٦٠ - ٱلْمُمْتَحَنَة
60 - Al-Mumtahana (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
11
Tafseer
الرازي
تفسير : روى عن الزهري ومسروق أن من حكم الله تعالى أن يسأل المسلمون من الكفار مهر المرأة المسلمة إذا صارت إليهم، ويسأل الكفار من المسلمين مهر من صارت إلينا من نسائهم مسلمة، فأقر المسلمون بحكم الله وأبى المشركون فنزلت: {وَإِن فَاتَكُمْ شَيْء مّنْ أَزْوٰجِكُمْ } أي سبقكم وانفلت منكم، قال الحسن ومقاتل: نزلت في أم حكيم بنت أبي سفيان ارتدت وتركت زوجها عباس بن تميم القرشي، ولم ترتد امرأة من غير قريش غيرها، ثم عادت إلى الإسلام، وقوله تعالى: {فَعَـٰقَبْتُمْ } أي فغنمتم، على قول ابن عباس ومسروق ومقاتل، وقال أبو عبيدة أصبتم منهم عقبى، وقال المبرد {فَعَـٰقَبْتُمْ } أي فعلتم ما فعل بكل يعني ظفرتم، وهو من قولك: العقبى لفلان، أي العاقبة، وتأويل العاقبة الكرة الأخيرة، ومعنى عاقبتم: غزوتم معاقبين غزواً بعد غزو، وقيل: كانت العقبى لكم والغلبة، فأعطوا الأزواج من رأس الغنيمة ما أنفقوا عليهن من المهر، وهو قوله: {فَآتُواْ ٱلَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوٰجُهُمْ مّثْلَ مَا أَنفَقُواْ }، وقرىء: (فأعقبتم) و (فعقبتم) بالتشديد، و (فعقبتم) بالتخفيف بفتح القاف وكسرها.
القرطبي
تفسير : فيه ثلاث مسائل: الأولى ـ: قوله تعالى: {وَإِن فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِّنْ أَزْوَاجِكُمْ} في الخبر: أن المسلمين قالوا: رضينا بما حكم الله؛ وكتبوا إلى المشركين فامتنعوا فنزلت: {وَإِن فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِّنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَى ٱلْكُفَّارِ فَعَاقَبْتُمْ فَآتُواْ ٱلَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُمْ مِّثْلَ مَآ أَنفَقُواْ}. وروى الزهري عن عُروة عن عائشة رضي الله عنها قالت: حكم الله عز وجل بينكم فقال جلّ ثناؤه: {وَاسْأَلُواْ مَآ أَنفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلُواْ مَآ أَنفَقُواْ} فكتب إليهم المسلمون: قد حكم الله عز وجل بيننا بأنه إن جاءتكم امرأة منّا أن توجهّوا إلينا بصداقها، وإن جاءتنا امرأة منكم وجهنا إليكم بصداقها. فكتبوا إليهم: أما نحن فلا نعلم لكم عندنا شيئاً، فإن كان لنا عندكم شيء فوجّهوا به؛ فأنزل الله عز وجل: {وَإِن فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِّنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَى ٱلْكُفَّارِ فَعَاقَبْتُمْ فَآتُواْ ٱلَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُمْ مِّثْلَ مَآ أَنفَقُواْ}. وقال ابن عباس في قوله تعالى: {ذَلِكُمْ حُكْمُ ٱللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ} أي بين المسلمين والكفار من أهل العهد من أهل مكة يردّ بعضهم إلى بعض. قال الزهريّ: ولولا العهد لأمسك النساء ولم يرد إليهم صداقاً. وقال قتادة ومجاهد: إنما أمروا أن يُعطوا الذين ذهبت أزواجهم مثل ما أنفقوا من الْفَيء والغنيمة. وقالا: هي فيمن بيننا وبينه عهد وليس بيننا وبينه عهد. وقالا: ومعنى {فَعَاقَبْتُمْ} فاقتصصتم. {فَآتُواْ ٱلَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُمْ مِّثْلَ مَآ أَنفَقُواْ} يعني الصدقات. فهي عامة في جميع الكفار. وقال قتادة أيضاً: وإن فاتكم شيء من أزواجكم إلى الكفار الذين بينكم وبينهم عهد، فآتوا الذين ذهبت أزواجهم مثل ما أنفقوا. ثم نسخ هذا في سورة «براءة». وقال الزهريّ: انقطع هذا عام الفتح. وقال سفيان الثوريّ: لا يعمل به اليوم. وقال قوم: هو ثابت الحكم الآن أيضاً. حكاه القشيريّ. الثانية ـ: قوله تعالى: {فَعَاقَبْتُمْ} قراءة العامة {فَعَاقَبْتُمْ} وقرأ عَلْقمة والنَّخَعِيّ وحُميد الأعرج «فعقّبتم» مشدّدة. وقرأ مجاهد «فأعقبتم» وقال: صنعتم كما صنعوا بكم. وقرأ الزهريّ «فعقِبتم» خفيفة بغير ألف. وقرأ مسروق وشَقيق بن سلمة «فعقبتم» بكسر القاف خفيفة. وقال: غنمتم. وكلها لغات بمعنى واحد. يقال: عاقب وعَقَب وعَقّب وأعقب وتعقّب واعتقب وتعاقب إذا غنم. وقال القُتَبيّ «فعاقبتم» فغزوتم معاقبين غزواً بعد غَزْو. وقال ابن بحر: أي فعاقبتم المرتدة بالقتل فلزوجها مهرها من غنائم المسلمين. الثالثة ـ: قوله تعالى: {فَآتُواْ ٱلَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُمْ مِّثْلَ مَآ أَنفَقُواْ} قال ابن عباس: يقول إن لحقت امرأة مؤمنة بكفار أهل مكة، وليس بينكم وبينهم عهد، ولها زوج مسلم قِبلَكم فغنمتم، فأعطوا هذا الزوج المسلم مهره من الغنيمة قبل أن تُخَمّس. وقال الزهريّ: يُعْطَى من مال الفيء. وعنه يُعْطى من صداق من لَحِق بنا. وقيل: أي إن امتنعوا من أن يَغْرَمُوا مهر هذه المرأة التي ذهبت إليهم، فانبذوا العهد إليهم حتى إذا ظفرتم فخذوا ذلك منهم. قال الأعمش: هي منسوخة. وقال عطاء: بل حكمها ثابت. وقد تقدم جميع هذا. القُشيريّ: والآية نزلت في أمّ الحكم بنت أبي سفيان، ارتدت وتركت زوجها عِيَاض بن غَنْم القرشي، ولم ترتدّ امرأة من قريش غيرها، ثم عادت إلى الإسلام. وحكى الثعلبي عن ابن عباس: هن ست نسوة رجعن عن الإسلام ولحِقن بالمشركين من نساء المؤمنين المهاجرين: أمّ الحكم بنت أبي سفيان كانت تحت عياض بن أبي شدّاد الفهري. وفاطمة بنت أبي أمية بن المغيرة أخت أم سلمة، وكانت تحت عمر ابن الخطاب، فلما هاجر عمر أبَتْ وارتدت. وبَرْوَع بنت عقبة، كانت تحت شَمّاس بن عثمان. وعبدة بنت عبد العُزَّى، كانت تحت هشام بن العاص. و (أم) كلثوم بنت جَرْوَل تحت عمر بن الخطاب. وشهبة بنت غَيْلان. فأعطاهم النبيّ صلى الله عليه وسلم مهور نسائهم من الغنيمة. {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ} احذروا أن تتعدّوا ما أمرتم به.
البيضاوي
تفسير : {وَإِن فَاتَكُمْ} وإن سبقكم وانفلت منكم. {شَىْءٌ مّنْ أَزْوٰجِكُمْ} أحد من أزواجكم، وقد قرىء به وإيقاع {شَىْء} موقعه للتحقير والمبالغة في التعميم، أو {شَىْء} من مهورهن. {إِلَى ٱلْكُفَّـٰرِ فَعَـٰقَبْتُمْ } فجاءت أي نوبتكم من أداء المهر، شبه الحكم بأداء هؤلاء مهور نساء أولئك تارة وأداء أولئك مهور نساء هؤلاء أخرى بأمر يتعاقبون فيه كما يتعاقب في الركوب وغيره. {فَاتُواْ ٱلَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوٰجُهُمْ مّثْلَ مَا أَنفَقُواْ} من مهر المهاجرة ولا تؤتوه زوجها الكافر. روي أنه لما نزلت الآية المتقدمة أبى المُشركون أن يؤدوا مهر الكوافر فنزلت. وقيل معناه إن فاتكم فأصبتم من الكفار عقبى وهي الغنيمة {فَاتُواْ } بدل الفائت من الغنيمة. {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ٱلَّذِى أَنتُم بِهِ مُؤْمِنُونَ } فإن الإِيمان به يقتضي التقوى منه. {يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ إِذَا جَاءكَ ٱلْمُؤْمِنَـٰتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَىٰ أَن لاَّ يُشْرِكْنَ بِٱللَّهِ شَيْئاً } نزلت يوم الفتح فإنه عليه الصلاة والسلام لما فرغ من بيعة الرجال أخذ في بيعة النساء. {وَلاَ يَسْرِقْنَ وَلاَ يَزْنِينَ وَلاَ يَقْتُلْنَ أَوْلْـٰدَهُنَّ} يريد وأد البنات. {وَلاَ يَأْتِينَ بِبُهُتَـٰنٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلاَ يَعْصِينَكَ فِى مَعْرُوفٍ} في حسنة تأمرهن بها، والتقييد بالمعروف مع أن الرسول صلى الله عليه وسلم لا يأمر إلا به تنبيه على أنه لا يجوز طاعة مخلوق في معصية الخالق. {فَبَايِعْهُنَّ } إذا بايعنك بضمان الثواب على الوفاء بهذه الأشياء. {وَٱسْتَغْفِرْ لَهُنَّ ٱللَّهَ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ }. {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لاَ تَتَوَلَّوْاْ قوْماً غَضِبَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ} يعني عامة الكفار أو اليهود. إذ روي أنها نزلت في بعض فقراء المسلمين كانوا يواصلون اليهود ليصيبوا من ثمارهم. {قَدْ يَئِسُواْ مِنَ ٱلآخِرَةِ } لكفرهم بها أو لعلمهم بأنهم لاحظ لهم فيها لعنادهم الرسول المنعوت في التوراة المؤيد بالآيات. {كَمَا يَئِسَ ٱلْكُفَّـٰرُ مِنْ أَصْحَـٰبِ ٱلْقُبُورِ} أن يبعثوا أو يثابوا أو ينالهم خير منهم، وعلى الأول وضع الظاهر فيه موضع المضمر للدلالة على أن الكفر آيسهم. عن النبي صلى الله عليه وسلم «حديث : من قرأ سورة الممتحنة كان له المؤمنون والمؤمنات شفعاء يوم القيامة».
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَإِن فَاتَكُمْ شَىْءٌ مِّنْ أَزْوٰجِكُمْ } أي واحدة فأكثر منهنّ أو شَيْء من مهورهنّ بالذهاب {إِلَى ٱلْكُفَّارِ } مرتدات {فَعَاقَبْتُمْ } فغزوتم وغنمتم {فَئَاتُواْ ٱلَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوٰجُهُمْ } من الغنيمة {مِّثْلَ مَا أَنفَقُواْ } لفواته عليهم من جهة الكفار {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ٱلَّذِى أَنتُم بِهِ مُؤْمِنُونَ } وقد فعل المؤمنون ما أمروا به من الإِيتاء للكفار والمؤمنين ثم ارتفع هذا الحكم.
ابن عبد السلام
تفسير : {وَإِن فَاتَكُمْ شَىْءٌ} إذا فاتت المسلم زوجته بارتدادها إلى أهل العهد المذكور فلم يصل إلى مهرها منهم ثم غنمها المسلمون ردوا عليه مهرها مما غنموه "ع"، أو من مال الفيء أو من صداق من أسلمت منهن عن زوج كافر {فَعَاقَبْتُمْ} فغنمتم مأخوذ من معاقبة الغزو أو فأصبتم منهم عاقبة من قَتْل أو سَبْي أو عاقبتم المرتدة بالقتل فلزوجها المهر من الغنائم وهذا منسوخ لنسخ الشرط الذي شرطه الرسول صلى الله عليه وسلم بالحديبية أو محكم.
الخازن
تفسير : {وإن فاتكم} أيها المؤمنون {شيء من أزواجكم إلى الكفار} أي فلحقن بهم مرتدات {فعاقبتم} معناه غزوتم فغنمتم وأصبتم من الكفار عقبي وهي الغنيمة وقيل معناه ظهرتم وكانت العاقبة لكم {فآتوا الذين ذهبت أزواجهم} أي إلى الكفار {مثل ما أنفقوا} معناه أعطوا الذين ذهبت أزواجهم منكم إلى الكفار مرتدات مثل ما أنفقوا عليها من الغنائم التي صارت في أيديكم من أموال الكفار قال ابن عباس لحق بالمشركين من نساء المؤمنين المهاجرين ست نسوة أم الحكم بنت أبي سفيان وكان تحت عياض بن شداد الفهري وفاطمة بنت أبي أمية بن المغيرة أخت أم سلمة وكانت تحت عمر بن الخطاب فلما أراد عمر أن يهاجر بها أبت وارتدت وبروع بنت عقبة وكانت تحت شماس بن عثمان وعزة بنت عبد العزيز بن نضلة وتزوجها عمرو بن عبد ود وهند بنت أبي جهل بن هشام وكانت تحت هشام بن العاص بن وائل وأم كلثوم وكانت تحت عمر بن الخطاب فكلهن رجعن عن الإسلام فأعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم أزواجهن مهور نسائهم من الغنيمة واختلف القول في رد مهر من أسلمت من النساء إلى زوجها هل كان واجباً أو مندوباً وأصل هذه المسألة أن الصلح هل كان وقع على رد النساء أم لا فيه قولان أحدهما أنه وقع على رد الرجال والنساء جميعاً لما روي أنه لا يأتيك منا أحد إلا رددته ثم صار الحكم في رد النساء منسوخاً بقوله تعالى {فلا ترجعوهن إلى الكفار} فعلى هذا كان رد المهر واجباً. والقول الثاني أن الصلح لم يقع على رد النساء لأنه روي عن علي أنه قال لا يأتيك منا رجل وإن كان على دينك إلا رددته وذلك لأن الرجل لا يخشى عليه من الفتنة في الرد ما يخشى على المرأة من إصابة المشرك إياها وأنه لا يؤمن عليها الردة إذا خوفت وأكرهت عليها لضعف قلبها وقلة هدايتها إلى المخرج من الكفر بإظهار كلمة الكفر مع التورية وإضمار كلمة الإيمان وطمأنينة القلب عليه ولا يخشى ذلك على الرجل لقوته وهدايته إلى التقية فعلى هذا كان المهر مندوباً. واختلفوا في أنه هل يجب العمل به اليوم في رد المال إذا شرط في معاقدة الكفار فقال قوم لا يجب وزعموا أن الآية منسوخة وهم عطاء ومجاهد وقتادة قال قوم الآية غير منسوخة ويرد عليهم ما أنفقوا قوله تعالى: {واتقوا الله الذي أنتم به مؤمنون}.
البقاعي
تفسير : ولما كان المظنون بالكفار عدم العدل فلا يعطون المؤمنين مهور نسائهم الكافرات، قال مداوياً لذلك الداء: {وإن فاتكم} أي بالانفلات منكم بعد الهجرة أو بإدامة الإقامة في بلاد الحرب {شيء} أي قل أو كثر {من أزواجكم} أي من أنفسهن أو مهورهن {إلى} أي متحيزاً أو واصلاً إلى {الكفار} فعجزتم عنه {فعاقبتم} أي تمكنتم من المعاقبة بأن فات الكفار شيء من أزواجهم بالهجرة إليكم أو اغتنمتم من أزواج الكفار فجاءت نوبة ظفركم بأداء المهر إلى إخوانكم طاعة وعدلاً عقب نوبتهم التي اقتطعوا فيها ما أنفقتم عصياناً وظلماً {فآتوا} أي فاحضروا وأعطوا من مهر المهاجرة {الذين ذهبت أزواجهم} أي منكم إن اختاروا الأخذ {مثل ما أنفقوا} على الكافرة الفائتة إلى الكفار مما غنمتم من أموالهم أو بأن تدفعوا إليهم مثل مهر أزواجهم مما كنتم تعطونه لأزواج المهاجرات، فيكون ذلك جزاء وقصاصاً لما فعل الكفار. ولما كان التجزي في مثل ذلك عسراً على النفس فإن المهور تتفاوت تارة وتتساوى تارة أخرى وتارة تكون نقوداً وتارة تكون عروضاً إلى غير ذلك من الأحوال مع أن المعامل عدو في الدين فلا يحمل على العدل فيه إلا خالص التقوى قال: {واتقوا} أي في الإعطاء والمنع وغير ذلك {الله} الذي له صفات الكمال وقد أمركم بالتخلق بصفاته على قدر ما تطيقون، ثم وصفه بما يؤكد صعوبة الأمر ويحث على العدل فقال ملهباً لهم كل الإلهاب هازاً لهم بالوصف بالرسوخ في الإيمان: {الذي أنتم به} أي خاصة {مؤمنون *} أي متمكنون في رتبة الإيمان. ولما خاطب سبحانه المؤمنين الذي لهم موضع الذب والحماية والنصرة بما وطن به المؤمنات في دار الهجرة فوقع الامتحان وعرف الإيمان، أمر النبي صلى الله عليه وسلم بعد الحكم بإيمانهن بمبايعتهن فقال {يا أيها النبي} مخاطباً له بالوصف المقتضي للعلم، ودل على تحقق كون ما يخبر به من مجيئهن بأداة التحقيق علماً من أعلام النبوة فقال: {إذا جاءك المؤمنات} جعل إقبالهن عليه صلى الله عليه وسلم لا سيما مع الهجرة مصححاً لإطلاق الوصف عليهن {يبايعنك} أي كل واحدة منهن تبايع {على أن لا يشركن} أي يوقعن الإشراك لأحد من الموجودات في وقت من الأوقات {بالله} أي الملك الذي لا كفوء له {شيئاً} أي من إشراك على الإطلاق. ولما كان الشرك بذل حق الملك لمن لا يستحقه، أتبعه أخذ مال المالك بغير حق لاقتضاء الحال لذلك بتمكن المرأة من اختلاس مال الزوج وعسر تحفظه منها فقال: {ولا يسرقن} أي يأخذن مال الغير بغير استحقاق في خفية، وأتبع ذلك بذل حق الغير لغير أهله فقال: {ولا يزنين} أي يمكن أحداً من وطئهن بغير عقد صحيح. ولما كان الزنى قد يكون سبباً في إيجاد أو إعدام نسمة بغير حقها، أتبعه إعدام نسمة بغير حقه فقال: {ولا يقتلن أولادهن} أي بالوأد كما تقدم في النحل وساء في ذلك كونه من زنى أو لا. ولما ذكر إعدام نسمة بغير حق ولا وجه شرعي أتبعه ما يشمل إيجاد نسمة بغير حل، فقال مقبحاً له على سبيل الكناية عنه بالبهتان وما معه بالتصوير له بلوازمه وآثاره لأن استحضار القبيح وتصوير صورته أزجر عنه فقال: {ولا يأتين ببهتان} أي ولد من غير الزوج يبهت من الحاقة به حيرة في نفيه عنه {يفترينه} أي يتعمدن كذبه، وحقق المراد به وصوره بقوله: {بين أيديهن} أي بالحمل في البطون {وأرجلهن} أي بالوضع من الفروج ولأن عادة الولد مع أنه يسقط بين أيدي أنه ورجليها أنه يمشي أمامها، وهذا شامل لما كان من شبهة أو لقطة. ولما حقق هذه الكبائر العظيمة تعظيماً لأمرها لعسر الاحتراز منها، وأكد النهي عن الزنى مطابقة وإلزاماً لما يجر إليه من الشرور القتل فما دونه، وغلظ أمر النسب لما يتفرع عليه من إيقاع الشبهات وانتهاك الحرمات، عم في النهي فقال: {ولا يعصينك} أي على حال من الأحوال {في معروف} أي فرد كان منه صغيراً كان أو كبيراً، وفي ذكره مع العلم بأنه صلى الله عليه وسلم لا يأمر إلا به إشعار بأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، وقدم المنهيات على المأمورات المستفادة من المعروف لأن التخلي عن الرذائل مقدم على التخلي بالفضائل لأن درء المفاسد أولى من جلب المصالح: {فبايعهن} أي التزم لهن بما وعدت على ذلك من إعطاء الثواب لمن وفت منهن في نظير ما ألزمن أنفسهن من الطاعة. ولما كان الإنسان محل النقصان لا سيما النسوان رجاهن سبحانه بقوله: {واستغفر} أي اسأل {لهن الله} أي الملك الأعظم ذا الجلال والإكرام في الغفران إن وقع منهن تقصير وهو واقع لأنه لا يقدر أحد أن يقدر الله حق قدره. ولما كانت عظمته سبحانه مانعة لعظيم الهيبة من سؤاله ما طمع به، علله بقوله معيداً الاسم الأعظم لئلا يظن بإضماره وتقيده بحيثية الهجرة من النساء ونحو ذلك مؤكداً لما طبع الأدمي عليه من أنه لا يكاد يترك المسيء من عقاب أو عتاب فضلاً عن التفضيل بزيادة الإكرام: {إن الله} أي الذي له صفات الجلال والإكرام فلو أن الناس لا يذنبون لجاء بقوم يذنبون فيستغفرون فيغفر لهم لتظهر صفة إكرامه {غفور} أي بالغ الستر للذنوب عيناً وأثراً {رحيم *} أي بالغ الإكرام بعد الغفران فضلاً منه وإحساناً، وقد حقق سبحانه ذلك وصدق، ومن أصدق من الله قيلاً، حديث : فأقبل النساء للبيعة عامة ثاني يوم الفتح على الصفا بعد فراغه صلى الله عليه وسلم من بيعة الرجال فنزلت هذه الآية وهو على الصفا فقام عمر بن الخطاب رضي الله أسفل منه يبايعهن بأمره ويبلغهن عنه وهند بنت عتبة متنقبة متنكرة مع النساء خوفاً من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعرفها، فلما ذكر الشرك قالت: والله إنك لتأخذ علينا أمراً ما رأيناك أخذته على الرجال، وبايع الرجال يومئذ على الإسلام والجهاد، فقال {ولا يسرقن} فقالت: إن أبا سفيان رجل شحيح وإني أصيب من ماله هنات فلا أدري أيحل لي أم لا؟ فقال أبو سفيان: ما أصبت من شيء فيما مضى وفيما غير فهو لك حلال، فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم وعرفها فقال: وإنك لهند بنت عتبة، قالت: نعم، فاعف عني ما سلف عفا الله عنك، فقال: {ولا يزنين} فقال: أو تزني الحرة، فقال {ولا يقتلن أولادهن} فقالت: ربيناهم صغاراً وقتلتموهم كباراً وأنتم وهم أعلم، وكان ابنها حنظلة بن أبي سفيان قتل يوم بدر فضحك عمر رضي الله عنه حتى استلقى وتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم وذكر البهتان وهو أن تقذف ولداً على زوجها ليس منه، قالت هند: والله إن البهتان لقبيح وما تدعونا إلا إلى الرشد ومكارم الأخلاق، فقال {ولا يعصينك في معروف} فقالت: ما جلسنا مجلسنا هذا وفي أنفسنا أن نعصيك في شيء، وما مست يد رسول الله صلى الله عليه وسلم يد امرأة لا تحل له، وكانت أسماء بنت يزيد بن السكن في المبايعات فقالت: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم ابسط يدك نبايعك، فقال: إني لا أصافح النساء لكن آخذ عليهنتفسير : ، وعن الشعبي حديث : أنه صلى الله عليه وسلم دعا بقدح من ماء فغمس يده فيه ثم غمسن أيديهن فيه، وعنه أنه صلى الله عليه وسلم لقنهن في المبايعة "فيما استطعتن وأطقتن" فقالت: الله ورسوله أرحم بنا من أنفسنا . تفسير : ولما ذكر ما أمر به نبيه صلى الله عليه وسلم في المبايعات بعد أن عد الذين آمنوا أصلاً في امتحان المهاجرات فعلم من ذلك أن تولي النساء مع أنه لا ضرر فيهن بقتال ونحوه لا يسوغ إلا بعد العلم بإيمانهن، وكان الختم بضفتي الغفران والرحمة مما جرأه على محاباة المؤمنين لبعض الكفار من أزواج أو غيرهم لقرابة أو غيرها لعلة يبديها الزوج أو غير لك من الأمور، كرر سبحانه الأمر بالبراءة من كل عدو، رداً لآخر السورة على أولها تأكيداً للإعراض عنهم وتنفيراً من توليهم كما أفهمته آية المبايعة وآية الامتحان، فقال ملذذاً لهم بالإقبال بالخطاب كما فعل أولها بلذيذ العتاب: {يا أيها الذين آمنوا}. ولما كان الميل عن الطريق الأقوام على خلاف ما تأمر به الفطرة الأولى فلا يكون إلا عن معالجتها، عبر بالتفعل كما عبر به أول السورة بالافتعال فقال: {لا تتولوا} أي تعالجوا أنفسكم أن تتولوا {قوماً} أي ناساً لهم قوة على ما يحاولونه فغيرهم من باب الأولى {غضب الله} أي أوقع الملك الأعلى الغضب {عليهم} لإقبالهم على ما أحاط بهم من الخطايا فهو عام في كل من اتصف بذلك يتناول اليهود تناولاً أولياً. ولما كان السامع لهذا يتوقع بيان سبب الغضب، قال معللاً ومبيناً أنه لا خير فيهم يرجى وإن ظهر خلاف ذلك: {قد يئسوا} أي تحققوا عدم الرجاء {من الآخرة} أي من أن ينالهم منها خير ما لإحاطة معاصيهم بهم أو لعدم اعتقادهم لقيامها ولا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون، فيوشك من والاهم يكتب منهم فيحل بهم الغضب {كما يئس} من نيل الخير منها {الكفار} ولما كان من مات فصار أهلاً للدفن كشف له عن أحوال القيامة فعرف أنه ناج أو هالك، وكان الموتى أعم من الكفار، وموتى الكفار أعم ممن يدفن منهم فقال: {من أصحاب القبور *} فإن الكفار منهم قد علموا يأسهم من حصول الخير منها علماً قطعياً، ويجوز أن يكون {من} ابتدائية فيكون المعنى: كما يئس عباد الأوثان من لقاء من مات، فدفن باعتقاد أنه لا اجتماع بينهم أصلاً لأنه لا يمكن بعثه لا إلى الدنيا ولا إلى الآخرة لأنه لا آخرة عندهم أصلاً لا سيما إن كان مدفوناً في قبر، وعلى هذا يكون الظاهر وضع موضع المضمر للدلالة على أن الذي أيأسهم تغطية الدلائل مع وضوحها لو أنصفوا، فلا تتولوا من هذه صفته فيكون بينكم وبينه ما بين القريب مع قريبه من تولى كل منهم من الآخر ما يتولاه القريب الصديق لقريبه فإن توليهم ضرر لا نفع فيه فإن من غضب عليه الملك الشهيد لكل حركاته وسكناته لا يفلح هو ولا من تولاه، وأقل ما في ولايته من الضرر أنها تنقطع المعاونة فيها، والمشاركة بالموت وإن كان بعد الموت مشاركة ففي العذاب الدائم المستمر الذي لا ينقطع عنهم والخزي اللازم، وقد علم أن هذا الآخر هو أولها، وهذا الموصل مفصلها، فسبحانه من أنزله كتاباً معجزاً حكيماً، وقرآناً موجزاً جامعاً عظيماً.
الطوسي
تفسير : معنى قوله {وإن فاتكم شيء من أزواجكم إلى الكفار} أي إن أعجزكم ومضى شيء من أزواجكم إلى كفار أهل مكة ومعنى شيء أحد، فكأنه قال وإن فاتكم احد منكم {فعاقبتم} بمصير أزواج الكفار اليكم إما من جهة سبي او مجيئهن مؤمنات {فآتوا الذين ذهبت أزواجهم} إلى الكفار {مثل ما أنفقوا} من المهور كما عليهم أن يردوا عليكم مثل ما أنفقتم لمن ذهب من أزواجكم. قال الزجاج: وقد قرىء {فعقبتم} بلا الف مشدداً ومخففاً، وجاء فى التفسير فغنمتم ومعناه في اللغة فكانت العقبى لكم أي كانت لكم الغلبة حتى غنمتم، قال {وعقبتم} مشددة أجودها في اللغة، ومخففة جيدة أيضاً أي صارت لكم عقبى، والتشديد أبلغ ومعنى {فعاقبتم} أصبتموهم في القتال بعقوبة حتى غنمتم أي ان مضت امرأة منكم إلى من لا عهد بينكم وبينه {فآتوا الذين ذهبت أزواجهم مثل ما أنفقوا} يعني فى مهورهن، وكذلك إن مضت الى من بينكم وبينه عهد فنكث فى اعطاء المهر، فالذي ذهبت زوجته يعطى المهر من الغنيمة ولا ينقص شيئاً من حقه بل يعطى حقه كاملا بعد إخراج مهور النساء. وقال الزهري: فآتوا الذين ذهبت أزواجهم من المؤمنين مثل ما أنفقوا من مال الفيء. وقال ابن عباس من مال الغنيمة - وفي رواية عن الزهري - عليهم أن يعطوهم من صداق من لحق بهم وقال قوم: يعطونهم من جميع هذه الاموال. وقال قتادة: معنى الآية {وإن فاتكم شيء من أزواجكم إلى الكفار} الذين ليس بينهم وبين اصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله عهد {فعاقبتم} يعني الغنيمة يقول: فاذا غنمتم فاعطوا زوجها صداقها الذي كان قد ساقه اليها من الغنيمة ثم نسخ هذا الحكم فى براءة، فنبذ إلى كل ذي عهد عهده. ثم قال {واتقوا الله الذي أنتم به مؤمنون} أى اجتنبوا معاصي الله الذى أنتم مصدقون بثوابه وعقابه ومعترفون بنبوة نبيه. وقوله {يا أيها النبي} خطاب للنبي صلى الله عليه وآله يقول الله له {إذا جاءك المؤمنات يبايعنك} ووجه بيعة النساء مع أنهن لسن من أهل النصرة فى المحاربة هو أخذ العهد عليهن بما يصلح شأنهن في الدين للأنفس والأزواج، فكان ذلك في صدر الاسلام لئلا ينفتق بهن فتق لما صيغ من الاحكام، فبايعهن النبي صلى الله عليه وآله حسماً لذلك وقيل: إنه كان يبايعهن من وراء الثوب. وروى أنه استدعى ماء فوضع يده فيه ثم أمر النساء ان يضعن أيديهن فيه، فكان ذلك جارياً مجرى المصافحة بأخذ العهد {على أن لا يشركن بالله شيئاً} من الاصنام والاوثان {ولا يسرقن} لا من أزواجهن ولا من غيرهم {ولا يزنين ولا يقتلن أولادهن} على وجه من الوجوه لا بالوأد، ولا بالاسقاط {ولا يأتين ببهتان} يعني بكذب {يفترينه بين أيديهن وأرجلهن} أي لا يأتين بكذب يكذبنه فى مولود يوجد بين أيديهن وأرجلهن. وقال ابن عباس: لا يلحقن بأزواجهن غير اولادهم. وقال الفراء: كانت المرأة تلتقط فتقول لزوجها: هذا ولدي منك، فذلك البهتان المفترى. وقال قوم: البهتان الذي نهوا عنه فى الآية قذف المحصنات والكذب على الناس وإضافة الأولاد إلى الازواج على البطلان فى الحاضر والمستقبل من الزمان، ولا يعصينك في معروف، فالمعروف نقيض المنكر، وهو ما دل العقل والسمع على وجوبه او ندبه، وسمي معروفاً لان العقل يعترف به من جهة عظم حسنه ووجوبه. وقال زيد بن أسلم: فيما شرط ألا يعصينه فيه أن لا يلطمن ولا يشققن جيباً ولا يدعون بالويل والثبور، كفعل أهل الجاهلية. وقال ابن عباس: فيما شرط ألا يعصينه فيه النوح. وقوله {فبايعهن} والمعنى إذا شرطت عليهن هذا الشروط ودخلن تحتها فبايعهن على ذلك {واستغفر لهن الله} أي اطلب من الله ان يغفر لهن ذنوبهن ويستر عليهن {إن الله غفور رحيم} أي صفوح عنهن منعم عليهن. وقال الحسن: إذا جاءت المرأة اليوم من غير أهل العهد لم ترد إلى زوجها، ولم تمتحن وهذه الآيه منسوخة. ثم قال {يا أيها الذين آمنوا} يخاطب المؤمنين بالله ورسوله {لا تتولوا قوماً غضب الله عليهم} أي لا توالوا اليهود، ولا من يجري مجراهم من الكفار الذين غضب الله عليهم بأن يريد عقابهم {ولعنهم الله} ثم وصف الكفار، فقال {قد يئسوا من الآخرة} جملة في موضع الحال أي باياسهم من الآخرة، فان اليهود ييأسون من ثواب الجنة على ما يقوله المسلمون من الأكل والشرب وغير ذلك من أنواع اللذات كما يئس من لم يؤمن بالبعث والنشور أصلا {كما يئس الكفار من أصحاب القبور} قال الحسن الذين يئسوا من الآخرة أي اليهود مع الاقامة على ما يغضب الله، كما يئس كفار العرب أن يرجع أهل القبور أبداً، وقيل هم أعداء المؤمنين من قريش قد يئسوا من خير الآخرة، كما يئس سائر الكفار من العرب من النشأة الثانية. وقيل {كما يئس الكفار من أصحاب القبور} من حظ الآخرة. وقيل: قد يئسوا من ثواب الآخرة كما يئس الكفار من النشأة الثانية ذكره ابن عباس، وقال مجاهد: قد يئسوا من ثواب الآخرة كما يئس منه أصحاب القبور، لانهم قد ايقنوا بعذاب الله.
الجنابذي
تفسير : {وَإِن فَاتَكُمْ شَيْءٌ} اى واحدة {مِّنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَى ٱلْكُفَّارِ} اى راجعة الى الكفّار {فَعَاقَبْتُمْ} اى فأصبتم من الكفّار عقبى اى غنيمة {فَآتُواْ} ايّها المؤمنون {ٱلَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُمْ مِّثْلَ مَآ أَنفَقُواْ} من الغنيمة الّتى اصبتم او المعنى فعاقبتم على نساء اخر فأتوا ايّها المؤمنون من بيت مال المسلمين الّذين ذهبت ازواجهم ما أنفقوا، وقيل: عاقبتم الكفّار لسبى النّساء منهم او باخذ الغنيمة او باتيان النّساء منهم اليكم مؤمناتٍ {وَٱتَّقُواْ} ايّها المؤمنون من عدم اعطاء ما أنفقوا {ٱللَّهَ ٱلَّذِيۤ أَنتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ} قيل: كانت لحق المشركين من نساء المؤمنين ستّ نسوة فأعطى النّبىّ (ص) ازواجهنّ مهورهنّ.
الهواري
تفسير : قوله عز وجل: {وَإِن فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِّنْ أَزْوَاجِكُمْ إَلَى الْكُفَّارِ} أي إلى الذين ليس بينكم وبينهم عهد {فَعَاقَبْتُمْ} أي فغنمتم، وقال مجاهد: فأصبتم {فَآتُواْ الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُم} يعني من أصحاب النبي عليه السلام { مِّثْلَ مَآ أَنَفَقُواْ وَاتَّقُواْ اللهَ الَّذِي أَنتُم بِهِ مُؤْمِنُونَ}. فكانوا إذا غنموا غنيمة أعطوا زوجها صداقها الذي كان ساق إليها من جميع الغنيمة، ثم تقسم الغنيمة بعدُ. ثم نسخ ذلك مع العهد والحكم بقوله في هذه الآية: (أية : وَاعْلَمُواْ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ) تفسير : [الأنفال:41]، فجعل خمس الغنيمة لهؤلاء، وما بقي من الغنيمة الأربعة أخماس لأهل القتال. وإذا أسلم الرجل وعنده امرأتان أو ثلاثة أو أربعة فأسلمن معه أقام عليهن, فإن كن أكثر من أربعة اختار منهم أربعاً. ذكر سالم بن عبدالله بن عمر عن أبيه أن رجلاً من ثقيف يقال له غيلان بن سلمة أسلم وعنده عشر نسوة فأسلمن معه فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يختار منهن أربعاً. ذكر قرة بن خالد عن سهيل بن علي النسري قال: لما كان يوم الفتح وجد رسول الله صلى الله عليه وسلم عند عتبة بن عمر خمس نسوة فأمره أن يطلق إحداهن، فطلق دجاجة بنت أسماء بن الصلت، فخلف عليها عامر بن كريز فولدت له عبد الله بن عامر. قال بعضهم: فإذا أسلم الرجل وعنده أختان فأسلمتا اختار أيتهما شاء فأمسكها. ذكروا عن الضحاك بن فيروز الديلمي قال: أسلم أبي وعنده أختان فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يطلق إحداهما. وإذا أسلم الزوجان معاً جميعاً، أو الرجل ونساؤه إن كانت عنده امرأتان أو ثلاث أو أربع فأسلمن معه جميعاً أقام عليهن جميعاً. فإن كن أكثر من ذلك اختار منهن أربعاً. وبعضهم يقول في هذا كله: يحبس الأوائل الأربع من النسوة ويطلق الأواخر من النسوة والآخرة من الاختين، يقولون: كل ما لا يصلح نكاحه في الإِسلام فهو الذي يفارق، وكل ما كان يصلح نكاحه في الإِسلام يحبس. والأثر عن النبي عليه السلام جاء من غير وجه كما ذكرناه أولاً. وإذا أسلمت امرأة قبل زوجها بانت منه بواحدة. فإذا أسلم خطبها فتكون عنده على اثنتين. وبعضهم يقول: إذا أسلم في عدتها فهو أحق بها. وفيه اختلاف. ذكروا عن الزهري أن سهيل بن عمرو وعكرمة بن أبي جهل أسلمت امرأتاهما فأقاما على نكاحها. ذكر غير واحد من العلماء أن زينب بنت النبي هاجرت، ثم أسلم زوجها العاص بن ربيعة فردها رسول الله صلى الله عليه وسلم. ثم جاءت براءة، فإذا أسلمت امرأة قبل زوجها فهي تطليقة بائنة فلا سبيل له عليها إلا بخطبة. ذكروا عن ابن عباس أن المرأة إذا أسلمت قبل زوجها فرق بينهما. ذكروا عن سعيد بن المسيب عن علي قال: هو أحق بها ما كان في دار الهجرة. وقال بعضهم: في دار هجرتها. ذكروا عن عبد الله بن يزيد الخطمي أن امرأة أسلمت ثم أسلم زوجها فخيَّرَها عمر بن الخطاب. ذكر بعضهم قال: يعرض عليه الإسلام فإن أسلم فهما على نكاحهما، وإلا فرّق بينهما. وإن كان الزوجان يهوديين أو نصرانيين فأسلم الزوج قبل المرأة فهما على نكاحهما. ذكروا عن عكرمة عن ابن عباس قال: الإسلام يظهر ولا يظهر عليه. إذا أسلم الرجل قبل امرأته فهما على نكاحهما، يعني اليهوديين. فإن أسلمت المرأة قبله فرق بينهما. وفي هذا اختلاف مثل الاختلاف في نساء العرب إذا أسلمن قبل أزواجهن. وقال الحسن في المجوسيين إذا أسلما جميعاً فهما على نكاحهما. وإذا أسلم أحدهما قبل الآخر فرق بينهما. وإذا ارتد الرجل عن الإِسلام وله امرأة مسلمة فإن امرأته لا تتزوج ولا تعتد حتى يعرض عليه الإسلام. فإن طال ذلك، فإن تاب فهي امرأته وهما على نكاحهما، وإن أبى أن يتوب قُتِل، واعتدت امرأته عدة المطلقة. وإن ارتد والتحق بالشرك فإنها تعتد وتتزوج. وقال الحسن في النصرانية تسلم قبل أن يدخل زوجها الإِسلام وهو نصراني إنه يفرق بينهما، ولا شيء له. ذكر بعضهم قال: إن أبى أن يسلم فلها نصف الصداق لأن الإِباء جاء من قِبَله.
اطفيش
تفسير : {وَإِن فَاتَكُمْ} سبقكم وانفلت منكم {شَىْءٌ مِّنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَى الكُفَّارِ} أي لحقت زوجة أو زوجتان أو اكثر بالكفار مرتدات وقرأ ابن مسعود وان فاتكم احد منا ازواجكم وايقاع شيء موقع احد للتحقير والمبالغة في التعميم أو اراد شيء من مهورهن بالذهاب الى الكفار ارتدادا. {فَعَاقَبْتُمْ} غزوتم فعنمتم فالمعاقبة اصابتهم بعقاب. فتلا وغنما قاله الزجاج وقيل: معنى عاقبتم ظهرتم وكانت العاقبة لكم وليست هذه المعاقبة بمعنى مجازاة السوء بالسوء وقد فسرها بعض بالغنم وفسرها مجاهد بالاصابة وروي انه قرأ فاعقبتم وقال: المعنى صنعتم بهم كما صنعوا بكم وهذه مجازاة وقيل من العقبة وهي التوبة شبه ما حكم به على المؤمنين والكافرين من أداء هؤلاء مهور نساء اولئك تارة واولئك مهور نساء هؤلاء تارة بأمر يتعاقبون فيه كما يتعاقب في الركوب وغيره أي فجاءت عاقبتكم من اداء المهر وقيل اصبتم عقبى وهي الغنيمة وقرىء فعقبتم بالتشديد وقرىء بالتخفيف بفتح القاف وقرىء بالتخفيف وكسرها وقيل: معنى اعقبتم دخلتم في العقبة ومعنى عقبتم بالتشديد والتخفيف جاء فعلكم بعد فعلهم وفسر الزجاج القراءات غير قراءة الالف بقوله كانت العقبى لكم. {فَأتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُمِ} إلى الكفار {مِّثْلَ مَا أَنفَقُوا} من مهور المهاجرات ولا تؤتوه زوجها الكافر وانما يؤتونهم من الغنيمة قيل قسمها قاله قتادة: وقال ابن شهاب يعطى من أي وجه الفيء ما امكن والحق بالمشركين من نساء المؤمنين ست ام الحكم بنت ابي سفيان كانت تحت عياض بن شداد الفهري وفاطمة بنت ابي امية كانت تحت عمر بن الخطاب اخت ام سلمة لما اراد الهجرة ابت واردت وبروع بنت عقبة كانت تحت شماس بن عثمان وعبدة بنت عبدالعزي بن نضلة كانت تحت عمرو بن عبد وهند بنت أبي جهل بن هشام كانت تحت هشام بن العاص بن وائل وأم كلثوم بنت جرول كانت تحت عمرو أيضا ارتددن فأعطى صلى الله عليه سلم أزواجهن من الغنيمة ما أنفقوا عليهن من المهور. واختلف في رد مهر من اسلمت من النساء من ازواجهن هل واجب أو مندوب مثارة هل وقع الصلح على رد الرجال والنساء أو على الرجال فقط واختلف هل يجب رد المال اليوم أو يندب اذا شرط في معاقدة الكفار فقال قوم: يجب والاية غير منسوخة ويرد عليهم ما انفقوا وقال عطاء ومجاهد وقتادة لا يجب وان الاية منسوخة وصحح فمن جاءت مهاجرة لم يردوا مهرها لزوجها. {وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِى أَنتُم بِهِ مُؤْمِنُونَ} فإن الايمان يقتضي التقوى فوائد قال عكرمة كان العبد إذا جاء مسلما ومولاه مشرك كان حرا، قال بعضهم هذا إذا كان ميسره معاهد قال جابر بن عبد الله بايع مملوكك النبي صلى الله عليه وسلم ولم يعلم انه عبد ثم علم فاشتراه من ميسرة بغلامين زعم بعض ان سيده معاهد واسلم غيلان بن سلمة على عشرة نسوة وأسلمن معه فأمر صلى الله عليه وسلم ان يختار منهن اربعاً ووجد يوم الفتح عند عتبة بن عمرو خمسا فامره بطلاق واحدة فطلق دجاعة بنت الصلت وتزوجها رجل اسمه عامر فولدت له عبدالله ومن أسلم على اختين اختار واحدة كما امر صلى الله عليه وسلم مرور الدئلي ومن اسلم على أكثر من أربع فليختر أربعا وقيل: الأربعة الأوائل وقيل: فيمن أسلم على أختين فليختر الأولى يقولون ما لا يصلح نكاحه في الاسلام فهو الذي يفارق. والصحيح ما ذكرنا اولا ومن اسلمت قبل زوجها بانت بواحدة فإن اسلم خطبها فتكون عنده على اثنتين وقيل: ان اسلم في عدتها فهو احق بها واسلمت امرأتا سهيل من عمر وعكرمة بن ابي جهل فاقاما على نكاحهما وإذا اسلمت قبل زوجها فرق بينهما وعن علي هو احق بها ما كان في دار الهجرة وعن عمر انه خير امرأة اسلمت ثم اسلم زوجها وقيل: يعرض عليه الاسلام فإن اسلم فهي له وإن كانا يهوديين أو نصرانيين واسلم قبلها فهما على نكاحها وان اسلمت قبله فرق بينهما والاسلام يعلو. وفي المسألة خلاف وعن الحسن في المجوسيين اذا اسلم احداهما فرق الاسلام بينهما لا إن اسلما جميعاً في وقت واحد وان ارتد الرجل وله زوجة مسلمة فلا تتزوج ولا تعتد حتى يعرض عليه الاسلام فإن تاب فهي له امرأة وإلا قتل واعتدت عدة المطلقة وان ارتد ولحق بالشرك واعتدت من ذلك الحين. وعن الحسن في نصرانية تسلم قبل ان يدخل بها النصراني انه يفرق بينهما ولا شيء لها وقيل إن أبى أن يسلم فلها نصف الصداق لان الاباء جاء منه.
الالوسي
تفسير : {وَإِن فَاتَكُمْ } أي سبقكم وانفلت منكم {شَىءٌ مّنْ أَزْوٰجِكُمْ إِلَى ٱلْكُفَّـٰرِ } أي أحد من أزواجكم، وقرىء كذلك. وإيقاع {شَىْء } موقعه لزيادة التعميم وشمول محقر الجنس نصاً، وفي «الكشف» لك أن تقول: أريد التحقير والتهوين على المسلمين لأن من فات من أزواجهم إلى الكفار يستحق الهون والهوان. وكانت الفائتات ستاً على ما نقله في «الكشاف» وفصله، أو إن فاتكم شيء من مهور أزواجكم على أن {شَىْء } مستعمل في غير العقلاء حقيقة، و {مِنْ } ابتدائية لا بيانية كما في الوجه الأول. {فَعَـٰقَبْتُمْ } من العقبة لا من العقاب، وهي في الأصل النوبة في ركوب أحد الرفيقين على دابة لهما والآخر بعده أي فجاءت عقبتكم أي نوبتكم من أداء المهر شبه ما حكم به على المسلمين والكافرين من أداء هؤلاء مهور نساء أولئك تارة، وأداء أولئك مهور نساء هؤلاء أخرى، أو شبه الحكم بالأداء المذكور، بأمر يتعاقبون فيه كما يتعاقب في الركوب، وحاصل المعنى: إن لحق أحد من أزواجكم بالكفار أو فاتكم شيء من مهورهن ولزمكم أداء المهر كما لزم الكفار: {فَأتُواْ ٱلَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوٰجُهُمْ مّثْلَ مَا أَنفَقُواْ } من مهر المهاجرة التي تزوجتموها ولا تؤتوه زوجها الكافر ليكون قصاصاً، ويعلم مما ذكرنا أن عاقب لا يقتضي المشاركة، وهذا كما تقول: إبل معاقبة ترعى الحمض تارة وغيره أخرى ولا تريد أنها تعاقب غيرها من الإبل في ذلك، وحمل الآية على هذا المعنى يوافق ما روي عن الزهري أنه قال: يعطي من لحقت زوجته بالكفار من صداق من لحق بالمسلمين من زوجاتهم. وعن الزجاج أن معنى {فَعَـٰقَبْتُمْ } فغنمتم، وحقيقته فأصبتم في القتال بعقوبة حتى غنمتم فكأنه قيل: وإن فاتكم شيء من أزواجكم إلى الكفار ولم يؤدوا إليكم مهورهن فغنمتم منهم فآتوا الذين ذهبت أزواجهم مثل ما أنفقوا من الغنيمة وهذا هو الوجه دون ما سبق، وقد كان صلى الله عليه وسلم ـ كما روي عن ابن عباس ـ يعطي الذي ذهبت زوجته من الغنيمة قبل أن تخمس المهر ولا ينقص من حقه شيئاً، وقال ابن جني: روينا عن قطرب أنه قال: {فَعَـٰقَبْتُمْ } فأصبتم عقباً منهم يقال: عاقب الرجل شيئاً إذا أخذ شيئاً وهو في المعنى كالوجه قبله. وقرأ مجاهد والزهري والأعرج وعكرمة وحميد وأبو حيوة والزعفراني ـ فعقَّبتم ـ بتشديد القاف من عقَّبه إذا قفاه لأن كل واحد من المتعاقبين يقفي صاحبه، والزهري والأعرج وأبو حيوة أيضاً والنخعي وابن وثاب بخلاف عنه ـ فعقَبتم ـ بفتح القاف وتخفيفها، والزهري والنخعي أيضاً بالكسر والتخفيف، ومجاهد أيضاً ـ فأعقبتم ـ أي دخلتم في العقبة؛ وفسر الزجاج هذه القراآت الأربعة بأن المعنى فكانت العقبـى لكم أي الغلبة والنصر حتى غنمتم لأنها العاقبة التي تستحق أن تسمى عاقبة. {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ٱلَّذِى أَنتُم بِهِ مُؤْمِنُونَ } فإن الإيمان به عز وجل يقتضي التقوى منه سبحانه وتعالى.
ابن عاشور
تفسير : عطف على جملة {أية : واسألوا ما أنفقتم}تفسير : [الممتحنة: 10] فإنها لما ترتب على نزولها إِباء المشركين من أن يردّوا إلى أزواج النساء اللاءِ بقين على الكفر بمكة واللاء فَرَرْنَ من المدينة والتحَقْنَ بأهل الكفر بمكة مهورَهم التي كانوا أَعطوها نساءهم، عقبت بهذه الآية لتشريع ردّ تلك المهور من أموال المسلمين فيما بينهم. روي أن المسلمين كتبوا إلى المشركين يعلمونهم بما تضمنته هذه الآية من الترادِّ بين الفريقين في قوله تعالى: {أية : واسألوا ما أنفقتم وليسألوا ما أنفقوا}تفسير : [الممتحنة: 10]. فامتنع المشركون من دفع مهور النساء اللاتي ذهبت إليهم فنزل قوله تعالى: {وإن فاتكم شيء من أزواجكم إلى الكُفار} الآية. وأصل الفوت: المفارقة والمباعدة، والتفاوت: المتباعد. والفوت هنا مستعار لضياع الحق كقول رُويشد بن كثير الطائي أو عَمرو بن معد يكرب: شعر : إن تُذنبوا ثم تأتِيني بقيتكم فمَا عَليَّ بذنب منكمُ فَوْت تفسير : أي فلا ضياع عليّ بما أذنبتم، أي فإنا كمن لم يضعْ له حق. والمعنى: إن فرت بعض أزواجكم ولحقت بالكفار وحصل التعاقب بينكم وبين الكفار فعقَّبتم على أزواج الكفار وعقَّب الكفار على أزواجكم وأبى الكفار من دفع مهور بعض النساء اللاء ذهبن إليهم، فادفعوا أنتم لمن حرمه الكفار مهر امرأته، أي ما هو حقه، واحجزوا ذلك عن الكفار. وهذا يقتضي أنه إن أعطي جميع المؤمنين مهور مَن فاتهم من نسائهم وبقي للمشركين فضل يرده المسلمون إلى الكفار. هذا تفسير الزهري في رواية يونس عنه وهو أظهر ما فسرت به الآية. وعن ابن عباس والجمهور: الذين فاتهم أزواجهم إلى الكفار يعطون مهور نسائهم من مغانم المسلمين. وهذا يقتضي أن تكون الآية منسوخة بآية سورة [براءة: 7] {أية : كيف يكون للمشركين عهد عند الله وعند رسوله}تفسير : . والوجه أن لا يُصار إلى الإِعطاء من الغنائم إلا إذا لم يكن في ذمم المسلمين شيء من مهور نساء المشركين اللاءِ أتيْنَ إلى بلاد الإِسلام وصرن أزواجاً للمسلمين. والكلام إيجاز حذف شديد دل عليه مجموع الألفاظ وموضع الكلام عقب قوله تعالى: {وإن فاتكم شيء من أزواجكم}. ولفظ {شيء} هنا مراد به: بعض {من أزواجكم} بيان لـ{شيء}، وأريد بـ {شيء} تحقير الزوجات اللاءِ أبَيْن الإِسلام، فإن المراد قد فاتت ذاتها عن زوجها فلا انتفاع له بها. وضمّن فعل {فاتكم} معنى الفرار فعدّي بحرف {إلى} أي فررن إلى الكفار. و«عاقبتم» صيغة تفاعل من العُقْبة بضم العين وسكون القاف وهي النوبة، أي مصير أحد إلى حال كان فيها غيرُه. وأصلها في ركوب الرواحل والدوابّ أن يركب أحد عُقْبَة وآخر عَقبة شبه ما حكم به على الفريقين من أداء هؤلاء مهورَ نساء أولئك في بعض الأحوال ومن أداء أولئك مهور نساء هؤلاء في أحوال أخرى مماثلة بمركوب يتعاقبون فيه. ففعل {ذهبت} مجاز مثل فعل {فاتكم} في معنى عدم القدرة عليهن. والخطاب في قوله: {وإن فاتكم شيء من أزواجكم} وفي قوله: {فآتوا} خطاب للمؤمنين والذين ذهبت أزواجهم هم أيضاً من المؤمنين. والمعنى: فليعْط المؤمنون لإخوانهم الذين ذهبت أزواجهم ما يماثل ما كانوا أعطوه من المهور لزوجاتهم. والذي يتولى الإِعطاء هنا هو كما قررنا في قوله: {أية : وآتوهم ما أنفقوا}تفسير : [الممتحنة: 10] أي يُدفع ذلك من أموال المسلمين كالغنائم والأخماس ونحوها كما بينته السنة: أعطى النبي صلى الله عليه وسلم عمر بن الخطاب، وعياض بن أبي شداد الفهري، وشماس بن عثمان، وهشام بن العاص، مهور نسائهم اللاحقات بالمشركين من الغنائم. وأفاد لفظ {مثل} أن يكون المهرُ المعطى مساوِياً لما كان أعطاه زوج المرأة من قبلُ لا نقص فيه. وأشارت الآية إلى نسوة من نساء المهاجرين لم يسلمْن وهن ثمان نساء: أمّ الحكم بنت أبي سفيان كانت تحت عياض بن شداد، وفاطمة بنت أبي أمية ويقال: قُريبة وهي أخت أم سلمة كانت تحت عُمر بن الخطاب، وأمّ كلثوم بنت جرول كانت تحت عُمَر، وبَروع (بفتح الباء على الأصح والمحدثون يكسرونها) بنت عقبة كانت تحت شماس ابن عثمان وشَهبة بنت غيلان وعبدةُ بنتُ عبد العزى كانت تحت هشام بن العاص، وقيل تحت عَمرو ابن عبد. وهندٌ بنت أبي جهل كانت تحت هشام بن العاص، وأروى بنت ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب كانت تحت طلحة بن عبيد الله، وكان قد هاجر وبقيت زوجه مشركة بمكة فلما نزلت الآية طلقها طلحة بن عبيد الله. وقد تقدم أن عمر طلق زوجتيه قُريبَة وأمَّ جرول، فلم تكونا ممن لحقن بالمشركين، وإنما بقيتا بمكة إلى أن طلقهما عمر. وأحسب أن جميعهن إنما طلقهن أزواجهن عند نزول قوله تعالى: {أية : ولا تمسكوا بعصم الكوافر}تفسير : [الممتحنة: 10]. والتذييل بقوله: {واتقوا الله الذي أنتم به مؤمنون} تحريض للمسلمين على الوفاء بما أمرهم الله وأن لا يصدّهم عن الوفاء ببعضه معاملة المشركين لهم بالجور وقلة النصفة، فأمر بأن يؤدي المسلمون لإِخوانهم مهور النساء اللاء فارقوهن ولم يرض المشركون بإعطائهم مهورهن ولذلك اتبع اسم الجلالة بوصف {الذي أنتم به مؤمنون} لأن الإِيمان يبعث على التقوى والمشركون لمّا لم يؤمنوا بما أمر الله انتفى منهم وازع الإِنصاف، أي فلا تكونوا مثلهم. والجملة الاسمية في الصلة للدلالة على ثبات إيمانهم.
د. أسعد حومد
تفسير : {أَزْوَاجِكُمْ} {فَآتُواْ} {أَزْوَاجُهُمْ} (11) - وَإِذَا ذَهَبَتْ زَوْجَاتُكُمْ الكَافِرَاتُ إِلَى المُشْرِكِينَ، وَلَمْ يَدْفَعُوا إِليكُمْ المهُورَ التِي سَبَقَ أَنْ دَفَعْتُمُوهَا لَهُنَّ، ثُمَّ ظَفِرْتُمْ بِالمُشْرِكِينَ، وَانْتَصَرْتُمْ عَلَيهِمْ، فَأَعْطُوا الذِينَ ذَهَبَتْ زَوْجَاتُهُمْ المُشْرِكَاتُ مِنَ الغَنِيمَةِ مِثْلَ مَا دَفَعُوا إِليهِنَّ مِنْ صِدَاقٍ، وَخَافُوا اللهَ الذِي تُؤْمِنُونَ بِهِ، فَأَدُّوا فَرَائِضَهُ، وَالتَزِمُوا بِأَوَامِرِهِ. (وَقَالَ قَتَادَةُ وَمُجَاهِدٌ: إِذَا فَرَّتْ مُشْرِكَةٌ هِيَ زَوْجَةٌ لِمُسْلِمٍ إِلَى الكُفَّارِ الذِينَ لَيْسَ لَهُمْ عَهْدٌ، وَلَمْ يَدْفَعُوا إِلَى زَوْجِهَا شَيئاً، فَإِذَا جَاءَتْ مِنْهُمُ امْرَأَةٌ مُسْلِمَةً فَلاَ يُدْفَعُ إِلَى زَوْجِهَا شَيءٌ حَتَّى يَدْفَعُوا إِلَى المُسْلِمِ زَوْجِ الذَّاهِبَةِ إِليْهِمْ مِثْلَمَا أَنْفَقَ عَلَيْهَا. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يُؤَدّى إِليْهِمْ مِنَ الغَنِيمَةِ قَبْلَ أَنْ تُخَمَّسَ).
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {وَإِن فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِّنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَى ٱلْكُفَّارِ} معناه أعجزَكُم أحدٌ من الكُفّارِ: معناهُ أن ذَهبتْ امرأةٌ مُسلمةٌ فَلحِقَتْ بالكُفارِ من أهلِ مَكةَ مُرتدةً، وليسَ بينكُم وبينَهُم عَهدٌ، فاعطوا زَوجَها مَهرَها من الغَنيمةِ بَدلَ الخُمسِ. وقوله تعالى: {فَعَاقَبْتُمْ} يعني فأَصبتُم عُقبى مِثلَهُنَّ. ويقال: فَغنِمتَم.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):