Verse. 5154 (AR)

٦٠ - ٱلْمُمْتَحَنَة

60 - Al-Mumtahana (AR)

قَدْ كَانَتْ لَكُمْ اُسْوَۃٌ حَسَـنَۃٌ فِيْۗ اِبْرٰہِيْمَ وَالَّذِيْنَ مَعَہٗ۝۰ۚ اِذْ قَالُوْا لِقَوْمِہِمْ اِنَّا بُرَءٰۗؤُا مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُوْنَ مِنْ دُوْنِ اؘ۝۰ۡكَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَۃُ وَالْبَغْضَاۗءُ اَبَدًا حَتّٰى تُؤْمِنُوْا بِاللہِ وَحْدَہٗۗ اِلَّا قَوْلَ اِبْرٰہِيْمَ لِاَبِيْہِ لَاَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَاۗ اَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللہِ مِنْ شَيْءٍ۝۰ۭ رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَاِلَيْكَ اَنَبْنَا وَاِلَيْكَ الْمَصِيْرُ۝۴
Qad kanat lakum oswatun hasanatun fee ibraheema waallatheena maAAahu ith qaloo liqawmihim inna buraao minkum wamimma taAAbudoona min dooni Allahi kafarna bikum wabada baynana wabaynakumu alAAadawatu waalbaghdao abadan hatta tuminoo biAllahi wahdahu illa qawla ibraheema liabeehi laastaghfiranna laka wama amliku laka mina Allahi min shayin rabbana AAalayka tawakkalna wailayka anabna wailayka almaseeru

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

(قد كانت لكم أسوة) بكسر الهمزة وضمها في الموضعين، قدوة (حسنة في إبراهيم) أي به قولا وفعلا (والذين معه) من المؤمنين (إذ قالوا لقومهم إنا برءاء) جمع بريء كظريف (منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم) أنكرناكم (وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدا) بتحقيق الهمزتين وإبدال الثانية واوا (حتى تؤمنوا بالله وحده إلا قول إبراهيم لأبيه لأستغفرن لك) مستثنى من أسوة، فليس لكم التأسي به في ذلك بأن تستغفروا للكفار وقوله (وما أملك لك من الله) أي من عذابه وثوابه (من شيء) كني به عن أنه لا يملك له غير الاستغفار فهو مبني عليه مستثنى من حيث ظاهره مما يتأسى فيه (قل فمن يملك لكم من الله شيئا) واستغفاره له قبل أن يتبين له أنه عدو لله كما ذكره في "" براءة "" (ربنا عليك توكلنا وإليك أنبنا وإليك المصير) من مقول الخليل ومن معه أي قالوا:

4

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أن الأسوة ما يؤتسى به مثل القدوة لما يقتدى به، يقال: هو أسوتك، أي أنت مثله وهو مثلك، وجمع الأسوة أسى، فالأسوة اسم لكل ما يقتدى به، قال المفسرون أخبر الله تعالى أن إبراهيم وأصحابه تبرءوا من قومهم وعادوهم، وقالوا لهم: {إِنَاْ بُرآء مِنكُمْ }، وأمر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأنسوا بهم وبقوله، قال الفراء: يقول أفلا تأسيت يا حاطب بإبراهيم في التبرئة من أهله في قوله تعالى: {إِذْ قَالُواْ لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَاء مِنكُمْ } وقوله تعالى: {إِلاَّ قَوْلَ إِبْرٰهِيمَ لأَبِيهِ لأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ } وهو مشرك وقال مجاهد: نهوا أن يتأسوا باستغفار إبراهيم لأبيه فيستغفرون للمشركين، وقال مجاهد وقتادة: ائتسوا بأمر إبراهيم كله إلا في استغفاره لأبيه، وقيل: تبرءوا من كفار قومكم فإن لكم أسوة حسنة في إبراهيم ومن معه من المؤمنين في البراءة من قومهم، لا في الاستغفار لأبيه، وقال ابن قتيبة: يريد أن إبراهيم عاداهم وهجرهم في كل شيء إلا في قوله لأبيه: {لأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ } وقال ابن الأنباري: ليس الأمر على ما ذكره، بل المعنى قد كانت لكم أسوة في كل شيء فعله، إلا في قوله لأبيه: {لأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ } وقوله تعالى: {وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ ٱللَّهِ مِن شَىْء } هذا من قول إبراهيم لأبيه يقول له: ما أغنى عنك شيئاً، ولا أدفع عنك عذاب الله إن أشركت به، فوعده الاستغفار رجاء الإسلام، وقال ابن عباس: كان من دعاء إبراهيم وأصحابه: {رَّبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا } الآية، أي في جميع أمورنا {وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا } رجعنا بالتوبة عن المعصية إليك إذ المصير ليس إلا إلى حضرتك، وفي الآية مباحث: الأول: لقائل أن يقول: {حَتَّىٰ تُؤْمِنُواْ بِٱللَّهِ وَحْدَهُ } ما الفائدة في قوله: {وَحْدَهُ } والإيمان به وبغيره من اللوازم، كما قال تعالى: {أية : كُلٌّ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَمَلَـٰئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ } تفسير : [البقرة: 285] فنقول: الإيمان بالملائكة والكتب والرسل واليوم الآخر، من لوازم الإيمان بالله وحده، إذ المراد من قوله: {وَحْدَهُ } هو وحده في الألوهية، ولا نشك في أن الإيمان بألوهية غيره، لا يكون إيماناً بالله، إذ هو الإشراك في الحقيقة، والمشرك لا يكون مؤمناً. الثاني: قوله تعالى: {إِلاَّ قَوْلَ إِبْرٰهِيمَ } استثناء من أي شيء هو، نقول: من قوله: {أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ } لما أنه أراد بالأسوة الحسنة قولهم الذي حق عليهم أن يأتسوا به، ويتخذوه سنة يستنون بها. الثالث: إن كان قوله: {لأسْتَغْفِرَنَّ لَكَ } مستثنى من القول الذي سبق وهو: {أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ } فما بال قوله: {وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ ٱللَّهِ مِن شَىْء } وهو غير حقيق بالاستثناء، ألا ترى إلى قوله تعالى: {أية : قُلْ فَمَن يَمْلِكُ لَكُمْ مّنَ ٱللَّهِ شَيْئاً } تفسير : [الفتح: 11] نقول: أراد الله تعالى استثناء جملة قوله لأبيه، والقصد إلى موعد الاستغفار له وما بعده مبني عليه وتابع له، كأنه قال: أنا استغفر لك، وما وسعي إلا الاستغفار. الرابع: إذا قيل: بم اتصل قوله: {رَّبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا } نقول: بما قبل الاستثناء، وهو من جملة الأسوة الحسنة، ويجوز أن يكون المعنى هو الأمر بهذا القول تعليماً للمؤمنين وتتميماً لما وصاهم به من قطع العلائق بينهم وبين الكفرة، والائتساء بإبراهيم وقومه في البراءة منهم تنبيهاً على الإنابة إلى حضرة الله تعالى، والاستعاذة به. الخامس: إذا قيل: ما الفائدة في هذا الترتيب؟ فنقول: فيه من الفوائد مالا يحيط به إلا هو، والظاهر من تلك الجملة أن يقال: التوكل لأجل الإفادة، وإفادة التوكل مفتقرة إلى التقوى قال تعالى: {أية : وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً } تفسير : [الطلاق: 2] والتقوى الإنابة، إذ التقوى الاحتراز عما لا ينبغي من الأمور، والإشارة إلى أن المرجع والمصير للخلائق حضرته المقدسة ليس إلا، فكأنه ذكر الشيء، وذكر عقيبه ما يكون من اللوازم لإفادة ذلك كما ينبغي، والقراءة في {بُرَاء } على أربعة أوجه: برآء كشركاء، وبراء كظراف، وبراء على إبدال الضم من الكسر كرخال، وبراء على الوصف بالمصدر والبراء والبراءة، مثل الطماء والطماءة.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِيۤ إِبْرَاهِيمَ} لما نهى عز وجلّ عن مولاة الكفار ذكر قصة إبراهيم عليه السلام، وأن من سيرته التبرُّؤ من الكفار؛ أي فاقتدوا به وأْتَمُّوا؛ إلا في استغفاره لأبيه. والإسْوَةُ ما يُتَأَسَّى به، مثل القِدْوة والقُدْوة. ويقال: هو إسوتك؛ أي مثلك وأنت مثله. وقرأ عاصم «أُسْوَة» بضم الهمزة لغتان.{وَٱلَّذِينَ مَعَهُ} يعني أصحاب ابراهيم من المؤمنين. وقال ابن زيد: هم الانبياء {إِذْ قَالُواْ لِقَوْمِهِمْ} الكفار {إِنَّا بُرَءآؤاْ مِّنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ} أي الأصنام. وبُرَآء جمع بريء؛ مثل شريك وشركاء، وظريف وظِرفاء. وقراءة العامة على وزن فعلاء. وقرأ عيسى بن عمر وابن أبي إسحاق «بِرَاء» بكسر الباء على وزن فِعال؛ مثل قَصير وقِصار، وطَويل وطِوال، وظَريف وظِراف. ويجوز ترك الهمزة حتى تقول: بَراً؛ وتنوّن. وقرِىء «بَرَاء» على الوصف بالمصدر. وقرىء «بُراء» على إبدال الضم من الكسر؛ كرُخال ورُباب. والآية نصٌ في الأمر بالاقتداء بإبراهيم عليه السلام في فعله. وذلك يصحّح أن شرع مَن قبلنا شَرْعٌ لنا فيما أخبر الله ورسوله. {كَفَرْنَا بِكُمْ} أي بما آمنتم به من الأوثان. وقيل: أي بأفعالكم وكذبناها وأنكرنا أن تكونوا على حق. {وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ ٱلْعَدَاوَةُ وَٱلْبَغْضَآءُ أَبَداً} أي هذا دأبنا معكم ما دمتم على كفركم {حَتَّىٰ تُؤْمِنُواْ بِٱللَّهِ وَحْدَهُ} فحينئذ تنقلب المعاداة موالاة {إِلاَّ قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ لأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ} فلا تتأسَّوْا به في الاستغفار فتستغفرون للمشركين؛ فإنه كان عن مَوْعِدة منه له؛ قاله قتادة ومجاهد وغيرهما. وقيل: معنى الاستثناء أن إبراهيم هجر قومه وباعدهم إلا في الاستغفار لأبيه، ثم بيّن عذره في سورة «التوبة». وفي هذا دلالة على تفضيل نبيّنا عليه الصلاة والسلام على سائر الأنبياء؛ لأنا حين أُمِرْنَا بالاقتداء به أُمِرْنا أمراً مطلقاً في قوله تعالى: {أية : وَمَآ آتَاكُمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَٱنتَهُواْ} تفسير : [الحشر:7] وحين أُمِرنا بالاقتداء بإبراهيم عليه السلام استثنى بعض أفعاله. وقيل: هو استثناء منقطع؛ أي لكن قول إبراهيم لأبيه لأستغفرنّ لك، إنما جرى لأنه ظنّ أنه أسلم، فلما بان له أنه لم يُسلم تبرّأ منه. وعلى هذا يجوز الاستغفار لمن يُظنّ أنه أسلم؛ وأنتم لم تجدوا مثل هذا الظن، فلِم توالوهم. {وَمَآ أَمْلِكُ لَكَ مِنَ ٱللَّهِ مِن شَيْءٍ} هذا من قول إبراهيم عليه السلام لأبيه؛ أي ما أدفع عنك من عذاب الله شيئاً إن أشركت به. {رَّبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا} هذا من دعاء إبراهيم عليه السلام وأصحابه. وقيل: علّم المؤمنين أن يقولوا هذا. أي تبرّءوا من الكفار وتوكّلوا على الله وقولوا: {رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا} أي اعتمدنا {وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا} أي رجعنا {وَإِلَيْكَ ٱلْمَصِيرُ} لك الرجوع في الآخرة {رَبَّنَا لاَ تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ} أي لا تُظهر عدوّنا علينا فيظنوا أنهم على حق فيفتتنوا بذلك. وقيل: لا تسلِّطهم علينا فيفتنونا ويعذبونا. {وَٱغْفِرْ لَنَا رَبَّنَآ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ}.

ابن كثير

تفسير : يقول تعالى لعباده المؤمنين الذين أمرهم بمصارمة الكافرين، وعداوتهم ومجانبتهم والتبري منهم: {قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِىۤ إِبْرَٰهِيمَ وَٱلَّذِينَ مَعَهُ} أي: وأتباعه الذين آمنوا معه {إِذْ قَالُواْ لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَءآؤاْ مِّنْكُمْ} أي: تبرأنا منكم، {وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ} أي: بدينكم وطريقكم {وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ ٱلْعَدَاوَةُ وَٱلْبَغْضَآءُ أَبَداً} يعني: وقد شرعت العداوة والبغضاء من الآن بيننا وبينكم، مادمتم على كفركم، فنحن أبداً نتبرأ منكم ونبغضكم {حَتَّىٰ تُؤْمِنُواْ بِٱللَّهِ وَحْدَهُ} أي: إلى أن توحدوا الله فتعبدوه وحده لا شريك له، وتخلعوا ما تعبدون معه من الأوثان والأنداد. وقوله تعالى: {إِلاَّ قَوْلَ إِبْرَٰهِيمَ لأَبِيهِ لأسْتَغْفِرَنَّ لَكَ} أي: لكم في إبراهيم وقومه أسوة حسنة، تتأسون بها، إلا في استغفار إبراهيم لأبيه، فإنه إنما كان عن موعدة وعدها إياه، فلما تبين له أنه عدو لله، تبرأ منه، وذلك أن بعض المؤمنين كانوا يدعون لآبائهم الذين ماتوا على الشرك، ويستغفرون لهم، ويقولون: إن إبراهيم كان يستغفر لأبيه، فأنزل الله عز وجل: {أية : مَا كَانَ لِلنَّبِىِّ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوۤاْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوۤاْ أُوْلِى قُرْبَىٰ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَـٰبُ ٱلْجَحِيمِ وَمَا كَانَ ٱسْتِغْفَارُ إِبْرَٰهِيمَ لاَِبِيهِ إِلاَّ عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَآ إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَٰهِيمَ لأَوَّاهٌ حَلِيمٌ } تفسير : [التوبة: 113 ــــ 114]. وقال تعالى في هذه الآية: {قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِىۤ إِبْرَٰهِيمَ وَٱلَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُواْ لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَءآؤاْ مِّنْكُمْ} ــــ إلى قوله ــــ {إِلاَّ قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ لأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَآ أَمْلِكُ لَكَ مِنَ ٱللَّهِ مِن شَيْءٍ} أي: ليس لكم في ذلك أسوة، أي: في الاستغفار للمشركين. هكذا قال ابن عباس ومجاهد وقتادة ومقاتل بن حيان والضحاك وغير واحد. ثم قال تعالى مخبراً عن قول إبراهيم والذين معه حين فارقوا قومهم وتبرؤوا منهم، فلجؤوا إلى الله، وتضرعوا إليه فقالوا: {رَّبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ ٱلْمَصِيرُ} أي: توكلنا عليك في جميع الأمور، وسَلَّمنا أمورنا إليك، وفوضناها إليك، {وَإِلَيْكَ ٱلْمَصِيرُ}، أي: المعاد في الدار الآخرة {رَبَّنَا لاَ تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ} قال مجاهد: معناه: لا تعذبنا بأيديهم، ولا بعذاب من عندك، فيقولوا: لو كان هؤلاء على حق، ما أصابهم هذا، وكذا قال الضحاك. وقال قتادة: لا تظهرهم علينا، فيفتتنونا بذلك؛ يرون أنهم إنما ظهروا علينا لحق هم عليه، واختاره ابن جرير. وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: لا تسلطهم علينا فيفتنونا. وقوله تعالى: {وَٱغْفِرْ لَنَا رَبَّنَآ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ} أي: واستر ذنوبنا عن غيرك، واعف عنها فيما بيننا وبينك، {إِنَّكَ أَنتَ ٱلعَزِيزُ} أي: الذي لا يضام من لاذ بجنابك {ٱلْحَكِيمُ} في أقوالك وأفعالك، وشرعك وقدرك. ثم قال تعالى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو ٱللَّهَ وَٱلْيَوْمَ ٱلآخِرَ} وهذا تأكيد لما تقدم، ومستثنى منه ما تقدم أيضاً؛ لأن هذه الأسوة المثبتة ههنا هي الأولى بعينها. وقوله تعالى: {لِّمَن كَانَ يَرْجُو ٱللَّهَ وَٱلْيَوْمَ ٱلآخِرَ} تهييج إلى ذلك لكل مؤمن بالله والمعاد. وقوله تعالى: {وَمَن يَتَوَلَّ} أي: عما أمر الله به، {فَإِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْغَنِىُّ ٱلْحَمِيدُ} كقوله تعالى: {أية : إِن تَكْفُرُوۤاْ أَنتُمْ وَمَن فِى ٱلأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ ٱللَّهَ لَغَنِىٌّ حَمِيدٌ} تفسير : [إبراهيم: 8] وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: {ٱلْغَنِىُّ}: الذي قد كمل في غناه، وهو الله، هذه صفته، لا تنبغي إلا له، ليس له كفء، وليس كمثله شيء، سبحان الله الواحد القهار، والحميد: المستحمد إلى خلقه، أي: هو المحمود في جميع أقواله وأفعاله، لا إله غيره، ولا رب سواه.

المحلي و السيوطي

تفسير : {قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ } بكسر الهمزة وضمها في الموضعين، قدوة {حَسَنَةٌ فِى إِبْرٰهِيمَ } أي به قولاً وفعلاً {وَٱلَّذِينَ مَعَهُ } من المؤمنين {إِذْ قَالُواْ لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَءَآؤُاْ } جمع بريء كظريف {مِّنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ } أنكرناكم {وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ ٱلْعَدَاوَةُ وَٱلْبَغْضَاءُ أَبَداً } بتحقيق الهمزتين وإبدال الثانية واواً {حَتَّىٰ تُؤْمِنُواْ بِٱللَّهِ وَحْدَهُ إِلاَّ قَوْلَ إِبْرٰهِيمَ لأَبِيهِ لأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ } مستثنى من «أسوة» أي فليس لكم التأسي به في ذلك بأن تستغفروا للكفار وقوله {وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ ٱللَّهِ } أي من عذابه وثوابه {مِن شَىْءٍ } كنى به عن أنه لا يملك له غير الاستغفار فهو مبني عليه مستثنى من حيث المراد منه وإن كان من حيث ظاهره مما يتأسى فيه {قٌلْ فَمَن يَمْلِكُ لَكُم مِّنَ ٱللَّهِ شَيْئًا} واستغفاره له قبل أن يتبين { أية : لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لله } تفسير : [114:9] كما ذكرنا في براءة {رَّبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ ٱلْمَصِيرُ } من مقول الخليل ومن معه أي وقالوا.

الشوكاني

تفسير : لما فرغ سبحانه من النهي عن موالاة المشركين، والذمّ لمن وقع منه ذلك ضرب لهم إبراهيم مثلاً حين تبرأ من قومه، فقال: {قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ } أي: خصلة حميدة تقتدون بها، يقال: لي به أسوة في هذا الأمر، أي: اقتداء، فأرشدهم سبحانه إلى الاقتداء به في ذلك إلاّ في استغفاره لأبيه. قرأ الجمهور: {إسوة} بكسر الهمزة: وقرأ عاصم بضمها وهما لغتان، وأصل الأسوة بالضم والكسر: القدوة، ويقال: هو أسوتك، أي: مثلك، وأنت مثله، وقوله: {فِى إِبْرٰهِيمَ وَٱلَّذِينَ مَعَهُ } متعلق بأسوة، أو بحسنة، أو هو نعت لأسوة، أو حال من الضمير المستتر من حسنة، أو خبر "كان"، و"لكم" للبيان، و{الذين معه} هم أصحابه المؤمنون. وقال ابن زيد: هم الأنبياء. قال الفرّاء: يقول: أفلا تأسيت يا حاطب بإبراهيم، فتتبرأ من أهلك، كما تبرأ إبراهيم من أبيه وقومه، والظرف في قوله: {إِذْ قَالُواْ لِقَوْمِهِمْ } هو خبر كان، أو متعلق به، أي: وقت قولهم لقومهم الكفار: { بَرَآء مّنكُمْ} جمع بريء، مثل شركاء وشريك، وظرفاء وظريف. قرأ الجمهور: {برآء} بضم الباء وفتح الراء وألف بين همزتين، ككرماء في كريم. وقرأ عيسى بن عمر، وابن أبي إسحاق بكسر الباء وهمزة واحدة بعد ألف، ككرام في جمع كريم. وقرأ أبو جعفر بضم الباء وهمزة بعد ألف {وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ } وهي الأصنام {كَفَرْنَا بِكُمْ } أي: بما آمنتم به من الأوثان أو بدينكم أو بأفعالكم. {وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ ٱلْعَدَاوَةُ وَٱلْبَغْضَاء أَبَداً } أي: هذا دأبنا معكم ما دمتم على كفركم {حَتَّىٰ تُؤْمِنُواْ بِٱللَّهِ وَحْدَهُ } وتتركوا ما أنتم عليه من الشرك، فإذا فعلتم ذلك صارت تلك العداوة موالاة، والبغضاء محبة {إِلاَّ قَوْلَ إِبْرٰهِيمَ لاِبِيهِ لأسْتَغْفِرَنَّ لَكَ } هو استثناء متصل من قوله: {فِى إِبْرٰهِيمَ } بتقدير مضاف محذوف؛ ليصح الاستثناء، أي: قد كانت لكم أسوة حسنة في مقالات إبراهيم إلاّ قوله لأبيه، أو من أسوة حسنة، وصح ذلك؛ لأن القول من جملة الأسوة، كأنه قيل: قد كانت أسوة حسنة في إبراهيم في جميع أقواله، وأفعاله إلاّ قوله لأبيه، أو من التبرّي والقطيعة التي ذكرت، أي: لم يواصله إلاّ قوله، ذكر هذا ابن عطية، أو هو منقطع، أي: لكن قول إبراهيم لأبيه لأستغفرن لك، فلا تأتسوا به، فتستغفرون للمشركين، فإنه كان عن موعدة وعدها إياه، أو أن ذلك إنما وقع منه؛ لأنه ظنّ أنه قد أسلم {أية : فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ } تفسير : [التوبة: 114] وقد تقدّم تحقيق هذا في سورة براءة {وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ ٱللَّهِ مِن شَىْء } هذا من تمام القول المستثنى، يعني: ما أغني عنك، وما أدفع عنك من عذاب الله شيئًا، والجملة في محل نصب على الحال من فاعل لأستغفرنّ، فالاستثناء متوجه إلى الاستغفار لا إلى هذا القيد، فإنه إظهار للعجز، وتفويض للأمر إلى الله، وذلك من خصال الخير {رَّبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ ٱلْمَصِيرُ } هذا من دعاء إبراهيم وأصحابه، ومما فيه أسوة حسنة يقتدى به فيها، وقيل: هو تعليم للمؤمنين أن يقولوا هذا القول، والتوكل هو تفويض الأمور إلى الله، والإنابة: الرجوع، والمصير: المرجع، وتقديم الجارّ والمجرور لقصر التوكل والإنابة، والمصير على الله. {رَبَّنَا لاَ تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لّلَّذِينَ كَفَرُواْ } قال الزجاج: لا تظهرهم علينا، فيظنوا أنهم على حقّ، فيفتنوا بذلك. وقال مجاهد: لا تعذبنا بأيديهم، ولا بعذاب من عندك، فيقولوا: لو كان هؤلاء على حقّ ما أصابهم هذا {وَٱغْفِرْ لَنَا رَبَّنَا إِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ } أي: الغالب الذي لا يغالب {ٱلْحَكِيمُ } ذو الحكمة البالغة. {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ } أي: لقد كان لكم في إبراهيم والذين معه قدوة حسنة، وكرّر هذا للمبالغة والتأكيد، وقيل: إن هذا نزل بعد الأوّل بمدّة {لّمَن كَانَ يَرْجُو ٱللَّهَ وَٱلْيَوْمَ ٱلآخِرَ} بدل من قوله: {لَكُمْ } بدل بعض من كلّ، والمعنى: أن هذه الأسوة إنما تكون لمن يخاف الله، ويخاف عقاب الآخرة، أو يطمع في الخير من الله في الدنيا وفي الآخرة {وَمَن يَتَوَلَّ فَإِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْغَنِىُّ ٱلْحَمِيدُ } أي: يعرض عن ذلك، فإن الله هو الغنيّ عن خلقه الحميد إلى أوليائه. {عَسَى ٱللَّهُ أَن يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ ٱلَّذِينَ عَادَيْتُم مّنْهُم مَّوَدَّةً } وذلك بأن يسلموا، فيصيروا من أهل دينكم، وقد أسلم قوم منهم بعد فتح مكة وحسن إسلامهم، ووقعت بينهم وبين من تقدّمهم في الإسلام مودّة، وجاهدوا، وفعلوا الأفعال المقرّبة إلى الله. وقيل: المراد بالمودّة هنا: تزويج النبيّ صلى الله عليه وسلم بأمّ حبيبة بنت أبي سفيان. ولا وجه لهذا التخصيص، وإن كان من جملة ما صار سبباً إلى المودّة، فإن أبا سفيان بعد ذلك ترك ما كان عليه من العداوة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكنها لم تحصل المودّة إلاّ بإسلامه يوم الفتح وما بعده {وَٱللَّهُ قَدِيرٌ } أي: بليغ القدرة كثيرها {وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } أي: بليغهما كثيرهما. ثم لما ذكر سبحانه ما ينبغي للمؤمنين من معاداة الكفار وترك موادّتهم، فصل القول فيمن يجوز برّه منهم ومن لا يجوز، فقال: {لاَّ يَنْهَـٰكُمُ ٱللَّهُ عَنِ ٱلَّذِينَ لَمْ يُقَـٰتِلُوكُمْ فِى ٱلدّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مّن دِيَـٰرِكُمْ } أي: لا ينهاكم عن هؤلاء {أَن تَبَرُّوهُمْ } هذا بدل من الموصول بدل اشتمال، وكذا قوله: {وَتُقْسِطُواْ إِلَيْهِمْ } يقال: أقسطت إلى الرّجل: إذا عاملته بالعدل. قال الزجاج: المعنى، وتعدلوا فيما بينكم وبينهم من الوفاء بالعهد {إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُقْسِطِينَ } أي: العادلين؛ ومعنى الآية: أن الله سبحانه لا ينهى عن برّ أهل العهد من الكفار الذين عاهدوا المؤمنين على ترك القتال، وعلى أن لا يظاهروا الكفار عليهم، ولا ينهى عن معاملتهم بالعدل. قال ابن زيد: كان هذا في أوّل الإسلام عند الموادعة؛ وترك الأمر بالقتال، ثم نسخ. قال قتادة: نسختها {أية : فَٱقْتُلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ }تفسير : [التوبة: 5] وقيل: هذا الحكم كان ثابتاً في الصلح بين النبيّ صلى الله عليه وسلم وبين قريش، فلما زال الصلح بفتح مكة نسخ الحكم. وقيل: هي خاصة في حلفاء النبيّ صلى الله عليه وسلم، ومن بينه وبينه عهد، قاله الحسن. وقال الكلبي: هم خزاعة، وبنو الحارث بن عبد مناف. وقال مجاهد: هي خاصة في الذين آمنوا ولم يهاجروا، وقيل: هي خاصة بالنساء والصبيان. وحكى القرطبي عن أكثر أهل التأويل أنها محكمة. ثم بيّن سبحانه من لا يحلّ برّه، ولا العدل في معاملته فقال: {إِنَّمَا يَنْهَـٰكُمُ ٱللَّهُ عَنِ ٱلَّذِينَ قَـٰتَلُوكُمْ فِى ٱلدّينِ وَأَخْرَجُوكُم مّن دِيَـٰرِكُمْ } وهم صناديد الكفر من قريش {وَظَـٰهَرُواْ عَلَىٰ إِخْرٰجِكُمْ } أي: عاونوا الذين قاتلوكم على ذلك، وهم سائر أهل مكة، ومن دخل معهم في عهدهم، وقوله: {أَن تَوَلَّوْهُمْ } بدل اشتمال من الموصول، كما سلف {وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ ٱلظَّـٰلِمُونَ } أي: الكاملون في الظلم؛ لأنهم تولوا من يستحق العداوة لكونه عدوّاً لله ولرسوله ولكتابه، وجعلوهم أولياء لهم. وقد أخرج ابن المنذر، والحاكم وصححه عن ابن عباس {إِلاَّ قَوْلَ إِبْرٰهِيمَ لأبِيهِ } قال: نهوا أن يتأسوا باستغفار إبراهيم لأبيه، وقوله: {رَبَّنَا لاَ تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لّلَّذِينَ كَفَرُواْ } لا تعذبنا بأيديهم، ولا بعذاب من عندكم، فيقولون لو كان هؤلاء على الحقّ ما أصابهم هذا. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه عنه: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ } قال: في صنيع إبراهيم كله إلاّ في الاستغفار لأبيه، وهو مشرك. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عنه أيضاً في قوله: {لاَ تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لّلَّذِينَ كَفَرُواْ } قال: لا تسلطهم علينا، فيفتنونا. وأخرج ابن مردويه عن الزهري عن أبي سلمة بن عبد الرحمٰن عن أبي هريرة قال: أوّل من قاتل أهل الردّة على إقامة دين الله أبو سفيان بن حرب، وفيه نزلت هذه الآية: {عَسَى ٱللَّهُ أَن يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ ٱلَّذِينَ عَادَيْتُم مّنْهُم مَّوَدَّةً }. وأخرج ابن أبي حاتم عن الزهري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استعمل أبا سفيان بن حرب على بعض اليمن، فلما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم أقبل، فلقي "ذا الخمار" مرتدّاً، فكان أوّل من قاتل في الردّة، وجاهد عن الدّين. قال: وهو فيمن قال الله فيه: {عَسَى ٱللَّهُ أَن يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ ٱلَّذِينَ عَادَيْتُم مّنْهُم مَّوَدَّةً }. وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر، وابن عديّ، وابن مردويه، والبيهقي في الدلائل، وابن عساكر من طريق الكلبي عن أبي صالح، عن ابن عباس في الآية قال: كانت المودّة التي جعل بينهم تزويج النبيّ صلى الله عليه وسلم أمّ حبيبة بنت أبي سفيان، فصارت أمّ المؤمنين، فصار معاوية خال المؤمنين. وفي صحيح مسلم عن ابن عباس أن أبا سفيان قال: يا رسول الله ثلاث أعطنيهنّ، قال: "حديث : نعم"تفسير : ، قال: تؤمرني حتى أقاتل الكفار، كما كنت أقاتل المسلمين، قال: "حديث : نعم"تفسير : ، قال: ومعاوية تجعله كاتباً بين يديك، قال: "حديث : نعم"تفسير : ، قال: وعندي أحسن العرب وأجمله أمّ حبيبة بنت أبي سفيان أزوّجكها الحديث. وأخرج الطيالسي، وأحمد، والبزار، وأبو يعلى، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والنحاس في ناسخه، والحاكم وصححه، وابن مردويه عن عبد الله بن الزبير قال: قدمت قتيلة بنت عبد العزّى على ابنتها أسماء بنت أبي بكر بهدايا: ضباب، وأقط، وسمن، وهي مشركة، فأبت أسماء أن تقبل هديتها، أو تدخلها بيتها حتى أرسلت إلى عائشة أن سلي عن هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسألته، فأنزل الله {لاَّ يَنْهَـٰكُمُ ٱللَّهُ عَنِ ٱلَّذِينَ لَمْ يُقَـٰتِلُوكُمْ فِى ٱلدّينِ } الآية، فأمرها أن تقبل هديتها، وتدخلها بيتها، وزاد ابن أبي حاتم في المدّة التي كانت بين قريش ورسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي البخاري وغيره، عن أسماء بنت أبي بكر قالت: أتتني أمي راغبة، وهي مشركة في عهد قريش إذ عاهدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسألت النبيّ صلى الله عليه وسلم: أأصلها؟ فأنزل الله: {لاَّ يَنْهَـٰكُمُ ٱللَّهُ } الآية، فقال:«حديث : نعم صلي أمك».

الماوردي

تفسير : {قد كانت لكم أسوة حسنة} ذكر الكلبي والفراء أنه أراد حاطب بن أبي بلتعة، وفيها وجهان: أحدهما: سنة حسنة، قاله الكلبي. الثاني: عبرة حسنة، قاله ابن قتيبة. {في إبراهيم والذين معه} من المؤمنين. {إذ قالوا لقومهم} يعني من الكفار. {إنا برءاء منكم ومما تعبدون من دون الله} فتبرؤوا منهم فهلا تبرأت أنت يا حاطب من كفار أهل مكة ولم تفعل ما فعلته من مكاتبتهم وإعلامهم. ثم قال: {كفرنا بكم} يحتمل وجهين: أحدهما: كفرنا بما آمنتم به من الأوثان. الثاني: بأفعالكم وكذبنا بها. {وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبداً حتى تؤمنوا بالله وحده إلا قول إبراهيم لأبيه لأستغفرن لك...} فيه وجهان: أحدهما: تأسوا بإبراهيم في فعله واقتدوا به إلا في الاستغفار لأبيه فلا تقتدوا به فيه، قاله قتادة. الثاني: معناه إلا إبراهيم فإنه استثنى أباه من قومه في الاستغفار له، حكاه الكلبي. {ربنا لا تجعلنا فتنة للذين كفروا} فيه تأويلان: أحدهما: معناه لا تسلطهم علينا فيفتنونا، قاله ابن عباس. الثاني: لا تعذبنا بأيديهم ولا بعذاب من عندك فنصير فتنة لهم فيقولوا لو كانوا على حق ما عذبوا، قاله مجاهد، وهذا من دعاء إبراهيم عليه السلام.

ابن عبد السلام

تفسير : {قَدْ كَانَتْ لَكُمْ} يا حاطب أسوة حسنة أو عبرة حسنة فهلا تبرأت يا حاطب من كفار مكة كما تبرأ إبراهيم والمؤمنون معه {إِلا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ} إلا استغفاره فلا تقتدوا به فيه، أو إلا إبراهيم فإنه استثنى أباه من قومه في الاستغفار له.

الثعالبي

تفسير : وقوله تعالى: {قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ} أي: قدوة {فِى إِبْرٰهِيمَ}: الخليل {وَٱلَّذِينَ مَعَهُ}: قيل: مَنْ آمن به مِنَ الناس، وقال الطبريُّ وغيره: {وَٱلَّذِينَ مَعَهُ}: هم الأنبياء المعاصرون له أو قريباً من عصره، قال * ع *: وهذا أرجح؛ لأَنَّهُ لم يُرْوَ أَنَّ لإبراهيم أتباعاً مؤمنين في وقتِ مكافحته نمروداً، وفي البخاريِّ: أنه قال لسارةَ حين رحل بها إلى الشام مهاجراً من بلد النمرود: ما على الأرض مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ غيري وغيرُك، وهذه الأُسْوَةُ مُقَيَّدَةٌ في التبري من المشركين وإشراكهم، وهو مُطَّرِدٌ في كل مِلَّةٍ، وفي نبينا مُحَمَّدٍ ـــ عليه السلام ـــ أسوةٌ حسنةٌ على الإطلاق في العقائد وفي أحكام الشرع كُلِّها. وقوله: {كَفَرْنَا بِكُمْ} أي: كذبناكم في عبادتكم الأصنامَ. وقوله: {إِلاَّ قَوْلَ إِبْرٰهِيمَ لأَبِيهِ} يعني: تأسوا بإبراهيم، إلاَّ في استغفاره لأبيه، فلا تتأسوا به فتستغفروا للمشركين، لأَنَّ استغفاره إنَّما كانَ عَنْ موعدةِ وعدها إيَّاهُ؛ وهذا تأويل قتادة، ومجاهد، وعطاءِ الخُرَاسَانِيِّ وغيرهم. وقوله: {رَّبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا} إلى قوله: {إِنَّكَ أَنتَ ٱلعَزِيزُ ٱلحَكِيمُ} هو حكاية عن قول إبراهيم والذين معه، وهذه الألفاظ بَيِّنَةٌ مِمَّا تقدم في آي القرآن. وقوله: {رَبَّنَا لاَ تَجْعَلْنَا فِتْنَةً} قيل: المعنى: لا تغلبهم علينا، فنكونَ لهم فتنةً وسَبَبَ ضلالةٍ؛ نحا هذا المنحى قتادةُ وأبو مِجْلَزٍ، وقد تقدم مُسْتَوفًى في سورة يونس، وقال ابن عباس: المعنى: لا تسلِّطْهم علينا فيفتنونا عَنْ أدياننا، فكأَنَّه قال: لا تجعلنا مفتونين، فَعَبَّرَ عن ذلك بالمصدر، وهذا أرجح الأقوال؛ لأَنَّهُمْ إنَّما دعوا لأَنْفُسِهِم، وعلى منحى قتادة: إنما دعوا للكفار، أَمَّا أَنَّ مقصدَهم إنما هو أَنْ يندفع عنهم ظهورُ الكُفَّارِ الذي بسببه فِتَنُ الكُفَّارِ، فجاء في المعنى تحليقٌ بليغ.

ابن عادل

تفسير : قوله تعالى: {قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِيۤ إِبْرَاهِيمَ} الآية. لما نهى عن مُوالاةِ الكُفَّار ذكر قصة إبراهيم، وأن من سيرته التَّبرؤ من الكُفَّار، أي: فاقتدوا به إلاَّ في الاستغفار لأبيه. والأسْوَةُ والإسوةُ ما يتأسّى به مثل القُدوة والقِدوة، ويقال: هو أسوتك أي مثلك وأنت مثله وتقدم قراءة "أسوة" في سورة "الأحزاب" والكلام على مادتها. قوله: {فِيۤ إِبْرَاهِيمَ}. في أوجه: أحدها: أنه متعلق بـ"أسوة"، تقول: لي أسوة في فلان، ومنع أبو البقاء أن يتعلق بها لأنها قد وصفت. وهذا لا يبالى به لأنه يغتفر في الظرف ما لا يغتفر في غيره. الثاني: أنه متعلق بـ"حسنة" تعلق الظرف بالعامل. الثالث: أنه نعتٌ ثانٍ لـ"أسوة". الرابع: أنه حال من الضمير المستتر في "حسنة". الخامس: أن يكون خبر "كَانَ" و "لَكُمْ" تبيين. قوله: {وَٱلَّذِينَ مَعَهُ} يعني أصحاب إبراهيم من المؤمنين. وقال ابن زيدٍ: هم الأنبياء. قوله: {إِذْ قَالُواْ}. فيه وجهان: أحدهما: أنه خبر "كان". والثاني: أنه متعلق بخبرها. قالهما أبو البقاء. ومن جوز في "كان" أن تعمل في الظرف علقه بها، والمراد بقومهم: الكفار. قوله: {إِنَّا بُرَءآؤ}. هذه قراءة العامة - بضم الباء وفتح الراء وألف بين همزتين - جمع "بريء"، نحو "كرماء" في نحو "كريم". وعيسى أيضاً وأبو جعفر بضم الباء وهمزة بعد ألف. وفيه أوجه: أحدها: أنه جمع بريء أيضاً، والأصل كسر الباء، وإنما أبدل من الكسرة ضمَّة كـ"رُخَال، ورُبَاب" قاله الزمخشري. الثاني: أنه جمع "بريء" أيضاً وأصله: "برآء" كالقراءة المشهورة إلاَّ أنه حذف الهمزة الأولى تخفيفاً. قاله أبو البقاء. الثالث: أنه اسم جمع لـ"بريء" نحو: "تؤام، وظؤار" اسمي جمع لـ"توأم، وظِئْر". وقرأ عيسى أيضاً بفتح الباء وهمزة بعد ألف، كالتي في "الزخرف"، وصح ذلك لأنه مصدر، والمصدر يقع على الجمع كوقوعه على الواحد. قال الزمخشري: "والبراء والبراءة كالظماء والظماءة". وقال مكي: وأجاز أبو عمرو وعيسى بن عمر: "بِراء" - بكسر الباء - جعلاه كـ "كريم وكرام". قال القرطبي: هو على وزن "فِعَال" مثل: "قِصَار وقصير"، و "طِوَال وطويل" و "ظراف وظريف" ويجوز ترك الهمزة حتى تقول برآ وتنون. وأجاز الفراء: بفتح الباء، ثم قال: "وبراءُ" في الأصل مصدر. كأنه لم يطلع على أنها قراءة منقولة. فصل في الاقتداء بسيدنا إبراهيم. قال القرطبي: "الآية نصّ في الأمر بالاقتداء بإبراهيم - عليه الصلاة والسلام - في فعله، وذلك يدلّ على أن شرع من قبلنا شرع لنا فيما أخبر الله ورسوله". قوله: {كَفَرْنَا بِكُمْ}، أي بما آمنتم به من الأوثان. وقيل: بأفعالكم وكذبناها وأنكرنا أن يكونوا على حق، {وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ ٱلْعَدَاوَةُ وَٱلْبَغْضَآءُ أَبَداً} أي: هذا دأبنا معكم ما دمتم على كفركم حتى تؤمنوا بالله وحده، فحينئذ تنقلب المعاداةُ موالاة. فإن قيل: ما الفائدة في قوله: {تُؤْمِنُواْ بِٱللَّهِ وَحْدَهُ}، والإيمان إنما هو باللَّهِ وبغيره كقوله: {أية : كُلٌّ آمَنَ بِٱللَّهِ وَمَلاۤئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ}تفسير : [البقرة: 285]. فالجواب: أن الإيمان بالله وحده مستلزمٌ للإيمان بالملائكة والكتب والرسل. قوله: {إِلاَّ قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ} فيه أوجه: أحدها: أنه استثناء متصل من قوله: "في إبراهيم" ولكن لا بد من حذف مضاف ليصح الكلام، تقديره: في مقالات إبراهيم إلا قوله كيت وكيت. الثاني: أنه مستثنى من {أًسْوَةٌ حَسَنَةٌ} وجاز ذلك؛ لأن القول أيضاً من جملة الأسوة؛ لأن الأسوة الاقتداء بالشخص في أقواله وأفعاله، فكأنه قيل: لكم فيه أسوة في جميع أحواله من قول وفعل إلا قوله كذا. وهذا واضح؛ لأنه غير مُحوجٍ إلى تقدير مضاف وغير مخرجٍ للاستثناء من الاتصال الذي هو أصله إلى الانقطاع، ولذلك لم يذكر الزمخشري غيره. قال: فإن قلت: ممَّ استثني قوله: {إِلاَّ قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ} قلت: من قوله "أسْوةٌ حسَنةٌ"؛ لأنه أراد بالأسوة الحسنة قولهم الذي حق عليهم أن يتأسَّوا به، ويتخذوه سنة يستنون بها. فإن قلت: فإن كان قوله "لأسْتغفِرنَّ لَكَ" مستثنى من القول الذي هو "أسْوةٌ حَسَنةٌ" فما بال قوله: {وَمَآ أَمْلِكُ لَكَ مِنَ ٱللَّهِ مِن شَيْءٍ} وهو غير حقيق بالاستثناء، ألا ترى إلى قوله: {أية : قُلْ فَمَن يَمْلِكُ لَكُمْ مِّنَ ٱللَّهِ شَيْئاً}تفسير : [الفتح: 11]. قلت: أراد استثناء جملة قوله: "لأبيهِ" والقصد إلى موعد الاستغفار له، وما بعده مبني عليه وتابع له، كأنه قال: أنا أستغفر لك، وما في طاقتي إلاَّ الاستغفار. الثالث: قال ابن عطية: "ويحتمل أن يكون الاستثناء من التَّبري والقطيعة التي ذكرت أي: لم تبق صلة إلا كذا، والله أعلم". الرابع: أنه استثناء منقطع، أي: لكن قول إبراهيم. وهذا بناء من قائليه على أنَّ القول لم يندرج تحت قوله: "أسْوَةٌ"، وهو ممنوع. فصل قال القرطبي: معنى قوله: {إِلاَّ قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ لأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ} أي: فلا تتأسَّوا به في الاستغفار، فتستغفرون للمشركين، فإنه كان عن موعدة منه له. قاله قتادة ومجاهد وغيرهما. وقيل: معنى الاستثناء أن إبراهيم هجر قومه وباعدهم إلا في الاستغفار لأبيه، ثم بين عذره في سورة "التوبة"، وفي هذا دلالة على تفضيل نبيِّنا صلى الله عليه وسلم على سائر الأنبياء؛ لأنا حين أمرنا بالاقتداء به أمِرْنا أمراً مطلقاً في قوله: {أية : وَمَآ آتَاكُمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَٱنتَهُواْ}تفسير : [الحشر: 7]، وحين أمرنا بالاقتداء بإبراهيم عليه السلام استثني بعض أفعاله، وذلك إنما جرى؛ لأنه ظن أنه أسلم، فلما بان أنه لم يسلم تبرَّأ منه، وعلى هذا يجوز الاستغفار لمن يظن أنه أسلم، وأنتم لم تجدوا مثل هذا الظَّن فلم توالوهم؟. قوله: {وَمَآ أَمْلِكُ لَكَ مِنَ ٱللَّهِ مِن شَيْءٍ} هذا من قول إبراهيم لأبيه، أي: ما أدفع عنك من عذاب الله شيئاً إن أشركت به. قوله: {رَّبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا}. يجوز أن يكون من مقول إبراهيم والذين معه، فهو من جملة الأسوة الحسنة، وفصل بينهما بالاستثناء، ويجوز أن يكون منقطعاً مما قبله على إضمار قول، وهو تعليم من الله تعالى لعباده، كأنه قال لهم: قولوا: {رَّبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا} أي: اعتمدنا {وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا} أي: رجعنا {وَإِلَيْكَ ٱلْمَصِيرُ} أي: الرجوع في الآخرة. {رَبَّنَا لاَ تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ}. أي: ولا تظهر عدوَّنا علينا، فيظنوا أنهم على حقّ. فيفتنوا بذلك وقيل: لا تسلّطهم علينا، فيقتلوننا ويعذبوننا. وقال مجاهد: لا تعذبنا بأيديهم، ولا بعذاب من عندك، فيقولوا لو كان هؤلاء على الحق لما أصابهم ذلك. وقيل: لا تبسط [عليهم] الرزق دوننا، فإن ذلك فتنة لهم. وقيل: {لاَ تَجْعَلْنَا فِتْنَةً} أي: عذاباً أي: سبباً يعذب به الكفرة، وعلى هذا ليست الآية من قول إبراهيم - عليه الصلاة والسلام: {وَٱغْفِرْ لَنَا رَبَّنَآ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ}. قوله تعالى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ} أي: في إبراهيم ومن معه من الأنبياء والأولياء "أسْوةٌ حَسَنةٌ" أي: في التَّبرِّي من الكُفَّار. وقيل: كرر للتأكيد. وقيل: نزل الثاني بعد الأول بمدة. قال القرطبي: وما أكثر المكررات في القرآن على هذا الوجه. قوله: {لِّمَن كَانَ يَرْجُو ٱللَّهَ}. بدل من الضمير في "لكُمْ" بدل بعض من كل، وقد تقدَّم مثله في "الأحزاب". والضمير في "فيهم" عائد على "إبراهيم" ومن معه، وكررت "الأسوة" تأكيداً. وفيه بيان أن هذه الأسوة لمن يخاف الله، ويخاف عذاب الآخرة، {وَمَن يَتَوَلَّ} أي: يعرض عن الإيمان ويتول الكُفَّار {فَإِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْغَنِيُّ} عن خلقه، أي: لم يتعبدهم لحاجته إليهم {ٱلْحَمِيدُ} إلى أوليائه وأهل طاعته. وقيل: الحميد في نفسه وصفاته. قوله تعالى: {عَسَى ٱللَّهُ أَن يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ ٱلَّذِينَ عَادَيْتُم مِّنْهُم مَّوَدَّةً}. قال المفسرون: لمَّا نزلت الآية الأولى عادى المسلمين أقرباؤهم من المشركين، فعلم الله شدّة وجد المسلمين في ذلك فنزلت: {عَسَى ٱللَّهُ أَن يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ ٱلَّذِينَ عَادَيْتُم مِّنْهُم مَّوَدَّةً} أي: من كفار "مكة"، وقد فعل الله ذلك؛ لأن "عَسَى" من الله وعد، ولا يخلف الله وعدهُ، وهذا بأن يسلم الكافر، وقد أسلم قوم منهم بعد فتح "مكة"، وخالطهم المسلمون كأبي سفيان بن حرب، والحارث بن هشام، وسهيل بن عمرو، وحكيم بن حزام. وقيل: المودة تزويج النبي صلى الله عليه وسلم أم حبيبة بنت أبي سفيان فلانت عندئذ عريكة أبي سفيان. قال ابن عبَّاس رضي الله عنهما: كانت المودّة بعد الفتح تزويج النبي صلى الله عليه وسلم أمَّ حبيبة بنت أبي سفيان قال ابن عباس: وكانت تحت عبد الله بن جحشٍ، وكانت هي وزوجها من مهاجرة الحبشة، فأما زوجها فتنصَّر، وسألها أن تتابعه على دينه، فأبت وصبرت على دينها، ومات زوجها على النصرانية، فبعث النبي صلى الله عليه وسلم إلى النجاشي فخطبها، فقال النجاشي لأصحابه: من أولاكم بها؟ قالوا: خالد بن سعيد بن العاص، قال: فزوجها من نبيكم ففعل وأمهرها النجاشي من عنده أربعمائة دينار. وقيل: خطبها النبي صلى الله عليه وسلم إلى عثمان بن عفَّان، فلما زوجه إياها بعث النبي صلى الله عليه وسلم إلى النجاشي فيها، فساق عنه المهر، وبعث بها إليه، فقال أبو سفيان وهو مشرك لما بلغه تزويج النبي صلى الله عليه وسلم ابنته: وذلك الفحل لا يقدع أنفه. قال ابن الأثير: "يقال: قدعت الفحل وهو أن يكون غير كريم، فإذا أراد ركوب الناقة الكريمة ضرب أنفه بالرمح وغيره حتى يرتدع وينكبّ، ويروق بالراء".

البقاعي

تفسير : ولما أبلغ سبحانه في وعظهم في ذلك، وكانت عادته التربية بالماضين، كان موضع توقع ذلك فقال معبراً بأداة التوقع: {قد كانت} أي وجدت وجوداً تاماً، وكان تأنيث الفعل إشارة إلى الرضا بها ولو كانت على أدنى الوجوه {لكم} أي أيها المؤمنون {أسوة} أي موضع اقتداء وتأسية وتسنن وتشرع وطريقة مرضية {حسنة} يرغب فيها {في إبراهيم} أي في قول أبي الأنبياء {والذين معه} أي ممن كانوا قبله من الأنبياء، قال القشيري: وممن آمن به في زمانه كابن أخيه لوط عليهما الصلاة والسلام وهم قدوة أهل الجهاد والهجرة {إذ} أي حين {قالوا} وقد كان من آمن به أقل منكم وأضعف {لقومهم} الكفرة، وقد كانوا أكثر من عدوكم وأقوى وكان لهم فيهم أرحام وقرابات ولهم فيهم رجاء بالقيام والمحاولات. ولما كان ما ذكر من ضعفهم وقوة قومهم مبعداً لأن يبارزوهم، أكدوا قولهم فقالوا: {إنا} أي من غير وقفة ولا شك {برءاء} أي متبرئون تبرئة عظيمة {منكم} وإن كنتم أقرب الناس إلينا ولا ناصر لنا منهم غيركم. ولما تبرؤوا منهم أتبعوه ما هو أعظم عندهم منهم وهو سبب العداوة فقالوا: {ومما تعبدون} أي توجدون عبادته في وقت من الأوقات الماضية المفيد التعبير عنها بالمضارع تصوير الحال أو الحاضرة أو الآتية كائناً من كان لا نخاف شيئاً من ذلك لأن إلهنا الذي قاطعنا كل شيء في الانقطاع إليه لا يقاويه شيء، ولا تقدرون أنتم مع إشراككم به على البراءة منه. ولما كانوا مشركين قالوا مستثنين ومبينين لسفول كل شيء عن متعالي مرتبة معبودهم: {من دون الله} أي الملك الأعظم الذي هو كاف لكل مسلم. ولما كانت البراءة على أنحاء كثيرة، بينوا أنها براءة الدين الجامعة لكل براءة فقالوا: {كفرنا بكم} أي أوجدنا الستر لكل ما ينبغي ستره حال كوننا مكذبين بكل ما يكون من جهتكم من دين وغيره الذي يلزم منه الإيمان، وهو إيقاع الأمان من التكذيب لمن يخبرنا بسبب كل ما يضاده مصدقين بذلك. ولما كان المؤمن على جبلة مضادة لجبلة الكافر، عبر بما يفهم أن العداوة كانت موجودة ولكنها كانت مستورة، فقال دالاً على قوتها بتذكير الفعل: {وبدا} أي ظهر ظهوراً عظماً، وعلى عظمتها بالدلالة بنزع الخافض على أنها شاحنة لجميع البينين فقال: {بيننا وبينكم} أي في جمع الحد الفاصل بين كل واحد منا وكل واحد منكم {العداوة} وهي المباينة في الأفعال بأن يعدو كل على الآخر ولا يكون ذلك إلا عندما يستخف الغيظ الإنسان لإرادة أن يشفي صدره من شدة ما حصل له من حرارة الخنق. فالعداوة مما يمتد فيكون مالئة لظرفها، قال الشيخ سعد الدين التفتازاني في تلويحه على توضيح صدر الشريعة في أوائله في علاقات المجاز: الفعل المنسوب إلى ظرف الزمان بواسطة تقدير "في" دون ذكره يقتضي كون الظرف معياراً له غير زائد عليه مثل صمت الشهر، يدل على صوم جميع أيامه بخلاف صمت في الشهر، فإذا امتد الفعل الظرف ليكون معياراً له فيصح حمل اليوم - في نحو صرت يوم كذا - على حقيقته، وهو ما يمتد من الطلوع إلى الغروب، وإذا لم يمتد الفعل - يعني مثل وقوع الطلاق - لم يمتد الظرف، لأن الممتد لا يكون معياراً لغير الممتد فحينئذ لا يصح حمل اليوم على النهار الممتد بل يجب أن يكون مجازاً عن جزء من الزمان الذي لا يعتبر في الغرف ممتداً، وهو الآن سواء كان من النهار أو من الليل بدليل قوله تعالى: {أية : ومن يولهم يومئذ دبره}تفسير : [الأنفال: 16] فإن التولي عن الزحف حرام ليلاً كان أو نهاراً ولأن مطلق الآن جزء من الآن اليومي وهو جزء من اليوم، فيكون مطلق الآن جزءاً من اليوم، فتحقق العلاقة. ولما كان ذلك قد يكون لغير البغض بل لتأديب ونحوه قالوا: {والبغضاء} أي وهي المباينة بالقلوب بالبغض العظيم. ولما كان ذلك قد يكون سريع الزوال قالوا: {أبداً} ولما كان ذلك مرئياً من صلاح الحال، وكان قد يكون لحظ نفس بينوا غايته على وجه عرفت به علته بقولهم: {حتى تؤمنوا} أي توقعوا الأمان من التكذيب من أمركم بالإيمان وأخبركم عن الرحمان، حال كونكم مصدقين ومعترفين {بالله} أي الملك الذي له الكمال كله. ولما كانوا يؤمنون به مع الإشراك قالوا: {وحده} أي تكونوا مكذبين بكل ما يعبد من دونه. ولما حث سبحانه المخاطبين على التأسي بقوله إبراهيم ومن معه في الوقت عليهم السلام استثنى منه فقال تأنيساً لمن نزلت القصة بسببه واستعطافاً له وهو حاطب ابن أبي بلتعة رضي الله عنه: {إلا قول إبراهيم} أي فلا تأسي لكم به {لأبيه} واعداً له قبل أن يبين له أنه ثابت العداوة لله تعالى لكونه مطبوعاً على قلبه، فلا صلاح له، يقال: إن أباه وعده أنه يؤمن فاستغفر له، فلما تبين له، أنه لا يؤمن تبرأ منه: {لأستغفرن} أي لأوجدن طلب الغفران من الله {لك} فإن هذا الاستغفار لكافر، فلا ينبغي لهم أن يتأسوا به فيه مطلقاً غير ناظرين إلى علم أنه مطبوع على قلبه أو في حيز الرجوع. ولما وعده بالاستغفار ترغيباً له، رهبه لئلا يترك السعي في النجاة بما معناه أنه ليس في يدي غير الاستغفار، فقال: {وما أملك لك} أي لكونك كافراً {من الله} أي لأنه الملك الأعلى المحيط بنعوت الجلال، وأعرق في النفي بقوله: {من شيء} والاستثناء وقع على هذا القول بقيد الاجتماع، ولا يلزم منه التعرض للأجزاء، فلا تكون هذه الجملة على حيالها مستثناة لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما نادى:حديث : واصباحاه حين أنزل الله سبحانه وتعالى {وأنذر عشيرتك الأقربين} كان يقول لكل من سماه: لا أملك لك من الله شيئاً، حتى قال في آخر ذلك: يا فاطمة بنت محمد! سليني من مالي ما شئت لا أغن عنك من الله شيئاً . تفسير : ولما حثهم على التأسي بقول الخلص، وقدم منه المحافاة لأنها المقصودة، واستثنى ما لا ينبغي التأسي فيه اعتراضاً به بين أجزاء مقالهم بياناً للاهتمام به للتنفير منه من قوله، أتم ما يؤيسي فيه فقال مبيناً أنهم ما أقدموا على مجافاتهم بما قال إلا وقد قرروا جميع ما يقولونه ورضوا به دون موادتهم وانقطعوا إلى الله وحده انقطاعاً تاماً يفعل بهم ما يشاء من تسليطهم عليهم أو حمايتهم منهم، لكنهم سألوا الحماية لا لذاتها ولا لأنفسهم بل لئلا يزيد ذلك أعداءهم ضلالاً {ربنا} أي أيها المحسن إلينا بتخليصك لنا من الهلاك باتباعهم {عليك} أي لا على غيرك {توكلنا} أي فعلنا في جميع أمورنا معك فعل من يحملها على قوى ليكفيه أمرها لأنا نعلم أنك تكفي إذا شئت كل ملم، وأنه لا يذل من والتي ولا يعز من عاديت وقد عادينا فيك قوماً عتاة أقوياء ونحن ضعفاء، ورضينا بكل ما يحصل لنا منهم غير أن عافيتك هي أوسع لنا. ولما كان الذي ينبغي لكل أحد وإن كان محسناً أن يعد نفسه مقصراً شارداً عن ربه لأنه لعظم جلاله لا يقدر أحد أن يقدره حق قدره، وأن يعزم على الاجتهاد في العبادة قالوا مخبرين بذلك عادين ذلك العزم رجوعاً: {وإليك} أي وحدك لا إلى غيرك {أنبنا} أي رجعنا بجميع ظواهرنا وبواطننا. ولما كان المعنى تعليلاً: فإنه منك المبدأ، عطف عليه قوله: {وإليك} أي وحدك {المصير *} ولما أخبروا بإسلامهم له سبحانه وعللوه بما اقتضى الإحاطة فاقتضى مجموع ذلك الثناء الأتم، فلزم منه الطلب، صرحوا به فقالوا داعين بإسقاط الأداة للدلالة على غاية قربه سبحانه بما له من الإحاطة: {ربنا} أي أيها المربي لنا والمحسن إلينا {لا تجعلنا} بإضعافنا والتسليط علينا {فتنة} أي موضع اختبار {للذين كفروا} بأن يعذبونا بعذاب يميلنا عما نحن عليه ويميلهم عما وصلوا إليه بسبب إسلامنا من الزلازل بما يوجب ذلك لهم من اعتقاد لو أنك كنت راضياً بديننا لكنا على الحق وكانوا هم على الباطل ما أمكنت منا، فيزيدهم ذلك طغياناً ظناً منهم أنهم على الحق وأنا على الباطل. ولما كان رأس مال المسلم الأعظم الاعتراف بالتقصير وإن بلغ النهاية في المجاهدة فإن الإله في غاية العظمة والبعد في نهاية الضعف، فبلوغه ما يحق له سبحانه لا يمكن بوجه قالوا {واغفر لنا} أي استر ما عجزنا فيه وامح عينه وأثره. ولما طلبوا منه الحياطة من جميع الجوانب، عللوه زيادة في التضرع والخضوع واستجاز المطلوب مكررين صفة الإحسان زيادة في الترقق والاستعطاف بقولهم: {ربنا} أي المحسن إلينا، وأكدوا إعلاماً بشدة رغبتهم بحسن الثناء عليه سبحانه واعترافاً بأنهم قد يفعلون ما فيه شيء من تقصير فيكون من مثل أفعال من لا يعرفه سبحانه فقالوا: {إنك أنت} أي وحدك لا غيرك {العزيز} الذي يغلب كل شيء ولا يغلبه شيء {الحكيم *} الذي يضع الأشياء في أوفق محالها فلا يستطاع نقضها، ومن كان كذلك فهو حقيق بأن يعطى من أمله فوق ما طلب.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِيۤ إِبْرَاهِيمَ} [الآية: 4]. قال ابن عطاء: الأسوة القدوة بالخليل فى الظاهر من الأخلاق الشريفة وهى السخاء وحسن الخلق واتباع ما أمر به على الطرب وفى الباطن الإخلاص لله فى جميع الأفعال والإقبال عليه فى كل الأوقات وطرح الكل فى ذات الله ألا ترى النبى صلى الله عليه وسلم كيف مدح من أخلص وجرّد بقوله: "حديث : أصدق كلمة تكلمت بها العرب كلمة لبيد: ألا كل شىء ما خلا الله باطل"تفسير : . الإشارة إلى الكون وما فيه. قوله تعالى: {أية : لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ ٱللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} تفسير : [الأحزاب: 21]. سمعت منصور بن عبد الله يقول: سمعت أبا القاسم البزاز يقول: قال ابن عطاء: فى الظاهر والعبارات، دون البواطن والأسرار، لأن أسراره لا يطيق من الخلق أحد، لأنه باين الأمة بالمكان، ووقع الصفة عليه، لذلك قال النبى صلى الله عليه وسلم لأنس بن مالك: "احفظ سرى".

البقلي

تفسير : قوله تعالى {قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِيۤ إِبْرَاهِيمَ} اسوة ابراهيم خلة الله والتبرئ مما دون الله والتخلق بخلق الله والتاوه والبكاء من شوق الله قال ابن عطا الاسوة القدوة بالخليل فى الظاهر الاخلاق الشريفة وهو السخاوة وحسن الخلق واتباع ما امر به على الطرب وفى الباطن الاخلاص لله فى جميع الافعال والاقبال عليه فى كل الاوقات وطرح الكل فى ذات الله.

اسماعيل حقي

تفسير : {قد كانت لكم} أيها المؤمنون {اسوة حسنة} قال الراغب الاسوة والاسوة كالقدوة والقدوة هى الحالة التى يكون الانسان عليها فى اتباع غيره ان حسنا وان قبيحا وان سارا وان ضارا والاسى الحزن وحقيقته اتباع الفائت بالغم والمعنى خصلة حميدة حقيقة بأن يؤتسى ويقتدى بها ويتبع اثرها وقوله اسوة اسم كانت ولكم خبرها وحسنة صفة اسوة مقيدة ان عمت الاسوة المحمودة والمذمومة وكاشفة مادحة ان لم تعم {فى ابراهيم والذين معه} اى من اصحابه المؤمنين صفة ثانية لاسوة وقولهم لى فى فلان اسوة اى قدوة من باب التجريد لا ان فلانا نفسه هو القدوة ويجوز أن يكون على حذف المضاف اى لى فى سنته وافعاله واقواله وقيل المراد الانبياء الذين كانوا فى عصره وقريبا منه قال ابن عطية وهذا القول ارجح لانه لم يرد أن ابراهيم كان له اتباع مؤمنون فى مكافحة نمرود وفى البخارى انه قال لسارة حين رحل به الى الشأم مهاجرا بلاد نمرود ماعلى الارض من يعبد الله غيرى وغيرك {اذ قالوا} ظرف لخبر كان ومعمول له او لكان نفسها عند من جوز عملها فى الظرف وهو الاصح {لقومهم} الكفار {انا برءآؤا منكم} جميع بريىء كظريف وظرفاء يعنى مابيزاريم ازشما {ومما تعبدون من دون الله} من اصنام اظهروا البرآءة او لامن انفسهم مبالغة وثانيا من عملهم الشرك اذ المقصود من البرءآة اولا من معبودهم هو البرآءة من عبادته ويحتمل أن تكون البرآءة منهم أن لايصاحبوهم ولا يخالطوهم ومن معبودهم أن لايقربوا منه ولا يلتفتوا نحوه ويحتمل أن تكون البرآءة منهم بمعنى البرآءة من قرابتهم لان الشرك يفصل بين القرابات ويقطع الموالاة وحاصل الآية هلا فعلتم كما فعل ابراهيم حيث تبرأ من أبيه وقومه لكفرهم وكذا المؤمنون {كفرنا بكم} اى بدينكم على اضمار المضاف والكفر مجاز عن عدم الاعتداد والجحد والانكار فان الدين الباطل ليس بشىء اذ الدين الحق عند الله هو الاسلام {وبدا} بدا الشىء بدوا وبدآء اى ظهر ظهورا بينا والبادية كل مكان يبدو مايعن فيه اى يعرض {بيننا} ظرف لبدا {وبينكم العداوة والبغضاء ابدا} اى هذا دأبنا معكم لانتركه والبغض ضد الحب (وقال الكاشفى) وآشكار اشد ميان ماوشماد شمنى بدل ودشمنى بدست يعنى محاربه ابدا هميشه يعنى بيوسته دشمنى قائم خواهد بود درميان بدل ودست {حتى} غاية لبدا {تؤمنوا بالله وحده} وتتركوا ما أنتم عليه من الشرك فتنقلب العداوة حنيئذ ولاية والبغضاء محبة والمقت مقة والوحشة الفة فالبغض نفور النفس من الشىء الذى ترغب عنه والحب انجذاب النفس الى الشىء الذى ترغب فيه فان قلت ماوجه قوله {حتى تؤمنوا بالله وحده} ولا بد فى الايمان من الايمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر قلت الايمان بالله فى حال وحدته يستلزم الايمان بالجميع مع ان المراد الوحدة الالهية ردا للاصنام قال بعض المشايخ اسوة ابراهيم خلة الله والتبرى مما دون الله والتخلق بخلق الله والتأوه والبكاء من شوق الله وقال ابن عطاء رحمه الله الاسوة القدوة بالخليل فى الظاهر من الاخلاق الشريفة وهو السخاء وحسن الخلق واتباع ما امر به على الكرب وفى الباطن الاخلاص فى جميع الافعال والاقبال عليه فى كل الاوقات وطرح الكل فى ذات الله تعالى واسوة رسول الله عليه السلام فى الظاهر العبادات دون البواطن والاسرار لان اسراره لايطيقها أحد من الخلق لانه باين الامة بالمكان ليلة المعراج ووقع عليه تجلى الذات شعر : سيهدار رسل سرخيل دركاه سرير افروز ملك لى مع الله تفسير : {الا قول ابراهيم لأبيه} آزر {لأستغفرن لك} يا أبى استثناء من قوله تعالى {أسوة حسنة} فان استغفاره عليه السلام لأبيه الكافر وان كان جائزا عقلا وشرعا لو قومه قبل تبين انه من اصحاب الجحيم كما نطق به النص لكنه ليس مما ينبغى أن يؤتسى به اصلا اذ المراد به مايجب الائتساء به حتما لورود الوعيد على الاعراض عنه بما سيأتى من قوله تعالى {أية : ومن يتولى فان الله هو الغنى الحميد}تفسير : فاستثناؤه من الاسوة انما يفيد عدم استدعاء الايمان والمغفرة للكافر المرجو ايمانه وذلك لايرتاب فيه عاقل واما عدم جوازه فلا دلالة للاستنثاء عليه قطعا وحمل الأب على العم يخالف العقل والنقل لان الله تعالى يخرج الحى من الميت والعبرة بالحسب لا بالنسب وعن على رضى الله عنه شرف المرء بالعلم والأدب لا بالاصل والنسب شعر : هنر بنماى اكر دارى نه كوهر كل از خارست وابراهيم از آزر تفسير : {وما املك لك من الله من شىء} من تمام القول المستثنى فمحله النصب على انه حال من فاعل لاستغفرن لكم اى استغفر لك وليس فى طاقتى الا الاستغفار دون منع العذاب ان لم تؤمن فمورد الاستثناء نفس الاستغفار لا قيده الذى هو فى نفسه من خصال الخير لكونه اظهارا للعجز وتفويضا للامر الى الله تعالى وفى هذه الآية دلالة بينه على تفضيل نبيه محمد عليه السلام وذلك انه حين امر بالاقتدآء به امر على الاطلاق ولم يستثن فقال وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا وحين امر بالاقتدآء بابراهيم استثنى وايضا قال تعالى فى سورة الاحزاب {أية : لقد كان لكم فى رسول الله اسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا}تفسير : فأطلق الاقتدآء ولم يقيده بشىء (قال الصائب) شعر : هلاك حسن خدا داد او شوم كه سرابا جو شعر حافظ شيرازى انتخاب ندارد تفسير : {ربنا} الخ من تمام مانقل عن ابراهيم ومن معه من الاسوة الحسنة {عليك توكلنا} اعتمدنا يعنى از خلق بريديم واعتماد كلى بر كرم تونموديم {واليك أنبنا} رجعنا بالاعتراف بذنوبنا وبالطاعة {واليك المصير} اى الرجوع فى الآخرة وتقديم الجار والمجرور لقصر التوكل والانابة والمصير على الله تعالى شعر : سوى توكدريم روى ودل بتو بستيم زهمه باز آمديم وباتو نشستيم هرجه نه بيوند يار بود بربديم هرجه نه بيمان دوست بود كستيم تفسير : قالوا بعد لمجاهدة وشق العصا التجاء الى الله تعالى فى جميع امورهم لاسيما فى مدافعة الكفرة وكفاية شرورهم كما ينطق به قوله تعالى {ربنا لاتجعلنا فتنة للذين كفروا} بأن تسلطهم علينا فيفتنونا بعذاب لا نطيقه فالفتنة بمعنى المفعول وربنا بدل من الاول وكذا قوله ربنا فيما بعده وقال بعضهم ربنا لاتجعلنا فتنة للذين كفروا فتقتر علينا الرزق وتبسطه عليهم فيظنوا انهم على الحق ونحن على الباطل {واغفر لنا} مافرط منا من الذنوب والا كان سببا لظهور العيوب وباعثا للابتلاء المهروب {ربنا} تكرير الندآء للمبالغة فى التضرع والجؤار فيكون لاحقا بما قبله ويجوز أن يكن سابقا لما بعده توسلا الى الثناء باثبات العزة والحكمة والاول اظهر وعليه ميل السجاوندى حيث وضع علامة الوقف الجائز على ربنا وهو فى اصطلاحه مايجوز فيه الوصل والفصل باعتبارين وتلك العلامة الجيم بمسماة وهو، ج، {انك انت العزيز} الغالب الذى لايذل من التجأ اليه ولا يخيب رجاء من توكل عليه {الحكيم} لايفعل الا مافيه حكمة بالغة وقال بعض أهل الاشارة تعز اولياءك بالفناء فيك وتحميهم ببقائك بلطائف حكمتك فيكون المراد بالفتنة غلبة ظلمة النفس الهوى وبالمغفرة الستر بالهوية الاحدية عن الانيات وبالصفات الواحدية عن التعينات

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {قد كانت لكم أُسوةٌ} أي: قدوة {حسنةٌ} أو: خصلة حميدة، حقيقة بأن يُرتقى بها ويُقتدى، كائنة {في إِبراهيمَ والذين معه} من أصحابه المؤمنين، أو: الأنبياء المعاصرين له، وقريبًا من عصره، ورجّحه الطبري وغيره؛ لأنه لم يروا لإبراهيم أتباع مؤمنون وقت مكافحته نمرودًا. وقد قال لسارة، حين رحل بها إلى الشام: " ليس على وجه الأرض مَن يعبد الله غيري وغيرك". {إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ}، جمْع بريء، كظريف وظرفاء، أي: نتبرأ منكم {ومما تعبدون من دون الله} من الأصنام، {كَفَرنا بكم} أي: بدينكم، أو: معبودكم، أو: بكم وبأصنامكم، فلا نعتد بشأنكم وبآلهتكم، {وبدا بيننا وبينكم العداوةُ والبغضاءُ أبداً} أي: هذا دأبنا أبداً {حتى تُؤمنوا بالله وَحْدَه} وتتركوا ما أنتم عليه من الشرك، فتنقلب العداوة حينئذ ولاية، والبغضاء محبة. وحاصل الآية: أنّ الحق تعالى يقول: إن كانت عداوة الكفار لكم إنما هي لأجل إيمانكم بالحق، فعادوهم أنتم، وكافحوهم بالعداوة، وأَظْهِروا البغضاء لهم والمقت، وصَرِّحوا أنّ سبب العداوة ليس إلاّ كفركم بالله، وما دام هذا السبب قائمًا كانت العداوة، حتى إن أزلتموه انقلبت العداوةُ مولاةً، وأنتم مقتدون في ذلك بالخليل عليه السلام وسائر الأنبياء، حيث كافحوا الكفارَ بالعداوة، وتوكّلوا على الله. قال ابن عطية: هذه الأسوة مقيّدة بالتبرِّي من المشركين وإشراكهم، وهو مطرد في كل ملة، وفي نبينا صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة على الإطلاق، في العقائد وفي أحكام الشرع. هـ. فلكم أسوة فيمن تقدّم. {إِلاَّ قولَ إِبراهيمَ لأبيه لأَستغفرنَّ لك}، وذلك لموعدةٍ وعدها إياه، أي: اقتدوا به في كل شيء، ولا تقتدوا به في استغفاره لأبيه الكافر. واستغفاره عليه السلام لأبيه الكافر جائز عقلاً وشرعاً قبل النهي، لوقوعه قبل تبيُّن أنه من أصحاب الجحيم، لكنه ليس مما ينبغي أن يُؤتسى به أصلاً. {وما أَمْلِكُ لك من الله من شيءٍ} أي: من هداية ومغفرة وتوفيق. وهذه الجملة من تمام قول المستثنى، كأنه قال: أستغفرُ لك وما في طاقتي إلاّ الاستغفار، إظهاراً للعجز وتفويضاً للأمر. {ربنا عليك توكلنا وإِليك أَنَبْنا} أي: أَقبلنا، {وإِليك المصيرُ}؛ المرجع, وهو من تمام ما نقل عن إبراهيم عليه السلام ومَن معه مِن الأسوة الحسنة، وهو راجع لِما قبل الاستثناء، قالوه بعد المهاجرة ونشر البغضاء، التجاء إلى الله تعالى في جميع أمورهم، لا سيما في موافقة الكفرة، وكفاية شرورهم، وقيل: معناه: قولوا، فيكون أبتداء كلام خطاباً لهذه الأمة، وضعّفه أبو السعود. وتقديم المعمول لقصر التوكُّل والإنابة والمصير عليه تعالى. {ربنا لا تجعلنا فتنةً للذين كفروا} بأن تُسلطهم علينا، فيفتنونا بعذاب لا نُطيقه، {واغفر لنا} ما فرط منا، {ربنا إِنك أنت العزيزُ} الذي لا يذلّ مَن التجأ إليه، ولا يخيب رجاء مَن توكل عليه، {الحكيمُ} الذي لا يفعل إلاَّ ما فيه حكمة بالغة. وتكرير النداء للمبالغة في التضرُّع والالتجاء. {لقد كان لكم فيهم}؛ في إبراهيم ومَن معه {أُسوةٌ حسنةً}، تكرير للمبالغة في الحث على الاقتداء به، ولذلك صدّره بالقسم. وقوله: {لمَن كان يرجو اللهَ واليومَ الآخر} بدل من "لكم"، وحكمته: الإيذان بأن مَن يؤمن بالله واليوم الآخر لا يترك الاقتداء بهم، وأنّ تركه مخلّ بالإيمان بهما، كما ينبىء عنه قوله تعالى: {ومَن يتولَّ فإِنَّ اللهَ هو الغنيُّ الحميدُ}، فإنه إنما يُوعَد بأمثاله الكفرة، أي: هو الغني عن الخلق، الحميد المستحق للحمد وحده. الإشارة: ينبغي للمريد أن يكون إبراهيميًّا، يتبرأ من كل ما يشغله عن الله، أيًّا مَن كان، ويظهر العداوة والبغضاء لكل مَن يقطعه عن مولاه، حتى يوافقه على طريقه وسيرته، إلاّ على وجه النصيحة والدعاء إلى الله، إن كان أهلاً لذلك، فيُذكِّر مَن خالفه في طريقه، فإن أيس منه استغفر له، ودعا له بالهداية، مُقرًّا بالعجز عن هدايته وتوفيقه، ثم يلتجىء إلى مولاه في جميع أموره، ويتحصّن بالله من فتنة أهل الظلم والغفلة. والله غالب على أمره. ولمّا أمر اللهُ بعداوة الكفرة، عادى المؤمنون أقرباءهم المشركين، وشدّدوا في عداوة آبائهم وأبنائهم، فعلم تعالى شدةَ وجد المؤمنين بذلك، فأنزل: {عَسَى ٱللَّهُ أَن يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ}.

الطوسي

تفسير : قرأ عاصم {أسوة} بضم الهمزة فى جميع القرآن. الباقون - بكسرها - وهما لغتان. يقول الله تعالى مخاطباً للمؤمنين وحاثاً لهم على ترك موالاة الكفار ومبيناً لهم ان ذلك غير جائز بأن قال {قد كانت لكم} فى ترك موالاة الكفار وترك الركون إلى جنايتهم {أسوة حسنة} أي اقتداء حسن {في إبراهيم} خليل الرحمن عليه السلام {والذين معه} قال ابن زيد: يعني الانبياء. وقال غيره: يعنى الذين آمنوا معه {إذ قالوا} أي حين قالوا {لقومهم} من الكفار الذين كانوا يعبدون الاصنام {إنا برءآؤا منكم} على وزن فعلاء، ومثله ظريف وظرفاء وكريم وكرماء وفقير وفقراء الهمزة الأولى لام الفعل والثانية المنقلبة من الف التأنيث والالف التي قبله الهمزة زيادة مع علامة التأنيث، وهو جمع بريء وبراؤ منكم {ومما تعبدون من دون الله} أي وبريئون من الاصنام التي تعبدونها، ويجوز أن تكون (ما) مصدرية ويكون المعنى وبريئون من عبادتكم للاصنام {كفرنا بكم} أي يقولون لهم: جحدنا ما تعبدون من دون الله وكفرنا به {وبدأ بيننا} أي ظهر بيننا {وبينكم العداوة والبغضاء أبداً} لا يكون بيننا وبينكم موالاة فى الدين {حتى تؤمنوا بالله وحده} أي حتى تصدقوا بوحدانيته وإخلاص العبادة له. وقوله {إلا قول إبراهيم لأبيه لأستغفرن لك} استثناء لقول إبراهيم لأبيه: لاستغفرن أي فلا تقتدوا به فيه. فان إبراهيم عليه السلام إنما استغفر لأبيه على {موعدة وعدها إياه} لأن اباه كان وعده بالايمان، فوعده إبراهيم بالاستغفار، فلما اظهر له الايمان استغفر له إبراهيم فى الظاهر {فلما تبين له أنه عدو لله} وعرف ذلك من جهته {أية : تبرأ منه} تفسير : قال الحسن: إنما تبين ذلك عند موت أبيه، ولو لم يستثن ذلك لظن إنه يجوز الاستغفار للكفار مطلقاً من غير موعدة بالايمان منهم. وقيل: إن الاستثناء راجع إلى قوله {وبدأ بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبداً} لأنه لما كان استغفار إبراهيم لأبيه مخالفاً لما تضمنته هذه الجملة وجب استثناؤه وإلا توهم بظاهر الكلام انه عامل أباه من العداوة والبراءة بما عامل به غيره. وقال البلخي: هذا استثناء منقطع. ومعناه لكن قول إبراهيم لأبيه لاستغفرن لك كان لأجل موعدة أبيه بالايمان. ثم قال إبراهيم لأبيه {وما أملك لك من الله من شيء} إذا اراد عقابك، فلا يمكن دفع ذلك عنك. وقوله {ربنا} أي يقولون ربنا {عليك توكلنا} فالتوكل على الله تفويض الأمور اليه ثقة بحسن تدبيره فى كل ما يدبره به {وإليك أنبنا} أي رجعنا وتبنا اليك أي رجعنا إلى طاعتك {وإليك المصير} معناه واليك مرجع كل شيء يوم القيامة، وقال ايضاً وكانوا يقولون {ربنا لا تجعلنا فتنة للذين كفروا} ومعناه لا ترهم فينا ما يشمتون بجهلهم بنا. وقال مجاهد: معناه لا تعذبنا بأيديهم ولا ببلاء من عندك، فيقولوا: لو كان هؤلاء على حق ما اصابهم هذا {واغفر لنا ذنوبنا إنك أنت العزيز الحكيم} في جميع افعالك. وفي ذلك تعليم انه ينبغي ان يدعو الانسان بهذا الدعاء. وقال الحسن: كان استغفار إبراهيم لأبيه صغيرة، وقال عمرو ابن عبيد، واصل دعاء إبراهيم لأبيه بشرط الايمان بأنه إن آمن يستغفر له

الجنابذي

تفسير : {قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} اقتداء حسن او خصلة حسنة ينبغى ان يقتدى بها {فِيۤ إِبْرَاهِيمَ وَٱلَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُواْ} بدل من ابراهيم او تعليلٌ او ظرفٌ لقوله معه {لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَءآؤاْ مِّنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ} اى تبرّأنا منكم فانّ الكفر ههنا كما فى الخبر بمعنى البراءة {وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ ٱلْعَدَاوَةُ وَٱلْبَغْضَآءُ أَبَداً} يعنى بغضنا لكم بغض لله وبغضكم لنا بغض للشّيطان {حَتَّىٰ تُؤْمِنُواْ بِٱللَّهِ وَحْدَهُ} فحينئذٍ ينقلب العداوة محبّةً والفةً {إِلاَّ قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ} استثناء من ابراهيم استثناءً متّصلاً فى كلامٍ تامٍّ او استثناءٌ مفرّغ والتّقدير لكم اسوة حسنة فى ابراهيم فى كلّ شيءٍ منه الاّ فى قول ابراهيم (ع) {لأَبِيهِ لأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ} فانّ هذا القول كان لموعدةٍ وعدها ايّاه والاّ كان متبرّءً منه {وَمَآ أَمْلِكُ لَكَ مِنَ ٱللَّهِ مِن شَيْءٍ} اى من قبل الله او من رحمة الله او من عذاب الله {رَّبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ ٱلْمَصِيرُ} اشارة الى الفناءات الثّلاثة، فانّ التّوكّل ليس الاّ بترك نسبة الفعل الى النّفس، والانابة حينئذٍ تكون بترك نسبة الصّفات، واليك المصير اشارة الى فناء الذّات، هذه الجمل من مقول القول الاوّل ومن جملة ما يتأسّى به.

الهواري

تفسير : وقال: {قَدْ كَانَتْ لكُمْ أسْوَةٌ حَسَنَةُ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُواْ لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَءَآؤُاْ مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ كَفَرْنَا بِكُمْ} أي: بولايتكم في الدين، وهذا تفسير الحسن. وقال بعضهم: تبرأنا منكم، وهو واحد. {وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَآءُ أَبَداً حَتَّى تُؤْمِنُواْ بِاللهِ وَحْدَهُ إِلاَّ قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ لأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَآ أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللهِ مِن شَيْءٍ} أي: أن أدخلك في الإِيمان ولا أن أغفر لك. يقول: قد كانت لكم في إبراهيم والذين معه أسوة حسنة إلا قول إبراهيم لأبيه لأستغفرن لك [فليس] لكم فيه أسوة فلا تستغفروا للمشركين. وقال في سورة براءة: (أية : مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُواْ أُولِي قُرْبَى مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ وََمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لأَبيهِ إِلاَّ عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَآ إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لأَوَّاهٌ حَلِيمٌ) تفسير : [التوبة:113-114]. قال عز وجل: {رَّبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا} أي: أقبلنا مخلصين لك {وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ} أي يوم القيامة. {رَبَّنَا لاَ تَجْعَلْنَا فِتْنَةً} أي: بلية {لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ} أي: لا يظهرون علينا المشركون فيقولوا لو كان هؤلاء على دين ما ظهرنا عليهم فيعيبونا {وَاغْفِرْ لَنَا رَبَّنَآ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ}. قوله عز وجل: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمُ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُواْ اللهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ} أي: لمن يؤمنون بالبعث. رجع إلى قوله: {قَدْ كَانَتْ لَكُم أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ}؛ أمر الله النبي عليه السلام والمؤمنين بالبراءة من قومهم ما داموا كفاراً كما تبرأ إبراهيم والذين آمنوا معه من قومهم؛ فقطع المؤمنون ولايتهم من أهل مكة، وأظهروا لهم العداوة. قال عز وجل: {وَمَن يَتَوَلَّ} أي: عن الإيمان {فَإِنَّ اللهَ هُوَ الْغَنِيُّ} أي: عن خلقه {الْحَمِيدُ} استحمد إليهم، أي: استوجب عليهم أن يحمدوه.

اطفيش

تفسير : {قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} قدوة اسم لما يتأسى به وقرىء بضم الهمزة والخطاب لحاطب والمؤمنين حسنة {فِى إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ}. في ابراهيم نعت ثان لاسوة ولكم خبر كان أو في ابراهيم خبر ولكم متعلق بالكون أو في ابراهيم حال من ضمير حسنة أو متعلق بحسنة لا بأسوه لانها وصفت وهذا بناء على ان الموصوف لا يعمل. {إِذْ قَالُوا} متعلق بكان أو بما يتعلق به الظرف الواقع خبرا {لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَءَؤْا مِنكُمْ} جمع برىء كظريف وظرفاء وقرىء براء كظراف وبراء كغراب وبراء كسحاب مصدرا موصوفا به. {وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ كَفَرْنَا بِكُمْ} أي بدينكم أو بمعبودكم أو بكم وبه فلا نعتد بشأنكم والهتكم أي انكرناكم وكذبناكم {وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ العَدَاوَةُ وَالبَغْضَاءُ أَبَداً حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللهِ وَحْدُهُ} فتنقلب العداوة والبغضاء الفة ومحبة وقرىء بابدال همزة ابداوا وامر حاطبا والمؤمنين ان يتبرأوا من قومهم كما تبرأ ابراهيم ومن آمن معه من قومهم وقال الطبري: الذين معه هم الانبياء المعاصرون له اومن قرب منهم من عصره ورجحه بعض بأنه لم يروا ان لابراهيم اتباعا مؤمنين في وقت مكافحته نمرود وانه روي انه قال لسارة حين رحل بها الى الشام مهاجرا من بلد نمرود ما على الارض من يعبد الله غيري وغيرك والاقتداء المأمور به هو في البراءة من المشركين وفي حكم البراءة من جميع احكام الباطل وجميع المنافقين. {إِلا قَوْلَ إِبرَاهِيمَ لأَبِيهِ} رجاء باسلامه {لأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ} استثناء من الاسوة فإن استغفاره لابيه كافرا لا يحسن التأسي به فإنه كان قبل النهي والموعدة وعدها اياه وانما صح هذا الاستثناء لان المراد بالاسوة القول الذي يقتدون به ولاستغفرن جواب قسم محذوف وجملة القسم وجوابه مفعول القول وان قلت اذا كان ذلك استثناء من الاسوة فما بال قوله {وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللهِ} (من) للابتداء أو (للتبعيض) على أن المراد من عذاب الله {مِن شَىْءٍ} من زيادة في المفعول قلت اراد استثناء ما ذكر من الاستغفار لابيه وما بعده مبني عليه تابع أو أي أنا استغفر لك وما في طاقتي إلا الاستغفار فالمستثنى المجموع ولا يلزم منه اسثناء الجميع وقوله. {رَّبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا} رجعنا {وَإِلَيْكَ المَصِِيرُ} متصل في المعنى بقوله قد كانت لكم اسوة حسنة الخ …. أو مفعول لقول محذوف أي قولوا ربنا الخ… امرهم ان يقولوه تعليما لهم لما هو تتميم لما وصاهم به من قطع العلائق بينهم وبين الكفار والاقتداء بابراهيم وتنبيهاً على الانابة الى الله والواضح انه من مقول ابراهيم ومن معه وكذلك ما بعد الى الحكيم.

الالوسي

تفسير : {قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِى إِبْرٰهِيمَ وَٱلَّذِينَ مَعَهُ } تأكيد لأمر الإنكار عليهم والتخطئة في موالاة الكفار بقصة إبراهيم عليه السلام ومن معه ليعلم أن الحب في الله تعالى والبغض فيه سبحانه من أوثق عرا الإيمان فلا ينبغي أن يغفل عنهما. والأسوة بضم الهمزة وكسرها وهما لغتان، وبالكسر قرأ جميع القراء إلا عاصماً وهي بمعنى الائتساء والاقتداء، وتطلق على الخصلة التي من حقها أن يؤتسى ويقتدى بها، وعلى نفس الشخص المؤتسى به، / ففي زيد أسوة من باب التجريد نحو: شعر : وللضعفاء في الرحمن كاف تفسير : وفي البيضة عشرون منا حديد وكل من ذلك قيل: محتمل في الآية، ورجح إرادة الخصلة لأن الاستثناء الآتي عليها أظهر. و {لَكُمْ } للبيان متعلق بمحذوف كما في سقيا لك، أو هو متعلق بكان على رأي من يجوز تعلق الظرف بها، {وأسوة} اسمها و {حَسَنَةٌ } صفته، و {فِى إِبْرٰهِيمَ } خبرها، أو {لَكُمْ } هو الخبر، و {فِى إِبْرٰهِيمَ } صفة بعد صفة ـ لأسوة ـ أو خبر بعد خبر ـ لكان ـ أو حال من المستكن في {لَكُمْ } على ما قيل، أو في {حَسَنَةٌ } ولم يجوز كونه صلة {أُسْوَةٌ } بناءاً على أنها مصدر، أو اسمه وهو إذا وصف لا يعمل مطلقاً لضعف شبهه بالفعل، قيل: وإذا قلنا: إنها ليست مصدراً ولا اسمه، أو قلنا: إنه يغتفر عمله وإن وصف قبل العمل في الظرف للاتساع فيه جاز ذلك. والظاهر أن المراد ـ بالذين معه ـ عليه السلام أتباعه المؤمنون لكن قال الطبري وجماعة: المراد بهم الأنبياء الذين كانوا قريباً من عصره عليه وعليهم الصلاة والسلام لأنه عليه السلام لم يكن معه وقت مكافحته قومه وبراءته منهم أتباع مؤمنون كافحوهم معه وتبرءوا منهم، فقد روي أنه قال لسارة حين رحل إلى الشام مهاجراً من بلد نمروذ: ما على الأرض من يعبد الله تعالى غيري وغيرك، وأنت تعلم أنه لا يلزم وجود الأتباع المؤمنين في أول وقت المكافحة بل اللازم وجودهم ولو بعد، ولا شك في أنهم وجدوا بعد فليحمل من معه عليهم، ويكون التبري المحكي في قوله تعالى: {إِذْ قَالُواْ لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَءاؤاْ مّنْكُمْ } الخ وقت وجودهم. و{إِذْ } قيل: ظرف لخبر {كَانَ } والعامل الجار والمجرور أو المتعلق، أو ـ لكان ـ نفسها على ما مر، أو بدل من {أُسْوَةٌ } و{برآء} جمع بريء كظريف وظرفاء. وقرأ الجحدري {بَرَاء } كظراف جمع ظريف أيضاً، وقرأ أبو جعفر {براء } بضم الباء كتؤام وظؤار، وهو اسم جمع، الواحد بريء وتوام وظئر، وقال الزمخشري: إن ذلك على إبدال الضم من الكسر كرخال بضم الراء جمع رخل، وتعقب بأنه ضم أصلي، والصيغة من أوزان أسماء الجموع، وليس ذلك جمع تكسير فتكون الضمة بدلاً من الكسرة. ورويت هذه القراءة عن عيسى، قال أبو حاتم: زعموا أنه عيسى الهمداني وعنه {بَرَاء } على فعال كالذي في قوله تعالى: { أية : إِنَّنِى بَرَاء مّمَّا تَعْبُدُونَ } تفسير : في [الزخرف: 26]، وهو مصدر على فعال يوصف به المفرد وغيره، وتأكيد الجملة لمزيد الاعتناء بشأنها، أو لأن قومهم المشركين مستبعدون ذلك شاكون فيه حيث يحسبون أنفسهم على شيء وكأنهم استشعروا ذلك منهم فقالوا لهم: {إِنَّا برٰءؤُاْ مّنكُمْ }. {وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ } من الأصنام والكواكب وغيرها {كَفَرْنَا بِكُمْ } بيان لقوله سبحانه: {إِنَّا برٰءؤُاْ بَرَاء } إلى آخره فهو على معنى كفرنا بكم وبما تعبدون من دون الله، ويكون المراد {بِكُمْ } القوم ومعبوديهم بتغليب المخاطبين، والكفر بذلك مجاز أو كناية عن عدم الاعتداد فكأنه قيل: إنا لا نعتد بشأنكم ولا بشأن آلهتكم وما أنتم عندنا على شيء. وفي «الكشف» أن الأصل كفرنا بما تعبدون ثم كفرنا بكم وبما تعبدون لأن من كفر بما أتى به الشخص فقد كفر به، ثم اكتفى ـ بكفرنا بكم ـ لتضمنه الكفر بجميع ما أتوا به وما تلبسوا به لا سيما وقد تقدمه {إِنَّا برٰءؤُاْ} فسر بأنا لا نعتد الخ تنبيهاً على أنه تهكم بهم فإن ذلك لا يسمى كفراً لغة وعرفاً وإنما هو اسم يقع على أدخل الأشياء في الاستهجان والذم، وما ذكرناه أقرب، وهو معنى ما في «الكشاف» دونه، وأما ما قيل: إن في الكلام معطوفاً / على الجار والمجرور محذوفاً أي بكم وبما تعبدون، وحذف اكتفاءاً بدلالة السياق فليس بشيء. {وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ ٱلْعَدَاوَةُ وَٱلْبَغْضَاء أَبَداً } أي هذا دأبنا معكم لا نتركه {حَتَّىٰ تُؤْمِنُواْ بِٱللَّهِ وَحْدَهُ } وتتركوا ما أنتم عليه من الشرك فتنقلب العداوة ولاية والبغضاء محبة. وفسر الفيروزابادي البغضاء بشدة البغض ضد الحب، وأفاد أن العداوة ضد الصداقة، وفسر الصداقة بالمحبة، فالعداوة والبغضاء على هذا متقاربان، وأفاد الراغب أن العداوة منافاة الالتئام قلباً، وقال: البغض نفار النفس عن الشيء الذي ترغب عنه وهو ضد الحب، ثم قال: يقال: بغض الشيء بغضاً وبغضة وبغضاء، وهو نحو كلام الفيروزابادي، والذي يفهم من كلام غير واحد أنه كثيراً ما يعتبر في العداوة التخاذل دون البغضاء فليراجع هذا المطلب. {إِلاَّ قَوْلَ إِبْرٰهِيمَ لأَِبِيهِ لأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ } استثناء من قوله تعالى: {أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ } كما قاله قتادة وجماعة وهو على تقدير التجريد أو تفسيراً ـ لأسوة ـ بالاقتداء منقطع بلا ريب، وأما على تقدير أن يراد بها ما يؤتسى به فقيل: هو متصل؛ وقيل: منقطع، وإليه ذهب الأكثر، وتوجيه الاستثناء إلى العدة بالاستغفار لا إلى نفس الاستغفار المحكي عنه عليه السلام بقوله تعالى: { أية : وَٱغْفِرْ لأَبِى } تفسير : [الشعراء: 86] الآية مع أنه المراد قيل: لأنها كانت هي الحاملة له عليه السلام عليه، ويعلم من ذلك استثناء نفس الاستغفار بطريق الأولى، وجعلها بعضهم كناية عن الاستغفار لأن عدة الكريم - خصوصاً مثل إبراهيم عليه السلام لا سيما إذا أكدت بالقسم - يلازمها الإنجاز وليس بلازم كما لا يخفى، وكأن هذه العدة غير العدة السابقة في سورة مريم [47] في قوله تعالى حكاية عنه عليه السلام: { أية : سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِي } تفسير : الآية ولعلها وقعت منه عليه السلام بعد تلك تأكيداً لها وحكيت هٰهنا على سبيل الاستثناء. وفي «الإرشاد» تخصيصها بالذكر دون ما وقع في سورة مريم لورودها على طريق التوكيد القسمي. واستثناء ذلك من الأسوة الحسنة قيل: لأن استغفاره عليه السلام لأبيه الكافر بمعنى أن يوفقه الله تعالى للتوبة ويهديه سبحانه للإيمان وإن كان جائزاً عقلاً وشرعاً لوقوعه قبل تبين أنه من أصحاب الجحيم وأنه يموت على الكفر كما دل عليه ما في سورة التوبة لكنه ليس مما ينبغي أن يؤتسى به أصلاً إذ المراد به ما يجب الائتساء به حتماً لورود الوعيد على الإعراض عنه بقوله تعالى بعد: { أية : وَمَن يَتَوَلَّ فَإِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْغَنِىُّ ٱلْحَمِيدُ } تفسير : [الممتحنة: 6] فاستثناؤه عما سبق إنما يفيد عدم وجوب استدعاء الإيمان والمغفرة للكافر المرجوّ إيمانه، وذلك مما لا يرتاب فيه عاقل، وأما عدم جوازه فلا دلالة للاستثناء عليه قطعاً، وزعم الإمام على ما نقل عنه دلالة الآية على ذلك، ولا يلزم أن يكون الاستغفار منه عليه السلام معصية لأن كثيراً من خواص الأنبياء عليهم السلام لا يجوز التأسي به لأنه أبيح لهم خاصة وهو كما ترى إذ هو ظاهر في أن ذلك الاستغفار الذي وقع منه عليه السلام لو فرض واقعاً من غيره لكان معصية وليس كذلك بل هو مباح ممن وقع. وعن الطيبـي ما حاصله: إن إبراهيم عليه السلام لما أجاب قول أبيه: { أية : لأَرْجُمَنَّكَ وَٱهْجُرْنِى مَلِيّاً } تفسير : [مريم: 46] بقوله: { أية : سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِي } تفسير : [مريم: 47] رحمة ورأفة به، ولم يكن عارفاً بإصراره على الكفر وفى بوعده وقال: { أية : وَٱغْفِرْ لأَبِى } تفسير : [الشعراء: 86] فلما تبين إصراره ترك الدعاء وتبرأ منه، فظهر أن استغفاره لم يكن منكراً، وهو في حياته بخلاف ما نحن فيه فإنه فصل عداوتهم وحرصهم على قطع أرحامهم بقوله تعالى: { أية : لَن تَنفَعَكُمْ } تفسير : [الممتحنة: 3] الخ وسلاهم عن القطيعة بقصة إبراهيم عليه السلام ثم استثنى منها ما ذكر كأنه قيل: لا تجاملوهم ولا تبدوا لهم الرأفة كما فعل إبراهيم لأنه لم يتبين / له كما تبين لكم انتهى، وفيه رمز إلى احتمال أن يكون المستثنى نفس العدة من حيث دلالتها على الرأفة والرحمة، ومآل ذلك استثناء الرأفة والرحمة. وعلل بعض الأجلة عدم كون استغفاره عليه السلام لأبيه الكافر مما لا ينبغي أن يؤتسى به بأنه كان قبل النهي أو لموعدة وعدها إياه؛ وتعقب الثاني بأن الوعد بالمحظور لا يرفع حظره، والأول بأنه مبني على تناول النهي لاستغفاره عليه السلام له مع أن النهي إنما ورد في شأن الاستغفار بعد تبين الأمر، وقد كان استغفاره عليه السلام قبله، ومنبىء عن كون الاستغفار مؤتسى به لو لم ينه عنه مع أن ما يؤتسى به ما يجب الائتساء به لا ما يجوز فعله في الجملة. وأجيب بما لا يرفع القال والقيل؛ فالأولى التعليل بما سبق. واستظهر أبو حيان أن الاستثناء من مضاف لإبراهيم مقدر في نظم الآية الكريمة أي لقد كان لكم أسوة حسنة في مقالات إبراهيم ومحاوراته لقومه إلا قول إبراهيم الخ، وجزم باتصال الاستثناء عليه، وكذا جزم الطيبـي باتصاله على قول البغوي أي لكم أسوة حسنة في إبراهيم وأموره إلا في استغفاره لأبيه المشرك، ولا يخفى أن التقدير خلاف الظاهر، ومتى ارتكب فالأولى تقدير أمور. بقي أنه قيل: إن الآية تدل على منع التأسي بإبراهيم عليه السلام في الاستغفار للكافر الحي مع أنه بالمعنى السابق - أعني طلب الإيمان له - لا منع عنه. وأجيب بأنه إنما منع من التأسي بظاهره وظن أنه جائز مطلقاً كما وقع لبعض الصحابة رضي الله تعالى عنهم، وفيه أنه قد تقدم أن دلالة الآية على أن الاستغفار ليس مما يجب الائتساء به حتماً لا على منعه وحرمته، ثم إنه ينبغي أن يعلم أن تبين كون أبيه من أصحاب الجحيم الذي كان الاستغفار قبله كان في الدنيا وكذا التبري منه بعده، وقد تقدم في سورة التوبة قول بكون ذلك في الآخرة لدلالة ظواهر بعض الأخبار الصحيحة عليه فإنها دالة على أنه عليه السلام يشفع لأبيه يوم القيامة، وهي استغفار أي استغفار فيه، ولو كان تبين أنه يموت كافراً في الدنيا لم يكن ليشفع، ويطلب على أتم وجه المغفرة له ضرورة أنه عليه السلام عالم أن الله تعالى لا يغفر أن يشرك به، وإنكار ذلك مما لا يكاد يقدم عليه عاقل، والذاهبون إلى أن لتبين كان في الدنيا كما عليه سلف الأمة ـ وهو الصحيح الذي أجزم به اليوم ـ أشكلت عليهم تلك الظواهر من حيث دلالتها على الشفاعة التي هي في ذلك اليوم استغفار، وأتهموا وأنجدوا في الجواب عنها، وقد تقدم جميع ما وجدته لهم فارجع إليه واختر لنفسك ما يحلو. ثم إني أقول: الذي يغلب على ظني أن الاستغفار الذي كان منه عليه السلام قبل التبين بالمعنى المشهور لا بمعنى التوفيق للإيمان، والآيات التي في سورة التوبة وما ورد في سبب نزولها تؤيد ظواهرها ذلك. والتزم أن امتناع جواز الاستغفار إنما علم بالوحي لا بالعقل لأنه يجوز أن يغفر الله تعالى للكافر وهو سبحانه الغفور الرحيم، وأنه عليه السلام لم يكن إذ استغفر عالماً بالوحي امتناعه، ومعنى الآية ـ والله تعالى أعلم ـ إن لكم الاقتداء بإبراهيم عليه السلام والذين معه في البراءة من الكفرة لكن استغفاره للكافر ليس لكم الاقتداء به فيه ومآله يجب عليكم البراءة ويحرم عليكم الاستغفار وإبداء الرأفة، فليس لكم الذي اعتبرناه في الاستثناء من باب قوله تعالى: { أية : مَا كَانَ لِلنَّبِىّ وَٱلَّذِينَ ءامَنُواْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلمُشْرِكِين } تفسير : [التوبة: 113] الخ، ودلالة ذلك على المنع ظاهرة فتأمل جميع ما قدمناه، ووراءه كلام مبني على قول من قال: ليس لله عز وجل قضاء مبرم، ونقل ذلك عن القطب الشيخ عبد القادر الكيلاني قدس سره، وشيد بعض الأجلة أركانه في «رسالة» مستقلة بسط فيها الأدلة على ذلك لكنها لا تخلو عن بحث والله تعالى أعلم. وقوله سبحانه: {وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ ٱللَّهِ مِن شَىْء } من تمام القول المستثنى، محله النصب على أنه حال من فاعل {لأسْتَغْفِرَنَّ } ومورد الاستثناء نفس الاستغفار لا قيده فإنه في نفسه / من خصال الخير لكونه إظهاراً للعجز وتفويضاً للأمر إلى الله تعالى، فالكلام من قبيل ما رجع فيه النفي للمقيد دون القيد. وفي «الكشف» أنه وإن كان في نفسه كلاماً مطابقاً للواقع حسناً أن يجعل أسوة إلا أنه شفع بقوله: {لأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ } تحقيقاً للوعد كأنه قيل: لأستغفرن لك وما في طاقتي إلا هذا فهو مبذول لا محالة، وفيه أنه لو ملك أكثر من ذلك لفعل، وعلى هذا فهو حقيق بالاستثناء. وقوله عز وجل: {رَّبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ ٱلْمَصِيرُ } إلى آخره جملة مستأنفة لا محل لها من الإعراب متصلة معنى بقصة إبراهيم عليه السلام ومن معه على أنها بيان لحالهم في المجاهدة لأعداء الله عز وجل وقشر العصا، ثم اللجأ إلى الله تعالى في كفاية شرهم وأن تلك منهم له عز وجل لا لحظ نفسي. وقيل: اتصالها بما تقدم لفظي على أنها بتقدير قول معطوف على {قَالُواْ إِنَّا برٰءؤُاْ} أي وقالوا ربنا الخ، وجوز أن يكون المعنى قولوا ربنا أمراً منه تعالى للمؤمنين بأن يقولوه، وتعليماً منه عز وجل لهم وتتميماً لما وصاهم سبحانه به من قطع العلائق بينهم وبين الكفار والائتساء بإبراهيم عليه السلام وقومه في البراءة منهم وتنبيهاً على الإنابة إلى الله تعالى والاستعاذة به من فتنة أهل الكفر والاستغفار مما فرط منهم وهو كما قيل: وجه حسن لا يأباه النظم الكريم، وفيه شمة من أسلوب { أية : ٱنتَهُواْ خَيْراً لَّكُمْ } تفسير : [النساء: 171] لأنه سبحانه لما حثهم على الائتساء بمن سمعت في الانتهاء عن الكفر وموالاة أهله، ثم قال سبحانه ما يدل على اللجأ إليه تعالى يكون في المعنى نهياً عن الأول وأمراً بالثاني. وجعل بعضهم القول على هذا الوجه معطوفاً على {أية : لاَ تَتَّخِذُواْ }تفسير : [الممتحنة: 1] أي وقولوا ربنا الخ. وأياً مّا كان فتقديم الجار والمجرور في المواضع الثلاثة للقصر كأنه قيل: ربنا عليك توكلنا لا على غيرك وإليك أنبنا لا إلى غيرك وإليك المصير لا إلى غيرك.

ابن عاشور

تفسير : {قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِىۤ إِبْرَٰهِيمَ وَٱلَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُواْ لِقَوْمِهِمْ إِنَّا}. صدر هذه الآية يفيد تأكيداً لمضمون جملة {أية : إن يثقفوكم}تفسير : [الممتحنة: 2] وجملة {أية : لن تنفعكم أرحامكم}تفسير : [الممتحنة: 3]، لأنها بما تضمنته من أن الموجه إليهم التوبيخ خالفوا الأسوةَ الحسنة تقوي إثبات الخطأ المستوجب للتوبيخ. ذلك أنه بعد الفراغ من بيان خطأ من يوالي عدوَّ الله بما يجرّ إلى أصحابه من مضارّ في الدنيا وفي الآخرة تحذيراً لهم من ذلك، انتقل إلى تمثيل الحالة الصالحة بمثال من فعل أهل الإِيمان الصادق والاستقامة القويمة وناهيك بها أسوة. وافتتاح الكلام بكلمتي {قد كانت} لتأكيد الخبر، فإن {قد} مع فعل الكون يراد بهما التعريض بالإِنكار على المخاطب ولومه في الإِعراض عن العمل بما تضمنه الخبر كقول عُمر لابن عباس يوم طَعَنه غلامُ المغيرة: «قد كنتَ أنتَ وأبوك تُحبان أن يكثر هؤلاء الأعلاجُ بالمدينة»، ومنه قوله تعالى: {أية : لقد كنت في غفلة من هذا فكشفنا عنك غطاءك}تفسير : [ق: 22] توبيخاً على ما كان منهم في الدنيا من إنكار للبعث، وقوله تعالى: {أية : وقد كانوا يدعون إلى السجود وهم سالمون}تفسير : [القلم: 43] وقوله: {أية : لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر}تفسير : [الأحزاب: 21]. ويتعلق {لكم} بفعل «كان»، أو هو ظرف مستَقِرّ وقع موقع الحال من {أسوة حسنة}. وإبراهيم عليه السلام مَثَل في اليقين بالله والغضب به، عَرف ذلك العرب واليهود والنصارى من الأمم، وشاع بين الأمم المجاورة من الكنعانيين والأَراميين، ولعله بلغ إلى الهند. وقد قيل: إن اسم (بَرهما) معبودِ البراهة من الهنود مُحرف عن (اسم إبراهيم) وهو احتمال. وعُطف {والذين معه} ليتم التمثيل لحال المسلمين مع رسولهم صلى الله عليه وسلم بحال إبراهيم عليه السلام والذين معه، أي أن يكون المسلمون تابعين لرضى رسولهم صلى الله عليه وسلم كما كان الذين مع إبراهيم عليه السلام. والمراد بـ{الذين معه} الذين آمنوا به واتبعوا هديه وهم زوجه سَارَةُ وابن أخيه لوطٌ ولم يكن لإِبراهيم أبناء، فضمير {إذ قالوا} عائد إلى إبراهيم والذين معه فهم ثلاثة. و{إذْ} ظرف زمان بمعنى حينَ، أي الأسوة فيه وفيهم في ذلك الزمن. والمراد بالزمن: الأحوال الكائنة فيه، وهو ما تبينه الجملة المضاف إليها الظرف وهي جملة {قالوا لقومهم إنا برءآؤا منكم} الخ. والإِسوة بكسر الهمزة وضمها: القُدوة التي يقتدَى بها في فعل ما. فوصفت في الآية بـ{حسنة} وصفاً للمدح لأن كونها حسنة قد علم من سياق ما قبله وما بعده. وقرأ الجمهور {إسوة} بكسر الهمزة، وقرأه عاصم بضمها. وتقدمت في قوله تعالى: {أية : لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة}تفسير : في سورة [الأحزاب: 21]. وحرف {في} مستعار لقوة الملابسة إذ جعل تلبس إبراهيم والذين معه بكونهم أسوة حسنة، بمنزلة تلبس الظرف بالمظروف في شدة التمكن من الوصف. ولذلك كان المعنى: قد كانَ لكم إبراهيمُ والذين معه أسوةً في حين قولهم لقومهم. فليس قوله: {إسوة حسنة في إبراهيم} من قبيل التجريد مثل قول أبي خالد العتابي. وفي الرَّحمان للضعفاء كاف. لأن الأسوة هنا هي قول إبراهيم والذين معه لا أنفسهم. و{برءآؤا} بهمزتين بوزن فُعَلاء جَمْع بريء مثل كَريم وكُرماء. وبريء فعيل بمعنى فاعل من بَرِىء من شيء إذا خَلاَ منه سواءً بعد ملابسته أو بدون ملابسة. والمراد هنا التبرؤ من مخالطتهم وملابستهم.. وعطف عليه {ومما تعبدون من دون الله} أي من الأصنام التي تعبدونها من دون الله والمراد بُرَءآء من عبادتها. وجملة {كفرنا بكم} وما عطف عليها بيان لمعنى جملة {إنَّا برءآؤا}. وضمير {بكم} عائد إلى مجموع المخاطبين من قومهم مع ما يعبدونه من دون الله، ويفسَّر الكفرُ بما يناسب المعطوف عليه والمعطوف، أي كفرنا بجميعكم فكفرهم بالقوم غير كفرهم بما يعبده قومهم. وعُطف عليه {وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبداً} وبدا معناه: ظهر ونشأ، أي أحدثنا معكم العداوة ظاهرةً لا مواربة فيها، أي ليست عداوة في القلب خاصة بل هي عداوة واضحة علانية بالقول والقلب. وهو أقصى ما يستطيعه أمثالهم من درجات تغيير المنكر وهو التغيير باللسان إذ ليسوا بمستطيعين تغيير ما عليه قومهم باليَد لقلتهم وضعفهم بين قومهم. و{العداوة} المعاملة بالسوء والاعتداءِ. و{البغضاء}: نفرة النفس، والكراهيةُ وقد تطلق إحداهما في موضع الأخرى إذا افترقتا، فذِكرهما معاً هنا مقصود به حصول الحالتين في أنفسهم: حالة المعاملة بالعدوان، وحالة النفرة والكراهية، أي نُسِيءُ معاملتكم ونُضمر لكم الكراهية حتى تؤمنوا بالله وحده دون إشراك. والمراد بقولهم هذا لقومهم أنهم قالوه مقال الصادق في قوله، فالائتساء بهم في ذلك القول والعمل بما يترجم عليه القول مما في النفوس، فالمؤتَسَى به أنهم كاشفوا قومهم بالمنافرة، وصرحوا لهم بالبغضاء لأجل كفرهم بالله ولم يصانعوهم ويغضُّوا عن كفرهم لاكتساب مودتهم كما فعل الموبخ بهذه الآية. {إِلاَّ قَوْلَ إِبْرَٰهِيمَ لأَِبِيهِ لأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَآ أَمْلِكُ لَكَ مِنَ ٱللَّهِ مِن شَيْءٍ}. الأظهر أن هذه الجملة معترضة بين جمل حكاية مقال إبراهيم والذين معه وجملة {أية : لقد كان لكم فيهم أُسوة حسنة}تفسير : [الممتحنة: 6]، والاستثناء منقطع إذ ليس هذا القول من جنس قولهم: {إنا برءآؤا منكم} الخ، فإن قول إبراهيم لأبيه لأستغفرن لك رفقٌ بأبيه وهو يغاير التبرُّؤ منه، فكان الاستثناء في معنى الاستدراك عن قوله: {إذ قالوا لقومهم إنا برءآؤا منكم} الشامل لمقالة إبراهيم معهم لاختلاف جنسي القولين. قال في «الكشاف» في قوله تعالى: {أية : قالوا إنا أُرسلنا إلى قوم مجرمين إلا آل لوط }تفسير : في سورة [الحجر: 58، 59]. أنه استثناء منقطع من {قوم} لأن القوم موصوفون بالإِجرام فاختلَف لذلك الجنسان ا هـ. فجعل اختلاف جنسي المستثنى والمستثنى منه موجباً اعتبار الاستثناء منقطعاً. وفائدة الاستدراك هنا التعريض بخطأ حاطب ابن أبي بلتعة، أي إن كنتم معتذرين فليكن عذركم في مواصلة أعداء الله بأن تَوَدُّوا لهم مغفرةَ كفرهم باستدعاء سبب المغفرة وهو أن يهديهم الله إلى الدين الحق كما قال إبراهيم لأبيه {لأستَغفرن لك}، ولا يكون ذلك بمصانعة لا يفهمون منها أنهم منكم بمحلّ المودة والعناية فيزدادوا تعنتاً في كفرهم. وحكاية قول إبراهيم لأبيه {وما أملك لك من الله من شيء} إكمال لجملة ما قاله إبراهيم لأبيه وإن كان المقصود من الاستثناء مجرد وعده بالاستغفار له فبني عليه ما هو من بقية كلامه لما فيه من الدلالة على أن الاستغفار له قد لا يقبله الله. والواو في {وما أملك لك من الله من شيء} يجوز أن تكون للحال أو للعطف. والمعنى متقارب، ومعنى الحال أوضح وهو تذييل. ومعنى الملك في قوله: {وما أملك} القدرة، وتقدم في قوله تعالى: {أية : قل فمن يملك من الله شيئاً }تفسير : في سورة [العقود: 17]. و{من شيء} عامّ للمغفرة المسؤولة وغيرها مما يريده الله به. {رَّبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ ٱلْمَصِيرُ}. الأظهر أن يكون هذا من كلام إبراهيم وقومه وجملة {إلا قول إبراهيم} إلى آخرها معترضة بين أجزاء القول فهو مما أمر المسلمون أن يأتسوا به، وبه يكون الكلام شديد الاتصال مع قوله: {أية : لقد كان لكم فيهم أُسوة حسنة}تفسير : [الممتحنة: 6]. ويحتمل أن يكون تعليماً للمؤمنين أن يقولوا هذا الكلام ويستحضروا معانيه ليجري عملهم بمقتضاه فهو على تقدير أمر بقول محذوف والمقصود من القول العمل بالقول فإن الكلام يجدد المعنى في نفس المتكلم به ويذكر السامع من غفلته. وهذا تتميم لما أوصاهم به من مقاطعة الكفار بعد التحريض على الائتساء بإبراهيم ومن معه. فعلى المعنى الأول يكون حكاية لما قاله إبراهيم وقومه بما يفيد حاصل معانيه فقد يكون هو معنى ما حكاه الله عن إبراهيم من قوله: {أية : الذي خلقني فهو يهدين والذي هو يطعمني ويسقين وإذا مرضت فهو يشفينِ والذي يميتني ثم يحيين والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين}تفسير : [الشعراء: 78 ـــ 82]. فإن التوكل على الله في أمور الحياة بسؤاله النجاح في ما يصلح أعمال العبد في مساعيه وأعظمه النجاحُ في دينه وما فيه قوام عيشه ثم ما فيه دفع الضرّ. وقد جمعها قول إبراهيم هناك {فهو يهدين} والذي هو يطعمني ويسقين وإذا مرضت فهو يشفين}. وهذا جمعه قوله هنا {عليك توكلنا} {والذي يميتني ثم يحيين}جمعه قوله: {وإليك المصير} فإن المصير مَصيرانِ مصيرٌ بعد الحياة ومصير بعد البعث. وقوله: {والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي}فإن وسيلة الطمع هي التوبة وقد تضمنها قوله: {وإليك أنبنا}. وعلى المعنى الثاني هو تعليم للمؤمنين أن يَصرفوا توجههم إلى الله بإرضائه ولا يلتفتوا إلى ما لا يرضاه وإن حسبوا أنهم ينتفعون به فإن رضى الله مقدم على ما دونه. والقول في معنى التوكل تقدم عند قوله تعالى: {أية : فإذا عزمت فتوكل على الله }تفسير : في سورة [آل عمران: 159]. والإِنابة: التوبة، وتقدمت عند قوله تعالى: {أية : إن إبراهيم لحليم أواه منيب}تفسير : في سورة [هود: 75]، وعند قوله: {أية : منيبين إليه}تفسير : في سورة [الروم: 31]. وتقديم المجرور على هذه الأفعال لإِفادة القصر، وهو قصر بعضه ادعائي وبعضه حقيقي كما تصرف إليه القرينة. وإعادة النداء بقولهم: {ربنا} إظهار للتضرع مع كل دعوة من الدعوات الثلاث.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِيۤ إِبْرَاهِيمَ وَٱلَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُواْ لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَءآؤاْ مِّنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ ٱلْعَدَاوَةُ وَٱلْبَغْضَآءُ أَبَداً حَتَّىٰ تُؤْمِنُواْ بِٱللَّهِ وَحْدَهُ إِلاَّ قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ لأَسْتَغْفِرَنَّ لَك} الآية. الأسوة كالقدوة، وهي اتباع الغير على الحالة التي يكون عليها حسنة أو قبيحة، ولذا قال تعالى: {أية : لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ ٱللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ}تفسير : [الأحزاب: 21] وهنا أيضاً: {قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِيۤ إِبْرَاهِيمَ وَٱلَّذِينَ مَعَه}. وقد بين تعالى هذا التأسي المطلوب، وذلك بقوله: {إِذْ قَالُواْ لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَءآؤاْ مِّنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ} الآية. فالتأسي هنا في ثلاثة أمور. أولاً: التبرؤ منهم ومما يعبدون من دون الله ثانياً: الكفر بهم. ثالثاً: إبداء العداوة والبغضاء وإعلانها وإظهارها أبداً إلى الغاية المذكورة حتى يؤمنوا بالله وحده، وهذا غاية في القطيعة بينهم وبين قومهم، وزيادة عليهم إبداء العداوة والبغضاء أبداً، والسبب في ذلك هو الكفر، فإذا آمنوا بالله وحده انتفى كل ذلك بينهم. وهنا سؤال، هو موضع الأسوة إبراهيم والذين معه بدليل العطف بينهما. وقوله تعالى: {فِيۤ إِبْرَاهِيمَ وَٱلَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُواْ لِقَوْمِهِم} فقائل القول لقومهم إبراهيم والذين مع إبراهيم، وهذا محل التأسي بهم فيما قالوه لقومهم. وقوله تعالى: {إِلاَّ قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ لأَسْتَغْفِرَنَّ لَك} فهذا القول من إبراهيم ليس موضع التأسي، وموضع التأسي المطلوب في إبراهيم عليه السلام هو ما قاله مع قومه المتقدم جملة، وما فصله تعالى في موضع آخر في قوله تعالى: {أية : وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَآءٌ مِّمَّا تَعْبُدُونَ إِلاَّ ٱلَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ}تفسير : [الزخرف: 26-27] وهذا التبرؤ جعله باقياً في عقبه، كما قال تعالى:{أية : وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ}تفسير : [الزخرف: 28]. وقوله تعالى: {إِلاَّ قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ لأَسْتَغْفِرَنَّ لَك} الآية. لم يبين هنا سبب هذا الاستثناء وهل هو خاص بإبراهيم لأبيه أم لماذا؟ وقد بينه تعالى في موضع آخر في قوله تعالى:{أية : وَمَا كَانَ ٱسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ إِلاَّ عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَآ إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ للَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لأَوَّاهٌ حَلِيمٌ}تفسير : [التوبة: 114] تلك الموعدة التي كانت له عليه في بادئ دعوته حينما قال له أبوه {أية : أَرَاغِبٌ أَنتَ عَنْ آلِهَتِي يٰإِبْرَاهِيمُ لَئِن لَّمْ تَنتَهِ لأَرْجُمَنَّكَ وَٱهْجُرْنِي مَلِيّاً قَالَ سَلاَمٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّيۤ إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيّاً}تفسير : [مريم: 46-47] فكان قد وعده ووفَّى بعهده، فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه، فكان محل التأسي في إبراهيم في هذه التبرؤ من أبيه، لما تبين له أنه عدو لله. وقد جاء ما يدل على أنها قضية عامة وليست خاصة في إبراهيم عليه السلام كما في قوله تعالى: {أية : مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوۤاْ أُوْلِي قُرْبَىٰ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ ٱلْجَحِيمِ}تفسير : [التوبة: 113] وفي هذه الآية وما قبلها أقوى دليل على أن دين الإسلام ليست فيه تبعية أحد لأحد، بل كل نفس بما كسبت رهينة، ولا تزر وازرة وزر أخرى، وأن ليس للإنسان إلا ما سعى. ومن عجب أن يأتي نظير موقف إبراهيم من أبيه مواقف مماثلة في أمم متعددة، منها موقف نوح عليه السلام من ابنه لما قال {أية : رَبِّ إِنَّ ٱبْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ ٱلْحَقُّ وَأَنتَ أَحْكَمُ ٱلْحَاكِمِينَ}تفسير : [هود: 45] فلما تبين له أمره أيضاً من قوله تعالى:{أية : يٰنُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ}تفسير : [هود: 46] الآية {أية : قَالَ رَبِّ إِنِّيۤ أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ}تفسير : [هود: 47] الآية. فكان موقف نوح من ولده كموقف إبراهيم من أبيه. ومنها موقف نوح ولوط من أزواجهما في قوله تعالى: {أية : ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱمْرَأَةَ نُوحٍ وَٱمْرَأَةَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيا عَنْهُمَا مِنَ ٱللَّهِ شَيْئاً}تفسير : [التحريم: 10] الآية. ومنها موقف زوجة فرعون من فرعون في قوله تعالى: {أية : وَضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ ٱمْرَأَةَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ٱبْنِ لِي عِندَكَ بَيْتاً فِي ٱلْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِن فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّالِمِينَ}تفسير : [التحريم: 11] فتبرأت الزوجة من زوجها، وهذا التأسي قد بين تمام البيان معنى قوله تعالى:{أية : لَن تَنفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ وَلاَ أَوْلاَدُكُمْ}تفسير : [الممتحنة: 3] أي ولا آباؤكم ولا أحد من أقربائكم، يوم القيامة يفصل بينكم، وقول إبراهيم لأبيه {وَمَآ أَمْلِكُ لَكَ مِنَ ٱللَّهِ مِن شَيْءٍ} [الممتحنة: 4] بينه ما قدمنا من أن الإسلام ليس فيه تبعية، وأن ليس للإنسان إلا ما سعى، وكل نفس بما كسبت رهينة. وقوله:{أية : يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لاَ يَنفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِيۤ إِيمَانِهَا خَيْراً}تفسير : [الأنعام: 158]، وقوله: {أية : يَوْمَ لاَ تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً وَٱلأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ}تفسير : [الانفطار: 19]. وقد سمعت من الشيخ رحمة الله تعالى عليه محاضرة في (كنو بنيجريا) في مجتمع فيه من يتعلق ببعض الأشخاص في اعتقاداتهم، فعرض هذا الموضوع، وبين عدم استطاعة أحد نفع أحد فكان لها وقع عظيم الأثر في النفوس، ولعل الله ييسر طبعها مع طبع جميع محاضراته في تلك الرحلة الميمونة. مسألة جعل بعض المفسرين هذه الآية دليلاً على أن شرع من قبلنا شرع لنا بدليل التأسي بإبراهيم عليه السلام والذين معه، وتحقيق هذه المسألة في كتب الأصول، وهذه الآية وإن كانت دالة في الجملة على أن شرع من قبلنا شرع لنا، إلا أنها ليست نصاً في محل النزاع. وقد قسم الشيخ رحمة الله تعالى عليه، حكم المسألة إلى ثلاثة أقسام: قسم هو شرع لنا قطعاً، وهو ما جاء في شرعنا أنه شرع لنا كآية الرجم، وكهذه الآية في العداوة والموالاة، وإما ليس بشرع لنا قطعاً كتحريم العمل يوم السبت، وتحريم بعض الشحوم. إلخ. وقسم ثالث: وهو محل النزاع، وهو ما ذكر لنا في القرآن، ولم نؤمر به ولم ننه عنه. فالجمهور على أنه شرع لنا لذكره لنا، لأنه لو لم يكن شرعاً لنا لما كان لذكره لنا فائدة، واستدلوا بقوله تعالى:{أية : شَرَعَ لَكُم مِّنَ ٱلدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِ نُوحاً وَٱلَّذِيۤ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَىٰ أَنْ أَقِيمُواْ ٱلدِّينَ وَلاَ تَتَفَرَّقُواْ فِيهِ}تفسير : [الشورى: 13] وبهذه الآية أيضاً، والشافعي يعارض في هذا القسم ويقول: الآية في العقائد لا في الفروع، ويستدل بقوله تعالى:{أية : لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً}تفسير : [المائدة: 48] وعلى هذا التقسيم المذكور، فالآية ليست نصاً في محل النزاع، لأننا أمرنا بالتأسي به في معين جاء في شرعنا الأمر به في أول السورة. تنبيه يظهر لي في هذه المسألة والله تعالى أعلم: أن الخلاف بين الشافعي والجمهور يكاد يكون شكلياً، وكل محجوج بما حج به الآخر، وذلك كالآتي: أولاً: قوله تعالى: {لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً} يدل على وجود شرعة وعلى وجود منهاج، فإذا جئنا لاستدلال الجمهور {أية : شَرَعَ لَكُم مِّنَ ٱلدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِ نُوحاً}تفسير : [الشورى: 13] لم نجد فيه ذكر المنهاج، ونجد واقع التشريع، أن منهاج ما شرع لنا يغاير منهاج ما شرع لمن قبلنا كما في مشروعية الصيام قال تعالى: {أية : كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ}تفسير : [البقرة: 183] وهذا يتفق في أصل الشرعة، ولكن جاء ما يبين الاختلاف في المنهاج في قوله تعالى: {أية : أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ ٱلصِّيَامِ ٱلرَّفَثُ إِلَىٰ نِسَآئِكُمْ}تفسير : [البقرة: 187] ومعنى ذلك أنه كان محرماً، وهو ضمن منهاج من قبلنا وشرعتهم فاتفقنا معهم في الشرعة واختلف منهجنا عن منهجهم بإحلال ما كان منه حراماً، وهذا ملزم للجمهور، هكذا بقية أركان الإسلام في الصلاة فهي مشروعة للجميع، كما في قوله تعالى: {أية : أَن طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَٱلْعَاكِفِينَ وَٱلرُّكَّعِ ٱلسُّجُودِ}تفسير : [البقرة: 125]، وقوله: {أية : رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ فَٱجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ ٱلنَّاسِ تَهْوِيۤ إِلَيْهِمْ}تفسير : [إبراهيم: 37] وقوله عن عيسى {أية : وَأَوْصَانِي بِٱلصَّلاَةِ وَٱلزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيّاً}تفسير : [مريم: 31]، وغير ذلك. وفي الحج {أية : وَللَّهِ عَلَى ٱلنَّاسِ حِجُّ ٱلْبَيْتِ}تفسير : [آل عمران: 97]، وقوله:{أية : وَأَذِّن فِي ٱلنَّاسِ بِٱلْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً}تفسير : [الحج: 27] الآية، فجميع الأركان، وهي فروع لا عقائد مشروعة في جميع الأديان على جميع الأمم، فاشتركنا معهم في المشروعية، ولكن هل كانت كلها كمنهجها عندنا في أوقاتها وأعدادها وكيفياتها، لقد وجدنا المغايرة في الصوم واضحة، وهكذا في غيرها، فالشرعة عامة للجميع والمنهاج خاص كما يقول الشافعي، والعلم عند الله تعالى.

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 4- قد كانت لكم قدوة حسنة تقتدون بها فى إبراهيم والذين آمنوا معه، حين قالوا لقومهم: إنا بريئون منكم ومن الآلهة التى تعبدونها من دون الله، جحدنا بكم وظهر بيننا وبينكم العداوة والبغضاء، لا تزول أبداً حتى تؤمنوا بالله - وحده - لكن قول إبراهيم لأبيه: لأطلبن لك المغفرة، وما أملك من الله من شئ - ليس مما يقتدى به - لأن ذلك كان قبل أن يعلم أنه مصمم على عداوته لله، فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه، قولوا: - أيها المؤمنون - ربنا عليك اعتمدنا، وإليك رجعنا، وإليك المصير فى الآخرة. 5- ربنا لا تجعلنا بحال نكون بها فتنة للذين كفروا، واغفر لنا ذنوبنا يا ربنا. إنك أنت العزيز الذى لا يغلب ذو الحكمة فيما قضى وقَدَّر. 6- لقد كان لكم - أيها المؤمنون - فى إبراهيم والذين معه قدوة حسنة فى معاداتهم أعداء الله، هذه القدوة لمَن كان يرجو لقاء الله واليوم الآخر، ومَن يُعْرِض عن هذا الاقتداء فقد ظلم نفسه، فإن الله هو الغنى عما سواه، المستحق للحمد من كل ما عداه. 7- عسى الله أن يجعل بينكم وبين الذين عاديتم من الكافرين مودة بتوفيقهم للإيمان، والله تام القدرة والله واسع المغفرة لمن تاب، رحيم بعباده.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: قد كان لكم: أي أيها المؤمنون. أسوة حسنة: أي قدوة صالحة. في إبراهيم والذين معه: من المؤمنين فأتسوا بهم. إذ قالوا لقومهم: أي المشركين. إنا براء منكم ومما تعبدون من دون الله: أي نحن متبرئون منكم، ومن أوثانكم التي تعبدونها. كفرنا بكم: أي جحدنا بكم فلم نعترف لكم بقرابة ولا ولاء. وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء: أي ظهر ذلك واضحاً جلياً لا لبس فيه ولا خفاء. حتى تؤمنوا بالله وحده: أي ستستمر عداوتنا لكم وبغضنا إلى غاية إيمانكم بالله وحده. وإليك أنبنا: أي رجعنا في أمورنا كلها. ربنا لا تجعلنا فتنة للذين كفروا: أي بأن تظهرهم علينا فيفتنوننا في ديننا ويفتتنون بنا يرون أنهم على حق لما يغلبوننا. لقد كان لكم فيهم أسوة حسنة: أي لقد كان لكم أيها المؤمنون في إبراهيم والذين معه أسوة حسنة. لمن كان يرجوا الله واليوم الآخر: أي هي أسوة حسنة لمن كان يؤمن بالله ويرجو ما عنده يوم القيامة. ومن يتول: أي لم يقبل ما أرشدناه إليه من الإِيمان والصبر فيعود إلى الكفر. فإن الله غني حميد: أي فإن الله ليس في حاجة إلى إيمانه وصبره فإنه غنيٌ بذاته لا يفتقر إلى غيره، حميد أي محمود بآلائه وإنعامه على عباده. معنى الآيات: لما حرم تعالى على المؤمنين موالاة الكافرين مع وجود حاجة قد تدعو إلى موالاتهم كما جاء ذلك في اعتذار حاطب بن أبي بلتعة أراد تعالى أن يشجعهم على معاداة الكافرين وعدم موالاتهم بحال من الأحوال لما في ذلك من الضرر والخطر على العقيدة والصلة بالله وهي أعز ما يملك المؤمنون أعلمهم بأنه يُوجد لهم أسوة أي قدوة حسنة في إبراهيم خليله والمؤمنين معه فإنهم على قلتهم وكثرة عدوهم وعلى ضعفهم وقوة خصومهم تبرأوا من أعداء الله وتنكروا لأية صلة تربطهم بهم فقالوا ما قص الله تعالى عنهم في قوله {إِنَّا بُرَءآؤُاْ مِّنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ} "من أصنام وأوثان" كفرنا بكم فلم نعترف لكم بوجود يقتضي مودتنا ونصرتنا لكم، وبدا أي ظهر بيننا وبينكم العداوة والبغضاء بصورة مكشوفة لا ستار عليها لأننا موحدون وأنتم مشركون، لأننا مؤمنون وأنتم كافرون، وسوف تستمر هذه المعاداة وهذه البغضاء بيننا وبينكم حتى تؤمنوا بالله وحده رباً وإلهاً لا رَبَّ غيره ولا إله سواه إذاً فأتسوا أيها المسلمون بإمام الموحدين إبراهيم اللهم إلا ما كان من استغفار إبراهيم لأبيه فلا تأتسوا به ولا تستغفروا لموتاكم المشركين فإن إبراهيم قد ترك ذلك لما علم أن أباه لا يؤمن وأنه يموت كافراً وأنه في النار فقال تعالى إلا قول إبراهيم لأبيه "آزر" لأستغفرن لك وما أملك لك من الله من شيء أي غير الاستغفار. وكان هذا عن وعد قطعه له ساعة المفارقة له إذ قال في سورة مريم: {أية : قَالَ سَلاَمٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّيۤ إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيّاً } تفسير : [الآية: 47] وجاء في سورة التوبة قوله تعالى {أية : وَمَا كَانَ ٱسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ إِلاَّ عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَآ إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ} تفسير : [الآية: 114]. وقوله تعالى {رَّبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا} أي رجعنا من الكفر إلى الإِيمان بك وتوحيدك في عبادتك، وإليك المصير. أي مصير كل شيء يعود إليك وينتهي عندك فتقضى وتحكم بما تشاء. ربنا لا تجعلنا فتنة للذين كفروا أي لا تظهرهم علينا فيفتنونا في ديننا ويردونا إلى الكفر، ويفتنون بنا فيرون أنهم لما غلبونا أنهم على حق ونحن على باطل فيزدادون كفراً ولا يؤمنون. واغفر لنا ربنا أي ذنوبنا السالفة واللاحقة فلا تؤاخذنا بها إنك أنت العزيز الغالب المنتقم ممن عصاك الحكيم في تدبيرك لأوليائك فدبر لنا ما ينفعنا ويرضيك عنا. هذا الابتهال والضراعة من قوله تعالى ربنا عليك توكلنا إلى الحكيم من الجائز أن يكون هذا مما قاله إبراهيم والمؤمنون معه وأن يكون إرشاداً من الله للمؤمنين أن يقولوه تقوية لإِيمانهم وتثبيتاً لهم عليه كما فعل ذلك إبراهيم ومن معه. وقوله تعالى لقد كان لكم فيهم أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر تأكيد لما سبق وتقرير له وتحريك للهِمم لتأخذ به. وقوله لمن كان يرجو الله واليوم الآخر إذ هم الذين ينتفعون بالعبر ويأخذون بالنصائح لحياة قلوبهم بالإِيمان. وقوله تعالى: ومن يتول أي عن الأخذ بهذه الأسوة فيوالى الكافرين فإن الله غني عن إيمانه وولايته له التي استبدلها بولاية أعدائه حميد أي محمود بآلائه وإنعامه على خلقه. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- وجوب الاقتداء بالصالحين في الإِيتساء بهم في الصالحات. 2- حرمة موالاة الكافرين ووجوب معاداتهم ولو كانوا أقرب قريب. 3- كل عداوة وبغضاء تنتهي برجوع العبد إلى الإِيمان والتوحيد بعد الكفر والشرك. 4- لا يجوز الاقتداء في غير الحق والمعروف فإذا أخطأ العبد الصالح فلا يتابع على الخطأ. 5- وجوب تقوية المؤمنين بكل أسباب القوة لأمرين الأول خشية أن يغلبهم الكافرون فيفتنوهم في دينهم ويردوهم إلى الكفر والثاني حتى لا يظن الكافرون الغالبون أنهم على حق بسبب ظهورهم على المسلمين فيزدادوا كفراً فيكون المسلمون سبباً في ذلك فيأثمون للسببية في ذلك.

القطان

تفسير : الأسوة: بضم الهمزة وكسرها: القدوة. برَآءُ: جمع بريء يعني متبرئين منهم. لا تجعلنا فتنة للذين كفروا: لا تسلّطهم علينا فتنزل البلاء علينا بأيديهم. ومن يتولّ: ومن يعرِض. بعد ان بيّن للمؤمنين خطر موالاة الكفار ولو كانوا من أقربائهم وأولادهم - جاء هنا يذكّرهم بما فعل جدُّهم إبراهيم (فإن قريشَ والعرب عامة يعتقدون ان نسبهم متصلٌ بابراهيم) وكيف تبرأ هو والذين هاجروا معه من أهلِهم وقومهم، وعادوهم، وتركوا لهم الديار، فهلاَّ تأسّيتم ايها المؤمنون بهذا النبي العظيم! قد كانت لكم قدوة حسنةٌ تقتدون بها في أبيكم إبراهيمَ والذين معه، حين قالوا لقومهم: تبرأْنا منكم، ومن الآلهة التي تعبدونها من دونِ الله، لا يجمعُنا بكم شيء، كَفَرْنا بكم، وظهر بيننا وبينكم العداوةُ والبغضاء التي لا تزول أبداً حتى تؤمنوا بالله وحده... فلا تجاملوهم أيها المسلمون ولا تُبدوا لهم الرأفةَ وتستغفروا لهم. وأما قولُ إبراهيم لابيه: {لأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَآ أَمْلِكُ لَكَ مِنَ ٱللَّهِ مِن شَيْءٍ} فإنما كان عن مَوْعِدَةٍ وعدها إياه، فلما تبيّن له انه عدوٌ للهِ تبرّأ منه، كما جاء في سورة التوبة الآية 114: {وَمَا كَانَ ٱسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ إِلاَّ عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَآ إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ للَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ} ثم بين الله كيف ترك إبراهيمُ والذين معه قومهم وأوطانهم والتجأوا الى الله: {رَّبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ ٱلْمَصِيرُ}. ربّنا قد اعتمدْنا عليك في جميع أمورنا، ورجعنا اليك بالتوبة، ومصيرُنا اليك. فاقتدوا بهم أيها المؤمنون. {رَبَّنَا لاَ تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ وَٱغْفِرْ لَنَا}. ربّنا لا تجعلّنا بحالٍ نكون فيها فتنة للكافرين، بأن تُظهرَهم علينا فيفتنونا بذلك، واغفر لنا ذنوبنا، {رَبَّنَآ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ}. ثم كرر ما تقدّم للاقتداء بإبراهيم عليه السلام ومن معه فقال: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو ٱللَّهَ وَٱلْيَوْمَ ٱلآخِرَ}. لقد كان لكم أيها المؤمنون في إبراهيمَ والذين معه قدوةٌ حسنة في معاداتكم لأعداء الله، وهذه القدوةُ لمن كان يرجو لقاء الله في اليوم الآخر. {وَمَن يَتَوَلَّ فَإِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْغَنِيُّ ٱلْحَمِيدُ}. ومن يعرض عن هذا الاقتداء فقد ظلم نفسه، والله غنيّ عن إيمانه، بل عن جميع خلقه، محمود بأياديه وآلائه. {عَسَى ٱللَّهُ أَن يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ ٱلَّذِينَ عَادَيْتُم....} من الكافرين مودّةً بتوفيقهم للايمان، {وَٱللَّهُ قَدِيرٌ وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}. وقد صدقت نبوءةُ القرآن ففُتحت مكة، وأسلم كثيرٌ من المشركين الذين نهاهم الله عن مودّتهم، ودخل الناسُ في دين الله أفواجا. قراءات: قرأ الجمهور: إسوة بكسر الهمزة. وقرأ عاصم: أسوة بضم الهمزة وهما لغتان.

د. أسعد حومد

تفسير : {ۤ إِبْرَاهِيمَ} {بُرَءآؤاْ} {ٱلْعَدَاوَةُ} (4) - أَفَلاَ تَأَسَّى هَؤُلاَءِ الذِينَ يُوَادُّونَ الكَافِرِينَ بِأَبِيهِمْ إِبْرَاهِيمَ، وَأَصْحَابِهِ المُؤْمِنينَ، حِينَ قَالُوا لِقَوْمِهِم الذِينَ كَفَرُوا بِاللهِ: إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ مِنَ الآلِهَةِ وَالأَنْدَادِ، وَجََحَدْنَا مَا أَنْتُمْ عَلَيهِ مِنَ الكُفْرِ، وَأَنْكَرْنَا عِبَادَتَكُمْ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ مِنْ حِجَارَةٍ وَأَوْثَانٍ وَأَصْنَامٍ، وَقَدْ أَعْلَنَّا الحَرْبَ عَلَيْكُمْ، فَلاَ هَوَادَةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ، وَسَنَبْقَى عَلَى ذَلِكَ حَتَّى تُؤمِنُوا بِاللهِ وَتُوَحِّدُوهُ، وَتَعْبُدُوهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، وَلاَ صَاحِبَةَ وَلاَ وَلَدَ، وَتَتَخَلَّصُوا مِنْ عِبَادَةِ الأَصْنَامِ وَالأَوْثَانِ. وَلَكُمْ فِي أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ وَقَوْمِهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ تَتَأَسَّوْنَ بِهَا، وَتَعْتَبِرُونَ بِهَا فِي مَسْلَكِكُمْ وَعِبَادَتِكُمْ، وَلاَ تَسْتَثْنُوا مِنْ تَصَرُّفَاتِ إِبْرَاهِيمَ التِي تَقْتَدُونَ بِهَا إِلاَّ اسْتِغْفَارَهُ لأَِبِيهِ الذِي بَقِيَ مُقِيماً عَلَى الكُفْرِ، فَقَدْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَِبِيهِ: إِنَّهُ سَيَسْتَغْفِرُ لَهُ اللهَ، وَإِنَّهُ لاَ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَنْفَعَهُ بِأَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، فَالأَمْرُ مَرْدُودٌ إِلَى مَشِيئَةِ اللهِ، إِنْ شَاءَ غَفَرَ وَإِنْ شَاءَ عَذَّبَ. وَلَكِنَّ هَذَا القَوْلَ صَدَرَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ حِينَمَا وَعَدَهُ أَبُوهُ بِأَنَّهُ سَيُؤْمِنُ بِاللهِ، وَيَتْبَعُهُ فِيمَا يَعْبُدُ. فَلَمَّا تَبَيَّنَ إِبْرَاهِيمُ أَنَّ أَبَاهُ عَدُوٌ للهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ. وَحِينَمَا فَارَقَ إِبْرَاهِيمُ وَالمُؤْمِنُونُ مَعَهُ قَوْمَهُمْ لَجَؤُوا إِلَى اللهِ مُتَضَرِّعِينَ قَائِلِينَ: رَبَّنَا إِنَّنَا اعْتَمَدْنَا عَلَيْكَ فِي جَمِيعِ أُمُورِنَا (تَوَكَّلْنَا)، وَرَجَعْنَا إِلَيكَ بِالتَّوْبَةِ مِنْ ذُنُوبِنَا، وَإِلَيكَ مَصِيرُنَا حِينَ تَبْعَثُنَا مِنْ قُبُورِنَا لِلْعََرْضِ وَالحِسَابِ. فَاقْتَدُوا بِهِمْ يَا أَيُّهَا المُؤْمِنُونَ، وَقُولُوا مِثْلَ قَوْلِهِمْ. أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ - قُدْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي التَّبَرُّؤ مِنَ الضَّالِينَ. براءُ مِنْكُمْ - أَبْرِيَاءُ مِنْكُمْ. إِلَيكَ أَنَبْنا - إِليكَ رَجَعْنَا تَائِبِينَ.

مجاهد بن جبر المخزومي

تفسير : أَنبا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله، عز وجل: {قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِيۤ إِبْرَاهِيمَ وَٱلَّذِينَ مَعَهُ}... {إِلاَّ قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ} [الآية: 4]. قال: نهوا أَن يتأَسوا باستغفار إِبراهيم لأَبيه، فيستغفروا للمشركين. أَنبا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: نا ورقاءُ [الآية: 5] يقول: ربنا لاتعذبنا بأَيديهم، ولا بعذاب من عندك فيقولوا: لو كان هؤلاءِ على حق، ما أَصابهم هذا، وما سلطنا عليهم.

الجيلاني

تفسير : ولا تستنكفوا عن حكم الله إياكم بقطع أرحامكم الكفرة، وأقاربكم المشركين؛ إذ {قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ} وقدوة {حَسَنَةٌ} صالحة لائقة يُؤتسى ويُقتدى بها، كانت تلك القدوة نازلة {فِيۤ} شأن {إِبْرَاهِيمَ وَٱلَّذِينَ مَعَهُ} المؤمنين له، والمسترشدين من المتدينين بدينه، وقد كانوا يقولون بمقتضى تلك الأسوة الحسنة وقت {إِذْ قَالُواْ لِقَوْمِهِمْ} الذين هم أقاربهم وأرحامهم الكفرة وعبدة الأوثان: {إِنَّا} بعدما كوشفنا بوحدة الحق {بُرَءآؤُاْ} برئيون {مِّنْكُمْ} لانهماكهم في الشرك أيضاً {وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ} من الأصنام والأوثان الباطلة العاطلة، وبالجملة: {كَفَرْنَا بِكُمْ} وبدينكم الباطل، ومعبوداتكم العاطلة الباطلة. {وَ} بعد اليوم {بَدَا} ظهر {بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ ٱلْعَدَاوَةُ وَٱلْبَغْضَآءُ أَبَداً} لا نصالح ولا نواسي معكم أصلاً {حَتَّىٰ تُؤْمِنُواْ بِٱللَّهِ وَحْدَهُ} وتتبرؤوا عن معبوداتكم الباطلة مثلنا، فعليكم أيها المؤمنون اليوم أن تأتسوا وتقتدوا لجميع ما قال إبراهيم عليه السلام ومن تبعه لقومهم فيما مضى {إِلاَّ قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ} الكافر: {لأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ} من الله يا أبي، وبالجملة: اقتدوا أيها المؤمنون بجميع أطوار إبراهيم عليه السلام وأقواله سوى هذا القول لأبيه معتذراً منه بقوله: {وَمَآ أَمْلِكُ لَكَ} أي: ما أقدر وأدفع منك {مِنَ} غضب {ٱللَّهِ} المنتقم الغيور {مِن شَيْءٍ} نزل عليك بمقتضى قهره وسخطه سبحانه سوى الاستغفار والشفاعة إن قَبِل الملك الغفار مني هذا، وذلك قبل ورود النهي صلى الله عليه وسلم عن ودادة أهل الكفر، أو صدر عنه هذا الموعود وعدها إياه. وبعدما أُمرتم أيها المؤمنون بمحبة الله ومحبة رسوله والذين آمنوا معه، وتدينوا بدينه، ونُهيتم عن مودة الأعداء وموالاتهم، ومواساة أخلاقهم وأطوارهم، قولوا مسترجعين إلى الله، مناجين معه: {رَّبَّنَا} يا من ربَّانا على فطرة التوحيد والإسلام {عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا} في كل الأمور بلا رؤية الوسائل في البين ثقةً واعتماداً عليك {وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا} عدنا ورجعنا في الخطوب وعموم الملمات، لا إلى غيرك من الأسباب العادية {وَ} بالجملة: {إِلَيْكَ ٱلْمَصِيرُ} [الممتحنة: 4] كما أن مصدره منك؛ إذ لا موجود سواك، ولا مقصد ولا مقصود غيرك. وبعدما وطنتنا في مقر توحيدك يا {رَبَّنَا لاَ تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ} بأن تسلطهم علينا فيفتنوا بنا، ويصيبونا بعذاب لا طاقة لنا بحمله {وَٱغْفِرْ لَنَا رَبَّنَآ} ما فرطنا بمقتضى بشريتنا {إِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ} الغالب المقتدر على وجوه الإنعام والانتقام {ٱلْحَكِيمُ} [الممتحنة: 5] المتقن في تدبير مصالح العباد، وما جرى عليهم في المعاش والمعاد. ثمَّ بالغ سبحانه في التأسي والاقتداء بملة إبراهيم عليه السلام وقدوته فقال مؤكداً بالقسم: والله {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ} أيها المؤمنون {فِيهِمْ} أي: في إبراهيم والذين معه {أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} جرية صالحة يُؤتسى ويُقتدى {لِّمَن كَانَ يَرْجُو ٱللَّهَ} أي: التحقق برضاه، والتسليم بقضاه {وَ} يرجو {ٱلْيَوْمَ ٱلآخِرَ} ليتحقق عند مولاه بما وعد له وهيأه {وَمَن يَتَوَلَّ} ويعرض عن الله، ولم يؤمن بالوقوف بين يدي الله فلن يضر الله شيئاً {فَإِنَّ ٱللَّهَ} المتعزز برداء العظمة والكبرياء {هُوَ ٱلْغَنِيُّ} المستغني بذاته، لا احتياج له إلى رجاء الراجين ومناجاتهم معه، ورفع حاجاتهم إياه {ٱلْحَمِيدُ} [الممتحنة: 6] حسب أسمائه وصفاته بلا افتقار له إلى الحمد الحامدين، وشكر الشاكرين.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : {قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِيۤ إِبْرَاهِيمَ وَٱلَّذِينَ مَعَهُ} [الممتحنة: 4] لأن اللطيفة القلبية {إِذْ قَالُواْ} [الممتحنة: 4] لآبائهم {لِقَوْمِهِمْ} [الممتحنة: 4] بعد أن ظهر لهم شركهم {إِنَّا بُرَءآؤُاْ مِّنْكُمْ} [الممتحنة: 4] فينبغي أن يتبعوا أثر اللطيفة القلبية، وإنا أمرنا اللطيفة الخفية بأن تتبع ملة أبيها إبراهيم، وهو اللطيفة القلبية، وهذا سر عظيم أشير إليه؛ لئلا تغلظ في نسبة الأبوة. اعلم أن الله تعالى أودع اللطيفة الخفية في جميع الأشياء، ولكنها مستكنة مستورة بأستار وحجب مما لا يجب ردها ورباها في أطوار التراكيب حتى وصلت إلى تركيب هو أعدل التراكيب، وهو القلب فصارت نطفة اللطيفة الخفية في طهر اللطيفة القلبية مستعدة، إذا وجدت لطيفة قابلة لها يدع فيها؛ فأرسل الله الإرادية لتكون قابلة لتلك النطفة، فإذا شاهدت اللطيفة القلبية استعداد قابليتها أودعت فيها النطفة ورباها الله في رحم الإرادة مدة مديدة ورقاها برقاها حتى وصلت إلى حضرة الحق فأمرها بالرجوع إلى العوالم التي عبرت عليها لتنذر أهلها وتبشر أممها فهو خاتم اللطائف والمقصود من إيجاد الكل ولأجل هذا أشار إليه أن {أية : واتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَٰهِيمَ حَنِيفاً}تفسير : [النساء: 125] {أية : وَمَا كَانَ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ}تفسير : [البقرة: 135] والزيادة على هذا الكشف منتهي لأن سره من أسرار مطلع القرآن {إِذْ قَالُواْ لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَءآؤُاْ مِّنْكُمْ} يعني: أنتم إذا دخلتم في متابعة اللطيفة ينبغي ألا تلتفتوا إلى أرحامكم وأولادكم ويقولوا ألقوا ما قالت اللطيفة القلبية وقواها لآبائهم {وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ} [الممتحنة: 4] يعني: يقولون إنا براء ممنكم ومن آلهة هواكم {كَفَرْنَا بِكُمْ} [الممتحنة: 4] وبآلهتكم {وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ ٱلْعَدَاوَةُ} [الممتحنة: 4] الخفية {وَٱلْبَغْضَآءُ} [الممتحنة: 4] لله تعالى {أَبَداً حَتَّىٰ تُؤْمِنُواْ بِٱللَّهِ وَحْدَهُ} [الممتحنة: 4] وتتركوا آلهتكم وترجعوا عن شركائكم وتتبعوا أسوة إبراهيم {إِلاَّ قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ لأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ} [الممتحنة: 4] قبل أن جاءه الوارد وأعلمه أن أباه لم يدخل دين الحق يعني: يجب عليكم متابعة اللطيفة القلبية إلا في قولها قبل وقوفها على أمر اللطيفة الروحية المستكبرة المرساة في تراب الطبيعة التابعة للقوى القالبية {لأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ} فلما تبين للطيفة القلبية مردوديتها بتراب منها وقالت {وَمَآ أَمْلِكُ لَكَ مِنَ ٱللَّهِ مِن شَيْءٍ} [الممتحنة: 4] يعني: لا أقدر أن أدفع عنك عذاب الله إن عصيت الرب وأشركت به {رَّبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ ٱلْمَصِيرُ} [الممتحنة: 4] بإعراضنا عن آبائنا وأمهاتنا وعشائرنا وأرحامنا وأولادنا وإليك أنبنا من [راعيتنا] القوى القالبية والنفسية ومودتنا لها وإليك المصير يعني: إليك مرجعنا ومالنا ملجأ وملاذ غير ذكر الكريم {رَبَّنَا لاَ تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ} [الممتحنة: 5] يعني: لا تجعلهم غالبين علينا ولا منصورين بل أجعل كيدهم في تضليل واجعلهم مغلوبين مقهورين {وَٱغْفِرْ لَنَا رَبَّنَآ} [الممتحنة: 5] صدر عنا من الجهل بإخبارنا إياهم الأخبار والأسرار نصيحة لهم ومودة ونزعة رحيمية {إِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ} [الممتحنة: 5] يعني: أنت غالب على أمرك حكيم في جميع أفعالك أن تغفر لنا فنحن عبادك وإن تعذبنا فأنت أعلم وأحكم ونحن مستحقون العذاب {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} [الممتحنة: 6] أيتها القوة المؤمنة المتابعة اللطيفة الخفية في القوى القلبية التابعة للطيفة القلبية {أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو ٱللَّهَ وَٱلْيَوْمَ ٱلآخِرَ} [الممتحنة: 6] يعني: تبرأ مما تبرى، ويقولون ما قالوا {وَمَن يَتَوَلَّ} [الممتحنة: 6] أي: يعرض عن أسوتهم الحسنة {فَإِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْغَنِيُّ ٱلْحَمِيدُ} [الممتحنة: 6] يعني: الحق مستغن عن عبادتكم حميد في ذاته إن لم يحمده ويعبده أحد ولا تقنطوا أيتها القوى المؤمنة عن إيمان القوى القالبية والنفسية القريبة لكم.