٦٠ - ٱلْمُمْتَحَنَة
60 - Al-Mumtahana (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
7
Tafseer
ابن كثير
تفسير : يقول تعالى لعباده المؤمنين بعد أن أمرهم بعداوة الكافرين: {عَسَى ٱللَّهُ أَن يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ ٱلَّذِينَ عَادَيْتُم مِّنْهُم مَّوَدَّةً} أي: محبة بعد البغضة، ومودة بعد النفرة، وألفة بعد الفرقة، {وَٱللَّهُ قَدِيرٌ} أي: على ما يشاء من الجمع بين الأشياء المتنافرة والمتباينة والمختلفة، فيؤلف بين القلوب بعد العداوة والقساوة، فتصبح مجتمعة متفقة؛ كما قال تعالى ممتناً على الأنصار: {أية : وَٱذْكُرُواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُم أَعْدَآءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنتُمْ عَلَىٰ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ ٱلنَّارِ فَأَنقَذَكُمْ مِّنْهَا} تفسير : [آل عمران: 103] الآية. وكذا قال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : ألم أجدكم ضلالاً فهداكم الله بي؟ وكنتم متفرقين فألفكم الله بي؟»تفسير : وقال الله تعالى: {أية : هُوَ ٱلَّذِىۤ أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِٱلْمُؤْمِنِينَ وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِى ٱلأَرْضِ جَمِيعاً مَّآ أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ } تفسير : [الأنفال: 62 ــــ 63] وفي الحديث: «حديث : أحبب حبيبك هوناً ما، فعسى أن يكون بغيضك يوماً ما، وأبغض بغيضك هوناً ما، فعسى أن يكون حبيبك يوماً ما»تفسير : . وقال الشاعر:شعر : وقد يَجْمَعُ اللّهُ الشَّتِيْتَيْنِ بعدَما يَظُنّاّنِ كُلَّ الظَّنِّ أَلا تَلاقِيا تفسير : وقوله تعالى: {وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} أي: يغفر للكافرين كفرهم، إذا تابوا منه، وأنابوا إلى ربهم، وأسلموا له، وهو الغفور الرحيم بكل من تاب إليه من أي ذنب كان. وقد قال مقاتل بن حيان: إن هذه الآية نزلت في أبي سفيان صخر بن حرب، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوج ابنته، فكانت هذه مودة ما بينه وبينه. وفي هذا الذي قاله مقاتل نظر، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوج بأم حبيبة بنت أبي سفيان قبل الفتح، وأبو سفيان إنما أسلم ليلة الفتح بلا خلاف، وأحسن من هذا ما رواه ابن أبي حاتم حيث قال: قرىء على محمد بن عزيز، حدثني سلامة، حدثني عقيل، حدثني ابن شهاب: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استعمل أبا سفيان صخر بن حرب على بعض اليمن، فلما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم أقبل، فلقي ذا الخمار مرتداً، فقاتله، فكان أول من قاتل في الردة، وجاهد عن الدين، قال ابن شهاب: وهو ممن أنزل الله فيه: {عَسَى ٱللَّهُ أَن يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ ٱلَّذِينَ عَادَيْتُم مِّنْهُم مَّوَدَّةً} الآية. وفي صحيح مسلم، عن ابن عباس: أن أبا سفيان قال: يا رسول الله، ثلاث أعطنيهن، قال: «حديث : نعم» تفسير : قال: تأمرني أقاتل الكفار كما كنت أقاتل المسلمين، قال: «حديث : نعم» تفسير : قال: ومعاوية تجعله كاتباً بين يديك، قال: «حديث : نعم» تفسير : قال: وعندي أحسن العرب وأجمله أم حبيبة بنت أبي سفيان أزوجكها ــــ الحديث ــــ وقد تقدم الكلام عليه. وقوله تعالى: {لاَّ يَنْهَـٰكُمُ ٱللَّهُ عَنِ ٱلَّذِينَ لَمْ يُقَـٰتِلُوكُمْ فِى ٱلدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِّن دِيَـٰرِكُمْ} أي: لا ينهاكم عن الإحسان إلى الكفرة الذين لا يقاتلونكم في الدين؛ كالنساء والضعفة منهم {أَن تَبَرُّوهُمْ} أي: تحسنوا إليهم، {وَتُقْسِطُوۤاْ إِلَيْهِمْ} أي: تعدلوا {إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُقْسِطِينَ} قال الإمام أحمد: حدثنا أبو معاوية، حدثنا هشام بن عروة، عن فاطمة بنت المنذر، عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما قالت: قدمت أمي وهي مشركة في عهد قريش إذ عاهدوا، فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله إن أمي قدمت وهي راغبة، أفأصلها؟ قال: «حديث : نعم صلي أمك» تفسير : أخرجاه. وقال الإمام أحمد: حدثنا عارم، حدثنا عبد الله بن المبارك، حدثنا مصعب بن ثابت، حدثنا عامر بن عبد الله بن الزبير عن أبيه قال: قدمت قتيلة على ابنتها أسماء بنت أبي بكر بهدايا: ضباب وَقَرَظ وسمن، وهي مشركة، فأبت أسماء أن تقبل هديتها، وأن تدخلها بيتها. فسألت عائشة النبي صلى الله عليه وسلم فأنزل الله تعالى: {لاَّ يَنْهَـٰكُمُ ٱللَّهُ عَنِ ٱلَّذِينَ لَمْ يُقَـٰتِلُوكُمْ فِى ٱلدِّينِ} إلى آخر الآية. فأمرها أن تقبل هديتها، وأن تدخلها بيتها. وهكذا رواه ابن جرير وابن أبي حاتم من حديث مصعب بن ثابت به، وفي رواية لأحمد ولابن جرير: قتيلة بنت عبد العزى بن سعد من بني مالك بن حسل، وزاد ابن أبي حاتم: في المدة التي كانت بين قريش ورسول الله صلى الله عليه وسلم. وقال أبو بكر أحمد بن عمرو بن عبد الخالق البزار: حدثنا عبد الله بن شبيب، حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثناأبو قتادة العدوي عن ابن أخي الزهري عن الزهري عن عروة عن عائشة وأسماء: أنهما قالتا: قدمت علينا أمنا المدينة، وهي مشركة، في الهدنة التي كانت بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين قريش، فقلنا: يا رسول الله إن أمنا قدمت علينا المدينة، وهي راغبة، أفنصلها؟ قال: «حديث : نعم فصلاها» تفسير : . ثم قال: وهذا الحديث لا نعلمه يروى عن الزهري عن عروة عن عائشة إلا من هذا الوجه. (قلت): وهو منكر بهذا السياق؛ لأن أم عائشة هي أم رومان، وكانت مسلمة مهاجرة، وأم أسماء غيرها؛ كما هو مصرح باسمها في هذه الأحاديث المتقدمة، والله أعلم. وقوله تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُقْسِطِينَ} قد تقدم تفسير ذلك في سورة الحجرات، وأورد الحديث الصحيح: «حديث : المقسطون على منابر من نور عن يمين العرش، الذين يعدلون في حكمهم وأهاليهم وما ولوا»تفسير : وقوله تعالى: {إِنَّمَا يَنْهَـٰكُمُ ٱللَّهُ عَنِ ٱلَّذِينَ قَـٰتَلُوكُمْ فِى ٱلدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَـٰرِكُمْ وَظَـٰهَرُواْ عَلَىٰ إِخْرَٰجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ} أي: إنما ينهاكم عن موالاة هؤلاء الذين ناصبوكم بالعداوة، فقاتلوكم، وأخرجوكم، وعاونوا على إخراجكم، ينهاكم الله عز وجل عن موالاتهم، ويأمركم بمعاداتهم، ثم أكد الوعيد على موالاتهم فقال: {وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلظَّـٰلِمُونَ} كقوله تعالى: {أية : يَـٰۤأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ ٱلْيَهُودَ وَٱلنَّصَـٰرَىٰ أَوْلِيَآءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلظَّـٰلِمِينَ} تفسير : [المائدة: 51].
المحلي و السيوطي
تفسير : {عَسَى ٱللَّهُ أَن يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ ٱلَّذِينَ عَادَيْتُم مِّنْهُم } من كفار مكة طاعة لله تعالى {مَّوَدَّةَ } بأن يهديهم للإِيمان فيصيروا لكم أولياء {وَٱللَّهُ قَدِيرٌ } على ذلك وقد فعله بعد فتح مكة {وَٱللَّهُ غَفُورٌ } لهم ما سلف {رَّحِيمٌ } بهم.
الماوردي
تفسير : {عسى الله أن يجعل بينكم وبين الذين عاديتم منهم مودة} فيهم قولان: أحدهما: أهل مكة حين أسلموا عام الفتح فكانت هي المودة التي صارت بينهم وبين المسلمين، قاله ابن زيد. الثاني: أنه إسلام أبي سفيان. وفي مودته التي صارت منه قولان: أحدهما: تزويج النبي صلى الله عليه وسلم بأم حبيبة بنت أبي سفيان فكانت هذه مودة بينه وبين أبي سفيان، قاله مقاتل. الثاني: أن النبي صلى الله عليه وسلم استعمل أبا سفيان على بعض اليمن فلما قبض رسول الله أقبل فلقي ذا الخمار مرتداً، فقاتله فكان أول من قاتل في الردة وجاهد عن الدين، فكانت هذه المودة، قاله الزهيري. {لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين} الآية. فيهم أربعة أوجه: أحدها: أن هذا في أول الأمر عند موادعة المشركين، ثم نسخ بالقتال، قاله ابن زيد. الثاني: أنهم خزاعة وبنو الحارث بن عبد مناف كان لهم عهد فأمر الله أن يبروهم بالوفاء، قاله مقاتل. الثالث: أنهم النساء والصبيان لأنهم ممن لم يقاتل، فأذن الله تعالى ببرهم، حكاه بعض المفسرين. الرابع: ما رواه عامر بن عبد الله بن الزبير عن أبيه أن أبا بكر رضي الله عنه طلق امرأته قتيلة في الجاهلية وهي أم أسماء بنت أبي بكر، فقدمت عليهم في المدة التي كانت فيها المهادنة بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين كفار قريش، فأهدت إلى أسماء بنت أبي بكر قرطاً وأشياء، فكرهت أن تقبل منها حتى أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك له، فأنزل الله هذه الآية. {وتقسطوا إليهم} فيه وجهان: أحدهما: يعني وتعدلوا فيهم، قاله ابن حبان فلا تغلوا في مقاربتهم، ولا تسرفوا في مباعدتهم. الثاني: معناه أن تعطوهم قسطاً من أموالكم، حكاه ابن عيسى. ويحتمل ثالثاً: أنه الإنفاق على من وجبت نفقته منهم، ولا يكون اختلاف الدين مانعاً من استحقاقها.
ابن عبد السلام
تفسير : {مَّوَدَّةً} بإسلامهم عام الفتح، أو نزلت في أبي سفيان والمودة تزوج الرسول صلى الله عليه وسلم ابنته أم حبيبة أو ولاه الرسول صلى الله عليه وسلم على بعض اليمن، فلما قبض الرسول صلى الله عليه وسلم أقبل فلقي ذا الخمار مرتداً فقاتله فكان أول من قاتل في الردة وجاهد عن الدين.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن أبي حاتم عن ابن شهاب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استعمل أبا سفيان بن حرب على بعض اليمن فلما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم أقبل فلقي ذا الخمار مرتداً فقاتله، فكان أول من قاتل في الردة وجاهد عن الدين. قال ابن شهاب: وهو فيمن أنزل الله فيه {عسى الله أن يجعل بينكم وبين الذين عاديتم منهم مودة} . وأخرج ابن مردويه عن ابن شهاب عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبي هريرة قال: أول من قاتل أهل الردة على إقامة دين الله أبو سفيان بن حرب، وفيه نزلت هذه الآية {عسى الله أن يجعل بينكم وبين الذين عاديتم منهم مودة} . وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن عدي وابن مردويه والبيهقي في الدلائل وابن عساكر من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس في قوله: {عسى الله أن يجعل بينكم وبين الذين عاديتم منهم مودة} قال: كانت المودة التي جعل الله بينهم تزويج النبي صلى الله عليه وسلم أم حبيبة بنت أبي سفيان، فصارت أم المؤمنين، وصار معاوية خال المؤمنين. وأخرج ابن مردويه من وجه آخر عن ابن عباس {عسى الله أن يجعل بينكم وبين الذين عاديتم منهم مودة} قال: نزلت في تزويج النبي صلى الله عليه وسلم ابنته أم حبيبة فكانت هذه مودة بينه وبينه. قوله تعالى: {لا ينهاكم الله} الآية. أخرج الطيالسي وأحمد والبزار وأبو يعلى وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والنحاس في تاريخه والحاكم وصححه والطبراني وابن مردويه عن عبد الله بن الزبير قال: قدمت قتيلة بنت عبد العزى على ابنتها أسماء بنت أبي بكر بهدايا ضباب وأقط وسمن، وهي مشركة، فأبت أسماء أن تقبل هديتها، أو تدخلها بيتها، حتى أرسلت إلى عائشة أن سلي عن هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألته، فأنزل الله {لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين} إلى آخر الآية، فأمرها أن تقبل هديتها، وتدخلها بيتها. وأخرج البخاري وابن المنذر والنحاس والبيهقي في شعب الإِيمان حديث : عن أسماء بنت أبي بكر قالت: أتتني أمي راغبة وهي مشركة في عهد قريش إذا عاهدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسألت النبي صلى الله عليه وسلم أأصلها؟ فأنزل الله {لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين} فقال: نعم صلي أمك ". تفسير : وأخرج أبو داود في تاريخه وابن المنذر عن قتادة {لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين} نسختها {أية : فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم}تفسير : [التوبة: 5]. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد في قوله: {لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين} قال: أن تستغفروا لهم وتبروهم وتقسطوا إليهم هم الذين آمنوا بمكة ولم يهاجروا. وأخرج ابن المنذر عن مجاهد في قوله: {إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين} قال: كفار أهل مكة.
التستري
تفسير : قوله تعالى: {وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}[7] قال: غفور لذنوبكم الماضية بالتوبة، رحيم يعصمكم فيما بقي لكم من عمركم من مثل هذه المعصية.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {عَسَى ٱللَّهُ أَن يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ ٱلَّذِينَ عَادَيْتُم مِّنْهُم مَّوَدَّةً} [الآية: 7]. سمعت منصور بن عبد الله يقول سمعت أبا القاسم البزاز يقول: قال ابن عطاء: لا تبغضوا عبادى كل البغض فإنى قادر على أن أنقلكم من البغض إلى المحبة كنقلى من الحياة إلى الموت ومن الموت إلى النشور وروى عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: "حديث : أحبب حبيبك هوناً ما عسى أن يكون بغيضك يوماً ما وأبغض بغيضك هوناً ما عسى أن يكون حبيبك يوماً ما ".
القشيري
تفسير : قوله جل ذكره: {عَسَى ٱللَّهُ أَن يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ ٱلَّذِينَ عَادَيْتُم مِّنْهُم مَّوَدَّةً وَٱللَّهُ قَدِيرٌ وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}. وقفهم في مقتضى قوله تعالى: {عَسَى ٱللَّهُ} عند حدِّ التجويز.. لا حُكْماً بالقَطْعِ، ولا دَفْعَ قلبٍ باليأس.. ثم أمَرَهم بالاقتصاد في العداوة والولاية معهم بقلوبهم، وعرَّفهم بوقوع الأمر حسب تقديره وقدرته، وَجَرَيانِ كلِّ شيءٍ على ما يريد لهم، وصَدَّق هذه الترجية بإيمان مَنْ آمَنَ منهم عند فتح مكة، وكيف أسلم كثيرون، وحصل بينهم وبين المسلمين مودةٌ أكيدة. قوله جل ذكره: {لاَّ يَنْهَاكُمُ ٱللَّهُ عَنِ ٱلَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي ٱلدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوۤاْ إِلَيْهِمْ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُقْسِطِينَ إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ ٱللَّهُ عَنِ ٱلَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي ٱلدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُواْ عَلَىٰ إِخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلظَّالِمُونَ}. أمَرَهُم بشدة العداوة مع أعدائهم على الوجه الذي يفعلونه، وأمّا من كان فيهم ذا خُلُقٍ حَسَنٍ، أو كان منه للمسلمين وجهُ نَفْع أو رِفْقٍ - فقد أمَرَهم بالملاينة معه. والمُؤلَّفَةُ قلوبهم شاهدٌ لهذه الجملة، "فِإِنَّ الله يحب الرِّفق في جميع الأمور".
البقلي
تفسير : قوله تعالى {عَسَى ٱللَّهُ أَن يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ ٱلَّذِينَ} هذا اشارة الى الرفق فى مجاهدة النفس ربما تطمئنين وتعين الروح والعقل والقلب فى معرفة الله وطاعته قال ابن عطا لا تبغضوا عبادى كل البغض فانى قادر على ان انقلكم من البغض الى المحبة كنقله من الحياة الى المماة ومن الموت الى النشور قال عليه الصلاة والسلام احبب حبيبك هوناً ما سعى ان يكون بغيضك يوما ما وابغض بغيضك هو ناما عسى ان يكون حبيبك يوما.
اسماعيل حقي
تفسير : {عسى الله ان يجعل} شايد آنكه خداى تعالى بيدا كند {بينكم وبين الذين عاديتم منهم} اى من اقاربكم المشركين وعسى من الله وعد على عادة الملوك حيث يقولون فى بعض الحوآئج عسى ولعل فلا يبقى شبهة للمحتاج فى تمام ذلك وقال الراغب ذكر الله فى القرءآن عسى ولعل تذكرة ليكون الانسان منه على رجاء لاعلى أن يكون هو تعالى راجيا اى كونوا راجين فى ذلك والمعاداة والعداء باكسى دشمنى كردن {مودة} اى بأن يوافقوكم فى الدين وعدهم الله بذلك لما رأى منهم من التصلب فى الدين والتشدد فى معاداة آبائهم وابنائهم وسائر اقربائهم ومقاطعتهم اياهم بالكلية تطيبا لقلوبهم ولقد انجز وعده الكريم حين أباح لهم الفتح فأسلم قومهم كأبى سفيان وسهل بن عمرو وحكيم بن حزام والحارث ابن هشام وغيرهم من صناديد العرب وكانوا اعدآء أشد العداوة فتم بينهم من التحاب والتصافى ماتم {والله قدير} اى مبالغ فى القدرة فيقدر على تقليب القلوب وتغيير الاحوال وتسهيل اسباب المودة {والله غفور رحيم} فيغفر لمن اسلم من المشركين ويرحمهم بقلب معاداة قاربهم موالاة وقيل غفور لما فرط منكم فى موالاتهم من قبل ولما بقى فى قلوبكم من ميل الرحم قال ابن عطاء رحمه الله لاتبغضوا عبادى كل البغض فانى قادر على أن أنقلكم من البغض الى المحبة كنقلى من الحياة الى الموت ومن الموت الى النشور كان رسول الله صلى الله عليه وسلم اذا انظر الى خالد بن الوليد وعكرمة بن أبى جهل قرأ {أية : يخرج الحى من الميت}تفسير : لانهما من خيار الصحابة وابواهما اعدى عدو لله ورسوله وكان بعضهم يبغض عكرمة ويسب أباه لما سلف منه من الأذى حتى ورد النهى عنه بقوله عليه السلام "حديث : لاتؤذوا الاحياء بسبب الاموات"تفسير : فقلب الله ذلك محبة فكانوا اخوانا فى الله وفى الحديث "حديث : من نظر الى اخيه نظر مودة لم يكن فى قلبه احنه لم يطرف حتى يغفر الله له ماتقدم من ذنبه"تفسير : وقال سقراط أثن على ذى المودة خيرا عند من لقيت فان رأس المودة حسن الثناء كما ان رأس العداوة سوء الثناء وعنه لاتكون كاملا حتى يأمنك عدوك فكيف بك اذا لم يأمنك صديقك قال داود عليه السلام اللهم انى اعوذ بك من مال يكون على فتنة ومن ولد يكون على ربا ومن حليلة تقرب المشيب واعوذ بك من جار ترانى عيناه وترعانى اذناه ان رأى خيرا دفنه وان سمع شرا طار به ومن بلاغات الزمخشرى محل المودة والاخاء حال الشدة دون الرخاء (قال الحافظ) شعر : وفامجوى زكس ورسخن نمى شنوى بهرزه طالب سيمرغ وكيميامى باش
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {عسى اللهُ أن يجعلَ بينكم وبين الذين عادَيْتم منهم}؛ من أقاربكم المشركين، {مودةً} بأن يُوافقوكم في الدين. وَعَدهم بذلك لما رأى منهم من التصلُّب في الدين، والتشديد في معاداة أقربائهم، تطييباً لقلوبهم، ولقد أنجز وَعْدَه الكريم، فأسْلَم كثير منهم يوم فتح مكة، فتصافوا، وتوادوا, وصاروا أولياء وإخواناً، وخالَطوهم وناكَحوهم. و"عسى" من الله واجبة الوقوع. {واللهُ قديرٌ} أي: مبالغ في القدرة على تغيير الأحوال وتسهيل أسباب المودة، {واللهُ غفور رحيم}، فيغفر لمَن أسلم من المؤمنين ويرحمهم، أو: غفور لما فَرَط منكم من مولاتهم قبلُ، وما بقي في قلوبكم من ميل الطبع إلى الرحم بعدُ، رحيم لمَن لم تبقَ فيه بقية. الإشارة: عسى الله أن يجعل بينكم وبين نفوسكم، التي عاديتموها وخالفتموها، وقطعتم مواد هواها، مودةً، حين تتهذّب وتتأدّب وترتاض بالمجاهدة، فالواجب حينئذ البرور بها، والإحسان إليها، لأنها انقلبت روحانية، تصطاد بها العلوم اللدنية، والمعارف الربانية، وفيها يقول شيخ شيوخنا، سيدي عبد الرحمن المجذوب رضي الله عنه: شعر : سايس من النفس جهدك صبّــح ومــس عليهــا لعلهـا تــدخل في يــدك تعــود تصطــاد بهــا تفسير : فالآية تسلية وترجية لأهل المجاهدة من السائرين دون الواصلين؛ فإنّ المجاهدة لا تكون إلاّ قبل المشاهدة، أو: تكون تسلية لهم عند مقاطعة أقاربهم وعشائرهم، حين فرُّوا عنهم لله، بأن يهديهم الله، حتى يوافقوهم على طريقهم. وبالله التوفيق. ثم بيَّن مَن نهى عن مقاطعته، فقال: {لاَّ يَنْهَاكُمُ ٱللَّهُ عَنِ ٱلَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ}.
الجنابذي
تفسير : {عَسَى ٱللَّهُ أَن يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ ٱلَّذِينَ عَادَيْتُم مِّنْهُم مَّوَدَّةً} جوابٌ لسؤالٍ مقدّرٍ {وَٱللَّهُ قَدِيرٌ} على ان يبدّل المعاداة والتّبرّى محبّةً وموالاةً {وَٱللَّهُ غَفُورٌ} يغفر ما صدر منهم من معاداتكم بجهالةٍ وما صدر منكم من موالاتهم بجهالةٍ {رَّحِيمٌ} يرحمهم ويرحمكم فضلاً عن مغفرته لكم، فى خبرٍ عن الباقر (ع): قطع الله ولاية المؤمنين من قومهم من اهل مكّة واظهروا لهم العداوة فقال: عسى الله ان يجعل بينكم وبين الّذين عاديتم منهم مودّة فلمّا اسلم اهل مكّة خالطهم اصحاب رسول الله (ص) وناكحوهم وتزوّج رسول الله (ص) حبيبة بنت ابى سفيان بن حرب.
الهواري
تفسير : ثم قال عز وجل: {عَسَى اللهُ أَن يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُم مِّنْهُم مَّوَدَّةً}. يعني المشركين. فلما أسلم أهل مكة خالطهم المسلمون وناكحوهم، وتزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم أم حبيبة بنت أبي سفيان، وهي المودة التي ذكر الله عز وجل. قال الله: {وَاللهُ قَدِيرٌ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ}. قوله عز وجل: {لاَّ يَنْهَاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُم} يعني قرابة المؤمنين {أَن تَبَرُّوهُمْ} بالصلة {وَتُقْسِطُواْ إِلَيْهِمْ} أي: وتعدلوا إليهم، أي في أموالكم {إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} أي: العَادِلِينَ. وكان هذا قبل أن يؤمر بقتالهم ثم أمر بقتال المشركين كافة. وكان المسلمون قبل أن يؤمر النبي عليه السلام بقتال المشركين استشاروا النبي عليه السلام في قراباتهم من المشركين أن يصلوهم ويبروهم، فأنزل الله عز وجل هذه الآية، في تفسير الحسن. ذكروا عن الحسن قال: كان رجل من المشركين قد سماه يهدي النبي عليه السلام لا يزال يهاديه، وإنه قدم على النبي عليه السلام بهدية فقال له النبي عليه السلام: أو كنت أسلمت؟ قال: لا، قال له: فإنه لا يحل لنا رفد المشركين. وتفسير مجاهد: هم الذين آمنوا بمكة ولم يهاجروا. قوله عز وجل: {إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ} يعني كفار أهل مكةِ {وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ} أي: من مكة {وَظَاهَرُواْ} أي: وأعانوا {عَلَى إِخْرَاجِكُم أَن تَوَلَّوْهُمْ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ}.
اطفيش
تفسير : {عَسَى} وعد مقطوع به على عادة لملوك في ترجيتهم أو المراد اطماع المؤمنين.{اللهُ أَن يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُم مِّنهُم} من كفار مكة طاعة لله. {مَّوَدَّةً} بأن يهديهم فيصيروا لكم اولياء تخالطونهم وتناكحونهم بما نزلت تلك الايات في النهي عن حب الكفار تشدد المؤمنون في عداوة ابآئهم واقاربهم من المشركين ولما رأى الله منهم الجد والصبر على الوجد الشديد وطول التمني للسبب الذي يبيح لهم الموالاة والمواصلة رحمهم فوعدهم تيسير ما تمنوا ولما يسر فتح مكة أظفرهم الله بامنيتهم فاسلم قومهم وتم بينهم من التحاب والتصافي ما تم وقل من لم يؤمن منهم وقيل: المودة لين عريكة ابى سفيان واسترخاء شكيمته في العداوة لما تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم بنته ام حبيب وكانت قد اسلمت وهاجرت مع زوجها عبد الله بن جحش الى الحبشة فتنصروا رادها على النصرانية فأبت وصبرت على دينها ومات زوجها فبعث صلى الله عليه وسلم إلى النجاشي فخطبها اليه وساق عنه اليها اربعمائة دينار وبلغ ذلك اباها فقال ذلك الفحل لايجدع انفه. {واللهُ قَدِيرٌ} على كل شيء من تقليب القلوب وتغيير الاحوال وتسهيل اسباب المودة وغير ذلك. {وَاللهُ غَفَورٌ رَّحِيمٌ} لمن أسلم من المشركين ولما صدر منكم من موالاتهم من قبل ولما بقي في قلوبكم من ميل الرحم وعن عبدالله بن الزبير أن قتيلة بنت عبدالعزى قدمت وهي مشركة على بنتها أسماء بنت أبي بكر بهدية فلم تقبلها ولم تأذن لها بالدخول قالت لا تدخلين على بيتنا ولا أقبل منك هدية. وكانت هداياها صنابا وقرصا وسمنا واقطا حتى استأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألته فنزل قوله عز وجل.
الالوسي
تفسير : {عَسَى ٱللَّهُ أَن يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ ٱلَّذِينَ عَادَيْتُم مّنْهُم } أي من أقاربكم المشركين {مَّوَدَّةَ } بأن يوافقوكم في الدين، وعدهم الله تعالى بذلك لما رأى منهم التصلب في الدين والتشدد في معاداة آبائهم وأبنائهم وسائر أقربائهم ومقاطعتهم إياهم بالكلية تطييباً لقلوبهم، ولقد أنجز الله سبحانه وعده الكريم حين أتاح لهم الفتح فأسلم قومهم فتم بينهم من التحابّ والتصافي ما تم، ويدخل في ذلك أبو سفيان وأضرابه من مسلمة الفتح من أقاربهم المشركين. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن عدي وابن مردويه والبيهقي في «الدلائل» وابن عساكر من طريق الكلبـي عن أبـي صالح عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال: كانت المودة التي جعل الله تعالى بينهم تزوج النبـي صلى الله عليه وسلم أم حبيبة بنت أبـي سفيان فصارت أم المؤمنين وصار معاوية خال المؤمنين، وأنت تعلم أن تزوجها كان وقت هجرة الحبشة، ونزول هذه الآيات سنة ست من الهجرة فما ذكر لا يكاد يصح بظاهره، وفي ثبوته عن ابن عباس مقال. {وَٱللَّهُ قَدِيرٌ } مبالغ في القدرة فيقدر سبحانه على تقليب القلوب وتغيير الأحوال وتسهيل أسباب المودة {وَٱللَّهُ غَفُورٌ } مبالغ في المغفرة فيغفر جل شأنه لما فرط منكم في موالاتهم {رَّحِيمٌ } مبالغ في الرحمة فيرحمكم عز وجل بضم الشمل واستحالة الخيانة ثقة وانقلاب المقت مقة، وقيل: يغفر سبحانه لمن أسلم من المشركين ويرحمهم، والأول أفيد وأنسب بالمقام.
ابن عاشور
تفسير : اعتراض وهو استئناف متصل بما قبله من أول السورة خوطب به المؤمنون تسلية لهم على ما نُهوا عنه من مواصلة أقربائهم، بأن يرجوا من الله أن يجعل قطيعتهم آيلة إلى مودة بأن يُسلم المشركون من قرابة المؤمنين وقد حقق الله ذلك يوم فتح مكة بإسلام أبي سفيان والحارث بن هشام وسهيل بن عمرو وحكيم بن حزام. قال ابن عباس: كان من هذه المودة تزوج النبي صلى الله عليه وسلم أمَّ حبيبة بنت أبي سفيان، تزوجها بعد وفاة زوجها عبدِ الله بن جَحش بأرض الحبشة بعد أن تنصَّر زوجها فلما تزوجها النبي صلى الله عليه وسلم لانت عريكة أبي سفيان وصرح بفضل النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «حديث : ذلك الفحل لا يُقْدَع أنفه»تفسير : (روي بدال بعد القاف يُقال: قَدع أنفَه. إذا ضرَب أنفه بالرّمح) وهذا تمثيل، كانوا إذا نزا فحل غير كريم على ناقة كريمة دفعوه عنها بضرب أنفه بالرمح لئلا يكون نَتاجها هَجيناً. وإذ تقدم أن هذه السورة نزلت عام فتح مكة وكان تزوج النبي صلى الله عليه وسلم أمّ حبيبة في مدة مهاجرتها بالحبشة وتلك قبل فتح مكة كما صرح به ابن عطية وغيره. يعني فتكون آية {عسى الله أن يجعل بينكم} الخ نزلت قبل نزول أول السورة ثم ألحقت بالسورة. وإما أن يكون كلام ابن عباس على وجه المثال لحصول المودة مع بعض المشركين، وحصولُ مثل تلك المودة يهيّىء صاحبه إلى الإِسلام واستبعد ابن عطية صحة ما روي عن ابن عباس. و{عسى} فعل مقاربة وهو مستعمل هنا في رجاء المسلمين ذلك من الله أو مستعملة في الوعد مجردة عن الرجاء. قال في «الكشاف»: كما يقول المَلك في بعض الحوائج عسى أو لعل فلا تبقى شبهة للمحتاج في تمام ذلك. وضمير {منهم} عائد إلى العدوّ من قوله: {أية : لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء}تفسير : [الممتحنة: 1]. وجملة {والله قدير} تذييل. والمعنى: أنه شديد القدرة على أن يغير الأحوال فيَصيرَ المشركون مؤمنين صادقين وتصيرون أوِدَّاء لهم. وعطف على التذييل جملة {والله غفور رحيم}، أي يغفر لمن أنابوا إليه ويرحمهم فلا عجب أن يصيروا أودّاء لكم كما تصيرون أوداء لهم.
الشنقيطي
تفسير : لم يبين هنا هل جعل المودة بالفعل بينهم وبين من عادوهم وأمروا بمقاطعتهم وعدم موالاتهم من ذوي أرحامهم أم لا. ولكن عسى من الله للتأكيد، والتذييل بقوله تعالى: {وَٱللَّهُ قَدِيرٌ} يشعر بأنه فاعل ذلك لهم، وقد جاء ما يدل على أنه فعله فعلاً في سورة النصر حين دخل الناس في دين الله أفواجاً، وقد فتح الله عليهم مكة وكانوا طلقاء لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وكذلك موقف أبي سفيان وغيره، وعام الوفود إلى المدينة بعد الفتح، وفي التذييل بأن الله قدير، يشعر بأن تأليف القلوب ومودتها إنما هو من قدرة الله تعالى وحده، كما بينه قوله تعالى:{أية : لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً}تفسير : [الأنفال: 63] الآية. لأن المودة المتوقعة بسبب هداية الكفار، والهداية منحة من الله: إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء. والعلم عند الله تعالى.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: عاديتم منهم: أي من كفار قريش بمكة طاعة لله واستجابة لأمره. مودة: أي محبة وولاء وذلك بأن يوفقهم للإِيمان والإِسلام فيؤمنوا ويسلموا ويصبحوا أولياءكم. والله قدير: أي على ذلك وقد فعل فأسلم بعد الفتح أهل مكة إلا قليلاً منهم. لم يقاتلوكم في الدين: أي من أجل الدين. أن تبروهم: أي تحسنوا إليهم. وتقسطوا إليهم: أي تعدلوا فيهم فتنصفوهم. إن الله يحب المقسطين: أي المنصفين العادلين في أحكامهم ومن ولوا. وظاهروا على إخراجكم: أي عاونوا وناصروا العدو على إخراجكم من دياركم. أن تولوهم: أي تتولهم بالنصرة والمحبة. فأولئك هم الظالمون: لأنهم وضعوا الولاية في غير موضعها، والظلم هو وضع الشيء في غير موضعه. معنى الآيات: ما زال السياق الكريم في بيان حكم الموالاة للكافرين فإنه لما حرم تعالى ذلك، وكان للمؤمنين قرابات كافرة وبحكم إيمانهم واستجابتهم لنداء ربهم قاطعوهم فَبَشَّرَهُم تعالى في هذه الآية الكريمة بأنه عز وجل قادر على أن يجعل بينهم وبين أقربائهم مودة فقال عز من قائل {عَسَى ٱللَّهُ أَن يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ ٱلَّذِينَ عَادَيْتُم مِّنْهُم} أي من المشركين {مَّوَدَّةً}. وذلك بأن يوفقهم للإِسلام، وهو على ذلك قدير وقد فعل وله الحمد والمنة فقد فتح على رسوله مكة وبذلك آمن أهلها إلا قليلاً فكانت المودة وكان الولاء والإِيخاء مصداقاً لقوله عز وجل عسى الله أن يجعل بينكم وبين الذين عاديتم منهم مودة والله غفور رحيم فقد تاب عليهم بعد أن هداهم وغفر لهم ما كان منهم من ذنوب ورحمهم. وقوله تعالى: {لاَّ يَنْهَاكُمُ ٱللَّهُ عَنِ ٱلَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي ٱلدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِّن دِيَارِكُمْ} بمضايقتكم أن تبروهم أي بالإِحسان إليهم بطعام أو كسوة أو إركاب وتقسطوا أي تعدلوا فيهم بأن تنصفوهم وهذا عام في كل الظروف الزمانية والمكانية وفي كل الكفار. ولكن بالشروط التي ذكر تعالى. وهي: أولا: أنهم لم يقاتلونا من أجل ديننا. وثانيا: لم يخرجونا من ديارنا بمضايقتنا وإلجائنا إلى الهجرة. وثالثا: أن لا يعاونوا عدواً من أعدائنا بأي معونة ولو بالمشورة والرأي فضلاً عن الكراع والسلاح. وقوله تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُقْسِطِينَ} ترغيب لهم في العدل والإنصاف حتى مع الكافر وقوله تعالى {إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ ٱللَّهُ} عن موالاة الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا أي أعانوا {عَلَىٰ إِخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ} أي ينهاكم عن موالاتهم. {وَمَن يَتَوَلَّهُمْ} منكم معرضاً عن هذا الإِرشاد الإِلهي والأمر الرباني {فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلظَّالِمُونَ} أي لأنفسهم المتعرضون لعذاب الله ونقمته لوضعهم الموالاة في غير موضعها بعدما عرفوا ذلك وفهموه. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- بيان حكم الموالاة الممنوعة والمباحة في الإِسلام. 2- الترغيب في العدل والإِنصاف بعد وجوبهما للمساعدة على القيام بهما. 3- تقرير ما قال أهل العلم: أن عسى من الله تفيد وقوع ما يرجى بها ووجوده لا محالة. بخلافها من غير الله فهي للترجي والتوقع وقد يقع ما يُتَرجى بها وقد لا يقع.
د. أسعد حومد
تفسير : (7) - ثُمَّ قَالَ اللهُ تَعَالَى لِلْمُؤْمِنينَ تَطْيِيباً لِقُلُوبِهِمْ، إِنَّهُ قَدْ يَغْرِسُ فِي قُلُوبِ الكَافِرِينَ مِنْ أَهْلِهِمْ وَمِنْ أَقْرِبَائِهِمْ مَحَّبَةَ الإِسْلاَمِ، فَيَتِمُّ التَّوادُّ، وَيَتِمُّ التَّصَافِي بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ هَؤُلاَءِ الذِينَ كَانُوا يُعَادُونَهُمْ، وَيُقَاطِعُونَهُمْ فِي الدِينِ، وَاللهُ قَدِيرٌ عَلَى مَا يَشَاءُ، غَفُورٌ لِخَطِيئَةِ الَّذِينَ أَلْقَوْا إِلَيهِمْ بِالمَوَدَّةِ إِذَا تَابُوا مِنْهَا، رَحِيمٌ بِهِمْ، فَلاَ يُعَذِّبُهُمْ بَعْدَ تَوْبَتِهِ عَلَيْهِمْ مِنْ ذَنْبِهِمْ.
الجيلاني
تفسير : ثمَّ لمَّا ورد النهي الإلهي على وجه المبالغة والتأكيد عن موالاة ذوي الأرحام والأقارب من الكفرة تبرأ المؤمنون من أقاربهم وعشائرهم المشركين، وعادوا معهم، إلاَّ أنهم أضمروا في نفوسهم حزناً وغماً، فوعد الله سبحانه لهم إيمان أقاربهم تسليةً لهم، وإزالةً لحزنهم، فقال: {عَسَى ٱللَّهُ أَن يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ} أيها المؤمنون {وَبَيْنَ ٱلَّذِينَ عَادَيْتُم مِّنْهُم مَّوَدَّةً} ومحبة خالصة جامعة بينكم وبينهم، ألا وهي الإسلام المسقِط لجميع الآثام {وَٱللَّهُ} المطلع على ما في ضمائرهم عباده {قَدِيرٌ} على ذلك الجمع المستلزم للمودة {وَٱللَّهُ} القادر المقتدر على جمعكم {غَفُورٌ} لفرطاتكم التي صدرت منكم {رَّحِيمٌ} [الممتحنة: 7] يرحمكم بمقتضى سعة رحمته وجوده. ثمَّ لمَّا تحرَّج المؤمنون من عدم موالاتهم مع أقاربهم الكفرة، وذوي أرحامهم المشركين إلى حيث قدمت قتيلة بنت عبد العزى مشركة على ابنتها أسماء بنت أبي بكر بهدايا فلم تأذن لها بالدخول، ولم تقبل هديتها، فنزلت: {لاَّ يَنْهَاكُمُ ٱللَّهُ} الحكيم العليم {عَنِ} المشركين {ٱلَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي ٱلدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِّن دِيَارِكُمْ} ولم ينهكم {أَن تَبَرُّوهُمْ} ولا تحسنوا إليهم؛ إذ لا سبب للنهي عن ودادة هؤلاء {وَ} عليكم أن {تُقْسِطُوۤاْ} وتفيضوا {إِلَيْهِمْ} بالقسط الإلهي على مقتضى الوصلة الموضوعية بينكم بالوضع الإلهي {إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُقْسِطِينَ} [الممتحنة: 8] المعتدلين في عموم الأحوال، سيما على ذوي القربى. بل {إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ ٱللَّهُ} العليم الحكيم {عَنِ} مولاة أقربائكم {ٱلَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي ٱلدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ} يعني: مكة - شرفها الله - {وَ} الذين {ظَاهَرُواْ} أعانوا ونصروا {عَلَىٰ إِخْرَاجِكُمْ} وإن لم يباشروا بجوارحهم، لكن أعانوا على المباشرين المخرجين بالقول والمال، وإيقاع الفتنة؛ لذلك نهاكم سبحانه {أَن تَوَلَّوْهُمْ} وتختلطوا معهم، وتوالوهم؛ إي: المجرمين والمعاونين {وَمَن يَتَوَلَّهُمْ} منكم بعد وورد النهي {فَأُوْلَـٰئِكَ} الموالون {هُمُ ٱلظَّالِمُونَ} [الممتحنة: 9] الخارجون عن مقتضى النهي الوارد من قِبَل الحق فيستحقون العذاب الأليم؛ بسبب خروجهم عن مقتضى النهي الإلهي.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : {عَسَى ٱللَّهُ أَن يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ ٱلَّذِينَ عَادَيْتُم} [الممتحنة: 7] لأجل الله {مِّنْهُم} [الممتحنة: 7] أي: من القوى الكافرة والمشركة {مَّوَدَّةً} [الممتحنة: 7] إيمانية بأن يدخلهم الله في دائرة الإيمان ويخالطهم مخالطة الإخوان {وَٱللَّهُ قَدِيرٌ} [الممتحنة: 7] على ما يشاء لو شاء لهدى الناس جميعاً {وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [الممتحنة: 7] يغفر عما سلف ويرحم على القوة القالبية والنفسية ويدخلها في رحمته بهدايته إلى الإيمان {لاَّ يَنْهَاكُمُ ٱللَّهُ عَنِ ٱلَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي ٱلدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ} [الممتحنة: 8] وهذه حالة مخصوصة بالمقتصدين والحال التي بيّنا من قبل حال الظاهر لنفسيه وهو السالك المبتدئ فإذا أخرج السالك المبتدئ محبة القوة القالبية والنفسية لأجل الحق وبأمر الحق من باطنه ورسخ قدميه في الطريقة لا يضره الاشتغال بنصيحة القوة القالبية والنفسية التي لا يقاتلونه لأجل الدين بل يطلبون منه حظوظهم المباحة بشرط أن يكونوا مغلوبين مقهورين لا يقدرون على إخراج القوة المؤمنة عن ديارهم ولكن ينبغي أن {وَتُقْسِطُوۤاْ إِلَيْهِمْ} [الممتحنة: 8] يعني: تعدلوا فيهم بالإحسان والبر وإعطاء الحظوظ ولا يتجاوزوا عن حد الاعتدال {إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُقْسِطِينَ} [الممتحنة: 8] الذين اجتنبوا عن الإفراط والتفريط في جميع الأمور وهذا حال المقتصد وهو السالك المتوسط {إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ ٱللَّهُ عَنِ ٱلَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي ٱلدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُواْ عَلَىٰ إِخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ} [الممتحنة: 9] يعني: لا ينهاكم الله عن أن تعطوا حظوظ القوى القالبية والنفسية الذين قاتلوكم عداوة للحق لأن يخرجوكم من دين الحق ويدخلوكم في دين الباطل وأخرجوكم من ديار القالب وغلبوا على إخراجكم أن تتخذوهم أولياء {وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلظَّالِمُونَ} [الممتحنة: 9] يعني: من يتخذهم أولياء نفسه كان ظالماً يضع الولاية في غير موضعها.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):