٦٠ - ٱلْمُمْتَحَنَة
60 - Al-Mumtahana (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
9
Tafseer
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ ٱللَّهُ عَنِ ٱلَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي ٱلدِّينِ} أي جاهدوكم على الدِّين {وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ} وهم عتاة أهل مكة. {وَظَاهَرُواْ} أي عاونوا على إخراجكم، وهم مشركوا أهل مكة {أَن تَوَلَّوْهُمْ} «أَنْ» في موضع جر على البدل على ما تقدم في «أنْ تَبَرُّوُهم». {وَمَن يَتَوَلَّهُمْ} أي يتخذهم أولياء وأنصاراً وأحباباً {فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلظَّالِمُونَ}.
المحلي و السيوطي
تفسير : {إِنَّمَا يَنْهَٰكُمُ ٱللَّهُ عَنِ ٱلَّذِينَ قَٰتَلُوكُمْ فِى ٱلدّينِ وَأَخْرَجُوكُم مّن دِيَٰرِكُمْ وَظَٰهَرُواْ } عاونوا {عَلَىٰ إِخْرٰجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ } بدل اشتمال من الذين أي تتخذوهم أولياء {وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُوْلَٰئِكَ هُمُ ٱلظَّٰلِمُونَ }.
الخازن
تفسير : {إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا على إخراجكم} وهم مشركو مكة {أن تولوهم ومن يتولهم فأولئك هم الظالمون} قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن} الآية (خ) عن عروة بن الزبير أنه سمع مروان والمسور بن مخرمة يخبران عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال لما كاتب سهيل بن عمرو يومئذ كان فيما اشترط سهيل بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم إنه لا يأتيك منا أحد وإن كان على دينك إلا رددته إلينا وخليت بيننا وبينه وكره المؤمنون ذلك وأبي سهيل إلا ذلك فكاتبه النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك فرد يومئذ أبا جندل إلى أبيه سهيل بن عمرو ولم يأته أحد من الرجال إلا رده في تلك المدة وإن كان مسلماً وجاءت المؤمنات مهاجرات وكانت أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط ممن خرج إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ وهي عاتق فجاء أهلها يسألون عنها النبي صلى الله عليه وسلم أن يرجعها إليهم فلم يرجعها حتى أنزل الله فيهن {إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن الله أعلم بإيمانهن - إلى - ولا هم يحلون لهن} قال عروة فأخبرتني عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يمتحن بهذه الآية {يا أيها النبي إذا جاءك المؤمنات} - إلى قوله {أية : غفور رحيم} تفسير : [الممتحنة: 12] قال عروة قالت عائشة فمن أقرت بهذا الشرط منهن؟ قال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم حديث : قد بايعتك تفسير : كلاماً يكلمها والله ما مست يده يد امرأة قط في المبايعة ولا بايعهن إلا بقوله وقال ابن عباس "أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم معتمراً حتى إذا كان بالحديبية صالحة مشركو مكة على أن من أتاه من أهل مكة رده إليهم ومن أتى مكة من أصحابه لم يردوه إليه وكتبوا بذلك كتاباً وختموا عليه فجاءت سبيعة بنت الحارث الأسلمية مسلمة بعد فراغ الكتاب وأقبل زوجها مسافر من بني مخزوم وقيل هو صيفي بن الراهب في طلبها وهو كافر فقال يا محمد اردد علي امرأتي فإنك قد شرطت أن ترد علينا من أتاك منا وهذه طية الكتاب لم تجف بعد فأنزل الله: يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات أي من دار الكفر إلى دار الإسلام فامتحنوهن قال ابن عباس امتحانها أن تستحلف ما خرجت من بغض زوج ولا رغبة عن أرض إلى أرض ولا لحدث أحدثته ولا التماس دنيا وما خرجت إلا رغبة في الإسلام وحباً لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم فإذا حلفت على ذلك لم يردها فاستحلف رسول الله صلى الله عليه وسلم سبيعة فحلفت فلم يردها وأعطى زوجها مهرها وما أنفق عليها فتزوجها عمر بن الخطاب قال المفسرون المراد بقوله يا أيها الذين آمنوا رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنه هو الذي تولى امتحانهن بنفسه فكان يمسك من جاءه من النساء بعد الامتحان ويعطي أزواجهن مهورهن ويرد من جاء من الرجال. واختلف العلماء هل دخل رد النساء في عقد الهدنة لفظاً أو عموماً فقيل قد كان شرط ردهن في عقد الهدنة لفظاً صريحاً فنسخ الله تعالى ردهن من العقد ومنع منه وأبقاه في الرجال على ما كان في العقد وقيل لم يشترط ردهن في العقد لفظاً صريحاً وإنما أطلق العهد فكان ظاهره العموم لاشتماله على النساء وعلى الرجال فبين الله تعالى خروجهن من عموم العقد وفرق بينهن وبين الرجال في الحكم، {الله أعلم بإيمانهن} أي هذا الامتحان لكم والله أعلم بإيمانهن {فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن} إي إذا أقررن بالإيمان فلا تردوهن إلى الكفار لأن الله لم يبح مؤمنة لكفار {وآتوهم} يعني أزواجهن {ما أنفقوا} أي عليهن من المهر الذي دفعوه إليهن، {ولا جناح عليكم أن تنكحوهن إذا آتيتموهن أجورهن} أي مهورهن أباح الله للمسلمين نكاح المهاجرات من دار الحرب إلى دار الإسلام وإن كان لهن أزواج كفار في دار الحرب لأن الإسلام فرق بينهن وبين أزواجهن الكفار ووقفت الفرقة بانقضاء عدتها فإن أسلم الزوج قبل انقضاء عدتها فهي زوجته وبه قال الأوزاعي والليث بن سعد ومالك والشافعي وأحمد وقال أبو حنيفة تقع الفرقة باختلاف الدارين، {ولا تمسكوا بعصم الكوافر} جمع عصمة وهي ما اعتصم به من العقد: والسبب نهى الله تعالى المؤمنين عن المقام على نكاح المشركات يقول الله تعالى وإن كانت له امرأة كافرة بمكة فلا يعتد بها فقد انقطعت عصمة الزوجية بينهما. قال الزهري لما نزلت هذه الآية طلق عمر بن الخطاب امرأتين كانتا بمكة مشركتين قريبة بنت أبي أمية بن المغيرة فتزوجها معاوية بن أبي سفيان وهما على شركهما بمكة والأخرى أم كلثوم بنت عمرو بن جرول الخزاعية وهي أم ابنه عبيد الله فتزوجها أبو جهم بن حذافة بن غنم وهما على شركهما. وكانت أروى بنت ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب تحت طلحة بن عبيد الله فهاجر طلحة وبقيت هي على دين قومها ففرق الإسلام بينهما فتزوجها بعده في الإسلام خالد بن سعيد بن العاص بن أمية قال الشعبي وكانت زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم امرأة أبي العاص بن الربيع أسلمت وهاجرت ولحقت بالنبي صلى الله عليه وسلم وأقام أبو العاص بمكة مشركاً ثم أتى المدينة فأسلم فردها عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم {واسألوا} أي أيها المؤمنون {ما أنفقتم} يعني إن لحقت امرأة منكم بالمشركين مرتدة فاطلبوا ما أنفقتم من المهر إذا منعوها ممن تزوجها منهم {وليسألوا} يعني المشركين الذين لحقت أزواجهم بكم {ما أنفقوا} من المهر إذا منعوها ممن تزوجها منهم {وليسألوا} يعني المشركين الذين لحقت أزواجهم بكم {ما أنفقوا} من المهر ممن تزوجها منكم {ذلكم حكم الله يحكم بينكم والله عليم حكيم} قال الزهري ولولا الهدنة والعهد الذي كان بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين قريش لأمسك النساء ولم يرد الصداق وكذلك صنع بمن جاء من المسلمات قبل العهد فلما نزلت هذه الآية أقر المؤمنون بحكم الله تعالى وأدوا ما أمروا به من أداء نفقات المشركين على نسائهم وأبى المشركون أن يقروا بحكم الله فيما أمر من أداء نفقات المسلمين فأنزل الله عز وجل: {وإن فاتكم شيء من أزواجكم إلى الكفار...}.
ابن عادل
تفسير : قوله تعالى: {إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ ٱللَّهُ عَنِ ٱلَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي ٱلدِّينِ} أي: جاهدوكم على الدين {وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ} وهم عتاة أهل "مكة"، {وَظَاهَرُواْ} أي: عاونوا {عَلَىٰ إِخْرَاجِكُمْ} وهم مشركوا مكة {أَن تَوَلَّوْهُمْ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ} أي: يتخذهم أولياء وأنصاراً وأحباباً {فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلظَّالِمُونَ}.
البقاعي
تفسير : ولما علم الحال من هذا وما في أول السورة، أتبعه التصريح بما أفاده مجموعاً أحسن جمع مصوراً أحسن تصوير فقال تعالى: {إنما ينهاكم الله} أي الذي له الإحاطة الكاملة علماً وقدرة {عن الذين قاتلوكم} متعمدين لقتالكم كائنين {في الدين} ليس شيء من ذلك خارجاً عنه، لتكون العداوة في الله {وأخرجوكم من دياركم} أي بأنفسهم لبغضكم {وظاهروا} أي عاونوا غيرهم {على إخراجكم} ولما تناول هذا المقصودين صريحاً، وكان النهي الذي موضعه الأفعال قد علق بأعيانهم تأكيداً له، عرف بالمقصود بقوله: {أن} أي إنما ينهاكم عن المذكورين في أن {تولوهم} أي تكلفوا فطركم الأولى أن تفعلوا معهم جميع ما يفعله القريب الحميم الشفيق فتصرحوا بأنهم أولياؤكم وتناصروهم ولو كان ذلك على أدنى الوجوه - بما أشار إليه إسقاط التاء. ولما كان التقدير: فمن أطاع فأولئك هم المفلحون، عطف عليه قوله: {ومن يتولّهم} أي يكلف نفسه الحمل على غير ما يدعو إليه الفطرة الأولى من المنابذة، وأطلق ولم يقيد بـ"منكم" ليعم المهاجرين وغيرهم والمؤمنين وغيرهم: {فأولئك} أي الذين أبعدوا عن العدل {هم} أي خاصة لا غيرهم العريقون في أنهم {الظالمون *} أي العريقون في إيقاع الأشياء في غير مواضعها كمن يمشي في مأخذ الاشتقاق بسبب هذا التولي. ولما كان نزول هذه الآيات الماضية في الفتح الأعظم حين قصد النبي صلى الله عليه وسلم سنة ثمان المسير بجنود الله إلى مكة المشرفة - شرفها الله تعالى - لدخولها عليهم بالسيف حين نقضوا بقتالهم لخزاعة الذي كانوا قد تحيزوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فكانوا في عقده وعهده في صلح الحديبية الذي كان سنة ست على وضع الحرب بينهم وبين النبي صلى الله عليه وسلم ومن دخل في عقده، وكان من ذلك الصلح أن من جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم من قريش ومن دخل في صلحهم رده إليهم وإن كان مسلماً، ومن جاءهم من كان مع النبي صلى الله عليه وسلم لم يردوه إليه بحيث قام من ذلك وقعد كثير من الصحابة رضي الله عنه من أعظمهم عمر بن الخطاب رضي الله عنه حتى سكنه الصديق رضي الله تعالى عنه بما وقر في صدره من الحكم، ورد إليهم صلى الله عليه وسلم أبا بصير رضي الله عنه، وكان رده إليهم للوفاء بالعهد بسبب التصديق لقوله صلى الله عليه وسلم"حديث : أما من جاءنا منهم فرددناه إليهم فسيجعل الله له فرجاً ومخرجاً" تفسير : وقصته في ذلك كله مشهورة، وكانت "من" من صيغ العموم، وكانت دلالة العام قطعية في الحكم على الأفراد ظنية - كما قال الشافعي رضي الله تعالى عنه - في الدلالة على الجزئي من تلك الأفراد بخصوصه حيث لا قرينة لأن تلك الصيغ ترد تارة على عمومها وتارة يراد بها بعض الأفراد فتكون من العام الذي أريد به الخصوص، وتارة يقع فيها التخصيص، فتكون من العام الذي أريد به الخصوص فطرقها الاحتمال فاحتاج ما دلت عليه من الظاهر إلى قرينة، وكان دخول النساء تحت لفظ "من" في صلح الحديبية أما عرباً عن القرينة أو أن القرينة القتال الذي وقع الصلح عليه بسببه صارفة عنه، وكذا قرينة التعبير عنهن بـ"ما" دون "من" في كثير من الكتاب العزيز{أية : فانكحوا ما طاب لكم من النساء}تفسير : [النساء: 3]{أية : أو ما ملكت أيمانكم}تفسير : [النساء:3]{أية : ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء }تفسير : [النساء:22]{أية : والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم}تفسير : [النساء:24] {أية : وأحل لكم ما وراء ذلكم}تفسير : [النساء: 24]{أية : فما استمتعتم به منهن}تفسير : [النساء:24]، {أية : فما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات} تفسير : [النساء:25] {أية : إلا على أزواجكم أو ما ملكت أيمانهم} تفسير : [المؤمنون:6]، وكان قد ختم سبحانه هذه الآيات التي أدب بها في غزوة الفتح بما أبان به ما لا يخرج عن الصلح في عمرة الحديبية مما هو أقرب إلى الخير من البر والعدل، ونهى عن تولي الكفار، فكانت المصاهرة والمناكحة من أعظم التولي، وصل بذلك ما لا يخرج عنه ولا يحل بالعهد في أن من جاء من الكفار إلى النبي صلى الله عليه وسلم رده إليهم وإن كان مسلماً، فقال مخاطباً لأدنى أسنان أهل الإيمان الذين يحتاجون إلى التفهيم، وأما من هو أعلى منهم فهو عالم بذلك مؤتمر به بما آتاه الله من الفهم وأنار به قلبه الشريف من فنون العلم ليكوفوا النبي صلى الله عليه وسلم مقدمات البيعة منه لهن: {يا أيها الذين آمنوا} أي أقروا بالإيمان - وهو إيقاع الأمان من التكذيب - لمن يخبرهم ما ينبغي التصديق به بسبب تصديقهم بالله سبحانه وتعالى. ولما كان في علمه سبحانه وتعالى أنه يأتيهم نساء يهربن بدينهن إلى الله، بشرهم بذلك بالتعبير بأداة التحقيق فقال: {إذا} أي صدقوا ما ادعيتموه من الإيمان بأنه في أي زمان {جاءكم} ولما كان لا يهجر داره وعشيرته لا سيما إن كانوا أقارب بسبب كفرهم إلا من رسخ في الإيمان ذكراً كان أو أنثى قال: {المؤمنات} أي النساء اللاتي صار وصف الإيمان لهن صفة راسخة بدلالة الهجرة عليه: {مهاجرات} للكفار ولأرضهم {فامتحنوهن} أي اختبروهن تأكيداً لما دلت عليه الهجرة من الإيمان بالتحليف بأنهن ما خرجن لحدث أحدثته ولا بغضاً في زوج ولا رغبة في عشير ولا خرجن إلا حباً لله ورسوله ورغبة في دين الإسلام، قال الإمام شهاب الدين ابن النقيب في الهداية من مختصره للكفاية لفقيه المذهب نجم الدين أحمد بن الرفعة في شرح التنبيه: واختلف قول الشافعي رحمه الله تعالى: هل كان النبي صلى الله عليه وسلم شرط لقريش في الصلح رد النساء ففي قول: لم يشترطه بل أطلق رد من جاءه فتوهموا تناول النساء، وكان النبي صلى الله عليه وسلم عالماً بعدم دخولهن، فأطلق ذلك حذيفة يعني ومن شرعه أن الحرب خدعة، وفي قوله: شملهن الشرط، لكن هل شرطه صريحاً أم دخلن في الإطلاق فيه وجهان أظهرهما الثاني، وهل كان شرطهن جائزاً فيه وجهان: أحدهما نعم ثم نسخ، وهل ناسخه الآية المذكورة أم منع النبي صلى الله عليه وسلم من الرد فيه وجهان مبنيان على أنه هل يجوز نسخ السنة بالقرآن وفيه قولان للشافعي رحمه الله تعالى، ومختاره منهما المنع وهو الجديد، وكذا لا يجوز عنده وعند أصحابه نسخ الكتاب بالسنة وإن كانت متواترة - انتهى. ومعناه أنه لم يقع فإن وقع نسخها بالقرآن كان معه سنة، وإن وقع نسخه بالسنة كان معها قرآن، وهو معنى قول ابن السبكي في جمع الجوامع: قال الشافعي رضي الله عنه: وحيث وقع بالسنة فمعها قرآن أو بالقرآن فمعه سنة عاضدة تبين توافق الكتاب والسنة. ولما كان الاختبار ربما دل إيمانهن لا يعلم إلا به، نفى ذلك بقوله مستأنفاً في جواب من يقول: أليس الله بعالم بذلك، ومفيداً أن علمكم الذي تصلون إليه بالامتحان ليس بعلم، وإنما سماه به إيذاناً بأن الظن الغالب في حقكم بالاجتهاد والقياس قائم مقام العلم يخرج من عنده{أية : ولا تقف ما ليس لك به علم}تفسير : [الإسراء: 36]: {الله} المحيط بكل شيء قدرة وعلماً {أعلم} أي منكم ومنهن بأنفسهن {بإيمانهن} هل هو كائن أو لا على وجه الرسوخ أو لا، فإنه محيط بما غاب كإحاطته بما شهد، وإنما وكل الأمر إليكم في ذلك ستراً للناس ولئلا تكون شهادته لأحد بالإيمان والكفران موصلة إلى عين اليقين فيخرج عن مبنى هذه الدار، قال القشيري: وفي الجملة الامتحان طريق إلى المعرفة، وجواهر النفس تتبين بالتجربة، ومن أقدم على شيء من غير تجربة يجني كأس الندم، قال: {فإن علمتموهن} أي العلم المتمكن لكم وهو الظن المؤكد بالأمارات الظاهرة بالحلف وغيره {مؤمنات} أي مخلصات في الهجرة لأجل الإيمان، والتعبير بذلك لإيذان بمزيد الاحتياط. ولما ذكر هذا الامتحان بين أنه علة لحمايتهن والدفع عنهن فأتبعه مسببه فقال: {فلا ترجعوهن} أي بوجه من الوجوه {إلى الكفار} وإن كانوا أزواجاً، ومن الدليل على أن هذا ظاهر في المراد وأن القرائن موضحة له أنه صلى الله عليه وسلم لما أبى أن يرد إليهم من جاءه من النساء لم يعب أحد من الكفار ذلك، ولا نسب إلى عهده صلى الله عليه وسلم - وحاشاه - خللاً، ولولا أن ذلك كذلك لملؤوا الأرض تشغيباً كما فعلوا في سرية عبد الله بن جحش رضي الله عنه إلى نخله التي نزل بسببها{أية : يسألونك عن الشهر الحرام}تفسير : [البقرة: 217] الآيات على أن الأخبار الصحيحة وغيرها ناطقة بأن هذه الآية نزلت في الحديبية قبل أن ينفصل الأمر غاية الانفصال ويستقر، روى البخاري في المغازي من صحيحه والبغوي من طريقه وهذا لفظه من المروان والمسور بن مخرمة عن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قالوا: كاتب سهيل بن عمرو فكان ما اشترط على النبي صلى الله عليه وسلم أنه لا يأتيك أحد منا وإن كان على دينك إلا رددته إلينا، فكاتبه النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك، فرد يومئذ أبا جندل إلى أبيه سهل بن عمرو، ولم يأته أحد من الرجال إلا رده في تلك المدة وإن كان مسلماً، وجاءت المؤمنات مهاجرات، وكانت أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط ممن خرج إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو عاتق فجاء أهلها إلى المدينة يسألون النبي صلى الله عليه وسلم أن يرجعها إليهم فلم يرجعها إليهم كما أنزل الله فيهن {إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن} وقال البغوي: قال ابن عباس رضي الله عنهما: أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم معتمراً حتى إذا كان بالحديبية صالحه مشركو مكة على أن من أتاه من أهل مكة رده إليهم فجاءت سبيعة بنت الحارث مسلمة بعد الفراغ من الكتاب، فأقبل زوجها، وكان كافر، فقال: يا محمد! اردد عليّ امرأتي فإنك قد شرطت أن ترد علينا من أتاك منا، وهذه طينة الكتاب لم تجف، فأنزل الله تعالى {يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن الله أعلم بإيمانهن} وقال ابن عباس رضي الله عنهما: امتحانها أن تستحلف أنها ما هاجرت لبغض زوج ولا عشقاً لرجل من المسلمين ولا رغبة عن أرض ولا لحدث أحدثته ولا التماس الدنيا وما خرجت إلا رغبة في الإسلام وحباً لله ورسوله صلى الله عليه وسلم، فاستحلفها رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك فحلفت فلم يردها وأعطى زوجها ما أنفق عليها، فزوجها عمر رضي الله عنه، وكان صلى الله عليه وسلم يرد من جاءه من الرجال ويحبس من جاءه من النساء بعد الامتحان، ويعطي أزواجهن مهورهن، ودعوى النسخ ليست بشيء إلا تؤول بأنه لما كان من العالم الذي أريد به الخصوص أن بعض ما تناوله ظاهر اللفظ من الحكم مرفوع، وذلك بأن الله لا يأمر بإخلاف الوعد فكيف بنقض العهد. ولما نهى عن رد المهاجرات إلى المشركين وعبر بالكفار تعميماً، علل ذلك بقوله مقدماً حكمهن تشريفاً لهن لهجرتهن: {لا هن} أي الأزواج {حل} أي موضع حل ثابت {لهم} أي للكفار باستمتاع ولا غيره. ولما كان نفي الحل الثابت غير مانع من تجدد حل الرجال لهن ولو على تقدير من التقادير وفرض من الفروض، قال معيداً لذلك ومؤكداً لقطع العلاقة من كل جانب: {ولا هم} أي رجال الكفار {يحلون} أي يتجدد في وقت من الأوقات أن يحلوا {لهن} أي للمؤمنات حتى لو تصور أن يكون رجالهن نساء وهن ذكوراً ما حلوا لهن بخلاف أهل الكتاب، كذا تنفك الملازمة في مسألة المظاهرة والإيلاء فيحل للمرأة أن تستمتع به إذا كان نائماً مثلاً، وأما هو فيحرم عليه ذلك قبل التكفير، وقال البيضاوي: الأولى لحصول الفرقة، والثانية للمنع من الاستئناف - انتهى، فنفت هذه الجملة الفعلية من وجه تجدد الحل للنساء فأفهمت الجملتان عدم الحرج فيما كان قبل ذلك تطييباً لقلوب المؤمنات. ولما نهى عن الرد وعلله، أمر بما قدم من الإقساط إليهم فقال: {وآتوهم} أي الأزواج {ما أنفقوا} أي عليهن من المهور فإن المهر في نظير أصل العشرة ودوامها وقد فوتتها المهاجرة فلا يجمع عليه خسران الزوجية والمالية، وأما الكسوة والنفقة فإنها لما يتجدد من الزمان. ولما جزم بتأييد منعهن عن الكفار، أباحهن للمسلمين فقال على وجه الرفق واللطف: {ولا جناح} أي ميل وحرج {عليكم} أيها المشرفون بالخطاب {أن تنكحوهن} أي تجددوا زواجكم بهن بعد الاستبراء وإن كان أزواجهن من الكفار لم يطلقوهن لزوال العلق منهم عنهن ولأن الإسلام فرق بينهم فإنه لن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلاً. ولما كان قد أمر برد مهور الكفار، فكان ربما ظن أنه مغن عن تجديد مهر لهن إذا نكحهن المسلم نفى ذلك بقوله: {إذا آتيتموهن} أي لأجل النكاح {أجورهن} ولما قطع ما بين الكفار والمسلمات مع الإعراض عن الكفار لعصيانهم قطع ما بين المؤمنين والكافرات مع الإقبال عليهم لطاعتهم رفعاً لشأنهم فقال: {ولا} ولما كان إمساك المرأة مع عداوتها لمخالفتها في الدين دليلاً على غاية الرغبة فيها، دل على ذلك إشارة إلى التوبيخ بالتضعيف في قراءة البصريين فقال: {تمسكوا} أي بعدم التصريح في الطلاق {بعصم الكوافر} جمع عصمة وهي ما يديم علقة النكاح {واسألوا} أي أيها المؤمنون الذين هبت أزواجهم إلى الكفار {ما أنفقتم} أي من مهور نسائكم اللاتي اعتصمن عنكم بهم أو فررن إليهم. ولما أمر برد مهور المؤمنين إلى الكفار وأذن للمؤمنين في المطالبة بمهور أزواجهم، أذن للكفار في مثل ذلك إيقاعاً للقسط بين عباده مسلمهم وكافرهم معبراً بالأمر مع الغيبة إعراضاً عنهم إعلاماً بشدة كراهته سبحانه للظلم وأنه يستوي فيه الكافر مع عداوته بالمؤمن مع ولايته: {وليسألوا} أي الكفار {ما أنفقوا} أي من مهور أزواجهم اللاتي أسلمن واعتصمن بكم عنهم، وهل هذا الحكم باق، قال قوم: نعم، وقال عطاء ومجاهد وقتادة: نسخ فلا يعطي الكفار شيئاً ولو شرطنا الإعطاء. ولما كان هذا حكماً عدلاً لا يفعله مع عدوه ووليه إلا حكيم، قال مشيراً إلى مدحه ترغيباً فيه بميم الجمع إلى العموم: {ذلكم} أي الحكم الذي ذكر في هذه الآيات البعيدة بعلو الرتبة عن كل سفه {حكم الله} أي الملك الذي له صفات الكمال، فلا ينبغي لشائبة نقص أن يلحقه. ولما كان هذا مما يفرح به ويغنم عند تقدير فواته، قال مستأنفاً مبشراً بإدامة تجديد أمثاله لهم: {يحكم} أي الله أو حكمه على سبيل المبالغة، ودل على استغراق الحكم لجميع ما يعرض بين العباد وأنه سبحانه لم يهمل شيئاً منه بإعراء الجار من قوله: {بينكم} أي في هذا الوقت وفي غيره على هذا المنهاج البديع، وذلك لأجل الهدنة التي وقعت بين النبي صلى الله عليه وسلم وبينهم، وأما قبل الحديبية فكان النبي صلى الله عليه وسلم يمسك النساء ولا يرد الصداق. ولما كان التقدير: فالله حكم عدل، قال: {والله} أي الذي له الإحاطة التامة {عليم} أي بالغ العلم لا يخفى عليه شيء {حكيم *} أي فهو لتمام علمه يحكم كل أموره غاية الإحكام فلا يستطيع أحد نقض شيء منها.
اسماعيل حقي
تفسير : {انما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم فى الدين} واطفاء نوره {واخرجوكم من دياركم} وهم عتاة اهل مكة وجبابرتهم {وظاهروا على اخراجكم} وهم سائر اهلها، يعنى معاونت كردند وهم بشت شدند با اعادى {ان تولوهم} بدل اشتمال من الموصول اى انما ينهاكم عن أن تتولوهم والتولى دوستى داشتن باكسى {ومن يتولهم} وهركه دوست دارد ايشانرا {فاولئك هم الظالمون} لوضعهم الولاية فى موضع العداوة وهم الظالمون لأنفسهم بتعريضها للعذاب وحساب المتولى اكبر وفساد التولى اكثر ولذلك اورد كلمة الحصر تغليظا وجمع الخبر باعتبار معنى المبتدأ، بكسل زدوستان دغا باز وحيله ساز، يارى طلب كه طالب نقش بقابود، جعلنا الله واياكم من الذين يطلبون الباقى لا الفانى. يقول الفقير كان الظاهر من امر المقابلة فى الآيتين أن يقال فى الاولى ان تولوهم كما فى الثانية او يعكس ويقال فى الثانية أن تبروهم كما فى الاولى او يذكر كل منهما فى كل من الآيتين لكن الدلائل العقلية والشواهد النقلية دلت على ان موالاة الكافر غير جائزة مقاتلا كان او غيره بخلاف المبرة فانها جائزة لغير المقاتل غير جائزة للمقاتل كالموالاة فحيت اثبت المبرة بناء على امر ظاهر فى باب الصلة نفى الموالاة ضمنا وحيث نفى الموالاة نفى المبرة ضمنا وانما لم تجز المبرة للمقاتل لغاية عداوته ونهاية بغضه ان قيل ان الاحسان الى من اساء من اخلاق الابرار قلنا ان المبرة تقتضى الالفة فى الجملة والاحسان بقطع اللسان ويثلم السيف فيكون حائلا بين المجاهد والجهاد الحق وقد امر الله باعلاء الدين
اطفيش
تفسير : {إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِى الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا} أعانوا {عَلَى إِخْرَاجِكُمْ} وهم مردة قريش {أَن تَوَلَّوهُمْ} بدل اشتمال من الذين {وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُوْلَئِكَ} مراعاة لمعنى من {هُمُ الظَّالِمُونَ}. وعن الحسن: حديث : لم يزل رجل يهدي إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقام بهديه فقال له صلى الله عليه وسلم: "هل أسلمت؟" قال:لا قال: "فإنه لايحل لنا رفد المشركين ".
الالوسي
تفسير : {إِنَّمَا يَنْهَـٰكُمُ ٱللَّهُ عَنِ ٱلَّذِينَ قَـٰتَلُوكُمْ فِى ٱلدّينِ وَأَخْرَجُوكُم مّن دِيَـٰرِكُمْ وَظَـٰهَرُواْ عَلَىٰ إِخْرٰجِكُمْ } كمشركي مكة، فإن بعضهم سعوا في إخراج المؤمنين وبعضهم أعانوا المخرجين {أَن تَوَلَّوْهُمْ } بدل من الموصول بدل اشتمال أيضاً أي إنما ينهاكم سبحانه عن أن تتولوهم {وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُوْلَٰئِكَ هُمُ ٱلظَّـٰلِمُونَ } لوضعهم الولاية موضع العداوة؛ أو هم الظالمون لأنفسهم بتعريضها للعذاب. وفي الحصر من المبالغة ما لا يخفى.
ابن عاشور
تفسير : فذلك لما تقدم وحصْر لحكم الآية المتقدمة. وهي تؤذن بانتهاء الغرض المسوق له الكلام من أوله. والقصر المستفاد من جملة {إنما ينهاكم الله} إلى آخرها قصر قلب لرد اعتقاد من ظن أو شكَّ في جواز صلة المشركين على الإِطلاق. والذين تحققت فيهم هذه الصفات يوم نزول الآية هم مشركو أهل مكة، و{أن تولوهم} بدل اشتمال من {الذين قاتلوكم}. {ومن يتولهم} شرط، وجيء في جواب الشرط باسم الإِشارة لتمييز المشار إليهم زيادة في إيضاح الحكم. والمظاهرة: المعاونة. وذلك أن أهل مكة فريقان، منهم من يأتي بالأسباب التي لا يحتمل المسلمون معها البقاء بمكة، ومنهم من يعين على ذلك ويغري عليه. والقصر المستفاد من قوله: {فأولئك هم الظالمون} قصر ادعائي، أي أن ظلمهم لشدَّته ووقوعه بعد النهي الشديد والتنبيه على الأخطاء والعصيان ظلم لا يغفر لأنه اعتداء على حقوق الله وحقوق المسلمين وعلى حق الظالم نفسه.
د. أسعد حومد
تفسير : {يَنْهَاكُمُ} {قَاتَلُوكُمْ} {دِيَارِكُمْ} {ظَاهَرُواْ} {فَأُوْلَـٰئِكَ} {ٱلظَّالِمُونَ} (9) - إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللهُ عَنْ مُوَالاَةِ الكُفَّارِ الذِينَ نَاصَبُوكُمُ العِدَاءَ فِي الدِّينِ فَقَاتَلُوكُمْ، وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ وَدِيَارِكُمْ، وَأَعَانُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ، فَهَؤُلاَءِ يَنْهَاكُمُ اللهُ عَنْ مُوَالاَتِهِمْ، وَعَنْ اتَّخَاذِهِمْ أَنْصَاراً، وَيَأْمُرُكُمْ بِمُعَادَاتِهِمْ. وَيُؤَكِّدُ اللهُ تَعَالَى الوَعِيدَ عَلَى مُوَالاَتِهِمْ فِيُبَيِّنُ: أَنَّ الذِينَ يَتَوَلَّوْنَ هَؤُلاَءِ الكُفَّارَ المُؤْذِينَ هُمُ الظَّالِمُونَ لأَِنَّهُمْ خَالَفُوا أَمْرَ اللهِ فَوَالَوْا أَعْدَاءَهُ وَأَعْدَاءَهُمْ. ظَاهَرُوا - عَاوَنُوا. أَنْ تَوَلَّوْهُمْ - أَنْ تَتَّخِذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):