Verse. 5156 (AR)

٦٠ - ٱلْمُمْتَحَنَة

60 - Al-Mumtahana (AR)

لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيْہِمْ اُسْوَۃٌ حَسَـنَۃٌ لِّمَنْ كَانَ يَرْجُوا اللہَ وَالْيَوْمَ الْاٰخِرَ۝۰ۭ وَمَنْ يَّتَوَلَّ فَاِنَّ اللہَ ہُوَالْغَنِيُّ الْحَمِيْدُ۝۶ۧ
Laqad kana lakum feehim oswatun hasanatun liman kana yarjoo Allaha waalyawma alakhira waman yatawalla fainna Allaha huwa alghanniyyu alhameedu

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«لقد كان لكم» يا أمة محمد جواب قسم مقدر «فيهم أسوة حسنة لمن كان» بدل اشتمال من كم بإعادة الجار «يرجوا الله واليوم الآخر» أي يخافهما أو يظن الثواب والعقاب «ومن يتول» بأن يوالي الكفار «فإن الله هو الغني» عن خلقه «الحميد» لأهل طاعته.

6

Tafseer

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ}. أي في إبراهيم ومن معه من الأنبياء والأولياء. {أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} أي في التبرّؤ من الكفار. وقيل: كرّر للتأكيد. وقيل: نزل الثاني بعد الأول بمدة؛ وما أكثر المكررات في القرآن على هذا الوجه. {وَمَن يَتَوَلَّ} أي عن الإسلام وقبول هذه المواعظ {فَإِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْغَنِيُّ} أي لم يتعبّدهم لحاجته إليهم. {ٱلْحَمِيدُ } في نفسه وصفاته. ولما نزلت عادى المسلمون أقرباءهم من المشركين؛ فعلم الله شدة وجد المسلمين في ذلك فنزلت: {عَسَى ٱللَّهُ أَن يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ ٱلَّذِينَ عَادَيْتُم مِّنْهُم مَّوَدَّةً} وهذا بأن يُسلم الكافر. وقد أسلم قوم منهم بعد فتح مكة وخالطهم المسلمون؛ كأبي سفيان بن حرب، والحارث بن هشام، وسُهيل بن عمرو، وحكيم بن حِزام. وقيل: المودّة تزويج النبيّ صلى الله عليه وسلم أمَّ حَبيبة بنت أبي سفيان؛ فلانت عند ذلك عَرِيكة أبي سفيان، واسترخت شكيمته في العداوة. قال ابن عباس: كانت المودّة بعد الفتح تزويج النبيّ صلى الله عليه وسلم أمّ حبيبة بنت أبي سفيان؛ وكانت تحت عبد الله بن جَحْش، وكانت هي وزوجها من مهاجرة الحبشة. فأمّا زوجها فتنصّر وسألها أن تتابعه على دينه فأبت وصبرت على دينها، ومات زوجها على النصرانية. فبعث النبيّ صلى الله عليه وسلم إلى النجاشي فخطبها؛ فقال النجاشي لأصحابه: من أولاكم بها؟ قالوا: خالد بن سعيد بن العاص. قال فزوِّجْها من نبيّكم. ففعل؛ وأمهرها النجاشي من عنده أربعمائة دينار. وقيل: خطبها النبيّ صلى الله عليه وسلم إلى عثمان بن عَفّان، فلما زوّجه إياها بعث إلى النجاشي فيها؛ فساق عنه المهر وبعث بها إليه. فقال أبو سفيان وهو مشرك لما بلغه تزويج النبيّ صلى الله عليه وسلم ابنته: ذلك الفَحْلُ لا يُقْدَع أنْفُه. «يقدع» بالدال غير المعجمة؛ يقال: هذا فحل لا يقدع أنفه؛ أي لا يضرب أنفه. وذلك إذا كان كريماً.

المحلي و السيوطي

تفسير : {لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ } يا أمة محمد جواب قسم مقدر {فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ } بدل اشتمال من «كم» بإعادة الجار {يَرْجُو ٱللَّهَ وَٱلْيَوْمَ ٱلأَخِرَ } أي يخافهما أو يظن الثواب والعقاب {وَمَن يَتَوَلَّ } بأن يوالي الكفار {فَإِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْغَنِىُّ } عن خلقه {ٱلْحَمِيدُ} لأهل طاعته.

النسفي

تفسير : {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لّمَن كَانَ يَرْجُو ٱللَّهَ وَٱلْيَوْمَ ٱلأَخِرَ } ثم كرر الحث على الائتساء بإبراهيم عليه السلام وقومه تقريراً وتأكيداً عليهم، ولذا جاء به مصدراً بالقسم لأنه الغاية في التأكيد، وأبدل من قوله {لَكُمْ } قوله {لّمَن كَانَ يَرْجُو ٱللَّهَ} أي ثوابه أي يخشى الله وعقبه بقوله {وَمَن يَتَوَلَّ } يعرض عن أمرنا ويوال الكفار {فَإِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْغَنِىُّ } عن الخلق {ٱلْحَمِيدُ} المستحق للحمد فلم يترك نوعاً من التأكيد إلا جاء به ولما أنزلت هذه الآيات وتشدد المؤمنون في عداوة آبائهم وأبنائهم وجميع أقربائهم من المشركين أطمعهم في تحول الحال إلى خلافة فقال: {عَسَى ٱللَّهُ أَن يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ ٱلَّذِينَ عَادَيْتُم مّنْهُم } أي من أهل مكة من أقربائكم {مَّوَدَّةَ } بأن يوفقهم للإيمان، فلما يسر فتح مكة أظفرهم الله بأمنيتهم فأسلم قومهم وتم بينهم التحاب. و «عسى» وعد من الله على عادات الملوك حيث يقولون في بعض الحوائج عسى أو لعل فلا تبقى شبهة للمحتاج في تمام ذلك أو أريد به إطماع المؤمنين {وَٱللَّهُ قَدِيرٌ } على تقليب القلوب وتحويل الأحوال وتسهيل أسباب المودة {وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } لمن أسلم من المشركين {لاَّ يَنْهَـٰكُمُ ٱللَّهُ عَنِ ٱلَّذِينَ لَمْ يُقَـٰتِلُوكُمْ فِى ٱلدّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مّن دِيَـٰرِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ } تكرموهم وتحسنوا إليهم قولاً وفعلاً. ومحل {أَن تَبَرُّوهُمْ } جر على البدل من {ٱلَّذِينَ لَمْ يُقَـٰتِلُوكُمْ } وهو بدل اشتمال والتقدير عن بر الذين {وَتُقْسِطُواْ إِلَيْهِمْ } وتقضوا إليهم بالقسط ولا تظلموهم، وإذا نهى عن الظلم في حق المشرك فكيف في حق المسلم {إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُقْسِطِينَ إِنَّمَا يَنْهَـٰكُمُ ٱللَّهُ عَنِ ٱلَّذِينَ قَـٰتَلُوكُمْ فِى ٱلدّينِ وَأَخْرَجُوكُم مّن دِيَـٰرِكُمْ وَظَـٰهَرُواْ عَلَىٰ إِخْرٰجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ } هو بدل من {ٱلَّذِينَ قَـٰتَلُوكُمْ } والمعنى لا ينهاكم عن مبرة هؤلاء وإنما ينهاكم عن تولي هؤلاء {وَمَن يَتَوَلَّهُمْ } منكم {فَأُوْلَـئِكَ هُمُ ٱلظَّـٰلِمُونَ } حيث وضعوا التولي غير موضعه. {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ إِذَا جَاءكُمُ ٱلْمُؤْمِنَـٰتُ } سماهن مؤمنات لنطقهن بكلمة الشهادة، أو لأنهن مشارفات لثبات إيمانهن بالامتحان {مُهَـٰجِرٰتٍ } نصب على الحال {فَٱمْتَحِنُوهُنَّ } فابتلوهن بالنظر في الأمارات ليغلب على ظنونكم صدق إيمانهن. وعن ابن عباس: امتحانها أن تقول أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله {ٱللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَـٰنِهِنَّ } منكم فإنكم وإن رزتم أحوالهن لا تعلمون ذلك حقيقة وعند الله حقيقة العلم به {فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَـٰتٍ } العلم الذي تبلغه طاقتكم وهو الظن الغالب بظهور الأمارات، وتسمية الظن علماً يؤذن بأن الظن الغالب وما يفضي إليه القياس جارٍ مجرى العلم وصاحبه غير داخل في قوله {أية : وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ }تفسير : [الإسراء: 36] {فَلاَ تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى ٱلْكُفَّارِ } فلا تردوهن إلى أزواجهن المشركين. {لاَ هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ وَلاَ هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ } أي لا حل بين المؤمنة والمشرك لوقوع الفرقة بينهما بخروجها مسلمة {وَءاتُوهُم مَّا أَنفَقُواْ } وأعطوا أزواجهن مثل ما دفعوا إليهن من المهور. نزلت الآية بعد صلح الحديبية وكان الصلح قد وقع على أن يرد على أهل مكة من جاء مؤمناً منهم، فأنزل الله هذه الآية بياناً لأن ذلك في الرجال لا في النساء لأن المسلمة لا تحل للكافر. وقيل: نسخت هذه الآية الحكم الأول {وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَن تَنكِحُوهُنَّ } ثم نفى عنهم الجناح في تزوج هؤلاء المهاجرات {ءَاتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ} أي مهورهن لأن المهر أجر البضع وبه احتج أبو حنيفة رضي الله عنه على أن لا عدة على المهاجرة {وَلاَ تُمْسِكُواْ } {وَلاَ تُمْسِكُواْ } بصري {بِعِصَمِ ٱلْكَوَافِرِ } العصمة ما يعتصم به من عقد وسبب. والكوافر جمع كافرة وهي التي بقيت في دار الحرب أو لحقت بدار الحرب مرتدة أي لا يكن بينكم وبينهن عصمة ولا علقة زوجية. قال ابن عباس رضي الله عنهما: من كانت له امرأة كافرة بمكة فلا يعتدّنّ بها من نسائه لأن اختلاف الدارين قطع عصمتها منه {وَسْئَلُواْ مَا أَنفَقْتُم } من مهور أزواجكم اللاحقات بالكفار ممن تزوجها {وَلْيَسْـئَلُواْ مَا أَنفَقُواْ } من مهور نسائهم المهاجرات ممن تزوجها منا {ذَلِكُمْ حُكْمُ ٱللَّهِ } أي جميع ما ذكر في هذه الآية {يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ } كلام مستأنف أو حال من حكم الله على حذف الضمير أي يحكمه الله، أو جعل الحكم حاكماً على المبالغة وهو منسوخ فلم يبق سؤال المهر لا منا ولا منهم {وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ وَإِن فَاتَكُمْ شَىْء مّنْ أَزْوٰجِكُمْ إِلَى ٱلْكُفَّـٰرِ } وإن انفلت أحد منهن إلى الكفار وهو في قراءة ابن مسعود رضي الله عنه أحد. {فَعَـٰقَبْتُمْ } فأصبتموهم في القتال بعقوبة حتى غنمتم عن الزجاج {فَأَتُواْ ٱلَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوٰجُهُمْ مّثْلَ مَا أَنفَقُواْ } فأعطوا المسلمين الذين ارتدت زوجاتهم ولحقن بدار الحرب مهور زوجاتهم من هذه الغنيمة {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ٱلَّذِى أَنتُم بِهِ مُؤْمِنُونَ } وقيل: هذا الحكم منسوخ أيضاً. {يأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ إِذَا جَاءكَ ٱلْمُؤْمِنَـٰتُ يُبَايِعْنَكَ } حال {عَلَىٰ أَن لاَّ يُشْرِكْنَ بِٱللَّهِ شَيْئاً وَلاَ يَسْرِقْنَ وَلاَ يَزْنِينَ وَلاَ يَقْتُلْنَ أَوْلْـٰدَهُنَّ } يريد وأد البنات {وَلاَ يَأْتِينَ بِبُهُتَـٰنٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ } كانت المرأة تلتقط المولود فتقول لزوجها هو ولدي منك، كنى بالبهتان المفترى بين يديها ورجليها عن الولد الذي تلصقه بزوجها كذباً، لأن بطنها الذي تحمله فيه بين اليدين وفرجها الذي تلده به بين الرجلين {وَلاَ يَعْصِينَكَ فِى مَعْرُوفٍ } طاعة الله ورسوله {فَبَايِعْهُنَّ وَٱسْتَغْفِرْ لَهُنَّ ٱللَّهَ } عما مضى {إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ} بتمحيق ما سلف {رَّحِيمٌ} بتوفيق ما ائتنف. وروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما فرغ من فتح مكة من بيعة الرجال أخذ في بيعة النساء وهو على الصفا وعمر قاعد أسفل منه يبايعهن عنه بأمره ويبلغهن عنه، وهند بنت عتبة امرأة أبي سفيان متقنعة متنكرة خوفاً من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعرفها لما صنعت بحمزة فقال عليه السلام:«حديث : أبايعكن على أن لا تشركن بالله شيئاً»تفسير : فبايع عمر النساء على أن لا يشركن بالله شيئاً فقال عليه السلام: «حديث : ولا يسرقن»تفسير : فقالت هند: إن أبا سفيان رجل شحيح وإني أصبت من ماله هنات فقال أبو سفيان: ما أصبت فهو لك حلال فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم وعرفها فقال لها: إنك لهند. قالت: نعم فاعف عما سلف يا نبي الله عفا الله عنك فقال: «حديث : ولا يزنين»تفسير : فقالت: أو تزني الحرة؟ فقال: «حديث : ولا يقتلن أولادهن»تفسير : فقالت: ربيناهم صغاراً وقتلتهم كباراً فأنتم وهم أعلم، وكان ابنها حنظلة قد قتل يوم بدر فضحك عمر حتى استلقى وتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «حديث : ولا يأتين ببهتان»تفسير : فقالت: والله إن البهتان لأمر قبيح وما تأمرنا إلا بالرشد ومكارم الأخلاق. فقال: «حديث : ولا يعصينك في معروف»تفسير : فقالت: والله ما جلسنا مجلسنا هذا وفي أنفسنا أن نعصيك في شيء وهو يشير إلى أن طاعة الولاة لا تجب في المنكر. {يأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ لاَ تَتَوَلَّوْاْ قوْماً غَضِبَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ } ختم السورة بما بدأ به قيل هم المشركون {قَدْ يَئِسُواْ مِنَ ٱلأَخِرَةِ } من ثوابها لأنهم ينكرون البعث {كَمَا يَئِسَ ٱلْكُفَّـٰرُ } أي كما يئسوا إلا أنه وضع الظاهر موضع الضمير {مِنْ أَصْحَـٰبِ ٱلْقُبُورِ } أن يرجعوا إليهم أو كما يئس أسلافهم الذين هم في القبور من الآخرة أي هؤلاء كسلفهم. وقيل: هم اليهود أي لا تتولوا قوماً مغضوباً عليهم قد يئسوا من أن يكون لهم حظ في الآخرة لعنادهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم يعلمون أنه الرسول المنعوت في التوراة، كما يئس الكفار من موتاهم أن يبعثوا ويرجعوا أحياء. وقيل: من أصحاب القبور بيان للكفار أي كما يئس الكفار الذين قبروا من خير الآخرة لأنهم تبينوا قبح حالهم وسوء منقلبهم، والله أعلم.

الخازن

تفسير : {لقد كان لكم فيهم} يعني في إبراهيم ومن معه {أسوة حسنة} أي اقتداء حسن {لمن كان يرجوا الله واليوم الآخر} أي إن هذه الأسوة لمن يخاف الله ويخاف عذاب الآخرة {ومن يتول} أي يعرض عن الإيمان ويوالي الكفار {فإن الله هو الغني} أي عن خلقه {الحميد} أي إلى أهل طاعته وأوليائه فلما أمر الله المؤمنين بعداوة الكفار عادى المؤمنون أقرباءهم المشركين وأظهروا لهم العداوة والبراءة وعلم الله شدة وجد المؤمنين بذلك فأنزل الله تعالى {عسى الله أن يجعل بينكم وبين الذين عاديتم منهم} أي من كفار مكة {مودة} ففعل الله تعالى ذلك بأن أسلم كثير منهم فصاروا لهم أولياء وإخواناً وخالطوهم وناكحوهم وتزوج النبي صلى الله عليه وسلم أم حبيبة بنت أبي سفيان ولان لهم أبو سفيان {والله قدير} أي علي جعل المودة بينكم {والله غفور رحيم} أي لمن تاب منهم وأسلم ثم رخص في صلة الذين لم يعادوا المؤمنين ولم يقاتلوهم فقال تعالى: {لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم} أي لا ينهاكم الله عن بر الذين لم يقاتلوكم {وتقسطوا إليهم} أي وتعدلوا فيهم بالإحسان إليهم والبر {إن الله يحب المقسطين} أي العادلين قال ابن عباس نزلت في خزاعة وذلك أنهم صالحوا رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن لا يقاتلوه ولا يعينوا عليه أحداً فرخص الله في برهم وقال عبد الله بن الزبير نزلت في أمه وهي أسماء بنت أبي بكر وذلك أن أمها قتيلة بنت عبد العزى قدمت عليها المدينة بهدايا ضباباً وأقطاً وسمناً وهي مشركة فقالت أسماء لا أقبل منك هدية ولا تدخلي عليّ بيتاً حتى أستأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألته فأنزل الله تعالى هذه الآية فأمرها رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تدخلها منزلها وأن تقبل هديتها وتكرمها وتحسن إليها"، (ق) عن أسماء بنت أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنهما قالت "حديث : قدمت على أمي وهي مشركة في عهد قريش إذ عاهدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ومدتهم فاستفتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت يا رسول الله إن أمي قدمت عليّ وهي راغبة أفأصلها قال نعم صليها"تفسير : ، زاد في رواية قال ابن عيينة فأنزل الله فيها {لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين} ثم ذكر الله الذي نهى عن صلتهم وبرهم فقال تعالى: {إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا على إخراجكم...}.

الثعالبي

تفسير : وقوله تعالى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ} أي: في إبراهيم والذين معه، وباقي الآية بَيِّنٌ، وروي أَنَّ هذهِ الآياتِ لما نزلت، وَعَزَمَ المؤمنون على امتثالها، وَصَرْمِ حِبَالِ الكَفَرَةِ ـــ لحقهم تَأَسُّفٌ وهمٌّ من أَجل قراباتهم؛ إذ لم يؤمنوا، ولم يهتدوا، حَتَّى يكونَ بينهم التوادُدُ والتواصُلُ، فنزلت: {عَسَى ٱللَّهُ...} الآية: مؤنسةً في ذلك، ومُرْجِيةً أَنْ يقعَ، فوقع ذلك بإسلامهم في الفتح، وصار الجميعُ إخواناً، وعسى من اللَّه واجبةُ الوقوع. * ت *: قد تقدم تحقيقُ القولِ في {عَسَى} في سورة القصص، فأغنى عن إعادته.

البقاعي

تفسير : ولما أتم ما حثهم على التأسي فيه بذكر أعظم آبائهم لأن دواعي الإنسان إلى المداراة عما يخاف عليه من أقاربه وآله وجميع أحواله عظيمة جداً إن كان المدارأ عظيماً لا سيما إن كان قد تقدم له صداقة وبه ألفة، فكان جديراً بعد الوعظ والتأسية أن يبقى عنده بقايا ولا سيما والناس متفاوتون، منهم من يرده أيسر وعظ ومنهم من يحتاج إلى أكثر من ذلك أعاد التأسية تأكيداً لها على وجه بلغ الذروة من جمال الترغيب وجلال الترهيب، وليكون فيها أتم دلالة على أن ما بينهما من قول إبراهيم عليه السلام المأمور بالتأسي به من الدعاء وغيره إلا ما استثنى لتشتد الرغبة فيه، فقال مصدراً بما دل على القسم إشارة إلى أن من فعل غير هذا كان فعله فعل منكر لحسن هذا التأسي، ولذلك ذكر الفعل الذي أنثه في الأول: {لقد كان لكم} أي أيها الذين ادعوا الإيمان، وقدم الظرف بياناً للاهتمام به فقال: {فيهم} أي إبراهيم عليه السلام ومن معه {أسوة حسنة} وأبدل من {لكم} ما هو الفيصل في الدلالة على الباطل، فقال مشيراً إلى أن من لم يتأس بهم في هذا لم يكن راجياً لما ذكر: {لمن كان} أي جبل على أنه {يرجوا الله} أي الملك المحيط بجميع صفات الكمال فهو ذو الجلال الذي يجير ولا يجار عليه، والإكرام الذي هو جدير بأن يعطى جميع ما يسأله {واليوم الآخر} الذي يحاسب على، النقير والقطمير، ولا تخفى عليه خافية، فمن لم يتأس بهم كان تركه للتأسي دليلاً على سوء عقيدته، فلا يلومن إلا نفسه، فقد أذن لإمام المسلمين إن عثر عليه في عقوبته، فإن علم الغيب الذي أعلمناه نبينا صلى الله عليه وسلم بأن حاطباً رضي الله عنه صحيح العقيدة غير متأهل للعقوبة منقطع بموته صلى الله عليه وسلم ولا يبقى إلى ما نصبناه من الشعائر، وأقمناه من الدلائل. ولما كان التقدير: فمن أقبل على هذا التأسي لكونه يرجو الله واليوم الآخر فلم يخلد إلى الدنيا، يتوله الله فإن الله رحيم ودود، عطف عليه قوله: {ومن يتول} أي يوقع الإعراض عن أوامر الله تعالى في وقت من الأوقات مطلقاً لكونه أخلد إلى الدنيا ولم ير اليوم الآخرة أعرض الله عنه، وأشار بصيغة التفعل إلى أن ذلك لا يقع إلا بمعالجة الفطرة الأولى، وأكد لأن فاعل ذلك كالمنكر لمضمون الكلام فقال: {فإن الله} أي الذي له الإحاطة الكاملة {هو} أي خاصة {الغني} أي عن كل شيء {الحميد *} أي الذي له الحمد المحيط لإحاطته بأوصاف الكمال في حال الطاعة له والمعصية فإن العاصي عبد لإرادته، كما أن المطيع عبد لآمره وإرادته ولطفه، فلا يخرج شيء عن مراده، وكل شيء خاضع لحكمه، وقد بينت الآية أدب العشرة لما ألهبت وهيجت على المفارقة للعصاة والتبرء منهم حساً ومعنى، وإظهار ذلك لهم قولاً وفعلاً، إلى أن تحصل التوبة، ومن لم يفعل ذلك كان شريكاً في الفعل فيكون شريكاً في الجزاء كما ورد، ثم لا يمنعه ذلك أن يكون أكيله وجليسه، فضرب الله قلوب بعضهم ببعض، ولعنهم على ألسنة الأنبياء، ومن فعل ما أمره الله به كان فعله جديراً بأن يكون سبب الوصله والقرب والمودة، فالآية من الاحتباك: ذكر الرجاء أولاً دليلاً على ضده ثانياً، والتولي ثانياً دليلاً على ضده أولاً، وسره أنه ذكر سبب السعادة ترغيباً وسبب الشقاوة ترهيباً. ولما أتم وعظهم بما هو الأنفع والأقرب إلى صلاحهم ففعلوا، وكان ذلك شاقاً لما جبل عليه البشر من حب ذوي الأرحام والعطف عليهم، فتشوفت النفوس إلى تخفيف بنوع من الأنواع، أتبعه الترجئة فيما قصده حاطب رضي الله عنه بغير الطريق الذي يتوصل به فقال على عادة الملوك في الرمز إلى ما يريدونه فيقنع الموعود به بل يكون ذلك الرمز عنده أعظم من البت من غيرهم لما لهم من العظمة التي تقتضي النزاهة عما يلم بشائبة نقص، وذلك أعظم في الإيمان بالغيب لأن الوعود لا تزال بين خوف ورجاء جواباً لمن كأنه كان يقول: كيف يكون الخلاص من مثل هذه الواقعة وقد بنيت يا رب هذه الدار على حكمة الأسباب: {عسى الله} أي أنتم جديرون بأن تطمعوا في الملك المحيط بكل شيء قدرة وعلماً {أن يجعل} بأسباب لا تعلمونها {بينكم وبين} أي في جميع الحد الفاصل بين المجموعين أو بين كل شخصين من الجمعين {الذين عاديتم} أي بالمخالفة في الدين {منهم} أي من هؤلاء الذين عادوكم بما تقدم بأعيانهم من أهل مكة {مودة} وقد جعل ذلك عام الفتح تحقيقاً لما رجاه سبحانه، وأجرى سنته الإلهية بأن من عاديته فيه جعل عاقبة ذلك إلى ولاية عظيمة، ومن تهاونت في مقاطعته فيه سبحانه أقامه لك ضداً. ولما كان التقدير: فالله بكم رفيق، عطف عليه تذكيراً لهم بما له سبحانه من العظمة قوله {والله} أي الذي له الإحاطة بالكمال: {قدير} أي بالغ القدرة على كل ما يريده فهو يقدر على تقليب القلوب وتيسير العسير، فلما تم الرجاء لم يبق إلا كدر الذنب فأتبعه تطييباً للقلوب مما نزلت هذه الآيات بسببه قوله: {والله} أي الذي له جميع صفات الكمال {غفور} أي محاء لأعيان الذنوب وآثارها {رحيم *} يكرم الخاطئين إذا أراد بالتوبة ثم بالجزاء غاية الإكرام، قال الرازي في اللوامع: كان النبي صلى الله عليه وسلم استعمل أبا سفيان رضي الله عنه على بعض اليمن، فلما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم أقبل فلقي ذا الحجار مرتداً فقاتله، فكان أول من قاتل على الردة، فتلك المودة بعد المعاداة. ولما تم الوعظ والتأسية وتطبيب النفوس بالترجئة، وكان وصف الكفار بالإخراج لهم من ديارهم يحتمل أن يكون بالقوة فيعم، ويحتمل أن يكون بالفعل فيخص أهل مكة أو من باشر الأذى الذي تسبب عنه الخروج منهم، بين ذلك بقوله مؤذناً بالإشارة إلى الاقتصاد في الولاية والعداوة كما قال صلى الله عليه وسلم:"حديث : أحبب حبيبك هوناً ما عسى أن يكون بغيضك يوماً ما. وأبغض بغيضك هوناً ما عسى أن يكون حبيبك يوماً ماتفسير : . {لا ينهاكم الله} أي الذي اختص بالجلال والإكرام {عن الذين لم يقاتلوكم} أي بالفعل {في الدين} أي بحيث تكونون مظروفين له ليس شيئاً من أحوالهم خارجاً عنه، فأخرج ذلك القتال بسبب حق دنيوي لا تعلق له بالدين، وأخرج من لم يقاتل أصلاً كخزاعة والنساء، ومن ذلك أهل الذمة بل الإحسان إليهم من محاسن الأخلاق ومعالي الشيم لأنهم جيران. ولما كان الذين لم يقاتلوا لذلك ربما كانوا قد ساعدوا على الإخراج قال: {ولم يخرجوكم} وقيد بقوله: {من دياركم} ولما كان قد وسع لهم سبحانه بالتعميم في إزالة النهي خص بقوله مبدلاً من "الدين": {أن} أي لا ينهاكم عن أن {تبروهم} بنوع من أنواع البر الظاهرة فإن ذلك غير صريح في قصد المواددة {وتقسطوا} أي تعدلوا العدل الذي هو في غاية الاتزان بأن تزيلوا القسط الذي هو الجور، وبين أن المعنى: موصلين لذلك الإقساط {إليهم} إشارة إلى أن فعل الإقساط {إليهم} إشارة إلى أن فعل الإقساط ضمن الاتصال، وإلى أن ذلك لا يضرهم وإن تكفلوا الإرسال إليهم من البعد بما أذن لهم فيه فإن ذلك من الرفق والله يحب الرفق في جميع الأمور ويعطي عليه ما لا يعطي على الخرق، ثم علل ذلك بقوله مؤكداً دفعاً لظن من يرى أذى الكفار بكل طريق، {إن الله} أي الذي له الكمال كله {يحب} أي يفعل المحب مع {المقسطين *} أي الذين يزيلون الجور ويوقعون العدل.

ابو السعود

تفسير : {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ} أي في إبراهيمَ ومن مَعَهُ {أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} تكريرٌ للمبالغةِ في الحثِّ على الائتساءِ به عليهِ الصلاةُ والسلامُ ولذلكَ صُدرَ بالقسمِ. وقولُهُ تعالى: {لّمَن كَانَ يَرْجُو ٱللَّهَ وَٱلْيَوْمَ ٱلآخِرَ} بدلٌ من لكُم فائدَتُهُ الإيذانُ بأنَّ منْ يؤمنُ بالله واليومِ الآخرِ لا يتركُ الاقتداءَ بهم وأنَّ تركَهُ منْ مخايل عدمِ الإيمانِ بهما كما ينبىءُ عنه قولُهُ تعالَى: {وَمَن يَتَوَلَّ فَإِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْغَنِىُّ ٱلْحَمِيدُ} فإنَّهُ مما يوعَدُ بأمثالِهِ الكفرةُ. {عَسَى ٱللَّهُ أَن يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ ٱلَّذِينَ عَادَيْتُم مّنْهُم} أي منْ أقاربكم المشركينَ {مَّوَدَّةَ} بأنْ يوافقوكُم في الدين وعدهم الله تعالى بذلكَ لِما رأى منهم من التصلبِ في الدينِ والتشددِ لله في معاداةِ آبائِهِم وأبنائِهِم وسائِرِ أقربائِهِم ومقاطعَتِهِم إيَّاهُم بالكليةِ تطيـيباً لقلوبِهِم ولقد أنجزَ وعدَهُ الكريمَ حينَ أتاحَ لهم الفتحَ فأسلمَ قومُهُمْ فتمَّ بـينَهُم من التحابِّ والتَّصافِي ما تمَّ {وَٱللَّهُ قَدِيرٌ} أي مبالغٌ في القُدرةِ فيقدرُ على تقليبِ القلوبِ وتغيـيرِ الأحوالِ وتسهيلِ أسبابِ المودَّةِ {وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} فيغفرُ لمن أسلمَ منَ المشركينَ ويرحمُهُم وقيلَ غفورٌ لما فرطَ منكُم في موالاتِهِم مِن قبلُ ولِمَا بقِيَ في قلوبِكُم من ميلِ الرحمِ. {لاَّ يَنْهَـٰكُمُ ٱللَّهُ عَنِ ٱلَّذِينَ لَمْ يُقَـٰتِلُوكُمْ فِى ٱلدّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مّن دِيَـٰرِكُمْ} أي لا ينهاكُم عن البرِّ بهؤلاءِ فإنَّ قولَهُ تعالى: {أَن تَبَرُّوهُمْ} بدلٌ من الموصولِ {وَتُقْسِطُواْ إِلَيْهِمْ} أي تُفضلوا إليهم بالقسطِ أي العدلِ {إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُقْسِطِينَ} أي العادلينَ. رُويَ أنَّ قُتيلةَ بنتَ عبدِ العُزَّى قدمتْ مشركةً على بنتِهَا أسماءَ بنتِ أبـي بكرٍ رضيَ الله عنهُ بهدايَا فلم تقبلْها ولم تأذنْ لَها بالدخولِ فنزلتْ فأمرَها رسولُ الله صلى الله عليه وسلم أنْ تُدخلَها وتقبلَ منْهَا وتُكرمَها وتُحسنَ إليها وقيلَ المرادُ بهم خزاعةُ وكانوا صالحُوا رسولَ الله صلى الله عليه وسلم على ألا يقاتلُوه ولا يعينوا عليهِ {إِنَّمَا يَنْهَـٰكُمُ ٱللَّهُ عَنِ ٱلَّذِينَ قَـٰتَلُوكُمْ فِى ٱلدّينِ وَأَخْرَجُوكُم مّن دِيَـٰرِكُمْ} وهم عتاةُ أهلِ مكةَ {وَظَـٰهَرُواْ عَلَىٰ إِخْرٰجِكُمْ} وهم سائرُ أهلِها {أَن تَوَلَّوْهُمْ} بدلُ اشتمالٍ من الموصولِ أي إنما ينهاكُم عن أنْ تتولَّوهُم {وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ ٱلظَّـٰلِمُونَ} لوضعهم الولايةَ في موضعِ العداوةِ أو هم الظالمونَ لأنفسِهِم بتعريضِها للعذابِ.

البقلي

تفسير : قوله تعالى {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} اسوة رسول الله صلى الله عليه وسلم محبة الله ومراقبة الله وترك ما دون الله واحتمال واردات الغيب بالله والصبر فى الله وبالله ولله ومع الله والتمكين فى رؤية الله ولزوم العبودية بعد الاتصاف بصفة الله فانه محل التمكين قال ابن عطا اسوة فى الظاهر والعبادات دون البواطن والاسرار لان اسراره لا يطيق احد من الخلق لانه بائن الامة بالمكان ووقع الصفة عليه لذلك قال النبى صلى الله عليه وسلم لانس بن مالك حديث : احفظ سرى .

اسماعيل حقي

تفسير : {لقد كان لكم فيهم} اى فى ابراهيم ومن معه {اسوة حسنة} تكرير للمبالغة فى الحث على الأتساء به عليه السلام وذلك صدر بالقسم وجعله الطيبى من التعميم بعد التخصيص وفى برهان القرءآن كرر لان الاول فى القول والثانى فى الفعل وفى فتح الرحمن الاولى اسوة فى العداوة والثانية فى الخوف والخشية وفى كشف الاسرار الاولى متعلقة بالبرآءة من الكفار من فعلهم والثانية امر بالأتساء بهم لينالوا من ثوابهم مانالوا وينقلبوا الى الآخرة كانقلابهم {لمن كان يرجو الله} بالايمان بلقائه{واليوم الآخر} بالتصديق بوقوعه وقيل يخاف الله ويخاف عذاب الآخرة لان الرجاء والخوف يتلا زمان والرجاء ظن يقتضى حصول مافيه مسرة وفى المفردات الرجاء والطعم توقع محبوب عن امارة مظنونة او معلومة والخوف توقع مكروه عن امارة مظنونة او معلومة وفى بعض التفاسير الرجاء يجيىء بمعنى توقع الخبر وهو الامل وبمعنى توقع الشر وهو الخوف وبمعنى التوقع مطلقا وهو فى الاول حقيقة وفى الاخيرين مجاز وفى الثانى من قبيل ذكر الشىء وارادة ضده وهو جائز وفى الثالث من قبيل ذكر الخاص وارادة العام وهو كثير قوله {لمن كان} الخ بدل من لكم وفائدته الايذان بان من يؤمن بالله واليوم الآخر لايترك الاقتدآء بهم وان تركه من مخايل عدم الايمان بهما كما ينبىء عنه قوله تعالى {ومن يتول فان الله هو الغنى لحميد} فانه مما يوعد بأمثاله الكفرة اى ومن يعرض عن الاقتداء بهم فى التبرى من الكفار ووالاهم فان الله هو الغنى وحده عن خلقه وعن موالاتهم ونصرتهم لاهل دينه لم يتعبدهم لحاجته اليهم بل هو ولى دينه وناصر حزبه وهو الحميد المستحق للحمد فى ذاته ومن صحاح الاحاديث القدسية "حديث : ياعبادى انكم لن تبلغوا ضرى فتضرونى ولن تبلغوا نفعى فتنفعونى ياعبادى لو أن اولكم وآخركم وانسكم وجنكم كانوا على اتقى قلب رجل واحد منكم مازاد ذلك فى ملكى شيئا ياعبادى لو ان اولكم وآخركم وانسكم وجنكم كانوا على افجر قلب رجل واحد منكم ما نقص ذلك من ملكى شيئا ياعبادى لو ان اولكم وآخركم وانسكم وجنكم قاموا فى صعيد واحد فسألونى فأعطيت كل انسان مسألته مانقص ذلك من عندى الا كما ينقص المخيط اذا دخل البحر ياعبادى انما هى اعمالكم احصيها لكم ثم اوفيكم اياها فمن وجد خيرا فليحمد الله ومن وجد غير ذلك فلا يلومن الا نفسه"تفسير : قوله هى ضمير القصة يعنى ماجزآء اعمالكم الا محفوظ عندى لاجلكم ثم أؤديها اليكم وافية ثم الحميد فعيل بمعنى المفعول وجوز الامام القشيرى رحمه الله أن يكون بمعنى الفاعل اى حامد لنفسه وحامد للمؤمنين من عباده قال شارح المشكاة وحظ العبد من اسم الحميد أن يسعى لينخرط فى سلك المقربين الذين يحمدون الله لذاته لا لغيره قال الشيخ ابو القاسم رحمه الله حمد الله الذين هو من شكره يجب أن يكون على شهود المنعم لان حقيقة الشكر الغيبة لشهود المنعم عن شهود النعمة (روى) ان داود عليه السلام قال فى مناجاته كيف اشكر لك وشكرى لك نعمة منك على فأوحى الله اليه الآن قد شكرتنى وقال بعض اهل الاشارة لقد كان فى ابراهيم الخفى ومن معه من قواه الروحانية المجردة من المواد الحسية والمثالية والعقلية اسوة حسنة وهى البرآءة من قومه اى النفس الامارة والهوى المتبع فمن تأسى واستمر على ذلك بلغ المطلوب المحبوب ومن اعرض عن ذلك التأسى فان الله غنى عن تأسيه حميد فى ذاته وان لم يكن حمده انتهى كلامه

الطوسي

تفسير : إنما أعيد ذكر الاسوة في الآيتين، لان الثاني منعقد بغير ما انعقد به الاول فان الثاني فيه بيان أنه كان أسوة في إبراهيم والذين معه، وهو لرجاء ثواب الله وحسن المنقلب في اليوم والآخر، والاول فيه بيان ان الاسوة في المعاداة للكفار بالله حسنة وإذا انعقد الثاني بغير ما انعقد به الأول صارت الفائدة في الثاني خلاف الفائدة في الاول. ووجه الجواب في قوله {ومن يتول فإن الله هو الغني الحميد} أي من يذهب عما يحتاج اليه دون الداعي له، لان الداعي له غنى حميد، فجاء على الايجاز. والحميد هو المستحق للحمد على إحسانه، والمحمود الذي قد حمد، فان الله تعالى حميد محمود. وقوله {عسى الله أن يجعل بينكم وبين الذين عاديتم منهم مودة} بالاسلام وقال ابن زيد: وكان ذلك حين أسلم كثير منهم. وقيل معنى {عسى الله أن يجعل} أي ليجعل بينكم مودة، وقيل معناه كونوا على رجاء من ذلك وطمع فيه وهو الوجه، لأنه الأصل في هذه اللفظة. ثم قال {والله قدير} أي قادر على كل ما يصح ان يكون مقدوراً له {والله غفور} لذنوب عباده ساتر لمعاصيهم {رحيم} بهم أي منعم عليهم.

الجنابذي

تفسير : {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ} فى ابراهيم (ع) وقومه {أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} كرّره للتّأكيد والتّرغيب ولتخصيصه بمن كان يرجوا لله {لِّمَن كَانَ يَرْجُواْ ٱللَّهَ وَٱلْيَوْمَ ٱلآخِرَ} يعنى هذه الاسوة مختصّة بمن كان يرجوا لله وامّا غيره فلا يتأسّى {وَمَن يَتَوَلَّ} عن التّأسّى منكم فلا يضرّ الله شيئاً وانّما امركم بالتّأسّى ترحّماً عليكم {فَإِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْغَنِيُّ ٱلْحَمِيدُ} حمد ام لم يحمد

اطفيش

تفسير : {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} الضمير لابراهيم ومن معه وذلك تكرير لمزيد الحث على التأسي بابراهيم عليه الصلاة والسلام ولذلك صدر بالقسم واللام وقد والقسم غاية التوكيد. {لِّمَن كَانَ يَرْجُوا اللهَ وَاليَوْمَ الأَخِرَ} بدل من لكم كل ان اريد بـ (لكم) خطاب من كان يرجوا وبدل بعض أن اريد خطاب الناس وقيل اشتمال وترك التأسي مؤذن بسوء العقيدة ولذا أعقبه بقوله {وَمَن يَتَوَلَّ} عن دين الله ويعرض عنه {فَإِنَّ اللهَ هُوَ الغَنِىُّ} عن الخلق {الحَمِيدُ} لاهل الطاعة اكد بالجملة الاسمية مجردة عن ان وبجملة اسمية مقرونة بها واكد بأن وبهم وتعريف طرفي هذه الجملة.

الالوسي

تفسير : {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ } أي في إبراهيم عليه السلام ومن معه {أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ } الكلام فيه نحو ما تقدم. وقوله تعالى: {لّمَن كَانَ يَرْجُو ٱللَّهَ وَٱلْيَوْمَ ٱلأَخِرَ } أي ثوابه تعالى أو لقاءه سبحانه ونعيم الآخرة أو أيام الله تعالى واليوم الآخر خصوصاً، والرجاء يحتمل الأمل والخوف صلة ـ لحسنة ـ أو صفة، وجوز كونه بدلاً من {لَكُمْ } بناءاً على ما ذهب إليه الأخفش من جواز أن يبدل الظاهر من ضمير المخاطب ـ وكذا من ضمير المتكلم ـ بدل الكل كما يجوز أن يبدل من ضمير الغائب، وأن يبدل من الكل بدل البعض وبدل الاشتمال وبدل الغلط. ونقل جواز ذلك الإبدال عن سيبويه أيضاً، والجمهور على منعه وتخصيص الجواز ببدل البعض والاشتمال والغلط. / وذكر بعض الأجلة أنه لا خلاف في جواز أن يبدل من ضمير المخاطب بدل الكل فيما يفيد إحاطة كما في قوله تعالى: { أية : تَكُونُ لَنَا عِيداً لأَِوَّلِنَا وَءاخِرِنَا } تفسير : [المائدة: 114] وجعل ما هنا من ذلك وفيه خفاء. وجملة {لَقَدْ كَانَ } الخ قيل: تكرير لما تقدم من المبالغة في الحث على الائتساء بإبراهيم عليه السلام ومن معه، ولذلك صدرت بالقسم وهو على ما قال الخفاجي: إن لم ينظر لقوله تعالى: { أية : إِذْ قَالُواْ } تفسير : [الممتحنة: 4] فإنه قيد مخصص فإن نظر له كان ذلك تعميماً بعد تخصيص، وهو مأخوذ من كلام الطيبـي في تحقيق أمر هذا التكرير. والظاهر أن هذا مقيد بنحو ما تقدم كأنه قيل: لقد كان لكم فيهم أسوة حسنة إذ قالوا الخ. وفي قوله سبحانه: {لّمَن كَانَ } الخ إشارة إلى أن من كان يرجو الله تعالى واليوم الآخر لا يترك الاقتداء بهم وأن تركه من مخايل عدم رجاء الله سبحانه واليوم الآخر الذي هو من شأن الكفرة بل مما يؤذن بالكفر كما ينبـىء عن ذلك قوله تعالى: {وَمَن يَتَوَلَّ فَإِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْغَنِىُّ ٱلْحَمِيدُ } فإنه مما يوعد بأمثاله الكفرة.

ابن عاشور

تفسير : تكرير قوله آنفاً {أية : قد كانت لكم أُسوة حسنة في إبراهيم}تفسير : [الممتحنة: 4] الخ، أعيد لتأكيد التحريض والحث على عدم إضاعة الائتساء بهم، وليبنى عليه قوله لمن كان يرجو الله واليوم الآخر الخ. وقُرن هذا التأكيد بلام القسم مبالغة في التأكيد. وإنما لم تتصل بفعل {كان} تاء تأنيث مع أن اسمها مؤنث اللفظ لأن تأنيث أسوة غير حقيقي، ولوقوع الفصل بين الفعل ومرفوعه بالجار والمجرور. والإِسوة هي التي تقدم ذكرها واختلاف القرّاء في همزتها في قوله: {قد كانت لكم إسوة حسنة}. وقوله: {لمن كان يرجو الله واليوم الآخر} بدل من ضمير الخطاب في قوله: {لكم} وهو شامل لجميع المخاطبين، لأن المخاطبين بضمير {لكم} المؤمنون في قوله تعالى: {أية : يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء}تفسير : [الممتحنة: 1] فليس ذكر {لمن كان يرجو الله واليوم الآخر} تخصيصاً لبعض المؤمنين ولكنه ذكر للتذكير بأن الإِيمان بالله واليوم الآخر يقتضي تأسيَهم بالمؤمنين السابقين وهم إبراهيم والذين معه. وأعيد حرف الجر العامل في المبدل منه لتأكيد أن الإِيمان يستلزم ذلك. والقصد هو زيادة الحث على الائتساء بإبراهيم ومن معه، وليرتب عليه قوله: {ومن يتول فإن الله هو الغني الحميد}، وهذا تحذير من العود لما نُهوا عنه. ففعل {يتول} مضارع تولّى، فيجوز أن يكون ماضيه بمعنى الإِعراض، أي من لا يرجو الله واليوم الآخر ويعرض عن نهي الله فإن الله غنيّ عن امتثاله. ويجوز عندي أن يكون ماضيه من التولي بمعنى اتخاذ الوَلي، أي من يتخذ عدو الله أولياء فإن الله غنيّ عن ولايته كما في قوله تعالى: {أية : ومن يتولّهم منكم فإنه منهم }تفسير : في سورة [العقود: 51]. وضمير الفصل في قوله: {هو الغني} توكيد للحصر الذي أفاده تعريف الجزأين، وهو حصر ادعائي لعدم الاعتداد بغنى غيره ولا بحمده، أي هو الغني عن المتولين لأن النهي عما نهوا عنه إنما هو لفائدتهم لا يفيد الله شيئاً فهو الغني عن كل شيء. وإتْباع {الغني} بوصف {الحميد} تتميم، أي الحميد لمن يمتثل أمره ولا يعرض عنه أو {الحميد} لمن لا يتخذ عدوه ولياً على نحو قوله تعالى: {أية : إن تكفروا فإن الله غني عنكم ولا يرضى لعباده الكفر وإن تشكروا يرضه لكم}تفسير : [الزمر: 7].

الشنقيطي

تفسير : إعادة هذه الآية تأكيد على معنى الآية الأولى. وقوله: {لِّمَن كَانَ يَرْجُو ٱللَّهَ وَٱلْيَوْمَ ٱلآخِرَ} يفسره ما تقدم من قوله: {أية : إِن كُنتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَاداً فِي سَبِيلِي وَٱبْتِغَآءَ مَرْضَاتِي}تفسير : [الممتحنة: 1]، لأنها تساويها في الماصدق، وهنا جاء بهذا اللفظ ليدل على العموم، وتكون قضية عامة فيما بعد لكل من يرجو الله واليوم الآخر، أن يتأسى بإبراهيم عليه السلام والذين معه في موقفهم المتقدم. وقوله تعالى: {وَمَن يَتَوَلَّ فَإِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْغَنِيُّ ٱلْحَمِيدُ} التولي هنا الإعراض عن أوامر الله عموماً. وهنا يحتمل تولي الكفار وموالاتهم، فإن الله غني عنه حميد. قال ابن عباس: كمل في غناه، ومثله قوله تعالى:{أية : فَكَفَرُواْ وَتَوَلَّواْ وَّٱسْتَغْنَىٰ ٱللَّهُ}تفسير : [التغابن: 6]. وقد جاء بيان استغناء الله عن طاعة الطائعين عموماً وخصوصاً فجاء في خصوص الحج{أية : وَللَّهِ عَلَى ٱلنَّاسِ حِجُّ ٱلْبَيْتِ مَنِ ٱسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ ٱلله غَنِيٌّ عَنِ ٱلْعَالَمِينَ}تفسير : [آل عمران: 97]. وجاء في العموم قوله تعالى: {أية : إِن تَكْفُرُوۤاْ أَنتُمْ وَمَن فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً فَإِنَّ ٱللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ}تفسير : [إبراهيم: 8]، لأن أعمال العباد لأنفسهم، كما قال تعالى: {أية : وَمَن جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ ٱللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ ٱلْعَالَمِينَ}تفسير : [العنكبوت: 6]. وكما في الحديث القدسي:"حديث : لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئاً " تفسير : وقد بين تعالى غناه المطلق بقوله: {أية : لِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْغَنِيُّ ٱلْحَمِيدُ}تفسير : [لقمان: 26].

د. أسعد حومد

تفسير : {يَرْجُو} (6) - لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مِنْ قَوْمِهِ، قُدْوَةٌ حَسَنَةٌ، وَأُسْوَةٌ تَتَأَسَّوْنَ بِهَا، لِمَنْ كَانَ مِنْكُمْ يَرْجُو لِقَاءَ اللهِ فِي يَوْمِ القِيَامَةِ، وَيَطْمَعُ فِي الأَجْرِ والثَّوَابِ مِنَ اللهِ، وَالنَّجَاةِ مِنَ العَذَابِ وَالنَّكَالِ. وَمَنْ يُعْرِضْ عَمَّا دَعَاهُ اللهُ إِليهِ مِنَ الإِيْمَانِ بِهِ وَبِمَلاَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَاليَوْمِ الآخَرِ، وَيَسْتَكْبِرْ وَيُوَالِ أَعْدَاءَ اللهِ فَإِنَّهُ لاَ يَضُرُّ بِذَلِكَ إِلاَّ نَفْسَهُ، فَإِنَّ اللهَ غَنِيٌّ عَنْهُ وَعَنْ إِيمَانِهِ وَعَنْ طَاعَتِهِ، مَحْمُودٌ بأنْعُمِهِ وَأَفْضَالِهِ عَلَى خَلْقِهِ.