٦٠ - ٱلْمُمْتَحَنَة
60 - Al-Mumtahana (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
3
Tafseer
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {لَن تَنفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ} لما اعتذر حاطب بأن له أولاداً وأرحاماً فيما بينهم، بيّن الربّ عز وجل أن الأهل والأولاد لا ينفعون شيئاً يوم القيامة إن عُصِي من أجل ذلك. {يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ} فيدخل المؤمنين الجنة ويدخل الكافرين النار. وفي «يفصل» قراءات سبع: قرأ عاصم «يَفصِل» بفتح الياء وكسر الصاد مخففاً. وقرأ حمزة والكسائي مشدّداً إلا أنه على ما لم يسم فاعله. وقرأ طلحة والنَّخَعِي بالنون وكسر الصاد مشدّدة. وروى عن علقمة كذلك بالنون مخففة. وقرأ قتادة وأبو حَيْوَة «يُفْصِل» بضم الياء وكسر الصاد مخففة من أفصل. وقرأ الباقون «يُفْصَل» بياء مضمومة وتخفيف الفاء وفتح الصاد على الفعل المجهول، واختاره أبو عبيد. فمن خفّف فلقوله: {أية : وَهُوَ خَيْرُ ٱلْفَاصِلِينَ} تفسير : [الأنعام:57] وقوله: {أية : إِنَّ يَوْمَ ٱلْفَصْلِ} تفسير : [الدخان:40]. ومن شدّد فلأن ذلك أبين في الفعل الكثير المكرر المتردّد. ومن أتى به على ما لم يسم فاعله فلأن الفاعل معروف. ومن أتى به مُسَمَّى الفاعل ردّ الضمير إلى الله تعالى. ومن قرأ بالنون فعلى التعظيم. {وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ}.
المحلي و السيوطي
تفسير : {لَن تَنفَعَكُمْ أَرْحَٰمُكُمْ } قراباتكم {وَلاَ أَوْلَٰدُكُمْ } المشركون الذين لأجلهم أسررتم الخبر من العذاب في الآخرة {يَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ يَفْصِلُ } بالبناء للمفعول والفاعل {بَيْنِكُمْ } وبينهم فتكونون في الجنة وهم في جملة الكفار في النار {وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ }.
ابن عادل
تفسير : قوله: {لَن تَنفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ}. لما اعتذر حاطب بأن له أرحاماً وأولاداً فيما بينهم بيَّن الله - تعالى - أن الأهل والأولاد لا ينفعون شيئاً يوم القيامة إن عصى من أجل ذلك. {يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ} فيدخل المؤمنين الجنة، ويدخل الكافرين النار {وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ}. قوله: {يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ} يجوز فيه وجهان. أحدهما: أن يتعلق بما قبله، أي: لن ينفعكم يوم القيامة، فيوقف عليه، ويبتدأ {يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ}. والثاني: أن يتعلق بما بعده، أي: يفصل بينكم يوم القيامة، فيوقف على "أولادكم" ويبتدأ {يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ}. والقراء في {يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ} على أربع مراتب: الأولى: لابن عامر: بضم الياء وفتح الفاء والصاد مثقلة. الثانية: مثقلة إلا أنه بكسر الصاد للأخوين. الثالثة: بفتح الياء وسكون الفاء وكسر الصاد مخففة لعاصم. الرابعة: بضم الياء وسكون الفاء وفتح الصاد مخففة للباقين، وهم نافع وابن كثير، وأبو عمرو، وهذا في السبعة. وقرأ ابن أبي عبلة وأبو حيوة: بضم الياء وكسر الصاد مخففة وسكون الفاء مخففة من "أفْصَلَ". وأبو حيوة أيضاً: "نُفْصِلُ" بضم النون، من "أفصل". والنخعي وطلحة: "نُفَصِّلُ" بضم النون وفتح الفاء وكسر الصَّاد مشددة. وقرأ أيضاً وزيد بن علي: "نَفْصِلُ" بفتح النون وسكون الفاء وكسر الصاد مخففة فهذه أربع، فصارت ثماني قراءات. فمن بناه للمفعول، فالقائم مقام الفاعل إما ضمير المصدر، أي: يفصل الفصل، أو الظرف، وبني على الفتح لإضافته إلى غير متمكن، كقوله: {أية : لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ}تفسير : [الأنعام: 94] في أحد الأوجه، أو الظرف وهو باقٍ على نصبه كقولك: جُلِسَ عندك. ثم قال: {وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ}، وفيه سؤال، وهو أنه لِمَ لَمْ يَقُلْ: خبير مع أنه أبلغ في العلم بالشيء؟ والجواب: أنَّ الخبير أبلغ في العلم، والبصير أشهر منه فيه، فإنه يجعله كالمحسُوس بحس البصر.
اسماعيل حقي
تفسير : {لن تنفعكم ارحامكم} اى قراباتكم قال الراغب الرحم رحم المرأة وهى فى الاصل وعاء الولد فى بطن امه ومنه استعير الرحم للقرابة لكونهم خارجين من رحم واحدة {ولا اولادكم} الذين توالون المشركين لاجلهم وتتقربون اليهم محاماة عليهم جمع ولد بمعنى المولود يعم الذكر والانثى {يوم القيامة} بجلب نفع او دفع ضر ظرف لقوله {لن تنفعكم} فيوقف عليه ويبتدأ بما بعده {يفصل بينكم} استئناف لبيان عدم نفع الارحام والاولاد يومئذ اى يفرق الله بينكم بما اعتراكم من الهول الموجب لفرار كل منكم من الآخر حسبما نطق به قوله تعالى {أية : يوم يفر المرء من اخيه وامه}تفسير : الآية فما لكم ترفضون حق الله لمراعاة حق من يفر منكم غدا وقيل يفرق بين الوالد وولده وين القريب وقريبه فيدخل أهل طاعته الجنة واهل معصيته النار {والله بما تعملون بصير} فيجازيكم به وهو ابلغ من خبير لانه جعله كالمحسوس بحس البصر مع ان المعلوم هنا اكثره المبصرات من الكتاب والاتيان بمن يحمل الكتاب واعطاء الاجرة للحمل وغيرها وفى الآية اشارة الى عداوة النفس وصفاتها للروح واخلاقه فان النفس ظلمانية سفلية كثيفة والروح وقواه نورانية علوية لطيفة ولا شك ان بين النور والظلمة تدافعا ولذا تجتهد النفس أن تغلب الروح بظلمانيتها حتى يكون الحكم لها فى مملكة الوجود وهو تصرفها باليد واما بسط لسانه بالسوء فبمدح الاخلاق الذميمة وذم الاخلاق الحميدة فالقالب كبلد فيه اشراف وارذال كل بطن واحد لان القوى الخيرة والشريرة انما حصلت من ازدواج الروح مع القالب فالنفس وصفاتها من الارذال وعلى مشرب قابيل وكنعان ولدى آدم ونوح عليهما السلام فليست من الاهل فى الحقيقة والروح وقواه من الاشراف وعلى مشرب هابيل ونحوه فهى من الاهل فى الحقيقة ولذا تنقطع هذه النسبة يوم القيامة فيكون الروح فى النعيم والنفس فى الجحيم عند تجلى اللطف والجمال والقهر والجلال جعلنا الله واياكم من اهل الكمال والنوال
الجنابذي
تفسير : {لَن تَنفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ} الّذين تخالفون رسول الله (ص) بسببهم {وَلاَ أَوْلاَدُكُمْ} والملة جوابٌ لسؤالٍ مقدّرٍ عن كيفيّة انتفاعهم بأرحامهم او عن علّة هذا القول {يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ} ظرف لقوله لن تنفعكم او لما بعده {يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ} اى يفرّق بينكم يوم القيامة بشدّة الهول والخوف بحيث يفرّ كلٌّ من كلٍّ، وقرئ يفصل مبنيّاً للفاعل ومبنيّاً للمفعول من الثّلاثىّ المجرّد ومن التّفعيل {وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} فيجازيكم على ما عملتم فلا نجاة لكم من قبل ارحامكم ولا من قبل الله تعالى.
الأعقم
تفسير : {لن تنفعكم أرحامكم ولا أولادكم} يعني إن واليتم أعداء الله لأجل الرحم أو لأجل الأولاد فذلك لن ينفعكم {يوم القيامة يفصل بينكم} قيل: يفرق بينكم فيدخل المطيعين الجنة والعاصين في النار، وقيل: يفصل بينكم من فصل القضاء، ثم بيَّن قصة ابراهيم مع أبيه فقال سبحانه: {قد كانت لكم أسوة حسنة} أي قدوة حسنة {في إبراهيم والذين معه} واتبعوه إذ قالوا لقومهم: {انا برءآؤا منكم ومما تعبدون من دون الله} يعني الأوثان لا تعبدوها ولا تواصلوها {كفرنا بكم} أي جحدنا دينكم وأنكرنا معبودكم {وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبداً حتى تؤمنوا بالله وحده} أي ظهرت العداوة بيننا إلا أن تؤمنوا فتسقط العداوة {إلاَّ قول ابراهيم لأبيه لأستغفرنَّ لك} قيل: معنى الاستثناء قد كان لكم أسوة حسنة في إبراهيم في كل أموره إلا في قول ابراهيم {لأستغفرن لك وما أملك لك من الله من شيء} فنهوا أن يقتدوا به في هذه خاصة، وقيل: نهوا أن يستغفروا لآبائهم للمشركين، وبيّن قصة إبراهيم وقيل: كان آزر أبو إبراهيم ويريد أنه مسلم فاستغفر له فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه، وقيل: قوله: {لأستغفرن لك} هو قوله: {الا عن موعدة وعدها إياه} يعني وعد إبراهيم أباه أن يستغفر له {وما أملك لك من الله من شيء} أي لا أقدر على رفع العذاب {ربنا عليك توكلنا} في أمور ديننا ودنيانا، والتوكل تفويض الأمر إليه {وإليك أنبنا} أي رجعنا إليك بالطاعة والعبادة {وإليك المصير} أي إلى حكمك المرجع {ربنا لا تجعلنا فتنة للذين كفروا} بإظهارهم علينا ليروا أنهم على دين، وقيل: ألطف بنا حتى نصبر على آذائهم {واغفر لنا} ما سلف من ذنوبنا {إنك أنت العزيز الحكيم} الذي لا تفعل إلا بحكمة {لقد كان لكم} أيها المسلمون {فيهم} أي في إبراهيم والأنبياء والمؤمنين على ما تقدم {أسوة} قدوة {حسنة} من حيث يوجب الثواب، وقيل: لأنها موعظة في نهاية الصلاح، ومتى قيل: لم كرر ذلك؟ قلنا: في الأول أمر بالاقتداء به في البراءة من الكفار وفي الثاني أمر بالاقتداء به في التوكل عليه فلم يكن تكراراً، وقيل: تأكيداً لقطع المعتاد من موالاة الأقارب، وقيل: أمراً بعد أمر في وقتين {لمن كان يرجو الله واليوم الآخر} أي يرجو ثوابه ورحمته {ومن يتول} أي يعرض عن طاعة الله {فإن الله هو الغني الحميد} لا يحتاج إلى شيء الحميد المنعم على من يطيعه ويعصيه، وقيل: المحمود في أفعاله {عسى الله أن يجعل بينكم وبين الذين عاديتم منهم مودة} لما نزلت الآية المتقدمة عادى المؤمنون أقاربهم وأظهروا العداوة فأنزل الله {عسى الله أن يجعل بينكم وبين الذين عاديتم} من الكفار كفار مكة بأن يسلموا فيصيروا أولياء وأخوانا لكم، وعسى من الله وأحب، يعني يحصل بينكم المودة أيها المؤمنون وبين الذين عاديتم منهم مودة بالاسلام، وكان ذلك حين أسلم كثير منهم، وقيل: صار بينه وبينهم وصلة فتزوج رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بأم حبيبة وصاروا موالي بأن تلطف حتى تظهر المودة {والله غفور رحيم}.
اطفيش
تفسير : {لَن تَنفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ} قراباتكم {وَلا أَوْلادُكُمْ} الذين توالون المشركين لاجلهم لا يردون عنكم عذاب الله دنيا ولا اخرى أو لاينفعونكم ولو اطعتموا المشركين في الكفر.{يَوْمَ القِيَامَةِ} متعلق بقوله {يَفْصِلُ} يفرق {بَيْنَكُمْ} بما عراكم من الهول ولا تجتمعون كالدنيا بل يفرق بعض من بعض فما لكم ترفضون حق الله لاجل من يفر عنكم ولا ينفعكم. فموالاتهم خطأ من جهة انهم اعدائكم في الدنيا ومن جهة انهم لاينفعونكم في الاخرة والنائب ضمير الفصل أو بين على قول الاخفش فهو في محل رفع على النيابة ولو كان لا تصرف. وقرأ عاصم بالبناء للفاعل وهو لله جلا وعلا وقرأ عامر بضم الياء وفتح الصاد مشددة للمبالغة وقرأ حمزة والكسائي كذلك لكن كسر الصاد وقرىء نفصل بالنون والتخفيف وبهاء مع التشديد وتجمع الفقراء يوم القيامة ويقال اين فقراء هذه الامة ومساكينها فيبرزون فيقال ما عندكم فيقولون يا ربنا ابتلينا فصبرنا وانت اعلم ووليت الاموال والسلطان غيرنا فيقال صدقتم فيدخلون الجنة قيل سائر الناس بزمان وتبقى شدة الحساب على ذوي السلطان والاموال قيل لعمرو بن العاص اين المؤمنون يومئذ قال توضع لهم كراسي من نور يضلل عليهم الغمام ويكون ذلك اليوم اقصر عليهم من ساعة نهار. {وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} فيجازيكم به هذا وعيد وتحذير نزل ذلك كله من أول السورة في حاطب بن بلتعة روي حديث : أَن مولاة لأَبي عمرو بن صيفي بن هشام بن عبد مناف أًتت رسول الله صلى الله عليه سلم بالمدينة وهو يجهر للفتح فقال لها أمسلمة جئت قالت لا قال فمهاجرة قالت لا قال فما جاء بك قالت كنتم الأَهل والموالي والعشيرة وقد ذهبت الموالي تعني قتلوا يوم بدر واحتجت حاجة شديدة فقدمت لتعطوني وتكسوني وتحملوني فقال لها: وأَين أَنت من شباب مكة وكانت مغنية نائحة قالت: ما طلب مني شيء بعد وقعة بدر أي ما طلب مني تغنية ولا نواح فحث عليها بني عبد المطلب فكسوها وحملوها وزودها فاتاها حاطب بن بلتعة وأَعطاها عشرة دنانير وكساها بردا وكتب معها كتاباً الى مكة نصه من حاطب بن بلتعة الى أَهل مكة إِعلموا أَن رسول الله صلى الله عليه وسلم يريدكم فخذوا حذركم تفسير : وقال الكلبي: كتب ان محمدا قد نفر ولا ادري اياكم يريد ام غيركم فعليكم بالحذر وقال الواقدي كتب الى سهيل بن عمرو وصفوان بن امية وعكرمة ان رسول الله صلى الله عليه وسلم اذن في الناس بالغزو ولا اراه يريد غيركم وقد احببت ان تكون لي عندكم يد. وفي تفسير يحيى بن سلام نص الكتاب حديث : أَما بعد يا معشر قريش فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم جاءكم بجيش عظيم يسير كالسيل فوالله لو جاءكم وحده لنصره الله وانجز له فانظروا لأَنفسكم والسلام وفي رواية بجيش كالليل يسير كالسيل وروي يريد غزوكم في مثل الليل والسيل واقسم بالله لو غزاكم وحده لنصر عليكم فكيف وهو في جمع كثير وخرجت سارة ونزل جبرائيل بالخبر فبعث صلى الله عليه وسلم عليا وعمارا وطلحة والزبير والمقداد وابا مرثد وكانوا فرسانا فقال انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ وهي موضع قريب من المدينة في جهة حمرا الاسد تفسير : هذا هو الصحيح وقيل: قرب مكة حديث : فإن بها ظعينة وهي المرأة المسافرة سميت لملازمتها الهودج معها كتاب من حاطب الى أَهل مكة فخذوها وخلوها فإن أبت فاضربوا عنقها فادركوها في الموضع فجحدت وحلفت وهموا بالرجوع بعدما فتشوا متاعها. فقال علي: والله ما كذبنا ولا كذب رسول الله صلى الله عليه وسلم وسل السيف فقال اخرجي الكتاب وإلا فوالله لاجردنك ولأَضربن عنقك وقيل قال: لتخرجين الكتاب أو لتلقين الثياب ولما رأت الجد قيل أخذت منهم عهدا لا يردونها إلى المدينة فأَخرجت الكتاب من عقاصها وهو الشعر المضفور وعبارة بعض من عقاص شعرها وفي رواية من ذؤابتها وقيل أخرجته من خمارها ويحتمل الجمع بانها أًخرجته من شعرها تحت خمارها وقيل من حجزتها وقيل لما رأت الجد من علي قالت اعرض عن فاعرض فحلت قرن رأسها فاخرجته وقيل قال لها اخرجي الكتاب أو لأرمين رأسك في التراب فأخرجته وأعطته له فرجعوا ولم يتعرضوا لها ولا لمالها. فارسل صلى الله عليه وسلم الى حاطب فاتاه فقال: هل تعرف الكتاب قال نعم قال: فما حملك عليه فقال يا رسول الله ما كفرت منذ أسلمت ولا غششتك منذ نصحتك ولا أحببتهم منذ فارقتهم ولكن كنت امرأ ملصقا في قريش. وروي عزيزا فيهم أي غريبا والملصق الحليف ولم أكن من أنفسها وكل من معك من المهاجرين لهم قرابات بمكة يحمون أهلهم وأموالهم غيري فخشيت على أهلي فاردت ان اتخذ عندهم يدا إذا فاتني النسب فيحموا اهلي ولم أَفعله ارتداداً عن ديني ولا رضى بالكفر بعد الإِسلام وكان كما قال لم يكن ذلك منه نفاقا قال وقد علمت ان الله ينزل بهم بأسه ولا يغني كتابي فصدقه صلى الله عليه وسلم وعذره فقال عمر رضي الله عنه: دعني يا رسول الله اضرب عنق هذا المنافق فقال: وما يدريك يا عمر لعل الله قد اطلع على اهل بدر فقال لهم: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم ففاضت عينا عمر فقال الله ورسوله اعلم تفسير : فنزلت الاية وصدقه الله. وكان بدريا وانما اطلق عمر عليه اسم المنافق مع تصديق النبي صلى الله عليه وسلم له قبل نزول تصديقه وقال صلى الله عليه وسلم:"حديث : لا تقولوا لحاطب إلا خيرا ".
الالوسي
تفسير : {لَن تَنفَعَكُمْ أَرْحَـٰمُكُمْ } دفع لما عسى أن يتخيلوا كونه عذراً نافعاً من أن الداعي للاتخاذ وإلقاء المودّة صيانة الأرحام والأولاد من أذى أولئك، والرحم في الأصل رحم المرأة، واشتهر في القرابة حتى صار كالحقيقة فيها، فإما أن يراد به ذلك أو يجعل مجازاً عن القريب، أو يعتبر معه مضاف أي ذوو أرحامكم، ويؤيد التأويل عطف قوله تعالى: {وَلاَ أَوْلَـٰدُكُمْ } أي لن ينفعكم قراباتكم أو أقاربكم ولا أولادكم الذين توالون المشركين لأجلهم وتتقربون إليهم محاماة عليهم. {يَوْمُ ٱلْقِيَـٰمَةِ } بدفع ضر أو جلب نفع {يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ } استئناف لبيان عدم نفع الأرحام والأولاد يومئذ أي يفرق الله تعالى بينكم بما يكون من الهول الموجب لفرار كل منكم من الآخر حسبما نطق به قوله تعالى: { أية : يَوْمَ يَفِرُّ ٱلْمَرْء مِنْ أَخِيهِ } تفسير : [عبس: 34] الآية فلا ينبغي أن يرفض حق الله تعالى وتوالى أعداؤه سبحانه لمن هذا شأنه، وما أشرنا إليه من تعلق يوم القيامة بالفعل قبله هو الظاهر، وجوز تعلقه ـ بيفصل ـ بعده. وقرأ حمزة والكسائي وابن وثاب ـ يفصل ـ بضم الياء وتشديد الصاد مبنياً للفاعل، وقرأ أبو حيوة وابن أبـي عبلة كذلك إلا أنهما خففا، وطلحة والنخعي ـ نفصل ـ بالنون مضمومة والتشديد والبناء للفاعل، وهما أيضاً وزيد بن علي بالنون مفتوحة مخففاً مبنياً للفاعل، وأبو حيوة أيضاً بالنون مضمومة. وقرأ الأعرج وعيسى وابن عامر ـ يفصل ـ بالياء والتشديد والبناء للمفعول، وجمهور القراء كذلك إلا أنهم خففوا، ونائب الفعل إما {بَيْنِكُمْ } وهو مبني على الفتح لإضافته إلى متوغل في البناء كما قيل، وإما ضمير المصدر المفهوم من الفاعل أي يفصل هو أي الفصل. {وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ } فيجازيكم به.
ابن عاشور
تفسير : تخلص من تبيين سوء عاقبة موالاة أعداء الدّين في الحياة الدنيا، إلى بيان سوء عاقبة تلك الموالاة في الآخرة، ومناسبة حسن التخلص قوله: {أية : وودُّوا لو تكفرون}تفسير : [الممتحنة: 2] الدالّ على معنى: أن ودادَتهم كفركم من قبل أن يثقفوكم تنقلب إلى أن يكرهوكم على الكفر حين يثقفونكم، فلا تنفعكم ذوو أرحامكم مثل الأمهات والإِخوة الأشقاء، وللأمّ، ولا أولادكم، ولا تدفع عنكم عذاب الآخرة إن كانوا قد نفعوكم في الدنيا بصلة ذوي الأرحام ونصرة الأولاد. فجملة {لن تنفعكم أرحامكم ولا أولادكم} إلى آخرها مستأنفة استئنافاً بيانياً ناشئاً عن سؤال مفروض ممن يسمع جملة {أية : وودُّوا لو تكفرون}تفسير : [الممتحنة: 2]، أي من حق ذلك أن يُسأل عن آثارِه لخطر أمرها. وإذا كان ناشئاً عن كلام جرى مجرى التعليل لجملة {أية : فقد ضل سواء السبيل}تفسير : [الممتحنة: 1]، فهو أيضاً مفيد تعليلاً ثانياً بحسب المعنى، ولولا إرادة الاستئناف البياني لجاءت هذه الجملة معطوفة بالواو على التي قبلها، وزاد ذلك حسناً أن ما صدر من حاطب ابن أبي بلتعة مما عُدّ عليه هو موالاةٌ للعدوّ، وأنه اعتذر بأنه أراد أن يتخذ عند المشركين يداً يحمون بها قرابته (أي أمه وإخوته). ولذلك ابتدىء في نفي النفع بذكر الأرحام لموافقة قصة حاطب لأن الأم ذات رحم والإِخوة أبناؤها هم إخوته من رحمه. وأما عطف {ولا أولادكم} فتتميم لشمول النهي قوماً لهم أبناء في مكة. والمراد بالأرحام: ذوو الأرحام على حذف مضاف لظهور القرينة. و{يوم القيامة} ظرف يتنازعه كلٌ من فعل {لن تنفعكم}، وفعل {يفصل بينكم}. إذ لا يلزم تقدم العاملين على المعمول المتنازع فيه إذا كان ظرفاً لأن الظروف تتقدم على عواملها وأن أبيت هذا التنازع فقل هو ظرف {تنفعكم} واجعل لـ{يفصل بينكم} ظرفاً محذوفاً دلّ عليه المذكور. والفصل هنا: التفريق، وليس المراد به القضاءَ. والمعنى: يوم القيامة يفرق بينكم وبين ذوي أرحامكم وأولادكم فريق في الجنة وفريق في السعير، قال تعالى: {أية : يوم يَفرّ المرء من أخيه وأمه وأبيه وصاحبته وبنيه لكل امرىء منهم يومئذٍ شأن يغنيه}تفسير : [عبس: 34 ـــ 37]. والمعنى: أنهم لا ينفعونكم يوم القيامة فما لكم ترفضون حقّ الله مراعاةً لهم وهم يفرّون منكم يوم اشتداد الهول، خَطَّأ رأيهم في موالاة الكفار أولاً بما يرجع إلى حال مَن والوه. ثم خَطّاه ثانياً بما يرجع إلى حال من استعملوا الموالاة لأجلهم، وهو تقسيم حاصر إشارة إلى أن ما أقدم عليه حاطب مِن أي جهة نظر إليه يكون خطأ وباطلاً. وقرأ الجمهور {يُفصَل بينكم} ببناء {يُفصَل} للمجهول مخففاً. وقرأه عاصم ويعقوب {يُفصِل} بالبناء الفاعل، وفاعله ضمير عائد إلى الله لعلمه من المقام، وقرأه حمزة والكسائي وخلف {يفصِّل} مشدد الصاد مكسورة مبنياً للفاعل مبالغةً في الفصل، والفاعل ضمير يعود إلى الله المعلوم من المقام. وقرأه ابن عامر {يُفصَّل} بضم التحتية وتشديد الصاد مفتوحة مبنياً للنائب من فَصَّل المشدّد. وجملة {والله بما تعملون بصير} وعيد ووعد.
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {لَن تَنفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ وَلاَ أَوْلاَدُكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ}. الأرحام تستعمل في القرآن لعموم القرابة، كقوله تعالى:{أية : وَأْوْلُواْ ٱلأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ}تفسير : [الأنفال: 75]، وقوله تعالى: {يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ} أي بتقطع الأنساب بينهم، كما بينه تعالى بقوله:{أية : فَإِذَا نُفِخَ فِي ٱلصُّورِ فَلاَ أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلاَ يَتَسَآءَلُونَ}تفسير : [المؤمنون: 101]. وقد بين تعالى نتيجة هذا الفصل بينهم يوم القيامة في قوله تعالى: {أية : يَوْمَ يَفِرُّ ٱلْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ وَصَاحِبَتِهُ وَبَنِيه لِكُلِّ ٱمْرِىءٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ}تفسير : [عبس: 34-37]، قوله في موضع آخر: {أية : وَصَاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ وَفَصِيلَتِهِ ٱلَّتِي تُؤْوِيهِ}تفسير : [المعارج: 12-13] فعمت جميع الأقارب وبينت سبب الفصل بينهم، وما يترتب عليه. وهذه الآية خطاب للمؤمنين في ذوي أرحامهم من المشركين، كما في قصة سبب النزول في أمر حاطب بن أبي بلتعة في إرساله الخطاب لأهل مكة قبيل الفتح بأمر التجهز لهم. ومفهوم الوصف في أول السياق عدوي وعدوّكم، وقد كفروا بما جاءكم من الحق، يدل بمفهوم المخالفة أن أولي الأرحام من المؤمنين قد لا يفصل بينهم يوم القيامة. ويدل لهذا المفهوم قوله تعالى: {أية : وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَٱتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَآ أَلَتْنَاهُمْ مِّنْ عَمَلِهِم مِّن شَيْءٍ}تفسير : [الطور: 21]، وقوله تعالى في دعاء الملائكة من حمله العرش للمؤمنين:{أية : رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ ٱلَّتِي وَعَدْتَّهُمْ وَمَن صَـلَحَ مِنْ آبَآئِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ}تفسير : [غافر: 8]. وهذه الآية بيان واضح في أن روابط الدين أقوى وألزم من روابط النسب. وهذا المعنى بالذات تقدم للشيخ رحمة الله تعالى عليه، الكلام عليه عند قوله تعالى: {أية : إِنَّ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ}تفسير : [الإسراء: 9] والآية الآتية بيان واضح لحقيقة هذا المعنى وشموله في جميع الأمم.
د. أسعد حومد
تفسير : {أَوْلاَدُكُمْ} {ٱلْقِيَامَةِ} (3) - وََيَرُدُّ اللهُ تَعَالَى عَلَى ذَلِكَ الذِي اعْتَذَرَ بِرَغْبَتِهِ فِي المُحَافَظَةِ عَلَى أَوْلاَدِهِ وَأَمْوَالِهِ فِي مَكَّةَ، بِأَنَّ الأَقَارِبَ وَالأَوْلاَدَ، الذِينَ تُوَالُونَ الكُفَّارَ مِنْ أَجْلِهِمْ، لَنْ يَنْفَعُوكُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ، وَلَنْ يَدْفَعُوا عَنْكُمْ شَيئاً مِنْ عَذَابِ اللهِ، إِنْ عَصَيْتُمُوهُ فِي الدُّنْيَا، لأَِنَّهُ سَيَفْصِلُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ أَقَارِبِهِمْ فِي ذَلِكَ اليَوْمِ العَصِيبِ. وَيَذْهَلُ كُلُّ وَاحِدٍ عَمَّنْ سِوَاهُ، وَيَكُونُ لِكُلِّ وَاحِدٍ شَأْنٌ يُغَنِيهِ فِي ذَلِكَ اليَوْمِ، وَاللهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُهُ العِبَادُ.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):