٦٠ - ٱلْمُمْتَحَنَة
60 - Al-Mumtahana (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
10
Tafseer
الرازي
تفسير : في نظم هذه الآيات وجه حسن معقول، وهو أن المعاند لا يخلو من أحد أحوال ثلاثة، إما أن يستمر عناده، أو يرجى منه أن يترك العناد، أو يترك العناد ويستسلم، وقد بين الله تعالى في هذه الآيات أحوالهم، وأمر المسلمين أن يعاملوهم في كل حالة على ما يقتضيه الحال. أما قوله تعالى: {أية : قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِى إِبْرٰهِيمَ وَٱلَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُواْ لِقَوْمِهِمْ إِنَّا برآء منكم } تفسير : [الممتحنة: 4] فهو إشارة إلى الحالة الأولى، ثم قوله: {أية : عَسَى ٱللَّهُ أَن يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ ٱلَّذِينَ عَادَيْتُم مّنْهُم مَّوَدَّةً } تفسير : [الممتحنة: 7] إشارة إلى الحالة الثانية، ثم قوله: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ إِذَا جَاءكُمُ ٱلْمُؤْمِنَـٰتُ } إشارة إلى الحالة الثالثة، ثم فيه لطيفة وتنبيه وحث على مكارم الأخلاق، لأنه تعالى ما أمر المؤمنين في مقابلة تلك الأحوال الثلاث بالجزاء إلا بالتي هي أحسن، وبالكلام إلا بالذي هو أليق. واعلم أنه تعالى سماهن مؤمنات لصدور ما يقتضي الإيمان وهو كلمة الشهادة منهن، ولم يظهر منهن ما هو المنافي له، أو لأنهن مشارفات لثبات إيمانهن بالامتحان والامتحان وهو الابتلاء بالحلف، والحلف لأجل غلبة الظن بإيمانهن، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول للممتحنة: «حديث : بالله الذي لا إله إلا هو ما خرجت من بغض زوج، بالله ما خرجت رغبة من أرض إلى أرض، بالله ما خرجت التماس دنيا، بالله ما خرجت إلا حباً لله ولرسوله» تفسير : وقوله: {ٱللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَـٰنِهِنَّ } منكم والله يتولى السرائر: {فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ } العلم الذي هو عبارة عن الظن الغالب بالحلف وغيره، {فَلاَ تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى ٱلْكُفَّارِ } أي تردوهن إلى أزواجهن المشركين، وقوله تعالى: {لاَ هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ وَلاَ هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ وَءاتُوهُم مَّا أَنفَقُواْ } أي أعطوا أزواجهن مثل ما دفعوا إليهن من المهور، وذلك أن الصلح عام الحديبية كان على أن من أتاكم من أهل مكة يرد إليهم، ومن أتى مكة منكم لم يرد إليكم، وكتبوا بذلك العهد كتاباً وختموه، فجاءت سبيعة بنت الحارث الأسلمية مسلمة والنبي صلى الله عليه وسلم بالحديبية، فأقبل زوجها مسافر المخزومي، وقيل: صيفي بن الراهب، فقال: يا محمد أردد علي امرأتي فإنك قد شرطت لنا شرطاً أن ترد علينا من أتاك منا، وهذه طية الكتاب لم تجف، فنزلت بياناً لأن الشرط إنما كان للرجال دون النساء. وعن الزهري أنه قال: إنها جاءت أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط وهي عاتق، فجاء أهلها يطلبون من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يرجعها إليهم، وكانت هربت من زوجها عمرو بن العاص ومعها أخواها عمارة والوليد، فرد رسول الله صلى الله عليه وسلم أخويها وحبسها فقالوا: أرددها علينا، فقال عليه السلام: «حديث : كان الشرط في الرجال دون النساء» تفسير : وعن الضحاك: أن العهد كان إن يأتك منا امرأة ليست على دينك إلا رددتها إلينا، وإن دخلت في دينك ولها زوج ردت على زوجها الذي أنفق عليها، وللنبي صلى الله عليه وسلم من الشرط مثل ذلك، ثم نسخ هذا الحكم وهذا العهد، واستحلفها الرسول عليه السلام فحلفت وأعطى زوجها ما أنفق، ثم تزوجها عمر، وقوله تعالى: {ولا جناح عليكم أن تنكحوهن إذا آتيتموهن أجورهن } أي مهورهن إذ المهر أجر البضع {وَلاَ تُمْسِكُواْ بِعِصَمِ ٱلْكَوَافِرِ } والعصمة ما يعتصم به من عهد وغيره، ولا عصمة بينكم وبينهن ولا علقة النكاح كذلك، وعن ابن عباس أن اختلاف الدارين يقطع العصمة، وقيل: لا تقعدوا للكوافر، وقرىء: {تمسكوا }، بالتخفيف والتشديد، و {تمسكوا } أي ولا تتمسكوا، وقوله تعالى: {واسألوا ما أنفقتم } وهو إذا لحقت امرأة منكم بأهل العهد من الكفار مرتدة فاسألوهم ما أنفقتم من المهر إذا منعوها ولم يدفعوها إليكم فعليهم أن يغرموا صداقها كما يغرم لهم وهو قوله تعالى: {وليسألوا ما أنفقوا ذلكم حكم الله يحكم بينكم } أي بين المسلمين والكفار وفي الآية مباحث: الأول: قوله: {فَٱمْتَحِنُوهُنَّ } أمر بمعنى الوجوب أو بمعنى الندب أو بغير هذا وذلك؟ قال الواحدي: هو بمعنى الاستحباب. الثاني: ما الفائدة في قوله: {ٱللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَـٰنِهِنَّ } وذلك معلوم من غير شك؟ نقول: فائدته بيان أن لا سبيل إلى ما تطمئن به النفس من الإحاطة بحقيقة إيمانهن، فإن ذلك مما استأثر به علام الغيوب. الثالث: ما الفائدة في قوله: {وَلاَ هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ } ويمكن أن يكون في أحد الجانبين دون الآخر؟ نقول: هذا باعتبار الإيمان من جانبهن ومن جانبهم إذ الإيمان من الجانبين شرط للحل ولأن الذكر من الجانبين مؤكد لارتفاع الحل، وفيه من الإفادة مالا يكون في غيره، فإن قيل: هب أنه كذلك لكن يكفي قوله: {فَلاَ تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى ٱلْكُفَّارِ } لأنه لا يحل أحدهما للآخر فلا حاجة إلى الزيادة عليه والمقصود هذا لا غير، نقول: التلفظ بهذا اللفظ لا يفيد ارتفاع الحل من الجانبين بخلاف التلفظ بذلك اللفظ وهذا ظاهر. البحث الرابع: كيف سمى الظن علماً في قوله: {فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ }؟ نقول: إنه من باب أن الظن الغالب وما يفضي إليه الاجتهاد، والقياس جار مجرى العلم، وأن صاحبه غير داخل في قوله: {أية : وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ } تفسير : [الإسراء: 36]. ثم قال تعالى:
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا جَآءَكُمُ ٱلْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَٱمْتَحِنُوهُنَّ} فيه ست عشرة مسألة: الأولى ـ: قوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا جَآءَكُمُ ٱلْمُؤْمِنَاتُ} لما أمر المسلمين بترك مولاة المشركين اقتضى ذلك مهاجرة المسلمين عن بلاد الشرك إلى بلاد الإسلام، وكان التناكح من أوْكد أسباب الموالاة؛ فبيّن أحكام مهاجرة النساء. قال ابن عباس: جرى الصلح مع مشركي قريش عام الْحُدَيْبِية، على أن من أتاه من أهل مكة ردّه إليهم، فجاءت سعيدة بنت الحارث الأسلميّة بعدَ الفراغ من الكتاب، والنبيّ صلى الله عليه وسلم بالحديبية بعدُ؛ فأقبل زوجها وكان كافراً ـ وهو صَيْفِيّ بن الراهب. وقيل: مسافر المخزومي ـ فقال: يا محمد، اردد عليّ امرأتي فإنك شرطت ذلك! وهذه طِينة الكتاب لم تَجِفّ بعدُ، فأنزل الله تعالى هذه الآية. وقيل: حديث : جاءت أمّ كُلْثُوم بنت عُقْبة بن أبي مُعَيْط، فجاء أهلها يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يردّها. وقيل: هربت من زوجها عمرو بن العاص ومعها أخواها عِمارة والوليد، فردّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أخَوْيها وحبسها، فقالوا للنبيّ صلى الله عليه وسلم: ردّها علينا للشرط، قال صلى الله عليه وسلم: «كان الشرط في الرجال لا في النساء» تفسير : فأنزل الله تعالى هذه الآية. وعن عروة قال: كان مما اشترط سُهيل بن عمرو على النبيّ صلى الله عليه وسلم يومَ الْحُدَيْبِيّة: ألاّ يأتيك منّا أحد وإن كان على دينك إلا رددتَه إلينا، حتى أنزل الله تعالى في المؤمنات ما أنزل؛ يومىء إلى أن الشرط في ردّ النساء نُسخ بذلك. وقيل: إن التي جاءت أمَيْمة بنت بشر، كانت عند ثابت بن الشِّمْراخ ففرّت منه وهو يومئذ كافر، فتزوّجها سَهْل بن حُنيف فولدت له عبد الله، قاله زيد بن حبيب. كذا قال الماورديّ: أميمة بنت بشر كانت عند ثابت بن الشِّمْراخ. وقال المهدويّ: وروى ابن وهب عن خالد أن هذه الآية نزلت في أُمَيْمَة بنت بشر من بني عمرو بن عوف. وهي امرأة حسّان بن الدَّحدَاح، وتزوّجها بعد هجرتها سَهل بن حُنيف. وقال مقاتل: إنها سعيدة زوجة صَيْفيِ بن الراهب مشرك من أهل مكة. والأكثر من أهل العلم أنها أم كلثوم بنت عُقبة. الثانية ـ: واختلف أهل العلم هل دخل النساء في عقد المهادنة لفظاً أو عموماً؛ فقالت طائفة منهم: قد كان شرط ردّهن في عقد المهادنة لفظاً صريحاً فنسخ الله ردّهن من العقد ومنع منه، وبَقّاه في الرجال على ما كان. وهذا يدل على أن للنبيّ صلى الله عليه وسلم أن يجتهد رأيه في الأحكام، ولكن لا يقرّه الله على خطأ. وقالت طائفة من أهل العلم: لم يشترط ردّهن في العقد لفظاً، وإنما أطلق العقد في ردّ من أسلم؛ فكان ظاهر العموم اشتماله عليهن مع الرجال. فبيّن الله تعالى خروجهنّ عن عمومه. وفرّق بينهنّ وبين الرجال لأمرين: أحدهما ـ أنهنّ ذوات فروج يحرمن عليهم. الثاني ـ أنهنّ أرقّ قلوباً وأسرع تقلّباً منهم. فأما المقيمة منهنّ على شركها فمردودة عليهم. الثالثة ـ: قوله تعالى: {فَٱمْتَحِنُوهُنَّ} قيل: إنه كان من أرادت منهنّ إضرار زوجها فقالت: سأهاجر إلى محمد صلى الله عليه وسلم؛ فلذلك أمر صلى الله عليه وسلم بامتحانهنّ. واختلف فيما كان يمتحنهنّ به على ثلاثة أقوال: الأوّل ـ: قال ابن عباس: كانت الْمِحنَة أن تُستحلف بالله أنها ما خرجت من بغض زوجها، ولا رغبةً من أرض إلى أرض، ولا التماس دنيا، ولا عشقاً لرجل منَّا؛ بل حُبّاً لله ولرسوله. فإذا حلفت بالله الذي لا إلٰه إلا هو على ذلك، أعطى النبيّ صلى الله عليه وسلم زوجها مهرها وما أنفق عليها ولم يردّها؛ فذلك قوله تعالى: {فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلاَ تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى ٱلْكُفَّارِ لاَ هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ وَلاَ هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ}. الثاني ـ: أن المحنة كانت أن تشهد أن لا إلٰه إلا الله وأن محمداً رسول الله؛ قاله ابن عباس أيضاً. الثالث ـ: بما بيّنه في السورة بعدُ من قوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ إِذَا جَآءَكَ ٱلْمُؤْمِنَاتُ} قالت عائشة رضي الله عنها: ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يمتحن إلا بالآية التي قال الله: {إِذَا جَآءَكَ ٱلْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ} رواه مَعْمَر عن الزُّهْرِي عن عائشة. خرّجه الترمذي وقال: هذا حديث حسن صحيح. الرابعة ـ: أكثر العلماء على أن هذا ناسخ لما كان عليه الصلاة والسلام عاهد عليه قريشاً، مِن أنه يردّ إليهم من جاءه منهم مسلماً؛ فنُسِخ من ذلك النساء. وهذا مذهب من يرى نسخ السنة بالقرآن. وقال بعض العلماء: كله منسوخ في الرجال والنساء، ولا يجوز أن يهادن الإمامُ العدوّ على أن يردّ إليهم من جاءه مسلماً، لأن إقامة المسلم بأرض الشرك لا تجوز. وهذا مذهب الكوفيين. وعقد الصلح على ذلك جائز عند مالك. وقد احتج الكوفيون لما ذهبوا إليه من ذلك بحديث إسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم عن خالد بن الوليد: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثه إلى قوم من خَثْعَم فاعتصموا بالسجود فقتلهم، فَوَداهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بنصف الدّية، وقال «حديث : أنا بريء من كل مسلم أقام مع مشرك في دار الحرب لا تَراءَى نارُهما» تفسير : قالوا: فهذا ناسخ لردّ المسلمين إلى المشركين، إذ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد برىء ممن أقام معهم في دار الحرب. ومذهب مالك والشافعي أن هذا الحكم غير منسوخ. قال الشافعيّ: وليس لأحد هذا العقد إلا الخليفة أو رجل يأمره، لأنه يَليِ الأموال كلها. فمن عقد غير الخليفة هذا العقد فهو مردود. الخامسة ـ: قوله تعالى: {ٱللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ} أي هذا الإمتحان لكم، والله أعلم بإيمانهن، لأنه مُتَوَلِّي السرائر. {فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ} أي بما يظهر من الإيمان. وقيل: إن علمتموهنّ مؤمنات قبل الامتحان {فَلاَ تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى ٱلْكُفَّارِ لاَ هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ وَلاَ هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ} أي لم يحِلّ الله مؤمنة لكافر، ولا نكاح مؤمن لمشركة. وهذا أدَلّ دليل على أن الذي أوجب فرقة المسلمة من زوجها إسلامُها لا هجرتها. وقال أبو حنيفة: الذي فرّق بينهما هو اختلاف الدارين. وإليه إشارة في مذهب مالك بل عبارة. والصحيح الأول، لأن الله تعالى قال: {لاَ هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ وَلاَ هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ} فبيّن أن العلة عدم الحِلّ بالإسلام وليس باختلاف الدار. والله أعلم. وقال أبو عمر: لا فرق بين الدارين لا في الكتاب و لا في السنة ولا في القياس، وإنما المراعاة في ذلك الدينان، فباختلافهما يقع الحكم وباجتماعهما، لا بالدار. والله المستعان. السادسة ـ: قوله تعالى: {وَآتُوهُم مَّآ أَنفَقُواْ} أمر الله تعالى إذا أُمسِكت المرأة المسلمة أن يُرَدّ على زوجها ما أنفق، وذلك من الوفاء بالعهد، لأنه لما مُنع من أهله بحرمة الإسلام، أمر برد المال (إليه) حتى لا يقع عليهم خسران من الوجهين: الزوجة والمال. السابعة ـ: ولا غُرْمَ إلا إذا طالب الزوج الكافر، فإذا حضر وطالب منعناها وغرمنا. فإن كانت ماتت قبل حضور الزوج لم نَغرَم المهر إذ لم يتحقق المنع. وإن كان المسمَّى خمراً أو خنزيراً لم نَغْرَم شيئاً، لأنه لا قيمة له. وللشافعيّ في هذه الآية قولان: أحدهما ـ أن هذا منسوخ. قال الشافعيّ: وإذا جاءتنا المرأة الحرّة من أهل الهُدنَة مسلمة مهاجرة من دار الحرب إلى الإمام في دار السلام أو في دار الحرب، فمن طلبها مِن وَلِيٍّ سِوَى زوجها مُنع منها بلا عِوَض. وإذا طلبها زوجها لنفسه أو غيره بوكالته ففيه قولان: أحدهما ـ يعطي العِوض، والقول ما قال الله عز وجل. وفيه قول آخر ـ أنه لا يعطي الزوج المشرك الذي جاءت زوجته مسلمة العِوض. فإن شرط الإمامُ ردّ النساء كان الشرط ورسول الله صلى الله عليه وسلم ألا يرد النساء كان شرط من شرط ردّ النساء منسوخاً وليس عليه عِوض، لأن الشرط المنسوخ باطل ولا عوض للباطل. الثامنة ـ: أمر الله تعالى بردّ مثل ما أنفقوا إلى الأزواج، وأن المخاطب بهذا الإمامُ، ينفذ مما بين يديه من بيت المال الذي لا يتعيّن له مصرف. وقال مقاتل: يردّ المهر الذي يتزوّجها من المسلمين، فإن لم يتزوجها من المسلمين أحد فليس لزوجها الكافر شيء. وقال قتادة: الحكم في ردّ الصداق إنما هو في نساء أهل العهد؛ فأما من لا عهد بينه وبين المسلمين فلا يردّ إليهم الصداق. والأمر كما قاله. التاسعة ـ: قوله تعالى: {وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَن تَنكِحُوهُنَّ} يعني إذا أسلمن وانقضت عدتهنّ؛ لما ثبت من تحريم نكاح المشركة والمعتدّة. فإن أسلمت قبل الدخول ثبت النكاح في الحال ولها التزوّج. العاشرة ـ: قوله تعالى: {إِذَآ آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ} أباح نكاحها بشرط المهر؛ لأن الإسلام فرّق بينها وبين زوجها الكافر. الحادية عشرة ـ: قوله تعالى: {وَلاَ تُمْسِكُواْ بِعِصَمِ ٱلْكَوَافِرِ} قراءة العامة بالتخفيف من الإمساك. وهو اختيار أبي عبيد؛ لقوله تعالى: {أية : فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ} تفسير : [البقرة:231]. وقرأ الحسن وأبو العالية وأبو عمرو «وَلاَ تُمَسِّكُوا» مشدّدة من التمسك. يقال: مَسَّك يمسّك تمسُّكاً؛ بمعنى أمسك يُمسك. وقرىء «وَلاَتَمَسكوا» بنصب التاء؛ أي لا تتمسكوا. والعِصَم جمع العِصْمة؛ وهو ما اعتصم به. والمراد بالعصمة هنا النكاح. يقول: من كانت له امرأة كافرة بمكة فلا يعتدّ بها، فليست له امرأة، فقد انقطعت عصمتها لاختلاف الدارين. وعن النَّخَعِيّ: هي المسلمة تلحق بدار الحرب فتكفر؛ وكان الكفار يتزوّجون المسلمات والمسلمون يتزوجون المشركات؛ ثم نسخ ذلك في هذه الآية. فطلق عمر بن الخطاب حينئذٍ امرأتين له بمكة مشركتين: قُرَيبة بنت أبي أمية فتزوجها معاوية بن أبي سفيان وهما على شركهما بمكة. وأمّ كُلْثوم بنت عمرو الخُزَاعِيّة أم عبد الله بن المغيرة؛ فتزوجها أبو جَهم بن حُذافة وهما على شركهما. فلما وَلِيَ عمر قال أبو سفيان لمعاوية: طلّق قُرَيبة لئلا يرى عمر سلَبَه في بيتك، فأبى معاوية من ذلك. وكانت عند طلحة بن عبيد الله أرْوَى بنت ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب ففرق الإسلام بينهما، ثم تزوجها في الإسلام خالد بن سعيد بن العاص، وكانت ممن فرّ إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم من نساء الكفار، فحبسها وزوّجها خالداً. وزوّج النبيّ صلى الله عليه وسلم زينب ابنته ـ وكانت كافرة ـ من أبي العاص بن الربيع، ثم أسلمت وأسلم زوجها بعدها. ذَكر عبد الرزاق عن ابن جُريج عن رجل عن ابن شهاب قال: أسلمت زينب بنت النبيّ صلى الله عليه وسلم وهاجرت بعد النبيّ صلى الله عليه وسلم في الهجرة الأولى، وزوجها أبو العاص بن الربيع عبد العُزَّى مشرك بمكة. الحديث، وفيه: أنه أسلم بعدها. وكذلك قال الشعبي. قال الشَّعْبي: وكانت زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم امرأة أبي العاص بن الربيع، فأسلمت ثم لحقت بالنبيّ صلى الله عليه وسلم، ثم أتى زوجها المدينة فأمّنته فأسلم فردّها عليه النبيّ صلى الله عليه وسلم. وقال أبو داود عن عكرمة عن ابن عباس: بالنكاح الأول؛ ولم يحدث شيئاً. قال محمد بن عمر في حديثه: بعد ست سنين. وقال الحسن بن عليّ: بعد سنتين. قال أبو عمر: فإن صح هذا فلا يخلو من وجهين: إما أنها لم تحض حتى أسلم زوجها، وإما أن الأمر فيها منسوخ بقول الله عز وجل: {أية : وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ} تفسير : [البقرة:228] يعني في عدّتهنّ. وهذا ما لاخلاف فيه بين العلماء أنه عنى به العدة. وقال ابن شهاب الزهري رحمه الله في قصة زينب هذه: كان قبل أن تنزل الفرائض. وقال قتادة: كان هذا قبل أن تنزل سورة «براءة» بقطع العهود بينهم وبين المشركين. والله أعلم. الثانية عشرة ـ: قوله تعالى: {بِعِصَمِ ٱلْكَوَافِرِ} المراد بالكوافر هنا عبدة الأوثان مَن لا يجوز ابتداءً نكاحها، فهي خاصة بالكوافر من غير أهل الكتاب. وقيل: هي عامة، نسخ منها نساء أهل الكتاب. ولو كان إلى ظاهر الآية لم تحل كافرة بوجه. وعلى القول الأول إذا أسلم وثَنيّ أو مجوسيّ ولم تُسلم امرأته فرّق بينهما. وهذا قول بعض أهل العلم. ومنهم من قال: ينتظر بها تمام العدة. فمن قال يفرّق بينهما في الوقت ولا ينتظر تمام العدة إذا عرض عليها الإسلام ولم تُسلم ـ مالكُ بن أنس. وهو قول الحسن وطاوس ومجاهد وعطاء وعكرمة وقتادة والحَكَم، واحتجوا بقوله تعالى: {وَلاَ تُمْسِكُواْ بِعِصَمِ ٱلْكَوَافِرِ}. وقال الزهري: ينتظر بها العدّة. وهو قول الشافعي وأحمد. واحتجوا بأن أبا سفيان بن حرب أسلم قبل هند بنت عتبة امرأته، وكان إسلامه بمرّ الظَّهْران ثم رجع إلى مكة وهند بها كافرة مقيمة على كفرها، فأخذت بلحيته وقالت: اقتلوا الشيخ الضّال. ثم أسلمت بعده بأيام، فاستقرّا على نكاحهما لأن عدتها لم تكن انقضت. قالوا: ومثله حكيم بن حِزام أسلم قبل امرأته، ثم أسلمت بعده فكانا على نكاحهما. قال الشافعي: ولا حجة لمن احتج بقوله تعالى: {وَلاَ تُمْسِكُواْ بِعِصَمِ ٱلْكَوَافِرِ} لأن نساء المسلمين محرّمات على الكفار؛ كما أن المسلمين لا تحل لهم الكوافر والوثنيات ولا المجوسيات بقول الله عز وجل: {لاَ هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ وَلاَ هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ} ثم بيّنت السنة أن مراد الله من قوله هذا أنه لا يحل بعضهم لبعض إلا أن يسلم الباقي منهما في العدة. وأما الكوفيون وهم سفيان وأبو حنيفة وأصحابه فإنهم قالوا في الكافرين الذّمييّن: إذا أسلمت المرأة عُرِض على الزوج الإسلام، فإن أسلم وإلا فُرّق بينهما. قالوا: ولو كانا حربيين فهي امرأته حتى تحيض ثلاث حيض إذا كانا جميعاً في دار الحرب أو في دار الإسلام. وإن كان أحدهما في دار الإسلام والآخر في دار الحرب انقطعت العصمة بينهما فراعوا الدار؛ وليس بشيء. وقد تقدم. الثالثة عشرة ـ: هذا الاختلاف إنما هو في المدخول بها، فإن كانت غير مدخول بها فلا نعلم اختلافاً في انقطاع العصمة بينهما؛ إذ لا عِدّة عليها. كذا يقول مالك في المرأة ترتد وزوجها مسلم: انقطعت العصمة بينهما. وحجته {وَلاَ تُمْسِكُواْ بِعِصَمِ ٱلْكَوَافِرِ} وهو قول الحسن البصري والحسن بن صالح بن حَيّ. ومذهب الشافعي وأحمد أنه ينتظر بها تمام العدة. الرابعة عشرة ـ: فإن كان الزوجان نصرانيين فأسلمت الزوجة ففيها أيضاً اختلاف. ومذهب مالك وأحمد والشافعي الوقوف إلى تمام العدة. وهو قول مجاهد. وكذا الوَثَني تُسلم زوجته، إنه إن أسلم في عدتها فهو أحق بها؛ كما كان صَفْوان بن أمَيّة وعِكْرمة بن أبي جهل أحق بزوجتيهما لما أسلما في عدّتيهما؛ على حديث ابن شهاب. ذكره مالك في الموطأ. قال ابن شهاب: كان بين إسلام صفوان وبين إسلام زوجته نحو من شهر. قال ابن شهاب: ولم يبلغنا أن امرأة هاجرت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وزوجها كافر مقيم بدار الحرب إلا فرقت هجرتها بينه وبينها؛ إلا أن يقدم زوجها مهاجراً قبل أن تنقضي عدتها. ومن العلماء من قال: ينفسخ النكاح بينهما. قال يزيد بن علقمة: أسلم جدّي ولم تُسلم جدّتي ففرّق عمر رضي الله عنه بينهما؛ وهو قول طاوس. وجماعة غيره منهم عطاء والحسن وعكرمة قالوا: لا سبيل عليها إلا بخطبة. الخامسة عشرة ـ: قوله تعالى: {وَاسْأَلُواْ مَآ أَنفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلُواْ مَآ أَنفَقُواْ} قال المفسرون: كان من ذهب من المسلمات مرتدات إلى الكفار من أهل العهد يقال للكفار: هاتوا مهرها. ويقال للمسلمين إذا جاء أحد من الكافرات مسلمة مهاجرة: ردّوا إلى الكفار مهرها. وكان ذلك نَصَفاً وعدلاً بين الحالتين. وكان هذا حكم الله مخصوصاً بذلك الزمان في تلك النازلة خاصة بإجماع الأمة؛ قاله ابن العربيّ. السادسة عشرة ـ: قوله تعالى: {ذَلِكُمْ حُكْمُ ٱللَّهِ} أي ما ذكر في هذه الآية. {يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} تقدم في غير موضع.
ابن كثير
تفسير : تقدم في سورة الفتح في ذكر صلح الحديبية الذي وقع بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين كفار قريش، فكان فيه: على أن لا يأتيك منا رجل، وإن كان على دينك، إلا رددته إلينا، وفي رواية: على أنه لا يأتيك منا أحد، وإن كان على دينك، إلا رددته إلينا، وهذا قول عروة والضحاك وعبد الرحمن بن زيد والزهري ومقاتل بن حيان والسدي، فعلى هذه الرواية تكون هذه الآية مخصصة للسنة، وهذا من أحسن أمثلة ذلك، وعلى طريقة بعض السلف ناسخة، فإن الله عز وجل أمر عباده المؤمنين إذا جاءهم النساء مهاجرات أن يمتحنوهن، فإن علموهن مؤمنات، فلا يرجعوهن إلى الكفار، لا هن حل لهم، ولا هم يحلون لهن. وقد ذكرنا في ترجمة عبد الله بن أبي أحمد بن جحش من المسند الكبير من طريق أبي بكر بن أبي عاصم عن محمد بن يحيى الذهلي عن يعقوب بن محمد عن عبد العزيز بن عمران عن مجمع بن يعقوب عن حنين بن أبي أبانة عن عبد الله بن أبي أحمد قال: هاجرت أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط في الهجرة، فخرج أخواها عمارة والوليد حتى قدما على رسول الله صلى الله عليه وسلم فكلماه فيها أن يردها إليهما، فنقض الله العهد بينه وبين المشركين في النساء خاصة، فمنعهم أن يردوهن إلى المشركين، وأنزل الله آيات الامتحان. قال ابن جرير: حدثنا أبو كريب، حدثنا يونس بن بكير عن قيس بن الربيع عن الأغر بن الصباح عن خليفة بن حصين عن أبي نصر الأسدي قال: سئل ابن عباس: كيف كان امتحان رسول الله صلى الله عليه وسلم النساء؟ قال: كان يمتحنهن بالله ما خرجت من بغض زوج، وبالله ما خرجت رغبة عن أرض إلى أرض، وبالله ما خرجت التماس دنيا، وبالله ما خرجت إلا حباً لله ولرسوله. ثم رواه من وجه آخر عن الأغر بن الصباح به، وكذا رواه البزار من طريقه، وذكر فيه أن الذي كان يحلفهن عن أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم له عمر بن الخطاب. وقال العوفي عن ابن عباس في قوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا جَآءَكُمُ ٱلْمُؤْمِنَـٰتُ مُهَـٰجِرَٰتٍ فَٱمْتَحِنُوهُنَّ} كان امتحانهن أن يشهدن أن لا إله إلا الله، وأن محمداً عبد الله ورسوله. وقال مجاهد: {فَٱمْتَحِنُوهُنَّ} فاسألوهن عما جاء بهن، فإذا كان جاء بهن غضب على أزواجهن، أو سخطة، أو غيره، ولم يؤمنَّ، فارجعوهن إلى أزواجهن. وقال عكرمة: يقال لها: ما جاء بك إلا حب الله ورسوله، وما جاء بك عشق رجل منا، ولا فرار من زوجك، فذلك قوله: {فَٱمْتَحِنُوهُنَّ} وقال قتادة: كانت محنتهن أن يستحلفن بالله ما أخرجكن النشوز، وما أخرجكن إلا حب الإسلام وأهله وحرص عليه، فإذا قلن ذلك، قبل ذلك منهن. وقوله تعالى: {فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَـٰتٍ فَلاَ تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى ٱلْكُفَّارِ} فيه دلالة على أن الإيمان يمكن الاطلاع عليه يقيناً. وقوله تعالى: {لاَ هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ وَلاَ هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ} هذه الآية هي التي حرمت المسلمات على المشركين، وقد كان جائزاً في ابتداء الإسلام أن يتزوج المشرك المؤمنة، ولهذا كان أبو العاص بن الربيع زوج ابنة النبي صلى الله عليه وسلم زينب رضي الله عنها، قد كانت مسلمة، وهو على دين قومه، فلما وقع في الأسارى يوم بدر، بعثت امرأته زينب في فدائه بقلادة لها كانت لأمها خديجة، فلما رآها رسول الله صلى الله عليه وسلم رق لها رقة شديدة، وقال للمسلمين: «حديث : إن رأيتم أن تطلقوا لها أسيرها فافعلوا» تفسير : ففعلوا، فأطلقه رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن يبعث ابنته إليه، فوفى له بذلك، وصدقه فيما وعده، وبعثها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم مع زيد بن حارثة رضي الله عنه، فأقامت بالمدينة من بعد وقعة بدر. وكانت سنة اثنتين، إلى أن أسلم زوجها أبو العاص بن الربيع سنة ثمان، فردها عليه بالنكاح الأول، ولم يحدث لها صداقاً. كما قال الإمام أحمد: حدثنا يعقوب، حدثنا أبي، حدثنا ابن إسحاق، حدثنا داود بن الحصين عن ابن عباس: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رد ابنته زينت على أبي العاص، وكانت هجرتها قبل إسلامه بست سنين، على النكاح الأول، ولم يحدث شهادة ولا صداقاً. ورواه أبو داود والترمذي وابن ماجه، ومنهم من يقول: "بعد سنتين"، وهو صحيح، لأن إسلامه كان بعد تحريم المسلمات على المشركين بسنتين، وقال الترمذي: "ليس بإسناده بأس، ولا نعرف وجه هذا الحديث، ولعله جاء من حفظ داود بن الحصين، وسمعت عبد بن حميد يقول: سمعت يزيد بن هارون يذكر عن ابن إسحاق هذا الحديث، وحديث ابن الحجاج، يعني: ابن أرطاة عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ردّ ابنته على أبي العاص بن الربيع بمهر جديد ونكاح جديد، فقال يزيد: حديث ابن عباس أجود إسناداً، والعمل على حديث عمرو بن شعيب"، ثم قلت: وقد روى حديث الحجاج بن أرطاة عن عمرو بن شعيب الإمام أحمد والترمذي وابن ماجه، وضعفه الإمام أحمد وغير واحد، والله أعلم. وأجاب الجمهور عن حديث ابن عباس بأن ذلك كان قضية عين، يحتمل أنه لم تنقض عدتها منه؛ لأن الذي عليه الأكثرون أنها متى انقضت العدة، ولم يسلم، انفسخ نكاحها منه. وقال آخرون: بل إذا انقضت العدة، هي بالخيار، إن شاءت أقامت على النكاح واستمرت، وإن شاءت فسخته وذهبت فتزوجت، وحملوا عليه حديث ابن عباس، والله أعلم. وقوله تعالى: {وَءَاتُوهُم مَّآ أَنفَقُواْ} يعني: أزواج المهاجرات من المشركين، ادفعوا إليهم الذي غرموه عليهن من الأصدقة، قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة والزهري وغير واحد. وقوله تعالى: {وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَن تَنكِحُوهُنَّ إِذَآ ءَاتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ} يعني: إذا أعطيتموهن أصدقتهن، فانكحوهن، أي: تزوجوهن بشرطه؛ من انقضاء العدة، والولي، وغير ذلك. وقوله تعالى: {وَلاَ تُمْسِكُواْ بِعِصَمِ ٱلْكَوَافِرِ} تحريم من الله، عز وجل، على عباده المؤمنين نكاح المشركات والاستمرار معهن. وفي الصحيح عن الزهري، عن عروة، عن المسور ومروان بن الحكم: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما عاهد كفار قريش يوم الحديبية، جاءه نساء من المؤمنات، فأنزل الله عز وجل: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا جَآءَكُمُ ٱلْمُؤْمِنَـٰتُ مُهَـٰجِرَٰتٍ} - إلى قوله - {وَلاَ تُمْسِكُواْ بِعِصَمِ ٱلْكَوَافِرِ} فطلق عمر بن الخطاب يومئذ امرأتين، تزوج إحداهما معاوية بن أبي سفيان، والأخرى صفوان بن أمية. وقال ابن ثور، عن مَعْمر، عن الزهري: أنزلت هذه الآية على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو بأسفل الحديبية حين صالحهم، على أنه من أتاه منهم، رده إِليهم، فلما جاء النساء، نزلت هذه الآية، وأمره أن يرد الصداق إلى أزواجهن، وحكم على المشركين مثل ذلك إذا جاءتهم امرأة من المسلمين أن يردوا الصداق إلى أزواجهن، وقال: {وَلاَ تُمْسِكُواْ بِعِصَمِ ٱلْكَوَافِرِ}. وهكذا قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وقال: وإنما حكم الله بينهم بذلك؛ لأجل ما كان بينهم وبينهم من العهد. وقال محمد بن إسحاق عن الزهري: طلق عمر يومئذ قريبة بنت أبي أمية بن المغيرة، فتزوجها معاوية، وأم كلثوم بنت عمرو بن جرول الخزاعية، وهي أم عبيد الله، فتزوجها أبو جهم بن حذيفة بن غانم، رجل من قومه، وهما على شركهما، وطلق طلحة بن عبيد الله أروى بنت ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب، فتزوجها بعده خالد بن سعد بن العاص. وقوله تعالى: {وَاسْـأَلُواْ مَآ أَنفَقْتُمْ وَلْيَسْـأَلُواْ مَآ أَنفَقُواْ} أي: وطالبوا بما أنفقتم على أزواجكم اللاتي يذهبن إلى الكفار، إن ذهبن، وليطالبوا بما أنفقوا على أزواجهم اللاتي هاجرن إلى المسلمين. وقوله تعالى: {ذَلِكُمْ حُكْمُ ٱللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ} أي: في الصلح، واستثناء النساء منه، والأمر بهذا كله هو حكم الله، يحكم به بين خلقه {وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} أي: عليم بما يصلح عباده، حكيم في ذلك. ثم قال تعالى: {وَإِن فَاتَكُمْ شَىْءٌ مِّنْ أَزْوَٰجِكُمْ إِلَى ٱلْكُفَّـٰرِ فَعَـٰقَبْتُمْ فَآتُواْ ٱلَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَٰجُهُمْ مِّثْلَ مَآ أَنفَقُواْ} قال مجاهد وقتادة: هذا في الكفار الذين ليس لهم عهد، إذا فرت إليهم امرأة، ولم يدفعوا إلى زوجها شيئاً، فإذا جاءت منهم امرأة، لا يدفع إلى زوجها شيء، حتى يدفع إلى زوج الذاهبة إليهم مثل نفقته عليها. وقال ابن جرير: حدثنا يونس، حدثنا ابن وهب أخبرني يونس عن الزهري قال: أقر المؤمنون بحكم الله، فأدوا ما أمروا به من نفقات المشركين التي أنفقوا على نسائهم، وأبى المشركون أن يقروا بحكم الله فيما فرض عليهم من أداء نفقات المسلمين، فقال الله تعالى للمؤمنين به: {وَإِن فَاتَكُمْ شَىْءٌ مِّنْ أَزْوَٰجِكُمْ إِلَى ٱلْكُفَّـٰرِ فَعَـٰقَبْتُمْ فَآتُواْ ٱلَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَٰجُهُمْ مِّثْلَ مَآ أَنفَقُواْ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ٱلَّذِىۤ أَنتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ}. فلو أنها ذهبت بعد هذه الآية امرأة من أزواج المؤمنين إلى المشركين، رد المؤمنون إلى زوجها النفقة التي أنفق عليهامن العقب الذي بأيديهم الذي أمروا أن يردوه على المشركين من نفقاتهم التي أنفقوا على أزواجهم اللاتي آمن وهاجرن. ثم ردوا إلى المشركين فضلاً إن كان بقي لهم، والعقب ما كان بقي من صداق نساء الكفار حين آمن وهاجرن، وقال العوفي عن ابن عباس في هذه الآية، يعني: إن لحقت امرأة رجل من المهاجرين بالكفار، أمر له رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه يعطى مثل ما أنفق من الغنيمة. وهكذا قال مجاهد {فَعَـٰقَبْتُمْ} أصبتم غنيمة من قريش أو غيرهم، {فَآتُواْ ٱلَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَٰجُهُمْ مِّثْلَ مَآ أَنفَقُواْ} يعني: مهر مثلها. وهكذا قال مسروق وإبراهيم وقتادة ومقاتل والضحاك وسفيان بن حسين والزهري أيضاً. وهذا لا ينافي الأول؛ لأنه إن أمكن الأول، فهو الأولى، وإلا فمن الغنائم اللاتي تؤخذ من أيدي الكفار، وهذا أوسع، وهو اختيار ابن جرير، ولله الحمد والمنة.
المحلي و السيوطي
تفسير : {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا جَاءَكُمُ ٱلْمُؤْمِنَٰتُ } بألْسُنِهِنَّ {مُهَٰجِرٰتٍ } من الكفار بعد الصلح معهم في الحديبية على أن من جاء منهم إلى المؤمنين يُرَدُّ {فَٱمْتَحِنُوهُنَّ } بالحلف أنهنّ ما خرجن إلا رغبة في الإِسلام لا بغضاً لأزواجهنّ الكفار ولا عشقا لرجال من المسلمين كذا كان صلى الله عليه وسلم يحلفهن {ٱللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَٰنِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ } ظننتموهنّ بالحلف {مُؤْمِنَٰتٍ فَلاَ تَرْجِعُوهُنَّ } تردّوهنّ {إِلَى ٱلْكُفَّارِ لاَهُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ وَلاَهُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ وَءَاتُوهُم} أي أعطوا الكفار أزواجهنّ {مَّا أَنفَقُواْ } عليهنّ من المهور {وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَن تَنكِحُوهُنَّ } بشرطه {إِذَا ءَاتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ} مهورهنّ {وَلاَ تُمْسِكُواْ } بالتشديد والتخفيف {بِعِصَمِ ٱلْكَوَافِرِ } زوجاتكم لقطع إسلامكم لها بشرطه أو اللاحقات بالمشركين مرتدات لقطع ارتدادهنّ نكاحكم بشرطه {وَسْئَلُواْ} اطلبوا {مَا أَنفَقْتُم } عليهنّ من المهور في صورة الارتداد ممن تزوجن من الكفار {وَلْيسْئَلُواْ مَا أَنْفَقُواْ } على المهاجرات كما تقدم أنهم يؤتونه {ذَلِكُمْ حُكْمُ ٱللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ } به {وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ }.
الشوكاني
تفسير : لما ذكر سبحانه حكم فريقي الكافرين في جواز البرّ، والإقساط للفريق الأوّل دون الفريق الثاني ذكر حكم من يظهر الإيمان، فقال: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ إِذَا جَاءكُمُ ٱلْمُؤْمِنَـٰتُ مُهَـٰجِرٰتٍ } من بين الكفار، وذلك أن النبيّ صلى الله عليه وسلم لما صالح قريشاً يوم الحديبية على أن يردّ عليهم من جاءهم من المسلمين، فلما هاجر إليه النساء أبى الله أن يرددن إلى المشركين، وأمر بامتحانهنّ فقال: {فَٱمْتَحِنُوهُنَّ } أي: فاختبروهنّ. وقد اختلف فيما كان يمتحنّ به، فقيل: كان يستحلفهن بالله ما خرجن من بغض زوج، ولا رغبة من أرض إلى أرض، ولا لالتماس دنيا بل حباً لله ولرسوله، ورغبة في دينه، فإذا حلفت كذلك أعطى النبيّ صلى الله عليه وسلم زوجها مهرها، وما أنفق عليها، ولم يردّها إليه، وقيل: الامتحان هو أن تشهد أن لا إلٰه إلاّ الله، وأن محمداً رسول الله، وقيل: ما كان الامتحان إلاّ بأن يتلو عليهنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم الآية، وهي {يأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ إِذَا جَاءكَ ٱلْمُؤْمِنَـٰتُ } إلى آخرها. واختلف أهل العلم هل دخل النساء في عهد الهدنة أم لا؟ على قولين، فعلى القول بالدخول تكون هذه الآية مخصصة لذلك العهد، وبه قال الأكثر. وعلى القول بعدمه لا نسخ، ولا تخصيص. {ٱللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَـٰنِهِنَّ } هذه الجملة معترضة لبيان أن حقيقة حالهنّ لا يعلمها إلاّ الله سبحانه، ولم يتعبدكم بذلك، وإنما تعبدكم بامتحانهنّ حتى يظهر لكم ما يدلّ على صدق دعواهنّ في الرغوب في الإسلام {فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَـٰتٍ } أي: علمتم ذلك بحسب الظاهر بعد الامتحان الذي أمرتم به {فَلاَ تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى ٱلْكُفَّارِ } أي: إلى أزواجهنّ الكافرين، وجملة {لاَ هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ وَلاَ هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ } تعليل للنهي عن إرجاعهنّ. وفيه دليل على أن المؤمنة لا تحلّ لكافر، وأن إسلام المرأة يوجب فرقتها من زوجها لا مجرّد هجرتها، والتكرير لتأكيد الحرمة، أو الأوّل لبيان زوال النكاح، والثاني لامتناع النكاح الجديد {وآتوهم ما أنفقوا} أي: وأعطوا أزواج هؤلاء اللاتي هاجرن وأسلمن مثل ما أنفقوا عليهنّ من المهور. قال الشافعي: وإذا طلبها غير الزوج من قراباتها منع منها بلا عوض. {وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَن تَنكِحُوهُنَّ } لأنهنّ قد صرن من أهل دينكم {إذا آتيتموهنّ أجورهنّ} أي: مهورهنّ، وذلك بعد انقضاء عدّتهنّ، كما تدلّ عليه أدلة وجوب العدة {وَلاَ تُمْسِكُواْ بِعِصَمِ ٱلْكَوَافِرِ } قرأ الجمهور: {تمسكوا} بالتخفيف من الإمساك، واختار هذه القراءة أبو عبيد، لقوله: {أية : فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ }تفسير : [البقرة: 231]، وقرأ الحسن، وأبو العالية، وأبو عمرو بالتشديد من التمسك، والعصم جمع عصمة، وهي ما يعتصم به، والمراد هنا عصمة عقد النكاح. والمعنى أن من كانت له امرأة كافرة، فليست له بامرأة لانقطاع عصمتها باختلاف الدين. قال النخعي: هي المسلمة تلحق بدار الحرب فتكفر، وكان الكفار يزوّجون المسلمين، والمسلمون يتزوّجون المشركات، ثم نسخ ذلك بهذه الآية، وهذا خاص بالكوافر المشركات دون الكوافر من أهل الكتاب. وقيل: عامة في جميع الكوافر مخصصة بإخراج الكتابيات منها. وقد ذهب جمهور أهل العلم إلى أنه إذا أسلم وثنيّ أو كتابيّ لا يفرق بينهما إلاّ بعد انقضاء العدّة. وقال بعض أهل العلم: يفرق بينهما بمجرّد إسلام الزوج، وهذا إنما هو إذا كانت المرأة مدخولاً بها، وأما إذا كانت غير مدخول بها، فلا خلاف بين أهل العلم في انقطاع العصمة بينهما بالإسلام إذ لا عدّة عليها {واسألوا ما أنفقتم} أي: اطلبوا مهور نسائكم اللاحقات بالكفار {وليسألوا ما أنفقوا} قال المفسرون: كان من ذهب من المسلمات مرتدّة إلى الكفار من أهل العهد، يقال للكفار: هاتوا مهرها، ويقال للمسلمين إذا جاءت امرأة من الكفار إلى المسلمين، وأسلمت: ردّوا مهرها على زوجها الكافر {ذَلِكُمْ حُكْمُ ٱللَّهِ } أي: ذلكم المذكور من إرجاع المهور من الجهتين حكم الله، وقوله: {يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ } في محل نصب على الحال. أو مستأنفة {وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ } أي: بليغ العلم لا تخفى عليه خافية، بليغ الحكمة في أقواله وأفعاله، قال القرطبي: وكان هذا مخصوصاً بذلك الزمان في تلك النازلة خاصة بإجماع المسلمين {وَإِن فَاتَكُمْ شَىْء مّنْ أَزْوٰجِكُمْ إِلَى ٱلْكُفَّـٰرِ } لما نزلت الآية المتقدّمة، قال المسلمون: رضينا بحكم الله، وكتبوا إلى المشركين فامتنعوا، فنزل قوله: {وَإِن فَاتَكُمْ شَىْء مّنْ أَزْوٰجِكُمْ إِلَى ٱلْكُفَّـٰرِ } مما دفعتم إليهم من مهور النساء المسلمات، وقيل المعنى: وإن انفلت منكم أحد من نسائكم إلى الكفار بأن ارتدت المسلمة {فَعَـٰقَبْتُمْ } قال الواحدي: قال المفسرون: {فعاقبتم} فغنمتم. قال الزجاج: تأويله، وكانت العقبى لكم، أي: كانت الغنيمة لكم حتى غنمتم {فَآتُواْ ٱلَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوٰجُهُمْ مّثْلَ مَا أَنفَقُواْ } من مهر المهاجرة التي تزوّجوها، ودفعوه إلى الكفار، ولا تؤتوه زوجها الكافر. قال قتادة، ومجاهد: إنما أمروا أن يعطوا الذين ذهبت أزواجهم مثل ما أنفقوا من الفيء والغنيمة، وهذه الآية منسوخة قد انقطع حكمها بعد الفتح. وحاصل معناها: أن {مّنْ أَزْوٰجِكُمْ } يجوز أن يتعلق بفاتكم، أي: من جهة أزواجكم، ويراد بالشيء: المهر الذي غرمه الزوج، ويجوز أن يتعلق بمحذوف على أنه صفة لشيء. ثم يجوز في شيء أن يراد به المهر، ولكن لا بدّ على هذا من مضاف محذوف، أي: من مهر أزواجكم؛ ليتطابق الموصوف وصفته، ويجوز أن يراد بشيء: النساء أي نوع وصنف منهنّ، وهو ظاهر قوله: {مّنْ أَزْوٰجِكُمْ } وقوله: {فَآتُواْ ٱلَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوٰجُهُمْ } والمعنى: أنهم يعطون من ذهبت زوجته إلى المشركين، فكفرت، ولم يردّ عليه المشركون مهرها، كما حكم الله مثل ذلك المهر الذي أنفقه عليها من الغنيمة {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ٱلَّذِى أَنتُم بِهِ مُؤْمِنُونَ } أي: احذروا أن تتعرضوا لشيء مما يوجب العقوبة عليكم، فإن الإيمان الذي أنتم متصفون به يوجب على صاحبه ذلك {يأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ إِذَا جَاءكَ ٱلْمُؤْمِنَـٰتُ يُبَايِعْنَكَ } أي: قاصدات لمبايعتك على الإسلام، و{عَلَىٰ أَن لاَّ يُشْرِكْنَ بِٱللَّهِ شَيْئاً } من الأشياء كائناً ما كان، هذا كان يوم فتح مكة، فإن نساء أهل مكة أتين رسول الله صلى الله عليه وسلم يبايعنه، فأمره الله أن يأخذ عليهنّ {أَن لاَّ يُشْرِكْنَ وَلاَ يَسْرِقْنَ وَلاَ يَزْنِينَ وَلاَ يَقْتُلْنَ أَوْلْـٰدَهُنَّ } وهو ما كانت تفعله الجاهلية من وأد البنات {وَلاَ يَأْتِينَ بِبُهُتَـٰنٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ } أي: لا يلحقن بأزواجهنّ ولداً ليس منهم. قال الفراء: كانت المرأة تلتقط المولود، فتقول لزوجها: هذا ولدي منك، فذلك البهتان المفترى بين أيديهنّ وأرجلهنّ، وذلك أن الولد إذا وضعته الأمّ سقط بين يديها ورجليها، وليس المراد هنا أنها تنسب ولدها من الزنا إلى زوجها، لأن ذلك قد دخل تحت النهي عن الزنا {وَلاَ يَعْصِينَكَ فِى مَعْرُوفٍ } أي: في كل أمر هو طاعة لله. قال عطاء: في كل برّ وتقوى، وقال المقاتلان: عنى بالمعروف: النهي عن النوح وتمزيق الثياب، وجزّ الشعر، وشقّ الجيب، وخمش الوجوه، والدعاء بالويل، وكذا قال قتادة، وسعيد بن المسيب، ومحمد بن السائب، وزيد بن أسلم، ومعنى القرآن أوسع مما قالوه. قيل: ووجه التقييد بالمعروف، مع كونه صلى الله عليه وسلم لا يأمر إلاّ به التنبيه على أنه لا يجوز طاعة مخلوق في معصية الخالق {فَبَايِعْهُنَّ } هذا جواب «إذا»، والمعنى: إذا بايعنك على هذه الأمور، فبايعهنّ، ولم يذكر في بيعتهنّ الصلاة، والزكاة، والصيام، والحج لوضوح كون هذه الأمور، ونحوها من أركان الدين، وشعائر الإسلام، وإنما خصّ الأمور المذكورة لكثرة وقوعها من النساء {وَٱسْتَغْفِرْ لَهُنَّ ٱللَّهَ } أي: اطلب من الله المغفرة لهنّ بعد هذه المبايعة لهنّ منك {إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } أي: بليغ المغفرة والرحمة لعباده. {يأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ لاَ تَتَوَلَّوْاْ قوْماً غَضِبَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ } هم جميع طوائف الكفر، وقيل: اليهود خاصة، وقيل: المنافقون خاصة وقال الحسن: اليهود والنصارى. والأوّل أولى؛ لأن جميع طوائف الكفر تتصف بأن الله سبحانه غضب عليها {قَدْ يَئِسُواْ مِنَ ٱلآخِرَةِ } «من» لابتداء الغاية، أي: أنهم لا يوقنون بالآخرة ألبتة بسبب كفرهم {كَمَا يَئِسَ ٱلْكُفَّـٰرُ مِنْ أَصْحَـٰبِ ٱلْقُبُورِ } أي: كيأسهم من بعث موتاهم لاعتقادهم عدم البعث، وقيل: كما يئس الكفار الذين قد ماتوا منهم من الآخرة، لأنه قد وقفوا على الحقيقة، وعلموا أنه لا نصيب لهم في الآخرة، فتكون «من» على الوجه الأوّل ابتدائية، وعلى الثاني بيانية، والأوّل أولى. وقد أخرج البخاري عن المسور بن مخرمة، ومروان بن الحكم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما عاهد كفار قريش يوم الحديبية جاءه نساء مسلمات، فأنزل الله: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ إِذَا جَاءكُمُ ٱلْمُؤْمِنَـٰتُ مُهَـٰجِرٰتٍ } حتى بلغ {وَلاَ تُمْسِكُواْ بِعِصَمِ ٱلْكَوَافِرِ } فطلق عمر يومئذٍ امرأتين كانتا له في الشرك. وأخرجه أيضاً من حديثهما بأطول من هذا، وفيه، وكانت أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط ممن خرج إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهي عانق، فجاء أهلها يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم يرجعها إليهم حتى أنزل الله في المؤمنات ما أنزل. وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس في قوله: {فَٱمْتَحِنُوهُنَّ } قال: كان امتحانهنّ أن يشهدن أن لا إلٰه إلاّ الله، وأن محمداً عبده ورسوله، فإذا علموا أن ذلك حقاً منهنّ لم يرجعن إلى الكفار، وأعطى بعلها في الكفار الذين عقد لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم صداقها الذي أصدقها، وأحلهنّ للمؤمنين إذا آتوهنّ أجورهنّ. وأخرج ابن مردويه عنه قال: نزلت سورة الممتحنة بعد ذلك الصلح، فكان من أسلم من نسائهم، فسئلت: ما أخرجك؟ فإن كانت خرجت فراراً من زوجها، ورغبة عنه ردّت، وإن كانت خرجت رغبة في الإسلام أمسكت، وردّ على زوجها مثل ما أنفق. وأخرج ابن أبي أسامة، والبزار، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني في الكبير، وابن مردويه بسندٍ حسن، كما قال السيوطي عن ابن عباس في قوله: {إِذَا جَاءكُمُ ٱلْمُؤْمِنَـٰتُ مُهَـٰجِرٰتٍ فَٱمْتَحِنُوهُنَّ } قال: كان إذا جاءت المرأة النبيّ صلى الله عليه وسلم حلفها عمر بن الخطاب بالله ما خرجت رغبة بأرض عن أرض، وبالله ما خرجت من بغض زوج، وبالله ما خرجت التماس دنيا، وبالله ما خرجت إلاّ حباً لله ورسوله. وأخرج ابن منيع من طريق الكلبي عن أبي صالح، عن ابن عباس قال: أسلم عمر بن الخطاب، وتأخرت امرأته في المشركين، فأنزل الله: {وَلاَ تُمْسِكُواْ بِعِصَمِ ٱلْكَوَافِرِ }. وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، والبخاري، والترمذي، وابن المنذر، وابن مردويه عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يمتحن من هاجر إليه من المؤمنات بهذه الآية {يأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ إِذَا جَاءكَ ٱلْمُؤْمِنَـٰتُ يُبَايِعْنَكَ } إلى قوله: {غَفُورٌ رَّحِيمٌ } فمن أقرّ بهذا الشرط من المؤمنات قال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : قد بايعتك كلاماً»تفسير : ، والله ما مسّت يده يد امرأة قط من المبايعات، ما بايعهنّ إلاّ بقوله: «حديث : قد بايعتك على ذلك»تفسير : . وأخرج عبد الرزاق، وسعيد بن منصور، وابن سعد، وأحمد، وعبد بن حميد، والترمذي وصححه، والنسائي، وابن ماجه، وابن جرير، وابن المنذر، وابن مردويه عن أميمة بنت رقيقة قالت: أتيت النبيّ صلى الله عليه وسلم في نساء لنبايعه، فأخذ علينا ما في القرآن أن لا نشرك بالله شيئًا حتى بلغ: {وَلاَ يَعْصِينَكَ فِى مَعْرُوفٍ } فقال:«حديث : فيما استطعتن، وأطقتنتفسير : ، فقلنا: الله، ورسوله أرحم بنا من أنفسنا يا رسول الله ألا تصافحنا؟ قال: حديث : إني لا أصافح النساء، إنما قولي لمائة امرأة كقولي لامرأة واحدة»تفسير : وفي الباب أحاديث. وأخرج البخاري، ومسلم، وغيرهما عن عبادة بن الصامت قال: كنا عند النبيّ صلى الله عليه وسلم فقال: «حديث : بايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئًا، ولا تسرقوا، ولا تزنوا، وقرأ آية النساء، فمن وفى منكم فأجره على الله، ومن أصاب من ذلك شيئًا فعوقب في الدنيا فهو كفارة له، ومن أصاب من ذلك شيئًا فستره الله، فهو إلى الله، إن شاء عذبه وإن شاء غفر له»تفسير : . وأخرج ابن المنذر من طريق ابن جريج عن ابن عباس في قوله: {وَلاَ يَأْتِينَ بِبُهُتَـٰنٍ يَفْتَرِينَهُ } قال: كانت الحرة تولد لها الجارية، فتجعل مكانها غلاماً. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه عنه في الآية. قال: لا يلحقن بأزواجهنّ غير أولادهم {وَلاَ يَعْصِينَكَ فِى مَعْرُوفٍ } قال: إنما هو شرط شرطه الله للنساء. وأخرج ابن سعد، وابن أبي شيبة، وأحمد، وعبد بن حميد، والترمذي وحسنه، وابن ماجه، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه عن أم سلمة الأنصارية قالت: قالت امرأة من النسوة ما هذا المعروف الذي لا ينبغي لنا أن نعصيك فيه؟ قال:« لا تنحن»، قلت: يا رسول الله إن بني فلان أسعدوني على عمي، لا بدّ لي من قضائهن، فأبى عليّ فعاودته مراراً، فأذن لي في قضائهنّ، فلم أنحِ بعد، ولم يبق من النسوة امرأة إلاّ وقد ناحت غيري. وأخرج البخاري، ومسلم، وغيرهما عن أمّ عطية قالت: بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقرأ علينا أن لا نشرك بالله شيئًا، ونهانا عن النياحة، فقبضت امرأة منا يدها، فقالت: يا رسول الله إن فلانة أسعدتني وأنا أريد أن أجزيها، فلم يقل لها شيئًا. فذهبت، ثم رجعت، فقالت: ما وفت منا امرأة إلاّ أم سليم، وأمّ العلاء، وبنت أبي سبرة امرأة معاذ، أو بنت أبي سبرة، وامرأة معاذ. وقد وردت أحاديث كثيرة في النهي عن النوح. وأخرج أبو إسحاق، وابن المنذر عن ابن عباس قال: كان عبد الله بن عمرو، وزيد بن الحارث يودّان رجلاً من اليهود، فأنزل الله: {يأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ لاَ تَتَوَلَّوْاْ قوْماً غَضِبَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ } الآية. وأخرج الفريابي، وابن جرير، وابن أبي حاتم، والطبراني عن ابن مسعود في قوله: {قَدْ يَئِسُواْ مِنَ ٱلآخِرَةِ } قال: فلا يؤمنون بها، ولا يرجونها، كما يئس الكافر إذا مات، وعاين ثوابه واطلع عليه. وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر عن ابن عباس في الآية قال: هم الكفار أصحاب القبور الذين يئسوا من الآخرة. وأخرج ابن جرير عنه في الآية قال: من مات من الذين كفروا، فقد يئس الأحياء من الذين كفروا أن يرجعوا إليهم، أو يبعثهم الله.
الماوردي
تفسير : {يأيها الذين ءامنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن الله أعلم بإيمانهن} لأنه يعلم بالامتحان ظاهر إيمانهن والله يعلم باطن إيمانهن، ليكون الحكم عليهن معتبراً بالظاهر وإن كان معتبراً بالظاهر والباطن. والسبب في نزوله هذه الآية أن النبي صلى الله عليه وسلم هادن قريشاً عام الحديبة فقالت قريش على أن ترد علينا من جاءك منا، ونرد عليك من جاءنا منك، فقال على أن أرد عليكم من جاءنا منكم ولاتردوا علينا من جاءكم منا ممن اختار الكفر على الإيمان، فقعد الهدنة بينه وبينهم على هذا إلى أن جاءت منهم امرأة مسلمة وجاؤوا في طلبها، واختلف فيها على أربعة أقاويل: أحدها: أنها أميمة بنت بشر كانت عند ثابت بن الدحداحة, ففرت منه وهو يومئذ كافر، فتزوجها سهل بن حنيف فولدت له عبد الله، قاله يزيد بن أبي حبيب. الثاني: أنها سعيدة زوج صيفي بن الراهب مشرك من أهل مكة، قاله مقاتل. الثالث: أنها أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط، وهذا قول كثير من أهل العلم. الرابع: أنها سبيعة بنت الحارث الأسلمية جاءت مسلمة بعد فراغ النبي صلى الله عليه وسلم من كتاب الهدنة في الحديبية، فجاء زوجها واسمه مسافر وهو من قومها في طلبها، فقال يا محمد شرطت لنا رد النساء، وطين الكتاب لم يجف، وهذه امرأتي فارددها عليّ، حكاه الكلبي. فلما طلب المشركون رد من أسلم من النساء منع الله من ردهن بعد امتحان إيمانهن بقوله تعالى: {فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار} واختلف أهل العلم هل دخل النساء في عقد الهدنة لفظاً أو عموماً: فقالت طائفة منهم قد كان شرط ردهن في عقد الهدنة لفظاً صريحاً، فنسخ الله ردهن من العقد ومنع منه، وأبقاه في الرجال على ما كان، وهذا يدل على أن للنبي صلى الله عليه وسلم أن يجتهد برأيه في الأحكام ولكن لا يقره الله تعالى على خطأ. وقالت طائفة من أهل العلم: لم يشترط ردهن في العقد لفظاً وإنما أطلق العقد في رد من أسلم، فكان ظاهر العموم اشتماله عليهن مع الرجال، فبين الله خروجهن عن العموم، وفرق بينهن وبين الرجال لأمرين: أحدهما: أنهن ذوات فروج يحرمن عليهم. الثاني: أنهن أرأف قلوباً وأسرع تقلباً منهم. فأما المقيمة على شركها فمردودة عليهم، وقد كانت من أرادت منهن إضرار زوجها قالت سأهاجر إلى محمد فلذلك أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بامتحانهن. واختلف فيما كان يمتحنهن به على ثلاثة أقويل: أحدها: ما رواه ابن عباس أنه كان يمتحنها بأن تحلف بالله أنها ما خرجت من بغض زوجها ولا رغبة من أرض إلى أرض ولا التماس دينا ولا عشقاً لرجل منا، وما خرجت إلا حباً لله ولرسوله. والثاني: بأن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، قاله عطية العوفي. الثالث: بما بينه الله في السورة من قوله تعالى: {يأيها النبي إذا جاءك المؤمنات} فهذا معنى قوله: {فامتحنوهن الله أعلم بإيمانهن} يعني بما في قلوبهن بعد امتحانهن. {فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار لا هنّ حل لهم ولا هم يحلون لهن} يعني أن المؤمنات محرمات على المشركين من عبدة الأوثان، والمرتدات محرمات على المسلمين. ثم قال تعالى: {وءاتوهم ما أنفقوا} يعني بما أنفقوا مهور من أسلم منهن إذا سأل ذلك أزواجهن، وفي دفع ذلك إلى أهلهن من غير أزواجهن قولان: ثم قال تعالى: {ولا جناح عليكم أن تنكحوهن} يعني المؤمنات اللاتي أسلمن غير أزواج مشركين، أباح الله نكاحهن للمسلمين إذا انقضت عدتهن أو كن غير مدخول بهن. {إذا ءاتيتموهن أجورهن} يعني مهورهن. {ولا تمسكوا بعصم الكوافر} فيه وجهان: أحدهما: أن العصمة الجمال قاله ابن قتيبة. الثاني: العقد، قاله الكلبي. فإذا أسلم الكافر عن وثنية لم يمسك بعصمتها ولم يقم نكاحها رغبة فيها أو في قومها، فإن الله قد حرم نكاحها عليه والمقام عليها ما لم تسلم في عدتها. فروى موسى بن طلحة بن عبيد الله عن أبيه أنه قال: لما نزلت هذه الآية طلقت أروى بنت ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب، وطلق عمر بن الخطاب قريبة بنت أبي أمية بن المغيرة فتزوجها بعده معاوية بن سفيان في الشرك، وطلق أم كلثوم بنت أبي جرول الخزاعية أم عبد الله بن عمر فتزوجها بعده خالد ابن سعيد بن العاص في الإسلام. {واسألوا ما أنفقتم وليسألوا ما أنفقوا} يعني أن للمسلم إذا ارتدت زوجته إلى المشركين من ذوي العهد المذكور أن يرجع عليه بمهر زوجته كما ذكرنا وأن للمشرك أن يرجع بمهر زوجته إذا أسلمت فإن لم يكن بيننا وبينهم عهد شرط فيه الرد فلا يرجع. ولا يجوز لمن بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأئمة أن يشرط في عقد الهدنة رد من أسلم لأن الرسول كان على وعد من الله بفتح بلادهم ودخولهم في الإسلام طوعاً وكرهاً فجاز له ما لم يجز لغيره. {وإن فاتكم شيء من أزواجكم إلى الكفار} الآية. والمعنى أن من فاتته زوجته بارتدادها إلى أهل العهد المذكور ولم يصل إلى مهرها منهم ثم غنمهم المسلمون ردوا عليه مهرها. وفي المال الذي يرد منه هذا المهر ثلاثة أقاويل: أحدها: من أموال غنائمهم لاستحقاقها عليهم، قاله ابن عباس. الثاني: من مال الفيء، قاله الزهري. الثالث: من صداق من أسلمن منهن عن زوج كافر، وهو مروي عن الزهري أيضاً. وفي قوله تعالى: {فعاقبتم} ثلاثة تأويلات: أحدها: معناه غنمتم لأخذه من معاقبة الغزو، قاله مجاهد والضحاك. الثاني: معناه فأصبتم من عاقبة من قتل أو سبي، قاله سفيان. الثالث: عاقبتم المرتدة بالقتل فلزوجها مهرهامن غنائم المسلمين، قاله ابن بحر. وهذا منسوخ لنسخ الشرط الذي شرطه رسول الله صلى الله عليه وسلم لهم بالحديبية، وقال عطاء بل حكمها ثابت.
ابن عطية
تفسير : أمر الله تعالى أن يؤتى الكفار مهور نسائهم اللاتي هاجرن مؤمنات ورفع الجناح في أن يتزوجن بصدقات هي أجورهن، وأمر المسلمين بفراق الكافرات وأن لا يمسكوا بعصمهن، فقيل: الآيات في عابدات الأوثان ومن لا يجوز نكاحها، ابتداء، وقيل: هي عامة نسخ منها نساء أهل الكتاب، والعصم: جمع عصمة: وهي أسباب الصحبة والبقاء في الزوجية، وكذلك العصمة في كل شيء، السبب الذي يعتصم به، ويعتمد عليه، وقرأ جمهور السبعة والناس: "تُمسِكوا" بضم التاء وكسر السين وتخفيفها من أمسك، وقرأ أبو عمرو وحده وابن جبير ومجاهد والأعرج والحسن بخلاف "ولا تمسّكوا" من مسك، بالشد في السين، وقرأ الحسن وابن أبي ليلى وابن عامر في رواية عبد المجيد: "تَمَسَّكوا" بفتح التاء والميم، وفتح السين وشدها، وقرأ الحسن: "تَمْسِكوا" بفتح التاء وسكون الميم وكسر السين مخففة. ورأيت لأبي علي الفارسي أنه قال: سمعت الفقيه أبا الحسن الكرخي يقول في تفسير قوله تعالى: {ولا تمسكوا بعصم الكوافر}، إنه في الرجال والنساء، فقلت له: النحويون لا يرون هذا إلا في النساء، لأن كوافر: جمع كافرة، فقال وايش يمنع من هذا أليس الناس يقولون: طائفة كافرة، وفرقة كافرة، فبهت، وقلت هذا تأييد، وأمر تعالى أن يسأل أيضاً الكافرون أن يدفعوا الصدقات التي أعطاها المؤمنون لمن فر من أزواجهم إلى الكفار، وقرر الحكم بذلك على الجميع، فروي عن ابن شهاب أن قريشاً قالت: نحن لا نرضى هذا الحكم ولا نلتزمه ولا ندفع لأحد صداقاً فنزلت بسبب ذلك هذه الآية الأخرى: {وإن فاتكم} الآية، فأمر الله تعالى المؤمنين أن يدفعوا إلى من فرت زوجته ففاتت بنفسها إلى الكفار صداقه الذي أنفق، قال ابن عباس في كتاب الثعلبي: خمس نسوة من نساء المهاجرين رجعن عن الإسلام ولحقن بالمشركين: أم الحكم بنت أبي سفيان كانت تحت عياض بن شداد، وفاطمة بنت أبي أمية أخت أم سلمة، كانت تحت عمر بن الخطاب، وعبدة بنت عبد العزى كانت تحت هشام بن العاص، وأم كلثوم بنت جرول كانت تحت عمر، فأعطاهم النبي صلى الله عليه وسلم مهور نسائهم من الغنيمة. واختلف الناس في أي مال يدفع إليه الصداق، فقال محمد بن شهاب الزهري: يدفع إليه من الصدقات التي كانت تدفع إلى الكفار بسبب من هاجر من أزواجهم، وأزال الله تعالى دفعها إليهم حين لم يرضوا حكمه حسبما ذكرناه، وهذا قول صحيح يقتضيه قوله تعالى: {فعاقبتم} وسنبين ذلك في تفسير اللفظة إن شاء الله تعالى. وقال مجاهد وقتادة: يدفع إليه من غنائم المغازي، وقال هؤلاء التعقيب بالغزو والمغنم وتأولوا اللفظة بهذا المعنى، وقال الزهري أيضاً: يدفع إليه من اي وجوه الفيء أمكن، والعاقبة في هذه الآية، ليست بمعنى مجازاة السوء بالسوء لكنها بمعنى فصرتم منهم إلى الحال التي صاروا إليها منكم وذلك بأن يفوت إليكم شيء من أزواجكم، وهكذا هو التعقيب على الجمل والدواب أن يركب هذا عقبة ويركب هذا عقبة. وقرأ ابن مسعود: "وإن فاتكم أحد من أزواجكم" ويقال عاقب الرجل صاحبه في كذا، أي جاء فعل كل واحد منهما بعقب فعل الآخر، ومنه قول الشاعر [الكميت]: شعر : وحاردت النكد الجلاد ولم يكن لعقبة قدر المستعيرين معقب تفسير : ويقال: "عقّب" بشد القاف، أي أصاب عقبى، والتعقيب: غزو إثر غزو، ويقال "عقَب" بتخفيفها، ويقال: "عقِب" بكسرها كل ذلك بمعنى: يقرب بعضه من بعض وبجميع ذلك قرئ، قرأ جمهور الناس: "عاقبتم" وقرأ الأعرج ومجاهد والزهري وعكرمة وحميد: "عقَّبتم" بالتشديد في القاف، وقرأ الأعرج أيضاً وأبو حيوة والزهري أيضاً: "عقَبتم" بفتح القاف خفيفة، وقرأ النخعي والزهري أيضاً: "عقِبتم" بكسر القاف وكلها بمعنى: غنمتم, وروي عن مجاهد: "أعقبتم" بألف مقطوعة قبل العين, وهذه الآية كلها قد ارتفع حكمها، ثم ندب تعالى إلى التقوى وأوجبها، وذكر العلة التي بها يجب التقوى وهي الإيمان بالله والتصديق بوحدانيته وصفاته وعقابه وإنعامه.
ابن عبد السلام
تفسير : {إذَا جَآءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ} لما هادن الرسول صلى الله عليه وسلم قريشاً على أن يرد إليهم من جاء منهم جاءت أميمة بنت بشر مسلمة أو سعيدة زوجة صيفي أو أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط أو سُبَيْعَة الأسلمية فلما طلب المشركون الرد منع الله من ذلك نسخاً منه للرد عند من قال دخلن في العموم أو بياناً لخروجهن من العموم، وإنهن لم يشترط ردهن لسرعة انخداعهن إلى الكفر وحفظاً لفروجهن عند من قال لم يدخلن في العموم وإن كان ظاهراً في شمولهن {فَامْتَحِنُوهُنَّ} بالشهادتين أو بما في قوله {أية : يُبَايِعْنَكَ عَلَىٰ أَن لاَّ يُشْرِكْنَ}تفسير : الآية [الممتحنة: 12] أو تحلف بالله تعالى ما خرجت من بغض زوج، بالله ما خرجت رغبة عن أرض إلى أرض، بالله ما خرجت التماس دنيا، بالله ما خرجت إلا حباً لله ورسوله {وَءَاتُوهُم} آتوا الأزواج ما أنفقوا من المهور وهل يدفع إلى غير الأزواج من أهلن فيه اختلاف {بِعِصَمِ} العصمة: الحبل أو العقد فإذا أسلم الكافر على وثنية فلا يجوز له التمسك بعصمتها إلا أن تسلم قبل انقضاء عدتها. ولما نزلت طلق جماعة من الصحابة أزواجهم من المشركات {وَسْئَلُواْ مَآ أَنفَقْتُمْ} من المهور إذا ارتد أزواجكم المسلمات ولحقن بالكفار من ذوي العهد المذكور ولا يجوز لأحد بعد الرسول صلى الله عليه وسلم أن يشترط رد النساء المسلمات لأن الرسول صلى الله عليه وسلم كان له وعد من الله بفتح بلادهم ودخولهم في الإسلام طوعاً وكرهاً فجاز له ما لم يجز لغيره.
ابن عادل
تفسير : قوله تعالى: {يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا جَآءَكُمُ ٱلْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ} الآية لما أمر المسلمين بترك موالاة [المشركين] اقتضى ذلك مهاجرة المسلمين من بلاد الشرك إلى بلاد الإسلام، وكان التناكح من أوكد أسباب الموالاة، فبين أحكام مهاجرة النساء. قال ابن عباس رضي الله عنهما: جرى الصُّلح مع مشركي قريش عام الحديبية على أن من أتاه من أهل "مكة" رده إليهم، فجاءت سبيعة بنت الحارث الأسلمية بعد الفراغ من الكتاب، والنبي صلى الله عليه وسلم بالحديبية بعد، فأقبل زوجها - وكان كافراً - وهو صيفي بن راهب. وقيل: مسافر المخزومي، فقال: يا محمد، اردد عليّ امرأتي فإنك شرطت ذلك، وهذه طينة الكتاب لم تجف بعد، فأنزل الله - تعالى - هذه الآية. وقيل: حديث : جاءت أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط، فجاء أهلها يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يردها. وقيل: هربت من زوجها عمرو بن العاص، ومعها أخواها عمارة والوليد، فرد رسول الله إخوتها، وحبسها فقالوا للنبيّ صلى الله عليه وسلم ردها علينا للشرط، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: كان الشَّرط في الرجال لا في النساءتفسير : ، فأنزل الله - تعالى - هذه الآية. وعن عروة قال: كان مما اشترط سهيل بن عمرو على النبيِّ صلى الله عليه وسلم في الحديبية ألاَّ يأتيك منا أحد وإن كان على دينك إلا رددته إلينا، وخليت بيننا وبينه فكرهَ المؤمنون ذلك، وأبى سهيل إلا ذلك، فكاتبه النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك، فردّ يومئذ أبا جندل إلى أبيه سهيل بن عمرو، ولم يأته أحد من الرجال إلا ردّه في تلك المدة وإن كان مسلماً، حتى أنزل الله في المؤمنات ما أنزل، يومىء إلى أن الشرط في رد النساء نسخ بذلك. وقيل: إن التي جاءت أميمة بنت بشر كانت عند ثابت بن الشمراخ، ففرت منه، وهو يومئذ كافرٌ، فتزوَّجها سهيل بن حنيف، فولدت له عبد الله. قاله زيد بن حبيب، نقله الماورديّ. وأكثر أهل العلم أنها أم كلثوم بنت عقبة. قوله: {ٱلْمُؤْمِنَاتُ}. تسمية للشيء بما يدلي إليه ويقاربه ويشارفه؛ أو في الظاهر. وقرىء "مُهَاجِرَاتٌ" - بالرفع - وخرجت على البدل. فصل في دخول النساء عقد المهادنة لفظاً أو عموماً اختلفوا هل دخل النساء في عقد المهادنة لفظاً أو عموماً؟ فقالت طائفة: كان شرط ردهن في عقد الهُدنة صريحاً، فنسخ الله ردّهن من العقد ومنع منه، وبقاه في الرجال على ما كان، وهذا يدل على أن للنبي صلى الله عليه وسلم أن يجتهد رأيه في الأحكام، ولكن لا يقرّه الله على خطأ. وقالت طائفة: لم يشترط ردّهن في العقد لفظاً، وإنما أطلق العقد في ردِّهن أسلم، فكان ظاهر العموم اشتماله عليهن مع الرجال، فبين الله تعالى خروجهن عن عمومه، وفرق بينهن وبين الرجال لأمرين: أحدهما: أنهن ذوات فروج يحرمن عليهم. الثاني: أنهن أرقّ قلوباً، وأسرع تقلباً منهم، فأما المقيمة منهن على شركها فمردودة عليهم. ومن أسلمت فلا تردوها. قوله: {فَٱمْتَحِنُوهُنَّ}. قيل: إنه كان من أرادت منهن إضرار زوجها، قالت: سأهاجر إلى محمد صلى الله عليه وسلم فلذلك أمر النبي صلى الله عليه وسلم بامتحانهن، واختلفوا فيما كان يمتحنهن به. فقال ابن عباس: كان يمتحنهن بأن يُسْتَخْلَفْنَ بالله أنها ما خرجت من بغض زوجها، ولا رغبة من أرض إلى أرض، ولا التماس دنيا، ولا عشقاً لرجل من المسلمين، ولا لحدث أحدثته، وما خرجت إلا رغبة في الإسلام، وحب الله ورسوله، فإذا حلفت بالله الذي لا إله إلا هو على ذلك أعطى النبي صلى الله عليه وسلم زوجها مهرها، وما أنفق عليها، ولم يردها، فذلك قوله تعالى: {فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلاَ تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى ٱلْكُفَّارِ لاَ هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ وَلاَ هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ}. وروي عن ابن عباس أيضاً: أن المحنة كانت أن تشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله. وروى معمر عن الزهري عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يمتحنهن إلا بالآية التي قال الله تعالى: {إِذَا جَآءَكَ ٱلْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَىٰ أَن لاَّ يُشْرِكْنَ بِٱللَّهِ شَيْئاً}. خرجه الترمذي. وقال حديث حسن صحيح. فصل قال أكثر العلماء على أن هذا ناسخ لما كان عليه الصلاة والسلام عاهد عليه قريشاً من أنه يرد عليهم من جاءه منهم مسلماً، فنسخ من ذلك النساء. وهذا مذهب من يرى نسخ السنة بالقرآن. فصل قال القرطبي: ولا يجوز أن يهادن الإمام العدو على أن يرد عليهم من جاءه مسلماً؛ لأن إقامة المسلم بأرض الشرك لا تجوز، وهذا مذهب الكوفيين، وأجاز مالك عقد الصلح على ذلك. واحتج الكوفيون "حديث : بأنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث خالد بن الوليد إلى قوم خثعم، فاعتصموا بالسجود فقتلهم، فوداهم رسول الله صلى الله عليه وسلم [بنصف الدية] وقال: "أنَا بَريءٌ مِن كُلِّ مسلمٍ أقَامَ مع مُشركٍ بدارِ الحَرْبِ لا تَراءَى نَاراهُما"تفسير : . قالوا: فهذا ناسخ لرد المسلمين إلى المشركين، إذ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد برىء ممن أقام معهم في دار الحرب. ومذهب مالك والشافعيِّ أن هذا الحكم غير منسوخ. قال الشافعي: وليس لأحد هذا العقد إلا الخليفة أو [رجل] يأمره، فمن عقد غير الخليفة هذا العقد فهو مردود. قوله: {ٱللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ}. هذه الجملة فائدتها بيان أنه لا سبيل لكم إلى ما تطمئن به النفس ويثلج الصدر من الإحاطة بحقيقة إيمانهن، فإن ذلك مما استأثر الله به. قاله الزمخشري. أي: هذا الامتحان لكم، والله أعلم بإيمانهن، لأنه متولي السرائر، وسمَّى الظن الغالب في قوله: {عَلِمْتُمُوهُنَّ} علماً لما بينهما من القرب كما يقع الظَّن موقعه، وتقدم ذلك في البقرة. قوله: {فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ}. أي: بما يظهرن من الإيمان. وقيل: أي: علمتموهن مؤمنات قبل الامتحان {فَلاَ تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى ٱلْكُفَّارِ لاَ هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ} وقوله: {وَلاَ هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ} تأكيد للأول لتلازمهما. وقيل: أراد استمرار الحكم بينهم فيما يستقبل كما هو في الحال ما داموا مشركين وهن مؤمنات. فصل في معنى الآية معنى الآية: لم يحل الله مؤمنة لكافر، وهذا أول دليل على أنَّ الذي أوجب فرقة المسلمة من زوجها الكافر إسلامها لا هجرتها. وقال أبو حنيفة: الذي فرق بينهما هو اختلاف الدَّارين. والصحيح الأول؛ لأن الله - تعالى - بين العلّة، وهو عدم الحل بالإسلام لا باختلاف الدار. قوله: {وَآتُوهُم مَّآ أَنفَقُواْ}. أمر الله - تعالى - إذا أمسكت المرأة المسلمة أن يردّ على زوجها ما أنفق، وذلك من الوفاء بالعهدِ؛ لأنه لما منع من أهله بحرمة الإسلام أمر برد المال حتى لا يقع عليهم خسران من الوجهين: الزوجة والمال. فصل في استحقاق الغرم بالمنع ولا غرم إلا إذا طالب الزوج الكافر، فإذا حضر وطالب منعناها وغرمنا، فإن كانت ماتت قبل حضور الزوج لم نغرم المهر إذ لم يتحقق المنع، وإن كان المسمى خمراً وخنزيراً لم نغرم شيئاً؛ لانه لا قيمة له. وللشافعي في هذه الآية قولان: أحدهما: أن هذا منسوخ. قال الشافعي: وإذا جاءتنا المرأة الحرة من أهل الهُدْنة مسلمة مهاجرة من الحرب إلى الإمام في دار الإسلام أو دار الحرب، فمن طلبها من ولي سوى زوجها منع منها بلا عوض، وإذا طلبها زوجها لنفسه أو غيره بوكالة، ففيه [قولان]: أحدهما: أن يعطى [زوجها] العوض لهذه الآية. والثاني: لا يعطى الزوج المشرك الذي جاءت امرأته مسلمة العوضَ، فإن شرط الإمام ردّ النساء كان الشرط باطلاً منسوخاً، وليس عليه عوض، لأنه لا عوض للباطل. فصل أمر الله تعالى برد مثل ما أنفقوا إلى الأزواج، وأن المخاطب بهذا الإمام، ينفذ من بيت المالِ الذي لا يتعين له مصرف. وقال مقاتل: يرد المهر الذي يتزوجها من المسلمين، وليس لزوجها الكافر شيء. وقال قتادة: الحكم في رد الصداق إنما هو في نساء أهل العهد فأما [من] لا عهد بينه وبين المسلمين، فلا يُرَدُّ عليهم الصداق. قال القرطبي: "والأمر كما قال". قوله: {وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَن تَنكِحُوهُنَّ}. أي: في أن تنكحوهن. وقوله: {إِذَآ آتَيْتُمُوهُنَّ}. يدوز أن يكون ظرفاً محضاً، وأن يكون شرطاً، جوابه مقدَّر، أي: فلا جناح عليكم. فصل ومعنى الآية: ولا جناح عليكم أن تنكحوهن إذا آتيتموهن أجورهن أي: مهورهن، فأباح الله نكاحهن للمسلمين؛ وإن كان لهن أزواج في دار الكفر؛ لأن الإسلام فرق بينهن وبين أزواجهن الكُفَّار. قال القرطبي: أباح نكاحهنَّ إذا أسلمن، وانقضت عدتهن لما ثبت في تحريم نكاح المشركة المعتدة، فإن أسلمت قبل الدخول ثبت النكاح في الحال. قوله: {وَلاَ تُمْسِكُواْ بِعِصَمِ ٱلْكَوَافِرِ}. قرأ أبو عمرو في آخرين بضم التاء وفتح الميم وتشديد السين، وباقي السبعة - بتخفيفها - من "مسَك، وأمسك" بمعنى واحد. يقال: أمسكت الحبل إمساكاً، ومسَّكته تمسيكاً، وفي التشديد مبالغة، والمخفف صالح لها أيضاً. وقرأ الحسن، وابن أبي ليلى، وأبو عمرو، وابن عامر في رواية عنهما: "تَمَسَّكُوا" - بالفتح في الجميع وتشديد السين - والأصل: "تَتمسَّكُوا" - بتاءين - فحذفت إحداهما. وعن الحسن أيضاً: "تَمْسِكُوا" مضارع "مَسَك" ثلاثياً. والعِصَم: جمع عِصْمَة، والعِصْمَة هاهنا: النِّكاح، يقول: من كانت له كافرة بمكة فلا يعقد بها فقد انقطعت عصمتها. و"الكوافر" جمع "كافرة"، كـ"ضوارب" في "ضاربة" و"صواحب". ويحكى عن الكرخي الفقيه المعتزلي أنه قال: "الكوافر" يشمل الرجال والنساء. قال الفارسي: فقلت له: النحويون لا يرون هذا إلاَّ في النساء جمع كافرة. فقال أبو علي: أليس يقال: طائفة كافرة وفرقة كافرة؟. قال أبو عليٍّ: فبهت، وقلت: هذا تأييد إلهي. قال شهاب الدين: وإنما أعجب بقوله لكونه معتزلياً، والحق أنه لا يجوز كافرة وصفاً للرجال إلا أن يكون الموصوف مذكوراً، نحو: هذه طائفة كافرة، أو في قوّة المذكور، أما أن يقال: طائفة باعتبار الطائفة غير المذكورة، ولا في قوة المذكورة بل لمجرد الاحتمال، ويجتمع جمع "فَاعِلَة" فهذا لا يجوز، وقول الفارسي: "لا يَرَونَ هذا إلا في النِّساءِ" فهذ يصح ولكنه الغالب، وقد يجمع "فاعل" وصف المذكر العاقل على "فواعل" وهو محفوظ نحو: "فوارس ونواكس". فصل في المراد بالآية قال النخعي: المراد بالآية: المرأة المسلمة تلحق بدار الحرب، فتكفر، وكان الكفار يتزوجون المسلمات، والمسلمون يتزوجون المشركات، ثم نسخ ذلك بهذه الآية، فطلق عمر بن الخطاب حينئذ امرأتين بـ"مكة" مشركتين: قريبة بنت أبي أمية، فتزوجها معاوية بن أبي سفيان، وهما على شركهما بـ"مكة"، وأم كلثوم بنت عمرو الخزاعية أم عبد الله بن المغيرة، فتزوجها أبو جهم بن حذافة، وهما على شركهما، فلما ولي عمر، قال أبو سفيان لمعاوية: طلق قريبة، لئلا يرى عمر صلبه في بيتك، فأبى معاوية، وكانت عند طلحة بن عبيد الله أروى بنت ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب، ففرق الإسلام بينهما، ثم تزوَّجها في الإسلام خالد بن سعيد بن العاص، وكانت ممن فرت إلى النبي صلى الله عليه وسلم من نساء الكفار فحبسها، وتزوجها خالد بن سعيد بن العاص بن أمية. وقال الشعبيُّ: كانت زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، امرأة أبي العاص بن الربيع، أسلمت ولحقت بالنبي صلى الله عليه وسلم، وأقام أبو العاصِ بـ"مكة" مشركاً، ثم أتى "المدينة"، فأسلم، فردها عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم. وروى أبو داود عن عكرمة عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما: رد رسول الله ابنته زينب على أبي العاص بالنكاح الأول، لم يحدث شيئاً. قال محمد بن عمر في حديثه: بعد ست سنين. وقال الحسنُ بن عليٍّ: بعد سنتين. قال أبو عمر: فإن صح هذا، فلا يخلو من وجهين: إما أنها لم تحضر حتى أسلم زوجها، وإما أن الأمر فيها منسوخ بقوله تعالى: {أية : وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ}تفسير : [البقرة: 228]، يعني عدتهن، وهذا مما لا خلاف فيه، إن عنى به العدة. قال الزهريُّ في قصة زينب هذه: كانت قبل أن تنزل الفرائض. وقال قتادةُ: كان هذا قبل أن تنزل سورة براءة، بقطع العهود بينهم وبين المشركين. فصل في المراد بالكوافر المراد بالكوافر هنا: عبدة الأوثان، ومن لا يجوز ابتداء نكاحها. وقيل: هي عامَّة، نسخ منها نساء أهل الكتاب، فعلى الأول إذا أسلم وثَنِيّ، أو مجُوسِيّ ولم تسلم امرأته فرق بينهما، وهو قول بعض أهل العلم، منهم مالك والحسن وطاووس ومجاهد وعطاء وعكرمة وقتادة والحكم، لقوله تعالى: {وَلاَ تُمْسِكُواْ بِعِصَمِ ٱلْكَوَافِرِ}. وقال بعضهم: ينتظر بها تمام العدة، وهو قول الزهري والشافعي وأحمد، واحتجوا بأن أبا سفيان بن حرب، أسلم قبل هند بنت عتبة امرأته، وكان إسلامه بـ"مر الظهران"، ثم رجع إلى "مكة" وهند بها كافرة مقيمة على كفرها، فأخذت بلحيته، وقالت: [اقتلوا] الشيخ الضَّال، ثم أسلمت بعده بأيام، فاستقر على نكاحها، لأن عدتها لم تكن انقضت. قالوا: ومثله حكيم بن حزام أسلم قبل امرأته، ثم أسلمت بعده، فكانا على نكاحها. قال الشافعي رحمه الله: ولا حجة لمن احتج بقوله تعالى: {وَلاَ تُمْسِكُواْ بِعِصَمِ ٱلْكَوَافِرِ}؛ لأن نساء المسلمين محرمات على الكفار، كما أن المسلمين، لا تحل لهم الكوافر والوثنيات والمجوسيات لقوله تعالى: {لاَ هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ وَلاَ هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ}، ثم بينت السُّنَّة أن مراد الله من قوله هذا: أنه لا يحل بعضهم لبعض إلا أن يسلم الثاني منهما في العدة. وقال أبو حنيفة وأصحابه في الكافر من الذميين: إذا أسلمت المرأة، عرض على الزوج الإسلام، فإن أسلم وإلا فرق بينهما. قالوا: ولو كانا حربيين، فهي امرأته، حتى تحيض ثلاث حيض، إذا كانا جميعاً في دار الحرب، أو في دار الإسلام، وإن كان أحدهما في دار الحرب، والآخر في دار الإسلام انقطعت العصمة بينهما. وقد تقدم أن اعتبار الدار ليس بشيء، وهذ الخلاف إنما هو في المدخول بها. وأما غير المدخول بها، فلا نعلم خلافاً في انقطاع العصمة بينهما، ولا عدة عليها، هكذا يقول مالك رحمه الله في المرأة ترتد وزوجها مسلم: تنقطع العصمة بينهما لقوله تعالى: {وَلاَ تُمْسِكُواْ بِعِصَمِ ٱلْكَوَافِرِ}، وهو قول الحسن البصري والحسن بن صالح. وقال الشافعي وأحمد: [ينظر إلى تمام] العدة. [فإن كان الزوجان نصرانيين فأسلمت الزوجة، فمذهب مالك والشافعي، وأحمد توقف إلى تمام العدة، وهو قول مجاهد]. وكذلك الوثني تسلم زوجته، إن أسلم في عدَّتها، فهو أحق بها، كما كان صفوان بن أمية وعكرمة بن أبي جهل أحق بزوجتيهما لما أسلما في عدتيهما، لما ذكر مالك في "الموطأ". [قال ابن شهاب: كان بين إسلام صفوان وبين إسلام امرأته نحو شهر]. قال ابن شهاب: ولم يبلغنا أن امرأة هاجرت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وزوجها كافر مقيم بدار الحرب، إلاَّ فرقت هِجْرتُهَا بينها وبين زوجها إلى أن يقدم زوجها مهاجراً قبل أن تنقضي عدتها، وقال بعضهم: ينفسخ النكاح بينهما، لما روى يزيد بن علقمة قال: أسلم جدي، ولم تسلم جدتي، ففرق بينهما عمر - رضي الله عنه - وهو قول طاوس والحسن وعطاء وعكرمة، قالوا: لا سبيل له عليها إلا بخطبة. قوله: {وَاسْأَلُواْ مَآ أَنفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلُواْ مَآ أَنفَقُواْ}. قال المفسرون: كان من ذهب من المسلمات مرتدات إلى الكفار من أهل العهد، يقال للكفار: هاتوا مهرها، ويقال للمسلمين، إذا جاء أحد من الكافرات معلمة مهاجرة: ردوا إلى الكفار مهرها، وكان ذلك إنصافاً وعدلاً بين الحالتين. قال ابن العربي رحمه الله: كان هذا حكم الله، مخصوصاً بذلك الزمان في تلك النازلة خاصة. قال الزهريُّ: ولولا هذه الهدنة، والعهد الذي كان بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين قريش يوم الحديبية، لأمسك النساء، ولم يرد الصَّداق، وكذلك يفعل بمن جاءه من المسلمات قبل العهد، فلما نزلت هذه الآية أُخطر المؤمنون بحكم الله عزَّ وجلَّ وأدوا ما أمروا به من نفقات المشركين على نسائهم، وأبى المشركون أن يقروا بحكم الله، فيما أمروا به من أداء نفقات المسلمين، فأنزل الله - عز وجل - {وإن فاتكم شيء} أيها المؤمنون. قوله: {ذَلِكُمْ حُكْمُ ٱللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ} أي بما ذكر في هذه الآية، {وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ}. قوله: {يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ}. فيه وجهان: أحدهما: أنه مستأنف لا محلَّ له من الإعراب. والثاني: أنه حال من: "حكم الله"، والراجع إما مستتر أي: يحكم هو، أي: الحكم على المبالغة، وإما محذوف، أي: يحكمه، وهو الظاهر. قوله: {مِّنْ أَزْوَاجِكُمْ}. يجوز أن يتعلق بـ"فاتكم" أي: من جهة أزواجكم، يراد بالشيء المهر الذي غرمه الزوج، كما تقدم. ويجوز أن يتعلق بمحذوف، على أنه صفة لـ"شيء". ثم يجوز في "شيء"، أن يراد به: المهر، ولكن على هذا، فلا بد من حذف مضاف، أي: من مهور أزواجكم ليتطابق الموصوف وصفته. ويجوز أن يراد بـ"شيء" [النساء، أي: بشيء من النساء، أي: نوع وصف منهن، وهو ظاهر وصفه بقوله: {مِّنْ أَزْوَاجِكُمْ}. وقد صرَّح الزمخشري بذلك، فإنَّه قال: وإن سبقكم وانفلت منكم شيء من أزواجكم أحد منهن إلى الكُفَّار، وفي قراء أبي مسعود: "أحد". فهذا تصريح بأن المراد بـ"شيء": النساء الفارات]، ثم قال: فإن قلت: هل لإيقاع شيء في هذا الموضع فائدة؟ قلت: نعم، الفائدة فيه ألا يغادر شيء من هذا الجنس، وإن قلَّ وحقر غير معوض عنه، تغليظاً في هذا الحكم وتشديداً فيه، ولولا نصّه على أنَّ المراد بـ"شيء": أحد، كما تقدم، لكان قوله: "إلا أن يغادر شيء من هذا الجنس وإن قل وحقر"، ظاهراً في أن المراد بـ"شيء": المهر؛ لأنه يوصف بالقلة والحقارة وصفاً سائغاً وقوله: "تغليظاً" فيه نظر؛ لأن المسلمين ليس لهم تسبب في فرار النساء إلى الكفار، حتى يغلظ عليهم الحكم بذلك. وعدي: "فات" بـ"إلى"؛ لأنه ضمن معنى الفرار والذهاب والسبق ونحو ذلك. قوله: {فَعَاقَبْتُمْ}، عطف على "فاتكم". وقرأ العامة: "عاقبتم". وفيه وجهان: أحدهما: أنه من العقوبة، قال الزجاج: "فعَاقَبْتُم" فأصبتموهم في القتال بعقوبة حتى غنمتم. والثاني: أنَّه من العُقْبة، وهي التوبة، شبه ما حكم به على المسلمين، والكافرين من أداء هؤلاء مهور النساء أولئك تارة، وأولئك مهور نساء هؤلاء أخرى، بأمر يتعاقبون فيه، كما يتعاقب في الركوب وغيره، ومعناه: فجاءت عقبتكم من أداء المهر. انتهى. وقرأ مجاهد والأعرج والزهري وأبو حيوة وعكرمة وحميد: بتشديد القاف دون ألف. ففسرها الزمخشري على أصله يعقبه: إذا قفاه؛ لأن كل واحد من المتعاقبين، يقفي صاحبه، وكذلك عقبتم - بالتخفيف - يقال: عقبه يعقبه انتهى. والذي قرأه بالتخفيف وفتح القاف: النخعي، وابن وثاب، والزهري، والأعرج أيضاً. وبالتخفيف، وكسر القاف: مسروق، والزهري، والنخعي أيضاً. وعن مجاهد: أعقبتم. قال الزمخشري: معناه: دخلتم في العقبة. قال البغوي: "معناه: أي: صنعتم بهم، كما صنعوا بكم". وفسَّر الزجاج القراءات الباقية: فكانت العقبى: أي: كانت الغلبة لكم حتى غنمتم. والظَّاهر أنه كما قال الزمخشريُّ: من المعاقبة بمعنى المناوبة. يقال: عاقب الرجل صاحبه في كذا، أي: جاء فعل كل واحد منهما يعقب فعل الآخر، ويقال: أعقب - أيضاً. وأنشد بعضهم رحمه الله: [الطويل] شعر : 4761 - وحَارَدَتِ النُّكْدُ الجِلادُ ولَمْ يَكُنْ لِعُقبَةِ قِدْرِ المُستعيرِينَ مُعْقِبُ تفسير : قال البغوي: "وكلها لغات بمعنى واحد، يقال: عَاقَبَ وأعقَبَ وتعقَّب وتعَاقَبَ واعتقَبَ، إذا غنم". وقيل: التعقيب: غزوة بعد غزوة. فصل روي أن المسلمين قالوا: رضينا بما حكم الله، وكتبوا إلى المشركين فامتنعوا، فنزل قوله تعالى: {وَإِن فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِّنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَى ٱلْكُفَّارِ فَعَاقَبْتُمْ فَآتُواْ ٱلَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُمْ مِّثْلَ مَآ أَنفَقُواْ}. روى الزُّهري عن عروة عن عائشة - رضي الله عنها وعنهم - قالت: حكم الله عز وجل بينهم، فقال - جل ثناؤه -: {وَاسْأَلُواْ مَآ أَنفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلُواْ مَآ أَنفَقُواْ}، فكتب إليهم المسلمون: قد حكم الله - عز وجل - بيننا بأنه إذا جاءتكم امرأة منا، أن توجهوا إلينا بصداقها، وإن جاءتنا امرأة منكم، وجهنا إليكم بصداقها، فكتبوا إليهم: أما نحن، فلا نعلم لكم عندنا شيئاً، فإن كان لنا عندكم شيء، فوجهوا به، فأنزل الله تعالى: {وَإِن فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِّنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَى ٱلْكُفَّارِ فَعَاقَبْتُمْ فَآتُواْ ٱلَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُمْ مِّثْلَ مَآ أَنفَقُواْ}. الآية. وقال ابن عبَّاس رضي الله عنهما في قوله تعالى: {ذَلِكُمْ حُكْمُ ٱللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ} أي: بين المسلمين والكفار من أهل العهد من أهل مكة، يرد بعضهم على بعض. قال الزهريُّ: ولولا العهد، لأمسك النساء، ولم يرد إليهم صداقاً. وقال قتادة ومجاهدٌ: إنَّما أمروا أن يعطوا الذين ذهبت أزواجهم مثل ما أنفقوا من الفيء والغنيمة، وقالا: هي فيما بيننا وبينه عهد وليس بيننا وبينه عهد، وقالا: ومعنى {فَعَاقَبْتُمْ} فاقتصصتم. {فآتوا الذين ذهبت أزواجهم مثل ما أنفقوا} يعني: الصفات، فهي عامة في جميع الكفار. وقيل: فعاقبتم المرتدة بالقتل. وقال قتادة أيضاً: وإن فاتكم شيء من أزواجكم، إلى الكفار، الذين ليس بينكم وبينهم عهد، فآتوا الذين ذهبت أزواجهم مثل ما أنفقوا، ثم نسخ هذا في سورة براءة. وقال الزهريُّ: انقطع هذا يوم الفتح. وقال سفيان الثوري: لا يعمل به اليوم. وقال قوم: هو ثابت الحكم الآن أيضاً. حكاه القشيري. فصل قال القرطبي: الآية نزلت في أم الحكم بنت أبي سفيان، ارتدت وتركت زوجها عياض بن غنم الفهري، ولم ترتد امرأة من قريش غيرها، ثم عادت إلى الإسلام. وقال البغويُّ: روي عن ابن عبَّاسٍ قال: لحق بالمشركين من نساء المؤمنين المهاجرات، ست نسوة: أم الحكم بنت أبي سفيان، وكانت تحت عياض بن شداد الفهري، وفاطمة بنت أبي أمية بن المغيرة، كانت تحت عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فلما أراد عمر أن يهاجر أبت وارتدت، وبروعُ بنت عقبة، وكانت تحت شماس بن عثمان، وغرة بنت عبد العزيز بن نضلة، وزوجها عمرو بن عبد ودّ، وهند بنت أبي جهل بن هشام كانت تحت هشام بن العاص بن وائل، وأم كلثوم بنت جرول، وكانت تحت عمر بن الخطاب، فلما رجعن إلى الإسلام، أعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم أزواجهن مهور نسائهم من الغنيمة. فصل في رد مهر من أسلمت اختلفوا في رد مهر من أسلمت من النساء إلى أزواجهن، هل كان واجباً، أو مندوباً؟ وأصله أن الصلح هل كان قد وقع على رد النساء؟ على قولين: أحدهما: أنه وقع على رد الرجال، والنساء جميعاً، لما روي من قولهم: لا يأتيك منا أحد، إلا رددته، ثم صار الحكم في رد النساء منسوخاً بقوله: {فَلاَ تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى ٱلْكُفَّارِ}، فعلى هذا كان رد المهر واجباً. والثاني: أن الصلح لم يقع على ردّ النساء؛ لأنه روي أنه لا يأتيك منَّا رجل، وإن كان على دينك إلا رددته، وذلك؛ لأن الرجل لا يخشى عليه من الفتنة في الرد ما يخشى على المرأة من إصابة المشرك إياها، وأنه لا يؤمن عليها الردة إذا خوفت، وأكرهت عليها؛ لضعف قلبها، وقلة هدايتها إلى المخرج منه، بإظهار كلمة الكفر مع التورية، وإضمار الإيمان، ولا يخشى ذلك على الرجل لقوته، وهدايته إلى التقية، فعلى هذا كان رد المهر مندوباً. واختلفوا في أنه يجب به العمل اليوم في رد المال إذا اشترط في معاقدة الكفار فقال عطاء ومجاهد وقتادة: لا يجب، وزعموا أن الآية منسوخة. وقيل: هي غير منسوخة، ويرد إليهم ما أنفقوا. فصل في معنى الآية. معنى الآية: إن لحقت امرأة مؤمنة بكفار أهل "مكة"، وليس بينكم وبينهم عهد، ولها زوج مسلم قبلكم، فغنمتم فأعطوا هذا الزَّوج المسلم مهره من الغنيمة قبل أن تخمس، [وهو قول ابن عبَّاس رضي الله عنهما]. وقال الزهري: يعطى من الفيء. وعنه: يعطى من صداق من لحق منا. وقيل: إن امتنعوا من أن يغرموا مهر هذه المرأة التي ذهبت إليهم، فانبذوا العهد إليهم حتى إذا ظفرتم، فخذوا ذلك منهم {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ}، أي: احذروا أن تتعدوا ما أمرتم به.
السيوطي
تفسير : أخرج البخاري عن المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما عاهد كفار قريش يوم الحديبية جاءه نساء مؤمنات فأنزل الله {يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات} حتى بلغ {ولا تمسكوا بعصم الكوافر} فطلق عمر يومئذ امرأتين كانتا له في الشرك. وأخرج البخاري وأبو داود فيه ناسخه والبيهقي في السنن عن مروان بن الحكم والمسور بن مخرمة قالا: لما كاتب رسول الله صلى الله عليه وسلم سهيل بن عمرو على قضية المدة يوم الحديبية كان مما اشترط سهيل: أن لا يأتيك منا أحد، وإن كان على دينك إلا رددته إلينا، فرد رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا جندب بن سهيل، ولم يأت رسول الله صلى الله عليه وسلم أحد من الرجال إلا رده في تلك المدة، وإن كان مسلماً، ثم جاء المؤمنات مهاجرات وكانت أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط ممن خرج إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهي عاتق، فجاء أهلها يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يرجعها إليهم حتى أنزل الله في المؤمنات ما أنزل. وأخرج الطبراني وابن مردويه بسند ضعيف عن عبد الله بن أبي أحمد رضي الله عنه قال: هاجرت أم كلثوم بنت عقبة بن معيط في الهدنة فخرج أخواها عمارة والوليد حتى قدما على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكلماه في أم كلثوم أن يردها إليهما، فنقض الله العهد بينه وبين المشركين خاصة في النساء ومنعهن أن يرددن إلى المشركين، وأنزل الله آية الامتحان. وأخرج ابن دريد في أماليه: حدثنا أبو الفضل الرياشي عن ابن أبي رجاء عن الواقدي قال: فخرت أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط بآيات نزلت فيها، قالت: فكنت أول من هاجر إلى المدينة، فلما قدمت قدم أخي عليّ فنسخ الله العقد بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين المشركين في شأني، ونزلت {فلا ترجعوهن إلى الكفار} ثم أنكحني النبي صلى الله عليه وسلم زيد بن حارثة، فقلت أتزوجني بمولاك؟ فأنزل الله {أية : وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم}تفسير : [الأحزاب: 36] ثم قتل زيد، فأرسل إلى الزبير: احبسي على نفسك قلت: نعم فنزلت {أية : ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء} تفسير : [البقرة: 235]. وأخرج ابن سعد عن ابن شهاب رضي الله عنه قال: كان المشركون قد شرطوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية أن من جاء من قبلنا، وإن كان على دينك، رددته إلينا، ومن جاءنا من قبلك لم نردده إليك، فكان يرد إليهم من جاء من قبلهم يدخل في دينه، فلما جاءت أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط مهاجرة جاء أخواها يريدان أن يخرجاها ويرداها إليهم، فأنزل الله {يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات} الآية. إلى قوله: {وليسألوا ما أنفقوا} قال: هو الصداق، {وإن فاتكم شيء من أزواجكم} الآية، قال: هي المرأة تسلم فيرد المسلمون صداقها إلى الكفار، وما طلق المسلمون من نساء الكفار عندهم فعليهم أن يردوا صداقهن إلى المسلمين، فإن أمسكوا صداقاً من صداق المسلمين مما فارقوا من نساء الكفار أمسك المسلمون صداق المسلمات اللاتي جئن من قبلهم. وأخرج ابن إسحق وابن سعد وابن المنذر عن عروة بن الزبير رضي الله عنه أنه سئل عن هذه الآية، فكتب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان صالح قريشاً يوم الحديبية على أن يرد على قريش من جاء، فلما هاجر النساء أبى الله أن يرددن إلى المشركين إذا هنَّ امتحنَّ بمحنة الإِسلام فعرفوا أنهن إنما جئن رغبة فيهن وأمر برد صداقهن إليهم إذا حبسن عنهم، وأنهم يردوا على المسلمين صدقات من حبسوا عنهم من نسائهم، ثم قال: {ذلكم حكم الله يحكم بينكم} فأمسك رسول الله صلى الله عليه وسلم النساء، ورد الرجال، ولولا الذي حكم الله به من هذا الحكم رد النساء كما رد الرجال، ولولا الهدنة والعهد أمسك النساء ولم يرد لهنَّ صداقاً. وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في قوله: {إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن} قال: سلوهن ما جاء بهن، فإن كان جاء بهن غضب على أزواجهن أو غيرة أو سخط ولم يؤمن فأرجعوهن إلى أزواجهن، وإن كن مؤمنات بالله فأمسكوهن وآتوهن أجورهن من صدقتهن وانكحوهن إن شئتم وأصدقوهن وفي قوله: {ولا تمسكوا بعصم الكوافر} قال: أمر أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بطلاق نسائهن كوافر بمكة قعدن مع الكفار {واسألوا ما أنفقتم وليسألوا ما أنفقوا} قال: ما ذهب من أزواج أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم إلى الكفار فليعطهم الكفار صدقاتهم وليمسكوهن، وما ذهب من أزواج الكفار إلى أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم كمثل ذلك، هذا في صلح كان بين قريش وبين محمد صلى الله عليه وسلم {وإن فاتكم شيء من أزواجكم إلى الكفار} الذي ليس بينكم وبينهم عهد {فعاقبتم} أصبتم مغنماً من قريش أو غيرهم {فآتوا الذين ذهبت أزواجهم مثل ما أنفقوا} صدقاتهم عوضاً. وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة رضي الله عنه قال: خرجت امرأة مهاجرة إلى المدينة فقيل لها: ما أخرجك بغضك لزوجك أم أردت الله ورسوله؟ قالت: بل الله ورسوله، فأنزل الله {فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار} فإن تزوجها رجل من المسلمين فليرد إلى زوجها الأول ما أنفق عليها. وأخرج عبد بن حميد وأبو داود في ناسخه وابن جرير وابن المنذر عن قتادة رضي الله عنه في قوله: {يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات} قال: هذا حكم حكمه الله بين أهل الهدى وأهل الضلالة {فامتحنوهن} قال: كانت محنتهن أن يحلفن بالله ما خرجن لنشوز ولا خرجن إلا حبّاً للإِسلام، وحرصاً عليه، فإذا فعلن ذلك قبل منهن، وفي قوله: {واسألوا ما أنفقتم وليسألوا ما أنفقوا} قال: كن إذا فررن من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم إلى الكفار الذين بينهم وبين النبي صلى الله عليه وسلم عهد فتزوجن بعثوا بمهورهن إلى أزواجهن من المسلمين، وإذا فررن من المشركين الذين بينهم وبين النبي صلى الله عليه وسلم عهد فنكحوهن بعثوا بمهورهن إلى أزواجهن من المشركين، فكان هذا بين أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وبين أصحاب العهد من الكفار، وفي قوله: {وإن فاتكم شيء من أزواجكم إلى الكفار فعاقبتم} يقول: إلى كفار قريش ليس بينهم وبين أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم عهد يأخذونهم به {فعاقبتم} وهي الغنيمة إذا غنموا بعد ذلك ثم نسخ هذا الحكم وهذا العهد في براءة فنبذ إلى كل ذي عهد عهده. وأخرج ابن مردويهحديث : عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: {يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن} إلى قوله: {عليم حكيم} قال: كان امتحانهن أن يشهدن أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله، فإذا علموا أن ذلك حق منهن لم يرجعوهن إلى الكفار، وأعطى بعلها في الكفار الذين عقد له رسول الله صلى الله عليه وسلم صداقه الذي أصدقها، وأحلهن للمؤمنين إذا آتوهن أجورهن، ونهى المؤمنين أن يدعوا المهاجرات من أجل نسائهم في الكفار، وكانت محنة النساء أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال: قل لهن: إنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بايعكنّ على أن لا تشركن بالله شيئاً، وكانت هند بنت عتبة بن ربيعة التي شقت بطن حمزة متنكرة في النساء، فقالت: إني إن أتكلم يعرفني وإن عرفني قتلني، وإنما تنكرت فرقاً من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسكت النسوة التي مع هند وأبين أن يتكلمن، فقالت هند، وهي متنكرة: كيف يقبل من النساء شيئاً لم يقبله من الرجال؟ فنظر إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال لعمر رضي الله عنه: قل لهنّ: ولا يسرقن، قالت هند: والله إني لأصيب من أبي سفيان الهنة ما أدري أيحلهنّ أم لا؟ قال أبو سفيان: ما أصبت من شيء مضى أو قد بقي فهو لك حلال، فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم وعرفها، فدعاها فأتته، فأخذت بيده فعاذت به، فقال: أنت هند؟ فقالت: عفا الله عما سلف، فصرف عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي قوله: {وإن فاتكم شيء من أزواجكم إلى الكفار فعاقبتم} الآية، يعني إن لحقت امرأة من المهاجرين بالكفار، أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعطى من الغنيمة مثل ما أنفق . تفسير : وأخرج ابن مردويه عن ابن شهاب رضي الله عنه قال: بلغنا أن الممتحنة أنزلت في المدة التي ماد فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم كفار قريش من أجل العهد الذي كان بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين كفار قريش في المدة، فكان يرد على كفار قريش ما أنفقوا على نسائهم اللاتي يسلمن ويهاجرن وبعولتهن كفار، ولو كانوا حرباً ليست بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبينهم مدة عهد لم يردوا إليهم شيئاً مما أنفقوا، وقد حكم الله للمؤمنين على أهل المدة من الكفار بمثل ذلك الحكم، قال الله: {ولا تمسكوا بعصم الكوافر واسألوا ما أنفقتم وليسألوا ما أنفقوا ذلكم حكم الله يحكم بينكم والله عليم حكيم} فطلق عمر بن الخطاب رضي الله عنه امرأته بنت أبي أمية بن المغيرة من بني مخزوم فتزوجها معاوية بن أبي سفيان، وبنت جرول من خزاعة فزوّجها رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي جهم بن حذيفة العدوي، وجعل ذلك حكماً حكم به بين المؤمنين وبين المشركين في مدة العهد التي كانت بينهم، فأقر المؤمنون بحكم الله، فأدوا ما أمروا به من نفقات المشركين التي أنفقوا على نسائهم، وأبى المشركون أن يقروا بحكم الله فيما فرض عليهم من أداء نفقات المسلمين، فقال الله: {وإن فاتكم شيء من أزواجكم إلى الكفار فعاقبتم فآتوا الذين ذهبت أزواجهم مثل ما أنفقوا واتقوا الله الذي أنتم به مؤمنون} فإذا ذهبت بعد هذه الآية امرأة من أزواج المؤمنين إلى المشركين رد المؤمنون إلى أزواجها النفقة التي أنفق عليها من العقب الذي بأيديهم الذي أمروا أن يردوه إلى المشركين من نفقاتهم التي أنفقوا على أزواجهن اللاتي آمنّ وهاجرن، ثم ردوا إلى المشركين فضلاً إن كان لهم. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد عن مجاهد رضي الله عنه {ولا تمسكوا بعصم الكوافر} قال: الرجل تلحق امرأته بدار الحرب فلا يعتد بها من نسائه. وأخرج ابن أبي شيبة عن سعيد بن جبير رضي الله عنه مثله. وأخرج عبد بن حميد عن عامر الشعبي رضي الله عنه قال: كانت زينب امرأة ابن مسعود رضي الله عنه من الذين قالوا له: {واسألوا ما أنفقتم وليسألوا ما أنفقوا} . وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد عن مجاهد رضي الله عنه {وإن فاتكم شيء من أزواجكم إلى الكفار فعاقبتم} إن امرأة من أهل مكة أتت المسلمين فعوضوا زوجها، وإن امرأة من المسلمين أتت المشركين فعوضوا زوجها، وإن امرأة من المسلمين ذهبت إلى من ليس له عهد من المشركين {فعاقبتم فأصبتم غنيمة فآتوا الذين ذهبت أزواجهم مثل ما أنفقوا} يقول: آتوا زوجها من الغنيمة مثل مهرها. وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: حديث : خرج سهيل بن عمرو فقال رجل من أصحابه: يا رسول الله ألسنا على حق، وهم على باطل؟ قال: بلى قال: فما بال من أسلم منهم رد إليهم، ومن أتبعهم منا نرده إليهم؟ قال: أما من أسلم منهم فعرف الله منه الصدق أنجاه، ومن رجع منا سلم الله منه، قال: ونزلت سورة الممتحنة بعد ذلك الصلح، وكانت من أسلم من نسائهم، فسئلت: ما أخرجك؟ فإن كانت خرجت فراراً من زوجها ورغبة عنه، ردت، وإن كانت خرجت رغبة في الإِسلام أمسكت ورد على زوجها مثل ما أنفق . تفسير : وأخرج ابن أبي حاتم عن يزيد بن أبي حبيب رضي الله عنه أنه بلغه أنه نزلت {يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات} الآية، في امرأة أبي حسان بن الدحداحة، وهي أميمة بنت بسر امرأة من بني عمرو بن عوف، وأن سهل بن حنيف تزوجها حين فرت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فولدت له عبد الله بن سهل. وأخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل رضي الله عنه قال: كان بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين أهل مكة عهد شرط في أن يرد النساء فجاءت امرأة تُسمى سعيدة، وكانت تحت صيفي بن الراهب، وهو مشرك من أهل مكة، وطلبوا ردها فأنزل الله {إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات} الآية. وأخرج عبد بن حميد وأبو داود في ناسخه وابن جرير وابن المنذر عن الزهري رضي الله عنه قال: نزلت هذه الآية وهم بالحديبية، لما جاء النساء أمره أن يرد الصداق إلى أزواجهن، وحكم على المشركين مثل ذلك إذا جاءتهم امرأة من المسلمين أن يردوا الصداق إلى زوجها، فأما المؤمنون فأقروا بحكم الله، وأما المشركون فأبوا أن يقروا، فأنزل الله {وإن فاتكم شيء من أزواجكم إلى الكفار} إلى قوله: {مثل ما أنفقوا} فأمر المؤمنون إذا ذهبت امرأة من المسلمين ولها زوج من المسلمين أن يرد إليه المسلمون صداق امرأته مما أمروا أن يردوا على المشركين. وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر عن إبراهيم النخعي رضي الله عنه في قوله: {إذا جاءكم المؤمنات} الآية، قال: كان بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد، وكانت المرأة إذا جاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم امتحنوها ثم يردون على زوجها ما أنفق عليها، فإن لحقت امرأة من المسلمين بالمشركين فغنم المسلمون ردوا على صاحبها ما أنفق عليها. قال الشعبي: ما رضي المشركون بشيء ما رضوا بهذه الآية، وقالوا: هذا النصف. وأخرج ابن أبي أسامة والبزار وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه بسند حسن عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: {إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن} ولفظ ابن المنذر أنه سئل بم كان النبي صلى الله عليه وسلم يمتحن النساء؟ قال: كانت المرأة إذا جاءت النبي صلى الله عليه وسلم حلفها عمر رضي الله عنه بالله ما خرجت رغبة بأرض عن أرض، وبالله ما خرجت من بغض زوج، وبالله ما خرجت التماس دنيا، وبالله ما خرجت إلا حباً لله ورسوله. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن عكرمة رضي الله عنه قال: يقال لها ما جاء بك عشق رجل منا، ولا فرار من زوجك، ما خرجت إلا حباً لله ورسوله. وأخرج ابن منيع من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: أسلم عمر بن الخطاب وتأخرت امرأته في المشركين فأنزل الله {ولا تمسكوا بعصم الكوافر} . وأخرج الطبراني وأبو نعيم وابن عساكر عن يزيد بن الأخنس رضي الله عنه أنه لما أسلم أسلم معه جميع أهله إلا امرأة واحدة أبت أن تسلم فأنزل الله {ولا تمسكوا بعصم الكوافر} فقيل له: قد أنزل الله أنه فرق بينها وبين زوجها إلا أن تسلم، فضرب لها أجل سنة، فلما مضت السنة إلا يوماً جلست تنظر الشمس حتى إذا دنت للغروب أسلمت. وأخرج ابن أبي حاتم عن طلحة رضي الله عنه قال: لما نزلت {ولا تمسكوا بعصم الكوافر} طلقت امرأتي أروى بنت ربيعة، وطلق عمر قريبة بنت أبي أمية وأم كلثوم بنت جرول الخزاعية. وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر عن إبراهيم النخعي رضي الله عنه في قوله: {ولا تمسكوا بعصم الكوافر} قال: نزلت في المرأة من المسلمين تلحق بالمشركين فتكفر فلا يمسك زوجها بعصمتها، قد برىء منها. وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن في قوله: {وإن فاتكم شيء من أزواجكم إلى الكفار} قال: نزلت في امرأة الحكم بنت أبي سفيان ارتدت فتزوجها رجل ثقفي، ولم ترتد امرأة من قريش غيرها، فأسلمت مع ثقيف حين أسلموا. وأخرج أبو داود في ناسخه وابن المنذر عن ابن جريج {فامتحنوهن} الآية قال: سألت عطاء عن هذه الآية تعلمها؟ قال: لا.
ابو السعود
تفسير : {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ} بـيانٌ لحكمِ من يُظهرُ الإيمانَ بعدَ بـيانِ حُكم فريقي الكافرينِ {إِذَا جَاءكُمُ ٱلْمُؤْمِنَـٰتُ مُهَـٰجِرٰتٍ} من بـينِ الكفارِ {فَٱمْتَحِنُوهُنَّ} فاختبروهُنَّ بما يغلبُ على ظَنِّكم موافقة قلوبهنَّ للسانِهنَّ في الإيمانِ. يُروى حديث : أنَّ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم كانَ يقولُ للتي يمتحنُهَا بالله الذي لا إلَه إلا هُو "ما خرجتِ من بغضِ زوجٍ بالله ما خرجتِ رغبةً عن أرضٍ إلى أرضٍ بالله ما خرجتِ التماسَ دُنيا بالله ما خرجتِ إلا حباً لله ورسولِه تفسير : {ٱللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَـٰنِهِنَّ}" لأنَّه المطلعُ على ما في قلوبهنَّ والجملةُ اعتراضٌ {فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ} بعدَ الامتحانِ {مُؤْمِنَـٰتٍ} علماً يمكنكم تحصيلُه وتبلغُه طاقتُكم بعد اللَّتيا وَالتى من الاستدلال بالعلائمِ والدلائلِ والاستشهادِ بالأماراتِ والمخايلِ وهو الظنُّ الغالبُ، وتسميتُه علماً للإيذانِ بأنه جارٍ مجرى العلمِ في وجوبِ العملِ به {فَلاَ تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى ٱلْكُفَّارِ} أي إلى أزواجِهِنَّ الكفرةِ لقولهِ تعالى: {لاَ هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ وَلاَ هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ} فإنَّه تعليلٌ للنهي عن رجعهنَّ إليهمِ، والتكريرُ إما لتأكيدِ الحرمةِ أو لأنَّ الأولَ لبـيانِ زوالِ النكاحِ الأولِ والثانيَ لبـيانِ امتناعِ النِّكاحِ الجديدِ {وَأَتُوهُم مَّآ أَنفَقُواْ} أي وأعطُوا أزواجهنَّ مثلَ ما دفعُوا إليهنَّ من المهورِ وذلكَ أنَّ صلحَ الحديبـيةِ كانَ على أنَّ من جاءَنا منكُم رددناهُ فجاءتْ سُبـيعةُ بنتُ الحارثِ الأسلمية مسلمة والنبـي عليه الصلاة والسلام بالحديبـية فأقبل زوجها مسافرٌ المخزوميُّ وقيلَ صيفيُّ بنُ الراهبِ فقال يا محمدُ ارددْ عليَّ امرأتِي فإنكَ قد شرطتَ أن تردَّ علينا من أتاكَ منا فنزلتْ لبـيانِ أن الشرطَ إنما كانَ في الرجالِ دُونَ النساءِ فاستحلفَها رسولُ الله صلى الله عليه وسلم فحلفتْ فأَعطى زوجَها ما أنفقَ وتزوجَها عمرُ رضيَ الله عنهُ. {وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَن تَنكِحُوهُنَّ} فإنَّ إسلامَهُنَّ حالَ بـينهنَّ وبـينَ أزواجهنَّ الكفارِ {إِذَآ ءَاتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ} شُرطَ إيتاءُ المهرِ في نكاحهنَّ إيذاناً بأنَّ ما أُعطَى أزواجُهُنَّ لا يقومُ مقامَ المَهْرِ {وَلاَ تُمْسِكُواْ بِعِصَمِ ٱلْكَوَافِرِ} جمعُ عصمةٍ وهي ما يُعتصم به من عقدٍ وسببٍ أيْ لا يكُنْ بـينكُم وبـينَ المشركاتِ عصمةٌ ولا عُلقةٌ زوجيةٌ قال ابنُ عباسٍ رضيَ الله عنهُمَا: من كانتْ له امرأةٌ كافرةٌ بمكةَ فلا يعتدنَّ بها من نسائِهِ لأنَّ اختلافَ الدارينِ قطعَ عصمتَها منْهُ وعنِ النخعيِّ رحمه الله هيَ المسلمةُ تلحقُ بدارِ الحربِ فتكفُرُ وعن مجاهدٍ أمرهُم بطلاقِ الباقياتِ مع الكفارِ ومفارقتِهِنَّ، وقُرِىءَ ولا تُمسّكوا بالتشديد ولا تَمسّكوا بحذف إحدى التاءين من تتمسكوا {وَاسْأَلُواْ مَّآ أَنفَقْتُمْ} من مهورِ نسائِكم اللاحقاتِ بالكُفَّارِ {وَلْيَسْئَلُواْ مَآ أَنفَقُواْ} من مهورِ أزواجهنَّ المهاجراتِ {ذٰلِكُمْ} الذي ذُكِرَ {حُكْمُ ٱللَّهِ} وقولُه تعالَى {يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ} كلامٌ مستأنفٌ أو حالٌ من حكمِ الله على حذفِ الضميرِ أي يحكمُه الله أو جعلَ الحكمَ حاكماً على المبالغةِ {وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} يشرعُ ما تقتضيهِ الحكمةُ البالغةُ. رُويَ أنَّه لما نزلتْ الآيةُ أدَّى المؤمنونَ ما أُمروا بهِ من مهورِ المهاجراتِ إلى أزواجهنَّ المشركينَ وأبى المشركونَ أنْ يؤدُوا شيئاً من مهورِ الكوافرِ إلى أزواجِهنَّ المسلمينَ، فنزلَ قولُه تعالى {وَإِن فَاتَكُمْ} أي سبقكُم وانفلتَ منكُم {شَىْء مّنْ أَزْوٰجِكُمْ إِلَى ٱلْكُفَّـٰرِ} أي أحدٌ من أزواجِكم وقد قُرِىءَ كذلكَ وإيقاعُ شيءٌ موقعَهُ للتحقيرِ والإشباعِ في التعميمِ أو شيءٌ من مهورِ أزواجِكم {فَعَـٰقَبْتُمْ} أي فجاءتُ عقبتُكم أي نوبتُكم من أداءِ المهرِ شبه ما حكم به على المسلمينَ والكافرينَ من أداءِ مهورِ نساءِ أولئكَ تارةً وأداءِ أولئكَ مهورَ نساءِ هؤلاءِ أُخرى بأمرٍ يتعاقبونَ فيهِ كما يتعاقبُ في الركوبِ وغيرِه {فَاتُواْ ٱلَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوٰجُهُمْ مّثْلَ مَا أَنفَقُواْ} من مهرِ المهاجرةِ التي تزوجتُموها ولا تؤتوهُ زوجَها الكافرَ، وقيلَ معناهُ إنْ فاتكم فأصبتُم من الكفارِ عُقْبى هيَ الغنيمةُ فآتُوا بدلَ الفائتِ من الغنيمةِ. وقُرىءَ فأعقبتُم وفعقَّبْتُم بالتشديدِ وفعقِبْتُم بالتخفيفِ وفتحِ القافِ وبكسرِهَا. قيلَ جميعُ منْ لحقَ بالمشركينَ من نساءِ المؤمنينَ المهاجرينَ ستُّ نسوةٍ أمُّ الحكمِ بنتُ أبـي سفيانَ وفاطمةُ بنتُ أميةٍ وبَرْوعُ بنتُ عُقْبةٍ وعبدةُ بنتُ عبدِ العُزَّى وهندُ بنتُ أبـي جهلٍ وكلثومٌ بنتُ جرولٍ {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ٱلَّذِى أَنتُم بِهِ مُؤْمِنُونَ} فإن الإيمانَ بهِ تعالى يقتضِي التَّقوى منهُ تعالَى.
التستري
تفسير : قوله تعالى: {وَلاَ تُمْسِكُواْ بِعِصَمِ ٱلْكَوَافِرِ}[10] قال: لا توافقوا أهل البدع على شيء من أهوائهم وآرائهم، والله سبحانه وتعالى أعلم.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {وَلاَ تُمْسِكُواْ بِعِصَمِ ٱلْكَوَافِرِ} [الآية: 10]. قال سهل: لا توافقوا أهل البدع على شىء من أرائهم.
القشيري
تفسير : قوله جل ذكره: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا جَآءَكُمُ ٱلْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَٱمْتَحِنُوهُنَّ ٱللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلاَ تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى ٱلْكُفَّارِ}. كان النبيُّ صلى الله عليه وسلم يمتحنهن باليمين، فَيَحْلِفَنَّ إنَّهن لم يخرجن إلاَّ لله، ولم يخرجن مغايظةً لأزواجهن، ولم يخرجن طمعاً في مالٍ. وفي الجملة: الامتحانُ طريقٌ إلى المعرفة، وجواهرُ الناس تتبيَّن بالتجربة. ومَنْ أقْدَمَ على شيءٍ من غير تجربة تَحَسَّى كأسَ الندم. {وَلاَ تُمْسِكُواْ بِعِصَمِ ٱلْكَوَافِرِ}. لا توافِقوا مَنْ خالَفَ الحقَّ في قليل أو كثير.
البقلي
تفسير : قوله تعالى {وَلاَ تُمْسِكُواْ بِعِصَمِ ٱلْكَوَافِرِ} اى لا تاخذوا هو اجس النفس والشيطان من جهة موافقتها ومتابعتها قال سهل لا توافقوا اهل البدع على شئ من ارائهم.
اسماعيل حقي
تفسير : {يا أيها الذين آمنوا} بيان لحكم من يظهر الايمان بعد بيان حكم فريقى الكافرين {اذا جاءكم المؤمنات} اى بدلالة ظاهر حالهن واقرارهن بلسانهن او المشارفات للايمان ولا بعد أن تكون التسمية بالمؤمنات لكونهن كذلك فى علم الله وذلك لاينافى امتحان غيره تعالى {مهاجرات} من بين الكفار حال من المؤمنات {فامتحنوهن} فاختبروهن بما تغلب به على ظنكم موافقة قلوبهن للسانهن فى الايمان قيل انه من أرادت منهم اضرار زوجها قالت سأهاجر الى محمد عليه السلام فلذلك امر النبى بامتحانهن وكان عليه السلام يقول للتى يمتحنها "حديث : بالله الذى لا اله الا هو ماخرجت عن بغض زوج اى غير بغض فى الله لحب الله بالله ماخرجت رغبة عن ارض الى ارض بالله ماخرجت التماس دنيا بالله ماخرجت عشقا لرجل من المسلمين بالله ماخرجت لحدث احدثه بالله ماخرجت الا رغبة فى الاسلام وحب لله ولرسوله"تفسير : فاذا حلفت بالله الذى لا اله الا هو على ذلك اعطى النبى عليه السلام زوجها مهرها وما انفق عليها ولا يردها الى زوجها قال السهيلى نزلت فى ام كلثوم بن عقبة بن ابى معيط وهى امرأة عبدالرحمن بن عوف ولدت له ابراهيم بن عبدالرحمن وكانت ام كلثوم اخت عثمان بن عفان رضى الله عنه لامه أروى وافادت الآية ان الامتحان فى محله حسن نافع ولذا تمتحن المنكوحة ليلة الزفاف وتستوصف الاسلام مع سهولة فى السؤال واشارة الى الجواب لانها لو قالت ماأعرف بانت من زوجها شعر : خوش بودكر محك تجربة آد بميان تاسيه روى شود دروغش باشد تفسير : {والله اعلم بايمانهن} منكم لانه المطلع على مافى قلوبهن فلا حاجة له الى الامتحان وليس ذلك للبشر فيحتاج اليه والجملة اعتراض {فان علمتموهن} بعد الامتحان {مؤمنات} العلم الذى يمكنكم تحصيله وهو الظن الغالب بالحلف وظهور الامارات وانما سماه علما ايذانا بأنه جار مجرى العلم فى وجوب العلم به ففى علمتموهن استعارة تبعية {فلا ترجعوهن الى الكفار} من الرجع بمعنى الرد لا من الرجوع ولذلك عدى الى المفعول اى لاتردوهن الى ازواجهن الكفرة لقوله تعالى {لاهن حل له ولا هم يحلون لهن} فان تعليل للنهى عن رجعهن اليهم يعنى لاتحل مؤمنة لكافر لشرف الايمان ولا نكاح كافر لمسلمة لخبث الكفر وبالفارسية نه ايشان يعنى زنان حلا لندمر كافر انرا ونه كافران حلال ميشوند مرين زنانرا جه تباين دارند جدايى افكنده ميان ايشان، والتكرير اما لتأكيد الحرمة والا فيكفى نفى الحال من احد الجانبين اولان الاول لبيان زوال النكاح الاول والثانى لبيان امتحان النكاح الجديد {وآتوهم ما انفقوا} هذا هو الحكم الثانى اى واعطوا ازواجهن مثل مادفعوا اليهم من المهور وذلك اى بيان المراد بما انفقوا هو المهور أن صلح الحديبية كان على ان من جاءنا منكم رددناه فجائت سبيعة بن الحارث الاسلمية مسلمة والنبى عليه السلام بالحديبية فأقبل زوجها مسافر المخزومى طالبا لها فقال يا محمد اردد على امرأتى فانك قد شرطت أن ترد علينا من اتاك منا فنزلت لبيان ان ا لشرط انما كان فى الرجال دون النساء فاستحلفها رسول الله فحلفت فأعطى زوجها ما انفق وهوالمهر بالانفاق وتزوج بها عمر رضى الله عنه وانما رد لرجال دون النساء لضعف النساء عن الدفع عن انفهسن وعجزهن عن الصبر على الفتنة وفى اللباب ان المخاطب بهذا هو الامام ليؤتى من بيت المال الذى لايتعين له مصرف وان المقيمة منهن على شركها مردودة عليهم وان المؤمن يحل له أن ينكح كتابية فان الرجال قوامون على النساء فليس تسلطه عليها كتسلط الكافر على المسلمة ولعل المراد بايتاء ما أنفقوا رعاية جانب المؤمن بالحث على اظهار المروئة وايثار السخاء والا فمن المسائل المشهورة ان المرأة تملك تمام المهر بخلوة صحيحة فى قطعة من اليوم او الليلة وان لم يقع استمتاع اصلا وايضا ان فى الانفاق تأليف القلوب وامالتها الى جانب الاسلام وأفادت الآية ان اللائق بالولى كائنا من كان أن يحذر تزويج مؤمنة له ولاية عليها بمبتدع تفضى بدعته الى الكفر وللحاكم أن يفرق بينه وبينها ان ظهرت منه تلك البدعة الا أن يتوب ويجدد ايمانه ونكاحه سئل الرستغفنى عن المناكحة بين اهل السنة وبين اهل الاعتزال فقال لاتجوز كما فى مجمع الفتاوى وقس عليه سائر الفرق الضالة التى لم يكن اعتقادهم كاعتقاد اهل السنة ولزمهم بذلك الاعتقاد اكفارا وتضليل ولهم كثرة فى هذه الاعصار جدا قال فى بعض التفاسير اخاف أن يكون من تلك المبتدعة بعض المتصوفة من أهل زماننا الذى يدعى ان شيخه قطب الزمان يجب الاقتداء به على كل مسلم حتى ان من لم يكن من جملة مريديه كان كافرا وان مات من لم يمت مؤمنا فيستدل بقوله عليه السلام "حديث : من مات ولم يعرف امام زمانه مات ميتة جاهلية"تفسير : ويقول المراد بالامام هو القطب وشيخنا هو القطب فمن لم يعرف قطبيته ولم يتبعه مات على سوء الحال وجوابه ان المراد بالامام هو الخليفة والسلطان وقريش اصل فيه لقوله عليه السلام "حديث : الامام من قريش ومن عداهم تبع لهم كشريف الكعبة مع آل عثمان"تفسير : فالشريف احدى الذات ولذا لاقوة له وآل عثمان واحدى الذات ولذا صار مظهر سر قوله تعالى {أية : هو الذى ايدك بنصره وبالمؤمنين}تفسير : فاعرف الاشارة وايضا المراد من الامام نبى ذلك الزمان وهو فى آخر الزمان رسولنا محمد عليه السلام ولاشك ان من لم يعرفه ولم يصدقه مات ميتة جاهلية ولئن سلم ان المراد بالامام هو القطب من طريق الاشارة فلا شك ان للقطبية العظمى شرآئط لايوجد واحد منها فى الكذابين فلا يثبت لهم القطبية اصلا على ان التصديق بالقطب لايستلزم صحبته لان مبنى هذا الامر على الباطن فالاقطاب لم يهتد اليهم الا اقل الافراد فاظهارهم لقطبيتهم خارج عن الحكمة ولما قربت القيامة وقع أن يتغير احوال كل طائفة عاما فعاما شهرا فشهرا اسبواعا فاسبوعا يوما فيوما لايزال هذا التغيير الى انقراض الاخيار لانه لاتقوم الساعة الا على الاشرار وفى المرفوع "حديث : لايأتيكم زمان الا والذى بعده شر منه حتى تلقوا ربكم"تفسير : (قال الحافظ) شعر : روزى اكر غمى رسدت تنك دل مباش روشكر كن مبادكه از يد بتر شود تفسير : وفى الحديث "حديث : ما من بنى بعثه الله فى امة قبلى الا كان له من امته حواريون واصحاب يأخذون بسنته ويقتدون بأمره ثم انها تخلف من بعدهم خلوف يقولون مالا يفعلون ويفعلون مالا يؤمرون فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن ليس ورآء ذلك من الايمان حبة خردل"تفسير : رواه مسلم وقال عليه السلام "حديث : يذهب الصالحون الاول فالاول ويبقى حفالة كحفالة الشعير او التمر لايبالى بهم الله واول التغير كان فى الامراء ثم فى العلماء ثم فى الفقراء ففىكل طائفة اهل هدى واهل هوى فكن من اهل الهدى او المتشبهين بهم فان من تشبه بقوم فهو منهم ومن كثر سواد قوم فهو منهم"تفسير : وفى الحديث "حديث : من احب قوما على عملهم حشر فى زمرتهم وحوسب بحسابهم وان لم يعمل بعملهم"تفسير : {ولاجناح عليكم} هذا هو الحكم الثالث يقال جنحت السفينة اى مالت الى احد جانبيها وسمى الاثم المائل بالانسان عن الحق جناحا ثم سمى كل اثم جناحا {أن تنكحوهن} اى تنكحوا المهاجرات وتتزوجوهن وان كان لهن ازواج كفار فى دار الحرب فان اسلامهن حال بينهن وبين ازواجهن الكفار {اذا آتيتموهن اجورهن} اذا ظرفية محضة او شرطية جوابها محذوف دل عليه ماتقدمها شرط ايتاء المهر فى نكاحهن ايذانا بأن ماأعطى ازواجهن لايقوم مقام المهر لأن ظاهر النظم يقتضى ايتاءين ايتاء الى الازواج وايتاء اليهن على سبيل المهر وفى التيسير التزمتم مهورهن ولم يرد حقيقة الادآء كما فى قوله تعالى {أية : حتى يعطوا الجزية عن يد}تفسير : أى يلتزموها استدل بالآية ابو حنيفة رحمه الله على ان احد الزوجين اذا خرج من دار الحرب مسلما او بذمة وبقى الآخر حربيا وقعت الفرقة ولايرى العدة على المهاجرة ولا على الذمية المطلقة ولا على المتوفى عنها زوجها ويبيح نكاحها الا أن تكون حاملا لانه تعالى نفى الجناح من كل وجه فى نكاحهن بعد ايتاء المهور ولم يقيد بمضى العدة وقالا عليها العدة وفى الهداية قول أبى حنيفة فيما اذا كان معتقدهم انه لاعدة واما اذا كانت حاملا فقد قال عليه السلام "حديث : من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يسقين ماءه زرع غيره"تفسير : {ولا تمسكوا بعصم الكوافر} هذا هو الحكم الرابع والامساك جنك درزدن، ويعدى بالباء والعصم جمع عصمة وهى مايعتصم به من عقد وسبب والكوافر جمع كافرة والكوافر طائفتان من النساء طائفة قعدت عن الهجرة وثبتت على الكفر فى دار الحرب وطائفة ارتدت عن الهجرة ولحقت بازواجها الكفار والمعنى لايكن بينكم وبين المشركات عصمة ولا علقة زوجية وقال ابن عباس رضى الله عنهما من كانت له امرأة كافرة بمكة فلا يعتدن بها من نسائه كما قال بعض اهل التفسير المراد بالعصمة هنا النكاح بمعنى من كانت له زوجة كافرة بمكة او ارتدت ورجعت اليها فلا يعتد بها وبعدها من نسائه لان اختلاف الدارين قطع عصمتها منه فجاز له أن يتزوج بأربع سواها وبرابعة وباختها من غير تربص وعدة وبالفارسية وما يستيد بنكه داشتن زنان كافره وايشانرا بزنان خود مشمريد، فيكون اشارة الى حكم اللاتى بقين فى دار الكفر وما اسلمن ولا هاجرن بعد اسلام ازواجهن وهجرتهم وعن النخعى هى المسلمة تلحق بدار الحرب فتكفر فيكون قوله {ولاتمسكوا} بمقابلة قوله {اذا جاءكم المؤمنات} يعنى ان قوله {اذا جاءكم} الخ اشارة الى حكم اللاتى اسلمن وخرجن من دار الكفر وقوله {ولا تمسكوا} الخ اشارة الى حكم المسلمات اللاتى ارتددن وخرجن من دار الاسلام الى دار لكفر وعلى التفسيرين زال عقد النكاح بينهن وبين ازواجهن وانقطعت عصمتهن عنهم باختلاف الدارين فالعصمة هى المنع أريد بها فى الآية عقد النكاح الذى هو سبب لمنع ازواجهن اياهن عن الاطلاق اى لاتعتدوا بما كان بينكم وبينهن من العقد الكائن قبل حصول اختلاف الدارين والفرقة عند الخليفة تقع بنفس الوصول الى دار الاسلام فلا حاجة الى الطلاق بعد وقوع الفرقة وكانت زينب بنت رسول الله عليه السلاة والسلام امرأة أبى العاص ابن الربيع فلحقت بالنبى عليه السلام واقام ابو العاص بمكة مشركا ثم اتى المدينة فاسلم فردها عليه رسول الله عليه السلام واذا اسلم الزوجان معا او اسلم زوج الكتابية فما على نكاحهما بالاتفاق واذا اسلمت المرأة فان كان مدخولا بها فأسلم فى عدتها فهى امرأته بالاتفاق وان كانت غير مدخول بها وقعت الفرقة بينهما وكان فسخا عند الثلاثة وقال ابو حنيفة يعرض عليه الاسلام فان أسلم فهى امرأته والا فرق القاضى بينهما بآبائه عن الاسلام وتكون هذه الفرقة طلاقا عند أبى حنيفة ومحمد وفسخا عند أبى يوسف ولها المهر ان كانت مدخولا بها والا فلا بالاتفاق واما اذا ارتد احد الزوجين المسلمين فقال أبو حنيفة ومالك تقع الفرقة حال الردة بلا تأخير قبل الدخول وبعده وقال الشافعى واحمد ان كانت الردة من احدهما قبل الدخول انفسخ النكاح وان كانت بعده وقعت الفرقة على انقضاء العدة فان أسلم المرتد منهما فى العدة ثبت النكاح والا انفسخ بانقضائها ثم ان كان المرتد الزوجة بعد الدخول فلها المهر وقبله لاشىء لها وان كان الزوج فلها الكل بعده والنصف قبله بالاتفاق كذا فى فتح الرحمن وقال سهل رحمه الله فى الآية ولا توافقوا اهل البدع فى شىء من آرآئهم {واسألوا ماأنفقتم} هذه هو الحكم الخامس اى واسألوا الكافر ايها المؤمنون ماأنفقتم يعنى آنجه خرج كرده آيد من مهور نسائكم اللاحقات بالكفار اى اذا ارتدت امرأة احدكم ولحقت بدار الحرب فاسألوا مهرها ممن تزوجها ولعل هذا لتطرية قلوب بعض المؤمنين بالمقابلة والمعادلة والا فظاهر حال الكرام الاستغناء عنه {وليسألوا} اى الكفار منكم {ماأنفقوا} من مهور ازواجهم المهاجرات اى يسأل كل حربى اسلمت امرأته وهاجرت الينا من تزوجها منا مهرها وبالفارسية عصمت زوجيه منقطع شد ميان مؤمن وكافرة وميان كافر ومؤمنة بس هربك بايدكه رد كند مهريرا كه بصاحبه خود داده اند، وظاهر قوله وليسألوا يدل على ان الكفار مخاطبون بالاحكام وهو أمر للمؤمنين بالاداء مجازا من قبيل اطلاق الملزوم وارادة اللازم كما فى قوله تعالى {أية : وليجدوا فيكم غلظة}تفسير : فانه بمعنى واغلظوا عليهم {ذلكم} الذى ذكر فى هذه الآية من الاحكام {حكم الله} ماحكم الله به لان يراعى وقوله تعالى {يحكم بينكم} كلام مستأنف للتأكيد والحث على الرعاية والعمل به قال فى فتح الرحمن ثم نسخ هذا الحكم بعد ذلك الا قوله {لاهن حل لهم ولاهم يحلون لهن} {والله عليم} بمصالحكم {حكيم} بشرع ماتقتضيه الحكمة البالغة قال ابن العربى كان حكم الله هذا مخصوصا بذلك الزمان فى تلك النازلة خاصة وقال الزهرى ولولا هذه الهدنة والعهد الذى كان بين رسول الله وبين قريش يوم الحديبية لامسك النساء ولم يرد الصداق وكذا كان يصنع ممن جاءه من المسلمات قبل العهد روى انه لما نزلت الآية ادى المؤمنون ماامروا به من مهور المهاجرات الى ازواجهن المشركين وابى المشركون أن يؤدوا شيئا من مهور الكوافر الى ازواجهن المسلمين وقالوا نحن لانعلم لكم عندنا شيئا فان كان لنا عندكم شىء فوجهوا به فنزل قوله تعالى {وان فاتكم} الفوت بعد الشىء عن الانسان بحيث يتعذر ادراكه وتعديته بالى لتضمنه معنى السبق او الانفلات دل عليه قوله {فآتوا الذين ذهبت ازواجهم} اى الى الكفار والمعنى سبقكم وانقلبت منكم اى خرج وفر منكم فجأة من غير تردد ولا تدبر وبالفارسية واكرفوت شود از شما اى مؤمنان {شىء من ازواجكم الى الكفار} اى احد من ازواجكم الى الكفار ودارهم ومهر او بدست شمانيابد. وقد قرىء به وايقاع شىء موقعه للتحقير والاشباع فى التعميم لان النكرة فى سياق الشرط تفيد العموم والشىء لكونه اعم من الاحد أظهر احاطة لاصناف الزوجات اى اى نوع وصنف من النساء كالعربية او العجمية او الحرة او الامة او نحوها او فاتكم شىء من مهور ازواجكم على حذف المضاف ليتطابق الموصوف وصفته والزوج هنا هى المرأة (روى) انها نزلت فى ام الحكم بنت ابى سفيان فرت فتزوجها ثقفى ولم ترتد امرأة من قريش غيرها واسلمت مع قريش حين اسلموا وسيأتى غير ذلك {فعاقبتم} من العقبة وهى النوبة والمعاقبة المناوبة يقال عاقب الرجل صاحبه فى كذا اى جاء فعل كل واحد منهما بعقب فعل الآخر والمعنى وجاءت عقبتكم ونوبتكم من ادآء المهر بأن هاجرت امرأة الكافر مسلمة الى المسلمين ولزمهم المرتدة ممن تزوجها منهم شبه ماحكم به على المسلمين والكافرين من ادآء هؤلاء مهور نساء اولئك تارة وادآء اولئك مهور نساء هؤلاء اخرى بأمر يتعاقبون فيه كما يتعاقب فى الركوب ونحو اى يتناوب والا فأدآء كل واحد من المسلمين والكفار لايلزم أن يعقب ادآء الآخر لجواز أن يتوجه الادآء لاحد الفريقين مرارا متعددة من غير أن يلزم الفريق الآخر شىء وبالعكس فلا يتعاقبون فى الآداء {فآتوا الذين ذهبت ازواجهم مثل ماأنفقوا} اى من المهاجرة التى تزوجتموها ولاتؤتوا زوجها الكافر يعنى ان فاتت امرأة مسلم الى الكفار ولم يعط الكفار مهرها فاذا فاتت امرأة كافر الى المسلمين اى هاجرت اليهم وجب على المسلمين أن يعطوا المسلم الذى فاتت امرأته الى الكفار مثل مهر زوجته الفائتة من مهر هذه المرأة المهاجرة ليكون كالعوض لمهر زوجته الفائتة ولا يجوز لهم أن يعطوا مهر هذه المهاجرة زوجها الكافر قبل جميع من لحق بالمشركين من نساء المؤمنين المهاجرين ست نسوة ام الحكم بنت أبى سفيان كانت تحت عياض بن شداد الفهرى وفاطمة بنت امية كانت تحت عمر بن الخطاب رضى الله عنه وهى اخت ام سلمة وبروع بنت عقبة كانت تحت شماس بن عثمان وعبدة بنت عبدالعزى بن نضلة وزوجها عمرو بن عبدور وهند بن أبى جهل كانت تحت هشام بن العاص وكلثوم بنت جرول كانت تحت عمر رضى الله عنه واعطاهم رسول الله عليه السلام مهر نسائهم من الغنيمة كما فى الكشاف {واتقوا الله الذى أنتم به} لابغيره من الجبت والطاغوت {مؤمنون} فان الايمان به تعالى يقتضى التقوى منه تعالى قال بعضهم حكم اين آيات تاباقى عهد باقى بود جون مرتفع كشت اين احكام منسوخ كشت، وفى الآية اشارة الى المكافأة ان خيرا فخير وان شرا فشر (حكى) ان اخوين فى الجاهلية خرجا مسافرين فنزلا فى ظل شجرة تحت صفاة فلما دنا الرواح خرجت لهما من تحت الصفاة حية تحمل دينارا فألقته اليهما فقالا ان هذا لمن كنز فأقاما عليه ثلاثة ايام كل يوم تخرج لهما دينارا فقال احدهما للآخر الى متى ننتظر هذه الحية ألا نقتلها ونحفر عن هذا الكنز فنأخذه فنهاه اخوه وقال ماندرى لعلك تعطب ولا تدرك المال فأبى عليه فأخذ فاسا معه ورصد الحية حتى خرجت فضربها ضربة جرحت رأسها ولم تقتلها فبادرت الحية فقتلته ورجعت الى جحرها فدفنه اخوه واقام حتى اذا كان الغد خرجت الحية معصوبا رأسها ليس معها شىء فقال ياهذه انى والله مارضيت بما أصابك ولقد نهيت أخى عن ذلك فهل لك أن نجعل الله بيننا لاتضرين بى ولا أضر بك وترجعين الى ماكنت عليه فقالت الحية لا فقال ولم قالت لانى لانى اعلم ان نفسك لاتطيب لى ابدا وأنت ترى قبر أخيك ونفسى لاتطيب لك وانا اذكر هذه الشجة فظهر من هذه الحكاية سر المكافأة وشرف التقوى فانه لو اتقى الله ولم يضع الشر موضع الخير بل شكر صنيع الحية لازداد مالا وعمرا شعر : كرم كن نه برخاش وجنك آورى كه علام بزيرنكين آورى جوكارى بزآيد بلطف وخوشى جه حاجت بتندى وكردن كشى نمى ترسى اى كرك ناقص خرد كه روزى بلنكيت برهم درد
ابن عجيبة
تفسير : قلت: {إذا جاءكم المؤمناتُ} إنما حُذفت تاء التأنيث للفصل بالمفعول، ورُدّ بأنّ الحذف مع الفصل بغير "إلاّ" مرجوح، والصواب: أنه على حذف الموصوف، أي: النساء المؤمنات، وهو اسم جمع، يجوز في الأمران، كقوله تعالى: {أية : وَقَالَ نِسْوَةٌ... }تفسير : [يوسف:30]. يقول الحق جلّ جلاله: {يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمناتُ} أي: مُشْرِفات على الإيمان ونَطَقْن بالشهادة، وإنما ظهر بعد الامتحان، {مُهاجراتٍ} من بين الكفار، {فامْتَحِنُوهن}؛ فاختبروهن بما يغلب على ظنكم موافقة قلوبهن للسانهن. كان صلى الله عليه وسلم يستحلفهن: ما خرجن من بُغض زوْج، ولا رغبة من أرض إلى أرض، ولا التماسَ دُنيا، ولا عشقًا لرجل منا بل حبًّا لله ورسوله. وقد كان صلى الله عليه وسلم صالح أهلَ مكة على أنَّ مَنْ أسلم منهم يَرُده إليهم، فجاءت " سُبيْعَةُ بنت الحارث" مُسْلِمةً بعد الفراغ من الكتاب، فقال زوجها: اردد عليّ امرأتي، فنزلت، فاستحلفها صلى الله عليه وسلم بما تقدّم، فحلفت، فلم يردها عليه، وأعطى مهرها زوجَها، فتزوجها عمرُ، فكان صلى الله عليه وسلم يَرُد مَن جاء من الرجال، ولا يَرُد النساء. وعن ابن عباس: امتحانها: أن تقول: أشهد أن لا إله إلا الله، وأنّ محمدًا رسول الله. {اللهُ أعلم بإِيمانهن}، لأنه المُطّلع على قلوبهن. وفيه إشارة إلى التخفيف في الامتحان، وأنه ليس المطلوب غايته لتصلوا إلى العلم، بل ما يحصل به الظن القوي، وأما العلم فخاص بالله تعالى. {فإِن عَلِمْتُموهن مؤمناتٍ}، العلم الذي تبلغه طاقتكم، وهو الظن القوي، بظهور الأمارات. وتسمية الظن علمًا يُؤذن بأنَّ الظن الغالب، وما يفضي إليه القياس، جارٍ مجرى العلم، وصاحبه غير داخل في قوله:{أية : وَلآ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمُ } تفسير : [الإسراء:36]. قاله النسفي. {فلا تَرْجِعُوهنَّ إِلى الكفار} أي: إلى أزواجهن الكفرة، {لا هُنَّ حِلٌّ لهم, ولا هم يَحِلُّونَ لهن}، تعليل للنهي, أي: حيث خرجت مسلمة حَرُمت على المشرك. والتكرير إما لتأكيد الحرمة، أو الأول: لبيان زوال النكاح الأول، والثاني: لبيان امتناع النكاح الجديد، ما دام مشركاً، فإنْ أسلم في عِدتها كان أولى بها. {وآتوهم ما أنفقوا} أي: أعطوا أزواجَهن مثلَ ما دفعوا من المهور، {ولا جُناحَ عليكم أن تَنكحوهن}، فإنَّ إسلامهن حالَ بينهن وبين أزواجهن الكفار، {إِذا آتيتموهن أُجورهنَّ}؛ مهورهن؛ لأنّ المهر أجر البُضْع، وبه احتجّ أبو حنيفة على ألاّ عِدَّة على المهاجِرة. قال الكواشي: أباح تعالى نكاحهن وإن كان لهن أزواج في دار الحرب؛ لأنَّ الإسلام فرّق بينهن وبين أزواجهن بعد انقضاء العدة، فإن أسلم الزوج قبل انقضاء العدة فهي امرأته عند مالك والشافعي وأحمد، خلافًاً لأبي حنيفة في غير الحامل. هـ. {ولا تُمسكوا بِعِصَم الكوافرِ}، العصمة: ما يعتصم به من عقدٍ وسبب. والكوافر: جمع كافرة، وهي التي بقيت في دار الحرب, أو: لحقت بدار الحرب مرتدةً، أي: لا يكن بينكم وبين النساء الكوافر عصمة ولا عُلقة زوجية. قال ابن عباس رضي الله عنه: مَن كانت له امراة كافرة بمكة فلا يعتَدنَّ بها من نسائه؛ لأنَّ اختلاف الدارين قطع عصمتها منه. ولمّا نزلت الآية طلَّق عمرُ رضي الله عنه امرأتين كانتا له بمكة، قُرَيْبَة بنت أبي أمية، وأم كلثوم الخزاعية. {واسألوا ما أنفقتم} من مهور أزواجكم اللاحقات بالكفار، أي: اطلبوه من الكفرة، {وَلْيَسْألوا ما أنفقوا} من مهور نسائهم المهاجرات ممن تزوجها منا. {ذالكم حُكْمُ الله} أي: جميع ما ذكر في هذا الآية. وقوله: {يحكم بينكم}: كلام مستأنف أو: حال من " حُكم الله " على حذف الضمير، أي: يحكمه الله، وجعل الحُكْم حاكماً على المبالغة وقال: " يحكم" مستقبلاً، مع أن الحكم ماضٍ باعتبار ظهور متعلقة, {واللهُ عليم حكيمٌ} يشرع ما تقتضيه الحكمة البالغة. رُوي أنه لمّا نزلت الآية أدّى المؤمنون ما أُمروا به من مهور المهاجرات إلى أزواجهن من المشركين، وأبى المشركون أن يردُّوا شيئًا من مهور الكوافر إلى أزواجهن المسلمين، فنزل قوله تعالى: {وإن فاتكم} أي: سبقكم وانفلت منكم {شيءٌ من أزواجكم إِلى الكفار} أي: أحَدٌ من أزواجكم، وقرىء به. وإيقاع " شيء" موقعه للتحقير والتعميم، {فعاقبتم}، من المعاقبة، لا من العقوبة، أي: صرتم منهم إلى الحال التي صاروا إليها منكم، وذلك بأن يفوت إليكم شيء من أزواجهم، شبّه ما حكم به على المسلمين والكافرين, من أداء هؤلاء مهور نساء أولئك تارة، وأداء هؤلاء مهور نساء هؤلاء أخرى، بأمر يتعاقبون فيه كما يتعاقب في الركوب وغيره. {فآتوا الذين ذهبتْ أزواجُهم} منكم إلى الكفار {مثلَ ما أنفقوا}، تُعطوه من مهر المهاجرة التي تزوجتموها، ولا تؤتوا زوجها الكافر شيئًا، أي: ما كنتم تُعطونه للكفار من مهور أزواجهم المهاجرات أعطوه لمَن فاتت زوجته ولحقت بالكفار، فأزال الله دفعها إليهم، حين لم يرضوا بحُكمه، على أنّ هذا حكم قد نُسخ. قال ابن عطية: وهذه الآية كلها قد ارتفع حكمها. هـ. وذكر الكواشي الخلاف في النسخ وعدمه، وأنَّ رد المال مستمر، وذكر الخلاف في أنَّ الإنفاق كان على الوجوب أو الندب. هـ. وقيل: معنى " فعاقبتم" من العقوبة، أي: فأصبتموهم في القتال، حتى غنمتم، فأعطوا المسلمين الذين ارتدت زوجاتهم، ولحقْن بدار الحرب مهورَ زوجاتهم من هذه الغنيمة. قال ابن عباس: خمس نسوة رجعن عن الإسلام، ولحقن بالمشركين، من نساء المهاجرين: أم الحكم بنت أبي سفيان، وكانت عند عياض بن شداد، وفاطمة بنت أبي أمية، أخت أم سلمة، وكانت تحت عمر بن الخطاب، وعزةُ بنت عبد العزى، كانت تحت هشام بن العاص، وأم كلثوم بنت جرول، كانت تحت عمر أيضًا، فأعطاهم النبي صلى الله عليه وسلم مهور نسائهم من الغنيمة. هـ. {واتقوا اللهَ الذي أنتم به مؤمنون} أي: احذروا أن تتعدُّوا ما أُمرتم به؛ فإن الإيمان يقتضي فعل ما أمر به صاحبه. الإشارة: يا أيها الذين آمنوا إيمان الخصوص، وهم المشايخ العارفون؛ إذا جاءكم النفوس المؤمنه بطريقكم، وأرادوا الانخراط في سلككم، فامتحنونهن, هل هي صادقة الطلب، أو تريد حرفًا من حروف الهوى، فإن علمتم صدقهن، فلا تردجعوهن إلى أهل الغفلة، سيما أهل الإنكار؛ إذ لا يحل مخالطتهم في طريق الخصوص، وآتوهم من العلوم والمعارف عِوض ما أنفقوا من أنفسهم وأموالهم، ولاجناح عليكم أن تعقدوا عليهم عقدة الإرادة، التي هي كعقدة النكاح إذا آتيتموهن أجورهن، وهو أن تبذلوا لهم ما عندكم من السر، قدر ما يطيقون، ومن نقض العهد ورجع عن الإرادة فلا تُمسكوا بعصمته، وأطلقوه مع نفسه، فإن سألكم شيئًا مما كان بذل فسلوه عوض ما بذلتم له من العلم، وإن رجع أحد منكم إلى أهل الإنكار، ثم جاء أحد منهم إليكم فآتوه من العلم ما آتيتم مَن فرّ منكم، واتقوا الله الذي توجهتم إليه، فلا تُعطوا السر مَن لا يستحقه، ولا تمنعوه من مستحقه. والله تعالى أعلم بأسرار كتابه. ثم ذكر بيعمة النساء، فقال: {يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ إِذَا جَآءَكَ ٱلْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ}.
الطوسي
تفسير : قرأ ابو عمرو واهل البصرة {ولا تمسكوا} بالتشديد. الباقون {تمسكوا} خفيفة وهما لغتان. يقولون امسكت به وتمسكت به. قيل كان سبب نزول هذه الآية إن النبي صلى الله عليه وآله كان صالح قريشاً يوم الحديبية على ان يرد عليهم من جاء بغير أذن وليه، فلما هاجر النساء وقيل: هاجرت كلثم بنت أبي معيط فجاء أخواها فسألا رسول الله صلى الله عليه وآله أن يردها، فنهى الله تعالى ان يرددن الى المشركين، ونسخ ذلك الحكم، ذكره عروة بن الزبير. فقال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا} بالله ورسوله {إذا جاءكم المؤمنات} بالله ورسوله {مهاجرات} من دار الحرب إلى دار الاسلام {فامتحنوهن} وقيل فى كيفية الامتحان أربعة اقوال: قال ابن عباس: كانت امتحان رسول الله إياهن أن يحلفن بالله ما خرجت من بغض زوج وبالله ما خرجت رغبة عن ارض، وبالله ما خرجت التماس دنياً وبالله ما خرجت إلا حباً لله ورسوله - وفى رواية أخرى - عن ابن عباس قال: كان امتحاناً لهن أن يشهدن أن لا إله إلا الله، وأن محمداً عبده ورسوله. وروي عن عائشة انه كان امتحانهن بما فى الآية التي بعدها، {يا أيها النبي إذا جاءك المؤمنات يبايعنك على أن لا يشركن بالله شيئاً ولا يسرقن..}، الآية، وقال ابن عباس وقتادة: كان امتحانهن ما خرجن إلا للدين، ورغبة فى الاسلام وحباً لله ورسوله كقول ابن عباس الأول. ثم قال {الله أعلم بإيمانهن} لأنه يعلم باطنهن وظاهرهن وانتم لا تعلمون باطنهن ثم قال {فإن علمتموهن مؤمنات} يعني فى الظاهر {فلا ترجعوهن إلى الكفار} أي لا تردوهن اليهم {لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن} قال ابن زيد: وفرق بينهما النبي صلى الله عليه وآله وإن لم يطلق المشرك. وقيل: إن النبي صلى الله عليه وآله كان شرط لهم رد الرجال دون النساء، فعلى هذا لا نسخ فى الآية. ومن قال كان شرط رد النساء والرجال قال: نسخ الله حكم رد النساء. وقوله {وآتوهم ما أنفقوا} قال ابن عباس ومجاهد وقتادة وابن زيد: اعطوا رجالهم ما انفقوا من الصداق. وقال الزهري: لولا الهدنة لم يرد إلى المشركين صداقاً كما كان يفعل قبل. وقيل نسخ رد المهور على الأزواج من المشركين ثم قال {ولا جناح عليكم} معاشر المؤمنين {أن تنكحوهن} يعني المهاجرات لانهن بالاسلام قد بنّ من أزواجهن {إذا آتيتموهن أجورهن} يعني مهورهن التي يستحل بها فروجهن. وقوله {ولا تمسكوا بعصم الكوافر} فالكوافر جمع كافرة، والعصمة سبب تمنع به من المكروه وجمعه عصم. وفي ذلك دلالة على انه لا يجوز العقد على الكافرة سواء كانت ذمية او حربية او عابدة وثن، وعلى كل حال، لانه عام فى جميع ذلك وليس لاحد أن يخص الآية بعابدة الوثن لنزولها بسببهم، لان المعتبر بعموم اللفظ لا بالسبب. وقوله {واسألوا ما أنفقتم} يعني إذا صارت المرأة المسلمة إلى دار الحرب عن دار الاسلام فاسألوهم عن ان يردوا عليكم مهرهن، كما يسئلونكم مهر نسائهم إذا هاجرن اليكم، وهو قوله {وليسألوا ما أنفقوا} ثم قال {ذلكم} يعني ما تقدم ذكره وشرحه {حكم الله يحكم بينكم والله عليم} بجميع الاشياء {حكيم} فيما يفعله ويأمركم به. وقال الحسن: كان فى صدر الاسلام تكون المسلمة تحت الكافر والكافرة تحت المسلم فنسخت هذه الآية ذلك. والمفسرون على ان حكم هذه الآية منسوخ، وعندنا أن الآية غير منسوخة، وفيها دلالة على المنع من تزوج المسلم اليهودية والنصرانية، لانهما كافرتان والآية على عمومها فى المنع من التمسك بعصم الكوافر، ولا نخصها إلا بدليل.
الجنابذي
تفسير : {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} ابتداء كلامٍ وادب آخر للمؤمنين ولذلك صدّره بالنّداء جبراناً لكلفة التّأديب وتنشيطاً فى الاستماع {إِذَا جَآءَكُمُ ٱلْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَٱمْتَحِنُوهُنَّ} بان تختبروا موافقة قلوبهنّ لالسنتهنّ بان يحلفن ما خرجن من بغض زوجٍ ولا رغبةٍ من ارضٍ الى ارضٍ ولا التماس ديناً وما خرجن الاّ حبّاً لله، وعلى هذا كان معنى مؤمناتٍ مذعناتٍ ومصدّقاتٍ، او مشرفاتٍ على الاسلام، قيل: صالح رسول الله (ص) بالحديبيّة على انّ من أتاه من اهل مكّة ردّه عليهم، ومن أتى اهل مكّة من اصحاب رسول الله (ص) لم يردّوه، فجاءت سبيعة بنت الحارث مسلمةً بعد الفراغ من الكتاب والنّبىّ (ص) بالحديبيّة فأقبل زوجها مسافر من بنى مخزوم فى طلبها وكان كافراً فقال: يا محمّد اردد علىّ امرأتى فانك قد شرطت اليوم ان تردّ علينا من أتاك منّا، فنزلت الآية فأعطى رسول الله (ص) زوجها مهرها وما انفق عليها ولم يردّها عليه فزوّجها عمر بن الخطّاب وكان رسول الله (ص) يردّ من جاءه من الرّجال ويحبس من جاءه من النّساء، اذا امتحنّ {ٱللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ} وانّما يأمركم بالامتحان ليظهر عليكم ايضاً ايمانهنّ {فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلاَ تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى ٱلْكُفَّارِ لاَ هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ} فى موضع التّعليل {وَلاَ هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ} روى انّه قيل للصّادق (ع): انّ لامرأتى اختاً عارفةً على رأينا بالبصرة وليس على رأينا بالبصرة الاّ قليلٌ فازوّجها ممّن لا يرى رأيها؟ - قال: لا، ولا نعمة؛ انّ الله يقول: فلا ترجعوهنّ الى الكفّار (الآية) {وَآتُوهُم} اى آتوا الكفّار {مَّآ أَنفَقُواْ} على تلك النّساء من المهر وغيره {وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَن تَنكِحُوهُنَّ} ترخيص لهم فى نكاحهنّ بعد اسلامهنّ {إِذَآ آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ} مهورهنّ سمّاها اجوراً لانّ المهر اجر لبذل البضع، وهذا يدلّ على عدم الاكتفاء فى مهورهنّ بمهورهنّ الاولى المردودة الى ازواجهنّ {وَلاَ تُمْسِكُواْ بِعِصَمِ ٱلْكَوَافِرِ} يعنى كما انّ المؤمنات لا يحللن للكفّار فكذلك المؤمنون لا يحلّون للكافرات، والعصم جمع العصمة بكسر العين وقد يضمّ القلادة، وهذه الآية كما تدلّ على حرمة المشركات تدلّ على حرمة الكتّابيّات {وَاسْأَلُواْ مَآ أَنفَقْتُمْ} ان لحقت منكم امرأة بالكفّار {وَلْيَسْأَلُواْ مَآ أَنفَقُواْ} يعنى اذا كان بينكم معاهدة فاسئلوا انتم ما أنفقتم وليسألوا ايضاً ما أنفقوا ولا تُرجعوا النّساء الملحقات بكم منهم اليهم ولا تستردّوا الملحقات بهم منكم {ذَلِكُمْ} المذكور من حكم الملحقات بهم وبكم {حُكْمُ ٱللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ} به {وَٱللَّهُ عَلِيمٌ} بالمصالح والغايات المترتّبة على الافعال والاحكام {حَكِيمٌ} لا يفعل فعلا الاّ بغايات محكمة نافعة ولا يحكم حكماً الاّ لمصالح عديدةٍ وغاياتٍ شريفةٍ.
الأعقم
تفسير : {يأيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات} سماهنّ مؤمنات لصدقهن بالنبيين ونطقهن بكلمة الشهادة {مهاجرات فامتحنوهن} فابتلوهن بالحلف والنظر في الإِمارات ليغلب على ظنكم صدق إيمانهن، وكان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول للممتحنة: "حديث : بالله الذي لا إله إلاَّ هو ما خرجت من بغض زوج، بالله ما خرجت رغبة في أرض إلى أرض، بالله ما خرجت التماس دنيا، بالله ما خرجت إلاَّ حبّاً لله ورسوله" تفسير : {الله أعلم بإيمانهن} منكم {فإن علمتموهن مؤمنات} العلم الذي تبلغه طاقتكم وهو الظن الغالب بالحلف وظهور الإِمارات {فلا ترجعوهن إلى الكفار} فلا تردوهن إلى أزواجهن المشركين لأنه حلَّ بين المؤمنة والمشرك {وآتوهم ما أنفقوا} وأعطوا أزواجهن مثل ما دفعوا إليهن من المهور، وذلك الصلح الحديبيَّة كان على أن من آتاهم من أهل مكة رد اليهم ومن اتى مكة منكم لم يرد إليكم، وكتبوا بذلك كتاباً وختموه فجاءت سيفه بنت الحارث الأسلميَّة مسلمة والنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في الحديبيَّة، فأقبل زوجها مسافر المخزومي، وقيل: صيفي بن الراهب فقال: يا محمد اردد علي امرأتي فإنك قد شرطت لنا أن ترد لنا من أتاك وهذه طينة الكتاب لم تجفّ، فنزلت بياناً لأن الشرط إنما كان في الرجال دون النساء، وعن الضحاك: كان بين رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وبين المشركين عهد أن لا يأتيك منا امرأة ليست على دينك إلا رددتها إلينا، فإن دخلت في دينك ولها زوج أن ترد إلى زوجها الذي أنفق عليها وللنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من الشرط مثل ذلك، وعن قتادة: ثم نسخ هذا الحكم وهذا العهد ببراءة فاستحلفها رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فحلفت، فأعطى زوجها ما أنفق وزوّجها عمر {ولا جناح عليكم} أيها المؤمنون {أن تنكحوهن} يعني النساء المهاجرات وإن كان لهن أزواج في دار الكفر لأن الإِسلام فرق بينهما {ولا تمسكوا بعصم الكوافر} أي بعقد الكوافر، فمن كانت له امرأة بمكة فقد انقطعت عصمتها عنه، والتمسك بعصم: الأخذ بالأيدي، وذلك عبارة عن التزويج، وقيل: يفرق بينهما الإِسلام {واسألوا ما أنفقتم} عليهن من الصداق {وليسألوا ما أنفقوا} يعني الكفار ما أنفقوا من الصداق، فرد المهر من الجانبين منسوخ، وإذا جاءت امرأة مهاجرة وجاء زوجها وقد وقع الصلح على الرد لا ترد ولا مهرها وهو قول الهادي {وإن فاتكم شيء من أزواجكم} يعني إذا لحقت امرأة منكم بالكفار {فعاقبتم} أي أصبتم الغنيمة {فآتوا الذين ذهبت أزواجهم مثل ما أنفقوا} من المهر وكان رد الصداق على الزوج من الغنيمة فنسخ ذلك {يأيها النبي إذا جاءك المؤمنات يبايعنك على أن لا يشركن بالله شيئاً} لا يعبدن غيره {ولا يسرقن} وهو أخذ مال الغير {ولا يقتلن أولادهن} وهو ما كانت العرب عليه من دفن البنات، وقيل: هو قتل الأولاد في الأرحام {ولا يأتين ببهتان يفترينه بين أيديهن وأرجلهن} يعني لا يأتين بكذب في مولود وجد بين أيديهن وأرجلهن، وقيل: هو السحر والسعي بالنميمة، وقيل: كانت المرأة تلتقط الولد وتقول لزوجها هذا ولدي منك، فهذا هو البهتان المفترى، وروي أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لما فرغ يوم فتح مكة من بيعة الرجال أخذ في بيعة النساء وهو على الصفا، وعمر أسفل منه يبايعهن بأمره ويبلغهن عنه، وهند بنت عتبة امرأة أبي سفيان متنكرة من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لئلا يعرفها، فقال (عليه السلام): "أبايعكن على أن لا تشركن بالله شيئاً" فرفعت هند رأسها وقالت: والله عندنا الأصنام وإنك لتأخذ علينا أمراً ما أراك أخذته على الرجال، تبايع الرجال على الاسلام والجهاد، فقال (عليه السلام): {ولا يسرقن}، فقالت: ان أبا سفيان رجل شحيح وإني أصيب من ماله هيات فما أدري أتحلّ لي أم لا؟ فقال أبو سفيان: ما أصبت في مضى وفيما عبر فهو لك، فضحك رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فعرفها فقال: "وإنك لهند بنت عتبة" فقالت: نعم فاعف عما سلف يا نبي الله عفى الله عنك، فقال: {ولا يزنين}، فقالت: أوتزني الحرة؟ وفي رواية ما زنت منهن امرأة قط، فقال: {ولا يقتلن أولادهن}، فقالت: ربيناهم صغاراً وقتلتموهم كباراً فأنتم وهم أعلم، وكان ابنها حنظلة بن أبي سفيان قتيلاً يوم بدر فضحك عمر حتى استلقى وتبسم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) {ولا يأتين ببهتان}، فقالت: والله ان البهتان لأمر قبيح وما يأمر إلا بالرفق ومكارم الأخلاق، فقال: {ولا يعصينك في معروف}، فقالت: والله ما جلسنا هذا المجلس وفي أنفسنا أن نعصيك في شيء فإن قيل: كيف بايعن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)؟ قيل: إن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) دعا بقدح من ماء فغمس يده ثم غمس أيديهن، وقيل: صافحهن وكان على يده ثوب، وقيل: كان عمر يصافح عنه، وروي أن بعض فقراء المسلمين كانوا يواصلون اليهود ليصيبوا من ثمارهم فقيل لهم: {لا تتولوا قوماً} مغضوباً {عليهم قد يئسوا من الآخرة} انه يكون لهم حظاً فيها لعنادهم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وهم يعلمون أنه الرسول المنعوت في التوراة {كما يئس الكفَّار من أصحاب القبور} أي من موتاهم أن يبعثوا ويرجعوا أحياء، وقيل: من أصحاب القبور بيان للكفار، أي كما يئس الكفار الذين قبروا من خير الآخرة تبيّنوا حالهم وقبح منقلبهم.
الهواري
تفسير : قوله عز وجل: {يَآ أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَآءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ} وهذه في نساء أهل العهد من المشركين، وكانت محنتهن في تفسير بعضهم أن يستحلفن بالله ما أخرجكن النشوز، وما أخرجكن إلا حب الإِسلام، والحرص عليه. وفسر الحسن أن المرأة من نساء من كان بينه وبين رسول الله عهد إذا جاءت إلى النبي عليه السلام لم يقبلها حتى تحلف بالله الذي لا إله إلا هو ما جاءت ناشزة عن زوجها، ولا جاءت إلا راغبة في الإسلام. فإذا حلفت قَبِلَهَا. وهو قوله: (فَامْتَحِنُوهُنَّ). قوله: {اللهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ} أي: بصدقهن أو كذبهن {فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ} أي: إذا أقررن لكم بالإِسلام وحلفن بالله ما أخرجهن النشوز وما أخرجهن إلا الحرص على الإِسلام وحبه. فأما إذا كانت من غير أهل العهد لم تمتحن ولم ترد على زوجها شيئاً إذا تزوّجت. ذكروا عن عكرمة قال: كان العبد إذا جاء إلى النبي عليه السلام مسلماً ومولاه مشرك كان حراً. وقال بعضهم: أظن هذا إذا لم يكن سيده من أهل العهد. ذكروا عن جابر بن عبد الله أن مملوكاً بايع النبي عليه السلام، فلم يعلم النبي عليه السلام أنه عبد. ثم علم النبي عليه السلام فاشتراه من سيده بغلامين [ثم لم يبايع أحداً حتى يعلم] قال بعضهم: أظن أن سيده من أهل العهد. قال عز وجل: {فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤمِنَاتٍ فَلاَ تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لاَ هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ وَلاَ هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ وآتُوهُم مَّآ أَنفَقُواْ وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ} أي: لا إثم عليكم {أَن تَنكِحُوهُنَّ إِذَآ آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ} أي: إذا أعطيتموهن مهورهن {وَلاَ تُمْسِكُواْ بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ} يعني كوافر العرب اللائي ليس لهن كتاب يفترينه إذا أبين أن يسلمن أن يخلى سبيلهن. {وَاسْأَلُواْ مَآ أَنفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلُواْ مَآ أَنفَقُواْ ذَلِكُمْ حُكْمُ اللهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ}، [وهذا حكم حكمه الله بين أهل الهدى وأهل الضلالة] أي: من أسلم وعنده مشركة عرض عليها الإسلام، فإن أسلمت فهي امرأته، وإلا فهي منه بريئة. وقال بعضهم: كن إذا فررن إلى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأزواجهن من أهل العهد فتزوّجوهن بعثوا بمهورهن إلى أزواجهن [من المشركين. وإذا فررن من أصحاب رسول الله إلى الكفار الذين بينهم وبين رسول الله عهد فتزوجوهن بعثوا بمهورهن إلى أزواجهن] من المسلمين. فكان هذا بين أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين أهل العهد من المشركين. ثم نسخ هذا الحكم وهذا العهد في براءة فنُبِذَ إلى كل ذي عهد عهدُه، فقال عز وجل في سورة براءة: (أية : فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ) تفسير : [التوبة:5].
اطفيش
تفسير : {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَآءَكُمُ المُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ} التذكير للفصل والتأنيث ولو كان اصلا لكن قد تجتمع القراء على مرجوح كالتذكير في وجمع الشمس أو لان المؤمنات نعت لاسم الجنس أي النساء المؤمنات واستدل الكفويون بالاية وغيرها على جواز اسقاط التاء من فعل جمع المؤنث السالم نحو قام الهندات، قاله ابن هشام وسماهن مؤمنات لتصديقهن بالسنتهن مع عدم ظهور ما ينافي التصديق ولانهن مشارفات ومقاربات لثبات الايمان بالامتحان كما قال {فَامْتَحِنُوهُنَّ} اختبروهن بالحلف على الايمان. وبالنظر في الامارات ليغلب على ظنونكم صدق ايمانهن وكان صلى الله عليه وسلم يقول للممتحنة بالله الذي لا إله إلا هو ما خرجت من بعض زوج وعشق رجل ولا رغبة عن أرض الى أرض بالله ما خرجت التماس دنيا بالله ما خرجت إلا حبا لله ورسوله. وعن ابن عباس الامتحان ان تستخلف ما خرجت عن بغض زوج ولا رغبة عن أرض الى أرض ولا لحدث احدثته ولا التماس دنيا وما خرجت إلا محبة في الاسلام وحبا لله ولرسوله {اللهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ} منكم لانه المطلع على ما في الضمير ولا تكلفون علم الغيب. {فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ} العلم الذي تبلغه طاقتتكم ويمكنكم تخليصه وهو الظن الغالب بالحلف وظهور الامارات وهذا يجب العمل به كالعلم ولذا اسماه علما {فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الكُفَّارِ} أزواجهن الكفار بدليل {لاهُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ} نص في حصول الفرقة قال ابن هشام: أخبر بالحل عن الجمع لانه مصدر يقال حل حلا والمصدر إذا نعت به أو اخبر ووصل أو كان حالا لم يثن ولم يجمع ولم يؤنث فيقدر مضاف أي ذوات حل أو يأول بالوصف أي حلال وقد يقع حلال مصدرا ويجوز كون حلال وصفا انتهى بزيادة. {وَلاهُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ} تكرير للمبالغة والمطابقة وانهم حرموا عليهن كما حرمن عليهم وبدليل {وَأَتُوهُم} اعطوهم أي ازواجهن {مَّا أَنفَقُوا} من المهور عليهن حديث : نزلت تلك الآية في سبيعة بنت الحارث الهلالية الاسملية وذلك انه صلى الله عليه وسلم عام الحديبية صالح المشركين على يد سهيل بن عمرو العامري على ان ما جاء منهم رده ومن جاء منه لم يردوه عليه وكره كثير من المسلمين ذلك وامسكوا هيبة له صلى الله عليه سلم ولما قفل راجعا لحقته امرأة منهم من المشركين فنادته يا محمد يا محمد إني قد جئتك مؤمنة بالله ومصدقة بما جئت به فقبل عنها ولما بلغ الروحاء لحقه وفد المشركين مع زوجها كافار قيل: هو عبدالله بن النباش وقيل مسافر المخزومي وقيل صيفي بن الراهب فقالوا: يا محمد لم يجف طين كتابك حتى غدرت فهم النبي صلى الله عليه وسلم بردها فنزل جبريل وقال اقرأ يا محمد يا ايها الذين آمنوا إذا جاءكم الخ … . تفسير : فقال لهم انما كان الشرط في الرجال لا في النساء وعبارة بعضهم ان الصلح على من اتى منهم مسلما رده اليهم رجلا أو امرأة فنقض الله ذلك في امر النساء وهي رواية الضحاك ويحتمل الجمع بأن معنى كون الشرط في الرجال الشرط الذي اثبته الله ولم ينقضه والظاهر انهم لم يذكروا امرأة فبين ان الشرط في الرجل واما المرأة فلم تذكروها ولا شرطتموها ولا ترد للكافرين لقلة عقلها فترتد وهاجرت ايضا ام كلثوم بنت عقبة بن ابي معيط وهي عاتق فجاء اهلها ونزلت الاية ولم يرددها لهم. وعن عائشة كان يمتحن بهذه الآية يا ايها النبي إذا جاءك المؤمنات الى رحيم ويبايعن بالقول ولم يمس يد امرأة في المبايعة قط ونقض الله شرط الرجال بأوائل براءة أيضا ولما امتحن سبيعة اعطى عمر زوجها ما انفق عليها وتزوجها قيل في الكلام حذف أي اتوهم ما انفقوا ان اردتم نكاحهن وقيل يؤتونهم ما انفقوا ولو لم يريدوا تزويجهن والظاهر الاول ويصدقونهم فيما قالوا انهم انفقوه. {وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَن تَنكِحُوهُنَّ} لان الاسلام حال بينهم وبين ازواجهن والكفار ولم يبح الله مؤمنة لكافر وقيل حتى تنقضي عدتها {إِذَا أَتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ} أي مهورهن لان المبر اجرة النكاح قال جار الله: لا يخلو ما ان يراد ما يدفع اليهن ليدفعه الى ازواجهن فيشترط في اباحة تزوجهن تقديم ادائه واما ان يراد ان ذلك على سبيل القرض واما ان يبين انما اعطى ازواجهن لا يقوم مقام المهر وانه لابد من اصداق وبه احتج ابو حنيفة ان احد الزوجين اذا خرج من دار الحرب مسلما أو بذمة وبقي الآخر حربياً وقعت الفرقة بلا عدة إلا ان كانت حاملا فلا تتزوج حتى تضع. {وَلا تُمْسِكُوا} وقرأ البصريان بالتشديد وقرىء بفتح التاء والتشديد أي لا تتمسكوا {بِعِصَمٍ الكَوَافِرِ} بما تعتصم به الكوافر من عقد نسب والعصم جمع عصمة والكوافر جمع كافرة أي لا تقيموا على زوجاتكم المشركات قال ابن عباس من كانت له امرأة كافرة بمكة فلا يعتدن بها من نسائه لان اختلاف الدارين قطع عصمتها منه. قال الزهري: لما نزلت الآية طلق عمر بن الخطاب امرأتين كانتا بمكة مشركتين قريبة بنت امية بن المغيرة فتزوجها معاوية بن ابي سفيان وهما على شركهما بمكة وأم كلثوم بنت عمرو بن جرول الخزاعية فتزوجها أبو جهم بن حذيفة بن غانم وهما على شركهما. وهاجر طلحة بن عبدالله وبقيت زوجته أروى بن ربيعة بن الحارث بن عبدالمطلب ففرق الاسلام بينهما وتزوجها بعده في الاسلام خالد بن سعيد بن العاص بن أمية قال الشعبي: وكانت زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم امرأة أبي العاص بن الربيع وهاجرت ثم أسلم زوجها فردها له وذلك قبل تحريم تزويج المؤمنة للمشرك وعن عائشة رضيى الله عنها لما حرم لم يقدر صلى الله عليه وسلم على التفريق بينهما. وعن النخعي: أراد بالكوافر الازواج المرتدات يلحقن بدار الكفر فيكفرن وقيل المراد كافرات العرب إذا ابين الاسلام وليس للعرب كتاب فارقهن ازواجهن وقيل المراد عابدات الاوثان ومن لا يجوز تزويجه ابتداء وقيل عامة نسخ بها نكاح الكتابية وهو ضعيف. {وَسْئَلُوا مَا أَنفَقْتُمْ} من مهور نسائكم اللاحقات بالكفار أي اطلبوه {وَليَسْئَلُوا مَا أَنفَقُوا} من مهور ازواجهم المهاجرات وذلك بين المسلمين وبين من عاهد قال الزهري: لولا العهد لامسك صلى الله عليه وسلم نساء قريش ولم يرد الصداق وكذلك يصنع بمن جاء من المسلمات قبل العهد ولما نزلت الاية اقر المؤمنون بحكم الله وادوا ما امروا به من نفقات المشركين عن نسائهم. {ذَٰلِكُمْ} للذكور جميعاً {حُكُمُ اللهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ} حال من لحكم على حذف الضمير أي يحكمه أو الضمير المستتر عائد للحكم جعل الحكم حكم مبالغة أو استئناف {وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} وامتنع الكفار ان يؤدوا الى المسلمين ما انفقوا على ازواجهم الكوافر من المهور وقالوا لا نرض بهذا الحكم ولا نلتزمه ولا ندفع لاحد صداقا فانزل الله عز وجل.
الالوسي
تفسير : {يَٰـأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ} بيان لحكم من يظهر الإيمان بعد بيان حكم فريقي الكافرين {إِذَا جَاءكُمُ ٱلْمُؤْمِنَـٰتُ} أي بحسب الظاهر {مُهَـٰجِرٰتٍ} من بين الكفار، وقرىء (مهاجرات) بالرفع على البدل من {ٱلْمُؤْمِنَـٰتِ} فكأنه قيل: إذا جاءكم مهاجرات {فَٱمْتَحِنُوهُنَّ} فاختبروهن بما يغلب على ظنكم موافقة قلوبهم لألسنتهن في الإيمان. / أخرج ابن المنذر والطبراني في «الكبير» وابن مردويه بسند حسن وجماعة عن ابن عباس أنه قال في كيفية امتحانهن: كانت المرأة إذا جاءت النبـي صلى الله عليه وسلم حلفها عمر رضي الله تعالى عنه بالله ما خرجت رغبة بأرض عن أرض، وبالله ما خرجت من بغض زوج، وبالله ما خرجت التماس دنيا، وبالله ما خرجت إلا حباً لله ورسوله، وفي رواية عنه أيضاً كانت محنة النساء أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر عمر بن الخطاب فقال: قل لهن إن رسول الله عليه الصلاة والسلام بايعكن على أن لا تشركن بالله شيئاً الخ. {ٱللَّهُ أَعْلَمُ } من كل أحد أو منكم {بِإِيمَـٰنِهِنَّ } فإنه سبحانه هو المطلع على ما في قلوبهن، والجملة اعتراض {فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ } أي ظننتموهن ظناً قوياً يشبه العلم بعد الامتحان {مُؤْمِنَـٰتٍ } في نفس الأمر {فَلاَ تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى ٱلْكُفَّارِ } أي إلى أزواجهن الكفرة لقوله تعالى: {لاَ هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ وَلاَ هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ } فإنه تعليل للنهي عن رجعهن إليهم، والجملة الأولى: لبيان الفرقة الثابتة وتحقق زوال النكاح الأول، والثانية: لبيان امتناع ما يستأنف ويستقبل من النكاح، ويشعر بذلك التعبير بالاسم في الأولى والفعل في الثانية. وقال الطيبـي في وجه اختلاف التعبيرين: إنه أسندت الصفة المشبهة إلى ضمير {ٱلْمُؤْمِنَـٰتُ} في الجملة الأولى إعلاماً بأن هذا الحكم يعني نفي الحل ثابت فيهن لا يجوز فيه الإخلال والتغيير من جانبهن، وأسند الفعل إلى ضمير الكفار إيذاناً بأن ذلك الحكم مستمر الامتناع في الأزمنة المستقبلة لكنه قابل للتغيير باستبدال الهدى بالضلال، وجوز أن يكون ذلك تكريراً للتأكيد والمبالغة في الحرمة وقطع العلاقة، وفيه من أنواع البديع ما سماه بعضهم بالعكس والتبديل كالذي في قوله تعالى: { أية : هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ } تفسير : [البقرة: 187] ولعل الأول أولى. واستدل بالآية على أن الكفار مخاطبون بالفروع كما في «الانتصاف»، والقول: بأن المخاطب في حق المؤمنة هي وفي حق الكافر الأئمة، بمعنى أنهم مخاطبون بأن يمنعوا ذلك الفعل من الوقوع لا يخفى حاله. وقرأ طلحة ـ لا هن يحللن لهم ـ. {وَءاتُوهُم مَّا أَنفَقُواْ } أي وأعطوا أزواجهن مثل ما دفعوا إليهن من المهور قيل: وجوباً، وقيل: ندباً. روي أنه صلى الله عليه وسلم عام الحديبية أمر علياً كرم الله تعالى وجهه أن يكتب بالصلح فكتب: باسمك اللهم هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله سهيل بن عمرو اصطلحا على وضع الحرب عن الناس عشر سنين تأمن فيه الناس ويكف بعضهم عن بعض على أن من أتى محمداً من قريش بغير إذن وليه رده عليه، ومن جاء قريشاً من محمد لم يردّوه عليه وأن بيننا عيبة مكفوفة، وأن لا إسلال ولا إغلال، وأنه من أحب أن يدخل في عقد محمد وعهده دخل فيه، ومن أحب أن يدخل في عقد قريش وعهدهم دخل فيه، فرد رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا جندل بن سهيل ولم يأت رسول الله عليه الصلاة والسلام أحد من الرجال إلا رده في مدّة العهد وإن كان مسلماً، ثم جاء المؤمنات مهاجرات، وكانت أم كلثوم بنت عقبة بن أبـي معيط ممن خرج إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانت أول المهاجرات، فخرج أخواها عمار والوليد حتى قدما على رسول الله صلى الله عليه وسلم فكلماه في أمرها ليردها عليه الصلاة والسلام إلى قريش فنزلت الآية فلم يردّها عليه الصلاة والسلام ثم أنكحها صلى الله عليه وسلم زيد بن حارثة رضي الله تعالى عنه. وأخرج ابن أبـي حاتم عن مقاتل أنه جاءت امرأة تسمى سبيعة بنت الحرث الأسلمية مؤمنة، وكانت تحت صيفي بن الراهب وهو مشرك من أهل مكة فطلبوا ردها فأنزل الله تعالى الآية، وروي أنها كانت تحت / مسافر المخزومي وأنه أعطى ما أنفق، وتزوجها عمر رضي الله تعالى عنه، وفي رواية أنها نزلت في أميمة بنت بشر امرأة من بني عمرو بن عون كانت تحت أبـي حسان بن الدحداحة هاجرت مؤمنة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وطلبوا ردّها فنزلت الآية فلم يردها عليه الصلاة والسلام، وتزوجها سهيل بن صيف فولدت له عبد الله بن سهيل، ولعل سبب النزول متعدد. وأيّاً مّا كان فالآية على ما قيل: نزلت بياناً لأن الشرط في كتاب المصالحة إنما كان في الرجال دون النساء، وتراخي المخصص عن العام جائز عند الجبائي ومن وافقه، ونسب للزمخشري أن ذلك من تأخير بيان المجمل لأنه لا يقول بعموم تلك الألفاظ بل يجعلها مطلقات، والحمل على العموم والخصوص بحسب المقام، والحنفية يجوزونه لا يقال: إنه شبه التأخير عن وقت الحاجة وهو غير جائز عند الجميع لأن وقت الحاجة أي العمل بالخطاب كان بعد مجىء المهاجرات وطلب ردهن لا حين جرت المهادنة مع قريش، وهذا ذهب إليه بعض الشافعية أيضاً، ومنهم من زعم أن التعميم كان منه صلى الله عليه وسلم عن اجتهاد أثيب عليه بأجر واحد ولم يقر عليه، ومنهم من وافق جمهور الحنفية على النسخ لا التخصيص، فمن جوز منهم نسخ السنة بالكتاب قال: نسخ بالآية، ومن لم يجوز قال: بالسنة أي امتناعه صلى الله عليه وسلم من الرد ووردت الآية مقررة لفعله عليه الصلاة والسلام. وعن الضحاك كان بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين المشركين عهد أن لا تأتيك منا امرأة ليست على دينك إلا رددتها إلينا فإن دخلت في دينك ولها زوج أن ترد على زوجها الذي أنفق عليها، وللنبـي صلى الله عليه وسلم من الشرط مثل ذلك، وعليه فالآية موافقة لما وقع عليه العهد لكن أخرج أبو داود في «ناسخه» وابن جرير وغيرهما عن قتادة أنه نسخ هذا العهد وهذا الحكم يعني إيتاء الأزواج ما أنفقوا براءة، أما نسخ العهد فلما أمر فيها من النبذ، وأما نسخ الحكم فلأن الحكم فرع العهد فإذا نسخ نسخ، والذي عليه معظم الشافعية أن الغرامة لأزواجهن غير ثابتة، وبين ذلك في «الكشف» على القول بنسخ رد المرأة، والقول بالتخصيص، والقول: بأن التعميم كان عن اجتهاد لم يقر عليه صلى الله عليه وسلم، ثم قال: وأما على قول الضحاك ـ أي السابق ـ فهو مشكل، ووجهه أنه حكم في مخصوصين فلا يعم غير تلك الوقعة على أنه عز وجل خص الحكم بالمهاجرين ولم يبق بعد الفتح هجرة كما ثبت في «الصحيح» فلا يبقى الحكم. {وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَن تَنكِحُوهُنَّ } أي في نكاحهن حيث حَالَ إسلامهن بينهن وبين أزواجهن الكفار {إِذَا ءاتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ } أي وقت إيتائكم إياهن مهورهن ـ فإذا ـ لمجرد الظرفية، ويجوز كونها شرطية وجوابها مقدر بدليل ما قبل، وعلى التقديرين يفهم اشتراط إيتاء المهور في نفي الجناح في نكاحهن، وليس المراد بإيتاء الأجور إعطاءها بالفعل بل التزامها والتعهد بها، وظاهر هذا مع ما تقدم من قوله تعالى: {وَآتُوهُم مَّآ أَنفَقُواْ} أن هناك إيتاء إلى الأزواج وإيتاء إليهن فلا يقوم ما أوتي إلى الأزواج مقام مهورهن بل لا بد مع ذلك من إصداقهن، وقيل: لا يخلو إما أن يراد بالأجور ما كان يدفع إليهن ليدفعنه إلى أزواجهن فيشترط في إباحة تزويجهن تقديم أدائه، وإما أن يراد أن ذلك إذا دفع إليهن على سبيل القرض ثم تزوجن على ذلك لم يكن به بأس، وإما أن يبين إليهم أن ما أعطي لأزواجهن لا يقوم مقام المهر، وهذا ما ذكرناه أولاً من الظاهر وهو الأصح في الحكم، والوجهان الآخران ضعيفان فقهاً ولفظاً. واحتج أبو حنيفة رضي الله تعالى عنه بالآية على أن أحد الزوجين إذا خرج من دار الحرب مسلماً أو بذمة / وبقي الآخر حربياً وقعت الفرقة، ولا يرى العدة على المهاجرة ويبيح نكاحها من غير عدة إلا أن تكون حاملاً، وهذا للحديث المشهور الذي تجوز بمثله الزيادة على النص « حديث : من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يسقين ماءه زرع غيره » تفسير : ومذهب الشافعي - على ما قيل -: أنه لا تقع الفرقة إلا بإسلامها، وأما بمجرد الخروج فلا فإن أسلمت قبل الدخول تنجزت الفرقة وبعد الدخول توقفت إلى انقضاء العدة. وتعقب الاحتجاج بأن الآية لا تدل على مجموع ما ذكر، نعم قد احتج بها على عدم العدة في الفرقة بخروج المرأة إلينا من دار الحرب مسلمة، ووجه بأنه سبحانه نفى الجناح من كل وجه في نكاح المهاجرات بعد إيتاء المهر، ولم يقيد جل شأنه بمضي العدة فلولا أن الفرقة بمجرد الوصول إلى دار الإسلام لكان الجناح ثابتاً، ومع هذا فقد قيل: الجواب على أصل الشافعية أن رفع الإطلاق ليس بنسخ ظاهر لأن عدم التعرض ليس تعرضاً للعدم، وأما على أصل الحنفية فكسائر الموانع، وكونها حاملاً بالاتفاق فتأمل. {وَلاَ تُمْسِكُواْ بِعِصَمِ ٱلْكَوَافِرِ } جمع كافرة، وجمع فاعلة على فواعل مطرد وهو وصف جماعة الإناث، وقال الكرخي: {ٱلْكَوَافِرِ } يشمل الإناث والذكور، فقال له الفارسي: النحويون لا يرون هذا إلا في الإناث جمع كافرة؟ فقال: أليس يقال: طائفة كافرة وفرقة كافرة، قال الفارسي: فبهت، وفيه أنه لا يقال: كافرة في وصف الذكور إلا تابعاً للموصوف، أو يكون محذوفاً مراداً أما بغير ذلك فلا تجمع فاعلة على فواعل إلا ويكون للمؤنث قاله أبو حيان. و ـ عصم ـ جمع عصمة وهي ما يعتصم به من عقد وسبب، والمراد نهي المؤمنين عن أن يكون بينهم وبين الزوجات المشركات الباقية في دار الحرب علقة من علق الزوجية أصلاً حتى لا يمنع إحداهن نكاح خامسة أو نكاح أختها في العدة بناءاً على أنه لا عدة لهن؛ قال ابن عباس: من كانت له امرأة كافرة بمكة فلا يعتدن بها من نسائه لأن اختلاف الدارين قطع عصمتها منه، وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر عن إبراهيم النخعي أنه قال: نزل قوله تعالى: {وَلاَ تُمْسِكُواْ } الخ في المرأة من المسلمين تلحق بالمشركين فلا يمسك زوجها بعصمتها قد برىء منها. وأخرج ابن أبـي شيبة عن مجاهد وسعيد بن جبير نحوه، وفي رواية أخرى عن مجاهد أنه قال: أمرهم سبحانه بطلاق الباقيات مع الكفار ومفارقتهن، ويروى أن عمر رضي الله تعالى عنه طلق لذلك امرأته فاطمة أخت أم سلمة بنت أبـي أمية بن المغيرة المخزومي فتزوجها معاوية بن أبـي سفيان وامرأته كلثوم بنت جرول الخزاعي فتزوجها أبو جهم بن حذيفة العدوي، وكذا طلق طلحة زوجته أروى بنت ربيعة. وتعقب ذلك بأنه بظاهره مخالف لمذهب الحنفية والشافعية، أما عند الحنفية فلأن الفرقة بنفس الوصول إلى دار الإسلام، وأما عند الشافعية فلأن الطلاق موقوف إن جمعتهما العدة تبين وقوعه من حين اللفظ، وإلا فالبينونة بواسطة بقاء المرأة في الكفر، فظاهر الآية لا يدل على ما في هذه الرواية. وقرأ أبو عمرو ومجاهد بخلاف عنه وابن جبير والحسن والأعرج {تمسكوا } مضارع مسك مشدداً، والحسن أيضاً وابن أبـي ليلى وابن عامر في رواية عبد الحميد وأبو عمرو في رواية معاذ {تمسكوا } مضارع تمسك محذوف إحدى التاءين، والأصل تتمسكوا. وقرأ الحسن أيضاً {تمسكوا } بكسر السين مضارع مسك ثلاثياً. {وَاسْأَلُواْ مَآ أَنفَقْتُمْ} أي واسألوا الكفار مهور نسائكم اللاحقات بهم {وَلْيَسْـئَلُواْ مَا أَنفَقُواْ } أي وليسألكم الكفار مهور نسائهم المهاجرات إليكم، وظاهره أمر الكفار، وهو من باب { أية : وَلِيَجِدُواْ فِيكُمْ غِلْظَةً } تفسير : [التوبة: 123] فهو أمر للمؤمنين بالأداء مجازاً، وقيل: المراد / التسوية. {ذٰلِكُمْ } الذي ذكر {حُكْمُ ٱللَّهِ } أي فاتبعوه، وقوله عز وجل: {يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ } كلام مستأنف أو حال من {حُكْمُ } بحذف الضمير العائد إليه، وهو مفعول مطلق أي يحكمه الله تعالى بينكم، أو العائد إليه الضمير المستتر في {يُحْكِمُ } بجعل الحكم حاكماً مبالغة كأن الحكم لقوته وظهوره غير محتاج لحاكم آخر {وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ } يشرع ما تقتضيه الحكمة البالغة. روي أنه لما تقرر هذا الحكم أدى المؤمنون مما أمروا به من مهور المهاجرات إلى أزواجهن، وأبـى المشركون أن يؤدوا شيئاً من مهور الكوافر إلى أزواجهن المؤمنين فنزل قوله تعالى: {وَإِن فَاتَكُمْ}.
ابن عاشور
تفسير : {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا جَآءَكُمُ ٱلْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَٱمْتَحِنُوهُنَّ ٱللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلاَ تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى ٱلْكُفَّارِ لاَ هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ وَلاَ هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ}. لا خلاف في أن هذه الآيات إلى آخر السورة نزلت عقب صلح الحديبية وقد علمت أنا رجحنا أن أول السورة نزلت قبل هذه وأن كتاب حاطب بن أبي بلتعة إلى المشركين كان عند تجهز رسول الله صلى الله عليه وسلم للحديبية. ومناسبة ورود هذه الآية بعد ما قبلها، أي النهي عن موالاة المشركين يتطرق إلى ما بين المسلمين والمشركين من عقود النكاح والمصاهرة فقد يكون المسلم زوجاً لمشركة وتكون المسلمة زوجاً لمشرك فتحدث في ذلك حوادث لا يستغني المسلمون عن معرفة حكم الشريعة في مثلها. وقد حدث عقب الصلح الذي انعقد بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين المشركين في الحديبية سنة ستّ مَجيء أبي جندل بن سهيل بن عَمرو يَرسُف في الحديد وكان مسلماً وكان موثقاً في القيود عند أبيه بمكة فانفلت وجاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في الحديبية وكان من شروط الصلح «أن من أتى محمداً من قريش بغير إذن وليه رده عليهم ومن جاء قريشاً ممن مع محمد لم يردوه عليه» فرده النبي صلى الله عليه وسلم إليهم، ولما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة هاجرتْ أُم كلثوم بنت عقبة بن أبي مُعيط هاربة من زوجها عَمرو بن العاص، وجاءت سبيعة الأسلمية مهاجرة هاربة من زوجها صيفي بن الراهب أو مسافر المخزومي، وجاءت أُميمة بنت بشر هاربة من زوجها ثابت بن الشِّمْراخ وقيل: حسان بن الدحداح. وطَلَبهُن أزواجهن فجاء بعضهم إلى المدينة جاء زوج سبيعة الأسلمية يطلب ردها إليه وقال: إن طينة الكتاب الذي بيننا وبينك لم تَجف بعدُ، فنزلت هذه الآية فأبى النبي صلى الله عليه وسلم أن يردها إليه ولم يرد واحدة إليهم وبقيت بالمدينة فتزوج أمَّ كلثوم بنت عقبة زيدُ بن حارثة. وتزوج سُبيعة عمر رضي الله عنه وتزوج أميمة سهلُ بن حنيف. وجاءت زينب بنت النبي صلى الله عليه وسلم مسلمة ولحق بها زوجها أبو العاص بن الربيع بن عبد العزى بعد سنين مشركاً ثم أسلم في المدينة فردها النبي صلى الله عليه وسلم إليه. وقد اختلف: هل كان النهي في شأن المؤمنات المهاجرات أن يرجعوهن إلى الكفار نسخاً لما تضمنته شرط الصلح الذي بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين المشركين أو كان الصلح غير مصرح فيه بإرجاع النساء لأن الصيغة صيغة جمع المذكر فاعتبر مجملاً وكان النهيُ الذي في هذه الآية بياناً لذلك المجمل. وقد قيل: إن الصلح صرح فيه بأن من جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم من غير إذن وليّه من رجل أو امرأة يُرد إلى وليه. فإذا صحّ ذلك كان صريحاً وكانت الآية ناسخة لما فعله النبي صلى الله عليه وسلم. والذي في سيرة ابن إسحاق من رواية ابن هشام خلي من هذا التصريح ولذلك كان لفظ الصلح محتملاً لإِرادة الرجال لأن الضمائر التي اشتمل عليها ضمائر تذكير. وقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للذين سألوه إرجاع النساء المؤمنات وطلبوا تنفيذ شروط الصّلح: إنما الشرط في الرجال لا في النساء فكانت هذه الآية تشريعاً للمسلمين فيما يفعلونه إذا جاءهم المؤمنات مهاجرات وإيذاناً للمشركين بأن شرطهم غير نص، وشأن شروط الصلح الصراحة لعظم أمر المصالحات والحقوق المترتبة عليها، وقد أذهل الله المشركين عن الاحتياط في شرطهم ليكون ذلك رحمة بالنساء المهاجرات إذ جعل لهن مخرجاً وتأييداً لرسوله صلى الله عليه وسلم كما في الآية التي بعدها لقصد أن يشترك من يمكنه الاطّلاع من المؤمنين على صدق إيمان المؤمنات المهاجرات تعاوناً على إظهار الحق، ولأن ما فيها من التكليف يرجع كثير منه إلى أحوال المؤمنين مع نسائهم. والامتحان: الاختِبار. والمراد اختبار إيمانهن. وجملة {الله أعلم بإيمانهن} معترضة، أي أن الله يعلم سرائرهنّ ولكن عليكم أن تختبروا ذلك بما تستطيعون من الدلائل. ولذلك فرع على ما قبل الاعتراض قوله: {فإن علمتموهن مؤمنات} الخ، أي إن حصل لكم العلم بأنهن مؤمنات غير كاذبات في دعواهن. وهذا الالتحاق هو الذي سُمي المبايعة في قوله في الآية الآتية: { أية : يا أيها النبي إذا جاءك المؤمنات يبايعنك على أن لا يشركن بالله}تفسير : الآية [الممتحنة: 12]. وفي «صحيح البخاري» عن عائشة: حديث : أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يمتحن من هاجر من المؤمنات بهذه الآية يقول الله: {يا أيها النبي إذا جاءك المؤمنات يبايعنك} إلى قوله: {غفور رحيم} [الممتحنة: 12]تفسير : وزاد ابن عباس فقال: كانت الممتحنة أن تستحْلف أنها ما خرجت بغضاً لزوجها، ولا رغبة من أرض إلى أرض، ولا التماس دنيا، ولا عشقاً لرجل منّا، ولا بجريرة جرتها بل حبا لله ولرسوله والدار الآخرة، فإذا حلفت بالله الذي لا إلٰه إلاّ هو على ذلك أعطى النبي صلى الله عليه وسلم زوجها مهرها وما أنفق عليها ولم يردها. وكان النبي صلى الله عليه وسلم يأمر عمر بن الخطاب بتولّي تحليفهن فإذا تبين إيمان المرأة لم يردها النبي صلى الله عليه وسلم إلى دار الكفر كما هو صريح الآية. {فلا ترجعوهن إلى الكفار لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهنّ}. وموقع قوله: {لا هنّ حل لهم ولا هم يحلون لهن} موقع البيان والتفصيل للنهي في قوله: {فلا ترجعوهن إلى الكفار} تحقيقاً لوجوب التفرقة بين المرأة المؤمنة وزوجها الكافر. وإذ قد كان المخاطب بذلك النهي جميع المؤمنين كما هو مقتضى قوله: {يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات} إلى آخره، تعين أن يقوم بتنفيذه من إليه تنفيذ أمُور المسلمين العامة في كل مكان وكل زمان وهم ولاة الأمور من أمراء وقضاة إذ لا يمكن أن يقوم المسلمون بما خوطبوا به من مثل هذه الأمور العامة إلاّ على هذا الوجه ولكن على كل فرد من المسلمين التزام العمل به في خاصة نفسه والتزام الامتثال لما يقرره ولاة الأمور. وإذ قد كان محمل لفظ الحل وما تصرف منه في كلام الشارع منصرفاً إلى معنى الإِباحة الشرعية وهي الجواز وضد التحريم. ومن الواضح أن الكفار لا تتوجه إليهم خِطابات التكليف بأمور الإِسلام إذ هم خارجون عنه فمطالبتهم بالتكاليف الإسلامية لا يتعلّق به مقصد الشريعة، ولذلك تعدّ المسألة الملقبة في علم الأصول بمسألة: خطاب الكفار بالفروع، مسألةً لا طائل تحتها ولا ينبغي الاشتغال بها بَله التفريع عليها. وإذ قد علق حكم نفي حل المرأة الذي هو معنى حرمة دوام عصمتها على ضمير الكفار في قوله تعالى: {لا هنّ حلّ لهم}. ولم يكن الكفار صالحين للتكليف بهذا التحريم فقد تعين تأويل هذا التحريم بالنسبة إلى كونه على الكافرين، وذلك بإرجاع وصف الحل المنفي إلى النساء في كلتا الجملتين وإبداء وجه الإِتيان بالجملتين ووجه التعاكس في ترتيب أجزائهما. وذلك أن نقول: إن رجوع المرأة المؤمنة إلى الزوج الكافر يقع على صورتين: إحداهما: أن ترجع المرأة المؤمنة إلى زوجها في بلاد الكفر، وذلك هو ما ألح الكفار في طلبه لمّا جاءت بعض المؤمنات مهاجرات. والثانية: أن ترجع إلى زوجها في بلاد الإِسلام بأن يخلى بينها وبين زوجها الكافر يقيم معها في بلاد الإِسلام إذا جاء يطلبها ومُنع من تسلمها. وكلتا الصورتين غير حلال للمرأة المسلمة فلا يجيزها ولاة الأمور، وقد عبر عن الصورة الأولى بجملة {لا هنّ حل لهم} إذ جعل فيها وصف حل خبراً عن ضمير النساء وأدخلت اللام على ضمير الرجال، وهي لام تعدية الحلّ وأصلها لام الملك فأفاد أن لا يملك الرجال الكفار عصمة أزواجهم المؤمنات وذلك يستلزم أن بقاء النساء المؤمنات في عصمة أزواجهن الكافرين غير حلال، أي لم يحللهن الإِسلام لهم. وقدم {لا هُنّ حل لهم} لأنه راجع إلى الصورة الأكثر أهمية عند المشركين إذ كانوا يَسألون إرجاع النساء إليهم ويرسلون الوسائط في ذلك بقصد الرد عليهم بهذا. وجيء في الجملة الأولى بالصفة المشبهة وهي {حل} المفيدة لثبوت الوصف إذ كان الرجال الكافرون يظنون أن العصمة التي لهم على أزواجهم المؤمنات مثبتة انهن حلّ لهم. وعبّر عن الثانية بجملة {ولا هم يحلون لهن} فعُكس الإِخبار بالحل إذ جعل خبراً عن ضمير الرجال، وعدي الفعل إلى المحلَّل باللام داخلة على ضمير النساء فأفاد أنهم لا يحلّ لهن أزواجهن الكافرون ولو بقي الزوج في بلاد الإِسلام. ولهذا ذكرت الجملة الثانية {ولا هم يحلون لهن} كالتتمة لحكم الجملة الأولى، وجيء في الجملة الثانية بالمسند فعلاً مضارعاً لدلالته على التجدد لإِفادة نفي الطماعية في التحليل ولو بتجدده في الحال بعقد جديد أو اتفاق جديد على البقاء في دار الإِسلام خلافاً لأبي حنيفة إذ قال: إن موجب الفرقة هو اختلاف الدارين لا اختلاف الدين. ويجوز في الآية وجه آخر وهو أن يكون المراد تأكيد نفي الحال فبعد أن قال: {لا هن حل لهم} وهو الأصل كما علمت آنفاً أكد بجملة {ولا هم يحلون لهن} أي أن انتفاء الحلّ حاصل من كل جهة كما يقال: لست منك ولست مني. ونظيره قوله تعالى: {أية : هن لباس لكم وأنتم لباس لهن}تفسير : في سورة [البقرة: 187] تأكيداً لشدة التلبس والاتصال من كل جهة. وفي الكلام محسّن العكس من المحسنات البديعية مع تغيير يسير بين {حل} و{يحلّون} اقتضاه المقام، وإنّما يُوفر حظّ التحسين بمقدار ما يسمح له به مقتضى حال البلاغة. {لَهُنَّ وَءَاتُوهُم مَّآ أَنفَقُواْ}. المراد بـ{ما أنفقوا} ما أعْطَوه من المهور، والعدول عن إطلاق اسم المهور والأجور على ما دفعه المشركون لنسائهم اللاء أسلمن من لطائف القرآن لأن أولئك النساء أصبحن غير زوجات. فألغي إطلاق اسم المهور على ما يدفع لهم. وقد سمّى الله بعد ذلك ما يعطيه المسلمون لهن أجوراً بقوله تعالى: {ولا جناح عليكم أن تنكحوهن إذا آتيتموهن أجورهن}. والمكلف بإرجاع مهور الأزواج المشركين إليهم هم ولاة أمور المسلمين مما بين أيديهم من أموال المسلمين العامة. {وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَن تَنكِحُوهُنَّ إِذَآ ءَاتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ}. وإنما قال تعالى: {ولا جناح عليكم أن تنكحوهن إذا آتيتموهن أجورهن} للتنبيه على خصوص قوله: {إذا آتيتموهن أجورهن} لئلا يظن أن ما دفع للزوج السابق مسقط استحقاق المرأة المهر ممن يروم تزويجها ومعلوم أن نكاحها بعد استبرائها بثلاثة أقراء. {وَلاَ تُمْسِكُواْ بِعِصَمِ ٱلْكَوَافِرِ}. نهى الله المسلمين عن إبقاء النساء الكوافر في عصمتهم وهن النساء اللاء لم يخرجن مع أزواجهن لكفرهن فلما نزلت هذه الآية طلق المسلمون من كان لهم من أزواج بمكة، فطلق عمرُ امرأتين له بقيتا بمكة مشركتين، وهما: قُرَيبة بنت أبي أمية، وأمّ كلثوم بنت عمرو الخزاعية. والمراد بالكوافر: المشركات. وهنّ موضوع هذه التشريعات لأنها في حالة واقعة فلا تشمل الآية النهي عن بقاء المرأة المسلمة في عصمة زوج مشرك وإنما يُؤخذ حكم ذلك بالقياس. قال ابن عطية: رأيت لأبي علي الفارسي إنه قال: سمعت الفقيه أبا الحسن الكرخي يقول في تفسير قوله تعالى: {ولا تُمسِكوا بعصم الكوافر} أنه في الرجال والنسوان، فقلت له: النحويون لا يرونه إلا في النساء لأن كوافر جمع كافرة، فقال: وآيْش يمنع من هذا، أليس الناس يقولون: طائفَة كافرة، وفرقة كافرة، فبُهتُّ وقلتُ: هذا تأييد اهـ. وجواب أبي الحسن الكرخي غير مستقيم لأنه يمنع منه ضمير الذكور في قوله: {ولا تمسكوا} فهم الرجال المؤمنون والكوافر نساؤهم. ومن العجيب قول أبي علي: فبهتُ وقلتُ... الخ. وقرأ الجمهور {ولا تمسكوا} بضم التاء وسكون الميم وكسر السين مخففة. وقرأ أبو عمرو بضم التاء وفتح الميم وتشديد السين مكسورة مُضارع مَسك بمعنى أمسك. {وَاسْأَلُواْ مَآ أَنفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلُواْ مَآ أَنفَقُواْ}. عطف على قوله: {وآتوهم ما أنفقوا} وهو تتميم لحكمه، أي كما تعطونهم مهور أزواجهم اللاء فررْنَ منهم مسلماتٍ، فكذلك إذا فرت إليهم امرأةُ مسلم كافرة ولا قدرة لكم على إرجاعها إليكم تسألون المشركين إرجاعَ مهرها إلى زوجها المسلمِ الذي فرّت منه وهذا إنصاف بين الفريقين، والأمرُ للإِباحة. وقوله: {وليسألوا ما أنفقوا} تكملة لقوله: {واسألوا ما أنفقتم} لإِفادة أن معنى واو العطف هنا على المعية بالقرينة لأن قوله: {وليسألوا ما أنفقوا} لو أريد حكمهُ بمفرده لكان مغنياً عنه قوله: {وآتوهم ما أنفقوا}، فلما كُرر عَقب قوله: {واسألوا ما أنفقتم} علمنا أن المراد جمع مضمون الجملتين، أي إذا أعطوا ما عليهم أعطوهم ما عليكم وإلا فلا. فالواو مفيدة معنى المعية هنا بالقرينة. وينبغي أن يحمل عليه ما قاله بعض الحنفية من أن معنى واو العطف المعية. قال إمام الحرمين في البرهان في معاني الواو: «اشتهر من مذهب الشافعي أنها للترتيب وعند بعض الحنفية أنها للمعية. وقد زَل الفريقان» اهـ. وقد أشار إليه في «مغني اللبيب» ولم يرده. وقال المازري في «شرح البرهان»: «وأما قولهم: لا تأكل السمك وتشرب اللبن»، فإن المراد النهي عن تناول السمك وتناول اللبن فيكون الإِعراب مختلفاً فإذا قال: وتشربَ اللبن بفتح الباء كان نهياً عن الجمع ويكون الانتصاب بمعنى تقدير حرف (أَنْ) اهـ. وهو يرمي إلى أن هذا المحمل يحتاج إلى قرينة. فأفاد قوله: {وليسألوا ما أنفقوا} أنهم إن أبوا من دفع مهور نساء المسلمين يفرّون إليهم كان ذلك مخوِّلاً للمؤمنين أن لا يعطوهم مهور من فرّوا من أزواجهم إلى المسلمين، كما يقال في الفقه: خيرتهُ تنفي ضررَه. {ذَلِكُمْ حُكْمُ ٱللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ}. أي هذا حكم الله، وهو عدل بين الفريقين إذ ليس لأحد أن يأخذ بأحد جانبيه ويترك الآخر. قال الزُهري: لولا العهد لأمسك النساء ولم يُردّ إلى أزواجهم صداق. وجملة {يحكم بينكم} يجوز كونها حالاً من اسم الجلالة أو حالاً من {حكم الله} مع تقدير ضمير يربط الجملة بصاحب الحال تقديره: يحكمه بينكم، وأن تكون استئنافاً. وقوله: {والله عليم حكيم} تذييل يشير إلى أن هذا حكم يقتضيه علم الله بحاجات عباده وتقتضيه حكمته إذ أعطى كل ذي حق حقّه. وقد كانت هذه الأحكام التي في هذه الآيات من الترادّ في المهور شرعاً في أحوال مخصوصة اقتضاها اختلاط الأمر بين أهل الشرك والمؤمنين وما كان من عهد المهادنة بين المسلمين والمشركين في أوائل أمر الإِسلام خاصّاً بذلك الزمان بإجماع أهل العلم، قاله ابن العربي والقرطبي وأبو بكر الجصاص.
الشنقيطي
تفسير : في قوله تعالى: {إِذَا جَآءَكُمُ ٱلْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَٱمْتَحِنُوهُنَّ ٱللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ} نص على امتحان المؤمنات المهاجرات، وكان صلى الله عليه وسلم يمتحنهن: ما خرجت كرهاً لزوج أو فراراً لسبب ونحو ذلك. ذكره ابن كثير وغيره. وقيل: كان امتحانهن البيعة الآتية: ألا يشركن بالله شيئاً ولا يسرقن الآية، ومفهومه أن الرجال المهاجرون لا يمتحنون. وفعلاً لم يكن النَّبي صلى الله عليه وسلم يمتحن من هاجر إليه والسبب في امتحانهن دون الرجال، هو ما أشارت إليه هذه الآية في قوله تعالى: {فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ}، كأن الهجرة وحدها لا تكفي في حقهن بخلاف الرجال، فقد شهد الله لهم بصدق إيمانهم بالهجرة في قوله{أية : لِلْفُقَرَآءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُواْ مِن دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ ٱللَّهِ وَرِضْوَاناً وَيَنصُرُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلصَّادِقُونَ}تفسير : [الحشر: 8] وذلك أن الرجل إذا خرج مهاجراً يعلم أن عليه تبعة الجهاد والنصرة فلا يهاجر إلا وهو صادق الإيمان فلا يحتاج إلى امتحان، ولا يرد عليه مهاجر أم قيس لأنه أمر جانبي، ولا يمنع من المهمة الأساسية للهجرة المنوه عنه في أول هذه السورة {أية : إِن كُنتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَاداً فِي سَبِيلِي}تفسير : [الممتحنة: 1] الآية، بخلاف النساء فليس عليهن جهاد ولا يلزمهن بالهجرة أية تبعية، فأي سبب يواجههن في حياتهن سواء كان بسبب الزوج أو غيره، فإنهن يخرجن باسم الهجرة. فكان ذلك موجباً للتوثق من هجرتهن بامتحانهن ليعلم إيمانهن، ويرشح لهذا المعنى قوله تعالى: {ٱللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ}، وفي حق الرجال {أية : أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلصَّادِقُونَ}تفسير : [الحجرات: 15]، وكذلك من جانب آخر وهو أن هجرة المؤمنات يتعلق عليها حق مع طرف آخر، وهو الزوج فيفسخ نكاحها منه، ويعوض هو عما أنفق عليها، وإسقاط حقه في النكاح وإيجاب حقه في العوض قضايا حقوقية، تتطلب إثباتاً بخلاف هجرة الرجال. والله تعالى أعلم. وقوله تعالى: {فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلاَ تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى ٱلْكُفَّار} معلوم أن المؤمنات المهاجرات بعد الامتحان والعلم بأنهن مؤمنات لا ينبغي إرجاعهن إلى الكفار، لأنهم يؤذونهن إن رجعن إليهم، فلأي شيء يأتي النص عليه؟ قال كثير من المفسرين: إن هذه الآية مخصصة لما جاء في معاهدة صلح الحديبية، والتي كان فيها من جاء من الكفار مسلماً إلى المسلمين ردوه على المشركين، ومن جاء من المسلمين كافراً للمشركين لا يردونه على المسلمين فأخرجت النساء من المعاهدة وأبقت الرجال من باب تخصيص العموم وتخصيص السنة بالقرآن، وتخصيص القرآن بالسنة معلوم، وقد بينه الشيخ رحمة الله تعالى عليه في مذكرة الأصول، وذكر القاعدة من مراقي السعود بقوله: شعر : وخصص الكتاب والحديث به أو بالحديث مطلقاً فلتنتبه تفسير : ومما ذكره لأمثلة تخصيص السنة بالكتاب قوله صلى الله عليه وسلم:"حديث : ما أبين من حيّ فهو ميت"تفسير : ، أي محرم، جاء تخصيص هذا العموم بقوله تعالى:{أية : وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا}تفسير : [النحل: 80] أي ليس محرماً. ومن أمثلة تخصيص الكتاب بالسنة قوله تعالى:{أية : حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ ٱلْمَيْتَةُ وَٱلْدَّمُ}تفسير : [المائدة: 3] جاء تخصيص هذا العموم بقوله صلى الله عليه وسلم:"حديث : أحلت لنا ميتتان ودمان، أما الميتتان: فالجراد والحوت"تفسير : الحديث قال القرطبي: جاءت سبيعة بنت الحارث الأسلمية بعد الفراغ من الكتاب والنَّبي صلى الله عليه وسلم بالحديبية بعد، فأقبل زوجها وكان كافراً، فقال: يا محمد اردد علي امرأتي فإنك شرطت ذلك، وهذه طينة الكتاب لم تجف بعد، فأنزل الله هذه الآية، وقال بعض المفسرين: إنها ليست مخصصة للمعاهدة، لأن النساء لم يدخلن فيها ابتداء، وإنما كانت في حق الرجال فقط. وذكر القرطبي وابن كثير حديث : أن أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط جاءت فارَّة من زوجها عمرو بن العاص ومعها أخواها عمارة والوليد، فرد رسول الله صلى الله عليه وسلم أخويها وحبسها، فقالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: ردها علينا للشرط، فقال صلى الله عليه وسلم "كان الشرط في الرجال لا في النساء"تفسير : ، فأنزل الله تعالى هذه الآية، والذي يظهر والله تعالى أعلم أنها مخصصة لمعاهدة الهدنة، وهي من أحسن الأمثلة لتخصيص السنة بالقرآن، كما قاله ابن كثير. وقد روي أنها مخصصة عن عروة والضحاك وعبد الرحمن بن زيد والزهري ومقاتل بن حيان والسدي. ويدل على أنها مخصصة أمران مذكوران في الآية. الأول منهما: أنها أحدثت حكماً جديداً في حقهن وهو عدم الحلية بينهن وبين أزواجهن، فلا محل لإرجاعهن، ولا يمكن تنفيذ معاهدة الهدنة مع هذا الحكم فخرجن منها وبقي الرجال. والثاني منهما: أنها جعلت للأزواج حق المعاوضة على ما أنفقوا عليهن، ولو لم يكن داخلات أولاً لما كان طلب المعاوضة ملزماً، ولكنه صار ملزماً، وموجب إلزامه أنهم كانوا يملكون منعهن من الخروج بمقتضى المعاهدة المذكورة، فإذا خرجن بغير إذن الأزواج كن كمن نقض العهد فلزمهن العوض المذكور. والله تعالى أعلم. وقوله تعالى: {فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلاَ تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى ٱلْكُفَّارِ لاَ هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ وَلاَ هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنّ}، فيها تحريم المؤمنات على الكافرين، والظاهر أن التحريم بالهجرة لا بالإسلام قبلها، واتفق الجمهور على أنه إذا أسلم وهاجر أحد الزوجين بقيت العصمة إلى نهاية العدة، فإن هاجر الطرف الآخر فيها، فهما على نكاحهما الأول. وهنا مبحث زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم مع زوجها أبي العاص بن الربيع. وقد كثر الخلاف في أمر ردها إليه هل كان بالعقد الأول، أو جدَّد لها صلى الله عليه وسلم عقداً جديداً، ومن أسباب كثرة الخلاف الربط بين تاريخ إسلامها وتاريخ إسلامه، وبينهما ست سنوات وهذا خطأ، لأن قبل نزول الآية لم يقع تحريم بين مسلمة وكافر، ونزولها بعد الحديبية وإسلامها كان سنة ثمان، يحمل على عدم انقضاء عدتها، وهذا يوافق على ما عليه الجمهور، ونقل ابن كثير قولاً، وهو أن المسلمة كانت بالخيار إن شاءت فسخت نكاحها وتزوجت بعد انقضاء عدتها، وإن شاءت انتظرت اهـ. وهذا القول له وجه، لأنه بإسلامها لم يكن كفأً لها وإذا انتفت الكفاءة أعطيت الزوجة الخيار، كقصة بريرة لما عتقت وكان زوجها مملوكاً، ولا يرده قوله تعالى: {لاَ هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ وَلاَ هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ} لأن ذلك في حالة كفر الزوج لقوله تعالى: {فَلاَ تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى ٱلْكُفَّارِ} والله تعالى أعلم. وقوله تعالى: {وَءَاتُوهُم مَّآ أَنفَقُواْ} يدل على أن الفرقة إذا جاءت بسبب من جهة الزوجة أن عليها رد ما أنفق الزوج عليها، وكونه الصداق أو أكثر قد بحثه الشيخ رحمة الله تعالى عليه في مبحث الخلع في سورة البقرة. وقوله تعالى: {وَلاَ تُمْسِكُواْ بِعِصَمِ ٱلْكَوَافِرِ}، أمر المؤمنين بفك عصمة زوجاتهم الكوافر، فطلق عمر بن الخطاب يومئذ زوجتين، وطلق طلحة بن عبيد الله زوجته أروى بنت ربيعة، وعصم الكوافر عام في كل كافرة، فيشمل الكتابيات لكفرهن باعتقاد الولد لله، كما حققه الشيخ رحمة الله تعالى عليه، ولكن هذا العموم قد خصص بإباحة الكتابيات في قوله تعالى:{أية : وَٱلْمُحْصَنَاتُ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ}تفسير : [المائدة: 5] أي الحرائر، وبقيت الحرمة بين المسلم والمشركة بالعقد على التأبيد. ومفهوم العصمة لا يمنع الإمساك بملك اليمين، فيحل للمسلم الاستمتاع بالمشركة بملك اليمين، وعليه تكون حرمة المسلمة على الكافر مطلقاً مشركاً كان أو كتابياً على التأبيد لقوله تعالى: {لاَ هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ} أي في الحاضر، {وَلاَ هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ} أي في المستقبل، وقد فصل الشيخ رحمة الله تعالى عليه مسألة المحرمات من النكاح فيما تقدم عند قوله تعالى:{أية : وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً أَن يَنكِحَ ٱلْمُحْصَنَات}تفسير : [النساء: 25] الآية. تنبيه هنا سؤال، وهو: إذا كان الكفر هو سبب فك عصمة الكافرة من المسلم، وتحريم المسلمة على الكافر، فلماذا حلت الكافرة من أهل الكتاب للمسلم، ولم تحل المسلمة للكافر من أهل الكتاب؟ والجواب من جانبين: الأول: أن الإسلام يعلو ولا يعلى عليه والقوامة في الزواج للزوج قطعاً لجانب الرجولة، وإن تعادلا في الحلية بالعقد، لأن التعادل لا يلغي الفوارق كما في ملك اليمين، فإذا امتلك رجل امرأة حل له أن يستمتع منها بملك اليمين والمرأة إذا امتلكت عبداً لا يحل لها أن تستمتع منه بملك اليمين، ولقوامة الرجل على المرأة وعلى أولادها وهو كافر لا يسلم لها دينها، ولا لأولادها، والجانب الثاني شمول الإسلام وقصور غيره، ويبين عليه أمر اجتماعي له مساس بكيان الأسرة وحسن العشرة، وذلك أن المسلم إذا تزوج كتابية، فهو يؤمن بكتابها وبرسولها، فسيكون معها على مبدأ من يحترم دينها لإيمانه به في الجملة، فسيكون هناك مجال للتفاهم، وقد يحصل التوصل إلى إسلامها بموجب كتابها، أما الكتابي إذا تزوج مسلمة، فهو لا يؤمن بدينها، فلا تجد منه احتراماً لمبدئها ودينها، ولا مجال للمفاهمة معه في أمر لا يؤمن به كلية، وبالتالي فلا مجال للتفاهم ولا للوئام، وإذا فلا جدوى من هذا الزواج بالكلية، فمنع منه ابتداءً. وقوله تعالى: {وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَن تَنكِحُوهُنَّ إِذَآ آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ} يعني صداقهن. ويدل بمفهومه أن النكاح بدون الأجور فيه جناح، وقد جاء النص بهذا المفهوم في قوله تعالى:{أية : وَٱمْرَأَةً مُّؤْمِنَةً إِن وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ ٱلنَّبِيُّ أَن يَسْتَنكِحَهَا خَالِصَةً لَّكَ مِن دُونِ ٱلْمُؤْمِنِينَ}تفسير : [الأحزاب: 50]، فهبة المرأة نفسها بدون صداق خاص به صلى الله عليه وسلم، فقوله تعالى: {خَالِصَةً لَّكَ مِن دُونِ ٱلْمُؤْمِنِينَ} لا يحله لغيره صلى الله عليه وسلم، وقوله {إِذَآ آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُن} ظاهر في أن النكاح لا يصح إلا بإتيان الأجور. وقد جاء ما يدل على صحة العقد بدون إتيان الصداق كما في قوله تعالى:{أية : لاَّ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن طَلَّقْتُمُ ٱلنِّسَآءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُواْ لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ}تفسير : [البقرة: 236] الآية. وقد ذكر الفقهاء حكم المفوضة، أنه إن دخل بها فله صداق المثل، ويدل لإطلاق الأجور على الصداق قوله تعالى في نكاح الإماء لمن لم يستطع طولاً للحرائر {أية : فَمِنْ مَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم مِّن فَتَيَاتِكُمُ ٱلْمُؤْمِنَاتِ }تفسير : [النساء: 25] إلى قوله {أية : فَٱنكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ}تفسير : [النساء: 25] وفي نكاح أهل الكتاب {أية : ٱلْمُحْصَنَاتُ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ إِذَآ آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ}تفسير : [المائدة: 5] الآية، وقوله تعالى للرسول صلى الله عليه وسلم:{أية : إِنَّآ أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ ٱللاَّتِيۤ آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ}تفسير : [الأحزاب: 50] وبهذا كله يرد على من استدل بلفظ الأجور على نكاح المتعة في قوله تعالى:{أية : فَمَا ٱسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ}تفسير : [النساء: 24] وتقدم مبحث المتعة موجزاً للشيخ رحمة الله تعالى عليه عند قوله تعالى: {فَمَا ٱسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنّ}.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات: أي المؤمنات بألسنتهن مهاجرات من الكفار. فامتحنوهن: أي اختبروهن بالحلف أنهن ما خرجن إلا رغبة في الإِسلام لا بغضاً لأزواجهن، ولا عشقا لرجال من المسلمين. فإن علمتموهن مؤمنات: أي صادقات في إيمانهن بحسب حلفهن. فلا ترجعوهن إلى الكفار: أي لا تردوهن إلى الكفار بمكة. لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن: لا المؤمنات يحللن لأزواجهن الكافرين، ولا الكافرون يحلون لأزواجهم المؤمنات. وآتوهم ما أنفقوا: أي وأَعطوا الكفار أزواج المؤمنات المهاجرات المهور التي أعطوها لأزواجهم. ولا جناح عليكم أن تنكحوهن إذا آتيتموهن أجورهن: أي مهورهن، وإن لم يتم طلاق من أزواجهن لانفساخ العقد بالإِسلام. وبعد انقضاء العدة في المدخول بها وباقي شروط النكاح. ولا تمسكوا بعصم الكوافر: أي زوجاتكم، لقطع إسلامكم للعصمة الزوجية. وكذا من ارتدت ولحقت بدار الكفر. إلا أن ترجع إلى الإِسلام قبل انقضاء عدتها فلا يفسخ نكاحها وتبقى العصمة إن كان مدخولا بها. واسألوا ما أنفقتم: أي أطلبو ما أنفقتم عليهن من مهور في حال الارتداد. وليسألوا ما أنفقوا: أي على المهاجرات من مهور في حال إسلامهن. وإن فاتكم شيء من أزواجكم إلى الكفار: أي بأن فرت امرأة أحدكم إلى الكفار ولحقت بهم ولم يعطوكم مهرها فعاقبتم أي الكفار فغنمتم منهم غنائم. فآتوا الذين ذهبت أزواجهم مثل ما أنفقوا: أي فأعطوا الذين ذهبت أزواجهم إلى الكفار مثل ما أنفقوا عليهن من مهور. واتقوا الله الذي أنتم به مؤمنون: أي وخافوا الله الذي أنتم به مؤمنون فأدوا فرائضه واجتنبوا نواهيه. معنى الآيات: قوله تعالى {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا جَآءَكُمُ ٱلْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ} الآيتين [10] و [11] نزلتا بعد صلح الحديبية إذ تضمنت وثيقة الصلح أن من جاء الرسول صلى الله عليه وسلم من مكة من الرجال رده إلى مكة ولو كان مسلماً، ومن جاء المشركين من المدينة لم يردوه إليه ولم ينص عن النساء، وأثناء ذلك جاءت أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط مهاجرة من مكة إلى المدينة فلحق بها أخواها عمار والوليد ليردّاهما إلى قريش فنزلت هذه الآية الكريمة فلم يردها عليهما صلى الله عليه وسلم قال تعالى {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} أي يا من آمنتم بالله رباً وإلهاً وبمحمد نبيّاً ورسولاً والإِسلام ديناً إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات من دار الكفر إلى دار الإِسلام فامتحنوهن - الله أعلم بإِيمانهن - فإن علمتموهن أي غلب على ظنكم أنهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار وصورة الامتحان أن يقال لها احلفي بالله أي قولي بالله الذي لا إله إلا هو ما خرجت إلا رغبة في الإِسلام لا بغضاً لزوجي، ولا عشقا لرجل مسلم. وقوله تعالى: {لاَ هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ وَلاَ هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ} لأن الإِسلام فصم تلك العصمة التي كانت بين الزوج وزوجته، إذ حرم الله نكاح المشركات، وإنكاح المشركين، ولذا لم يأذن الله تعالى في ردهن إلى أزواجهن الكافرين. وقوله تعالى {وَآتُوهُم مَّآ أَنفَقُواْ} إذا جاء زوجها المشرك يطالب بها أعطوه ما أنفق عليها من مهر والذي يعطيه هو جماعة المسلمين وإمامهم. وقوله تعالى: {وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَن تَنكِحُوهُنَّ} أي تتزوجهن إذا آتيتموهن أجورهن أي مهورهن مع باقي شروط النكاح من ولي وشاهدين وانقضاء العدة في المدخول بها. وقوله تعالى: {وَلاَ تُمْسِكُواْ بِعِصَمِ ٱلْكَوَافِرِ} أي إذا أسلم الرجل وبقيت امرأته مشركة انقطعت عصمة الزوجية وأصبحت لا تحل لزوجها الذي أسلم، وكذا إذا ارتدت امرأة مسلمة ولحقت بدار الكفر فإن العصمة قد انقطعت، ولا يحل الإِمساك بها وفائدة ذلك لو كان تحت الرجل نسوة له أن يزيد رابعة لأن التي ارتدت أو التي كانت مشركة وأسلم وهي في عصمته لا تمنعه من أن يتزوج رابعة لأن الإِسلام قطع العصمة لقوله تعالى ولا تمسكوا بعصم الكوافر والعصم جمع عصمة. وقوله تعالى: {وَاسْأَلُواْ مَآ أَنفَقْتُمْ} اطلبوا من المرتدة ما أنفقتم عليها من مهر يؤدى لكم وليسألوا هم ما أنفقوا وأعطوهم أيضا مهور نسائهم اللائي أسلمن وهاجرن إليكم وقوله تعالى: {ذَلِكُمْ حُكْمُ ٱللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ} بخلقه وحاجاتهم {حَكِيمٌ} في قضائه وتدبيره فليسلم له الحكم وليرض به فإنه قائم على أساس المصلحة للجميع. وقوله تعالى {وَإِن فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِّنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَى ٱلْكُفَّارِ فَعَاقَبْتُمْ فَآتُواْ ٱلَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُمْ مِّثْلَ مَآ أَنفَقُواْ} أي وإن ذهب بعض نسائكم إلى الكفار مرتدات، وطالبتم بالمهور فلم يعطوكم، ثم غزوتم وغنمتم فأعطوا من الغنيمة قبل قسمتها الذي ذهبت زوجته إلى دار الكفر ولم يحصل على تعويض أعطوه مثل ما أنفق. وقوله: {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ٱلَّذِيۤ أَنتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ} أي خافوا عقابه فأطيعوه في أمره ونهيه ولا تعصوه. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- وجوب امتحان المهاجرة فإن علم اسلامها لا يحل إرجاعها إلى زوجها الكافر لأنها لا تحل له، وإعطاؤه ما أنفق عليها من مهر. ويجوز بعد ذلك نكاحها بمهر وولي وشاهدين إن كانت مدخولا بها فبعد انقضاء عدتها وإلا فلا حرج في الزواج بها فوراً. 2- حرمة نكاح المشركة. 3- لا يجوز الإبقاء على عصمة الزوجة المشركة، وللزوج المسلم الذي بقيت زوجته على الكفر، أو ارتدت بعد إسلامها أن يطالب بما أنفق عليها من مهر وللزوج الكافر الذي أسلمت زوجته وهاجرت أن يسأل كذلك ما أنفق عليها. 4- ومن ذهبت زوجته ولم يُردّ عليه شيء مما أنفق عليها، ثم غزا المسلمون تلك البلاد وغنموا فإن من ذهبت زوجته ولم يعوض عنها يعطى ما أنفقه من الغنيمة قبل قسمتها. وإن لم تكن غنيمة فجماعة المسلمين وإمامهم يساعدونه ببعض ما أنفق من باب التكافل والتعاون. 5- وجوب تقوى الله تعالى بتطبيق شرعه وانفاذ أحكامه والرضا بها.
القطان
تفسير : امتحنوهن: اختبروهن. علِمتموهن مؤمنات: تيقنتم من ايمانهنّ. فلا تَرجعُوهن الى الكفار: لا ترجعوهن الى أزواجهن الكفار. وآتوهم ما انفقوا: اعطوا الازواج الكفار ما دفعوا من مهور لزوجاتهم. ولا جناح عليكم: لا اثم عليكم. ولا تمسكوا بعصَم الكوافر: لا تبقوا النساء الكافرات على عصمتكم وأبطلوا عقد الزواج بهن. واسألوا ما انفقتم: اطلبوا كل ما دفعتم لهن من مهر وغيره. ولْيسألوا ما انفقوا: وليطلبوا هم (يعني الكفار) ما انفقوا على زوجاتهم اللاتي أسلمن وهاجرن اليكم. وان فاتكم شيء من ازواجكم الى الكفار: ان ذهبت احدى زوجاتكم الى الكفار. فعاقبتم: فظفرتم وكانت العقبى لكم يعني النصر. في اتفاق صلح الحديبية جاء نص يقول: ان من جاء محمدا من قريش بغير إذنِ وليّه ردّه اليه، ومن جاء قريشا من المسلمين لم تردّه اليهم.. ومضى العهد بين الطرفين على أتمّه. ثم جاءت نساء مؤمنات مهاجرات، وكانت أُولاهن أُم كلثوم بنتَ عقبة بن ابي معيط الأموية. فقدِم أخواها عمار والوليد، فكَلّما رسول الله صلى الله عليه وسلم في أمرِها ليردها الى قريش، فنزلت هذه الآية. فلم يردّها الرسول الكريم وزوّجها زيدَ بن حارثة، ثم تزوجها الزبير بن العوام بعد استشهاد زيد، فولدت له زينب، ثم فارقها فتزوجها عبد الرحمن بن عوف فولدت له إبراهيم وحميدا، ثم توفي عنها فتزوجها عمرو بن العاص فمكثت عنده شهرا وتوفيت رحم الله الجميع. فتبين من عمل النبي عليه الصلاة والسلام ان العهدَ كان يشمل الرجال دون النساء. والله تعالى يقول: {فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلاَ تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى ٱلْكُفَّارِ}. فاذا تبين لكم أنهنّ صادقات في ايمانهم فلا يجوز ان تردوهن الى الكفار، لأنهن: {لاَ هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ وَلاَ هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ}. {وَآتُوهُم مَّآ أَنفَقُواْ}. أعطوا الأزواج الكافرين ما انفقوا من مهرٍ وغيره على زوجاتهم المهاجرات اليكم. ولا حرج عليكم ان تتزوجوا هؤلاء المهاجرات اذا دفعتم اليهن مهورهن. {وَلاَ تُمْسِكُواْ بِعِصَمِ ٱلْكَوَافِرِ}. اذا بقيت زوجةٌ من الزوجات في دار الكفر ولم تسلم فلا تتمسكوا بعقد زواجها وأبطِلوه. كذلك اذا لحقت زوجة بدار الكفر فأبطِلوا عقدها، فانها تعتبر طالقة. {وَاسْأَلُواْ مَآ أَنفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلُواْ مَآ أَنفَقُواْ}. اذا كان لكم مهر عند زوجة في دار الكفر فلكم ان تطلبوه، واذا جاءت زوجة أحد الكفار وأسلمت وهاجرت فعلى من تزوَّجها ان يدفع ما عليها لزوجها السابق. {ذَلِكُمْ حُكْمُ ٱللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ}. هذا التشريع هو حكم الله، يحكم به بينكم، فاتبعوه ولا تخالفوه، والله عليم بمصالح عباده، حكيم في كل ما يفعل. {وَإِن فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِّنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَى ٱلْكُفَّارِ فَعَاقَبْتُمْ فَآتُواْ ٱلَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُمْ مِّثْلَ مَآ أَنفَقُواْ}. إن ذهبت زوجةٌ من زوجاتكم الى الكفار مرتدةً عن دينها، ولم يردّوا الى زوجِها المهرَ الذي دفعه، ثم حاربتموهم، فأَعطوا الذين ذهبت زوجاتُهم مثلَ ما انفقوا، وذلك من الغنائم التي تكسبونها من الكفار. {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ٱلَّذِيۤ أَنتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ} امتثلوا اوامره، وتقيدوا بأحكامه ان كنتم صادقين في ايمانكم. قراءات: قرأ ابو عمرو واهل البصرة: ولا تمسكوا بفتح التاء وبتشديد السين المفتوحة. والباقون: ولا تمسكوا بضم التاء واسكان الميم وكسر السين. وأمسك ومسَّك لغتان.
د. أسعد حومد
تفسير : {يٰأَيُّهَا} {آمَنُواْ} {ٱلْمُؤْمِنَاتُ} {مُهَاجِرَاتٍ} {بِإِيمَانِهِنَّ} {مُؤْمِنَاتٍ} {وَآتُوهُم} {آتَيْتُمُوهُنَّ} {وَاسْأَلُواْ} {وَلْيَسْأَلُواْ} (10) - كَانَ مِنْ شُرُوطِ صُلْحِ الحُدَيْبِيَةِ بَيْنَ الرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم وَقُرَيشٍ أَنَّ الرَّسُولَ لاَ يَأْتِيهِ أَحَدٌ مِنْ كُفَّارِ قُرَيْشٍ إِلاَّ رَدَّهُ، وَإِنْ كَانَ مُسْلِماً عَلَى دِينِ الإِسْلاَمِ. وَخِلاَلَ فَتْرَةِ الصُّلْحِ جَاءَتِ الرَّسُولَ فِي المَدِينَةِ أُمُّ كُلْثُومٍ بِنْتُ عُقْبَةَ بْنِ أَبِي مُعيطٍ مُسْلِمَةً فَجَاءَ أَخَوَاهَا إِلَى الرَّسُولِ يَسْأَلاَنِهِ رَدَّهَا، فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى هَذِهِ الآيَةَ، يَنْقُضُ بِهَا عَهْدَ الحُدَيْبِيَةِ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالنِّسَاءِ خَاصَّةً، فَمَنَعَ اللهُ المُؤْمِنينَ مِنْ أَنْ يَرُدُّوا المُؤْمِنَاتِ المُهَاجِرَاتِ إِلَى المُشْرِكِينَ، وَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى آيَةَ الامْتِحَانِ. وَيُبَيِّنُ تَعَالَى لِلْمُؤْمِنينَ أَنَّهُ إِذَا جَاءَكُمْ، يَا أَيُّهَا المُؤْمِنُونَ، النِّسَاءُ مُؤْمِنَاتٍ مُهَاجِرَاتٍ مِنْ بَيْنِ الكُفَّارِ، فَاخْتَبِرُوا حَالَهُنَّ، لِتَعْلَمُوا صِدْقَ إِيمَانِهِنَّ، لأَِنَّ الكُفَّارَ لاَ يَحِلُّونَ لِلْمُؤْمِنَاتِ، وَالمُؤْمِنَاتُ لاَ يَحْلِلْنَ لِلكُفَّارِ. وَكَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ لِلْمُهَاجِرَاتِ: (حديث : بِاللهِ الذِي لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ مَا خَرَجْتُ مِنْ بُغْضِ زَوْجٍ، بِاللهِ مَا خَرَجْتُ رَغْبَةً بِأَرْضٍ عَنْ أَرْضٍ، بِاللهِ مَا خَرَجْتُ التِمَاساً لِدُنْيَا، بِاللهِ مَا خَرَجْتُ إِلاَّ حُبّاً بِاللهِ وَرَسُولِهِتفسير : ). ثُمَّ ذَكَرَ تَعَالَى أَنَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِ المُهَاجِرَاتِ مِنْكُمْ يَا أَيُّهَا المُؤْمِنُونَ. ثُمَّ بَيَّنَ تَعَالَى الحُكْمَ فِي هَذِهِ الحَالَةِ: فَقَالَ: أَعطُوا أَزْوَاجَ المُؤْمِنَاتِ المُهَاجِرَاتِ مِنَ الكُفَّارِ مِثْلَ مَا دَفَعُوا مِنَ المُهُورِ، وَلاَ إِثْمَ عَلَى الرِّجَالِ المُؤْمِنينَ فِي أَنْ يَنْكِحُوا هَؤُلاَءِ المُهَاجِرَاتِ، بِشَرْطِ أَنْ يَتَعَهَّدُوا بِأَنْ يُؤَدُّوا إِليهِنَّ مُهُورَهُنَّ، وَلاَ يَنْبَغِي لِلْمُؤْمِنينَ أَنْ يَتَزَوَّجُوا المُشْرِكَاتِ، وَلاَ أَنْ يَتَمَسَّكُوا بِعَقْدِ زَوْجِيَّةِ الكَافِرَاتِ البَاقِيَاتِ فِي دَارِ الشِّرْكِ، وَإِذَا لَحِقَتْ امْرَأَةٌ كَافِرَةٌ هِيَ زَوْجَةٌ لِمُسْلِمٍ بِالكُفَّارِ - بَعْدَ أَنْ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ - فَلِلْمُسْلِمِينَ أَنْ يَسْأَلُوا الكُفَّارَ مَهْرَهَا الذِي دَفَعَهُ زَوْجُهَا المُسْلِمُ، وَلْيَسْأَلْكُمُ الكُفَّارُ دَفْعَ مُهُورِ نِسَائِهِمْ المُؤْمِنَاتِ المُهَاجِرَاتِ. وَذَلِكَ الذِي ذُكِرَ هُوَ حُكْمُ اللهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فَاتَّبِعُوهُ، وَاللهُ عَلِيمٌ فَلاَ يَشْرَعُ إِلاَّ مَا فِيهِ الحِكْمَةُ. فَامْتَحِنُوهُنَّ - فَاخْتَبُروهُنَّ - وَكَانَ النَّبِيُّ يَخْتَبِرُهُنَّ بِالتَّحْلِيفِ. أُجُورَهُنَّ - مُهُورَهُنَّ. بِعِصَمِ الكَوَافِرِ - بِعُقُودِ نِكَاحِ المُشْرِكَاتِ.
الصابوني
تفسير : [1] التزاوج بين المسلمين والمشركين {مُهَٰجِرَٰتٍ}: أي من دار الكفر، والهجرةُ في اللغة: الخروج من أرضٍ إلى أرض، وفي الشرع: الانتقال من دار الكفر إلى دار الإيمان، وفي الحديث: "حديث : لا هجرةَ بعد الفتحِ ولكنْ جهادٌ ونيةٌ"تفسير : المراد بعد فتح مكة، حيث أصبحت دار إسلام كالمدينة وانقطعت الهجرة. قال الأزهري: وأصل الهجرة عند العرب خروج البدويّ من باديته إلى المدن، وسُمّي المهاجرون ومهاجرين لأنهم تركوا ديارهم ومساكنهم ابتغاء مرضاة الله، ولحقوا بدارٍ ليس لهم بها أهل ولا مال. {فَٱمْتَحِنُوهُنَّ}: الامتحان في اللغة الاختبار، والمراد اختبارهنّ على الإيمان، بما يغلب على الظنّ، أما حقيقة الإيمان فلا يمكن أن تعلم، لأنه لا يطّلع على القلوب إلاّ علاّم الغيوب، فلنا الظاهر والله سبحانه يتولى السرائر، ويدل عليه قوله: {ٱللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَٰنِهِنَّ}. {وَآتُوهُم مَّآ أَنفَقُواْ}: يعني أعطوا أزواجهنَّ الكفار مثل ما دفعوا إليهنّ من المهور. قال مقاتل: هذا إذا تزوجها مسلم، فإن لم يتزوجها أحد، فليس لزوجها الكافر شيء. وقال قتادة: الحكم في ردّ الصداق إنما هو في نساء أهل العهد، فأمّا من لا عهد بينه وبين المسلمين فلا يردّ إليه الصداق، قال القرطبي: والأمر كما قاله. {أُجُورَهُنَّ}: يعني مهورهن، وسمي المهر أجراً لأنه في الظاهر أجر البضع، وأمّا في الحقيقة فهو بذل وعطيّة لإظهار خطر المحل وشرفه، كما تقدّم. {بِعِصَمِ ٱلْكَوَافِرِ}: جمع عِصْمة، وهي ما يعتصم به من عهد وسبب، وأصل العصمة: الحبل، وكلّ ما أمسك شيئاً فقد عصمه، والمراد بالعِصْمة هنا النكاح، والكوافر: جمع كافرة. والمعنى: لا تعتدّوا بنكاح زوجاتكم الكافرات فقد انقطعت العلاقة بينكم وبينهنّ. قال ابن عباس: "من كانت له امرأة كافرة بمكة فلا يعتدّن بها، فليست له امرأة، فقد انقطعت عصمتها لاختلاف الدارين. قال الزجاج: إنها إذا كفرت فقد زالت العصمة بينها وبين المؤمن أي قد انبتَّ عقد النكاح. {وَاسْأَلُواْ مَآ أَنفَقْتُمْ}: أي إن لحقت امرأة منكم بأهل العهد من الكفار مرتدّة، فاسألوهم ما أنفقتم من المهر على نسائكم اللاحقات بهم. {وَلْيَسْأَلُواْ مَآ أَنفَقُواْ}: يعني المشركين الذين لحقت أزواجهم بكم مؤمنات إذا تزوجن منكم، فليسأل أزواجهن المهر. والمعنى: عليكم أن تغرموا لهم الصّداق كما يغرمون لكم. {فَاتَكُمْ}: سبقكم وانفلت من أيديكم. {فَعَاقَبْتُمْ}: قال الزجاج: أي أصبتموهم في القتال بعقوبة حتى غنمتم منهم. {بِبُهْتَٰنٍ}: البهتانُ: الكذب والباطل، والافتراء الذي يُتحيّر من بطلانه، ومنه حديث (فقد بهتّه) أي افتريت عليه ما لم يقله. والمراد به في الآية: اللقيط. قال ابن عباس: لا يُلحِقْن بأزواجهنّ غيرَ أولادهم. وقال الفراء: كانت المرأة في الجاهلية تلتقط المولود فتقول: هذا ولدي منك، فذلك البهتان المفترى بين أيديهن وأرجلهن. وهو قول الجمهور. {مَعْرُوفٍ}: المعروف: ما يستحسنه الشرع، وترتضيه العقول السليمة وهو ضد المنكر. {لاَ تَتَوَلَّوْاْ قوْماً}: أي لا تتخذوهم أصدقاء، وأولياء، تودّوهم من دون المؤمنين، والمراد بالقوم اليهود، أو جميع الكفرة. {يَئِسُواْ مِنَ ٱلآخِرَةِ}: أي يئسوا من ثواب الآخرة، واليأس: انقطاع الأمل من الشيء، وهو ضد الرجاء. المعنى الإجمالي يقول الله تعالى ما معناه: يا أيها المؤمنون إذا جاءكم المؤمنات المهاجرات من دار الكفر إلى دار الإيمان، فراراً بدينهنّ، وحباً في الله ورسوله، فاختبروهنّ على هذا الإيمان، لتعلموا هل هنّ راغبات في الإسلام حقاً؟ أم أنهنّ هاربات من أزواجهن طمعاً في دنيا، أو حباً لرجل، فإذا علمتم - أيها المؤمنون - بالدلائل والأمارات أنهنّ مؤمنات، فلا يحل لكم ردّهن إلى الكفار، لأن الله تعالى لا يبيح مؤمنة لمشرك، وعليكم أن تدفعوا لأزواجهنّ الكفرة ما أنفقوا عليهن من مهر، ولا حرج عليكم أن تتزوجوا بهنّ بصداقٍ جديد، بعد أن تؤدوا لهنّ حقوقهنّ كاملة. من كانت له امرأة كافرة لم تهاجر مع زوجها، فلا يعتدّ بهذه الزوجة، فقد زالت عصمة النكاح بينهما بسبب الكفر، وانبتّ عقد النكاح، لأن الإسلام لا يبيح الزواج بالمشركة، ومن ارتدت بعد إسلامها ولحقت بدار الكفر، فعاملوها معاملة المشركة، فقد زال النكاح وانفصمت الروابط الزوجية بالردّة، وأصبحت غير صالحة لأن تبقى في عصمة المؤمن، ولكم أن تطالبوهم بما دفعتم من مهور نساءكم اللاحقات بالكفار، كما يطالبونكم بمهور أزواجهم المهاجرات إليكم. ذلكم هو حكم الله الذي شرعه لكم، فلا تحيدوا عنه ولا تعتدّوا بغيره، لأن الله عليم حكيم، لا يشرع إلاّ ما تقتضيه الحكمة البالغة. وإن انفلت منكم - أيها المؤمنون - بعض النساء، ولم يدفع لكم المشركون ما تستحقونه من مهورهن، وأصبتموهم في القتال، وغنمتم منهم، فأعطوا الأزواج من رأس الغنيمة ما أنفقوا من المهر قصاصاً، واتقوا الله الذي صدّقتم به، وآمنتم بتشريعه الحكيم العادل. وأمّا أنت - يا محمد - فإذا جاءك المؤمنات للبَيْعة، فبايعهنّ على السمع والطاعة، واشرط عليهن ألاّ يشركن بالله شيئاً، ولا يسرقن، ولا يزنين، ولا يئدن أولادهم أولادهن كما كان يفعل أهل الجاهلية ولا يلحقن بأزواجهنّ لقيطاً من غير أولادهم، ولا يعصينك في طاعة أو معروف، فإذا وافقن على هذه الشروط فبايعهن على ذلك، وعلى سائر أحكام الإسلام، واطلب لهن من الله الرحمة والمغفرة، إذا وفين بالبيعة، فإنّ الله غفور رحيم، مبالغ في المغفرة والرحمة لمن استقام وتاب وأناب. سبب النزول أولاً: روي عن ابن عباس أنه قال: إنّ مشركي مكة صالحوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الحديبية، على أنّ من أتاه من أهل مكة ردّه إليهم، ومن أتى أهل مكة من أصحابه فهو لهم، وكتبوا بذلك الكتاب وختموه، فجاءت (سُبَيْعة بنت الحارث الأسلميّة) بعد الفراغ من الكتاب، والنبي صلى الله عليه وسلم بالحديبية، فأقبل زوجها - وكان كافراً - فقال يا محمد: أردُدْ عليّ امرأتي، فإنك قد شرطت لنا أن تردّ علينا من أتاك منّا، وهذه طينة الكتاب لم تجفّ بعد، فنزلت هذه الآية الكريمة. أقول: ذكر في هذه الرواية أنها (سبيعة) والمشهور عند المفسّرين أنها (أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط) كما نبّه عليه القرطبي وابن الجوزي وغيرهما. ثانياً: وروي أنّ ناساً من فقراء المسلمين، كانوا يخبرون اليهود بأخبار المؤمنين، ويواصلونهم فيصيبون بذلك من ثمارهم وطعامهم فنزلت الآية {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَوَلَّوْاْ قوْماً غَضِبَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ...} الآية. وجوه القراءات أولاً: قوله تعالى: {إِذَا جَآءَكُمُ ٱلْمُؤْمِنَٰتُ مُهَٰجِرَٰتٍ} قرأ الجمهور (مهاجرات) بالنصب على الحال، وقرئ (مهاجراتٌ) بالرفع على البدل من المؤمنات، فكأنه قيل: إذا جاءكم مهاجراتٌ. ثانياً: قوله تعالى: {وَلاَ تُمْسِكُواْ بِعِصَمِ ٱلْكَوَافِرِ} قرأ الجمهور (تُمْسكُوا) بضم التاء والتخفيف من الإمساك، وقرأ أبو عمرو ويعقوب (تُمَسّكوا) بضم التاء والتشديد من التمسيك، وقرأ عكرمة والحسن (تَمَسّكوا) بفتح التاء والميم والسين المشدّدة. ثالثاً: قوله تعالى: {وَإِن فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِّنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَى ٱلْكُفَّارِ فَعَاقَبْتُمْ} قرأ الجمهور (فعاقبتم) وقرأ ابن مسعود والنخعي (فعقبتم) بغير ألف وبالتخفيف وقرأ ابن عباس والأعمش (فعقّبتُم) بتشديد القاف. قال الزجّاج: والمعنى في التشديد والتخفيف واحد، أي كانت العقبى لكم بأن غلبتم، وقرأ مجاهد (فأعقبتم). وجوه الإعراب 1 - قوله تعالى: {إِذَا جَآءَكُمُ ٱلْمُؤْمِنَٰتُ مُهَٰجِرَٰتٍ}. مهاجراتٍ: حال منصوب بالكسرة نيابة عن الفتحة لأنه جمع مؤنث سالم. 2 - قوله تعالى: {ٱللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَٰنِهِنَّ} لفظ الجلالة مبتدأ، وأفعل التفضيل (أعلم) خبره، والجملة اعتراضية لا محل لها من الإعراب. 3 - قوله تعالى: {وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَن تَنكِحُوهُنَّ} أنْ: في موضع نصب بتقدير حذف حرف الجر أي منصوب بنزع الخافض، والتقدير: ولا جناح عليكم في أن تنكحوهنّ. 4 - قوله تعالى: {وَلاَ يَأْتِينَ بِبُهْتَٰنٍ}: يفترينه؛ جملة فعلية وفي موضعها وجهان من الإعراب: النصب على الحال من المضمر في (يأتين) والجر على الوصف لـ (بهتان). 5 - قوله تعالى: {كَمَا يَئِسَ ٱلْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابِ ٱلْقُبُورِ} من أصحاب القبور في موضع نصب لأنه يتعلق بـ (يئس) وتقديره: يئسوا من بعث أصحاب القبور، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه. لطائف التفسير اللطيفة الأولى: ما الفائدة في امتحان المهاجرات مع أنهن مؤمنات؟ الجواب: أن الامتحان إنما هو لمعرفة سبب الهجرة، هل كان حبّاً في الله ورسوله، أم كان من أجل الدنيا؟ قال ابن زيد: وإنما أمرنا بامتحانهن، لأنّ المرأة كانت إذا غضبت على زوجها بمكة قالت: لألحقنّ بمحمد. وقد روي عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يستحلف المرأة فيقول: "حديث : بالله الذي لا إلٰه إلا هو، ما خرجتِ من بغض زوج! باللَّهِ ما خرجتِ رغبةً عن أرضٍ إلى أرض! بالله ما خرجت التماس دنيا! بالله ما خرجت إلاّ حباً لله ورسوله! فإذا حلفت على ذلك أعطى زوجها مهرها وما أنفق عليها ولم يرُدّها ". تفسير : اللطيفة الثانية: السرّ في ذكر هذه الجملة الاعتراضية (الله أعلم بإيمانهن) هو بيان أنه يكفي لنا العلم الظاهر، أمّا العلم الحقيقي الذي تطمئن به النفس وهو الإحاطة بجليّة الأمر، ومعرفة حقيقة الإيمان فإنّ ذلك مما استأثر به علاّم الغيوب، فنحن لنا الظاهر، والله يتولّى السرائر فسبحانه من إلٰه عليم، يعلم السرّ وأخفى!! اللطيفة الثالثة: الحكمة في عدم ردّ المهاجرات هي أن النساء أرقّ قلوباً، وأسرع تقلباً، وأشدّ فتنةً من الرجال، لأنه لا صبر لهنّ على تحمّل البلاء والأذى في سبيل الله، فرحم الله ضعفهنَّ، ومنع من ردّهن إلى الكفرة المشركين. اللطيفة الرابعة: أمر الله تعالى بردّ المهر على الزوج الكافر إذا أسلمت زوجته، وذلك من الوفاء بالعهد الذي رعاه الإسلام. قال القرطبي: وذلك لئلا يقع على الزوج خسران من الوجهين: (الزوجة، والمال)، لأنه لمّا مُنع من أهله بحرمة الإسلام، أمر بردّ المال إليه وذلك من الوفاء بالعهد. اللطيفة الخامسة: قوله تعالى: {لاَ هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ وَلاَ هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ} فيه إشارة إلى أنه لا صلة بين الإيمان والكفر، فإذا أسلمت الزوجة وزوجها كافر حرمت عليه لعدم التجانس بينهما، فهي مؤمنة وهو كافر، وقد قطعت العلاقة بينهما، وهذا يدل على أن رابطة (العقيدة) أقوى من رابطة (النسب) فتدبره. اللطيفة السادسة: روي أن النبي صلى الله عليه وسلم لمّا أخذ البيعة على النساء كانت (هند بنت عتبة) في النساء المبايعات وهي زوجة (أبي سفيان) وكانت مُنْتقبة خوفاً من أن يعرفها النبي صلى الله عليه وسلم لما صنعته بحمزة يوم أُحد... فلما قرأ قوله تعالى: {وَلاَ يَسْرِقْنَ} قالت هند: إنّ أبا سفيان رجل شحيح، وإني أصيب من ماله قوتنا، فقال أبو سفيان: هو لك حلال، فضحك النبي صلى الله عليه وسلم وعرفها، وقال أنتِ هند؟ فقالت: عفا الله عمَّا سلف، أعف يا نبي الله عفا الله عنك!! فلما قرأ: {وَلاَ يَزْنِينَ} قالت هند: أوَتزني الحُرّة؟ فلما قرأ: {وَلاَ يَقْتُلْنَ أَوْلَٰدَهُنَّ} قالت هند: ربّيناهم صغاراً، وقتلتموهم كباراً، فضحك عمر بن الخطاب حتى استلقى... وكان حنظلة ولدها قُتل يوم بدر. فلما قرأ: {وَلاَ يَأْتِينَ بِبُهْتَٰنٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ} قالت: والله إنّ البهتان لأمر قبيح، ولا تأمرنا إلاّ بالرَّشَدِ ومكارم الأخلاق. فلما قرأ: {وَلاَ يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ} قالت: والله ما جلسنا مجلسنا هذا وفي أنفسنا أن نعصيك في شيء؟! اللطيفة السابعة: قال الفراء: كانت المرأة في الجاهلية تلتقط المولود فتقول لزوجها: هذا ولدي منك، فذلك البهتان المفترى بين أيديهن وأرجلهنّ. وقال الزمخشري: "كَنَى بالبهتان المفترى بين يديها ورجليها، عن الولد الذي تلصقه بزوجها كذباً، لأنّ (بطنها) الذي تحمله فيه بين اليدين، و(فرجها) الذي تلده به بين الرِّجْلينِ، وقيل: كَنَى بذلك عن الولد الدعيّ (غير الشرعي) فَنُهينَ عن ذلك لأنه من شعار الجاهلية، المنافي لشعار المسلمات". الأحكام الشرعية الحكم الأول: هل كان عقد الصلح يشمل الرجال والنساء؟ كان صلح الحديبية الذي تمّ بين الرسول صلى الله عليه وسلم وبين مشركي قريش، قد نصّ على أنّ من أتى محمداً من قريش ردّه عليهم، ومن جاء قريشاً من عند محمد لم يردّوه عليه، وقد جاءت (أم كلثوم بنت عقبة) بعد أن كُتب عقد الصلح مهاجرةً إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وجاء أهلها يطلبونها فقالت يا رسول الله: أنا امرأة، وحالُ النساء إلى الضعف ما قد علمت، فتردّني إلى الكفّار يفتنوني عن ديني، ولا صبر لي؟! فقال صلى الله عليه وسلم لأهلها: كان الشرط في الرجال لا في النساء، فأنزل الله هذه الآية فامتحنها صلى الله عليه وسلم ولم يردّها إليهم. قال القرطبي: وقد اختلف العلماء هل دخل النساء في عقد المهادنة لفظاً، أو عموماً؟ فقالت طائفة: قد كان شرط ردّهن في عقد المهادنة لفظاً صريحاً، فنسخ الله ردّهن من العقد، ومنع منه، وبقّاه في الرجال على ما كان. وقالت طائفة: لم يشترط ردّهن في العقد لفظاً، وإنما أُطلق العقد في ردّ من أسلم، فكان ظاهر العموم اشتماله عليهن مع الرجال، فبيّن الله تعالى خروجهن عن عمومه، وفرّق بينهنّ وبين الرجال لأمرين: أحدهما: أنهن ذوات فروج يُحَرّمن عليهم. الثاني: أنهنّ أرقّ قلوباً، وأسرع تقلباً منهم، فأما المقيمة على شركها فمردودة عليهم. ثم قال: وأكثر العلماء على أنْ هذا ناسخ لما كان عليه الصلاة والسلام عاهد عليه قريشاً، من أنه يردُ إليهم من جاء منهم مسلماً، فنسخ من ذلك النساء، وهذا مذهب من يرى نسخ السنّة بالقرآن. أقول: ذكر الإمام الفخر نقلاً عن (الضحّاك) أن العهد كان على غير الصيغة المتقدمة، وأنه كان يشتمل على نص خاص بالنساء صورته كالتالي: (لا تأتيك منا امرأة ليست على دينك إلاّ رددتها إلينا، فإن دخلت في دينك ولها زوج رددتَ على زوجها ما أنفق عليها، وللنبي صلى الله عليه وسلم من الشرط مثل ذلك). وعلى هذا الرأي تكون الآية موافقة للعهد، مقرّرة له، وهذا الذي تطمئن إليه النفس وترتاح، وما عداه من الأقوال فيحتاج إلى تمحيص وتدقيق، لأنها تنافي روح التشريع الإسلامي، من جهة أن الوفاء بالعهد واجب على المسلمين، ولا ينبغي لأحد الطرفين أن يستبدّ بتخصيص نصوصه أو إلغائها دون موافقة الطرف الثاني، فما ذهب إليه الضحّاك هو الأولى. يقول سيد قطب رحمه الله: "ويظهر أن النص لم يكن قاطعاً في موضوع النساء، فنزلت هاتان الآيتان تمنعان ردّ المهاجرات المؤمنات إلى الكفار، خشية أن يُفتنّ في دينهن وهنّ ضعاف، ونزلت أحكام هذه الحالة الدولية معها، تنظّم التعامل فيها على أعدل قاعدة تتحرى العدل في ذاته، دون تأثر بسلوك الفريق الآخر، وما فيها من شطط وجور، على طريقة الإسلام في كل معاملاته الداخلية والدولية". الحكم الثاني: ما هو حكم المشركة إذا خرجت إلينا مسلمة؟ دلّ قوله تعالى: {لاَ هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ وَلاَ هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ} على أن المرأة إذا أسلمت وقعت الفرقة بينها وبين زوجها، فلا تحلّ له، ولا يحلّ لها. وقد اختلف الفقهاء هل تحصل الفرقة بالإسلام، أم باختلاف الدارين؟ على مذهبين: أ - مذهب أبي حنيفة: أن الفرقة تقع باختلاف الدارين. ب - مذهب الجمهور (الشافعية والمالكية والحنابلة): أنّ الفرقة تقع بالإسلام وذلك عند انتهاء عدتها، فإن أسلم الزوج قبل انتهاء عدتها فهي امرأته. دليل الحنفية: أ - قوله تعالى: {فَلاَ تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى ٱلْكُفَّارِ} فلو كانت الزوجية باقية لكان الزوج أولى بها بأن تكون معه حيث أراد. ب - قوله تعالى: {وَآتُوهُم مَّآ أَنفَقُواْ} قالوا: ولو كانت الزوجية باقية لما استحقَّ الزوج ردّ المهر، لأنه لا يجوز أن يستحق البُضع وبدله. جـ - قوله تعالى: {وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَن تَنكِحُوهُنَّ} ولو كان النكاح الأول باقياً لما جاز لأحدٍ أن يتزوج بها. د - قوله تعالى: {وَلاَ تُمْسِكُواْ بِعِصَمِ ٱلْكَوَافِرِ} لأن معناه عندهم: لا تتمسكوا بعصمة الكافرة، ولا تعتدوا بها، ولا تمنعكم من التزوج بها. هـ - وقالوا أيضاً: لقد اتفق الفقهاء على جواز وطء (المسبيّة) بعد الاستبراء، وإن كان لها زوج في دار الحرب، ولا سبب يبيح هذا إلاّ اختلافُ الدار، وقد قال صلى الله عليه وسلم في السبايا: "حديث : لا توطأ حامل حتى تضع، ولا حائل حتى تُستبرأ بحيضة ". تفسير : أدلة الجمهور: أ - قالوا: إنّ سبب الفرقة هو الإسلام، لأنها لم تعد صالحة لأن تكون فراشاً لكافر، ولو كان اختلاف الدار هو سبب الفرقة، لوجب أن تحصل الفرقة بمجيء المشركة إلينا ودخولها بعهد أمان ولو لم تسلم، ولم يقل به أحد. ب - ما روي عن مجاهد أنه قال: "إذا أسلم الكافر وهي في العدّة فهي امرأته، وإن لم يسلم فُرّق بينهما". جـ - ما روي عن ابن عباس أنه قال: (ردّ النبي صلى الله عليه وسلم ابنته زينب على (أبي العاص بن الربيع) بالنكاح الأول، وقد كانت زينب هاجرت إلى المدينة وبقي زوجها بمكة مشركاً، ثمّ ردّها عليه بعد إسلامه). قال القرطبي: "قوله تعالى: {فَلاَ تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى ٱلْكُفَّارِ لاَ هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ وَلاَ هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ} أي لم يُحلّ الله مؤمنة لكافر، ولا نكاح مؤمن لمشركة. وهذا أدلّ دليل على أنّ الذي أوجب فرقة المسلمة من زوجها إسلامُها لا هجرُتها، فبيّن أن العلة عدم الحلّ بالإسلام، وليس باختلاف الدار". والخلاصة: فإن الحنفيَّة يقولون: إن أحد الزوجين إذا خرج من دار الحرب مسلماً وبقي الآخر حربياً فقد وقعت الفرقة بينهما، ولا يرون العدّة على المهاجرة، ويبيحون نكاحها من غير عدّة إلاّ أن تكون حاملاً، عملاً بالآية الكريمة {وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَن تَنكِحُوهُنَّ} حيث لم تلزمها العدة، وقد بانت من زوجها بمجرد الهجرة. والجمهور يقولون: لا تقع الفرقة إلاّ بإسلامها، وأمّا بمجرد الخروج فلا، فإن أسلمت قبل أن يدخل بها زوجها تنجّزت الفرقة وبانت منه لأنه لا عدة عليها، وإن أسلمت بعد الدخول بها توقفت إلى انقضاء العدّة، فإن أسلم قبل انقضاء العدة فهي زوجته، وإلاّ بانت منه. وحجتهم في ذلك: الأدلة التي سبقت وما روي أنّ (أبا سفيان) أسلم قبل زوجته (هند بنت عتبة) ثمّ أسلمت بعده بأيام فاستقرّا على نكاحهما لأن عدَّتها لم تكن قد انقضت. وقد بسطنا لك أدلة القريقين بإيجاز، وتتمة البحث بالتفصيل يُرجع إليها في كتب الفقه والله الموفق والهادي. الحكم الثالث: هل يجوز الزواج بالمشركة الوثنيَّة؟ دلّ قوله تعالى: {وَلاَ تُمْسِكُواْ بِعِصَمِ ٱلْكَوَافِرِ} على حرمة النكاح بالكافرة المشركة، لأن معنى الآية: ولا تمسكوا بعصم نسائكم المشركات أي لا تعتدوا بنكاحهنّ فإنه باطل. كما دلّ قوله تعالى: {أية : وَلاَ تَنْكِحُواْ ٱلْمُشْرِكَاتِ حَتَّىٰ يُؤْمِنَّ}تفسير : [البقرة: 221] على حرمة نكاح المشركة، وقد اتفق العلماء على أن هذه الآيات خاصة بالمشركات من غير أهل الكتاب، لأن الكتابيات يجوز الزواج بهن لقوله تعالى: {أية : وَٱلْمُحْصَنَاتُ مِنَ ٱلْمُؤْمِنَاتِ وَٱلْمُحْصَنَاتُ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ...} تفسير : [المائدة: 5] الآية. قال ابن المنذر: ولا يصح عن أحدٍ من الأوائل أنه حرم نكاح الكتابيات. أقول: أجمع الفقهاء على حرمة الزواج بالمشركة - وهي التي لا تدين بدينٍ سماوي - وعلى جواز النكاح بالنصرانية أو اليهودية من أهل الكتاب للنصّ السابق، اللهم إلاّ ما روي عن ابن عمر رضي الله عنه أنه كان إذا سئل عن زواج الرجل بالنصرانية أو اليهودية قال: "حرّم الله المشركات على المؤمنين، وأعرف شيئاً من الإشراك أعظم من أن تقول المرأة: ربّها عيسى، أو عبدٌ من عباد الله". وهذا القول: من عبد الله بن عمر محمول على (الكراهة) لا على (التحريم)، لأن النصّ صريح بالحلّ، ولعلَّه خشي الفتنة على الرجل في دينه، أو خشي على الأولاد من التنصُّر فكرهه لذلك والله أعلم. الحكم الرابع: كيف كانت بيعة النبي صلى الله عليه وسلم للنساء؟ بايع النبي صلى الله عليه وسلم النّساء بعد أن فتح مكة، وكانت بيعته لهن بالشرائط المذكورة في هذه الآية: {يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ إِذَا جَآءَكَ ٱلْمُؤْمِنَٰتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَىٰ أَن لاَّ يُشْرِكْنَ بِٱللَّهِ شَيْئاً...}. وقد صحّ في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يصافح في البيعة امرأة، وإنما بايعهنّ بالكلام، ودلّ ذلك على حرمة مصافحة النساء. وقد كانت بيعة الرجال أن يضع الرجل يده في يد الرسول صلى الله عليه وسلم ويبايعه على الإسلام والجهاد، والسمع والطاعة، وأما النساء فلم يثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه صافح امرأة، ولا وضع يده في يدها، إنما كانت البيعة بالكلام فقط، ويدل عليه ما يلي: النصوص الشرعية الدَّالة على حرمة المصافحة أولاً: روى البخاري عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: "كان صلى الله عليه وسلم يمتحن من هاجر إليه من المؤمنات بهذه الآية، بقول الله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ إِذَا جَآءَكَ ٱلْمُؤْمِنَٰتُ...} إلى قوله: {غَفُورٌ رَّحِيمٌ} قالت عائشة: فمن أقرّ بهذا الشرط من المؤمنات، قال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: قد بايعتُكِ كلاماً، والله ما مَسّت يده يد امرأة قطّ في المبايعة، ما يبايعهنّ إلا بقوله: "حديث : قد بايعتك على ذلك ". تفسير : ثانياً: وروى الإمام أحمد عن (أميمة بنت رقيقة) قالت: "أتيتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم في نساء لنبايعه، فأخذ علينا ما في القرآن: أن لا نشرك بالله شيئاً... الآية وقال: "حديث : فيما استطعتُنّ وأطقتُنّ"تفسير : قلنا: اللَّهُ ورسولُه أرحم بنا من أنفسنا. قلنا يا رسول الله: ألا تصافحنا؟ قال: "حديث : إني لا أصافح النساء، إنما قولي لامرأة واحدة قولي لمائة امرأة ". تفسير : ثالثاً: وفي صحيح مسلم عن عائشة رضي الله عنها بعد أن ذكرت البيعة قالت: "وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أقررن بذلك من قولهن، قال لهنّ: "حديث : انطلقن فقد بايعتُكنّ"تفسير : ولا والله ما مَسّت يدُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يد امرأة قط، غير أنه بايعهن بالكلام، وكان يقول لهن إذا أخذ عليهن: "حديث : قد بايعتكُنّ كلاماً ". تفسير : قال الحافظ ابن حجر: قوله: "حديث : قد بايعتكِ كلاماً"تفسير : أي يقول ذلك كلاماً فقط، لا مصافحة باليد، كما جرت العادة بمصافحة الرجال عند المبايعة. أقول: الروايات كلها تشير إلى أن البيعة كانت بالكلام، ولم يثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه صافح النساء في بيعة أو غيرها، ورسول الله صلى الله عليه وسلم عندما يمتنع عن مصافحة النساء مع أنَّه المعصوم فإنما هو تعليم للأمة وإرشاد لها لسلوك طريق الاستقامة، وإذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الطاهر، الفاضل، الشريف، الذي لا يشك إنسان في نزاهته وطهارته، وسلامة قلبه، لا يصافح النساء، ويكتفي بالكلام في مبايعتهنّ، مع أن أمر البَيْعة أمر عظيم الشأن، فكيف يباح لغيره من الرجال مصافحة النساء، مع أن الشهوة فيهم غالبة؟ والفتنة غير مأمونة، والشيطان يجري فيهم مجرى الدم؟! وكيف يزعم بعض النَّاس أن مصافحة النساء غير محرَّمة في الشريعة الإسلامية؟! {أية : سُبْحَانَكَ هَـٰذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ} تفسير : [النور: 16]! الحكم الخامس: ما المراد من قوله تعالى: {وَلاَ يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ}؟ اختلف العلماء في المراد من الآية الكريمة على ثلاثة أقوال: أحدها: أن المراد به النوح على الميّت، قاله ابن عباس، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم مرفوعاً. والثاني: أن المراد: أن لا يدعون ويلاً، ولا يخدشن وجهاً، ولا يقطعن شعراً، ولا يشققن ثوباً، قاله زيد بن أسلم. والثالث: جميع ما يأمرهن به رسول الله صلى الله عليه وسلم من شرائع الإسلام وآدابه وهذا هو الأرجح. قال العلامة القرطبي: "والصحيح أنه عام في جميع ما يأمر به النبي صلى الله عليه وسلم، وينهى عنه، فيدخل فيه النّوح، وتخريق الثياب، وجزّ الشعر، والخلوة بغير محرم، إلى غير ذلك، وهذه كلها كبائر، ومن أفعال الجاهلية، وفي صحيح مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "حديث : أربعٌ في أمتي من أمر الجاهلية... وذكر منها النياحة ". تفسير : ما ترشد إليه الآيات الكريمة أولاً: امتحان المهاجرات المؤمنات للتعرف على سبب الهجرة. ثانياً: نحن نحكم بالظاهر، والله جلّ وعلا يتولى السرائر. ثالثاً: حرمة نكاح المشركات اللواتي لا يؤمنّ بالله تعالى. رابعاً: إسلام المرأة يقطع الصلة بينها وبين زوجها المشرك وتحرم عليه. خامساً: البيعة للنساء تكون بالشرائط التي ذكرها القرآن الكريم. سادساً: الطاعة لأولي الأمر تكون في حدود ما شرع الله تبارك وتعالى. سابعاً: جواز نكاح الكتابيات اللاتي يؤمنّ بكتاب منزل من عند الله. خاتمة البحث: حكمة التشريع حرّمت الشريعة الإسلامية الغراء نكاح المشركات، وحظرت على المسلم أن يُبقي في عصمته امرأة لا تؤمن بالله، ولا تعتقد بكتاب أو رسول، وتنكر البعث والنشور، وذلك لما يترتب على هذا الزواج من مخاطر دينية، واجتماعية، وأضرار عظيمة، تلحق بالزوج والأولاد، وبالتالي تهدّد حياة الأسرة التي هي النواة لبناء المجتمع الأكبر. وقد قضت السنة الإلٰهية أن تمتزج الأرواح بالأرواح، وتتلاءم الأنفس مع الأنفس عند الزواج، لينعم الزوجان في حياة آمنةٍ سعيدة، يرفرف عليها الحب، وتظلِّلها السعادة، ويخيِّم عليها التعاون والتفاهم والوئام. ولمّا كان هذا الانسجام والتفاهم، لا يكاد يوجد بين قلبين متنافرين ونفسين مختلفين، نفسٍ مؤمنةٍ خيّرة، ونفسٍ مشركةٍ فاجرة، وكان هذا يؤدي بدوره إلى التنافر، والخصام، والنزاع، لذلك حرّم الإسلام الزواج بالوثنية المشركة، وعدّه زواجاً باطلاً لا يستقيم مع شريعة الله. فالمشركة التي ليس لها دين يزجرها عن الشرّ، ويأمرها بالخير، ويحرّم عليها الخيانة، ويوجب عليها الأمانة، هذه الزوجة لا يمكن أن يسعد المرء في حياته معها، ولا تصلح أن تكون (رفيقة الحياة) لرجلٍ يؤمن بالله واليوم الآخر مع الفارق الكبير بين نفسيهما. والزوجية حالة امتزاج واندماج واستقرار، ولا يمكن أن تقوم الحياة بدون هذا الامتزاج، والإيمان هو قوام الحياة السعيدة الذي لا تقوم مقامه عاطفة أخرى، فإذا خوى منه قلب لم يستطع قلب مؤمن أن يتجاوب معه، ولا أن يأنس به، ولا أن يسكن إليه ويطمئن في جواره، وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قال: "حديث : الأرواح جنود مجنّدة، ما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف ".
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا جَآءَكُمُ ٱلْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَٱمْتَحِنُوهُنَّ} معناه اختَبِرُوهنَّ وجَرِّبُوهنَّ. وقوله تعالى: {وَآتُوهُم مَّآ أَنفَقُواْ} معناه أَعطُوهم مهورَ النِّساءِ اللاّتي يَخرجنَ إليكم مِنهُم مُسلماتٍ. وقوله تعالى: {وَلاَ تُمْسِكُواْ بِعِصَمِ ٱلْكَوَافِرِ} معناهُ بحَبلِهنَّ وسُنتِهنَّ.
الجيلاني
تفسير : ثمَّ قال سبحانه: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا جَآءَكُمُ ٱلْمُؤْمِنَاتُ} المذعنات للإيمان حال كونهن {مُهَاجِرَاتٍ} من قِبَل الكفار {فَٱمْتَحِنُوهُنَّ} واختبروهن، وانظروا إليهن بنور الله المقتبس من مشكاة الإيمان متفرسين هل تجدوهن مواطئة قلوبهم بألسنتهن، مع أنه {ٱللَّهُ} المطلع على ما في قلوبهن {أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ} وبعدما تفرستم في شأنهن {فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ} وظننتموهن {مُؤْمِنَاتٍ فَلاَ تَرْجِعُوهُنَّ} ولا تردوهن {إِلَى ٱلْكُفَّارِ} حتى لا يصرن مرتدات، وبالجملة: بعد ظهور الإيمان منهن {لاَ هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ} أي: للأزواج الكفار {وَلاَ هُمْ} اي: الأزواج {يَحِلُّونَ لَهُنَّ} لاختلافهما في الدين. {وَ} بعدما حفظتموهن وحكمتموهن بالإيمان، إن جاء أزواجهن في طلبهن {آتُوهُم مَّآ أَنفَقُواْ} أي: مهورهن {وَ} بعدمى أتيتم وأعطيتم مهورهن لأزواجهن {لاَ جُنَاحَ} أي: لا ضيق ولا حرج {عَلَيْكُمْ} أيها المؤمنون {أَن تَنكِحُوهُنَّ إِذَآ آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ} مهورهن مرة أخرى مثل مهور سائر المؤمنات، ولا تحسبوا عليهن ما أعطيتم لأزواجهن من المهور. {وَ} بعدما ثبت أنه لا رخصة لكم في دينكم أن تردوا المؤمنات المهاجرات إلى الكفار {لاَ تُمْسِكُواْ} أي: لا تبقوا أيضاً أزواجكم أيها المؤمنون {بِعِصَمِ ٱلْكَوَافِرِ} أي: لا تقيموا بعقود أزواجكم الكافرات الملحقات إلى الكفار، بل خلوا سبيلهن {وَاسْأَلُواْ} منهن {مَآ أَنفَقْتُمْ} لهن من المهور بعدما لحن بالكفار {وَلْيَسْأَلُواْ} أي: الكفار أيضاً منكم {مَآ أَنفَقُواْ} من المهور لأزواجهم المؤمنات المهاجرات، الملحقات بكم {ذَلِكُمْ} أي: جميع ما ذكر في الآية {حُكْمُ ٱللَّهِ} المدبر لمصالحكم {يَحْكُمُ} به {بَيْنَكُمْ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} [الممتحنة: 10] يحكم بما يقتضيه علمه وحكمته. {وَإِن فَاتَكُمْ} أيها المؤمنون {شَيْءٌ مِّنْ} مهور {أَزْوَاجِكُمْ} بعدما لحقن {إِلَى ٱلْكُفَّارِ} ولم يؤدوا جميع مهورهن إليكم {فَعَاقَبْتُمْ} بعد ذلك، وغلبتم على الكفار المتمردين على أداء مهوركم، وأخذتم الغنائم منهم {فَآتُواْ} وأعطوا أيها المؤمنون قبل القسمة {ٱلَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُمْ} إلى الكفار {مِّثْلَ مَآ أَنفَقُواْ} في مهور أزواجهم الكفارات الملحقات {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ٱلَّذِيۤ أَنتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ} [الممتحنة: 11] ولا تضيعوا حق أخيكم المؤمن.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا جَآءَكُمُ ٱلْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَٱمْتَحِنُوهُنَّ} [الممتحنة: 10] يعني: أيتها القوى المؤمنة إذا جاءتكم القوى القابلة مهاجرات من القوى الكافرة المشركة القالبية والنفسية والروحية المستكبرة المرساة بتراب الطبيعة فامتحنوهن بالبيعة فإن بايعنكم على ألا يشتغلن بالهوى والشهوات العاجلة النفسانية الردية فأقبلوهن {ٱللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلاَ تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى ٱلْكُفَّارِ} [الممتحنة: 10] يعني: إذا علمتم أنهن يؤمن بالله ورسوله ولا يشركن فلا تعطوهن إلى القوى الكافرة والمشركة {لاَ هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ وَلاَ هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ} [الممتحنة: 10] يعني: لا القوى القابلة المؤمنة تجعل للقوى الفاعلة الكافرة ولا القوى الفاعلة الكافرة تجعل للقوى القابلة المؤمنة {وَآتُوهُم مَّآ أَنفَقُواْ} [الممتحنة: 10] عليهن يعني: حظوظهن {وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَن تَنكِحُوهُنَّ إِذَآ آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ} [الممتحنة: 10] يعني: لا جناح على القوى المؤمنة الروحيتان أن تنكح القوى القالبية المؤمنة بعد أداء حظوظهن والقالبية والنفسية من العلو والسفل بالقسط {وَلاَ تُمْسِكُواْ بِعِصَمِ ٱلْكَوَافِرِ} [الممتحنة: 10] يعني: أن لا تمسك القوى الفاعلة الروحية بالقوى القابلة القالبية الكافرة {وَاسْأَلُواْ} [الممتحنة: 10] أيتها القوى الفاعلة المؤمنة {مَآ أَنفَقْتُمْ} [الممتحنة: 10] على القوة القابلة بعد أن لحقت بالقوة الكافرة والشركة يعني: المعارف التي أعطيتموها من المعارف الروحية وسئلوا يعني: القوى الفاعلة الكافرة والمشركة ما أنفقوا على القوى القابلة التي لحقت بالقوى المؤمنة ما أعطوها من المنكرة والحيل التي يسهل عليها جذب الحظوظ العاجلة على وفق الهوى ومعرفة كيفية اتباع الشهوات {ذَلِكُمْ حُكْمُ ٱللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} [الممتحنة: 10] عليم بالاستعدادات حكيم فيما يحكم ويأمركم به لأن معرفة الحيل ينبغي أن ترد إلى القوى الكافرة لئلا يشكوكم بها والمعرفة الروحانية ينبغي أن يردوا إليكم لئلا يخبروا بها القوى المؤمنة وفيه أسرار جمة تتعلق بحد القرآن {وَإِن فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِّنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَى ٱلْكُفَّارِ} [الممتحنة: 11] يعني: أيتها القوى المؤمنة الفاعلة إن فاتكم شيء من أزواجكم أي: القوى القابلة اللاحقة إلى الكفار مرتدة راجعة إليها {فَعَاقَبْتُمْ} [الممتحنة: 11] يعني: المرتدة بالقتل بأن لا تعطى حقها حتى تموت بالمجاهدة {فَآتُواْ ٱلَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُمْ مِّثْلَ مَآ أَنفَقُواْ} [الممتحنة: 11] يعني: أن أزمة القوى الفاعلة تعتد إن أمنوا وبقيت القوى القابلة التي في حياتها عندكم فآتوهن من عنائهم استعدادات قابلية ونفسية بعد غلبتكم على القوى القابلة التي بقيت عندكم {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ٱلَّذِيۤ أَنتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ} [الممتحنة: 11] يعني: اتقوا الله من أن يبقى معكم من الأخلاق الردية التي حصلت للقوة القابلة من القوى الكافرة والمشركة أو تبقى مع القوى القابلة المرتدة من الأخلاق الشريفة التي حصلت لها من القوى الفاعلة المؤمنة لئلا يكون لهم ملك الأخلاق استعداداً للإغواء ولأجل هذا السر من المشايخ بأن لا يؤذن لسالك خرج من حبال شيخه أن يدخل في دائرة الصوفية لأنه سارق يسرق المعارف والوقائع ويدعو الخلق إلى نفسه بتلك الاستعدادات.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : لما كان صلح الحديبية، صالح النبي صلى الله عليه وسلم المشركين، على أن من جاء منهم إلى المسلمين مسلما، أنه يرد إلى المشركين، وكان هذا لفظا عاما، [مطلقا] يدخل في عمومه النساء والرجال، فأما الرجال فإن الله لم ينه رسوله عن ردهم، إلى المشركين وفاء بالشرط وتتميما للصلح الذي هو من أكبر المصالح، وأما النساء فلما كان ردهن فيه مفاسد كثيرة، أمر الله المؤمنين إذا جاءهم المؤمنات مهاجرات، وشكوا في صدق إيمانهن، أن يمتحنوهن ويختبروهن، بما يظهر به صدقهن، من أيمان مغلظة وغيرها، فإنه يحتمل أن يكون إيمانها غير صادق بل رغبة في زوج أو بلد أو غير ذلك من المقاصد الدنيوية. فإن كن بهذا الوصف، تعين ردهن وفاء بالشرط، من غير حصول مفسدة، وإن امتحنوهن، فوجدن صادقات، أو علموا ذلك منهن من غير امتحان، فلا يرجعوهن إلى الكفار، { لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ } فهذه مفسدة كبيرة في ردهن راعاها الشارع، وراعى أيضا الوفاء بالشرط، بأن يعطوا الكفار أزواجهن ما أنفقوا عليهن من المهر وتوابعه عوضا عنهن، ولا جناح حينئذ على المسلمين أن ينكحوهن ولو كان لهن أزواج في دار الشرك، ولكن بشرط أن يؤتوهن أجورهن من المهر والنفقة، وكما أن المسلمة لا تحل للكافر، فكذلك الكافرة لا تحل للمسلم أن يمسكها ما دامت على كفرها، غير أهل الكتاب، ولهذا قال تعالى: { وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ } وإذا نهى عن الإمساك بعصمتها فالنهي عن ابتداء تزويجها أولى، { وَاسْأَلُوا مَا أَنْفَقْتُمْ } أيها المؤمنون، حين ترجع زوجاتكم مرتدات إلى الكفار، فإذا كان الكفار يأخذون من المسلمين نفقة من أسلمت من نسائهم، استحق المسلمون أن يأخذوا مقابلة ما ذهب من نسائهم إلى الكفار، وفي هذا دليل على أن خروج البضع من الزوج متقوم، فإذا أفسد مفسد نكاح امرأة رجل، برضاع أو غيره، كان عليه ضمان المهر، وقوله: { ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ } أي: ذلكم الحكم الذي ذكره الله وبينه لكم يحكم به بينكم { وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ } فيعلم تعالى، ما يصلح لكم من الأحكام، ويشرع لكم ما تقتضيه الحكمة. وقوله: { وَإِنْ فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ } بأن ذهبن مرتدات { فَعَاقَبْتُمْ فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُمْ مِثْلَ مَا أَنْفَقُوا } كما تقدم أن الكفار إذا كانوا يأخذون بدل ما يفوت من أزواجهم إلى المسلمين، فمن ذهبت زوجته من المسلمين إلى الكفار وفاتت عليه، لزم أن يعطيه المسلمون من الغنيمة بدل ما أنفق. { وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ } فإيمانكم بالله، يقتضي منكم أن تكونوا ملازمين للتقوى على الدوام.
النسائي
تفسير : قولُهُ: {إِذَا جَآءَكُمُ ٱلْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ} [10] 606 - أخبرنا يونس بن عبد الأعلى، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: أخبرني يونسُ: قال ابن شهابٍ، قال: وأخبرني عُروةُ بن الزُّبير، أن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت: حديث : كان المؤمنات إذا هاجرن إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يُمتحَنَّ بقول الله [عزَّ وجلَّ] {يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ إِذَا جَآءَكَ ٱلْمُؤْمِنَاتُ} [12] الآيةُ، قالت عائشةُ: فمن أقرَّ بهذا من المؤمنات، فقد أقرَّ بالمحنةِ. فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أقررن بذلك (من قولهنَّ) قال لهن النبيُّ صلى الله عليه وسلم: انطلقن، فقد بايعتُكنَّ، ولا واللهِ: ما مسَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم امرأةً [قَطُّ] غير أنهُ يُبايعهنُّ بالكلامِ. قالت: عائشة: والله ما أخذ رسول اللهِ صلى الله عليه وسلم (على النِّساء) قطُّ إلاَّ بما أمرهُ اللهُ، وكان [يقول] إذا أخذ عليهن قال: "قدْ بايعتُكنَّ"تفسير : - كلاماً. 607 - أخبرنا أحمدُ بنُ حرب، قال: حدثنا أبو مُعاوية، عن عاصمٍ، عن حفصة، عن أُمِّ عطيَّةَ، قالت: لمَّا نزلت هذه الآيةُ {ذَا جَآءَكَ ٱلْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ} [12] إلى قوله {وَلاَ يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ} [12] قالت: كان منهُ النِّياحةُ، فقلتُ: إلاَّ آل فُلانٍ، فإنهم [قد] كانوا أسعدوني في الجاهلية، فلا بُدَّ لي من أن أُسعدهُم، قال: "إلاَّ آل فلانٍ". قوله: {إِذَا جَآءَكَ ٱلْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ} [12] 608 - أخبرنا قُتيبةُ بن سعيدٍ، قال: حدثنا سُفيانُ، عن الزُّهري، عن أبي إدريس الخولانيِّ، عن عبادة بن الصامتِ، قال: حديث : كُنَّا عند النبي صلى الله عليه وسلم في مجلسٍ فقال: "تُبايعوني على أن لا تُشركوا باللهِ شيئاً، ولا تسرقوا، ولا تزنوا" - قرأ عليهم الآيةَ "فمن وفَّى منكم فأجرهُ على اللهِ، ومن أصاب [منكم] من ذلك شيئاً/ فسترهُ الله عليه، فهو إلى الله إن شاء عذَّبهُ وإن شاء غفرَ لهُ ". تفسير : 609 - [قال] الحارثُ بنُ مِسكينٍ قراءةً عليه، [وأنا أسمع] عن ابن القاسمِ، قال: أخبرنا مالكٌ، عن محمد بن المُنكدرِ، عن أُميمة بنت رقيقة، قالت: حديث : أتيتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم في نسوةٍ، نُبايعُهُ على الإسلام، فقلت: يا رسول الله، هلمّ نُبايعك على أن لا نُشرك باللهِ شيئاً ولا نسرقَ، ولا نزني، ولا نأتي ببهتانٍ، نفتريهِ بين أيدينا وأرجلنا ولا نعصيك في معروفٍ فقال: "فيما استطعتُن وأطقتُنَّ" فقلنا: اللهُ ورسوله أرحم بنا منَّا بأنفسنا. هلُمَّ نُبايعك يا رسول الله. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنِّي لا أُصافحُ النِّساء، إنما قولي لِمائةِ امرأةٍ كقولي لاِمرأةٍ واحدةٍ. "أو/ مثلُ قولي لاِمرأةٍ واحدةٍ" .
همام الصنعاني
تفسير : 3205- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهريّ: نزلت عليه وهو في أسفل الحديبية، وكان النبي صلى الله عليه وسلم صالحهم على أنه من أتاه منهم فإنه يرده إليهم، فلما جاء النساء أنزلت عليه هذه الآية وأمره أن يرد الصداق على أزواجهن؛ وحكم عَلى المُشركين بمثل ذلك إذا جاءتهم امرأة من المسلمين أن يريدوا الصداق إلى زوجها. قال الله تعالى: {وَلاَ تُمْسِكُواْ بِعِصَمِ ٱلْكَوَافِرِ}: [الآية: 10]، قال: فطلق عمر امرأتين كانتا له بمكة، قال: فأما المؤمنون فأَقروا بِحُكْمِ الله، وأما المشركون فأبوا أن يُقِرُّوا فأنزل اللهُ تعالى: {وَإِن فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِّنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَى ٱلْكُفَّارِ فَعَاقَبْتُمْ فَآتُواْ ٱلَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُمْ مِّثْلَ مَآ أَنفَقُواْ} [الآية: 11]، فأمر الله المؤمنين أن يردوا الصداق، إذا ذهبت امرأة من المسلمين ولها زوج من المسلمين، أن يرد إليه المسلمونَ صداق امرأته، من صداق إن كانَ في أيديهم مما يريدونَ أنْ يَرُدُّوا ذَلِكَ إلى المشركين. 3206- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن ابن أبي نجيح عن مجاهد: أنَّهُمْ كانوا أُمِرُوا أن يَرُودَّوا عليهم من الغنيمة، قال: وكانَ مجاهد يقول: {فَعَاقَبْتُمْ}، يقول: فَغَنمْتُمْ.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):