٦٠ - ٱلْمُمْتَحَنَة
60 - Al-Mumtahana (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
8
Tafseer
الرازي
تفسير : اختلفوا في المراد من {ٱلَّذِينَ لَمْ يُقَـٰتِلُوكُمْ } فالأكثرون على أنهم أهل العهد الذين عاهدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم على ترك القتال، والمظاهرة في العداوة، وهم خزاعة كانوا عاهدوا الرسول على أن لا يقاتلوه ولا يخرجوه، فأمر الرسول عليه السلام بالبر والوفاء إلى مدة أجلهم، وهذا قول ابن عباس والمقاتلين والكلبي، وقال مجاهد: الذين آمنوا بمكة ولم يهاجروا، وقيل: هم النساء والصبيان، وعن عبد الله بن الزبير: أنها نزلت في أسماء بنت أبي بكر قدمت أمها فتيلة عليها وهي مشركة بهدايا، فلم تقبلها ولم تأذن لها بالدخول، فأمرها النبي صلى الله عليه وسلم أن تدخلها وتقبل منها وتكرمها وتحسن إليها، وعن ابن عباس: أنهم قوم من بني هاشم منهم العباس أخرجوا يوم بدر كرهاً، وعن الحسن: أن المسلمين استأمروا رسول الله في أقربائهم من المشركين أن يصلوهم، فأنزل الله تعالى هذه الآية، وقيل الآية في المشركين، وقال قتادة نسختها آية القتال. وقوله: {أَن تَبَرُّوهُمْ } بدل من {ٱلَّذِينَ لَمْ يُقَـٰتِلُوكُمْ } وكذلك {أَن تَوَلَّوْهُمْ } بدل من{ٱلَّذِينَ قَـٰتَلُوكُمْ } والمعنى: لا ينهاكم عن مبرة هؤلاء، وإنما ينهاكم عن تولي هؤلاء، وهذا رحمة لهم لشدتهم في العداوة، وقال أهل التأويل: هذه الآية تدل على جواز البر بين المشركين والمسلمين، وإن كانت الموالاة منقطعة، وقوله تعالى: {وَتُقْسِطُواْ إِلَيْهِمْ } قال ابن عباس يريد بالصلة وغيرها {إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُقْسِطِينَ } يريد أهل البر والتواصل، وقال مقاتل: أن توفوا لهم بعهدهم وتعدلوا، ثم ذكر من الذين ينهاهم عن صلتهم فقال: {إِنَّمَا يَنْهَـٰكُمُ ٱللَّهُ عَنِ ٱلَّذِينَ قَـٰتَلُوكُمْ فِى ٱلدّينِ... أَن تَوَلَّوْهُمْ } وفيه لطيفة: وهي أنه يؤكد قوله تعالى: {لاَّ يَنْهَـٰكُمُ ٱللَّهُ عَنِ ٱلَّذِينَ لَمْ يُقَـٰتِلُوكُمْ }.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {لاَّ يَنْهَاكُمُ ٱللَّهُ عَنِ ٱلَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي ٱلدِّينِ} فيه ثلاث مسائل: الأولى ـ: هذه الآية رُخصة من الله تعالى في صِلة الذين لم يعادوا المؤمنين ولم يقاتلوهم. قال ابن زيد: كان هذا في أوّل الإسلام عند الموادعة وترك الأمر بالقتال ثم نسخ. قال قتادة: نسختها {أية : فَٱقْتُلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ}تفسير : [التوبة:5]. وقيل: كان هذا الحكم لعلة وهو الصلح، فلما زال الصلح بفتح مكة نُسخ الحكم وبقي الرسم يُتْلىَ. وقيل: هي مخصوصة في حلفاء النبيّ صلى الله عليه وسلم ومَنْ بينه وبينه عهد لم ينقضه؛ قاله الحسن. الكلبي: هم خُزَاعة وبنو الحارث بن عبد مناف. وقاله أبو صالح، وقال: هم خزاعة. وقال مجاهد: هي مخصوصة في الذين آمنوا ولم يهاجروا. وقيل: يعني به النساء والصبيان لأنهم ممن لا يقاتل؛ فأذن الله في بِرّهم. حكاه بعض المفسرين. وقال أكثر أهل التأويل: هي محكمة. واحتجوا: حديث : بأن أسماء بنت أبي بكر سألت النبيّ صلى الله عليه وسلم: هل تَصلُ أمّها حين قدِمت عليها مشركة؟ قال:«نعم» تفسير : خرّجه البخاري ومسلم. وقيل: إن الآية فيها نزلت. وروى عامر بن عبد الله بن الزبير عن أبيه: أن أبا بكر الصديق طلّق أمرأته قُتيلة في الجاهلية، وهي أم أسماء بنت أبي بكر، فقدمت عليهم في المدة التي كانت فيها المهادنة بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين كفار قريش، فأهدت إلى أسماء بنت أبي بكر الصديق قرطاً وأشياء؛ فكرهت أن تقبل منها حتى أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك له، فأنزل الله تعالى: {لاَّ يَنْهَاكُمُ ٱللَّهُ عَنِ ٱلَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي ٱلدِّينِ}. ذكر هذا الخبر الماوردِيّ وغيره، وخرجه أبو داود الطَّيَالسي في مسنده. الثانية ـ: قوله تعالى: {أَن تَبَرُّوهُمْ} «أن» في موضع خفض على البدل من «الَّذِينَ»؛ أي لا ينهاكم الله عن أن تبروا الذين لم يقاتلوكم. وهم خُزاعة، صالحوا النبيّ صلى الله عليه وسلم على ألا يقاتلوه ولا يُعينوا عليه أحداً؛ فأمر ببّرهم والوفاء لهم إلى أجلهم؛ حكاه الفرّاء. {وَتُقْسِطُوۤاْ إِلَيْهِمْ} أي تعطوهم قسطاً من أموالكم على وجه الصلة. وليس يريد به من العدل؛ فإن العدل واجب فيمن قاتل وفيمن لم يقاتل؛ قاله ابن العربي. الثالثة ـ: قال القاضي أبو بكر في كتاب الأحكام له: «استدل به بعض مَن تُعقد عليه الخناصر على وجوب نفقة الإبن المسلم على أبيه الكافر. وهذه وهلة عظيمة، إذ الإذن في الشيء أو ترك النهي عنه لا يدل على وجوبه، وإنما يعطيك الإباحة خاصّةً. وقد بيّنا أن إسماعيل بن إسحاق القاضي دخل عليه ذِمِّي فأكرمه، فأخذ عليه الحاضرون في ذلك؛ فتلا هذه الآية عليهم».
المحلي و السيوطي
تفسير : {لاَّ يَنْهَٰكُمُ ٱللَّهُ عَنِ ٱلَّذِينَ لَمْ يُقَٰتِلُوكُمْ } من الكفار {فِى ٱلدّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مّن دِيَٰرِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ } بدل اشتمال من الذين {وَتُقْسِطُواْ } تفضوا {إِلَيْهِمُ } بالقسط، أي بالعدل وهذا قبل الأمر بجهادهم [5:47] {إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُقْسِطِينَ } العادلين.
ابن عطية
تفسير : اختلف الناس في هؤلاء الذين لم ينه عنهم أن يبروا من هم. فقال مجاهد: هم المؤمنون من أهل مكة الذين آمنوا ولم يهاجروا وكانوا لذلك في رتبة سوء لتركهم فرض الهجرة وقال آخرون: أراد المؤمنين التاركين للهجرة كانوا من أهل مكة ومن غيرها. وقال الحسن وأبو صالح: أراد خزاعة وبني الحارث بن كعب، وقبائل من العرب كفار إلا أنهم كانوا مظاهرين للنبي صلى الله عليه وسلم محبين فيه وفي ظهوره، ومنهم كنانة وبنو الحارث بن عبد مناة ومزينة، وقال قوم: أراد من كفار قريش من لم يقاتل: ولا أخرج ولا أظهر سوءاً، وعلى هذين القولين فالآية منسوخة بالقتال، وقال عبد الله بن الزبير: أراد النساء والصبيان من الكفرة، وقال إن الآية نزلت بسبب أم أسماء حين استأذنت النبي صلى الله عليه وسلم في برها وصلتها فأذن لها، وكانت المرأة خالتها فيما روي فسمتها في حديثها أماً، وقال أبو جعفر بن النحاس والثعلبي: أراد المستضعفين من المؤمنين الذين لم يستطيعوا الهجرة، وهذا قول ضعيف. وقال مرة الهمداني وعطية العوفي: نزلت في قوم من بني هاشم، منهم العباس، قال وقتادة نسختها {أية : فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم} تفسير : [التوبة: 5]. وقوله تعالى: {أن تبروهم} بدل، وهذا هو بدل الاشتمال، والإقساط: العدل، و {ظاهروا} معناه: عاونوا، و "الذين قاتلوا في الدين وأخرجوا" هم مردة قريش وقوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات} الآية نزلت إثر صلح الحديبية، وذلك أن الصلح تضمن أن يرد المؤمنون إلى الكفار كل من جاء مسلماً من رجل وامرأة فنقض الله تعالى من ذلك أمر النساء بهذه الآية، وحكم أن المهاجرة لا ترد إلى الكفار بل تبقى تستبرئ وتتزوج ويعطى زوجها الكافر الصداق الذي أنفق، وأمر أيضاً المؤمنين بطلب صداق من فرت امرأته من المؤمنين، وحكم تعالى بهذا في النازلة وسماهم مؤمنات قبل أن يتيقن ذلك إذ هو ظاهر أمرهن، و {مهاجرات} نصب على الحال، {فامتحنوهن} معناه: جربوهن واستخبروا حقيقة ما عندهن. واختلف الناس في هذا الامتحان كيف هو، فقال ابن عباس وقتادة ومجاهد وعكرمة: كان بأن تستحلف المرأة أنها ما هاجرت لبغض زوجها ولا لجريرة جرت ولا لسبب من أعراض الدنيا سوى حب الله ورسوله والدار الآخرة. قال ابن عباس: الامتحان أن تطلب بأن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فإذا فعلت ذلك لم ترد، فقال فريق منهم عائشة أم المؤمنين: الامتحان هو أن تعرض عليها الشروط التي في الآية بعد هذا من ترك الزنا والسرقة والبهتان والعصيان، فإذا أقرت بذلك فهو امتحان، وقيل: إن هذه الآية نزلت في أميمة بنت بشر امرأة حسان بن الدحداحة وفي كتاب الثعلبي أنها نزلت في سبيعة بنت الحارث، وقوله تعالى: {الله أعلم بإيمانهم} إشارة إلى الاسترابة ببعضهن وحض على امتحانهن، وذكر تعالى العلة في أن لا يرد النساء إلى الكفار وهي امتناع الوطء وحرمته، وقرأ طلحة: "لا هن يحللن لهم".
ابن عبد السلام
تفسير : {لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ} كان هذا في الابتداء عند موادعة المشركين ثم صارت منسوخة بالأمر بالقتال أو كان لخزاعة والحارث بن عبد مناة عهد فأمروا أن يبروهم بالوفاء به، أو أراد النساء والصبيان أمروا ببرهم، أو نزلت في قُتَيْلَة امرأة أبي بكر كان قد طلقها في الجاهلية فقدمت على ابنتها أسماء بنت أبي بكر ـ رضي الله تعالى عنه ـ في الهدنة فأهدت لها قرطاً وأشياء فكرهت قبوله حتى ذكرته للرسول صلى الله عليه وسلم فنزلت. {وَتُقْسِطُواْ} تعطوهم قسطاً من أموالكم أو تعدلوا فيهم فلا تغلوا في مقاربتهم ولا تسرفوا في مباعدتهم.
الثعالبي
تفسير : وقوله تعالى: {لاَّ يَنْهَـٰكُمُ ٱللَّهُ عَنِ ٱلَّذِينَ لَمْ يُقَـٰتِلُوكُمْ...} الآية: اختلف في هؤلاء الذين لم يَنْهَ عنهم أنْ يُبَرُّوا، فقيل: أراد المؤمنين التاركين للهجرة، وقيل: خُزَاعَةَ وقبائلَ من العرب، كانوا مظاهرين للنبي صلى الله عليه وسلم ومُحِبِّينَ لظهوره، وقيل: أراد النساءَ والصبيان من الكَفَرَةِ، وقيل: أراد مِنْ كُفَّارِ قريش مَنْ لم يقاتلْ ولا أخرج، ولم يُظْهِرْ سُوءاً؛ وعلى أَنَّها في الكفار فالآية منسوخةٌ بالقتال، والذين قاتلوا في الدين وأخرجوهم هم مَرَدَةُ قريش. وقوله تعالى: {يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا جَاءَكُمُ ٱلْمُؤْمِنَـٰتُ مُهَـٰجِرٰتٍ} الآيةُ نزلَتْ إثرَ صلح الحديبية؛ وذلك أَنَّ ذلك الصلحَ تَضَمَّنَ أَنَّ مَنْ أتى مُسْلِماً من أهل مَكَّةَ، رُدَّ إليهم، سَواءٌ كان رجلاً أو امرأةً، فَنَقَضَ اللَّهُ تعالى من ذلك أَمْرَ النساء بهذه الآية، وحكم بأَنَّ المهاجرة المؤمنةَ لا تُرَدُّ إلى دار الكُفْرِ، و {فَٱمْتَحِنُوهُنَّ}: معناه: جربوهن واستخبروا حقيقةَ ما عندهنَّ. وقوله تعالى: {ٱللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَـٰنِهِنَّ} إشارة إلى الاسترابة ببعضهنَّ. * ت *: وقوله تعالى: {فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَـٰتٍ...} الآية: العلم هنا: بمعنى الظن، وذكر اللَّه تعالى العِلَّةَ في أَلاَّ يُرَدَّ النساءُ إلى الكُفَّارِ وهو امتناعُ الوطء وحُرْمَتُهُ. وقوله تعالى: {وَءَاتُوهُم مَّا أَنفَقْتُمْ...} الآية: أمر بأَنْ يؤتى الكُفَّارُ مهورَ نسائهم التي هاجرنَ مؤمناتَ، ورفع سبحانه الجناحَ في أَنْ يتزوجنَ بصدقاتٍ هي أجورهِن، وأمر المسلمين بفراق الكافراتِ وأَلاَّ يتمسكوا بعصمهن، فقيل: الآية في عابداتِ الأوثان ومَنْ لا يجوزُ نكاحُها ابتداءً، وقيل: هي عامَّةٌ نُسِخَ منها نساءُ أهل الكتاب، والعِصَمُ: جمع عِصْمَة، وهي أسباب الصحبة والبقاء في الزوجية، وأمر تعالى أَنْ يسأل أيضاً المؤمنون: ما أنفقوا؟ فرُوِيَ عنِ ابن شهاب أَنَّ قريشاً لَمَّا بلغهم هذا الحكم، قالوا: نحن لا نرضى بهذا الحكم، ولا نَلْتَزِمُهُ، ولا ندفع لأحد صَدَاقاً، فنزلت بسبب ذلك هذه الآيةُ الأخرى: {وَإِن فَاتَكُمْ شَىْءٌ مِّنْ أَزْوٰجِكُمْ إِلَى ٱلْكُفَّـٰرِ...} الآية: فأمر اللَّه تعالى المؤمنين أنْ يدفعوا إلى مَن فَرَّتْ زوجتُه ففاتتْ بنفسها إلى الكُفَّارِ صَدَاقَهُ الذي أنفق، واخْتُلِفَ: مِنْ أَيِّ مَالٍ يُدْفَعُ إليه الصَّدَاقُ؟ فقال ابن شهاب: يُدْفَعُ إليه من الصدقات التي كانت تُدْفَعُ إلى الكفار بسبب مَنْ هاجر من أزواجهم، وأزال اللَّه دفعها إليهم حين لم يرضوا حكمه، قال * ع *: وهذا قول صحيح يقتضيه قوله: {فَعَـٰقَبْتُمْ} وقال قتادة وغيره: يُدْفَعُ إليه من مغانم المغازي، وقال هؤلاء: التعقيب هو الغزو والمغنم، وقال ابن شهاب أيضاً: يدفع إليه مِنْ أيِّ وجوه الفيء أمكن، والمعاقبة في هذه الآية ليستْ بمعنى مجازاة السوء بسوءٍ، قال الثعلبي: وقرأ مجاهد: «فَأَعْقَبْتُمْ» وقال: المعنى: صنعتم بهم كما صنعوا بكم، انتهى، قال * ع *: أي: وذلك بأنْ يفوت إليكم شيء من أزواجهم، وهكذا هو التعاقب على الجَمَلِ والدَّوَابِّ أنْ يركبَ هذا عقبة وهذا عقبة، ويقال: عاقب الرجلُ صاحِبَه في كذا، أي: جاء فِعْلُ كُلِّ واحد منهما بعقب فعل الآخر، وهذه الآيةُ كُلُّها قدِ ارتفع حكمها.
ابن عادل
تفسير : قوله تعالى: {لاَّ يَنْهَاكُمُ ٱللَّهُ عَنِ ٱلَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي ٱلدِّينِ} الآية. هذه الآية رخصة من الله - تعالى - في صلة الذين لم يعادوا المؤمنين ولم يقاتلوهم. قال ابن زيد: كان هذا في أول الإسلام عند الموادعة وترك الأمر بالقتال ثم نسخ. قال قتادة: نسختها: {أية : فَٱقْتُلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ}تفسير : [التوبة: 5]. وقيل: كان هذا الحكم لعلة، وهي الصلح فلما زال الصُّلح بفتح "مكة" نسخ الحكم، وبقي الرسم يتلى. وقيل: هي مخصوصة في خلفاء النبي صلى الله عليه وسلم ومن بينه وبينه عهد لم ينقضه. قاله الحسن. قال الكلبي: هم خزاعة وبنو الحارث بن عبد مناف، وهو قول أبي صالح. وقال مجاهد: هي مخصوصة في الذين آمنوا، ولم يهاجروا. وقيل: يعني به النساء والصبيان؛ لأنهم ممن لا يقاتل، فأذن الله في برهم. وقال أكثر أهل التأويل: هي محكمة، "حديث : واحتجُّوا بأن أسماء بنت أبي بكر سألت النبي صلى الله عليه وسلم: هَلْ تَصِلُ أمَّهَا حين قدِمتْ عليْهَا مُشْرِكةً؟ قال: "نَعَمْ"" تفسير : خرجه البخاري ومسلم. وقيل: إن الآية نزلت فيها. وروى عامر بن عبد الله بن الزبير عن أبيه: أن أبا بكر الصديق - رضي الله عنه - طلق امرأته قتيلة في الجاهلية، وهي أم أسماء بنت أبي بكر، فقدمت عليهم في المدة التي كانت فيها المهادنة بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين كفار قريش، فأهدت إلى أسماء بنت أبي بكر قرطاً وأشياء، فكرهت أن تقبل منها حتى أتت رسول الله فذكرت ذلك له، فأنزل الله تعالى: {لاَّ يَنْهَاكُمُ ٱللَّهُ عَنِ ٱلَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي ٱلدِّينِ} ذكر هذا الخبر الماوردي وغيره، وخرجه أبو داود الطَّيالسي في مسنده. قوله: {أَن تَبَرُّوهُمْ} وقوله: {أَن تَوَلَّوْهُمْ} بدلان من الذين قبلهما بدل اشتمال، فيكون في موضع جرّ. والمعنى: لا ينهاكم الله عن أن تبروا هؤلاء الذين لم يقاتلوكم، إنما ينهاكم عن تولي هؤلاء وهم خزاعة، صالحوا النبي صلى الله عليه وسلم على ألاَّ يقاتلوه ولا يعينوا عليه أحداً، فأمر ببرهم والوفاء لهم إلى أجلهم. حكاه الفرَّاء. وقوله: {وَتُقْسِطُوۤاْ إِلَيْهِمْ}. أي: تعطوهم قسطاً من أموالكم على وجه الصلة، وليس يريد به من العدل، فإن العدل واجب فيمن قاتل وفيمن لم يقاتل، قاله ابن العربي. فصل في نفقة الابن المسلم على أبيه الكافر. نقل القرطبي عن القاضي أبي بكر في كتاب "الأحكام" له: أن بعض العلماء استدلّ بهذه الآية على وجوب نفقة الابن المسلم على أبيه الكافر، قال: وهذه وهلة عظيمة، إذ الإذن في الشيء، أو ترك النهي عنه لا يدل على وجوب، وإنما يعطي الإباحة خاصة؛ وقد بيَّنَّا أنَّ القاضي إسماعيل بن إسحاق دخل عليه ذمي فأكرمه، فأخذ عليه الحاضرون في ذلك، فتلا هذه الآية عليهم".
اسماعيل حقي
تفسير : {لاينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم فى الدين} اى على الدين او فى حق الدين واطفاء نوره {ولم يخرجوكم من دياركم} اى لاينهاكم الله عن مبرة هؤلاء فان قوله تعالى {ان تبروهم} بدل من الموصول بدل الاشتمال لان بينهم وبين البر ملابسة بغير الكلية والجزيئة فكان المنهى عنه برهم بالقول وحسن المعاشرة والصلة بالمال لا انفسهم وبالفارسية از آنكه نيكويى كنيد با ايشان {وتقسطوا اليهم} تفسير لتبروا وضمن تقسطوا معنى الافضاء فعدى تعديته اى تفضوا اليهم بالقسط والعدل ولا تظلموهم وناهيك بتوصية الله المؤمنين ان يستعملوا القسط مع المشركين ويتحاموا ظلمهم مرحمة عن حال مسلم يجترىء على ظلم اخيه المسلم كما فى الكشاف وقال الراغب القسط النصيب بالعدل كالنصف والنصفة فالمعنى عدل كنيد وفرستيد قسطى وبهره براى ايشان از طعام وغير او {ان الله يحب المقسطين} اى العادلين فى المعاملات كلها (روى) ان قتيلة بنت عبد العزى على زنة التصغير قدمت فى المدة التى كانت فيها المصالحة بين رسول الله عليه السلام وبين كفار قريش مشركة على بنتها اسماء بنت ابى بكر رضى الله عنها بهدايا فلم تقبلها ولم تأذن لها بالدخول فنزلت فأمرها رسول الله أن تدخلها وتقبل منها وتكرمها وتحسن اليها وكانت قتيلة زوجة أبى بكر وكان طلقها فى الجاهلية، وآورده اندكه قوم خزاعة رابا حضرت رسول عليه السلام عهد وبيمان بود وهركز قصد مسلما نان نكردند ودشمنان دين را يارى ندادند حق تعالى در باره ايشان اين آيت فرستاد يامراد زنان وكودكانند كه ايشانرا در قتل واخراج جندان مدخلى نيست، وفى فتح الرحمن نسختها اقتلوا المشركين والاكثر على انها غير منسوخة وفى بعض التفاسير القسوط الجور والعدول عن الحق والقسط بالكسر العدل فالاقساط اما من الاول بمعنى ازالة القسوط فهمزته للسلب كأشكيته بمعنى ازلت عنه الشكاية وسلبتها فمن ازال الظلم اتصف بالعدل واما من الثانى بمعنى ان يصير ذا قسط فهمزته للصيرورة مثل اورق الشجر اى صار ذا ورق وفى الآية مدح للعدل لان المرء به يصير محبوبا لله تعالى ومن الاحاديث الصحيحة قوله عليه السلام "حديث : ان المقسطين عند الله على منابر من نور عن يمين الرحمن وكلتا يديه يمين للذين يعدلون فى حكمهم واهليهم وماولوا"تفسير : (قال الحافظ) شعر : شاه را به بود از طاعت صد ساله وزهد قد ريكساعته عمرى كه در وداد كند تفسير : وقال خطابا لبعض الملوك شعر : جويبار ملك را آب ازسر شمشيرتست خوش درخت عدل بنشان بيخ بدخواهان بكن
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {لا ينهاكم اللهُ عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يُخرجوكم من دياركم أن تَبروهم} أي: لا ينهاكم عن البر بهؤلاء، فـ" أن تبروهم": بدل من الموصول، {وتُقْسِطوا إِليهم} أي: تقضوا إليهم بالقسط، أي: بالعدل، ولا تظلموهم، وإذا نهى عن الظلم في حق المشرك، فكيف في حق المسلم؟ {إِن اللهَ يُحب المُقسِطين}؛ الحاكمين بالعدل، رُوِي أن " قُتَيلةَ بنت عبد العزى" قَدِمَتْ مشركة على بنتها "أسماء بنت أبي بكر" رضي الله عنه، بهدايا، فلم تقبلها، ولم تأذن لها بالدخول فنزلت، وأمرها رسولُ الله صلى الله عليه وسلم أن تقبل منها، وتُكرمها، وتُحسن إليها. وقيل: المراد بهم خزاعة، وكانوا صالحوا رسولَ الله صلى الله عليه وسلم ألاّ يقاتلوه، ولا يُعينوا عليه. قال المحلي: وهذا قبل الأمر بجهادهم. ومثله لابن عطية، فإنه نقل الخلاف، ثم قال: وعلى أنها في الكفار فالآية منسوخة بالقتال. هـ. قال الكواشي: نزلت رخصة في صلة الذين لم يُعادوا المؤمنين ولم يُقاتلوهم. ثم قال: وفي هذه الآية دلالة على جواز صلة الكفار، الذين لم ينصبوا لحرب المسلمين، وبِرهم، وإن انقطعت الموالاة بينهم. هـ. قال القشيري: مَن كان فيهم حُسن خُلق، أو للمسلمين منهم رِفْق، أُمروا بالملاينة معهم، شاهد هذه الجملة: "إنَّ الله يُحب الرِّفق في الأمر كله". هـ. المحشي. وهذا: فيما لا ضرر فيه للمسلمين، وفي المدارك: حكى الدارقطني أنَّ عبدَ وزيرِ المعتضد دخل على القاضي إسماعيل, وكان نصرانيّاً, فقام له ورحّب به, فرأى إنكار مَن عنده, فقال: علمت إنكاركم، وقد قال تعالى: {لا ينهاكم الله...} الآية، وهذا رجل يقضي حوائج المسلمين، وهو سفير بيننا وبين المعتضد، وهذا مَن البر، فسكت الجماعةُ عند ذلك. هـ. قال البرزلي: ولعله رأى ذلك ضرورة، وتأنّس بظاهر الآية، وخاف مِن أذاه إن لم يفعل ذلك. هـ. وفي حديث الجامع: "حديث : بُعثتُ بمداراة الناس"تفسير : ، قيل: والفرق بينها وبين المداهنة: أنَّ المداهنة: إظهار الرضا بفعل الفاسق من غير إنكار عليه، والمداراة: هي الرفق في تعليم الجاهل، والملاطفة في نهي الفاسق عن فعله، وقد قال تعالى: {أية : فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَّيِّنًا }تفسير : [طه:44]، وقيل: المداهنة: ترك الدين بالدنيا، والمداراة: بيع الدنيا بحفظ الدين. وقد عَدّ السهروردي في " الآداب" مِن رُخص الصوفية: التكلُّف مع أبناء الدنيا والرؤساء والسلاطين، والقيام لهم، وحسن الإقبال عليهم، والأدب في ذلك: إلاّ يكون طمعاً في دنياهم، ولا اتخاذ جاه عندهم كان صلى الله عليه وسلم يدخل عليه سادات قريش فيُكرمهم، ويُجلهم، ويُحسن مجالستهم، وقال: "حديث : إذا أتاكم كريم قوم فأكرِموه"تفسير : . هـ. وانظر الأصل الرابع والثمانين في إنزال الناس منازلهم، فقد ذكر فيه: أن العاقل عن الله يُعاشر الناس على ما دبَّر الله لهم، فالغَنِيّ قد أكرمه الله كرامةَ ابتلاء، كما ذكر في تنزيله، فإذا لم تُنزله المنزلةَ التي أنزله الله فيها، فاستهنت به، وحقّرته من غير جرم استحق بذلك الجفاء، فقد تركتَ موافقة الله في تدبيره، وأفسدت عليه دينه وأثمتَه، وكذلك معاملة الملوك والوُلاة على هذا السبيل، فإذا عاملت الملوك والسلاطين بمعاملة الرعية، فقد استخففت بحق السلطان، وكيف يجوز أن تستخف بحقه، والسلطان ظل الله في الأرض؟ به تسكن النفوس، وتجمع الأمور، والناظر إلى ظل الله عليهم في الشغل عن الالتفات إلى أعمالهم. ثم ذكر أنّ ضد ما ذكر مِن ضعف المعرفة واليقين، وعدم التخلُّص من النفس، فلم تكن لقوتِهم مطالعة ما ذكر، فخافوا على نفوسهم من مخالطتهم أن يجدوا حلاوة بِرهم، فتخلط قلوبُهم بقلوبهم، فجانبوهم، والآخرون نظروا إليهم بغير الجمع، فشغلوا بما ألبسَهم مِن ظله عن جميع ما هم فيه، فلم يضرهم اختلاطهم بهم. وبهذه القوة كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يلقون الأمراء، الذين قد ظهر جَوْرهم، ويقبلون جوائزهم، فكان ابن دينار ومحمد بن واسع، ومَن قبلهم، والحسن البصري، يلقون الأمراء ويَقبلُون منهم، فكانوا يلقونهم بما ذكر من رؤية ظل الله عليهم، ويُظهرون العطف عليهم والنصيحة لهم. ثم وَجَّه حديثَ ابن عباس: "حديث : ملعون مَن أكرم بالغنى وأهان بالفقر " تفسير : فإنَّ معناه: مَن عظَّم الدنيا وعظَّم أهلها، فأمّا مَن دقت الدنيا في عينه، يرى أهلَها مُبْتَلون بها، بما تقتضيه من القيام بالشكر، ثم غرقه في حِسَابه، فيرحمه كما يرحم الذي ذهب به السيل، ويكرمه، ويبره بما عَوّده الله، وأبقاه على دينه، لئلا يَفسد، فذلك فعل الأنبياء والأولياء، وبذلك وصَّى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "حديث : إذا أتاكم كريمُ قومٍ فأكرموه" تفسير : فهو إنما يُكرم لله ويهين لله، لا للدنيا، ومن فعل ذلك للدنيا كان ملعونًا، ثم ذكر حديث: "حديث : مَن أُعطي حظه من الرفق أُعطي حظَّه من خير الدنيا والآخرة، ومن حُرمه حُرم كذلك "تفسير : ، ثم ذكر قصة نسْطُور صاحب ابن مريم عليه السلام ورفقه وتلطُّفه مع ذلك الملك الذي سجن صاحبيْه, حتى استخلصهما منه برفق، وأعلم الملكَ وجميعَ الناس في قضية عجيبة، فعليك بها. {إِنما ينهاكم اللهُ عن} موالاة {الَّذين قاتلوكم في الدين وأَخْرَجوكم من دياركم}، وهم عتاة أهل مكة، {وظاهَرُوا} أي: عاوَنُوا {على إِخراجكم} وهم سائر أهلها، {أن تَوَلَّوْهم}: بدل اشتمال من الموصول، والمعنى: لا ينهاكم عن مبرة مَن لم يتعرّض لكم، إنما ينهاكم عمّن أذاكم {أن تَولَّوهُم ومَن يتولهمْ فأولئك هم الظالمون} حيث وضعوا التولي في غير موضعه. الإشارة: لا ينهاكم الله عن النفوس المطيعة، التي لم تصدكم عن السير إلى الحضرة، أن تبرُّوا بها، وترفقوا بها، إنما ينهاكم عن النفوس الفاجرة، التي قاتلتكم، وصدّتكم عن الحضرة، وأخرجتكم عن دائرة الولاية، باتباع هواها أن تولوها، وتسعوا في حظوظها وهواها، ومَن يتولها، وبقي في رِقَّها؛ فقد ظلم نفسه وبخسها، حيث حرمها نعيمَ الحضرة. أو: لا ينهاكم الله عن بعض العامة، التي لا مضرة فيهم، أن تبرهم بالوعظ والتذكير، وتُقسطوا إليهم بقول الإحسان، إنما ينهاكم عن أهل الإنكار المخالفين لكم، من الجبابرة الغافلين، والقراء المداهنين، والعلماء المتجبرين، والفقراء الجاهلين، أن تولوهم؛ فإنَّ مخالطتهم سم قاتل للمريد، ومَن يتولهم لا يُفلح أبدًا. ثم نَهَى عن رد مَن أسلم من النساء إلى أزواجهن من الكفار، فقال: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا جَآءَكُمُ ٱلْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ}.
الطوسي
تفسير : قال الحسن: إن المسلمين استأذنوا النبي صلى الله عليه وآله في أن يبروا قرباتهم من المشركين، وكان ذلك قبل أن يؤمروا بالقتال لجميع المشركين، فنزلت هذه الآية وقال قتادة: هي منسوخة بقوله {أية : فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم}تفسير : وبه قال ابن عباس: يقول الله تعالى مخاطباً للمؤمنين {لا ينهاكم الله} {عن} مخالطة {الذين لم يقاتلوكم في الدين} من الكفار {ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم} وتحسنوا اليهم {وتقسطوا إليهم} معناه تعدلوا إليهم {إن الله يحب المقسطين} يعني الذين يعدلون في الخلق. وقيل معناه إن الله يحب الذين يقسطون قسطاً من أموالهم على وجه البر. وقوله {إن تبروهم} في موضع خفض، وتقديره: لا ينهاكم الله عن أن تبروهم، وهو بدل من {الذين} بدل الاشتمال. وقال مجاهد: عنى بالذين لم يقاتلوكم من آمن من أهل مكة ولم يهاجروا، وقال ابن الزبير: هو عام في كل من كان بهذه الصفة، والذي عليه الاجماع والمفسرون بأن بر الرجل من شاء من أهل دار الحرب قرابة كان او غير قرابة ليس بمحرم، وإنما الخلاف في اعطائهم الزكاة والفطرة والكفارات، فعندنا لا يجوز. وفيه خلاف. وقال الفراء الآية نزلت في جماعة كانوا عاقدوا النبي صلى الله عليه وآله ألا يقاتلوه ولا يخرجوه، فأمر رسول الله صلى الله عليه وآله ببرهم والوفاء لهم إلى مدة اجلهم. ثم بين تعالى على من يتوجه النهي ببره وإحسانه فقال {إنما ينهاكم الله عن} مبرة {الذين قاتلوكم في الدين} من اهل مكة وغيرهم {وأخرجوكم من دياركم} يعنى منازلكم وأملاككم {وظاهروا على إخراجكم} أي تعاونوا على ذلك وتعاضدوا، والمظاهرة هي المعاونة ليظهر بها على العدو بالغلبة. وقوله {أن تولوهم} اى ينهاكم عن ان تنصروهم وتوادوهم وتحبونهم ثم قال {ومن يتولهم} أي ومن ينصرهم ويواليهم {فأولئك هم الظالمون} لانفسهم، لانهم يستحقون بذلك العقاب والكون في النار.
الجنابذي
تفسير : {لاَّ يَنْهَاكُمُ ٱللَّهُ عَنِ ٱلَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي ٱلدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ} بدل عن الّذين لم يقاتلوكم {وَتُقْسِطُوۤاْ إِلَيْهِمْ} بتضمين تقضوا {إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُقْسِطِينَ إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ ٱللَّهُ عَنِ ٱلَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي ٱلدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُواْ عَلَىٰ إِخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ} بدل عن الّذين قاتلوكم او التّقدير كراهة ان تولّوهم {وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلظَّالِمُونَ} بوضع الولاية غير موضعها بل موضع العداوة.
الأعقم
تفسير : {لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين} الآية، قيل: نزلت في قوم من خزاعة عاهدوا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ألاَّ يقاتلوا ولا يعينوا عليه عدواً، وقيل: نزلت في أسماء بنت أبي بكر، وقد قدمت عليها أمها وسيلة بنت عبد العزى وهي مشركة بهدايا فلم تقبلها ولم تأذن لها بالدخول فنزلت، وأمرها رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أن تدخلها وتقبل منها وتكرمها وتحسن إليها، وقيل: هي عامة في كل من كان بهذه الصفة، وعن قتادة: نزلت نسختها آية القتال {أن تبرّوهم} أي تحسنوا إليهم في الأموال والعشرة {وتقسطوا إليهم} أي تعدلوا فيهم {إن الله يحب المقسطين} {إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين} أي ينهاكم عن موالاتهم {وأخرجوكم من دياركم} أي آذوا المسلمين وبلغوا في ذلك الغاية حتى أخرجوهم {وظاهروا على إخراجكم} أي عاونوا وهم العوام عاونوا الرؤساء على الباطل {أن تولّوهم} أي توالوهم ولا تقطعوا العلائق {فأولئك هم الظالمون} هم الكافرون، وقيل: الظالمون لأنفسهم.
اطفيش
تفسير : {لا يَنْهَاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ} من الكفار {فِى الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ} بدل اشتمال من الذين أي لا ينهاكم عن مبرتهم.{وَتُقْسٍطُوا إِلَيهِمْ} تفضوا اليهم بالقسط أي العدل وناهيك في تأكيد العدل ان الله أمر به واوصى به ان يستعمل مع المشركين وذلك ترجمان واضح عن ذم موحد يجتري على ظلم الاخ المسلم فأمرها صلى الله عليه وسلم ان تقبل هداياها وتدخلها وتكرمها. وكان قدومها في مدة عهد قريش قدمت محتاجة فقيل قالت بنتها يا رسول الله افاصلها قالت: نعم فنزلت الاية {إِنَّ اللهَ يُحِبُّ المُقْسِطِينَ} العادلين افادتهم الاية جواز مبرة المشركين الذين لم يخرجوهم ولم يقاتلوهم ولم يظهروا سوء وقال ابن عباس: أراد الذين لم يقاتلوكم خزاعة وكانوا صالحوه صلى الله عليه وسلم أن لا يقاتلوه ولايعينوا عليه أحدا فرخص في برهم وقيل خزاعة وقبائل من العرب ظاهروه صلى الله عليه وسلم وأحبوا ظهوره وقيل أراد النساء والصبيان من الكفار.
اطفيش
تفسير : {لاَّ يَنْهَاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ} من المشركين {فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِّن دِيَارِكُمْ} ولم يظاهروا على إِخراجكم بدليل الآية بعد {أن تَبَرُّوهُمْ} عن أن تبروهم أى عن بركم إِياهم، أى الإِحسان إِليهم وهو بدل اشتمال من الذين وذلك قبل الهجرة، ودخل فى الإِبدال بواسطة العطف قوله تعالى: {وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ} تميلوا إِليهم بالعدل ولتضمنه معنى تميلوا أو تفيضوا عدى بإِلى {إِنَّ اللهَ} لأَن الله {يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} العادلين وذلك أمر مأْمور به مع كل مشرك جائز العشرة والإِقساط لا ينسخ كما زعم بعض أنه منسوخ بآية القتال وذلك فيما ليس فيه إِهانته فلا يجوز لأَنه غير عدل فهو خارج بلفظ إلاَّ على وجه الضرورة، فإِنه يفعله ولا يقصد إِهانة الإِسلام كالمضطر إِلى قول إِلهين اثنين وكالقيام لهم إِن كان لم يقم يقتل أو يعذب أو يؤخذ ماله ومن إِهانة الإِسلام أن يخدم كافراً أو يؤجره مشرك، ومن العدل التصدق على من هو فى الذمة والمستجير لا على أهل الحرب ولو غلبوا المسلم وكان تحت حكمهم إِلا لضرورة. قالت أسماء بنت أبى بكر رضى الله عنها أتتنى أُمى راغبة وهى مشركة فى عهد قريش إِذ عاهدوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فسأَلت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أأصلها؟ فأَنزل الله تعالى: لا ينهاكم الله. الخ فقال: "حديث : نعم صلي أمك"تفسير : . رواه البخارى واسم أمها قتيلة بنت عبد العزى، طلقها الصديق فى الجاهلية وأسماء أكبر سناً من عائشة، وعائشة أكبر شأْناً منها رضى الله عز وجل عنهما. فأَسماء أخت عائشة من أبيها، وأم عائشة تدعى أم رومان والعقد الذى انقطع عن عائشة رضى الله عنها فنزل التيمم هو لأَسماء كان بيد أختها عائشة عارية تتزين به لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وقيل قتيلة المذكورة خالة أسماء سميت أمهات مجازاً والصحيح الأَول، ولم تباشر أسماء رسول الله صلى الله عليه وسلم بالسؤال، بل سأَلته بواسطة عائشة، كما روى أحمد عن عبد الله بن الزبير أنه قدمت قتيلة بنت عبد العزى على ابنتها أسماء بنت أبى بكر بهدايا ضاب وأقط وسمن، وروى ضباب وقرض وسمن وهى مشركة، فأَبت أسماء أن تقبل هديتها وتدخلها بيتها حتى أرسلت إِلى عائشة رضى الله عنها أن تسأَل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن هذا، فسأَلته فأَنزل الله تعالى: لا ينهاكم الله الخ. فأَمرها أن تقبل هديتها وتدخلها بيتها. ولفظ البخارى ومسلم ظاهر فى أنها سأَلت بنفسها لا بواسطة عائشة. ولفظهما قالت قدمت علىَّ أمى وهى مشركة فى عهد قريش إِذ عاهدوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومدتهم فاستفتيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقلت يا رسول الله إِن أُمى قدمت علىَّ وهى راغبة أفأَصلها؟ قال: نعم. صليها ونزلت الآية. وقال الحسن وأبو صالح نزلت الآية فى خزاعة وبنى عبد الحارث بن كعب وكنانة ومزينة وقبائل من العرب صالحوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن لا يقاتلوه ولا يعينوا عليه أحداً، وهو ظاهر حسن، إِلا أن الأَولى أن يحمل النزول عليه وعلى قصة أسماء ووجه حسنه أن هؤلاء هم الذين يمكن أن يقاتلوا المؤمنين وتركوا، وقال عطية العوفى وقرة الهمذانى: نزلت فى قوم من بنى هاشم منهم العباس رضى الله عنه. وقال عبد الله بن الزبير نزلت فى الصبيان والنساء والضعفاء والمرضى. وقال مجاهد فى قوم بمكة آمنوا ولم يهاجروا فتحرج المهاجرون والأَنصار فى برهم لتركهم الهجرة الواجبة وفيه أن هؤلاء لا يؤمر بالإِحسان إِليهم إِن قدروا على الهجرة، وقيل فى مؤمنين من أهل مكة وغيرها قدروا على الهجرة ولم يهاجروا، وفيه أنا لا نسلم أنه يؤمر ببرهم والهجرة قبل نسخ وجوبها واجبة على كل من أسلم فى مكة أو غيرها من أهلها أو من غيرها، وقيل فيمن لم يستطع الهجرة من المؤمنين، والجمهور على أنها فى كل من لم يقاتل المؤمنين ولم يخرجهم من ديارهم فتعم من ذكر كله، ويدل له المقابلة بضد ذلك فى قوله تعالى {إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِى الدِّينِ وَأخرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا} أعانوا {عَلَى إِخْرَاجِكُمْ} كمشركى مكة فبعضهم أخرج المؤمنين وبعض أعان على الخروج والمراد كما مر التضييق حتى كان الخروج بسببه {أن تَوَلَّوْهُمْ} بدل اشتمال أى ينهاكم عن موالاتهم بالحب والقول الحسن وسائر النفع وكشف أسرار المؤمنين لهم. {وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} لأَنفسهم بالتعريض للذم والعذاب وللمؤمنين ودين الإِسلام، والحصر إِضافى أى لا من تولى بما ذكر من لم يقاتل ولم يخرج ولم يظاهر أو مبالغة حتى كأَنه لا ظالم سواهم أو الكمال فى الظلم ومن دونهم لم يكمل ظلمه وذلك فى مثل من هو مثلهم فلا يشكل بمن قتل نبياً. {يَا أيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤمِنَاتُ} بحسب الظاهر لكم وبدعواهن، والمراد المؤمنات ذوات الأَزواج بدليل قوله تعالى: {وآتوهم ما أنفقوا}. ويحتمل الإِطلاق {مُهَاجِرَاتٍ} لبلدهن كراهة للكفر بحسب الظاهر لكم وبدعواهن ويدل على ذلك ذكر الاختبار بقوله {فَامْتَحِنُوهُنَّ} بما يغلب به على ظنكم صدقهن. قال الطبرانى وغيره عن ابن عباس إِنه كان عمر رضى الله عنه يحلف من جاءت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - للإِيمان بالله ما خرجت رغبة بأَرض عن أرضه وبالله ما خرجت من بغض زوج وبالله ما خرجت التماس دنيا وبالله ما خرجت إِلا حباً لله ورسوله - صلى الله عليه وسلم - وذلك لضعف قلوبهن، وعن ابن عباس أيضاً إِن محنتهن أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمر عمر أن يقول لهن إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بايعكن أن لا تشركن بالله شيئاً الخ، فإِن أذعن لذلك فاحكموا بإِيمانهن، والأَولى أن هذا بعد الاختبار المذكور أولا وقبول له. وفى البخارى أن سهيل بن عمرو شرط على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن لا يأْتيك أحد منا إِلا رددته إِلينا وخليت بيننا وبينه وإِن كان على دينك ومن أتانا منكم لا نرده إِليكم، وأتاه أبو جندل فرده إِلى أبيه سهيل المذكور، وكل من جاءه رده ولو كان مسلماً، وذلك مكتوب بينهم والمسلمون كرهوا ذلك. وجاءت أم كلثوم بنت عقبة بن أبى معيط وهى عاتق، فطلب أهلها ردها فلم يردها ونزل قوله تعالى: إِذا جاءك المؤمنات... إِلى: ولا هم يحلون لهن، وكان يمتحنهن بقوله تعالى: يا أيها النبى إِذا جاءك المؤمنات.. إِلى: غفور رحيم. قالت عائشة إِنها كانت كلاماً وما مس يد امرأة وجاءت سبيعة بنت الحارث الأَسلمية وطلبها زوجها مسافر من بنى مخزوم وقيل زوجها صيفى بن الراهب وقال: لما تجف الكتابة بيننا ترد إِلينا من جاءك منا، فأَنزل الله تعالى: يا أيها النبى إِذا جاءك المؤمنات، أى من دار الكفر فامتحنوهن، فامتحنها بالحلف المذكور، فحلفت فلم يردها وأعطى زوجها مهرها وما أنفق عليها وتزوجها عمر، وكان - صلى الله عليه وسلم - يلى امتحانهن بنفسه، وقيل عمرو من امتحنها أمسكها وأعطى زوجها مهرها ويرد من جاء من الرجال فقيل النساء دخلن فى عقد الرد ثم نسخ ردهن فكان يمسكهن وقيل عمهن لفظ العقد وبين الله تعالى أنهن لم يدخلن فيه {اللهُ أعْلَمُ} منكم ومن غيركم ومنهن {بِإِيمَانِهِنَّ} لأَنه المطلع على ما فى القلوب {فَإِن عَلِمْتُمُوهُنَّ} بالامتحان العلم المتعارف وهو ما فوق الظن، وهو أكثر علمنا فى الحكم بين الناس والشهادة وغير ذلك مما بيننا وبين الله تعالى وما بيننا معشر الناس وفى معنى ذلك ظننتموهن ظنا قوياً يشبه العلم الحقيقى وهو ما لا يقبل التشكيك {مُؤْمِنَاتٍ} فى نفس الأَمر بحسب الظاهر لكم {فَلاَ تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ} إِلى أزواجهن الكفار بدليل قوله وآتوهم ما أنفقوا دلالة أقوى من قوله تعالى {لاَ هُنّ حِلٌَّ} صفة مشبهة فيها ضمير مستتر والإِفراد لكونها فى الأَصل مصدراً {لَّهُمْ وَلاَ هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ} إِنما قلت دلالة أقوى لأَنه لولا قوله وآتوهم ما أنفقوا لاحتمل أن المعنى اقبلوهن ولا تتركوهن يرجعن إِلى الكفار فيتزوجوا بهن وهن مؤمنات أو يزنوا بهن، والجملتان تعليل أى لأنهن لا يحللن لهم ولا هم يحلون لهن، والجملة الأولى لفسخ النكاح بينهن وبين أزواجهن المشركين ويحتمل الإِطلاق فى ذوات الأَزواج وغيرهن فتكون الآية تفصيلا، فأَما الامتحان فعام، وكذا عدم الحل بين المؤمنة والكافر فإِنه لا يتزوجها ولا تترك إِليه وإِن تزوجها قبل فرق بينهما، وأما الإِنفاق عليهن ففى ذوات الأَزواج، والثانية لبيان ما يستأنف من النكاح ويناسب ذلك الإِخبار فى الأولى بالاسم وفى الثانية بالفعلية المضارعية وفى الأَولى إِسناد الصفة المشبهة إِلى ضمير المؤمنات إِعلاما بأَن نفى الحل مستمر لا يختل والتغيير من جانبهن وأسند الفعل المضارع إِلى الكفار لاستمرار الامتناع فى المستقبل، إِلا أنه يقبل التغيير بحدوث الإِيمان فباعتبار ذلك يندفع التكرير بين الجملتين، ويحصل التغاير مع أنه يجوز أن يكون التكرير للتأْكيد ومثل الجملتين فى البديع يسمى بالعكس والتبديل. ومن ذلك قوله تعالى: هن لباس الخ وفى نفى الحل لهم ونفى حلهن لهم دليل على خطاب المشرك بفروع الشريعة وأجاب المانع بأَن المعنى: لا يحل للمؤمنات أن يبقين تحت المشركين، ولا يحل للمؤمنين ترك مؤمنة تحت مشرك، فالخطاب للمؤمنات والمؤمنين وهو جواب تكلف ترده أيضاً دلائل أولت بتكلف مثل: سئلت بأَى ذنب قتلت، وقولهم لم نكن من المصلين الخ {وَآتُوهُم} أى آتوا المؤمنين المتزوجين لهن والهاء للأَزواج الكفرة وهو مفعول ثان مقدم وقوله: {مَّا أنفَقُوا} مفعول أول لأَنه فاعل فى المعنى لأَنه الآتى أى صيروه آتيهم وهو المهور فمن أراد تزوج مهاجرة أعطى زوجها ما أصدقها واعتدت وتزوجها ولا يضر تأْخير الإِعطاء إِذ التزمه وقيل لا بد من تقديمه، والإِعطاء واجب والأَمر للوجوب، وقيل هذا الإِعطاء ندب لأَن بعضاً تزوج بلا إِعطاء والصحيح الأَول، ويجوز الخطاب للأَئمة، بأَن يأْمروا المتزوج بها أن يعطى زوجها ما أنفق. وروى الرد من المرأة فيما ذكر الضحاك أنهم يقولون إِن أتتك امرأة لها زوج، فإِنها إِن دخلت فى دينك فإِنها ترد لزوجها ما أعطاها وإِن لم تدخل فى دينك رددتها إِلينا فنقول لا بد من الإِعطاء إِما أن تعطى هى أو من يتزوجها وجاء أيضاً أنه يعطيها مريد تزوجها ما تعطيه وقيل نسخ الإِعطاء بنسخ العهد بآية براءة فى لنبذ لأَن الحكم بالإِعطاء فرع العهد، فإِذا نسخ العهد نسخ الإِعطاء وقيل نسخ بنسخ رد المرأة إِليهم، وذلك أنه - صلى الله عليه وسلم - صالح المشركين فى الحديبية بواسطة سهيل بن عمرو على وضع الحرب عشر سنين وأن من أتاه - صلى الله عليه وسلم - منهم بغير إِذن وليه رده، ومن أتاهم من المؤمنين فلا يردوه، وأنه من أحب دخل فى عهده - صلى الله عليه وسلم - أو في عهد قريش فكان لا يأتيه - صلى الله عليه وسلم - أحد إِلا رده، ورد أبا جندل بن سهيل وهاجرت نساء منهن أم كلثوم بنت عقبة بن أبى معيط وهى أولهن، وجاء أخواها عمار والوليد ليرداها فنزلت الآية نسخاً للرد فلم يردها وزوجها زيد بن حارثة. وجاءت سبيعة بنت الحارث الأَسلمية زوج صيفى بن الراهب، وقيل مسافر المخزومى وأخذ ما أنفق وتزوجها عمر. وقد قيل نزلت فيها وقيل نزلت فى أميمة بنت بشر زوج أبى حسان بن الدحداحة وطلبوا ردها فلم ترد وتزوجها سهيل بن صيفى فولد له عبد الله، ويجمع بأَن نزول الآية بعد هؤلاء كلهن، ثم إِن الحكم مخصوص بالمهاجرين فلا حكم فى ذلك بعد نسخ الهجرة. {وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أن تَنكِحُوهُنَّ} فى أن تتزوجوهن أو بأَن أو على أن، وذلك بعد الهجرة كما مر وقيل بلا عدة فى مسأَلة المهاجرة للإِطلاق فى الآية إِلا أن تكون حاملا لقوله - صلى الله عليه وسلم - "حديث : من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يسقين ماءه زرع غيره"تفسير : . الجواب الحمل على آية العدة عن الطلاق. والحق وهو مذهبنا أنها لا تقع الفرقة إِلا بإِسلامها فلو هاجرت ولم تسلم لم تقع فرقة، لأَن الفرقة لأَن لا تحل مسلمة لمشرك، وإِن أسلم زوجها قبل الخروج من العدة وهاجر فهو أحق بها وقيل تقع الفرقة بإِسلامها. {إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ} صدقاتهن على تزوجكم بهن زيادة على ما تعطون أو يعطيهن أزواجهن المشركين، والمراد بإِيتاء الأجور التزامه فلا يضر تأخيره {وَلاَ تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ} العصم جمع عصمة كسدرة وسدر وهى ما يتمسك به من عقد وسبب ونحوه والكوافر جمع كافرة، امرأة كافرة ونساء كوافر وهو مقيس فى المؤنث وفى المذكر غير العاقل فلا يقاس فى نحو رجل كافرة بتاء التأْنيث للمبالغة كراوية لراوية الشعر كثيراً أو مسمى بذلك اللفظ علماً، ولا مانع من قولك طائفة كافرة وطوائف كوافر، وذلك نهى عن أن يعتقد من أسلم اتصالا بزوجه التى لم تهاجر ولم تسلم فيجوز له نكاح خامسة ونكاح من لم تجتمع معها، كانت فى العدة فإِن اختلاف الدارين قاطع بينهما ولا عدة لهن على ما شهر. وعن النخعى أنه نزلت الآية فى المسلمة تلحق بالمشركين، وكذا عن أمية بن المغيرة المخزومى، وتسمى أيضاً قريبة، ولما أراد الهجرة ارتدت فتزوجها معاوية بن أبى سفيان قبل إِسلامه، وطلق عمر أيضاً زوجه أم كلثوم بنت عمرو بن جرول الخزاعى فتزوجها أبو جهم ابن حذيفة من بنى عدى قبيلة عمر، وهى أم ابنه عبيد الله، وطلق طلحه زوجه أروى بنت ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب، وقيل لم يطلقها ولكن فرق الإِسلام بينهما، وعلى كل حال تزوجها فى الإِسلام خالد بن سعيد بن العاص بن أُمية، وأسلمت زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم - وهاجرت ولحقت بالنبى - صلى الله عليه وسلم - ثم أسلم زوجها أبو العاص بن الربيع وهاجر فردها إِليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وارتدت زوج عياض بن شداد الفهرى أم الحكم بنت أبى سفيان ولحقت بمكة وارتدت بروع بنت عقبة زوج شماس بن عثمان وعزة بنت عبد العزيز بن نضلة وتزوجها عمرو بن عبد ود، وهند بنت أبى جهل بن هشام زوج هشام بن العاص بن وائل وكل من ارتدت لحقت بمكة ولا تحبس، والفرقة عندنا وعند الشافعى بالإِسلام، وعند الحنفية بالوصول إِلى دار الإِسلام، وذكرت الشافعية أنه إِن جمعتهما العدة تبين وقوع الطلاق من حين اللفظ، وإِلا فالبينونة بواسطة بقاء المرأة فى الكفر {وَاسْأَلُوا} أى اطلبوا الكفار أن يعطوكم {مَا أنفَقْتُمْ} مهور النساء اللاحقات بهم {وَلْيَسْأَلُوا} يطلبوا المؤمنين أن يعطوهم {مَا أَنْفَقُوا} مهور النساء اللاحقات بالمؤمنين، واللفظ أمر للكفار بالطلب والمراد أمر المؤمنين بالأداء مجاز استعمالا للسبب فى المسبب واللفظ فى الموضعين أيضاً أمر، والمراد المساواة ورد مهر من أسلمت إِلى زوجها واجب كما هو ظاهر الآية على أن عقد الصلح شملهن ثم نسخ بقوله تعالى: فلا ترجعوهن إِلى الكفار. ولفظ العقد لا يأْتيك أحد منا إِلا رددته إِلينا، وقيل مندوب إِليه على أن العقد لم يشملهن. كما روى عن على: لا يأْتيك منا رجل إِلا رددته إِلينا ولو كان على دينك، وذلك أن الرجل يقوى على التقية وإِضمار الإِيمان والنية، بخلاف المرأة فيخاف عليها أن ترتد. وأما اليوم فعن مجاهد وقتادة وعطاء أنه يجب الرد إِذا شرط فى معاقدة الكفار، وقال غيرهم يجب أن يرد عليهم ما أنفقوا {ذَلِكُمْ} ما ذكر من السؤالين {حُكْمُ اللهِ} فاتبعوه {يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ} بالحق مستأنف أو حال من حكم الله فالرابط مجرور بحرف محذوف أى يحكم به أو الرابط ضمير يكون مفعولا مطلقاً، أى يحكمه أو ضمير مستتر فى يحكم بأَن أسند الحكم إِلى الحكم على التجوز فى الإِسناد للمبالغة بأَن يكون الحكم حاكماً لقوته كأَنه يستقل عن الحاكم {وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} بالمصالح والحكم {وَإِنْ فَاتَكُمْ شَىْءٌ مِّنْ أزْوَاجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ} علموا أنه فاتهم شئ منهن إِلى الكفار فما معنى أن التى للشك تعالى الله عنه وهو: لم يشكوا فى الفوت، بل أيقنوا به وذلك أن المؤمنين أدوا مهور من جاءتهم إِلى أزواجهن، والمشركين لم يؤدوا مهور من جاءهم من المؤمنات إِلى أزواجهن. الجواب: أن الآية نزلت قبل الفوت والشك مصروف إِلى المؤمنين أو معناه: إِن قلتم فاتنا شئ، فاستعمل مقولا مقام القول، وذلك نزول قبل أن يقولوا، والشك مصروف إِلى غير الله عز وجل، والشئ إِحدى النساء كما قرئ: وإِن فاتكم إِحدى النساء والتذكير باعتبار معنى بعض النساء، ولفظ شئ لزيادة التعميم وشمول محقرات النساء شمولا كالنص ولتحقير من تركت الإِسلام ولو كانت شريفة بالنسب والمال والحرمة. ويروى أنه فاتت ست نسوة من المؤمنات إِلى الكفار، وعبارة بعض أن المؤمنين أدوا ما أمروا به من مهور المهاجرات إِلى أزواجهن وأبى المشركون أن يؤدوا شيئاً من مهور الكوافر إِلى أزواجهن المؤمنين فنزل: وإِن فاتكم الخ، أى فاتتكم زوج من أزواجكم، ومن للتبعيض لا للابتداء كما قيل ولا للبيان، لأَن الفائت ليس أزواجهم بل بعضهن، ويجوز أن يكون شئ واقعاً على المهور على حذف مضاف أى شئ من مهور أزواجكم ومن للتبعيض {فَعَاقَبْتُمْ} جاءت توبتكم من أداء المهر لزوج التى هاجرت إِليكم، وذلك استعارة تمثيلية بأَن شبه كون الإِعطاء تارة من مشرك وتارة من مسلم فتعاقب بتعاقب اثنين على دابة تارة يركب هذا وتارة هذا يتناوبانها، والمعاقبة لا تقتضى المشاركة بين الفاعلين كما لم تقتضها فى الآية، تقول رعت الإِبل نباتاً تارة وأخرى نباتاً آخر معاقبة بدون أن تقول عاقبتها إِبل أُخرى فى ذلك الرعى، أى إِن لحق أحد أزواجكم إِلى الكفار أو فاتكم بعض مهوركم ولزمكم أداء المهر كما لزم الكفار {فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أزْوَاجُهُمْ} مرتدات {مِّثْلَ مَا أنفَقُوا} هو مهر المهاجرة التى تزوجتموها ولا تؤتوه زوجها الكافر ليكون قصاصاً كذا قيل. وعن الزهرى يعطى من لحقت زوجه بالكفار مثل صداق من لحق بالمسلمين من زوجاتهم وعن الزجاج معنى عاقبتم غنمتم. قيل وحقيقته فأَصبتم فى القتال بعقوبة حتى غنمتم فكأَنه قيل: وإن فاتكم شئ من أزواجكم إِلى الكفار، ولم يردوا إِليكم مهورهن فغنمتم منهم فآتوا الذين ذهبت أزواجهم مثل ما أنفقوا من الغنيمة قيل وهذا هو الْوجه دون ما سبق، فعن ابن عباس كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يعطى الذى ذهبت زوجه من الغنيمة قبل أن تخمس ولا ينقص من سهمه شئ، وعلى هذا فإِنما لم يقل الله تعالى لرسوله فإت الذين مراعاة للغنيمة أنها لهم كأَنه قيل فى غنيمتكم سهمان للذين ذهبت أزواجهم ولعله يظهر لك أن هذا توجيه حسن وإِلا فظاهر الآية لا يقتضى الإِعطاء من الغنيمة بل من أموالهم. وأما إِعطاؤه - صلى الله عليه وسلم - من الغنيمة فجبر لمن لم يجد ما يعطى {وَاتَّقُوا اللهَ} بترك المعاصى {الَّذِي أَنْتُم بِهِ} قدم للحصر والفاصلة {مُؤْمِنُونَ} فإِن الإِيمان بلا تقوى غير نافع {يَا أيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ} لم يقرن الفعل بتاء التأْنيث لأَن المراد الجنس لا نساء مخصوصات، فساغ التذكير وأيضاً ساغ الفصل بالكاف وذكر المجئ إِشعار بأَنَّهن راغبات بأَنفسهن لا بدعوة داع. {يُبَايِعْنَكَ} حال مقدرة لأَن المبايعة بعد المجئ لا معه وهى بالمعنى مقارنة لأَن المعنى قاصدات أو ناويات للمبالغة والقصد أو النية مقارن للمجئ أى يبعن الشرك بالإِسلام والمعصية بالطاعة والنار بالجنة وأنفسهن بالجنة على يديك أو المبايعة الشراء للخير على يديه، وذلك أصل المعنى {عَلَى أن لاَّ يُشْرِكْنَ بِاللهِ شَيْئًا} الخ ربما كان بعض هذه الأمور غير معلوم لهن تحريمه فكيف يطلق أنهن جئن ليبايعن على ذلك كله. الجواب أنهن إِما عارفات لذلك لشهرة الإِسلام به فأَمره الله تعالى بالتوثق منهن فى تلك الأُمور المعروفة عندهن ولا يخن ولا يقصرن أو الجواب التلقين بأَن يشترط ذلك كله عليهن وأمرهن بالقبول وشيئاً مفعول مطلق أى إِشراكاً ما أو مفعول لا يجعلن شيئاً من الإِشراك شريكاً له تعالى. {وَلاَ يَسْرِقْنَ } شيئاً ولو من مال أزواجهن أو أمهاتهن أو آبائهن أو أولادهن إِلا ما لزم لهن ومنعن منه فلهن أخذه {وَلاَ يَزْنِينَ} ولو بطفل أو طفلة أو امرأة أو بأَيديهن ونحوها. {وَلاَ يَقْتُلْنَ أوْلاَدَهُنَّ} كما تقتل العرب بناتهن فى الجاهلية، ومن قتل الولد أكل الدواء للسقط أو فعل ما يسقط به ولو لم ينفخ فيه الروح، لكن بالمعنى والحمل فإِن القتل يختص بما فيه الروح وجاء الحديث بأَن العزل قتل بأَن تعزل فرجها إِذا أراد الزوج الإنزال، فذلك قتل منها، وكذا هو إِن عزل فذلك قتل منه، فإِذا كان ذلك قتلا فإِسقاط النطفة وما فوقها قتل بالأَولى، ولو لم ينفخ الروح ويجب اجتناب كل دواء يقال إِما أن يحيى الولد به وإِما أن يموت بل تتداوى بما تطمع به الحياة فقط وقد قالوا لا تفعل ذات الزوج ما يسقط مخافة أن يكون فى بطنها نطفة أو ما فوقها إِلا حين لا ريبة. {وَلاَ يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أيْدِيهِنَّ وَأرْجُلِهِنَّ} لا يأْتين بكلام يبهت ويتحير به سامعه إِذا افتضح وظهر وهو أن ينسبن لأَزواجهن ولدا من زناهن أو ولداً يلتقطنه أو يكسبنه من موضع ما وينسبنه لأَزواجهن، وذكر بين الأَيدى والأَرجل لأَن الولد يولد بين الأَيدى والأَرجل، أما الأَرجل فظاهر وأما الأَيدى فكل رجل تتبعها يد فوقها، ونتناول الولد بالأَيدى وتكب عليه بها وأيضاً البطن الذى هو محل الولد بين يديها من فوق وجوانب وبين الأَرجل من تحته، أو البهتان كناية عن الولد وكن يظهرن الحمل أول أمره وعند قرب الولادة ويقلن عند الوضع قد ولدنا لك، وذلك امتنان منهن على الأَزواج، كذا قيل وقيل البهتان الكذب على أحد بالزنى أو بالسرقة أو غير ذلك مما لم يكن وذكر الأَرجل والأَيدى كناية عن الذات، لأَن معظم الإَفعال بالأَيدى والأَرجل، كما يقال لمن فعل شيئاً ولو بغير اليد أو بالقلب أو اللسان كسبته يده أو المراد بهتان يصورنه فى قلوبهن وينطقن به ظلماً للناس. وذكر الأَيدى والأَرجل لأَن القلب مقابل لما بين الأَيدى والأَرجل، ولو كان فى الجانب الأَيسر من الصدر. وقيل يبهتن الناس مواجهة ويرده ذكر الأَرجل لأنه يقال فعل كذا بين يدى، أى بحضرتى بلا ذكر الأرجل وقيل الآية كناية عن خرق الجلباب عن الحياء مطلقاً كالبهتان والغيبة والكذب وذكر ما لا يحسن، وقيل بين أيديهن أن يقبلهن أو يقبلن غير من يحل تقبيله وأرجلهن الجماع. وقيل بين أيديهن اللسان وأرجلهن الجماع، وقيل البهتان السحر وللنساء ميل إِليه وجملة يفترينه نعت لبهتان سواء كان بالمعنى المصدرى أو بمعنى المبهوت به وبين أيديهن حال من هاء يفترينه. {وَلاَ يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ} فى أمر معروف شرعاً وهو نهى عن منكر وأمر بما هو واجب أو مستحب فإِن ذلك النهى وذلك الأمر كلاهما معروف وعن أم سلمة الأنصارية، قالت امرأة من هؤلاء المهاجرات المريدات للمبايعة ما هذا المعروف الذى أمرنا أن لا نعصيك فيه. قال لا تنحن الحديث وهو دليل كالصريح على أن النهى عن المعصية داخل فى المعروف وما ذكر من الأُمور المخصوصات فى الأحاديث تمثيل كشق الجيب ووشم الوجه ووصل الشعر يحمل على التمثيل وعلى كثرة وقوعهن من النساء وتمزيق الثياب وخمش الوجه وحلق الشعر ونتفه والتكلم للجنب والخلو به والنواح وضرب الأَرجل ليسمع صوت الخلاخل. وفى البخارى ومسلم أن امرأة من المبايعات لما نهاهن عن النواح قضت امرأة يدها فقالت فلانة أسعدتنى فأنا أُريد أن أجزيها، فانطلقت ورجعت فبايعها، وفى النسائى قال: لا إِسعاد فى الإِسلام، والإِسعاد أن تنوح معها جزاء لنواح تقدم منها لها، ولفظه عن أنس أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أخذ على النساء أن لا ينحن فقلن يا رسول الله نساء أسعدتنا فى الجاهلية فنسعدهن. فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "حديث : لا إِسعاد في الإِسلام" تفسير : فإِما أن يتعدد طلب الاسعاد منهن لا من كلهن وإِما أن يراد أنهن راضيات بسؤال تلك الواحدة ولاق بحالهن فأسند إِليهن، وإِما أن يكون ذلك حكماً على المجموع. وفى أبى داود عن أسيد بن أسيد عن امرأة من المبايعات كان فيما أخذ علينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من المعروف أن لا نعصيه فيه أن لا نخمش وجهاً ولا ندعو ويلا ولا نشق جيباً ولا ننشر شعراً، وحكمة لفظ معروف مع أنه لا يأمر بالمنكر التنبيه على أن لا يطاع مخلوق فى معصية الخالق حتى أنه لو أمرهن النبى بالمعصية لم يجز لهن اتباعه فيها حاشاه عن ذلك - صلى الله عليه وسلم - أو المعروف على ظاهره وخص بالذكر لذلك والوثوق بأنه لا يأمر بمنكر {فَبَايَعْهُنَّ} اقبل مبايعتهن بضمان الثواب على الوفاء بما ذكر {وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللهَ} زيادة على قبول المبايعة وضمان الثواب. {إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} فهو يقبل مبايعتهن إِن أوفين، والسورة مدنية فهذه المبايعة تعم مبايعة المهاجرات فى المدينة والمبايعة للنساء يوم الفتح وأولها مبايعة المهاجرات فى المدينة، وهى سبب النزول، وقيل بايعه أهل المدينة حين هاجروا. وأول من بايعت من النساء فيها أم سعد بن معاذ وكبشة بنت رافع ومن معهن. وعن مقاتل بايع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الرجال على الصفا، وبايع عمر تحته النساء ولا يمس يد واحدة، وإِن مس فمن فوق الثوب ويد المرأة، ولو كانت غير عورة، لكن المس أشد من النظر. وعن أميمة بنت رقية: بايعنا النبى - صلى الله عليه وسلم - على أن لا نشرك بالله شيئاً إلى أن بلغ فى معروف فقال فيما استطعن، فقلنا: الله ورسوله أرحم بنا من أنفسنا يا رسول الله ألا تصافحنا؟ فقال: "حديث : إِني لا أصافح النساء وقولي لمائة امرأة قولي لواحدة"تفسير : . فقد بايعهن - صلى الله عليه وسلم - بلا مس كما صافحهن عمر وجملة المبايعات أربعمائة وسبع وخمسون، وفى الترمذى عن أُميمة بنت رقية بايعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعلى آله فى نسوة وقال لنا فيما استطعن وطقتن. قلن الله ورسوله أرحم بنا منا بأنفسنا. قلت يا رسول الله: بايعنا تعنى صافحنا. فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "حديث : إِنما قولي لمائة امرأة كقولي لامرأة واحدة والمبايعة متعددة في مواضع"تفسير : . وعن الشعبى صافحهن بيده واضعاً عليها ثوباً قطويا كما فى رواية، وهو ثوب مطروح كما هو المتبادر من رواية بايعهن وبين يده وأيديهن ثوب قطوى، ويجوز أن يكون على بدنه لا مطروحاً ولعله بايعهن تارة بلا مصافحة وتارة بها وعلى يده الثوب وتارة بماء فى إِناء وضع يده فيه ورفعها ثم كن يضعن أيديهن فيه فلعل أميمة طلبت المبايعة بالمس بلا حائل وقد صافحها فى الماء أو بالكلام فقط، فطلبت المبايعة ولو على ثوب، والأشهر أن لا مصافحة. وعن أسماء بنت يزيد بن السكن: كنت فى المبايعات فى مكة مع هند بنت عتبة زوج أبى سفيان ولما قال: على أن لا يشركن. قالت: كيف يقبل منا ما لم يقبل من الرجال تعنى أن هذا ظاهر، ولما قال: ولا يسرقن. قالت: أصبت الشئ الهين من مال أبى سفيان قال: أبو سفيان حل لك ما مضى وما يأتى فضحك - صلى الله عليه وسلم - وقال: "حديث : إِنك لهند بنت عتبة"تفسير : ، وقد أساءت إِليه قبل. فقالت: اعف عما سلف يا رسول الله، عفا الله عنك، وذلك لما مثلت بحمزة حين قتل رضى الله عنه. ولما قال: ولا يزنين. قالت: أو تزنى الحرة تعنى لان الزنا فى الحرائر قليل عند الجاهلية وإِنما تزنى الإِماء ونساء مخصوصات حرائر يجعلن لأنفسهن علامات تسمى الرايات. ولما قال: ولا يقتلن قالت: ربيناهم صغاراً وقتلتهم كباراً فأنتم وهم أعلم تعنى ابنها حنظلة ابن أبى سفيان قتل يوم بدر فتبسم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وضحك عمر حتى استلقى. وروى أنها قالت: قتلت الآباء وتوصينا بالأولاد فضحك - صلى الله عليه وسلم - وقال ولا يأتين ببهتان فقالت: البهتان أمر قبيح، وإِنما يأمر الله بالرشد ومكارم الأخلاق. وقال: ولا يعصينك فى معروف. فقالت: والله ما جلسنا مجلسنا هذا وفى أنفسنا أن نعصيك فى شئ واجترأت على هذه الأجوبة لقوة قلبها ولأنها حديثة عهد بجاهلية ولمكان أم حبيبة من رسول الله - صلى الله عليه وسلم.
الالوسي
تفسير : {لاَّ يَنْهَـٰكُمُ ٱللَّهُ عَنِ ٱلَّذِينَ لَمْ يُقَـٰتِلُوكُمْ فِى ٱلدّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مّن دِيَـٰرِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ } أي لا ينهاكم سبحانه وتعالى عن البر بهؤلاء كما يقتضيه كون {أَن تَبَرُّوهُمْ } بدل اشتمال من الموصول {وَتُقْسِطُواْ إِلَيْهِمْ } أي تفضوا إليهم بالقسط أي العدل، فالفعل مضمن معنى الإفضاء ولذا عدي بإلى {إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُقْسِطِينَ } أي العادلين. أخرج البخاري وغيره « حديث : عن أسماء بنت أبـي بكر رضي الله تعالى عنهما قالت: أتتني أمي راغبة وهي مشركة في عهد قريش إذ عاهدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم أأصلها؟ فأنزل الله تعالى: {لاَّ يَنْهَـٰكُمُ ٱللَّهُ } الخ، فقال عليه الصلاة والسلام: نعم صلي أمك » تفسير : وفي رواية الإمام أحمد وجماعة عن عبد الله بن الزبير قال: قدمت قتيلة بنت عبد العزى على ابنتها أسماء بنت أبـي بكر بهدايا: / صناب وأقط وسمن وهي مشركة فأبت أسماء أن تقبل هديتها أو تدخلها بيتها حتى أرسلت إلى عائشة رضي الله تعالى عنها أن تسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن هذا فسألته فأنزل الله تعالى: {لاَّ يَنْهَـٰكُمُ ٱللَّهُ } الآية فأمرها أن تقبل هديتها وتدخلها بيتها. وقتيلة هذه ـ على ما في «التحرير» ـ كانت امرأة أبـي بكر رضي الله تعالى عنه فطلقها في الجاهلية وهي أم أسماء حقيقة، وعن ابن عطية أنها خالتها وسمتها أماً مجازاً، والأول هو المعول عليه. وقال الحسن وأبو صالح: نزلت الآية في خزاعة وبني الحرث بن كعب وكنانة ومزينة وقبائل من العرب كانوا صالحوا رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن لا يقاتلوه ولا يعينوا عليه، وقال قرة الهمداني وعطية العوفي: نزلت في قوم من بني هاشم منهم العباس. وعن عبد الله بن الزبير أنها نزلت في النساء والصبيان من الكفرة، وقال مجاهد: في قوم بمكة آمنوا ولم يهاجروا فكان المهاجرون والأنصار يتحرجون من برهم لتركهم فرض الهجرة، وقيل: في مؤمنين من أهل مكة وغيرها أقاموا بين الكفرة وتركوا الهجرة ـ أي مع القدرة عليها ـ وقال النحاس والثعلبـي: نزلت في المستضعفين من المؤمنين الذين لم يستطيعوا الهجرة، والأكثرون على أنها في كفرة اتصفوا بما في حيز الصلة، وعلى ذلك قال إلكيا: فيها دليل على جواز التصدق على أهل الذمة دون أهل الحرب وعلى وجوب النفقة للأب الذمي دون الحربـي لوجوب قتله. ويخطر لي أني رأيت في «الفتاوى الحديثية» لابن حجر عليه الرحمة الاستدلال بها على جواز القيام لأهل الذمة لأنه من البر والإحسان إليهم ولم ننه عنه، لكن راجعت تلك «الفتاوى» عند كتابتي هذا البحث فلم أظفر بذلك، ومع هذا وجدته نقل في آخر «الفتاوى الكبرى» في باب السير عن العز بن عبد السلام أنه ((لا يفعل القيام لكافر لأنا مأمورون بإهانته وإظهار صغاره فإن خيف من شره ضرر عظيم جاز لأن التلفظ بكلمة الكفر جائز للإكراه فهذا أولى))، ولم يتعقبه بشيء، ثم إن في كون القيام من البر مطلقاً تردداً، وتخصيص العز جواز القيام للكافر بما إذا خيف ضرر عظيم مخالف لقول ابن وهبان من الحنفية: شعر : وللميل أو للمال يخدم كافر وللميل للإسلام لو قام يغفر تفسير : ومن الناس من يجعل كل مصلحة دينية كالميل للإسلام لكن بشرط أن لا يقصد القائم تعظيماً، والله تعالى أعلم. ونقل الخفاجي عن «الدر المنثور» أن هذه الآية منسوخة بقوله تعالى: { أية : فَٱقْتُلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ } تفسير : [التوبة: 5] الآية، والاستدلال بها على ما سمعت بتقدير عدم النسخ إن تم إنما يتم على بعض الأقوال فيها.
ابن عاشور
تفسير : استئناف هو منطوق لمفهوم الأوصاف التي وُصف بها العدوّ في قوله تعالى: {أية : وقد كفروا بما جاءكم من الحق يخرجون الرسول وإياكم}تفسير : [الممتحنة: 1] وقوله: {أية : إن يثقفوكم يكونوا لكم أعداء ويبسطوا إليكم أيديهم وألسنتهم بالسوء}تفسير : [الممتحنة: 2]، المسوقة مساق التعليل للنهي عن اتخاذ عدوّ الله أولياء، استثنى الله أقواماً من المشركين غير مضمرين العداوة للمسلمين وكان دينهم شديد المنافرة مع دين الإِسلام. فإن نظرنا إلى وصف العدوّ من قوله: {لا تتخذوا عدوي وعدوكم} وحملناه على حالة معاداة من خالفهم في الدين ونظرنا مع ذلك إلى وصف {يخرجون الرسول وإياكم}، كان مضمون قوله: {لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين} إلى آخره، بياناً لمعنى العداوة المجعولة علة للنهي عن الموالاة وكان المعنى أن مناط النهي هو مجموع الصفات المذكورة لا كل صفة على حيالها. وإن نظرنا إلى أن وصف العدوّ هو عدوّ الدين، أي مخالفة في نفسه مع ضميمة وصف {وقد كفروا بما جاءكم من الحق}، كان مضمون {لا ينهاكم الله} إلى آخره تخصيصاً للنهي بخصوص أعداء الدين الذين لم يقاتلوا المسلمين لأجل الدين ولم يُخرجوا المسلمين من ديارهم. وأيَّاً ما كان فهذه الجملة قد أخرجت من حكم النهي القومَ الذين لم يقاتلوا في الدين ولم يُخرجوا المسلمين من ديارهم، واتصال هذه الآية بالآيات التّي قبلها يجعل الاعتبارين سواء فدخل في حكم هذه الآية أصناف وهم حلفاءُ النبي صلى الله عليه وسلم مثل خُزاعة، وبني الحارث ابن كعب بن عبد مناةَ بن كنانة، ومزينة كان هؤلاء كلهم مظاهرين النبي صلى الله عليه وسلم ويحبون ظهوره على قريش، ومثل النساء والصبيان من المشركين، وقد جاءت قُتيلة (بالتصغير ويقال لها: قتلة، مكبراً) بنت عبد العُزى من بني عامر بن لؤي من قريش وهي أم أسماء بنت أبي بكر الصديق إلى المدينة زائرةً ابنتها وقتيلة يومئذٍ مشركة في المدة التي كانت فيها المهادنة بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين كفار قريش بعد صلح الحديبية (وهي المدة التي نزلت فيها هذه السورة) فسألت أسماءُ رسول الله صلى الله عليه وسلم أتصِل أمها؟ قال: «نعم صِلي أُمَّككِ»، وقد قيل: إن هذه الآية نزلت في شأنها. وقوله: {أن تبروهم} بدل اشتمال من {الذين لم يقاتلوكم في الدين} الخ، لأن وجود ضمير الموصول في المبدل وهو الضمير المنصوب في {أن تبروهم} يجعل بر المسلمين بهم مما تشتمل عليه أحوالهم. فدخل في الذين لم يقاتلوا المسلمين في الدين نَفر من بني هاشم منهم العباس بن عبد المطلب، والذينَ شملتهم أحكام هذه الآية كلّهم قد قيل إنهم سبب نزولها وإنما هو شمول وما هو بسبب نزول. والبرّ: حسن المعاملة والإِكرامُ. وهو يتعدى بحرف الجر، يقال: برّ به، فتعديته هنا بنفسه على نزع الخافض. والقسط: العدل. وضمن {تقسطوا} معنى تُفضوا فعدّي بـ(إلى) وكان حقه أن يعدَّى باللام. على أن اللام و(إلى) يتعاقبان كثيراً في الكلام، أي أن تعاملوهم بمثل ما يعاملونكم به من التقرب، فإن معاملة أحد بمثل ما عامل به من العدل. وجملة و{إن الله يحب المقسطين} تذييل، أي يحب كل مقسط فيدخل الذين يقسطون للذين حالفوهم في الدين إذا كانوا مع المخالفة محسنين معاملتهم. وعن ابن وهب قال: سألت ابن زيد عن قوله تعالى: {لا ينهاكم الله} الآية قال: نسخها القتال، قال الطبري: لا معنى لقول من قال: ذلك منسوخ، لأن بر المؤمن بمن بينه وبينه قرابة من أهل الحرب أو بمن لا قرابة بينه وبينه غير محرم إذا لم يكن في ذلك دلالة على عورة لأهل الإِسلام. اهـ. ويؤخذ من هذه الآية جواز معاملة أهل الذمة بالإِحسان وجواز الاحتفاء بأعيانهم.
الشنقيطي
تفسير : اعتبر بعض المفسرين الآية الأولى رخصة من الآية في أول السورة، ولكن في هاتين الآيتين صنفان من الأعداء وقسمان من المعاملة. الصنف الأول: عدو لم يقاتلوا المسلمين في دينهم ولم يخرجوهم من ديارهم. فهؤلاء يقول تعالى في حقهم {لاَّ يَنْهَاكُمُ ٱللَّهُ} {أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوۤاْ إِلَيْهِمْ}. والصنف الثاني: قاتلوا المسلمين وأخرجوهم من ديارهم وظاهروا على إخراجهم، وهؤلاء يقول تعالى فيهم: إنما ينهاكم الله أن تولوهم إذاً فهما قسمان مختلفان وحكمان متغايران، وإن كان القسمان لم يخرجا عن عموم عدوي وعدوكم المتقدم في أول السورة، وقد اعتبر بعض المفسرين الآية الأولى رخصة بعد النهي المتقدم، ثم إنها نسخت بآية السيف أو غيرها على ما سيأتي. واعتبر الآية الثانية تأكيداً للنهي الأول، وناقش بعض المفسرين دعوى النسخ في الأولى، واختلفوا فيمن نزلت ومن المقصود منها، والوقع أن الآيتين تقسيم لعموم العدو المتقدم في قوله تعالى: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَآءَ}تفسير : [الممتحنة: 1]، مع بيان كل قسم وحكمه، كما تدل له قرائن في الآية الأولى، وقرائن في هاتين الآيتين على ما سيأتي إن شاء الله تعالى. أما التقسيم فقسمان: قسم مسالم لم يقاتل المسلمين ولم يخرجهم من ديارهم، فلم ينه الله المسلمين عن برهم والإقساط إليهم، وقسم غير مسالم يقاتل المسلمين ويخرجهم من ديارهم ويظاهر على إخراجهم، فنهى الله المسلمين عن موالاتهم، وفرق بين الإذن بالبر والقسط، وبين النهي عن الموالاة والمودة، ويشهد لهذا التقسيم ما في الآية الأولى من قرائن، وهي عموم الوصف بالكفر، وخصوص الوصف بإخراج الرسول وإياكم. ومعلوم أن إخراج الرسول صلى الله عليه وسلم والمسلمين من ديارهم كان نتيجة لقتالهم وإيذائهم، فهذا السم هو المعني بالنهي عن موالاته لموقفه المعادي لأن المعاداة تنافي الموالاة. ولذا عقب عليه بقوله تعالى: {وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلظَّالِمُونَ} فأي ظلم بعد موالاة الفرد لأعداء أمته وأعداء الله ورسوله. أما القسم العام وهم الذين كفروا بما جاءهم من الحق لكنهم لم يعادوا المسلمين في دينهم لا بقتال ولا بإخراج ولا بمعاونة غيرهم عليهم ولا ظاهروا على إخراجهم، فهؤلاء من جانب ليسوا محلاً للموالاة لكفرهم، وليس منهم ما يمنع برهم والإقساط إليهم. وعلى هذا فإن الآية الثانية ليس فيها جديد بحث بعد البحث المتقدم في أول السورة، وبقي البحث في الآية الأولى، ومن جانبين: الأول: بيان من المعنى بها، والثاني: بيان حكمها، وهل هي محكمة أم نسخت. وقد اختلفت أقوال المفسرين في الأمرين، ولأهمية هذا المبحث وحاجة الأمة إليه في كل وقت، وأشد ما تكون في هذا العصر لقوة تشابك مصالح العالم وعمق تداخلها، وترابط بعضه ببعض في جميع المجالات، وعدم انفكاك دولة عن أخرى مما يزيد من وجوب الاهتمام بهذا الموضوع. وإني مستعين الله في إيراد ما قيل فيها، ثم مقدم ما يمكن أخذه من مجموع أقوال المفسرين، وكلام الشيخ رحمة الله عليه. القول الأول إنها منسوخة، قال القرطبي عن أبي زيد أنها كانت في أول الإسلام زمن الموادعة وترك الأمر بالقتال ثم نسخت قيل بآية:{أية : فَٱقْتُلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ}تفسير : [التوبة: 5] قاله قتادة. وقيل: كانت في أهل الصلح فلما زال زال حكمها وانتهى العمل بها بعد فتح مكة. وقيل: هي في أَصحاب العهد حتى ينتهي عهدهم أو ينبذ إليهم أي أنها كانت مؤقتة بوقت ومرتبطة بقوم. وقيل: إنها كانت في العاجزين عن القتال من النساء والصبيان من المشركين. وقيل: إنها في ضعفة المؤمنين عن الهجرة حينما كانت الهجرة واجبة، فلم يستطيعوا، وعلى كل هذه الأقوال تكون قد نسخت، بفوات وقتها وذهاب من عني بها. والقول الثاني: إنها محكمة قاله أيضاً القرطبي ونقله عن أكثر أهل التأويل، ونقل من أدلتهم أنها نزلت في أم أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما، جاءت إليها وهي لم تسلم بعد وكان بعد الهجرة، وجاءت لابنتها بهدايا فأبت أن تقبلها منها وأن تستقبلها حتى تستأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم فأذن لها وأمرها بصلتها وعزاه للبخاري ومسلم. وقال غيره: ذكره البخاري في تاريخه، وذكر عن الماوردي أن قدومها كان في وقت الهدنة، ومعلوم أن وقت الهدنة من القسم الأول الذي قيل: إنه منسوخ أي بانتهائها، وعليها فالآية دائرة عند المفسرين بين الإحكام والنسخ. وإذا رجعنا إلى سبب نزول السورة وتقيدنا بصورة السبب، نجد أولها نزل بعد انتهاء العهد بنقض المشركين إياه، وعند تهيئ المسلمين لفتح مكة، ومجيء أم أسماء وإن كان بعد الهدنة فهل كان النساء داخلات في العهد أم لا؟ لعدم التصريح بذكرهن. وعليه فلا دلالة في قصة أم أسماء على عدم النسخ ولا على إثباته. وإذا رجعنا إلى عموم اللفظ نجد الآية صريحة شاملة لكل من لم يناصب المسلمين العداء، ولم يظهر سوءاً إليهم، وهي في الكفار أقرب منها في المسلمين، لأن الإحسان إلى ضعفة المسلمين معلوم بالضرورة الشرعية، وعليه فإن دعوى النسخ تحتاج إلى دليل قوي يقاوم صراحة هذا النص الشامل، وتوفر شروط النسخ المعلومة في أصول التفسير. ويؤيد عدم النسخ ما نقله القرطبي عن أكثر أهل التأويل أنها محكمة، وكذلك كلام الشيخ رحمة الله تعالى عليه عند قوله تعالى:{أية : إِلاَّ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَاةً}تفسير : [آل عمران: 28] بأن ذلك رخصة في حالة الخوف والضعف مع اشتراط سلامة الداخل في القلب، فإن مفهومه أنها محكمة وباق العمل بها عند اللزوم، ومفهومه أن المؤمنين إذا كانوا في حالة قوة وعدم خوف وفي مأمنٍ منهم، وليس منهم قتال، وهم في غاية من المسالمة فلا مانع من برهم بالعدل والإقساط معهم، وهذا مما يرفع من شأن الإسلام والمسلمين، بل وفيه دعوة إلى الإسلام بحسن المعاملة وتأليف القلوب بالإحسان إلى من أحسن إليهم، وعدم معاداة من لم يعادهم، ومما يدل لذلك من القرائن التي نوهنا عنها سابقاً ما جاء في التذييل لهذه الآية بقوله تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُقْسِطِينَ} فهذا ترشيح لما قدمنا كما قابل هذا بالتذييل على الآية الأخرى: {أية : وَمَن يَتَوَلَّهُمْ مِّنكُمْ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلظَّالِمُونَ}تفسير : [التوبة: 23]، ففيه مقابلة بين العدل والظلم فالعدل في الإحسان، والقسط لمن يسالمك، والظلم ممن يوالي من يعادي قومه. ومما ينفي النسخ عدم التعارض بين هذا المعنى، وبين آية السيف، لأن شرط النسخ التعارض، وعدم إمكان الجمع، ومعرفة التاريخ، والجمع هنا ممكن والتعارض منفي، وذلك لأن الأمر بالقتال لا يمنع الإحسان قبله، كما أن المسلمين ما كانوا ليفاجئوا قوماً بقتال حتى يدعوهم إلى الإسلام، وهذا من الإحسان قطعاً، ولأنهم قبلوا من أهل الكتاب الجزية، وعاملوا أهل الذمة بكل إحسان وعدالة. وقصة الظعينة في صحيح البخاري صاحبة المزادتين لم يقاتلوها أو يأسروها أو يستبيحوا ماءها بل استاقوها بمائها لرسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذ من مزادتيها قليلاً، ودعا فيه ورده، ثم استقوا وقال لها: اعلمي أن الله هو الذي سقانا ولم تنقص من مزادتيك شيئاً، وأكرموها وأحسنوا إليها وجمعوا لها طعاماً، وأرسلوها في سبيلها فكانت تذكر ذلك، وتدعو قومها للإسلام. وقصة ثمامة لما جيء به أسيراً وربط في سارية المسجد، وبعد أن أصبح عاجزاً عن القتال لم يمنعهم من الإحسان إليه، فكان يراح عليه كل يوم بحليب سبع نياق حتى فك أسره فأسلم طواعية، وهكذا نص قوله تعالى:{أية : وَيُطْعِمُونَ ٱلطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ ٱللَّهِ}تفسير : [الإنسان: 8-9] الآية. ومعلوم أنه لم يكن ثم أسير بيد المسلمين إلا من الكفار. وفي سنة تسع وهي سنة الوفود، فكان يقدم إلى المدينة المسلمون وغير المسلمين، فيتلقون الجميع بالبر والإحسان كوفد نجران وغيرهم وها هوذا وفد تميم جاء يفاخر ويفاوض في أسارى له، فيأذن لهم صلى الله عليه وسلم، ويستمع مفاخرتهم ويأمر من يرد عليهم من المسلمين، وفي النهاية يسلمون ويجيزهم الرسول صلى الله عليه وسلم بالجوائز، وهذا أقوى دليل على عدم النسخ، لأن وفداً يأتي متحدياً مفاخراً لكنه لم يقاتل ولم يظاهر على إخراجهم من ديارهم، وجاء في أمر جار في عرف العرب فجاراهم فيه صلى الله عليه وسلم بعد أن أعلن لهم أنه ما بالمفاخرة بُعث، ولكن ترفقاً بهم، وإحساناً إليهم، وتأليفاً لقلوبهم، وقد كان فأسلموا، وهذا ما تعطيه جميع الأقوال التي قدمناها. وقد بحث إمام المفسرين الطبري هذه المسألة من نواحي النقل وأخيراً ختم بحثه بقوله ما نصه: وأولى الأقوال في ذلك بالصواب، قول من قال عنى بذلك قوله تعالى: {لاَّ يَنْهَاكُمُ ٱللَّهُ عَنِ ٱلَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي ٱلدِّين} من جميع أصناف الملل والأديان أن تبروهم وتصلوهم وتقسطوا إليهم إن الله عز وجل عم بقوله: {ٱلَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي ٱلدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِّن دِيَارِكُم} جميع من كان ذلك صفته فلم يخصص به بعضاً دون بعض، ولا معنى لقول من قال: ذلك منسوخ، لأن بر المؤمنين من أهل الحرب ممن بينه وبينه قرابة نسب أو ممن لا قرابة بينه ولا نسب غير محرم ولا منهي عنه، إذا لم يكن في ذلك دلالة له أو لأهل الحرب على عورة لأهل الإسلام، أو تقوية لهم بكراع أو سلاح. وقد بينا صحة ما قلنا في ذلك الخبر الذي ذكرناه عن الزبير في قصة أسماء وأمها. وقوله: {إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُقْسِطِين}، يقول إن الله يحب المنصفين الذين ينصفون الناس ويعطونهم الحق والعدل من أنفسهم، فيبرون من برهم، ويحسنون إلى من أحسن إليهم. انتهى منه. وفي تفسير آيات الأحكام للشافعي رحمه الله مبحث هام نسوقه أيضاً بنصه لأهميته: قال الله عز وجل: {لاَّ يَنْهَاكُمُ ٱللَّهُ عَنِ ٱلَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي ٱلدِّين} الآية. قال: يقال: والله أعلم إن بعض المسلمين تأثر من صلة المشركين أحسب ذلك لما نزل فرض جهادهم وقطع الولاية بينهم وبينهم ونزل {أية : لاَّ تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ يُوَآدُّونَ مَنْ حَآدَّ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ}تفسير : [المجادلة: 22] الآية، فلما خافوا أن تكون المودة الصلة بالمال أنزل { لاَّ يَنْهَاكُمُ ٱللَّهُ عَنِ ٱلَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي ٱلدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوۤاْ إِلَيْهِمْ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُقْسِطِينَ} {إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ ٱللَّهُ عَنِ ٱلَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي ٱلدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُواْ عَلَىٰ إِخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلظَّالِمُون}، وقال الشافعي رحمه الله: وكانت الصلة بالمال والبر والإقساط ولين الكلام والمراسلة بحكم الله غير ما نهوا عنه من الولاية لمن نهوا عن ولايته مع المظاهرة على المسلمين، وذلك لأنه أباح بر من لم يظاهر عليهم من المشركين والإقساط إليهم ولم يحرم ذلك إلى من لم يظاهر عليهم بل ذكر الذين ظاهروا عليهم فنهاهم عن ولايتهم إذ كان الولاية غير البر والإقساط، وكان النَّبي صلى الله عليه وسلم فادى بعض أسارى بدر، وقد كان أبو عزة الجمحي ممَّن منَّ عليه، وقد كان معروفاً بعداوته، والتأليب عليه بنفسه ولسانه، ومن بعد بدر على ثمامة بن أثال، وكان معروفاً بعداوته، وأمر بقتله ثم منّ عليه بعد أسره وأسلم ثمامة وحبس الميرة عن أهل مكة فسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأذن له أن يميرهم فأذن له فمارهم. وقال الله عز وجل:{أية : وَيُطْعِمُونَ ٱلطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً}تفسير : [الإنسان: 8] والأسرى يكونون ممن حاد الله ورسوله اهـ منه. وهذا الذي صوَّبه ابن جرير وصححه الشافعي رحمه الله الذي تقتضيه روح التشريع الإسلامي، أما وجهة النظر التي وعدنا بتقديمها فهي أن المسلمين اليوم مشتركة مصالحهم بعضهم ببعض ومرتبطة بمجموع دول العالم من مشركين وأهل كتاب، ولا يمكن لأمة اليوم أن تعيش منعزلة عن المجموعة الدولية لتداخل المصالح وتشابكها، ولا سيما في المجال الاقتصادي عصب الحياة اليوم من إنتاج أو تصنيع أو تسويق، فعلى هذا تكون الآية مساعدة على جواز التعامل مع أولئك المسالمين ومبادلتهم مصلحة بمصلحة على أساس ما قاله ابن جرير وبيّنه الشافعي، وذكره الشيخ رحمة الله عليه في حقيقة موقف المسلمين اليوم من الحضارة الغربية في عدة مناسبات من محاضراته ومن الأضواء نفسه، وبشرط ما قاله الشيخ رحمة الله تعالى عليه من سلامة الداخل أي عدم الميل بالقلب، ولو قيل بشرط آخر وهو مع عدم وجود تلك المصلحة عند المسلمين أنفسهم، أي أن العالم الإسلامي يتعاون أولاً مع بعضه، فإذا أعوزه أو بعض دوله حاجة عند غير المسلمين ممن لم يقاتلوهم ولم يظاهروا عدواً على قتالهم فلا مانع من التعاون مع تلك الدولة في ذلك، ومما يؤيد كل ما تقدم عملياً معاملة النَّبي صلى الله عليه وسلم وخلفائه من بعده لليهود في خيبر. فمما لا شك فيه أنهم داخلون أولاً في قوله تعالى:{أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَآء}تفسير : [الممتحنة: 1]. ومنصوص على عدم موالاتهم في قوله تعالى:{أية : يَـۤأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ ٱلْيَهُودَ وَٱلنَّصَارَىٰ أَوْلِيَآءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلظَّالِمِينَ}تفسير : [المائدة: 51]. ومع ذلك لما أخرجهم صلى الله عليه وسلم من المدينة وحاصرهم بعدها في خيبر وفتحها الله عليه وأصبحوا في قبضة يده فلم يكونوا بعد ذلك في موقف المقاتلين، ولا مظاهرين على إخراج المسلمين من ديارهم. عاملهم الرسول صلى الله عليه وسلم بالقسط فعاملهم على أرض خيبر ونخيلها وأبقاهم فيها على جزء من الثمرة كأجراء يعملون لحسابه وحساب المسلمين، فلم يتخذهم عبيداً يسخرهم فيها، وبقيت معاملتهم بالقسط كما جاء في قصة ابن رواحة رضي الله عنه لما ذهب. يخرص عليهم وعرضوا عليه ما عرضوا من الرشوة ليخفف عنهم، فقال لهم كلمته المشهورة: والله لأنتم أبغض الخلق إلي وجئتكم من عند أحب الخلق إليّ، ولن يحملني بغضي لكم، ولا حبي له أن أحيف عليكم، فإما أن تأخذوا بنصف ما قدرت، وإما أن تكفوا أيديكم ولكم نصف ما قدرت، فقالوا له: بهذا قامت السماوات والأرض أي بالعدالة والقسط، وقد بقوا على ذلك نهاية زمنه صلى الله عليه وسلم وخلافة الصديق وصدراً من خلافة عمر حتى أجلاهم عنها. ومثل ذلك المؤلفة قلوبهم أعطاهم صلى الله عليه وسلم بعد الفتح وأعطاهم الصديق حتى منعهم عمر رضي الله عنه. وقد أطلنا الكلام في هذه المسألة لأهميتها ومسيس الحاجة إليها اليوم. وفي الختام إن أشد ما يظهر وضوحاً في هذا المقام ولم يدَّع أحد فيه نسخاً قوله تعالى:{أية : وَإِن جَاهَدَاكَ عَلَىٰ أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلاَ تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي ٱلدُّنْيَا مَعْرُوفاً}تفسير : [لقمان: 15]. فهذه حسن معاملة وبر وإحسان لمن جاهد المسلم على أن يشرك بالله ولم يقاتل المسلمين. فكان حق الأبوة مقدماً ولو مع الكفر والمجاهدة على الشرك. وكذلك أيضاً في نهاية هذه السورة نفسها قوله تعالى: {أية : فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلاَ تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى ٱلْكُفَّارِ لاَ هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ وَلاَ هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ}تفسير : [الممتحنة: 10]. ثم قال تعالى: {أية : وَءَاتُوهُم مَّا أَنفَقُواْ}تفسير : [الممتحنة: 10] أي آتوا المشركين أزواج المؤمنات المهاجرات ما أنفقوا على أزواجهم بعد هجرتهن. فبعد أن أسلمت الزوجة وهاجرت وانحلت العصمة بينها وبين زوجها الكافر، وبعدت عنه بالهجرة وفاتت عليه ولم يقدر عليها، يأمر الله المسلمين أن يؤتوا أزواجهن وهم مشركون، ما أنفقوا من صداق عند الزواج ونحوه مع بقاء الأزواج على الكفر وعجزهم عن استرجاع الزوجات وعدم جواز موالاتهم قطعاً لكفرهم، وهذا من المعاملة بالقسط والعلم عند الله تعالى.
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 8- لا ينهاكم الله عن الكافرين الذين لم يقاتلوكم ولم يخرجوكم من دياركم، أن تكرموهم وتمنحوهم صلتكم. إن الله يحب أهل البر والتواصل. 9- إنما ينهاكم الله عن الذين حاربوكم فى الدين ليصدوكم عنه، وأجبروكم على الخروج من دياركم، وعاونوا على إخراجكم منها أن تتخذوهم أنصاراً، ومن يتخذ هؤلاء أنصاراً فأولئك هم الظالمون لأنفسهم. 10- يا أيها الذين آمنوا: إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات من دار الشرك فاختبروهن لتعلموا صدق إيمانهن، الله أعلم بحقيقة إيمانهن، فإن اطمأننتم إلى إيمانهن فلا تردوهن إلى أزواجهن الكفار، فلا المؤمنات بعد هذا حلال للكافرين، ولا الكافرون حلال للمؤمنات، وآتوا الأزواج الكافرين ما أنفقوا من الصداق على زوجاتهم المهاجرات إليكم، ولا حرج عليكم أن تتزوجوا هؤلاء المهاجرات إذا آتيتموهن صداقهن، ولا تتمسكوا بعقد زوجية الكافرات الباقيات فى دار الشرك أو اللاحقات بها، واطلبوا من الكفار ما أنفقتم من صداق على اللاحقات بدار الشرك وليطلبوا - هم - ما أنفقوا على زوجاتهم المهاجرات. ذلكم - التشريع - حكم الله، يفصل به بينكم، والله عليم بمصالح عباده، حكيم فى تشريعه. 11- وإن أفلت منكم بعض زوجاتكم إلى الكفار، ثم حاربتموهم، فآتوا الذين ذهبت زوجاتهم مثل ما أنفقوا عليهن من صداق، واتقوا الله الذى أنتم به مؤمنون.
القطان
تفسير : أن تبروهم: ان تحسنوا اليهم بكل خير. البر: كلمة تجمع معاني الخير والاحسان. تقسطوا اليهم: تعدلوا فيهم. المقسِطين: العادلين. ظاهَروا: ساعدوا. ان تولوهم: ان تكونوا لهم اصدقاء واحياء وانصارا. في هاتين الآيتين الكريمتين يضعُ الله لنا قاعدةً عظيمة، ويبيّن أن دِينَ الاسلام دينُ سلام ومحبة وإخاء، فيقول: من عاداكم فعادُوه وقاتِلوه، أما الذين سالموكم ولم يقاتلوكم، ولم يخرجوكم من دياركم - فعليكم ان تسالِموهم وتكرموهم، وتحسِنوا اليهم، وتعدِلوا كل العدل في معاملتكم معهم، {إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُقْسِطِينَ} العادلين. أما الذين حاربوكم في دينكم ليصدّوكم عنه، وأجبروكم على الخروج من ديارِكم، وعاونوا على اخراجكم - فهؤلاء ينهاكم الله عن أن تتخذوهم أنصارا، بل قاتِلوهم وشدِّدوا عليهم {فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلظَّالِمُونَ}. ولننظر الآن من هو عدوُّنا الذي اغتصب أرضنا، وشرّد منها أهلنا وأقرباءنا، ومن من الدول التي ظاهرتْهُ وعاونته على إخراج أهلِنا من ارضهم، وأمدّته بالسلاح والمال، فان هذه الدولة الكبرى هي عدوّنا الأول.. فاستيقظوا أيها العرب وتنبّهوا واعرفوا عدوكم. والأمر واضحٌ لا يحتاج الى دليل.
د. أسعد حومد
تفسير : {يَنْهَاكُمُ} {يُقَاتِلُوكُمْ} {دِيَارِكُمْ} (8) - إِنَّ اللهَ تَعَالَى لاَ يَنْهَاكُمْ عَنِ الإِحْسَانِ إِلَى الكُفَّارِ الذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ، وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ، وَلَمْ يُعَاوِنُوا فِي إِخْرَاجِكُمْ مِنْهَا، وَلاَ يَمْنَعُكُمْ مِنْ إِكْرَامِهِمْ، وَمَنْحِهِمْ صِلَتَكُمْ، لأَِنَّ اللهَ يُحِبُّ أَهْلَ البِرِّ والتَّوَاصُل. (وَرُوِيَ فِي سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ: أَنّ قُتَيْلَةَ أُمَّ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ الصَّدِّيقِ قَدِمَتْ وَهِيَ مُشْرِكَةٌ عَلَى ابْنَتِهَا أَسْمَاءَ بِهَدَايَا فَرَفَضَتْ أَسْمَاءُ أَنْ تَقْبَلَ الهَدَايَا مِنْهَا، وَأَنْ تُدْخِلَهَا بَيْتَهَا، فَجَاءَتْ إِلَى أُخْتِهَا عَائِشَةَ أَمِّ المُؤْمِنينَ تَسْأَلُهَا فِي ذَلِكَ، فَسَأَلَتْ عَائِشَةُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى هَذِهِ الآيَةَ، فَأَمَرَهَا الرَّسُولُ بإِدْخَالِهَا بَيْتَهَا، وَبِأَنْ تَقْبَلَ مِنْهَا هَدِيتَها. تَبَرُّوهُمْ - تُحْسِنُوا إِليهِمْ وَتُكْرِمُوهُمْ. وَتُقْسِطُوا إِليهِمْ - تَقْضُوا إِليهِمْ بِالقِسْطِ وَالعَدْلِ.
مجاهد بن جبر المخزومي
تفسير : أَنبا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: ثنا آدم، قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {لاَّ يَنْهَاكُمُ ٱللَّهُ عَنِ ٱلَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي ٱلدِّينِ}. يقول: أَن تستغفروا لهم و{تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوۤاْ إِلَيْهِمْ} [الآية: 8]، وهم الذين آمنوا بمكة ولم يهاجروا. وبه عن مجاهد: {إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ ٱللَّهُ عَنِ ٱلَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي ٱلدِّينِ} [الآية: 9] قال: هم كفار قريش. أَنبا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: ثنا آدم، قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله، عز وجل: {فَٱمْتَحِنُوهُنَّ} [الآية: 10]. قال: يقول سلوهن ما جاءَ بهن، فان كان بهن غضب على أَزواجهن أَو غيرة أَو سخط، ولم يؤمنّ فارجعوهن إِلى أَزواجهن. وإِن جئن مؤمنات بالله، عز وجل، ورسوله فأَمسكوهن، وآتوا أَزواجهن. يعني: صدقاتهن. وانكحوهن إِن شئتم وأَصدقوهن. أَنبا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: ثنا آدم، قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {وَلاَ تُمْسِكُواْ بِعِصَمِ ٱلْكَوَافِرِ} [الآية: 10]. قال: أُمر أَصحاب رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بطلاق نسائهم، كن كوافر بمكة، قعدن مع الكفار بمكة. أَنبا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: ثنا آدم، قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {وَاسْأَلُواْ مَآ أَنفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلُواْ مَآ أَنفَقُواْ} [الآية: 10]. يقول: ما ذهب من أَزواج أَصحاب النبي، صلى الله عليه وسلم، إِلى الكفار، فليعطهم الكفار صدقاتهن وليمسكوهن. وما ذهب من أَزواج الكفار إِلى أَصحاب النبي، صلى الله عليه [وسلم]، فليعط أَزواجهن من الكفار صدقاتهن وليمسكوهن. فكان هذا في صلح كان بين النبي، صلى الله عليه [وسلم]، وبين قريش. ثم قال: {وَإِن فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِّنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَى ٱلْكُفَّارِ} [الآية: 11]، الذين ليس بينكم وبينهم عهد {فَعَاقَبْتُمْ}. يقول أَصبتم مغنماً من قريش أَو غيرهم، {فَآتُواْ ٱلَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُمْ مِّثْلَ مَآ أَنفَقُواْ} [الآية: 11]. يعني: صدقاتهن عوضاً. أَنبا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: نا حماد بن سلمة، عن هشام بن حسان، عن محمد بن سيرين عن أُم عطية قالت: أَخذ رسول الله، صلى الله عليه [وسلم]، على النساءِ أَن لا ينُحن. فقالت امرأَة لرسول الله، صلى الله عليه [وسلم] إِن /81 ظ/ فلانه أَسعدتني، أَفلا أَسعدها. فقبض رسول الله صلى الله عليه [وسلم]، يده ولم يبايعها [الآية: 12]. أَنبا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: ثنا شيبان عن منصور، عن سالم بن أَبي الجعد: {وَلاَ يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ} [الآية: 12]. قال: هو النوح. فنهاهن رسول الله صلى الله عليه [وسلم]، عن النوح. أَنبا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: ثنا آدم، قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {قَدْ يَئِسُواْ مِنَ ٱلآخِرَةِ} [الآية: 13]. يعني: بفكرهم {كَمَا يَئِسَ ٱلْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابِ ٱلْقُبُورِ}. يقول: كما يئس من مات منهم، من ثواب الآخرة ومن رحمة الله، حين تبين لهم أَعمالهم الخبيثة.
همام الصنعاني
تفسير : 3201- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله: {لاَّ يَنْهَاكُمُ ٱللَّهُ عَنِ ٱلَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي ٱلدِّينِ}: [الآية: 8]، قال: نسخها قوله: {أية : فَٱقْتُلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ}تفسير : : [التوبة: 5].
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):