Verse. 5164 (AR)

٦١ - ٱلصَّفّ

61 - As-Saff (AR)

سَبَّحَ لِلہِ مَا فِي السَّمٰوٰتِ وَمَا فِي الْاَرْضِ۝۰ۚ وَہُوَالْعَزِيْزُ الْحَكِيْمُ۝۱
Sabbaha lillahi ma fee alssamawati wama fee alardi wahuwa alAAazeezu alhakeemu

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«سبح لله ما في السماوات وما في الأرض» أي نزهه فاللام مزيدة وجيء بما دون من تغليبا للأكثر «وهو العزيز» في ملكه «الحكيم» في صنعه.

1

Tafseer

الرازي

تفسير : وجه التعلق بما قبلها هو أن في تلك السورة بيان الخروج جهاداً في سبيل الله وابتغاء مرضاته بقوله: {أية : إِن كُنتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَاداً فِى سَبِيلِى وَٱبْتِغَاء مَرْضَاتِى } تفسير : [الممتحنة: 1] وفي هذه السورة بيان ما يحمل أهل الإيمان ويحثهم على الجهاد بقوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلَّذِينَ يُقَـٰتِلُونَ فِى سَبِيلِهِ صَفّاً كَأَنَّهُم بُنْيَـٰنٌ مَّرْصُوصٌ } تفسير : [الصف: 4] وأما الأول بالآخر، فكأنه قال: إن كان الكفرة بجهلهم يصفون لحضرتنا المقدسة بما لا يليق بالحضرة، فقد كانت الملائكة وغيرهم من الإنس والجن يسبحون لحضرتنا، كما قال: {سَبَّحَ للَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ } أي شهد له بالربوبية والوحدانية وغيرهما من الصفات الحميدة جميع ما في السموات والأرض و{ٱلْعَزِيزُ } من عز إذا غلب، وهو الذي يغلب على غيره أي شيء كان ذلك الغير، ولا يمكن أن يغلب عليه غيره و{ٱلْحَكِيمُ } من حكم على الشيء إذا قضى عليه، وهو الذي يحكم على غيره، أي شيء كان ذلك الغير، ولا يمكن أن يحكم عليه غيره، فقوله: {سَبَّحَ للَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ } يدل على الربوبية والوحدانية إذن، ثم إنه تعالى قال في البعض من السور: {أية : سَبَّحَ للَّهِ } تفسير : [الحديد: 1، الحشر: 1]، وفي البعض: {أية : يُسَبّحُ } تفسير : [الجمعة: 1، التغابن: 1]، وفي البعض: {أية : سَبِّحِ } تفسير : [الأعلى: 1] بصيغة الأمر، ليعلم أن تسبيح حضرة الله تعالى دائم غير منقطع لما أن الماضي يدل عليه في الماضي من الزمان، والمستقبل يدل عليه في المستقبل من الزمان، والأمر يدل عليه في الحال، وقوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون } منهم من قال: هذه الآية في حق جماعة من المؤمنين، وهم الذين أحبوا أن يعملوا بأحب الأعمال إلى الله، فأنزل الله تعالى: {أية : يأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ هَلْ أَدُلُّكمْ عَلَىٰ تِجَـٰرَةٍ } تفسير : [الصف: 10] الآية و{أية : إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلَّذِينَ يُقَـٰتِلُونَ } تفسير : [الصف: 4] فأحبوا الحياة وتولوا يوم أحد فأنزل الله تعالى: {لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ } وقيل في حق من يقول: قاتلت ولم يقاتل، وطعنت ولم يطعن، وفعلت ولم يفعل، وقيل: إنها في حق أهل النفاق في القتال، لأنهم تمنوا القتال، فلما أمر الله تعالى به قالوا: {أية : لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا ٱلْقِتَالَ } تفسير : [النساء: 77] وقيل: إنها في حق كل مؤمن، لأنهم قد اعتقدوا الوفاء بما وعدهم الله به من الطاعة والاستسلام والخضوع والخشوع فإذا لم يوجد الوفاء بما وعدهم خيف عليهم في كل زلة أن يدخلوا في هذه الآية ثم في هذه الجملة مباحث: الأول: قال تعالى: {أية : سَبَّحَ للَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ } تفسير : [الحديد: 1، الحشر: 1] في أول هذه السورة، ثم قاله تعالى في أول سورة أخرى، وهذا هو التكرار، والتكرار عيب، فكيف هو؟ فنقول: يمكن أن يقال: كرره ليعلم أنه في نفس الأمر غير مكرر لأن ما وجد منه التسبيح عند وجود العالم بإيجاد الله تعالى فهو غير ما وجد منه التسبيح بعد وجود العالم، وكذا عند وجود آدم وبعد وجوده. الثاني: قال: {سَبَّحَ للَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ } ولم يقل: سبح لله السموات والأرض وما فيهما، مع أن في هذا من المبالغة ما ليس في ذلك؟ فنقول: إنما يكون كذلك إذا كان المراد من التسبيح، التسبيح بلسان الحال مطلقاً، أما إذا كان المراد هو التسبيح المخصوص فالبعض يوصف كذا، فلا يكون كما ذكرتم. الثالث: قال صاحب الكشاف: {لم } هي لام الإضافة داخلة على ما الاستفهامية كما دخل عليها غيرها من حروف الجر في قولك: بم وفيم وعم ومم، وإنما حذفت الألف لأن (ما) والحرف كشيء واحد، وقد وقع استعمالها في كلام المستفهم، ولو كان كذلك لكان معنى الاستفهام واقعاً في قوله تعالى: {لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ } والاستفهام من الله تعالى محال وهو عالم بجميع الأشياء، فنقول: هذا إذا كان المراد من الاستفهام طلب الفهم، أما إذا كان المراد إلزام من أعرض عن الوفاء ما وعد أو أنكر الحق وأصر على الباطل فلا.

القرطبي

تفسير : تقدّم.

البيضاوي

تفسير : مدنية، وقيل مكية وآيها أربع عشرة آية بسم الله الرحمن الرحيم {سَبَّحَ للَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ} سبق تفسيره. {ٱ ي&#1648أَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لِمَ تَقُولُونَ مَا لاَ تَفْعَلُونَ } روي أن المسلمين قالوا: لو علمنا أحب الأعمال إلى الله تعالى لبذلنا فيه أموالنا وأنفسنا فأنزل الله {إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلَّذِينَ يُقَـٰتِلُونَ فِى سَبِيلِهِ صَفّاً} فولوا يوم أحد فنزلت. و {لَمْ} مركبة من لام الجر وما الاستفهامية والأكثر على حذف ألفها مع حرف الجر لكثرة استعمالها معاً واعتناقهما في الدلالة على المستفهم عنه. {كَبُرَ مَقْتاً عِندَ ٱللَّهِ أَن تَقُولُواْ مَا لاَ تَفْعَلُونَ} المقت أشد البغض ونصبه على التمييز للدلالة على أن قولهم هذا مقت خالص {كَبُرَ} عند من يحقر دونه كل عظيم، مبالغة في المنع عنه. {إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلَّذِينَ يُقَـٰتِلُونَ فِى سَبِيلِهِ صَفّاً} مصطفين مصدر وصف به. {كَأَنَّهُم بُنْيَـٰنٌ مَّرْصُوصٌ} في تراصهم من غير فرجة، حال من المستكن في الحال الأولى. والرص اتصال بعض البناء بالبعض واستحكامه. {وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ } مقدراً باذكر أو كان كذا. {يٰقَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِى} بالعصيان والرمي بالادرة. {وَقَد تَّعْلَمُونَ أَنّى رَسُولُ ٱللَّهِ إِلَيْكُمْ } بما جئتكم من المعجزات، والجملة حال مقررة للإنكار فإن العلم بنبوته يوجب تعظيمه ويمنع إيذاءه، {وَقَدْ } لتحقيق العلم. {فَلَمَّا زَاغُواْ} عن الحق. {أَزَاغَ ٱللَّهُ قُلُوبَهُمْ } صرفها عن قبول الحق والميل إلى الصواب. {وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِى ٱلْفَـٰسِقِينَ} هداية موصلة إلى معرفة الحق أو إلى الجنة. {وَإِذْ قَالَ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ يٰبَنِى إِسْرٰءيلَ} ولعله لم يقل {يَا قَوْم} كما قال موسى عليه الصلاة والسلام لأنه لا نَسب له فيهم. {إِنّى رَسُولُ ٱللَّهِ إِلَيْكُم مُّصَدّقاً لّمَا بَيْنَ يَدَىَّ مِنَ ٱلتَّوْرَاةِ وَمُبَشّراً} في حال تصديقي لما تقدمني من التوراة وتبشيري {بِرَسُولٍ يَأْتِى مِن بَعْدِى}. والعامل في الحالين ما في الرسول من معنى الإِرسال لا الجار لأنه لغو إذ هو صلة للرسول فلا يعمل. {بِرَسُولٍ يَأْتِى مِن بَعْدِى ٱسْمُهُ أَحْمَدُ} يعني محمداً عليه الصلاة والسلام، والمعنى أن ديني التصديق بكتب الله وأنبيائه، فذكر أول الكتب المشهورة الذي حكم به النبيون والنبي الذي هو خاتم المرسلين. {فَلَمَّا جَاءهُم بِٱلْبَيّنَـٰتِ قَالُواْ سِحْرٌ مُّبِينٌ} الإِشارة إلى ما جاء به أو إليه، وتسميته سحر للمبالغة ويؤيده قراءة حمزة والكسائي هذا «ساحراً» على أن الإِشارة إلى عيسى عليه الصلاة والسلام. {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ وَهُوَ يُدْعَىٰ إِلَى ٱلإسْلاَمِ} أي لا أحد أظلم ممن يدعى إلى الإِسلام الظاهر حقيته المقتضي له خبر الدارين فيضع موضع إجابته الافتراء على الله بتكذيب رسوله وتسميته آياته سحراً فإنه يعم إثبات المنفي ونفي الثابت وقرىء «يُدْعَىٰ» يقال دعاه وادعاه كلمسه والتمسه. {وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلظَّـٰلِمِينَ } لا يرشدهم إلى ما فيه فلاحهم. {يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُواْ } أي يريدون أن يطفئوا، واللام مزيدة لما فيها من معنى الإِرادة تأكيداً لها كما زيدت لما فيها من معنى الاضافة تأكيداً لها في لا أبا لك، أو {يُرِيدُونَ } الافتراء {لِيُطْفِئُواْ }. {نُورَ ٱللَّهِ } يعني دينه أو كتابه أو حجته. {بِأَفْوٰهِهِم } بطعنهم فيه. {وَٱللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ } مبلغ غايته بنشره وإعلائه، وقرأ ابن كثير وحمزة والكسائي وحفص بالإضافة. {وَلَوْ كَرِهَ ٱلْكَـٰفِرُونَ } إرغاماً لهم.

ابن كثير

تفسير : تقدم الكلام على قوله تعالى: {سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلأَرْضِ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ} غير مرة بما أغنى عن إعادته. وقوله تعالى: { يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لِمَ تَقُولُونَ مَا لاَ تَفْعَلُونَ}؟ إنكار على من يعد وعداً، أو يقول قولاً لا يفي به، ولهذا استدل بهذه الآية الكريمة من ذهب من علماء السلف إلى أنه يجب الوفاء بالوعد مطلقاً، سواء ترتب عليه عزم الموعود أم لا، واحتجوا أيضاً من السنة بما ثبت في الصحيحين: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : آية المنافق ثلاث: إذا وعد أخلف، وإذا حدث كذب، وإذا اؤتمن خان»تفسير : . وفي الحديث الآخر في الصحيح: «حديث : أربع من كن فيه كان منافقاً خالصاً، ومن كانت فيه واحدة منهن كانت فيه خصلة من نفاق حتى يدعها» تفسير : فذكر منهن: إخلاف الوعد، وقد استقصينا الكلام على هذين الحديثين في أول شرح البخاري، ولله الحمد والمنة، ولهذا أكد الله تعالى هذا الإنكار عليهم بقوله تعالى: { كَبُرَ مَقْتاً عِندَ ٱللَّهِ أَن تَقُولُواْ مَا لاَ تَفْعَلُونَ}. وقد روى الإمام أحمد وأبو داود عن عبد الله بن عامر بن ربيعة قال: أتانا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا صبي، فذهبت لأخرج لألعب، فقالت أمي: يا عبد الله تعالَ أعطك، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : وما أردت أن تعطيه؟» تفسير : قالت: تمراً. فقال: «حديث : أما إنك لو لم تفعلي، كتبت عليك كذبة»تفسير : . وذهب الإمام مالك، رحمه الله تعالى، إلى أنه إذا تعلق بالوعد غرم على الموعود، وجب الوفاء به، كما لو قال لغيره: تزوج، ولك علي كل يوم كذا، فتزوج، وجب عليه أن يعطيه ما دام كذلك؛ لأنه تعلق به حق آدمي، وهو مبني على المضايقة، وذهب الجمهور إلى أنه لا يجب مطلقاً، وحملوا الآية على أنها نزلت حين تمنوا فريضة الجهاد عليهم، فلما فرض، نكل عنه بعضهم؛ كقوله تعالى: {أية : أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوۤاْ أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُواْ ٱلزَّكَوٰةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ ٱلْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَخْشَوْنَ ٱلنَّاسَ كَخَشْيَةِ ٱللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُواْ رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا ٱلْقِتَالَ لَوْلاۤ أَخَّرْتَنَا إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتَـٰعُ ٱلدُّنْيَا قَلِيلٌ وَٱلآخِرَةُ خَيْرٌ لِّمَنِ ٱتَّقَىٰ وَلاَ تُظْلَمُونَ فَتِيلاً أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِككُّمُ ٱلْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ} تفسير : [النساء: 77 ــــ 78]. وقال تعالى: {أية : وَيَقُولُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَوْلاَ نُزِّلَتْ سُورَةٌ فَإِذَآ أُنزِلَتْ سُورَةٌ مُّحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا ٱلْقِتَالُ رَأَيْتَ ٱلَّذِينَ فِى قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ ٱلْمَغْشِىِّ عَلَيْهِ مِنَ ٱلْمَوْتِ} تفسير : الآية [محمد: 20]. وهكذا هذه الآية، معناها كما قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله تعالى: { يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لِمَ تَقُولُونَ مَا لاَ تَفْعَلُونَ}؟ قال: كان ناس من المؤمنين قبل أن يفرض الجهاد يقولون: لوددنا أن الله عز وجل دلنا على أحب الأعمال إليه، فنعمل به، فأخبر الله نبيه أن أحب الأعمال إيمان به لا شك فيه، وجهاد أهل معصيته الذين خالفوا الإيمان ولم يقروا به، فلما نزل الجهاد، كره ذلك ناس من المؤمنين، وشق عليهم أمره، فقال الله سبحانه وتعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لِمَ تَقُولُونَ مَا لاَ تَفْعَلُونَ}؟ وهذا اختيار ابن جرير. وقال مقاتل بن حيان: قال المؤمنون: لو نعلم أحب الأعمال إلى الله، لعملنا به، فدلهم الله على أحب الأعمال إليه، فقال: {إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلَّذِينَ يُقَـٰتِلُونَ فِى سَبِيلِهِ صَفّاً} فبين لهم، فابتلوا يوم أحد بذلك، فولوا عن النبي صلى الله عليه وسلم مدبرين، فأنزل الله في ذلك: { يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لِمَ تَقُولُونَ مَا لاَ تَفْعَلُونَ}؟ وقال: أحبكم إلي من قاتل في سبيلي. ومنهم من يقول: أنزلت في شأن القتال، يقول الرجل: قاتلت، ولم يقاتل، وطعنت، ولم يطعن، و"ضربت"، ولم يضرب، و"صبرت"، ولم يصبر. وقال قتادة، والضحاك: نزلت توبيخاً لقوم كانوا يقولون: "قتلنا، وضربنا، وطعنا، وفعلنا،" ولم يكونوا فعلوا ذلك. وقال ابن زيد: نزلت في قوم من المنافقين كانوا يعدون المسلمين النصر، ولا يفون لهم بذلك. وقال مالك، عن زيد بن أسلم: {لِمَ تَقُولُونَ مَا لاَ تَفْعَلُونَ}؟ قال: في الجهاد. وقال ابن أبي نجيح، عن مجاهد: {لِمَ تَقُولُونَ مَا لاَ تَفْعَلُونَ} ــــ إلى قوله ــــ {كَأَنَّهُم بُنْيَانٌ مَّرْصُوصٌ} فما بين ذلك، في نفر من الأنصار، فيهم عبد الله بن رواحة، قالوا في مجلس: لو نعلم أي الأعمال أحب إلى الله، لعملنا بها حتى نموت، فأنزل الله تعالى هذا فيهم، فقال عبد الله بن رواحة: لا أبرح حبيساً في سبيل الله حتى أموت، فقتل شهيداً. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا فروة بن أبي المغراء، حدثنا علي بن مسهر عن داود ابن أبي هند، عن أبي حرب بن أبي الأسود الديلي عن أبيه قال: بعث أبو موسى إلى قراء أهل البصرة، فدخل عليه منهم ثلاثمئة رجل، كلهم قد قرأ القرآن، فقال: أنتم قراء أهل البصرة وخيارهم، وقال: كنا نقرأ سورة كنا نشبهها بإحدى المسبحات، فأنسيناها، غير أني قد حفظت منها: { كَأَنَّهُم بُنْيَـٰنٌ مَّرْصُوصٌ} فتكتب شهادة في أعناقكم، فتسألون عنها يوم القيامة. ولهذا قال تعالى: { إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلَّذِينَ يُقَـٰتِلُونَ فِى سَبِيلِهِ صَفّاً كَأَنَّهُم بُنْيَـٰنٌ مَّرْصُوصٌ} فهذا إخبار من الله تعالى بمحبته عباده المؤمنين إذا صفوا مواجهين لأعداء الله في حومة الوغى، يقاتلون في سبيل الله من كفر بالله؛ لتكون كلمة الله هي العليا، ودينه هو الظاهر العالي على سائر الأديان. وقال الإمام أحمد: حدثنا علي بن عبد الله، حدثنا هشيم، أخبرنا مجالد عن أبي الوداك عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : ثلاثة يضحك الله إليهم: الرجل يقوم من الليل، والقوم إذا صفوا للصلاة، والقوم إذا صفوا للقتال» تفسير : ورواه ابن ماجه من حديث مجالد عن أبي الوداك جبر بن نوف، به. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو نعيم الفضل بن دكين، حدثنا الأسود، يعني: ابن شيبان، حدثني يزيد بن عبد الله بن الشخير قال: قال مطرف: كان يبلغني عن أبي ذر حديث كنت أشتهي لقاءه، فلقيته، فقلت: يا أبا ذر كان يبلغني عنك حديث، فكنت أشتهي لقاءك، فقال: لله أبوك فقد لقيت، فهات، فقلت: كان يبلغني عنك أنك تزعم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حدثكم: أن الله يبغض ثلاثة، ويحب ثلاثة، قال: أجل، فلا إخالني أكذب على خليلي صلى الله عليه وسلم قلت: فمن هؤلاء الثلاثة الذين يحبهم الله عز وجل؟ فقال: رجل غزا في سبيل الله، خرج محتسباً مجاهداً، فلقي العدو فقتل، وأنتم تجدونه في كتاب الله المنزل ثم قرأ:{ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلَّذِينَ يُقَـٰتِلُونَ فِى سَبِيلِهِ صَفّاً كَأَنَّهُم بُنْيَـٰنٌ مَّرْصُوصٌ} وذكر الحديث. هكذا أورد هذا الحديث من هذا الوجه بهذا السياق، وهذا اللفظ، واختصره، وقد أخرجه الترمذي والنسائي من حديث شعبة عن منصور بن المعتمر عن ربعي بن حراش عن زيد بن ظبيان عن أبي ذر بأبسط من هذا السياق وأتم، وقد أوردناه في موضع آخر، ولله الحمد. وعن كعب الأحبار أنه قال: يقول الله تعالى لمحمد صلى الله عليه وسلم (عبدي المتوكل المختار ليس بفظ ولا غليط، ولا سخَّاب في الأسواق، ولا يجزي بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويغفر، مولده بمكة، وهجرته بطابة، وملكه الشام، وأمته الحمادون، يحمدون الله على كل حال، وفي كل منزلة لهم دوي كدوي النحل في جو السماء بالسحر، يوضون أطرافهم، ويأتزرون على أنصافهم، صفهم في القتال مثل صفهم في الصلاة" ثم قرأ: { إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلَّذِينَ يُقَـٰتِلُونَ فِى سَبِيلِهِ صَفّاً كَأَنَّهُم بُنْيَـٰنٌ مَّرْصُوصٌ} رعاة الشمس، يصلون الصلاة حيث أدركتهم لو على ظهر دابة رواه ابن أبي حاتم. وقال سعيد بن جبير في قوله تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلَّذِينَ يُقَـٰتِلُونَ فِى سَبِيلِهِ صَفّاً} قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يقاتل العدو إلا أن يصافهم، وهذا تعليم من الله للمؤمنين. قال: وقوله تعالى: {كَأَنَّهُم بُنْيَـٰنٌ مَّرْصُوصٌ} أي: ملتصق بعضه في بعض؛ من الصف في القتال. وقال مقاتل بن حيان: ملتصق بعضه إلى بعض. وقال ابن عباس: {كَأَنَّهُم بُنْيَـٰنٌ مَّرْصُوصٌ} مثبت لا يزول، ملصق بعضه ببعض. وقال قتادة: {كَأَنَّهُم بُنْيَـٰنٌ مَّرْصُوصٌ} ألم تر إلى صاحب البنيان كيف لا يحب أن يختلف بنيانه؟ فكذلك الله عز وجل لا يحب أن يختلف أمره، وإن الله صف المؤمنين في قتالهم، وصفهم في صلاتهم، فعليكم بأمر الله؛ فإنه عصمة لمن أخذ به، أورد ذلك كله ابن أبي حاتم. وقال ابن جرير: حدثني سعيد بن عمرو السكوني، حدثنا بقية بن الوليد عن أبي بكر بن أبي مريم عن يحيى بن جابر الطائي عن أبي بحرية قال: كانوا يكرهون القتال على الخيل، ويستحبون القتال على الأرض؛ لقول الله عز وجل: { إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلَّذِينَ يُقَـٰتِلُونَ فِى سَبِيلِهِ صَفّاً كَأَنَّهُم بُنْيَـٰنٌ مَّرْصُوصٌ} قال: وكان أبو بحرية يقول: إذا رأيتموني ألتفت في الصف، فَجَثُوا في لحيي.

المحلي و السيوطي

تفسير : {سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَٰوٰتِ وَمَا فِى ٱلأَرْضِ } أي نزهه فاللام مزيدة وجيء بما دون «من» تغليباً للأكثر {وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ } في ملكه {ٱلْحَكِيمُ } في صنعه.

الشوكاني

تفسير : قوله: {سَبَّحَ للَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَمَا فِي ٱلأرْضِ } قد تقدّم الكلام على هذا، ووجه التعبير في بعض السور بلفظ الماضي كهذه السورة، وفي بعضها بلفظ المضارع، وفي بعضها بلفظ الأمر الإرشاد إلى مشروعية التسبيح في كل الأوقات ماضيها ومستقبلها وحالها، وقد قدّمنا نحو هذا في أوّل سورة الحديد {وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ } أي: الغالب الذي لا يغالب الحكيم في أفعاله وأقواله. {يأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ لِمَ تَقُولُونَ مَا لاَ تَفْعَلُونَ } هذا الاستفهام للتقريع والتوبيخ، أي: لم تقولون من الخير ما لا تفعلونه، و"لم" مركبة من اللام الجارّة، وما الاستفهامية، وحذفت ألفها تخفيفاً لكثرة استعمالها، كما في نظائرها. ثم ذمهم سبحانه على ذلك فقال: {كَبُرَ مَقْتاً عِندَ ٱللَّهِ أَن تَقُولُواْ مَا لاَ تَفْعَلُونَ } أي: عظم ذلك في المقت، وهو البغض، والمقت والمقاتة مصدران، يقال رجل مقيت، وممقوت: إذا لم يحبه الناس، قال الكسائي {أَن تَقُولُواْ } في موضع رفع؛ لأن {كبر} فعل بمعنى بئس، و{مقتاً} منتصب على التمييز، وعلى هذا فيكون في {كبر} ضمير مبهم مفسر بالنكرة، وأن {تقولوا} هو المخصوص بالذمّ، ويجيء فيه الخلاف هل رفعه بالابتداء، وخبره الجملة المتقدّمة عليه، أو خبره محذوف، أو هو خبر مبتدأ محذوف. وقيل: إنه قصد بقوله: {كَبُرَ } التعجب، وقد عدّه ابن عصفور من أفعال التعجب. وقيل: إنه ليس من أفعال الذم، ولا من أفعال التعجب، بل هو مسند إلى {أن تقولوا}، و{مقتاً} تمييز محوّل عن الفاعل. {إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلَّذِينَ يُقَـٰتِلُونَ فِى سَبِيلِهِ صَفّاً } قال المفسرون: إن المؤمنين قالوا: وددنا أن الله يخبرنا بأحبّ الأعمال إليه حتى نعمله، ولو ذهبت فيه أموالنا وأنفسنا. فأنزل الله: {إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلَّذِينَ يُقَـٰتِلُونَ } الآية، وانتصاب {صفاً} على المصدرية، والمفعول محذوف، أي: يصفون أنفسهم صفا، وقيل: هو: مصدر في موضع الحال أي: صافين، أو مصفوفين. قرأ الجمهور: {يقاتلون} على البناء للفاعل. وقرأ زيد بن عليّ على البناء للمفعول، وقرىء (يقتلون) بالتشديد، وجملة: {كَأَنَّهُم بُنْيَـٰنٌ مَّرْصُوصٌ } في محل نصب على الحال من فاعل {يقاتلون}، أو من الضمير في {صفاً} على تقدير أنه مؤوّل بصافين، أو مصفوفين، ومعنى {مَّرْصُوصٌ }: ملتزق بعضه ببعض، يقال: رصصت البناء أرصه رصاً: إذا ضممت بعضه إلى بعض. قال الفرّاء: مرصوص بالرصاص. قال المبرد: هو مأخوذ من رصصت البناء: إذا لايمت بينه وقاربت حتى يصير كقطعة واحدة، وقيل: هو من الرصيص، وهو ضمّ الأشياء بعضها إلى بعض، والتراصّ: التلاصق. {وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ } لما ذكر سبحانه أنه يحبّ المقاتلين في سبيله بيّن أن موسى وعيسى أمرا بالتوحيد، وجاهدا في سبيل الله، وحلّ العقاب بمن خالفهما، والظرف متعلق بمحذوف هو اذكر، أي: اذكر يا محمد لهؤلاء المعرضين وقت قول موسى، ويجوز أن يكون وجه ذكر قصة موسى وعيسى بعد محبة المجاهدين في سبيل الله التحذير لأمة محمد أن يفعلوا مع نبيهم ما فعله قوم موسى وعيسى معهما {لِقَوْمِهِ يٰقَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِى } هذا مقول القول، أي: لم تؤذونني بمخالفة ما أمركم به من الشرائع التي افترضها الله عليكم، أو لم تؤذونني بالشتم والانتقاص، ومن ذلك رميه بالأدرة، وقد تقدّم بيان هذا في سورة الأحزاب، وجملة: {وَقَد تَّعْلَمُونَ أَنّى رَسُولُ ٱللَّهِ إِلَيْكُمْ } في محلّ نصب على الحال، «وقد» لتحقق العلم، أو لتأكيده، وصيغة المضارع للدلالة على الاستمرار، والمعنى: كيف تؤذونني مع علمكم بأني رسول الله، والرسول يحترم ويعظم، ولم يبق معكم شك في الرسالة لما قد شاهدتم من المعجزات التي توجب عليكم الاعتراف برسالتي، وتفيدكم العلم بها علماً يقينياً {فَلَمَّا زَاغُواْ أَزَاغَ ٱللَّهُ قُلُوبَهُمْ } أي: لما أصرّوا على الزيغ، واستمرّوا عليه أزاغ الله قلوبهم عن الهدى، وصرفها عن قبول الحقّ، وقيل: فلما زاغوا عن الإيمان أزاغ الله قلوبهم عن الثواب. قال مقاتل: لما عدلوا عن الحق أمال الله قلوبهم عنه، يعني: أنهم لما تركوا الحقّ بإيذاء نبيهم أمال الله قلوبهم عن الحق جزاء بما ارتكبوا {وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلْفَـٰسِقِينَ } هذه الجملة مقرّرة لمضمون ما قبلها. قال الزجاج: لا يهدي من سبق في علمه أنه فاسق، والمعنى: أنه لا يهدي كل متصف بالفسق، وهؤلاء من جملتهم. {وَإِذْ قَالَ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ } معطوف على {وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ } معمول لعامله، أو معمول لعامل مقدّر معطوف على عامل الظرف الأوّل {مَرْيَمَ يٰبَنِى إِسْرٰءيلَ إِنّى رَسُولُ ٱللَّهِ إِلَيْكُم مُّصَدّقاً لّمَا بَيْنَ يَدَىَّ مِنَ ٱلتَّوْرَاةِ } أي: إني رسول الله إليكم بالإنجيل مصدّقاً لما بين يديّ من التوراة لأني لم آتكم بشيء يخالف التوراة، بل هي مشتملة على التبشير بي، فكيف تنفرون عني وتخالفونني، وانتصاب {مصدّقاً} على الحال، وكذا {مُبَشّرًا}، والعامل فيهما ما في الرسول من معنى الإرسال، والمعنى: أني أرسلت إليكم حال كوني مصدّقاً لما بين يدي من التوراة، ومبشراً بمن يأتي بعدي، وإذا كنت كذلك في التصديق والتبشير، فلا مقتضى لتكذيبي، وأحمد اسم نبينا صلى الله عليه وسلم، وهو علم منقول من الصفة، وهي تحتمل أن تكون مبالغة من الفاعل، فيكون معناها أنه أكثر حمداً لله من غيره، أو من المفعول، فيكون معناها أنه يحمد بما فيه من خصال الخير أكثر مما يحمد غيره. قرأ نافع، وابن كثير، وأبو عمرو، والسلمي، وزرّ بن حبيش، وأبو بكر عن عاصم: (من بعدي) بفتح الياء. وقرأ الباقون بإسكانها {فَلَمَّا جَاءهُم بِٱلْبَيّنَـٰتِ قَالُواْ هَـٰذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ } أي: لما جاءهم عيسى بالمعجزات قالوا هذا الذي جاءنا به سحر واضح ظاهر، وقيل: المراد: محمد صلى الله عليه وسلم، أي: لما جاءهم بذلك قالوا هذه المقالة، والأوّل أولى. قرأ الجمهور: {سحر} وقرأ حمزة، والكسائي: (ساحر). {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ وَهُوَ يُدْعَىٰ إِلَى ٱلإسْلاَمِ } أي: لا أحد أكثر ظلماً منه حيث يفتري على الله الكذب، والحال أنه يدعى إلى دين الإسلام الذي هو خير الأديان وأشرفها؛ لأن من كان كذلك، فحقه أن لا يفتري على غيره الكذب، فكيف يفتريه على ربه. قرأ الجمهور: {وهو يدعى} من الدعاء مبنياً للمفعول. وقرأ طلحة بن مصرف: (يدعي) بفتح الياء وتشديد الدال من الادّعاء مبنياً للفاعل، وإنما عدّي بإلى لأنه ضمن معنى الانتماء والانتساب {وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلظَّـٰلِمِينَ } هذه الجملة مقرّرة لمضمون ما قبلها. والمعنى: لا يهدي من اتصف بالظلم، والمذكورون من جملتهم {يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُواْ نُورَ ٱللَّهِ بِأَفْوٰهِهِمْ } الإطفاء: الإخماد، وأصله في النار، واستعير لما يجري مجراها من الظهور. والمراد بنور الله: القرآن، أي: يريدون إبطاله، وتكذيبه بالقول، أو الإسلام، أو محمد، أو الحجج والدلائل، أو جميع ما ذكر، ومعنى {بِأَفْوٰهِهِم }: بأقوالهم الخارجة من أفواههم المتضمنة للطعن {وَٱللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ } بإظهاره في الآفاق وإعلائه على غيره. قرأ ابن كثير، وحمزة، والكسائي، وحفص عن عاصم: {متمّ نوره} بالإضافة، والباقون بتنوين "متمّ" {وَلَوْ كَرِهَ ٱلْكَـٰفِرُونَ } ذلك، فإنه كائن لا محالة، والجملة في محل نصب على الحال. قال ابن عطية: واللام في {ليطفئوا} لام مؤكدة دخلت على المفعول؛ لأن التقدير: يريدون أن يطفئوا، وأكثر ما تلزم هذه اللام المفعول إذا تقدّم، كقولك: لزيد ضربت، ولرؤيتك قصدت، وقيل: هي لام العلة، والمفعول محذوف، أي: يريدون إبطال القرآن، أو دفع الإسلام، أو هلاك الرسول؛ ليطفئوا، وقيل: إنها بمعنى أن الناصبة، وأنها ناصبة بنفسها. قال الفراء: العرب تجعل لام كي في موضع أن في أراد وأمر، وإليه ذهب الكسائي، ومثل هذا قوله: {أية : يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُبَيّنَ لَكُمْ } تفسير : [النساء: 26]. وجملة: {هُوَ ٱلَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِٱلْهُدَىٰ وَدِينِ ٱلْحَقّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى ٱلدّينِ كُلّهِ وَلَوْ كَرِهَ ٱلْمُشْرِكُونَ } مستأنفة مقرّرة لما قبلها، والهدى: القرآن، أو المعجزات، ومعنى {دِينَ ٱلْحَقِّ }: الملة الحقة، وهي ملة الإسلام؛ ومعنى {لِيُظْهِرَهُ }: ليجعله ظاهراً على جميع الأديان عالياً عليها غالباً لها، ولو كره المشركون ذلك، فإنه كائن لا محالة. قال مجاهد: ذلك إذا نزل عيسى لم يكن في الأرض دين إلاّ دين الإسلام، والدّين مصدر يعبر به عن الأديان المتعدّدة، وجواب "لو" في الموضعين محذوف، والتقدير: أتمه وأظهره. وقد أخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه عن ابن عباس قال: كان ناس من المؤمنين قبل أن يفرض الجهاد يقولون: وددنا لو أن الله أخبرنا بأحبّ الأعمال فنعمل به، فأخبر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن أحبّ الأعمال إيمان بالله لا شك فيه، وجهاد أهل معصيته الذين خالفوا الإيمان، ولم يقرّوا به، فلما نزل الجهاد كره ذلك أناس من المؤمنين، وشقّ عليهم أمره، فقال الله: {يأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ لِمَ تَقُولُونَ مَا لاَ تَفْعَلُونَ }. وأخرج ابن أبي حاتم، وابن مردويه عنه في قوله: {كَبُرَ مَقْتاً عِندَ ٱللَّهِ أَن تَقُولُواْ مَا لاَ تَفْعَلُونَ } قال: هذه الآية في القتال وحده، وهم قوم كانوا يأتون النبيّ، فيقول الرجل: قاتلت وضربت بسيفي، ولم يفعلوا، فنزلت. وأخرج عبد بن حميد، وابن مردويه عنه أيضاً قال: قالوا: لو نعلم أحبّ الأعمال إلى الله لفعلناه، فأخبرهم الله، فقال: {إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلَّذِينَ يُقَـٰتِلُونَ فِى سَبِيلِهِ صَفّاً كَأَنَّهُم بُنْيَـٰنٌ مَّرْصُوصٌ } فكرهوا ذلك، فأنزل الله: {يأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ لِمَ تَقُولُونَ مَا لاَ تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتاً عِندَ ٱللَّهِ أَن تَقُولُواْ مَا لاَ تَفْعَلُونَ } وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم عنه أيضاً {كَأَنَّهُم بُنْيَـٰنٌ مَّرْصُوصٌ } قال: مثبت لا يزول ملصق بعضه على بعض. وأخرج البخاري، ومسلم، وغيرهما عن جبير بن مطعم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن لي أسماء: أنا محمد، وأنا أحمد، وأنا الحاشر الذي يحشر الله الناس على قدمي، وأنا الماحي الذي يمحو الله بي الكفر، وأنا العاقب: والعاقب الذي ليس بعده نبيّ».

الماوردي

تفسير : قوله تعالى: {يأيها الذين ءامنوا لم تقولون ما لا تفعلون} فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: أنها نزلت في قوم قالوا: لو عملنا أحب الأعمال إلى الله لسارعنا إليه، فلما نزل فرض الجهاد تثاقلوا عنه، قاله ابن عباس ومجاهد. الثاني: أنها نزلت في قوم كان يقول الرجال منهم: قاتلت ولم يقاتل، وطعنت، ولم يطعن، وضربت، ولم يضرب وصبرت، ولم يصبر، وهذا مروي عن عكرمة. الثالث: أنها نزلت في المنافقين كانوا يقولون للنبي صلى الله عليه وسلم ولأصحابه إن خرجتم وقاتلتم خرجنا معكم وقاتلنا فلما خرجوا نكصوا عنهم وتخلفوا. وهذه الآية وإن كان ظاهرها الإنكار لمن قال ما لا يفعل فالمراد بها الإنكار لمن لم يفعل ما قال، لأن المقصود بها القيام بحقوق الالتيام دون إسقاطه. {إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفاً} مصطفين صفوفاً كالصلاة، لأنهم إذا اصطفوا مثلاً صفين كان أثبت لهم وأمنع من عدوهم. قال سعيد بن جبير: هذا تعليم من الله للمؤمنين. {كأنهم بنيان مرصوص} فيه وجهان: أحدهما: أن المرصوص الملتصق بعضه إلى بعض لا ترى فيه كوة ولا ثقباً لأن ذلك أحكم في البناء من تفرقه وكذلك الصفوف، قاله ابن جبير، قال الشاعر: شعر : وأشجر مرصوص بطين وجندل له شرفات فوقهن نصائب تفسير : والثاني: أن المرصوص المبني بالرصاص، قاله الفراء، ومنه قول الراجز: شعر : ما لقي البيض من الحرقوص يفتح باب المغلق المرصوص

ابن عطية

تفسير : قد تقدم القول غير مرة في تسبيح الجمادات، و {العزيز} في سلطانه وقدرته، و {الحكيم} في أفعاله وتدبيره، واختلف الناس في السبب الذي نزلت فيه: {يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون} فقال ابن عباس وأبو صالح: نزلت بسبب أن جماعة قالوا: لوددنا أن نعرف أحب الأعمال إلى ربنا حتى نفنى فيه، ففرض الله الجهاد وأعلمهم بفضله لديه وأنه يحب المقاتلين في سبيله كالبنيان المرصوص، وكان إذ فرض قد تكرهه قوم منهم، وفر من فر يوم أحد فعاتبهم الله بهذه الآية بسبب أو جماعة من شباب المسلمين كانوا يتحدثون عن أنفسهم في الغزو بما لم يفعلوا ويقولون فعلنا وصنعنا وذلك كذب، فنزلت الآية في ذلك. وقال ابن زيد: نزلت في المنافقين لأن جملة منهم كانوا يقولون للمؤمنين نحن منكم ومعكم ثم يظهر من أفعالهم خلاف ذلك، فنزلت الآية عتاباً لهم، وحكم هذه الآية باق غابر الدهر، وكل من يقول ما لا يفعل، فهو ممقوت مذق الكلام، والقول الآخر في المنافقين إنما يتوجه بأن يكونوا غير مجلحين بالنفاق فلذلك خوطبوا بالمؤمنين أي في زعمكم وما تظهرون، والقول الأول يترجح بما يأتي بعد من أمر الجهاد والقتال. و "المقت": البغض من أجل ذنب أو ريبة أو دناءة يصنعها الممقوت، وهذا حد المقت فتأمله، و {مقتاً} نصب على التمييز، والتقدير {كبر} فعلكم {مقتاً}، والمراد كبر مقت فعلكم فحذف المضاف إليه ونصب المضاف على التمييز، وهذا كما تريد تفقأ شحم بطنك فتقول: تفقأ بطنك شحماً، و {أن تقولوا}، يحتمل أن يكون بدلاً من المقدر، ويحتمل أن يكون فاعلاً بـ {كبر}، وقول المرء ما لا يفعل موجب مقت الله تعالى، ولذلك فر كثير من العلماء عن الوعظ والتذكير وآثروا السكوت، ثم وكد تعالى الإخبار بمحبته للمقاتلين {صفاً}، ومحبة الله تعالى هي ما يظهر عليهم من نصره وكرامته وهي صفة فعل وليست بمعنى الإرادة، لأن الإرادة لا يصح أن يقع ما يخالفها، ونحن نجد المقاتلين على غير هذه الصفة كثيراً، وقال بعض الناس: قتال الرجالة أفضل من قتال الفرسان لأن التراص فيه يتمكن، وهذا ضعيف خفي على قائله مقصد الآية، وليس المراد نفي التصاف وإنما المقصد الجد في كل أوطان القتال وأحواله، وقصد بالذكر أشد الأحوال وهي الحالة التي تحوج إلى القتال {صفاً} متراصاً، ونابت هذه الحال المذكورة مناب جميع الأحوال، وقضت الآية بأن الذين يبلغ جدهم إلى هذه الحال حريون بأن لا يقصروا عن حال، و {المرصوص} المصفوف المتضام، وقال أبو بحرية رحمه الله: إذا رأيتموني ألتفت في الصف فجبوا فؤادي ومنه قول الشاعر [ابن أبي العنبس الثقفي]: [مجزوء الكامل] شعر : وبالشعب بين صفائح صم ترصص بالجنوب تفسير : وقال منذر بن سعيد والبراء وغيره: {المرصوص} المعقود بالرصاص، وهذا يحتمل أن يكون أصل اللفظة، ثم ذكر الله تعالى مقالة موسى وذلك ضرب مثل للمؤمنين الذين يقولون ما لا يفعلون ذكرهم الله تعالى بقوم آذوا نبيهم على علم منهم بنبوته و {زاغوا} فـ {أزاغ الله قلوبهم}، أي فاحذروا أيها المؤمنون أن يصيركم العصيان، وقول الباطل إلى مثل حالهم، وقال أبو أمامة: هم الخوارج، وقال سعد بن أبي وقاص: هم الحرورية، المعنى: أنهم أشباههم في أنهم لما {زاغوا أزاغ الله قلوبهم}، وقوله {لم تؤذونني} تقرير، والمعنى {تؤذونني} بتعنيتكم وعصيانكم واقتراحاتكم، وهذه كانت أفعال بني إسرائيل، وانظر إنه تعالى أسند الزيغ إليهم لكونه فعل حطيطة، كما قال الله تعالى: {أية : نسوا الله فأنساهم} تفسير : [الحشر: 19] وهذا يخالف قوله تعالى: {أية : ثم تاب عليهم ليتوبوا} تفسير : [التوبة: 118] فأسند التوبة إلى نفسه لكونها فعل رفعة ومنه قوله تعالى حكاية عن إبراهيم عليه السلام: {أية : وإذا مرضت فهو يشفين} تفسير : [الشعراء: 80]، و {زاغ} معناه: مال، وصار عرفها في الميل عن الحق، و {أزاغ الله قلوبهم} معناه: طبع عليها وختم وكثر ميلها عن الحق، وهذه العقوبة على الذنب بالذنب، وأمال ابن أبي إسحاق: {زاغوا}.

النسفي

تفسير : {سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوٰتِ وَمَا فِى ٱلأَرْضِ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ } رُوي أنهم قالوا قبل أن يؤمروا بالجهاد: لو نعلم أحب الأعمال إلى الله لعملناه، فنزلت آية الجهاد فتباطأ بعضهم فنزلت {يأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لِمَ تَقُولُونَ مَا لاَ تَفْعَلُونَ } «لم» هي لام الإِضافة داخلة على «ما» الاستفهامية كما دخل عليها غيرها من حروف الجر في قولك: «بم وفيم ومم وعم وإلام وعلام»، وإنما حذفت الألف لأن «ما» واللام أو غيرها كشيء واحد وهو كثير الاستعمال في كلام المستفهم، وقد جاء استعمال الأصل قليلاً قال: على ما قام يشتمني جرير والوقف على زيادة هاء السكت أو الإسكان ومن أسكن في الوصل فلإِجرائه مجرى الوقف {كَبُرَ مَقْتاً عِندَ ٱللَّهِ أَن تَقُولُواْ مَا لاَ تَفْعَلُونَ } قصد في كبر التعجب من غير لفظه كقوله غلت ناب كليب بواؤها ومعنى التعجب تعظيم الأمر في قلوب السامعين، لأن التعجب لا يكون إلا من شيء خارج عن نظائره وأسند إلى أن تقولوا ونصب مقتاً على التمييز، وفيه دلالة على أن قولهم ما لا يفعلون مقت خالص لا شوب فيه، والمعنى: كبر قولكم ما لا تفعلون مقتاً عند الله، واختير لفظ المقت لأنه أشد البغض، وعن بعض السلف أنه قيل له: حدثنا، فقال: أتأمرونني أن أقول ما لا أفعل فأستعجل مقت الله. ثم أعلم الله عز وجل ما يحبه فقال: {إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلَّذِينَ يُقَـٰتِلُونَ فِى سَبِيلِهِ صَفّاً } أي: صافين أنفسهم مصدر وقع موقع الحال {كَأَنَّهُم بُنْيَـٰنٌ مَّرْصُوصٌ } لاصق بعضه ببعض. وقيل: أريد به استواء نياتهم في حرب عدوهم حتى يكونوا في اجتماع الكلمة كالبنيان الذي رص بعضه إلى بعض وهو حال أيضاً {وَإِذْ } منصوب بـ «اذكر» {قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ يٰقَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِى } بجحود الآيات والقذف بما ليس فيّ {وَقَد تَّعْلَمُونَ } في موضع الحال أي: لم تؤذونني عالمين علماً يقيناً {أَنّى رَسُولُ ٱللَّهِ إِلَيْكُمْ } وقضية علمكم بذلك توقيري وتعظيمي لا أن تؤذوني {فَلَمَّا زَاغُواْ } مالوا عن الحق {أَزَاغَ ٱللَّهُ قُلُوبَهُمْ } من الهداية، أو لما تركوا أوامره نزع نور الإيمان من قلوبهم، أو فلما اختاروا الزيع أزاغ الله قلوبهم أي: خذلهم وحرمهم توفيق اتباع الحق {وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلْفَـٰسِقِينَ } أي: لا يهدي من سبق في علمه أنه فاسق. {وَإِذْ قَالَ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ يٰبَنِى إِسْرٰءِيلَ } ولم يقل: يا قوم كما قال موسى لأنه لا نسب له فيهم فيكونوا قومه {إِنّى رَسُولُ ٱللَّهِ إِلَيْكُم مُّصَدّقاً لّمَا بَيْنَ يَدَىَّ مِنَ ٱلتَّوْرَاةِ وَمُبَشّراً بِرَسُولٍ يَأْتِى مِن بَعْدِى ٱسْمُهُ أَحْمَدُ } أي: أرسلت إليكم في حال تصديقي ما تقدمني من التوراة وفي حالٍ تبشيري برسول يأتي من بعدي يعني: أن ديني التصديق: التصديق بكتب الله وأنبيائه جميعاً ممن تقدم وتأخر، {بَعْدِى } حجازي وأبو عمرو وأبو بكر وهو اختيار الخليل وسيبويه، وانتصب {مُصَدّقاً } و {مُبَشّرًا } بما في الرسول من معنى الإِرسال {فَلَمَّا جَآءَهُمُ } عيسى أو محمد عليهما السلام {بِٱلْبَيِّنَـٰتِ } بالمعجزات {قَالُواْ هَـٰذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ } {سَـٰحِرٌ } حمزة وعلي. {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ وَهُوَ يُدْعَىٰ إِلَى ٱلإسْلاَمِ وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلظَّـٰلِمِينَ } وأيّ: الناس أشد ظلماً ممن يدعوه ربه على لسان نبيه إلى الإِسلام الذي له فيه سعادة الدارين، فيجعل مكان إجابته إليه افتراء الكذب على الله بقوله لكلامه الذي هو دعاء عباده إلى الحق هذا سحر والسحر كذب وتمويه {يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُواْ نُورَ ٱللَّهِ بِأَفْوٰهِهِمْ } هذا تهكم في إرادتهم إبطال الإسلام بقولهم في القرآن: هذا سحر، مثلت حالهم بحال من ينفخ في نور الشمس بفيه ليطفئه والمفعول محذوف واللام للتعليل، والتقدير: يريدون الكذب ليطفئوا نور الله بأفواههم، أي: بكلامهم {وَٱللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ } مكي وحمزة وعلي وحفص {مُتِمٌّ نُورِهِ } غيرهم أي: متم الحق ومبلغه غايته {وَلَوْ كَرِهَ ٱلْكَـٰفِرُونَ } {هُوَ ٱلَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِٱلْهُدَىٰ وَدِينِ ٱلْحَقّ } أي: الملة الحنيفية {لِيُظْهِرَهُ } ليعليه {عَلَى ٱلدّينِ كُلّهِ } على جميع الأديان المخالفة له، ولعمري لقد فعل فما بقي دين من الأديان إلا وهو مغلوب مقهور بدين الإسلام، وعن مجاهد: إذا نزل عيسى لم يكن في الأرض إلا دين الإسلام {وَلَوْ كَرِهَ ٱلْمُشْرِكُونَ }. {يأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ هَلْ أَدُلُّكمْ عَلَىٰ تِجَـٰرَةٍ تُنجِيكُم مّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ } {تُنجّيكُم } شامي {تُؤْمِنُونَ } استئناف كأنّهم قالوا كيف نعمل؟ فقال: {تؤمنون} وهو بمعنى آمنوا عند سيبويه ولهذا أجيب بقوله: {يَغْفِرْ لَكُمْ } ويدل عليه قراءة ابن مسعود { آمنوا بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجَـٰهِدُواْ } وإنما جيء به على لفظ الخبر للإيذان بوجوب الامتثال وكأنه امتثل، فهو يخبر عن إيمان وجهاد موجودين {بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَـٰهِدُونَ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ بِأَمْوٰلِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ذَلِكُمْ } أي: ما ذكر من الإيمان والجهاد {خَيْرٌ لَّكُمْ } من أموالكم وأنفسكم {إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ } أنه خير لكم كان خيراً حينئذ لأنكم إذا علمتم ذلك واعتقدتموه أحببتم الإيمان والجهاد فوق ما تحبون أموالكم وأنفسكم فتفلحون وتخلصون {يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّـٰتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَـٰرَ وَمَسَـٰكِنَ طَيّبَةً فِى جَنَّاتِ عَدْنٍ } أي: إقامة وخلود يقال عدن بالمكان إذا أقام به كذا قيل: {ذٰلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ وَأُخْرَىٰ تُحِبُّونَهَا } ولكم إلى هذه النعمة المذكورة من المغفرة والثواب في الآجلة نعمة أخرى عاجلة محبوبة إليكم، ثم فسرها بقوله {نَصْرٌ مِّن ٱللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ } أي: عاجل، وهو فتح مكة والنصر على قريش: أو فتح فارس والروم، وفي {تُحِبُّونَهَا } شيء من التوبيخ على محبة العاجل، وقال صاحب الكشف معناه: هل أدلكم على تجارة تنجيكم وعلى تجارة أخرى تحبونها، ثم قال: {نَصْرُ } أي: نصر هي {وَبَشّرِ ٱلْمُؤْمِنِينَ } عطف على {تُؤْمِنُونَ } لأنه في معنى الأمر، كأنه قيل: آمنوا وجاهدوا - يثبكم الله وينصركم وبشر يا رسول الله المؤمنين بذلك: وقيل: عطف على «قل» مراداً قبل { يأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ هَلْ أَدُلُّكمْ }. {يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ كُونُواْ أَنْصَارُ ٱللَّهِ } أي: أنصار دينه {أَنصَاراً لِلَّهِ } حجازي وأبو عمرو {كَمَا قَالَ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ للحواريّن من أنصاري إلى الله} ظاهره تشبيه كونهم أنصاراً بقول عيسى {مَنْ أَنصَارِى إِلَى ٱللَّهِ } ولكنه محمول على المعنى، أي: كونوا أنصار الله كما كان الحواريون أنصار عيسى حين قال لهم: {مَنْ أَنصَارِى إِلَى ٱللَّهِ } ومعناه: من جندي متوجهاً إلى نصرة الله ليطابق جواب الحواريين وهو قوله: {قَالَ ٱلْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ ٱللَّهِ } أي: نحن الذين ينصرون الله، ومعنى {مَنْ أَنصَارِى } من الأنصار الذين يختصون بي ويكونون معي في نصرة الله والحواريون أصفياؤه، وهم أول من آمن به وكانوا اثني عشر رجلاً، وحواري الرجل صفيه، وخالصه من الحور وهو البياض الخالص، وقيل: كانوا قصارين يحورون الثياب، أي: يبيضونها {فَـئَامَنَت طَّائِفَةٌ مّن بَنِى إِسْرٰءيلَ } بعيسى {وَكَفَرَت طَّائِفَةٌ } به {فَأَيَّدْنَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ عَلَى عَدُوِهِمْ } فقوينا مؤمنيهم على كفارهم {فَأَصْبَحُواْ ظَـٰهِرِينَ } فغلبوا عليهم والله ولي المؤمنين والله أعلم.

الخازن

تفسير : قوله عز وجل: {سبح لله ما في السموات وما في الأرض وهو العزيز الحكيم يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون} قيل سبب نزولها ما روي عن عبد الله بن سلام رضي الله عنه قال "قعدنا نفراً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فتذاكرنا فقلنا لو نعلم أي الأعمال أحب إلى الله لعملنا فأنزل الله تعالى سبح لله ما في السموات وما في الأرض وهو العزيز الحكيم يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون قال عبد الله بن سلام فقرأها علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم" أخرجه الترمذي وقال المفسرون إن المؤمنين قالوا لو علمنا أحب الأعمال إلى الله لعلمناه ولبذلنا فيها أموالنا وأنفسنا فأنزل الله عز وجل: {أية : إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفاً} تفسير : [الصف: 4] وأنزل الله {أية : هل أدلكم على تجارة} تفسير : [الصف: 10] الآية فابتلوا بذلك يوم أحد فولوا مدبرين وكرهوا الموت وأحبوا الحياة فأنزل الله تعالى لم تقولون ما لا تفعلون وقيل لما أخبر الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم بثواب أهل بدر قالت الصحابة لئن لقينا قتالاً لنفرغن فيه وسعنا ففروا يوم أحد فعيرهم الله بهذه الآية وقيل نزلت في شأن القتال كان الرجل يقول قاتلت ولم يقاتل وأطعمت ولم يطعم وضربت ولم يضرب فنزلت هذه الآية وقيل نزلت في المنافقين وذلك أنهم كانوا يعدون النصر للمؤمنين وهم كاذبون.

القمي النيسابوري

تفسير : القراءات: {زاغوا} بالإمالة مثل {أية : زاغ البصر} تفسير : [النجم: 17] {بعدي} بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو وحماد وأبو بكر غير ابن غالب {متم نوره} بالإضافة: ابن كثير وحمزة وعلي وخلف وحفص. الآخرون: بالتنوين ونصب {نوره} {تنجيكم} بالتشديد: ابن عامر {أنصاراً} بالتنوين {لله} جاراً ومجروراً: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو. والباقون: بالإضافة {أنصاري إلى الله} بالفتح كما مر في " آل عمران ". الوقوف: {وما في الأرض} ط {الحكيم} ه ج {تفعلون} ه {تفعلون} ه {مرصوص} ط {إليكم} ط {قلوبهم} ط {الفاسقين} ه {أحمد} ط {مبين} ه {الإسلام} ط {الظالمين} ه {الكافرون} ه {المشركون} ه {أليم} ه ز {وأنفسكم} ط {تعلمون} ه لا لأن قوله {يغفر لكم} جواب {تؤمنون} على أنه خبر في معنى الأمر {عدن} ط {العظيم} ه ج للعطف {تحبونها} ط لحق الحذف أي هي نصر {قريب} ه لانقطاع النظم واختلاف المعنى {المؤمنين} ه {إلى الله} ط {وكفرت طائفة} ه لاتفاق الجملتين مع تخصيص الثانية ببيان حال أحد الفريقين {ظاهرين} ه. التفسير: يروى أن المؤمنين قالوا قبل أن يؤمروا بالقتال: لو نعلم أحب الأعمال إلى الله لعملناه فدلهم الله على الجهاد فولوا يوم أحد فعيرهم. وروي أن الله تعالى حين أخبر بثواب شهداء بدر قالوا: لئن لقينا قتالاً إلى الله لنفرغن فيه وسعنا ففرّوا يوم أحد ولم يفوا. وقيل؛ كان الرجل يقول: قلت ولم يقل وطعنت ولم يطعن فأنزل الله تعالى {لم تقولون} واللام الجاره إذا دخلت على " ما " الاستفهامية أسقطت الألف لكثرة الاستعمال. وقد عرفت مراراً أن خصوص سبب النزول لا ينافي عموم الحكم، وهذا التفسير يتناول إخلاف كل وعد. وقال الحسن: نزلت في الذين آمنوا بلسانهم لا بقلوبهم. ثم عظم أمر الإخلاف في قلوب المنافقين فقال {كبر} الآية. وفيه أصناف مبالغة من جهة صيغة التعجب والتعجب لا يكون إلا من شيء خارج عن نظائره وأشكاله، ومن جهة إسناد الفعل إلى {أن تقولوا} ونصب {مقتاً} على التمييز ومن قبل أن المقت أشدّ من البغض أو من وصفه بأنه {عند الله} لأن الممقوت عنده ممقوت عند كل ذي لب. ثم حث على الجهاد بنوع آخر وذلك أنه نسب أوّلاً ترك الجهاد بعد تمنيه إلى المقت ثم نسب الجهاد إلى الحب. وانتصب {صفاً} على المصدر بمعنى الحال. وقوله {كأنهم} مع الأول حالان متداخلان أي صافين أنفسهم أو مصفوفين كأنهم في تراميهم من غير فرجة ولا خلل {بنيان} رص بعضه على بعض أي رص صف. وجوزوا أن يراد صف معنوي وهو اتفاق كلمتهم واستواء نياتهم في الثبات. وعلى الأول استدل بعضهم به على تفضيل القتال راجلاً بناء على أن الفرسان لا يصطفون من غير فرجة، ثم ذكرهم قصة موسى عليه السلام مع قومه كيلا يفعلوا بنبيهم مثل ما فعل به بنو إسرائيل. تفسير الإيذاء مذكور في آخر " الأحزاب " وسائر أصناف إيذائهم إياه من عبادة العجل وطلب الرؤية والالتماسات المنكرة مشهورة {وقد تعلمون} في موضع الحال. وفائدة " قد " تأكيد العلم لا تقليله وفيه إشارة إلى نهاية جهلهم إذا عكسوا القضية وصنعوا مكان تعظيم رسول الله صلى الله عليه وسلم إيذاءه. والزيغ الميل عن الحق والإزاغة الإمالة فكأنهم تسببوا لمزيد الانحراف عن الجادة، فالطاعة تجر الطاعة والمعصية تجر المعصية. قال بعض العلماء: إنما قال عيسى {يا بني إسرائيل} ولم يقل يا قوم كما قال موسى، لأنه لا نسب له فيهم. قلت: ممنوع لقوله تعالى في " الأنعام " {أية : ومن ذريته داود} تفسير : [الأنعام: 84] إلى قوله {أية : وعيسى}تفسير : [الآية: 85] قال النحويون: قوله {مصدّقاً} و {مبشراً} حالان والعامل فيهما معنى الإرسال في الرسول فلا يجوز أن يكون {إليكم} عاملاً لأنه ظرف لغو.عن كعب أن الحواريين قالوا لعيسى: يا روح الله هل بعدنا من أمة؟ قال: نعم أمة محمد حكماء علماء أبرار أتقياء كأنهم من الفقه أنبياء يرضون من الله باليسير من الرزق ويرضى الله منهم باليسير من العمل. قوله {وهو يدعى إلى الإسلام} نظير ما مر من قوله {وقد تعلمون إني رسول الله} ففي كل منهما تعكيس القضية إذ جعل مكان إجابة النبي إلى الإسلام الذي فيه سعادة الدارين افتراء الكذب على الله وهو قولهم للمعجزات هي سحر،لأن السحر كذب وتمويه ولهذا عرف الكذب بخلاف آخر " العنكبوت ". ثم ذكر غرضهم من الافتراء بقوله {يريدون ليطفؤا} ولهذا خص هذه السورة باللام كأنه قال: يريدون الافتراء لأجل هذه الإرادة كما زيدت اللام في " لا أبالك " لتأكيد معنى الإضافة. وباقي الآيتين سبق تفسيره في " براءة ". وإنما قال ههنا {والله متم نوره} لمكان الفصل بالعلة كأنه قال: يريدون الافتراء لغرض إطفاء نور الله والحال أن الله متم نوره، وأما هنالك فإنه عطف قوله {ويأبى} على قوله {يريدون}. ثم دل أهل الإيمان على التجارة الرابحة وهي مجاز عن وجدان الثواب على العمل كما قال {أية : إن الله اشترى} تفسير : [التوبة: 111] إلى قوله {أية : فاستبشروا ببيعكم} تفسير : [ التوبة: 111] قال أهل المعاني: فائدة إيقاع الخبر موقع الأمر هي التنبيه على وجوب الأمر وتأكيده كأنه أمتثل فهو يخبره به كأنه قيل: هل تتجرون بالإيمان؟ وعن الفراء أن قوله {يغفر لكم} جواب {هل أدلكم} بتأويل أن متعلق الدلالة هو التجارة والتجارة مفسرة بالإيمان والجهاد فكأنه قيل: هل تتجرون بالإيمان والجهاد يغفر لكم {ذلكم} يعني ما ذكر من الإيمان والجهاد {خير لكم} من أموالكم وأنفسكم وهو اعتراض. وقوله {إن كنتم تعلمون} اعتراض زائد على اعتراض ومعناه إن كنتم تعلمون أنه خير لكم كان خيراً لكم لأن نتيجة الخير إنما تحصل بعد اعتقاد كونه خيراً. ثم قال {و} لكم مع هذه النعم الآجلة نعمة {أخرى} عاجلة {تحبونها} وهي فتح مكة كما قال {أية : وأثابكم فتحاً قريباً} تفسير : [الفتح: 18] وعن الحسن: هو فتح فارس والروم. قال في الكشاف: في قوله {تحبونها} شيء من التوبيخ على محبة العاجلة. وعندي أنه سبحانه رتب أمرين على أمرين: المغفرة وإدخال الجنة على الإيمان، والنصر والفتح على الجهاد، ومحبة النصر من الله والفتح القريب لا تقتضي التوبيخ وإنما ذلك مطلوب كل ذي لب ودين. وقال في قوله {وبشر} إنه معطوف على {تؤمنون} لأنه بمعنى الأمر. والأظهر عند علماء المعاني أنه معطوف على " قل " مقدراً قل يا أيها الذين آمنوا يؤيد تقدير قل. قوله {هل أدلكم} فإن نسبة هذا الاستفهام إلى رسوله أولى من نسبته إلى الله سبحانه على ما لا يخفى. قوله {كونوا أنصار الله} أي أعوان دينه {كما قال عيسى ابن مريم للحوارين} أي أصفيائه وقد مر ذكرهم في " آل عمران " {من أنصاري} متوجهاً {إلى} نصرة دين {الله} قال أهل البيان: فيه تشبيه كونهم أنصاراً بقول عيسى وإنه لا يصح على الظاهر لأن الكون يشبه بالكون لا القول، فوجهه أن يحمل التشبيه على المعنى وبيانه أن كون الحواريين أنصار الله يعرف من سياق الآية بعدها وهو قول الحواريين {نحن أنصار الله} وارد بطريق الاستئناف كأن سائلاً سأل: فماذا قال الحواريون حينئذ؟ فأجيب بما أجيب. وقولهم لا يخالف كونهم فيعود معنى الآية إلى قول القائل: كونوا أنصار الله مثل كون الحواريين أنصار عيسى وقت قوله {من أنصاري} على أن " ما " مصدرية والمصدر يستعمل مقام الظرف اتساعاً كقولك " جئتك قدوم الحاج " و " خفوق النجم " أي وقت القدوم والخفوق والسر في العدول عن العبارة الواضحة إلة العبارة الموجودة هو أن سوق الكلام بطريق الكناية حيث جعل المشبه به لازم ما هو المشبه به أبلغ من التصريح، وأن بناء الكلام على السؤال والجواب أوكد، وأن المجاز وهو استفادة كونهم من قولهم أبلغ من الحقيقة، ولعل في الآية أسراراً آخر لم نطلع عليها. ومعنى {ظاهرين} غالبين. عن زيد بن علي: كان ظهورهم بالحجة.

الثعالبي

تفسير : قوله تعالى: {سَبَّحَ للَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ} قد تقدَّمَ تفسيرُه، واخْتُلِفَ في السببِ الذي نزلتْ فيه: {يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لِمَ تَقُولُونَ مَا لاَ تَفْعَلُونَ} فقال ابن عباس وغيره: نزلتْ بسببِ قَوْمٍ قالوا: لَوْ عَلِمْنَا أَحَبَّ العَمَلِ إلى اللَّهِ تعالى لسَارَعْنَا إليه، ففرضَ اللَّهُ الجهادَ وأعلَمَهُمْ بفَضْلِه؛ وأَنَّهُ يُحِبُّ المقَاتِلينَ في سبيله كالبنيانِ المَرْصُوصِ، فَكَرِهَهُ قَوْمٌ منهم، وفَرُّوا يومَ الغزوِ فَعَاتَبَهُمُ اللَّهُ تعالى بهذه الآية، وقال قتادة والضحاك: نزلتْ بسببِ جماعةٍ من شبابِ المسلمينَ كانوا يَتَحَدَّثُونَ عن أنفسِهم في الغزو بما لم يفعلوا، قال * ع *: وحُكْمُ هذهِ الآيةِ بَاقٍ غَابِرَ الدهرِ، وكلَّ مَنْ يقولُ ما لا يفعلُ فهو مَمْقُوتُ الكلامِ، والقولُ الأولُ يَتَرَجَّح بِمَا يأتي [من أمْرِ] الجهادِ والقتالِ، والمقتُ البغضُ، مِن أجل ذنبٍ، أو رِيبَةٍ، أو دَنَاءَةٍ يَصْنَعُها الممقوتُ، وقول المرءِ مَا لا يفعلُ مُوجِبٌ مَقْتَ اللَّهِ تعالى، ولذلك فرَّ كثيرٌ من العلماءِ عَنِ الوَعْظِ والتذكيرِ وآثرُوا السكوتَ، * قلت *: وهَذا بحسَبِ فِقْهِ الحالِ؛ إنْ وَجَدَ الإنْسانُ مَنْ يكفِيه هذه المَؤُنَةَ في وقتهِ، فَقَدْ يَسَعُه السكوتُ وإلا فَلاَ يسعُه، قال الباجي في «سنن الصالحين» له: قال الأصمعي: بَلَغَنِي أَنَّ بَعْضَ الحكماءِ كَانَ يقول: إني لأَعظكُم وإنّي لَكَثيرُ الذنوبِ، وَلَوْ أن أحَداً لاَ يَعِظُ أخاه حَتَّى يُحْكِمَ أَمْرَ نَفْسِهِ لتُرِكَ الأَمْرُ بالخيرِ، واقْتُصِرَ عَلى الشَّرِّ، ولكنَّ محادثةَ الإخوانِ حياةُ القلوبِ وجَلاَء النُّفُوسِ وتَذْكِيرٌ مِنَ النسيانِ، وقال أبو حازم: إني لأعظ الناسَ وما أنا بموضعٍ للوَعْظِ، ولكنْ أريدُ به نَفْسِي، وقَالَ الحسنُ لمطرف: عِظْ أصْحَابَكَ، فَقَالَ: إنِّي أخافُ أنْ أقولَ ما لا أفعل فقالَ: رحمك اللَّه؛ وأيُّنَا يَفْعَلُ ما يقول، وَدَّ الشيطانُ أنه لَو ظَفَرَ منكم بهذهِ فَلَمْ يأمُرْ أحدٌ منكم بمعروفٍ، وَلَمْ يَنْهَ عن منكر، انتهى.

ابن عادل

تفسير : قال ابن الخطيب: وجه تعلق هذه السورة بما قبلها، هو أن في السورة التي قبلها، بين الخروج إلى الجهاد في سبيل الله، وابتغاء مرضاته بقوله: {أية : إِن كُنتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَاداً فِي سَبِيلِي وَٱبْتِغَآءَ مَرْضَاتِي}تفسير : [الممتحنة: 1]، وفي هذه السورة بين ما يحمل المؤمن، ويحثّه على الجهاد، فقال: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفّاً كَأَنَّهُم بُنْيَانٌ مَّرْصُوصٌ}تفسير : [الصف: 3]. فإن قيل: ما الحكمة في أنه - تعالى - قال في بعض السور: "سبَّح للَّهِ" بلفظ الماضي، وفي بعضها: "يُسَبِّحُ" بلفظ المضارع، وفي بعضها بلفظ الأمر؟. فالجواب: أن الحكم في ذلك تعليم العبد، أن تسبيح الله تعالى دائم لا ينقطع، كما أن الماضي يدل عليه في الماضي من الزمان، والمستقبل يدل عليه في المستقبل من الزمان والأمر يدل عليه في الحال. و "العَزِيزُ": هو الغالب على غيره أي شيءٍ كان ذلك الغير، ولا يمكن أن [يحكم] عليه غيره، و"الحَكِيمُ": هو الذي يحكم على غيره، أي شيء كان ذلك الغير. فإن قيل: هلاَّ قيل: سبح لله ما في السماوات وما في الأرض وما فيهما وهو أكثر مبالغة؟ فالجواب: إنما يكون كذلك، إذا كان المراد التَّسبيح بلسان الحال، أما إذا كان المراد من التسبيح المخصوص باللسان فالبعض بوصف معين، فلا يكون كذلك.

البقاعي

تفسير : لما ختمت الممتحنة بالأمر بتنزيهه سبحانه عن تولي من يخالف أمره بالتولي عنهم والبراءة منهم اتباعاً لأهل الصافات المتجردين عن كل ما سوى الله لا سيما عمن كانوا إذا قيل لهم لا إله إلا الله يستكبرون، افتتحت الصف بما هو كالعلة لذلك فقال: {سبح لله} أي أوقع التنزيه الأعظم للملك الأعظم الذي له {ما في السموات} من جميع الأشياء التي لا يغفل من أفلاكها ونجومها وغير ذلك من جواهرها وأعراضها في طلوعها وأفولها وسيرها في ذهابها ورجوعها وإنشاء السحاب وإنزال المياه وغير ذلك. ولما كان الخطاب مع غير الخلص أكده فقال: {وما في الأرض} أي بامتثال جميع ما يراد منه مما هو كالمأمور بالنسبة إلى أفعال العقلاء من نزول المياه وإخراج النبات من النجم والشجر وإنضاج الحبوب والثمار - وغير ذلك من الأمور الصغار والكبار. ولما كان امتثال غير العاقل وعصيان العاقل ربما أوهم نقصاً قال: {وهو} أي وحده لا شريك له {العزيز} أي العظيم النفع الذي يغلب كل شيء ولا يغلبه شيء، ويعسر الوصول إليه {الحكيم *} أي الذي يضع الأشياء في أتقن مواضعها، فما مكّن العاقل من المعصية إلا لإظهار صفات الكمال من العلم والقدرة والحلم والكرم والرحمة والغضب وغير ذلك، وقد علم بهذا التنزيه وختم آيته بهاتين الصفتين أنه تعالى منزه عما تضمنه يأس الكفار المذكور من أنه لا بعث وعن أن يجعل سبحانه لهم حظاً في الآخرة لأن كلاًّ من عدم البعث والتسوية بين المسيء والمحسن نقص. وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير: افتتحت بالتسبيح لما ختمت به سورة الممتحنة من قوله{أية : لا تتولوا قوماً غضب الله عليهم}تفسير : [الممتحنة: 13] وهم اليهود، وقد تقدم الإيماء إلى ما استوجبوا به هذا فأتبع بالتنزيه لما تقدم بيانه فإنه مما تعقب به ذكر جرائم المرتكبات ولا يرد في غير ذلك، ثم أتبع ذلك بأمر العباد بالوفاء وهو الذي حد لهم في الممتحنة ليتنزهوا عن حال مستوجبي الغضب بنقيض الوفاء والمخالفة بالقلوب والألسنة {أية : يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم}تفسير : [آل عمران: 167]{أية : لياً بألسنتهم وطعناً في الدين}تفسير : [النساء: 46]{أية : من الذين قالوا آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم}تفسير : [المائدة: 41] {أية : ويقولون آمنا بالله والرسول وأطعنا ثم يتولى فريق منهم}تفسير : [النور: 47] وبمجموع هذا استجمعوا اللعنة والغضب فقيل للمؤمنين:{أية : يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون} تفسير : [الصف: 2] احذروا أن تشبه أحوالكم حال من استحق المقت واللعنة والغضب، ثم أتبع بحسن الجزاء لمن وفى قولاً وعقداً ولساناً وضميراً، وثبت على ما أمر به فقال:{أية : إن الله يحب الذي يقاتلون في سبيله صفاً}تفسير : [الصف: 4] الآية ثم تناسج ما بعد. ولما كان الوارد من هذا الغرض في سورة الممتحنة قد جاء على طريق الوصية وسبيل النصح والإشفاق، أتبع في سورة الصف بصريح العتب في ذلك والإنكار ليكون بعد ما تمهد في السورة قبل أوقع في الزجر، وتأمل كم بين قوله سبحانه{أية : يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء}تفسير : [الممتحنة: 1] وما تضمنته من اللطف وبين قوله{أية : لم تقولون ما لا تفعلون كبر مقتاً عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون}تفسير : [الصف: 2] انتهى. ولما تقدمت في الممتحنة قصة الفتح الأعظم في شأن حاطب بن أبي بلتعة رضي الله عنه وجل منابذة الكفار بكل اعتبار علماً على صحة الهجرة وادعى التجرد لجهاد أعداء الله، وقصة الفتح السببي من تحريم المؤمنات على المشركين وتحريم المشركين على المؤمنات في غزوة الحديبية، وأبدى سبحانه في ذلك من الصنائع التي تعجز قوى الخلق عنها أن رتب ما في الفتح السببي على ما في الفتح الفعلي الحقيقي، فجعل الأول في الزمان آخر في الرتبة والآخر في الزمان أولاً في الرتبة مع شدة الإحكام في ترصيف النظام والبلوغ في الرشاقة والانسجام إلى حد لا يطيقه نوافذ الأفهام مع بداعة المعاني ومتانة المباني، وكان فعل من ناصح الكفار ممن أمن بلسانه وأذعن بجنانه وهاجر بأركانه نوع مناصحة فعل من يقول مالا يفعل في منابذتهم والتجرد بعداوتهم، فذكر أول هذه السورة من تنزيهه بألسنة أحوال ما لا يعقل ما يخجل المسلم بشيء من ذلك تأديباً لأمثاله، وتدريباً لمن يلم بشيء من المخالفة بباله، وكان العاقل أولى من غيره بتنزيه جناب القدس بالطاعة، فكيف إذا كان ممن أقر بالإيمان وتقلد عهدة الإذعان، وكان من عصى منهم منادياً على نفسه بمخالفة قوله لفعله، ومن نزهه حق تنزيهه لم يقصر في حق من حقوقه بتضييع شيء من أوامره كما أن تنزيه ما لا يعقل بأن لا يخالف شيئاً من مراده، قال مرهباً بنداء البعد والتوبيخ الذي من مبادئ الغضب والإنكار بالاستفهام والتعبير بما يفهم أدنى مراتب الإيمان: {يأيها الذين آمنوا} أي ادعوا الإيمان {لم} قال في الكشاف: هي لام الإضافة داخلة على "ما" الاستفهامية كما دخل عليها غيرها من حروف الجر في بم وفيم ومم وعم وإلام وعلام، وإنما حذفت الألف لأن "ما" والحرف كشيء واحد، ووقع استعمالها بزيادة هاء السكت أو الإسكان، ومن أسكن في الوصل فلإجرائه مجرى الوقف كما سمع ثلاثه أربعه بالهاء وإلقاء حركة الهمزة عليها محذوفة، وقال الرضي في الموصول: إنها حذفت لأن لها صدر الكلام ولم يمكن تأخير الجار عنها فقدم وركب معها حتى يصير المجموع موضوعة للاستفهام، فلا يسقط الاستفهام عن مرتبة الصدر، وجعل حذف الألف دليل التركيب {تقولون} أي من دعوى الإيمان التي مقتضاها إلزام الإخلاص في جميع الأحوال {ما لا تفعلون *} أي ما لا تصدقونه بالفعل الذي يكون بغاية الرغبة والقوة فتتخذوا العدو ولياً بالإقبال عليه وإرسال التنصح إليه وقد تلفظتم بالإيمان الذي يستلزم المعاداة لكل من كفر، وخلف الوعد في نفسه قبيح ومع الخالق أقبح. ولما كان ذلك مهلكاً، رحم المخاطبين بتعظيمه لينجوا أنفسهم بالكف عنه فقال: {كبر} فقصد به التعجيب وهو تعظيم الأمر في قلوب السامعين لأن التعجب لا يكون إلا في أمر خارج عن نظائره وأشكاله، وفسر ما قصد منه للدلالة على خلوصه في المقت بقوله: {مقتاً} أي عظم جداً وما أعظمه من بغض هو أشد البغض، وزاد في تبشيعه زيادة في التنفير منه بقوله: {عند الله} أي الملك الأعظم الذي يحقر عنده كل متعاظم. ولما أبلغ في تبشيعه تشوفت النفس إلى المسند إليه ذلك قال: {أن تقولوا} أي عظم من تلك الجهة أن يقع في وقت من الأوقات أو حال من الأحوال قولكم {ما لا تفعلون *} وقال القشيري: ويقال: لم يتوعد الله على زلة بمثل ما توعد على هذا - انتهى. وكل ما ذكروه في سببها صالح للسببية قول بعضهم لو ندري أحب الأعمال إلى الله لاجتهدنا فيه ثم ولّوا يوم أحد، وتوانى بعضهم في الجهاد، وكون حديث : صهيب رضي الله عنه قتل يوم بدر رجلاً آذى المسلمين وأنكى فيهم وادعى غيره أنه قتله فأعجب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال عمر وعبد الرحمن بن عوف لصهيب رضي الله عنهم: أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أنك قتلته، فقال صهيب رضي الله عنه: "إنما قتلته لله ولرسوله، فأخبر عمر وعبد الرحمن رضي الله عنهما النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أكذلك أبا يحيى، فقال: نعم يا رسول الله" تفسير : والتزام المنافقين أحكام الإسلام، وتخلفهم إخلافاً في الأمور العظام، وكذا قصة حاطب رضي الله عنه. ولما عظم ما يكرهه بعد ما ألهب به من تنزيه غير العاقل، فكان العاقل جديراً بأن يسأل عما يحبه لينزهه به، قال ذاكراً الغاية التي هي أم جامعة لكل ما قبلها من المحاسن، مؤكداً لأن الخطاب مع من قصر أو هو في حكمه: {إن الله} أي الذي له جميع صفات الكمال {يحب} أي يفعل فعل المحب مع {الذين يقاتلون} أي يوقعون القتال {في سبيله} أي بسبب تسهيل طريقه الموصلة إلى رضاه إيقاعاً مظروفاً للسبيل، لا يكون شيء منه كشيء خارج عنه، فيقاتلون أعداء الدين من الشيطان بالذكر القلبي واللسان، والإنسان بالسيف والسنان {صفاً} أي مصطفين حتى كأنهم في اتحاد المراد على قلب واحد كما كانوا في التساوي في الاصطفاف كالبدن الواحد. ولما كان الاصطفاف يصدق مع التقدم والتأخر اليسير نفى ذلك بقوله حالاً بعد حال: {كأنهم} أي من شدة التراص والمساواة بالصدور والمناكب والثبات في المراكز {بنيان} وزاد في التأكيد بقوله: {مرصوص *} أي عظيم الاتصال شديد الاستحكام كأنما رص بالرصاص فلا فرجة فيه ولا خلل، فإن من كان هكذا كان جديراً بأن لا يخالف شيء من أفعاله شيئاً من أقواله، فالرص إشارة إلى اتحاد القلوب والنيات في موالاة الله ومعاداة من عاداه المنتج لتسوية الصفوف في الصلاة التي هي محاربة الشيطان، والحرب التي هي مقارعة حزبه أولى الطغيان، والأفعال التي هي ثمرات الأبدان.

السيوطي

تفسير : أخرج عبد بن حميد وابن مردويه عن ابن عباس قال‏:‏ قال ناس‏:‏ لو نعلم أحب الأعمال إلى الله لفعلناه، فأخبرهم الله، فقال‏:‏ ‏{‏إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفاً كأنهم بنيان مرصوص‏}‏ فكرهوا ذلك فأنزل الله ‏ {‏يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون كبر مقتاً عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون‏} . وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال‏:‏ كانوا يقولون‏:‏ والله لو نعلم ما أحب الأعمال إلى الله فنزلت ‏ {‏يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون‏}‏ إلى قوله‏:‏ ‏ {‏بنيان مرصوص‏}‏ فدلهم على أحب الأعمال إليه‏. وأخرج ابن مردويه عن أبي هريرة قال‏:‏ قالوا‏:‏ لو كنا نعلم أي الأعمال أحب إلى الله فنزلت ‏{‏يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون‏} ‏ إلى قوله‏:‏ ‏ {‏بنيان مرصوص‏}‏ ‏. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن عساكر عن مجاهد في قوله‏ ‏{‏يا أيها لذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون‏}‏ إلى قوله‏:‏ ‏ {‏بنيان مرصوص‏}‏ قال‏:‏ نزلت في نفر من الأنصار منهم عبد الله بن رواحة قالوا في مجلس لهم‏:‏ لو نعلم أي عمل أحب إلى الله لعملناه حتى نموت، فأنزل الله هذا فيهم، فقال ابن رواحة‏:‏ لا أبرح حبيساً في سبيل الله حتى أموت، فقتل شهيداً‏. وأخرج مالك في تفسيره عن زيد بن أسلم قال‏:‏ نزلت هذه الآية في نفر من الأنصار فيهم عبد الله بن رواحة قالوا في مجلس‏:‏ لو نعلم أي الأعمال أحب إلى الله لعملنا به حتى نموت، فأنزل الله هذه فيهم، فقال ابن رواحة‏:‏ لا أبرح حبيساً في سبيل الله حتى أموت شهيدا‏ً.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل قال‏:‏ قال المؤمنون‏:‏ لو نعلم أحب الأعمال إلى الله لعملناه فدلهم على أحب الأعمال إليه فقال‏:‏ ‏{‏إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا‏ً}‏ فبين لهم فابتلوا يوم أحد بذلك فولوا عن النبي صلى الله عليه وسلم مدبرين، فأنزل الله في ذلك ‏ {‏يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون‏}‏ ‏. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن أبي صالح قال‏:‏ قال المسلمون‏:‏ لو أمرنا بشيء نفعله، فنزلت ‏ {‏يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون‏} ‏ قال‏:‏ بلغني أنها نزلت في الجهاد، كان الرجل يقول‏:‏ قاتلت وفعلت، ولم يكن فعل، فوعظهم الله في ذلك أشد الموعظة‏.‏ وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال‏:‏ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يبعث السرية، فإذا رجعوا كانوا يزيدون في الفعل، ويقولون قاتلنا كذا وفعلنا كذا، فأنزل الله الآية‏. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن ميمون بن مهران قال‏:‏ إن القاص ينتظر المقت فقيل له أرأيت قول الله‏:‏ ‏{‏يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون كبر مقتاً عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون‏} ‏ أهو الرجل يقرظ نفسه فيقول‏:‏ فعلت كذا وكذا من الخير، أم هو الرجل يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، وإن كان فيه تقصير، فقال‏:‏ كلاهما ممقوت‏. وأخرج عبد بن حميد عن أبي خالد الوالبي قال‏:‏ جلسنا إلى خباب، فسكت، فقلنا‏:‏ ألا تحدثنا فإنما جلسنا إليك لذلك‏؟‏ فقال‏:‏ أتأمروني أن أقول ما لا أفعل‏.‏ قوله تعالى‏:‏ ‏ {‏إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا‏ً} ‏ الآيات‏.‏ وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏ {‏كأنهم بنيان مرصوص‏} ‏ قال‏:‏ مثبت لا يزول ملصق بعضه ببعض‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة ‏{‏إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا‏ً}‏ الآية، قال‏:‏ ألم تروا إلى صاحب البناء كيف لا يحب أن يختلف بنيانه، فكذلك الله لا يحب أن يختلف أمره وإن الله وصف المسلمين في قتالهم وصفهم في صلاتهم فعليكم بأمر الله فإنه عصمة لمن أخذ به‏. وأخرج ابن مردويه عن البراء بن عازب قال‏:‏ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أقيمت الصلاة يمسح مناكبنا وصدورنا، ويقول‏:‏ ‏"حديث : ‏لا تختلفوا فتختلف قلوبكم إن الله وملائكته يصلون على الصفوف الأول، وصلوا المناكب بالمناكب والأقدام بالأقدام، فإن الله يحب في الصلاة ما يحب في القتال ‏{‏صفاً كأنهم بنيان مرصوص‏} ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج أحمد وابن ماجة والبيهقي في الأسماء والصفات عن أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"حديث : ‏ثلاثة يضحك الله إليهم‏:‏ القوم إذا اصطفوا للصلاة، والقوم إذا اصطفوا لقتال المشركين، ورجل يقوم إلى الصلاة في جوف الليل ‏"‏‏.‏ تفسير : قوله تعالى‏:‏ ‏ {‏وإذ قال عيسى ابن مريم‏}‏ الآية‏. أخرج ابن مردويه عن العرياض ابن سارية‏:‏ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ ‏"حديث : ‏إني عبد الله في أم الكتاب وخاتم النبيين، وإن آدم لمنجدل في طينته، وسوف أنبئكم بتأويل ذلك‏.‏ أنا دعوة إبراهيم وبشارة عيسى قومه ورؤيا أمي التي رأت أنه خرج منها نور أضاء له قصور الشام‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن مردويه عن أبي موسى قال‏:‏ أمرنا النبي صلى الله عليه وسلم أن ننطلق مع جعفر بن أبي طالب إلى أرض النجاشي قال‏:‏ ما منعك أن تسجد لي‏؟‏ قلت‏:‏ لا نسجد إلا لله. قال‏:‏ وما ذاك‏؟‏ قلت‏:‏ إن الله بعث فينا رسوله، وهو الرسول الذي بشر به عيسى ابن مريم برسول يأتي من بعد اسمه أحمد، فأمرنا أن نعبد الله ولا نشرك به شيئا‏ً. وأخرج مالك والبخاري ومسلم والدارمي والترمذي والنسائي عن جبير بن مطعم قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"حديث : ‏إن لي خمسة أسماء‏:‏ أنا محمد وأنا أحمد، وأنا الحاشر الذي يحشر الناس على قدمي، وأنا الماحي الذي يمحو الله بي الكفر، وأنا العاقب، والعاقب الذي ليس بعده نبي‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج الطيالسي وابن مردويه عن جبير بن مطعم سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ ‏"حديث : ‏أنا محمد وأنا أحمد والحاشر ونبي التوبة ونبي الملحمة‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن مردويه عن أبيّ بن كعب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏حديث : "‏أعطيت ما لم يعط أحد من أنبياء الله" قلنا يا رسول الله ما هو‏؟‏ قال‏:‏ "نصرت بالرعب، وأعطيت مفاتيح الأرض، وسميت أحمد، وجعل لي تراب الأرض طهوراً، وجعلت أمتي خير الأمم" ‏‏‏.‏ تفسير : أخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله‏:‏ ‏ {‏فلما جاءهم بالبينات‏}‏ قال‏:‏ محمد وفي قوله‏:‏ ‏{‏يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم‏}‏ قال‏:‏ بألسنتهم‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن مسروق أنه كان يقرأ التي في المائدة وفي الصف وفي يونس‏ "‏ساحر‏"‏‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن عاصم أنه قرأ ‏{‏هذا سحر مبين‏} ‏ بغير ألف، وقرأ ‏ {‏والله متم نوره‏}‏ بتنوين متم وبنصب نوره‏.‏

ابو السعود

تفسير : مدنية، وقيل مكية، وآيُها أربع عشرة {سَبَّحَ للَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَمَا فِى ٱلأَرْضِ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ} الكلامُ فيهِ كالذي مرَّ في نظيره. {يأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ لِمَ تَقُولُونَ مَا لاَ تَفْعَلُونَ} رُوِيَ أنَّ المسلمينَ قالُوا لو علمنَا أحبَّ الأعمالِ إلى الله تعالى لبذلنَا فيه أموالَنا وأنفسَنا فلما نزلَ الجهادُ كرهوهُ فنزلتْ وماقيل من أن النازل قوله تعالى {أية : إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلَّذِينَ يُقَـٰتِلُونَ فِى سَبِيلِهِ صَفّاً } تفسير : [سورة الصف، الآية 4] بـيّن الاختلال. وروي أنهم قالوا: يا رسول الله لو نعلم أحبّ الأعمال إلى الله تعالى لسارعنا إليه، فنزلت: { أية : هَلْ أَدُلُّكمْ عَلَىٰ تِجَـٰرَةٍ} تفسير : [سورة الصف، الآية 10] إلى قوله تعالى { أية : وَتُجَـٰهِدُونَ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ بِأَمْوٰلِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ} تفسير : [سورة الصف، الآية 11] فولَّوا يومَ أحدٍ. وفيه التزامُ أنَّ ترتيبَ الآياتِ الكريمةِ ليسَ على ترتيبِ النزولِ وقيل لما أخبرَ الله تعالى بثوابِ شهداءِ بدرٍ قالتِ الصحابةُ اللَّهم أشهدْ لئِن لقِينا قتالاً لنُفْرغَن فيهِ وُسعنا ففرّوا يومَ أحدٍ فنزلتْ. وقيلَ إنَّها نزلتْ فيمَنْ يتمدحُ كاذباً حيثُ كانَ الرجلُ يقولُ قتلتُ ولم يقتُلْ وطعنتُ ولم يَطعنْ وهكذا، وقيلَ كانَ رجلٌ قد آذَى المسلمينَ يومَ بدرٍ ونكى فيهم فقتَلَهُ صهيبٌ وانتحلَ قتلَهُ آخرُ فنزلتْ في المنتحِلِ. وَقِيلَ نزلتْ في المنافقينَ ونداؤُهم بالإيمانِ تهكمٌ بهم وبإيمانهم وليسَ بذاكَ كما ستعرفُهُ، ولمَ مركبةٌ من اللامِ الجارةِ وما الاستفهاميةِ قد حذفتْ ألفُها تخفيفاً لكثرةِ استعمالِهما معاً كما في عَمَّ وفيمَ ونظائِرِهِما. معنَاها لأيِّ شيءٍ تقولونَ نفعلُ ما لا تفعلونَ من الخيرِ والمعروفِ على أنَّ مدارَ التعبـيرِ والتوبـيخِ في الحقيقةِ عدمُ فعلِهم وإنَّما وجها إلى قولِهِم تنبـيهاً على تضاعفِ معصيتِهِم ببـيانِ أنَّ المنكرَ ليسَ تركَ الخيرِ الموعودِ فقط بلِ الوعدَ بهِ أيضاً، وقد كانُوا يحسبونَهُ معروفاً ولو قيلَ لمَ لا تفعلوا ما تقولونَ لفُهم منهُ أنَّ المنكرَ هُو تركُ الموعودِ {كَبُرَ مَقْتاً عِندَ ٱللَّهِ أَن تَقُولُواْ مَا لاَ تَفْعَلُونَ} بـيانٌ لغايةِ قُبحِ ما فعلوهُ وفرطِ سماجتِه. وكبُرَ من بابِ نِعْمَ وبِئْسَ فيه ضميرٌ مبهمٌ مفسرٌ بالنكرةِ بعدهُ، وأنْ تقولُوا هو المخصوصُ بالذمِّ. وقيل قُصدَ فيهِ التعجبُ من غيرِ لفظِهِ وأُسْندَ إلى أنْ تقولُوا. ونصبُ مقتاً على تفسيرِهِ دلالةٌ على أنَّ قولَهُم ما لا يفعلونَ مقتٌ خالصٌ لا شوبَ فيهِ كبُرَ عندَ من يحقرُ دونَهُ كلُّ عظيمٍ.

القشيري

تفسير : مَنْ أراد أنْ يصفوَ له تسبيحُه فَلْيُصَفِّ قلبَه من آثار نَفْسِه، ومَنْ أراد أن يَصْفُوَ له في الجنَّةِ عَيشُه فَلْيُصَفِّ من أوضارِ ذَنْبِهِ نَفْسَه.

البقلي

تفسير : {سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ} لما عيانوا أيات الله طلبوا فيها مشاهدة الله مما وجدوا فى انفسهم تأثير مباشرة نور قدرة الله فلما وجدوا انوار تنزيهه فقد سوه بما وجدوه انه باين بوجوده من الحدثان.

اسماعيل حقي

تفسير : {سبح لله} نزهه عن كل مالايليق بجنابه العلى العظيم {مافى السموات} من العلويات الفاعلة {وما فى الارض} من السفليات القابلة آفاقا وانفسا اى سبحه جميع الاشياء من غير فرق بين موجود وموجود كما قال تعالى {أية : وان من شىء الا يسبح بحمده}تفسير : {وهو العزيز} الغالب الذى لايكون الا مايريد {الحكيم} الذى لايفعل الا بالحكمة فلا عزيز ولاحيكم على الاطلاق غيره فلذا يجب تسبيحه قال فى كشف الاسرار من أراد يصفو له تسبيحه فليصف عن آثار نفسه قلبه ومن أراد أن يصفو له فى الجنة عيشة فليصف عن اوضار الهوى دينه

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {سَبَّح لله ما في السماوات وما في الأرض وهو العزيزُ الحكيم}. ولمَّا قال بعضُ الصحابة: لو نعلم أحب الأعمال إلى الله لبذلنا في أموالنا، فنزلت أية الجهاد، فتباطأ بعضُهم، فنزلت: {يا أيها الذين آمنوا لِمَ تقولون ما لا تفعلون}. وقيل: لمَّا أخبر الله بثواب شهداء بدر، فقالوا: والله لئن شَهِدنا قتالاً لنُفْرِغَنَّ فيه وُسْعَنا، ففرُّوا يوم أُحُد, فنزلت. وقيل: نزلت فيمن يمدح كذباً، حيث كان يقول: قتلتُ، ولم يقتل، وطعنتُ، ولم يطعن، وقيل: كان رجل قد آذى المسلمين يوم بدر ونكأ فيهم، فقتله صُهيب، وانتحل قتله آخر، فنزلت في المنتحِل. أي: لأيّ شيء تقولونه من الخير والمعروف، على أنّ مدار التوبيخ إنما هو عدم فعلهم، وإنما وجّه إلى قولهم تنبيهاً على تضاعيف معصيتهم، لبيان أنَّ المنكَر ليس ترك الخير الموعود فقط، بل الوعد به أيضاً، وقد كانوا يحسبونه معروفاً، ولو قيل: لِمَ لا تفعلون ما تقولون، لفُهم منه أنّ المنكَر إنما هو ترك المفعول. {كَبُرَ مقتاً عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون}، هو بيان لغاية قُبح ما فعلوا، وفرط سماحته، و"كَبُرَ" جارية مجرى نعم، بزيادة معنى التعجُّب، ومعنى التعجُّب: تعظيم الأمر في قلوب السامعين؛ لأنّ التعجُّب لا يكون إلاّ مِن شيءٍ خارج عن نظائره، وفي "كَبُرَ" ضمير مبهَم مفسَّر بالنكرة بعده، و "أن تقولوا" هو المخصوص بالذم، وقيل: قصد فيه التعجُّب من غير لفظه، وأُسند إلى "إن تقولوا"، ونصب "مقتاً" على تفسيره، دلالةً على أنّ قولهم ما لا يفعلون مقتٌ خالص لا شوب فيه، كأنه قيل: ما أكبر مقتاً قولهم بلا عمل. ثم بيَّن ما هو مَرْضِي عنده، بعد بيان ما هو ممقوت بقوله: {إِنَّ اللهَ يُحب الذين يُقاتِلون في سبيله}، وهو المقصود بالذات من السورة؛ وقوله: {صفًّا} أي: صافِّين أنفسهم، أو مصفوفين، مصدر وقع موقع الحال، {كأنهم بُنيان مرصُوص}؛ لاصق بعضه ببعض، وقيل: أريد: استواء نيّاتهم في حرب عدوّهم، حتى يكونوا في اجتماع الكلمة كالبنيان الذي رُصَّ بعضه إلى بعض، وهو حالٌ أيضاً، أي: مشبّهين بالبنيان الملاصق. قال ابن عرفة: التشبيه في الثبات وعدم الفرار كثبوت البناء ولزومه. هـ. الإشارة: {سَبَّحَ لله}، قال الورتجبي: لمَّا عاينوا آيات الله طلبوا فيها مشاهدة الله، فوجدوا في نفوسهم تأثير مباشرة نور قدرة الله، فقدَّسُوه أنه باين بوجوده من الحدثان. هـ. قوله تعالى: {كَبُرَ مقتًا}... الخ، قال القشيري: خُلفُ الوعد مع كلِّ أحدٍ قبيحٌ، ومع الله أقبح، ويُقال: إظهارُ التجلُّدِ من غير شهودِ مواضعَ الفقر إلى الحقِّ في كل نَفَسٍ يؤذِنُ بالبقاء مع ما حصل به الدعوى، واللهُ يحب التبرِّي من الحول والقوة. ويقال: لم يتوعَّد على زَلَّةٍ بمثْلِ ما توعَّد على هذا، بقوله: {كَبُرَ مقتًا عند الله}. هـ. ولذا فرّ كثير من العلماء عن الوعظ والتذكير، وآثروا السكوت، كما قال بعضهم: شعر : لـو كـان ينفعـني وعظـي وعظتُكـم أنـا الغريـق فما خوفـي مِن البلـل تفسير : قال أبو زيد الثعالبي: وهذا إن وَجد مَن يكفيه ويقوم عنه في الوعظ، وإلاّ فلا ينبغي السكوت. قال الباجي في سنن الصالحين، عن الأصمعي: بلغني أنَّ بعض الحُكماء كان يقول: إني لأعظكم، وإني لكبير الذنوب، ولو أنَّ أحداً لا يعظ أخاه حتى يُحْكِم أمرَ نفسه لتُرك الأمر بالخير، واقتُصر على الشر، ولكن محادثة الإخوان حياة القلوب وجلاء النفوس، وتذكير مِن النسيان. وقال أبو حازم: إني لأعظ الناسَ، وما أنا بموضع الوعظ، ولكن أُريد به نفسي. هـ. قلت: وكان شيخ شيوخنا سيدي على الجمل العمراني رضي الله عنه يقول حين يُذَكِّر: نحْن ما ننبَحُ إلاّ على نفوسنا. هـ. ثم قال: وقال الحسن لِمطرف: عِظ أصحابك، فقال: أخاف أنْ أقولَ ما لا أفعل، فقال: يرحمك الله، وأيّنا يفعل ما يقول، ودّ الشيطانُ لو ظفر منكم بهذه، فلم يأمر أحدٌ منكم بمعروف ولم ينهَ عن منكر. هـ. وفي حديث الجامع: "حديث : مُروا بالمعروف وإنْ لم تَفعلُوه، وانْهَوْا عن المنكرِ وإن لم تَتجنبُوه"تفسير : . وقال الغزالي: مَن ترك العمل خوف الآفة والرياء, فإنَّ ذلك منتهى بغية الشيطان منه, إذ المراد منه ألاَّ يفوته الإخلاص، ومهما ترك العمل فقد ضيَّع العمل والإخلاص. هـ. قلت: ولا شك أنَّ الوعظ مِن المخلصين وأهل القلوب، أشد تأثيراً من غيرهم، فإنَّ الكلامَ إذا خرج من القلب وقع في القلب، وإذا خرج من اللسان حدّه الآذان، وفي الحِكَم:" تسبق أنوارُ الحكماء أقوالَهم، فحيث ما صار التنوير وصل التعبير". فأهل النور تسري أنوارُهم في الجالسين قبل أن يتكلموا، وربما انتفع الناسُ بصمتهم، كما ينتفعون بكلامهم، وأمّا أهل الظُلمة ـ وهو مَن في قلبه حُب الدنيا ـ فكلامهم قليل الجدوى، تسبق ظلمةُ قلوبهم إلى قلوب السامعين، فلا ينتفع إلاّ القليل. ثم ذكر مساوىء اليهود والنصارى، بسبب جُبْنهم وسوء أدبهم، حين أُمروا بالجهاد، وبفكرهم بعد ظهور الحق، تحذيراً مما صنعوا، فقال: {وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ يٰقَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي}.

الطوسي

تفسير : قد مضى تفسير {سبح لله ما في السماوات وما في الأرض وهو العزيز الحكيم} في أول الحشر، وقد مضى تفسيره في اول الحديد، وإنما أعيد - هٰهنا - لانه استفتاح السوره بتعظيم الله من جهة ما سبح له بالآية التي فيه، كما يستفتح ببسم الله الرحمن الرحيم، وإذا جل المعنى في تعظيم الله حسن الاستفتاح به، لأن المقصد به حسب دلالته والفائدة في تعظيم ما ينبغي أن يستفتي به على جهة التعظيم لله، والتيمن بذكره. وقوله {يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون} قال الحسن: نزلت في المنافقين، يقول الله لهم {لم تقولون} بألسنتكم ما لا تفعلونه، فسماهم بالايمان على الظاهر. وقيل: نزلت في قوم كانوا يقولون إذا لقينا العدوّ لم نفر، ولم نرجع عنهم ثم لم يفوا بما قالوا، وقال قتادة: نزلت في قوم: قالوا: جاهدنا وأبلينا ولم يفعلوا. وقال ابن عباس ومجاهد: نزلت في قوم قالوا: لو علمنا احب الاعمال إلى الله لسارعنا إليها، فلما نزل فرض الجهاد تثاقلوا عنه، فبين الله ذلك. وقال قوم: هو جار مجرى قوله {أية : يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود } تفسير : فان القول الذي يجب الوفاء به هو القول الذي يعتقد بفعل البر على طريق الوعد من غير طلب. وقوله {كبر مقتاً عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون} إنما اطلق ذلك مع انه ليس كل قول يجب الوفاء به. لانه معلوم انه لا عيب بترك الوفاء فيما ليس بواجب الوفاء به، وإن الذم إنما يستحق بترك ما هو واجب أو ما أوجبه الانسان على نفسه بالنذر والعهد. والمقت البغض وهو ضد الحب، وهو على ضربين: احدهما - يصرف عنه العقل. والآخر - يصرف عنه الطبع إلا انه جرى على صيغة واحدة للبيان أن صارف العقل في التأكيد كصارف الطبع، كما أنه في الحب على داعي العقل او داعي الطبع، وحذف الألف من {لم تقولون} لشدة الاتصال، ووضع حرف الاعتلال، لانه حرف تغيير في موضع تغيير. وقوله {مقتاً} نصب على التمييز، وتقديره: كبر هذا القول أي عظم مقتاً عند الله، وهو أن تقولوا ما لا تفعلون. ويحتمل أن يكون تقديره كبر ان تقولوا ما لا تفعلون مقتاً عند الله. قوله {إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفاً} معناه إنه تعالى يحب من يقاتل في سبيله ويجاهد أعداء دينه ويزيد ثوابهم ومنافعهم. وقوله {صفاً} أي يقاتلونهم مصطفين، وهو مصدر في موضع الحال. وقوله {كأنهم بنيان مرصوص} قيل فى معناه قولان: احدهما - كأنه بني بالرصاص لتلاؤمه ولشدة اتصاله. الثاني - كأنه حائط ممدود على رص البناء أي احكامه وإتصاله واستقامته والمرصوص المتلائم الذى لا خلل فيه ومثل مرصوص شديد اللصوق في الاتصال والثبوت ثم قال للنبي صلى الله عليه وآله وأذكر {إذ قال موسى لقومه يا قوم لم تؤذونني وقد تعلمون أني رسول الله إليكم} لأنه مع العلم بنبوته لا يجوز إيذاءه، وكانوا يؤذونه، فيقولون: هذا ساحر كذاب، ويرمونه بالبرص وغير ذلك. وقوله {فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم} فالزيغ الذهاب عن الشيء باسراع فيه والاظهر فيه الذهاب عن الحق، والمعنى إنهم لما ذهبوا عن طريق الحق، ومالوا إلى طريق الباطل {أزاغ الله قلوبهم} بمعنى انه حكم عليها بالزيغ والميل عن الحق، ولذلك قال {والله لا يهدى القوم الفاسقين} ومعناه لا يحكم لهم بالهداية. وقيل: معناه فلما زاغوا عن الايمان أزاغ الله قلوبهم عن الثواب، ولا يجوز ان يكون المراد أزاغ الله قلوبهم عن الايمان لأن الله لا يزيغ أحداً ولا يضله عن الايمان، وايضاً فانه لا فائدة في الكلام على ما قالوه، لانهم إذا زاغوا عن الايمان فقد حصلوا كفاراً، فلا معنى لقوله ازاغ الله

الجنابذي

تفسير : {سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لِمَ تَقُولُونَ مَا لاَ تَفْعَلُونَ كَبُرَ مَقْتاً عِندَ ٱللَّهِ أَن تَقُولُواْ مَا لاَ تَفْعَلُونَ} قيل: نزلت فى قومٍ كانوا يقولون اذا لقينا العدوّ لم نفرّ ولم نرجع عنهم ثمّ لم يفوا يوم اُحدٍ، وقيل: نزلت فى قومٍ قالوا: جاهدنا وأبلينا وفعلنا ولم يفعلوا، وقيل: نزلت فى المؤمنين فانّهم بعدما سمعوا ثواب شهداء بدرٍ قالوا: لو لقينا قتالاً جهدنا غاية جهدنا ولم نفرّ، وقيل: انّ المسلمين قالوا: لو علمنا احبّ الاعمال لبذلنا فيه اموالنا وانفسنا، فأنزل الله انّ الله يحبّ الّذين يقاتلون فى سبيله صفّاً فلم يفوا يوم اُحدٍ وقال القمّىّ: نزلت فى الّذين وعدوا محمّداً (ص) ان لا ينقضوا عهده فى امير المؤمنين (ع) فعلم الله انّهم لا يفون بما يقولون وقد سمّاهم الله المؤمنين باقرارهم وان لم يصدّقوا. اعلم، انّ القول ههنا اعمّ من القول اللّسانىّ والقول النّفسانىّ اى الاعتقاد الجنانىّ، وامّا الخطرات والخيالات الّتى تقذف فى قلوب النّاس من غير عزمٍ منهم عليها فهى ليست اقوالاً لهم بل هى واردة عليهم من الشّيطان او الملك فهى اقوال الشّيطان او الملك، وهذا القول اعمّ من ان يكون فى الاحكام الالهيّة بان يقول الانسان بنحو الافتاء او التّقليد حكماً من الاحكام ولا يفعل به، وفى الامر بالمعروف والنّهى عن المنكر بان يأمر غيره ولا يأتمر وينهى ولا ينتهى، وفى المواعظ والنّصائح بان يعظ وينصح بما لم يفعله، وقد ابتلى بالاوّل والثّانى المجتهدون الّذين نصبوا انفسهم لبيان احكام العباد، والمقلّدون الّذين نصبوا انفسهم لذلك، وبالثّالث القصّاص والوعّاظ وان كان لا يخلوا من الثّلاثة اكثر النّاس ولو بالنّسبة الى من تحت يده، وفى المواعيد والعقود والبيعة الاسلاميّة والايمانيّة، فانّه ورد عن الصّادق (ع): عدة المؤمن اخاه نذر لا كفّارة له فمن اخلف فبخلف الله بَدأ ولمقته تعرّض، وذلك قوله: يا ايّها الّذين آمنوا (الآيتين) وعن علىٍّ: الخلف يوجب المقت عند الله وعند النّاس قال الله تعالى: {كَبُرَ مَقْتاً عِندَ ٱللَّهِ} (الآية) وفى الصّنائع والحرف فانّ صاحب الحرفة اذا قال: ينبغى لصاحب الصّنعة ان يكون صنعته كذا وكذا، او قال: الصّنعة اذا كانت كذا وكذا كان المصنوع محكماً وكان ابقى ولم يكن يفعل.

الأعقم

تفسير : {يأيها الذين آمنوا لِمَ تقولون ما لا تفعلون} الآية نزلت في قوم قالوا لو علمنا أحب الأعمال إلى الله لسارعنا إليه فلما نزل فرض الجهاد تثاقلوا فيه، وقيل: نزلت في قوم كانوا يقولون جاهدنا وقاتلنا ولم يفعلوا شيئاً، وقيل: كان رجل أذى المسلمين يوم بدر فقتله صهيب فقال رجل: أنا قتلت فلاناً، ففرح النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال عمر وعبد الرحمان: إنما قتله صهيب فنزلت، وقيل: نزلت في المنافقين ونداؤهم بالإِيمان تهكم بهم، وقيل: لما أخبر الله تعالى رسوله بثواب شهداء الله ببدر قالت الصحابة: إن لقينا بعده قتالاً فلنبلغن جهدنا، ثم فروا يوم أحد فعيّرهم الله تعالى بهذه الآية: {كبر مقتاً} والمقت أشدّ البغض وأبلغه {إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص} محكم لا خلل فيه ولا يمكن نقضها، كأنه رصَّ بعضها إلى بعض، والمراد الثبات في الحرب لأن من كان صاحب نيَّة وعزيمة لا يزال في الحرب كما لا يزال البنيان المحكم، ثم ذكر حديث موسى في صدق نيته تسلية لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال سبحانه: {وإذ قال موسى لقومه يا قوم لم تؤذونني} الايذاء هو تكذيبهم في الأحوال، وقيل: رموه بالأدرة، وقيل: رميه بهتك هارون {وقد تعلمون أني رسول الله إليكم} لأن الإِيذاء مع العلم بكونه رسولاً أعظم {فلما زاغوا} أي مالوا عن الحق والاستقامة {أزاغ الله قلوبهم} قيل: جازاهم على زيغهم بالغرق والعذاب فسمي عقوبة الزايغ زيغاً، وقيل: خلاهم ومنعهم الألطاف {والله لا يهدي القوم الفاسقين} أي لا يهديهم إلى الجنة والرحمة أو لا يحكم بالهداية، ثم عطف بقصة عيسى على قصة موسى تسلية للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فيما كذبوه قومه فقال سبحانه: {وإذ قال عيسى ابن مريم يا بني إسرائيل إني رسول الله إليكم مصدقاً لما بين يدي من التوراة ومبشراً برسولٍ يأتي من بعدي اسمه أحمد} ومحمد من أسماء رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال حسان: شعر : فذوا العرش محمود وهذا محمد تفسير : {فلما جاءهم بالبينات} يعني عيسى جاءهم بالبينات وهي المعجزات والحجج الدالة على نبوته كإحياء الميت وإبراء الأكمه والأبرص {قالوا هذا سحر} أي تخييل وتمويهات {مبين} أي يبين في ذلك ظاهر، وقيل: جاءهم أحمد بالبينات {قالوا هذا سحر مبين}.

الهواري

تفسير : تفسير سورة الصف، وهي مدنية كلها {بِسْمِ اللهِ الرّحْمَنِ الرَّحِيمِ} قوله تعالى: {سَبِّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ} أي في نقمته {الْحَكِيمُ} في أمره. {يَآ أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لِمَ تَقُولُونَ مَا لاَ تَفْعَلُونَ} قال الحسن: يعني المنافقين. يقول: يا أيها الذين أقروا بألسنتهم، نسبهم إلى الإِيمان الذي أقروا به وادعوه، وكانوا يقولون: نجاهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا جاء الجهاد تخلفوا عنه وقعدوا. فقال الله: {كَبُرَ مَقْتاً عِندَ اللهِ أَن تَقُولُواْ مَا لاَ تَفْعَلُونَ}. ثم وصف المؤمنين فقال: {إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفّاً} أي يفعلون ما يقولون ويتمون على ما يدعون، وأنتم أيها المنافقون لا تفعلون ما تقولون وتقولون ما لا تفعلون. وهو كقوله تعالى: {قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا} أي حيث رأوا الأحكام جرت لهم وعليهم. قال الله: {قُلْ} يا محمد (أية : لَّمْ تُؤْمِنُواْ وَلَكِنْ قُولُواْ أَسْلَمْنَا)تفسير : [الحجرات:14] أي: أقررنا. أي: فأنتم مقرون غير مؤمنين، لأن الإيمان والإِسلام لا يكونان إلا لمن استكمل فرائض الله وأوفى بها ولم ينقصها. وقال مجاهد: إنها نزلت في نفر من الأنصار منهم عبد الله بن رواحة الأنصاري. قالوا: لو نعلم أي الأعمال أحب إلى الله لعملنا بها حتى نموت، فأنزل الله فيهم هذه الآية. وقال ابن رواحة: لا أبرح جيشاً في سبيل الله حتى أموت فقتل في سبيل الله. قوله عز وجل: {كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَّرْصُوصٌ} ذكر ثبوتهم في صفهم كأنه بنيان قد رُصَّ بعضه إلى بعض. ذكروا عن الأعمش عن أبي صالح عن كعب قال: في التوراة مكتوب: محمد المختار، لاَ فَظٌّ ولا غليظ ولا صخّاب في الأَسواق ولا يجزي بالسيئة السيئة، ولكن يغفر ويعفو. أمته الحامدون، يحمدون الله في كل منزلة ويكبرونه على كل نجد. مناديهم ينادي في جو السماء، ويتوضأون على أطرافهم، ويتزرون على أوسطهم، لهم بالليل دوي كدوي النحل، صفوفهم في الصلاة والقتال سواء، مولده بمكة، وهجرته بطيبة، وملكه بالشام. ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: حديث : رُصُّوا صفوفكم وقاربوا بينها وحاذوا الأعناق، فوالذي نفسي بيده إني لأرى الشيطان يتخلل بينكم كأنه الحذَف . تفسير : وتفسير الكلبي في قوله: {لِمَ تَقُولُونَ مَا لاَ تَفْعَلُونَ كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لاَ تَفْعَلُونَ} قال: بلغنا أن المؤمنين قالوا قبل أن يؤمروا بالقتال: والله لو نعلم أحب الأعمال إلى الله وأرضاها عنده لعملنا بها. فدلهم الله إلى أحب الأعمال إليه فقال تعالى: {إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفّاً كَأَنَّهُم بُنْيَانٌ مَّرْصُوصٌ} فكره ذلك من كرهه. فأنزل الله هذه الآية {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لِمَ تَقُولُونَ مَا لاَ تَفْعَلُونَ}.

اطفيش

تفسير : {سَبَحَ للهِ مَافِى السَّمَٰوَاتِ وَمَا فِى الأَرْضِ وَهُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ} روي ان المسلمين قالوا لو علمنا احب الاعمال إلى الله سبحانه لبذلنا فيه اموالنا وانفسنا فدلهم على الجهاد وقيل نزل: إن الله يحب الذين يقاتلون الخ.... فولوا يوم أُحد فنزل.

اطفيش

تفسير : {بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} قال عبد الله بن سلام قعدنا نفراً من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فتذاكرنا لو علمنا أى الأعمال أحب إِلى الله تعالى لعملناه فأنزل الله سبحانه {سَبَّحَ للهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ. يَا أيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لاَ تَفْعَلُونَ} فقرأها علينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى ختمها، رواه الترمذى. وروى أن المؤمنين قالوا لو علمنا أحب الأعمال إِلى الله تعالى لعملناه وبذلنا فيه أموالنا وأنفسنا، فنزل: إن الله يحب الذين يقاتلون، ونزل هل أدلكم على تجارة.. الخ، فابتلوا فى أُحُد فولوا مدبرين وكرهوا الموت فنزل لم تقولون ما لا تفعلون. وقيل لما أخبر الله تعالى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بثواب أهل بدر، قالت الصحابة: لئن لقينا قتالا لنفرغن فيه وسعنا ففروا يوم أُحُد فعيرهم الله تعالى بهذه الآية. وعن الضحاك أن شباباً من المسلمين يقولون فعلنا فى الغزو كذا ولم يفعلوا، وقيل كان الرجل يقول قاتلت ولم يقاتل وأطعمت ولم يطعم وضربت ولم يضرب. وقيل إِنه قول المنافقين نحن منكم ومعكم ثم يظهر من أفعالهم خلاف ذلك وعليه فنداؤهم بيا أيها الذين آمنوا تهكم بهم والمعنى لأى شئ تثبتون لأنفسكم بألسنتكم فعل ما لم تفعلوا من الخير والمعروف والاستفهام توبيخ، ومدار التوبيخ القول كما هو الظاهر إِذ لم يصدقوا فيه لا على عدم فعلهم لأنهم يذكرون أفعالا غير واجبة عليهم بعينها ولا متعينة الوجوب بأعيانها، وإِنما الواجب الجهاد كيفما اتفق. وهذا خلاف ما قال بعض، إِن مدار التوبيخ فى الحقيقة عدم فعلهم وإِنما وجه على قولهم تنبيهاً على تضاعف معصيتهم ببيان أن المنكر ليس ترك الخير الموعود فقط، بل الوعد أيضاً وقد كانوا يحسبونه معروفاً ولو سلط التوبيخ على الفعل، فقيل لم لا تفعلون ما تقولون لفهم أن المنكر إِخلاف الوعد والصحيح ما ذكرت وعن إبراهيم النخعى أكره القص لثلاث آيات، قوله تعالى: {أية : أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب أفلا تعقلون} تفسير : [البقرة: 44]. وقوله تعالى: {أية : وما أريد أن أخالفكم إِلى ما أنهاكم عنه} تفسير : [هود: 88]، وقوله تعالى: {لم تقولون ما لا تفعلون} إِلخ. وينبغى لمن أراد الوعظ بفضل شئ أو غيره أن يعمل به قبل، لتقبله القلوب، ولئلا يدخل فى هؤلاء الآيات الثلاث. قيل لبعض السلف حدثنا فقال: أتأمروننى أن أقول ما لا أفعل فأستعجل مقت الله. {كَبُرَ} فيه ضمير مفسر بقوله تعالى {مَقْتًا} بالنصب على التمييز والمخصوص بالذم المصدر من قوله تعالى {عِنْدَ اللهِ أن تَقُولُوا مَا لاَ تَفْعَلُونَ} أو هذا فاعل والمخصوص محذوف أى قولكم كذا وكذا والمقت أشد البغض. وإِذا كان ذلك كبيراً وجبت مجانبته، فكيف وهو أكبر وأشد وقيل المقت البغض من أجل ذنب أو ريبة أو دناءة يصنعها إِنسان. وقال المبرد رجل ممقوت يبغضه كل أحد، قيل لبعض السلف حدثنا فسكت. فقيل له حدثنا فقال: وما تأمروننى أن أقول ما لا أفعل فأستعجل مقت الله عز وجل، وبعد النهى عما يبغض من إِثبات فعل ما لم يثبت ذكر ما هو محبوب عند الله تعالى بقوله {إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ} أعداء الله تعالى {فِى سبِيلِهِ صَفًّا} حال أى صافين أنفسهم أو مصفوفين كصفوف الصلاة لا خلل فيها، وهذا ظاهر فى القتال على الأرجل لكن لا مانع من أن يصطف فارس مع الرجال على فرسه. بل فى كتب الفقه أن السارية ونحوها لا تقطعان الصف فى الصلاة وأيضاً يمكن اصطفاف الفرسان على حدة أو فى جانب والرجال على حدة لا زالت صفوف الإِسلام منصورة وصفوف الكفر مختلة مقهورة {كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَّرصُوصٌ} إخبار باللائق وبالشبه لا إِنشاء للتشبيه فصح ان يكون حالا ولو كان إِنشاء لم يصح أن يكون حالا، وما ذلك إِلا كالتشبيه بالكاف إِلا أنه أقوى من التشبيه بالكاف، وصاحب الحال الضمير المستتر فى صفا، إشذ كان بمعنى صافين أو حال ثانية من الذين أو الواو قيل: أو نعت لصفا، وفيه أنه بمنزلة اسم الفاعل أو المفعول كما رأيت فلا يحسن أن يكون منعوتا، والمرصوص المعقود بالرصاص، والمراد المحكم ويقال رصصت البناء ضممت أجزاءه حتى كأَنه قطعة واحدة، وقيل المراد استواء نياتهم فى الثبات واجتماع الكلمة والإِخلاص.

الالوسي

تفسير : الكلام فيه كالكلام المار في نظيره. والنداء بوصف الإيمان في قوله تعالى: {يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ لِمَ تَقُولُونَ مَا لاَ تَفْعَلُونَ}.

سيد قطب

تفسير : هذه السورة تستهدف أمرين أساسيين واضحين في سياقها كل الوضوح، إلى جانب الإشارات والتلميحات الفرعية التي يمكن إرجاعها إلى ذينك الأمرين الأساسيين: تستهدف أولاً أن تقرر في ضمير المسلم أن دينه هو المنهج الإلهي للبشرية في صورته الأخيرة، سبقته صور منه تناسب أطواراً معينة في تاريخ البشرية، وسبقته تجارب في حياة الرسل وحياة الجماعات، تمهد كلها لهذه الصورة الأخيرة من الدين الواحد، الذي أراد الله أن يكون خاتمة الرسالات. وأن يظهره على الدين كله في الأرض.. ومن ثم يذكر رسالة موسى ليقرر أن قومه الذين أرسل إليهم آذوه وانحرفوا عن رسالته فضلوا، ولم يعودوا امناء على دين الله في الأرض: {وإذ قال موسى لقومه: يا قوم لم تؤذونني وقد تعلمون أني رسول الله إليكم. فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم، والله لا يهدي القوم الفاسقين}.. وإذن فقد انتهت قوامة قوم موسى على دين الله؛ فلم يعودوا أمناء عليه، مذ زاغوا فأزاغ الله قلوبهم، ومذ ضلوا فأضلهم الله والله لا يهدي القوم الفاسقين. ويذكر رسالة عيسى ليقرر أنه جاء امتداداً لرسالة موسى، ومصداقاً لما بين يديه من التوراة، وممهداً للرسالة الأخيرة ومبشراً برسولها؛ ووصلة بين الدين الكتابي الأول والدين الكتابي الأخير: {وإذ قال عيسى ابن مريم: يا بني إسرائيل إني رسول الله إليكم، مصدقاً لما بين يدي من التوراة، ومبشراً برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد}.. وإذن فقد جاء ليسلم أمانة الدين الإلهي التي حملها بعد موسى إلى الرسول الذي بشر به. وكان مقرراً في علم الله وتقديره أن تنتهي هذه الخطوات إلى قرار ثابت دائم. وأن يستقر دين الله في الأرض في صورته الأخيرة علي يدي رسوله الأخير: {هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون}. هذا الهدف الأول الواضح في السورة يقوم عليه الهدف الثاني. فإن شعور المسلم بهذه الحقيقة، وإدراكه لقصة العقيدة، ولنصيبه هو من أمانتها في الأرض.. يستتبع شعوره بتكاليف هذه الأمانة شعوراً يدفعه إلى صدق النية في الجهاد لإظهار دينه على الدين كله ـ كما أراد الله ـ وعدم التردد بين القول والفعل؛ ويقبح أن يعلن المؤمن الرغبة في الجهاد ثم ينكص عنه، كما يبدو أنه حدث من فريق من المسلمين كما تذكر الروايات.. ومن ثم يجيء في مطلع السورة بعد إعلان تسبيح الكون وما فيه لله.. {يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون؟ كبر مقتاً عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون. إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفاً كأنهم بنيان مرصوص}. ثم يدعوهم في وسط السورة إلى أربح تجارة في الدنيا والآخرة: {يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم؟ تؤمنون بالله ورسوله، وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم. ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون. يغفر لكم ذنوبكم ويدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار، ومساكن طيبة في جنات عدن، ذلك الفوز العظيم. وأخرى تحبونها: نصر من الله وفتح قريب، وبشر المؤمنين}. ثم يختم السورة بنداء أخير للذين آمنوا، ليكونوا أنصار الله كما كان الحواريون أصحاب عيسى أنصاره إلى الله، على الرغم من تكذيب بني إسرائيل به وعدائهم لله: {يا أيها الذين آمنوا كونوا أنصار الله كما قال عيسى ابن مريم للحواريين: من أنصاري إلى الله؟ قال الحواريون: نحن أنصار الله. فآمنت طآئفة من بني إسرائيل وكفرت طآئفة، فأيدنا الذين آمنوا على عدوهم فأصبحوا ظاهرين}.. هذان الخطان واضحان في السورة كل الوضوح، يستغرقان كل نصوصه تقريباً. فلا يبقى إلا التنديد بالمكذبين بالرسالة الأخيرة ـ وهذه قصتها وهذه غايتها ـ وهذا التنديد متصل دائماً بالخطين الأساسيين فيها. وذلك قول الله تعالى، عن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ بعد ذكر تبشير عيسى ـ عليه السلام ـ به: {فلما جاءهم بالبينات قالوا: هـذا سحر مبين. ومن أظلم ممن افترى على الله الكذب وهو يدعى إلى الإسلام؟ والله لا يهدي القوم الظالمين. يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم، والله متم نوره، ولو كره الكافرون}.. وفيه يتضح في ضمير المسلم أن دينه هو دين الله في صورته الأخيرة في الأرض؛ وأن أمانة العقيدة في البشرية كلها موكولة إليه؛ يعلم أنه مكلف أن يجاهد في سبيل الله، كما يحب الله؛ ويتضح طريقه، فلا يبقى في تصوره غبش، ولا يبقى في حياته مجال للتمتمة والغمغمة في هذه القضية، أو للتردد والتلفت عن الهدف المرسوم والنصيب المقسوم في علم الله وتقديره منذ بعيد. وفي أثناء توجيهه إلى هذا الهدف الواضح يوجه كذلك إلى خلق المسلم وطبيعة ضميره. وهو أن لا يقول ما لا يفعل، وألا يختلف له قول وفعل، ولا ظاهر وباطن، ولا سريرة وعلانية. وأن يكون هو نفسه في كل حال. متجرداً لله. خالصاً لدعوته. صريحاً في قوله وفعله. ثابت الخطو في طريقه. متضامناً مع إخوانه. كالبنيان المرصوص.. {سبح لله ما في السماوات وما في الأرض وهو العزيز الحكيم}.. تجيء هذه التسبيحة من الوجود كله لله العزيز الحكيم، في مطلع السورة التي تعلن للمسلمين أن دينهم هو الحلقة الأخيرة في دين الله؛ وأنهم هم الأمناء على هذا الدين الذي يوحد الله، وينكر على الكافرين المشركين كفرهم وشركهم، والذي يدعوهم للجهاد لنصرته، وقد قدر الله أن يظهره على الدين كله ولو كره المشركون. فيوحي هذا المطلع أن الأمانة التي يقوم عليها المسلمون هي أمانة الوجود كله؛ وأن العقيدة التي يطلب إليهم الجهاد فيها هي عقيدة كل ما في السماوات وما في الأرض؛ وأن ظهور هذا الدين على الدين كله، هو ظاهرة كونية تتسق مع اتجاه الكون كله إلى الله العزيز الحكيم. ثم يعاتب الله الذين آمنوا عتاباً شديداً على أمر حدث من طائفة منهم. امر يكرهه الله أشد الكره، ويمقته أكبر المقت، ويستفظعه من الذين آمنوا على وجه الخصوص: {أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون؟ كبر مقتاً عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون. إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفاً، كأنهم بنيان مرصوص}.. قال علي بن طلحة عن ابن عباس قال: كان ناس من المؤمنين قبل أن يفرض الجهاد يقولون: لوددنا أن الله عز وجل دلنا على أحب الأعمال إليه، فنعمل به، فأخبر الله نبيه أن أحب الأعمال إيمان به لا شك فيه، وجهاد أهل معصيته الذين خالفوا الإيمان ولم يقروا به. فلما نزل الجهاد كره ذلك ناس من المؤمنين، وشق عليهم أمره، فقال الله سبحانه وتعالى: {يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون؟ كبر مقتاً عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون...}.. وقد اختار ابن جرير في تفسيره هذا القول. وقال ابن كثير في تفسيره: "وحملوا الآية ـ يعني الجمهور ـ على أنها نزلت حين تمنوا فريضة الجهاد عليهم، فلما فرض نكل عنه بعضهم، كقوله تعالى{أية : ألم تر إلى الذين قيل لهم: كفوا أيديكم وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة، فلما كتب عليهم القتال إذا فريق منهم يخشون الناس كخشية الله أو أشد خشية. وقالوا: ربنا لم كتبت علينا القتال؟ لولا أخرتنا إلى أجل قريب! قل: متاع الدنيا قليل والآخرة خير لمن اتقى ولا تظلمون فتيلاً. أينما تكونوا يدرككم الموت. ولو كنتم في بروج مشيدة }.. تفسير : وقال قتادة والضحاك نزلت توبيخاً لقوم كانوا يقولون: قتلنا. ضربنا. طعنا. وفعلنا.. ولم يكونوا فعلوا ذلك! والراجح من سياق الآيات وذكر القتال أن مناسبة النزول هي التي عليها الجمهور وهي اختيار ابن جرير. ولكن النصوص القرآنية دائماً أبعد مدى من الحوادث المفردة التي تنزل الآيات لمواجهتها، وأشمل لحالات كثيرة غير الحالة التي نزلت بسببها. ومن ثم فإننا نسير مع هذه النصوص إلى مدلولاتها العامة، مع اعتبار الحادث الذي تذكره روايات النزول. إنها تبدأ بعتاب على حادث وقع أو حوادث: {يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون؟}. وتثني باستنكار لهذا الفعل وهذا الخلق في صيغة تضخم هذا الاستنكار: {كبر مقتاً عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون؟}.. والمقت الذي يكبر {عند الله}.. هو أكبر المقت وأشد البغض وأنكر النكر.. وهذا غاية التفضيع لأمر، وبخاصة في ضمير المؤمن، الذي يُنادَى بإيمانه، والذي يناديه ربه الذي آمن به. والآية الثالثة تشير إلى الموضوع المباشر الذي قالوا فيه ما لم يفعلوا.. وهو الجهاد.. وتقرر ما يحبه الله فيه ويرضاه: {إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفاً كأنهم بنيان مرصوص}.. فليس هو مجرد القتال. ولكنه هو القتال في سبيله. والقتال في تضامن مع الجماعة المسلمة داخل الصف. والقتال في ثبات وصمود {صفاً كأنهم بنيان مرصوص}.. إن القرآن ـ كما قلنا في مناسبات متعددة في هذا الجزء ـ كان يبني أمة. كان يبنيها لتقوم على أمانة دينه في الأرض، ومنهجه في الحياة، ونظامه في الناس. ولم يكن بد أن يبني نفوسها أفراداً ويبنيها جماعة، ويبنيها عملاً واقعاً.. كلها في آن واحد.. فالمسلم لا يبنى فرداً إلا في جماعة. ولا يتصور الإسلام قائماً إلا في محيط جماعة منظمة ذات ارتباط، وذات نظام، وذات هدف جماعي منوط في الوقت ذاته بكل فرد فيها. هو إقامة هذا المنهج الإلهي في الضمير وفي العمل مع إقامته في الأرض. وهو لا يقوم في الأرض إلا في مجتمع يعيش ويتحرك ويعمل وينتج في حدود ذلك المنهج الإلهي. والإسلام على شدة ما عني بالضمير الفردي وبالتبعة الفردية ـ ليس دين أفراد منعزلين، كل واحد منهم يعبد الله في صومعة.. إن هذا لا يحقق الإسلام في ضمير الفرد ذاته، ولا يحققه بطبيعة الحال في حياته. ولم يجيء الإسلام لينعزل هذه العزلة. إنما جاء ليحكم حياة البشرية ويصرفها. ويهيمن على كل نشاط فردي وجماعي في كل اتجاه. والبشرية لا تعيش أفراداً إنما تعيش جماعات وأمماً. والإسلام جاء ليحكمها وهي كذلك. وهو مبني على أساس أن البشر يعيشون هكذا. ومن ثم فإن آدابه وقواعده ونظمه كلها مصوغة على هذا الأساس. وحين يوجه اهتمامه إلى ضمير الفرد فهو يصوغ هذا الضمير على أساس أنه يعيش في جماعة. وهو والجماعة التي يعيشون فيها يتجهون إلى الله، ويقوم ـ فيها ـ على أمانة دينه في الأرض، ومنهجه في الحياة، ونظامه في الناس. ومنذ اليوم الأول للدعوة قام مجتمع إسلامي ـ أو جماعة مسلمة ـ ذات قيادة مطاعة هي قيادة رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وذات التزامات جماعية بين أفرادها، وذات كيان يميزها عن سائر الجماعات حولها، وذات آداب تتعلق بضمير الإنسان مراعى فيها ـ في الوقت ذاته ـ حياة هذه الجماعة.. وذلك كله قبل أن تقوم الدولة المسلمة في المدينة. بل إن قيام تلك الجماعة كان هو وسيلة إقامة الدولة في المدينة.. وننظر في هذه الآيات الثلاث فنرى امتزاج الخلق الفردي بالحاجة الجماعية، في ظل العقيدة الدينية، وطبيعتها التي تقتضي تحقيقها في الحياة البشرية في صورة نظام يقوم عليه من يحرسه ويتولاه. إن الآيتين الأوليين تتضمنان العقاب من الله سبحانه والاستنكار لأن يقول الذين آمنوا ما لا يفعلون.. وهما بهذا ترسمان الجانب الأصيل في شخصية المسلم.. الصدق.. والاستقامة.. وأن يكون باطنه كظاهره، وأن يطابق فعله قوله.. إطلاقاً.. وفي حدود أبعد مدى من موضوع القتال الذي يجيء في الآية الثالثة. وهذه السمة في شخصية المسلم يدق القرآن عليها كثيراً، وتتابعها السنة في تكرار يزيدها توكيداً: يقول الله تعالى مندداً باليهود: {أية : أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب. أفلا تعقلون} تفسير : ويقول تعالى مندداً بالمنافقين: {أية : ويقولون: طاعة. فإذا برزوا من عندك بيَّت طآئفة منهم غير الذي تقول} تفسير : ويقول فيهم كذلك: {أية : ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ويشهد الله على ما في قلبه وهو ألد الخصام. وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد}تفسير : ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا أؤتمن خان"تفسير : . والأحاديث في هذا المعنى كثيرة. ولعل الحديث الذي سنذكره هنا من أدق وألطف التوجيهات النبوية الكريمة في هذا الاتجاه.. روى الإمام أحمد وأبو داود عن عبد الله بن عامر بن ربيعة قال: "حديث : أتانا رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: وأنا صبي، فذهبت لأخرج لألعب. فقالت أمي: يا عبد الله تعالى أعطك. فقال لها رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم -: "وما أردت أن تعطيه"! فقالت: تمراً. فقال: أما إنك لو لم تفعلي كتبت عليك كذبة"تفسير : .. ولعله استقاء من هذا النبع النبوي الطاهر الرائق امتنع الإمام أحمد بن حنبل ـ رضي الله عنه ـ من الرواية من رجل سافر إليه مسافات شاسعة ليأخذ عنه حديثاً. حينما وجده يضم حجره ويدعو بغلته يوهمها بطعام وحجره فارغ! فتحرج أن يروي عنه، وقد كذب على بغلته! فهذا بناء أخلاقي دقيق نظيف لضمير المسلم وشخصيته التي تليق بمن يقوم أميناً على منهج الله في الأرض. وهو الأمر الذي تقرره هذه السورة. وهذه حلقة من حلقات التربية في الجماعة المسلمة التي يعدها الله لتقوم على هذا الأمر. فإذا جئنا للموضوع المباشر الذي كانت هذه الآيات تواجهه عند نزولها.. وهو موضوع الجهاد.. فإننا نقف أمام موضوعات شتى للحديث والملاحظة والعبرة. نقف أولاً أمام النفس البشرية التي تلم بها لحظات الضعف الطارئة، فلا يعصمها منها إلا عون الله، وإلا التذكير الدائم، والتوجيه الدائم، والتربية الدائمة.. فهؤلاء جماعة من المسلمين قيل في بعض الروايات: إنهم من المهاجرين الذين كانوا يتمنون أن يأذن الله لهم في القتال وهم في مكة من شدة الحماس والاندفاع. وكانوا يؤمرون بكف أيديهم وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة {أية : فلما كتب عليهم القتال} تفسير : في المدينة في الوقت المناسب الذي قدره الله {أية : إذا فريق منهم يخشون الناس كخشية الله أو أشد خشية وقالوا: ربنا لم كتبت علينا القتال؟ لولا أخرتنا إلى أجل قريب}..تفسير : أو هم جماعة من المسلمين في المدينة كانوا يسألون عن أحب الأعمال إلى الله ليفعلوه فلما أمروا بالجهاد كرهوه! وهذه الوقفة كفيلة بأن تفتح أعيننا على ضرورة الموالاة للنفس البشرية بالتقوية والتثبيت والتوجيه؛ وهي تواجه التكاليف الشاقة، لتستقيم في طريقها، وتتغلب على لحظات ضعفها، وتتطلع دائماً إلى الأفق البعيد. كما تلهمنا أن نتواضع في طلب التكاليف وتمنيها ونحن في حالة العافية! فلعلنا لا نقوى على ما نقترح على الله حين يكلفنا إياه! وهؤلاء جماعة من المسلمين الأوائل يضعفون ويقولون ما لا يفعلون؛ حتى يعاتبهم الله هذا العتاب الشديد، وينكر عليهم هذا الإنكار المخيف! ونقف ثانية أمام حب الله للذين يقاتلون في سبيله صفاً كأنهم بنيان مرصوص.. نقف أمام هذا الإغراء القوي العميق على القتال في سبيل الله.. وأول ما يسجل هنا أنه كان لمواجهة حالة تقاعس وتخلف وكراهية للقتال. ولكن هذا السبب الغريب في الحادث المحدود لا ينفي أن الحض عام، وأن وراءه حكمة دائمة. إن الإسلام لا يتشهى القتال، ولا يريده حباً فيه. ولكنه يفرضه لأن الواقع يحتمه، ولأن الهدف الذي وراءه كبير. فالإسلام يواجه البشرية بالمنهج الإلهي في صورته الأخيرة المستقرة. وهذا المنهج ـ ولو أنه يلبي الفطرة المستقيمة ـ إلا أنه يكلف النفوس جهداً لتسمو إلى مستواه، ولتستقر على هذا المستوى الرفيع. وهناك قوى كثيرة في هذه الأرض لا تحب لهذا المنهج أن يستقر، لأنه يسلبها كثيراً من الامتيازات، التي تستند إلى قيم باطلة زائفة، يحاربها هذا المنهج ويقضي عليها حين يستقر في حياة البشر. وهذه القوى تستغل ضعف النفوس عن البقاء في المستوى الإيماني وتكاليفه، كما تستغل جهل العقول، وموروثات الأجيال، لتعارض هذا المنهج وتقف في طريقه. والشر عارم. والباطل متبجح. والشيطان لئيم! ومن ثم يتعين على حملة الإيمان وحراس المنهج أن يكونوا أقوياء ليغلبوا عملاء الشر وأعوان الشيطان. أقوياء في أخلاقهم، وأقوياء في قتال خصومهم على السواء. ويتعين عليهم أن يقاتلوا عندما يصبح القتال هو الأداة الوحيدة لضمان حرية الدعوة للمنهج الجديد، وحرية الاعتقاد به، وحرية العمل وفق نظامه المرسوم. وهم يقاتلون في سبيل الله.. لا في سبيل ذواتهم أو عصبيتهم من أي لون.. عصبية الجنس وعصبية الأرض وعصبية العشيرة وعصبية البيت.. في سبيل الله وحده، لتكون كلمة الله هي العليا. والرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقول: "حديث : من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله ". تفسير : وكلمة الله هي التعبير عن إرادته. وإرادته الظاهرة لنا ـ نحن البشر ـ هي التي تتفق مع الناموس الذي يسير عليه الكون كله. الكون الذي يسبح بحمد ربه. ومنهج الله في صورته الأخيرة التي جاء بها الإسلام هو الذي يتناسق مع ذلك الناموس؛ ويجعل الكون كله ـ والناس من ضمنه ـ يحكمون بشريعة الله. لا بشريعة يضعها سواه. ولم يكن بد أن يقاومه أفراد، وأن تقاومه طبقات، وأن تقاومه دول. ولم يكن بد كذلك أن يمضي الإسلام في وجه هذه المقاومة؛ ولم يكن بد أن يكتب الجهاد على المسلمين لنصره هذا المنهج، وتحقيق كلمة الله في الأرض. ولهذا أحب الله ـ سبحانه ـ الذين يقاتلون في سبيله صفاً كأنهم بنيان مرصوص. ونقف ثالثاً أمام الحالة التي يحب الله للمجاهدين أن يقاتلوا وهم عليها: {صفاً كأنهم بنيان مرصوص}.. فهو تكليف فردي في ذاته، ولكنه فردي في صورة جماعية. في جماعة ذات نظام. ذلك أن الذين يواجهون الإسلام يواجهونه بقوى جماعية، ويؤلبون عليه تجمعات ضخمة؛ فلا بد لجنود الإسلام أن يواجهوا أعداءه صفاً. صفاً سوياً منتظماً، وصفاً متيناً راسخاً ذلك إلى أن طبيعة هذا الدين حين يغلب ويهيمن أن يهيمن على جماعة، وأن ينشئ مجتمعاً متماسكاً.. متناسقاً. فصورة الفرد المنعزل الذي يعبد وحده، ويجاهد وحده، ويعيش وحده، صورة بعيدة عن طبيعة هذا الدين، وعن مقتضياته في حالة الجهاد، وفي حالة الهيمنة بعد ذلك على الحياة. وهذه الصورة التي يحبها الله للمؤمنين ترسم لهم طبيعة دينهم، وتوضح لهم معالم الطريق، وتكشف لهم عن طبيعة التضامن الوثيق الذي يرسمه التعبير القرآني المبدع: {صفاً كأنهم بنيان مرصوص}.. بنيان تتعاون لبناته وتتضام وتتماسك، وتؤدي كل لبنة دورها، وتسد ثغرتها، لأن البنيان كله ينهار إذا تخلت منه لبنة عن مكانها. تقدمت أو تأخرت سواء. وإذا تخلت منه لبنة عن أن تمسك بأختها تحتها أو فوقها أو على جانبيها سواء.. إنه التعبير المصور للحقيقة لا لمجرد التشبيه العام. التعبير المصور لطبيعة الجماعة، ولطبيعة ارتباطات الأفراد في الجماعة. ارتباط الشعور، وارتباط الحركة، داخل النظام المرسوم، المتجه إلى هدف مرسوم. بعدئذ يذكر قصة هذا المنهج الإلهي ومراحلها في الرسالات قبل الإسلام. {وإذ قال موسى لقومه: يا قوم لم تؤذونني وقد تعلمون أني رسول الله إليكم؟ فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم، والله لا يهدي القوم الفاسقين}. {وإذ قال عيسى ابن مريم: يا بني إسرائيل إني رسول الله إليكم مصدقاً لما بين يدي من التوراة ومبشراً برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد}.. وإيذاء بني إسرائيل لموسى ـ وهو منقذهم من فرعون وملئه، ورسولهم وقائدهم ومعلمهم ـ إيذاء متطاول متعدد الألوان، وجهاده في تقويم اعوجاجهم جهاد مضن عسير شاق. ويذكر القرآن في قصص بني إسرائيل صوراً شتى من ذلك الإيذاء ومن هذا العناء. كانوا يتسخطون على موسى وهو يحاول مع فرعون إنقاذهم، ويتعرض لبطشه وجبروته وهم آمنون بذلتهم له! فكانوا يقولون له لائمين متبرمين: {أية : أوذينا من قبل أن تأتينا ومن بعد ما جئتنا}تفسير : كأنهم لا يرون في رسالته خيراً، أو كأنما يحملونه تبعة هذا الأذى الأخير! وما كاد ينقذهم من ذل فرعون باسم الله الواحد الذي أنقذهم من فرعون وأغرقه وهم ينظرون.. حتى مالوا إلى عبادة فرعون وقومه.. {أية : فأتوا على قوم يعكفون على أصنام لهم قالوا: يا موسى اجعل لنآ إلـهاً كما لهم آلهة}..تفسير : وما كاد يذهب لميقات ربه على الجبل ليتلقى الألواح، حتى أضلهم السامري:{أية : فأخرج لهم عجلاً جسداً له خوار فقالوا: هـذآ إلـهكم وإلـه موسى فنسي! }.. تفسير : ثم جعلوا يتسخطون على طعامهم في الصحراء: المن والسلوى. فقالوا:{أية : يا موسى لن نصبر على طعام واحد فادع لنا ربك يخرج لنا مما تنبت الأرض من بقلها وقثآئها وفومها وعدسها وبصلها }! تفسير : وفي حادث البقرة التي كلفوا ذبحها ظلوا يماحكون ويتعللون ويسئيون الأدب مع نبيهم وربهم وهم يقولون: {أية : ادع لنا ربك يبين لنا ما هي}.. {أية : ادع لنا ربك يبين لنا ما لونها}.. {أية : ادع لنا ربك يبين لنا ما هي إن البقر تشابه علينا}.. {أية : فذبحونا وما كادوا يفعلون }! تفسير : ثم طلبوا يوم عطلة مقدساً فلما كتب عليهم السبت اعتدوا فيه. وأمام الأرض المقدسة التي بشرهم الله بدخولها وقفوا متخاذلين يصعرون خدهم في الوقت ذاته لموسى: {أية : قالوا يا موسى إن فيها قوماً جبارين، وإنا لن ندخلها حتى يخرجوا منها فإن يخرجوا منها فإنا داخلون}..تفسير : فلما كرر عليهم التحضيض والتشجيع تبجحوا وكفروا: {أية : قالوا ياموسى إنا لن ندخلهآ أبداً ما داموا فيها فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون } تفسير : ذلك إلى إعنات موسى بالأسئلة والاقتراحات والعصيان والتمرد، والاتهام الشخصي بالباطل كما جاء في بعض الأحاديث. وتذكر الآية هنا قول موسى لهم في عتاب ومودة: {يا قوم لم تؤذونني وقد تعلمون أني رسول الله إليكم}.. وهم كانوا يعلمون عن يقين.. إنما هي لهجة العتاب والتذكير.. وكانت النهاية أنهم زاغوا بعدما بذلت لهم كل أسباب الاستقامة، فزادهم الله زيغاً، وأزاغ قلوبهم فلم تعد صالحة للهدى. وضلوا فكتب الله عليهم الضلال أبداً: {والله لا يهدي القوم الفاسقين}.. وبهذا انتهت قوامتهم على دين الله، فلم يعودوا يصلحون لهذا الأمر، وهم على هذا الزيغ والضلال. ثم جاء عيسى بن مريم. جاء يقول لبني إسرائيل: {يا بني إسرائيل إني رسول الله إليكم}.. فلم يقل لهم: إنه الله، ولا إنه ابن الله، ولا إنه أقنوم من أقانيم الله. {مصدقاً لما بين يدي من التوراة ومبشراً برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد}.. في هذه الصيغة التي تصور حلقات الرسالة المترابطة، يسلم بعضها إلى بعض، وهي متماسكة في حقيقتها، واحدة في اتجاهها، ممتدة من السماء إلى الأرض، حلقة بعد حلقة في السلسة الطويلة المتصلة.. وهي الصورة اللائقة بعمل الله ومنهجه. فهو منهج واحد في أصله، متعدد في صوره، وفق استعداد البشرية وحاجاتها وطاقاتها، ووفق تجاربها ورصيدها من المعرفة حتى تبلغ مرحلة الرشد العقلي والشعوري، فتجيء الحلقة الأخيرة في الصورة الأخيرة كاملة شاملة، تخاطب العقل الراشد، في ضوء تلك التجارب، وتطلق هذا العقل يعمل في حدوده، داخل نطاق المنهج المرسوم للإنسان في جملته، المتفق مع طاقاته واستعداداته. وبشارة المسيح بأحمد ثابتة بهذا النص، سواء تضمنت الأناجيل المتداولة هذه البشارة أم لم تتضمنها. فثابت أن الطريقة التي كتبت بها هذه الأناجيل والظروف التي أحاطت بها لا تجعلها هي المرجع في هذا الشأن. وقد قرئ القرآن على اليهود والنصارى في الجزيرة العربية وفيه: {أية : النبي الأمي الذي يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة والإنجيل}..تفسير : وأقر بعض المخلصين من علمائهم الذين أسلموا كعبد الله بن سلام بهذه الحقيقة، التي كانوا يتواصون بتكتمها! كما أنه ثابت من الروايات التاريخية أن اليهود كانوا ينتظرون مبعث نبي قد أظلهم زمانه، وكذلك بعض الموحدين المنعزلين من أحبار النصارى في الجزيرة العربية. ولكن اليهود كانوا يريدونه منهم. فلما شاء الله أن يكون من الفرع الآخر من ذرية إبراهيم، كرهوا هذا وحاربوه! وعلى أية حال فالنص القرآني بذاته هو الفيصل في مثل هذه الأخبار. وهو القول الأخير.. ويبدو أن الآيات التالية في السورة جاءت على الأكثر بصدد استقبال بني إسرائيل ـ اليهود والنصارى ـ للنبي الذي بشرت به كتبهم. والتنديد بهذا الاستقبال، وكيدهم للدين الجديد الذي قدر الله أن يظهره على الدين كله، وأن يكون هو الدين الأخير! {فلما جاءهم بالبينات قالوا: هـذا سحر مبين. ومن أظلم ممن افترى على الله الكذب وهو يدعى إلى الإسلام؟ والله لا يهدي القوم الظالمين. يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم، والله متم نوره ولو كره الكافرون. هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون}.. ولقد وقف بنو إسرائيل في وجه الدين الجديد وقفة العداء والكيد والتضليل، وحاربوه شتى الوسائل والطرق حرباً شعواء لم تضع أوزارها حتى اليوم. حاربوه بالاتهام: {فلما جاءهم بالبينات قالوا: هذا سحر مبين}.. كما قال الذين لا يعرفون الكتب ولا يعرفون البشارة بالدين الجديد. وحاربوه بالدس والوقيعة داخل المعسكر الإسلامي، للإيقاع بين المهاجرين والأنصار في المدينة، وبين الأوس والخزرج من الأنصار. وحاربوه بالتآمر مع المنافقين تارة ومع المشركين تارة. وحاربوه بالانضمام إلى معسكرات المهاجمين كما وقع في غزوة الأحزاب. وحاربوه بالإشاعات الباطلة كما جرى في حديث الإفك على يد عبد الله بن أبي سلول، ثم ما جرى في فتنة عثمان على يد عدو الله عبد الله بن سبأ. وحاربوه بالأكاذيب والإسرائيليات التي دسوها في الحديث وفي السيرة وفي التفسير ـ حين عجزوا عن الوضع والكذب في القرآن الكريم. ولم تضع الحرب أوزارها لحظة واحدة حتى اللحظة الحاضرة. فقد دأبت الصهيونية العالمية والصليبية العالمية على الكيد للإسلام، وظلتا تغيران عليه أو تؤلبان عليه في غير وناة ولا هدنة في جيل من الأجيال. حاربوه في الحروب الصليبية في المشرق، وحاربوه في الأندلس في المغرب، وحاربوه في الوسط في دولة الخلافة الأخيرة حرباً شعواء حتى مزقوها وقسموا تركة ما كانوا يسمونه "الرجل الأبيض".. واحتاجوا أن يخلقوا أبطالاً مزيفين في أرض الإسلام يعملون لهم في تنفيذ أحقادهم ومكايدهم ضد الإسلام. فلما أرادوا تحطيم "الخلافة" والإجهاز على آخر مظهر من مظاهر الحكم الإسلامي صنعوا في تركيا "بطلاً"!.. ونفخوا فيه. وتراجعت جيوش الحلفاء التي كانت تحتل الأستانة أمامه لتحقق منه بطلاً في أعين مواطنيه. بطلاً يستطيع إلغاء الخلافة، وإلغاء اللغة العربية، وفصل تركيا عن المسلمين، وإعلانها دولة مدنية لا علاقة لها بالدين! وهم يكررون صنع هذه البطولات المزيفة كلما أرادوا أن يضربوا الإسلام والحركات الإسلامية في بلد من بلاد المسلمين، ليقيموا مكانه عصبية غير عصبية الدين! وراية غير راية الدين. {يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم. والله متم نوره ولو كره الكافرون}.. وهذا النص القرآني يعبر عن حقيقة، ويرسم في الوقت ذاته صورة تدعو إلى الرثاء والاستهزاء! فهي حقيقة أنهم كانوا يقولون بأفواههم: {هذا سحر مبين}.. ويدسون ويكيدون محاولين القضاء على الدين الجديد. وهي صورة بائسة لهم وهم يحاولون إطفاء نور الله بنفخة من أفواههم وهم هم الضعاف المهازيل! {والله متمم نوره ولو كره الكافرون}.. وصدق وعد الله. أتم نوره في حياة الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ فأقام الجماعة الإسلامية صورة حية واقعة من المنهج الإلهي المختار. صورة ذات معالم واضحة وحدود مرسومة، تترسمها الأجيال لا نظرية في بطون الكتب، ولكن حقيقة في عالم الواقع. وأتم نوره فأكمل للمسلمين دينهم وأتم عليهم نعمته ورضي لهم الإسلام ديناً يحبونه، ويجاهدون في سبيله، ويرضى أحدهم أن يلقى في النار ولا يعود إلى الكفر. فتمت حقيقة الدين في القلوب وفي الأرض سواء. وما تزال هذه الحقيقة تنبعث بين الحين والحين. وتنبض وتنتفض قائمة ـ على الرغم من كل ما جرد على الإسلام والمسلمين من حرب وكيد وتنكيل وتشريد وبطش شديد. لأن نور الله لا يمكن أن تطفئه الأفواه، ولا أن تطمسه كذلك النار والحديد، في أيدي العبيد! وإن خيل للطغاة الجبارين، وللأبطال المصنوعين على أعين الصليبيين واليهود أنهم بالغو هذا الهدف البعيد! لقد جرى قدر الله أن يظهر هذا الدين، فكان من الحتم أن يكون: {هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله، ولو كره المشركون}.. وشهادة الله لهذا الدين بأنه {الهدى ودين الحق} هي الشهادة. وهي كلمة الفصل التي ليس بعدها زيادة. ولقد تمت إرادة الله فظهر هذا الدين على الدين كله. ظهر في ذاته كدين، فما يثبت له دين آخر في حقيقته وفي طبيعته، فأما الديانات الوثنية فليست في شيء في هذا المجال، وأما الديانات الكتابية فهذا الدين خاتمتها، وهو الصورة الأخيرة الكاملة الشاملة منها، فهو هي، في الصورة العليا الصالحة إلى نهاية الزمان. ولقد حرفت تلك الديانات وشوهت ومزقت وزيد عليها ما ليس منها، ونقصت من أطرافها، وانتهت لحال لا تصلح معه لشيء من قيادة الحياة. وحتى لو بقيت من غير تحريف ولا تشويه فهي نسخة سابقة لم تشمل كل مطالب الحياة المتجددة أبداً، لأنها جاءت في تقدير الله لأمد محدود. فهذا تحقيق وعد الله من ناحية طبيعة الدين وحقيقته. فأما من ناحية واقع الحياة، فقد صدق وعد الله مرة، فظهر هذا الدين قوة وحقيقة ونظام حكم على الدين كله فدانت له معظم الرقعة المعمورة في الأرض في مدى قرن من الزمان. ثم زحف زحفاً سلمياً بعد ذلك إلى قلب آسيا وأفريقية، حتى دخل فيه بالدعوة المجردة خمسة أضعاف من دخلوا في إبان الحركات الجهادية الأولى.. وما يزال يمتد بنفسه دون دولة واحدة - منذ أن قضت الصهيونية العالمية والصليبية العالمية على الخلافة الأخيرة في تركيا على يدي "البطل" الذي صنعوه! ـ وعلى الرغم من كل ما يرصد له في أنحاء الأرض من حرب وكيد، ومن تحطيم للحركات الإسلامية الناهضة في كل بلد من بلاد الإسلام على أيدي "أبطال" آخرين من صنع الصهيونية العالمية والصليبية العالمية على السواء. وما تزال لهذا الدين أدوار في تاريخ البشرية يؤديها، ظاهراً بإذن الله على الدين كله تحقيقاً لوعد الله، الذي لا تقف له جهود العبيد المهازيل، مهما بلغوا من القوة والكيد والتضليل! ولقد كانت تلك الآيات حافزاً للمؤمنين المخاطبين بها على حمل الأمانة التي اختارهم الله لها بعد أن لم يرعها اليهود والنصارى. وكانت تطميناً لقلوبهم وهم ينفذون قدر الله في إظهار دينه الذي أراده ليظهر، وإن هم إلا أداة. وما تزال حافزاً ومطمئناً لقلوب المؤمنين الواثقين بوعد ربهم، وستظل تبعث في الأجيال القادمة مثل هذه المشاعر حتى يتحقق وعد الله مرة أخرى في واقع الحياة. بإذن الله. وفي ظلال قصة العقيدة، وفي مواجهة وعد الله بالتمكين لهذا الدين الأخير، يهتف القرآن الكريم بالذين آمنوا.. من كان يواجه ذلك الخطاب ومن يأتي بعدهم من المؤمنين إلى يوم الدين.. يهتف بهم إلى أربح تجارة في الدنيا والآخرة. تجارة الإيمان بالله والجهاد في سبيل الله: {يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم. تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم. ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون. يغفر لكم ذنوبكم ويدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار ومساكن طيبة في جنات عدن، ذلك الفوز العظيم. وأخرى تحبونها: نصر من الله وفتح قريب، وبشر المؤمنين}.. وصيغة التعبير بما فيها من فصل ووصل، واستفهام وجواب، وتقديم وتأخير، صيغة ظاهر فيها القصد إلى إقرار هذا الهتاف في القلوب بكل وسائل التأثير التعبيرية. يبدأ بالنداء باسم الإيمان: {يا أيها الذين آمنوا}.. يليه الاستفهام الموحي. فالله ـ سبحانه ـ هو الذي يسألهم ويشوقهم إلى الجواب: {هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم}.. ومن ذا الذي لا يشتاق لأن يدله الله على هذه التجارة؟ وهنا تنتهي هذه الآية، وتنفصل الجملتان للتشويق بانتظار الجواب المرموق. ثم يجيء الجواب وقد ترقبته القلوب والأسماع: {تؤمنون بالله ورسوله}.. وهم مؤمنون بالله ورسوله. فتشرق قلوبهم عند سماع شطر الجواب هذا المتحقق فيهم! { وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم}.. وهو الموضوع الرئيسي الذي تعالجه السورة، يجيء في هذا الأسلوب، ويكرر هذا التكرار، ويساق في هذا السياق. فقد علم الله أن النفس البشرية في حاجة إلى هذا التكرار، وهذا التنويع، وهذه الموحيات، لتنهض بهذا التكليف الشاق، الضروري الذي لا مفر منه لإقامة هذا المنهج وحراسته في الأرض.. ثم يعقب على عرض هذه التجارة التي دلهم عليها بالتحسين والتزيين: {ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون}.. فعلم الحقيقة يقود من يعلم إلى ذلك الخير الأكيد.. ثم يفصل بهذا الخير في آية تالية مستقلة، لأن التفصيل بعد الإجمال يشوق القلب إليه، ويقره في الحس ويمكن له: {يغفر لكم ذنوبكم}.. وهذه وحدها تكفي. فمن ذا الذي يضمن أن يغفر له ذنبه ثم يتطلع بعدها إلى شيء؟ أو يدخر في سبيلها شيئاً؟ ولكن فضل الله ليست له حدود: {ويدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار ومساكن طيبة في جنات عدن}.. وإنها لأربح تجارة أن يجاهد المؤمن في حياته القصيرة ـ حتى حين يفقد هذه الحياة كلها ـ ثم يعوض عنها تلك الجنات وهذه المساكن في نعيم مقيم.. وحقاً.. {ذلك الفوز العظيم}.. وكأنما ينتهي هنا حساب التجارة الرابحة. وإنه لربح ضخم هائل أن يعطي المؤمن الدنيا ويأخذ الآخرة. فالذي يتجر بالدرهم فيكسب عشرة يغبطه كل من في السوق. فكيف بمن يتجر في أيام قليلة معدودة في هذه الأرض، ومتاع محدود في هذه الدنيا، فيكسب به خلوداً لا يعلم له نهاية إلا ما شاء الله، ومتاعاً غير مقطوع ولا ممنوع؟ لقد تمت المبايعة على هذه الصفقة بين رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وعبد الله بن رواحة ـ رضي الله عنه ـ ليلة العقبة. قال لرسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: "حديث : اشترط لربك ولنفسك ما شئت". فقال ـ صلى الله عليه وسلم ـ: "أشترط لربي أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئاً، وأشترط لنفسي أن تمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم وأموالكم".. قال: فما لنا إذا فعلنا ذلك؟ قال: "الجنة" قالوا: ربح البيع ولا نقيل ولا نستقيل "! تفسير : ولكن فضل الله عظيم. وهو يعلم من تلك النفوس أنها تتعلق بشيء قريب في هذه الأرض، يناسب تركيبها البشري المحدود. وهو يستجيب لها فيبشرها بما قدره في علمه المكنون من إظهار هذا الدين في الأرض، وتحقيق منهجه وهيمنته على الحياة في ذلك الجيل: {وأخرى تحبونها: نصر من الله وفتح قريب وبشر المؤمنين}.. وهنا تبلغ الصفقة ذروة الربح الذي لا يعطيه إلا الله. الله الذي لا تنفد خزائنه، والذي لا ممسك لرحمته. فهي المغفرة والجنات والمساكن الطيبة والنعيم المقيم في الآخرة. وفوقها.. فوق البيعة الرابحة والصفقة الكاسبة النصر والفتح القريب.. فمن الذي يدله الله على هذه التجارة ثم يتقاعس عنها أو يحيد؟! وهنا يعن للنفس خاطر أمام هذا الترغيب والتحبيب.. إن المؤمن الذي يدرك حقيقة التصور الإيماني للكون والحياة؛ ويعيش بقلبه في هذا التصور؛ ويطلع على آفاقه وآماده؛ ثم ينظر للحياة بغير إيمان، في حدودها الضيقة الصغيرة، وفي مستوياتها الهابطة الواطية، وفي اهتماماتها الهزيلة الزهيدة.. هذا القلب لا يطيق أن يعيش لحظة واحدة بغير ذلك الإيمان، ولا يتردد لحظة واحدة في الجهاد لتحقيق ذلك التصور الضخم الوسيع الرفيع في عالم الواقع، ليعيش فيه، وليرى الناس من حوله يعيشون فيه كذلك.. ولعله لا يطلب على جهاده هذا أجراً خارجاً عن ذاته. فهو ذاته أجر.. هذا الجهاد.. وما يسكبه في القلب من رضى وارتياح. ثم إنه لا يطيق أن يعيش في عالم بلا إيمان. ولا يطيق أن يقعد بلا جهاد لتحقيق عالم يسوده الإيمان. فهو مدفوع دفعاً إلى الجهاد. كائناً مصيره فيه ما يكون.. ولكن الله ـ سبحانه ـ يعلم أن النفس تضعف، وأن الاندفاع يهبط، وأن الجهد يكل وأن حب السلامة قد يهبط بتلك المشاعر كلها ويقودها إلى الرضى بالواقع الهابط.. ومن ثم يجاهد القرآن هذه النفس ذلك الجهاد؛ ويعالجها ذلك العلاج، ويهتف لها بالموحيات والمؤثرات ذلك الهتاف المتكرر المتنوع، في شتى المناسبات. ولا يكلها إلى مجرد الإيمان، ولا إلى نداء واحد باسم هذا الإيمان. فها هو ذا يختم السورة بنداء جديد، يحمل طابعاً جديداً، وإغراء جديداً، وموحياً جديداً: {يا أيها الذين آمنوا كونوا أنصار الله، كما قال عيسى ابن مريم للحواريين: من أنصاري إلى الله؟ قال الحواريون: نحن أنصار الله. فآمنت طآئفة من بني إسرائيل وكفرت طآئفة. فأيدنا الذين آمنوا على عدوهم فأصبحوا ظاهرين}.. والحواريون هم تلاميذ المسيح ـ عليه السلام ـ قيل: الاثنا عشر الذين كانوا يلوذون به، وينقطعون للتلقي عنه. وهم الذين قاموا بعد رفعه بنشر تعاليمه وحفظ وصاياه. والآية هنا تهدف إلى تصوير موقف لا إلى تفصيل قصة، فنسير نحن معها في ظلالها المقصودة إلى الغاية من سردها في هذا الموضع من السورة. {يا أيها الذين آمنوا كونوا أنصار الله}.. في هذا الموضع الكريم الذي يرفعكم إليه الله. وهل أرفع من مكان يكون فيه العبد نصيراً للرب؟! إن هذه الصفة تحمل من التكريم ما هو أكبر من الجنة والنعيم.. كونوا أنصار الله، {كما قال عيسى ابن مريم للحواريين: من أنصاري إلى الله؟ قال الحواريون: نحن أنصار الله}.. فانتدبوا لهذا الأمر ونالوا هذا التكريم. وعيسى جاء ليبشر بالنبي الجديد والدين الأخير.. فما أجدر أتباع محمد أن ينتدبوا لهذا الأمر الدائم، كما انتدب الحواريون للأمر الموقوت! وهذه هي اللمسة الواضحة في عرض هذا الحوار في هذا السياق. وماذا كانت العاقبة؟ {فآمنت طآئفة من بني إسرائيل وكفرت طآئفة، فأيدنا الذين آمنوا على عدوهم فأصبحوا ظاهرين}.. وتأويل هذا النص يمكن أن ينصرف إلى أحد معنيين: إما أن الذين آمنوا برسالة عيسى عليه السلام هم المسيحيون إطلاقاً من استقام ومن دخلت في عقيدته الانحرافات، وقد أيدهم الله على اليهود الذين لم يؤمنوا به أصلاً كما حدث في التاريخ. وإما أن الذين آمنوا هم الذين أصروا على التوحيد في وجه المؤلهين لعيسى والمثلثين وسائر النحل التي انحرفت عن التوحيد. ومعنى أنهم أصبحوا ظاهرين أي بالحجة والبرهان. أو أن التوحيد الذي هم عليه هو الذي أظهره الله بهذا الدين الأخير: وجعل له الجولة الأخيرة في الأرض كما وقع في التاريخ. وهذا المعنى الأخير هو الأقرب والأرجح في هذا السياق. والعبرة المستفادة من هذه الإشارة ومن هذا النداء هي العبرة التي أشرنا إليها، وهي استنهاض همة المؤمنين بالدين الأخير، الأمناء على منهج الله في الأرض، ورثة العقيدة والرسالة الإلهية. المختارين لهذه المهمة الكبرى. استنهاض همتهم لنصرة الله ونصرة دينه {كما قال عيسى ابن مريم للحواريين: من أنصاري إلى الله؟ قال الحواريون: نحن أنصار الله}.. والنصر في النهاية لأنصار الله المؤمنين. إنها الجولة الأخيرة في السورة، واللمسة الأخيرة في السياق؛ وهي ذات لون وذات طعم يناسبان جو السورة وسياقها، مع ما فيها من تجدد في اللون وتنوع في المذاق..

ابن عاشور

تفسير : مناسبة هذه الفاتحة لما بعدها من السورة بيان أن الكافرين محقوقون بأن تقاتلوهم لأنهم شذوا عن جميع المخلوقات فلم يسبحوا الله ولم يصفوه بصفات الكمال إذ جعلوا له شركاء في الإِلٰهية. وفيه تعريض بالذين أخلفوا ما وعدوا بأنهم لم يؤدُّوا حق تسبيح الله، لأن الله مستحق لأن يوفّى بعهده في الحياة الدنيا وأن الله ناصر الذين آمنوا على عدوّهم. وتقدم الكلام على نظير قوله: {سبح لله} إلى {الحكيم} في أول سورة الحشر وسورة الحديد. وفي إجراء وصف {العزيز} عليه تعالى هنا إيماء إلى أنه الغالب لعدوّه فما كان لكم أن تَرهَبُوا أعداءه فتفرّوا منهم عند اللقاء. وإجراء صفة {الحكيم} إن حملت على معنى المتصف بالحكمة أن الموصوف بالحكمة لا يأمركم بجهاد العدوّ عبثاً ولا يخليهم يغلبونكم. وإن حملت على معنى المُحكِم للأمور فكذلك.

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 1- نزَّه الله عما لا يليق به كل ما فى السموت وما فى الأرض، وهو - وحده - الغالب على كل شئ، ذو الحكمة البالغة. 2- يا أيها الذين آمنوا: لأى غرض تقولون بألسنتكم ما لا تصدقه أفعالكم؟. 3- كره الله كُرهاً شديداً أن تقولوا ما لا تفعلون. 4- إن الله يحب الذين يقاتلون فى سبيل إعلاء كلمته متماسكين، كأنهم بُنيان مُحكم.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: سبح لله ما في السماوات وما في الأرض: أي نزه وقدس بلسان القال والحال جميع ما في السماوات وما في الأرض من كائنات. وهو العزيز الحكيم: أي العزيز الغالب على أمره الحكيم في تدبيره وصنعه. لم تقولون ما لا تفعلون: أي لأي شيء تقولون قد فعلنا كذا وكذا وأنتم لم تفعلوا؟ والاستفهام هنا للتوبيخ والتأنيب. كبر مقتاً عند الله: أي عظم مقتاً والمقت: أشد البغض والمقيت والممقوت المبغوض. أن تقولوا ما لا تفعلون: أي قولكم ما لا تفعلون يبغضه الله أشد البغض. صفاً كأنهم بنيان مرصوص: أي صافين: ومرصوص ملزق بعضه ببعض لا فرجة فيه. لم تؤذونني: أي إذ قالوا أنه آدر كذباً فوبخهم عل كذبهم وأذيتهم له. وقد تعلمون أني رسول الله إليكم: أي أتؤذونني والحال أنكم تعلمون أني رسول الله إليكم. فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم: أي فلما عدلوا عن الحق بإيذائهم موسى أزاغ الله قلوبهم أي أمالها عن الهدى. والله لا يهدي القوم الفاسقين: أي الذين فسقوا وتوغلوا في الفسق فما أصبحوا أهلاً للهداية. يا بني إسرائيل: أي أولاد يعقوب الملقب بإسرائيل، ولم يقل يا قوم كما قال موسى لأنه لم يكن منهم لأنه ولد بلا أب، وأمه صديقة. مصدقاً لما بين يدي: أي قبلي من التوراة. يأتي من بعده اسمه أحمد: هو محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأحمد أحد أسمائه الخمسة المذكوران والماحي، والعاقب والحاشر. فلما جاءهم بالبينات: أي على صدق رسالته بالمعجزات الباهرات. قالوا: هذا سحر مبين: أي قالوا في المعجزات إنها سحر. معنى الآيات: قوله تعالى {سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ} يُخبر تعالى أنه قد سبحه جميع ما في السماوات وما في الأرض بلسان القال والحال، وأنه العزيز الحكيم العزيز الغالب على أمره لا يمانع في مراده الحكيم في صنعه وتدبيره لملكه. بعدما أثنى تعالى على نفسه بهذا خاطب المؤمنين بقوله: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لِمَ تَقُولُونَ مَا لاَ تَفْعَلُونَ} لفظ النداء عام والمراد به جماعة من المؤمنين قالوا لو نعلم أحب الأعمال إلى الله تعالى لفعلناه فلما علموه ضعفوا عنه ولم يعملوا فعاتبهم الله تعالى في هذه الآية ولتبقى تشريعا عاماً إلى يوم القيامة فكل من يقول فعلت ولم يفعل فقد كذب وبئس الوصف الكذب ومن قال سأفعل ولم يفعل فهو مخلف للوعد وبئس الوصف خلف الوعد وهكذا يربي الله عباده على الصدق والوفاء. وقوله تعالى {كَبُرَ مَقْتاً عِندَ ٱللَّهِ أَن تَقُولُواْ مَا لاَ تَفْعَلُونَ} أي قولكم نفعل ولم تفعلوا مما يمقت عليه صاحبه أشد المقت أي يُبغض أشد البغض. وقوله تعالى {إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفّاً} أي صافين متلاصقين لا فرجة بينهم كأنهم بنيان مرصوص بعضه فوق بعض لا خلل فيه ولا فرجة كأنه ملحم بالرصاص. وقوله تعالى: {وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ} أي اذكر قال موسى لقومه من بني إسرائيل يا قوم لم تؤذوني وقد تعلمون أني رسول الله إليكم والحال أنكم تعلمون أني رسول الله إليكم حقاً وصدقاً، وقد آذوه بشتى أنواع الأذى بألسنتهم السليطة وآرائهم الشاذة من ذلك قولهم إن موسى آدُر ولذا هو لا يغتسل معنا، ومعنى آدر به أدرة وهي انتفاخ الخصية. وقوله تعالى: {فَلَمَّا زَاغُوۤاْ} أي مالوا عن الحق بعد علمه غاية العلم فآثروا الباطل على الحق والشر على الخير والكفر على الإِيمان عاقبهم الله فصرف قلوبهم عن الهدى نقمة منه تعالى عليهم، وذلك لأنّه سنته تعالى فيمن عرض عليه الخبر فأباه بعد علمه به، ثم دعى إليه فلم يستجب ثم رغب فيه فلم يرغب وواصل الشر مختاراً له عندئذ يصبح ما اختار من الفسق أو الكفر أو الظلم أو الإِجرام طبعاً له وخلقاً ثابتاً لا يتبدل ولا يتغير. وعلى هذا يؤول مثل قوله تعالى والله لا يهدي القوم الفاسقين، والله لا يهدي القوم الظالمين، والله لا يهدي القوم المجرمين، والله لا يهدي القوم الكافرين لأنه تعالى أضلهم حسب سنته في الإِضلال فلا يستطيع أحد غيره تعالى أن يهدي عبداً أضله الله على علم وهذا معنى قوله تعالى من سورة النحل {أية : فَإِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِي مَن يُضِلُّ} تفسير : [الآية: 37]. وقوله تعالى: {وَإِذْ قَالَ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ يٰبَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ ٱللَّهِ إِلَيْكُم} أي اذكر يا رسولنا للاتعاظ والعبرة قول عيسى بن مريم لليهود: يا بني إسرائيل نسبهم إلى جدهم يعقوب الملقب بإسرائيل بن إسحاق بن إبراهيم الخليل عليهم السلام. إني رسول الله إليكم مصدقاً لما بين يدي من التوراة وهذا برهان على صدقي في دعوتي إذ لم أخالف فيما أدعو إليه من عبادة الله وحده ما في التوراة كتاب الله عز وجل وهو بين أيديكم فوفاقنا دال على أن مصدر تشريعنا واحد هو الله عز وجل فكما آمنتم بموسى وهارون وداود وسليمان آمنوا بي فإني رسول الله إليكم مصدقاً لما بين يدي من التوراة ومبشراً برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد، فلهذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم حديث : أنا دعوة أبي إبراهيم وبشارة عيسىتفسير : ، إذ إبراهيم لما كان يبني البيت مع إسماعيل كانا يتقاولان ما أخبر تعالى به في قوله: {أية : رَبَّنَا وَٱبْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ آيَٰتِكَ...} تفسير : [البقرة: 129] الآية. وقوله تعالى {فَلَمَّا جَاءَهُم} أي محمد صلى الله عليه وسلم بالبينات أي بالحجج الدالة على صدق رسالته ووجوب اتباعه في العقيدة والشريعة كفروا به وقالوا في القرآن هذا سحر مبين كما قالها فرعون مع موسى. وكما قالتها اليهود مع عيسى عليه السلام. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- بيان غنى الله تعالى عن خلقه وأنه سبح لله ما في السماوات وما في الأرض وأن ما شرعه لعباده من العبادات والشرائع إنما هو لفائدتهم وصالح أنفسهم يكملوا عليه أرواحاً وأخلاقاً ويسعدوا به في الحياتين. 2- حرمة الكذب وخلف الوعد إذ قول القائل أفعل كذا ولم يفعل كذِب وخلف وعدٍ. ولذا كان قوله من المقت الذي هو أشد البغض، ومن مقته الله فقد أبغضه أشدَّ البغض وكيف يفلح من مقته الله. 3- فضيلة الجهاد والوحدة والاتفاق وحرمة الخلاف والقتال والصفوف ممزقة حسياً أو معنوياً. 4- التحذير من مواصلة الذنب بعد الذنب فإنه يؤدى إلى الطبع وحرمان الهداية. 5- بيان كفر اليهود بعيسى عليه السلام وازدادوا كفراً بكفرهم بمحمد صلى الله عليه وسلم. 6- بيان كفر النصارى إذ رفضوا بشارة عيسى وردوها عليه ولم يؤمنوا بالمبشر به محمد صلى الله عليه وسلم.

القطان

تفسير : كبر مقتاً: ما أعظمه من بغض. المقت أشد البغض، ويقال رجل مقيت وممقوت اذا كان مبغضا للناس. بنيان مرصوص: بنيان محكم كأنه قطعة واحدة. زاغوا: انحرفوا عن الحق. أزاغ الله قلوبهم: صرفها عن قبول الحق. {سَبَّحَ لِلَّهِ..} قدّس اللهَ ونزّهه كلُّ شيء في هذا الكون: بعضُها بلسان الحال، وبعضها بلسان المقال. وقد تقدم ان كل شيء في هذا الوجود يسبّح الله، ويشهد له بالربوبية والوحدانية والقدرة وغيرها من صفات الكمال، وهو الغالبُ على كل شيء، الحكيم في تدبير خلقه. وبعد ان وصف نفسَه بصفات الكمال، وجّه المؤمنين الى الاخلاق الفاضلة، والصدق في القول والعمل، فخاطبهم بقوله: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لِمَ تَقُولُونَ مَا لاَ تَفْعَلُونَ}!. قال ابن عباس: كان اناس من المؤمنين يقولون: لَوَدِدْنا ان الله دلّنا على أحبِّ الاعمال اليه فنعمل به، فأخبر الله نبيّه ان احب الاعمال اليه ايمانٌ بالله لا شكّ فيه، وجهادٌ في سبيله. فلما فُرضَ الجهادُ كره ذلك ناسٌ من المؤمنين وشقّ عليهم أمرُه، فأنزل الله تعالى هذه الآية. ثم بيّن الله شدة قبحِ مخالفة القول للعمل وأنه بلغ الغاية في بُغض الله له فقال: {كَبُرَ مَقْتاً عِندَ ٱللَّهِ أَن تَقُولُواْ مَا لاَ تَفْعَلُونَ} إن أبغضَ شيء عند الله ان تقولوا ما لا تفعلون. فتحَلُّوا بالصدق، والوفاء بالوعد، وجميل الخصال تنتصروا. ثم مدح الذين صدقوا وقاتلوا في سبيله بعزم واخلاص فقال: {إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفّاً كَأَنَّهُم بُنْيَانٌ مَّرْصُوصٌ}. ان الله تعالى يحب النظامَ في كل شيء، وهو يحبُّ الذين يقاتلون في سبيله منتظمين في أماكنهم كأنهم بنيانٌ متلاحمُ الأجزاء، كأنه قطعة واحدة، فالنظام أساسُ بنيان الأمة، وان وعدَ الله حقّ، وقد وعد المجاهدين بالنصر إذا أخلصوا وصدَقوا وحافظوا على النظام. وقد سبقتنا الأممُ المتحضّرة بالنظام ودقة المحافظة عليه، في جميع أعمالها. والجهادُ يبدأ في البيت بالتربية الاسلامية الصحيحة البعيدة عن التزمُّت والتعصب، وفي المدرسة وفي المزارع والحقول، والتجارة، وفي المصانع، وباكتساب العلوم وإجادتها واتقان استعمالها كما اتقنها أسلافُنا الأولون. فالصناعة والعلم والزراعة من الامور الضرورية في حياتنا، فاذا أتقنّاها باتَ يمكننا ان نجاهدَ جهادا حقيقيا، فلا جهادَ إلا بعلمٍ وعمل وتصنيع. وبعد ان هذّب المؤمنين وعلّمهم ان يكونوا صادقين في أقوالهم وافعالهم، وحضّهم على اتّباع النظام في الجهاد - ذَكَرَ أن حالهم يشبه حالَ موسى مع قومه حين ندبَهم للقتال فلم يطيعوه، بل آذوه أشدَّ الايذاء، فوبّخهم الله على ذلك بقوله تعالى: {وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ يٰقَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي....}. اذكر يا محمد لقومك حين قال موسى لقومه: يا قومي، لمَ تُؤذونني وتخالِفون أَمري، وانتم تعلمون أنّي رسولُ الله اليكم؟ فأصرّوا على المخالفة والعصيان. فلما أصروا على الانحراف، صرف الله قلوبهم عن الهدى {وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلْفَاسِقِينَ} الذين خرجوا عن طاعته. وأتى بمثلٍ آخر يشبه حالَهم، وهو بنو اسرائيل حين قال لهم عيسى: إني رسولُ الله، وإني مصدّقٌ بالتوراة، وجاءهم بالبينات والمعجزات الدالة على صدقه، واني مبشِّر برسولٍ سيأتي من بعدي اسمه أحمد، وقد جاء هذا التبشير صريحا في التوراة والانجيل. {فَلَمَّا جَاءَهُم بِٱلْبَيِّنَاتِ قَالُواْ هَـٰذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ}. فلمّا جاء الرسولُ الكريم احمدُ، عليه صلوات الله وسلامه، بالأدلة الواضحة والمعجزات الباهرة، كذّبوه وقالوا: هذا الذي جئتنا به سحرٌ مبين. ومثلُ هذه الآية قوله تعالى: {أية : ٱلَّذِينَ يَتَّبِعُونَ ٱلرَّسُولَ ٱلنَّبِيَّ ٱلأُمِّيَّ ٱلَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِندَهُمْ فِي ٱلتَّوْرَاةِ وَٱلإِنْجِيلِ} تفسير : [الأعراف: 157]. وفي هذا تسلية لرسوله الكريم على ما أصابه من قومه ومن غيرهم من الجاحدين، وأن الانبياء مِن قبله نالهم الأذى وكذّبهم أقوامهم. وفيه ايضا تهذيبٌ وتربية للمؤمنين بان لا يؤذوا النبي بل يُخلِصوا في ايمانهم.

د. أسعد حومد

تفسير : {ٱلسَّمَاوَاتِ} (1) - نَزَّهَ اللهَ تَعَالَى عَمَّا لاَ يَلِيقُ بِهِ، وَشَهِدَ لَهُ بِالرّبُوبِيَّةِ وَالوَحْدَانِيَّةِ وَالقُدْرَةِ، وَغَيْرِهَا مِنْ صِفَاتِ الكَمَالِ، جَمِيعُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مِنَ المَخْلُوقَاتِ، وَهُوَ تَعَالَى القَوِيُّ الذِي لاَ يُغَالَبُ، الحَكِيمُ فِي شَرْعِهِ وَخَلْقِهِ وَأَمْرِهِ وَتَدْبِيرِهِ. سَبَّحَ - نَزَّهَ وَمَجَّدَ وَدَلَّ عَلَيهِ تَعَالَى.

الثعلبي

تفسير : {سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ * يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لِمَ تَقُولُونَ مَا لاَ تَفْعَلُونَ} قال مقاتلان: قال المؤمنون قبل أن يؤمروا بالقتال: لو نعلم أحب الأعمال الى الله سبحانه لعلمناه وبذلنا فيه أموالنا وأنفسنا، فدلّهم الله على أحب الأعمال اليه فقال: {إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفّاً كَأَنَّهُم بُنْيَانٌ مَّرْصُوصٌ} فبيّن لهم فابتلوا يوم أحد بذلك، فولّوا عن النبي صلى الله عليه وسلم مدبرين فأنزل الله سبحانه هذه الآية. وقال: الكلبي: قال: المؤمنون: يا رسول الله لو نعلم أحب الأعمال لفعلنا ونزل {هَلْ أَدُلُّكمْ عَلَىٰ تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ} ثم أنقطع الكلام ولم يبين لهم شيئاً فمكثوا بعد ذلك ما شاء الله أن يمكثوا وهم يقولون: ليتنا نعلم ماهي أما والله إذن لأشتريناها بالأموال والأنفس والأهلين، فدلّهم الله سبحانه فقال: {تُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ} الآية، فأبتلوا بذلك يوم أحد ففرّوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين صرع وشج في وجهه وكسرت رباعيته، فنزلت هذه الآية يعيّرهم ترك الوفاء. وقال محمد بن كعب: لما أخبر الله سبحانه وتعالى رسوله صلى الله عليه وسلم بثواب شهداء بدر قالت الصحابة: لئن لقينا بعده قتالا لنفرغن فيه وسعنا ففروا يوم أحد فعيّرهم الله بهذه الآية، وقال ابن عباس: كان ناس من المؤمنين قبل أن يفرض الجهاد يقولون: وددنا لو أن الله دلّنا على أحب الأعمال إليه فنعمل به، فأخبرهم الله تعالى أن أفضل الأعمال إيمان لا شك فيه والجهاد، فكره ذلك ناس منه وشق عليهم الجهاد وتباطؤوا عنه فأنزل الله سبحانه هذه الآية، وقال: قتادة والضحاك: نزلتا في شأن القتال، كان الرجل يقول: قتلت ولم يقاتل، وطعنت ولم يطعن، وضربت ولم يضرب، وصبرت ولم يصبر. وأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن مقلاب قال: حدّثنا أبو الحرث أحمد بن سعيد بدمشق قال: حدّثنا يعقوب بن محمد الزهري قال: أخبرنا حصين بن حذيف الصهري قال: حدّثني عمي عن سعيد بن المسيب عن مهيب قال: كان رجل يوم بدر قد آذى المسلمين ونهاهم فقتله صهيب في القتال، فقال رجل: يا رسول الله قتلت فلاناً ففرح بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال عمرو بن عبد الرحمن لصهيب: أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنك قتلته فأن فلاناً ينتحله، فقال صهيب: إنما قتلته لله تعالى ولرسوله، فقال عمرو بن عبدالرحمن: يا رسول الله قتله صهيب، قال: كذلك يا أبا يحيى؟ قال: نعم يا رسول الله، فأنزل الله سبحانه {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لِمَ تَقُولُونَ مَا لاَ تَفْعَلُونَ} والآية الأخرى. وقال الحسن: هؤلاء المنافقون ندبهم الله سبحانه ونسبهم الى الأقرار الذي أعلنوه للمسلمين فأنزل الله فقال: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لِمَ تَقُولُونَ مَا لاَ تَفْعَلُونَ} كذباً وزوراً، وقال: ابن زيد: نزلت في المنافقين كانوا يعدون المؤمنين النصر وهم كاذبون، وقال: مجاهد: نزلت في نفر من الأنصار منهم عبد الله بن رواحة قال: في مجلس لهم: لو علمنا أي الأعمال أحب الى الله لعملنا بها حتى نموت، فأنزل الله سبحانه هذه السورة فقال عبد الله بن رواحة: لا أبرح حبيساً في سبيل الله حتى أموت أو أُقتل فقتل بمؤته شهيداً رحمة الله عليه ورضوانه، وقال: ميمون بن مهران: نزلت في الرجل يقرض نفسه بما لم يفعله نظيره ويحبون أن يحمدوا عما لم يفعلوا. حدّثنا أبو القاسم الحسيني لفظاً قال: حدّثنا أبو الحسن أحمد بن محمد بن عبدوس الطرائفي قال: حدّثنا عمي سعيد الدارمي قال: حدّثنا محبوب بن موسى الأنطاكي قال: حدّثنا أبو إسحاق الفراري عن الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن عبد الله بن سلام قال: خرجنا نتذاكر فقلنا: أيكم رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأله أي الأعمال أحب الى الله، ثم تفرقنا وَهِبنا أن يأتيه أحدنا، فأرسل إلينا رسول الله صلى الله عليه وسلم وجمعنا فجعل يومي بعضنا الى بعض فقرأ علينا {سَبَّحَ لِلَّهِ} الى آخرها. قال أبو سلمة: فقرأها علينا عبد الله بن سلام الى آخرها قال يحيى بن أبي كثير: فقرأ علينا أبو سلمة الى آخرها، قال الأوزاعي: فقرأ علينا يحيى بن إسحاق الى آخرها، قال أبو إسحاق الفزاري: فقرأها علينا الأوزاعي الى آخرها، قال محبوب بن موسى: قرأها علينا الفزاري الى آخرها، قال عثمان بن سعيد: فقرأها علينا محبوب الى آخرها، قال الطرائفي: فقرأها علينا عثمان بن سعيد الى آخرها، قال القاسم: وقرأها علينا أبو الحسن الطرائفي الى آخره، وقرأها علينا الإستاذ أبو القاسم الى آخرها وسألنا أحمد الثعلبي أن يقرأ فقرأ علينا إلى آخرها. {كَبُرَ مَقْتاً} نصب على الحال وأن شئت على التمييز. وقال الكسائي: {أَن تَقُولُواْ} في موضع رفع لان {كَبُرَ} بمنزلة قولك بئس رجلا أخوك، وأضمر القراء فيه أسماً مرفوعاً، والمقت والمقاتة مصدر واحد يقال: رجل ممقوت ومقيت إذا لم تحبّه الناس {كَأَنَّهُم بُنْيَانٌ مَّرْصُوصٌ} قد رصّ بعضه الى بعض أي أحكم وأيقن وأدقّ فليس فيه فرجة ولا خلل، وأصله من الرصاص، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم "حديث : تراصوا بينكم في الصفوف لا يتخللنكم الشياطين كأنها بنات حذف ". تفسير : {وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ} من بني إسرائيل {يٰقَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي} وذلك حين رموه بالادرة {وَقَد تَّعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ ٱللَّهِ إِلَيْكُمْ} والرسول يحترم ويعظم {فَلَمَّا زَاغُوۤاْ أَزَاغَ ٱللَّهُ} عن الحق {قُلُوبَهُمْ} عن الدين {وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلْفَاسِقِينَ * وَإِذْ قَالَ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ يٰبَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ ٱللَّهِ إِلَيْكُم مُّصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ ٱلتَّوْرَاةِ وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي ٱسْمُهُ أَحْمَدُ} وهو الذي لا يذم، وفي وجهه قولان: أحدهما: أن الأنبياء كلّهم حمّادون لله سبحانه ونبينا صلى الله عليه وسلم أحمد، أي أكثر حمداً لله منهم. والثاني: أنَّ الأنبياء كلّهم محمودون ونبيّنا أحمد أي أكثر مناقب وأجمع للفضائل. {فَلَمَّا جَاءَهُم بِٱلْبَيِّنَاتِ قَالُواْ هَـٰذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ * وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ وَهُوَ يُدْعَىٰ إِلَى ٱلإِسْلاَمِ وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلظَّالِمِينَ * يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُواْ نُورَ ٱللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَٱللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ ٱلْكَافِرُونَ * هُوَ ٱلَّذِيۤ أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِٱلْهُدَىٰ وَدِينِ ٱلْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى ٱلدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ ٱلْمُشْرِكُونَ * يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ هَلْ أَدُلُّكمْ عَلَىٰ تِجَارَةٍ تُنجِيكُم} قراءة العامة بالتخفيف من الإنجاء وقرأ ابن عامر بالتشديد من [التنجية] {مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ} بيّن ما هي فقال: {تُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً}. أخبرني ابن فنجويه قال: حدّثني ابن حرجة قال: حدّثنا محمد بن عبد الله بن سليمان قال: حدّثنا محمد بن الفرح البغدادي قال: حدّثنا حجاج بن محمد بن جبير القصاب عن الحسن قال: سألنا رسول الله صلى الله عليه وسلم عليها فقال: "حديث : قصر من لؤلؤة في الجنّة وذلك القصر سبعون داراً من ياقوتة حمراء في كل دار سبعون بيتاً من زمردة خضراء في كل بيت سبعون سريراً على كل سرير سبعون فراشاً من كل لون، على كلّ فراش امرأة من الحور العين، في كل بيت سبعون مائدة على كل مائدة سبعون لوناً من كل الطعام، في كل بيت سبعون وصيفاً ووصيفة، قال: فيعطي الله المؤمن من القوة في غذائه وحده ما يأتي على ذلك كله ". تفسير : {فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ * وَأُخْرَىٰ} قال: نحاة البصرة: هي في محل الخفض مجازه: وتجارة أخرى، وقال نحاة الكوفة: محلها رفع أي ولكم أخرى في العاجل مع ثواب الآجل. {تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِّن ٱللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ ٱلْمُؤْمِنِينَ} ثم حثهم على نصرة الدين وجهاد المخالفين فقال: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ كُونُوۤاْ أَنصَارَ ٱللَّهِ} أعواناً بالسيف على أعدائه، قرأ أبو عمرو وقرأ أهل الحجاز أنصاراً بالتنوين وهو أختيار أيوب، وقرأ الباقون بالأضافة وهو أختيار أبي حاتم وأبي عبيد قال: لقوله {أَنصَارَ ٱللَّهِ} ولم يقل: أنصاراً لله. {كَمَا قَالَ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنَّصَارِيۤ إِلَى ٱللَّهِ قَالَ ٱلْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ ٱللَّهِ فَآمَنَت طَّآئِفَةٌ مِّن بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَت طَّآئِفَةٌ فَأَيَّدْنَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ عَلَىٰ عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُواْ ظَاهِرِينَ}.

الصابوني

تفسير : اللغَة: {سَبَّحَ} التسبيح تمجيد الله وتنزيهه عما لا يليق به من صفات النقص {ٱلْعَزِيزُ} الغالب الذي لا يُغلب {ٱلْحَكِيمُ} الذي يضع الأشياء في مواضعها ويفعل ما تقتضيه الحكمة {مَقْتاً} بغضاً قال الزمخشري: المقتُ: أشدُّ البغض وأبلغه وأفحشه {مَّرْصُوصٌ} المتماسك المتلاصق بعضه ببعض قال الفراء: رصصتُ البناء إِذا لائمتُ بينه وقاربت حتى يصير كقطعة واحدة {زَاغُوۤاْ} مالوا عن الهدى والحق {ٱلْبَيِّنَاتِ} المعجزات الواضحات. سَبَبُ النّزول: روي أن المسلمين قالوا: لو علمنا أحبَّ الأعمال إِلى الله تعالى لبذلنا فيه أموالنا وأنفسنا!! فلما فرض الله الجهاد كرهه بعضهم فأنزل الله {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لِمَ تَقُولُونَ مَا لاَ تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتاً عِندَ ٱللَّهِ أَن تَقُولُواْ مَا لاَ تَفْعَلُونَ}. التفسِير: {سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ} أي نزَّه اللهَ وقدَّسه ومجَّده جميعُ ما في السماواتِ والأرض من مَلَك، وإِنسان، ونبات، وجماد أية : {وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَـٰكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ}تفسير : [الإِسراء: 44] قال الإِمام الفخر: أي شهد له بالربوبية والوحدانية وغيرهما من الصفات الحميدة جميع ما في السماوات والأرض {وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ} أي وهو الغالب في ملكه، الحكيم في صنعه، الذي لا يفعل إلا ما تقتضيه الحكمة {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لِمَ تَقُولُونَ مَا لاَ تَفْعَلُونَ} أي يا أيها الذين صدَّقوا الله ورسوله لم تقولون بألسنتكم شيئاً ولا تفعلونه؟ ولأي شيءٍ تقولون نفعل ما لا تفعلونه من الخير والمعروف؟ وهو استفهام على جهة الإِنكار والتوبيخ قال ابن كثير: هذا إنكارٌ على من يَعِد وعداً، أو يقول قولاً لا يفي به، وفي الصحيحين "حديث : آية المنافق ثلاثٌ: إِذا وعد أخلف، وإِذا حدَّث كذب، وإِذا ائتمن خان"تفسير : ثم أكَّد الإِنكار عليهم بقوله {كَبُرَ مَقْتاً عِندَ ٱللَّهِ} أي عظُم فعلكم هذا بغضاً عند ربكم {أَن تَقُولُواْ مَا لاَ تَفْعَلُونَ} أي أن تقولوا شيئاً ثم لا تفعلونه، وأن تَعِدوا بشيء ثم لا تفون به قال ابن عباس: كان ناسٌ من المؤمنين - قبل أن يُفرض الجهاد - يقولون: لوددنا أنَّ اللهَ عز وجلَّ دلنا على أحبِّ الأعمال إِليه فنعمل به، فأخبر الله نبيه أن أحب الأعمال إِيمان بالله لا شك فيه، وجهاد أهل معصيته الذين خالفوا الإِيمان ولم يقروا به، فلما نزل الجهاد كره ذلك ناسٌ من المؤمنين وشقَّ عليهم أمره فنزلت الآية وقيل: هو أن يأمر الإِنسان أخاه بالمعروف ولا يأتمر به، وينهاه عن المنكر ولا ينتهي عنه كقوله تعالى {أية : أَتَأْمُرُونَ ٱلنَّاسَ بِٱلْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ}تفسير : [البقرة: 44]؟ ثم أخبرهم تعالى بفضيلة الجهاد في سبيل الله فقال {إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفّاً} أي يحب المجاهدين الذين يصفُّون أنفسهم عند القتال صفاً، ويثبتون في أماكنهم عند لقاء العدو {كَأَنَّهُم بُنْيَانٌ مَّرْصُوصٌ} أي كأنهم في تراصِّهم وثبوتهم في المعركة، بناءٌ قد رُصَّ بعضه ببعض، وأُلصق وأُحكم حتى صار شيئاً واحداً قال القرطبي: ومعنى الآية أنه تعالى يحب من يثبت في الجهاد في سبيل الله ويلزم مكانه كثبوت البناء، وهذا تعليمٌ من الله تعالى للمؤمنين كيف يكونون عند قتال عدوهم.. ولما ذكر تعالى أمر الجهاد، بيَّن أنَّ موسى وعيسى أمرا بالتوحيد، وجاهدا في سبيل الله وأوذيا بسبب ذلك فقال {وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ يٰقَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي}؟ أي واذكر يا محمد لقومك قصة عبده وكليمه "موسى بن عمران" حين قال لقومه بني إِسرائيل: لمَ تفعلون ما يؤذيني؟ {وَقَد تَّعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ ٱللَّهِ إِلَيْكُمْ} أي والحال أنكم تعلمون علماً قطعياً - بما شاهدتموه من المعجزات الباهرة - أني رسولُ اللهِ إلِيكم، وتعلمون صدقي فيما جئتكم به من الرسالة؟ وفي هذا تسليةٌ لرسول الله صلى الله عليه وسلم فيما أصابه من كفار مكة {فَلَمَّا زَاغُوۤاْ أَزَاغَ ٱللَّهُ قُلُوبَهُمْ} أي فلما مالوا عن الحقِّ، أمال الله قلوبهم عن الهدى {وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلْفَاسِقِينَ} أي واللهُ لا يوفق للخير والهدى من كان فاسقاً خارجاً عن طاعة الله قال الرازي: وفي هذا تنبيهٌ على عظم إِيذاء الرسل، حتى إِنه يؤدي إِلى الكفر وزيغ القلوب عن الهدى.. ثم ذكر تعالى قصة عيسى عليه السلام فقال {وَإِذْ قَالَ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ يٰبَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ ٱللَّهِ إِلَيْكُم} أي واذكر يا محمد لقومك هذه القصة أيضاً حين قال عيسى لبني إِسرائيل إِني رسول اللهِ أرسلت إِليكم بالوصف المذكور في التوراة قال القرطبي: ولم يقل "يا قوم" كما قال موسى، لأنه لا نسب له فيهم فيكونون قومه فإِنه لم يكن له فيهم أب {مُّصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ ٱلتَّوْرَاةِ} أي حال كوني مصدِّقاً ومعترفاً بأحكام التوراة، وكُتب الله وأنبيائه جميعاً، ولم آتكم بشيء يخالف التوراة حتى تنفروا عني {وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي ٱسْمُهُ أَحْمَدُ} أي وجئت لأبشركم ببعثة رسولٍ يأتي بعدي يسمى "أحمد" قال الألوسي: وهذا الاسم الكريم علمٌ لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم كما قال حسان: شعر : صلَّى الإِلهُ ومن يحفُّ بعرشه والطّيبون على المبارك "أحمد" تفسير : وفي الحديث "حديث : لي خمسة أسماءٍ: أنا محمدٌ، وأنا أحمد، وأنا الحاشر الذي يُحشر الناسُ على قدمي، وأنا الماحي الذي يمحو الله بي الكفر، وأنا العاقب"تفسير : ومعنى العاقب الذي لا نبيَّ بعده، وروي أن الصحابة قالوا يا رسول الله أخبرنا عن نفسك! فقال: دعوةُ أبي إبراهيم، وبشرى عيسى، ورأت أُمي حين حملت بي كأنه خرج منها نورٌ أضاءت له قصور الشام {فَلَمَّا جَاءَهُم بِٱلْبَيِّنَاتِ} أي فلما جاءهم عيسى بالمعجزات الواضحات، من إِحياء الموتى، وإِبراء الأكمه والأبرص، ونحو ذلك من المعجزات الدالة على صدقه في دعوى الرسالة {قَالُواْ هَـٰذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ} أي قالوا عن عيسى: هذا ساحرٌ جاءنا بهذا السحر الواضح، والإِشارة بقولهم "سحر" إِلى المعجزات التي ظهرت على يديه عليه السلام، قال المفسرون: بشَّر كلُّ نبي قومه بنبيِّنا محمد صلى الله عليه وسلم، وإِنما أفرد تعالى ذكر عيسى بالبشارة في هذا الموضع لأنه آخر نبيٍ قبل نبينا صلى الله عليه وسلم، فبيَّن تعالى أن البشارة به عمَّت جميع الأنبياء واحداً بعد واحد حتى انتهت إِلى عيسى عليه السلام آخر أنبياء بني إِسرائيل {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ وَهُوَ يُدْعَىٰ إِلَى ٱلإِسْلاَمِ} استفهامٌ بمعنى النفي أي لا أحد أظلم ممن يدعوه ربه إِلى الإِسلام على لسان نبيه، فيجعل مكان إِجابته إِفتراء الكذب على الله بتسمية نبيه ساحراً، وتسمية آياتِ الله المنزلة سحراً {وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلظَّالِمِينَ} أي لا يوفق ولا يرشد إِلى الفلاح والهدى من كان فاجراً ظالماً {يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُواْ نُورَ ٱللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ} أي يريد المشركون بأن يطفئوا دين الله وشرعه المنير بأفواههم قال الفخر الرازي: وإِطفاء نور الله تعالى تهكمٌ بهم في إِرادتهم إِبطال الإِسلام بقولهم في القرآن إِنه سحر، شُبهت حالهم بحال من ينفخ في نور الشمس بفيه ليطفئه، وفيه تهكم وسخريةٌ بهم {وَٱللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ} أي واللهُ مظهرٌ لدينه، بنشره في الآفاق، وإِعلائه على الأديان، كما جاء في الحديث "حديث : إنَّ الله زوى لي الأرض، فرأيت مشارقها ومغاربها، وإِن مُلك أمتي سيبلغ ما زُوي لي منها.."تفسير : الحديث والمراد أنَّ هذا الدين سينتشر في مشارق الدنيا ومغاربها {وَلَوْ كَرِهَ ٱلْكَافِرُونَ} أي ولو كره ذلك الكافرون المجرمون، فإِنَّ الله سيعز شأن هذا الدين رغم أنف الكافرين قال في حاشية البيضاوي: كان كفار مكة يكرهون هذا الدين الحق، من أجل توغلهم في الشرك والضلال، فكان المناسب إِذلالهم وإِرغامهم بإِظهار ما يكرهونه من الحق، وليس المراد من إِظهاره ألا يبقى في العالم من يكفر بهذا الدين، بل المرادُ أن يكون أهلهُ عالين غالبين على سائر أهل الأديان بالحجة والبرهان، والسيف واللسان، إِلى آخر الزمان {هُوَ ٱلَّذِيۤ أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِٱلْهُدَىٰ وَدِينِ ٱلْحَقِّ} أي هو جلَّ وعلا بقدرته وحكمته بعث رسوله محمداً صلى الله عليه وسلم بالقرآن الواضح، والدين الساطع {لِيُظْهِرَهُ عَلَى ٱلدِّينِ كُلِّهِ} أي ليعليه على سائر الأديان المخالفة له، من يهودية ونصرانية وغيرهما {وَلَوْ كَرِهَ ٱلْمُشْرِكُونَ} أي ولو كره ذلك أعداءُ الله، المشركون بالله غيره قال أبو السعود: ولقد أنجز الله وعده بإِعزاز دين الإِسلام، حيث جعله بحيث لم يبق دينٌ من الأديان، إِلا وهو مغلوب مقهور بدين الإِسلام.

الأندلسي

تفسير : {بِسمِ ٱلله الرَّحْمٰنِ الرَّحِيـمِ * سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ} الآية هذه السورة مدنية في قول الجمهور وسبب نزولها قول المنافقين للمؤمنين نحن منكم ومعكم ثم يظهر من أفعالهم خلاف ذلك ومناسبتها لآخر ما قبلها ان ثم {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَوَلَّوْاْ قوْماً غَضِبَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ} تفسير : [الممتحنة: 13] فاقتضى ذلك إثبات العداوة بينهم فحض تعالى على إثبات إذا لقي المؤمنون في الحرب أعداءهم والنداء بيا أيها إن كان للمؤمنين حقيقة فالاستفهام يراد به التلطف في العتب وإن كان للمنافقين فالمعنى يا أيها الذين آمنوا أي بألسنتهم والاستفهام يراد به الإِنكار والتوبيخ وتهكم في إسناد الإِيمان إليهم ولم يتعلق بالفعل بعده وإذا وقف عليه فبالهاء أو بسكون الميم ومن سكن في الوصل فلأنه جرى مجرى الوقف والظاهر انتصاب مقتاً على التمييز وفاعل كبر أن تقولوا وهو من التمييز المنقول من الفاعل والتقدير كبر مقت قولكم ما لا تفعلون وانتصب صفا على الحال أي صافين أنفسهم أو مصفوفين. {كَأَنَّهُم} في تراصهم من غير فرجة ولا خلل. {بُنْيَانٌ مَّرْصُوصٌ} بعضه إلى بعض والظاهر تشبيه الذوات في التحام بعضهم ببعض بالبنيان المرصوص ولما كان في المؤمنين من يقول ما لا يفعل وهو راجع إلى الكذب كان ذلك في معنى الاذاية للرسول عليه الصلاة والسلام إذ كان في أتباعه من عانى الكذب فناسب ذكر قصة موسى عليه الصلاة والسلام وقوله لقومه لم تؤذوني واذايتهم له كان في انتقاصه في نفسه وجحود آيات الله تعالى واقتراحهم عليه ما ليس لهم اقتراحه. {وَقَد تَّعْلَمُونَ} جملة حالية تقتضي تعظيمه وتكريمه فرتبوا على علمهم أنه رسول الله إليهم ما لا يناسب العلم وهو الإِذاية وقد تدل على التحقق في الماضي والتوقع في المستقبل والمضارع هنا معناه المعنى أي وقد علمتم وعبر عنه بالمضارع ليدل على استصحاب الفعل. {فَلَمَّا زَاغُوۤاْ} عن الحق. {أَزَاغَ ٱللَّهُ قُلُوبَهُمْ} أسند الزيغ إليهم ثم قال أزاغ الله قلوبهم كقوله تعالى: {أية : نَسُواْ ٱللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ}تفسير : [الحشر: 19] وهو من العقوبة على الذنب بالذنب ولما ذكر شيئاً من قصة موسى عليه السلام مع بني إسرائيل ذكر شيئاً من قصة عيسى عليه السلام وهناك قال: يا قوم لأنه من بني إسرائيل وهنا قال عيسى يا بني إسرائيل من حيث لم يكن له فيهم أب وإن كانت أمه منهم ومصدّقاً ومبشراً حالان والعامل رسول أي مرسل ويأتي رسمه جملتان في موضع الصفة لرسول أخبر أنه مصدق لما تقدم من الكتب الإِلهية ولمن تأخر من النبي المذكور لأن التبشير بأنه رسول تصديق برسالته وروي أن الحواريين قالوا: يا روح الله هل بعدنا من أمة قال: نعم أمة أحمد علماء حكماء أبرار أتقياء كأنهم من الفقه أنبياء يرضون من الله باليسير من الرزق ويرضى الله منهم بالقلل من العمل. والله أفرد عيسى بالذكر في هذه المواضع لأنه آخر نبي قبل نبينا عليه السلام فبين ان البشارة به عمت جميع الأنبياء واحداً بعد واحد حتى انتهت إلى عيسى عليه السلام والظاهر أن الضمير المرفوع في جاءهم يعود على عيسى عليه السلام لأنه المحدث عنه وقرأ الجمهور تؤمنون وتجاهرون وقرأ عبد الله آمنوا وجاهدوا أمرين وزيد بن علي بالياء فيهما محذوف النون فيهما فأما قراءة الجمهور فصورتهما صورة الخبر فهما خبران بمعنى الأمر بين ذلك قراءة عبد الله ونظير ذلك قول العرب اتقى الله امرؤ فعل خيراً يثب عليه معناه ليتق الله امرؤ فانجزم قوله يثب على تقدير هذا الأمر فلذلك انجزم يغفر على تقدير آمنوا وجاهدوا وأما قراءة زيد فهو على إضمار اللام تقديره ليؤمنوا ويجاهدوا كما قال محمد تفد نفسك كل نفس إذا ما خفت من شىء تبالا تقديره لتفد. {وَأُخْرَىٰ} لما تقدم الغفران وإدخال الجنات اتبع ذلك بقوله: {وَأُخْرَىٰ} فجاز أن يكون مبتدأ محذوف الخبر تقديره ولكم نعمة أو مثوبة أخرى وجاز أن يكون منصوباً على إضمار فعل تقديره ويمنحكم أخرى وتحبونها في موضع الصفة على التقديرين ومن قرأ نصراً وما بعده بالرفع فهو بدل من أخرى المقدر رفعها ومن قرأ نصرا وما بعده بالنصب فبدل على تقدير نصب أخرى ولما ذكر تعالى ما يمنحهم من الثواب في الآخرة ذكر ما يسرهم في العاجلة وهي ما يفتح عليهم من البلاد. {وَبَشِّرِ ٱلْمُؤْمِنِينَ} جملة أو عطف على ما قبلها ولا يشترط التناسب في عطف الجمل. {كُونُوۤاْ أَنصَارَ ٱللَّهِ} ندب المؤمنين إلى النصرة ووضع لهم هذا الإِسم وإن كان صار عرفا للاوس والخزرج وسماهم الله تعالى به والظاهر أن كما في موضع نصب على إضمار أي قلنا لكم ذلك كما قال عيسى: {فَأَيَّدْنَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} بعيسى. {عَلَىٰ عَدُوِّهِمْ} وهم الذين كفروا بعيسى. {فَأَصْبَحُواْ ظَاهِرِينَ} أي قاهرين لهم مستولين عليهم.

الجيلاني

تفسير : {سَبَّحَ لِلَّهِ} ونزهه بكمال التقديس والتنزيه جميع {مَا} ظهر {فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ} أي: العلويات {وَمَا} ظهر {فِي ٱلأَرْضِ} أي: السفليات {وَ} كيف لا يتوجه نحوه عموم الموجودات؛ إذ {هُوَ ٱلْعَزِيزُ} الغالب على مطلق المقدورات والمرادات {ٱلْحَكِيمُ} [الصف: 1] المقتن في جميع التدبيرات والتقديرات؟! ثمَّ لمَّا عاهد المسلمون مع الله عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقالوا: لو علمنا أحب الأعمال إلى الله لبذلنا فيه أموالنا وأنفسنا، فنزل: {إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ} [الصف: 4]، فولوا يوم أُحد منهزمين، ولم يوفوا بعهدهم، فنزلت: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} مقتضى إيمانكم: الوفاء بالعهد {لِمَ تَقُولُونَ} وقت المعاهدة والميثاق مع الله {مَا لاَ تَفْعَلُونَ} [الصف: 2] ولا توفون وقت الوفاء. واعلموا أيها المؤمنون أنه {كَبُرَ مَقْتاً} وعظم جريمة وذنباً {عِندَ ٱللَّهِ} المنتقم الغيور {أَن تَقُولُواْ} وتعاهدوا معه سبحانه {مَا لاَ تَفْعَلُونَ} [الصف: 3] وقت الوفاء، ولا تنجزوا المعهود الموعود. {إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ} لترويج دينه، وإعلاء كلمة توحيده {صَفّاً} مصطفين مظاهرين، متعاونين {كَأَنَّهُم بُنْيَانٌ مَّرْصُوصٌ} [الصف: 4] منمضد محكم، مضمم بعضها مع بعض بحيث لا فرج فيها ولا شقوق. ثمَّ اعلموا أن عدم وفائكم بالعهود لا ينقص شيئاً من عظمته، كما أن وفائكم لا تزيد فيها، لكن نقضكم الميثاق يؤذي النبي، وإيذاء النبي مستلزم لإيذاء الله وبغضه، وإرادته المقت والغضب على المؤذي {وَ} اذكر يا أكمل الرسل للمناقضين قصة تأذي أخيك موسى الكليم - صلوات الله عليه - من قومه وقت {إِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ} حين رموه بالبغية، وعيروه بالأدرة: {يٰقَوْمِ} ناداهم وأضافهم إلى نفسه على مقتضى ملاينة أرباب الرسالة مع أممهم؛ لينزجروا عن سوء الأدب {لِمَ تُؤْذُونَنِي} بأمثال هذه المفتريات الباطلة البعيدة بمراحل عن الصدق {وَ} الحال أنكم {قَد تَّعْلَمُونَ} يقيناً بما جئت لكم من المعجزات الساطعة، الدالة على صدقي في دعواي {أَنِّي رَسُولُ ٱللَّهِ} المرسل من عنده بمقتضى وحيه {إِلَيْكُمْ} لإرشادكم إلى سبيل الهداية الموصلة إلى معرفة الحق وتوحيده، ومقتضى علمكم: ألاَّ تؤذوني، فلم تؤذونيي؟! {فَلَمَّا زَاغُوۤاْ} ومالوا عن الحق، وانحرفوا عن مقتضى الفطرة الأصلية الإلهية {أَزَاغَ ٱللَّهُ} المقلب للقلوب {قُلُوبَهُمْ} وصرفها عن قبول الحق والميل إليه فضلوا عن سواء السبيل، واستحقوا الويل العظيم، والعذاب الأليم {وَ} بالجملة: {ٱللَّهُ} العليم الحكيم {لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلْفَاسِقِينَ} [الصف: 5] الخارجين عن مقتضى الفطرة الأصلية التي هي الهداية الموصلة إلى معرفة الحق وتوحيده.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : أيها الصافون في مصاف الأعداء المصفون من أهل الصفاء القائمون في صفوف الصوفية بشرط الوفاء القاعدون في صفة أصحاب الصفة بالتوكل والرضاء سبحوا الله بالنسبة الأرض والسماء ونزهوه من أن يحاط بالأفكار والعقول وافهموا ما يقول في كتابه الكريم حيث يقول {سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ} [الصف: 1] بحكمة خلق الأرض والسماء وما فيهما وما بينهما لتسبحه في السماوات الروحانية القوى العلوية وفي أرض البشرية القوى السفلية وبعزته حجب الكل عن مشاهدته وسخرهم بقدرته ليمتزجوا ويختلطوا بالفعل والانفعال [ليتولد] من الآباء العلوية والأمهات السفلية اللطيفة الأنانية المسبحة بلسان الحق لذات الرب سبحانه وتعالى أن يقدر أحد أن يذكره أو يسبح له غيره واللطيفة الأنانية الكاملة هي مرآة وجهه الكريم والمسبح لذاته عكس ذاته المنطبع في المرآة فإن لم يسبح الناظر في المرآة نفسه فكيف تقدر المرآة أن تسبحه فالمسبح عكس ذاته فتسبيحه بتسبيحه إياه فإن ظهر المسبح والمنظور هو المسبح وهو الناظر والمنظور والذاكر والمذكور {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لِمَ تَقُولُونَ مَا لاَ تَفْعَلُونَ} [الصف: 2] يا أيتها القوى المؤمنة النفسية لم تقولون إنا نجاهد العدو إذا واجهتموه وافقتموه وأعصيتم شهواته على وفق هواه ما علمتم أن الله يقول: {كَبُرَ مَقْتاً عِندَ ٱللَّهِ أَن تَقُولُواْ مَا لاَ تَفْعَلُونَ} [الصف: 3] {إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفّاً كَأَنَّهُم بُنْيَانٌ مَّرْصُوصٌ} [الصف: 4] يعني: إذا غلب في أثناء المجاهدة والخلوة جند خواطر الشيطان والقوى القالبية والنفسية لغير المزكاة على القلب فينبغي أن يكون السالك المجاهد وقواه القلبية لا يزالون عن مكانهم مواجهة العدو في صف الجهاد كأنهم قد رصَّ بعضهم ببعض لأن كيد الشيطان ضعيف إذا رأى من السالك والقوى القلبية ثبات القدم وصدقهم في المجاهدات ينهزم سيما إذا شاهد حزب الرحمن وهو أنوار الجذبة وأنوار الخواطر السرية والخفية يتولى مدبراً ويقول إني أرى ما لا ترون ويقوى السالك على حزب الشيطان بعد ذلك بحيث كلما واجهه انهزم إلا ما شاء الله لو ابتلي السالك بإيقاع الشهوات على وفق الهوى وترك الذكر فإنه يجيء كرة أخرى ويجلب بخيله ورجله للقتال فالسالك الموفق لا يخاف من كثرتهم ويعتصم بحبل الذكر ويتقلد بسيف الثقلين ويحمل عليهم ويهزمهم بقوة الولاية عند استحضاره الشيخ فبعد ذلك يضعف الشيطان والقوى القابلية والنفسية التي هي حزبه ويجب على السالك بعد ذلك رعاية القوى القلبية بحقوق الذكر ومحاسبة القوى النفسية والقالبية من الحظوظ حتى لا يلقمهم لقمة من غير حساب {وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ يٰقَوْمِ} [الصف: 5] يعني: اللطيفة السرية لقواها {لِمَ تُؤْذُونَنِي} [الصف: 5] بالافتراء علي بأن ذكري معلول بريح الهوى {وَقَد تَّعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ ٱللَّهِ إِلَيْكُمْ} [الصف: 5] فربما يذكر السالك الذكر السري ولا يصل ذوق إلى القوى النفسية المؤمنة فيفترون على اللطيفة السرية أن ذوق ذكرك لا يصل إلينا ولم نجد ذوق فعله حدثت من ريح الهوى إلى ذكرك وإن لم يكن السالك محفوظاً أو تحت ولاية الشيخ ينغصون العيش عليه فسبيل السالك في هذا المقام أن يقول إني أذكر الله لله لا للذوق وإن لم يصل إلى الذوق في الدنيا يصل في العقبى وإن لم يصل فالحكم للمولى إن ما عشت أذكر مولاي وولي وإلهي من غير طمع وأجرة ولا يكون كأجير سوء في سلوكه خاصة عند هجوم ظلمات النكرة وخمود نيران الشوق وجمود الاستعداد وركود ريح الذكر القلبي ويجتهد في الطاعات والرياضات والذكر وإن لم يجد منه راحة بل يكون في تلك الساعة كان إعطاؤه ترض بالحجارة فيجب أن يبالغ في الذكر على وجه التعظيم والهيبة حتى يفتح الله عليه باب المعرفة فيجد حينئذ أضعاف ما يجده من الذوق قبل هذه الحالة {فَلَمَّا زَاغُوۤاْ أَزَاغَ ٱللَّهُ} [الصف: 5] يعني: القوى النفسية والقالبية عن الحق بافترائهم على اللطيفة السرية {أَزَاغَ ٱللَّهُ قُلُوبَهُمْ} [الصف: 5] يعني: أمالها الله بوجوههم عن الحق {وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلْفَاسِقِينَ} [الصف: 5] الذين يفترون على نبيهم.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : وهذا بيان لعظمته تعالى وقهره، وذل جميع الخلق له تبارك وتعالى، وأن جميع من في السماوات والأرض يسبحون بحمد الله ويعبدونه ويسألونه حوائجهم، { وَهُوَ الْعَزِيزُ } الذي قهر الأشياء بعزته وسلطانه، { الْحَكِيمُ } في خلقه وأمره. { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ } أي: لم تقولون الخير وتحثون عليه، وربما تمدحتم به وأنتم لا تفعلونه، وتنهون عن الشر وربما نزهتم أنفسكم عنه، وأنتم متلوثون به ومتصفون به. فهل تليق بالمؤمنين هذه الحالة الذميمة؟ أم من أكبر المقت عند الله أن يقول العبد ما لا يفعل؟ ولهذا ينبغي للآمر بالخير أن يكون أول الناس إليه مبادرة، وللناهي عن الشر أن يكون أبعد الناس منه، قال تعالى: {أية : أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ } وقال شعيب عليه الصلاة والسلام لقومه: { وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه }.