أن حاطب بن أبي بلتعة كتب إلى أهل مكة يحذرهم سيرورة رسول الله صلى الله عليه وسلم زمن الحديبية، فأطلع الله نبيه على ذلك، فقال له نبي الله‏:‏ ما حملك على الذي صنعت‏؟ قال‏:‏ أما والله ما شككت في أمري، ولا ارتبت فيه، ولكن كان لي هناك مال وأهل، فأردت مصانعة قريش على أهلي ومالي، وذكر لنا أنه كان حليفاً لقريش، ولم يكن من أنفسهم، فأنزل الله القرآن وقال‏:‏ ‏ {‏إن يثقفوكم يكونوا لكم أعداء ويبسطوا إليكم أيديهم وألسنتهم بالسوء‏} ‏ إلى قوله‏:‏ ‏ {‏قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إلا قول إبراهيم لأبيه لأستغفرن لك‏}‏ قال‏:‏ يقول فلا تأسوا في ذلك فإنها كانت موعدة وعدها إياه ربنا لا تجعلنا فتنة للذين كفروا يقول‏:‏ لا تظهرهم علينا ففتنوا بذلك يرون أنهم إنما ظهروا لأنهم أولى بالحق منا‏ ". تفسير : وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد في قوله‏:‏ ‏ {‏لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء‏} ‏ إلى قوله ‏ {‏بما تعملون بصير‏} ‏ قال‏:‏ في مكاتبة حاطب بن أبي بلتعة ومن معه إلى كفار قريش يحذرونهم‏.‏ وفي قوله ‏ {‏إلا قول إبراهيم لأبيه‏} ‏ قال‏:‏ نهوا أن يتأسوا باستغفار إبراهيم لأبيه فيستغفروا للمشركين‏، وفي قوله‏:‏ ‏ {‏ربنا لا تجعلنا فتنة للذين كفروا‏} قال‏:‏ لا تعذبنا بأيديهم ولا تعذب من عبدك فيقولوا‏:‏ لو كان هؤلاء على حق ما أصابهم هذا‏. وأخرج ابن المنذر والحاكم وصححه من طريق مجاهد عن ابن عباس ‏ {‏لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء‏}‏ إلى قوله‏:‏ ‏ {‏بصير‏} ‏ في مكاتبة حاطب بن أبي بلتعة ومن معه إلى كفار قريش يحذرونهم، وقوله‏:‏ ‏{‏إلا قول إبراهيم لأبيه لأستغفرن لك‏} ‏ نهو أن يتأسوا باستغفار إبراهيم لأبيه، وقوله‏:‏ ‏ {‏ربنا لا تجعلنا فتنة للذين كفروا‏} ‏ لا تعذبنا بأيديهم ولا بعذاب من عندك، فيقولون‏:‏ لو كان هؤلاء على الحق ما أصابهم هذا. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس ‏ {‏قد كانت لكم أسوة حسنة‏} ‏ قال‏:‏ في صنع إبراهيم كله إلا في الاستغفار لأبيه لا يستغفر له وهو مشرك‏. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏{‏لا تجعلنا فتنة للذين كفروا‏}‏ يقول‏:‏ لا تسلطهم علينا فيفتنونا‏.‏

ابو السعود

تفسير : مدنية، وآيُها ثلاث عشرة {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ عَدُوّى وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاء} نزلتْ في حاطبِ ابنِ أبـي بَلْتَعةَ وذلكَ أنَّه لمَّا تجهزَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم لغزوةِ الفتحِ كتبَ إلى أهلِ مكةٍ أن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يريدُكُم فخُذُوا حذْرَكُم وأرسلَهُ مع سارةَ مولاةِ بني المطلبِ فنزلَ جبريلُ عليهِ السلامُ بالخبرِ فبعثَ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم علياً وعماراً وطلحةَ والزبـيرَ والمقدادَ وأبا مرثدٍ وقالَ "انطلقُوا حتى تأتُوا روضةَ خاخٍ فإنَّ بها ظعينةً معها كتابُ حاطبٍ إلى أهلِ مكةَ فخذُوه منهَا وخلُّوها فإنْ أبتْ فاضربُوا عنقَهَا" فأدركُوهَا ثمةَ فجحدتْ فسلَّ عليٌّ سيفَهُ فأخرجْتَهُ من عقاصِهَا فاستحضَر رسولُ الله صلى الله عليه وسلم حاطباً وقال "ما حملكَ على هَذا" فقالَ يا رسولَ الله ما كفرتُ منذ أسلمتُ ولا غششتكَ منذُ نصحتكَ ولكني كنتُ امرءاً ملصَقاً في قريشٍ وليسَ لي فيهم مَنْ يحمي أَهْلِي فأردتُ أن آخذَ عندهُم يداً وقد علمتُ أن كتابـيَ لن يُغْنيَ عنهُم شيئاً فصدَّقَهُ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم وقبلَ عذرَهُ {تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِٱلْمَوَدَّةِ} أي تُوصلونَ إليهم المودَّةَ على أنَّ الباءَ زائدةٌ كما في قولِهِ تعالى { أية : وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى ٱلتَّهْلُكَةِ} تفسير : [سورة البقرة، الآية 159] أو تلقونَ إليهم أخبارَ النبـيِّ عليهِ الصلاةُ والسلامُ بسببِ المودَّةِ التي بـينكُم وبـينَهُم والجملةُ إما حالٌ مِن فاعلِ لا تتخِذُوا أو صفةٌ لأولياءَ وإبرازُ الضميرِ في الصفاتِ الجاريةِ على غيرِ مَنْ هيَ لهُ إنما يُشترطُ في الإسمِ دونَ الفعلِ أو استئنافٌ {وَقَدْ كَفَرُواْ بِمَا جَاءكُمْ مّنَ ٱلْحَقّ} حالٌ من فاعلِ تلقونَ وقيلَ من فاعلِ لا تتخذُوا وقُرِىءَ لِمَا جاءَكُم أي كفرُوا لأجلِ ما جاءكُم بمعنى جعلِ ما هو سببُ الإيمانِ سبباً للكفرِ {يُخْرِجُونَ ٱلرَّسُولَ وَإِيَّـٰكُمْ} أي منْ مكةَ وهو إما حالٌ من فاعلِ كفرُوا أو استئنافٌ مبـينٌ لكفرِهِم وصيغةُ المضارعِ لاستحضارِ الصُّورَةِ وقولِهِ تعالى: {أَن تُؤْمِنُواْ بِٱللَّهِ رَبّكُمْ} تعليلٌ للإخراجِ وفيهِ تغليبُ المخاطبِ على الغائبِ والتفاتٌ منَ التكلمِ إلى الغَيبةِ للإشعارِ بما يوجبُ الإيمانَ من الأُلوهيةِ والرُّبوبـيةِ {إِن كُنتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَاداً فِى سَبِيلِى وَٱبْتِغَاء مَرْضَاتِى} متعلقٌ بلا تتخذُوا كأنَّه قيلَ لا تتولَّوا أعدائِي إن كُنتُم أوليائِي وقولُهُ تعالى: {تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِٱلْمَوَدَّةِ} استئنافٌ واردٌ على نهجِ العتابِ والتوبـيخِ أي تُسرونَ إليهِم المودَّةَ أو الأخبارَ بسببِ المودَّةِ {وَأَنَاْ أَعْلَمُ} أيْ والحالُ أنِّي أعلمُ منكُم {بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنتُمْ} ومُطْلعٌ رسولِي عَلى ما تسرونَ فأيُّ طائلٍ لكم في الإسرارِ وقيلَ أعلمُ مضارعٌ والباءُ مزيدةٌ ومَا موصولةٌ أو مصدريةٌ وتقديمُ الإخفاءِ على الإعلانِ قد مرَّ وجهُهُ في قولِهِ تعالى: { أية : يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ} تفسير : [سورة البقرة، الآية 77] {وَمَن يَفْعَلْهُ مِنكُمْ} أي الاتخاذَ {فَقَدْ ضَلَّ سَوَاء ٱلسَّبِيلِ} فقد أخطأَ الحقَّ والصوابَ.

التستري

تفسير : قوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَآءَ}[1] قال: حذر الله تعالى المؤمنين من التولي بغير من تولاه الله ورسوله، فإن الله تعالى لم يرض منه أن يسكن إلى وليه، فكيف إلى عدوه؛ ومن شغل قلبه بما لا يعنيه من أمر آخرته نال منه العدو، فكيف بغيره؛ ومن طمع في الآخرة مع إرادة شيء من الدنيا حلالاً كان مخدوعاً، فكيف بالحرام؛ ومن لم يكن فعله مخالفة أو مكابدة أو إيثاراً فهو رياء. قيل: وما معناها؟ قال: المخالفة في ترك النهي ولتركُ ذرة مما نهى الله عنه أفضل من أن تعبد الله عمر الدنيا. والمكابدة في أداء الأوامر والإيثار أن يؤثر الله تعالى على ما دونه، ففي المخالفة فقدوا أنفسهم، وفي المكابدة فقدوا أهواءهم، فصارت شهواتهم في الطاعات، وبالإيثار نالوا محبته ورضاه.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَآءَ} [الآية: 1]. روى عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: "أفضل الإيمان الحب فى الله والبغض فى الله". وقال أبو حفص: من أحب نفسه فقد اتخذ عدو الله وعدوَّه خليلاً ووليًا لأن النفس تخالف ما أمرت به وتعرض عن سبل الرشد ومحبها فى أول قدم. قوله تعالى: {وَأَنَاْ أَعْلَمُ بِمَآ أَخْفَيْتُمْ وَمَآ أَعْلَنتُمْ} [الآية: 1]. قال أبو الحسين الوراق: بما أخفيتم فى باطنكم من المعصية وما أعلنتم فى ظاهركم للخلق من الطاعة.

القشيري

تفسير : قوله جل ذكره: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَآءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِٱلْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُواْ بِمَا جَآءَكُمْ مِّنَ ٱلْحَقِّ يُخْرِجُونَ ٱلرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَن تُؤْمِنُواْ بِٱللَّهِ رَبِّكُمْ إِن كُنتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَاداً فِي سَبِيلِي وَٱبْتِغَآءَ مَرْضَاتِي}. قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : أعدى عدوِّك نَفْسُك التي بين جنبيك"تفسير : وأوحى الله سبحانه إلى داود عليه السلام: "عادِ نَفْسَك فليس لي في المملكة مُناَزعٌ غيرها" فَمَنْ عادَى نَفسَه فقد قام بحقِّ الله، ومَنْ لم يعادِ نفسه لَحِقَتْه هذ الوصمة. وأصلُ الإيمانِ الموالاةُ والمعاداةُ في الله ومَنْ جَنَحَ إلى الكفار أو إلى الخارجين عن دائرة الإسلام انحاز إلى جانبهم. قوله جل ذكره: {وَأَنَاْ أَعْلَمُ بِمَآ أَخْفَيْتُمْ وَمَآ أَعْلَنتُمْ وَمَن يَفْعَلْهُ مِنكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَآءَ ٱلسَّبِيلِ}. أنا أعلم {بِمَآ أَخْفَيْتُمْ} من دقائقِ التصنُّع وخَفِيَّات الرياء. {وَمَآ أَعْلَنتُمْ} من التزيُّن للناس. {بِمَآ أَخْفَيْتُمْ} من الاستسرار بالزَّلة، {وَمَآ أَعْلَنتُمْ}، من الطاعة والبِرِّ. {بِمَآ أَخْفَيْتُمْ} من الخيانة {وَمَآ أَعْلَنتُمْ} من الأمانة. {بِمَآ أَخْفَيْتُمْ} من الغِلِّ والغِشِّ للناس، {وَمَآ أَعْلَنتُمْ} من الفضيحةِ للناس. {بِمَآ أَخْفَيْتُمْ} من ارتكاب المحظورات، {وَمَآ أَعْلَنتُمْ} من الأمر بالمعروف. {بِمَآ أَخْفَيْتُمْ} من تَرْكِ الحشمة مني وقلة المبالاة باطِّلاعي، وما أعلنتم من تعليم الناسِ ووَعْظِهمْ. {وَمَن يَفْعَلْهُ مِنكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَآءَ ٱلسَّبِيلِ} فقد حاد عن طريق الدين، ووَقَعَ في الكفر.

البقلي

تفسير : {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَآءَ} اى لا تحبوا انفسكم الامارة فانها عدوى وعدوكم مبغض عبادتى ومبغضكم اذا لم تكونوا مطيقين لها فى انفاذ شهواتها وانها تعارضكم فى مكاشفاتكم واحوالكم الا ترى كيف قال الله {وَقَدْ كَفَرُواْ بِمَا جَآءَكُمْ مِّنَ ٱلْحَقِّ} واصل عداوة النفس ان تفطمها من مالوفاتها وتلزمها فى حبس المراقبة والرعاية وعلامة حب الله بغض عود الله قال عليه الصلاة والسلام افضل الايمان الحب في الله والبغض فى الله وقال ابو حفص من احب نفسه فقد اتخذ عدو الله وعدوه وليا فان النفس تخالف ما امرت به تعرض عن سبيل ارشد ويهلك محبتها ومتبعها فى اول قدم قوله تعالى {وَأَنَاْ أَعْلَمُ بِمَآ أَخْفَيْتُمْ وَمَآ أَعْلَنتُمْ} اى ما اضمرتم فى صميم قلوبكم من الميل الى الهوى وما اعلنتم من الميل الى الحق وفى الحقيقة ما اخفيتم من دعوى الانانية وما اعلنتم من العبودية وهذا الخطاب لصاحب نفس وصاحب قلب قال ابو الحسين الوراق بما اخفيتم فى باطنكم من المعصية وما اعلنتم فى ظاهركم للخلق من طاعة.

اسماعيل حقي

تفسير : {يا ايها الذين آمنوا لاتتخذوا عدوى وعدوكم اولياء} نزلت فى حاطب ابن أبى بلتعة العبسى وحاطب بالحاء المهملة قال فى كشف الاسرار ولد فى زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم واصله من الازد وهو حى باليمن واعتقه عبيد الله بن حميد بن زهير الذى قتله على رضى الله عنه يوم بدر كافرا وكان حاطب يبيع الطعام ومات بالمدينة وصلى عليه عثمان رضى الله عنه وكان من المهاجرين وشهد بدرا وبيعة الرضوان وعمم الله الخطاب فى الآية تعميما للنصح والعدو فعول من عدا كعفو من عفا ولكونه على زنة المصدر اوقع على الجمع ايقاعه على الواحد والمراد هنا كفار قريش وذلك انه لما تجهز رسول الله صلى الله عليه وسلم لغزوة الفتح فى السنة الثامنة من الهجرة كتب حاطب الى أهل مكة ان رسول الله يريدكم فخذوا حذركم فانه قد توجه اليكم فى جيش كالليل وارسل الكتاب مع سارة مولاة بنى عبد الملطب اى معتقهم اعاطاها عشرة دنانير وبردة وكانت سارة قدمت من مكة وكانت مغنية فقال لها عليه السلام لماذا جئت فقالت جئت لتعطينى شيأ فقال مافعلت بعطياتك من شبان قريش فقالت مذ قتلتهم ببدر لم يصل الى شىء الا القليل فأعطاها شيئا فرجعت الى مكة ومعها كتاب حاطب فنزل جبرآئيل عليه السلام بالخبر فبعث رسول الله عليه السلام عليا وعمارا وطلحة والزبير والمقداد وأبا مرثد وقال "حديث : انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ موضع بين الحرمين وخاخ بالمعجمتين يصرف ويمنع فان بها ظعينة وهى المرأة مادامت فى الهودج واذا لم تكن فيه فهى المرأة معها كتاب حاطب الى اهل مكة فخذوه منها فخلوها فان أبت فاضربوا عنقها"تفسير : فادركوها ثمة فجحدت فسل على رضى الله عنه سيفه فأخرجته من عقاصها اى من ضفائرها (روى) ان رسول الله عليه السلام امن جميع الناس يوم فتح مكة الا اربعة هى أحدهم فأمر بقتلها فاستحضر رسول الله حاطبا فقال "ماحملك على هذا" فقال يارسول الله ما كفرت منذ اسملت ولا غششتك منذ نصحتك الغش ترك النصح والنصح عبارة عن التصديق بنبوته ورسالته والانقياد لأوامره ونواهيه ولكننى كنت امرأ ملصقا فى قريش اى حليفا ولم اكن من انفسهم ومن معك من المهاجرين كان له فيهم قرابات يحمون اهاليهم وأموالهم وليس فيهم من يحمى اهلى فأردت أن آخذ عندهم يدا اى اجعل عندهم شيأ فصدقه رسول الله وقبل عذره فقال عمر رضى الله عنه يارسول الله دعنى أضرب عنق هذا المنافق فقال "حديث : ياعمر انه شهد بدرا ومايدريك لعل الله اطلع على من شهد بدرا فقال اعملوا ماشئتم فقد غفرت لكم"تفسير : ففاضت عينا عمر رضى الله عنه وفى القصة اشارة الى جواز هتك ستر الجواسيس وهتك استار المفسدين اذا كان فيه مصلحة او فى ستره مفسدة وان من تعاطى امرا محظورا ثم ادعى له تأويلا محتملا قبل منه وان العذر مقبول عند كرام الناس (روى) ان حاطبا رضى الله عنه لما سمع {يا أيها الذين آمنوا} غشى عليه من الفرح بخطاب الايمان لما علم ان الكتاب المذكور مااخرجه عن الايمان لسلامة عقيدته ودل قوله {وعدوكم} على اخلاصه فان الكافر ليس بعدو للمنافق بل للمخلص {تلقون اليهم بالمودة} الود محبة الشىء وتمنى كونه ويستعمل فى كل واحد من المعنيين اى توصلون محبتكم بالمكاتبة ونحوها من الاسباب التى تدل على المودة على ان الباء زآئدة فى المفعول كما فى قوله تعالى {أية : ولا تلقوا بأيديكم الى التهلكة}تفسير : او تلقون اليهم أخبار النبى عليه السلام بسبب المودة التى بينكم وبينهم فيكون المفعول محذوفا للعلم به والباء للسببية والجملة حال من فاعل لاتتخذوا حال كونكم ملقين المودة فان قلت قد نهوا عن اتخاذهم اولياء مطلقا فى قوله تعالى {أية : ياأيها الذين آمنوا لاتتخذوا اليهود والنصارى اولياء}تفسير : والتقييد بالحال يوهم جواز اتخاذهم اولياء اذا انتفى الحال قلت عدم جوازه مطلقا لما علم من القواعد الشرعية تبين انه لا مفهوم للحال هنا البتة فان قلت كيف قال لاتتخذوا عدوى وعدوكم اولياء العداوة والمحبة لكونهما متنافيتين لاتجتمعان فى محل واحد والنهى عن الجمع بينهما فرع امكان اجتماعهما قلت انما كان الكفار أعدآء للمؤمنين بالنسبة الى معاداتهم لله ورسوله ومع ذلك يجوز أن يتحقق بينهم الموالاة والصداقة بالنسبة الى الامور الدنيوية والاغراض النفسانية فنهى الله عن ذلك يعنى فلم يتحقق وحدة النسبة من الوحدات الثمان وحيث لم يكتف بقوله عدوى بل زاد قوله وعدوكم دل على عدم مروءتهم وفتوتهم فانه يكفى فى عداوتهم لهم وترك موالاتهم كونهم اعدآء الله سوآء كانوا اعدآء لهم ام لا {وقد كفروا بما جاءكم من الحق} حال من فاعل تلقون والحق هو القرءآن او دين الاسلام او الرسول عليه السلام {يخرجون الرسول واياكم} حال من فاعل كفورا اى مخرجين الرسول واياكم من مكة والمضارع لاستحضار الصورة {ان تؤمنوا بالله ربكم} تعليل للاخراج وفيه تغليب المخاطب على الغائب اى على الرسول والالتفات من التكلم الى الغيبة حيث لم يقل ان تؤمنوا بى للاشعار بما يوجب الايمان من الالوهية والربوبية {ان كنتم خرجتم جهادا فى سبيلى وابتغاء مرضاتى} متعلق بلا تتخذوا كأنه قيل لاتتولوا اعدآئى ان كنتم اوليائى وانتصاب جهادا وابتغاء على انهما مفعول لهما لخرجتم اى ان كنتم خرجتم عن اوطانكم لاجل هذين فلا تتخذوهم اولياء ولا تلقوا اليهم بالمودة والجهاد بالكسر القتال مع العدو كالمجاهدة وفى التعريفات هو الدعاء الى الدين الحق. وفى المفردات الجهاد والمجاهدة استفراغ الوسع فى مدافعة العدو و هو جهاد العدو الظاهر وجهاد الشيطان وجهاد النفس ويكون باليد واللسان والمرضاة مصدر كالرضى وفى عطف وابتغاء مرضاتى على جهادا فى سبيلى تصريح بما علم التزاما فان الجهاد فى سبيل الله انما هو لاعلاء دين الله لا لغرض آخر واسناد الخروج اليهم معللا بالجهاد والابتغاء يدل على ان المراد من اخراج الكفرة كونهم سببا لخروجهم باذيتهم لهم فلا ينافى تلك السببية كون ارادة الجهاد والابتغاء علة له {تسرون اليهم بالمودة} استئناف وارد على نهج العتاب والتوبيخ كأنهم سألوا ماذا صدر عنا حتى عوتبنا فقيل تلقون اليهم المودة سرا على ان الباء صلة جيىء بها لتأكيد التعدية او الاخبار بسبب المودة ويجوز أن يكون تعدية الاسرار بالباء لحمله على نقيضه الذى هو الجهر {وانا اعلم} حال من فاعل تسرون اى والحال انى اعلم منكم {بما أخفيتم وما أعلنتم} من مودة الاعدآء والاعتذار وغير ذلك فاذا كان بينهما تساو فى العلم فأى فائدة فى الاسرار والاعتذار {ومن} وهركه {يفعله منكم} اى الاتخاذ المنهى عنه اى ومن يفعل مانهيت عنه من مولاتهم والاقرب من يفعل الاسرار{فقد ضل سواء السبيل} فقد اخطأ طريق الحق والصواب الموصل الى الفوز بالسعادة الابدية وبالفارسية بس بدرستى كه او ازراه راست كم شد، وهو من اضافة الصفة الى الموصوف وضل متعد وسوآء السبيل مفعوله ويجوز أن يجعل قاصرا وينتصب سوآء السبيل على الظرفية قال القرطبى هذا كله معاتبة لحاطب وهو يدل على فضله ونصيحته لرسول الله وصدق ايمانه فان المعاتبة لاتكون الا من حبيب لحبيب كما قيل اذا ذهب العتاب فليس ود، ويبقى الود مابقى العتاب والعتاب اظهار الغضب على حد لشىء مع بقاء المحبة بالترك وفى الآية اشارة الى عداوة النفس والهوى والشيطان فانها تبغض عبادة الله وتغبض عباد الله ايضا اذا لم يكونوا مطيعين لها فى انفاذ شهواتها وتحصيل مراداتها واصل عداوة النفس أن تفطمها من مألوفاتها وتحبسها فى محبس المجاهدة وعلامة حب الله بغض عدو الله قال عليه السلام "حديث : أفضل الايمان الحب فى الله والبغض فى الله"تفسير : قال أبو حفص رحمه الله من احب نفسه فقد اتخذ عدو الله وعدوه وليا وان النفس تخالف ماأمرت به وتعرض عن سبيل الرشد وتهلك محبها ومتبعها فى اول قدم وجاء فى اخبار داود عليه السلام ياداود عاد نفسك فليس لى فى المملكة منازع غيرها وفى كشف الاسرار بلشكر اندك روم از قيصر بتوان ستد وبجمله اولياى روى زمين نفس را ازيكى نتوان ستد زيرا نفس راحيل بسيارست احمد حضروية بلخى رحمه الله كويد نفس خودرا بانواع رياضات ومجاهدات مقهور كرده بودم روزى نشاط غزا كرد عجب داشتم كه ازنفس نشاط طاعت نيايد كفتم درزير اين كويى جه مكر باشد مكردر كرسنكى طاقت نمى داردكه بيوسته اورا روزه همى فرمايم خواهد درسفر روزه بكشايد كفتم اى نفس اكر اين سفر بيش كيرم روزه نكشايم كفت روا دارم كفتم مكر از انست كه طاقت نماز شب نميدارد مخواهدكه درسفر بخسبد كفتم درسفر قيام شب كم نكنم جنانكه در حضر كفت روا دارم تفكر كردم كه مكر ازان نشاط سفر غزا كرده كه درحضر باخلق مى نياميزدكه اورا در خلوت وعزلت ميدارم مرادش آنست كه باخلق صحبت كند كفتم اى نفس هرجاكه روم درين سفرا ترا بخرابه فروآرم كه هيج خلق رانه بينى كفت روا دارم از دست وى عاجز ماندم بالله تعالى زاريدم وتضرع كردم تا از مكروى مرا آكاهى دادكه در غزاكشن يكباركى باشد وبهمة جهان شودكه احمد حضرويه بغزا شهادت يافت كفتم سبحان الله آن خداونديكه نفسى آفريند بدين معيوبى كه بدنيا منافق باشد وبعد ازمرك مرايى باشدنه درين جهان حقيقت اسلام خواهدنه دران جهان آنكه كفتم اى نفس اماره والله كه باين غزا نروم تاتودر زير طاعت زنا ربندى بس در حضر آن رياضات ومجاهدات كه دران بودم زيادت كردم قوله بما أخفيتم اى من دعوى الانانية وما أعلنتم من العبودية كما هو شأن النفس وقال ابو الحسين الوراق رحمه الله بما أخفيتم فى باطنكم من المعصية وما أعلنتم فى ظاهركم للخلق من الطاعة انتهى

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحقّ جلّ جلاله: {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوَّكم أولياء} أي: أصدقاء، نزلت في حاطب بن أبي بلتعة، وذلك أنه لمّا تجهز رسولُ الله صلى الله عليه وسلم لغزوة الفتح، كتب إلى أهل مكة، إنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم يُرديكم، فخُذوا حِذركم. وفي رواية: كتب: إنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يسير إليكم بجيشٍ كالليل، يسيل كالسيل، فالحذرَ الحذرَ، وأرسله مع "ساره" مولاة بني المطلب، وقيل: كلثوم بنت عقبة بن أبي مُعيط، فنزل جبريلُ عليه السلام بالخبر، حديث : فبعث رسولُ الله صلى الله عليه وسلم عليًّا وعمّاراً، وطلحة، والزبير، والمقداد، وأبا مرثد، وقال: "انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ، فإنّ بها ظعينة، معها كتاب إلى أهل مكة، فخذوه منها، وخلُوها، فإن أبتْ فاضربوا عنقها" فأدركوها ثمة، فجحدت، فسلّ عليٌّ سيفه، فأخرجته من عِقاصِها. زاد النسفي: أنه عليه السلام أمَّن يوم الفتح جميعَ الناس إلاّ أربعة، هي أحدهم، فاستحضر رسول الله صلى الله عليه وسلم حاطباً، وقال: "ما حملك على هذا"؟ فقال: يا رسول الله! ما كفرتُ منذ أسلمتُ، ولا غششتُ منذ نصحتُ، ولكني كنتُ امرءاً مُلْصَقًا في قريش، ليس لي فيهم مَن يحمي أهلي، فأردتُ أن أتخذ عندهم يداً، وعملتُ أن كتابي لا يُغني شيئاً، فصدّقه صلى الله عليه وسلم، وقَبِلَ عُذره، فقال عمر: دعني يا رسول الله أضرب عنق هذا المنافق، فقال رسول الله صلى الله عليه سلم: "وما يدريك يا عمر، لعل الله قد اطلع على أهل بدر، فقال لهم: اعملوا ما شئتم فقد غفرتُ لكم " تفسير : ففاضت عينا عمر رضي الله عنه، أي: من بكاء الفرح. والعَدُو: فَعُول، من: عدا، ولكونه على زنة المصدر أوقع على الجمع إيقاعه على الواحد. وفي الآية دليل على أنّ الكبيرة لا تسلب الإيمان. وقوله: {تُلْقٌونَ إِليهم بالمودةِ}: حال، أي: لا تتخذوهم أولياء مُلقين إليهم، أو: استئناف، أو: صفة لأولياء، أي: توصلون إليهم المودة، على أن الباء زائدة، كقوله: {أية : وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى ٱلتَّهْلُكَةِ} تفسير : [البقرة: 195]، أو: تُلقون إليهم أخبارَ النبي صلى الله عليه وسلم بسبب المودة التي بينكم وبينهم، فتكون أصلية. {وقد كفروا بما جاءكم من الحق}: حال من فاعل "تتخذوا" أو "تُلقون"، أي: لا تتولوهم، أو: لا تودوهم وهذه حالتهم يكفرون {بما جاءكم من الحق}؛ الإسلام، أو: القرآن، جعلوا ما هو سبب الإيمان سبب الكفر. {يُخرجون الرسولَ وإِياكم} من مكة، وهواستئناف مُبيَّن لكفرهم وعتوهم، أو حال من "كفروا". وصيغة المضارع لاستحضار الصورة. وقوله: {أن تؤمنوا بالله ربِّكم} تعليل للإخراج، أي: يُخرجونكم لإيمانكم، {إِن كنتم خرجتمْ جهادًا في سبيلي وابتغاء مرضاتي}، هو متعلق بـ "لاتتخذوا" كأنه قيل: لا تودُّوا أعدائي إن كنتم أوليائي. {تُسِرُّون إِليهم بالمودةِ} أي: تُفضون إليهم بمودتكم سرًّا، أو تُسِرُّون إليهم أسرارَ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم بسبب المودة، وهو استئناف وارد على نهج العتاب والتوبيخ. {وأنا أعلمُ} أي: والحال أني أعلم منكم {بما أخفيتم وما أعلنتم} ومُطلِع رسولي على ما تُسِرُّون، فإني طائل لكم في الإسرار، وقيل: الباء زائدة، و"أعلم" مضارع و"ما" موصولة، أو مصدرية. {ومَن يَفْعله منكم} أي: الاتخاذ {فقد ضَلَّ سواء السبيل}؛ فقد أخطأ طريق الحق والصواب. {إِن يَثْقفوكم} أي: يظفروا بكم {يكونوا لكم أعداءً} أي: يُظهروا ما في قلوبهم من العداوة، ويُرتبوا عليها أحكامها، {ويبسُطُوا إِليكم أيديَهم وألسنتهم بالسوء}؛ بما يسوؤكم من القتل والأسر. {ووَدُّوا لو تكفرون} أي: تمنُّوا ارتدادكم. وصيغة الماضي لتحقُّق ودادهم قبل أن يثقفوكم. {لن تنفَعَكُم أرحامُكُم}؛ قراباتكم {ولا أولادُكم} الذين تُوالون المشركين لأجلهم، وتتقرّبون إليهم محاماةً عليهم، {يومَ القِيامة يَفْصِلُ بينكم} وبين أقاربكم وأولادكم، بما اعتراكم من أهوال ذلك اليوم، حسبما نطق به قوله تعالى: {أية : يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ...}تفسير : [عبس:34-36] الآيات، ويحتمل أن يكون ظرفًا لـ"تنفعكم"، أي: لا تنفعكم أقاربكم يوم القيامة، ثم استأنف بقوله: {يفصل بينكم} لبيان عدم نفعهم. وهنا قراءات بيّنّاها في غير هذا. {والله بما تعملون بصير} فيجازيكم على أعمالكم. الإشارة: أعدى الأعادي إليك نفسك، فهي عدوة لله ولرسوله ولأوليائه؛ لأنها أمّارة بالسوء، ويُضاف إليها جنودها، فيقال {يا ايها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء}، من النفس وجنودها، تُلقون إليهم بالمودّة والموافقة، وقد كفروا بما جاءكم من الحق من طريق المجاهدة، يُخرجون الرسول: الوارد الحقيقي, أو الإيمان العياني، من قلوبكم، ويُخرجونكم من الحضرة كراهةَ أن تُؤمنوا بالله ربكم إيماناً حقيقيًّا، إن كنتم خرجتم عن هواكم جهادًا في سبيلي، وابتغاء مرضاتي ومعرفتي، تُسِرُّون إليه بالمودة والموافقة، وأنا أعلم بما أخفيتم من الميل إلى حظوظها، وما أعلنتم، ومَن يفعله ـ أي: الميل عن طريق المجاهدة ـ فقد ضلّ سواء السبيل؛ طريق الوصول، فقد قيل: "مَن رأيته يتبع الرُخص والشهوات، فاعلم أنه لا يأتي منه شيء". لن تنفعكم أقاربكم ولا حظوظكم، بدلاً من الله شيئًا "ماذا وجَدَ من فقدك"، فالحظوظ الفانية تفنى وتبقى الحسرة والندامة. يوم القيامة يفصلُ بينكم وبينها؛ لفنائها، أو بينكم وبين ما تشتهون من دوام النظرة، والله بما تعملون بصير، فيُجازي على قدر الكدّ والتعب. ثم أمر بالاقتداء بالرسل ـ عليهم السلام ـ في معاداة كل ما يقطع عن الله، فقال: {قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِيۤ إِبْرَاهِيمَ}.

الطوسي

تفسير : هذه الآية نزلت في حاطب بن أبي بلتعة حديث : حين عزم النبي صلى الله عليه وآله على ان يدخل مكة بغتة، فسأل الله أن يعمي اخبارهم على قريش ومنع احداً أن يخرج من المدينة إلى مكة فكتب حاطب بن أبي بلتعة إلى أهل مكة يعلمهم بذلك، فأوحى الله تعالى إلى النبي صلى الله عليه وآله بذلك، فدعا علياً عليه السلام والزبير، وقال لهما: اخرجا حتى تلحقا جارية سوداء متوجهة إلى مكة معها كتاب، فخذاه منها، فخرجا حتى لحقاها فسألاها عن الكتاب، فأنكرت ففتشاها، فلم يجدا معها شيئاً، فقال الزبير: ارجع بنا فليس معها شيء، فقال علي عليه السلام يقول رسول الله صلى الله عليه وآله: خذ الكتاب منها، وتقول: ليس معي شيء!!! ثم اقبل عليها، وسل سيفه. وقال: والله لئن لم تخرجي الكتاب لاضربن عنقك فقالت له أعرض بوجهك عني، فلما أعرض عنها أخرجت الكتاب من بين ضفيرتين لها، وسلمته اليه، فلما عادا سلماه إلى النبي فأمر النبي صلى الله عليه وآله بأن ينادى بالصلاة جامعة فاجتمع الناس، فصعد النبي صلى الله عليه وآله المنبر وخطب. ثم قال: (أما إني كنت سألت الله ان يعمي اخبارنا عن قريش حتى ندخل مكة بغتة، وإن رجلا منكم كتب اليهم ينذرهم خبرنا، وهذا كتابه فليقم صاحبه) فلم يقم أحد فأعاد ثانياً، فلم يقم احد، فأعاد ثلاثاً، ثم قال: فليقم وإلا فضحه الوحي، فقام حاطب، وهو يرعد، وقال يا رسول الله: والله ما نافقت منذ اسلمت، فقال ما حملك على ذلك، فقال إن لي بمكة أهلا وليس لي بها عشيرة، فأردت ان اتخذ بذلك عندهم يداً ان كانت الدائرة لهم، فقام عمر بن الخطاب وقال: يا رسول الله مرني بأن أضرب عنقه، فانه نافق، فقال رسول الله: إنه من أهل بدر، ولعل الله تعالى أطلع إطلاعة فغفر لهمتفسير : ، فأنزل الله تعالى هذه الآية يخاطب فيها المؤمنين وينهاهم أن يتخذوا عدو الله من الكفار وعدو المؤمنين أولياء يوالونهم ويلقون اليهم بالمودة. والباء زائدة وتقديره ويلقون اليهم المودة، وهي المحبة، كما قال الشاعر: شعر : ولما زجت بالشرب هز لها العصا شحيح له عند الازاء نهيم تفسير : أي زجت الشرب، ويجوز أن يكون المراد يلقون اليهم ما يريدون بالمودة {وقد كفروا} يعنى الكفار الذين يلقون اليهم المودة {بما جاءكم} به النبي صلى الله عليه وآله {من الحق} يعنى من التوحيد والاخلاص لله فى العبادة والقرآن وشريعة الاسلام {يخرجون الرسول وإياكم} يعنى إخراجهم لهم من مكة {أن تؤمنوا بالله ربكم} ومعناه كراهة ان تؤمنوا بالله وقال قوم: اخرجوكم لايمانكم بالله ربكم الذي خلقكم {إن كنتم خرجتم جهاداً في سبيلي وابتغاء مرضائي} أي وطلباً لمرضاتي فلا تلقوا اليهم بالمؤدة ان كنتم خرجتم مجاهدين فى سبيل الله وطالبين مرضاته. قال الزجاج: وهو شرط جوابه متقدم وتقديره إن كنتم خرجتم جهاداً فى سبيلي وابتغاء مرضاتي فلا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء. و (جهاداً، وابتغاء) منصوبان على المفعول له. وقوله {تسرون إليهم بالمودة} فتكاتبونهم باخبار النبي صلى الله عليه وآله {وأنا أعلم بما أخفيتم وما أعلنتم} أي بسركم وعلانيتكم وظاهركم وباطنكم، لا يخفى عليّ من ذلك شيء، فكيف تسرون بمودتكم إياهم مني. وقوله {ومن يفعله منكم} يعنى من ألقى اليهم المودة والقى اليهم اخبار النبي صلى الله عليه وآله منكم جماعة المؤمنين بعد هذا البيان {فقد ضل سواء السبيل} أي قد عدل من الحق وجار عن طريق الرشد. وفي الآية دليل على ان مرتكب الكبيرة لا يخرج عن الايمان، لان حاطب بن أبي بلتعة رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله قد فعل ذلك، ولا يقول أحد انه أخرجه ذلك من الايمان.

الجنابذي

تفسير : {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} بالبيعة العامّة {لاَ تَتَّخِذُواْ عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَآءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِٱلْمَوَدَّةِ} قيل: نزلت فى خاطب بن ابى بلتعة وذلك انّ مولاة ابى عمرو اتت رسول الله (ص) من مكّة الى المدينة بعد بدرٍ بسنتين فقال لها رسول الله (ص): "حديث : امسلمةً جئت؟ - قالت: لا، قال: فما جاء بك؟ - قالت: احتجت حاجة شديدة فأتيتكم لترفعوا حاجتى، قال: فاين انت من شبّان مكّة؟ - وكانت مغنيّة نائحةً قالت: ما طلب منّى احد بعد وقعة بدرٍ فحثّ رسول الله (ص) عليها بنى عبد المطّلب فكسوها وحملوها وأعطوها نفقة، وكان رسول الله (ص) يتجهّز لفتح مكّة فأتاها خاطب بن ابى بلتعة وكتب معها كتاباً الى اهل مكّة واخبرهم انّ محمّداً (ص) يريدهم، فخرجت سارّةً ومعها الكتاب وكانت كتمته فى ذؤابتها، فنزل جبرئيل فأخبر النّبىّ (ع) فبعث رسول الله (ص) عليّاً وعمّارّاً وعمر والزّبير وطلحة والمقداد وابا مرثد وكانوا كلّهم فرساناً، وقال لهم: انطلقوا حتّى تأتوا روضة خاج وخذوا الكتاب منها، فخرجوا الى ذلك المكان فوجدوها به فقالوا لها: اين الكتاب؟ - فحلفت بالله ما معها كتابٌ ففتّشوها فلم يجدوا معها كتاباً فهمّوا بالرّجوع، فقال علىّ (ع): والله ما كذب رسول الله (ص) وسلّ سيفه وقال: اخرجى الكتاب والاّ والله لاضربنّ عنقك فأخرجته من ذؤابتها فرجعوا بالكتاب الى رسول الله (ص)، فقال لخاطب: ما حملك على ما صنعت؟ - قال: يا رسول الله (ص) والله ما كفرت منذ اسلمت ولا غششتك منذ نصحتك ولكن لم يكن احدٌ من المهاجرين الاّ وله بمكّة من يمنع عشيرته وكنت غريباً وكان اهلى بين ظهرانيّهم فخشيت على اهلى فأردت ان اتّخذ عندهم يداً وقد علمت انّ كتابى لا يغنى عنهم شيئاً {وَقَدْ كَفَرُواْ بِمَا جَآءَكُمْ مِّنَ ٱلْحَقِّ يُخْرِجُونَ ٱلرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ} من مكّة {أَن تُؤْمِنُواْ} لان تؤمنوا" تفسير : {بِٱللَّهِ رَبِّكُمْ إِن كُنتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَاداً فِي سَبِيلِي وَٱبْتِغَآءَ مَرْضَاتِي} شرط تهييجىّ {تُسِرُّونَ} تلقون {إِلَيْهِمْ} فى السّرّ او تظهرون اليهم فى السّرّ {بِٱلْمَوَدَّةِ} او تعلمونهم فى السّرّ من احوال الرّسول (ص) بسبب المودّة الّتى بينكم وبينهم {وَأَنَاْ أَعْلَمُ} فعل او افعل التّفضيل {بِمَآ أَخْفَيْتُمْ وَمَآ أَعْلَنتُمْ} فاُطلِع رسولى عليكم {وَمَن يَفْعَلْهُ مِنكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَآءَ ٱلسَّبِيلِ} وهو الصّراط الانسانىّ يعنى ضلّ سواء السّبيل الى الطّرق الشّيطانيّة.

فرات الكوفي

تفسير : {يا أيُّها الَّذينَ آمَنوا لا تَتَّخِذوا عَدُوّي وَعَدُوَّكُمْ أوْلِياءَ تُلْقُونَ إلَيْهِمْ بِالمَوَدَّةِ 1} قال: حدثنا أبو القاسم العلوي [قال: حدثنا فرات] معنعناً: عن ابن عباس رضي الله عنه في قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة} قال:حديث : قدمت سارة مولاة بني هاشم إلى المدينة فأتت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ومن معه من بني عبد المطلب فقالت: إني مولاتكم وقد أصابني جهد وقد أتيتكم أتعرض لمعروفكم. فكسيت وحملت وجهزت وعمدها حاطب بن أبي بلتعة أخو بني أسد بن عبد العزى فكتب معها كتاباً إلى أهل مكة بأن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد أمر الناس أن تجهزوا وعرف حاطب أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يريد أهل مكة فكتب إليهم يحذرهم، وجعل لسارة جعلاً على أن تكتم عليه و تبلغ رسالته ففعلت، فنزل جبرئيل عليه السلام على نبي الله فأخبره فبعث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم رجلين من أصحابه في أثرها: علي بن أبي طالب [عليه السلام. أ، ر] وزبير بن العوام وأخبرهما خبر الصحيفة فقال: إن أعطتكما الصحيفة فخلوا سبيلها وإلا فاضربوا عنقها، فلحقا سارة فقالا: أين الصحيفة التي كتبت معك يا عدوة الله؟ فحلفت بالله ما معها كتاب، ففتشاها فلم يجدا معها شيء فهمّا بتركها ثم قال أحدهما: والله ما كذبنا ولا كذبنا، فسل سيفه وقال: أحلف بالله لا أغمده حتى يخرجون الكتاب أو يقع في رأسك. - فزعموا أنه علي بن أبي طالب [عليه السلام. أ، ب]- قالت: فللّه عليكما الميثاق إن أعطيتكما الكتاب لا تقتلاني ولا تصلباني ولا ترداني إلى المدينة. قالا: نعم. فأخرجته من شعرها فخليا سبيلها ثم رجعا إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فأعطياه الصحيفة فإذا فيها من حاطب بن أبي بلتعة إلى أهل مكة أن محمداً قد نفر فإني لا أدري إياكم أريد أو غيركم فعليكم بالحذر. فأرسل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إليه فـأتاه فقال: تعرف هذا الكتاب يا حاطب؟ قال: نعم. قال: فما حملك عليه؟ فقال: أما والذي أنزل عليك الكتاب ما كفرت منذ آمنت ولا أجبتهم [أ: أحببتهم] منذ فارقتهم، ولكن لم يكن أحدٌ من أصحابك إلا وإن بمكة الذي يمنع عشيرته فأحببت أن أتخذ عندهم يداً، وقد علمت أنّ الله ينزل بهم بأسه ونقمته وأن كتابي لا يغني عنهم شيئاً. فصدقه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعذره فأنزل الله [تعالى. ر]: {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة} .

الأعقم

تفسير : {يأيها الذين آمنوا لا تخذوا عدوي وعدوكم أولياء}" حديث : الآية نزلت في حاطب بن أبي بلتعة لما كتب إلى قريش يخبرهم ببعض أمر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وقدومه مكة ليتخذ عندهم يداً، وكان ممن شهد بدراً فاعتذر إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بصدقه وقبل عذره، وقال: لا تقولوا له إلاَّ خيراً"تفسير : ، وقيل: "حديث : أن امرأة من مكة يقال لها سارة أتت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بعد بدر بسنتين، وكساها، وكان يجهز لفتح مكة وكان حاطب كتب إلى أهل مكة ودفعه إليها وأعطاها عشرة دنانير أن رسول الله يريدكم فخذوا حذركم، وخرجت المرأة ونزل جبريل أخبر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فبعث خلفها عليّاً وعمر وعماراً ومقداد فقال: "خذوا الكتاب وخلوا سبيلها فإن لم تدفعه اليكم فاضربوا عنقها"، فخرجوا وأدركوها بالمكان الذي قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، فقالوا: أين الكتاب؟ فحلفت ولم يجدوا في متاعها شيئاً، فهمّوا بالرجوع فقال علي بن أبي طالب: "والله ما كدتنا" وسلّ سيفه وقال: "أخرجي الكتاب وإلا ضربت عنقك" فأخرجت من ذؤابتها كتاباً فخلوا سبيلها، ورجعوا إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فدعا حاطباً وقال: ما حملك على ما صنعت، وقال: والله ما كفرت أردت أن اتخذ عندهم يداً لأن أهلي بين أظهرهم، فتركه"تفسير : ، معنى عدوي لمخالفته لأمري وهذه الموالاة المنهي عنها وهي الموالاة في الدين والتناصر {تلقون إليهم بالمودة} أي تفضون إليهم بمودتكم سراً {وقد كفروا بما جاءكم من الحق} يعني القرآن {يخرجون الرسول} من مكة {وإياكم أن تؤمنوا بالله} أي لأجل ايمانكم بالله {إن كنتم خرجتم جهاداً في سبيلي} يعني إن كان عرضكم في خروجكم وجهادكم وهجرتكم الإِيمان وطلب رضى الله فلا تتخذوه {تسرّون إليهم بالمودة} أي تخفون مودتهم {وأنا أعلم بما أخفيتم وما أعلنتم} أي سِرَّكم وعلانِيَّتكم {ومن يفعله منكم} يعني من يفعل هذه الأسرار فقد أخطا طريق الحق والصواب {إن يثقفُوكم} أي يظهروا عليكم {يكونوا لكم أعداء ويبسطوا إليكم أيديهم وألسنتهم بالسوء} قيل: أيديهم بالقتل وألسنتهم بالشتم، يعني لا يتركوا في إلحاق السوء بكم باليد واللسان {وودوا لو تكفرون} أي يحبون أن ترجعوا عن دينكم.

الهواري

تفسير : تفسير سورة الممتحنة، وهي مدنية كلها {بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} قوله عز وجل: {يَآ أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَآءَ} [يعني في الدين] {تُلْقُونَ إلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ} أي في الدنيا {وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَآءَكُم مِّنَ الْحَقِّ} أي: القرآن {يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ} أي أخرجوا الرسل {أَن تُؤْمِنُوا بِاللهِ رَبِّكُمْ} أي: إنهم أخرجوكم من مكة لأنكم آمنتم بربكم. ثم قال تعالى: {إِنْ كُنتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَاداً فِي سَبِيلِي وَابْتِغَآءَ مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ} وبأخبار النبي عليه السلام والمؤمنين. {وَأَنَا اعْلَمُ بِمَآ أَخْفَيْتُمْ وَمَآ أَعْلَنتُمْ وَمَن يَفْعَلْهُ مِنكُمْ} أي: ومن ينافق منكم. {فَقَدْ ضَلَّ سَوَآءَ السَّبِيلِ} أي: قصد الطريق طريق الهدى. {إِن يَثَقَفُوكُمْ} أي: إن يظفروا بكم {يَكُونُواْ لَكُمْ أَعْدَآءً وَيَبْسُطُواْ إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ} أي يقاتلوكم {وَأَلْسِنَتَهُم} أي: ويبسطوا إليكم ألسنتهم {بِالسُّوءِ} أي: بالشتم {وَوَدُّواْ لَوْ تَكْفُرُونَ} قال: {لَنْ تَنْفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ وَلاَ أَوْلاَدُكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ} أي: بين المؤمنين وبين المشركين، فيدخل المؤمنين الجنة ويدخل المشركين النار. قال تعالى: {وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ}. نزلت الآية في أمر حاطب بن أبي بلتعة. تفسير الكلبي أن حاطب بن أبي بلتعة كتب إلى أهل مكة أن محمداً قد نفر. ولا أدري إليكم يريد أم غيركم، فعليكم بالحذر. وكتب مع امرأة مولاة لبني هاشم وجعل لها جعلا، وجعلت الكتاب في خمارها. فجاء جبريل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره. فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم في طلبها عليّاً ورجلاً آخر ففتّشاها فلم يجدا معها شيئاً. فأراد صاحبه الرجوع فأبى علي. وسل عليها السيف وقال: ما كَذَبت ولا كُذبت. فأخذت عليهما عهدا إن أعطته إياهما ألا يردّاها. فأخرجت الكتاب من خمارها. قال الكلبي: فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم [إلى حاطب. فلما حضر] قال: هل تعرف هذا الكتاب يا حاطب. قال: نعم. قال: فما حملك على هذا. قال: أما والذي أنزل عليك الكتاب ما كفرت منذ آمنت، ولا أحببتهم منذ فارقتهم، ولم يكن من أصحابك أحد إلا وله بمكة من يمنع الذي له غيري، فأحببت أن أتخذ عندهم مودّة، وقد علمت أن الله منزل عليهم بأسه ونقمته، وإن كتابي لن يغني عنهم شيئاً، فصدّقه رسول الله وعذره، فأنزل الله فيه هذا.

اطفيش

تفسير : {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّى} بوزن صبور لكنه فيه ادغام {وَعَدُوَّكُمْ} كفار قريش {أَوْلِيَاءَ} مفعول ثان وغير كفار قريش داخل بلفظ الاية في النهي ولو كانت الاية في خصوص قريش بل نقول لفظها ومعناها في كل كافر ومن نزلت فيه من الكفار بعض منهم. {تُلْقُونَ} حال من واو تتخذوا أو نعت لاولياء مربوط بالهاء في قوله {إِلَيْهِم} جار على غير ما هو له ولم يبرز الضمير بان يقال تلقون انتم لان ابرازه شروط في الاسم دون الفعل كذا قيل قلت بل ابرازه شرط في الاسم والفعل نحو زيد عمر وضربه هو إذا كان الضارب زيدا بل ظهور الواو في الآية كاف مع بداية الفعل بالتاء الخاطبية على انه لو قيل انتم كان توكيدا للواو لا فاعل اللهم إلا ان يجهل الواو علامة ولا شك انه لا ضمير مستتر في الفعل ولم يشترط كثيرا الابراز إذا امن اللبس أو الجملة مستأنفة. {بِالمَوَدَّةِ} المحبة والنصحية مصدر ميمي والباء وحذفت الباء زائدة للتوكيد أو سببية والمفعول محذوف أي تلقون اليهم اخبار رسول الله صلى الله عليه سلم بسبب المودة واخبار المسلمين ملحقة باخباره الى الآن والفعل مبني للفاعل اصله تلقيون بكسر القاف نقلت اليها ضمة الياء وحذفت الياء للساكن. {وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَآءَكُمْ مِّنَ الحَقِّ} الوحي وقرأ الجحدري لما جاءكم بلام مكسورة أي كان ما يجب ان يكون سببا لايمانهم سبباً لكفرهم والجملة حال مترادفة من واو تتخذوا أو متداخلة من واو تلقون وان لم تجعل تلقون حالا فلا ترادف ولا تداخل. {يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ} من مكة حال من واو كفروا أو استئناف كالبيان للكفر وإيا مفعول لمحذوف الاصل ويخرجونكم ولما حذف العامل انفصل الضمير وفائدة إعادة العامل تقوية التنبيه والانفصال دليل عليها وليس إيا معطوفا على الرسول ولو كان ذلك المعنى مرادا لقال يخرجونكم والرسول لامكان الاتصال وقد يقال اياكم تحذير أي ويقولون اياكم ان تؤمنوا بالله ربكم أو ضمن يخرجون معنى يقولون وعلى التحذير فاصل العبادة اياكم ان تؤمنوا بالذي تقولون انه إلهاكم وربكم وهذا ممكن ممن يقول بوجود الله على معنى لا توحده بل اشركوا به وما ظهر لي إلا الوجهات وحفظت عن المرادي وتباعه ان مسوغ الانفصال كون الضمير مفصولا من عالمه بمتبوع. {أَن تُؤْمِنُوا} مفعول لاجله على حذف مضاف أي كراهة ان تؤمنوا ويقدر حرف التعليل أي لان تؤمنوا أو بان تؤمنوا {بِاللهِ رَبِّكُمْ} واخراجهم هو تضييقهم عليهم حتى خرجوا والخطاب في تؤمنوا وربكم وغيرهما تغليب الخطاب في قوله أياكم على الغيبة في قوله الرسول ورب بدل أو بيان أو نعت فافهم ومقتضى قوله عدوي ان يقول ان تؤمنوا بي وجاء بطريق الالتفات من التكلم للغيبة. {إِن كُنتُمْ خَرَجْتُمْ} جواب ان محذوف دال عليه لا تتخذوا أي ان كنتم خرجتم عن اوطانكم.{جِهَاداً} مفعول لاجله {فِى سَبِيلِى وَابْتِغَآءَ مَرْضَاتِى} فلا تتخذوا عدوي وعدوكم اولياء وقيل لا جواب لاداة الشرط في مثل ذلك للاستغناء بما قبلها عنه ولو ذكر كان تركزا دون فائدة. {تُسِرُّونَ إِلَيْهِم بِالمَوَدَّةِ} بدل من تلقون أو استئناف أي لا طائل لكم في الاسرار وقد علمتم ان الاخفاء والاعلان سيان عندي وانا مطلع رسولي على ما ترون. {وَأَنا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنتُمْ} أي اظهرتم واعلم اسم تفصيل أي اعلم منكم أو فقل مضارع والباء زائدة في معولة والأولى أولى وما موصول اسمي أي بما اخفيتموه وما اعلنتموه أو حرفي أي باخفائكم واعلانكم والمراد ما اسروا وما اظهروا من المودة وغيرها والمراضاة مصدر ميمي كالمودة قرنا بالتاء شذوذاً واجاز بعض كون تسرون حلا من واو تلقون وكونه خبراً لمحذوف. {وَمَن يَفْعَلَهُ} أي الاتخاذ أو الاسرار {فَقَدْ ضَلَّ سَوَآءَ السَّبِيلِ} مفعول ضل وعداه لتضمنه معنى اخطأ أو تعدى أي فقد اخطأ معتدل السبل مستقيمة والسواء في الاصل الوسط وعبارة بعض ان السواء الوسط ويجوز كونه ظرفا والسبيل دين الله.

اطفيش

تفسير : {بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. يَا أيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أوْلِيَاءَ} عدو الله هم كفار مكة الذين قضى الله أن لا يؤمنوا وهم عدو للمؤمنين أيضاً ومن قضى الله بإِيمانه عدو للمؤمنين بحسب الظاهر، وإِذا آمنوا رجعوا لولايتهم. نزلت فى حاطب بن عمرو أبى بلتعة مولى عبد الله بن حميد بن زهير ابن أسد بن عبد العزى وفى البخارى ومسلم وغيرهما عن على بعثنى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنا والمقداد فقال انطلقوا حتى تأْتوا روضة خاخ فإن بها ظعينة معها كتاب فخذوه منها فأتونى به، فخرجنا حتى أتينا الروضة فإِذا نحن بالظعينة فقلنا أخرجى الكتاب. فقالت: ما معى من كتاب فقلنا لتخرجن الكتاب أو لتلقين الثياب فأخرجته من عقاصها فأتينا به النبى - صلى الله عليه وسلم - فإِذا فيه من حاطب بن بلتعة إِلى أناس من المشركين بمكة يخبرهم ببعض أمر النبى - صلى الله عليه وسلم - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - توجه إِليكم بجيش كالليل يسير كالسيل والله لو سار إِليكم وحده لنصره الله عليكم فإِنه منجز له وعده. فقال النبى - صلى الله عليه وسلم - "حديث : ما هذا يا حاطب".تفسير : قال: لا تعجل علىَّ يا رسول الله، كنت امرءاً ملصقا فى قريش ولم أكن من أنفسها وكل من معك من المهاجرين إِذ فاتنى ذلك من النسب فيهم أن أصنع إِليهم يدا يحمون بها قرابتى يعنى بنيه وأخوته وأُمه وما فعلت ذلك كفراً ولا ارتداداً عن دينى. فقال عمر رضى الله عنه: دعنى يا رسول الله أضرب عنقه ويروى دعنى يا رسول الله أضرب عنق هذا المنافق. فقال - صلى الله عليه وسلم -: "حديث : إِنه شهد بدراً وما يدريك لعل الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم"تفسير : . ففاضت عينا عمر ونزلت الآية والمرأة تدعى أم سارة مولاة لقريش وقيل سارة مولاة لأبى عمرو بن صيفى بن هاشم ويجمع بأَنها سارة سميت بنتها باسمها. وعن أنس أنه - صلى الله عليه وسلم - بعث عمر وعلياً فلحقاها فلم يريا معها شيئاً فرجعا ثم قالا والله ما كذب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فرجعا إِليها وسلا سيوفهما وقالا: والله لتعطينا الكتاب أو نقتلك. فأنكرت ثم قالت أعطيكما على أن لا تردانى إِلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقالا: نعم أى لأنه صلى الله عليه وسلم لم يأمرهما بالإِتيان بها بل بالكتاب بل أمرهما أن يأخذا منها الكتاب ويخليانها وإِن أبت فليقتلاها. فقالت: أعرضا عنى ففعلا فحلته من عقاصها فأعطتهما إِياه أى كأنما أعرضا عن أن ينكشف لهما رأسها فقد يريانها تحرك عقاصها ولا يريان شعرها أو أخبرت هى بذلك، أو أخبرهما رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه فى عقاصها واستشكل رجوعهما كيف يرجعان وقد جاء الوحى أن الكتاب معها ويجاب بأنهم نسوا أنهم جاءوا من رسول الله، أو توهموا أنه - صلى الله عليه وسلم - أمرهم لشهادة من شهد عليها بذلك لا لوحى جاءه بأن الكتاب معها. وروضة خاخ قريب من حمراء الأسد من المدينة على الصحيح وقيل موضع قريب من مكة والمشهور الصحيح أن المبعوثين إِليها علي والزبير والمقداد وقيل الثلاثة وعمر وعمار وطلحة وأبو مرثد على أفراسهم ويروى أن سارة التى ذكرت جاءت ورسول الله صلى الله عليه وسلم - يتجهز لفتح مكة فقال لها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أمسلمة جئت؟ قالت: لا. قال: أمهاجرة؟ قالت: لا. قال: فما جاء بك؟ قالت: كنتم الأهل والعشيرة والموالى وقد ذهب الموالى واحتجت حاجة شديدة فقدمت عليكم لتعطونى وتكسونى وتحملونى فقال: أين أنت من شبان مكة وكانت مغنية نائحة. قالت: ما طلب منى شئ بعد وقعة بدر فحث عليها بنو عبد المطلب فأعطوها وكسوها وحملوها والإِعطاء إِعطاء الدراهم وفى رواية أعطوها نفقة وكتب حاطب الكتاب لأهل مكة توصله وأعطاها عشرة دنانير وكساها. ويروى أنه - صلى الله عليه وسلم - آمن جميع الناس يوم فتح مكة إِلا أربعة هى أحدهم. وفيه أنه أمرهم بتخليتها بعد أن يأخذوا الكتاب منها فكيف يأمر بقتلها اللهم إِلا لحدث آخر أحدثته وأيضاً هى مأمورة لم يؤثر فعلها شيئاً. وفى قول عمر دليل على قتل الجاسوس إِذ لم ينهه - صلى الله عليه وسلم - إِلا لكونه من أهل بدر وفى تسمية المشركين عدو الله وفى ذكر أن عدو الله عدوكم مدح للإِسلام لأن المعنى لا تتخذوا من اتصف بعداوتى وعداوتكم أولياء عدوك وعدو صديقك وصديق عدوك كلهم أعداؤك. شعر : إِذا صافى صديقك من تعادى فقد عاداك وانقطع الكلام تفسير : ولما كان عدو بوزن المصدر اللازم من المفتوح كالقعود والمرور صح إِطلاقه على ما فوق الواحد {تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ} تفسير للاتخاذ أو للموالاة أو مستأنف عيباً عليهم بأنهم يلقون إِليهم بالمودة مع أنهم قد كفروا بما جاء من الحق كما قيد ذلك بجملة الحال من قوله تعالى {وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِّنَ الْحَقِّ} ويجوز أن يكون حالا من واو اتخذوا أو نعت لأولياء على جواز عدم إِبراز ضمير ما جرى على غير ما هو له إِذا فهم، إِذ لم يقل تلقى أنتم ويجوز أن يكون قوله تلقون إِلخ مفعولا ثانياً بعد مفعول ثان كالإِخبار بشيئين فيكون لها مدخل فى النهى كأنه قيل لا تتولوهم ولا تلقوا إِليهم بالمودة والحال أنهم قد كفروا وصاحب الحال واو تلقون أو تتخذون أو عدوى ومن العجيب جعلها مستأنفة، إِلا أن يقال المراد استئناف ذم لهم تنفيرا عنهم ومن وراء هذا أن الحق أن الواو لا تكون للاستئناف وإِلقاء المودة إِيصالها إِليهم بالإِخبار بما يوجب الحب، وذلك أنهم يلقون إِليهم أخباره - صلى الله عليه وسلم - ويدل للإِيصال لفظ إِلى وإِيصال ما هو معنى إِلى كذا حقيق لا مجاز وأما التعبير عن هذا الإِيصال بالإِلقاء فمجاز كما أن استعمال الإِلقاء بمعنى الإِظهار مجاز والباء صلة فى المفعول به قبلها فى قوله تعالى: {أية : ولا تلقوا بأيديكم إِلى التهلكة} تفسير : [البقرة: 195] أو للسببية أى ترسلون إِليهم الأخبار بسبب المودة بينكم والجمع لكون حاطب له فى ذلك من يوافقونه لضعف إِيمانهم {يُخْرِجُونَ} الخ حال من واو كفروا فيما قيل أو حال ثانية مما قوله عز وجل تلقون حال منه أو مستأنفة لذمهم والتنفير عنهم والمضارع لاستحضار ما مضى كالحاضر المشاهد ومر أن إِخراج الرسول والمؤمنين تضييق عليهم حتى خرجوا فذلك قوله تعالى يخرجون {الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ} أيها المؤمنون {أن تُؤْمِنُوا} أى لأن تؤمنوا أى لإِيمانكم أو لئلا تؤمنوا أو كراهة أن تؤمنوا، وفى تؤمنوا قيل تغليب لمن آمن على من لم يؤمن وفيه أن من لم يؤمن لم يخرجوه والخطاب خاص بالمؤمنين {بِاللهِ رَبِّكُمْ} مقتضى الظاهر أن تؤمنوا بى كما قال سبيلى ومرضاتى ولكن ذكر لفظ الجلالة والرب إِعظاماً للأُلوهية والربوبية الموجبتين للإِيمان كيف تخالفان {إِن كُنتمْ خَرَجْتُمْ} من مكة مهاجرين وليس المراد إِن كنتم خرجتم إِلى الجهاد كما قال به بعض لأن قصة حاطب ليست خروجاً إِليه ولو قصد بالخروج منها الجهاد بعد، والآية نزلت فى قصته إِلا أن يراد بالجهاد المخروج إِليه مطلق تقوية دين الله عز وجل لا خصوص الغزو. كما أن المراد بالجهاد فى قوله عز وجل {جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي} تقوية دين الله عز وجل مطلقا وجملة الشرط متعلقة بقوله عز وجل لا تتخذوا المغنى عن جوابه ولا يصح أن يكون حالا إِذ الحال لا تكون أمراً مشكوكاً فيه شطر كلام، وإِذا كانت جملة شرط وجواب جاز اعتباراً للجواب لأن الجواب يجزم به تحقيقاً أو حكما ولا نسلم أن قولك وإِن كان غنياً من جملة أكرم زيداً وإِن كان غنياً حال ولا يعقله عاقل ولو قيل به بل عطف على محذوف أى إِن لم يكن وإِن كان غنياً فقد يكون مجموع المحذوف والمذكور حالا إِذ ليس المعنى على إِنشاء الشك بل المعنى أكرمه فقيراً أو غنياً ولا سيما أنه من أجاز الحالية يشترط الواو ويزعم أنها واو الحال كالمثال وأجازه ابن جنى فى الخصائص: الحالية فى ذلك بلا واو لا تسلم أيضاً كما لا تسلم مع الواو وأيضاً من أجاز اشترط أن يكون ما ذكر ضد الماصدق كالمثال ولا عاقل يفهم الحالية من الآية ومن قولك لا تخذلنى إِن كنت صديقى، وأى بلاغة فى حالية ذلك يحمل عليها القرآن البليغ والنصب فى الآية على التعليل أى للجهاد والابتغاء فلا حاجة إِلى تقدير مضاف أو التأويل باسم الفاعل والنصب على الحالية. {تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بالْمَوَدَّةِ} أعاده ليبنى عليه قوله عز وجل {وَأَنَا أعْلَمُ} منكم {بِمَا أخفيْتُمْ وَمَا أعْلَنتُمْ} والجملة حال زيادة فى الزجر وجملة تسرون مستأنفة جواب لسؤال كأنه قيل لم عوتبنا فقيل تسرون أى لأنكم تسرون أو بدل كل من تلقون إِن أُريد الإِلقاء سراً أو بدل بعض إِن أُريد مطلق الإِلقاء سراً أو جهراً أو بدل اشتمال لان الإِسرار مما يناسب الإِلقاء والإِسرار صفة من صفات الإِلقاء لا نفس الإِلقاء فبدل الاشتمال أولى، وبه قال الإِمام أبو حيان واعلم اسم تفضيل باق على التفضيل أو مضارع والباء للالصاق المجازى على الوجهين أو زائدة للتأكيد فى مفعول المضارع والتفضيل أولى والمضارع للاستمرار وما اسم أى بما أخفيتموه وما أعلنتموه قيل أو مصدرية أى بنفس إِخفائكم وفيه أنه إِن أبقى على معنى المصدرية ضعف المعنى لأن العلم بنفس المخفى والمعلن به أقوى وأفيد من العلم بنفس الإِخفاء والإِعلان، وإِن أول بمفعول فتكلف لأنه يغنى عنه إِبقاء ما على الاسمية وفى الآية استواء الإِسرار والجهر عند الله عز وجل ولذا قدم الإِخفاء وأنه لا فائدة فى إِسرارهم مع أن الله يعلم ما يسرون ويخبر به نبيه - صلى الله عليه وسلم - ويعاقب عليه من لم يتب. {وَمَن يَفْعَلهُ} أى الاتخاذ أو الإِسرار قولان والأولى هما معاً بتأْويل ما ذكر {مِنكُمْ} خصوا بالذكر لأنهم فعلوه ومثلهم غيرهم إِن فعله {فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ} أخطأ الطريق السواء وضل قد يتعدى لاثنين كما هنا وقيل سواء ظرف وفيه أنه ليس فى الطريق السواء فضلا عن أن يقال ضل فيه بل هو خارجه، وإِضافة سواء إِضافة نعت لمنعوت والأصل السبيل السواء أى المستوى الحق. {إِن يَثْقفُوكُمْ} يظفروا بكم والأصل فى الثقف الأخذ بالحذق والحيلة وفعل شئ بهما واستعمل فى مطلق الأخذ والظفر لعلاقة الإِطلاق والتقييد والواو للأعداء {يَكُونُوا لكُمْ أعْدَاءً} ضارين لكم ديناً ودنيا ولا يقنعوا منكم بالإِسرار إِليهم الذى فعلتم أو أعداء ظاهرة صريحة أى تظهر عداوتهم وقد صرح أول السورة بالعداوة فالمراد هنا هو إِظهارها، ولذلك قيل المراد هنا لازم العداوة وهو ظهور عدم نفع التودد {وَيَبْسُطُوا إِليْكُمْ أيْدِيَهُمْ وَألْسِنَتُهُم بِالسُّوءِ} الضرب بالأَيدى والأسر والشتم بالأَلسنة والضرب بالعصا والسيف ضرب باليد. {وَوَدُّوا لَوْ تَكفُرُونَ} عطف على ضل الخ فهو للاستقبال كما هو جواب الشرط أو المراد بالود إِظهاره على أنه قد تقدم ودهم أن تكفروا كما لا يخفى أو المراد زيادة الود أو قوته لأَنه ولو تقدم فيهم ينهضون فيه ضرورة إِذا قهروكم أو تقدمت بالنوع وكانت بعد الغلبة منهم بالإِفراد منكم أو العطف على مجموع إِن الشرطية فلا يتسلط عليه معنى الشرط كما تسلط إِذا عطف على جوابه. ولا إِشكال فى تسلطه لما علمت من تأويل الود بلازمه أو بإِظهاره مع أنه قد يكون العطف على الجواب لشدة الارتباط وليس مقصودا بالذات للشرط نحو إِن ظفرت بغريمى أخذت حقى منه وأخله وقد يتوسط ما بالذات كما إِذا جعلنا المقصود بالذات هنا هو يبسطوا، وأما العداوة وود كفركم فلشدة الارتباط وعبر فى الود بالماضى لأن ود الكفر أهم شئ للمشركين وأسبقه أن يكون من المؤمنين لعلمهم رغبة المؤمنين فى الإِيمان فيهتموا أن ينزعوا منهم أحب الأشياء إِليهم الذى بذلوا فيه أنفسهم وأموالهم ودنياهم. {لَن تَنفَعَكُمْ} بالتنجية من النار ولا بإِدخال الجنة {أرْحَامُكُمْ وَلا أوْلاَدُكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} أقاربكم ولا أبناؤكم وبناتكم الذين تخونون الله ورسوله من أجلهم بإِفشاء أسراره إِلى المشركين من أجلهم حماية عنهم وأصل الرحم مستقر الجنين من المرأة فى بطنها واستعمل فى الأقارب أو القرابة حتى صار كالحقيقة أو صار حقيقة فالمراد القرابة أو الأقارب، ويجوز أن يجعل مجازاً عن أحدهما أو يقدر مضاف أى ذوو أرحامهم ويناسب كونه بمعنى الأقارب أو ذوى القرابة قوله تعالى ولا أولادكم ويوم متعلق بتنفع ويجوز تعليقه بقوله تعالى {يَفْصِلُ} وقوله {بَيْنكُمْ} نائب الفاعل بنى على الفتح لإِضافته لمبنى راسخ فى البناء وهو الضمير كذا قيل أو نائبه ضمير الفصل أى يفصل الفصل أى يوقع الفصل وقيل تجوز نيابة الظرف مع بقائه معربا منصوبا، و المراد بالفصل بينهم الفصل بالهول كما قال تعالى: {أية : يوم يفر المرء من أخيه وأمه} تفسير : [عبس: 34 - 35] الخ وكل يقول نفسى نفسى بلسان الحال، وقد يكون بلسان القال إِذا طلب نفعا من نحو قريب أو صديق أو زوج. {وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} تجازون عليه وأكد الزجر عن رفض حق الله عز وجل لنحو القرابة بقوله تعالى {قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} الخ لأن الحب فى الله والبغض فى الله من أوثق عرى الإِسلام والأسوة الإِيتاء أى الاقتداء ففى بمعنى الباء فى قوله تعالى {فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ} أو أسوة خصلة يقتدى بها وفى على ظاهرها يتعلق بمحذوف نعت لأسوة ويجوز أن يكون أسوة شخص يقتدى به مأخوذ من إِبراهيم والمؤمنين كقولك رأيت من زيد بحرا فيكون تجريداً وفى إِبراهيم يتعلق بمحذوف نعت أيضاً ولكم خبر كان وأسوة اسمه أو متعلق به وأسوة فاعلة، أو تعلق فى بكانت أو بمحذوف خبر ثان أو نعت ثان، والذين معه هم المؤمنون لأنهم ولو لم يكونوا فى حين مكافحته لنمروذ لكن وجدوا بعد ذلك فلا حاجة إِلى ما قيل إِن الذين معه هم الأنبياء قبله القريبين من عصره قبله وبعده والداعى لذلك أنه لم يوجد وقت المكافحة مؤمن إِلا هو وسارة. كما روى أنه لما هاجر إِلى الشام قال لسارة ما على وجه الأرض من يعبد الله غيرى وغيرك. {إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَءَاءُ مِنْكُمْ} الخ قالوا هذا بعد وجودهم ولا إِشكال والخطاب للمشركين وانظر كيف يتعلق إِذ بكان أو بخبرها مع أن المخاطبين لم يوجدوا فى زمان إِبراهيم ومن معه الجواب أنه ثبت للمخاطبين ذلك من زمان إِبراهيم كما تقول هذا العبد لولد فلان إِذا ولد ومن العجيب جعل بعضهم إِذ بدلا من أسوة مع أن الوقت ليس نفس الأسوة ولا بعضها ولا اشتملت عليه الأسوة وتعالى الله عن البداء والغلط وكأنه راعى اشتمال الوقت على قول إِنا برءاء منكم الذى هو أسوة فيكون بدل اشتمال بتكلف ومفرد برءاء برئ ككريم وكرماء وشريف وشرفاء {وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُون اللهِ} من الأصنام والكواكب وغيرها، وبين البراءة بقوله تعالى {كفَرْنَا بِكُمْ} الخ والخطاب للقوم وما يعبدون تغليباً للمخاطب على الغائب وللعاقل على غيره، فلا حاجة إِلى تقدير كفرنا بكم وبما تعبدون تمسكاً بدلالة ما قبله عليه، و الكفر بذلك استعارة بأن شبه الكفر بذلك بالكفر بما لا يجوز الكفر به، لجامع مطلق النفى، وذلك مشاكلة وتهكم أو ذلك كناية عن عدم الاعتداد بشأْنهم وشأْن ما يعبدون. {وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ} ضد الصداقة والصداقة المحبة {وَالْبَغْضَاءُ} شدة البغض ضد الحب، وقيل العداوة منافاة الالتئام قلباً والبغض نفار النفس عن الشئ، وتستعمل العداوة فى التخاذل دون البغضاء، فإِنها ما فى القلب من النفار فقط {إِلاَّ قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ لأسْتَغْفِرَنَّ لَكَ} القول باق على المصدرية، فما بعده مفعول به له أو بمعنى مقول فما بعده بيان أو بدل، وذلك استثناء من أسوة منقطع، أى لكم الاقتداء بإِبراهيم عليه السلام، والذين معه فى البراءة من الكفرة، لكن استغفاره للكافر ليس لكم الاقتداء به فيه، فتجب عليكم البراءة من الكافرين ويحرم عليكم الاستغفار وإِبداء الرأفة. قال الله تعالى: {أية : ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم} تفسير : [التوبة: 113]. أى من بعد ما تبين لهم أن المشركين لا يدخلون الجنة بل النار، وخص الله عز وجل إِبراهيم بالاستغفار لأبيه المشرك، ثم أخبره الله أنه يموت مشركاً ونهاه عن الاستغفار له، وعِلْمُه بموته مشركا لا أول له، ويجوز أن يكون الاستثناء متصلا من محذوف، أى لقد كان لكم أسوة حسنة فى كلام إِبراهيم لقومه وأُموره من فعل واعتقاد إِلا قوله لأبيه: لأستغفرن لك، أى إِلا الاستغفار للمشرك، فلا تقتدوا به فيه فإِنه أمر خص به ثم نسخ له إِن الله لا يغفر أن يشرك به، وإِذا فسرنا الأسوة بإنسان مجرد من إِبراهيم، فالاستثناء منقطع ولا بد وإذا فسر بأمر يقتدى فيه به صح الاتصال والانقطاع، وما كان استغفار إِبراهيم لأبيه إِلا عن موعدة وعدها إِياه سأستغفر لك ربى، وتوجيه الاستثناء إلى الوعد بالاستغفار مع أن الموعود هو الاستغفار وقد أنجزه بقوله: واغفر لأبى، إن الوعد هو الحامل له على الاستغفار، فأولى أن يستثنى نفس الاستغفار. وقيل وعده بالاستغفار كناية عن الاستغفار، إذ كان وعده لا يتخلف ولا سيما أنه قد أكده، وليس وعده بالاستغفار ولا استغفاره معصية منه وليس معصية أيضاً من غيره حتى ينزل المانع وهو الوحى. وزعم قوم أن اسغفاره فى الدنيا وتبين أنه من أصحاب الجحيم فى الآخرة، وهو خلاف الظاهر، ووجه أنه استعمل التبين المستقبل بمنزلة الواقع الماضى لتحققه بعد وعدم تخلفه وليس بشئ. {وَمَا أمْلِكُ لَكَ مِنَ اللهِ مِن شَىْءٍ} الجملة حال من الضمير فى استغفرن ومن الاولى للابتداء تتعلق بأملك أو بمحذوف حال من شئ، والثانية صلة فى المفعول به ولو ملكت أكثر من الاستغفار لبذلته لك ومورد الاستثناء الاستغفار لنفسه، وأما لا أملك لك من الله من شئ فإظهار للعجز وتوحيد. {رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنا وَإِلَيْكَ أنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ. رَبَّنا لاَ تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِّلَّذِينَ كَفَرُوا وَاغْفِرْ لنَا رَبَّنَا إِنَّكَ أنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} منصوب بقول محذوف معطوف على قالوا إِنا برءاء منكم الخ. أى وقالوا ربنا الخ، وهو من كلام إِبراهيم عليه السلام والذين معه، ويجوز أن يدخل فى قوله إِلا قول إِبراهيم فيكون مجموع قوله لأَستغفرن إِلى العزيز الحكيم مقولا للقول، أى إِلا مقول إِبراهيم الذى هو هذه الألفاظ، أو إِلا ذكر إِبراهيم هذه الألفاظ وهى ألفاظ حق وتوحيد لا تنسخ ولا تبطل فى حق أحد ما. والاستثناء منقطع فلا يضرنا بل لو جعلناه متصلا أيضاً لصح على أن الاستثناء منصب على المقيد وهو لأَستغفرن لك، لا على المقيد وهو ما أملك لك الخ. ويجوز كونه مفعولا بفعل أمر محذوف لهذه الامة، أى قولوا ربنا أو يقدر بالواو عطفاً على لا تتخذوا، والخطاب للأمة أيضاً وأنبنا رجعنا مما يكون من معصية وإِهمال إِلى الطاعة وتوكلنا فى جلب المصالح ودفع المكاره، وتقديم الجارين والمجرورين الأَولين للاهتمام والحصر، والثالث كذلك وللفاصلة، ومعنى لا تجعلنا فتنة الخ. لا تجعلنا مفتونين للذين كفروا أى معذبين لهم بفتح الذال. كما قال مجاهد لا تعذبنا بأَيديهم أو لا تجعلنا فاتنين لهم فى الدين بأَن تعذبنا بما شئت فيظنوا أنك عذبتنا لبطلان ديننا وحقية دينهم. {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ} أيها المؤمنون {فِيهِمْ} فى إِبراهيم والذين معه {أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} مثل ما مر {لِّمَن} بدل كل من لكم وإِن جعلنا الخطاب للناس عموماً فبدل بعض، والصحيح جواز إِبدال الظاهر من الضمير مطلقاً وخص الجمهور الجواز ببدل البعض والاشتمال والغلط قيل أو صفة لحسنة، والأَولى فى النعت أن يكون نعتاً لأُسوة ثانيا، ويجوز تعليقه بحسنة. والمعنى على الإِبدال ظاهر، وأما وصف أسوة أو حسنة به أو تعليقه بحسنة فكيف يكون كذلك مع قوله لكم الجواب، إِنه كقولك إِن لك فى الدار انتفاعاً تاماً لمن يريد فلكم أسوة تحسن أو تثبت للراجين فكن منهم. {كَانَ يَرْجُو اللهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ} أى ثواب الله أو لقاء الله ونعيم الآخرة أو النصر على الأَعداء ويوم القيامة خصوصاً، والرجاء الطمع والأَمل أو الخوف، والأَول أولى وذلك إِشارة إِلى أنه من يرجو الله واليوم الآخر لا يترك الاقتداء بهم وإِن ترك الاقتداء بهم كإِنكار البعث والجزاء، وكأَنه متولٍ عن الإِيمان، كما أشار إِليه بقوله عز وجل {وَمَن يَتَوَلَّ} عن الطاعة ومنها ذلك الاقتداء، أو عن الإِيمان ويلتحق به من تولى عن الاقتداء {فَإِنَّ اللهَ هُوَ الْغَنِىُّ} عن الاقتداء وعن كل شئ {الْحَمِيدُ} المحمود فى صفاته وأقواله وأفعاله. {عَسَى اللهُ أن يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ} خطاب للمؤمنين {وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُم مِّنْهُم} من أقاربكم المشركين الذين صبرتم على فراقهم لوجه الله وزل من زل فى شأْنهم كحاطب {مَوَدَّةً} حباً لدخولهم فى دين الإِسلام بعد بغضهم لمخالفته من الآباء والأَبناء والأُمهات وسائر الأَقارب بل والأَصحاب والجيران وهذه منة من الله تعالى وعدها للمؤمنين تطييباً لأَنفسهم وتسلية أنجزها الله فى إِفراد قبل الفتح وفى العموم بعده، ومن ذلك إِسلام أبى سفيان بن حرب وغيره من مسلمة الفتح وفيه أسلم أكثر أهل مكة {وَاللهُ قَدِيرٌ} على الأَشياء كلها ومنها التوفيق للإِيمان الذى تحصل به المودة {وَاللهُ غَفُورٌ} لمن زل فى شأْنهم وتاب ولغيره ممن تاب من شرك وما دونه {رَّحِيمٌ} بالنعم بعد التنجية من العذاب.

الالوسي

تفسير : {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ عَدُوّى وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاء } نزلت في حاطب بن عمرو أبـي بلتعة ـ وهو مولى عبد الله بن حميد بن زهير بن أسد بن عبد العزى ـ أخرج الإمام أحمد والبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن حبان وجماعة « حديث : عن علي كرم الله تعالى وجهه قال: بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا والزبير والمقداد فقال: انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ فإن بها ظعينة معها كتاب فخذوه منها فأتوا به فخرجنا حتى أتينا الروضة فإذا نحن بالظعينة فقلنا: أخرجي الكتاب قالت: ما معي من كتاب قلنا: لتخرجن الكتاب أو لتلقين الثياب فأخرجته من عقاصها فأتينا به النبـي صلى الله عليه وسلم فإذا فيه: من حاطب بن أبـي بلتعة إلى أناس من المشركين بمكة يخبرهم ببعض أمر النبـي صلى الله عليه وسلم فقال النبـي عليه الصلاة والسلام ما هذا يا حاطب؟! قال: لا تعجل عليّ يا رسول الله إني كنت امرءاً ملصقاً في قريش ولم أكن من أنفسها وكان / من معك من المهاجرين لهم قرابات يحمون بها أهليهم وأموالهم بمكة فأحببت إذ فاتني ذلك من النسب فيهم أن أصطنع إليهم يداً يحمون بها قرابتي وما فعلت ذلك كفراً ولا ارتداداً عن ديني [فقال النبي صلى الله عليه وسلم صدق] فقال عمر رضي الله تعالى عنه: دعني يا رسول الله أضرب عنقه فقال عليه الصلاة والسلام: إنه شهد بدراً وما يدريك لعل الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم فنزلت {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ عَدُوّى وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاء } » تفسير : الخ. وفي رواية ابن مردويه عن أنس أنه عليه الصلاة والسلام بعث عمر وعلياً رضي الله تعالى عنهما في أثر تلك المرأة فلحقاها في الطريق فلم يقدرا على شيء معها فأقبلا راجعين ثم قال أحدهما لصاحبه: والله ما كذبنا ولا كذبنا ارجع بنا إليها فرجعا فسلا سيفيهما وقالا: والله لنذيقنك الموت أو لتدفعن الكتاب فأنكرت ثم قالت: أدفعه إليكما على أن لا ترداني إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقبلا ذلك فأخرجته لهما من قرون رأسها، وفيه ـ على ما في «الدر المنثور» ـ أن المرأة تدعى أم سارة كانت مولاة لقريش، وفي «الكشاف» يقال لها: سارة مولاة لأبـي عمرو بن صيفي بن هاشم. وفي صحة خبر أنس تردد، وما تضمنه من رجوع الإمامين رضي الله تعالى عنهما بعيد، وقيل: إن المبعوثين في أثرها عمر وعلي وطلحة والزبير وعمار والمقداد وأبو مرثد وكانوا فرساناً، والمعول عليه ما قدمنا، والذين كانوا له في مكة بنوه وإخوته على ما روي عن عروة بن الزبير عن عبد الرحمن بن حاطب المذكور، وفي رواية لأحمد عن جابر أن حاطباً قال: كانت والدتي معهم فيحتمل أنها مع بنيه وإخوته. وصورة الكتاب ـ على ما في بعض الروايات ـ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم توجه إليكم بجيش كالليل يسير كالسيل، وأقسم بالله لو سار إليكم وحده لنصره الله عليكم فإنه منجز له ما وعده. وفي الخبر السابق على ما قيل: دليل على جواز قتل الجاسوس لتعليله صلى الله عليه وسلم المنع عن قتله بشهوده بدراً ـ وفيه بحث ـ وفي التعبير عن المشركين بالعدو مع الإضافة إلى ضميره عز وجل تغليظ لأمر اتخاذهم أولياء وإشارة إلى حلول عقاب الله تعالى بهم، وفيه رمز إلى معنى قوله: شعر : إذا صافى صديقك من تعادى فقد عاداك وانقطع الكلام تفسير : والعدو فعول من عدا كعفو من عفا، ولكونه على زنة المصدر أوقع على الجمع إيقاعه على الواحد. ونصب {أَوْلِيَاء } على أنه مفعول ثان ـ لتتخذوا ـ. وقوله تعالى: {تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِٱلْمَوَدَّةِ } تفسير للموالاة أو لاتخاذها أو استئناف فلا محل لها من الإعراب. والباء زائدة في المفعول كما في قوله تعالى: { أية : وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى ٱلتَّهْلُكَةِ } تفسير : [البقرة: 195] وإلقاء المودة مجاز عن إظهارها، وتفسيره بالإيصال أي توصلون إليهم المودة لا يقطع التجوز. وقيل: الباء للتعدية لكون المعنى تفضون إليهم بالمودة. وأفضى يتعدى بالباء كما في «الأساس»، وقيل: هي للسببية والإلقاء مجاز عن الإرسال أي ترسلون إليهم أخبار النبـي صلى الله عليه وسلم بسبب المودة التي بينكم، وعن البصريين أن الجار متعلق بالمصدر الدال عليه الفعل، وفيه حذف المصدر مع بقاء معموله، وجوز كون الجملة حالاً من فاعل {لاَ تَتَّخِذُواْ } أو صفة ـ لأولياء ـ ولم يقل ـ تلقون إليهم أنتم ـ بناءاً على أنه لا يجب مثل هذا الضمير مع الصفة الجارية على غير من هي له، أو الحال، أو الخبر، أو الصلة سواء في ذلك الاسم والفعل كما في «شرح التسهيل» لابن مالك إذا لم يحصل إلباس نحو زيد هند ضاربها أو يضربها بخلاف زيد عمرو ضاربه أو يضربه فإنه يجب معه هو لمكان الإلباس. / وزعم بعضهم أن الإبراز في الصفات الجارية على غير من هي له إنما يشترط في الاسم دون الفعل كما هنا ومنع ذلك، وتعقب الوجهان بأنهما يوهمان أنه تجوز الموالاة عند عدم الإلقاء فيحتاج إلى القول بأنه لا اعتبار للمفهوم للنهي عن الموالاة مطلقاً في غير هذه الآية، أو يقال: إن الحال والصفة لازمة ولذا كانت الجملة مفسرة وقوله تعالى: {وَقَدْ كَفَرُواْ بِمَا جَاءكُمْ مّنَ ٱلْحَقّ } حال من فاعل {لاَ تَتَّخِذُواْ } وهي حال مترادفة إن كانت جملة {تُلْقُونَ } حالية أيضاً أو من فاعل {تُلْقُونَ } وهي متداخلة على تقدير حاليتها، وجوز كونه حالاً من المفعول وكونه مستأنفاً. وقرأ الجحدري والمعلى عن عاصم ـ لما ـ باللام أي لأجل ما جاءكم بمعنى جعل ما هو سبب للإيمان سبب الكفر. {يُخْرِجُونَ ٱلرَّسُولَ وَإِيَّـٰكُمْ } أي من مكة {أَن تُؤْمِنُواْ بِٱللَّهِ رَبّكُمْ } أي لإيمانكم أو كراهة إيمانكم بالله عز وجل. والجار متعلق ـ بيخرجون ـ والجملة قيل: حال من فاعل {كَفَرُواْ } أو استئناف كالتفسير لكفرهم كأنه قيل: كيف كفروا؟ وأجيب بأنهم كفروا أشد الكفر بإخراج الرسول عليه الصلاة والسلام والمؤمنين لإيمانهم خاصة لا لغرض آخر، وهذا أرجح من الوجه الأول لطباقه للمقام وكثرة فوائده. والمضارع لاستحضار الحال الماضية لما فيها من مزيد الشناعة، والاستمرار غير مناسب للمعنى. وفي {تُؤْمِنُواْ } قيل: تغليب للمؤمنين. والالتفات عن ضمير المتكلم بأن يقال: بـي إلى ما في النظم الجليل للإشعار بما يوجب الإيمان من الألوهية والربوبية. {إِن كُنتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَاداً فِى سَبِيلِى وَٱبْتِغَاء مَرْضَاتِى } متعلق بقوله تعالى: {لاَ تَتَّخِذُواْ } الخ كأنه قيل: لا تتولوا أعدائي إن كنتم أوليائي فجواب الشرط محذوف دل عليه ما تقدم، وجعله الزمخشري حالاً من فاعل {لاَ تَتَّخِذُواْ } ولم يقدر له جواباً أي لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء والحال أنكم خرجتم لأجل الجهاد وطلب مرضاتي. واعترض بأن الشرط لا يقع حالاً بدون جواب في غير إن الوصلية، ولا بد فيها من الواو وأن ترد حيث يكون ضد المذكور أولى ـ كأحسن إلى زيد وإن أساء إليك ـ وما هنا ليس كذلك. وأجيب بأن ابن جني جوزه، وارتضاه جار الله هنا لأن البلاغة وسوق الكلام يقتضيانه فيقال لمن تحققت صداقته من غير قصد للتعليق والشك: لا تخذلني إن كنت صديقي تهييجاً للحمية، وفيه من الحسن ما فيه فلا يضر إذا خالف المشهور. ونصب المصدرين على ما أشرنا إليه على التعليل، وجوز كونهما حالين أي مجاهدين ومبتغين. والمراد بالخروج إما الخروج للغزو وإما الهجرة، فالخطاب للمهاجرين خاصة لأن القصة صدرت منهم كما سمعت في سبب النزول. وقوله تعالى: {تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِٱلْمَوَدَّةِ } استئناف بياني كأنهم لما استشعروا العتاب مما تقدم سألوا ما صدر عنا حتى عوتبنا؟ فقيل: {تُسِرُّونَ } الخ، وجوز أن يكون بدلاً من {تُلْقُونَ } بدل كل من كل إن أريد بالإلقاء خفية، أو بدل بعض إن أريد الأعم لأن منه السر والجهر. وقال أبو حيان: هو شبيه ببدل الاشتمال، وجوز ابن عطية كونه خبر مبتدأ محذوف أي أنتم {تُسِرُّونَ } والكلام استئناف للإنكار عليهم، وأنت تعلم أن الاستئناف لذلك حسن لكنه لا يحتاج إلى حذف، والكلام في الباء هنا على ما يقتضيه ظاهر كلامهم كالباء فيما تقدم. وقوله تعالى: {وَأَنَاْ أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنتُمْ } / في موضع الحال. و {أَعْلَمُ } أفعل تفضيل، والمفضل عليه محذوف أي منكم، وأجاز ابن عطية كونه مضارعاً، والعلم قد يتعدى بالباء أو هي زائدة، و {مَا } موصولة أو مصدرية، وذكر {مَا أَعْلَنتُمْ } مع الاستغناء عنه للإشارة إلى تساوي العلمين في علمه عز وجل، ولذا قدم {مَا أَخْفَيْتُمْ } وفي هذه الحال إشارة إلى أنه لا طائل لهم في إسرار المودة إليهم كأنه قيل: تسرون إليهم بالمودة والحال أني أعلم ما أخفيتم وما أعلنتم ومطلع رسولي على ما تسرون فأي فائدة وجدوى لكم في الإسرار؟ {وَمَن يَفْعَلْهُ } أي الإسرار. وقال ابن عطية وجمع: أي الاتخاذ {مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاء ٱلسَّبِيلِ } أي الطريق المستوي والصراط الحق فإضافة {سَوَآء } من إضافة الصفة إلى الموصوف، ونصبه على المفعول به ـ لضل ـ وهو يتعدى كأضل، وقيل: لا يتعدى. و {سَوَآء } ظرف كقوله: شعر : كما عسل الطريق الثعلب

سيد قطب

تفسير : هذه السورة حلقة في سلسلة التربية الإيمانية والتنظيم الاجتماعي والدولة في المجتمع المدني. حلقة من تلك السلسلة الطويلة، أو من ذلك المنهج الإلهي المختار للجماعة المسلمة المختارة، التي ناط بها الله تحقيق منهجه الذي يريده للحياة الإنسانية، في صورة واقعية عملية، كما يستقر في الأرض نظاماً ذا معالم وحدود وشخصية مميزة؛ تبلغ إليه البشرية أحياناً، وتقصر عنه أحياناً، ولكنها تبقى معلقة دائماً بمحاولة بلوغه؛ وتبقى أمامها صورة واقعية منه، تحققت يوماً في هذه الأرض. وقد اقتضى هذا ـ كما قلنا في أول هذا الجزء ـ إعداداً طويلاً في خطوات ومراحل. وكانت الأحداث التي تقع في محيط هذه الجماعة، أو تتعلق بها، مادة من مواد هذا الإعداد. مادة مقدرة في علم الله، تقوم عليها مادة أخرى هي التفسير والتوضيح والتعقيب والتوجيه. وفي مضطرب الأحداث، وفي تيار الحياة المتدفق، تمت عملية بناء النفوس المختارة لتحقيق ذلك المنهج الإلهي في الأرض. فلم تكن هناك عزلة إلا العزلة بالتصور الإيماني الجديد، وعدم خلطه بأية رقع غريبة عنه في أثناء التكوين النفسي لهذه الجماعة. وكانت التربية المستمرة متجهة دائماً إلى إنشاء هذا التصور الإيماني الخاص المميز، المنعزل بحقيقته وطبيعته عن التصورات السائدة في العالم كله يومذاك، وفي الجزيرة العربية بصفة خاصة. أما الناس الذين يُنشأ هذا التصور المتميز في نفوسهم فلم يكونوا بمعزل عن واقع الحياة ومضطرب الأحداث، بل كانوا يصهرون في بوتقة الحوادث يوماً بعد يوم، ومرة بعد مرة، ويعاد صهرهم في الأمر الواحد والخلق الواحد مرات كثيرة، وتحت مؤثرات متنوعة؛ لأن الله الذي خلق هذه النفوس يعلم أنها ليست كلها مما يتأثر ويستجيب ويتكيف ويستقر على ما تكيف به منذ اللمسة الأولى. وكان يعلم أن رواسب الماضي، وجواذب الميول الطبيعية، والضعف البشري، وملامسات الواقع، وتحكم الإلف والعادة، كلها قد تكون معوقات قوية تغلب عوامل التربية والتوجيه مرة بعد مرة. وتحتاج في مقاومتها إلى التذكير المتكرر، والصهر المتوالي.. فكانت الأحداث تتوالى كما هي منسوقة في قدر الله، وتتوالى الموعظة بها. والتحذير على ضوئها، والتوجيه بهديها، مرة بعد مرة. وكان رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقوم في يقظة دائمة وإلهام بصير، بالتقاط الأحداث والوقائع والمناسبات في كل فرصة، واستخدامها بحكمة بالغة في بناء هذه النفوس. والوحي والإلهام يؤيدانه ويسددانه ـ صلى الله عليه وسلم ـ حتى تصنع تلك الجماعة المختارة على عين الله. بتوفيق الله. على يدي رسول الله. هذه السورة حلقة في سلسلة ذلك الإعداد الطويل، تستهدف ـ مع غيرها مما جاء في مثل موضوعها ـ إقامة عالم رباني خالص في ضمير المسلم. عالم محوره الإيمان بالله وحده، يشد المسلمين إلى هذا المحور وحده، بعروة واحدة لا انفصام لها؛ ويبرئ نفوسهم من كل عصبية أخرى. عصبية للقوم أو للجنس أو للأرض أو للعشيرة أو للقرابة. ليجعل في مكانها جميعاً عقدة واحدة. هي عقدة الإيمان بالله. والوقوف تحت راية الله. في حزب الله. إن العالم الذي يريده الإسلام عالم رباني إنساني. رباني بمعنى أنه يستمد كل مقوماته من توجيه الله وحكمه، ويتجه إلى الله بكل شعوره وعمله. وإنساني بمعنى أنه يشمل الجنس الإنساني كله ـ في رحاب العقيدة ـ وتذوب فيه فواصل الجنس والوطن واللغة والنسب. وسائر ما يميز إنساناً عن إنسان، عدا عقيدة الإيمان. وهذا هو العالم الرفيع اللائق أن يعيش فيه الإنسان الكريم على الله، المتضمن كيانه نفحة من روح الله. ودون إقامة هذا العالم تقف عقبات كثيرة ـ كانت في البيئة العربية وما تزال في العالم كله إلى اليوم ـ عقبات من التعصب للبيت، والتعصب للعشيرة، والتعصب للقوم، والتعصب للجنس، والتعصب للأرض. كما تقف عقبات من رغائب النفوس وأهواء القلوب، من الحرص والشح وحب الخير للذات، ومن الكبرياء الذاتية والالتواءات النفسية.. وألوان غيرها كثيرمن ذوات الصدور! وكان على الإسلام أن يعالج هذا كله في الجماعة التي يعدها لتحقيق منهج الله في الأرض في صورة عملية واقعة. وكانت هذه الصورة حلقة في سلسلة هذا العلاج الطويل. وكان بعض المهاجرين الذين تركوا ديارهم وأموالهم وأهليهم في سبيل عقيدتهم، ما تزال نفوسهم مشدودة إلى بعض من خلفوا هنالك من ذرية وأزواج وذوي قربى. وعلى الرغم من كل ما ذاقوا من العنت والأذى في قريش فقد ظلت بعض النفوس تود لو وقعت بينهم وبين أهل مكة المحاسنة والمودة؛ وأن لو انتهت هذه الخصومة القاسية التي تكلفهم قتال أهليهم وذوي قرابتهم، وتقطع ما بينهم وبينهم من صلات! وكان الله يريد استصفاء هذه النفوس واستخلاصها من كل هذه الوشائج، وتجريدها لدينه وعقيدته ومنهجه. وهو ـ سبحانه ـ يعلم ثقل الضغط الواقع عليها من الميول الطبيعية ورواسب الجاهلية جميعاً ـ وكان العرب بطبيعتهم أشد الناس احتفالاً بعصبية القبيلة والعشيرة والبيت ـ فكان يأخذهم يوماً بعد يوم بعلاجه الناجع البالغ، بالأحداث وبالتعقيب على الأحداث، ليكون العلاج على مسرح الحوادث وليكون الطرق والحديد ساخن! وتذكر الروايات حادثاً معيناً نزل فيه صدر هذه السورة. وقد تكون هذه الروايات صحيحة في سبب النزول المباشر. ولكن مدى النصوص القرآنية دائماً أبعد من الحوادث المباشرة. وقد قيل في هذا الحادث: إن حاطب بن أبي بلتعة كان رجلاً من المهاجرين. وكان من أهل بدر أيضاً. وكان له بمكة أولاد ومال، ولم يكن من قريش أنفسهم بل كان حليفاً لعثمان. فلما عزم رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ على فتح مكة لما نقض أهلها عهد الحديبية أمر المسلمين بالتجهيز لغزوهم، وقال: "حديث : اللهم عَمِّ عليهم خبرنا" تفسير : .. وأخبر رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ جماعة من أصحابه بوجهته، كان منهم حاطب. فعمد حاطب فكتب كتاباً وبعثه مع امرأة مشركة ـ قيل من مزينة ـ جاءت المدينة تسترفد ـ إلى أهل مكة يعلمهم بعزم رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ على غزوهم، ليتخذ بذلك عندهم يداً. فأطلع الله ـ تعالى ـ رسوله على ذلك استجابة لدعائه. وإمضاء لقدره في فتح مكة. فبعث في أثر المرأة، فأخذ الكتاب منها. وقد روى البخاري في المغازي، ورواه مسلم في صحيحه من حديث حصين بن عبد الرحمن، عن سعد ابن عبيدة عن أبي عبد الرحمن السلمي، عن علي ـ رضي الله عنه ـ قال: "حديث : بعثني رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأبا مرثد والزبير بن العوام ـ وكلنا فارس ـ وقال: انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ، فإن بها امرأة من المشركين معها كتاب من حاطب بن أبي بلعتة إلى المشركين". فأدركناها تسير على بعير لها حيث قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقلنا: الكتاب؟ فقالت ما معي كتاب. فأنخناها فالتمسنا فلم نر كتاباً. فقلنا: ما كذب رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ لتخرجن الكتاب أو لنجردنك. فلما رأت الجد أهوت إلى حجزتها، وهي متحجزة بكساء، فأخرجته. فانطلقنا به إلى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقال عمر: يا رسول الله. قد خان الله ورسوله والمؤمنين، فدعني فلأضربن عنقه. فقال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ: "ما حملك على ما صنعت؟" قال حاطب: والله ما بي إلا أن أكون مؤمناً بالله ورسوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أردت أن تكون لي عند القوم يد. يدفع الله بها عن أهلي ومالي، وليس أحد من أصحابك إلا له هناك من عشيرته من يدفع الله به عن أهله وماله. فقال: "صدق لا تقولوا إلا خيراً" فقال عمر: إنه قد خان الله ورسوله والمؤمنين، فدعني فلأضرب عنقه. فقال: "أليس من أهل بدر؟ ـ فقال ـ: لعل الله اطلع إلى أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد وجبت لكم الجنة ـ أو ـ قد غفرت لكم" فدمعت عينا عمر، وقال: الله ورسوله أعلم"تفسير : .. وزاد البخاري في كتاب المغازي: فأنزل الله السورة: {أية : يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أوليآء تلقون إليهم بالمودة}..تفسير : وفي رواية أخرى أن الذين أرسلوا كانوا هم علي والزبير والمقداد. والوقوف قليلاً أمام هذا الحادث وما دار بشأنه لا يخرج بنا عن "ظلال القرآن" والتربية به وبالأحداث والتوجيهات والتعقيبات عن طريق رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ القائد المربي العظيم.. واول ما يقف الإنسان أمامه هو فعلة حاطب، وهو المسلم المهاجر، وهو أحد الذين أطلعهم رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ على سر الحملة.. وفيها ما يكشف عن منحنيات النفس البشرية العجيبة، وتعرض هذه النفس للحظات الضعف البشري مهما بلغ من كمالها وقوتها؛ وأن لا عاصم إلا الله من هذه اللحظات فهو الذي يعين عليها. ثم يقف الإنسان مرة أخرى أمام عظمة الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ وهو لا يعجل حتى يسأل: "حديث : ما حملك على ما صنعت"تفسير : في سعة صدر وعطف على لحظة الضعف الطارئة في نفس صاحبه، وإدراك ملهم بأن الرجل قد صدق، ومن ثم يكف الصحابة عنه: "حديث : صدق لا تقولوا إلا خيراً"تفسير : .. ليعينه وينهضه من عثرته، فلا يطارده بها ولا يدع أحداً يطارده. بينما نجد الإيمان الجاد الحاسم الجازم في شدة عمر: "إنه قد خان الله ورسوله والمؤمنين. فدعني فلأضرب عنقه".. فعمر ـ رضي الله عنه ـ إنما ينظر إلى العثرة ذاتها فيثور لها حسه الحاسم وإيمانه الجازم. أما رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فينظر إليها من خلال إدراكه الواسع الشامل للنفس البشرية على حقيقتها، ومن كل جوانبها، مع العطف الكريم الملهم الذي تنشئه المعرفة الكلية. في موقف المربي الكريم العطوف المتأني الناظر إلى جميع الملابسات والظروف.. ثم يقف الإنسان أمام كلمات حاطب، وهو في لحظة ضعفه، ولكن تصوره لقدر الله وللأسباب الأرضية هو التصور الإيماني الصحيح.. ذلك حين يقول: "أردت أن تكون لي عند القوم يد.. يدفع الله بها عن أهلي ومالي".. فالله هو الذي يدفع، وهذه اليد لا تدفع بنفسها، إنما يدفع الله بها. ويؤكد هذا التصور في بقية حديثه وهو يقول: "وليس أحد من أصحابك إلا له هناك من عشيرته من يدفع.. الله.. به عن أهله وماله" فهو الله حاضر في تصوره، وهو الذي يدفع لا العشيرة. إنما العشيرة أداة يدفع الله بها.. ولعل حس رسول الله الملهم قد راعى هذا التصور الصحيح الحي في قول الرجل، فكان هذا من أسباب قوله ـ صلى الله عليه وسلم -: "حديث : صدق. لا تقولوا إلا خيراً ".. تفسير : وأخيراً يقف الإنسان أمام تقدير الله في الحادث؛ وهو أن يكون حاطب من القلة التي يعهد إليها رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ بسر الحملة. وأن تدركه لحظة الضعف البشري وهو من القلة المختارة. ثم يجري قدر الله بكف ضرر هذه اللحظة عن المسلمين. كأنما القصد هو كشفها فقط وعلاجها! ثم لا يكون من الآخرين الذين لم يعهد إليهم بالسر اعتراض على ما وقع، ولا تنفج بالقول: ها هو ذا أحد من استودعوا السر خانوه، ولو أودعناه نحن ما بحنا به! فلم يرد من هذا شيء. مما يدل على أدب المسلمين مع قيادتهم، وتواضعهم في الظن بأنفسهم، واعتبارهم بما حدث لأخيهم.. والحادث متواتر الرواية. أما نزول هذه الآيات فيه فهو أحد روايات البخاري. ولا نستبعد صحة هذه الرواية؛ ولكن مضمون النص القرآني ـ كما قلنا ـ أبعد مدى، وأدل على أنه كان يعالج حالة نفسية أوسع من حادث حاطب الذي تواترت به الروايات، بمناسبة وقوع هذا الحادث، على طريقة القرآن. كان يعالج مشكلة الأواصر القريبة، والعصبيات الصغيرة، وحرص النفوس على مألوفاتها الموروثة ليخرج بها من هذا الضيق المحلي إلى الأفق العالمي الإنساني. وكان ينشئ في هذه النفوس صورة جديدة، وقيماً جديدة، وموازين جديدة، وفكرة جديدة عن الكون والحياة والإنسان، ووظيفة المؤمنين في الأرض، وغاية الوجود الإنساني. وكان كأنما يجمع هذه النبتات الصغيرة الجديدة في كنف الله؛ ليعلمهم الله ويبصرهم بحقيقة وجودهم وغايته، وليفتح أعينهم على ما يحيط بهم من عداوات ومكر وكيد، وليشعرهم أنهم رجاله وحزبه، وأنه يريد بهم أمراً، ويحقق بهم قدَراً. ومن ثم فهم يوسمون بسمته ويحملون شارته، ويعرفون بهذه الشارة وتلك السمة بين الأقوام جميعاً. في الدنيا والآخرة. وإذن فليكونوا خالصين له، منقطعين لولايته، متجردين من كل وشيجة غير وشيجته. في عالم الشعور وعالم السلوك. والسورة كلها في هذا الاتجاه. حتى الآيات التشريعية التنظيمية الواردة في آخرها عن معاملة المهاجرات المؤمنات، ومبايعة من يدخلن في الإسلام، والفصل بين المؤمنات وأزواجهن من الكفار. وبين المؤمنين وزوجاتهم من الكوافر.. فكلها تنظيمات منبثقة من ذلك التوجيه العام. ثم ختام السورة كما بدأت بالنهي عن موالاة أعداء الله، ممن غضب عليهم الله، سواء من المشركين أو من اليهود. ليتم التميز والانفراد والمفاصلة من جميع الوشائج والروابط غير رابطة العقيدة وغير وشيجة الإيمان.. {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة، وقد كفروا بما جاءكم من الحق، يخرجون الرسول وإياكم، أن تؤمنوا بالله ربكم. إن كنتم خرجتم جهاداً في سبيلي وابتغاء مرضاتي تسرون إليهم بالمودة وأنا أعلم بما أخفيتم وما أعلنتم؛ ومن يفعله منكم فقد ضل سواء السبيل. إن يثقفوكم يكونوا لكم أعداء، ويبسطوا إليكم أيديهم وألسنتهم بالسوء، وودوا لو تكفرون}.. تبدأ السورة بذلك النداء الودود الموحي: {يا أيها الذين آمنوا}.. نداء من ربهم الذي آمنوا به، يدعوهم باسم الإيمان الذي ينسبهم إليه. يدعوهم ليبصرهم بحقائق موقفهم، ويحذرهم حبائل أعدائهم، ويذكرهم بالمهمة الملقاة على عاتقهم. وفي مودة يجعل عدوهم عدوه، وعدوه عدوهم: {لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة}.. فيشعر المؤمنين بأنهم منه وإليه. يعاديهم من يعاديه. فهم رجاله المنتسبون إليه الذين يحملون شارته في هذه الأرض، وهم أوداؤه وأحباؤه. فلا يجوز أن يلقوا بالمودة إلى أعدائهم وأعدائه. ويذكرهم بجريرة هؤلاء الأعداء عليهم وعلى دينهم وعلى رسولهم، وعدوانهم على هذا كله في تجن وظلم: {وقد كفروا بما جاءكم من الحق. يخرجون الرسول وإياكم. أن تؤمنوا بالله ربكم}.. فماذا أبقوا بعد هذه الجرائر الظالمة للموالاة والمودة؟ كفروا بالحق. وأخرجوا الرسول والمؤمنين، لا لشيء إلا لأنهم آمنوا بالله ربهم؟ إنه يهيج في قلوب المؤمنين هذه الذكريات المرتبطة بعقيدتهم. وهي التي حاربهم المشركون من أجلها، لا من أجل أي سبب آخر. ويبرز القضية التي عليها الخلاف والخصومة والحرب. فهي قضية العقيدة دون سواها. قضية الحق الذي كفروا به والرسول الذي أخرجوه، والإيمان الذي من أجله أخرجوهم. وإذا تمحضت القضية هكذا وبرزت، ذكّرهم بأنه لا محل إذن للمودة بينهم وبين المشركين إن كانوا قد خرجوا من ديارهم ابتغاء رضوان الله وجهاداً في سبيله: {إن كنتم خرجتم جهاداً في سبيلي وإبتغاء مرضاتي}.. فما يجتمع في قلب واحد أن يهاجر جهاداً في سبيل الله ابتغاء مرضاة الله، مع مودة لمن أخرجه من أجل إيمانه بالله، وهو عدو الله وعدو رسول الله! ثم يحذرهم تحذيراً خفياً مما تكن قلوبهم، وما يسرون به إلى أعدائهم وأعداء الله من المودة، وهو مطلع على خفية القلوب وعلانيتها: {تسرون إليهم بالمودة وأنا أعلم بما أخفيتم وما أعلنتم}. ثم يهددهم تهديداً مخيفاً، يثير في القلب المؤمن الوجل والمخافة: {ومن يفعله منكم فقد ضل سواء السبيل}.. وهل يخيف المؤمن شيء ما يخيفه أن يضل سواء السبيل بعد الهداية والوصول؟! وهذا التهديد وذلك التحذير يتوسطان تبصير المؤمنين بحقيقة أعدائهم وما يضمرون لهم من الشر والكيد. ثم تجيء البقية: {إن يثقفوكم يكونوا لكم أعداء ويبسطون إليكم أيديهم وألسنتهم بالسوء}.. فلا تعرض لهم فرصة يتمكنون فيها من المسلمين حتى يتصرفوا معهم تصرف العدو الأصيل. ويوقعوا بهم ما يملكون من أذى ومن تنكيل بالأيدي وبالألسنة وبكل وسيلة وكل سبيل. والأدهى من هذا كله والأشد والأنكى: {وودوا لو تكفرون}.. وهذه عند المؤمن أشد من كل أذى ومن كل سوء يصيبه باليد أو اللسان. فالذي يود له أن يخسر هذا الكنز العزيز. كنز الإيمان. ويرتد إلى الكفر، هو أعدى من كل عدو يؤذيه باليد وباللسان! والذي يذوق حلاوة الإيمان بعد الكفر، ويهتدي بنوره بعد الضلال، ويعيش عيشة المؤمن بتصوراته ومداركه ومشاعره واستقامة طريقه وطمأنينة قلبه يكره العودة إلى الكفر كما يكره أن يلقى في النار. أو أشد. فعدو الله هو الذي يود أن يرجعه إلى جحيم الكفر وقد خرج منه إلى جنة الإيمان، وإلى فراغ الكفر الخاوي بعد عالم الإيمان المعمور. لهذا يتدرج القرآن في تهييج قلوب المؤمنين ضد أعدائه وأعدائهم حتى يصل إلى قمته بقوله لهم عنهم: {وودوا لو تكفرون}.. هذه هي الجولة الأولى بلمساتها المتعددة. ثم تليها جولة ثانية بلمسة واحدة تعالج مشاعر القرابة ووشائجها المتأصلة؛ والتي تشتجر في القلوب فتجرها جراً إلى المودة؛ وتنسيها تكاليف التميز بالعقيدة: {لن تنفعكم أرحامكم ولا أولادكم. يوم القيامة يفصل بينكم. والله بما تعملون بصير}. إن المؤمن يعمل ويرجو الآخرة. ويزرع هنا وينتظر الحصاد هناك. فلمسة قلبه بما يكون في الآخرة من تقطيع وشائج القربى كلها إذا تقطعت وشيجة العقيدة، من شأنها أن تهون عنده شأن هذه الوشائج في فترة الحياة الدنيا القصيرة؛ وتوجهه إلى طلب الوشيجة الدائمة التي لا تنقطع في دنيا ولا في آخرة: ومن ثم يقول لهم: {لن تنفعكم أرحامكم ولا أولادكم}.. التي تهفون إليها وتتعلق قلوبكم بها؛ وتضطركم إلى موادة أعداء الله وأعدائكم وقاية لها ـ كما حدث لحاطب في حرصه على أولاده وأمواله ـ وكما تجيش خواطر آخرين غيره حول أرحامهم وأولادهم الذين خلفوهم في دار الهجرة. لن تنفعكم أرحامكم ولا أولادكم. ذلك أنه {يوم القيامة يفصل بينكم}.. لأن العروة التي تربطكم مقطوعة. وهي العروة التي لا رباط بغيرها عند الله. {والله بما تعملون بصير}.. مطلع على العمل الظاهر والنية وراءه في الضمير. ثم تأتي الجولة الثالثة فتصل المسلمين بأول هذه الأمة الواحدة: أمة التوحيد. وهذه القافلة الواحدة: قافلة الإيمان. فإذا هي ممتدة في الزمان، متميزة بالإيمان، متبرئة من كل وشيجة تنافي وشيجة العقيدة.. إنها الأمة الممتدة منذ إبراهيم. أبيهم الأول وصاحب الحنيفية الأولى. وفيه أسوة لا في العقيدة وحدها، بل كذلك في السيرة، وفي التجارب التي عاناها مع عاطفة القرابة ووشائجها؛ ثم خلص منها هو ومن آمن معه، وتجرد لعقيدته وحدها: {قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه؛ إذ قالوا لقومهم: إنا برآء منكم، ومما تعبدون من دون الله، كفرنا بكم، وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبداً حتى تؤمنوا بالله وحده. إلا قول إبراهيم لأبيه، لأستغفرن لك، وما أملك لك من الله من شيء. ربنا عليك توكلنا، وإليك أنبنا، وإليك المصير. ربنا لا تجعلنا فتنة للذين كفروا، واغفر لنا ربنا، إنك أنت العزيز الحكيم.. لقد كان لكم فيهم أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر. ومن يتول فإن الله هو الغني الحميد}.. وينظر المسلم فإذا له نسب عريق، وماض طويل، وأسوة ممتدة على آماد الزمان، وإذا هو راجع إلى إبراهيم، لا في عقيدته فحسب، بل في تجاربه التي عاناها كذلك. فيشعر أن له رصيداً من التجارب أكبر من رصيده الشخصي وأكبر من رصيد جيله الذي يعيش فيه. إن هذه القافلة الممتدة في شعاب الزمان من المؤمنين بدين الله، الواقفين تحت راية الله، قد مرت بمثل ما يمر به، وقد انتهت في تجربتها إلى قرار اتخذته. فليس الأمر جديداً ولا مبتدعاً ولا تكليفاً يشق على المؤمنين.. ثم إن له لأمة طويلة عريضة يلتقي معها في العقيدة ويرجع إليها، إذا انبتت الروابط بينه وبين أعداء عقيدته. فهو فرع من شجرة ضخمة باسقة عميقة الجذور كثيرة الفروع وارفة الظلال.. الشجرة التي غرسها أول المسلمين.. إبراهيم.. مر إبراهيم والذين معه بالتجربة التي يعانيها المسلمون المهاجرون. وفيهم أسوة حسنة: {إذ قالوا لقومهم: إنا برآء منكم ومما تعبدون من دون الله، كفرنا بكم، وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبداً حتى تؤمنوا بالله وحده}.. فهي البراءة من القوم ومعبوداتهم وعباداتهم. وهو الكفر بهم والإيمان بالله. وهي العداوة والبغضاء لا تنقطع حتى يؤمن القوم بالله وحده. وهي المفاصلة الحاسمة الجازمة التي لا تستبقي شيئاً من الوشائج والأواصر بعد انقطاع وشيجة العقيدة وآصرة الإيمان. وفي هذا الفصل الخطاب في مثل هذه التجربة التي يمر بها المؤمن في أي جيل. وفي قرار إبراهيم والذين معه أسوة لخلفائهم من المسلمين إلى يوم الدين. ولقد كان بعض المسلمين يجد في استغفار إبراهيم لأبيه ـ وهو مشرك ـ ثغرة تنفذ منها عواطفهم الحبيسة ومشاعرهم الموصولة بذوي قرباهم من المشركين. فجاء القرآن ليشرح لهم حقيقة موقف إبراهيم في قوله لأبيه: {لأستغفرن لك}.. فلقد قال هذا قبل أن يستيقن من إصرار أبيه على الشرك. قاله وهو يرجو إيمانه ويتوقعه: {فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه}.. كما جاء في سورة أخرى. ويثبت هنا أن إبراهيم فوض الأمر كله لله، وتوجه إليه بالتوكل والإنابة والرجوع إليه على كل حال: {وما أملك لك من الله من شيء. ربنا عليك توكلنا وإليك أنبنا وإليك المصير}.. وهذا التسليم المطلق لله، هو السمة الإيمانية الواضحة في إبراهيم يبرزها هنا ليوجه إليها قلوب أبنائه المسلمين. كحلقة من حلقات التربية والتوجيه بالقصص والتعقيب عليه، وإبراز ما في ثناياه من ملامح وسمات وتوجيهات على طريقة القرآن الكريم. ويستطرد لهذا في إثبات بقية دعاء إبراهيم ونجواه لمولاه: {ربنا لا تجعلنا فتنة للذين كفروا}.. فلا تسلطهم علينا. فيكون في ذلك فتنة لهم، إذ يقولون: لو كان الإيمان يحمي أهله ما سلطنا عليهم وقهرناهم! وهي الشبهة التي كثيراً ما تحيك في الصدور، حين يتمكن الباطل من الحق، ويتسلط الطغاة على أهل الإيمان ـ لحكمة يعلمها الله ـ في فترة من الفترات. والمؤمن يصبر للابتلاء، ولكن هذا لا يمنعه أن يدعو الله ألا يصيبه البلاء الذي يجعله فتنة وشبهة تحيك في الصدور. وبقية الدعاء: {واغفر لنا}.. يقولها إبراهيم خليل الرحمن. إدراكاً منه لمستوى العبادة التي يستحقها منه ربه، وعجزه ببشريته عن بلوغ المستوى الذي يكافئ به نعم الله وآلاءه، ويمجد جلاله وكبرياءه فيطلب المغفرة من ربه، ليكون في شعوره وفي طلبه أسوة لمن معه ولمن يأتي بعده. ويختم دعاءه وإنابته واستغفاره يصف ربه بصفته المناسبة لهذا الدعاء: {ربنا إنك أنت العزيز الحكيم}.. العزيز: القادر على الفعل، الحكيم: فيما يمضي من تدبير. وفي نهاية هذا العرض لموقف إبراهيم والذين معه، وفي استسلام إبراهيم وإنابته يعود فيقرر الأسوة ويكررها؛ مع لمسة جديدة لقلوب المؤمنين: {لقد كان لكم فيهم أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر. ومن يتول فإن الله هو الغني الحميد}.. فالأسوة في إبراهيم والذين معه متحققة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر. هؤلاء هم الذين يدركون قيمة التجربة التي عاناها هذا الرهط الكريم، ويجدون فيها أسوة تتبع، وسابقة تهدي. فمن كان يرجو الله واليوم الآخر فليتخذ منها أسوة.. وهو تلميح موح للحاضرين من المؤمنين. فأما من يريد أن يتولى عن هذا المنهج. من يريد أن يحيد عن طريق القافلة. من يريد أن ينسلخ من هذا النسب العريق. فما بالله من حاجة إليه ـ سبحانه ـ {فإن الله هو الغني الحميد}.. وتنتهي الجولة وقد عاد المؤمنون أدراجهم إلى أوائل تاريخهم المديد، ورجعوا بذكرياتهم إلى نشأتهم في الأرض؛ وعرفوا تجاربهم المذخورة لهم في الأجيال المتطاولة، ورأوا القرار الذي انتهى إليه من مروا بهذه التجربة؛ ووجدوها طريقاً معبدة من قبل ليسوا هم أول السالكين فيها. والقرآن الكريم يؤكد هذا التصور ويكرره ليتصل ركب المؤمنين، فلا يشعر بالغربة أو الوحشة سالك ـ ولو كان وحده في جيل! ولا يجد مشقة في تكليف نهض به السالكون معه في الطريق! بعدئذ يعود فينسم على هذه القلوب التي يعلم الله ما بها من حنين ورغبة في زوال حالة العداء والجفوة التي تكلفهم هذه المشقة. ينسم عليها بنسمة الأمل الندية في أن ينضم هؤلاء الأعداء إلى راية الإسلام، وإلى صفوف المسلمين؛ فيكون هذا هو الطريق لزوال الجفوة وقيام الود على أساسه الركين.. ثم يخفف عنهم مرة أخرى ـ وهو يضع القاعدة الإسلامية الكبرى في العلاقات الدولية بين المسلمين وغيرهم، فيجعل المقاطعة والخصومة خاصة بحالة العداء والعدوان. فأما حين ينتفي العداء والعدوان فهو البر لمن يستحق البر، وهو القسط في المعاملة والعدل: {عسى الله أن يجعل بينكم وبين الذين عاديتم منهم مودة، والله قدير والله غفور رحيم. لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم. إن الله يحب المقسطين. إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم، وظاهروا على إخراجكم أن تولوهم. ومن يتولهم فأولـئك هم الظالمون}.. إن الإسلام دين سلام، وعقيدة حب، ونظام يستهدف أن يظلل العالم كله بظله، وأن يقيم فيه منهجه، وأن يجمع الناس تحت لواء الله إخوة متعارفين متحابين. وليس هنالك من عائق يحول دون اتجاهه هذا إلا عدوان أعدائه عليه وعلى أهله. فأما إذا سالموهم فليس الإسلام براغب في الخصومة ولا متطوع بها كذلك! وهو حتى في حالة الخصومة يستبقي أسباب الود في النفوس بنظافة السلوك وعدالة المعاملة، انتظاراً لليوم الذي يقتنع فيه خصومه بأن الخير في أن ينضووا تحت لوائه الرفيع. ولا ييأس الإسلام من هذا اليوم الذي تستقيم فيه النفوس، فتتجه هذا الاتجاه المستقيم. وفي الآية الأولى من هذا المقطع إشارة إلى هذا الرجاء الذي لا يغلب عليه اليأس؛ في معرض التخفيف على نفوس بعض المهاجرين، وتغذية قلوبهم المتعبة بمشقة المقاطعة والحرب للأهل والعشيرة: {عسى الله أن يجعل بينكم وبين الذين عاديتم منهم مودة}.. وهذا الرجاء من الله، معناه القطع بتحققه. والمؤمنون الذين سمعوه لا بد قد أيقنوا به، ولقد وقع بعد هذا بوقت قصير أن فتحت مكة، وأن أسلمت قريش، وأن وقف الجميع تحت لواء واحد، وأن طويت الثارات والمواجد، وأن عاد الجميع إخوة مؤتلفي القلوب. {والله قدير}.. يفعل ما يريد بلا معقب. {والله غفور رحيم}.. يغفر ما سلف من الشرك والذنوب.. وإلى أن يتحقق وعد الله الذي دل عليه لفظ الرجاء رخص الله لهم في موادة من لم يقاتلوهم في الدين ولم يخرجوهم من ديارهم. ورفع عنهم الحرج في أن يبروهم، وأن يتحروا العدل في معاملاتهم معهم فلا يبخسونهم من حقوقهم شيئاً. ولكنه نهى أشد النهي عن الولاء لمن قاتلوهم في الدين وأخرجوهم من ديارهم وساعدوا على إخراجهم. وحكم على الذين يتولونهم بأنهم هم الظالمون.. ومن معاني الظلم الشرك بالرجوع إلى قوله تعالى: {إن الشرك لظلم عظيم}.. وهو تهديد رهيب يجزع منه المؤمن، ويتقي أن يدخل في مدلوله المخيف! وتلك القاعدة في معاملة غير المسلمين هي أعدل القواعد التي تتفق مع طبيعة هذا الدين ووجهته ونظرته إلى الحياة الإنسانية، بل نظرته الكلية لهذا الوجود، الصادر عن إله واحد، المتجه إلى إله واحد، المتعاون في تصميمه اللدني وتقديره الأزلي، من وراء كل اختلاف وتنويع. وهي أساس شريعته الدولية، التي تجعل حالة السلم بينه وبين الناس جميعاً هي الحالة الثابتة، لا يغيرها إلا وقوع الاعتداء الحربي وضرورة رده، أو خوف الخيانة بعد المعاهدة، وهي تهديد بالاعتداء؛ أو الوقوف بالقوة في وجه حرية الدعوة وحرية الاعتقاد. وهو كذلك اعتداء. وفيما عدا هذا فهي السلم والمودة والبر والعدل للناس أجمعين. ثم هي القاعدة التي تتفق مع التصور الإسلامي الذي يجعل القضية بين المؤمنين ومخالفيهم هي قضية هذه العقيدة دون غيرها؛ ويجعل القيمة التي يضن بها المؤمن ويقاتل دونها هي قضية العقيدة وحدها. فليس بينهم وبين الناس ما يتخاصمون عليه ويتقاتلون إلا حرية الدعوة وحرية الاعتقاد، وتحقيق منهج الله في الأرض، وإعلاء كلمة الله. وهذا التوجيه يتفق مع اتجاه السورة كلها إلى إبراز قيمة العقيدة، وجعلها هي الراية الوحيدة التي يقف تحتها المسلمون. فمن وقف معهم تحتها فهو منهم. ومن قاتلهم فيها فهو عدوهم. ومن سالمهم فتركهم لعقيدتهم ودعوتهم، ولم يصد الناس عنها، ولم يحل بينهم وبين سماعها، ولم يفتن المؤمنين بها، فهو مسالم لا يمنع الإسلام من البر به والقسط معه. إن المسلم يعيش في هذه الأرض لعقيدته، ويجعلها قضيته مع نفسه ومع الناس من حوله. فلا خصومة على مصلحة، ولا جهاد في عصبية ـ أي عصبية ـ من جنس أو أرض أو عشيرة أو نسب. إنما الجهاد لتكون كلمة الله هي العليا، ولتكون عقيدته هي المنهج المطبق في الحياة. ولقد نزلت بعد ذلك سورة التوبة وفيها {أية : براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين.. الخ}.. تفسير : فانتهت بهذا حالة المعاهدة والموادعة بين المسلمين والمشركين كافة. بعد مهلة أربعة أشهر لأصحاب المعاهدات غير المسماة الأجل، ومهلة إلى انتهاء الأجل لأصحاب المعاهدات المسماة. ولكن هذا إنما كان بعدما أثبتت التجارب أن القوم لا يرعون عهودهم مع المسلمين إلا ريثما تسنح لهم الفرصة لنقضها وهم الرابحون! فانطبقت القاعدة الأخرى: {أية : وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سوآء إن الله لا يحب الخائنين}..تفسير : وكان هذا ضرورة لتأمين القاعدة الإسلامية ـ وهي حينئذ شبه الجزيرة كلها ـ من المتربصين بالمسلمين من أعدائهم المعايشين لهم من المشركين وأهل الكتاب الذين تكررت غدراتهم ونقضهم للعهود. وهي حالة اعتداء في صميمها، تنطبق عليها حالة الاعتداء. وبخاصة أن الامبراطوريتين المحيطتين بأرض الإسلام قد بدأتا تجمعان له وتشعران بخطره، وتؤلبان عليه الإمارات العربية المتاخمة الخاضعة للدولتين الرومانية والفارسية. فلم يبق بد من تطهير المعسكر الإسلامي من بقية أعدائه قبل الالتحام في المعارك الخارجية المتوقعة يومذاك. ونكتفي بهذا القدر من الاستطراد لنعود إلى سياق السورة في حكم المؤمنات المهاجرات: {يا أيها الذين آمنوا إذا جآءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن، الله أعلم بإيمانهن، فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار، لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن، وآتوهم مآ أنفقوا، ولا جناح عليكم أن تنكحوهن إذآ آتيتموهن أجورهن؛ ولا تمسكوا بعصم الكوافر، واسألوا مآ أنفقتم وليسألوا مآ أنفقوا. ذلكم حكم الله يحكم بينكم والله عليم حكيم. وإن فاتكم شيء من أزواجكم إلى الكفار فعاقبتم فآتوا الذين ذهبت أزواجهم مثل مآ أنفقوا، واتقوا الله الذي أنتم به مؤمنون}.. وقد ورد في سبب نزول هذه الأحكام أنه كان بعد صلح الحديبية الذي جاء فيه: "على ألا يأتيك منا أحد وإن كان على دينك إلا رددته إلينا".. فلما كان الرسول صلى الله عليه وسلم والمسلمون معه بأسفل الحديبية جاءته نساء مؤمنات يطلبن الهجرة والانضمام إلى دار الإسلام في المدينة؛ وجاءت قريش تطلب ردهن تنفيذاً للمعاهدة. ويظهر أن النص لم يكن قاطعاً في موضوع النساء، فنزلت هاتان الآيتان تمنعان رد المهاجرات المؤمنات إلى الكفار، يُفتنّ في دينهن وهن ضعاف. ونزلت أحكام هذه الحالة الدولية معها، تنظم التعامل فيها على أعدل قاعدة تتحرى العدل في ذاته دون تأثر بسلوك الفريق الآخر، وما فيها من شطط وجور. على طريقة الإسلام في كل معاملاته الداخلية والدولية. وأول إجراء هو امتحان هؤلاء المهاجرات لتحري سبب الهجرة، فلا يكون تخلصاً من زواج مكروه، ولا طلباً لمنفعة، ولا جرياً وراء حب فردي في دار الإسلام! قال ابن عباس: كان يمتحنهن: بالله ما خرجت من بغض زوج، وبالله ما خرجت رغبة عن أرض إلى أرض، وبالله ما خرجت التماس دنيا، وبالله ما خرجت إلا حباً لله ورسوله. وقال عكرمة: يقال لها: ما جاء بك إلا حب الله ورسوله، وما جاء بك عشق رجل منا، ولا فراراً من زوجك. وهذا هو الامتحان.. وهو يعتمد على ظاهر حالهن واقرارهن مع الحلف بالله. فأما خفايا الصدور فأمرها إلى الله، لا سبيل للبشر إليها: {الله أعلم بإيمانهن..} فإذا ما أقررن هكذا {فلا ترجعوهن إلى الكفار}.. {لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن}.. فقد انبتت الوشيجة الأولى: وشيجة العقيدة.. فلم تعد هناك وشيجة أخرى يمكن أن تصل هذه القطيعة. والزوجية حالة امتزاج واندماج واستقرار، لا يمكن أن تقوم إذا انقطعت هذه الوشيجة الأولى. والإيمان هو قوام حياة القلب الذي لا تقوم مقامه عاطفة أخرى، فإذا خوى منه قلب لم يستطع قلب مؤمن أن يتجاوب معه، ولا أن يأنس به، ولا أن يواده ولا أن يسكن إليه ويطمئن في جواره. والزواج مودة ورحمة وأنس وسكن. وكان الأمر في أول الهجرة متروكاً بغير نص، فلم يكن يفرق بين الزوجة المؤمنة والزوج الكافر؛ ولا بين الزوج المؤمن والزوجة الكافرة، لأن المجتمع الإسلامي لم يكن قد استقرت قواعده بعد. فأما بعد صلح الحديبية ـ أو فتح الحديبية كما يعتبره كثير من الرواة ـ فقد آن أن تقع المفاصلة الكاملة؛ وأن يستقر في ضمير المؤمنين والمؤمنات، كما يستقر في واقعهم، أن لا رابطة إلا رابطة الإيمان، وأن لا وشيجة إلا وشيجة العقيدة، وأن لا ارتباط إلا بين الذين يرتبطون بالله. ومع إجراء التفريق إجراء التعويض ـ على مقتضى العدل والمساواة ـ فيرد على الزوج الكافر قيمة ما أنفق من المهر على زوجته المؤمنة التي فارقته تعويضاَ للضرر. كما يرد على الزوج المؤمن قيمة ما أنفق من المهر على زوجته الكافرة التي يطلقها من عصمته. وبعد ذلك يحل للمؤمنين نكاح المؤمنات المهاجرات متى آتوهن مهورهن.. مع خلاف فقهي: هل لهن عدة، أم لا عدة إلا للحوامل حتى يضعهن حملهن؟ وإذا كانت لهن عدة فهل هي عدة المطلقات.. ثلاثة قروء.. أم هي عدة استبراء للرحم بحيضة واحدة؟ {وآتوهم مآ أنفقوا ولا جناح عليكم أن تنكحوهن إذآ آتيتموهن أجورهن. ولا تمسكوا بعصم الكوافر، واسألوا مآ أنفقتم وليسألوا مآ أنفقوا}. ثم يربط هذه الأحكام كلها بالضمانة الكبرى في ضمير المؤمن. ضمانة الرقابة الإلهية وخشية الله وتقواه: {ذلكم حكم الله يحكم بينكم، والله عليم حكيم}.. وهي الضمانة الوحيدة التي يؤمن عليها من النقض والالتواء والاحتيال. فحكم الله، هو حكم العليم الحكيم. وهو حكم المطلع على ذوات الصدور. وهو حكم القوي القدير. ويكفي أن يستشعر ضمير المسلم هذه الصلة، ويدرك مصدر الحكم ليستقيم عليه ويرعاه. وهو يوقن أن مرده إلى الله. فإذا فات المؤمنين شيء مما أنفقوا، بامتناع الكوافر أو أهليهن من رد حق الزوج المؤمن ـ كما حدث في بعض الحالات ـ عوضهم الإمام مما يكون للكافرين الذين هاجرت زوجاتهم من حقوق على زوجاتهم في دار الإسلام، أو مما يقع من مال الكفار غنيمة في أيدي المسلمين: {وإن فاتكم شيء من أزواجكم إلى الكفار فعاقبتم فآتوا الذين ذهبت أزواجهم مثل ما أنفقوا} ويربط هذا الحكم وتطبيقاته كذلك بالضمان الذي يتعلق به كل حكم وكل تطبيق: {واتقوا الله الذي أنتم به مؤمنون}.. وهي لمسة للمؤمنين بالله عميقة الأثر في القلوب. وهكذا تكون تلك الأحكام بالمفاصلة بين الأزواج تطبيقاً واقعياً للتصور الإسلامي عن قيم الحياة وارتباطاتها؛ وعن وحدة الصف الإسلامي وتميزه من سائر الصفوف؛ وعن إقامة الحياة كلها على أساس العقيدة، وربطها كلها بمحور الإيمان؛ وإنشاء عالم إنساني تذوب فيه فوارق الجنس واللون واللغة والنسب والأرض. وتبقى شارة واحدة تميز الناس.. شارة الحزب الذي ينتمون إليه.. وهما حزبان اثنان: حزب لله وحزب الشيطان.. ثم بيَّن لرسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ كيف يبايعهن على الإيمان، هن وغيرهن ممن يردن الدخول في الإسلام. وعلى أي الأسس يبايعهن: {يا أيها النبي إذا جآءك المؤمنات يبايعنك على أن لا يشركن بالله شيئا، ولا يسرقن، ولا يزنين، ولا يقتلن أولادهن، ولا يأتين ببهتان يفترينه بين أيديهن وأرجلهن، ولا يعصينك في معروف، فبايعهن، واستغفر لهن الله إن الله، غفور رحيم}.. وهذه الأسس هي المقومات الكبرى للعقيدة، كما أنها مقومات الحياة الاجتماعية الجديدة.. إنها عدم الشرك بالله إطلاقاً.. وعدم إتيان الحدود.. السرقة والزنا.. وعدم قتل الأولاد.. إشارة إلى ما كان يجري في الجاهلية من وأد البنات، كما أنه يشمل قتل الأجنة لسبب من الأسباب.. وهن أمينات على ما في بطونهن.. {ولا يأتين ببهتان يفترينه بين أيديهن وأرجلهن}.. قال ابن عباس: يعني لا يلحقن بأزواجهن غير أولادهن. وكذلك قال مقاتل. ولعل هذا التحفظ ـ بعد المبايعة على عدم الزنا ـ كان للحالات الواقعة في الجاهلية من أن تبيح المرأة نفسها لعدة رجال، فإذا جاءت بولد، نظرت أيهم أقرب به شبهاً فألحقته به، وربما اختارت هي أحسنهم فالحقت به ابنها وهي تعلم من هو أبوه! وعموم اللفظ يشمل هذه الحالة وغيرها من كل بهتان مزور يُدّعى. ولعل ابن عباس ومقاتل خصصاه بذلك المعنى لمناسبة واقعة وقتذاك. والشرط الأخير: {ولا يعصينك في معروف}.. وهو يشمل الوعد بطاعة الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ في كل ما يأمرهن به. وهو لا يأمر إلا بمعروف. ولكن هذا الشوط هو أحد قواعد الدستور في الإسلام، وهو يقرر أن لا طاعة على الرعية لإمام أو حاكم إلا في المعروف الذي يتفق مع دين الله وشريعته. وأنها ليست طاعة مطلقة لولي الأمر في كل أمر! وهي القاعدة التي تجعل قوة التشريع والأمر مستمدة من شريعة الله، لا من إرادة إمام ولا من إرادة أمة أذا خالفت شريعة الله. فالإمام والأمة كلاهما محكوم بشريعة الله، ومنها يستمدان السلطات! فإذا بايعن على هذه الأسس الشاملة قبلت بيعتهن. واستغفر لهن الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ عما سلف {إن الله غفور رحيم}.. يغفر ويرحم ويقيل العثرات. وفي الختام يجيء هذا الإيقاع العام: {يا أيها الذين آمنوا لا تتولوا قوماً غضب الله عليهم، قد يئسوا من الآخرة كما يئس الكفار من أصحاب القبور}. يجيء هتافاً للذين آمنوا باسم الإيمان. وبالصفة التي تميزهم عن سائر الأقوام، إذ تصلهم بالله وتفصلهم عن أعداء الله. وقد وردت بعض الروايات بأن المقصود بالقوم الذين غضب الله عليهم هم اليهود، استناداً إلى دمغهم بهذه الصفة في مواضع أخرى من القرآن. ولكن هذا لا يمنع من عموم النص ليشمل اليهود والمشركين الذين ورد ذكرهم في السورة، وكل أعداء الله. وكلهم غضب عليه الله. وكلهم يائس من الآخرة، لا يعلق بها رجاء، ولا يحسب لها حساباً كيأس الكفار من الموتى ـ أصحاب القبور ـ لاعقتادهم أن أمرهم انتهى، وما عاد لهم من بعث ولا حساب. وهو هتاف يتجمع من كل إيقاعات السورة واتجاهاتها. فتختم به كما بدأت بمثله. ليكون هو الإيقاع الأخير. الذي تترك السورة أصداءه في القلوب..

ابن عاشور

تفسير : اتفق المفسرون وثبت في «صحيح الأحاديث» أن هذه الآية نزلت في قضية الكتاب الذي كتب به حاطب بن أبي بلتعة حليف بني أسد بن عبد العُزّى من قريش. وكان حاطب من المهاجرين أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن أهل بدر. وحاصل القصة مأخوذة مما في «صحيح الآثار» ومشهور السيرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان قد تجهّز قاصداً مكة. قيل لأجل العمرة عام الحديبية، وهو الأصح، وقيل لأجل فتح مكة وهو لا يستقيم، فقدمتْ أيامئذٍ من مكة إلى المدينة امرأة تسمّى سارة مولاةٌ لأبي عَمرو بن صيفي بن هاشم بن عبد مناف وكانت على دين الشرك فقَالت لرسول الله صلى الله عليه وسلم كنتم الأهل والموالي والأصل والعشيرة وقد ذهب الموالي (تعني من قُتل من مواليها يوم بدر). وقد اشتدت بي الحاجة فقدمتُ عليكم لتعطوني وتكسوني فحث رسول الله صلى الله عليه وسلم بني عبد المطلب وبني المطلب على إعطائها، فكسوها وأعطوها وحملوها، وجاءها حاطب ابن أبي بلتعة فأعطاها كتاباً لتبلغه إلى من كتب إليهم من أهل مكة يخبرهم بعزم رسول الله صلى الله عليه وسلم على الخروج إليهم، وآجرها على إبلاغه فخرجت، وأوحى الله إلى رسوله صلى الله عليه وسلم بذلك، فبعث عليّاً والزبير والمقدادَ وأبا مرثد الغَنوي، وكانوا فرساناً. وقال: انطلقوا حتى تأتوا رَوضة خَاخٍ، فإنّ بها ظعينة ومعها كتاب من حاطب إلى المشركين فخذوه منها وخلّوا سبيلها. فخرجوا تتعادى بهم خيلهم حتى بلغوا روضة خاخ فإذا هم بالمرأة. فقالوا: أخرجي الكتاب، فقالت: ما معي كتاب، فقالوا: لتخرجنَّ الكتاب أو لَنُلْقِيّنَ الثّياب (يعنون أنهم يجردونها) فأخرجته من عقاصها، وفي رواية من حُجْزتها. فأتوا به النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا حاطب ما هذا؟ قال: لا تعجل عليَّ يا رسول الله. فإني كنت امرأ ملصقاً في قريش وكان لمن كان معك من المهاجرين قرابات يحمون بها أهليهم فأحببت إذ فاتني ذلك من النسب فيهم أن أتخذ فيهم يداً يحمُون بها قرابتي (يريد أمه وإخوته)، ولم أفعله كُفراً ولا ارتداداً عن ديني ولا رضىً بالكفر بعد الإِسلام. فقال النبي صلى الله عليه وسلم صَدقَ. فقال عمر: دعني يا رسول الله أضربْ عنق هذا المنافق، فقال النبي صلى الله عليه وسلم «حديث : إنه قد شهد بدراً وما يُدريك لعل الله اطلع على أهل بدر، فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم»تفسير : . وقال: لا تقولوا لحاطب إلاّ خيراً فأنزل الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء} الآيات. والظاهر أن المرأة جاءت متجسسة إذ ورد في بعض الروايات أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يؤمِّن يوم الفتح أربعةً منهم هذه المرأة لكن هذا يعارضه ما جاء في رواية القصة من قول النبي صلى الله عليه وسلم «حديث : خذوا منها الكتاب وخَلُّوا سبيلها» تفسير : . وقد وجه الخطاب بالنهي إلى جميع المؤمنين تحذيراً من إتيان مثل فعل حاطب. والعدوّ: ذو العداوة، وهو فعول بمعنى فاعل من: عدا يعدو، مثل عفوّ. وأصله مصدر على وزن فعول مثل قَبول ونحوه من مصادر قليلة. ولكونه على زنة المصادر عومل معاملة المصدر فاستوى في الوصف به المذكر والمؤنث والواحد والمثنى والجمع. قال تعالى: {أية : فإنهم عدو لي}تفسير : [الشعراء: 77]، وتقدم عند قوله تعالى: {أية : فإن كان من قوم عدو لكم}تفسير : في سورة [النساء: 92]. والمعنى: لا تتخذوا أعدائي وأعداءكم أولياء. والمراد العداوة في الدين فإن المؤمنين لم يبدأوهم بالعداوة وإنما أبدى المشركون عداوة المؤمنين انتصاراً لشركهم فعدُّوا من خرجوا عن الشرك أعداء لهم. وقد كان مشركو العرب متفاوتين في مناواة المسلمين فإن خزاعة كانوا مشركين وكانوا موالين النبي. فمعنى إضافة عدوّ إلى ياء التكلم على تقدير: عدوّ ديني، أو رسولي. والاتخاذ: افتعال من الأخذ صيغ الافتعال للمبالغة في الأخذ المجازي فأطلق على التلبس والملازمة. وقد تقدم في قوله تعالى: {أية : يا أيها الذين آمنوا خذوا حذركم}تفسير : في سورة [النساء: 71]. ولذلك لزمه ذكر حال بعد مفعوله لتدل على تعيين جانب المعاملة من خير أو شر. فعومل هذا الفعل معاملة صيَّر. واعتبرت الحال التي بعده بمنزلة المفعول الثاني للزوم ذكرها وهل المفعول الثاني من باب ظن وأخواته إلا حال في المعنى، وقد تقدم عند قوله تعالى: {أية : أتتخذ أصناماً إلهة}تفسير : في سورة [الأنعام: 74]. وجملة {تلقون إليهم بالمودة} في موضع الحال من ضمير {لا تتخذوا}، أو في موضع الصفة لـ{أولياء} أو بيان لمعنى اتخاذهم أولياء. ويجوز أن تكون جملة في موضع الحال من ضمير {لا تتخذوا} لأن جعلها حالاً يتوصل منه إلى التعجيب من إلقائهم إليهم بالمودة. والإِلقاء حقيقته رمي ما في اليد على الأرض. واستعير لإيقاع الشيء بدون تدبر في موقعه، أي تصرفون إليهم مودتكم بغير تأمل. قال تعالى: {أية : فألقوا إليهم القول إنكم لكاذبون}تفسير : في سورة [النحل: 86]. والباء في {بالمودة} لتأكيد اتصال الفعل بمفعوله. وأصل الكلام: تلقون إليهم المودة، كقوله تعالى: {أية : ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة}تفسير : [البقرة: 195] وقوله: {أية : وامسحوا برؤوسكم} تفسير : [المائدة: 6] وذلك تصوير لقوة مودتهم لهم. وزيد في تصوير هذه الحالة بجملة الحال التي بعدها وهي {وقد كفروا بما جاءكم من الحق} وهي حال من ضمير {إليهم} أو من {عدوي}. «وما جاءكم من الحق» هو القرآن والدين فذكر بطريق الموصولية ليشمل كل ما أتاهم به الرسول صلى الله عليه وسلم على وجه الإِيجاز مع ما في الصلة من الإِيذان بتشنيع كفرهم بأنه كفر بما ليس من شأنه أن يكفر به طلاب الهدي فإن الحق محبوب مرغوب. وتعدية جاء إلى ضمير المخاطبين وهم الذين آمنوا لأنهم الذين انتفعوا بذلك الحق وتقبلوه فكأنه جاء إليهم لا إلى غيرهم وإلاّ فإنه جاء لدعوة الذين آمنوا والمشركين فقبله الذين آمنوا ونبذه المشركون. وفيه إيماء إلى أن كفر الكافرين به ناشىء عن حسدهم الذين آمنوا قبلهم. وفي ذلك أيضاً إلهاب لقلوب المؤمنين ليحذروا من موالاة المشركين. وجملة {يخرجون الرسول وإياكم} حال من ضمير {كفروا}، أي لم يكتفوا بكفرهم بما جاء من الحق فتلبسوا معه بإخراج الرسول صلى الله عليه وسلم وإخراجكم من بلدكم لأنْ تؤمنوا بالله ربكم، أي هو اعتداء حملهم عليه أنكم آمنتم بالله ربكم. وأن ذلك لا عذر لهم فيه لأن إيمانكم لا يضيرهم. ولذلك أجري على اسم الجلالة وصف ربِّكم على حدّ قوله تعالى: {أية : قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون ولا أنتم عابدون ما أعبد}تفسير : [الكافرون: 1 ـــ 3] ثم قال: {أية : لكم دينكم ولي دين}تفسير : [الكافرون: 6]. وحكيت هذه الحالة بصيغة المضارع لتصوير الحالة لأن الجملة لما وقعت حالاً من ضمير {وقد كفروا} كان إخراج الرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنين في تلك الحالة عملاً فظيعاً، فأريد استحضار صورة ذلك الإِخراج العظيم فظاعة اعتلالهم له. والإِخراج أريد به: الحمل على الخروج بإتيان أسباب الخروج من تضييق على المسلمين وأذى لهم. وأسند الإِخراج إلى ضمير العدوّ كلهم لأن جميعهم كانوا راضين بما يصدر من بعضهم من أذى المسلمين. وربما أغْرَوا به سفهاءهم، ولذلك فالإِخراج مجاز في أسبابه، وإسناده إلى المشركين إسناد حقيقي. وهذه الصفات بمجموعها لا تنطبق إلا على المشركين من أهل مكة ومجموعها هو علة النهي عن موادتهم. وجيء بصيغة المضارع في قوله تعالى: {أن تؤمنوا}، لإِفادة استمرار إيمان المؤمنين وفيه إيماء إلى الثناء على المؤمنين بثباتهم على دينهم، وأنهم لم يصدهم عنه ما سبَّب لهم الخروج من بلادهم. وقوله: {إن كنتم خرجتم جهاداً في سبيلي وابتغاء مرضاتي} شرط ذُيّل به النهي من قوله: {لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء}. وهذا مقام يستعمل في مثله الشرطُ بمنزلة التتميم لما قبله دون قصد تعليق ما قبله بمضمون فعل الشرط، أي لا يقصد أنه إذا انتفى فعل الشرط انتفى ما عُلق عَليه كما هو الشأن في الشروط بل يقصد تأكيد الكلام الذي قبله بمضمون فعل الشرط فيكون كالتعليل لِما قبله، وإنما يؤتى به في صورة الشرط مع ثقة المتكلم بحصول مضمون فعل الشرط بحيث لا يُتوقع من السامع أن يحصل منه غيرُ مضمون فعل الشرط فتكون صيغة الشرط مراداً بها التحذير بطريق المجاز المرسل في المركَّب لأن معنى الشرط يلزمه التردد غالباً. ولهذا يؤتى بمثل هذا الشرط إذا كان المتكلم واثقاً بحصول مضمونه متحققاً صحة ما يقوله قبل الشرط. كما ذكر في «الكشاف» في قوله تعالى: {إنا نطمع أن يغفر لنا ربنا خطايانا إن كنا أول المؤمنين} في سورة [الشعراء: 51]، في قراءة من قرأ إن كنا أول المؤمنين بكسر همزة (إنْ) وهي قراءة شاذة فتكون (إن) شرطية مع أنهم متحققون أنهم أول المؤمنين فطمعوا في مغفرة خطاياهم لتحققهم أنهم أول المؤمنين، فيكون الشرط في مثله بمنزلة التعليل وتكون أداة الشرط مثل (إذْ) أو لام التعليل. وقد يَأتِي بمثل هذا الشرط مَن يُظهر وجوب العمل على مقتضى ما حصل من فعل الشرط وأن لا يخالَف مقتضاه كقوله تعالى: {أية : واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسهُ}تفسير : [الأنفال: 41] إلى قوله: {أية : إن كنتم آمنتم بالله وما أنزلنا على عبدنا}تفسير : [الأنفال: 41]، أي فإيمانكم ويقينكم مما أنزلنا يوجبان أن ترضوا بصرف الغنيمة للأصناف المعيّنة من عند الله. ومنه كثير في القرآن إذا تتبعتَ مواقعه. ويغلب أن يكون فعل الشرط في مثله فعل كون إيذاناً بأن الشرط محقق الحصول. وما وقع في هذه السورة من هذا القبيل فالمقصود استقرار النهي عن اتخاذ عدوّ الله أولياء وعقب بفرض شرطه موثوق بأن الذين نهوا متلبسون بمضمون فعل الشرط بلا ريب، فكان ذكر الشرط مما يزيد تأكيد الانكفاف. ولذلك يجَاء بمثل هذا الشرط في آخر الكلام إذ هو يشبه التتميم والتذييل، وهذا من دقائق الاستعمال في الكلام البليغ. قال في «الكشاف» في قوله تعالى: {أية : إن كاد ليُضِلنا عن آلهتنا لولا أن صبرنا عليها}تفسير : في سورة [الفرقان: 42] و(لولا) في مثل هذا الكلام جارٍ من حيث المعنى لا من حيث الصنعة مَجرى التقييد للحكم المطلق. وقال هنا {إن كنتم خرجتم} متعلق بـ{لا تتخذوا} وقول النحويين في مثله على أنه شرط جوابه محذوف لدلالة ما قبله عليه. اهـ. يعني أن فرقاً بين كلام النحويين وبين ما اختاره هُو مِنْ جَعْله متعلقاً بـ{لا تتخذوا} فإنه جعل جواب الشرط غير منوي. قلت: فينبغي أن يعد كلامه من فروق استعمال الشروط مثل فروق الخبر وفروق الحال المبوب لكليهما في كتاب «دلائل الإِعجاز». وكلام النحاة جرى على غالب أحوال الشروط التي تتأخر عن جوابها نحو: اقبَل شفاعة فلان إنْ شَفِع عندك، وينبغي أن يتطلب لتقديم ما يدل على الجواب المحذوف إذَا حذف نكتة في غير ما جرى على استعمال الشرط بمنزلة التذييل والتتميم. وأداة الشرط في مثله تشبه {إنْ} الوصلية و(لو) الوصلية، ولذلك قال في «الكشاف» هنا: إن جملة {إن كنتم خرجتم} متعلقة بـ{لا تتخذوا} يعني تعلقَ الحال بعاملها، أي والحال حالُ خروجكم في سبيل الله وابتغائكم مَرضاتَه بناء على أن شرط {إن}. و(لو) الوصليّتين يعتبر حالاً. ولا يعكر عليه أن شرطهما يقترن بواو الحال لأن ابن جنّي والزمخشري سوّغا خلوَّ الحال في مثله عن الواو والاستعمال يشهد لهما. والمعنى: لا يقع منكم اتخاذ عدوي وعدوكم أولياء ومودّتهم، مع أنهم كفروا بما جاءكم من الحق، وأخرجوكم لأجل إيمانكم. إن كنتم خرجتم من بلادكم جهاداً في سبيلي وابتغاءَ مرضاتي، فكيف تُوالون من أخرجوكم وكان إخراجهم إياكم لأجلي وأنا ربكم. والمراد بالخروج في قوله: {إن كنتم خرجتم} الخروج من مكة مهاجَرة إلى المدينة. فالخطاب خاص بالمهاجرين على طريقة تخصيص العموم في قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء} روعي في هذا التخصيص قرينة سبب نزول الآية على حادث حاطب بن أبي بلتعة. و{جهاداً}، و{ابتغاءَ مرضاتي} مصدران منصوبان على المفعول لأجله. {تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِٱلْمَوَدَّةِ وَأَنَاْ أَعْلَمُ بِمَآ أَخْفَيْتُمْ وَمَآ أَعْلَنتُمْ}. يجوز أن تكون الجملة بياناً لجملة {تُلقُون إليهم بالمودة}، أو بدل اشتمال منها فإن الإسرار إليهم بالمودة مما اشتمل عليه الإِلقاء إليهم بالمودة. والخبر مستعمل في التوبيخ والتعجيب، فالتوبيخ مستفاد من إيقاع الخبر عقب النهي المتقدم، والتعجيب مستفاد من تعقيبه بجملة {وأنا أعلم بما أخفيتم وما أعلنتم}، أي كيف تظنون أن إسراركم إليهم يخفى علينا ولا نطلع عليه رسولنا. والإِسرار: التحدث والإِخبار سراً. ومفعول {تسرون} يجوز أن يكون محذوفاً يدل عليه السياق، أي تخبرونهم أحوال المسلمين سراً. وجيء بصيغة المضارع لتصوير حالة الإِسرار إليه تفظيعاً لها. والباء في {بالمودة} للسببية، أي تخبرونهم سراً بسبب المودة أي بسبب طلب المودة لهم كما هو في قضية كتاب حاطب. ويجوز أن يكون {بالمودة} في محل المفعول لفعل {تسرون} والباءُ زائدةً لتأكيد المفعولية كالباء في قوله تعالى: {أية : وامسحوا برؤوسكم}تفسير : [المائدة: 6]. وجملةُ {وأنا أعلم بما أخفيتم وما أعلنتم} في موضع الحال من ضمير {تسرون} أو مُعترضةٌ، والواو اعتراضية. وهذا مناط التعجيب من فعل المعرَّض به وهو حَاطب بن أبي بلتعة. وتقديم الإِخفاء لأنه المناسب لقوله: {وأنا أعلم}. ولموافقته للقصة. و{أعلم} اسم تفضيل والمفضل عليه معلوم من قوله: {تسرون إليهم} فالتقدير: أعلم منهم ومنكم بما أخفيتم وما أعلنتم. والباء متعلقة باسم التفضيل وهي بمعنى المصاحبة. {وَمَن يَفْعَلْهُ مِنكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَآءَ ٱلْسَّبِيلِ}. عطف على جملة النهي في قوله تعالى: {لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء}، عُطف على النهي التوعدُ على عدم الانتهاء بأن من لم ينته عما نُهي عنه هو ضالّ عن الهُدَى. وضمير الغيبة في {يفعله} عائد إلى الاتخاذ المفهوم من فعل {لا تتخذوا عدوي} أي ومن يفعل ذلك بعد هذا النهي والتحذير فهو قد ضلّ عن سواء السبيل. و{سواء السبيل} مستعار لأعمال الصلاح والهُدَى لشبهها بالطريق المستوي الذي يَبلُغ من سلكه إلى بغيته ويقع من انحرف عنه في هلكة. والمراد به هنا ضلّ عن الإِسلام وضلّ عن الرشد. و{مَن} شرطية الفعل بعدها مستقبل وهو وعيد للذين يفعلون مثل ما فعل حاطب بعد أن بلغهم النهي والتحذير والتوبيخ والتفظيع لعمله.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَآءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِٱلْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُواْ بِمَا جَآءَكُمْ مِّنَ ٱلْحَقِّ يُخْرِجُونَ ٱلرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ}. نهى تعالى المؤمنين عن اتخاذ العدو المشترك أولياء، ولفظ العدو مفرد، ويطلق على الفرد والجماعة. ومن إطلاقه على الفرد قوله تعالى: {أية : فَقُلْنَا يٰآدَمُ إِنَّ هَـٰذَا عَدُوٌّ لَّكَ وَلِزَوْجِكَ}تفسير : [طه: 117] يعني بالعدو إبليس. ومن إطلاقه على الجمع قوله تعالى: {أية : أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ}تفسير : [الكهف: 50]، والمراد به هنا الجمع لما ففي السياق من القرائن منها قوله "أولياء" بالجمع، ومنها {تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِٱلْمَوَدَّةِ} وهو ضمير جمع، ومنها {وَقَدْ كَفَرُواْ} بواو الجمع، ومنها يخرجون أيضاً بالجمع، وقوله بعدها {أية : إِن يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُواْ لَكُمْ أَعْدَآءً وَيَبْسُطُوۤاْ}تفسير : [الممتحنة: 2] وكلها بضمائر الجمع. أما العدو المراد هنا فقد عم وخص في وصفه فوصفه أولاً بقوله {وَقَدْ كَفَرُواْ بِمَا جَآءَكُمْ مِّنَ ٱلْحَقِّ} وخص بوصفه يخرجون الرسول، والوصف بالكفر يشمل الجميع، فيكون ذكرهما معاً للتأكيد والاهتمام بالخاص، كقوله تعالى: {أية : مَن كَانَ عَدُوّاً للَّهِ وَمَلاۤئِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ}تفسير : [البقرة: 98] ففي ذكر الخاص هنا وهو وصف العدو بإخراج الرسول والمؤمنين للتهييج على من أخرجوهم من ديارهم كقوله {أية : وَأَخْرِجُوهُمْ مِّنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ}تفسير : [البقرة: 191]. وقد بين تعالى المراد بالذين أخرجوا الرسول والمؤمنين في عدة مواضع، منها قوله تعالى: {أية : وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِّن قَرْيَتِكَ ٱلَّتِيۤ أَخْرَجَتْكَ}تفسير : [محمد: 13] أي مكة، ومنها قوله: {أية : إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ ٱللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ثَانِيَ ٱثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي ٱلْغَارِ}تفسير : [التوبة: 40] الآية. فعليه يكون المراد بعدوي وعدوكم هنا، خصوص المشركين بمكة. وقد أجمع المفسرون على أن هذه الآية نزلت في حاطب بن أبي بلتعة، وقصة الرسالة مع الظعينة لأهل مكة قبل الفتح بإخبارهم بتجهز المسلمين إليهم مما يؤيد المراد بالعدو هنا، ولكن، وإن كانت بصورة السبب قطعية الدخول إلا أن عموم اللفظ لا يهمل، فقوله {عَدُوِّى وَعَدُوَّكُمْ}، وقوله: {وَقَدْ كَفَرُواْ بِمَا جَآءَكُمْ مِّنَ ٱلْحَقِّ} يشمل كل من كفر بما جاءنا من الحق كاليهود والنصارى والمنافقين ومن تجدد من الطوائف الحديثة. وقد جاء النص على كل طائفة مستقلة، ففي سورة المجادلة عن المنافقين قوله تعالى: {أية : أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ تَوَلَّوْاْ قَوْماً غَضِبَ ٱللَّهُ عَلَيْهِم مَّا هُم مِّنكُمْ وَلاَ مِنْهُمْ}تفسير : [المجادلة: 14]. وتكلم عليها الشيخ رحمة الله تعالى عليه. وعن اليهود في سورة الحشر كما تقدم، وعن اليهود والنصارى معاً قوله تعالى: {أية : يَـۤأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ ٱلْيَهُودَ وَٱلنَّصَارَىٰ أَوْلِيَآءَ}تفسير : [المائدة: 51]. ومن الطوائف المحدثة كل من كفر بما جاءنا من الحق من شيوعية وغيرهم، وكالهندوكية، والبوذيّة وغيرهم، ومما يتبع هذا العموم ما جاء في قوله تعالى: {أية : يَـۤأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ دِينَكُمْ هُزُواً وَلَعِباً مِّنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَٱلْكُفَّارَ أَوْلِيَآءَ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى ٱلصَّلاَةِ ٱتَّخَذُوهَا هُزُواً وَلَعِباً ذٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْقِلُونَ}تفسير : [المائدة: 57-58]. فكل من هزئ بشيء من الدين أو اتخذه لعباً ولهواً فإنه يخشى عليه من تناول هذه الآية إياه. تنبيه ذكر المقابلة هنا بين عدوي وعدوكم أولياء فيه إبراز صورة الحال وتقبيح الفعل، لأن العداوة تتنافى مع الموالاة والمسارة للعدو بالمودة، وقد ناقش بعض المفسرين قضية التقديم والتأخير في تقديم عدوي أولاً، وعطف عدوكم عليه، فقال الفخر الرازي: التقديم لأن عداوة العبد لله بدون علة، وعداوة العبد للعبد لعلة، وما كان بدون علة فهو مقدم على ما كان بعلة اهـ. والذي يظهر والله تعالى أعلم: أن التقديم لغرض شرعي وبلاغي، وهو أن عداوة العبد لله هي الأصل، وهي أشد قبحاً، فلذا قدمت، وقبحها في أنهم عبدوا غير خالقهم، وشكروا غير رازقهم، وكذبوا رسل ربهم وآذوهم. وقد جاء في الأحاديث القدسية ما يستأنس به في ذلك فيما رواه البيهقي والحاكم، عن معاذ والديلمي وابن عساكر عن أبي الدرجاء ما نصه: "حديث : إني والجن والإنس في نبإ عظيم أخلق ويعبد غيري، وأرزق ويشكر غيري" وفيه "خيري إلى العباد نازل وشرهم إلى صاعد، أتحبَّب إليهم بالنعم ويتبغضون إلي بالمعاصي"تفسير : كما أن تقديمه يؤكد بأنه هو السبب في العداوة بين المؤمنين والكافرين، وما كان سبباً فحقه التقديم. ويدل على ما ذكرنا من أنه الأصل، أن الكفار لو آمنوا بالله وانتفت عداوتهم لله لأصبحوا إخواناً للمؤمنين وانتفت العداوة بينهما، وكذا كونه مغياً بغاية في قوله تعالى: {أية : فَلاَ تَتَّخِذُواْ مِنْهُمْ أَوْلِيَآءَ حَتَّىٰ يُهَاجِرُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ}تفسير : [النساء: 89]. ومثله قوله تعالى في قوم إبراهيم: {أية : وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ ٱلْعَدَاوَةُ وَٱلْبَغْضَآءُ أَبَداً حَتَّىٰ تُؤْمِنُواْ بِٱللَّهِ وَحْدَهُ}تفسير : [الممتحنة: 4] فإذا هاجر المشركون وآمن الكافرون، انتفت العداوة وجاءت الموالاة. ومما قدمنا من أن سبب النهي عن موالاة الأعداء، هو الكفر يعلم أنه إذا وجدت عداوة لا لسبب الكفر فلا ينهى عن تلك الموالاة لتخلف العلة الأساسية، كما جاء في قوله تعالى: {أية : إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلاَدِكُمْ عَدُوّاً لَّكُمْ فَٱحْذَرُوهُمْ}تفسير : [التغابن: 14]، ثم قال تعالى: {أية : وَإِن تَعْفُواْ وَتَصْفَحُواْ وَتَغْفِرُواْ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}تفسير : [التغابن: 14]. فلما تخلف السبب الأساسي في النهي عن موالاة العدو الذي هو الكفر، جاء الحث على العفو والصفح والغفران، لأن هذه العداوة لسبب آخر هو ما بينه قوله تعالى: {أية : إِنَّمَآ أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ}تفسير : [التغابن: 15]. فكان مقتضاها فقط الحذر من أن يفتنوه، وكان مقتضى الزوجية حسن العشرة، كما هو معلوم. وسيأتي زيادة إيضاح لهذه المسألة عند هذه الآية، إن شاء الله تعالى. وقد نص صراحة على عدم النهي المذكور في خصوص من لم يعادوهم في الدين في قوله تعالى: {أية : لاَّ يَنْهَاكُمُ ٱللَّهُ عَنِ ٱلَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي ٱلدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوۤاْ إِلَيْهِمْ}تفسير : [الممتحنة: 8] الآية. وللموالاة أحكام عامة وخاصة، وقد بحثها الشيخ رحمة الله تعالى عليه في عدة مواضع من الأضواء. منها في الجزء الثاني عند قوله تعالى: {أية : وَمَن يَتَوَلَّهُمْ مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ}تفسير : [المائدة: 51] وقد أطال البحث فيها. ومنها في الجزء الثالث عرضاً ضمن قوله تعالى: {أية : إِنَّ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ}تفسير : [الإسراء: 9] وبين روابط العالم الإسلامي بتوسع. ومنها في الجزء الرابع عند قوله تعالى:{أية : أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَآءَ}تفسير : [الكهف: 50] الآية. ومنها في مخطوط السابع عند قوله تعالى: {أية : وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِّن قَرْيَتِكَ ٱلَّتِيۤ أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْنَاهُمْ}تفسير : [محمد: 13] وأحال فيها على آية الممتحنة هذه. ومنها أيضاً عند قوله تعالى: {أية : ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ لِلَّذِينَ كَرِهُواْ مَا نَزَّلَ ٱللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ ٱلأَمْرِ}تفسير : [محمد: 26]، وأحال عندها على مواضع متقدمة من سورة الشورى وبني إسرائيل. ومنها في سورة المجادلة على قوله تعالى: {أية : أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ تَوَلَّوْاْ قَوْماً غَضِبَ ٱللَّهُ عَلَيْهِم}تفسير : [المجادلة: 14]. وفيما كتبه رحمة الله تعالى عليه، بيان لكل جوانب أحكام هذه الآية، غير أني لم أجده رحمة الله تعالى عليه تعرَّض لما في هذه السورة من خصوص التخصيص للآية بقوله تعالى:{أية : لاَّ يَنْهَاكُمُ ٱللَّهُ عَنِ ٱلَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ}تفسير : [الممتحنة: 8] الآية. ولم أسمع منه رحمة الله تعالى عليه فيها شيئاً مع أنها نص في تخصيص العموم من هذه الآية، وسيأتي لها بيان لذلك عندها إن شاء الله. تنبيه رد أهل السنة بهذه الآية وأمثالها على المعتزلة قولهم: إن المعصية تنافي الإيمان، لأن الله ناداهم بوصف الإيمان مع قوله: {وَمَن يَفْعَلْهُ مِنكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَآءَ ٱلسَّبِيلِ} فلم يخرجهم بضلالهم عن عموم إيمانهم، ويشهد لهذا أن الضلال هنا عن سواء السبيل لا مطلق السبيل.

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 1- يا أيها الذين صدّقوا بالله ورسوله: لا تتخذوا أعدائى وأعداءكم أنصاراً تُفْضُون إليهم بالمحبة الخالصة، مع أنهم جحدوا بما جاءكم من الإيمان بالله ورسوله وكتابه، يخرجون الرسول ويخرجونكم من دياركم، لإيمانكم بالله ربكم، إن كنتم خرجتم من دياركم للجهاد فى سبيلى وطلب رضائى فلا تتولوا أعدائى، تُلْقُون إليهم بالمودة سراً، وأنا أعلم بما أسررتم وما أعلنتم، ومن يتخذ عدو الله ولياً له فقد ضل الطريق المستقيم. 2- إن يلقوكم ويتمكنوا منكم تظهر لكم عداوتهم، ويمدوا إليكم أيديهم وألسنتهم بما يسوؤكم، وتمنوا كفركم مثلهم. 3- لن تنفعكم قراباتكم ولا أولادكم الذين تتخذونهم أولياء وهم عدو لله ولكم، يوم القيامة يفصل الله بينكم، فيجعل أعداءه فى النار وأولياءه فى الجنة، والله بكل ما تعملون بصير.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: لا تتخذوا عدوي وعدوكم: أي الكفار والمشركين. أولياء تلقون إليهم بالمودة: أي لا تتخذوهم أنصاراً توادونهم. وقد كفروا بما جاءكم من الحق: أي الإِسلام عقيدة وشريعة. يخرجون الرسول وإياكم: أي بالتضييق عليكم حتى خرجتم فارين بدينكم. أن تؤمنوا بربكم: أي لأجل أن آمنتم بربكم. إن كنتم خرجتم جهاداً في سبيلي ابتغاء مرضاتي: فلا تتخذوهم أولياء ولا تبادلوهم المودة. تسرون إليهم بالمودة: أي توصلون إليهم خبر خروج الرسول لغزوهم بطريقة سرية. ومن يفعله منكم: أي ومن يوادهم فينقل إليهم أسرار النبي في حروبه وغيرها. فقد ضل سواء السبيل: أي أخطأ طريق الحق الجادة الموصلة إلى الإِسعاد. إن يثقفوكم: أي أن يظفروا بكم متمكنين منكم من مكانٍ ما. يكونوا لكم أعداء: أي لا يعترفون لكم بمودة. ويبسطوا إليكم أيديهم: أي بالضرب والقتل. وألسنتهم بالسوء: أي بالسب والشتم. وودوا لو تكفرون: أي وأحبوا لو تكفرون بدينكم ونبيكم وتعودون إلى الشرك معهم. لن تنفعكم أرحامكم ولا أولادكم: أي إن توادوهم وتسروا إليهم بالأخبار الحربية تقرباً إليهم من أجل أن يراعوا لكم أقرباءكم وأولادكم المشركين بينهم فاعلموا أنكم لن تنفعكم أرحامكم ولا أولادكم يوم القيامة. يوم القيامة يفصل بينكم: أي فتكونون في الجنة ويكون المشركون في أولاد وأقرباء وغيرهم في النار. معنى الآيات: فاتحة هذه السورة {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَآءَ ...} الآيات. نزلت في شأن حاطب بن أبي بلتعة وكان من المهاجرين الذين شهدوا بدراً روى مسلم في صحيحه عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا والزبير والمقداد فقال ائتوا روضة خاخ "موضع بينه وبين المدينة اثناء عشر ميلا" فإن بها ظعينة "امرأة مسافرة" معها كتاب فخذوه منها فانطلقنا نهادى خيلنا أي نسرعها فإذا نحن بامرأة قلنا أخرجي الكتاب، فقالت ما معي كتاب. فقلنا لتخرجن الكتاب، أو لَتُلْقِنَّ الثياب "أي من عليك" فأخرجته من عقاصها أي من ظفائر شعر رأسها فأتينا به رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا به من حاطب بن أبي بلتعة إلى ناس من المشركين من أهل مكة يخبرهم ببعض أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا حاطب ما هذا؟ فقال لا تعجل عليّ يا رسول الله إني كنت امرءاً ملصقاً في قريش "أي كان حليفاً لقريش ولم يكن قرشياً" وكان من معك من المهاجرين لهم قرابات يحمون بها أهليهم فأحببت إذ فاتني ذلك من النسب فيه أن أتخذ فيهم يداً يحمون بها قرابتي، ولم أفعله كفراً ولا ارتداداً عن ديني ولا رضا بالكفر بعد الإِسلام وقد علمت أن الله ينزل بهم بأسه وإن كتابي لا يغني عنهم من الله شيئاً، وأن الله ناصرك عليهم. فقال النبي صلى الله عليه وسلم صدق. فقال عمر رضي الله عنه دعني يا رسول الله أضرب عنق هذا المنافق فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إنه شهد بدراً، وما يدريك لعل الله أطلع على أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم فأنزل الله عز وجل {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} أي يا من صدقتم الله ورسوله {لاَ تَتَّخِذُواْ عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ} من الكفار والمشركين {أَوْلِيَآءَ} أي أنصاراً {تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِٱلْمَوَدَّةِ} أي أسرار النبي صلى الله عليه وسلم الحربية ذات الخطر والشأن. والحال أنهم قد كفروا بما جاءكم من الحق الذي هو دين الإِسلام بعقائده وشرائعه وكتابه ورسوله. يخرجون الرسول وإياكم من دياركم بالمضايقة لكم حتى هاجرتم فارين بدينكم، أن تؤمنوا بربكم أي من أجل أن آمنتم بربكم. أمثل هؤلاء الكفرة الظلمة تتخذونهم أولياء تدلون إليهم بالمودة.. إنه لخطأ جسيم ممن فعل هذا. وقوله تعالى: {إِن كُنتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَاداً فِي سَبِيلِي وَٱبْتِغَآءَ مَرْضَاتِي} أي إن كنتم خرجتم من دياركم مجاهدين في سبيلي أي لنصرة ديني ورسولي وأوليائي المؤمنين وطلبا لرضاي فلا تتخذوا الكافرين أولياء من دوني تلقون إليهم بالمودة. وقوله تعالى تسرون إليهم بالمودة أي تخفون المودة إليهم بنقل أخبار الرسول السرية والحال أني {أَعْلَمُ} منكم ومن غيركم {بِمَآ أَخْفَيْتُمْ وَمَآ أَعْلَنتُمْ}. وها قد أطلعت رسولي على رسالتكم المرفوعة إلى مشركي مكة والتي تتضمن فضح سر رسولي في عزمه على غزوهم مفاجأة لهم حتى يتمكن من فتح مكة بدون كثير إراقة دم وإزهاق أنفس. وقوله تعالى: {وَمَن يَفْعَلْهُ مِنكُمْ} أي الولاء والمودة للمشركين فقد ضل سواء السبيل أي أخطأ وسط الطريق المأمون من الانحراف يريد جانب الإِسلام الصحيح. وقوله تعالى: {إِن يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُواْ لَكُمْ أَعْدَآءً وَيَبْسُطُوۤاْ إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِٱلسُّوۤءِ وَوَدُّواْ لَوْ تَكْفُرُونَ} أي أنهم أعداؤكم حقاً إن يثقفوكم أي يظفروا بكم متمكنين منكم يكونوا لكم أعداء ولا يبالون بمودتكم إياهم، ويبسطوا إليكم أيديهم بالضرب والقتل وألسنتهم بالسب والشتم وتمنوا كفركم لتعودوا إلى الشرك مثلهم. وقوله تعالى: {لَن تَنفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ وَلاَ أَوْلاَدُكُمْ} الذين واددتم الكفار من أجلهم من عذاب الله في الآخرة إذ حاطب كتب الكتاب من أجل قرابته وأولاده فبين تعالى خطأ حاطب في ذلك. وقوله تعالى: {يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ} بأن تكونوا في الجنة أيها المؤمنون ويكون أقرباؤكم وأولادكم المشركون في النار فما الفائدة إذاً من المعصية من أجلهم؟! والله بما تعملون بصير فراقبوه واحذروه فلا تخرجوا عن طاعته وطاعة رسوله. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- حرمة موالاة الكافرين بالنصرة والتأييد والمودة دون المسلمين. 2- الذي ينقل أسرار المسلمين الحربية إلى الكافرين على خطر عظيم وإن صام وصلى. 3- بيان أن الكافرين لا يرحمون المؤمنين متى تمكنوا منهم لأن قلوبهم عمياء لا يعرفون معروفاً ولا منكراً بظلمة الكفر في نفوسهم وعدم مراقبة الله عز وجل لأنهم لا يعرفونه ولا يؤمنون بما عنده من نعيم وجحيم يوم القيامة. 4- فضل أهل بدر وكرامتهم على الله عز وجل. 5- قبول عذر الصادقين الصالحين ذوي السبق في الإِسلام إذا عثر أحدهم اجتهاداً منه. 6- عدم انتفاع المرء بقرابته يوم القيامة إذا كان مسلماً وهم كافرون.

القطان

تفسير : تلقون اليهم بالمودَة: تودونهم وتخبرونهم بأخبارنا. يُخرجون الرسولَ وإياكم: من مكة. أن تؤمنوا بالله: من اجل ايمانكم بالله. سواء السبيل: الطريق القويم المستقيم. إن يثقفوكم: ان يظفَروا بكم. أرحامكم: قراباتكم. تقدم الكلامُ عن سبب نزول هذه الآيات، في الصحابيّ حاطب بن أبي بلتعة، وهو صحابي من المهاجرين الذين جاهدوا في بدرٍ (وهؤلاء لهم ميزة خاصة) وانه كتب الى قريش يحذّرهم من غزو الرسول صلى الله عليه وسلم لمكة مع امرأة، وان الرسول الكريم كشف امره، وأرسل سيدنا علي بن ابي طالب مع عددٍ من الصحابة الكرام وأخذوا الكتاب من المرأة. وقد اعترف حاطب بذنبه، وقال للرسول عليه الصلاة والسلام: واللهِ ما كفرتُ منذ أسلمت، ولا غششتُ منذ آمنت، لكنّي كتبت الى قريش حمايةً لأهلي من شرهم، لأني لست قرشياً ولا يوجد لي عشيرةٌ تحميهم. فعفا عنه وقبل عذره. والآية عامة في كل من يصانع العدوَّ او يُطْلعه على أسرار المسلمين، او يتعاون معه. ومعناها: يا أيها الذين آمنوا، لا تصادِقوا الأعداء، فلا تتخذوا اعداء الله واعداءَكم انصارا. {تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِٱلْمَوَدَّةِ}. تعطونهم المحبة الخالصة، مع أنهم كفروا بما جاءكم من الإيمان بالله ورسوله، وقد اخرجوا رسول الله واخرجوكم من دياركم {أَن تُؤْمِنُواْ بِٱللَّهِ رَبِّكُمْ} لأنكم آمنتم بالله ربكم. فإن كنتم خرجتُم من دياركم للجهاد في سبيلي وطلبِ رضاي فلا تُسِرّوا اليهم بالمحبة، أو تسرِّبوا إليهم الاخبار، وأنا أعلمُ بما أَسررتم وما اعلنتم. {وَمَن يَفْعَلْهُ مِنكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَآءَ ٱلسَّبِيلِ}. ومن يتخذْ أعداءَ الله أولياءَ وانصاراً فقد انحرف وضل عن الطريق المستقيم. ذلك أن هؤلاء الذين تحبّونهم سراً، إن يظفروا بكم تَظْهَرْ لكم عداوتهم، ويمدوا إليكم أيديَهم وألسنتهم بالأذى والقتل وبكل ما يسوؤكم. وكم تمنَّوا ان تكفروا بالله بعد إيمانكم، إنهم يودّون لكم كل ضرر وأذى في دينكم ودنياكم، فكيف بعد هذا تحبّونهم سرا، وتمدونهم بالأخبار! ثم بين ان ما جعله بعضُ الصحابة من مودّتهم (للمحافظة على الأهل والولد) لا ينبغي ان يقدَّم على المصلحة العامة، وامورِ الدين فقال: {لَن تَنفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ وَلاَ أَوْلاَدُكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ}. لا ينفعكم شيء يوم القيامة، لا قراباتكم ولا أولادكم، لا ينفع المرءَ في ذلك اليومِ الا العملُ الصالح والاخلاص في دينه وايمانه، واللهُ تعالى يفصِل بينكم يوم القيامة، فيذهب اهلُ النار الى النار، واهل الجنة الى الجنة، {وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ}. قراءات: قرأ عاصم: يفصل بفتح الياء وسكون الفاء وكسر الصاد. وقرأ حمزة والكسائي: يفصِّل بضم الياء وفتح الفاء وكسر الصاد المشددة. وقرأ نافع وابن كثير وابو عمرو: يفصل بضم الياء وسكون الفاء وفتح الصاد مبنيا للمجهول. وقرأ ابن عامر: يفصل بضم الياء وفتح الفاء والصاد المشددة. فهذه اربع قراءات والمعنى واحد لان الفعل فَصَل يَفصِل، وفَصَّل يُفصِّل بمعنى واحد.

د. أسعد حومد

تفسير : {يٰأَيُّهَا} {آمَنُواْ} {جِهَاداً} (1) - هَذِهِ الآيَةُ نَزَلَتْ فِي حَاطِبِ بْنِ أَبِي بَلْتَعَةَ، وَكَانَ حَاطِبٌ مِنْ أَهْلِ بَدْرٍ، هَاجَرَ مِنْ مَكَّةَ، وَتَرَكَ فِيهَا مَالَهُ وَوَلَدَهُ، وَلَمْ يَكُنْ هُوَ مِنْ قُرَيشٍ. فَلَمَا أَرَادَ الرَّسُولُ صلى الله عليه وسلم فَتَحَ مَكَّةَ دَعَا رَبَّهُ اللهَ أَنْ يُعْمِيَ الأَخْبَارَ عَنْ قُرَيشٍ، حَتَّى يَأْخْذَهُمْ عَلَى حِينِ غِرَّةٍ، فَكَتَبَ حَاطِبٌ كِتَاباً إِلَى قُرَيشٍ يُعَرِّفُهُمْ بِعَزْمِ الرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم عَلَى غَزْوِهِمْ، وَأَرْسَلَهُ مَعَ امْرَأَةٍ لِيَتَّخِذَ عِنْدَهُمْ يَداً. وَأَعْلَمَ اللهُ تَعَالَى رَسُولَهُ بِالكِتَابِ، فَأَرْسَلَ الرَّسُولُ عَلِيّاً وَالزُّبَيْرَ، وَأَمَرَهُمَا بِالذَّهَابِ إِلَى رَوْضَةِ خَاخٍ لِيَأْتِيَاهُ بِالكِتَابِ مِنَ المَرْأَةِ، فَلَمَّا جَاءَاهَا طَلَبا مِنْهَا الكِتَابَ فأَنْكَرَتْهُ، فَهَدَّدَاهَا بِتَجْرِيدِهَا مِنْ ثِيَابِهَا لِتَفْتِيشِهَا، فَأَخْرَجَتِ الكِتَابَ مِنْ ضَفَائِرِ شَعْرِهَا. حديث : وَسَأَلَ الرَّسُولُ حَاطِباً عَنِ الكِتَابِ فَاعْتَرَفَ بِهِ وَقَالَ لِلرَّسُولِ إِنَّهُ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ كُفْراً، وَلاَ ارْتِدَاداً عَنِ الإِسْلاَمِ، وَإِنَّمَا لِيَتَّخِذَ بِهِ يَداً عِنْدَ قُرَيشٍ يَحْمِي بِهَا أَهْلَهُ وَوَلَدَهُ وَمَالَهُ. فَقَالَ الرَّسُولُ للصَّحَابَةِ إِنَّهُ صَدَقَكُمْ. وَقَالَ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ دَعْنِي أَضْرِبْ عُنْقَ هَذَا المُنَافِقِ. فَقَالَ الرَّسُولُ: إِنَّهُ قَدْ شَهِدَ بَدْراً، وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ اللهَ اطَّلَعَ عَلَى أَهْلِ بَدْرٍ فَقَالَ: اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ . تفسير : وَيَأْمُرُ اللهُ تَعَالَى المُؤْمِنينَ فِي هَذِهِ الآيَةِ بِأَنْ لاَ يَتَّخِذَوا الكُفَّارَ أَعْواناً وَأَنْصَاراً لَهُمْ يُبَلِّغُونَهُمْ أَخْبَارَ الرَّسُولِ التِي لاَ ينْبَغِي لأَِعْدَائِهِ أَنْ يَطَّلِعُوا عَلَيهَا، وَقَدْ كَفَرَ هَؤُلاَءِ الكُفَّارُ بِاللهِ وَبِرَسُولِهِ وَبِكِتَابِهِ، فَكَيْفَ بِكُمْ بَعْدَ هَذَا تَتَّخِذُونَهُمْ أَنْصَاراً تُسِرُّونَ إِليهِمْ بِمَا يَنْفَعُهُمْ، وَيَضُرُّ الرَّسُولَ والمُسْلِمِينَ، وَقَدْ أَخْرَجُوا الرَّسُولَ وَأَصْحَابَهُ مِنْ بَينِ أَظْهُرِهِمْ كُرْهاً بِالتَّوْحِيدِ، وَإِخْلاَصِ العِبَادَةِ للهِ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ ذَنْبٌ يُؤَاخَذُونَ عَلَيهِ غَيْرُ ذَلِكَ. فَإِنْ كُنْتُمْ، يَا أَيَّهُا المُؤْمِنُونَ، قَدْ خَرَجْتُمْ مُجَاهِدِينَ فِي سَبِيلِي، وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي، فَلاَ تُوَالُوا أَعْدَائِي، وَمَنْ يَفْعَلْ هَذِهِ المُوَالاَةَ، وَيُفْشِ سِرَّ الرَّسُول لأَِعْدَائِهِ، فَقَدْ حَادَ عَنْ قَصْدِ الطَّرِيقِ المُوصِلَةِ إِلَى الجَنَّةِ. أَوْلِيَاءَ - أَعْوَاناً تَوَادُّونَهُمْ وَتُنَاصِحُونَهُمْ. أَنْ تُؤْمِنُوا - لإِيْمَانِكُمْ أَوْ كَرَاهَةً لإِيْمَانِكُمْ.

الثعلبي

تفسير : {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَآءَ} نزلت في حاطب بن أبي بلتعة، وذلك حديث : أن سارة مولاة أبي عمرو بن صيفي بن هاشم بن عبد مناف أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة الى المدينة بعد بدر بسنتين ورسول الله صلى الله عليه وسلم تجهز لفتح مكة فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم "أمسلمة جئت؟" قالت: لا، قال: "أمهاجرة جئت؟" قالت: لا، قال: "فما جاء بك؟" قالت: كنتم الأصل والعشيرة والموالي وقد ذهبت موالي واحتجت حاجة شديدة فقدمت عليكم لتعطوني وتكسوني وتحملوني، فقال لها: "فأين أنت من شباب مكة؟" ـ وكانت مغنية نائحة ـ . قالت: ما طلب مني شيء بعد وقعة بدر، فحثّ رسول الله صلى الله عليه وسلم عليها بني عبد المطلب وبني المطلب فكسوها وحملوها وأعطوها نفقة، فأتاها حاطب بن أبي بلتعة حليف بني أسد بن عبد العزى فكتب معها الى أهل مكة وأعطاها عشرة دنانير، هذه رواية يادان عن أبن عباس، وقال مقاتل بن حيان: أعطاها عشرة دراهم، قالوا: وكساها برداً على أن يوصل الكتاب الى أهل مكة، وكتب في الكتاب: (من حاطب بن أبي بلتعة الى أهل مكة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يريدكم فخذوا حذركم) فخرجت سارة ونزل جبرائيل فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بما فعل، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عليّاً وعمّار وعمر والزبير وطلحة والمقداد بن الأسود وأبا مريد وكانوا كلهم فرساناً، وقال لهم: "أنطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ فأن بها ظعينة معها كتاب من حاطب الى المشركين فخذوه منها وخلّوا سبيلها، وأن لم تدفعه أليكم فاضربوا عنقها". قال: فخرجوا حتى أدركوها في ذلك المكان الذي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا لها: أين الكتاب؟ فحلفت بالله ما معها من كتاب، فحثوها وفتشوا متاعها فلم يجدوا معها كتاباً فهمّوا بالرجوع فقال علي رضي الله عنه والله ما كذبنا ولا كذّبنا وسلّ سيفه وقال: أخرجي الكتاب وإلاّ والله لأجرّدنّك ولأضربنّ عنقك. فلما رأت الجد أخرجت من ذؤابتها قد خبأتها في شعرها، فخلّوا سبيلها ولم يعترضوا لها ولا لمن معها ورجعوا بالكتاب الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأرسل رسول صلى الله عليه وسلم الى حاطب فأتاه، فقال له: "هل تعرف الكتاب؟" قال: نعم، قال: "فما حملك على ماصنعت"؟ فقال: يا رسول الله والله ما كفرتُ منذ أسلمت ولا غششتك منذ نصحتك ولا أجبتهم منذ فارقتهم، ولكن لم يكن أحد من المهاجرين إلا وله بمكة من يمنع عشيرته، وكنت عزيزاً فيهم، وكان أهلي بين ظهرانيهم، فخشيت على أهلي فاردتُ أن أتخذ عندهم يداً، وقد علمت أنَّ الله ينزل بهم بأسه، وأن كتابي لا يغني عنهم شيئاً. فصدّقه رسول الله صلى الله عليه وسلم وعذره، فقام عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال: يا رسول الله دعني أضرب عنق هذا المنافق فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "ومايدريك ياعمر لعلّ الله قد أطلع على أهل بدر فقال لهم أعملوا ما شئتم فقد غفرتُ لكم" . تفسير : أخبرنا عبد الله بن حامد قال: أخبرنا أحمد بن أسحاق قال: حدثنا محمد بن غالب قال: حدثنا عبد الصمد قال: حدثنا ليث عن أبي الدنير عن جابر حديث : أن عبداً لحاطب جاء يشتكي حاطباً الى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله ليدخلن حاطب النار، فقال النبي صلى الله عليه وسلم "كذبت، لا يدخلها أبداً لأنه شهد بدراً والحديبية" . تفسير : وأنزل الله سبحانه في شأن حاطب ومكاتبته المشركين {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَآءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِٱلْمَوَدَّةِ} أي المودة، والباء صلة، كقول القائل: أريد أن أذهب، وأريد بأن أذهب، قال الله سبحانه {أية : وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ} تفسير : [الحج: 25] أي إلحاداً بظلم ومنه قول الشاعر: شعر : فلما رجت بالشرب هزّ لها العصا شحيح له عند الازاء نهيم تفسير : أي رجت الشرب. {وَقَدْ} واو الحال {كَفَرُواْ بِمَا جَآءَكُمْ مِّنَ ٱلْحَقِّ يُخْرِجُونَ ٱلرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ} من مكة {أَن تُؤْمِنُواْ} أي لأن آمنتم {بِٱللَّهِ رَبِّكُمْ إِن كُنتُمْ خَرَجْتُمْ} في الكلام تقديم وتأخير، ونظم الآية: لا تتخذوا عدوّي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة، وقد كفروا بما جاءكم إن كنتم خرجتم {جِهَاداً فِي سَبِيلِي وَٱبْتِغَآءَ مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِٱلْمَوَدَّةِ وَأَنَاْ أَعْلَمُ بِمَآ أَخْفَيْتُمْ وَمَآ أَعْلَنتُمْ وَمَن يَفْعَلْهُ مِنكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَآءَ ٱلسَّبِيلِ * إِن يَثْقَفُوكُمْ} يروكم ويظهروا علكيم {يَكُونُواْ لَكُمْ أَعْدَآءً وَيَبْسُطُوۤاْ إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ} بالقتل {وَأَلْسِنَتَهُمْ بِٱلسُّوۤءِ} بالشتم {وَوَدُّواْ لَوْ تَكْفُرُونَ} فلا تناصحوهم فإنّهم لا يناصحوكم ولا يوادونكم. {لَن تَنفَعَكُمْ} يقول لا تدعونّكم قرابتكم وأولادكم التي بمكة الى خيانة رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين وترك مناصحتهم وموالاة أعدائهم ومطاهرتهم فلن ينفعكم {أَرْحَامُكُمْ وَلاَ أَوْلاَدُكُمْ } التي عصيتم الله سبحانه لأجلهم {يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ} فيدخل أهل طاعته والإيمان به الجنة، ويدخل أهل معصيته والكفر به النار. واختلف القرّاء في قوله: {يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ} فقرأ عاصم ويعقوب وأبو حاتم بفتح الياء وكسر الصاد مُخففاً، وقرأ حمزة والكسائي وَخلف بضمّ الياء وكسر الصاد مُشدداً، وقرأ ابن عامر والأعرج بضم الياء وفتح الصاد وتشديده، وقرأ طلحة والنخعي بالنون وكسر الصاد والتشديد، وقرأ أبو حيوة يفصل من أفصل يفصل، وقرأ الباقون بضم الياء وفتح الصاد مخففاً من الفصل. {وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} أخبرنا عبد الله بن حامد قال: أخبرنا مكّي قال: أخبرنا عبد الله بن هاشم قال: حدّثنا عبد الرحمن بن مهدي قال: حدّثنا سفيان عن سهيل بن أبي صالح عن عطاء بن يزيد عن تميم الداري أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : إنَّما الدين النصيحة" ثلاثاً، قالوا: لمن يا رسول الله؟ قال: "لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم ". {تفسير : قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ} قدوة {حَسَنَةٌ فِيۤ إِبْرَاهِيمَ} خليل الرحمن {وَٱلَّذِينَ مَعَهُ} من أهل الإيمان {إِذْ قَالُواْ لِقَوْمِهِمْ} المشركين {إِنَّا بُرَءآؤُاْ مِّنْكُمْ} جمع بريء، وقراءة العامة على وزن فعلا غير مجز، وقرأ عيسى بن عمر {بِرَءآؤُاْ} بكسر الباء، على وزن فعال مثل قَصير وقِصار وطويل وطوال {وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ} أي جحدنا بكم وأنكرنا دينكم {وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ ٱلْعَدَاوَةُ وَٱلْبَغْضَآءُ أَبَداً حَتَّىٰ تُؤْمِنُواْ بِٱللَّهِ وَحْدَهُ إِلاَّ قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ} يعني قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم وأموره إلا في قوله: {لأَبِيهِ لأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَآ أَمْلِكُ لَكَ مِنَ ٱللَّهِ مِن شَيْءٍ} أن عصيته نهوا أن يتأسوا في هذه خاصة بابراهيم فيستغفروا للمشركين، ثم بيّن عذره في سورة التوبة. وفي هذه الآية دلالة بيّنة على تفضيل نبيّنا وذلك أنه حين أمر بالأقتداء به أمر على الأطلاق ولم يستثن فقال: {وَمَآ آتَاكُمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَٱنتَهُواْ} وحين أمر بالاقتداء بابراهيم إستثنى. {رَّبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا} [هذا قول] إبراهيم ومن معه من المؤمنين. {وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ ٱلْمَصِيرُ * رَبَّنَا لاَ تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ وَٱغْفِرْ لَنَا رَبَّنَآ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ * لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ} يعني في إبراهيم ومن معه من الأنبياء والاولياء {أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو ٱللَّهَ وَٱلْيَوْمَ ٱلآخِرَ وَمَن يَتَوَلَّ فَإِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْغَنِيُّ ٱلْحَمِيدُ} فلما نزلت هذه الآية عادى المؤمنون أقرباءهم المشركين في الله وأظهروا لهم العداوة والبراءة فعلم سبحانه شدّة وجد المؤمنين بذلك فأنزل الله سبحانه: {عَسَى ٱللَّهُ أَن يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ} أيها المؤمنون {وَبَيْنَ ٱلَّذِينَ عَادَيْتُم مِّنْهُم} من مشركي مكّة {مَّوَدَّةً وَٱللَّهُ قَدِيرٌ وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} يفعل الله ذلك بأن أسلم كثير منهم فصاروا لهم أولياء وإخواناً وخالطوهم وناكحوهم وتزوّج رسول الله صلى الله عليه وسلم أم حبيبة بنت أبي سفيان بن حرب فلان لهم أبو سفيان وكانت أم حبيبة تحت عبد الله بن جحش بن ذياب، وكانت هي وزوجها من مهاجري الحبشة، فنظر بوجهها وحاولها أن تتابعه فأبت وصبرت على دينها، ومات زوجها على النصرانية، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم الى النجاشي فيها ليخطبها عليه، فقال النجاشي لأصحابه: من أولى بها؟ قالوا: خالد بن سعيد بن العاص، قال: فزوّجها من نبيّكم، ففعل ومهرها النجاشي أربعمائة دينار، وساق أليها مهرها، ويقال بل خطبها رسول الله صلى الله عليه وسلم الى عثمان بن عفان فلما زوّجه أياها بعث الى النجاشي فيها، فساق عنه وبعث بها إليه فبلغ ذلك أبا سفيان وهو يومئذ مشرك فقال: ذاك الفحل لا يقرع أنفه. رخّص الله سبحانه في صلة الذين لم يعادوا المؤمنين ولم يقاتلوهم ولم يخرجوهم من جميع الكافرين، فقال عزّ من قائل: {لاَّ يَنْهَاكُمُ ٱللَّهُ عَنِ ٱلَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي ٱلدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوۤاْ إِلَيْهِمْ} تعدلوا فيهم بالإحسان والبر. {إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُقْسِطِينَ} واختلف العلماء فيمن نزلت فيهم هذه الآية، فقال ابن عباس: نزلت في خزاعة منهم هلال بن عُديم وخزيمة ومزلقة بن مالك بن جعشم وبنو مدلح وكانوا صالحوا النبي صلى الله عليه وسلم على أن لا يقاتلوه ولا يعينوا عليه أحداً، وقال عبد الله بن الزُبير: نزلت في أسماء بنت أبي بكر وذلك أن أمها فتيلة بنت الغري بن عبد أسعد من بني مالك بن حنبل قدمت عليها المدينة بهدايا ضياباً وقرطاً وسمناً وهي مشركة، فقالت أسماء: لا أقبل منك هدية ولاتدخلين عليّ في بيتي حتى أستأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت لها عائشة: رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله عزّ وجلّ هذه الآية، فأمر بها رسول الله أن تدخلها منزلها وتقبل هديّتها وتكرمها وتحسن إليها. وقال مرّة الهمداني وعطية العوفي: نزلت في قوم من بني هاشم منهم العباس. {إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ ٱللَّهُ عَنِ ٱلَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي ٱلدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم} وهم مشركو مكة {أَن تَوَلَّوْهُمْ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلظَّالِمُونَ} الواضعون الولاية في غير موضعها. {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا جَآءَكُمُ ٱلْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ} الآية قال ابن عباس: أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم معتمراً حتى إذا كان بالحديبية صالحه مشركو مكّة على من أتاه من أهل مكّة رده عليهم ومن أتى أهل مكة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو لهم ولم يردوه عليه، وكتبوا بذلك كتاباً وختموا عليه فجاءت سبيعة بنت الحرث الأسلمية مسلمة بعد الفراغ من الكتاب، والنبي صلى الله عليه وسلم بالحديبية فأقبل زوجها مسافر من بني مخزوم وقال مقاتلان هو صفي بن الراهب في طلبها، وكان كافراً فقال: يامحمد أردّد علي أمرأتي فأنك قد شرطت لنا أن ترد علينا من أتاك منّا وهذه طينة الكتاب لم تجف بعد، فأنزل الله سبحانه {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا جَآءَكُمُ ٱلْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ} من دار الكفر الى دار الإسلام. {فَٱمْتَحِنُوهُنَّ} قال ابن عباس: إمتحانهن أن يستحلفهن ماخرجت من بغض زوح وما خرجت رغبة عن أرض الى أرض وما خرجت التماس دنياً وما خرجت إلاّ حبّاً لله ورسوله، فاستحلفها رسول الله صلى الله عليه وسلم ما خرجت بغضاً لزوجها ولا عشقاً لرجل منا وما خرجت إلا رغبة في الإسلام، فحلفت بالله الذي لا اله الا هو على ذلك، فأعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم مهرها وما أنفق عليها ولم يردها عليه، فتزوّجها عمر، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يردّ من جاء من الرجال ويحبس من جاءه من النساء إذا امتحن ويعطي أزواجهن مهورهن، فلذلك قوله سبحانه: {فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلاَ تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى ٱلْكُفَّارِ لاَ هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ وَلاَ هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ وَآتُوهُم} يعني أزواجهن الكفار ما انفقوا عليهن من المهر {وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَن تَنكِحُوهُنَّ إِذَآ آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ} مهورهن وأن كنّ لهنَّ أزواج كفار في دار الكفر؛ لأنَّه فرّق بينهما الإسلام إذا استبرئت أرحامهن. {وَلاَ تُمْسِكُواْ} قراءة العامة بالتخفيف من الإمساك، وتكون الباء صلة مجازه: ولا تمسكوا عصم الكوافر وقرأ الحسن أبو عمرو ويعقوب وأبو حاتم بالتشديد من التمسّك وقال: مسكت بالشيء وتمسّكت به، والعصم جمع العصمة وهي ما اعتصم به من العقد والمسك، والكوافر: جمع كافرة. نهى الله المؤمنين عن المقام على نكاح المشركات، وأمرهم بفراقهن قال ابن عباس: يقول لا تأخذوا بعقد الكوافر ممن كانت له أمرأة كافرة بمكة فلا يعتدن بها فقد أنقطعت عصمتها منه وليست له بامرأة، وإن جاءتكم أمرأة مسلمة من أهل مكّة ولها بها زوج كافر فلا تعتدن به فقد أنقطعت عصمته منها. قال الزهري: فلما نزلت هذه الآية طلّق عمر بن الخطاب رضي الله عنه أمرأتين كانتا له بمكّة مشركتين قريبة بنت أبي أمية بن المغيرة فتزوّجها بعده معاوية بن أبي سفيان وهما على شركهما بمكة والأخرى أم كلثوم بنت عمر بن حروا الخزاعية أم عبد الله بن عمر، فتزوجها أبو جهم بن حذافة بن غانم رجل من قومه وهما على شركهما، وكانت عند طلحة بن عبيد الله بن عثمان ابن عمرو التيمي أروى بنت ربيعة بن الحرث بن عبد المطلب ففرّق بينهما الإسلام حين نهى القرآن عن التمسك بعصم الكوافر، وكان طلحة قد هاجر وهي بمكة على دين قومها ثم تزوّجها في الإسلام بعد طلحة خالد بن سعيد بن العاص بن أُمية بن عبد شمس، فكانت ممن فرّ الى رسول الله صلى الله عليه وسلم من نساء الكفار فحبسهما وزوّجها خالداً، وأميمة بنت بشر كانت عند ثابت بن الدحداحة ففرّت منه وهو يومئذ كافر الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم سهل بن حنيف، فولدت عبد الله بن سهل. قال الشعبي: وكانت زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم إمرأة أبي العاص بن الربيع فأسلمت ولحقت بالنبي صلى الله عليه وسلم في المدينة وأقام العاص مشركاً في مكة ثم أتى المدينة فأمنته زينب ثم أسلم فردّها عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم {وَاسْأَلُواْ} أيُّها المؤمنون الذين ذهبت أزواجكم فلحقن بالمشركين {مَآ أَنفَقْتُمْ} عليهن من الصدقات من تزويجهن منهم {وَلْيَسْأَلُواْ} بعد المشركين الذين لحقت أزواجهم بكم مؤمنات إذا تزوجن فيكم من يتزوجها منكم. {مَآ أَنفَقُواْ} من المهر {ذَلِكُمْ حُكْمُ ٱللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} قال الأزهري: ولولا العهد والهدنة الذي كان بينه عليه السلام وبين قريش يوم الحديبية لأمسك النساء ولم يردد أليهم صداقاً، وكذلك يصنع بمن جاء من المسلمات قبل العهد، فلما نزلت هذه الآية أقرّ المؤمنون بحكم الله سبحانه وأدّوا ما أمروا من نفقات المشركين على نسائهم وأبى المشركون أن يقروّا بحكم الله فيما أمر من أداء نفقات المسلمين فأنزل الله سبحانه {وَإِن فَاتَكُمْ} أيها المؤمنون {شَيْءٌ مِّنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَى ٱلْكُفَّارِ} فلحقن بهم مرتدات {فَعَاقَبْتُمْ} قراءة العامة بالألف وأختاره أبو عبيدة وأبو حاتم، وقرأ إبراهيم وحميد والأعرج فعقّبتم مشدداً، وقرأ مجاهد فأعقبتم على وزن أفعلتم وقال: صنعتم بهم كما صنعوا بكم، وقرأ الزهري «فعقبتم» خفيفة بغير ألف، وقرأ فعقبتم كسر القاف خفيفة وقال: غنمتم. وكلها لغات بمعنى واحد يقال: عاقب وعقّب وعَقَب وَعقِب وأعقِب وَيعقِب واعتقِب وتعاقب إذا غنم. ومعنى الآية: فغزوتم وأصبتم من الكفار عقبى وهي الغنيمة وظفرتم وكانت العاقبة لكم، وقال المؤرخ: معناه فحلقتم من بعدهم وصار الأمر اليكم، وقال الفرّاء: عقّب وعاقب مثل تصعر وتصاعر، وقيل: غزوة بعد غزوة. {فَآتُواْ ٱلَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُمْ مِّثْلَ مَآ أَنفَقُواْ} عليهم من الغنائم التي صارت في أيديكم من أموال الكفار وقيل: فعاقبتم المرتدة أي قتلتموها، وكان جميع من لحق بالمشركين من نساء المؤمنين المهاجرين راجعة عن الأسلام ست نسوة: أم الحكم بنت أبي سفيان كانت تحت عياض بن شداد الفهري، وفاطمة بنت أبي آمنة بن المغيرة أخت أم سلمة كانت تحت عمر بن الخطاب فلما أراد عمر أن يهاجر أبت وارتدّت، ويروع بنت عقبة كانت تحت شماس بن عثمان، وعبدة بنت عبد العزى بن فضلة وزوجها عمر بن عبدون، وهند بنت أبي جهل بن هشام وكانت تحت هشام بن العاص بن وائل، وكلثوم بنت جدّول كانت تحت عمر ابن الخطاب، وأعطاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم مهور نسائهم من الغنيمة. {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ٱلَّذِيۤ أَنتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ}.

الصابوني

تفسير : اللغَة: {أَوْلِيَآءَ} أصدقاء وأحباء جمع وليّ وهو الصديق والناصر والمعين {يَثْقَفُوكُمْ} يظفروا بكم ويتمكنوا منكم، وأصل الثقف الحذقُ في إِدراك الشيء وفعله، ومنه قولهم "رجلٌ ثقِف لقف" ثم استعمل في الظفر والإِدراك مطلقاً {أُسْوَةٌ} قدوة يقتدى به {أَرْحَامُكُمْ} جمع رحم وهو في الأصل رحم المرأة، واشتهر في القرابة حتى صار كالحقيقة فيها {ظَاهَرُواْ} أعانوا {عِصَمِ} جمع عِصْمة وهي ما يعتصم ويتمسك به الإِنسان من حبلٍ أو عقد والمراد به هنا عقد النكاح {ٱلْكَوَافِرِ} جمع كافرة وهي التي لا تؤمن بالله. سَبَبُ النّزول: حديث : لما تجهز رسول الله صلى الله عليه وسلم لفتح مكة، كتب "حاطب بن أبي بلتعة" إِلى أهل مكة يخبرهم بذلك وقال لهم: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد أن يغزوكم فخذوا حذركم، ثم أرسل الكتاب مع ظعينةٍ ـ أي امرأةٍ مسافرة - فنزل الوحي على رسول الله صلى الله عليه وسلم يخبره بذلك، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم علياً، والزبير، والمقداد وقال: "انطلقوا حتى تأتوا "روضة خاخ" فإِن بها ظعينة معها كتاب فخذوه منها فأتوني به" فخرجنا حتى أتينا الروضة فإِذا نحن بالظعينة، فقلنا لها أخرجي الكتاب، فقالت: ما معي من كتاب، فقال لها: لتخرجنَّ الكتاب أو لنلقينَّ الثياب فأخرجته من عِقاصها، فأتينا به النبي صلى الله عليه وسلم فإِذا فيه من حاطب بن أبي بلتعة إِلى أناسٍ من المشركين بمكة يخبرهم ببعض أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ما هذا يا حاطب؟ فقال يا رسول الله: لا تعجل عليَّ إِني كنت أمرءاً ملصقاً في قريش ولم أكن من أنفسها، وكان من معك من المهاجرين لهم قراباتٌ يحمون بها أهلهم وأموالهم بمكة، فأحببت إِذ فاتني ذلك من النسب فيهم أن أتخذ يداً يحمون بها قرابتي، وما فعلتُ ذلك كفراً وارتداداً عن ديني، فقال عمر، دعني يا رسول الله أضربُ عنق هذا المنافق!! فقال عليه الصلاة والسلام: إنه شهد بدراً، وما يدريك لعل الله اطَّلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم! فنزلت {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَآءَ..} تفسير : الآية. التفسِير: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَآءَ} أي يا معشر المؤمنين، يا من صدقتم بالله ورسوله، لا تتخذوا الكفار الذين هم أعدائي وأعداؤكم أصدقاء وأحباء، فإِنَّ من علامة الإِيمان بغض أعداء الله لا مودتهم وصداقتهم قال في التسهيل: نزلت عتاباً لحاطب وزجراً عن أن يفعل أحد مثل فعله، وفيها مع ذلك تشريفٌ له لأن الله شهد له بالإِيمان في قوله {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} {تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِٱلْمَوَدَّةِ} أي تحبونهم وتودونهم وتصادقونهم مع أنهم أعداء ألداء لكم قال القرطبي: أي تخبرونهم بسرائر المسلمين وتنصحون لهم {وَقَدْ كَفَرُواْ بِمَا جَآءَكُمْ مِّنَ ٱلْحَقِّ} أي والحال أنهم كافرون بدينكم وبقرآنكم الذي أنزله الله عليكم بالحق الواضح {يُخْرِجُونَ ٱلرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ} أي يخرجون محمداً من مكة ظلماً وعدواناً كما يخرجون أيضاً منها المؤمنين قال في البحر: وقدَّم الرسول تشريفاً له ولأنه الأصلُ للمؤمنين، ومعنى إِخراجهم أنهم ضيقوا عليهم وآذوهم حتى خرجوا منها مهاجرين إِلى المدينة {أَن تُؤْمِنُواْ بِٱللَّهِ رَبِّكُمْ} أي من أجل أنكم آمنتم بالله الواحد الأحد كقوله {أية : وَمَا نَقَمُواْ مِنْهُمْ إِلاَّ أَن يُؤْمِنُواْ بِٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَمِيدِ}تفسير : [البروج: 8] {إِن كُنتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَاداً فِي سَبِيلِي وَٱبْتِغَآءَ مَرْضَاتِي} شرطٌ حذف جوابه أي إن كنتم خرجتم مجاهدين في سبيل الله طلباً لرضوانه فلا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء قال الألوسي: وجوابُ الشرط محذوف دلَّ عليه ما تقدم كأنه قيل: لا تتخذوا أعدائي إِن كنتم أوليائي {تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِٱلْمَوَدَّةِ وَأَنَاْ أَعْلَمُ بِمَآ أَخْفَيْتُمْ وَمَآ أَعْلَنتُمْ} أي تسرون إِليهم بالنصيحة وأنا العالم بسريرتكم وعلانيتكم، لا يخفى عليَّ شيءٌ من أحوالكم؟ والغرض منه التوبيخُ والعتاب {وَمَن يَفْعَلْهُ مِنكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَآءَ ٱلسَّبِيلِ} أي ومن يصادق أعداء الله، ويفش أسرار الرسول، فقد حاد عن طريق الحق والصواب.. ثم أخبر تعالى المؤمنين بعداوة الكفار الشديدة لهم، المستحكمة في قلوبهم فقال {إِن يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُواْ لَكُمْ أَعْدَآءً} أي إن يظفروا بكم ويتمكنوا منكم، يُظهروا ما في قلوبهم من العداوة الشديدة لكم {وَيَبْسُطُوۤاْ إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِٱلسُّوۤءِ} أي يمدوا إِليكم أيديهم بالضرب والقتل، وألسنتهم بالشتم والسبِّ {وَوَدُّواْ لَوْ تَكْفُرُونَ} أي وقد تمنوا أن تكفروا لتكونوا مثلهم قال الزمخشري: وإِنما أورده بذكر الماضي {وَوَدُّواْ} بعد أن ذكر جواب الشرط بلفظ المضارع {لَوْ تَكْفُرُونَ} لأنهم أرادوا كفرهم قبل كل شيء كقوله تعالى {أية : وَدُّواْ لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُواْ فَتَكُونُونَ سَوَآءً}تفسير : [النساء: 89] {لَن تَنفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ وَلاَ أَوْلاَدُكُمْ} أي لن تفيدكم قراباتكم ولا أولادكم الذين توالون الكفار من أجلهم يوم القيامة شيئاً، فلن يجلبوا لكم نفعاً، ولن يدفعوا عنكم ضُرّاً قال الصاوي: هذا تخطئةٌ لحاطب في رأيه كأنه قال: لا تحملكم قراباتكم وأولادكم الذين بمكة، على خيانة رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين، ونقل أخبارهم وموالاة أعدائهم، فإِنه لا تنفعكم الأرحام ولا الأولاد الذين عصيتم الله من أجلهم {يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ} أي في ذلك اليوم العصيب، يحكم الله بين المؤمنين والكافرين، فيدخل المؤمنين جنات النعيم، ويدخل المجرمين دركات الجحيم {وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} أي مطلَّع على جميع أعمالكم فيجازيكم عليها {قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِيۤ إِبْرَاهِيمَ وَٱلَّذِينَ مَعَهُ} أي قد كان لكم يا معشر المؤمنين قُدوة حسنةٌ في الخليل إِبراهيم ومن معه من المؤمنين {إِذْ قَالُواْ لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَءآؤُاْ مِّنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ} أي حين قالوا للكفار إِننا متبرءون منكم ومن الأصنام التي تعبدونها من دون الله {كَفَرْنَا بِكُمْ} أي كفرنا بدينكم وطريقتكم {وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ ٱلْعَدَاوَةُ وَٱلْبَغْضَآءُ أَبَداً} أي وظهرت بيننا وبينكم العداوةُ والبغضاء إِلى الأَبد ما دمتم على هذه الحالة {حَتَّىٰ تُؤْمِنُواْ بِٱللَّهِ وَحْدَهُ} أي إِلى أن توحدوا الله فتعبدوه وحده، وتتركوا ما أنتم عليه من الشرك والأوثان قال المفسرون: أمر الله المؤمنين أن يقتدوا بإِبراهيم الخليل عليه السلام وبالذين معه في عداوة المشركين والتبرؤ منهم، لأن الإِيمان يقتضي مقاطعة أعداء الله وبغضهم {إِلاَّ قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ لأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ} أي إِلا في استغفار إِبراهيم لأبيه فلا تقتدوا به، فإِنه إنما استغفر لأبيه المشرك رجاء إسلامة {أية : فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ للَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ}تفسير : [التوبة: 114] {وَمَآ أَمْلِكُ لَكَ مِنَ ٱللَّهِ مِن شَيْءٍ} هذا من تتمة كلام إبراهيم لأبيه أي ما أدفع عنك من عذاب الله شيئاً إن أشركت به، ولا أملك لك شيئاً غير الاستغفار {رَّبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا} أي عليك اعتمدنا في جميع أمورنا {وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا} أي وإِليك رجعنا وتبنا {وَإِلَيْكَ ٱلْمَصِيرُ} أي وإِليك المرجع والمعاد في الدار الآخرة قال المفسرون: إن إبراهيم وعد أباه بالاستغفار كما في سورة مريم قال: {أية : سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّيۤ إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيّاً}تفسير : [مريم: 47] واستغفر له بالقول فعلاً كما في سورة الشعراء {أية : وَٱغْفِرْ لأَبِيۤ إِنَّهُ كَانَ مِنَ ٱلضَّآلِّينَ}تفسير : [الآية: 86] وكلُّ هذا كان رجاء إسلامه، ثم رجع عن ذلك لمَّا تيقَّن كفره كما في سورة التوبة {أية : وَمَا كَانَ ٱسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ إِلاَّ عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَآ إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ للَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ}تفسير : [التوبة: 114] {رَبَّنَا لاَ تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ} أي لا تسلطهم علينا فيفتنونا عن ديننا بعذاب لا نطيقه وقال مجاهد: أي لا تعذبنا بأيديهم ولا بعذابٍ من عندك فيقولوا: لو كان هؤلاء على الحق لما أصابهم ذلك {وَٱغْفِرْ لَنَا} أي اغفر لنا ما فرط من الذنوب {رَبَّنَآ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ} أي أنت يا الله الغالب الذي لا يذل من التجأ إِليه، الحكيم الذي لا يفعل إِلا ما فيه الخير والمصلحة، وتكرار النداء للمبالغة في التضرع والجؤار. {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} أي لقد كان لكم في إِبراهيم ومن معه من المؤمنين قدوةٌ حسنة في التبرؤ من الكفار قال أبو السعود: والتكريرُ للمبالغة في الحثِّ على الاقتداء به عليه السلام ولذلك صُدِّر بالقسم {لِّمَن كَانَ يَرْجُو ٱللَّهَ وَٱلْيَوْمَ ٱلآخِرَ} أي لمن كان يرجو ثواب الله تعالى، ويخاف عقابه في الآخرة {وَمَن يَتَوَلَّ فَإِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْغَنِيُّ ٱلْحَمِيدُ} أي ومن يُعرض عن الإِيمان وطاعة الرحمن، فإِن الله مستغنٍ عن أمثاله وعن الخلق أجمعين، وهو المحمود في ذاته وصفاته {عَسَى ٱللَّهُ أَن يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ ٱلَّذِينَ عَادَيْتُم مِّنْهُم مَّوَدَّةً} أي لعلَّ الله جل وعلا يجعل بينكم وبين الذين عاديتموهم من أقاربكم المشركين محبةً ومودة، محبةً بعد البغضاء، وألفة بعد الشحناء قال في التسهيل: لما أمر الله المسلمين بعداوة الكفار ومقاطعتهم، على ما كان بينهم وبين الكفار من القرابة والمودة، وعلم الله صدقهم آنسهم بهذه الآية، ووعدهم بأن يجعل بينهم مودة أي محبة، وهذه المودة كملت في فتح مكة فإِنه أسلم حينئذٍ سائر قريش، وجمع الله الشمل بعد التفرق وقال الرازي: وعسى وعدٌ من الله تعالى وقد حقق تعالى ما وعدهم به من اجتماع كفار مكة بالمسلمين، ومخالطتهم لهم حين فتح مكة {وَٱللَّهُ قَدِيرٌ} أي قادر لا يعجزه شيء، يقدر على تقليب القلوب وتغيير الأحوال {وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} أي مبالغ في المغفرةُ والرحمة، لمن تاب إِليه وأناب {لاَّ يَنْهَاكُمُ ٱللَّهُ عَنِ ٱلَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي ٱلدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ} أي لا ينهاكم عن البر بهؤلاء الذين لم يحاربوكم لأجل دينكم، ولم يخرجوكم من أوطانكم كالنساء والصبيان، ولفظة {أَن تَبَرُّوهُمْ} في موضع جر بـ "عن" أي لا ينهاكم جلَّ وعلا عن البر والإِحسان لهؤلاء {وَتُقْسِطُوۤاْ إِلَيْهِمْ} أي تعدلوا معهم {إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُقْسِطِينَ} أي يحب العادلين في جميع أمورهم وأحكامهم قال ابن عباس: نزلت في خزاعة، وذلك أنهم صالحوا رسول الله صلى الله عليه وسلم على ألا يقاتلوه ولا يعينوا عليه أحداً، فرخًّص الله في برهم والإِحسان إِليهم.. وروي حديث : عن أسماء بنت أبي بكر أنها قالت: قدمت أمي - وهي مشركة - في عهد قريش حين عاهدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم - تعني في صلح الحديبية - فأتيتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت يا رسول الله: إن أمي قدمتْ وهي راغبة أفأصلها؟ قال: نعم صِلي أمكتفسير : ، فأنزل الله {لاَّ يَنْهَاكُمُ ٱللَّهُ عَنِ ٱلَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي ٱلدِّينِ} الآية {إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ ٱللَّهُ عَنِ ٱلَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي ٱلدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُواْ عَلَىٰ إِخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ} أي إِنما ينهاكم الله عن صداقة ومودة الذين ناصبوكم العداوة، وقاتلوكم لأجل دينكم، وأعانوا أعداءكم على إِخراجكم من دياركم، أن تتولَّوهم فتتخذوهم أولياء وأنصاراً وأحباباً {وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلظَّالِمُونَ} أي ومن يصادق أعداء الله ويجعلهم أنصاراً وأحباباً، فأولئك هم الظالمون لأنفسهم بتعريضها للعذاب {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا جَآءَكُمُ ٱلْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَٱمْتَحِنُوهُنَّ} أي اختبروهنَّ لتعلموا صدق إِيمانهنَّ قال المفسرون: حديث : كان صلح الحديبية الذي جرى بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وكفار مكة قد تضمن أن من أتى أهل مكة من المسلمين لم يُردَّ إِليهم، ومن أتى المسلمين من أهل مكة - يعني المشركين - رُدَّ إِليهم، فجاءت "أم كلثوم" بنت عقبة بن أبي مُعيط مهاجرة إِلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فخرج في أثرها أخواها "عُمارة" و"الوليد" فقالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: رُدَّها علينا بالشرط، فقال صلى الله عليه وسلم: كان الشرطُ في الرجال لا في النساءتفسير : ، فأنزل الله الآية، قال ابن عباس: كانت المرأة تُستحلف أنها ما هاجرت بغضاً لزوجها، ولا طمعاً في الدنيا، وأنها ما خرجت إِلا حباً لله ورسوله، ورغبةً في دين الإِسلام {ٱللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ} أي الله أعلم بصدقهن في دعوى الإِيمان، لأنه تعالى المطّلع على قلوبهن، والجملة اعتراضية لبيان أن هذا الامتحان بالنسبة للمؤمنين، وإِلا فالله عالمٌ بالسرائر لا تخفى عليه خافية {فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلاَ تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى ٱلْكُفَّارِ} أي فإِن تحققتم بإِيمانهن بعد امتحانهن فلا تردوهنَّ إِلى أزواجهن الكفار {لاَ هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ وَلاَ هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ} أي لا تحل المؤمنة للمشرك، ولا يحل للمؤمن نكاح المشركة قال الألوسي: والتكرير للتأكيد والمبالغة في الحرمة وقطع العلاقة بين المؤمنة والمشرك {وَآتُوهُم مَّآ أَنفَقُواْ} أي أعطوا أزواجهن الكفار ما أنفقوا عليهن من المهور قال في البحر: أمر أن يُعطى الزوج الكافر ما أنفق على زوجته إِذا أسلمت، فلا يجمع عليه خُسران الزوجة والمالية {وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَن تَنكِحُوهُنَّ إِذَآ آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ} أي ولا حرج ولا إِثم عليكم أن تتزوجوا هؤلاء المهاجرات إِذا دفعتم لهن مهورهنَّ قال الخازن: أباح الله للمسلمين نكاح المهاجرات من دار الحرب إِلى دار الإِسلام وإِن كان لهن أزواج كفار - لأن الإِسلام فرَّق بينهن وبين أزواجهنَّ الكفار، وتقع الفرقة بانقضاء عدتها {وَلاَ تُمْسِكُواْ بِعِصَمِ ٱلْكَوَافِرِ} أي ولا تتمسكوا بعقود زوجاتكم الكافرات، فليس بينكم وبينهن عصمة ولا علاقة زوجية قال القرطبي: المراد بالعصمة هنا النكاحُ، يقول: من كانت له امرأةٌ كافرة بمكة فلا يعتد بها فليست امرأته، فقد انقطعت عصمتها لاختلاف الدارين، {وَاسْأَلُواْ مَآ أَنفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلُواْ مَآ أَنفَقُواْ} أي اطلبوا يا أيها المؤمنون ما أنفقتم من المهر إِذا لحقتْ أزواجكم بالكفار، وليطلبوا هم - أي المشركون - ما أنفقوا على أزواجهم المهاجرات قال ابن العربي: كان من ذهب من المسلمات مرتداتٍ إِلى الكفار يقال للكفار: هاتوا مهرها، ويقال للمسلمين إِذا جاءت إِحدى الكافرات مسلمةً مهاجرة: ردُّوا إِلى الكفار مهرها، وكان ذلك نَصَفاً وعدلاً بين الحالتين {ذَلِكُمْ حُكْمُ ٱللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ} أي ذلكم هو شرعُ الله وحكمه العادل بينكم وبين أعدائكم {وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} أي عليم بمصالح العباد، حكيم في تشريعه لهم، يشرع ما تقتضيه الحكمة البالغة {وَإِن فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِّنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَى ٱلْكُفَّارِ} أي وإِن فرَّت زوجة أحدٍ من المسلمين ولحقت بالكفار {فَعَاقَبْتُمْ} أي فغزوتم وغنمتم وأصبتم من الكفار غنيمة {فَآتُواْ ٱلَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُمْ مِّثْلَ مَآ أَنفَقُواْ} أي فأعطوا لم فرَّت زوجته، مثل ما أنفق عليها من المهر، من الغنيمة التي بأيديكم قال ابن عباس: يعني إِن لحقت امرأة رجلٍ من المهاجرين بالكفار، أمر له رسولُ الله صلى الله عليه وسلم أن يُعطى مثل ما أنفق من الغنيمة قال القرطبي: لما نزلت الآية السابقة {وَاسْأَلُواْ مَآ أَنفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلُواْ مَآ أَنفَقُواْ} قال المسلمون: رضينا بما حكم اللهُ، وكتبوا إِلى المشركين فامتنعوا فنزلت هذه الآية {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ} أي وراقبوا اللهَ في أقوالكم وأفعالكم، واحذروا عذابه وانتقامه إِن خالفتم أوامره {ٱلَّذِيۤ أَنتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ} أي الذي آمنتم وصدقتم بوجوده، فإِن من مستلزمات الإِيمان تقوى الرحمن.. ولما فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة جاء نساء أهل مكة يُبايعنه على الإِسلام، كما بايعه الرجال فنزلت {يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ إِذَا جَآءَكَ ٱلْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَىٰ أَن لاَّ يُشْرِكْنَ بِٱللَّهِ شَيْئاً} أي إِذا جاء إلِيك النساء المؤمنات للبيعة فبايعْهُنَّ على هذه الأمور الستة الهامة، وفي مقدمتها عدم الإِشراك بالله جلَّ وعلا {وَلاَ يَسْرِقْنَ وَلاَ يَزْنِينَ} أي ولا يرتكبن جريمة السرقة ولا جريمة الزنى، التي هي من أفحش الفواحش {وَلاَ يَقْتُلْنَ أَوْلاَدَهُنَّ} أي ولا يئدن البنات كما كان يفعله أهل الجاهلية خوف العار أو خشية الفقر، قال ابن كثير: وهذا يشمل قتله بعد وجوده، كما كان أهل الجاهلية يقتلون أولادهم خشية الإِملاق أو العار، ويعمُّ قتله وهو جنينٌ كما يفعله بعض النساء الجاهلات، تُطرح نفسها لئلا تحبل، إمّا لغرضٍ فاسد أو ما أشبهه {وَلاَ يَأْتِينَ بِبُهْتَٰنٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ} أي لا تنسب إِلى زوجها ولداً لقيطاً ليس منه تقول له: هذا ولدي منك قال المفسرون: كانت المرأة إِذا خافت مفارقة زوجها لها لعدم الحمل، التقطت ولداً ونسبته له ليبقيها عنده، فالمراد بالآية اللقيط، وليس المراد الزنى لتقدمه في النهي صريحاً قال ابن عباس: لا تُلحق بزوجها ولداً ليس منه، وقال الفراء: كانت المرأة تلتقطُ المولود فتقول لزوجها: هذا ولدي منك، وإِنما قال {يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ} لأن الولد إِذا وضعته الأم سقط بين يديها ورجليها {وَلاَ يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ} أي ولا يخالفن أمرك فيما أمرتهنَّ به من معروف، أو نهيتهن عنه من منكر، بل يسمعن ويطعن {فَبَايِعْهُنَّ وَٱسْتَغْفِرْ لَهُنَّ ٱللَّهَ} أي فبايعهن يا محمد على ما تقدم من الشروط، واطلب لهنَّ من الله الصفح والغفران لما سلف من الذنوب {إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} أي واسع المغفرة عظيم الرحمة قال أبو حيان: حديث : كانت "بيعة النساء" في ثاني يوم الفتح على جبل الصفا، بعدما فرغ من بيعة الرجال، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم على الصفا وعمر أسفل منه، يبايعهنَّ بأمره ويبلغهنَّ عنه، وما مست يده عليه الصلاة والسلام يد امرأةٍ أجنبيةٍ قطُّ، وقالت "أسماء بنتُ السكن": كنتُ في النسوة المبايعات، فقلت يا رسول الله: أُبسط يدك نبايعك، فقال لي عليه الصلاة والسلام: "إني لا أصافح النساء، لكنْ آخذُ عليهنَّ ما أخذ اللهُ عليهنَّ" وكانت "هند بنت عُتبة" - وهي التي شقت بطن حمزة يوم أحد - متنكرة في النساء، فلما قرأ عليهن الآية {عَلَىٰ أَن لاَّ يُشْرِكْنَ بِٱللَّهِ شَيْئاً وَلاَ يَسْرِقْنَ} قالت وهي متنكرة يا رسول الله: إِن أبا سفيان رجل شحيح، وإِني لأصيب الهنة - أي القليل وبعض الشيء - من ماله، لا أدري أيحل لي ذلك أم لا؟ فقال أبو سفيان: ما أصبتِ من شيءٍ فيما مضى وفيما غبر فهو لك حلال، فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم وعرفها فقال لها: وإِنك لهندٌ بنتُ عتبة؟ قالت نعم فاعفُ عما سلف يا نبي َّ الله، عفا الله عنك، فلما قرأ {وَلاَ يَزْنِينَ} قالت: أو تزني الحُرة؟ فلما قرأ {وَلاَ يَقْتُلْنَ أَوْلاَدَهُنَّ} قالت: ربيناهم صغاراً وقتلتهم كباراً فأنتم وهم أعلم - وكان ابنها حنظلة قد قُتل يوم بدر - فضحك عمر حتى استلقى، وتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما قرأ {وَلاَ يَأْتِينَ بِبُهْتَٰنٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ} قالت هند: والله إِن البهتان لأمرٌ قبيح، ولا يأمر اللهُ إِلا بالرشد ومكارم الأخلاق، فلما قرأ {وَلاَ يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ} قالت: واللهِ ما جلسنا مجلسنا هذا وفي أنفسنا أن نعصيك في شيء تفسير : وأخرج الإِمام أحمد حديث : عن "أميمة بنت رقيقة" - أخت السيدة خديجة وخالة فاطمة الزهراء - قالت: أتيتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم في نساءٍ لنبايعه، فأخذ علينا ما في القرآن (ألاَّ نشرك بالله شيئاً) الآية وقال: "فيما استطعتنَّ وأطقتُنَّ" فقلنا: الله ورسوله أرحم بنا من أنفسنا، قلنا يا رسول الله: ألا تصافحنا؟ قال: "إني لا أصافح النساء، إِنما قولي لامرأةٍ واحدة قولي لمائة امرأة"تفسير : {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَوَلَّوْاْ قوْماً غَضِبَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ} أي لا تصادقوا يا معشر المؤمنين الكفرة أعداء الدين، ولا تتخذوهم أحباء وأصدقاء توالونهم وتأخذون بآرائهم، فإِنهم قوم غضب الله عليهم ولعنهم قال الحسن البصري: هم اليهود لقوله تعالى {أية : غَيْرِ ٱلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِم}تفسير : [الفاتحة: 7] وقال ابن عباس: هم كفار قريش لأن كل كافر عليه غضبٌ من الله، والظاهر أن الآية عامة كما قال ابن كثير: يعني اليهود والنصارى وسائر الكفار، ممن غضب الله عليه ولعنه {قَدْ يَئِسُواْ مِنَ ٱلآخِرَةِ} أي أولئك الفجار الذين يئسوا من ثواب الآخرة ونعيمها {كَمَا يَئِسَ ٱلْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابِ ٱلْقُبُور} أي كما يئس الكفار المكذبون بالبعث والنشور، من أمواتهم أن يعودوا إِلى الحياة مرة ثانية بعد أن يموتوا، فقد كانوا يقولون إِذا مات لهم قريب أو صديق: هذا آخر العهد به، ولن يبعث أبداً.. ختم تعالى السورة الكريمة بمثل ما فتحها به وهو النهي عن موالاة الكفار أعداء الله، وهو بمثابة التأكيد للكلام، وتناسق الآيات في البدء والختام، وهو من البلاغة في مكان. البَلاَغَة: تضمنت السورة الكريمة وجوهاً من البديع والبيان نوجزها فيما يلي: 1- الطباق في قوله {وَأَنَاْ أَعْلَمُ بِمَآ أَخْفَيْتُمْ وَمَآ أَعْلَنتُمْ} لأن الإِخفاء يطابق الإِعلان. 2- العتاب والتوبيخ {تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِٱلْمَوَدَّةِ وَأَنَاْ أَعْلَمُ بِمَآ أَخْفَيْتُمْ...} الآية. 3- تقديم ما حقه التأخير لإِفادة الصيغة للحصر {رَّبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ ٱلْمَصِيرُ}، والأصل توكلنا عليك، وأنبنا إِليك.. الخ. 4- صيغة المبالغة {قَدِيرٌ}، {غَفُورٌ}، {رَّحِيمٌ} وهو كثير في القرآن ومثله {عليم حكيم}. 5- طباق السلب {لاَّ يَنْهَاكُمُ ٱللَّهُ عَنِ ٱلَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ} ثم قال: {إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ ٱللَّهُ...} الآية. 6- الجملة الاعتراضية {ٱللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ} للإِشارة إِلى أن للإِنسان الظاهر والله يتولى السرائر. 7- العكسُ والتبديلُ {لاَ هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ وَلاَ هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ} وهو من أنواع البديع. 8- الكناية اللطيفة {وَلاَ يَأْتِينَ بِبُهْتَٰنٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ} كنَّى بذلك عن اللقيط، وهي من لطائف الكنايات. 9- التشبيه المرسل المجمل {قَدْ يَئِسُواْ مِنَ ٱلآخِرَةِ كَمَا يَئِسَ ٱلْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابِ ٱلْقُبُورِ} كما أنه فيه من المحسنات البديعية ما يسمى رد العجز على الصدر، حيث ختم السورة بمثل ما ابتدأها ليتناسق البدء مع الختام.

زيد بن علي

تفسير : أخبرنا أبو جعفر. قالَ: علي بن أحمد. قالَ: حدَّثنا عطاء بن السائب عن أبي خالد عن زيد بن علي عليهما السلامُ في قولهِ تعالى: {لاَ تَتَّخِذُواْ عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَآءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِٱلْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُواْ بِمَا جَآءَكُمْ مِّنَ ٱلْحَقِّ يُخْرِجُونَ ٱلرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَن تُؤْمِنُواْ بِٱللَّهِ رَبِّكُمْ} فالعَدوّ: واحدُ وجمعُ. وتُلقُونَ إليهم: معناه تُخبرونَهم سِراً أنكم علَى مَودتِهِم. وأنهَم يَقولونَ إيّاكم أن تُؤمنوا بالله رَبَّكُم. فلا تَتّخذُونَهم أولياءَ، إنْ كُنتُم خَرجتُم جهاداً في سبيلي، وابتغاء مَرضَاتِي. وقوله تعالى: {فَقَدْ ضَلَّ سَوَآءَ ٱلسَّبِيلِ} يعني جارَ عن وِسَطِ الطَّريقِ.

الأندلسي

تفسير : {بِسمِ ٱلله الرَّحْمٰنِ الرَّحِيـمِ} {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَآءَ} هذه السورة مدنية ونزلت بسبب حاطب بن أبي بلتعة كان وجه كتاباً مع إمرأة إلى أهل مكة يخبرهم بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم متوجه إليهم لغزوهم فأطلع الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم على ذلك ووجه إلى المرأة من أخذ الكتاب منها والقصة مشهورة في كتب الحديث والتفسير. ومناسبتها لما قبلها أنه لما ذكر فيما قبلها حالة المنافقين والكفار افتتح هذه بالنهي عن موالاة الكفار والتودّد إليهم وأضاف تعالى في قوله: {عَدُوِّي} تغليظاً لجرمهم وإعلاماً بحلول عقاب الله تعالى بهم والعدو ينطلق على الواحد وعلى الجمع وأولياء مفعول ثاني لتتخذوا. {تُلْقُونَ} بيان لموالاتهم فلا موضع لها من الإِعراب أو استئناف أخبار. {وَقَدْ كَفَرُواْ} جملة حالية وذو الحال الضمير في تلقون أي توادوهم وهذه حالهم وهي الكفر بالله تعالى ولا يناسب الكافر بالله أن يود. {وَإِيَّاكُمْ} معطوف على والرسول. {تُسِرُّونَ} استئناف أي تسرون وقد علمتم أني أعلم الإِخفاء والإِعلان وأطلع الرسول عليه السلام على ذلك والضمير في: {وَمَن يَفْعَلْهُ} عائد على أقرب مذكور أي ومن يفعل الاسرار وانتصب سواء على المفعول به على تقدير تعدى ضل أو على الظرف على تقدير اللزوم والسواء الوسط ولما نهى المؤمنين عن اتخاذ الكفار أولياء وشرح ما به الولاية من القاء بالمودّة إليهم وذكر ما صنع الكفار بهم أولاً من إخراج الرسول والمؤمنين ذكر صنيعهم آخراً لو قدروا عليه من أنه إن يتمكنوا منكم تظهر عداوتهم لكم ويبسطوا أيديهم بالقتل والتعذيب وألسنتهم بالسب وودوا لو ارتددتهم عن دينكم الذي هو أحب الأشياء إليكم وهو سبب إخراجهم إياكم ولما كان حاطب قد اعتذر بأن له بمكة قرابة فكتب إلى أهلها ما كتب ليرعوه في قرابته قال تعالى: {لَن تَنفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ وَلاَ أَوْلاَدُكُمْ} ويوم مفعول لتنفعكم أو ليفصل ولما نهى عن موالاة الكفار ذكر قصة إبراهيم عليه السلام وإن من سيرته التبرؤ من الكفار ليقتدوا به في ذلك ويتأسوا به والظاهر أنه مستثنى من مضاف لإِبراهيم تقديره أسوة حسنة في مقالات إبراهيم ومحاوراته مع قومه. {إِلاَّ قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ لأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ} فليس فيه أسوة حسنة فيكون على هذا استثناء متصلاً واما أن يكون قول إبراهيم مندرجاً في أسوة حسنة لأن معنى الأسوة هو الإِقتداء والتأسي فالقول ليس مندرجاً تحته لكنه مندرج تحت ملاقاة إبراهيم والضمير في فيهم عائد على إبراهيم والذين آمنوا معه وكررت الأسوة توكيداً وأكد ذلك بالقسم أيضاً ولمن يرجوا بدل من ضمير الخطاب بدل بعض من كل وروي أنه لما نزلت هذه الآيات عزم المسلمون على إظهار عدوات أقربائهم الكفرة ولحقهم لكونهم لم يؤمنوا حتى يتوادوا فنزل. {عَسَى ٱللَّهُ} الآية مؤنسة ومرجئة فأسلم الجميع عام الفتح وصاروا إخواناً. {وَٱللَّهُ قَدِيرٌ} على تقليب القلوب وتيسير العسير. {وَٱللَّهُ غَفُورٌ} لمن أسلم من المشركين. {لاَّ يَنْهَاكُمُ ٱللَّهُ} نزلت في قوم بمكة آمنوا ولم يهاجروا فكانوا في رتبة سوء لتركهم فرض الهجرة قيل قدمت على أسماء بنت أبي بكر أمها نفيلة بنت عبد العزى وهي مشركة بهدايا فلم تقبلها ولم تأذن لها بالدخول فنزلت الآية فأمرها صلى الله عليه وسلم أن تدخلها وتقبل منها وتكرمها وتحسن إليها وأن تبروهم وأن تولوهم بدلان مما قبلهما بدل اشتمال. {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا جَآءَكُمُ ٱلْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَٱمْتَحِنُوهُنَّ} سماهن تعالى مؤمنات قبل أن يمتحن وامتحانهن قالت عائشة بآية المبايعة وقيل: بأن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله وقال ابن عباس: بالحلف أنها ما خرجت إلا حباً لله ورسوله ورغبة في دين الإِسلام. {فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ} أطلق العلم على الظن الغالب بالحلف وظهور الإِمارات بالخروج من الوطن والحلول في قوم ليسوا من قومها وبين علة انتفاء رجعهن إلى الكفار أزواجهن وذلك هو التحريم بين المسلمة والكافر وانعقد التحريم بهذه الجملة وجاء قوله: {وَلاَ هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ} على سبيل التأكيد وتشديد الحرمة لأنه إذا لم تحل المؤمنة للكافر علم أنه لا حل بينهما البتة. {وَآتُوهُم مَّآ أَنفَقُواْ} أمر أن يعطي الزوج الكافر ما أنفق على زوجه إذا أسلمت فلا يجمع عليه خسران الزوجية والمالية قال ابن عباس: أعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد امتحانها زوجها الكافر ما أنفق عليها فتزوجها عمر وكان إذا امتحنهن أعطى أزواجهن مهورهن ثم نفى الحرج في نكاح المؤمنين إياهن إذا آتوهن مهورهن ثم أمر تعالى المؤمنين بفراق نسائهم الكوافر عوابد الأوثان. {وَاسْأَلُواْ مَآ أَنفَقْتُمْ} أي واسئلوا الكافرين ما أنفقتم على أزواجكم إذا فروا إليهم. {وَلْيَسْأَلُواْ} الكفار. {مَآ أَنفَقُواْ} على أزواجهم إذا فروا إلى المؤمنين ولما تقرر هذا الحكم قالت قريش لا نرضى هذا الحكم ولا تلتزمه ولا ندفع لأحد صداقاً فنزلت بسبب ذلك هذه الآية الأخرى. {وَإِن فَاتَكُمْ} فأمر تعالى المؤمنين أن يدفعوا إلى من فرت زوجته من المسلمين ففلتت بنفسها إلى الكفار وانفلتت من الإِسلام ما كان أمهرها. {يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ إِذَا جَآءَكَ ٱلْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ} حديث : كانت بيعة النساء في ثاني يوم الفتح على جبل الصفا بعد ما فرغ من بيعة الرجال وهو على الصفا وعمر أسفل منه يبايعهن بأمره صلى الله عليه وسلم ويبلغهن عنه وما مست يده الكريمة يد امرأة أجنبية قط وقالت أسماء بنت يزيد بن السكن كنت في النسوة المبايعات فقلت يا رسول الله بسط يدك نبايعك فقال لي عليه السلام: إني لا أصافح النساء ولكن آخذ عليهن ما أخذ الله عليهن وكانت هند بن عتبة في النساء فقرأ عليهن الآية فلما قررهن على أن لا يشرك بالله شيئاً قالت هند: وكيف تطمع أن يقبل منا ما لم تقبله من الرجال تعني أن هذا بين لزومه فلما وقف على السرقة قالت: والله إني لا أصيب الهنة من مال أبي سفيان لا أدري أيحل إلي ذلك فقال أبو سفيان ما أصبت من شىء فيما مضى وفيما غبر فهو لك حلال فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم وعرفها فقال لها: إنك لهند بنت عتبة قالت: نعم فاعف عما سلف يا نبي الله عفا الله عنك فقال: {وَلاَ يَزْنِينَ} فقالت: أو تزني الحرة فقال: {وَلاَ يَقْتُلْنَ أَوْلاَدَهُنَّ} فقالت ربيناهم صغاراً وقتلناهم كباراً وكان حنظلة بن أبي سفيان قد قتل يوم بدر فضحك عمر حتى استلقى وتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: {وَلاَ يَأْتِينَ بِبُهْتَٰنٍ} فقالت: والله ان البهتان لأمر قبيح ولا تأمرنا إلا بالرشيد ومكارم الأخلاق فقال: {وَلاَ يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ} فقالت: والله ما جلسنا مجلسنا هذا وفي أنفسنا أن نعصيك في شىء والبهتان قال الأكثرون: أن تنسب إلى زوجها ولداً ليس منه وكانت المرأة تلتقط المولود وتقول لزوجها هذا ولدي منك . تفسير : {بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ} لأن بطنها الذي تحمله فيه بين اليدين وفرجها الذي تلده منه بين الرجلين والمعروف الذي نهى عن العصيان فيه قال ابن عباس: هو النوح وشق الجيوب ووشم الوجوه ووصل الشعر وغير ذلك من أوامر الشريعة فرضها وندبها روي أن قوماً من فقراء المسلمين كانوا يواصلون اليهود ليصيبوا من ثمارهم فقيل لهم لا تتولوا قوماً مغضوباً عليهم. {قَدْ يَئِسُواْ مِنَ ٱلآخِرَةِ} قال ابن عباس: من خيرها وثوابها والظاهر أن من في. {مِنْ أَصْحَابِ ٱلْقُبُورِ} لابتداء الغاية أي من لقاء أصحاب القبور فمن الثانية كالأولى في من الآخرة فالمعنى لا يلقونهم في دار الدنيا بعد موتهم ولما افتتح هذه السورة بالنهي عن اتخاذ الكفار أولياً ختمها بمثل ذلك تأكيد الترك موالاتهم وتنفيراً للمسلمين عن توليهم وإلقاء المودة إليهم.

الجيلاني

تفسير : {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} مقتضى اتصافكم بالإيمان بالله وبوحدة ذاته، وكمالات أسمائه وصفاته: أن {لاَ تَتَّخِذُواْ عَدُوِّي} وهم الذين خرجوا من عروة وعبوديتي بإثبات الوجود لغيري {وَعَدُوَّكُمْ} إذ عداوتهم إياي مستلزمة لعداوتهم إياكم أيضاً؛ إذ صديق العدو كعدو الصديق {أَوْلِيَآءَ} أحباء، توالون معهم كأرباب المحبة والولاء، وتظهرون محبتهم ومودتهم إلى حيث {تُلْقُونَ} ترسلون {إِلَيْهِمْ} رسالة مشعرة {بِٱلْمَوَدَّةِ} الخالصة، المنبئة عن إفراط المحبة والإخاء {وَ} الحال أنهم {قَدْ كَفَرُواْ} وأعرضوا {بِمَا جَآءَكُمْ} أي: بعموم ما نزل على رسولكم {مِّنَ ٱلْحَقِّ} الحقيق بالإطاعة والاتِّباع، وبالغوا في الإعراض والإنكار إلى حيث {يُخْرِجُونَ ٱلرَّسُولَ} أصالةً {وَإِيَّاكُمْ} تبعاً بوسطة {أَن تُؤْمِنُواْ بِٱللَّهِ رَبِّكُمْ} الذي رباكم على فطرة التوحيد والإيمان، وقبول دين الإسلام من النبي المبعوث إلى كافة الأنام؛ ليشردهم إلى دار السلام. وبالجملة: {إِن كُنتُمْ} أيها المؤمنون الموحدون {خَرَجْتُمْ} عن أوطانكم، وبقاع إمكانكم {جِهَاداً} أي: لأجل الجهاد والقتال {فِي سَبِيلِي} أي: سبيل توحيدي، وترويج ديني، وإعلاء كلمة توحيدي {وَٱبْتِغَآءَ مَرْضَاتِي} في امتثال أمري، وإطاعة حكمي فلزمكم ترك موالاة أعدائي والمؤاخاة معهم، مع أنكم أنتم {تُسِرُّونَ} وتخفون {إِلَيْهِمْ بِٱلْمَوَدَّةِ} ظناً منك أني لا أطلع على ما في سرائركم وضمائركم من محبة الأعداء ومودتهم {وَ} الحال أنه {أَنَاْ أَعْلَمُ} منكم {بِمَآ أَخْفَيْتُمْ وَمَآ أَعْلَنتُمْ} أي: بجميع ما تسرون وما تعلنون {وَ} بالجملة: {مَن يَفْعَلْهُ مِنكُمْ} أي: الاتخاذ المذكور {فَقَدْ ضَلَّ سَوَآءَ ٱلسَّبِيلِ} [الممتحنة: 1] أي: انحرف عن جادة العدالة الإلهية، ومال عن الصراط المستقيم الموصل إلى مقصد التوحيد. واعلموا أيها المؤمنون أنكم، وإن بالغتم في إظهار المحبة والمودة بالنسبة إليهم، وهم بمكان من العداوة وشدة الخصومة إلى حيث {إِن يَثْقَفُوكُمْ} ويظفروا منكم بالفرض والتقدير {يَكُونُواْ لَكُمْ أَعْدَآءً} ألبتة، بل يظهروا العداوة {وَيَبْسُطُوۤاْ إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِٱلسُّوۤءِ} بالقتل والأسر وقطع العضو، والشتم المفرط، وأنواع الوقاحة، بل {وَوَدُّواْ} وتمنوا في أنفسهم دائماً {لَوْ تَكْفُرُونَ} [الممتحنة: 2] وترتدون عن دينكم، وتلتحقون بكفرهم. فعليكم ألاَّ تبالوا بأقاربكم وأرحامكم من الكفرة، ولا تلتفتوا نحوهم؛ إذ {لَن تَنفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ} قراباتكم {وَلاَ أَوْلاَدُكُمْ} الذين أنتم توالون المشركين لأجلهم {يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ} المعدة؛ لتنقيد الأعمال الصادرة عن كل نفس؛ إذ الله {يَفْصِلُ} ويفرق {بَيْنَكُمْ} يومئذٍ، فيجازي كلاً منكم حسب ما كسبوا خيراً كان أو شراً {وَٱللَّهُ} المطل على عموم أفعال عباده {بِمَا تَعْمَلُونَ} من الحسنات والسيئات {بَصِيرٌ} [الممتحنة: 3] يجازيكم عليه بمقتضى بصارته وخبرته.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : يا أيها المتخذون أعداء الله أولياء أنفسكم، أما تقرءون كلام رب العالمين، ولا تفهمون ما يقول تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَآءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِٱلْمَوَدَّةِ} [الممتحنة: 1] يعني: يا أيتها القوى المؤمنة لا تتخذوا القوة الكافرة القالبية والمشركة المنافقة النفسية، وإن كان عشائركم أولياء؛ لأنهم يريدون أن تشتغلوا بالشهوات العاجلة ليتمتعوا بحظوظهم من اشتغالكم بالشهوات العاجلة، ويعبذكم ربكم في الآخرة، ولا تلقوا لهم من أسرار الوارد، وأخبار اللطيفة الخفية بمودة أصلية كانت بينكم وبينهم؛ لأن السالك يريد أن يعارضهم ويدخلهم في ميدان الخلوة، ويجاهدهم ولو ألقت القوة المؤمنة إلى القوة الكافرة خير إدخالهم في الخلوة أبو واعتدوا وجعلوا يمكرون مكراً ويكيدون كيداً ليضروا اللطيفة الخفية إلى حد شاهدنا أنها تمرض الوجود وتظهر الآلام الشديدة والأوجاع المؤلمة في وجود السالك، لئلا يدخل في الخلوة ولا يشتغل بالعزلة، فإن كان السالك صادقاً لا يضره كيدهم، بل يحرضه ويبالغ في المجاهدة مع وجود الآلام والأوجاع، وهذا الابتلاء يتقن كثيراً عنه غيبة السالك عن حضرة مسلكه إني أردت في بداية أمري أن أدخل الخلوة في أربعين [موسوية] ففطنت القوى القالبية والنفسية الكافرة المشركة لأخيارهم القوى المؤمنة اللائمة فأمرضوني، وكان لي أخ في الدين من سلاك الطريقة رحمه الله قال لي: اترك الخلق في العشر الأول وداو نفسك حتى تصح، ثم ادخل في الخلوة على سنة المصطفى صلى الله عليه وسلم وتمم ثلاثين يوماً، فأطعت أمره فلما دخل ليلة أول أربعين وهيئوا لي مشروباً سهلاً لأشرب صبيحة تلك الليلة، فجاء الخادم، وقال: إن أحداً من المفنين جاء مسافراً من جانب خراسان، ويستأذن أن يدخل عليك، ويزمزم لكم فقلت: ائذنوا فدخل وقعد وزمزم، وقال في أول اشتغاله بالزمزمة: هذه الفارسية المهيجة، وهي هذه شعر [....] فغلب علي الوقت لأني سمعت هذا الكلام من الحق ذرفت ورقصت، وهيج في باطني أشواقاً عظيمة، فلما فرغت من السماع دخلت الخلوة، وجلست وما ضرني المرض، وفتح الله علي في تلك الخلوة فتوحات عظيمة لا حرمنا الله من أمثالها، فالمقصود من إيراد هذه الحكاية أن يعرف السالك كيد القوى ومكرها، ولا يلتفت إليها، ولو تمرض يقول لها: الدخول في الخلوة وقت المرض، وكثرة الطاعة في هذه الحالة أجود والمرض مبشر رسول الموت، فينبغي أن تدخل الخلوة، وتشتغل بذكر الحق لتموت فيها مستريحاً، فإذا رأت القوة الكافرة صدق السالك خافت من صدقه وهربت عنه {وَقَدْ كَفَرُواْ بِمَا جَآءَكُمْ مِّنَ ٱلْحَقِّ} [الممتحنة: 1] الواو واو الحال يعني: القوى الكافرة كفروا بالوارد الذي جاءكم من الحق أيتها القوى المؤمنة {يُخْرِجُونَ ٱلرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَن تُؤْمِنُواْ بِٱللَّهِ رَبِّكُمْ}[الممتحنة: 1] يعني: يخرجون اللطيفة المرسلة من بلدة الوجود القالبي إل مدينة السر فبعد إخراجكم عن بلدة قالبهم فلا تتخذوها أولياء لأنفسكم {إِن كُنتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَاداً فِي سَبِيلِي وَٱبْتِغَآءَ مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِٱلْمَوَدَّةِ} [الممتحنة: 1] مهاجرين إلى الله وإلى رسوله. واعلم أن في بداية الأمر للقوى المؤمنة نزاعاً إلى بلدة قالبها واشتياقها إلى عشيرتها، وهي القوى الكافرة والمشركة النفسية والقالبية، ويجهلون أمر الحق وأحكام الوارد، ولكنهم متبعون اللطيفة باذلين جهدهم في خدمتها مع هذا يجزون القوى القالبية والنفسية بالنصيحة لهم أن الأمر على خلاف ما أضمرتم، وقوة حزب الخواطر الخفية غالبة أطيعوا أمر ربكم والقوى الكافرة العاصية لا يلتفتون إلى نصائحهم ويجهزون جيوشهم، ويمدون من الشيطان جنود خواطره؛ ليحاربوا اللطيفة فأعلمهم الله تعالى بأن القوى الكافرة لا يقبلون نصيحتكم، فأخرجوا مودتهم عن القلوب ولا تجزوهم بأسرار الحق وأخبار اللطيفة، ويقول {وَأَنَاْ أَعْلَمُ بِمَآ أَخْفَيْتُمْ وَمَآ أَعْلَنتُمْ} [الممتحنة: 1] من النزاع إلى عشائركم ومن النصيحة التي تنصحهم، ومن استقامتكم في متابعة اللطيفة الخفية، فمن بعد ذلك لا تنصحوا القوى الكافرة؛ لأنهم مردودون عن الحضرة لا ينفعهم نصحكم {وَمَن يَفْعَلْهُ مِنكُمْ} [الممتحنة: 1] بعد إعلامكم {فَقَدْ ضَلَّ سَوَآءَ ٱلسَّبِيلِ} [الممتحنة: 1] يعني: أخطاء الطريقة النقية الصفية المنسوبة إلى الصوفية {إِن يَثْقَفُوكُمْ} [الممتحنة: 2] ويظفروا بكم {يَكُونُواْ لَكُمْ أَعْدَآءً وَيَبْسُطُوۤاْ إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ} [الممتحنة: 2] بالضرب والقتل والأسر {وَأَلْسِنَتَهُمْ بِٱلسُّوۤءِ} [الممتحنة: 2] يبسطوا ألسنتهم بالشتم والفحش {وَوَدُّواْ لَوْ تَكْفُرُونَ} [الممتحنة: 2] كما كفروا حتى يقتلوكم {لَن تَنفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ وَلاَ أَوْلاَدُكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ} [الممتحنة: 3] يعني: القوى القالبية والنفسية والخواطر الردية التي هي نتائج قواكم لن تنفعكم يوم القيامة؛ بل يفرون منكم وأنتم تفرون منهم، ويقولون فبئس القرين يمنعونا عن ذكر الله وطاعته، فلا تلتفتوا إلى أرحامكم ولا أولادكم وأعرضوا عنهم وأقبلوا على اللطيفة الخفية لتنجوا من العذاب الأليم {يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ} [الممتحنة: 3] بقوله: فريق: في الجنة المزكاة قوة نباتية من الأباطيل والخبائث، وفريق: في السعير المشتعلة فيها نيران الحق والحسد والشهوة والغضب {وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} [الممتحنة: 3] يعني: إن يشتغلوا بتزكية جنتكم أو باشتعال نيرانكم في سعير قالبكم يبصر الله أعمالكم، ويعلم نباتكم وضمائركم.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : { بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنْتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ * إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاءً وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ * لَنْ تَنْفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ * قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لأبِيهِ لأسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ * رَبَّنَا لا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَاغْفِرْ لَنَا رَبَّنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ } . ذكر كثير من المفسرين، [رحمهم الله]، أن سبب نزول هذه الآيات الكريمات في قصة حاطب بن أبي بلتعة، حين غزا النبي صلى الله عليه وسلم غزوة الفتح، فكتب حاطب إلى قريش يخبرهم بمسير رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم، ليتخذ بذلك يدا عندهم لا [شكا و] نفاقا، وأرسله مع امرأة، فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بشأنه، فأرسل إلى المرأة قبل وصولها وأخذ منها الكتاب. وعاتب حاطبا، فاعتذر رضي الله عنه بعذر قبله النبي صلى الله عليه وسلم، وهذه الآيات فيها النهي الشديد عن موالاة الكفار من المشركين وغيرهم، وإلقاء المودة إليهم، وأن ذلك مناف للإيمان، ومخالف لملة إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام، ومناقض للعقل الذي يوجب الحذر كل الحذر من العدو، الذي لا يبقي من مجهوده في العداوة شيئا، وينتهز الفرصة في إيصال الضرر إلى عدوه، فقال تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا } اعملوا بمقتضى إيمانكم، من ولاية من قام بالإيمان، ومعاداة من عاداه، فإنه عدو لله، وعدو للمؤمنين. فلا تتخذوا عدو الله { وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ } أي: تسارعون في مودتهم وفي السعي بأسبابها، فإن المودة إذا حصلت، تبعتها النصرة والموالاة، فخرج العبد من الإيمان، وصار من جملة أهل الكفران، وانفصل عن أهل الإيمان. وهذا المتخذ للكافر وليا، عادم المروءة أيضا، فإنه كيف يوالي أعدى أعدائه الذي لا يريد له إلا الشر، ويخالف ربه ووليه الذي يريد به الخير، ويأمره به، ويحثه عليه؟! ومما يدعو المؤمن أيضا إلى معاداة الكفار، أنهم قد كفروا بما جاء المؤمنين من الحق، ولا أعظم من هذه المخالفة والمشاقة، فإنهم قد كفروا بأصل دينكم، وزعموا أنكم ضلال على غير هدى. والحال أنهم كفروا بالحق الذي لا شك فيه ولا مرية، ومن رد الحق فمحال أن يوجد له دليل أو حجة تدل على صحة قوله، بل مجرد العلم بالحق يدل على بطلان قول من رده وفساده. ومن عداوتهم البليغة أنهم { يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ } أيها المؤمنون من دياركم، ويشردونكم من أوطانكم، ولا ذنب لكم في ذلك عندهم، إلا أنكم تؤمنون بالله ربكم الذي يتعين على الخلق كلهم القيام بعبوديته، لأنه رباهم، وأنعم عليهم، بالنعم الظاهرة والباطنة، وهو الله تعالى. فلما أعرضوا عن هذا الأمر، الذي هو أوجب الواجبات، وقمتم به، عادوكم، وأخرجوكم - من أجله - من دياركم، فأي دين، وأي مروءة وعقل، يبقى مع العبد إذا والى الكفار الذين هذا وصفهم في كل زمان أو مكان؟" ولا يمنعهم منه إلا خوف، أو مانع قوي. { إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي } أي: إن كان خروجكم مقصودكم به الجهاد في سبيل الله، لإعلاء كلمة الله، وابتغاء مرضاة الله فاعملوا بمقتضى هذا، من موالاة أولياء الله ومعاداة أعدائه، فإن هذا هو الجهاد في سبيله وهو من أعظم ما يتقرب به المتقربون إلى ربهم ويبتغون به رضاه. { تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنْتُمْ } أي: كيف تسرون المودة للكافرين وتخفونها، مع علمكم أن الله عالم بما تخفون وما تعلنون؟!، فهو وإن خفي على المؤمنين، فلا يخفى على الله تعالى، وسيجازي العباد بما يعلمه منهم من الخير والشر، { وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ } أي: موالاة الكافرين بعد ما حذركم الله منها { فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ } لأنه سلك مسلكا مخالفا للشرع وللعقل والمروءة الإنسانية. ثم بين تعالى شدة عداوتهم، تهييجا للمؤمنين على عداوتهم، { إِنْ يَثْقَفُوكُمْ } أي: يجدوكم، وتسنح لهم الفرصة في أذاكم، { يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاءً } ظاهرين { وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ } بالقتل والضرب، ونحو ذلك. { وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ } أي: بالقول الذي يسوء، من شتم وغيره، { وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ } فإن هذا غاية ما يريدون منكم. فإن احتججتم وقلتم: نوالي الكفار لأجل القرابة والأموال، فلن تغني عنكم أموالكم ولا أولادكم من الله شيئا. { والله بما تعملون بصير } فلذلك حذركم من موالاة الكافرين الذين تضركم موالاتهم. قد كان لكم يا معشر المؤمنين { أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ } أي: قدوة صالحة وائتمام ينفعكم، { فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ } من المؤمنين، لأنكم قد أمرتم أن تتبعوا ملة إبراهيم حنيفا، { إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ } أي: إذ تبرأ إبراهيم عليه السلام ومن معه من المؤمنين، من قومهم المشركين ومما يعبدون من دون الله. ثم صرحوا بعداوتهم غاية التصريح، فقالوا: { كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا } أي: ظهر وبان { بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ } أي: البغض بالقلوب، وزوال مودتها، والعداوة بالأبدان، وليس لتلك العداوة والبغضاء وقت ولا حد، بل ذلك { أَبَدًا } ما دمتم مستمرين على كفركم { حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ } أي: فإذا آمنتم بالله وحده، زالت العداوة والبغضاء، وانقلبت مودة وولاية، فلكم أيها المؤمنون أسوة [حسنة] في إبراهيم ومن معه في القيام بالإيمان والتوحيد، والقيام بلوازم ذلك ومقتضياته، وفي كل شيء تعبدوا به لله وحده، { إِلا } في خصلة واحدة وهي { قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لأبِيهِ } آزر المشرك، الكافر، المعاند، حين دعاه إلى الإيمان والتوحيد، فامتنع، فقال إبراهيم : { لأسْتَغْفِرَنَّ لَكَ و } الحال أني لا { أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ } لكني أدعو ربي عسى أن لا أكون بدعاء ربي شقيا، فليس لكم أن تقتدوا بإبراهيم في هذه الحالة التي دعا بها للمشرك، فليس لكم أن تدعوا للمشركين، وتقولوا: إنا في ذلك متبعون لملة إبراهيم، فإن الله ذكر عذر إبراهيم في ذلك بقوله: {أية : وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لأبِيهِ إِلا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إن إبراهيم لأواه حليم }. تفسير : ولكم أسوة حسنة في إبراهيم ومن معه، حين دعوا الله وتوكلوا عليه وأنابوا إليه، واعترفوا بالعجز والتقصير، فقالوا: { رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا } أي: اعتمدنا عليك في جلب ما ينفعنا ودفع ما يضرنا، ووثقنا بك يا ربنا في ذلك. { وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا } أي: رجعنا إلى طاعتك ومرضاتك وجميع ما يقرب إليك، فنحن في ذلك ساعون، وبفعل الخيرات مجتهدون، ونعلم أنا إليك نصير، فسنستعد للقدوم عليك، ونعمل ما يقربنا الزلفى إليك. { رَبَّنَا لا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا } أي: لا تسلطهم علينا بذنوبنا، فيفتنونا، ويمنعونا مما يقدرون عليه من أمور الإيمان، ويفتنون أيضا بأنفسهم، فإنهم إذا رأوا لهم الغلبة، ظنوا أنهم على الحق وأنا على الباطل، فازدادوا كفرا وطغيانا، { وَاغْفِرْ لَنَا } ما اقترفنا من الذنوب والسيئات، وما قصرنا به من المأمورات، { رَبَّنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ } القاهر لكل شيء، { الْحَكِيمُ } الذي يضع الأشياء مواضعها، فبعزتك وحكمتك انصرنا على أعدائنا، واغفر لنا ذنوبنا، وأصلح عيوبنا. ثم كرر الحث [لهم] على الاقتداء بهم، فقال: { لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ } وليس كل أحد تسهل عليه هذه الأسوة، وإنما تسهل على من { كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ } فإن الإيمان واحتساب الأجر والثواب، يسهل على العبد كل عسير، ويقلل لديه كل كثير، ويوجب له الإكثار من الاقتداء بعباد الله الصالحين، والأنبياء والمرسلين، فإنه يرى نفسه مفتقرا ومضطرا إلى ذلك غاية الاضطرار. { وَمَنْ يَتَوَلَّ } عن طاعة الله والتأسي برسل الله، فلن يضر إلا نفسه، ولا يضر الله شيئا، { فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ } الذي له الغنى التام [المطلق] من جميع الوجوه، فلا يحتاج إلى أحد من خلقه [بوجه]، { الْحَمِيدُ } في ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله، فإنه محمود على ذلك كله. ثم أخبر تعالى أن هذه العداوة التي أمر الله بها المؤمنين للمشركين، ووصفهم بالقيام بها أنهم ما داموا على شركهم وكفرهم، وأنهم إن انتقلوا إلى الإيمان، فإن الحكم يدور مع علته، فإن المودة الإيمانية ترجع، فلا تيأسوا أيها المؤمنون، من رجوعهم إلى الإيمان، فـ { عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً } سببها رجوعهم إلى الإيمان، { وَاللَّهُ قَدِيرٌ } على كل شيء، ومن ذلك هداية القلوب وتقليبها من حال إلى حال، { وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ } لا يتعاظمه ذنب أن يغفره، ولا يكبر عليه عيب أن يستره، {أية : قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ } تفسير : وفي هذه الآية إشارة وبشارة إلى إسلام بعض المشركين، الذين كانوا إذ ذاك أعداء للمؤمنين، وقد وقع ذلك، ولله الحمد والمنة. ولما نزلت هذه الآيات الكريمات، المهيجة على عداوة الكافرين، وقعت من المؤمنين كل موقع، وقاموا بها أتم القيام، وتأثموا من صلة بعض أقاربهم المشركين، وظنوا أن ذلك داخل فيما نهى الله عنه. فأخبرهم الله أن ذلك لا يدخل في المحرم فقال: { لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ } أي: لا ينهاكم الله عن البر والصلة، والمكافأة بالمعروف، والقسط للمشركين، من أقاربكم وغيرهم، حيث كانوا بحال لم ينتصبوا لقتالكم في الدين والإخراج من دياركم، فليس عليكم جناح أن تصلوهم، فإن صلتهم في هذه الحالة، لا محذور فيها ولا مفسدة كما قال تعالى عن الأبوين المشركين إذا كان ولدهما مسلما: {أية : وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا }. تفسير : [وقوله:] { إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ } أي: لأجل دينكم، عداوة لدين الله ولمن قام به، { وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا } أي: عاونوا غيرهم { عَلَى إِخْرَاجِكُمْ } نهاكم الله { أَنْ تَوَلَّوْهُمْ } بالمودة والنصرة، بالقول والفعل، وأما بركم وإحسانكم، الذي ليس بتول للمشركين، فلم ينهكم الله عنه، بل ذلك داخل في عموم الأمر بالإحسان إلى الأقارب وغيرهم من الآدميين، وغيرهم. { وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ } وذلك الظلم يكون بحسب التولي، فإن كان توليا تاما، صار ذلك كفرا مخرجا عن دائرة الإسلام، وتحت ذلك من المراتب ما هو غليظ، وما هو دون ذلك.

النسائي

تفسير : بسم الله الرحمن الرحيم سورة المُمتحنةِ قوله تعالى: {لاَ تَتَّخِذُواْ عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَآءَ} [1] 605 - أخبرنا محمدُ بن منصورٍ، قال: حدَّثنا سفيان قال: حفِظته عن عمرو [ح] وأخبرنا عبيدُ الله بن سعيدٍ، قال: حدَّثنا سفيانُ، عن عمرو، قال: أخبرني الحسنُ بن محمدٍ، قال: أخبرني عبيدُ الله بن رافعٍ، أن علياً (رضي الله عنه) أخبرهُ قال: حديث : بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا والمقدادُ والزُّبيرُ فقال: "انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخٍ، فإن بها ظعينةً، معها كتابٌ (فخذوا) منها، فانطلقنا حتى أتينا الروضة، فإذا نحنُ بالظعينة، فقلنا: أخرجي الكتاب، فأخرجتهُ من عِقاصِهَا، فإذا فيه: من حاطبِ بن أبي بلتعة إلى ناسٍ من أهل مكَّةَ يُخبرهم ببعض أمر رسول اللهِ صلى الله عليه وسلم. فأتينا به النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: "ما هذا/ يا حاطبُ؟" فقال: لا تعجل عليَّ يا رسول اللهِ، إني كنتُ أمرءاً مُلصقاً بقريشِ ولم أكن من أنفسهم، وكان من معك لهم [بها] قراباتٌ؛ يحمون بها قرابتهم، فأحببتُ إذ فاتني ذلك من النَّسبِ أن أتقرَّبَ إليهم بيدٍ يحمون بها قرابتي، وما فعلته كُفراً، ولا ارتداداً عن ديني، ولا رضىً بالكفر بعد الإسلام، فقال/ النبيُّ صلى الله عليه وسلم: "قد صدقكم"، فقال عمر: يا رسول الله، دعني أضرب عنق - يعني هذا - فقال: "يا عمر، وما يدريك، لعلَّ الله اطلَّع على أهلِ بدرٍ، فقال: اعملوا ما شئتم، فقد غفرتُ لكم . تفسير : - والَّلفظُ لِعبيدِ اللهِ - زاد محمدٌ في حديثهِ: فأنزل اللهُ (عزَّ وجلَّ) {لاَ تَتَّخِذُواْ عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ} السُّورة كُلَّها.

همام الصنعاني

تفسير : 3198- عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن عروة بن الزبير، في قوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَآءَ}: [الآية: 1]، حديث : إنها نزلت في حاطب بن أبي بلتعة، قال: كتب إلى كفار قريش كتاباً ينصح لهم فيه، فأطْلَعَ الله نبيه صلى الله عليه وسلم على ذَلِكَ، فأرسل عَلِيّاً والزبير، فقال: "اذهبا، فإنكما ستدركان امرأة في مكان كذا وكذا، فأتياني بكتاب معها" فانطلقا حَتَّى أَدْرَكَاهَا، فقالا: الكتابُ الذي معكِ؟ قالت: ما معي كتاب، قالاَ: واللهِ لا نَدَع عليك شيئاً إلا فتشناه أو تخرجينه، قال: أَوَلَسْتُمَا مُسْلِمَيْن؟ قالاَ بلى، ولكن النبي صلى الله عليه وسلم أخبرنا أنَّ معكِ كتاباً فقد أيقنت أنفسنا أنه معكِ، فلما رأت جدّهما أخرجت كتاباً من قرونها، فذهبا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فإذا فيه: مِنْ حاطب بن أبي بلتعة إلى كفار قريش، فدعاه النبي صلى الله عليه وسلم فقال: "أَنْتَ كتبت هذا الكتاب؟" قال: نعم؟ قالَ: ومَا حَمَلَكَ على ذلك؟ قال: أما والله، ما ارتبت في الله منذ أسلمت، ولكني كنت امرءاً غريباً فيكم أيها الحي من قريش، وكان لي بمكة مال وبنونَ، فأردت أن أدفع عنهم بذلك، فقال عمر: اِئذَن لي يا نبي الله فأضرب عنقه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: مَهلاً يا عمر بن الخطاب، إنه قد شَهِدَ بدْراً وَمَا يدريك؟ لعلَّ الله قد أطلع إلى أهل بدر" فقال: اعملوا ما شئتم فإن غافِرٌ لكم . تفسير : 3199- قال عبد الرزاق، قال معمر، قال الزهري: وفيه نَزَلَت: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَآءَ ...}: [الآية: 1]، حتى بلغ {غَفُورٌ رَّحِيمٌ}: [الآية: 7]. 3200- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {إِلاَّ قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ}: [الآية: 4]، يقول: فلا تأتسوا بذلك، فإنه كَانَ عن موعد، وأتسوا بأمره كلّه.