Verse. 5162 (AR)

٦٠ - ٱلْمُمْتَحَنَة

60 - Al-Mumtahana (AR)

يٰۗاَيُّہَا النَّبِيُّ اِذَا جَاۗءَكَ الْمُؤْمِنٰتُ يُبَايِعْنَكَ عَلٰۗي اَنْ لَّا يُشْرِكْنَ بِاللہِ شَـيْـــــًٔــا وَّلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِيْنَ وَلَا يَقْتُلْنَ اَوْلَادَہُنَّ وَلَا يَاْتِيْنَ بِبُہْتَانٍ يَّفْتَرِيْنَہٗ بَيْنَ اَيْدِيْہِنَّ وَاَرْجُلِہِنَّ وَلَا يَعْصِيْنَكَ فِيْ مَعْرُوْفٍ فَبَايِعْہُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَہُنَّ اللہَ۝۰ۭ اِنَّ اللہَ غَفُوْرٌ رَّحِيْمٌ۝۱۲
Ya ayyuha alnnabiyyu itha jaaka almuminatu yubayiAAnaka AAala an la yushrikna biAllahi shayan wala yasriqna wala yazneena wala yaqtulna awladahunna wala yateena bibuhtanin yaftareenahu bayna aydeehinna waarjulihinna wala yaAAseenaka fee maAAroofin fabayiAAhunna waistaghfir lahunna Allaha inna Allaha ghafoorun raheemun

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«يا أيها النبي إذا جاءك المؤمنات يبايعنك على أن لا يشركن بالله شيئا ولا يسرقن ولا يزنين ولا يقتلن أولادهن» كما كان يفعل في الجاهلية من وأد البنات، أي دفنهن أحياء خوف العار والفقر «ولا يأتين ببهتان يفترينه بين أيديهن وأرجلهن» أي بولد ملقوط ينسبنه إلى الزوج ووصف بصفة الولد الحقيقي، فإن الأم إذا وضعته سقط بين يديها ورجليها «ولا يعصينك في» فعل «معروف» هو ما وافق طاعة الله كترك النياحة وتمزيق الثياب وجز الشعور وشق الجيب وخمش الوجه «فبايعهن» فعل ذلك صلى الله عليه وسلم بالقول ولم يصافح واحدة منهن «واستغفر لهن الله إن الله غفور رحيم».

12

Tafseer

الرازي

تفسير : روي أن النبي صلى الله عليه وسلم لما فرغ يوم فتح مكة من بيعة الرجال أخذ في بيعة النساء وهو على الصفا وعمر أسفل منه يبايع النساء بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ويبلغهن عنه، وهند بنت عتبة امرأة أبي سفيان متقنعة متنكرة خوفاً من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعرفها، فقال عليه الصلاة والسلام: «حديث : أبايعكن على أن لا تشركن بالله شيئاً، تفسير : فرفعت هند رأسها وقالت: والله لقد عبدنا الأصنام وإنك لتأخذ علينا أمراً ما رأيناك أخذته على الرجال، تبايع الرجال على الإسلام والجهاد فقط، فقال عليه الصلاة والسلام: حديث : ولا تسرقن، تفسير : فقالت هند: إن أبا سفيان رجل شحيح وإني أصبت من ماله هناة فما أدري أتحل لي أم لا؟ فقال: حديث : أبو سفيان ما أصبت من شيء فيما مضى وفيما غبر فهو لك حلال، فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم وعرفها، فقال لها: وإنك لهند بنت عتبة، تفسير : قالت: نعم فاعف عما سلف يا نبي الله عفا الله عنك، فقال: حديث : ولا تزنين، تفسير : فقالت: أتزن الحرة، وفي رواية مازنت منهن امرأة قط، فقال: حديث : ولا تقتلن أولادكن، تفسير : فقالت: ربيناهم صغاراً وقتلتهم كباراً، فأنتم وهم أعلم، وكان ابنها حنظلة ابن أبي سفيان قد قتل يوم بدر، فضحك عمر رضي الله عنه حتى استلقى، وتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: حديث : ولا تأتين ببهتان تفترينه، تفسير : وهو أن تقذف على زوجها ما ليس منه، فقالت هند: والله إن البهتان لأمر قبيح وما تأمرنا إلا بالرشد ومكارم الأخلاق، فقال: ولا تعصينني في معروف، فقالت: والله ما جلسنا مجلسنا هذا وفي أنفسنا أن نعصينك في شيء» وقوله: {وَلاَ يَسْرِقْنَ } يتضمن النهي عن الخيانة في الأموال والنقصان من العبادة، فإنه يقال: أسرق من السارق من سرق من صلاته: {وَلاَ يَزْنِينَ } يحتمل حقيقة الزنا ودواعيه أيضاً على ما قال صلى الله عليه وسلم: «حديث : اليدان تزنيان، والعينان تزنيان، والرجلان والفرج يصدق ذلك أو يكذبه» تفسير : وقوله: {وَلاَ يَقْتُلْنَ أَوْلْـٰدَهُنَّ } أراد وأد البنات الذي كان يفعله أهل الجاهلية ثم هو عام في كل نوع من قتل الولد وغيره، وقوله: {وَلاَ يَأْتِينَ بِبُهُتَـٰنٍ } نهى عن النميمة أي لا تنم إحداهن على صاحبها فيورث القطيعة، ويحتمل أن يكون نهياً عن إلحاق الولد بأزواجهن. قال ابن عباس: لا تلحق بزوجها ولداً ليس منه، قال الفراء: كانت المرأة تلتقط المولود فتقول لزوجها: هذا ولدي منك فذلك البهتان المفترى بين أيديهن وأرجلهن وذلك أن الولد إذا رضعته الأم سقط بين يديها ورجليها، وليس المعنى نهيهن عن الزنا، لأن النهي عن الزنا قد تقدم، وقوله: {وَلاَ يَعْصِينَكَ فِى مَعْرُوفٍ } أي كل أمر وافق طاعة الله، وقيل: في أمر بر وتقوى، وقيل في كل أمر فيه رشد، أي ولا يعصينك في جميع أمرك، وقال ابن المسيب والكلبي وعبد الرحمن بن زيد: {وَلاَ يَعْصِينَكَ فِى مَعْرُوفٍ } أي مما تأمرهن به وتنهاهن عنه، كالنوح وتمزيق الثياب، وجز الشعر ونتفه، وشق الجيب، وخمش الوجه، ولا تحدث الرجال إلا إذا كان ذا رحم محرم، ولا تخلو برجل غير محرم، ولا تسافر إلا مع ذي رحم محرم، ومنهم من خص هذا المعروف بالنوح، وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: «حديث : أربع في أمتي من أمر الجاهلية لا يتركونهن: الفخر في الأحساب، والطعن في الأنساب، والاستقاء بالنجوم، والنياحة» تفسير : وقال: «حديث : النائحة إذا لم تتب قبل موتها تقام يوم القيامة عليها سربال من قطران ودرع من جرب» تفسير : وقال صلى الله عليه وسلم: «حديث : ليس منا من ضرب الخدود وشق الجيوب ودعا بدعوى الجاهلية» تفسير : وقوله: {فَبَايِعْهُنَّ } جواب {إِذَا }، أي إذا بايعنك على هذه الشرائط فبايعهن، واختلفوا في كيفية المبايعة، فقالوا: كان يبايعهن وبين يده وأيديهن ثوب، وقيل: كان يشترط عليهن البيعة وعمر يصافحهن، قاله الكلبي، وقيل: بالكلام، وقيل: دعا بقدح من ماء فغمس يده فيه، ثم غمسن أيديهن فيه، وما مست يد رسول الله صلى الله عليه وسلم يد امرأة قط، وفي الآية مباحث: البحث الأول: قال تعالى: {إِذَا جَاءكَ ٱلْمُؤْمِنَـٰتُ } ولم يقل: فامتحنوهن، كما قال في المهاجرات والجواب: من وجهين أحدهما: أن الامتحان حاصل بقوله تعالى: {عَلَىٰ أَن لاَّ يُشْرِكْنَ } إلى آخره وثانيهما: أن المهاجرات يأتين من دار الحرب فلا اطلاع لهن على الشرائع، فلا بد من الامتحان، وأما المؤمنات فهن في دار الإسلام وعلمن الشرائع فلا حاجة إلى الامتحان. الثاني: ما الفائدة في قوله تعالى: {بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ } وما وجهه؟ نقول: من قال المرأة إذا التقطت ولداً، فإنما التقطت بيدها، ومشت إلى أخذه برجلها، فإذا أضافته إلى زواجها فقد أتت ببهتان تفترينه بين يديها ورجليها، وقيل: يفترينه على أنفسهن، حيث يقلن: هذا ولدنا وليس كذلك، إذ الولد ولد الزنا، وقيل: الولد إذا وضعته أمه سقط بين يديها ورجليها. الثالث: ما وجه الترتيب في الأشياء المذكورة وتقديم البعض منها على البعض في الآية؟ نقول: قدم الأقبح على ما هو الأدنى منه في القبح، ثم كذلك إلى آخره، وقيل: قدم من الأشياء المذكورة ما هو الأظهر فيما بينهم.

القرطبي

تفسير : فيه ثماني مسائل: الأولى ـ: قوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ إِذَا جَآءَكَ ٱلْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ} لما فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة جاء نساء أهل مكة يبايعنه، فأمِر أن يأخذ عليهن ألاَّ يُشْرِكن. وفي صحيح مسلم: حديث : عن عائشة زوج النبيّ صلى الله عليه وسلم قالت: كان المؤمنات إذا هاجرن إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يُمْتَحَنَّ بقول الله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ إِذَا جَآءَكَ ٱلْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَىٰ أَن لاَّ يُشْرِكْنَ بِٱللَّهِ شَيْئاً وَلاَ يَسْرِقْنَ وَلاَ يَزْنِينَ} إلى آخر الآية. قالت عائشة: فمن أقرّ بهذا من المؤمنات فقد أقرّ بالمحنة، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أقْررن بذلك من قولهن قال لهن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «انطلقْنَ فقد بايعتكن» ولا والله ما مَسَّت يدُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يدَ امرأة قطُّ، غير أنه بايعهن بالكلام. قالت عائشة: والله، ما أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم على النساء قطُّ إلا بما أمره الله عز وجل، وما مسّتْ كَفُّ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم كفَّ امرأة قطّ؛ وكان يقول لهن إذا أخذ عليهن «قد بايَعْتُكُنّ كلاماً»تفسير : . وروي أنه عليه الصلاة والسلام بايع النساء وبين يديه وأيديهن ثوب، وكان يشترط عليهن. وقيل: لما فرغ من بيعة الرجال جلس على الصّفَا ومعه عمر أسفل منه، فجعل يشترط على النساء البَيْعة وعمر يصَافحهن. ورُوِي أنه كلّف امرأة وقفت على الصّفَا فبايعتهن. ابن العربي: وذلك ضعيف، وإنما ينبغي التعويل على ما في الصحيح. حديث : وقالت أمّ عَطِية: لما قدِم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة جمع نساء الأنصار في بيت، ثم أرسل إلينا عمر بن الخطاب، فقام على الباب فسلّم فردَدْن عليه السلام، فقال: أنا رسولُ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم إليكنّ؛ ألا تشرِكن بالله شيئاً. فقلن نعم. فمد يده من خارج البيت ومددنا أيدينا من داخل البيت؛ ثم قال: الَّلهُم اشهدتفسير : . وروى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه حديث : أن النبيّ صلى الله عليه وسلم كان إذا بايع النساء دَعَا بقدح من ماء، فغمس يده فيه ثم أمر النساء فغمسن أيديهن فيه. تفسير : الثانية ـ: رُوي: حديث : أن النبيّ صلى الله عليه وسلم لما قال: «على ألاّ يُشْرِكْنَ بالله شيئاً» قالت هنْد بنت عُتْبة وهي مُنْتَقِبة خوفاً من النبيّ صلى الله عليه وسلم أن يعرفها لِمَا صنعته بحَمْزَةَ يوم أُحُد: والله إنك لتأخذ علينا أمراً ما رأيتك أخذته على الرجال ـ وكان بايع الرجال يومئذ على الإسلام والجهاد فقط ـ فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم: «ولا يَسْرِقن» فقالت هند: إن أبا سفيان رجل شَحيح وإني أصيب من ماله قُوتَنَا. فقال أبو سفيان: هو لك حلال. فضحك النبيّ صلى الله عليه وسلم وعَرَفها وقال: «أنت هند»؟ فقالت: عفا الله عما سلف. ثم قال: «ولا يزنين» فقالت هند: أو تَزْنِي الحرّة! ثم قال: «ولا يقتلن أولادهن» أي لا يَئِدْنَ الْمَوْءُدَات ولا يُسقطن الأجِنّة. فقالت هند: رَبّيناهم صِغاراً وقتلتهم كباراً يوم بدر، فأنتم وهم أبصرتفسير : . وروى مقاتل أنها قالت: ربيناهم صغاراً وقتلتموهم كباراً، وأنتم وهم أعلم. فضحك عمر بن الخطاب حتى استلقى. وكان حنظلة بن أبي سفيان وهو بِكْرُها قُتِل يوم بَدْر. ثم قال: {وَلاَ يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلاَ يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ}. قيل: معنى {بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ} ألسنتهنّ بالنَّمِيمة. ومعنى بين {أَرْجُلِهِنَّ} فروجهن. وقيل: ما كان بين أيديهن من قُبْلة أو جَسّة، وبين أرجلهن الجماع. وقيل: المعنى لا يُلْحِقن برجالهن ولداً من غيرهم. وهذا قول الجمهور. وكانت المرأة تلتقط ولداً فَتُلْحقه بزوجها وتقول: هذا ولدي منك. فكان هذا من البهتان والافتراء. وقيل: ما بين يديها ورجليها كناية عن الولد؛ لأن بطنها الذي تحمل فيه الولد بين يديها، وفرجها الذي تلد منه بين رجليها. وهذا عام في الإتيان بولد وإلحاقه بالزوج وإن سبق النهي عن الزِّنى. وروي أن هند لما سمعت ذلك قالت: والله إن البهتان لأمر قبيح؛ ما تأمر إلا بالأرشد ومكارِم الأخلاق!. ثم قال: {وَلاَ يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ} قال قتادة: لا يَنُحْنَ. ولا تخلُو امرأة منهنّ إلا بذي مَحْرَم. وقال سعيد بن المسَيّب ومحمد بن السائب وزيد بن أسلم: هو ألاّ يَخْمِشْنَ وجهاً، ولا يَشْقُقْنَ جَيْباً، ولا يَدْعُونَ وَيْلاً ولا يَنْشُرْن شعراً ولا يحدّثن الرجال إلا ذا مَحْرَم. وروت أم عطية عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أن ذلك في الَّنوْح. وهو قول ابن عباس. وروى شَهْر بن حَوْشَب: حديث : عن أمّ سلمة عن النبيّ صلى الله عليه وسلم {وَلاَ يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ} فقال: «هو النَّوْح». وقال مصعب بن نوح: أدركت عجوزاً ممن بايع النبيّ صلى الله عليه وسلم، فحدثتني عنه عليه الصلاة والسلام في قوله {وَلاَ يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ} فقال: «النّوح»تفسير : . وفي صحيح مسلم: حديث : عن أم عطية لما نزلت هذه الآية {يُبَايِعْنَكَ عَلَىٰ أَن لاَّ يُشْرِكْنَ بِٱللَّهِ شَيْئاً} ـ إلى قوله ـ {وَلاَ يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ} قال: «كان منه النياحة» قالت: فقلت يا رسول الله، إلاّ آل فلان فإنهم كانوا أسعدوني في الجاهلية؛ فلا بُدّ لي من أن أُسْعِدهم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إلا آل فلان»تفسير : . وعنها قالت: أخذ علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم مع البيعة ألاّ نَنُوح؛ فما وَفَت منا امرأة إلا خمس: أمّ سُليم، وأمّ العلاء، وابنةُ أبي سَبْرة امرأة معاذ أو ابنة أبي سبرة، وامرأة معاذ. وقيل: إن المعروف ها هنا الطاعة لله ولرسوله؛ قاله ميمون بن مِهران. وقال بكر بن عبد الله المُزَنِيّ: لا يعصِينك في كل أمر فيه رشدهنّ. الكلبيّ: هو عام في كل معروف أمر الله عز وجل ورسولهُ به. فروي أن هندا قالت عند ذلك: ما جلسنا في مجلسنا هذا وفي أنفسنا أن نعصيك في شيء. الثالثة ـ: ذكر الله عز وجلّ ورسولهُ عليه الصلاة والسلام في صفة البيعة خصالا شَتى؛ صُرّح فيهنّ بأركان النهي في الدِّين ولم يذكر أركان الأمر. وهي ستة أيضاً: الشهادة، والصلاة، والزكاة، والصيام، والحج، والاغتسال من الجنابة. وذلك لأن النهي دائم في كل الأزمان وكل الأحوال؛ فكان التنبيه على اشتراط الدائم آكد. وقيل: إن هذه المناهي كان في النساء كثير من يرتكبها ولا يحجزهنّ عنها شرف النسب، فَخُصَّت بالذكر لهذا. ونحوٌ منه. قوله عليه الصلاة والسلام لِوفْد عبد القيس: «حديث : وأنهاكم عن الدُّباء والحَنْتَم والنَّقِير والمُزَفَّت» تفسير : فنبههم على ترك المعصية في شرب الخمر دون سائر المعاصي، لأنها كانت شهوتهم وعادتهم، وإذا ترك المرء شهوته من المعاصي هان عليه ترك سائرها مما لا شهوة له فيها. الرابعة ـ: لما حديث : قال النبيّ صلى الله عليه وسلم في البيعة:«ولا يَسْرِقن» قالت هند: يا رسول الله، إن أبا سفيان رجل مَسِيك فهل عليّ حرج أن آخذ ما يكفيني وولدي؟ قال: «لا إلاّ بالمعروف» فخشِيتْ هند أن تقتصر على ما يعطيها فتضيع، أو تأخذ أكثر من ذلك فتكون سارقة ناكثة للبيعة المذكورة. فقال لها النبيّ صلى الله عليه وسلم: «لا» تفسير : أي لا حرج عليك فيما أخذت بالمعروف، يعني من غير استطالة إلى أكثر من الحاجة. قال ابن العربيّ: وهذا إنما هو فيما لايَخْزُنه عنها في حجاب ولا يضبط عليه بقُفْل، فإنه إذا هتكته الزوجة وأخذت منه كانت سارقة تعصى به وتقطع يدها. الخامسة ـ: قال عُبادة بن الصّامت: أخذ علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم كما أخذ على النساء: «حديث : ألاّ تشركوا بالله شيئاً ولا تسرقوا ولا تزنوا ولا تقتلوا أولادكم ولا يَعْضَهْ بعضُكم بعضاً ولا تَعصُوا في معروف أمركم به»تفسير : . معنى «يَعْضَه» يسحر. والعَضْه: السِّحر. ولهذا قال ابن بحر وغيره في قوله تعالى: {وَلاَ يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ} إنه السحر. وقال الضحاك: هذا نهي عن البهتان، أي لا يَعْضَهْن رجلاً ولا امرأة. {بِبُهْتَانٍ} أي بسحر. والله أعلم. {يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ} والجمهور على أن معنى «بِبُهْتَانٍ» «بولد يفترينه بين أيديهن» ماأخذَتْه لقيطاً. {وَأَرْجُلِهِنَّ} ما ولدته من زنى. وقد تقدّم. السادسة ـ: قوله تعالى: {وَلاَ يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ} في البخاري عن ابن عباس في قوله تعالى: {وَلاَ يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ} قال: إنما هو شرط شرطه الله للنساء. واختلف في معناه على ما ذكرنا. والصحيح أنه عام في جميع ما يأمر به النبيّ صلى الله عليه وسلم وينهى عنه؛ فيدخل فيه النَّوْح وتخريق الثياب وجَزّ الشعر والخَلْوة بغير مَحْرَم إلى غير ذلك. وهذه كلها كبائر ومن أفعال الجاهلية. وفي صحيح مسلم عن أبي مالك الأشعريّ: أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : أربع في أمّتي من أمر الجاهلية» تفسير : فذكر منها النياحة. وروى يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : هذه النوائح يُجعلن يوم القيامة صفّين صفَّاً عن اليمين وصفاً عن اليسار ينبحن كما تنبح الكلاب في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة ثم يؤمر بهن إلى النار»تفسير : . وعنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : لاتصلي الملائكة على نائحة ولا مُرِنّة»تفسير : . وروي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه سمع نائحة فأتاها فضربها بالدرّة حتى وقع خِمارها عن رأسها. فقيل: يا أمير المؤمنين، المرأة المرأة! قد وقع خمارها. فقال: إنها لا حُرمة لها. أسند جميعه الثعلبي رحمه الله. أما تخصيص قوله: «في مَعْرُوفٍ» مع قوّة قوله: «ولا يَعْصِينَكَ» ففيه قولان: أحدهما ـ أنه تفسير للمعنى على التأكيد؛ كما قال تعالى: {أية : قَالَ رَبِّ ٱحْكُم بِٱلْحَقِّ} تفسير : [الأنبياء:112] لأنه لو قال احكم لكفى. الثاني ـ إنما شرط المعروف في بَيْعة النبيّ صلى الله عليه وسلم حتى يكون تنبيهاً على أن غيره أولى بذلك وألزم له وأنفى للإشكال. السابعة ـ: حديث : روى البخاريّ عن عبادة بن الصامت قال: كنا عند النبيّ صلى الله عليه وسلم فقال:«أتبايعوني على ألاّ تشركوا بالله شيئاً ولا تزنوا ولا تسرقوا» قرأ آية النساء. وأكثر لفظ سفيان قرأ في الآية «فمن وَفَى منكم فأجره على الله ومن أصاب من ذلك شيئاً فعوقب فهو كفارة له ومن أصاب من ذلك شيئاً فستره الله فهو إلى الله إن شاء عذبه وإن شاء غفر له منها»تفسير : . وفي الصحيحين حديث : عن ابن عباس قال: شهدت الصلاة يوم الفطر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر وعثمان؛ فكلهم يصليها قبل الخطبة ثم يخطب؛ فنزل نبيّ الله صلى الله عليه وسلم فكأني أنظر إليه حين يجلِّس الرجال بيده، ثم أقبل يشقهم حتى أتى النساء مع بلال فقال: {يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ إِذَا جَآءَكَ ٱلْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَىٰ أَن لاَّ يُشْرِكْنَ بِٱللَّهِ شَيْئاً وَلاَ يَسْرِقْنَ وَلاَ يَزْنِينَ وَلاَ يَقْتُلْنَ أَوْلاَدَهُنَّ وَلاَ يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ} ـ حتى فرغ من الآية كلها، ثم قال حين فرغ ـ: «أنتن على ذلك»؟ فقالت امرأة واحدة لم يجبه غيرها: نعم يا رسول الله؛ لا يَدْري الحسن من هي. قال: «فتصدّقن» وبسط بلال ثوبه فجعلن يُلقِين الفَتَخ والخواتيم في ثوب بلالتفسير : . لفظ البخاريّ. الثامنة ـ: قال المهدَوِيّ: أجمع المسلمون على أنه ليس للإمام أن يشترط عليهن هذا؛ والأمر بذلك ندب لا إلزام. وقال بعض أهل النظر: إذا احتيج إلى المحنة من أجل تباعد الدار كان على إمام المسلمين إقامة المحنة.

ابن كثير

تفسير : قال البخاري: حدثنا إسحاق، حدثنا يعقوب بن إبراهيم، حدثنا ابن أخي ابن شهاب عن عمه قال: أخبرني عروة: أن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم أخبرته: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يمتحن من هاجر إليه من المؤمنات بهذه الآية: {يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ إِذَا جَآءَكَ ٱلْمُؤْمِنَـٰتُ يُبَايِعْنَكَ} ــــ إلى قوله ــــ {غَفُورٌ رَّحِيمٌ} قال عروة: قالت عائشة: فمن أقر بهذا الشرط من المؤمنات، قال لها رسول الله: «حديث : قد بايعتك» تفسير : كلاماً، ولا والله ما مست يده يد امرأة في المبايعة قط، وما يبايعهن إلا بقوله: «حديث : قد بايعتك على ذلك» تفسير : هذا لفظ البخاري. وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، حدثنا سفيان عن محمد بن المنكدر عن أميمة بنت رقيقة قالت: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في نساء لنبايعه، فأخذ علينا ما في القرآن: أن لا نشرك بالله شيئاً، الآية، وقال: «حديث : فيما استطعتن وأطقتن» تفسير : قلنا: الله ورسوله أرحم بنا من أنفسنا، قلنا: يا رسول الله ألا تصافحنا؟ قال: «حديث : إني لا أصافح النساء، إنما قولي لامرأة واحدة كقولي لمائة امرأة»تفسير : . هذا إسناد صحيح. وقد رواه الترمذي والنسائي وابن ماجه من حديث سفيان بن عيينة، والنسائي أيضاً من حديث الثوري ومالك بن أنس، كلهم عن محمد بن المنكدر، به. وقال الترمذي: حسن صحيح، لا نعرفه إلا من حديث محمد بن المنكدر. وقد رواه أحمد أيضاً من حديث محمد بن إسحاق عن محمد بن المنكدر عن أميمة به وزاد: ولم يصافح منا امرأة، وكذا رواه ابن جرير من طريق موسى بن عقبة عن محمد بن المنكدر به. ورواه ابن أبي حاتم من حديث أبي جعفر الرازي عن محمد بن المنكدر: حدثتني أميمة بنت رقيقة، وكانت أخت خديجة، خالة فاطمة، من فيها إلى فيَّ، فذكره. وقال الإمام أحمد: حدثنا يعقوب، حدثنا أبي عن ابن إسحاق، حدثني سليط بن أيوب بن الحكم بن سليم عن أمه سلمى بنت قيس، وكانت إحدى خالات رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد صلت معه القبلتين، وكانت إحدى نساء بني عدي بن النجار قالت: جئت رسول الله صلى الله عليه وسلم نبايعه في نسوة من الأنصار، فلما شرط علينا ألا نشرك بالله شيئاً ولا نسرق ولا نزني، ولا نقتل أولادنا، ولا نأتي ببهتان نفتريه بين أيدينا وأرجلنا، ولا نعصيه في معروف قال: «حديث : ولا تغششن أزواجكن» تفسير : قالت: فبايعناه ثم انصرفنا، فقلت لامرأة منهن: ارجعي فسلي رسول الله صلى الله عليه وسلم ما غش أزواجنا؟ قالت: فسألته فقال: «حديث : تأخذ ماله فتحابي به غيره»تفسير : وقال الإمام أحمد: حدثنا إبراهيم بن أبي العباس، حدثنا عبد الرحمن بن عثمان بن إبراهيم بن محمد ابن حاطب، حدثني أبي عن أمه عائشة بنت قدامة، يعني: ابن مظعون، قالت: أنا مع أمي رائطة بنة سفيان الخزاعية، والنبي صلى الله عليه وسلم يبايع النسوة ويقول: «حديث : أبايعكن على أن لا تشركن بالله شيئاً، ولا تسرقن، ولا تزنين، ولا تقتلن أولادكن، ولا تأتين ببهتان تفترينه بين أيديكن وأرجلكن، ولا تعصينني في معروف ــــ قلن: نعم ــــ فيما استطعتن» تفسير : فكن يقلن، وأقول معهن، وأمي تقول لي: أي بنية نعم، فكنت أقول كما يقلن. وقال البخاري: حدثنا أبو معمر، حدثنا عبد الوارث، حدثنا أيوب عن حفصة بنت سيرين عن أم عطية قالت: بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقرأ علينا: {أَن لاَّ يُشْرِكْنَ بِٱللَّهِ شَيْئاً} ونهانا عن النياحة، فقبضت امرأة يدها، قالت: أسعدتني فلانة، فأريد أن أجزيها، فما قال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئاً، فانطلقت ورجعت فبايعها، ورواه مسلم. وفي رواية: فما وفى منهن امرأة غيرها وغير أم سليم بنت ملحان. وللبخاري عن أم عطية قالت: أخذ علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم عند البيعة: أن لا ننوح، فما وفت منا امرأة غير خمسة نسوة: أم سليم وأم العلاء وابنة أبي سبرة امرأة معاذ وامرأتان، أو ابنة أبي سبرة وامرأة معاذ وامرأة أخرى. وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتعاهد النساء بهذه البيعة يوم العيد، كما قال البخاري: حدثنا محمد بن عبد الرحيم، حدثنا هارون بن معروف، حدثنا عبد الله بن وهب، أخبرني ابن جريج: أن الحسن بن مسلم أخبره عن طاوس عن ابن عباس قال: شهدت الصلاة يوم الفطر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر وعثمان، فكلهم يصليها قبل الخطبة، ثم يخطب بعد، فنزل نبي الله صلى الله عليه وسلم فكأني أنظر إليه حين يجلس الرجال بيده، ثم أقبل يشقهم حتى أتى النساء مع بلال فقال: {يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ إِذَا جَآءَكَ ٱلْمُؤْمِنَـٰتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَىٰ أَن لاَّ يُشْرِكْنَ بِٱللَّهِ شَيْئاً وَلاَ يَسْرِقْنَ وَلاَ يَزْنِينَ وَلاَ يَقْتُلْنَ أَوْلْـٰدَهُنَّ وَلاَ يَأْتِينَ بِبُهُتَـٰنٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلاَ يَعْصِينَكَ فِى مَعْرُوفٍ} حتى فرغ من الآية كلها، ثم قال حين فرغ: «حديث : أنتن على ذلك؟» تفسير : فقالت امرأة واحدة، ولم يجبه غيرها: نعم يا رسول الله لا يدري الحسن من هي؟ قال: «حديث : فتصدقن» تفسير : قال: وبسط بلال ثوبه، فجعلن يلقين الفتخ والخواتيم في ثوب بلال. وقال الإمام أحمد: حدثنا خلف بن الوليد، حدثنا ابن عياش عن سليمان بن سليم عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: جاءت أميمة بنت رقيقة إلى رسول الله تبايعه على الإسلام فقال: «حديث : أبايعك على أن لا تشركي بالله شيئاً، ولا تسرقي، ولا تزني، ولا تقتلي ولدك، ولا تأتي ببهتان تفترينه بين يديك ورجليك، ولا تنوحي، ولا تبرجي تبرج الجاهلية الأولى»تفسير : . وقال الإمام أحمد: حدثنا سفيان عن الزهري عن أبي إدريس الخولاني عن عبادة بن الصامت قال: كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم في مجلس فقال: حديث : تبايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئاً ولا تسرقوا ولا تزنوا ولا تقتلوا أولادكم ــــ قرأ الآية التي أخذت على النساء: {إِذَا جَآءَكَ ٱلْمُؤْمِنَـٰتُ} ــــ فمن وفى منكم، فأجره على الله، ومن أصاب من ذلك شيئاً، فعوقب به، فهو كفارة له، ومن أصاب من ذلك شيئاً، فستره الله عليه، فهو إلى الله، إن شاء غفر له، وإن شاء عذبه» تفسير : أخرجاه في الصحيحين. وقال محمد بن إسحاق، عن يزيد بن أبي حبيب، عن مرثد بن عبد الله اليزني، عن أبي عبد الله عبد الرحمن بن عسيلة الصنابجي، عن عبادة بن الصامت قال: كنت فيمن حضر العقبة الأولى، وكنا اثني عشر رجلاً، فبايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على بيعة النساء، وذلك قبل أن يفرض الحرب: على أن لا نشرك بالله شيئاً، ولا نسرق، ولا نزني، ولا نقتل أولادنا، ولا نأتي ببهتان نفتريه بين أيدينا وأرجلنا، ولانعصيه في معروف، وقال: «حديث : فإن وفيتم، فلكم الجنة» تفسير : رواه ابن أبي حاتم، وقد روى ابن جرير من طريق العوفي، عن ابن عباس: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر عمر بن الخطاب فقال: «حديث : قل لهن: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يبايعكن على أن لا تشركن بالله شيئاً» تفسير : وكانت هند بنت عتبة بن ربيعة التي شقت بطن حمزة متنكرة في النساء، فقالت: إني إن أتكلم يعرفني، وإن عرفني قتلني، وإنما تنكرت فرقاً من رسول الله صلى الله عليه وسلم فسكت النسوة اللاتي مع هند، وأبين أن يتكلمن، فقالت هند وهي متنكرة: كيف تقبل من النساء شيئاً لم تقبله من الرجال؟. ففطن إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال لعمر: «حديث : قل لهن: ولا يسرقن» تفسير : قالت هند: والله إني لأصيب من أبي سفيان الهنات، ما أدري أيحلهن لي أم لا؟ قال أبو سفيان: ما أصبت من شيء مضى أو قد بقي، فهو لك حلال، فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم وعرفها، فدعاها، فأخذت بيده فعاذت به فقال: «حديث : أنت هند؟» تفسير : قالت: عفا الله عما سلف، فصرف عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «حديث : ولا يزنين» تفسير : فقالت: يا رسول الله وهل تزني امرأة حرة؟ قال: «حديث : لا والله ما تزني الحرة ــــ قال ــــ ولا يقتلن أولادهن» تفسير : قالت هند: أنت قتلتهم يوم بدر، فأنت وهم أبصر، قال: {وَلاَ يَأْتِينَ بِبُهُتَـٰنٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ} قال: {وَلاَ يَعْصِينَكَ فِى مَعْرُوفٍ} قال: منعهن أن ينحن، وكان أهل الجاهلية يمزقن الثياب، ويخدشن الوجوه، ويقطعن الشعور، ويدعون بالثبور. والثبور: الويل. وهذا أثر غريب، وفي بعضه نكارة، والله أعلم، فإن أبا سفيان وامرأته لما أسلما، لم يكن رسول الله يخيفهما، بل أظهر الصفاء والود لهما، وكذلك كان الأمر من جانبه عليه السلام لهما. وقال مقاتل بن حيان: أنزلت هذه الآية يوم الفتح، بايع رسول الله صلى الله عليه وسلم الرجال على الصفا، وعمر بايع النساء تحتها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر بقيته كما تقدم، وزاد: فلما قال: {وَلاَ يَقْتُلْنَ أَوْلاَدَهُنَّ} قالت هند: ربيناهم صغاراً، فقتلتموهم كباراً، فضحك عمر بن الخطاب حتى استلقى. رواه ابن أبي حاتم. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا نصر بن علي، حدثتني غبطة بنت سليمان، حدثتني عمتي، عن جدتها، عن عائشة قالت: جاءت هند بنت عتبة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لتبايعه، فنظر إلى يدها، فقال: «حديث : اذهبي فغيري يدك» تفسير : فذهبت فغيرتها بحناء، ثم جاءت فقال: «حديث : أبايعك على أن لا تشركي بالله شيئاً» تفسير : فبايعها، وفي يدها سواران من ذهب، فقالت: ما تقول في هذين السوارين؟ فقال: «حديث : جمرتان من جمر جهنم»تفسير : وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا ابن فضيل عن حصين عن عامر هو الشعبي قال: بايع رسول الله صلى الله عليه وسلم النساء، وفي يده ثوب قد وضعه على كفه، ثم قال: «حديث : ولا تقتلن أولادكن» تفسير : فقالت امرأة: تقتل آباءهم وتوصينا بأولادهم؟ قال: وكان بعد ذلك إذا جاءه النساء يبايعنه، جمعهن فعرض عليهن، فإذا أقررن، رجعن. فقوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ إِذَا جَآءَكَ ٱلْمُؤْمِنَـٰتُ يُبَايِعْنَكَ} أي: من جاءك منهن يبايع على هذه الشروط، فبايعها {عَلَىٰ أَن لاَّ يُشْرِكْنَ بِٱللَّهِ شَيْئاً وَلاَ يَسْرِقْنَ} أموال الناس الأجانب، فأما إذا كان الزوج مقصراً في نفقتها، فلها أن تأكل من ماله بالمعروف، ما جرت به عادة أمثالها، وإن كان من غير علمه، عملاً بحديث هند بنت عتبة أنها قالت: يا رسول الله إن أبا سفيان رجل شحيح، لا يعطيني من النفقة ما يكفيني ويكفي بني، فهل عليَّ جناح إن أخذت من ماله بغير علمه؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : خذي من ماله بالمعروف ما يكفيك ويكفي بنيك» تفسير : أخرجاه في الصحيحين. وقوله تعالى: {وَلاَ يَزْنِينَ} كقوله تعالى: {أية : وَلاَ تَقْرَبُواْ ٱلزِّنَىٰ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَآءَ سَبِيلاً} تفسير : [الإسراء: 32] وفي حديث سمرة: ذكر عقوبة الزناة بالعذاب الأليم في نار الجحيم. وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة قالت: جاءت فاطمة بنت عتبة تبايع رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذ عليها {أَن لاَّ يُشْرِكْنَ بِٱللَّهِ شَيْئاً وَلاَ يَسْرِقْنَ وَلاَ يَزْنِينَ} الآية، قال: فوضعت يدها على رأسها حياء، فأعجبه ما رأى منها، فقالت عائشة: أقري أيتها المرأة، فوالله ما بايعنا إلا على هذا، قالت: فنعم إذاً، فبايعها بالآية. وقوله تعالى: {وَلاَ يَقْتُلْنَ أَوْلْـٰدَهُنَّ} وهذا يشمل قتله بعد وجوده كما كان أهل الجاهلية يقتلون أولادهم خشية الإملاق، ويعم قتله وهو جنين، كما قد يفعله بعض الجهلة من النساء؛ تطرح نفسها لئلا تحبل، إما لغرض فاسد، أو ما أشبهه. وقوله تعالى: {وَلاَ يَأْتِينَ بِبُهُتَـٰنٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ} قال ابن عباس: يعني: لا يلحقن بأزواجهن غير أولادهم، وكذا قال مقاتل. ويؤيد هذا الحديث الذي رواه أبو داود: حدثنا أحمد بن صالح، حدثنا ابن وهب، حدثنا عمرو، يعني: ابن الحارث، عن ابن الهاد عن عبد الله بن يونس عن سعيد المقبري عن أبي هريرة: أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول حين نزلت آية الملاعنة: «حديث : أيما امرأة أدخلت على قوم من ليس منهم، فليست من الله في شيء، ولن يدخلها الله الجنة، وأيما رجل جحد ولده، وهو ينظر إليه، احتجب الله منه، وفضحه على رؤوس الأولين والآخرين» تفسير : وقوله تعالى: {وَلاَ يَعْصِينَكَ فِى مَعْرُوفٍ} يعني: فما أمرتهن به من معروف، ونهيتهن عنه من منكر. قال البخاري: حدثنا عبد الله بن محمد، حدثنا وهب بن جرير، حدثنا أبي قال: سمعت الزبير عن عكرمة عن ابن عباس في قوله تعالى: {وَلاَ يَعْصِينَكَ فِى مَعْرُوفٍ} قال: إنما هو شرط شرطه الله للنساء. وقال ميمون بن مهران: لم يجعل الله طاعة لنبيه إلا في المعروف، والمعروف طاعة. وقال ابن زيد: أمر الله بطاعة رسوله، وهو خيرة الله من خلقه، في المعروف. وقد قال غيره عن ابن عباس وأنس بن مالك وسالم بن أبي الجعد وأبي صالح وغير واحد: نهاهن يومئذ عن النوح، وقد تقدم حديث أم عطية في ذلك أيضاً. وقال ابن جرير: حدثنا بشر، حدثنا يزيد، حدثنا سعيد عن قتادة في هذه الآية: ذكر لناأن النبي صلى الله عليه وسلم أخذ عليهن النياحة، ولا تحدثن الرجال إلا رجلاً منكن محرماً، فقال عبد الرحمن بن عوف: يا رسول الله إن لنا أضيافاً، وإنا نغيب عن نسائنا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : ليس أولئك عنيت، ليس أولئك عنيت» تفسير : وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا إبراهيم بن موسى الفراء، أخبرنا ابن أبي زائدة، حدثني مبارك عن الحسن قال: كان فيما أخذ النبي صلى الله عليه وسلم ألا تحدثن الرجال إلا أن تكون ذات محرم، فإن الرجل لا يزال يحدث المرأة حتى يمذي بين فخذيه. وقال ابن جرير: حدثنا ابن حميد، حدثنا هارون عن عمرو عن عاصم عن ابن سيرين عن أم عطية الأنصارية قالت: كان فيما اشترط علينا رسول الله من المعروف حين بايعناه أن لا ننوح، فقالت امرأة من بني فلان: إن بني فلان أسعدوني، فلا حتى أجزيهم، فانطلقت، فأسعدتهم، ثم جاءت فبايعت، قالت: فما وفى منهن غيرها، وغير أم سليم بنت ملحان أم أنس بن مالك. وقد روى البخاري هذا الحديث من طريق حفصة بنت سيرين عن أم عطية نسيبة الأنصارية رضي الله عنها. وقد روى نحوه من وجه آخر أيضاً، قال: حدثنا ابن جرير، حدثنا أبو كريب، حدثنا أبو نعيم، حدثنا عمر بن فروخ القتات، حدثني مصعب بن نوح الأنصاري قال: أدركت عجوزاً لنا كانت فيمن بايع رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت: فأتيته لأبايعه، فأخذ علينا فيما أخذ: أن لا تنحن، فقالت عجوز: يا رسول الله، إن أناساً قد كانوا أسعدوني على مصائب أصابتني، وإنهم قد أصابتهم مصيبة، فأنا أريد أن أسعدهم، قال: «حديث : فانطلقي فكافئيهم» تفسير : فانطلقت فكافأتهم، ثم إنها أتته فبايعته، وقال: هو المعروف الذي قال الله عز وجل: {وَلاَ يَعْصِينَكَ فِى مَعْرُوفٍ} وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن منصور الرمادي، حدثنا القَعنبي، حدثنا الحجاج بن صفوان عن أسيد بن أبي أسيد البراد عن امرأة من المبايعات قالت: كان فيما أخذ علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا نعصيه في معروف: أن لا نخمش وجهاً، ولا ننشر شعراً، ولا نشق جيباً، ولا ندعو ويلاً. وقال ابن جرير: حدثنا أبو كريب، حدثنا وكيع، عن يزيد مولى الصهباء، عن شهر بن حوشب، عن أم سلمة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في قول الله تعالى: {وَلاَ يَعْصِينَكَ فِى مَعْرُوفٍ} قال: "النوح"، ورواه الترمذي في التفسير، عن عبد بن حميد، عن أبي نعيم وابن ماجه، عن أبي بكر بن أبي شيبة عن وكيع، كلاهما عن يزيد بن عبد الله الشيباني مولى الصهباء، به. وقال الترمذي: حسن غريب. وقال ابن جرير: حدثنا محمد بن سنان القزاز، حدثنا إسحاق بن إدريس، حدثنا إسحاق ابن عثمان أبو يعقوب، حدثني إسماعيل بن عبد الرحمن بن عطية عن جدته أم عطية، قالت: لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم جمع نساء الأنصار في بيت، ثم أرسل إلينا عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، فقام على الباب، وسلم علينا، فرددن، أو: فرددنا عليه السلام، ثم قال: أنا رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم إليكن، قالت: فقلنا: مرحباً برسول الله، وبرسول رسول الله، فقال: "تبايعن على أن لا تشركن بالله شيئاً ولا تسرقن ولا تزنين؟" قالت: فقلنا: نعم، قالت: فمد يده من خارج الباب، أو: البيت، ومددنا أيدينا من داخل البيت، ثم قال: اللهم اشهد، قالت، وأمرنا في العيدين أن نخرج فيه الحيض والعواتق، ولا جمعة علينا، ونهانا عن اتباع الجنائز. قال إسماعيل: فسألت جدتي عن قوله تعالى: {وَلاَ يَعْصِينَكَ فِى مَعْرُوفٍ} قالت: النياحة. وفي الصحيحين من طريق الأعمش عن عبد الله بن مرة، عن مسروق عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : ليس منا من ضرب الخدود، وشق الجيوب، ودعا بدعوى الجاهلية» تفسير : وفي الصحيحين أيضاً عن أبي موسى: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم برىء من الصالقة والحالقة والشاقة. وقال الحافظ أيو يعلى: حدثنا هُدبة بن خالد، حدثنا أبان بن يزيد، حدثنا يحيى بن أبي كثير: أن زيداً حدثه: أن أبا سلام حدثه: أن أبا مالك الأشعري حدثه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : أربع في أمتي من أمر الجاهلية لا يتركونهن: الفخر في الأحساب، والطعن في الأنساب، والاستسقاء بالنجوم، والنياحة على الميت ــــ وقال ــــ النائحة إذا لم تتب قبل موتها، تقام يوم القيامة وعليها سربال من قطران، ودرع من جرب»تفسير : ورواه مسلم في صحيحه منفرداً به، من حديث أبان بن يزيد العطار، به. وعن أبي سعيد: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لعن النائحة والمستمعة. رواه أبو داود.

المحلي و السيوطي

تفسير : { يَـٰأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ إِذَا جَاءَكَ ٱلْمُؤْمِنَٰتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَىٰ أَن لاَّ يُشْرِكْنَ بِٱللَّهِ شَيْئاً وَلاَ يَسْرِقْنَ وَلاَ يَزْنِينَ وَلاَ يَقْتُلْنَ أَوْلْٰدَهُنَّ } كما كان يفعل في الجاهلية من وأد البنات، أي دفنهن أحياء خوف العار والفقر {وَلاَ يَأْتِينَ بِبُهُتَٰنٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ } أي بولد ملقوط ينسبنه إلى الزوج وَصَفَهُ بصفة الولد الحقيقي، فإن الأم إذا وضعته سقط بين يديها ورجليها {وَلاَ يَعْصِينَكَ فِى } فعل {مَعْرُوفٍ } هو ما وافق طاعة الله كترك النياحة وتمزيق الثياب وجزّ الشعور وشق الجيب وخمش الوجه {فَبَايِعْهُنَّ } فعل ذلك صلى الله عليه وسلم بالقول ولم يصافح واحدة منهنّ {وَٱسْتَغْفِرْ لَهُنَّ ٱللَّهَ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ }.

الماوردي

تفسير : { يأيها النبي إذا جاءك المؤمنات يبايعنك على أن لا يشركن بالله شيئاً} وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم لما دخل مكة عام الفتح وبايعة الرجال جاءت النساء بعدهم للبيعة فبايعهن. واختلف في بيعته لهن على ثلاثة أقاويل: أحدها: أنه جلس على الصفا [ومعه عمر أسفل منه] فأمره أن يبايع النساء، قاله مقاتل. الثاني: أنه أمر أميمة أخت خديجة خالة فاطمة بنت رسول الله بعد أن بايعته، أن تبايع النساء عنه، قاله محمد بن المنكدر عن أميمة. الثالث: أنه بايعهن بنفسه وعلى يده ثوب قد وضعه على كفه، قاله عامر الشعبي. وقيل بل وضع قعباً فيه ماء وغمس فيه يده وأمرهن فغمسن أيديهن، فكانت هذه بيعة النساء. فإن قيل فما معنى بيعتهن ولسن من أهل الجهاد فتؤخذ عليهن البيعة كالرجال؟ قيل: كانت بيعته لهن تعريفاً لهن بما عليهن من حقوق الله تعالى وحقوق أزواجهن لأنهن دخلن في الشرع ولم يعرفن حكمه فبينه لهن، وكان أول ما أخذه عليهن أن لا يشركن بالله شيئاً توحيداً له ومنعاً لعبادة غيره. {ولا يسرقن} فروى أن هند بنت عتبة كانت متنكرة عند أخذ البيعة على النساء خيفة من رسول الله صلى الله عليه وسلم لما صنعته بحمزة وأكلها كبده، فقالت حين سمعته في أخذ البيعة عليهن يقول: {لا يسرقن} والله إني لا أصيب من أبي سفيان إلا قوتنا ما أدري أيحل لي أم لا، فقال أبو سفيان: ما أصبت مما مضى أو قد بقي فهو لك حلال، فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم وعرفها فقال: "أنت هند"؟ فقالت عفا اللَّه عما سلف. ثم قال: {ولا يزنين} فقالت هند يا رسول الله أو تزني الحرة؟ ثم قال: {ولا يقتلن أولادهن} لأن العرب كانت تئد البنات، فقالت هند: أنت قتلتهم يوم بدر، وأنت وهم أبصر. وروى مقاتل أنها قالت: ربيناهم صغاراً وقتلتوهم كباراً فأنتم وهم أعلم، فضحك عمر بن الخطاب حتى استلقى. {ولا يأتين ببهتان يفترينه بين أيديهن وأرجلهن} فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: أنه السحر، قاله ابن بحر. الثاني: المشي بالنميمة والسعي في الفساد. والثالث: وهو قول الجمهور ألا يلحقن بأزواجهن غير أولادهن لأن الزوجة كانت تلتقط ولداً وتلحقه بزوجها ولداً، ومعنى {يفترينه بين أيديهن} ما أخذته لقيطاً، {وأرجلهن} ما ولدته من زنى، وروي أن هنداً لما سمعت ذلك قالت: والله إن البهتان لأمر قبيح، وما تأمر إلا بالأرشد ومكارم الأخلاق. ثم قال: {ولا يعصينك في معروف} فيه أربعة أوجه: أحدها: أن المعروف ها هنا الطاعة لله ولرسوله، قاله ميمون بن مهران. الثاني: ما رواه شهر بن حوشب عن أم سلمة عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا يعصينك في معروف قال: هو النوح. الثالث: أن من المعروف ألا تخمش وجهها ولا تنشر شعرها ولا تشق جيباً ولا تدعو ويلاً، قاله أسيد بن أبي أسيد. الرابع: أنه عام في كل معروف أمر الله ورسوله به، قاله الكلبي. فروي أن هنداً قالت عند ذلك: ما جلسنا في مجلسنا هذا وفي أنفسنا أن نعطيك من شيء وهذا دليل على أن طاعة الولاة إنما تلزم في المعروف المباح دون المنكر المحظور.

ابن عطية

تفسير : هذه بيعة النساء في ثاني يوم الفتح على جبل الصفا وهي كانت في المعنى بيعة الرجال قبل فرض القتال، وسماهم {المؤمنات} بحسب الظاهر من أمرهن، ورفض الاشتراك هو محض الإيمان، وقتل الأولاد وهو من خوف الفقر، وكانت العرب تفعل ذلك. وقرأ الحسن وأبو عبد الرحمن: "يُقَتِّلن" بضم الياء وفتح القاف وكسر التاء المشددة، و "الإتيان بالبهتان"، قال أكثر المفسرين معناه أن تنسب إلى زوجها ولداً ليس هو له واللفظ أعم من هذا التخصيص، فإن الفرية بالقول على أحد من الناس بعضيهة لمن هذا، وإن الكذب فيما ائتمن فيه من الحمل والحيض لفرية بهتان، وبعض أقوى من بعض وذلك أن بعض الناس قال {بين أيديهن} يراد به اللسان والفم في الكلام والقبلة ونحوه، "وبين الأرجل" يراد به الفروج وولد الإلحاق ونحوه، والمعروف الذي نهي عن العصيان فيه، قال أنس وابن عباس، وزيد بن أسلم: هو النوح، وشق الجيوب ووشم الوجوه ووصل الشعر وغير ذلك من أوامر الشريعة، فرضها وندبها. ويروىحديث : أن جماعة نساء فيهن هند بنت عتبة بايعن رسول الله صلى الله عليه وسلم فقرأ عليهن الآي، فلما قررهن على أن لا يشركن قالت هند: وكيف نطمع أن تقبل منا ما لم تقبله من الرجال؟ بمعنى أن هذا بين لزومه، فلما وقف على السرقة، قالت: والله إني لأصيب الهنة من مال أبي سفيان لا أدري أيحل لي ذلك، فقال أبو سفيان: ذلك لك حلال فيما مضى وبقي، وقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كلي وولدك بالمعروف" . تفسير : وقدر تكرر هذا المعنى في الحديث الآخر قولها إن أبا سفيان رجل مسيك فلما وقف على الزنا قالت: يا رسول الله وهل تزني الحرة؟ قال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا ما تزني الحرة" تفسير : ،وذلك أن الزنا في قريش إنما كان في الإماء في أغلب الأمر، وفيما تعرف مثل هند وإلا فالبغايا قد كن أحراراً، فلما وقف على قتل الأولاد، قالت: نحن ربيناهم صغاراً وقتلتهم أنت ببدر كباراً، فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما وقف على العصيان بالمعروف، قالت: ما جلسنا هذا المجلس وفي أنفسنا أن نعصيك،حديث : ويروى أن جماعة نساء بايعن النبي صلى الله عليه وسلم فقلن: يا رسول الله نبايعك على كذا وكذا الآية، فلما فرغن قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "فيما استطعتن وأطلقتن"" تفسير : ،فقلن الله ورسوله أرحم بنا منا بأنفسنا. وقوله تعالى: {فبايعهن} امض معهن صفقة الإيمان بأن يعطين ذلك من أنفسهن ويعطين عليه الجنة، واختلفت هيئات مبايعة رسول الله صلى الله عليه وسلم النساء بعد الإجماع على أنه لم تمس يده يد امرأة أجنبية قط، فروي عن عائشة وغيرها أنه بايع باللسان قولاً، وقال: "حديث : إنما قولي لمائة امرأة كقولي لامرأة واحدة"تفسير : ، وقالت أسماء بنت يزيد: كنت في النسوة المبايعات فقلت: يا رسول الله ابسط يدك نبايعك، فقال لي عليه السلام: "حديث : إني لا أصافح النساء لكن آخذ عليهن ما أخذ الله عليهن" تفسير : ،وذكر النقاش حديثاً أن النبي صلى الله عليه وسلم مد يده من خارج بيت ومد نساء من الأنصار أيديهن من داخله فبايعهن وما قدمته أثبت، وروي عن الشعبي أنه لف ثوباً كثيفاً قطرياً على يده وجاء نسوة فلمسن يده كذلك، وروي عن الكلبي: أنه قدم عمر بن الخطاب فلمس نساء يده وهو خارج من بيت وهن فيه بحيث لا يراهن، وذكر النقاش وغيره: أن النبي صلى الله عليه وسلم بايعه النساء على الصفا بمكة وعمر بن الخطاب يصافحهن، وروي من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ورفعه النقاش عن ابن عباس وعن عروة بن مسعود الثقفي: أنه عليه السلام غمس يده في إناء فيه ماء ثم دفعه إلى النساء فغمسن أيديهن فيه. ثم أمره تعالى بالاستغفار لهن ورجاهن في غفرانه ورحمته بقوله: {إن الله غفور رحيم} وقوله تعالى: {قوماً غضب الله عليهم} قال ابن زيد والحسن ومنذر بن سعيد هم اليهود لأن غضب الله قد صار عرفاً لهم، وقال ابن عباس: هم في هذه الآية كفار قريش لأن كل كافر فعليه غضب من الله لا يرد بذلك ثبوت الغضب على اليهود. قال القاضي أبو محمد: ولا سيما في المردة ككفار قريش إذ أعمالهم مغضبة ليست بمجرد ضلال بل فيها شرارات مقصودة، وفي الكلام في التشبيه الذي في قوله: {كما يئس} يتبين الاحتياج إلى هذا الخلاف وذلك أن اليأس من الآخرة إما أن يكون بالتكذيب بها، وهذا هو يأس كفار مكة، قال معنى قوله: {كما يئس الكفار} كما يئس الكافر من صاحب قبر لأنه إذا مات له حميم قال: هذا آخر العهد به لن يبعث أبداً، فمعنى الآية: أن اعتقاد أهل مكة في الآخرة كاعتقاد الكافر في البعث ولقاء موتاه، وهذا هو تأويل ابن عباس والحسن وقتادة في معنى قوله تعالى: {كما يئس الكفار}، ومن قال إن القوم المشار إليهم هم اليهود، قال معنى قوله: {يئس الكفار} أي كما يئس الكافر من الرحمة إذا مات وكان صاحب قبر، وذلك أنه يروى أن الكافر إذا كان في قبره عرض عليه مقعده في الجنة أن لو كان مؤمناً ثم يعرض عليه مقعده من النار الذي يصير إليه فهو يائس من رحمة الله مع علمه بها ويقينه، وهذا تأويل مجاهد وابن جبير وابن زيد في قوله: {كما يئس الكفار} فمعنى الآية: أن يأس اليهود من رحمة الله في الآخرة مع علمهم بها كيأس ذلك الكافر في قبره وذلك لأنهم قد رين على قلوبهم وحملهم الحسد على ترك الإيمان وغلب على ظنونهم أنهم معذبون، وهذه كانت صفة كثير من معاصري النبي صلى الله عليه وسلم، و {من} في قوله {من أصحاب} على القول الأول هي لابتداء الغاية، وفي القول الثاني هي لبيان الجنس والتبعيض يتوجهان فيها وبيان الجنس أظهر. نجز تفسير سورة الممتحنة والحمد لله على ذلك.

ابن عبد السلام

تفسير : {يُبَايِعْنَكَ} لما دخل الرسول صلى الله عليه وسلم مكة عام الفتح بايعه الرجال ثم جاءت النساء بعدهم للبيعة فبايعهن فجلس على الصفا وعمر ـ رضي الله تعالى عنه ـ دون الصفا فأمره أن يبايع النساء أو أمر أميمة أخت خديجة بنت خويلد بعدما أسلمت أن تبايع عنه النساء أو بايعهن بنفسه وعلى يده ثوب قد وضعه على كفه أو وضع ماء في قِعب وغمس يده فيه وأمرهن فغمسن أيديهن {وَلا يَقْتُلْنَ أَوْلادَهُنَّ} كانوا يئدون الأولاد في الجاهلية {بِبُهْتَانٍ} بسحر أو المشي بالنميمة والسعي بالفساد أو أن يُلحقن بأزواجهن غير أولادهم كانت أحداهن تلتقط الولد وتلحقه بزوجها قاله الجمهور. {يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ} ما أخذته لقيطاً {وَأَرْجُلِهِنَّ} ما ولدنه من زنا {مَعْرُوفٍ} طاعة الله ورسوله أو ترك النوح أو خمش الوجه ونشر الشعر وشق الجيب والدعاء بالويل أو عام في كل معروف مأمور به.

الخازن

تفسير : {يا أيها النبي إذا جاءك المؤمنات يبايعنك} الآية قال المفسرون لما فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة وفرغ من بيعة الرجال وهو على الصفا أتته النساء يبلغنه وعمر بن الخطاب أسفل منه يبلغهن عنه وهند بنت عتبة امرأة أبي سفيان متنقبة متنكرة مع النساء خوفاً من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعرفها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أبايعهن {على أن لا يشركن بالله شيئاً} فرفعت هند رأسها وقالت والله إنك لتأخذ علينا أمراً وما رأيناك أخذته على الرجال وكان قد بايع الرجال يومئذ على الإسلام والجهاد فقط فقال النبي صلى الله عليه وسلم {ولا يسرقن} فقالت هند إن أبا سفيان رجل شحيح وإني أصبت من ماله هنات فلا أدري يحل لي أم لا فقال أبو سفيان ما أصبت من شيء فيما مضى وفيما غبر فهو حلال فضحك النبي صلى الله عليه وسلم وعرفها فقال لها وإنك لهند بنت عتبة قالت نعم فاعف عما سلف عفا الله عنك فقال {ولا يزنين} فقالت هند أو تزني الحرة؟ فقال {ولا يقتلن أولادهن} فقالت هند ربيناهم صغاراً وقتلتموهم كباراً فأنتم وهم أعلم وكان ابنها حنظلة بن أبي سفيان قد قتل يوم بدر فضحك عمر حتى استلقى وتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم {ولا يأتين ببهتان يفترينه بين أيديهن وأرجلهن} فقالت هند والله إن البهتان لقبيح وما تأمرنا إلا بالرشد ومكارم الأخلاق، {ولا يعصينك في معروف} فقالت هند ما جلسنا مجلسنا هذا وفي أنفسنا أن نعصيك في شيء فأقر النسوة بما أخذ عليهم من البيعة قال ابن الجوزي وجملة من أحصى من المبايعات أربعمائة وسبعة وخمسون امرأة ولم يصافح في البيعة امرأة وإنما بايعهن بالكلام، (ق) عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يبايع النساء بالكلام بهذه الآية على أن لا يشركن بالله شيئاً وما مست يد رسول الله صلى الله عليه وسلم يد امرأة لا يملكها" وأما تفسير الآية فقوله تعالى: {ولا يقتلن أولادهن} أراد به وأد البنات الذي كان يفعله أهل الجاهلية ثم هو عام في كل نوع من قتل الولد ولا يأتين ببهتان يفترينه بين أيديهن وأرجلهن يعني لا تلحق المرأة بزوجها غير ولده وذلك أن المرأة كانت تلتقط المولود فتقول لزوجها هذا ولدي منك فهذا هو البهتان المفتري وليس المراد منه نهيهن عن الزنا لأن النهي عنه قد تقدم ذكره ومعنى بين أيديهن وأرجلهن أن الولد إذا وضعته الأم سقط بين يديها ورجليها ولا يعصينك في معروف أي في كل ما تأمرهن به أو تنهاهن عنه وقيل في كل أمر وافق طاعة الله وكل أمر فيه رشد وقيل هو النهي عن النوح والدعاء بالويل وتمزيق الثياب وحلق الشعر ونتفه وخمش الوجه وأن لا تحدث المرأة الرجال الأجانب ولا تخلو برجل غير ذي محرم ولا تسافر مع غير ذي محرم، قال ابن عباس في قوله {ولا يعصينك في معروف} إنما هو شرط شرطه الله على النساء أخرجه البخاري (ق) عن أم عطية قالت "بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقرأ علينا أن لا يشركن بالله شيئاً ونهانا عن النياحة فقبضت امرأة منا يدها فقالت فلانة أسعدتني فأنا أريد أن أجزيها فما قال لها النبي صلى الله عليه وسلم شيئاً فانطلقت ثم رجعت فبايعها". (ق) عن ابن مسعود رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "حديث : ليس منا من ضرب الخدود وشق الجيوب ودعا بدعوى الجاهلية" تفسير : عن أسيد بن أسيد عن امرأة من المبايعات قالت "كان فيما أخذ علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم من المعروف الذي أخذ علينا أن لا نعصيه فيه أن لا نخمش وجهاً ولا ندعو ويلاً ولا نشق جيباً ولا ننشر شعراً" أخرجه أبو داود عن أنس رضي الله عنه "حديث : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ على النساء حين بايعهن أن لا ينحن فقلن يا رسول الله نساء أسعدننا في الجاهلية فنسعدهن فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا إسعاد في الإسلام" تفسير : أخرجه النسائي، (م) عن أبي مالك الأشعري رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : النائحة إذا لم تتب قبل موتها تقوم يوم القيامة وعليها سربال من قطران ودرع من جرب"تفسير : وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال "حديث : لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم النائحة والمستمعة" تفسير : أخرجه أبو داود، وقوله تعالى: {فبايعهن} يعني إذا بايعنك على هذه الشروط فبايعهن {واستغفر لهن الله إن الله غفور رحيم} عن أميمة بنت رقية قالت "حديث : بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم في نسوة فقال لنا فيما استطعتن وأطقتن قلنا الله ورسوله أرحم بنا منا بأنفسنا قلت يا رسول الله بايعنا قال سفيان يعني صافحنا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما قولي لمائة امرأة كقولي لامرأة واحدة" تفسير : أخرجه الترمذي وقال حديث حسن صحيح.

الثعالبي

تفسير : وقوله عز وجل: {يَ&#1648أَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ إِذَا جَاءَكَ ٱلْمُؤْمِنَـٰتُ يُبَايِعْنَكَ...} الآية: هذه بيعة النساء في ثاني يوم الفتح على الصَفَا، وهي كانت في المعنى بَيْعَةِ الرجال قَبْلَ فرض القتال. * ت *: وخرَّج البخَاريُّ بسنده عن عائِشَةَ أَنَّ النبي صلى الله عليه وسلم كَانَ يَمْتَحِنُ مَنْ هَاجَرَ إلَيْهِ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ بِهٰذِهِ الآيَةِ: {يَ&#1648أَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ إِذَا جَاءَكَ ٱلْمُؤْمِنَـٰتُ يُبَايِعْنَكَ} الآية. وكذا روى البخاريُّ من طريق ابن عباس أَنَّهُ ـــ عليه السلام ـــ تَلاَ عَلَيْهِنَّ الآيةَ يَوْمَ الْفِطْرَ عَقِبَ الصَّلاَةِ، وَنَحْوُهُ عن أُمِّ عطيةَ في البخاري: «حديث : وَقَرَأَ عَلَيْهِنَّ الآيَةَ أيْضاً في ثَانِي يَوْمِ فَتْحِ مَكَّةَ»تفسير : وكلام * ع *: يُوهِمُ أَنَّ الآيةَ نزلت في بيعة النساء يومَ الفتح، وليس كذلك؛ وإنَّما يريد أَنَّه أعاد الآيةَ على مَنْ لم يبايعه من أهل مَكّة؛ لِقُرْبِ عهدهم بالإسلام، واللَّه أعلم، والإتيان بالبهتان: قال أكثر المفسرين: معناه أنْ تَنْسِبَ إلى زوجها ولداً ليس منه، قال * ع *: واللفظ أَعَمُّ من هذا التخصيص. وقوله تعالى: {وَلاَ يَعْصِينَكَ فِى مَعْرُوفٍ}: يعم جميع أوامر الشريعة، فَرْضَهَا وَنَدْبَهَا، وفي الحديث: «حديث : أَنَّ جَمَاعَةَ نُسْوَةٍ قُلْنَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، نُبَايِعُكَ عَلَى كَذَا وَكَذَا الآية، فَلَمَّا فَرَغْنَ قَالَ صلى الله عليه وسلم: فِيمَا اسْتَطَعْتُنَّ وَأَطَقْتُنَّ، فَقُلْنَ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَرْحَمُ بِنَا مِنَّا لأَنْفُسِنَا»تفسير : وقوله تعالى: {فَبَايِعْهُنَّ} أي: أمض لَهُنَّ صفقة الإيمان؛ بأنْ يُعْطِينَ ذلك من أنفسهن، ويُعْطَيْنَ عليه الجَنَّةَ، واخْتُلِفَ في هيئة مبايعته صلى الله عليه وسلم النساءَ بعد الإجماع على أَنَّهُ لم تَمَسَّ يَدُهُ يَدَ امرأة أجنبيَّةٍ قَطُّ؛ والمرويُّ عن عائشةَ وغيرِها: «حديث : أَنَّهُ بَايَعَ بِاللِّسَانِ قَوْلاً، وقال: إنَّما قَوْلِي لِمِائَةِ ٱمْرَأَةٍ كَقَوْلِي لامْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ».تفسير : و{قوْماً غَضِبَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ}: هم اليهود في قول ابن زيد وغيره، ويأسهم من الآخرة: هو يأسهم من نعيمها مع التصديق بها، وقال ابن عباس: {قوْماً غَضِبَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ}: في هذه الآية كُفَّارُ قريش. وقوله: {كَمَا يَئِسَ ٱلْكُفَّـٰرُ مِنْ أَصْحَـٰبِ ٱلْقُبُورِ}: على هذا التأويل هو على ظاهره في اعْتِقَادِ الكَفَرَةِ إذَا مَاتَ لَهُمْ حَمِيمٌ قَالوا: هَذَا آخِرُ العَهْدِ بِهِ لاَ يُبْعَثُ أبَداً.

ابن عادل

تفسير : قوله تعالى: {يَٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ إِذَا جَآءَكَ ٱلْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ} الآية. لما فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم "مكة"، جاءه نساء أهل "مكة" يبايعنه، فأمر أن يأخذ عليهن أن لا يشركن. قالت عائشة رضي الله عنها: "حديث : والله ما أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم قط إلا بما أمر الله - عز وجل - وما مست كف رسول الله صلى الله عليه وسلم كف امرأة قط، وكان يقول إذا أخذ عليهن: "قَدْ بايعْتُكنَّ" كلاماً " تفسير : وروي أنه - عليه الصلاة والسلام -، بايع النساء، وبين يديه وأيديهن ثوب، وكان يشترط عليهن. وقيل: لما فرغ من بيعة الرجال جلس على الصفا، ومعه عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه أسفل منه، فجعل يشترط على النساء البيعة، وعمر يصافحهن. وروي أنَّه كلف امرأة وقفت على الصفا، وكلفها أن تبايعهن، ففعلت. قال ابن العربي: وذلك ضعيف، وإنما التعويل على ما في صحيح مسلم من حديث عائشة رضي الله عنه المتقدم. قالت: كانت المؤمنات إذا هاجرن إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يمتحنهن بقول الله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ إِذَا جَآءَكَ ٱلْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَىٰ أَن لاَّ يُشْرِكْنَ بِٱللَّهِ شَيْئاً وَلاَ يَسْرِقْنَ وَلاَ يَزْنِينَ} إلى آخر الآية، قالت عائشة: حديث : فمن أقر بهذا من المؤمنات، فقد أقر بالمحنة، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أقررن بذلك من قولهن، قال لهن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "انْطَلقْنَ فَقَدْ بَايَعْتُكُنَّ"، لا والله ما مَسَّتُ يد رسول الله صلى الله عليه وسلم يد امرأة قط، غير أنه بايعهن بالكلام تفسير : وقالت أمُّ عطيَّة رضي الله عنها: حديث : لما قدم رسول الله المدينة جمع نساء الأنصار في بيت، ثم أرسل إلينا عمر بن الخطاب، فقام على الباب فسلَّم فرددن عليه السلام فقال: أنا رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم إليكن: "ألا تشركن بالله شيئاً" الآية، فقلن: نعم، فمد يده من خارج البيت، ومددنا أيدينا من داخل البيت، ثم قال: اللَّهُمَّ اشْهَدْ تفسير : وروى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا بايع النساء دعا بقدح من ماء فغمس يده فيه، ثم أمر النساء فغمسن أيديهن فيه. فصل روي "حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم لما فرغ من بيعة الرجال يوم فتح "مكة"، وهو على الصفا، وعمر بن الخطَّاب أسفل منه يبايع النساء بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم يبلغهن عنه، على ألاَّ يشركن بالله شيئاً، وهند بنت عتبة امرأة أبي سفيان منتقبة متنكرة مع النساء خوفاً من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعرفها لما صنعته بحمزة يوم أحد، فقالت: والله إنك لتأخذ علينا أمراً ما رأيتك أخذته على الرجال، وكان بايع الرجال يومئذ على الإسلام، والجهاد فقط، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "ولاَ يَسْرِقْنَ"، فقالت هند: إن أبا سفيان رجل شحيح وإني أصبت من ماله قوتنا، فلا أدري أيحلّ لي أم لا؟. فقال أبو سفيان: ما أًصبت من شيء فيما مضى وفيما غبر، فهو لك حلال، فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال لها: وإنَّك لهِنْدُ بِنْتُ عتبة؟ قالت: نعم، فاعف عني ما سلف، فقال عَفَا اللَّهُ عنكِ، ثم قال: {وَلاَ يَزْنِينَ} فقالت هند: أو تزنِي الحُرَّة؟ فقال: {وَلاَ يَقْتُلْنَ أَوْلاَدَهُنَّ}، أي: لا يئدن الموءودات ولا يسقطن الأجنة، فقالت هند: ربَّيناهُمْ صغاراً وقتلتهم كباراً يوم بدر، وأنت أعلم وهم أعلم، وكان ابنها حنظلة بن أبي سفيان - وهو بكرها - قتل يوم بدر، فضحك عمر حتى استلقى، وتبسَّم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قال: {وَلاَ يَأْتِينَ بِبُهُتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ} " تفسير : قال أكثر المفسرين: معناه لا يلحقن بأزواجهن ولداً من غيرهم، وكانت المرأة تلتقط ولداً، فتلحقه بزوجها وتقول: هذا ولدي منك، فكان هذا من البهتان والافتراء؛ لأن النهي عن الزنا قد تقدم. وقال بعض المفسرين: المرأة إذا التقطت ولداً، كأنَّما التقطت بيدها ومشت برجلها إلى أخذه، فإذا أضافته إلى زوجها، فقد أتت ببهتان تفتريه بين يديها ورجليها. وقيل: يفترينه على أنفسهن حيث يقلن: هذا ولدنا، وليس كذلك، إذ الولد ولد الزنا. وقيل: ما بين يديها ورجليها كناية عن الولد؛ لأن البطن التي تحمل فيه الولد بين يديها، وفرجها الذي تلد منه بين رجليها، وهذا عام في الإتيان بولد، وإلحاقه بالزوج، وإن سبق النهي عن الزنا. وقيل: معنى "بين أيديهن": ألسنتهن بالنميمة، و"بين أرجلهن": فروجهن. وقيل: ما بين أيديهن من قبلة أو جسة، وبين أرجلهن الجماع. وروي أن هنداً لما سمعت ذلك قالت: والله إن البهتان لأمر قبيح ما تأمر إلا بالأرشد، ومكارم الأخلاق، ثم قال: {وَلاَ يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ} أي: في كل أمر وافق طاعة الله. قال بكر بن عبد الله المزنيُّ: في كل أمر فيه رشدهن. وقال مجاهدٌ: لا تخلو المرأة بالرجال. وقال سعيدُ بنُ المسيِّب والكلبيُّ وعبدُ الرحمنِ بن زيدٍ: هو النهي عن النوح، والدعاء بالويلِ، وتمزيق الثوب، وحلق الشعر، ونتفه، وخمش الوجه، ولا تحدِّث المرأة الرجال إلا ذا محرم، ولا تخلو برجل غير ذي محرم، ولا تسافر إلا مع ذي محرم. وروت أم عطيَّة عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم إن ذلك في النوح، وهو قول ابن عباس. وروى شهر بن حوشب عن أم سلمة "حديث : عن النبي صلى الله عليه وسلم: {ولا يَعْصِينكَ فِي مَعْرُوفٍ}، قال: "هُوَ النَّوحُ" " تفسير : وفي صحيح مسلم عن أمِّ عطيَّة: "حديث : لما نزل قوله: "يُبَايِعْنَك"، إلى قوله: {وَلاَ يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ}، قالت: كان منه النياحة، قالت: فقلت: يا رسول الله، إلا آل بني فلان، فإنهم كانوا أسعدوني في الجاهلية، فلا بد لي من أن أسعدهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إلا آل بني فلان " تفسير : قوله: "يُبَايعْنكَ": حال، و"شَيْئاً": مصدر، أي شيئاً من الإشراك. وقرأ علي والسلمي والحسن: "يُقَتِّلْنَ" بالتشديد. و "يفترينه": صفة لـ"بهتان"، أو حال من فاعل: "يأتين". فصل ذكر الله - عز وجل - في هذه الآية لرسول الله صلى الله عليه وسلم في صفة البيعة خصالاً شتى، صرح فيهن بأركان النهي في الدين، ولم يذكر أركان الأمر، وهي ستة أيضاً: الشهادة، والصلاة، والزكاة، والصيام، والحج، والاغتسال من الجنابة، وذلك لأن النهي دائم في كل الأزمان، وكل الأحوال، فكان التنبيه على اشتراط الدائم آكد. وقيل: إن هذه المناهي كان في النساء كثير من يرتكبها، ولا يحجزهن [عنها] شرف النسب، فخصت بالذكر لهذا، ونحو منه قوله - عليه الصلاة والسلام - لوفد عبد القيس: "حديث : "وأنْهَاكُم عن الدُّبَّاء والحنتمِ والنَّقيرِ والمزفَّتِ" " تفسير : فنبههم على ترك المعصية في شرب الخمر دون سائر المعاصي؛ لأنها كانت شهوتهم وعادتهم، وإذا ترك المرء شهوته من المعاصي، هان عليه ترك سائرها مما لا شهوة له فيها. فصل حديث : لما قال النبي صلى الله عليه وسلم في البيعة: "{وَلا يَسْرِقْنَ} {وَلاَ يَزْنِينَ}، قالت هند: يا رسول الله إنَّ أبا سفيان رجل مسِّيك، فهل عليَّ حرج إن أخذت ما يكفيني وولدي؟ فقال: "لا، إلاَّ بالمعرُوفِ"، فخشيت هند أن تقتصر على ما يعطيها، فتضيع، أو تأخذ أكثر من ذلك، فتكون سارقة ناكثة للبيعة المذكورة، فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم ذلكتفسير : ، أي: لا حرج عليك فيما أخذت بالمعروف، يعني: من غير استطالة إلى أكثر من الحاجة. قال ابن العربي رحمه الله: "وهذا إنما هو فيما لا يخزنه عنها في حجاب، ولا يضبط عليه بقفل، فإنه إذا هتكته الزوجة وأخذت منه [كانت] سارقة تعصي بها، وتقطع يدها". فصل في الكلام على الآية فإن قيل: هلاَّ قيل: إذا جاءك المؤمنات فامتحنوهن، كما قال في المهاجرات؟. فالجواب من وجهين: أحدهما: أن الامتحان حاصل بقوله تعالى: {عَلَىٰ أَن لاَّ يُشْرِكْنَ} إلى آخره. وثانيهما: أن المهاجرات يأتين من دار الحرب فلا اطلاع للمبايع على ما في قلبها، فلا بد من الامتحان، وأما المؤمنات، فهن في دار الإسلام، وعلمن الشرائع، فلا حاجة إلى الامتحان مع ظاهر حالها. فإن قيل: ما الفائدة في تقديم البعض في الآية على البعض وترتيبها؟. فالجواب: قدم الأقبح على ما هو الأدنى منه في القبح، ثم كذلك إلى آخره، وقدم في الأشياء المذكورة على ما هو الأظهر فيما بينهم. فصل قال عبادةُ بن الصامت: "أخذ علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم كما أخذ على النساء: أنْ لا تُشرِكُوا باللَّه شَيْئاً ولا تَسْرقُوا ولا تزْنُوا ولا تقتلُوا أوْلادكُمْ، ولا يعضه بعضُكُمْ بعضاً، ولا تَعْصُوا في مَعْرُوفٍ آمُرُكمْ بِهِ". معنى "يعضه": يسحر، والعضه: السحر. ولهذا قال ابن بحر وغيره في قوله تعالى: {وَلاَ يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ} إنه: السحر. وقال الضحاكُ: هذا نهي عن البهتان، أن لا يعضه رجل ولا امرأة "بِبُهتَانٍ" أي: بسحر، والجمهور على أن معنى "ببهتان": بولد، يفترينه "بين أيديهن": ما أخذته لقيطاً، "وأرجلهن": ما ولدته من زنا كما تقدم. فصل في هذا الأمر قال المهدويُّ: أجمع المسلمون على أنه ليس للإمام أن يشترط عليهن هذا، والأمر بذلك ندب لا إلزام. وقال بعض العلماء: إذا احتيج إلى المِحْنَةِ من أجل تباعد الدَّار كان على إمام المسلمين إقامة المحنة. قوله: {فَبَايِعْهُنَّ وَٱسْتَغْفِرْ لَهُنَّ ٱللَّهَ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}. قالت عائشة رضي الله عنها: كان النبي صلى الله عليه وسلم يبايع النساء بالكلام بهذه الآية: {أَن لاَّ يُشْرِكْنَ بِٱللَّهِ شَيْئاً} قالت: وما مسَّتْ يَدُ رسُول الله صلى الله عليه وسلم إلا يد امرأة يملكها. وقالت [أميمة] بنت رقيقة: حديث : بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم في نسوة، فقالت: "فِيْمَا اسْتطعْتُنَّ وأطَعْتُنَّ"، فقلت: يا رسول الله صافحنا، فقال: "إنِّي لا أصَافِحُ النِّساءَ، إنَّما قَوْلِي لامرأةٍ كَقوْلِي لمِائةِ امرأة "

السيوطي

تفسير : أخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد والبخاري وابن ماجة وابن المنذر وابن مردويه عن عائشة حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يمتحن من هاجر إليه من المؤمنات بهذه الآية ‏ {‏يا أيها النبي إذا جاءك المؤمنات يبايعنك‏} ‏ إلى قوله‏:‏ ‏{‏غفور رحيم‏} ‏ فمن أقرت بهذا الشرط من المؤمنات قال لها رسول الله‏: قد بايعنك كلاماً ولا والله ما مست يده يد امرأة قط في المبايعة ما بايعهن إلا بقوله‏: قد بايعنك على ذلك ". تفسير : وأخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن سعد وأحمد والترمذي وصححه والنسائي وابن ماجة وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه حديث : عن أميمة بنت رقيقة قالت‏:‏ أتيت النبي صلى الله عليه وسلم في نساء لنبايعه فأخذ علينا ما في القرآن أن لا نشرك بالله شيئاً حتى بلغ ‏{‏ولا يعصينك في معروف‏}‏ فقال‏:‏ فيما استطعتن وأطقتن قلنا‏:‏ الله ورسوله أرحم بنا من أنفسنا يا رسول الله ألا تصافحنا قال‏:‏ إني لا أصافح النساء إنما قولي لمائة امرأة كقولي لامرأة واحدة ". تفسير : وأخرج أحمد وابن مردويه عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده رضي الله قال‏:‏ ‏ حديث : جاءت أميمة بنت رقيقة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم تبايعه على الإِسلام فقال‏: أبايعك على أن لا تشركي بالله شيئاً ولا تسرقي ولا تزني ولا تقتلي ولدك، ولا تأتي ببهتان تفترينه بين يديك ورجليك، ولا تبرجي تبرج الجاهلية الأولى ". تفسير : وأخرج ابن سعد وأحمد وابن مردويه حديث : عن سليمى بنت قيس رضي الله عنها قالت‏:‏ جئت رسول الله صلى الله عليه وسلم أبايعه على الإِسلام في نسوة من الأنصار، فلما شرط علينا أن لا نشرك بالله شيئاً ولا نسرق ولا نزني ولا نقتل أولادنا ولا نأتي ببهتان نفتريه بين أيدينا وأرجلنا، ولا نعصيه في معروف، ولا تغششن أزواجكم‏ فبايعناه، ثم انصرفنا فقلت لامرأة‏:‏ ارجعي فاسأليه ما غش أزواجنا‏؟‏ فسألته فقال‏: تأخذ ماله فتحابي غيره به‏ ". تفسير : وأخرج عبد بن حميد وابن مردويه والبخاري ومسلم والنسائي وابن المنذر عن عبادة بن الصامت قال‏:‏ حديث : كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال‏:‏ بايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئاً ولا تسرقوا ولا تزنوا، وقرأ.‏ ‏"‏فمن وفى منكم فأجره على الله ومن أصاب من ذلك شيئاً فعوقب في الدنيا فهو كفارة له، ومن أصاب من ذلك شيئاً فستره الله فهو إلى الله إن شاء عذبه وإن شاء غفر له‏" ‏‏. تفسير : وأخرج البخاري ومسلم وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال‏:‏ شهدت الصلاة يوم الفطر مع النبي صلى الله عليه وسلم فنزل فأقبل حتى أتى النساء فقال‏:‏ ‏{‏يا أيها النبي إذا جاءك المؤمنات يبايعنك على أن لا يشركن بالله شيئاً ولا يسرقن ولا يزنين‏}‏ حتى فرغ من الآية كلها، ثم قال حين فرغ‏:‏ أنتن على ذلك‏؟‏ قالت امرأة‏:‏ نعم. وأخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل رضي الله عنه قال‏:‏ أنزلت هذه الآية يوم الفتح، فبايع رسول الله صلى الله عليه وسلم الرجال على الصفا وعمر يبايع النساء تحتها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏ وأخرج أحمد وابن سعد وأبو داود وأبو يعلى وعبد بن حميد وابن مردويه والبيهقي في الشعب عن إسمعيل بن عبد الرحمن بن عطية عن جدته أم عطية رضي الله عنها قالت‏:‏ لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة جمع نساء الأنصار في بيت فأرسل إليهن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فقام على الباب فسلم، فقال‏:‏ أنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إليكن تبايعن على أن لا تشركن بالله شيئاً ولا تسرقن ولا تزنين الآية‏.‏ قلنا‏:‏ نعم فمد يده من خارج البيت، ومددنا أيدينا من داخل البيت‏.‏ قال إسمعيل‏:‏ فسألت جدتي عن قوله تعالى‏:‏ ‏ {‏ولا يعصينك في معروف‏} ‏ قالت‏:‏ نهانا عن النياحة‏. وأخرج سعيد بن منصور وابن سعد وأحمد وابن مردويه‏حديث : عن أسماء بنت يزيد رضي الله عنها قالت‏:‏ بايعت النبي صلى الله عليه وسلم في نسوة فقال‏:‏ "‏إني لا أصافحكن، ولكن آخذ عليكن ما أخذ الله"‏ . تفسير : وأخرج سعيد بن منصور وابن سعد عن الشعبي رضي الله عنه قال‏:‏ حديث : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يبايع النساء، ووضع على يده ثوباً، فلما كان بعد كان يخبر النساء فيقرأ عليهن هذه الآية ‏{‏يا أيها النبي إذا جاءك المؤمنات يبايعنك على أن لا يشركن بالله شيئاً ولا يسرقن ولا يزنين ولا يقتلن أولادهن‏}‏ فإذا أقررن قال‏: قد بايعنكن، حتى جاءت هند امرأة أبي سفيان، فلما قال‏:‏ ‏{‏ولا يزنين‏} ‏ قالت‏:‏ أو تزني الحرة‏؟‏ لقد كنا نستحي من ذلك في الجاهلية فكيف بالإِسلام‏؟‏ فقال‏:‏ ‏ {‏ولا يقتلن أولادهن‏} ‏ قالت‏:‏ أنت قتلت آباءهم وتوصينا بأبنائهم، فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال‏:‏ ‏{‏ولا يسرقن‏} ‏ فقالت‏:‏ يا رسول الله إني أصبت من مال أبي سفيان، فرخص لها‏‏ . تفسير : وأخرج ابن جرير وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال‏:‏ قل لهن‏:‏ إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يبايعكن على أن لا تشركن بالله شيئاً، وكانت هند متنكرة في النساء، فقال لعمر‏:‏ قل لها ‏{‏ولا يسرقن‏}‏ قالت هند‏:‏ والله إني لأصيب من مال أبي سفيان الهنة، فقال‏:‏ ‏{‏ولا يزنين‏}‏ فقالت‏:‏ وهل تزني الحرة‏؟‏ فقال‏:‏ ‏{‏ولا يقتلن أولادهن‏} ‏ قالت هند‏:‏ أنت قتلتهم يوم بدر، قال‏:‏ ‏{‏ولا يأتين ببهتان يفترينه بين أيديهن وأرجلهن ولا يعصينك في معروف‏} ‏ قال‏:‏ منعهن أن يَنُحْنَ، وكان أهل الجاهلية يمزقن الثياب ويخدشن الوجوه ويقطعن الشعور ويدعون بالويل والثبور‏. وأخرج الحاكم وصححه عن فاطمة بنت عتبة أن أخاها أبا حذيفة أتى بها وبهند بنت عتبة رسول الله صلى الله عليه وسلم تبايعه، فقالت‏:‏ أخذ علينا بشرط فقلت له‏:‏ يا ابن عم وهل علمت في قومك من هذه الصفات شيئاً قال أبو حذيفة‏:‏ أيها فبايعيه فإن بهذا يبايع، وهكذا يشترط، فقالت هند‏:‏ لا أبايعك على السرقة فإني أسرق من مال زوجي، فكفّ النبي صلى الله عليه وسلم يده، وكفت يدها حتى أرسل إلى أبي سفيان، فتحلل لها منه، فقال أبو سفيان‏:‏ أما الرطب فنعم، وأما اليابس فلا، ولا نعمة‏.‏ قالت‏:‏ فبايعناه‏. وأخرج ابن المنذر من طريق ابن جريج عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏ {‏ولا يأتين ببهتان يفترينه‏} ‏ قال‏:‏ كانت الحرة يولد لها الجارية فتجعل مكانها غلاما‏ً. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه من طريق علي عن ابن عباس رضي الله عنهما ‏ {‏ولا يأتين ببهتان يفترينه‏} ‏ قال‏:‏ لا يلحقن بأزواجهن غير أولادهن ‏{‏ولا يعصينك في معروف‏}‏ قال‏:‏ إنما هو شرط شرطه الله للنساء‏. وأخرج ابن سعد وأحمد وعبد بن حميد والترمذي وحسنه وابن ماجة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه‏ حديث : عن أم سلمة الأنصارية قالت‏: قالت امرأة من النسوة ما هذا المعروف الذي لا ينبغي لنا أن نعصيك فيه‏؟‏ قال‏:‏ "‏لا تنحن‏" قلت يا رسول الله‏:‏ إن بني فلان أسعدوني على عمي ولا بد لي من قضائهن، فأبى عليّ، فعاودته مراراً، فأذن لي في قضائهن، فلم أنح بعد، ولم يبق منا امرأة إلا وقد ناحت غيري‏ . تفسير : وأخرج سعيد بن منصور وابن منيع وابن سعد وابن مردويه عن أبي المليح قال‏:‏ حديث : جاءت امرأة من الأنصار تبايع النبي صلى الله عليه وسلم، فلما شرط عليها أن لا تشركن بالله شيئاً ولا تسرقن ولا تزنين أقرت فلما قال‏:‏ ‏ {‏ولا يعصينك في معروف‏}‏ قال‏:‏ أن لا تنوحي، فقالت‏:‏ يا رسول الله إن فلانه أسعدتني أفأسعدها، ثم لا أعود‏؟‏ فلم يرخص لها‏تفسير : .‏ مرسل حسن الإِسناد‏. وأخرج أحمد وعبد بن حميد وابن سعد وابن مردويه بسند جيد عن مصعب بن نوح الأنصاري قال‏:‏ حديث : أدركت عجوزاً لنا كانت فيمن بايع النبي صلى الله عليه وسلم قالت‏:‏ أخذ علينا فيما أخذ أن لا تنحن، وقال‏: هو المعروف الذي قال الله‏:‏ ‏{‏ولا يعصينك في معروف‏} فقلت يا نبي الله‏:‏ إن أناساً قد كانوا أسعدوني على مصائب أصابتني، وإنهم قد أصابتهم مصيبة وأنا أريد أن أسعدهم‏.‏ قال‏: انطلقي فكافئيهم ثم إنها أتت فبايعته‏ ". تفسير : وأخرج ابن سعد وابن أبي حاتم وابن مردويه عن أسيد بن أبي أسيد البراد عن امرأة من المبايعات قال‏:‏ كان فيما أخذ علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا نعصيه فيه من المعروف، وأن لا نخمش وجهاً، ولا نشق جيباً، ولا ندعوه ويلا‏ً.‏ وأخرج ابن أبي حاتم في قوله‏:‏ ‏ {‏ولا يعصينك في معروف‏} ‏ قال‏:‏ لا يشققن جيوبهن، ولا يصككن خدودهن‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد عن سالم بن أبي الجعد في قوله‏:‏ ‏ {‏ولا يعصينك في معروف‏} ‏ قال‏:‏ النوح‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد عن أبي العالية ‏ {‏ولا يعصينك في معروف‏} ‏ قال‏:‏ النوح. قال: فكل شيء وافق لله طاعة فلم يرض لنبيه أن يطاع في معصية الله‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن أبي هاشم الواسطي ‏ {‏ولا يعصينك في معروف‏}‏ قال‏:‏ لا يدعون ويلاً ولا يشققن جيباً ولا يحلقن رأسا‏ً.‏ وأخرج ابن سعد وعبد بن حميد عن بكر بن عبد الله المزني قال‏:‏ أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم على النساء في البيعة أن لا يشققن جيباً، ولا يخمشن وجهاً، ولا يدعون ويلاً، ولا يقلن هجرا‏ً.‏ وأخرج الطبراني وابن مردويه عن عائشة بنت قدامة بن مظعون قالت‏:‏ حديث : كنت مع أمي رائطة بنت سفيان والنبي صلى الله عليه وسلم يبايع النسوة ويقول‏: "‏أبايعكن على أن لا تشركن بالله شيئاً، ولا تسرقن، ولا تزنين، ولا تقتلن أولادكن، ولا تأتين ببهتان تفترينه بين أيديكن، وأرجلكن، ولا تعصين في معروف‏"‏ تفسير : فأطرقن، قالت‏:‏ وأنا أسمع أمي وأمي تلقنني تقول‏:‏ أي بنية قولي: نعم فيما استطعت، فكنت أقول كما يقلن‏. وأخرج عبد الرزاق في المصنف وأحمد وابن مردويه عن أنس قال‏:‏ حديث : أخذ النبي صلى الله عليه وسلم على النساء حين بايعهن أن لا ينحن، فقلن‏:‏ يا رسول الله إن نساء أسعدتنا في الجاهلية أفتسعدهن في الإِسلام‏؟‏ فقال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ "لا إسعاد في الإِسلام، ولا شطار، ولا عقر في الإِسلام، ولا خبب ولا جنب، ومن انتهب فليس منا"‏ ‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن مردويه عن جابر بن عبد الله في قوله‏:‏ ‏{‏يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن‏}‏ قال‏:‏ كيف يمتحن فأنزل الله ‏ {‏يا أيها النبي إذا جاءك المؤمنات يبايعنك على أن لا يشركن بالله شيئاً‏}‏ الآية‏. وأخرج ابن سعد وابن مردويه عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال‏:‏ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا بايع النساء دعا بقدح من ماء، فغمس يده فيه، ثم يغمس أيديهن، فكانت هذه بيعته‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة والطبراني والحاكم وصححه وابن مردويه عن أم عطية قالت‏:‏ لما نزلت ‏ {‏إذا جاءك المؤمنات يبايعنك‏} ‏ إلى قوله‏:‏ ‏ {‏ولا يعصينك في معروف فبايعهن‏}‏ قالت‏:‏ كان منه النياحة يا رسول الله إلا آل فلان، فإنهم كانوا قد أسعدوني في الجاهلية، فلا بد لي من أن أسعدهم، قال‏: ‏لا آل فلان. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن مردويه عن أم عطية قالت‏:‏ أخذ علينا في البيعة أن لا ننوح، فما وفى منا إلا خمسة أم سليم وأم العلاء وابنة أبي سبرة امرأة أبي معاذ، أو قال‏:‏ بنت أبي سبرة، وامرأة معاذ، وامرأة أخرى‏. وأخرج البخاري ومسلم وابن مردويه عن أم عطية‏.‏ قالت‏:‏ بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقرأ علينا أن لا تشركن بالله شيئاً، ونهانا عن النياحة، فقبضت منا امرأة يدها فقالت يا رسول الله‏:‏ إن فلانة أسعدتني، وأنا أريد أن أجزيها، فلم يقل لها شيئاً، فذهبت ثم رجعت، قالت‏:‏ فما وفت منا امرأة إلا أم سليم وأم العلاء وبنت أبي سبرة امرأة معاذ أو بنت أبي سبرة وامرأة معاذ‏. وأخرج ابن مردويه عن جابر بن عبد الله في قوله‏:‏ ‏{‏ولا يعصينك في معروف‏} ‏ قال‏:‏ اشترط عليهن أن لا ينحن‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن الضحاك قال‏:‏ حديث : كان فيما أخذ على النساء من المعروف أن لا ينحن، فقالت امرأة‏:‏ لا بد من النوح، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ "‏إن كنتن لا بد فاعلات فلا تخمشن وجهاً، ولا تخرقن ثوباً، ولا تحلقن شعراً، ولا تدعون بالويل، ولا تقلن هجراً، ولا تقلن إلا حقاً"‏ . تفسير : وأخرج ابن سعد عن عاصم بن عمرو بن قتادة رضي الله عنه قال‏:‏ أول من بايع النبي صلى الله عليه وسلم أم سعد بن معاذ كبشة بنت رافع وأم عامر بنت يزيد بن السكن وحواء بنت يزيد بن السكن‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة عن يزيد بن أسلم رضي الله عنه ‏{‏ولا يعصينك في معروف‏} ‏ قال‏:‏ لا يشققن جيباً ولا يخمش وجهاً ولا ينشرن شعراً ولا يدعون ويلاً‏. وأخرج ابن أبي شيبة عن علي رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن النوح‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة عن جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ "حديث : إنما نهيت عن النوح‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة عن الشعبي رضي الله عنه قال‏:‏ لعنت النائحة والممسكة‏.‏ وأخرج ابن مردويه عن أم عفيف قالت‏:‏ أخذ علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم حين بايع النساء أن لا نحدث الرجال إلا محرما‏ً.‏ وأخرج ابن سعد وعبد بن حميد عن الحسن رضي الله عنه قال‏:‏ كان فيما أخذ عليهن أن لا يخلون بالرجال إلا أن يكون محرماً، وإن الرجل قد تلاطفه المرأة فيمذي في فخذيه‏.‏ وأخرج عبد الرزاق وابن جرير عن قتادة رضي الله عنه في قوله‏:‏ ‏ {‏ولا يعصينك في معروف‏} ‏ قال‏:‏ أخذ عليهن أن لا ينحن، ولا يحدثن الرجال، فقال عبد الرحمن بن عوف‏:‏ إن لنا أضيفا وأنا نغيب عن نسائنا، فقال‏:‏ ليس أولئك عنيت‏. وأخرج ابن المنذر وابن مردويه عن أم عطية رضي الله عنها قالت‏:‏ كان فيما أخذ عليهن أن لا يخلون بالرجال إلا أن يكون محرماً، فإن الرجل قد يلاطف المرأة فيمذي في فخذيه‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن عكرمة رضي الله عنه قال‏:‏ حديث : لما نزلت هذه الآية ‏{‏إذا جاءك المؤمنات يبايعنك‏}‏ قال‏:‏ فإن المعروف الذي لا يعصي فيه أن لا يخلو الرجل والمرأة وحداناً وأن لا ينحن نوح الجاهلية‏.‏ قال‏:‏ فقالت خولة بنت حكيم الأنصارية‏:‏ يا رسول الله إن فلانة أسعدتني، وقد مات أخوها، فأنا أريد أن أجزيها‏.‏ قال‏: فاذهبي فاجزيها ثم تعالي فبايعي‏ ". تفسير : وأخرجه ابن جرير وابن مردويه عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما موصولاً والله أعلم‏. أخرج ابن إسحق وابن المنذر عن ابن عباس رضي الله عنهما قال‏:‏ كان عبد الله بن عمر وزيد بن الحارث يوادون رجالاً من يهود فأنزل الله‏:‏ ‏ {‏يا أيها الذين آمنوا لا تتولوا قوماً غضب الله عليهم‏} ‏ الآية‏. وأخرج الفريابي وابن جرير وابن أبي حاتم والطبراني عن ابن مسعود رضي الله عنه في قوله‏:‏ {‏يا أيها الذين آمنوا لا تتولوا قوماً غضب الله عليهم قد يئسوا من الآخرة‏}‏ قال‏:‏ فلا يؤمنون بها ولا يرجونها‏.

ابو السعود

تفسير : {يأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ إِذَا جَاءكَ ٱلْمُؤْمِنَـٰتُ يُبَايِعْنَكَ} أي مبايعاتٍ لكَ أيْ قاصداتٍ للمبايعةِ نزلتْ يومَ الفتحِ فإنَّه عليهِ الصلاةُ والسلامُ لما فرغَ من بَـيعةِ الرجالِ شرعَ في بـيعة النساءِ {عَلَىٰ أَن لاَّ يُشْرِكْنَ بِٱللَّهِ شَيْئاً} أي شيئاً من الأشياءِ أو شيئاً من الإشراكِ {وَلاَ يَسْرِقْنَ وَلاَ يَزْنِينَ وَلاَ يَقْتُلْنَ أَوْلْـٰدَهُنَّ} أُريدَ به وأدُ البناتِ وقُرِىءَ ولا يُقَتِّلْنَ بالتشديدِ {وَلاَ يَأْتِينَ بِبُهُتَـٰنٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ} كانتِ المرأةُ تلتقطُ المولودَ فتقولُ لزوجِها هُو ولدي منكَ كُنِيَ عنْهُ بالبهتانِ المُفترى بـينَ يديها ورجلَيها لأنَّ بطنَها الذي تحملُهُ فيهِ بـينَ يديها وَمَخرجُه بـينَ رِجْلَيْها. {وَلاَ يَعْصِينَكَ فِى مَعْرُوفٍ} أي فيما تأمرهنَّ بهِ من معروفٍ وتنهاهنَّ عنْهُ من منكرٍ، والتقيـيدُ بالمعروفِ مع أنَّ الرسولَ صلى الله عليه وسلم لا يأمرُ إلا بهِ التنبـيهُ على أنَّه لا يجوزُ طاعةُ مخلوقٍ في معصيةِ الخالقِ وتخصيصُ الأمورِ المعدودةِ بالذكرِ في حَقِّهنَّ لكثرةِ وقوعِها فيمَا بـينهنَّ معَ اختصاصِ بعضها بهنَّ {فَبَايِعْهُنَّ} أي على ما ذُكرَ وما لم يُذكرْ لوضوحِ أمرِهِ وظهورِ أصالتِهِ في المبايعةِ من الصلاةِ والزكاةِ وسائرِ أركانَ الدِّينِ وشعائرِ الإسلامِ، وتقيـيد مبايعتهنَّ بِما ذُكِرَ من مجيئهنَّ لحثهنَّ على المسارعةِ إليها مع كمالِ الرغبةِ فيهَا من غيرِ دعوةٍ لهنَّ إليها {وَٱسْتَغْفِرْ لَهُنَّ ٱللَّهَ} زيادةٍ على ما في ضمنِ المبايعةِ فإنها عبارةٌ عن ضمانِ الثوابِ من قبلِهِ عليهِ الصلاةُ والسلامُ بمقابلةِ الوفاءِ بالأمورِ المذكورةِ من قبلهنَّ {إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} أي مبالغٌ في المغفرةِ والرحمةِ فيغفرُ لهنَّ ويرحمهنَّ إذا وفَّينَ بما بايعنَ عليهِ. واختلفَ في كيفيةِ مبايعتِهِ عليهِ الصلاةُ والسلامُ لهن يومئذٍ فَرُوِيَ أنَّه عليهِ الصلاةُ والسلامُ لما فرغَ من بَـيعةِ الرجالِ جلسَ على الصَّفا ومعه عمرُ رضيَ الله عنْهُ أسفلَ منْهُ فجعلَ عليهِ الصلاةُ والسلامُ يشترطُ عليهن البـيعةَ وعمرُ يصافحهنَّ. ورُوِيَ أنَّه كلفَ امرأةٍ وقفتْ على الصَّفا فبايعتهنَّ. وقيلَ دَعا بقدحٍ من ماءٍ فغمسَ فيهِ يدَهُ ثم غمسنَ أيديهنَّ. ورُويَ أنه عليهِ الصلاةُ والسلامُ بايعهنَّ وبـين يديهِ وأيديهِنَّ ثوبٌ قطريٌّ، والأظهرُ الأشهرُ ما قالتْ عائشةُ رضيَ الله عنها والله ما أخذَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم على النساءِ قطُّ إلا بما أمرَ الله تعالَى وما مستْ كفُّ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم كفَّ امرأةٍ قَط وكانَ يقولُ إذا أخذَ عليهنَّ قَدْ بايعتكنَّ، كلاماً، وكانَ المؤمناتُ إذَا هاجرنَ إلى رسولِ الله صلى الله عليه وسلم يمتحنهنَّ بقولِ الله عزَّ وجلَّ: {يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ إِذَا جَاءكَ ٱلْمُؤْمِنَـٰتُ} [سورة الممتحنة، الآية 12] إلى آخرِ الآيةِ فإذا أقررنَ بذلكَ من قولِهِنَّ قالَ لهنَّ انطلقنَ فقد بايعتكُنَّ.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {وَلاَ يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ} [الآية: 12]. قال عطاء: لا يخالفنك فى شىء من الطاعات. وقال بعضهم: لا يخالفن أزواجهن فى أوامرهن لا محرفى فرشهن.

القشيري

تفسير : إذا جاءك النساء يبايعنك على الإسلام فطالِبْهُنَّ وشارِطْهُنَّ بهذه الأشياء: تَرْك الشِّرك، وترك السرقة والزنا وقتل الأولاد والافتراء في إلحاق النَّسبِ، وألا يعصينك في معروفٍ؛ فلا يخالفنك فيما تأمرهن به، ويدخل في ذلك تَرْكُ النياحةِ وشقُّ الجيوب ونَتْفُ الشَّعْرِ عند المصيبة وتخميش الوجوه والتبرُّجُ وإظهارُ الزينه.. وغير ذلك مما هو من شعائر الدِّين في الجملة.

البقلي

تفسير : قوله تعالى {وَلاَ يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ} المعروف كل طاعة وتؤل الى المعارف والكواشف قال ابن عطا لا يخالفك فى شئ من الطاعات.

اسماعيل حقي

تفسير : {يا ايها النبى} نداء تشريف وتعظيم {اذا جاءك المؤمنات} جون بيايند بتوزنان مؤمنة {يبايعنك} اى مبايعات لك اى قاصدات للمبايعة فهى حال مقدرة نزلت يوم الفتح فانه عليه السلام لما فرغ من بيعة الرجال شرع فى بيعة النساء سميت البيعة لان المبايع يبيع نفسه بالجنة المبايعة مفاعلة من البيع ومن عادة الناس حين المبايعة أن يضع احد المتبايعين يده على يد الآخر لتكون معاملتهم محكمة مثبتة فسميت المعاهدة بين المعاهدين مبايعة تشبيها لها بها فى الاحكام والابرام فمبايعة الامة رسولهم التزام طاعته وبذل الوسع فى امتثال اوامره واحكامه والمعاونة له ومبايعته اياهم الوعد بالثواب وتدبير امورهم و القيام بمصالحهم فى الغلبة على اعدائهم الظاهرة والباطنة والشفاعة لهم يوم الحساب ان كانوا ثابتين على تلك المعاهدة قائمين بما هو مقتضى المواعدة كما يقال بايع الرجل السلطان اذا اوجب على نفسه الاطاعة له وبايع السلطان الرعية اذا قبل القيام بمصالحهم واوجب على نفسه حفظ نفوسهم واموالهم من ايدى الظالمين {على ان لايشركن بالله شيئا} اى شيئا من الاشياء او شيئا من الاشتراك والظاهر ان المراد الشرك الاكبر ويجوز التعميم له وللشرك الاصغر الذى هو الرياء فالمعنى على أن لايتخذن الها غير الله ولا يعملن الا خالصا لوجهه شعر : مرايى هركس معبود سازد مرايى را زان كفتند مشرك تفسير : (قال الحافظ) شعر : كوبيا بارونمى دارند روز داورى كين همه قلب ودغل دركار داور ميكنند تفسير : {ولايسرقن} السرقة اخذ ماليس له اخذه فى خفاء وصار ذلك فى الشرع لتناول الشىء من موضع مخصوص وقدر مخصوص اى لايأخذن مال احد بغير حق ويكفى فى قبح السرقة ان النبى عليه السلام لعن السارق {ولايزنين} الزنى وطىء المرأة من غير عقد شرعى يقصر واذا مد يصح أن يكون مصدر المفاعلة قال مظهر الدين الزنى فى اللغة عبارة عن المجامعة فى الفرج على وجه الحرام ويدخل فيه اللواطة واتيان البهائم تم كلامه قال عليه السلام "حديث : يقتل الفاعل والمفعول به"تفسير : وثبت ان عليا رضى الله عنه احرقهما وان أبا بكر رضى الله عنه هدم عليهما حائطا وذلك بحسب مارأيا من المصلحة وقال عليه السلام "حديث : ملعون من أتى امرأته فى دبرها"تفسير : واما الاتيان من دبرها فى قبلها فمباح قال فى اللباب اتفق المسلمون على حرمة الجماع فى زمن الحيض واخلتفوا فى وجوب الكفارة على من جامع فيه فذهب اكثرهم الى انه لاكفارة عليه فيستغفر وذهب قوم الى وجوب الكفارة عليه تم كلامه وقال عليه السلام "حديث : من أتى بهيمة فاقتلوه واقتلوها معه"تفسير : قيل لابن عباس رضى الله عنهما ماشأن البهيمة قال ماسمعت فيها من رسول الله شيأ ولكن اكره أن يحل لحمها وينتفع بها كذلك {ولايقتلن اولادهن} أريد به وأد البنات اى دفنهن احياء خوف العار والفقر كما فى الجاهلية قال عليه اسلام "حديث : لاتنزع الرحمة الا من شقى"تفسير : (قال الحافظ) شعر : هيج رحمى نه برادربه برادر هيج شوقى نه بدر رابه بسرمى بينم دخترا نراهمه جنكست وجدل بامادر بسر انرا همه بدخواه بدرمى بينم تفسير : حكى ان هرون الرشيد زوج اخته من جعفر بشرط أن لايقرب منها فلم يصبر عنها فظهر حملها فدفنهما هرون حيين غضبا عليهما ويقال ولايشربن دوآء فيسقطن حملهن كما فى تفسير ابى الليث وفى نصاب الاحتساب تمنع القابلة من المعالجة لاسقاط الولد بعدما استبان خلقه ونفخ فيه الروح ومدة الاستبانة والنفخ مقدرة بمائة وعشرين يوما واما قبله فقيل لابأس به كالعزل وقيل يكره لان مآل الماء الحياة كما اذا اتلف محرم بيضة صيد الحرم ضمن لان مآلها الحياة فلها حكم الصيد بخلاف العزل لان ماء الرجل لاينفخ فيه الروح الا بعد صنع آخر وهو الالقاء فى الرحم فلا يكون مآله الحياة ولعل اسناد الفعل الى النساء اما باعتبار الرضى به او بمباشرته بأمر زوجها {ولايأتين ببهتان يفترينه بين ايديهن وارجلهن} الباء للتعدية والبهتان الكذب الذى يبهت المكذوب عليه اى يدهشه ويجعله متحيرا فيكون اقبح انواع الكذب وهو فى الاصل مصدر يقال بهت زيد عمرا بهتا وبهتا وبهتانا اى قال عليه مالم يفعله فزيد باهت وعمر ومبهوت والذى بهت به مبهوت به واذا قالت لزوجها هذا ولدى منك لصبى التقطتة فقد بهتته به اى قالت عليه مالم يفعله جعله نفس البهتان ثم وصفه بكونه مفترى مبالغة فى وصفهن بالكذب والافترآء الاختلاق يقال فرى فلان كذبا اذا خلقه وافتراه اختلقه قوله يفترينه اما فى موضع جر على انه صفة لبهتان او نصب على انه حال من فاعل يأتين وقوله بين ايديهن متعلق بمحذوف هو حال من الضمير المنصوب فى يفترينه اى يختلقنه مقدرا وجوده بين ايديهن وارجلهن على أن يكون المراد بالبهتان الولد المبهوت به كما ذهب اليه جمهور المفسرين وليس المعنى على نهيهن عن أن يلحقن بأزواجهن ولدا التقطنه من بعض المواضع وكانت المرأة تلتقط المولود فتقول لزوجها هو ولدى منك فى بطنى الذى بين يديى ووضعته من فرجى الذى هو بين رجلى فكنى عنه بالبهتان المفترى بين يديها ورجليها لان بطنها الذى تحمله فيه بين يديها ومخرجه بين رجليها والمعنى ولايجئن بصبى ملتقط من غير ازواجهن فانه افترآء وبهتان لهم والبهتان من الكبائر الى تتصل بالشرك {ولا يعصينك فى معروف} اى لا يخالفن امرك فيما تأمرهن به وتنهاهن عنه على ان المراد من المعروف الامور الحسنة التى عرف حسنها فى الدين فيؤمر بها والشؤون السيئة التى عرف قبحها فيه فينهى عنها كما قيل كل ماوافق فى طاعة الله فعلا او تركا فهو معروف وكما روى عن بعض اكابر المفسرين من انه هو النهى عن النياحة والدعاء بالويل وتمزيق الثوب وحلق الشعر ونتفه ونثره وخمش الوجه وان تحدث المرأة الرجال الا ذا رحم محرم وان تخلو برجل غير محرم وأن تسافر الا مع ذى رحم محرم فيكون هذا للتعميم بعد التخصيص ويحتمل أن يكون المراد من المعروف مايقابل المنكر فيكون ماقبله للنهى عن المنكر وهذا للامر بالمعروف لتكون الآية جامعة لهما والتقييد بالمعروف مع ان الرسول عليه السلام لايأمر الابه للتنبيه على انه لايجوز طاعة مخلوق فى معصية الخالق لانه لما شرط ذلك فى طاعة النبى عليه السلام فيكف فى حق غيره وهو كقوله {أية : الا ليطاع باذن الله}تفسير : كما قال فى عين المعانى فدل على ان طاعة الولاة لاتجب فى المنكر ولم يقل ولا يعصين الله لان من اطاع الرسول فقد أطاع الله ومن عصاه فقد عصى الله وتخصيص الامور المعدودة بالذكر فى حقهن لكثرة وقوعها فيما بينهن مع اختصاص بعضها بهن ووجه الترتيب بين هذه المنهيات انه قدم الا قبح علىماهو أدنى قبحا منه كذلك الى آخرها ولذا قدم ماهو الاظهر والأغلب فيما بينهن وقال صاحب اللباب ذكر الله تعالى فى هذه الآية لرسول الله عليه السلام فى صفة البيعة خصالا ستا هن اركان مانهى عنه فى الدين ولم يذكر اركان ما أمر به وهى ايضا ست الشهادة والصلاة والزكاة والصيام والحج والاغتسال من الجنابة وذلك لان النهى عنها دآئم فى كل زمان وكل حال فكان التنبيه على اشتراك الدآئم اهم وآكد {فبايعهن} جواب لاذا فهو العامل فيها فان الفاء لاتكون مانعة وهو امر من المبايعة اى فبايعهن على ماذكر وما لم يذكر لوضوح امره وظهور اصالته فى المبايعة من الصلاة والزكاة وسائر اركان الدين وشعائر الاسلام اى بايعهن اذا بايعنك بضمان الثواب على الوفاء بهذه الاشياء فان المبايعة من جهة الرسول هو الوعد والثواب ومن جهة الآخر التزام طاعته كما سبق وتقييد مبايعتهن بما ذكر من مجيئهن لحثهن على المسارعة اليها مع كمال الرغبة فيها من غير دعوة لهن اليها {واستغفر لهن الله} زيادة على مافى ضمن المبايعة من ضمان الثواب والاستغفار طلب المغفرة للذنوب والستر للعيوب {ان الله غفور رحيم} اى مبالغ فى المغفرة والرحمة فيغفر لهن ويرحمهن اذا وفين بما بايعن عليه بزركى فرمود مردمان ميكويند رحمت موقوفست بر ايمان يعنى تابنده ايمان نيارد مستحق رحمت نشود ومن مى كويم كه ايمان موقوفست برحمت يعنى تا برحمت خود توفيق نبخشد كسى بدولت ايمان نرسد (مصراع) توفيق عزيزست بهركسى ندهند. يقول الفقير الامر بالاستغفار لهن اشارة الى قبول شفاعة حبيبه عليه السلام فى حقهن فهو من رحمته الواسعة وقد عمم هذا الامر فى سورة الفتح فاستفاد جميع عباده وامائه الى يوم القيامة من بحر هذا الفضل مايغنيهم ويرويهم وهو الفياض قال الامام الطيبى لعل المبالغة فى الغفور باعتبار الكيفية وفى الغفار باعتبار الكمية كما قال بعض الصالحين انه غافر لانه يزيل معصيتك من ديوانك وغفور لانه ينسى الملائكة افعالك السوء وغفار لانه تعالى ينسيك ايضا ذنبك كما تستحيى وحظ العارف منه أن يستر من اخيه مايجب ان يستر منه ولا يفشى منه الا احسن ما كان فيه ويتجاوز عما يندر عنه ويكافىء المسيىء اليه بالصفح عنه والانعام عليه نسأل الله سبحانه أن يجعلنا متخلقين باخلاقه الكريمة ومتصفين بصفاته العظيمة انه هو الغفور الرحيم واختلف فى كيفية مبايعته عليه السلام فى بيعة النساء ودعا بقدح من ماء فغمس فيه يده ثم غمس ايديهن فجاءت هند بنت عتبة امرأة أبى سفيان متنقبة متنكرة خوفا من رسول الله أن يعرفها لما صنعته بحمزة رضى الله عنه يوم احد من المثلة فلما قال عليه السلام "حديث : ابايعكن على أن لاتشركن بالله شيأ"تفسير : رفعت هند رأسها فقالت والله لقد عبدنا الاصنام وانك لتأخذ علينا امرا مارأيناك اخذته على الرجال تبايع الرجال على الاسلام والجهاد فلما قال عليه السلام "حديث : ولا يسرقن"تفسير : قالت ان ابا سفيان رجل شحيح وانى اصبت من ماله هنات اى شيئا يسيرا فما أدرى ايحل لى فقال ابو سفيان ماصبت فهو لك حلال فضحك عليه السلام وقال "حديث : أنت هند"تفسير : قالت نعم فاعف عما سلف يانبى الله عفا الله عنك فعفا عنها فقال "حديث : ولايزنين"تفسير : فقالت وهل تزنى الحرة فقال عمر رضى الله عنه لو كان قلب نساء العرب على قلب هند مازنت امرأة قط فقال "حديث : ولايقتلن اولادهن"تفسير : فقالت ربيناهم صغارا وقتلتهم كبارا فانتم وهم اعلم وكان ابنها حنظلة بن أبى سفيان قتل يوم بدر فضحك عمر حتى استلقى وتبسم رسول الله فقال "حديث : ولا يأتين ببهتان"تفسير : فقالت والله ان البهتان لامر قبيح وما تأمرنا الا بالرشد ومكارم الاخلاق فقال "حديث : ولا يعصينك فى معروف"تفسير : فقالت والله ماجلسنا مجلسنا هذا وفى انفسان أن نعصيك فى شىء (وروى) انه عليه السلام بايعهن وبين يديه وايديهن ثوب قطرى والقطر بالكسر ضرب من البرود يأخذ بطرف منه ويأخذن بالطرف الآخر توقيا عن مساس ايدى الاجنبيات (وروى) انه جلس على الصفا ومعه عمر رضى الله عنه اسفل منه فجعل عليه السلام يشترط عليهن البيعة وعمر تصافحهن (وروى) ان عمر رضى الله عنه كان يبايع النساء بامره عليه السلام ويبلغهن عنه وهو اسفل منه عند الصفا (وروى) انه عليه السلام كلف امرأة وقفت على الصفا فبايعتهن وهى امية اخت خديجة رضى الله عنها خالة فاطمة رضى الله عنها والاظهر والاشهر ماقالت عائشة رضى الله عنها والله مااخذ رسول الله على النساء قط الا بما امر الله ومامست كف رسول الله كف امرأة قط وكان يقول "حديث : اذا اخذ عليهن قد بايعتك على كلها"تفسير : وكان المؤمنات اذا هاجرن الى رسول الله يمتحنهن بقول الله {يا أيها النبى اذا جاءك المؤمنات} الخ فاذا اقررن بذلك من قولهن قال لهن "حديث : انطلقن فقد بايعتكن ". تفسير : يقول الفقير انما بايع عليه السلام الرجال مع مس الأيدى دون النساء لان مقام الشارع يقتضى الاحتياط وتعليم الامة والا فاذا جاز مصافحة عمر رضى الله عنه لهن كما فى بعض الروايات جاز مصافحته عليه السلام لهن لانه اعلى حالا من عمر من كل وجه وبالجملة كانت البيعة مع النساء والرجال امرا مشروعا بأمر الله وسنته بفعل رسول الله ومن ذلك كانت عادة مستحسنة بين الفقراء الصوفية حين ارادة التوبة تثبيتا للايمان وتجديدا لنور الايقان على مااشبعنا الكلام عليه فى المبايعة فى سورة الفتح وذكرنا كل طرف منها فيها فارجع وفى التأويلات النجمية قوله تعالى {يا أيها النبى اذا جاءك} الخ يخاطب نبى الروح ويشير الى النفوس المؤمنة الداخلة تحت شريعة نبى الروح يبايعنك على أن لايشركن بالله شيئأ من حب الدنيا وشهواتها ولذاتها وزينتها وزخارفها ولايسرقن من اخلاق الهوى المتبع وصفاته الرديئة ولايزنين اى مع الهوى بالاتفاق معه والاتباع له ولا يقتلن اولادهن اى لايمنعن ولا يرددن اولاد الخواطر الروحانية والالهامات الربانية ولا يأتين ببهتان يفترينه بين ايديهن وارجلهن يعنى لايدعين بما لم يحصل لهن من المواهب العلوية من المشاهدات والمعاينات والتجريد والتفريد ولا من العطايا السفلية من الزهد والورع والتوكل والتسليم لانهن مابلغن بعد اليها ولا يعصينك فى معروف اى فى كل ما تأمرهن من الاخلاق والاوصاف فبايعهن اى فاقبل مبايعتهن بين يديك بالصدق والاخلاص واستغفر لهن الله مما وقع منهن قبل دخولهن فى ظل انوارك من المخالفات الشرعية والموافقات الطبيعية ان الله غفور يسترها بالموافقات الشرعية رحيم بهن يرحمهن بالمخالفات الطبيعية

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {يا أيها النبي إِذا جاءك المؤمناتُ} حال كونهن {يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللهِ شَيْئًا وَلا يَسْرِقْنَ وَلا يَزْنِينَ وَلا يَقْتُلْنَ أوْلادَهُن}، يريد: وأد البنات، {وَلا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ}، كانت المرأة تلتقط المولود، فتقول لزوجها: هو ولدي منك. كنَّى بالبهتان المفترى بين يديها ورجليها عن الولد الذي تلصقه بزوجها كذباً؛ لأنّ بطنها الذي تحمله فيه بين اليدين، وفرجها الذي تلد منه بين الرِجلْين. {ولا يَعْصِينَكَ في معروفٍ} أي: فيما تأمرهن من معروف، وتنهاهن عن منكر. والتعبير بالمعروف مع أنّ الرسول صلى الله عليه وسلم لا يأمر إلاّ به؛ للتنبيه على أنه لا تجوز طاعة مخلوق في معصية الخالق. وتخصيص الأمور المعدودة بالذكر في حقهن؛ لكثرة وقوعها فيهن. {فبايعْهُنَّ} على ما ذكر وما لم يذكر؛ لوضوح أمره، {واسْتَغفِرْ لهنَّ اللهَ} فيما مضى، {إِنَّ الله غفور رحيمٌ} أي: مبالغ في المغفرة والرحمة، فيغفر لهن ويرحمهن إذا وَفَّيْن بما بايعن عليه. حديث : رُوي: أنه صلى الله عليه وسلم لمّا فرغ يوم فتح مكة من بيعة الرجال، أخذ في بيعة النساء، وهو على الصفا، وعُمرُ قاعد أسفل منه، يُبايعهنّ عنه بأمره، وهند بنت عتبة ـ امراة أبي سفيان ـ متقنّعه متنكّرة مع النساء، خوفًا من النبي صلى الله عليه سلم أن يعرفها، فقال صلى الله عليه وسلم: "أبايعكن على ألا تُشركن بالله شيئًا". فقالت هند: والله إنك لتأخذ علينا شيئًا ما رأيتك أخذته على الرجال ـ لأنه عليه السلام بايع الرجال على الإسلام والجهاد فقط ـ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "ولا تسرقن" فقالت هند: إنّ أبا سفيان رجل شحيح، وإني أصَبتُ من ماله هَنَاتٍ، فقال أبو سفيان: هو لك حلال، فقال: " ولا تزنين" فقالت هند: أَوَتزني الحُرّة؟ فقال: "ولا تقتلن أولادكنّ"، فقالت هند: رَبيناهم صغارًا وقتلتموهم كبارًا، وكان ابنها قُتل يوم بدر، فقال: "ولا تأتين ببهتان..." الخ، فقالت هند: والله إنّ البهتان لقبيح، وما تأمرنا إلاّ بالرشد ومكارم الأخلاق! فقال: "ولا تعصين في معروف" فقالت: وما جلسنا في مجلسنا هذا وفي أنفسنا أن نعصيك في شيء، فأقرّ النسوةُ بما أخذ عليهن. وقالت أميمة: يا رسول الله، صافحْنا؟ فقال: "إني لا أُصافح النساء، إنما قَوْلي لامرأة كقولي لمائة امرأة "تفسير : ، قالت عائشة: ما مست يدُ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم يدَ امرأةٍ قط، إنما بايعهن كلامًا، وقيل: لفّ على يده ثوبًا، وقيل: غمس يده في قدح، فغمسْن أيديهن فيه. والله تعالى أعلم. الإشارة: الشيخ في قومه كالنبي في أمته، فيُقال له: إذا جاءك النفوسُ المؤمنةُ يُبايعنك على ألا ترى مع الله شيئاً، ولا تميل إلى الدنيا، ولا إلى الهوى، ولا تهمل ما تنتج أفكارُها من الواردات، ولا تأتي ببهتان تفتريه؛ بأن تنسب فعلاً إلى غير الله، أو بأن تكذب في أحوالها وأقوالها، ولا تعصي فيما تأمرها وتنهاها، فإن جاءت على ما ذكر فبايعها واستغفِر لها الله فيما فرّطت فيه، إنّ الله غفور رحيم. ولمّا نَهَى عن موالاة المشركين، نهى عن موالاة اليهود، فقال: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَوَلَّوْاْ قوْماً}.

الجنابذي

تفسير : {يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ} خصّ الخطاب والنّداء به لاختصاص الحكم به فانّه كان يأخذ البيعة من الرّجال والنّساء دون غيره {إِذَا جَآءَكَ ٱلْمُؤْمِنَاتُ} اى المذعنات او المشرفات على الاسلام {يُبَايِعْنَكَ} لمّا كان زمان بعثة الرّسول (ص) زمان فترة من الرّسل (ع) واندراس من احكامهم وكان النّاس بالاخذ من الآباء والمعلّمين منتحلين لملّتهم وكان البيعة الّتى كانت اصل جملة الخيرات ولم يكن شريعة ولم يصدق ملّة الاّ بها مندرسةً ممحوّاً اثرها من الاذهان، بل كانت غريبة فى انظارهم مستهجنة فى عقولهم الجزئيّة وكان الرّجال بعد مشاهدة هذه الفعلة من الرّسول (ص) واخذ البيعة من كلّ من اراد الاسلام ايقنوا انّهم اذا ارادوا الاسلام وجب عليهم هذه الفعلة، وامّا النّساء فكأنّه خفىّ عليهنّ وجوبها وكأنّهنّ اعتقدن انّ الاسلام بان يقلن: لا اله الاّ الله، محمّد رسول الله (ص)، ولم يعلمن انّ الانسان بهذه الكلمة فى امانٍ فامّا الاسلام فلا يتحقّق الاّ بالبيعة اظهر الله تعالى كيفيّة بيعتهنّ تعريضاً بوجوبها عليهنّ ايضاً {عَلَىٰ أَن لاَّ يُشْرِكْنَ بِٱللَّهِ شَيْئاً} من الاشياء او لا يشركن شيئاً من الاشراك {وَلاَ يَسْرِقْنَ وَلاَ يَزْنِينَ وَلاَ يَقْتُلْنَ أَوْلاَدَهُنَّ} بالوأد {وَلاَ يَأْتِينَ بِبُهُتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ} قيل: كانت المرأة تلتقط المولود فتقول لزوجها: هذا ولدى منك كنّى بالبهتان المفترى بين يديها ورجليها عن الولد الّذى تلصقه بزوجها كذباً لانّ بطنها الّذى تحمله فيه بين اليدين وفرجها الّذى تلده بين الرّجلين، وليس المعنى نهيهن عن الاتيان بولدٍ من الزّنا لانّ الشّرط بنهى الزّنا قد تقدّم، وقيل: البهتان الّذى نهين عنه قذف المحصنات والكذب على النّاس، واضافة الاولاد الى الازواج على البطلان، يعنى اذا جاءك المؤمنات يبايعنك على ذلك فى الحاضر والمستقبل من الزّمان {وَلاَ يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ} يعنى لا يعصينك فما امرت به فانّه ليس الاّ معروفاً {فَبَايِعْهُنَّ وَٱسْتَغْفِرْ لَهُنَّ ٱللَّهَ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}. اعلم، انّ البيعة الّتى كانت معمولةً فى جميع الشّرائع كانت بمنزلة الانفحّة للبن الوجود وما لم تتّصل الانفحّة باللّبن لم ينعقد وبمنزلة التّأبير لثمر النّخل ما لم يؤبّر النّخل لم يحمل الثّمر وبها يحصل اللّبّ لجوز الوجود وفستقه، وبمنزلة الوصلة من الشّجر الحلو على الشّجر المرّ ما لم يتّصل من الشّجر الحلو وصلة بالشّجر المرّ لم يصر ثمره حلواً، ولذلك كانوا فى كلّ شريعة من اوّل الامر مهتمّين بالبيعة، قيل: كان النّبىّ (ص) يبايع النّساء بالكلام بهذه الآية: وما مسّت يد رسول الله (ص) يد امرأة قطّ الاّ امرأةً يملكها، وروى انّه كان اذا بايع النّساء دعا بقدح ماء فغمس فيه يده ويقول ما قاله الله تعالى ثمّ اخرج يده ثمّ غمسن ايديهنّ فيه، وقيل: انّه كان يبايعهنّ من وراء الثّوب، وقيل: الوجه فى بيعة النّساء مع انّهنّ لسن من أهل النّصرة بالمحاربة هو اخذ العهد عليهنّ بما يصلح شأنهنّ فى الدّين والانفس والازواج، وكان ذلك فى صدر الاسلام، ولئلاّ ينفتق لهنّ فتق لما صنع من الاحكام فبايعهنّ النّبىّ (ص) حسماً لذلك.

الهواري

تفسير : قوله عز وجل: {يَآ أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَآءَكَ الْمُؤمِنَاتُ} وهن جميع المؤمنات {يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَن لاَّ يُشْرِكْنَ بِاللهِ شَيْئاً وَلاَ يَسْرِقْنَ وَلاَ يَزْنِينَ وَلا َيَقْتُلْنَ أَوْلاَدَهُنَّ وَلا َيَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ} أي: لا تلحق بزوجها ولداً ليس له. قال تعالى: {وَلاَ يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ}. قال الحسن: نهاهن عن النياحة وأن يحادثن الرجال إلا مَحْرَماً. قال: {فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللهَ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}. ذكروا عن الزهري عن عروة بن الزبير عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يصافح النساء حين بايعهن، وقال: حديث : اذهبن قد بايعتكن تفسير : . وقال بعضهم بايع رسول الله صلى الله عليه وسلم النساء وعلى يده خرقة أو ثوب.

اطفيش

تفسير : {يَا أَيُّهَا النَّبِىُّ إِذَا جَآءَكَ المُوْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ} حال من المؤمنات أي يشرعن في المبايعة أو مريدات لها والسكون بناء لاجل نون الاناث نزلت الاية يوم الفتح وفيه بايع الرجال وفي اليوم الثاني بايع النساء وقرأ عليهن الآية وكلام بعض يوهم نزولها في الثاني وليس كذلك وظاهر بعض انه بايعهن في اليوم الاول بعد مبايعة الرجال فرغ من بيعة الرجال وهو على الصفا فأتته النساء يبايعن وفيهن هند بنت عقبة امرأة ابي سفيان متنقبة متقنعة متنكرة خوفا منه صلى الله عليه وسلم فبايعهن على اشياء كما قال جلا وعلا {عَلَى أَن لا يُشْرِكْنَ بِاللهِ شَيْئاً} فرفعت هند رأسها لما تلا هذا وما يأتي وقالت والله انك لتأخذ علينا أمر ما أخذته على الرجال ولقد عبدنا الاوثان وذلك انه بايعهم على الاسلام والجهاد ولم يفصل شيئا ولم يزد. وعن عطية بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقرأعلينا ان لا يشركن بالله شيئا ونهانا عن النياحة فضربت منا امرأة يدها وقالت فلانة اسعدتني وانا اريد ان اسعدها ولم يقل لها شيئا ثم رجعت فبايعها وفي الحديث: "حديث : ليس منا من ضرب الخدود وشق الجيوب ودعا بدعوى الجاهلية" تفسير : وروي ان نساء قلن اسعدتنا نساء في الجاهلية فنسعدهن فقال الاسعاد في الاسلام وفي الحديث: "حديث : تأتي النائحة يوم القيامة ان لم تتب وعليها سربال من قطران ودرع من جرب ولعن النائحة والمستمعة ". تفسير : {وَلايَسْرِقْنَ} لما قرأه عليهن حديث : قالت هند إِن ابا سفيان رجل شحيح وإِني أَصبت من ماله هنات أي أشياء فلا أَدري أًيحل لي أًَم لا فقال أَبو سفيان ما أصبت في ما مضى وما تصيبين في ما غير حلال لك فضحك النبي صلى الله عليه وسلم وعرفها فقال: إِنك لهند بنت عتبة قالت: نعم فاعف عما سلف عفا الله عنك . تفسير : {وَلايَزْنِينَ} قالت هند أو تزن الحرة وروي انها قالت ما زنت منهم امرأة قط. {وَلايَقْتُلْنَ} وقرىء بالتشديد {أَوْلادَهُنَّ} قالت هند ربيناهم صغارا وقتلناهم كبارا وروي وقتلتموهم كباراً فانتم وهم اعلم وكان ابنها حنظلة بن أبي سفيان قتل يوم بدر فضحك عمر رضي الله عنه حتى اسلقى وتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم واراد بقتل الاولاد وذم البنات الذي فعلته الجاهلية ثم هوعام في كل نوع من قتل الولد. {وَلايَأْتِينَ} الياء لام الكلمة والنون ضمير الاناث {بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ} قالت هند والله ان البهتان لامر قبيح وما تأمرنا إلا بالرشد ومكارم الاخلاق أي بولد تلتقطه وتنسبه للزوج وتقول هذا ولدي منك ومعنى بين ايديهن وارجلهن ان الولد إذا وضعته الام سقط بين يديها ورجليها وقيل ان بطنها الذي تحمله فيه بين يديها ورجليها وقيل هو بين يديها وإذا وضعته كان بين رجليها فوصف اللقيط بوصف الولد الحقيقي وقيل المراد كل بهتان ولم يرد الزنا لانه سبق النهي عنه. {وَلا يَعْصِينَكَ فِى مَعْرُوفٍ} قالت هند ما جلسنا مجلسنا هذا وفي انفسنا ان نعطيك في شيء وقيد بالمعروف وهو الشيء الحسن مع انه صلى الله عليه وسلم لا يأمر الاية تنبيها على انه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق والمراد بالمعروف الفرض والمندوب تركا وفعلا وعن الحسن ترك النياحة ومحاذاة الرجال إلا محرما وقيل أن لا ينحن ولا يدعون بالويل ولا يمزقن الثياب ولا يحلقن الشعر ولا ينتفنه ولا يخمشن الوجه ولا تحدث المرأة الرجال الاجانب ولا تخلو برجل غير ذي محرم ولا تسافر مع غير ذي محرم ولا ينشرن شعرا. {فَبَايَعْهُنَّ} إذا بايعنك بضمان الثواب على الوفاء بهذه الاشياء روي انه لما ذكر ذلك قلن نبايعك على ذلك وذكرته واحداً واحدا ولما فرغن قال: فيما استطعتن وأطقتن فقلن الله ورسوله أرحم بنا منا لأنفسنا وفيهن أميمة بنت رقيمة وما كانت المبايعة إلا بالقول واجمعوا انه لم يمس يد امرأة منهن وهن اربعمائة وسبع وخمسون وعن عائشة حديث : انه بايع باللسان وقال: إنما قولي لمائة امرأة كقولي لامرأة فافهم، قالت: قال: اذهبن قد بايعتكن . تفسير : وروي أن عمر في الصفا تحته صلى الله عليه وسلم يبايعهن بأمره صلى الله عليه وسلم ويبلغهن عنه وذلك بالقول وقيل: صافحهن صلى الله عليه وسلم بيده وكان على يده ثوب، وروي وعلى يده خرقة أو ثوب وقيل دعا بقدح من ماء فغمس فيه يده ثم غمس فيه ايديهن. {وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللهَ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} روي ان ناساً من نفراء المسلمين يواصلون اليهود ليصيبوا من ثمارهم قيل يخبرونهم باخبار المسلمين فنزل.

الالوسي

تفسير : {يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ إِذَا جَاءكَ ٱلْمُؤْمِنَـٰتُ يُبَايِعْنَكَ } / أي مبايعات لك أي قاصدات للمبايعة {عَلَىٰ أَن لاَّ يُشْرِكْنَ بِٱللَّهِ شَيْئاً } أي شيئاً من الأشياء أو شيئاً من الإشراك {وَلاَ يَسْرِقْنَ وَلاَ يَزْنِينَ وَلاَ يَقْتُلْنَ أَوْلْـٰدَهُنَّ } أريد به على ما قال غير واحد: وأد البنات بالقرينة الخارجية، وإن كان الأولاد أعم منهن، وجوز إبقاءه على ظاهره فإن العرب كانت تفعل ذلك من أجل الفقر والفاقة. وانظر هل يجوز حمل هذا النهي على ما يعم ذلك وإسقاط الحمل بعد أن ينفخ فيه الروح؟ وقرأ علي كرم الله تعالى وجهه والحسن والسلمي {وَلاَ يَقْتُلْنَ } بالتشديد. {وَلاَ يَأْتِينَ بِبُهُتَـٰنٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ }. قال الفراء: كانت المرأة في الجاهلية تلتقط المولود فتقول: هذا ولدي منك فذلك البهتان المفترى بين أيديهن وأرجلهن، وذلك أن الولد إذا وضعته الأم سقط بين يديها ورجليها، وفي «الكشاف» ((كنى بالبهتان المفترى بين يديها ورجليها عن الولد الذي تلصقه بزوجها كذباً لأن بطنها الذي تحمله فيه بين اليدين وفرجها الذي تلده به بين الرجلين))، وقيل: كنى بذلك عن الولد الدعي لأن اللواتي كن يظهرن البطون لأزواجهن في بدء الحال إنما فعلن ذلك امتناناً عليهم، وكن يبدين في ثاني الحال عند الطلق حين يضعن الحمل بين أرجلهن أنهن ولدن لهم فنهين عن ذلك الذي هو من شعار الجاهلية المنافي لشعار المسلمات تصويراً لتينك الحالتين وتهجيناً لما كن يفعلنه، وأياً مّا كان فحمل الآية على ما ذكر هو الذي ذهب إليه الأكثرون، وروي ذلك عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، وقال بعض الأجلة: معناه لا يأتين ببهتان من قبل أنفسهن، واليد والرجل كناية عن الذات لأن معظم الأفعال بهما، ولذا قيل للمعاقب بجناية قولية: هذا ما كسبت يداك، أو معناه لا يأتين ببهتان ينشئنه في ضمائرهن وقلوبهن، والقلب مقره بين الأيدي والأرجل، والكلام على الأول: كناية عن إلقاء البهتان من تلقاء أنفسهن، وعلى الثاني: كناية عن كون البهتان من دخيلة قلوبهن المبنية على الخبث الباطني. وقال الخطابـي: معناه لا يبهتن الناس كفاحاً ومواجهة كما يقال للأمر بحضرتك: إنه بين يديك، ورد بأنهم وإن كنوا عن الحاضر بما ذكر لكن لا يقال فيه: هو بين رجليك، وهو وارد لو ذكرت الأرجل وحدها أما إذا ذكرت مع الأيدي تبعاً فلا، والكلام قيل: كناية عن خرق جلباب الحياء، والمراد النهي عن القذف، ويدخل فيه الكذب والغيبة، وروي عن الضحاك حمل ذلك على القذف، وقيل: بين أيديهن قبلة أو جسة وأرجلهن الجماع، وقيل: بين أيديهن ألسنتهن بالنميمة، وأرجلهن فروجهن بالجماع، وهو وكذا ما قبله كما ترى. وقيل: البهتان السحر، وللنساء ميل إليه جداً فنهين عنه وليس بشيء. {وَلاَ يَعْصِينَكَ فِى مَعْرُوفٍ } أي فيما تأمرهن به من معروف وتنهاهن عنه من منكر، والتقييد بالمعروف مع أن الرسول صلى الله عليه وسلم لا يأمر إلا به للتنبيه على أنه لا يجوز طاعة مخلوق في معصية الخالق، ويرد به على من زعم من الجهلة أن طاعة أولي الأمر لازمة مطلقاً، وخص بعضهم هذا المعروف بترك النياحة لما أخرج الإمام أحمد والترمذي وحسنه وابن ماجه وغيرهم عن أم سلمة الأنصارية قالت امرأة من هذه النسوة: ما هذا المعروف الذي لا ينبغي لنا أن نعصيك فيه؟ فقال صلى الله عليه وسلم: « حديث : لا تنحن » تفسير : الحديث، ونحوه من الأخبار الظاهرة في تخصيصه بما ذكر كثير، والحق العموم، وما ذكر في الأخبار من باب الاقتصار على بعض أفراد العام لنكتة، ويشهد للعموم قول ابن عباس وأنس وزيد بن أسلم: هو النوح وشق الجيوب ووشم الوجوه ووصل الشعر وغير ذلك من أوامر الشريعة فرضها وندبها، وتخصيص الأمور المعدودة بالذكر في حقهنّ لكثرة / وقوعها فيما بينهن مع اختصاص بعضها بهن على ما سمعت أولاً. {فَبَايِعْهُنَّ } بضمان الثواب على الوفاء بهذه الأشياء. وتقييد مبايعتهن بما ذكر من مجيئهن لحثهن على المسارعة إليها مع كما الرغبة فيها من غير دعوة لهن إليها {وَٱسْتَغْفِرْ لَهُنَّ ٱللَّهَ } زيادة على ما في ضمن المبايعة من ضمان الثواب {إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } أي مبالغ جل شأنه في المغفرة والرحمة فيغفر عز وجل لهن ويرحمهن إذا وفين بما بايعن عليه. وهذه الآية نزلت ـ على ما أخرج ابن أبـي حاتم عن مقاتل ـ يوم الفتح فبايع رسول الله صلى الله عليه وسلم الرجال على الصفا وعمر رضي الله تعالى عنه يبايع النساء تحتها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وجاء أنه عليه الصلاة والسلام بايع النساء أيضاً بنفسه الكريمة. أخرج الإمام أحمد والنسائي وابن ماجه والترمذي وصححه وغيرهم « حديث : عن أميمة بنت رُقَيْقَة قالت: أتيت النبـي صلى الله عليه وسلم [في النساء] لنبايعه فأخذ علينا ما في القرآن أن لا نشرك بالله شيئاً حتى بلغ {وَلاَ يَعْصِينَكَ فِى مَعْرُوفٍ } فقال: فيما استطعتن وأطقتن قلنا: الله ورسوله أرحم بنا من أنفسنا، يا رسول الله ألا تصافحنا؟ قال: إني لا أصافح النساء إنما قولي لمائة امرأة كقولي لامرأة واحدة » تفسير : . وأخرج سعيد بن منصور وابن سعد عن الشعبـي قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا بايع النساء وضع على يده ثوباً؛ وفي بعض الروايات أنه صلى الله عليه وسلم يبايعهن وبين يديه وأيديهن ثوب قطري، ومن يثبت ذلك يقول بالمصافحة وقت المبايعة، والأشهر المعول عليه أن لا مصافحة، أخرج ابن سعد وابن مردويه عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا بايع النساء دعا بقدح من ماء فغمس يده فيه ثم يغمسن أيديهن فيه؛ وكأن هذا بدل المصافحة والله تعالى أعلم بصحته. والمبايعة وقعت غير مرة ووقعت في مكة بعد الفتح وفي المدينة؛ وممن بايعنه عليه الصلاة والسلام في مكة هند بنت عتبة زوج أبـي سفيان، ففي حديث أسماء بنت يزيد بن السكن كنت في النسوة المبايعات وكانت هند بنت عتبة في النساء فقرأ صلى الله عليه وسلم عليهن الآية فلما قال: {عَلَىٰ أَن لاَّ يُشْرِكْنَ بِٱللَّهِ شَيْئاً } قالت هند: وكيف نطمع أن يقبل منا ما لم يقبله من الرجال؟ يعني أن هذا بين لزومه فلما قال {وَلاَ يَسْرِقْنَ } قالت: والله إني لأصيب الهنة من مال أبـي سفيان لا يدري أيحل لي ذلك؟ فقال أبو سفيان: ما أصبت من شيء فيما مضى وفيما غبر هو لك حلال؛ فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم وعرفها فقال لها: وإنك لهند بنت عتبة؟ قالت: نعم فاعف عما سلف يا نبـي الله عفا الله عنك، فقال: ولا {يَزْنِينَ } فقالت: أو تزني الحرة؟ - تريد أن الزنا في الإماء بناءاً على ما كان في الجاهلية من أن الحرة لا تزني غالباً وإنما يزني في الغالب الإماء، وإنما قيد بالغالب لما قيل: إن ذوات الرايات كن حرائر -، فقال: {وَلاَ يَقْتُلْنَ أَوْلْـٰدَهُنَّ } فقالت: ربيناهم صغاراً وقتلتهم كباراً ـ تعني ما كان من أمر ابنها حنظلة بن أبـي سفيان فإنه قتل يوم بدر ـ فضحك عمر حتى استلقى وتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي رواية أنها قالت: قتلت الآباء وتوصينا بالأولاد؟! فضحك صلى الله عليه وسلم، فقال: {وَلاَ يَأْتِينَ بِبُهُتَـٰنٍ } فقالت: والله إن البهتان لأمر قبيح ولا يأمر الله تعالى إلا بالرشد ومكارم الأخلاق، فقال: {وَلاَ يَعْصِينَكَ فِى مَعْرُوفٍ } فقالت: والله ما جلسنا مجلسنا هذا وفي أنفسنا أن نعصيك في شيء، وكأن هذا منها دون غيرها من النساء لمكان أم حبيبة رضي الله تعالى عنها من رسول الله / صلى الله عليه وسلم مع أنها حديثة عهد بجاهلية، ويروى أن أول من بايع النبـي صلى الله عليه وسلم من النساء أم سعد بن معاذ وكبشة بنت رافع مع نسوة أخر رضي الله تعالى عنهن.

ابن عاشور

تفسير : هذه تكملة لامتحان النساء المتقدم ذكره في قوله تعالى: {أية : يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن}تفسير : الآية [الممتحنة: 10]. وبيان لتفصيل آثاره. فكأنه يقول: فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهنّ إلى الكفار وبَينُوا لهن شرائع الإِسلام. وآية الامتحان عقب صلح الحديبية في شأن من هاجرن من مكة إلى المدينة بعد الصلح وهن: أمّ كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط، وسبيعة الأسلمية، وأميمة بنت بشر، وزينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا صحة للأخبار التي تقول: إن الآية نزلت في فتح مكة ومنشؤها التخليط في الحوادث واشتباه المكرر بالآنف. روى البخاري ومسلم عن عائشة: حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يمتحن من هاجر من المؤمنات بهذه الآية {يا أيها النبي إذا جاءك المؤمنات يبايعنك} إلى قوله: {غفور رحيم} فمن أقرّ بهذا الشرط من المؤمنات قال لها رسول الله: قد بايعتُكِتفسير : . والمقتضى لهذه البيعة بعد الإِمتحان أنهن دخلن في الإِسلام بعد أن استقرت أحكام الدين في مدة سنين لم يشهدن فيها ما شهده الرجال من اتساع التشريع آنا فآنا، ولهذا ابتدئت هذه البيعة بالنساء المهاجرات كما يؤذن به قوله: {إذا جاءك المؤمنات}، أي قدمن عليك من مكة فهي على وزان قوله: {أية : يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات}تفسير : [الممتحنة: 10]. قال ابن عطية: كانت هذه البيعة ثاني يوم الفتح على جبل الصفا. وأجرى النبي صلى الله عليه وسلم هذه البيعة على نساء الأنصار أيضاً. روى البخاري حديث : عن أم عطية قالت: بايَعَنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقرأ علينا {أن لا يشركن بالله شيئاً}تفسير : الحديث. وفيه حديث : عن ابن عباس قال: شهدت الصلاة يوم الفطر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل الخطبة فنزل نبي الله فكأني أنظر إليه حين يجلِّس الرجال بيده ثم أقبل يشقهم حتى أتى النساء مع بلال فقال: {يا أيها النبي إذا جاءك المؤمنات يبايعنك على أن لا يشركن} حتى فرغ من الآية كلها. ثم قال حين فرغ: أنتُنّ على ذلك فقالت امرأة منهنّ واحدة لم يجبه غيرها: نعم يا رسول الله. قال: «فتصدقن»تفسير : . وأجرى هذه المبايعة على الرجال أيضاً. ففي «صحيح البخاري» حديث : عن عبادة بن الصامت قال: «كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أتبايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئاً ولا تزنوا ولا تسرقوا، وقرأ آية النساء (أي النازلة بخطاب النساء في سورة الممتحنة) فمن وفَى منكم فأجره على الله. ومن أصاب من ذلك شَيئاً فعوقب به فهو كفارة له. ومن أصاب منها شيئاً فستره الله فهو إلى الله إن شاء عذبه وإن شاء غفر له»تفسير : . واستمر العمل بهذه المبايعة إلى يوم فتح مكة وقد أسلم أهلها رجالاً ونساء فجلس ثاني يوم الفتح على الصفا يأخذ البيعة من الرجال على ما في هذه الآية، وجلس عمر بن الخطاب يأخذ البيعة من النساء على ذلك، وممن بايعته من النساء يومئذٍ هند بنت عتبة زوج أبي سفيان وكبشة بنت رافع. وجملة {يبايعنك} يجوز أن تكون حالاً من {المؤمنات} على معنى: يُردن المبايعة وهي المذكورة في هذه الآية. وجواب {إذا} {فبايعهن}. ويجوز أن تكون جملة {يبايعنك} جواب {إذا}. ومعنى {إذا جاءك المؤمنات}، أي الداخلات في جماعة المؤمنين على الجملة والإِجمال، لا يعلمن أصولَ الإِسلام وبيّنه بقوله: {يبايعنك} فهو خبر مراد به الأمر، أي فليبايعنك وتكون جملة {فبايعهن} تفريعاً لجملة {يبايعنك} وليبنى عليها قوله: {واستغفر لهن الله}. وقد شملت الآية التخلي عن خصال في الجاهلية وكانت السرقة فيهن أكثر منها في الرجال. قال الأعرابي لما وَلدت زوجهُ بنتاً: والله ما هي بِنعْمَ الولدُ بَزّها بكاء ونَصرُها سرقة. والمراد بقتل الأولاد أمران: أحدهما الوأد الذي كان يفعله أهل الجاهلية ببناتهم، وثانيهما إسقاط الأجنة وهو الإِجهاض. وأسند القتل إلى النساء وإن كان بعضه يفعله الرجال لأن النساء كنّ يرضين به أو يَسكتن عليه. والبهتان: الخبر المكذوب الذي لا شبهة لكاذبه فيه لأنه يبهت من ينقل عنه. والافتراء: اختلاق الكذب، أي لا يختلقن أخباراً بأشياء لم تقع. وقوله: {بين أيديهن وأرجلهن} يتعلق بـ{يأتينَ}، وهذا من الكلام الجامع لمعان كثيرة باختلاف محامله من حقيقة ومجاز وكناية، فالبهتان حقيقته: الإِخبار بالكذب وهو مصدر. ويطلق المصدر على اسم المفعول كالخلق بمعنى المخلوق. وحقيقة بين الأيدي والأرجل: أن يكون الكذب حاصلاً في مكان يتوسط الأيدي والأرجل فإن كان البهتان على حقيقته وهو الخبر الكاذب كان افتراؤه بين أيديهن وأرجلهن أنه كَذب مواجهةً في وجه المكذوب عليه كقولها: يا فلانة زنيت مع فلان، أو سرقتِ حلي فلانة. لتبهتها في ملأٍ من الناس، أو أنت بنت زِنا، أو نحو ذلك. وإن كان البهتان بمعنى المكذوب كان معنى افترائه بين أيديهن وأرجلهن كناية عن ادعاء الحمل بأن تشرب ما ينفخ بطنها فتوهم زوجها أنها حامل ثم تظهر الطلق وتأتي بولد تلتقطه وتنسبه إلى زوجها لئلا يطلقها، أو لئلا يرثه عصبته، فهي تعظم بطنها وهو بين يديها، ثم إذا وصل إبان إظهار الطلق وضعت الطفل بين رجليها وتحدثتْ وتحدث الناس بذلك فهو مبهوت عليه. فالافتراء هو ادعاؤها ذلك تأكيداً لمعنى البهتان. وإن كان البهتان مستعاراً للباطل الشبيه بالخبرِ البهتانِ، كان {بين أيديهن وأرجلهن} محتملاً للكناية عن تمكين المرأة نفسها من غير زوجها يقبلها أو يحبسها، فذلك بين يديها أو يزني بها، وذلك بين أرجلها. وفسره أبو مسلم الأصفهاني بالسحر إذ تعالج أموره بيديها، وهي جالسة تضع أشياء السحر بين رجليها. ولا يمنع من هذه المحامل أن النبي صلى الله عليه وسلم بايع الرجال بمثلها. وبعض هذه المحامل لا يتصور في الرجال إذ يؤخذ لكل صنف ما يصلح له منها. وبعد تخصيص هذه المنهيات بالذكر لخطر شأنها عمم النهي بقوله: {ولا يَعصِينَك في معروف} والمعروف هو ما لا تنكره النفوس. والمراد هنا المعروف في الدين، فالتقييد به إما لمجرد الكشف فإن النبي صلى الله عليه وسلم لا يأمر إلا بالمعروف، وإما لقصد التوسعة عليهن في أمر لا يتعلق بالدين كما فعلتْ بريرة إذْ لم تقبل شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم في إرجاعها زوجَها مُغيثاً إذ بانت منه بسبب عتقها وهو رقيق. وقد روي في «الصحيح» عن أمّ عطية أن النبي صلى الله عليه وسلم نهاهنّ في هذه المبايعة عن النياحة فقبضت امرأةٌ يدها وقالت: أسعدَتْني فلانةُ أريد أن أَجزِيها. فما قال لها النبي صلى الله عليه وسلم شيئاً فانطلقتْ ورجعت فبايَعها. وإنما هذا مثال لبعض المعروف الذي يأمرهن به النبي صلى الله عليه وسلم تركه فاش فيهن. وورد في أَخبار أنه نهاهن عن تَبرج الجاهلية وعن أن يُحدثن الرجال الذين ليسوا بمحرم فقال عبد الرحمان بن عوف: يا نبيء الله إن لنا أضيافاً وإنا نغيب، قال رسول الله: ليس أولئك عنيتُ. وعن ابن عباس: نهاهنّ عن تمزيق الثياب وخدش الوجوه وتقطيع الشعور والدعاء بالويل والثبور، أي من شؤون النياحة في الجاهلية. وروى الطبري بسنده إلى ابن عباس حديث : لمَّا أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم البيعة على النساء كانت هندٌ بنتُ عتبةَ زوجُ أبي سفيان جالسة مع النساء متنكرة خوفاً من رسول الله أن يقتصَّ منها على شَقها بطن حمزة وإخراجِها كبدَه يوم أُحد. فلما قال: {على أن لا يشركن بالله شيئاً}، قالت هند: وكيف نَطمع أَن يَقبل منا شيئاً لم يقبله من الرجال. فلما قال: {ولا يسرقن}. قالت هند: والله إِني لأُصيب من مَالِ أبي سفيان هَنات فما أدري أتحل لي أم لا؟ فقال: أبو سفيان: ما أصبتِ من شيء فيما مضى وفيما غَبَر فهو لككِ حلال. فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم وعَرَفها فدعاها فأتته فعاذت به، وقالت: فاعفُ عما سلف يا نبي الله عفا الله عنك. فقال: {ولا يَزْنِينَ}. فقالت: أَوَ تزني الحُرّة. قال: {ولا يقتلن أولادهن}. فقالت هند: ربيْناهم صغاراً وقتلتهم كباراً فأنتم وهم أعلم. تريد أن المسلمين قتلوا ابنها حنظلة بن أبي سفيان يوم بدر. فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: {ولا يأتين ببهتان يفترينه}. فقالت: والله إن البهتان لأمرٌ قبيح وما تأمرنا إلا بالرشد ومكارم الأخلاق. فقال: {ولا يعصينك في معروف}. فقالت: والله ما جلسنا مجلسنا هذا وفي أنفسنا أن نعصيَك في شيءتفسير : . فقوله: {ولا يعصينك في معروف} جامع لكل ما يخبر به النبي صلى الله عليه وسلم ويأمر به مما يرجع إلى واجبات الإِسلام. وفي الحديث حديث : عن أم عطية قالت: كان من ذلك: أن لا ننوح. قالت: فقلت يا رسول الله إلا آل فلان فإنهم كانوا أسعدوني في الجاهلية فلا بدّ أن أَسعدهم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إلاّ آل فلانتفسير : ، وهذه رخصة خاصة بأم عطية وبمن سَمَّتهم. وفي يوم معيّن. وقوله: {فبايعهن} جواب {إذا} تفريع على {يبايعنك}، أي فأقبل منهنّ ما بايعنك عليه لأن البيعة عنده من جانبين ولذلك صيغت لها صيغة المفاعلة. {واستغفر لهن الله}، أي فيما فرط منهنّ في الجاهلية مما خص بالنهي في شروط البيعة وغير ذلك. ولذلك حذف المفعول الثاني لفعل {استغفر}.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {وَلاَ يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ}. القيد بالمعروف هنا للبيان ولا مفهوم له، لأن كل ما يأمر به صلى الله عليه وسلم معروف، وفيه حياتهن، وقد بينه الشيخ رحمة الله تعالى عليه، عند قوله تعالى:{أية : إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ}تفسير : [الأنفال: 24] في دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب، وتقدم الكلام عليه عند قوله تعالى {أية : وَمَآ آتَاكُمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ}تفسير : [الحشر: 7] ولكن فيه تنبيه على أن من كان في موضع الأمر من بعده لا طاعة له إلا في المعروف والعلم عند الله تعالى.

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 12- يا أيها النبى: إذا جاءك المؤمنات يعاهدنك على أن لا يشركن بالله شيئاً، ولا يسرقن، ولا يزنين، ولا يقتلن أولادهن، ولا يُلْحقْنَ بأزواجهن مَن ليس من أولادهن بهتاناً وكذباً يختلقنه بين أيديهن وأرجلهن، ولا يخالفنك فى معروف تدعوهن إليه، فعاهدهن على ذلك، واطلب لهن المغفرة من الله، إن الله عظيم المغفرة والرحمة. 13- يا أيها الذين صدقوا بالله ورسوله لا توالوا قوماً غضب الله عليهم قد يئسوا من الآخرة وما فيها من ثواب وحساب كما يئس الكفار من إحياء أصحاب القبور.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: إذا جاءك المؤمنات يبايعنك: أي يوم الفتح والرسول صلى الله عليه وسلم على الصفا وعمر أسفل منه. فبايعهن: أي على أن لا يشركن بالهل شيئاً إلى ولا يعصينك في معروف. أن لا يشركن بالله: أي أي شيء من الشرك أو الشركاء. ولا يقتلن أولادهن: أي كما كان أهل الجاهلية يقتلون البنات وأداً لهن. ولا يأتين ببهتان يفترينه: أي بكذب يكذبنه فيأتين بولد ملقوط وينسبنه إلى الزوج وهو ليس بولده. ولا يعصينك في معروف: أي ما عرفه الشرع صالحاً حسناً فأمر به وانتدب إليه. أو ما عرفه الشرع منكراً محرماً. فبايعهن: أي اقبل بيعتهن. واستغفر لهن الله: أي أطلب الله تعالى لهن الغفرة لما سلف من ذنوبهن وما قد يأتي. قوماً غضب الله عليهم: أي اليهود. قد يئسوا من الآخرة: أي من ثوابها مع إيقانهم بها، وذلك لعنادهم النبي مع علمهم بِصِدْقِهِ. كما يئس الكفار من أصحاب القبور: أي كيأس من سبقهم من اليهود الذين كفروا بعيسى وماتوا على ذلك فهم أيضاً قد يئسوا من ثواب الآخرة. معنى الآيات: قوله تعالى {يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ} إلى قوله {إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} هذه آية بيعة النساء، فقد بايع عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم نساء قريش يوم الفتح وهو جالس على الصفا وعمر دونه أسفل منه، وهو يبايع، وطلب إليه أن يمد يده فقال حديث : إنِّي لا أصافح النساء فبايعهن على أن لا يشركن بالله شيئاً أي من الشرك أو الشركاء ولا يسرقن، ولا يزنين، ولا يقتلن أولادهن كما كان نساء الجاهلية يئدن بناتهن ولا يأتين ببهتان أي كذب يفترينه أي يكذبنه بين أيديهن وأرجلهن أي لا يلحقن بأزواجهن غير أولادهن، ولا يعصينك في معروف تفسير : بصورة عامة وفي النياحة بصورة خاصة إذ كان النساء في الجاهلية ينُحن على الأموات ويشققن الثياب ويخدشن الوجوه قال تعالى يا أيها النبي إذا جاءك المؤمنات يبايعنك فبايعهن على ألا يشركن بالله شيئاً ولا يسرقن، ولا يزنين ولا يقتلن أولادهن، ولا يأتين ببهتان يفترينه بين أيديهن وأرجلهن ولا يعصينك في معروف، فبايعهن واستغفر لهن الله فيما مضى من ذنوبهن وما قد يأتي إن الله غفور رحيم. وقوله تعالى {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} أي يا من صدقتم الله ورسوله لا تتولَّوا قوما غضب الله عليهم وهم اليهود لا تتولوهم بالنصرة والمحبة وقد يئسوا من الآخرة أي من ثواب الله فيها بدخول الجنة وذلك لعنادهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وكفرهم به مع علمهم أنه رسول الله ومن كفر به وكذبه أو عانده وحاربه لا يدخل الجنة فلذا هم آيسون من دخول الجنة. وقوله تعالى {كَمَا يَئِسَ ٱلْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابِ ٱلْقُبُورِ} أي كما يئس إخوانهم الذين ماتوا قبلهم من دخول الجنة إذ كفروا بعيسى عليه السلام وحاربوه ووالدته واتهموا عيسى بالسحر ووالدته بالعهر، والعياذ بالله فيئس هؤلاء من دخول الجنة كما يئس من مات منهم ممن هم أصحاب قبور. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- مشروعية أخذ البيعة لإِمام المسلمين ووجوب الوفاء بها. 2- حرمة الشرك وما ذكر معه من السرقة والزنا وقتل الأولاد والكذب والبهتان وإلحاق الولد بغير أبيه. 3- حرمة النياحة وما ذكر معها من شق الثياب وخمش الوجوه والتحدث مع الرجال الأجانب. 4- بعد الحرة كل البعد من الزنا إذ قالت هند وهي تبايع أو تزني الحرة؟ قال لا تزني الحرة. 5- حرمة مصافحة النساء لقوله صلى الله عليه وسلم في البيعة إني لا أصافح النساء. 6- حرمة موالاة اليهود بالنصرة والمحبة.

القطان

تفسير : يبايعنك: يعاهدنك على الطاعة والالتزام بالاوامر واجتناب النواهي. ببهتان: بباطل وكذب. غضبَ الله عليهم: طردهم من رحمته. يئسوا من الآخرة: يئسوا من ثوابها لأنهم لم يؤمنوا بها. كما يئس الكفار من اصحاب القبور: لانهم يعتقدون انهم لا يرجعون. يا ايها النبي إذا جاءك المؤمناتُ يعاهدنك ويقدّمن لك الطاعة، ويعبدن الله ولا يشركن به شيئا، ولا يسرقن من مال احد، ولا يزنين، ولا يقتلن أولادَهن كما كان يفعل اهل الجاهلية، ولا يُلحقن بأزواجهنّ من ليس من اولادهم بهتانا وكذبا يختلقنه بين ايديهن وارجلهن، ولا يخالفنك في معروف تدعوهنّ اليه - فعاهِدْهن على ذلك، واطلب لهن المغفرة من الله، {إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} يغفر الذنوب جميعا، ويشمل عباده برحمته. ثم كرر الله النهيَ هنا عن موالاة المشركين. فقد بدأ اولُ السورة بنداء المؤمنين ونهيهم عن موالاة المشركين، ثم خُتمت بتكرار النهي عن موالاتهم، وأن الله غضبَ عليهم وطردَهم من رحمته.. والغرض هو تحذير المؤمنين من اعداء الله، وان لا يأمنوهم على شيء، ولا يركنوا الى اكاذيبهم ودسائسهم. ثم بين أوصافهم ومعتقداتهم بقوله: {قَدْ يَئِسُواْ مِنَ ٱلآخِرَةِ كَمَا يَئِسَ ٱلْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابِ ٱلْقُبُورِ}. انهم لا يرجون لقاء الله ولم يؤمنوا بالبعث، كما يئس الكفار من بعث موتاهم مرة اخرى. نسأل الله حسن الختام، والحمد لله رب العالمين.

د. أسعد حومد

تفسير : {يٰأَيُّهَا} {ٱلْمُؤْمِنَاتُ} {أَوْلاَدَهُنَّ} {بِبُهْتَٰنٍ} (12) - يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ النِّسَاءُ المُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لاَ يُشْرِكْنَ بِاللهِ شَيئاً، مِنْ صَنَمٍ أَوْ حَجَرٍ، وَلاَ يَسْرِقْنَ مِنْ مَالِ النَّاسِ شَيئاً، وَلاَ يَزْنِينَ، وَلاَ يَئِدْنَ بَنَاتِهِنَّ، كَمَا كُنَّ يَفْعَلْنَ فِي الجَاهِلِيَّةِ، وَلاَ يُلْصِقْنَ أولاَدَ الأَجَانِب بأزواجهِنَّ (بِبُهْتَانِ يَفْتَرينَه) ويدَّعِينَ بأَنَّهُنَّ حَمَلْنَ بِهمُ في بُطونِهِنّ (بين أيديهن) وولدَنهم من أرحَامهن (بين أرجُلِهِنَّ) وَلاَ يُخَالِفْنَكَ فِيَما أمَرْتَهُنَّ بِه، أو فِيمَا تَنْهَاهُنَّ عَنْهُ مِنْ مَعْرُوفٍ، كَالامْتِنَاعِ عَنِ النَّوْحِ وَشَقِّ الجُيُوبِ، وَعَلَى أَلاَّ تَخْلُو المَرأَةُ بِغَيْرِ ذِي رَحِمٍ مُحْرَمٍ، فَبَايِعْهُنَّ عَلَى ذَلِكَ، وَالتَزِمْ لَهُنَّ بِالوَفَاءِ بِالثَّوَابِ إِنْ هُنَّ وَفَيْنَ فِيمَا بَايَعْنَكَ عَلَيهِ، وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللهَ عَمَّا سَلَفَ مِنْ ذَنْبِهِنَّ، إِنَّ اللهَ تَعَالَى هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ. بِبُهْتَانٍ - بِإِلْصَاقِ اللُقَطَاءِ بِالأَزْوَاجِ.

الثعلبي

تفسير : {يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ إِذَا جَآءَكَ ٱلْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ} الآية وذلك يوم فتح مكة حديث : لما فرغ الرسول صلى الله عليه وسلم من بيعة الرجال وهو على الصَفا وعمر بن الخطاب أسفل منه وهو يبايع النساء بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ويبلغهن عنه وهند بنت عتبة أمرأة أبي سفيان متنقبة مستنكرة مع النساء خوفاً من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعرفها فقال النبي صلى الله عليه وسلم "أبايعكن على أن لا تشركن بالله شيئاً" فرفعت هند رأسها وقالت والله إنك لتأخذ علينا أمراً ما رأيناك أخذته على الرجال، وبايع الرجال يومئذ على الإسلام والجهاد فقط، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "ولا يسرقن" فقالت هند: إن أبي سفيان رجل شحيح وإني أصيب من ماله هنات ولا أدري أتحل لي أم لا؟ فقال أبو سفيان: ما أصبت من شيء فيما مضى وفيما غير فهو لك حلال، فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم وعرفها فقال لها: "وإنك لهند بنت عتبة" قالت: نعم، فأعفُ عما سلف يا نبي الله عفا الله عنك فقال: "لا يزنين" فقالت هند أوتزني الحرة؟ فقال: {وَلاَ يَقْتُلْنَ أَوْلاَدَهُنَّ} فقالت هند: ربيناهم صغاراً وقتلتموهم كباراً فأنتم وهم أعلم، وكان ابنها حنظلة بن أبي سفيان قد قتل يوم بدر، فضحك عمر حتى استلقى وتبسّم النبي صلى الله عليه وسلم فقال: {وَلاَ يَأْتِينَ بِبُهْتَٰنٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ} وهو أن تقذف ولداً على زوجها وليس منه، فقالت هند: والله إنَّ البهتان يقبح وما تأمرنا إلاّ مكارم الأخلاق، {وَلاَ يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ} فقالت: ما جلسنا مجلسنا هذا وفي أنفسنا أن نعصيك في شيء، فأقرّ النسوة بما أخد عليهن . تفسير : وأختلف العلماء في كيفية بيعة رسول الله صلى الله عليه وسلم عليه النساء، فأخبرنا محمد بن عبد الله بن حمدون قال: أخبرنا مكي قال: حدثنا عبد الرحمن بن بشر قال: حدثنا سفيان وأخبرنا عبد الله ابن حامد قال: أخبرنا محمد بن جعفر قال: حدثنا بشر بن مطر قال: حدثنا سفيان بن عتبة حديث : عن محمد بن المفكر وسمع أميمة بنت رفيقة تقول: بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم في نسوة فقال: فيما استطعتن وأطقتن فقلت: رسول الله أرحم بنا من أنفسنا، قلت: يا رسول الله صافحنا قال: "إني لا أصافح النساء إنما قولي (لامرأة واحدة) كقولي لمائة امرأة" . تفسير : وأخبرنا محمد بن عبد الله بن حمدون قال: حدثنا أحمد بن محمد بن الحسن قال: حدّثنا محمد بن يحيى قال: حدّثنا عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن عروة عن عائشة قالت: كان رسول صلى الله عليه وسلم يبايع النساء بالكلام بهذه الآية على أن لا يشركن بالله شيئاً قالت: وما مسّ يد رسول الله صلى الله عليه وسلم يد أمرأة قط الايد أمرأة تملكها، وقال السعري كان النبي صلى الله عليه وسلم يبايع النساء وعلى يده ثوب مطري. وروى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا بايع النساء دعا بقدح من ماء فغمس يده فيه ثم غمس أيديهن فيه، وقال الكلبي: كان رسول صلى الله عليه وسلم يشرط على النساء وعمر رضي الله عنه يصافحهن. وأختلف المفسرون في معنى المعروف فقال القرظي: المعروف الذي لا يعصينه فيه، ربيع: كل ما وافق طاعة الله فهو معروف، فلم يرض الله لنبيّه أن يطاع في معصية الله. بكر بن عبد الله المدني: لا يعصينك في كل أمر فيه رشدهن، مجاهد: لا تخلو المرآة بالرجال، سعيد ابن المسيب ومحمد بن السائب وعبد الرحمن بن زيد: لا تحلقن ولا تسلقن ولا تحرقن ثوباً ولا ينتفن شعراً ولا يخمشن وجهاً ولا ينشرن شعراً ولا يحدثن الرجال إلا ذا محرم ولا تخلو أمرأة برجل غير ذي محرم ولا تسافر أمرأة ثلاثة أيام مع غير ذي محرم، ابن عباس: لا ينحن. ودليل هذا التأويل ما أخبرنا الحسين قال: حدّثنا أحمد بن محمد بن علي الهمداني قال: حدثنا محمد بن علي بن مخلد الفرقدي قال: حدثنا سليمان الشادكوى قال حدّثنا النعمان بن عبد السلام قال حدّثني عمرو بن فروخ قال: حدثنا مصعب بن نوح قال: أدركت عجوزاً ممن بايعت النبي صلى الله عليه وسلم فحدّثتني عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا يعصينك في معروف قال: النوح وأخبرنا الحسن قال: أخبرنا أحمد بن محمد بن إسحاق قال: أخبرنا أبو بكر بن سلام قال: حدثنا الحسن بن محمد الزعفراني قال: حدّثنا سعدون قال: حدثنا سليمان بن داود قال حدثنا يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : هذه النوائح يجعلن يوم القيامة صفّين صفاً عن اليمين وصفاً وعن الشمال وينبحن كما تنبح الكلاب ". تفسير : وأخبرنا الحسين قال: حدثنا السني قال: أخبرني إسحاق بن مروان الخطراني قال: حدثنا الحسن بن عروة قال: حدّثنا علي بن ثابت الحرري قال: حدّثنا حسان بن حميد عن سلمة بن جعفر عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : تخرج النائحة من قبرها يوم القيامة شعثاء غبراء عليها جلباب من لعنة ودرع من حرب واضعة يدها على رأسها تقول: واويلاه، وملك يقول: آمين، ثم يكون من ذلك حظها النار ". تفسير : وأخبرنا الحسن قال: أخبرنا أحمد بن محمد بن إسحاق قال: أخبرنا أبو يعلي الموصلي قال: حدثنا هدية بن خالد قال حدثنا أبان بن يزيد قال: حدثنا يحيى بن أبي كثير أن زيداً حدّثه أنَّ أبا سلمة حدّثه أن أبا مالك الأشعري حدّثه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : أربع في أمتي من أمر الجاهلية لا يتركوهن: الفخر في الإحساب والطعن في الأنساب والإستسقاء بالنجوم والنياحة ". تفسير : وقال: "حديث : النائحة إذا لم تتب قبل موتها يقام يوم القيامة عليها سربال من قطران ودرع من حرب ". تفسير : وأخبرنا الحسن قال: أخبرنا ابن حمدان قال: حدّثنا عبد الله بن محمد بن سنان قال: حدّثنا عبد الله بن رجاء العداي قال: حدّثنا عمران بن دوار القطان قال: حدّثنا قتادة عن أبي مرانة العجلي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : لا تصلي الملائكة على نائحة ولا مرنة ". تفسير : وأخبرنا الحسن قال: حدّثنا أحمد بن إسحاق قال: حدّثني عمر بن حفص المكاري قال: حدّثنا أبو عتبة قال: حدّثنا فقيه قال: حديث : حدّثنا أبو عامر قال: حدّثني عطاء بن أبي رياح أنَّه كان عند ابن عمر وهو يقول: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لعن النائحة والمسمعة والحالقة والسالقة والواشمة والمتوشمة وقال: "ليس للنساء في إتباع الجنائز أجر" . تفسير : وأخبرنا الحسن قال: حدّثنا ابن حمدان قال: حدّثنا يوسف بن عبد الله قال حدّثنا موسى ابن إسماعيل قال: حدّثنا حماد عن أبان بن أبي عياش عن الحسين أنّ عمر بن الخطاب رضي الله عنه سمع نائحة فأتاها فضربها حتى وقع خمارها عن رأسها، فقيل: يا أمير المؤمنين المرأة المرأة قد وقع خمارها، قال: إنها لا حرمة لها. {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَوَلَّوْاْ قوْماً غَضِبَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ} وهم اليهود وذلك ان ناساً من فقراء المسلمين كانوا يخبرون اليهود بأخبار المسلمين ويتواصلونهم فيصيبون بذلك من ثمارهم، فنهاهم الله سبحانه عن ذلك {قَدْ يَئِسُواْ} يعني هؤلاء اليهود {مِنَ ٱلآخِرَةِ} أن يكون لهم فيها ثواب {كَمَا يَئِسَ ٱلْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابِ ٱلْقُبُورِ} أن يرجعوا إليهم أو يبعثوا. أخبرنا الشيخ أبو علي بن أبي عمرو الخيري الحرشي قال: حدّثنا أبي قال: حدّثنا محمد ابن خلف بن شُعبة قال: حدّثنا محمد بن سائق قال: حدّثنا إسرائيل عن سماك عن عكرمة عن ابن عباس في قوله سبحانه {كَمَا يَئِسَ ٱلْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابِ ٱلْقُبُورِ} قال: هم الكفار أصحاب القبور قد يئسوا من الآخرة. وأخبرنا أبو علي بن أبي عمرو قال: حدّثنا أبي قال: حدّثنا علي بن سعيد بن جبير النسائي قال: حدّثنا أبو النظر قال: حدّثنا شعبة عن الحكم عن مجاهد {كَمَا يَئِسَ ٱلْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابِ ٱلْقُبُورِ} قال: الكفار حين دخلوا قبورهم يئسوا من رحمة الله. وأخبرنا أبو علي قال: حدّثنا أبي قال: حدّثنا أحمد بن يوسف السلمي قال: حدّثنا موسى قال: حدّثنا شبل عن أبي نجيح عن مجاهد في قوله عزّ وجلّ {يَئِسُواْ مِنَ ٱلآخِرَةِ} بكفرهم كما يئس الكفّار من الموتى في الآخرة حتى يبين لهم أعمالهم. وأخبرنا عبد الله بن حامد قال: أخبرنا محمّد بن جعفر قال: حدّثنا علي بن حرب قال: حدّثنا وكيع قال: حدّثنا عبد الله بن حبيب عن أبي ثابت قال: سمعت القاسم بن أبي بزة يقول في قول الله سبحانه {قَدْ يَئِسُواْ مِنَ ٱلآخِرَةِ كَمَا يَئِسَ ٱلْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابِ ٱلْقُبُورِ} قال: من كان منهم من الكفار يئس من الخير.

الجيلاني

تفسير : ثمَّ قال سبحانه منادياً لنبيه على سبيل الإرشاد والتعليم: {يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ إِذَا جَآءَكَ ٱلْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ} ويقبلن منك مطلق الحقوق والحدود المعتبرة في الشرع، سيما {عَلَىٰ أَن لاَّ يُشْرِكْنَ بِٱللَّهِ} الواحد الأحد الصمد، المنزه عن الشريك والولد {شَيْئاً} من الإشراك {وَلاَ يَسْرِقْنَ} من حرز إنسان ماله {وَلاَ يَزْنِينَ} سواء كن محصنات أو غير محصنات {وَلاَ يَقْتُلْنَ أَوْلاَدَهُنَّ} كإسقاط جنين، ووأد البنات وغيرها {وَلاَ يَأْتِينَ بِبُهْتَٰنٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ} يعني: لا تأتي بالمرأة بشيء فاحش إلى حيث تقذف بولدها بأنه ليس من زوجها؛ بسبب ذلك الشيء الذي صدر عنها، يبهت الناس بسببه، ووقعوا في الافتراء لأجله {وَ} بالجملة: يبايعنك على أن {لاَ يَعْصِينَكَ} يا أكمل الرسل {فِي مَعْرُوفٍ} مستحسن عقلاً وشرعاً تأمرهن بها أصلاً حالهن، وإذا بايعن معك على ترك الخصائل المذمومة {فَبَايِعْهُنَّ} أيضاً {وَٱسْتَغْفِرْ لَهُنَّ ٱللَّهَ} بما صدر منهم قبل البيعة {إِنَّ ٱللَّهَ} المطلع على ما في نياتهن من الإخلاص {غَفُورٌ} يغفرهن بعدما أخلصن {رَّحِيمٌ} [الممتحنة: 12] يقبل توبتهن. ثمَّ لمَّا واصل بعض فقراء المسلمين اليهود؛ ليصيبوا من ثمَّارهم لنزلت: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} مقتضى إيمانكم: ترك مواصلة اليهود ومصاحبتهم {لاَ تَتَوَلَّوْاْ قوْماً غَضِبَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ} يعني: عامة المشركين؛ لأنهم {قَدْ يَئِسُواْ} وقنطوا {مِنَ ٱلآخِرَةِ} لذلك لم يؤمنوا بها وبما فيها من المواعيد والوعيدات الهائلة {كَمَا يَئِسَ ٱلْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابِ ٱلْقُبُورِ} [الممتحنة: 13] يعني: مثل يأسهم من البعث والحشر أصحاب القبور، وإخراجهم منها أحياء، ووقوفهم بين يدي الله، فعليكم ألاَّ تصاحبوا معهم إن كنتم مؤمنين مصدقين بها. جعلنا الله من المصدقين بيوم الدين، وبعموم ما فيه من المؤمنين الموقنين. خاتمة السورة عليك أيها الموحد المحمدي - مكنك الله في مقر عز التوحيد واليقين، وجنبك عن طريان التردد والتلوين - ألاَّ تصاحب أهل الغفلة وأصحاب الجهالات، المنهمكين في بحار الأوهام والخيالات الموروثة لهم من متقضيات الإمكان المستلزم لأنواع الخذلان والهوان، فلك أن تلازم زاوية الخمول بالعفاف قانعاً من الدنيا بالكفاف، مجتنباً عن مخائل أصحاب الجزاف، متوكلاً على الصمد المعين، متوجهاً نحوه في كل تحريك وتسكين، راضياً بما جرى عليك من القضاء، مطمئناً بما وصل إليك من العطاء، شاكراً لنعم الله في السراء والضراء، مقتصداً بين الخوخف والرجاء، مفوضاً عموم أمورك إلى المولى، متعطشاً في جميع أحوالك إلى شرف اللقاء، وما هي إلا جنة المأوى، وسدرة المنتهى. رزقنا الله عموم عباده الوصول إليها، والتحقق دونها بمنِّه وجوده.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : {يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ إِذَا جَآءَكَ ٱلْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَىٰ أَن لاَّ يُشْرِكْنَ بِٱللَّهِ شَيْئاً وَلاَ يَسْرِقْنَ وَلاَ يَزْنِينَ وَلاَ يَقْتُلْنَ أَوْلاَدَهُنَّ وَلاَ يَأْتِينَ بِبُهْتَٰنٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلاَ يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبَايِعْهُنَّ} [الممتحنة: 12] يعني: أيتها القوى اللطيفة الخفية إذا جاءك المؤمنة القابلة يبايعنك على أن لا يشركن بالله شيئاً في الاختيار ويضعن الاختيار إلى الله بالكلية ولا يسرقن الموتة القلبية والسرية والروحية والخفية ولا يزينن بالهوى يعني: لا تأذن لخاطر الهوى أن يدخل فيهن ولا يقتلن الوارد الذي يرد عليهن والخاطر الإلهامي الذي يخطر بهن بدس الوارد والخاطر الإلهامي تحت تراب الطبيعة ولا يأتين بهتان يفترينه على القوى الفاعلة المؤمنة واللطيفة الخفية ويزعم أن الخاطر السري خاطر الروح أو خاطر الروح خاطر الحق وأمثاله ولا يعصينك في معرفة الله وفيما تأمرهم بأمر والوارد مع ترك الضجارة والملالة عند مصيبة وبلاء التشنيع على {وَٱسْتَغْفِرْ لَهُنَّ} [الممتحنة: 12] مما سلف عليهن {ٱللَّهَ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [الممتحنة: 12] يغفر الذنوب ويرحم على من يتوب {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَوَلَّوْاْ قوْماً غَضِبَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ} [الممتحنة: 13] يعني: أيتها القوى المؤمنة التابعة للطيفة الخفية لاتتخذوا القوى المؤمنة المتابعة للطيفة السرية المنكرة للطيفة الروحية والخفية {قَدْ يَئِسُواْ مِنَ ٱلآخِرَةِ} [الممتحنة: 13] بإنكارهم اللطائف الروحية والخفية {كَمَا يَئِسَ ٱلْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابِ ٱلْقُبُورِ} [الممتحنة: 13] يعني: كما يئس القوى النفسية التي هي من أصحاب القوى القالبية وفي هذه الآية أظهر نسبة القوالب إلى القبور لمن كان له قلب شهيد أو سمع حديد اللهم أرزقني قلبا شهيداً أو سمعاً حديداً بحق محمد صلى الله عليه وسلم وآله وصحبه أجمعين.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : هذه الشروط المذكورة في هذه الآية، تسمى "مبايعة النساء" اللاتي [كن] يبايعن على إقامة الواجبات المشتركة، التي تجب على الذكور والنساء في جميع الأوقات. وأما الرجال، فيتفاوت ما يلزمهم بحسب أحوالهم ومراتبهم وما يتعين عليهم، فكان النبي صلى الله عليه وسلم يمتثل ما أمره الله به، فكان إذا جاءته النساء يبايعنه، والتزمن بهذه الشروط بايعهن، وجبر قلوبهن، واستغفر لهن الله، فيما يحصل منهن من التقصير وأدخلهن في جملة المؤمنين بأن { لا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا } بأن يفردن الله [وحده] بالعبادة. { وَلا يَزْنِينَ } كما كان ذلك موجودا كثيرا في البغايا وذوات الأخدان، { وَلا يَقْتُلْنَ أَوْلادَهُنَّ } كما يجري لنساء الجاهلية الجهلاء. { وَلا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ } والبهتان: الافتراء على الغير أي: لا يفترين بكل حالة، سواء تعلقت بهن وأزواجهن أو سواء تعلق ذلك بغيرهم، { وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ } أي: لا يعصينك في كل أمر تأمرهن به، لأن أمرك لا يكون إلا بمعروف، ومن ذلك طاعتهن [لك] في النهي عن النياحة، وشق الثياب، وخمش الوجوه، والدعاء بدعاء الجاهلية. { فَبَايِعْهُنَّ } إذا التزمن بجميع ما ذكر. { وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ } عن تقصيرهن، وتطييبا لخواطرهن، { إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ } أي: كثير المغفرة للعاصين، والإحسان إلى المذنبين التائبين، { رَحِيمٌ } وسعت رحمته كل شيء، وعم إحسانه البرايا.

همام الصنعاني

تفسير : 3202- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن الزّهري، عن عروة، عن عائشة قالت: ما كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا بايع النساء يمتحنهنَّ إلا بالآية التي قال: {إِذَا جَآءَكَ ٱلْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَىٰ أَن لاَّ يُشْرِكْنَ بِٱللَّهِ شَيْئاً ... وَلاَ ... وَلاَ ...}: [الآية: 12]. 3203- حدثنا عبد الرزاق، قال مع مر، وقال قتادة: وكان يُحَلِّفهن بالله ما خرجن إلا رغبةً في الإسْلاَمِ، وحُبّاً لله ورسوله. 3204- حدثنا عبد الرزاق، عن الثَّوريّ، عن منصور، عن إبراهيم قال: كانَ النبي صلى الله عليه وسلم يصافح النساء، على يده الثوب. 3207- عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {وَلاَ يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ}: [الآية: 12]، قال: هو النوح: أخذَ عليهن ألاَّ يَنُحْنَ، ولا يُخلين بحديث الرجال إلاَّ من ذي محرم. فقال عبد الرحمن بن عوف: يا رسول الله؛ إنا نغيب ويكون لنا أضياف، قال: "ليس أولئك عَنَيْتُ"؟