٦١ - ٱلصَّفّ
61 - As-Saff (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
5
Tafseer
الرازي
تفسير : معناه اذكر لقومك هذه القصة، و {إِذْ } منصوب بإضمار اذكر أي حين قال لهم: {تُؤْذُونَنِى } وكانوا يؤذونه بأنواع الأذى قولاً وفعلاً، فقالوا: {أية : أَرِنَا ٱللَّهِ جَهْرَةً } تفسير : [النساء: 153]، {أية : لَن نَّصْبِرَ عَلَىٰ طَعَامٍ وٰحِدٍ } تفسير : [البقرة: 61] وقيل: قد رموه بالأدرة، وقوله تعالى: {وَقَد تَّعْلَمُونَ أَنّى رَسُولُ ٱللَّهِ } في موضع الحال، أي تؤذونني عالمين علماً قطعياً أني رسول الله وقضية علمكم بذلك موجبة للتعظيم والتوقير، وقوله: {فَلَمَّا زَاغُواْ } أي مالوا إلى غير الحق {أَزَاغَ ٱللَّهُ قُلُوبَهُمْ } أي أمالها عن الحق، وهو قول ابن عباس وقال مقاتل: {زَاغُواْ } أي عدلوا عن الحق بأبدانهم {أَزَاغَ ٱللَّهُ } أي أمال الله قلوبهم عن الحق وأضلهم جزاء ما عملوا، ويدل عليه قوله تعالى: {وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلْفَـٰسِقِينَ } قال أبو إسحق معناه: والله لا يهدي من سبق في عمله أنه فاسق، وفي هذا تنبيه على عظيم إيذاء الرسول صلى الله عليه وسلم حتى إنه يؤدي إلى الكفر وزيغ القلوب عن الهدى {وَقَدْ } معناه التوكيد كأنه قال: وتعلمون علماً يقينياً لا شبهة لكم فيه.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ} لما ذكر أمر الجهاد بيّن أن موسى وعيسى أمرا بالتوحيد وجاهدا في سبيل الله؛ وحلّ العقاب بمن خالفهما؛ أي واذكر لقومك يا محمد هذه القصة. قوله تعالى: {يٰقَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي} وذلك حين رَموْه بالأدْرَة؛ حسب ما تقدّم في آخر سورة «الأحزاب». ومن الأذى ما ذكر في قصة قارون: إنه دس إلى امرأة تَدّعي على موسى الفجور. ومن الأذى قولهم: {أية : ٱجْعَلْ لَّنَآ إِلَـٰهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ} تفسير : [الأعراف:138]. وقولهم: {أية : فَٱذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلاۤ} تفسير : [المائدة:24]. وقولهم: إنك قتلت هارون. وقد تقدّم هذا. {وَقَد تَّعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ ٱللَّهِ إِلَيْكُمْ} والرسول يحترم ويعظَّم. ودخلت «قد» على «تعلمون» للتأكيد؛ كأنه قال: وتعلمون علماً يقيناً لا شبهة لكم فيه. {فَلَمَّا زَاغُوۤاْ} أي مالوا عن الحق {أَزَاغَ ٱللَّهُ قُلُوبَهُمْ} أي أمالها عن الهُدَى. وقيل: {فَلَمَّا زَاغُوۤاْ} عن الطاعة {أَزَاغَ ٱللَّهُ قُلُوبَهُمْ} عن الهداية. وقيل: {فَلَمَّا زَاغُوۤاْ} عن الإيمان {أَزَاغَ ٱللَّهُ} عن الثواب. وقيل: أي لما تركوا ما أمِرُوا به من احترام الرسول عليه السلام وطاعة الرب، خلق الله الضلالة في قلوبهم عقوبة لهم على فعلهم.
ابن كثير
تفسير : يقول تعالى مخبراً عن عبده ورسوله وكليمه موسى بن عمران عليه السلام: أنه قال لقومه: {لِمَ تُؤْذُونَنِى وَقَد تَّعْلَمُونَ أَنِّى رَسُولُ ٱللَّهِ إِلَيْكُمْ}؟ أي: لم توصلون الأذى إلي، وأنتم تعلمون صدقي فيما جئتكم به من الرسالة؟ وفي هذا تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم فيما أصابه من الكفار من قومه وغيرهم، وأمر له بالصبر، ولهذا قال: «حديث : رحمة الله على موسى: لقد أوذي بأكثر من هذا فصبر» تفسير : وفيه نهي للمؤمنين أن ينالوا من النبي صلى الله عليه وسلم أو يوصلوا إليه أذى؛ كما قال تعالى: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لاَ تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ ءَاذَوْاْ مُوسَىٰ فَبرَّأَهُ ٱللَّهُ مِمَّا قَالُواْ وَكَانَ عِندَ ٱللَّهِ وَجِيهاً} تفسير : [الأحزاب: 69] وقوله تعالى: {فَلَمَّا زَاغُوۤاْ أَزَاغَ ٱللَّهُ قُلُوبَهُمْ} أي: فلما عدلوا عن اتباع الحق، مع علمهم به، أزاغ الله قلوبهم عن الهدى، وأسكنها الشك والحيرة والخذلان؛ كما قال تعالى: {أية : وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَـٰرَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُواْ بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِى طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ} تفسير : [الأنعام: 110] وقال تعالى: {أية : وَمَن يُشَاقِقِ ٱلرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ ٱلْهُدَىٰ وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ ٱلْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّىٰ وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَآءَتْ مَصِيراً} تفسير : [النساء: 115] ولهذا قال تعالى في هذه الآية: {وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلْفَـٰسِقِينَ}. وقوله تعالى: {وَإِذْ قَالَ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ يٰبَنِى إِسْرَٰءِيلَ إِنِّى رَسُولُ ٱللَّهِ إِلَيْكُم مُّصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَىَّ مِنَ ٱلتَّوْرَاةِ وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِى مِن بَعْدِى ٱسْمُهُ أَحْمَدُ} يعني: التوراة، قد بشرت بي، وأنا مصداق ما أخبرت عنه، وأنا مبشر بمن بعدي، وهو الرسول النبي الأمي العربي المكي أحمد. فعيسى عليه السلام هو خاتم أنبياء بني إسرائيل، وقد أقام في ملأ بني إسرائيل مبشراً بمحمد، وهو أحمد خاتم الأنبياء والمرسلين، الذي لا رسالة بعده ولا نبوة، وما أحسن ما أورد البخاري الحديث الذي قال فيه: حدثنا أبو اليمان، حدثنا شعيب عن الزهري قال: أخبرني محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : إن لي أسماء؛ أنا محمد، وأنا أحمد، وأنا الماحي الذي يمحو الله به الكفر، وأنا الحاشر الذي يحشر الناس على قدمي، وأنا العاقب» تفسير : . ورواه مسلم من حديث الزهري، به نحوه. وقال أبو داود الطيالسي: حدثنا المسعودي عن عمرو بن مرة عن أبي عبيدة عن أبي موسى قال: سمى لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم نفسه أسماء، منها ما حفظنا، فقال: «حديث : أنا محمد، وأنا أحمد، والحاشر، والمقفى، ونبي الرحمة والتوبة والملحمة» تفسير : . ورواه مسلم من حديث الأعمش عن عمرو بن مرة، به. وقد قال الله تعالى: {أية : ٱلَّذِينَ يَتَّبِعُونَ ٱلرَّسُولَ ٱلنَّبِىَّ ٱلأُمِّىَّ ٱلَّذِى يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِى ٱلتَّوْرَاةِ وَٱلإِنجِيلِ} تفسير : [الأعراف: 157] الآية، وقال تعالى: {أية : وَإِذْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَـٰقَ ٱلنَّبِيِّيْنَ لَمَآ ءَاتَيْتُكُم مِّن كِتَـٰبٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ قَالَ ءَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَىٰ ذٰلِكُمْ إِصْرِى قَالُوۤاْ أَقْرَرْنَا قَالَ فَٱشْهَدُواْ وَأَنَاْ مَعَكُمْ مِّنَ ٱلشَّـٰهِدِينَ} تفسير : [آل عمران: 81] قال ابن عباس: ما بعث الله نبياً إلا أخذ عليه العهد؛ لئن بعث محمد، وهو حي، ليتبعنه، وأخذ عليه أن يأخذ على أمته؛ لئن بعث محمد، وهم أحياء، ليتبعنه وينصرنه. وقال محمد بن إسحاق: حدثني ثور بن يزيد عن خالد بن معدان عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أنهم قالوا: يا رسول الله أخبرنا عن نفسك، قال: «حديث : دعوة أبي إبراهيم، وبشرى عيسى، ورأت أمي حين حملت بي كأنه خرج منها نور أضاءت له قصور بصرى من أرض الشام» تفسير : . وهذا إسناد جيد. وروي له شواهد من وجوه أخر، فقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، حدثنا معاوية بن صالح عن سعيد بن سويد الكلبي عن عبد الأعلى بن هلال السلمي عن العرباض بن سارية قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«حديث : إني عند الله لخاتم النبيين، وإن آدم لمنجدل في طينته، وسأنبئكم بأول ذلك: دعوة أبي إبراهيم، وبشارة عيسى بي، ورؤيا أمي التي رأت، وكذلك أمهات النبيين يرين»تفسير : . وقال أحمد أيضاً: حدثنا أبو النضر، حدثنا الفرج بن فضالة، حدثنا لقمان بن عامر قال: سمعت أبا أمامة قال: قلت: يا رسول الله ما كان بدء أمرك؟ قال: «حديث : دعوة أبي إبراهيم، وبشرى عيسى، ورأت أمي أنه يخرج منها نور أضاءت له قصور الشام»تفسير : وقال أحمد أيضاً: حدثنا حسن بن موسى، سمعت خديجاً أخا زهير بن معاوية عن أبي إسحاق عن عبد الله بن عتبة عن عبد الله بن مسعود قال: بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى النجاشي، ونحن نحو من ثمانين رجلاً، منهم عبد الله بن مسعود، وجعفر، وعبد الله بن رواحة، وعثمان بن مظعون، وأبو موسى، فأتوا النجاشي، وبعثت قريش عمرو بن العاص وعمارة بن الوليد بهدية، فلما دخلا على النجاشي، سجدا له، ثم ابتدراه عن يمينه وعن شماله، ثم قالا له: إن نفراً من بني عمنا نزلوا أرضك، ورغبوا عنا وعن ملتنا، قال: فأين هم؟ قالا: هم في أرضك، فابعث إليهم، فبعث إليهم، فقال جعفر: أنا خطيبكم اليوم، فاتبعوه، فسلم ولم يسجد، فقالوا له: ما لك لا تسجد للملك؟ قال: إنا لا نسجد إلا لله عز وجل، قال: وما ذاك؟ قال: إن الله بعث إلينا رسوله، فأمرنا أن لا نسجد لأحد إلا لله عز وجل، وأمرنا بالصلاة والزكاة. قال عمرو بن العاص: فإنهم يخالفوك في عيسى بن مريم، قال: ما تقولون في عيسى بن مريم وأمه؟ قال: نقول كما قال الله عز وجل: هو كلمة الله وروحه ألقاها إلى العذراء البتول التي لم يمسها بشر، ولم يَفْرضْها ولد، قال: فرفع عوداً من الأرض، ثم قال: يا معشر الحبشة والقسيسين والرهبان والله ما يزيدون على الذي نقول فيه ما يساوي هذا، مرحباً بكم وبمن جئتم من عنده، أشهد أنه رسول الله، وأنه الذي نجد في الإنجيل، وأنه الذي بشر به عيسى بن مريم، انزلوا حيث شئتم، والله لولا ما أنا فيه من الملك، لأتيته حتى أكون أنا أحمل نعليه وأوضئه، وأمر بهدية الآخرين، فردت إليهما، ثم تعجل عبد الله بن مسعود حتى أدرك بدراً، وزعم أن النبي صلى الله عليه وسلم استغفر له حين بلغه موته. وقد رويت هذه القصة عن جعفر وأم سلمة رضي الله عنهما، وموضع ذلك كتاب السيرة، والمقصد: أن الأنبياء عليهم السلام لم تزل تنعته وتحكيه في كتبها على أممها، وتأمرهم باتباعه ونصره وموازرته إذا بعث، وكان ما اشتهر الأمر في أهل الأرض على لسان إبراهيم الخليل والد الأنبياء بعده حين دعا لأهل مكة أن يبعث الله فيهم رسولاً منهم، وكذا على لسان عيسى بن مريم، ولهذا قالوا: أخبرنا عن بدء أمرك، يعني: في الأرض، قال: «حديث : دعوة أبي إبراهيم، وبشارة عيسى بن مريم، ورؤيا أمي التي رأت» تفسير : أي: ظهر في أهل مكة أثر ذلك، والإرهاص بذكره صلوات الله وسلامه عليه. وقوله تعالى: {فَلَمَّا جَآءَهُم بِٱلْبَيِّنَـٰتِ قَالُواْ هَـٰذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ} قال ابن جريج وابن جرير: {فَلَمَّا جَآءَهُم} أحمد، أي: المبشر به في الأعصار المتقادمة، المنوه بذكره في القرون السالفة، لما ظهر أمره وجاء بالبينات، قال الكفرة والمخالفون: {هَـٰذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ}.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَ} اذكر {إِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ يَٰقَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِى } قالوا: إنه آدر، أي منتفخ الخصية وليس كذلك، وكذبوه {وَقَدْ } للتحقيق {تَّعْلَمُونَ أَنّى رَسُولُ ٱللَّهِ إِلَيْكُمْ } الجملة حال، والرسول يحترم {فَلَمَّا زَاغُواْ } عدلوا عن الحق بإيذائه {أَزَاغَ ٱللَّهُ قُلُوبَهُمْ } أمالها عن الهدى على وفق ما قدره في الأزل {وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلْفَٰسِقِينَ } الكافرين في علمه.
الماوردي
تفسير : {فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم} وفي الزيغ وجهان: أحدهما: أنه العدول، قاله السدي. الثاني: أنه الميل، إلا أنه لا يستعمل إلا في الزيغ عن الحق دون الباطل. ويحتمل تأويله وجهين: أحدهما: فلما زاغوا عن الطاعة أزاغ الله قلوبهم عن الهداية. الثاني: فلما زاغوا عن الإيمان أزاغ قلوبهم عن الكلام. وفي المعِنيّ بهذا الكلام ثلاثة أقاويل: أحدها: المنافقون. الثاني: الخوارج، قاله مصعب بن سعيد عن أبيه. الثالث: أنه عام. {ومبشراً برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد} وهذه البشرى من عيسى تتضمن أمرين: أحدهما: تبليغ ذلك إلى قومه ليؤمنوا به عند مجيئه، وذلك لا يكون منه بعد إعلام الله له بذلك إلا عن أمر بتبليغ ذلك إلى أمته. الثاني: ليكون ذلك من معجزات عيسى عند ظهور محمد صلى الله عليه وسلم، وهذا يجوز أن يقتصر عيسى فيه على إعلام الله له بذلك دون أمره بالبلاغ. وفي تسمية الله له بأحمد وجهان: أحدهما: لأنه من أسمائه فكان يسمى أحمد ومحمداً قال حسان: شعر : صلى الإله ومن يحف بعرشه والطيبون على المبارك أحمد تفسير : الثاني: أنه مشتق من اسمه محمود، فصار الاشتقاق اسماً، كما قال حسان: شعر : وشق له من اسمه ليجله فذو العرش محمود وهذا محمد تفسير : وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "حديث : اسمي في التوراة أحيد لأني أحيد أمتي عن النار، واسمي في الزبور الماحي محا الله بي عبادة الأصنام، واسمي في الإنجيل أحمد، واسمي في القرآن محمد لأني محمود في أهل السماء والأرض. "
ابن عبد السلام
تفسير : {زَاغُواْ} عدلوا أو مالوا ولا يستعمل إلا في الميل عن الحق يريد بذلك الخوارج أو المنافقين أو عام.
ابن عادل
تفسير : قوله تعالى: {وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ} الآية. لما ذكر الجهاد، بين أن موسى وعيسى أمرا بالتوحيد، وجاهدا في سبيل الله، وحل العقاب بمن خالفهما، أي: واذكر لقومك يا محمد هذه القصة. قوله: {لِمَ تُؤْذُونَنِي}. وذلك حين رموه بالأدرة، كما تقدم في سورة الأحزاب. ومن الأذى: ما ذكر في قصة قارون أنه دس إلى امرأة تدَّعي على موسى الفجور، ومن الأذى قولهم: {أية : ٱجْعَلْ لَّنَآ إِلَـٰهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ}تفسير : [الأعراف: 138]، وقولهم: {أية : فَٱذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلاۤ إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ}تفسير : [المائدة: 124]، وقولهم: أنت قتلت هارون. قوله: {وَقَد تَّعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ ٱللَّهِ إِلَيْكُمْ}. جملة حالية. قال ابن الخطيب: و"قَدْ" معناه: التوكيد، كأنه قال: وتعلمون علماً يقيناً، لا شبهة [لكم] فيه. قوله: {أَنِّي رَسُولُ ٱللَّهِ إِلَيْكُمْ}. والمعنى: أنَّ لرسول الله يحترم يقيناً. قوله: {فَلَمَّا زَاغُوۤا}، أي: مالوا عن الحق، {أَزَاغَ ٱللَّهُ قُلُوبَهُمْ} أي: أمالهم عن الهدى. وقيل: {فَلَمَّا زَاغُوۤا} عن الطاعة، {أَزَاغَ ٱللَّهُ قُلُوبَهُمْ} عن الهداية. وقيل: {فَلَمَّا زَاغُوۤا} عن الإيمان، {أزاغ الله قلوبهم} عن الثواب. وقيل: لمَّا تركُوا ما أمرُوا به من احترام الرسول - عليه الصلاة والسلام - وطاعة الرب، "خلق" الله في قلوبهم الضلالة عقوبة لهم على فعلهم. {وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلْفَاسِقِينَ}. قال الزجاجُ: "يعني من سبق في علمه أنه فاسق". قال ابنُ الخطيب: "وهذه الآية تدلّ على عظم إيذاء الرسول، حتى إنه يؤدّي إلى الكفر، وزيغ القلوب عن الهدى". قوله: {وَإِذْ قَالَ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ}. أي اذكر لهم هذه القصة أيضاً، وقال: {يٰبَنِي إِسْرَائِيلَ} ولم يقل: "يا قوم" كما قال موسى؛ لأنه لأنه لا نسب له فيهم، فيكونون قومه، وقوله: {إِنِّي رَسُولُ ٱللَّهِ إِلَيْكُم} أي: بالإنجيل. قوله: "مُصدِّقاً" حال، وكذلك: "مُبَشِّراً" والعامل فيه: "رسول"؛ لأنه بمعنى المرسل. قال الزمخشري: فإن قلت: بم انتصب: "مصدقاً، ومبشراً" أبما في الرسول من معنى الإرسال أم بإليكم؟ قلت: بمعنى: الإرسال؛ لأن "إليكم" صلة للرسول، فلا يجوز أن تعمل شيئاً لأن حروف الجر لا تعمل بأنفسها، ولكن بما فيها من معنى الفعل، فإذا وقعت صلات لم تتضمن معنى فعل فمن أين تعمل؟ انتهى. يعني بقوله: صلات، أنها متعلقة بـ"رسول" صلة له، أي: متصل معناها به لا الصلة الصناعية. قوله: {يأتي من بعدي}، وقوله: "اسمه أحمد"، جملتان في موضع جر نعتاً لرسول. أو "اسْمهُ أحمدُ" في موضع نصب على الحال من فاعل "يأتي". أو تكون الأولى نعتاً، والثانية حالاً، وكونهما حالين ضعيف، لإتيانهما من النكرة وإن كان سيبويه يجوزه. وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو: "مِنْ بَعدِيَ" - بفتح الياء - وهي قراءة السلمي، وزرّ بن حبيش، وأبو بكر عن عاصم، واختاره أبو حاتم؛ لأنه اسم، مثل الكاف من "بعدك"، والتاء من "قمت". والباقون: قرءوا بالإسكان. وقرىء: {من بعد اسمه أحمد}، فحذف الياء من اللفظ. و "أحمدُ" اسم نبينا صلى الله عليه وسلم هو اسم علم. يحتمل أن يكون من صفة، وهي: "أفعل" التفضيل، وهو الظَّاهر، فمعنى "أحمد" أي: أحمدُ الحامدين لربِّه. والأنبياء - صلوات الله وسلامه عليهم - كلهم حمادون لله، ونبينا "أحْمَد" أكثرهم حمداً. قال البغويُّ: والألف في "أحْمَد"، للمبالغة في الحمد، وله وجهان: أحدهما: أنه مبالغة من الفاعل، أي: الأنبياء كلهم حمادون لله - عز وجل -، وهو أكثر حمداً لله من غيره. والثاني: أنه مبالغة في المفعول، أي: الأنبياء كلهم محمودون، لما فيهم من الخصال الحميدة، وهو أكثر مبالغة، وأجمع للفضائل والمحاسن التي يحمد بها، انتهى. وعلى كلا الوجهين، فمنعه من الصرف للعلمية والوزن الغالب، إلاَّ أنَّهُ على الاحتمال الأول يمتنع معرفة وينصرف نكرة. وعلى الثاني يمتنع تعريفاً وتنكيراً؛ لأنه يخلف العلمية للصفة. وإذا أنكر بعد كونه علماً جرى فيه خلاف سيبويه والأخفش، وهي مسألة مشهورة بين النحاة. وأنشد حسان - رضي الله عنه - يمدحه - عليه الصلاة والسلام - ويصرفه: [الكامل] شعر : 4764 - صَلَّى الإلَهُ ومَنْ يَحُفُّ بِعرْشِهِ والطَّيِّبُونَ على المُبَارَكِ أحْمَدِ تفسير : "أحمد": بدل أو بيان "للمُبَارك". وأما "مُحَمَّد" فمنقول من صفة أيضاً، وهو في معنى "محمود" ولكن فيه معنى المبالغة والتكرار، فـ"محمّد" هو الذي حمد مرة بعد أخرى. قال القرطبي: "كما أن المكرَّم من الكرم مرة بعد أخرى، وكذلك المدح ونحو ذلك، فاسم "محمد" مطابق لمعناه، فالله - سبحانه وتعالى - سماه قبل أن يسمي به نفسه، فهذا علم من أعلام نبوته، إذ كان اسمه صادقاً عليه، فهو محمود في الدنيا لما هدي إليه، ونفع به من العلم والحكمة، وهو محمود في الآخرة بالشفاعة، فقد تكرر معنى الحمد، كما يقتضي اللفظ، ثم إنه لم يكن محمداً حتى كان: "أحمد" حمد ربه فنبأه وشرفه، فلذلك تقدم اسم: "أحمد" على الاسم الذي هو محمد، فذكره عيسى فقال: "اسمه أحمد"، وذكره موسى - عليه الصلاة والسلام - حين قال له ربه: تلك أمة أحمد، فقال: اللهم اجعلني من أمَّة محمد، فبأحمد ذكره قبل أن يذكره بمحمد؛ لأن حمده لربه كان قبل حمد الناس له، فلما وجد وبعث، كان محمداً بالفعل، وكذلك في الشفاعة يحمد ربه بالمحامد التي يفتحها عليه، فيكون أحمد الناس لربه، ثم يشفع فيحمد على شفاعته". رُوِيَ أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : اسْمِي في التَّوراةِ أحْيَدُ؛ لأنِّي أحِيدُ أمَّتِي عن النَّارِ، واسمي في الزَّبُورِ: المَاحِي، مَحَا اللَّهُ بي عبدةَ الأوثانِ، واسْمِي في الإنجيلِ: أحْمَدُ، وفي القُرْآنِ: مُحَمَّدٌ؛ لأنِّي محمُود فِي أهْلِ السَّماءِ والأرْضِ ". تفسير : وفي الصحيح: "حديث : لِي خَمْسَةُ أسْمَاء: أنَا مُحمَّدٌ وأحمدُ، وأنا المَاحِي الذي يَمحُو اللَّهُ بِيَ الكُفر، وأنا الحَاشِرُ الذي يُحْشَرُ النَّاسُ على قدمِي، وأنَا العَاقِبُ"تفسير : . وقد تقدم. قوله: {فَلَمَّا جَاءَهُم بِٱلْبَيِّنَاتِ}. قيل: عِيْسَى. وقيل: مُحَمَّد صلى الله عليه وسلم. {قَالُواْ هَـٰذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ}. قرأ حمزة والكسائي: "ساحر" نعتاً للرجل. وروي أنها قراءة ابن مسعود. والباقون: "سحر" نعتاً لما جاء به الرسول. قال أبو حيان هنا: وقرأ الجمهور: "سحر"، وعبد الله، وطلحة والأعمش، وابن وثاب: "ساحر"، وترك ذكر الأخوين. قوله: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ} أي: لا أحد أظلم ممن افترى على الله الكذب. قوله: {وَهُوَ يُدْعَىٰ إِلَى ٱلإِسْلاَمِ}. جملة حالية من فاعل: "افْتَرَى"، وهذه قراءة العامة. وقرأ طلحة: "يدَّعي" - بفتح الياء والدال مشددة - مبنياً للفاعل. وفيها تأويلان: أحدهما: قاله الزمخشري، وهو أن يكون "يفتعل" بمعنى: "يفعل" نحو: "لمسه والتمسه". والضميران، أعني: "هو"، والمستتر في: "يدعى" لله تعالى، وحينئذ تكون القراءتان بمعنى واحد، كأنه قيل: والله يدعو إلى الإسلام. وفي القراءة الأولى يكون الضَّميران عائدين على "من". والثاني: أنه من ادّعى كذا دعوى، ولكنه لما ضمن يدّعي معنى ينتمي وينتسب عُدِّي باللام؛ وإلا فهو متعدٍّ بنفسه. وعلى هذا الوجه فالضميران لـ"من" أيضاً، كما هما في القراءة المشهورة. وعن طلحة: "يُدَّعى" - مشدد الدال - مبنياً للمفعول. وخرجها الزمخشري على ما تقدم من: ادَّعاه ودعاه بمعنى: لمسه والتمسه. والضميران عائدان على "من" عكس ما تقدم عنده في تخريج القراءة الأولى، فإن الضميران لله، كما تقدم تحريره. وهذا تعجب ممن كفر بعيسى ومحمد صلى الله عليه وسلم بعد المعجزات التي ظهرت لهما، ثم قال: {وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلظَّالِمِينَ} أي: من كان في حكمه أن يختم له بالضلالة والغي. قوله: {يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُواْ نُورَ ٱللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ}. الإطفاءُ هو الإخماد، يستعملان في النار، وفيما يجري مجراها من الضياء والظهور، ويفترق الإخماد والإطفاء من حيث إن الإطفاء يستعمل في القليل، فيقال: أطفأت السراج، ولا يقال: أخمدت السراج. وفي هذا اللام أوجه: أحدها: أنَّها مزيدة في مفعول الإرادة. قال الزمخشري: أصله {أية : يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُواْ}،تفسير : كما في سورة التوبة [32]، وكأنَّ هذه اللام، زيدت مع فعل الإرادة توكيداً له لما فيها من معنى الإرادة في قولك: جئت لإكرامك وفي قولك: "جئت لأكرمك"، كما زيدت اللام في: "لا أبا لك" توكيداً لمعنى الإضافة في: "لا أباك". وقال ابن عطية: "واللام في: "ليطفئوا" لام العلة مؤكدة، ودخلت على المفعول؛ لأن التقدير: "يريدون أن يطفئوا نور الله"، وأكثر ما تلزم هذه اللام إذا تقدم المفعول، تقول: لزيد ضربت، ولرؤيتك قصدت انتهى. وهذا ليس مذهب سيبويه، وجمهور النَّاس، ثم قول أبي محمد: "وأكثر ما يلزم" ليس بظاهر؛ لأنه لا قول بلزومها ألبتة، بل هي جائزة للزيادة، وليس الأكثر أيضاً زيادتها جوازاً، بل الأكثر عدمها. الثاني: أنَّها لام العلة والمفعول محذوف، أي: يريدون إبطال القرآن، أو دفع الإسلام، أو هلاك الرسول صلى الله عليه وسلم ليطفئوا. الثالث: أنَّها بمعنى: "أن" الناصبة، وأنها ناصبة للفعل بنفسها. قال الفرَّاء: العرب تجعل "لام كي" في موضع: "أن"، في "أراد وأمر"، وإليه ذهب الكسائي أيضاً. وقد تقدم نحو من هذا في قوله: {أية : يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ}تفسير : في سورة النساء: [الآية: 26]. فصل قال ابن عباسٍ وابن زيدٍ رضي الله عنهما: المراد بنور الله - هاهنا - القرآن، يريدون إبطاله، وتكذيبه بالقول. وقال السديُّ: الإسلام، أي: يريدون دفعه بالكلام. وقال الضحاكُ: إنَّه محمد صلى الله عليه وسلم يريدون إهلاكه بالأراجيف. وقال ابنُ جريجٍ: حجج الله ودلائله، يريدون إبطالها بإنكارهم وتكذيبهم، وقيل: إنه مثل مضروب، أي: من أراد إطفاء نور الشمس بفيه، وجده مستحيلاً ممتنعاً، كذلك من أراد إبطال الحق، حكاه ابنُ عيسى. فصل في سبب نزول هذه الآية قال الماورديُّ: سبب نزول هذه الآية، ما حكاه عطاء عن ابن عبَّاس - رضي الله عنهما - أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم أبطأ عليه الوحي أربعين يوماً، فقال كعب بن الأشرف: يا معشر اليهود، أبشروا فقد أطفأ الله نور محمد، فما كان ينزل عليه، وما كان ليتم أمره، فحزن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله هذه الآية واتصل الوحي بعدها. قوله: {وَٱللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ}. قرأ الأخوان وحفص وابن كثير: بإضافة: "متم"، لـ: "نوره". والباقون: بتنوينه ونصب: "نوره". فالإضافة تخفيف، والتنوين هو الأصل. وأبو حيَّان ينازع في كونه الأصل. وقوله: "والله متم"، جملة حالية من فاعل: "يريدون"، أو "ليطفئوا". والمعنى: والله متم نوره، أي: بإظهاره في الآفاق. فإن قيل: الإتمام لا يكون إلاَّ عند النُّقصان، فما معنى نقصان هذا النور؟. فالجواب: إتمامه بحسب نقصان الأثر وهو الظُّهور في سائر البلاد من المشارق إلى المغارب، إذ الظهور لا يظهر إلا بالإظهار، وهو الإتمام، يؤيده قوله تعالى: {أية : ٱلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ}تفسير : [المائدة: 3]. وعن أبي هريرة: إن ذلك عند نزول عيسى - عليه الصلاة والسلام - قاله مجاهد. قوله: {وَلَوْ كَرِهَ}. حال من هذه الحال فهما متداخلان، وجواب: "لو" محذوف، أي: أتمه وأظهره، وكذا {وَلَوْ كَرِهَ ٱلمُشْرِكُونَ}، والمعنى: ولو كره الكافرون من سائر الأصناف، فإن قيل: قال أولاً: {وَلَوْ كَرِهَ ٱلْكَافِرُونَ}، وقال ثانياً: {وَلَوْ كَرِهَ ٱلمُشْرِكُونَ} فما الفائدة؟. فالجواب: إذا أنكروا الرسول صلى الله عليه وسلم وما أوحي إليه من الكتاب، وذلك من نعمة الله تعالى، والكافرون كلهم في كفران النعم سواء فلهذا قال: {ولو كره الكافرون}، ولأن لفظ الكافر أعم من لفظ المشرك، فالمراد من الكافرين هنا: اليهود والنصارى والمشركون، فلفظ الكافر أليق به، وأما قوله: {وَلَوْ كَرِهَ ٱلمُشْرِكُونَ}، فذلك عند إنكارهم [التوحيد] وإصرارهم عليه، فالنبي صلى الله عليه وسلم دعاهم في ابتداء الدعوة إلى التوحيد بـ"لا إله إلا الله"، فلم يقولوا: "لا إله إلا الله"، فلهذا قال: {وَلَوْ كَرِهَ ٱلمُشْرِكُونَ}.
البقاعي
تفسير : ولما كان التخلف عن أمر الله تعالى والغفلة عن شيء يؤدي تركه إلى التهاون به والإخلال بأدب من آدابه موجباً للكون في صف الشيطان ومفارقة حزب الرحمن، فيكون أذى الرسول صلى الله عليه وسلم، فيوجب ذلك الشقاء كله لأنه جدير بأن يجر إلى أكبر منه إلى أن تحيط الخطايا فتبيح الرزايا، وكان للتذكير بالمشاهدات والأمور الواقعات ما ليس لغيره في التأديب ومرجع الترهيب، ذكر بما كان لبني إسرائيل ترهيباً من مثل حالهم، لئلا يوقع في نكالهم، حين تقاعسوا عما أمروا به من فتح بيت المقدس من الله تعالى غضب من فعلهم ذلك فسماهم فاسقين وضربهم بالتيه أربعين سنة، وأمات في تلك الأربعين كل من توانى منهم في ذلك، فلم يدخل إلى بيت المقدس منهم أحد، فحرموا البلاد التي تقاعدوا عن فتحها، وهي بعد مكة والمدينة خير بلاد الله تعالى ومهاجر أبيهم إبراهيم عليه الصلاة والسلام ومواطن أبويهما إسحاق ويعقوب عليهما الصلاة والسلام وأنزه الأرض، وأكثرها خيراً وأبركها، مع ما كانوا فيه من الضيق والنكد من التيه الذي هو طرد عن جناب الله بما أراد - بما أشار إليه التعبير عن زمنه بالسنين - إلى ما أبقوا بعدهم نم سوء الذكر وشناعة القالة إلى آخر الدهر فقال تعالى: {وإذ} عطفاً على ما تقديره: اذكروا ما فعل بعضكم - بما أشرت إليه أول هذه الآيات من الآداب من تنبيه الكفار بما قد يمنع من الفتح أو يكون سبباً في عسره أو في إهلاك خلق كثير من عبادي الذين خلقتهم في أحسن تقويم من المؤمنين وغيرهم، أو من الفرار من الكفار عند المقارعة، أو التقاعس عن اللقاء عند البعث عليه، فآذى ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي أذاه من أذى الله فحلم عنكم، وقبل بما له من بليغ الرحمة بكم والشفقة عليكم منكم، وكان أنهى ما عاتبكم به مرسله سبحانه النداء بما هو أدنى الأسنان في الإيمان في نظير إطلاقه على بني إسرائيل الفسق بالوصف المؤذن بالرسوخ: واذكروا حين {قال موسى لقومه} وهم - مع كونه منهم - ممن له قوة على ما يحاولونه: {يا قوم} استعطافاً لهم واستنهاضاً إلى رضى ربهم {لم تؤذونني} أي تجددون إذائي مع الاستمرار بالتواني في أمر الله والتقاعد عن فتح بيت المقدس مع قولي عن الله أنكم فاتحوها إن أطعمتموه وأن الله أقسم لآبائكم أنه ما نحكموها لا محالة. ولما كان هذا الاستفهام الإنكار موجباً لتوقع ما يأتي بعده من موجب التعظيم بدل الأذى، والتبجيل والانقياد موضع التوقف والإباء، قال محققاً بحرف التحقيق مضمون الكلام: {وقد} أي والحال أنكم {تعلمون} أي علمتم قطعياً مع تجدده لكم في كل وقت بتجدد أسبابه بما آتيتكم به من المعجزات وبالكتاب الحافظ لكم من الزيغ {أني رسول الله} أي الملك الأعظم الذي لا كفوء له ورسوله أيضاً يعظم ويحترم لا أنه تنتهك جلالته وتخترم {إليكم} لا أقول لكم شيئاً إلا عنه، ولا أنطق عن الهوى، فعصياني عصيانه مع أني ما قلت لكم شيئاً إلا تم، وإن كنتم قاطعين بخلافه فهي معصيته لا حامل عليها أصلاً إلا رداءة الجبلات. ولما تحنن إليهم واستعطفهم وذكرهم ما يعلمون من رسليته وصلته بالله بما شاهدوا من الآيات التي هي أعظم الإحسان إليهم، أعلم أنهم أوشكوا العصيان، فقال معبراً عن ذلك بالفاء تسبيباً عن هذا القول الذي هو أهل لأن يسبب الثبات وتعقيباً وتقريباً: {فلما زاغوا} أي تحقق زيغهم عن قرب عن أوامر الله في الكتاب الآتي إليهم بما أبوا من قبول أمره في الإقدام على الفتح {أزاغ الله} أي الذي له الأمر كله {قلوبهم} من الاستواء، وجمع الكثرة يدل على أنه لم يثبت منهم إلا القليل فهزمهم بين يدي أعدائهم وضربهم بالتيه لأنهم فسقوا عن أمر الله {فالله} - لا يهديهم، فأسند الذنب إليهم والعقوبة إليه وإن كان الكل فعله تعليماً لعباده الأدب وإعلاماً بأن أفعالهم الاختيارية ينسب إليهم كسبها ويقوم به الحجة عليهم لعدم علمهم بالعاقبة {والله} أي الملك الأعظم الذي له الحكمة البالغة لأنه المستجمع لصفات الكمال {لا يهدي} أي بالتوفيق بعد هداية البيان {القوم الفاسقين *} أي العريقين في الفسق الذين لهم قوة المحاولة فلم يحملهم على الفسق ضعف، فاحذروا أن تكونوا مثلهم في العزائم فتساووهم في عقوبات الجرائم - انتهى. ولما كان أذى النبي صلى الله عليه وسلم بمخالفة أمره تارة يكون مع العلم برسالته والإقرار بها وتارة مع الإنكار، وقدم العتاب على ما كان منه على تقدير التصديق، وذكر فيه بقصة موسى عليه الصلاة والسلام الذي كانوا يؤذونه مع العلم برسالته، وهدد بما اتفق لهم من زيغ القلوب التي هي عماد الأبدان وصلاح الإنسان، أتبعه ما يكون منه عند فرض الإنكار. ولما كان رد المنكر تارة بالعقل وتارة بالنقل، وكان الذي بالعقل يكون بنظر المعجزات ولا سيما إخراج الخبأ وقد كان منه في قصة حاطب رضي الله تعالى عنه في إخراج كتابه الذي اجتهد في إخفائه واجتهدت الظعينة الحاملة له في كتمانه ما فيه مقنع في العلم بالرسالة وتحقق الجلالة، أتبع ذلك دليلاً نقلياً تأييداً للعقل مع كونه دليلاً على صحة الإخبار بإزاغة قلوب بني إسرائيل جزاء على زيغهم عن الحق فقال: {وإذ} أي واذكروا حين {قال عيسى} ووصفه بما حقق من هو فقال: {ابن مريم} أي لقوم موسى عليهما الصلاة والسلام الذين أرسل إليهم وثبتت نبوته لديهم بالمعجزات مع إخلاص الدعوة لله وتصديق من كان قبله من أهل الله: {يا بني إسرائيل} وذكرهم بما كان عليه أبوهم من الدين وما وصى به نبيه من التمسك بالإسلام، ولم يعبر بالقوم كما قال موسى عليه الصلاة والسلام لأنه لا أب له فيهم وإن كانت أمه منهم، فإن النسب إنما هو من جهة الأب، وأكد لإنكار بعضهم فقال: {إني رسول الله} أي الملك الأعظم الذي أحاط علمه بكل شيء {إليكم} أي لا إلى غيركم، حال كوني {مصدقاً} نصبه بما في الرسول من رائحة الفعل ولا ينصب بـ"إليكم" لأنه صفة للرسول، وحروف الجر لا تعمل بأنفسها بل بما فيها من معنى الفعل، فإذا كانت صلات لم تكن متضمنة لمعنى فعل فلا تعمل، وهو الحرف الذي يسمى في غير "الكتاب العزيز" لغواً {لما بين يدي} أي تقدمني وكان من قبلي {من التوراة} التي تعلمون أن الله تعالى أنزلها على موسى عليه الصلاة والسلام وهي أول الكتب التي نزلت بعد الصحف وحكم بها النبيون، فتصديقي لها مع تأييدي لها مؤيد لأن ما أقمته من الدلائل حق ومبين أنها دليلي فيما لم أنسخه منه كما يستدل الإنسان بما قدامه من الأعلام ويراعيه ببصره. ولما ذكر أول الكتب ذكر أيضاً أول الأنبياء خلقاً وآخرهم بعثاً وهو آخر الرسل ليكون في ذلك إشارة إلى أن البشارة به في التوراة والإنجيل فقال: {ومبشراً} أي في حال تصديقي للتوراة. ولما كانت رسالته صلى الله عليه وسلم عامة لجميع الخلق لم يذكر في رسالته حرف الغاية كما ذكر في الرسالتين المذكورتين قبل فقال: {برسول} أي إلى كل من شملته المربوبية {يأتي} ولما كان إتيانه بعده بمدة طويلة أدخل الجار فقال: {من بعدي} ولما كان الإتيان بغاية البيان وإزاحة اللبس بكل اعتبار أقعد في العتاب لمن هفا بعده والأخذ لمن جفا فنقض عهده، أتى بالاسم الذي ما شارك النبي صلى الله عليه وسلم فيه أحد في زمانه ولا قبله أصلاً، ووزنه دال على المبالغة في معناه فقال: {اسمه أحمد} أي دال على أنه أبلغ الخلق حامداً ومحموداً وهو اسمه صلى الله عليه وسلم في السماء التي سيصير إليها هذا المبشر، وفي تخصيصه بالذكر احتراز عن أن يتوهم أن البعدية في الرتبة لأنه يليح بتصديره بالهمزة التي هي أول الحروف مخرجاً وأشد حروف الحلق الذي هو أول المخارج وتضمينه الميم إلى أنه صلى الله عليه وسلم كما أنه خاتم بما أشار إليه أشهر أسمائه وأعظمها "محمد" لابتدائه بالميم التي هي أمكن حروف الشفة التي هي خاتمة للحروف لأن مخرجها آخر المخارج، لا نبي بعده فهو فاتح مقدم باعتبار الذكر والشرف والحكم بالوصف الشريف لا نبي قبله في الخلق وجبت له النبوة وإن آدم لمنجدل في طينه وبين الروح والجسد كما في الحديث الذي أخرجه أحمد عن ميسرة الفجر رضي الله عنه والترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه وأخرجه البيهقي في أول دلائل النبوة وقال: إن معناه أنه كذلك في قضاء الله وتقديره، وكأنه يريد قضاء مكتوباً في أم الكتاب ومذكوراً لمن أراد من الملائكة قبل إتمام خلق آدم عليه الصلاة والسلام فإنه يحتمل أنه سبحانه وتعالى لما صور آدم عليه الصلاة والسلام جعل طينته شفافة تشف عن ذريته وجعل لصالحيهم نوراً يرى دون غيره، فلما رأوا أعظمهم نوراً سألوا عنه فأخبرهم سبحانه وتعالى به وأثبت ما أراد من أوصافه في أم الكتاب كما أنه كان نبياً بالإخبار في دعوة أبيه إبراهيم عليه الصلاة والسلام وببشارة عيسى ابن مريم عليه الصلاة والسلام وبأمارات النور الذي خرج من أمه كما في الحديث الذي رواه البيهقي في الدلائل وغيره عن العرباض بن سارية رضي الله عنه"حديث : إني عبد الله وخاتم النبيين"تفسير : وفي رواية"حديث : إني عبد الله لخاتم النبيين وإن آدم لمنجدل في طينته وسأخبركم عن ذلك؛ دعوة أبي إبراهيم وبشارة عيسى بي ورؤيا أمي التي رأت، وكذلك أمهات النبيين يرين"تفسير : وأن أم رسول الله صلى الله عليه وسلم رأت حين وضعته نوراً أضاءت له قصور الشام، فتأويل ذلك بذكره سبحانه له لملائكته مثل تأويله بدعوة إبراهيم عليه الصلاة والسلام في قوله تعالى حكاية عنه{أية : ربنا وابعث فيهم رسولاً منهم يتلو عليهم آياتك ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة}تفسير : [البقرة: 129] وبشارة عيسى عليه الصلاة والسلام في مثل حكايته عنه في هذه الآية، وتأويله بالنور الذي رأت أمه مثل تأويله بالنور الذي يحتمل أن يكون الملائكة عليهم السلام "رأوا في شفاف طينة آدم عليه السلام والله سبحانه وتعالى أعلم. وكانت سورة القتال أحق باسمه الدال على الختم لأن الختام محتاج إلى علاج في لأم ما كان من صدع الافتراق، وكذا سورة الفتح لما يلزمه من محاولة المنغلق وإزالة الأغلاق، وختام السورتين بالميم عظيم المناسبة لذلك لأن الميم اسم لتمام الظاهر المقام بالألف، وإلى ذلك إشارة رسم ألف التنوين في الفتح بعد الميم مع أنه لا يخلو من إشارة إلى أنه الفاتح مع كونه الخاتم، ويؤيد ذلك افتتاح السورة بأول حروف الاسم المليح إلى الفتح، وكانت هذه السورة أحق به لأنه أدل دال على الاتفاق واجتماع الكلمة دون اختلاف وافتراق، كما كان عند نزول آدم عليه الصلاة والسلام وبعده بمدة، وإلى ذلك أشار ختمها وختم نظيرتها الصافات بالنون الذي هو مظهر مبين محيط بما أظهره، فهو مبشر لهذه الأمة بالاجتماع والظهور على الاسم الذي يحيط آخره بجميع أهل الأرض على زمن المبشر عيسى عليه السلام المؤيد للمبشر به بتجديد أمره وإقامة دينه صلى الله عليه وسلم، وآخر هذه نتيجة آخر الصافات بالحمد الذي هو الإحاطة بأوصاف الكمال - والله تعالى أعلم بالصواب". ذكر ما يصدق هذه الآية من الإنجيل من تصديقه للتوارة وبشارته بأحمد صلى الله عليه وسلم، قال: وكان رجل مريض اسمه العازر من بيت عنيا وهو أخو مريم ومرتا، فأرسلت الأختان إلى يسوع أن الذي تحبه مريض، فأقام في الموضع الذي هو فيه يومين ثم قال لتلاميذه: امضوا بنا إلى اليهودية، فقال له تلاميذه: الآن يا معلم أراد اليهود رجمك وأنت تريد المضي إليهم، فقال: إن العازر حبيبنا قد نام، فأنا انطلق فاوقظه، فقال: يا سيدنا، إن كان نائماً فهو يستيقظ، فقال العازر مات، فأقبلوا إلى بيت عنيا، فإذا له أربعة أيام في القبر وكانت بيت عنيا من يروشليم على نحو خمس عشرة غلوة، وكان كثير من اليهود قد جاؤوا إلى مرتا ومريم يعزوهما، فلما سمعت مرتا بقدوم يسوع خرجت لتلقاه فقالت له: يا سيد، لو كنت ههنا لم يمت أخي وأنا أعلم أن الله يعطيك كل ما سألته، قال: سيقوم أخوك، قالت: أنا أعلم أنه سيقوم في القيامة، ثم جاءت مريم للقائه، فظن اليهود الذين كانوا يعزونها أنها تذهب إلى القبر فتبعوها، فلما انتهت إلى المكان الذي كان فيه يسوع خرت على قدميه ساجدة، فلما رآها تبكي ورأى اليهود الذين كانوا معها قال: أين وضعتموه؟ فقالوا له: يا سيد، تعالى وانظر، فدمع يسوع فقال اليهود: انظروا كيف كان يحبه، فقال ناس منهم: أما كان هذا الذي فتح عيني الأعمى يقدر أن يجعل هذا لا يموت، فجاء إلى القبر وكان مغارة وعليه حجر موضوع فقال: ارفعوا الصخرة، فقالت له مرتا أخت الميت: يا سيد، إنه قد أنتن لأن له أربعة أيام، قال لها يسوع: ألم أقل لك إن آمنت رأيت مجد الله، فرفعوا الصخرة فرفع يسوع بصره إلى فوق وقال: أشكرك، لأنك تسمع لي، أقول هذا من أجل هذا الجمع ليؤمنوا أنك أرسلتني، قال هذا القول ونادى بصوت عظيم وصاح: عازر اخرج، فخرج الميت ويداه ورجلاه ملفوفة باللفائف ووجهه ملفوف بعمامة، فقال يسوع: حلوه ودعوه يمضي، وإن كثيراً من اليهود الذين جاؤوا إلى مريم لما رأوا ما صنع يسوع آمنوا، ومضى قوم منهم إلى الفريسيين فأخبروهم، فجمع عظماء الكهنة والفريسيون محفلاً فقالوا: ماذا نصنع إذ كان هذا الرجل يعمل آيات كثيرة وإن تركناه فيؤمن به جميع الناس وتأتي الروم فتنقلب على أمتنا وموضعنا، وإن واحداً منهم اسمه قيافاً كان أعظم الكهنة في تلك السنة قال لهم: إنه خير لنا أن يموت واحد من الشعب من أن تهلك الأمة كلها - إلى آخر ما مضى في النساء عند قوله تعالى:{أية : وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم} تفسير : [النساء: 157] الآيات، نرجع إلى متى قال: حينئذ ذهب الفريسيون وتشاوروا ليصطادوه بكلمة فأرسلوا إليه تلاميذهم والهردوسيين قائلين: يا معلم، قد علمنا أنك محق وطريق الله بالحق تعلم ولا تبالي بأحد ولا تنظر لوجه إنسان فقل لنا ما عندك، أيجوز لنا أن نعطي الجزية لقيصر أم لا؟ فعلم يسوع شرهم فقال: لماذا تجربوني يا مراؤون أروني دينار الجزية، فأتوه بدينار فقال لهم يسوع: لمن هذه الصورة والكتابة؟ فقالوا: لقيصر، حينئذ قال لهم: أعطوا ما لقيصر لقيصر وما لله لله، فلما سمعوا تعجبوا وتركوه ومضوا، وقال يوحنا: فقال يسوع: أنا ماكث فيكم زماناً يسيراً، ثم انطلق إلى من أرسلني وتطلبوني فلا تجدوني، وحيث أكون أنا لستم تقدرون على المجيء إلي فقال اليهود فيما بينهم: إلى أين هذا مزمع أن يذهب حتى لا نجده، لعله مزمع أن يذهب إلى منفى اليونانيين، وقال متى: وفي اليوم جاء إليه الزنادقة القائلون: ليس قيامة، وسألوه - فذكر سؤالهم وجوابه لهم إلى أن قال في آخر جوابه: أما قرأتم ما قيل لكم من الله، وقال مرقس: في سفر موسى قول الله على العوسج إذ قال: أنا هو إله إبراهيم وإله إسحاق وإله يعقوب وأنتم تضلون كثيراً، وعبارة لوقا: فقد نبأ بذلك موسى في العليقة كما قال الرب: أنا إله إبراهيم وإله إسحاق وإله يعقوب، وقال متى: فلما سمع الجمع بهتوا من تعليمه، فلما سمع ذلك الفريسيون أنه قد أبكم الزنادقة اجتمعوا عليه جميعاً وسأله كاتب منهم ليجربه قائلاً، يا معلم! أي الوصايا أعظم في الناموس؟ قال له يسوع: تحب الرب إلهك من كل قلبك، وقال: اسمع، يا إسرائيل، الرب إلهك واحد هو، تحب إلهك من كل قلبك - انتهى، ومن كل نفسك ومن كل فكرك، هذه الوصية الأولى العظيمة، والثانية التي تشبهها أن تحب قريب مثل نفسك، قال مرقس: ليس وصية أعظم من هاتين - انتهى، في الوصيتين سائر الناموس والأنبياء يتعلق، قال مرقس: فقال له الكاتب: فحينئذ يا معلم الحق قلت أنه واحد ليس آخر غيره، وأن تحبه من كل القلب ومن كل النية ومن كل النفس ومن كل القوة، وتحب القريب مثلك، هذه أفضل من جميع الذبائح والمحترقات، فلما رأى يسوع عقله أجابه قائلاً: لست بعيدا من ملكوت الله، وقال لوقا: فقال ليسوع: ومن هو قريبي؟ قال يسوع: كان رجل نازلاً من يروشليم إلى أريحا، فوقع بين اللصوص فسلبوه وجرحوه ومضوا وتركوه مثخناً قريب الموت، واتفق أن كاهناً نزل في تلك الطريق فأبصره وجاز، وكذلك لاوي جاء إلى المكان فأبصره وجاز، وإن سامرياً جاز به، فلما رآه تحنن ودنا منه وضمد جراحاته وحمله على دابته وجاء به إلى الفندق وعني بأمره، وفي الغد أخرج بدينارين أعطاهما لصاحب الفندق وقال: اهتم به فإن أنفقت عليه أكثر من هذين دفعت لك عند عودتي، فمن من هؤلاء الثلاثة تظن أنه قد صار قريباً للذي وقع بين اللصوص، فقال له: الذي صنع معه رحمة، فقال له يسوع: اذهب أنت وافعل هكذا، وقال مرقس: فلم يتجرأ أحد أن يسأله ثم قال: وكانت جماعة كثيرة يسمعون منه بشهوة، وقال يوحنا: وآمن باسمه عند كونه بإيروشليم في عيد الفسح كثير لأنهم عاينوا الآيات التي عمل، ثم قال: وكان رجل من الفريسيين اسمه نيقوديميس رئيساً لليهود أتى إلى يسوع ليلاً وقال له: يا معلم نحن نعلم أنك من الله أتيت معلماً لأنه ليس بقدر أحد أن يعمل هذه الآيات التي تعمل أنت إلا من كان الله معه، قال متى: وحينئذ كلم يسوع الجمع وتلاميذه وقال: على كرسي موسى جلس الكتبة والفريسيون وكل ما قالوه لكم احفظوه أنتم وافعلوه، ومثل أعمالهم لا تصنعوا لأنهم يقولون ولا يفعلون، لأنهم يربطون أحمالاً ثقالاً صعبة الحمل ويحملونها على أعناق الناس ولا يريدون أن يحركوها بإصبعهم، وكل أعمالهم يصنعونها لكي يراؤوا الناس، يعرضون أرديتهم ويعظمون أطراف ثيابهم، ويحبون أول الجماعات في الولائم وصدور المجالس في المجامع والسلام في الأسواق، وأن يدعوهم الناس معلمين، فأما أنتم فلا تدعوا لكم معلماً على الأرض ولا مدبراً فإن مدبركم واحد هو المسيح، وأنتم جميعاً إخوة، ولا تدعوا لكم أباً على الأرض فإن أباكم واحد، هو الذي في السماوات، والكبير الذي فيكم يكون لكم خادماً، فمن رفع نفسه اتضع، ومن وضع نفسه ارتفع، الويل لكم أيها الكتبة والفريسيون، لأكلكم بيوت الأرامل والأيتام، لعلة تطويل صلاتكم، ومن أجل هذا تأخذون أعظم دينونة، الويل لكم أنكم تغلقون ملكوت السماوات قدام الناس فلا أنتم تدخلون ولا تتركون الداخلين يدخلون، الويل لكم أنكم تطوفون البر والبحر لتصطفوا غريباً واحداً، فإذا صار صيرتموه لجهنم ابناً مضعفاً، لكم الويل يا أيها الهداة العميان الذين يقولون: من حلف بالهيكل فليس عليه شيء، ومن حلف بذهب الهيكل يخطىء، أيها الجهال العمي أيما أعظم؟ الذهب أن الهيكل الذي يقدس الذهب، ومن حلف بالمذبح فلا شيء، ومن حلف بالقربان الذي فوقه فهو يخطىء يا جهال وعميان، أيما أعظم؟ القربان أم المذبح الذي يقدس القربان؟ ومن حلف بالمذبح فقد حلف به وبكل ما فوقه، ومن حلف بالهيكل فهو يحلف به وبالساكن فيه، ومن حلف بالسماء فهو يحلف بكرسي الله وبالجالس عليه، الويل لكم أنكم تعشرون الشبث والنعنع والكمون وتتركون أثقل الناموس الحكم والرحمة والإيمان، وقال لوقا: تعشرون النعنع والسداب وكل البقول، وترفضون حكم الله ومحبته، قد كان ينبغي أن تعقلوا هذا ولا تغفلوا عن تلك - انتهى، يا هداة عيمان الذين يتركون البعوضة ويبلعون الجمل، الويل لكم أنكم تنقون خارج الكأس والسكرجة وداخلهما مملوء اختطافاً وظلماً، أيها الأعمى، نق أولاً داخل الكأس والسكرجة لكيما يتطهر خارجهما، وقال لوقا: اعطو الرحمة فكل شيء يتطهر لكم - الويل لكم لأنكم لا تشبهون القبور المكلسة التي ترى من خارجها حسنة وداخلها مملوء عظام الأموات وكل نجس، وقال لوقا: لأنكم مثل القبور المخفية والناس يمشون عليها ولا يعلمون - انتهى. وكذلك أنتم ترون الناس ظواهركم مثل الصديقين، ومن داخل ممتلئون إثماً ورياء، قال لوقا: وأنتم أيها الكتبة الويل لكم لأنكم تحملون أوساقاً وأثقالاً وأنتم لا تدنون منها بإحدى أصابعكم، الويل لكم لأنكم أخذتم مفاتيح الغرفة فما دخلتم، ومنعتم الذين يريدون الدخول - انتهى، الويل لكم لأنكم تبنون قبور الأنبياء، قال لوقا: الذين قتلهم آباؤكم - انتهى، وتزينون مدافن الصديقين وتقولون: لو كنا في أيام آبائنا لم نشاركهم في دم الأنبياء، فأنتم تشهدون على أنفسكم أنكم أبناء قتلة الأنبياء إنكم تكملون مكيلة آبائكم، أيها الحيات أولاد الأفاعي كيف تهربون من دينونة جهنم، من أجل هذا أرسل إليكم أنبياء وحكماء وكتبة فتقتلون منهم وتصلبون وتجلدون منهم في مجامعكم وتطردونهم من مدينة إلى مدينة لكي يأتي عليكم دم الصديقين المسفوك على الأرض، وقال لوقا: وأنتم تشهدون وتسرون بأعمال آبائكم لأنهم قتلوهم وأنتم تبنون قبورهم، ولهذا قالت حكمة الله: هوذا أرسل إليهم أنبياء ورسلاً فيقتلون منهم ويطردونهم لينتقم عن دم جميع الأنبياء الذي أهريق من أول العالم إلى هذا الجيل. وقال متى: من دم هابيل الصديق إلى دم زكريا بن براشيا الذي قتلتموه بين الهيكل والمذبح، الحق أقول لكم إن هذا كله يأتي على هذا الجيل، يا أروشليم، يا قاتلة الأنبياء وراجمة المرسلين إليها كم من مرة أردت أن أجمع بنيك فيك كما تجمع الدجاجة فراخها تحت جناحيها فلم تريدوا، هوذا يترك بينكم لكم خراباً، أنا أقول لكم: إني لا تروني من الآن حتى تقولوا: مبارك الآتي باسم الرب، وقال مرقس: ثم جاء يسوع عند باب الخزانة ينظر الجمع يلقي نحاساً في الخزانة وأغنياء كثير ألقوا كثيراً، فجاءت امرأة أرملة مسكينة، فألقت فلسين فاستدعى تلاميذه وقال لهم: الحق أقول لكم، إن هذه الأرملة المسكينة ألقت أكثر من الكل الذين ألقوا في الخزانة، لأن الكل القوا من فضل ما عنده، وهذه ألقت مع مسكنتها كل ما لها، ثم خرج من الهيكل - انتهى. هذا ما فيه الدلالة على الرسالة وتصديق التوراة، وأما البشارة بمحمد صلى الله عليه وسلم فقد تقدم في هذا الكتاب مفرقاً في السور كالأعراف والنساء وغيرهما، وقال ابن هشام في تهذيب السيرة النبوية جمع ابن إسحاق، قال ابن إسحاق: وقد كان فيما بلغني عما كان وضع عيسى ابن مريم عليهما الصلاة والسلام فيما جاءه من الله تعالى في الانجيل لأهل الإنجيل من صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم مما أثبت يحنس الحواري لهم حين نسخ لهم الإنجيل عن عهد عيسى ابن مريم في رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم أنه قال: من أبغضني فقد أبغض الرب، ولولا أني صنعت بحضرتهم صنائع لم يصنعها أحد قبلي ما كانت لهم خطيئة، ولكن من الآن بطروا وظنوا أنهم يعزونني وأيضاً للرب ولكن لا بد أن تتم الكلمة التي في الناموس أنهم أبغضوني مجاناً أي باطلاً فلو قد جاء المنحمنا هذا الذي يرسله الله إليكم من عند الرب روح القدس هذا الذي من عند الرب خرج فهو شهيد عليّ وأنتم أيضاً لأنكم قديماً كنتم معي في هذا قلت لكم لكي لا تشكوا. فالمنحمنا بالسريانية محمد صلى الله عليه وسلم وهو بالرومية البارقليطس - انتهى. ولما تم الدليل النقلي على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وعلى كونه أشرف الأنبياء فاتحاً لهم وخاتماً عليهم، دل على إلزام بني إسرائيل الزيغ فقال: {فلما جاءهم} أي عيسى أو محمد صلى الله عليه وسلم بني إسرائيل وغيرهم {بالبينات} أي من المعجزات العظيمة التي لا يسوغ لعاقل إلا التسليم لها ومن الكتاب المبين {قالوا} أي عند مجيئها سواء من غير نظرة لتأمل ولا غيره: {هذا} أي المأتي به من البينات أو الآتي بها على المبالغة كما دل عليه قراءة حمزة "ساحر" إشارة بالإشارة إلى القريب بعد الإشارة - بفاء التعقب إلى شدة اتصال الكفر بأول أوقات المجيء: {سحر} فكانوا أول كافر به، لأن هذا وصف لهم لازم سواء بلغهم ذلك وهم بمفردهم أو منضماً إليهم غيرهم {مبين *} أي في البيان في سحريته حتى أن شدة ظهوره في نفسه لكل من رآه أنه سحر عناداً منهم ومكابرة للحق الذي لا لبس فيه.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {فَلَمَّا زَاغُوۤاْ أَزَاغَ ٱللَّهُ قُلُوبَهُمْ} [الآية: 5]. قال جعفر: لما تركوا أوامر الخدمة نزع الله نور الإيمان من قلوبهم وجعل للشيطان إليهم طريقًا فزاغه عن طريق الحق وأدخله فى مسالك الباطل. قال الواسطى: لما زاغوا عن القربة فى العلم أزاغ الله قلوبهم فى الخلقة.
القشيري
تفسير : لمَّا زاغوا بِتَرْكِ الحدِّ أزاغ اللَّهُ قلوبهم بنقض العهد. ويقال: لمَّا زاغوا عن طريق الرُّشْدِ أزاغ الله قلوبَهم بالصدِّ والردِّ والبُعْدِ عن الوُدِّ. ويقال: لما زاغوا بظواهرهم أزاغ الله سرائرَهم. ويقال: لمَّا زاغوا عن خدمة الباب أزاغ اللَّهُ قلوبهم عن التشوُّق إلى البساط. ويقال: لمَّا زاغوا عن العبادة أزاغ اللَّهُ قلوبَهم عن الإرادة.
البقلي
تفسير : قوله تعالى {فَلَمَّا زَاغُوۤاْ أَزَاغَ ٱللَّهُ قُلُوبَهُمْ} وصف قوما لهم استعداد الطاعة والمعرفة واراهم سبيل الرشد وخلق فى نفوسهم حظوظ الهوى فتركوا الحق واتبعوا هو اهم فطمس الله اعين قلوبهم عن مشاهدة الغيب وهذا فتنة اهلكت اكثر القاصدين فى اوايل قصودهم قال جعفر لما تركوا او امر الخدمة نزع من قلوبهم نور الايمان وجعل الشيطان اليهم طريقا فزاغهم عن طريق الحق وادخلهم فى مسالك الباطل وقال الواسطى لما زاغوا عن القربة فى العلم ازاغ الله قلوبهم فى الخلقة قال الاستاذ لما زاغوا عن العبادة ازاغ الله قلوبهم عن الارادة.
اسماعيل حقي
تفسير : {واذ قال موسى لقومه} كلام مستأنف مقرر لما قبله من شناعة ترك القتال واذ منصوب على المفعولية بمضمر خوطب به النبى عليه السلام بطريق التلوين اى اذكر لهؤلاء المؤمنين المتقاعدين على القتال وقت قول موسى لبنى اسرآئيل حين ندبهم الى قتال الجبابرة بقوله {أية : ياقوم ادخلوا الارض المقدسة التى كتب الله لكم ولاترتدوا على ادباركم فتنقلبوا خاسرين}تفسير : فلم يمتثلوا بأمره وعصوه أشد عصيان حيث {أية : قالوا ياموسى ان فيها قوما جبارين وانا لن ندخلها حتى يخرجوا منها فان يخرجوا منها فانا داخلون}تفسير : الى قوله {أية : فاذهب أنت وربك فقاتلا انا ههنا قاعدون}تفسير : واصروا على ذلك وآذوه عليه السلام كل الأذية كذا فى الاشاد. يقول الفقير لاشك ان قتل الآعداء من باب التسبيح لانهم الذين قالوا اتخذ الله ولدا وعبدوا معه الاصنام فكان فى مقالتهم توسيع ساحة التنزيه ولذا بدأ الله تعالى فى عنوان السورة بالتسبيح وأشار بلفظ الحكيم الى ان القتال من باب الحكمة وانه من باب دفع القضاء بالقضاء على مايعرفه اهل الله وبلفظ العزيز الى غلبة المؤمنين المقاتلين ثم انهم كرهوا ذلك كأنهم لم يثقوا بوعد الله بالغلبة ووقعوا من حيث لم يحتسبوا فى ورطة نسبة العجز الى الله سبحانه ولذا تقاعدوا عن القتال وبهذا التقاعد حصلت الاذية له عليه السلام لان مخالفة اولى الامر اذية لهم فأشار الحق تعالى بقصة موسى الى ان الرسول حق وان الخروج عن طاعته فسق وان الفاسق مغضوب الله تعالى لان الهداية من باب الرحمة وعدمها من باب السخط والعياذ بالله تعالى من سخطه وغضبه وأليم عذابه وعقابه {ياقوم} اى كروه من، فأصله ياقومى ولذا تكسر الميم ولولا تقدير الياء لقيل ياقوم بالضم لانه حينئذ يكون مفردا معرفة فيبنى على الضم وهو ندآء بالرفق والشفقة كما هو شأن الانبياء ومن يليهم {لم تؤذوننى} جرامى رنجانيد مرا، اى بالمخالفة والعصيان فيما امرتكم به والا ذى مايصل الى الانسان من ضرر اما فى نفسه او فى جسمه او قنياته دنيويا كان او أخرويا قال فى القاموس آذى فعل الأذى وصاحبه اذى واذاة واذية ولا تقل ايذآء انتهى فلفظ الايذآء فى افواه العوام من الاغلاط وربما تراه فى عبارات بعض المصنفين {وقد تعلمون انى رسول الله اليكم} جملة حالية مؤكدة لانكار الأذية ونفى سببها وقد لتحقيق العلم لا للتوقع ولا للتقريب ولا للتقليل فانهم قالوا ان قد اذا دخلت على الحال تكون للتحقيق واذا دخلت على الاستقبال تكون للتقليل وصيغة المضارع للدلالة على استمرار العلم اى والحال انكم تعلمون علما قطعيا مستمرا بمشاهدة ماظهر بيدى من المعجزات انى مرسل من الله اليكم لأرشدكم الى خير الدنيا والآخرة ومن قضية علمكم بذلك أن تبالغوا فى تعظيمى وتسارعوا الى طاعتى فان تعظيمى تعظيم لله واطاعتى اطاعة له وفيه تسلية للنبى عليه السلام بأن الاذية قد كانت من الامم السالفة ايضا لأنبيائهم والبلاء اذا عم خف وفى الحديث "حديث : رحمة الله على أخى موسى لقد اوذى باكثر من هذا فصبر"تفسير : وذلك انه عليه السلام لما قسم غنائم الطائف قال بعض المنافقين هذه القسمة ماعدل فيها وما أريد بها وجه الله فتغير وجهه الشريف وقال ذلك {فلما زاغوا} الزيغ الميل عن الاستقامة والتزايغ التمايل اى اصروا على الزيغ عن الحق الذى جاء به موسى واستمروا عليه {ازاغ الله قلوبهم} اى صرفها عن قبول الحق والميل الى الصواب لصرف اختيارهم نحو الغى والضلال وقال الراغب فى المفردات اى لما فارقوا الاستقامة عاملهم بذلك وقال جعفر لما تركوا او امر الخدمة نزع الله من قلوبهم نور الايمان وجعل للشيطان اليهم طريقا فأزاغهم عن طريق الحق وادخلهم فى مسالك الباطل وقال الواسطى لما زاغوا عن القربة فى العلم ازاغ الله قلوبهم فى الخلقة وقال بعضهم لما زاغوا عن العبادة ازاغ الله قلوبهم عن الارادة يقول الفقير لما زاغوا عن رسالة موسى ونبوته أزاغ الله قلوبهم عن ولايته وجمعيته فهم رأوا موسى على انه موسى لا على انه رسول نبى فحرموا من رؤية الحق تعالى {والله لايهدى القوم الفاسقين} اعتراض تذييلى مقرر لمضمون ماقبله من الازاغة وموذن بعليته اى لايهدى القوم الخارجين عن الطاعة ومنهاج الحق المصرين على الغواية هداية موصلة الى البغية لاهداية موصلة الى مايوصل اليها فانها شاملة للكل والمراد جنس الفاسقين وهم داخلون فى حكمهم دخولا اوليا ووصفهم بالفسق نظرا الى قوله تعالى {أية : فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين}تفسير : وقوله تعالى {أية : فلا تأس على القوم الفاسقين}تفسير : قال الامام هذه الآية تدل على عظم اذى الرسول حتى انه يؤدى الى الكفر وزيغ القلوب عن الهدى انتهى، ويتبعه اذى العالمين الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر لان العلماء ورثة الانبياء فأذاهم فى حكم أذاهم فكما ان الانبياء والاولياء داعون الى الله تعالى على بصيرة فكذلك رسل القلوب فانهم يدعون القوى البشرية والطبيعية من الصفات البشرية السفلية الى الاخلاق الروحانية العلوية ومن ظلمة الخلقية الى نور الحقية فمن مال عن الحق وقبول الدعوة لعدم الاستعداد الذاتى ضل بالتوجه الى الدنيا والاقبال عليها فأنى يجد الهداية الى حضرة الحق سبحانه
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحقّ جلّ جلاله: واذكر يا محمد لهؤلاء المعرضين عن الجهاد قول موسى لبنى إسرائيل، حين ندبهم إلى قتل الجبابرة، بقوله: {أية : يَٰقَوْمِ ٱدْخُلُوا ٱلأَرْضَ ٱلمُقَدَّسَةَ} تفسير : [المائدة:21] الآية، فلم يمتثلوا أمره، وعصوه أشد عِصيان، حيث قالوا: {أية : يَٰمُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ...} تفسير : [المائدة:22] الآية، إلى أن قالوا: {أية : فَٱذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ...} تفسير : [المائدة:24] الآية. وآذوه عليه السلام كل الإذاية فقال: {يا قوم لِمَ تُؤذونني وقد تعلمون أني رسولُ الله إِليكم}، فالجملة: حال، والحال أنكم تعلمون عِلماً قطعياً، مستمراً، بمشاهدة ما ترون من المعجزات الباهرة، أني رسولُ الله إليكم، لأُرشدكم إلى خير الدنيا والأخرة، ومِن قضية عِلْمكم أن تُبالغوا في تعظيمي، وتُسارعوا إلى طاعتي، {فلما زاغوا} أي: أصرُّوا على الزيغ عن الحق الذي جاءهم به، واستمروا عليه {أزاغ اللهُ قلوبَهم}؛ صرفها عن قبول الحق، والميل إلى الصواب، لصرف اختيارهم نحو الغيّ والإضلال، {واللهُ لا يهدي القوم الفاسقين} أي: لا يهدي القوم الخارجين عن الطاعة ومنهاج الحق، المصرِّين على الغواية، هدايةً موصّلَة إلى الطاعة وحسن الأدب، والمراد بهم المذكورون خاصة، والإظهار في موضع الإضمار لذمِّهم بالفسق وتعليل عدم الهداية، أو جنس الفاسقين، وهم داخلون في حكمهم دخولاً أوليًّا، وأَيًّا ما كان فوصفهم بالفسق نظر إلى ما في قوله تعالى: {أية : فٱفْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ ٱلْقَوْمِ ٱلْفَاسِقِينَ }تفسير : [المائدة:25]، هذا الذي تقتضيه جزالة النظم الكريم، ويرتضيه الذوق السليم. انظر أبا السعود. {وإِذ قال عيسى ابنُ مريم يا بني إِسرائيلَ}، لم يقل: يا قوم، كما قال موسى، لأنه لا نسب له فيهم من جهة الأب, حتى يكونوا مِن قومه: {إِني رسولُ الله إِليكم}، كان رسولاً لهم ولمَن دخل معهم، كالنصارى، {مُصَدِّقًا لما بين يديَّ مِن التوراة}، وهو من إحدى الدواعي إلى تصديقهم إياه، {ومُبشِّرًا برسولٍ يأتي من بعدي}، وهو من الدواعي أيضاً إلى تصديقه؛ لأنَّ بشارته به عليه السلام واقعة في التوراة، أي: أُرسلت إليكم في حال تصديقي للتوراة، وفي حال بشارتي برسول يأتي من بعدي، يعني: أنَّ ديني التصديق بكتب الله وأنبيائه، مَن تقدّم ومَن تأخّر، وهذا الرسول {اسمُه أحمدُ} وهو محمد صلى الله عليه وسلم. قال القشيري: كل نبيًّ بشّر قومَه بنبيِّنا صلى الله وعليه وسلم، وأفرد اللهُ عيسى بالذِّكْرِ في هذا الموضع لأنه أخِرُ نبيِّ قبل نبيِّنا صلى الله عليه وسلم، فبيّن أنّ البشارة به عَمَّتْ جميعَ الأنبياء واحداً بعد واحدٍ حتى انتهى إلى عيسى عليه السلام. هـ. قال الكواشي: و"أحمد" بناء مبالغة، والمعنى: أنَّ الأنبياء كلهم حمّادون الله، وهو أكثر حمداً مِن غيره، وكلهم محمودون لِما فيهم جميل الأخلاق، وهو أكثرهم خِلالاً حميدة. ثم قال: وعن كعب: قال الحواريون: يا روح الله؛ هل بعدنا من أمة؟ قال: نعم، أمة أحمد، حكماء، علماء، أبراراً، أتقياء، كأنهم من الفقه أنبياء، يرضون من الله باليسير من الرزق، ويرضى باليسير من العمل. هـ. وقال السهيلي: في اسمه " أحمد ومحمد" إشارة إلى كونه خاتماً؛ لأنَّ الحمد مشروع عند انقضاء الأمور واختتامها وتمامها.هـ. {فلما جاءَهم} أيك عيسى، أو محمد ـ عليهما السلام ـ {بالبيناتِ}؛ المعجزات الظاهرة، {قالوا هذا سِحرٌ مبين}؛ ظاهر سحريته، وقرأ الإخوان " ساحر " وصف للرسول. {ومَن أظلمُ ممن افترى على الله الكذبَ وهو يُدْعَى إِلى الإِسلام} أي: أيّ الناس أشد ظلماً ممن يُدْعى إلى سعادة الدارين، فيضع موضع الإجابة الافتراءَ على الله عزّ وجل، بقوله لكلامه الذي دعا عباده إلى الحق: هذا سحر؟ أي: هو أظلم من كل ظالم، {واللهُ لا يهدي القومَ الظالمين} أي: لا يُرشدهم إلى ما فيه صلاحهم؛ لعدم توجههم إليه. {يُريدون لِيُطفئوا نورَ الله بإفواههم} أي: دينه أو: كتابه، أو حجته النيِّرة، واللام مزيدة، أي: يُريدون إطفاءَ نور الله، أو للتعليل والمفعول محذوف، أي: يريدون الكذب ليُطفئوا نورَ الله، وهو تهكُّم بهم في إرادتهم إبطال الإسلام، بقولهم في القرآن: هذا سحر، مُثِّلت حالهم بحال مَن ينفخ في نور الشمس بفيه ليطفئه، {والله مُتِم نُوره} أي: مبلغه إلى غاية يُنشره في الآفاق، ويُعليه على الأديان {ولو كَرِه الكافرون}. {هو الذي أرسل رسولَه بالهُدى}؛ بالقرآن، أو بالمعجزات، أو بالهداية {ودين الحق}؛ الملة الحنيفية {ليُظهره على الدين كلِّه} أي: ليعليه على جميع الأديان المخالفة له, ولقد أنجز الله ـ عزّ وعلا ـ وعده، حيث جعله بحيث لم يبقَ دين من الأديان إلاَّ وهو مغلوب مقهور بدين الإسلام. وعن مجاهد: إذا نزل عيسى لم يكن إلا دين الإسلام. هـ. {ولو كَرِه المشركون} ذلك، قال الطيبي: قوله تعالى: {ومَن أظلم...} الخ، حذَّر تعالى مما لقي قوم موسى من إزاغة القلوب، والحرمان من التوفيق، بسبب الأذى، وما ارتكب قوم عيسى بعد مجيئه بالبينات من تكذيبه وقولهم فيه: "هذا سحر مبين"، ألاَ ترى كيف جمع الكل في قوله: {ومن أظلم...} الآية، قال: وقضية الدعوة إلى الإسلام توقير مَن يدعو إليه، وإجابة دعوته. ثم قال: وأمّا قوله: {والله لا يهدي القوم الظالمين} هو تذييل لقوله: {ومَن أظلم ممن أفترى...} الآية؛ لأنّ الظلم هو: وضع الشيء في غير محله، وأيُّ ظلم أعظم من جعل إجابة الداعي إلى الله مفترياً؟! والكفر: التغطية ومحاولة إطفاء النور إخفاء وتغطية، ودين الحق هو التوحيد، والشركُ يقابله، ولذلك قال: {ولو كره المشركون}. هـ. الإشارة: سوء الأدب مع الأكابر، وإذايتهم، سبب كل طرد وبُعد، وسبب كلّ ذُل وهوان، وحسن الأدب معهم وتعظيمهم، سبب كُلِّ تقريب واصطفاء، وسبب كُلِّ عز ونصر، ولذلك قال الصوفية: "اجعل عَمَلك مِلحًا، وأدبك دقيقًا". ألآ ترى بنى إسرائيل حين أساؤوا الأدب مع نبي الله موسى بقولهم: {أية : فَـٱذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَـٰتِلآ...} تفسير : [المائدة:24] الخ كيف أذلَّهم الله وأخزاهم إلى يوم القيامة، وانظر أصحابَ نبينا صلى الله عليه وسلم حيث تأدّبوا غاية الأدب، وقالوا يوم بدر: " لا نقول كما قالت بنو إسرائيل: اذهب أنت وربك، ولكن اذهب أنت وربك ونحن معك، والله لو خُضت بنا ضحضاح البحر لخضناه معك" كيف أعزَّهم الله ونصرهم على سائر الأديان، ببركة حُسن أدبهم ـ رضي الله عنهم وأرضاهم. ثم حضَّ على الجهاد المقصود بالذات، فقال: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ هَلْ أَدُلُّكمْ}.
الجنابذي
تفسير : {وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ} اى ذكّرهم اذ قال موسى (ع) {لِقَوْمِهِ يٰقَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَد تَّعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ ٱللَّهِ إِلَيْكُمْ} حتّى يتذكّروا بقبح فعل قوم موسى (ع) وغايته المترتّبة عليه فارتدعوا من ايذائك او ايذاء عترتك بعدك {فَلَمَّا زَاغُوۤاْ} عن الحقّ {أَزَاغَ ٱللَّهُ قُلُوبَهُمْ} عن الاستقامة الانسانيّة وجعلهم منكوساً رؤسهم {وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلْفَاسِقِينَ} تعريض بمن خرج عن قول الرّسول (ص) فى حقّ علىٍّ (ع) او مطلقاً، يعنى من لا يهديه الله لا يقبل الحقّ ولو أتى بالف آيةٍ والله لا يهدى القوم الفاسقين وانّكم يا قوم محمّد (ص) فسّاق بالخروج عن قوله وعدم طاعته.
الهواري
تفسير : قوله عز وجل: {وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَد تَّعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ} يعني الخاصة الذين يعلمون أنه رسول الله، الذين كذبوه وآذوه، فكان مما أذوه به أن زعموا أنه آدر. وقد فسّرنا ذلك في سورة الأحزاب. قوله عز وجل: {فَلَمَّا زَاغُواْ أَزَاغَ اللهُ قُلُوبَهُمْ} والزيغ الشرك، أي: فلما ضلوا أضلهم الله بضلالتهم. {وَاللهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ} أي: المشركين، يعني الذين يلقون الله بشركهم. قوله عزّ وجلّ: {وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُم مُّصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ}. ذكروا عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: حديث : أنا أحمد وأنا محمد، وأنا الماحي الذي يمحو الله بي الكفر، وأنا الحاشر الذي يحشر الناس على عقبي، وأنا العاقب، يعني الآخر . تفسير : قال الله عز وجل: {فَلَمَّا جَآءَهُم بِالْبَيِّنَاتِ} أي بالإنجيل {قَالُواْ هَذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ}. قال الله تعالى: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللهِ الْكَذِبَ وَهُوَ يُدْعَى إِلَى الإِسْلاَمِ} أي: لا أحد أظلم منه. {وَاللهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} أي: المشركين الذين يلقون الله بشركهم. قال: {يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُواْ نُورَ اللهِ بِأَفْوَاهِهِمْ} أي: بتكذيبهم وبقتالهم. ونوره القرآن والإِسلام، أرادوا أن يطفئوه حتى لا يكون إيمان ولا إسلام {وَاللهُ مُتِمُّ نُّورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ}.
اطفيش
تفسير : {وَإِذَ} مفعول لاذكر قال جار الله: أو حين قال لهم ما قال كان كذا وكذا {قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ} بني اسرائيل {يَقَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِى} تضرونني بالعصيان والرمي بكونه ادر أي كبير الخصيين وتكذيبه وعبادة البقر وطلب رؤية الله وغير ذلك. {وَقَد} للتحقيق {تَّعْلَمُونَ أَنِّى رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ} الواو للحال واليكم متعلق برسول ومن حق الرسول ان يعظم ولا يؤذى {فَلَمَّا زَاغُوا} أي قوم موسى أي عدلوا عن الحق {أزَاغَ اللهُ قُلُوبَهُمْ} عن قبول الحق أو طبعها أو كثر ميلها عن الحق عقوبة عن الذنب بالذنب. {وَاللهُ لا يَهْدِى القَوْمَ الفَاسِقِينَ} لا يوفقهم ذكر مقالة موسى ليحذر المؤمنون ما وقع فهي هؤلاء من العصيان.
اطفيش
تفسير : {وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَد تَّعْلَمُونَ أنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ} اذكر يا محمد لقومك المعرضين عن القتال ليتركوا الإِعراض عنه وللمقاتلين غير المعرضين ليدوموا على ذلك، ويزدادوا وقت قول موسى عليه السلام لقومه: لم تضروننى بترك قتال الجبارين الذى أمركم الله تعالى به حتى قلتم إِن فيها قوماً جبارين إِلخ وحتى قلتم اذهب أنت وربك فقاتلا، والحال أنكم معتقدون لرسالتى من الله عز وجل لأرشدكم إِلى خير الدنيا والآخرة بالمعجزات الباهرة كالعصا والإِنجاء من الغرق بفرق البحر وإِغراق عدوكم، ويجوز تعليق إِذ بمحذوف تقديره بعد إِليكم زاغوا أو أصروا أو ضلوا لا قبل إِذ ليعود الضمير إِلى متقدم وذلك لمناسبة ما قبله من القتال أولى من تفسير الإِيذاء بالإِدرة التى يكذبون بها عليه، أو برص كذلك وعبادة البقر وطلب رؤية الله تعالى والتكذيب ببعض آيات الله تعالى وعدم الصبر على طعام واحد {فَلَمَّا زَاغُوا} مالوا عن الحق وقبوله زيغا أولا أو زيغاً غير أول وذلك باختيارهم وهو أيضاً مخلوق لله تعالى {أزَاغَ اللهُ قُلُوبَهُمْ} أبقاها على الزيغ أو لما اختاروا الزيغ أحدثه الله فى قلوبهم أو لما أصروا على الزيغ زادهم الله زيغاً أو لما زاغوا بأَلسنتهم وجوارحهم عن قلوبهم أرسخ الله الزيغ فيها أو لما كانوا على حال تؤدى إِلى الزيغ كقسوة القلب واتباع الشهوة أزاغ الله قلوبهم. {وَاللهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ} أى لا يهديهم إِلى هؤلاء المذكورين ولكن أظهر ليذمهم بالفسق الموجب للزيغ ويقاس عليهم لتعليق الحكم بالمشتق أو المراد عموم الفاسقين فيدخل هؤلاء أولا والمراد هدى توفيق وعصمة وأما هدى البيان فعمت كل مكلف ولو شقياً وذلك كقوله تعالى: {أية : فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين} تفسير : [المائدة: 25]. وقوله تعالى: {أية : فلا تأْس على القوم الفاسقين} تفسير : [المائدة: 26].
الالوسي
تفسير : وقوله تعالى: {وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ يَـٰقَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِى } كلام مستأنف مقرر لما قبله من شناعة ترك القتال {وَإِذْ } منصوب على المفعولية بمضمر خوطب به سيد المخاطبين صلى الله عليه وسلم بطريق التلوين، أي اذكر لهؤلاء المعرضين عن القتال وقت قول موسى عليه السلام لبني إسرائيل حين ندبهم إلى قتال الجبابرة بقوله: {أية : يَٰقَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ الَّتِى كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلاَ تَرْتَدُّوا عَلَىٰ أَدْبَـٰرِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَـٰسِرِينَ} تفسير : [المائدة: 21] فلم يمتثلوا لأمره عليه السلام وعصوه أشد عصيان حيث قالوا: { أية : يَٰمُوسَىٰ إِنَّ فِيهَا قَوْماً جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا حَتَّىٰ يَخْرُجُواْ مِنْهَا فَإِن يَخْرُجُواْ مِنْهَا فَإِنَّا دٰخِلُونَ } تفسير : [المائدة: 22] إلى قوله تعالى: { أية : فَٱذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَـٰهُنَا قَـٰعِدُونَ } تفسير : [المائدة: 24] وأصروا على ذلك كل الإصرار وآذوه عليه السلام كل الأذية فوبخهم على ذلك بقوله: {يٰقَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِى} بالمخالفة والعصيان فيما أمرتكم به. {وَقَد تَّعْلَمُونَ أَنّى رَسُولُ ٱللَّهِ إِلَيْكُمْ } جملة حالية مؤكدة لإنكار الإيذاء ونفي سببه {وَقَدْ } لتحقيق العلم لا للتقليل ولا للتقريب لعدم مناسبة ذلك للمقام. وصيغة المضارغ للدلالة على الاستمرار أي والحال أنكم تعلمون علماً قطعياً مستمراً - بمشاهدة ما ظهر على يدي من المعجزات الباهرة التي معظمها إهلاك عدوكم وإنجاؤكم من ملكته - أني رسول الله إليكم لأرشدكم إلى خيري الدنيا والآخرة، ومن قضية علمكم بذلك أن تبالغوا في تعظيمي وتسارعوا إلى طاعتي. {فَلَمَّا زَاغُواْ } أي أصروا على الزيغ والانحراف عن الحق الذي جاء به عليه السلام واستمروا عليه {أَزَاغَ ٱللَّهُ قُلُوبَهُمْ } أي صرفها عن قبول الحق والميل إلى الصواب لصرف اختيارهم نحو العمى والضلال، وقيل: أي فلما زاغوا في نفس الأمر وبمقتضى ما هم عليه فيها أزاغ الله تعالى في الخارج قلوبهم إذ الإيجاد على حسب الإرادة والإرادة على حسب العلم والعلم على حسب ما عليه الشيء في نفس الأمر، وعلى الوجهين لا إشكال في الترتيب. وقوله تعالى: {وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلْفَـٰسِقِينَ } اعتراض تذييلي مقرر لمضمون ما قبله من الإزاغة ومؤذن بعلته أي لا يهدي القوم الخارجين عن الطاعة ومنهاج الحق، المصرين على الغواية هداية موصلة إلى البغية، وإلا فالهداية إلى ما يوصل إليها شاملة للكل، والمراد بهم إما المذكورون خاصة - والإظهار في مقام الإضمار لذمهم بالفسق وتعليل عدم الهداية به - أو جنس الفاسقين وهم داخلون في حكمهم دخولاً أولياً، قيل: وأياً مّا كان فهو ناظر إلى ما في قوله تعالى: { أية : فَٱفْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ ٱلْقَوْمِ ٱلْفَـٰسِقِينَ } تفسير : [المائدة: 25] وقوله سبحانه: { أية : فَلاَ تَأْسَ عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْفَـٰسِقِينَ } تفسير : [المائدة: 26]. هذا وقيل: (إذ) ظرف متعلق بفعل مقدر يدل عليه ما بعده كزاغوا ونحوه، والجملة معطوفة على ما قبلها عطف القصة على القصة. وذهب بعضهم إلى أن إيذاءهم إياه عليه السلام بما كان من انتقاصه وعيبه في نفسه وجحود آياته وعصيانه فيما تعود إليهم منافعه وعبادتهم البقر وطلبهم رؤية الله سبحانه جهرة والتكذيب الذي هو [تضييع] حق الله تعالى وحقه عليه السلام. وما ذكر أولاً هو الذي تقتضيه جزالة النظم الكريم ويرتضيه الذوق السليم.
ابن عاشور
تفسير : موقع هذه الآية هنا خفي المناسبة. فيجوز أن تكون الجملة معترضة استئنافاً ابتدائياً انتقل به من النهي عن عدم الوفاء بما وعدوا الله عليه إلى التعريض بقوم آذوا النبي صلى الله عليه وسلم بالقول أو بالعصيان أو نحو ذلك، فيكون الكلام موجهاً إلى المنافقين، فقد وسموا بأذى الرسول صلى الله عليه وسلم قوله تعالى: {أية : إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة}تفسير : [الأحزاب: 57] الآية. وقوله تعالى: {أية : والذين يؤذون رسول الله لهم عذاب أليم}تفسير : [التوبة: 61] وقوله: {أية : ومنهم الذين يؤذون النبي ويقولون هو أذن}تفسير : [التوبة: 61]. وعلى هذا الوجه فهو اقتضاب نقل به الكلام من الغرض الذي قبله لتمامه إلى هذا الغرض، أو تكون مناسبة وقعه في هذا الموقع حدوث سبب اقتضى نزوله من أذى قد حدث لم يطلع عليه المفسرون ورواة الأخبار وأسباب النزول. والواو على هذا الوجه عطف غرض على غرض. وهو المسمّى بعطف قصة على قصة. ويجوز أن يكون من تتمة الكلام الذي قبلها ضرب الله مثلاً للمسلمين لتحذيرهم من إتيان ما يؤذي رسوله صلى الله عليه وسلم ويسوؤوه من الخروج عن جادة الكمال الديني مثل عدم الوفاء بوعدهم في الإِتيان بأحبّ الأعمال إلى الله تعالى. وأشفقهم من أن يكون ذلك سبباً للزيغ والضلال كما حدث لقوم موسى لمَّا آذوه. وعلى هذا الوجه فالمراد بأذى قوم موسى إياه: عدم توخي طاعته ورضاه، فيكون ذلك مشيراً إلى ما حكاه الله عنه من قوله: {أية : يا قوم ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم ولا ترتدوا على أدباركم فتنقلبوا خاسرين}تفسير : [المائدة: 21]، إلى قوله: {أية : قالوا يا موسى إنا لن ندخلها أبداً ما داموا فيها فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا هٰهنا قاعدون}تفسير : [المائدة: 24]. فإن قولهم ذلك استخفاف يدل لذلك قوله عَقِبَه {أية : قال رب إني لا أملك إلا نفسي وأخي فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين}تفسير : [المائدة: 25]. وقد يكون وصفهم في هذه الآية بقوله: {والله لا يهدي القوم الفاسقين} ناظراً إلى وصفهم بذلك مرتين في آية سورة العقود في قوله: {أية : فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين}تفسير : [المائدة: 25] وقوله: {أية : فلا تأس على القوم الفاسقين}تفسير : [المائدة: 26]. فيكون المقصود الأهم من القصة هو ما تفرع على ذكرها من قوله: {فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم}. ويناسب أن تكون هذه الآية تحذيراً من مخالفة أمر الرسول صلى الله عليه وسلم وعبرة بما عرض لهم من الهزيمة يوم أُحُد لما خالفوا أمره من عدم ثبات الرماة في مكانهم. وقد تشابهت القصتان في أن القوم فرّوا يوم أُحُد كما فرّ قوم موسى يوم أريحا، وفي أن الرماة الذين أمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا يبرحوا مكانهم «ولو تخطَّفَنا الطير» وأن ينضحوا عن الجيش بالنبال خشية أن يأتيه العدوّ من خلفه لم يفعلوا ما أمرهم به وعصوا أمر أميرهم عبد الله بن جبير وفارقوا موقفهم طلباً للغنيمة فكان ذلك سبب هزيمة المسلمين يوم أُحُد. والواو على هذا الوجه عطف تحذير مأخوذ من قوله: {فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم} على النهي الذي في قوله: {أية : لِمَ تقولون ما لا تفعلون}تفسير : [الصف: 2] الآية. ويتبع ذلك تسلية الرسول صلى الله عليه وسلم على ما حصل من مخالفة الرماة حتى تسببوا في هزيمة الناس. و{إذ} متعلقة بفعل محذوف تقديره: اذْكُر، وله نظائر كثيرة في القرآن، أي اذكر لهم أيضاً وقت قول موسى لقومه أو اذكر لهم مع هذا النهي وقت قول موسى لقومه. وابتداء كلام موسى عليه السلام بـ{يا قوم} تعريض بأن شأن قوم الرسول أن يطيعوه بَلْهَ أن لا يؤذوه. ففي النداء بوصف {قوم} تمهيد للإِنكار في قوله: {لم تؤذونني}. والاستفهام للإِنكار، أي إنكار أن يكون للإِذاية سبب كما تقدم في قوله تعالى: {لِمَ تقولون ما لا تفعلون}. وقد جاءت جملة الحال من قوله: {وقد تعلمون أني رسول الله} مصادفة المحلّ من الترقّي في الإِنكار. و{قد} لتحقيق معنى الحالية، أي وعلمكم برسالتي عن الله أمر محقق لما شاهدوه من دلائل رسالته، وكما أكد علمهم بـ{قَد} أكد حصول المعلوم بـ(أنّ) المفتوحة، فحصل تأكيدان للرسالة. والمعنى: فكيف لا يجري أمركم على وفق هذا العلم. والإِتيان بعد {قد} بالمضارع هنا للدلالة على أن علمهم بذلك مجدّد بتجدد الآيات والوحي، وذلك أجدى بدوام امتثاله لأنه لو جيء بفعل المضي لما دلّ على أكثر من حصول ذلك العلم فيما مضى. ولعله قد طرأ عليه ما يبطله، وهذا كالمضارع في قوله: {أية : قد يعلم الله المعوقين منكم}تفسير : في سورة [الأحزاب: 18]. والزيغ: الميل عن الحق، أي لما خالفوا ما أمرهم رسولهم جعل الله في قلوبهم زيغاً، أي تمكن الزيغ من نفوسهم فلم ينفكوا عن الضلال. وجملة {والله لا يهدي القوم الفاسقين} تذييل، أي وهذه سنة الله في الناس فكان قوم موسى الذين آذوْه من أهل ذلك العموم. وذُكر وصف {الفاسقين} جارياً على لفظ {القوم} للإِيماء إلى الفسوق الذي دخل في مقوّمات قوميتهم. كما تقدم عند قوله تعالى: {أية : إن في خلق السماوات والأرض}تفسير : [البقرة: 164] إلى قوله: {أية : لآيات لقوم يعقلون}تفسير : في [البقرة: 164]. فالمعنى: الذين كان الفسوق عن الحق سجية لهم لا يلطف الله بهم ولا يعتني بهم عناية خاصة تسوقهم إلى الهدى، وإنما هو طوع الأسباب والمناسبات.
الشنقيطي
تفسير : قول موسى عليه السلام: لم تؤذونني؟ لم يبين نوع هذا الإيذاء وقد جاء مثل هذا الإجمال في قوله تعالى:{أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ آذَوْاْ مُوسَىٰ فَبرَّأَهُ ٱللَّهُ مِمَّا قَالُواْ}تفسير : [الأحزاب: 69]. وأحال عليه ابن كثير في تفسيره، وساق حديث البخاري أنه صلى الله عليه وسلم، فقالوا: ما يتستر هذا التستر إلا من عيب في جلده، إما برص وإما أدرة وإما آفة، وأن الله عز وجل أراد أن يبرئه مما قالوا فخلا يوماً وحده فخلع ثيابه على حجر ثم اغتسل فلما فرغ أقبل على ثيابه ليأخذها، وأن الحجر عدا بثوبه، فأخذ موسى عصاه وطلب الحجر، فجعل يقول: ثوبي حجر حتى انتهى إلى ملأ من بني إسرائيل فرأه عرياناً أحسن ما خلق الله عز وجل وبرأه مما يقولون إلى آخر القصة". ونقله غيره من المفسرين عندها، وعلى هذا يكون إيذاؤهم إياه إيذاء شخصياً بادعاء العيب فيه خلقة، وهذا وإن صح في آية الأحزاب لقوله تعالى: {فَبرَّأَهُ ٱللَّهُ مِمَّا قَالُوا}، فإنه لا يصح في آية الصف هذه لأن قول لهم. {وَقَد تَّعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ ٱللَّه إِلَيْكُمْ} مما يثير إلى أن الإيذاء في جانب الرسالة لا في جانبه الشخصي، ويرشح له قوله تعالى بعده مباشرة: {فَلَمَّا زَاغُوۤاْ أَزَاغَ ٱللَّهُ قُلُوبَهُمْ}. أي فلما زاغوا بما آذوا به موسى، فيكون إيذاء قومه له هنا إيذاء زيغ وضلال، وقد آذوه كثيراً في ذلك كما بينه تعالى في قوله عنهم:{أية : وَإِذْ قُلْتُمْ يَامُوسَىٰ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ نَرَى ٱللَّهَ جَهْرَةً}تفسير : [البقرة: 55]. وكذلك قوله تعالى:{أية : وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ ٱلطُّورَ خُذُواْ مَآ آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ وَٱسْمَعُواْ قَالُواْ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَأُشْرِبُواْ فِي قُلُوبِهِمُ ٱلْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ}تفسير : [البقرة: 93]. فها هم يؤخذ الميثاق عليهم ويرفع فوقهم الطور، ويقال لهم: {خُذُواْ مَآ آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ وَٱسْمَعُوا} فكله يساوي قوله: {وَقَد تَّعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ ٱللَّه إِلَيْكُمْ}، لأن قد هنا للتحقيق، ومع ذلك يؤذونه بقولهم: {سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا} ويؤذونه بأن أشربوا في قلوبهم حب العجل وعبادته بكفرهم، ولذا قال لهم: {بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُّؤْمِنِين}. وقد جمع إيذاء الكفار لرسول الله مع إيذاء قوم موسى لموسى في قوله تعالى:{أية : يَسْأَلُكَ أَهْلُ ٱلْكِتَابِ أَن تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَاباً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ فَقَدْ سَأَلُواْ مُوسَىٰ أَكْبَرَ مِن ذٰلِكَ فَقَالُوۤاْ أَرِنَا ٱللَّهِ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ ٱلصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ}تفسير : [النساء: 153] الآية. ومن مجموع هذا يتبين أن الإيذاء المنصوص عليه هنا هو في خصوص الرسالة، ولا مانع من أنهم آذوه بأنواع من الإيذاء في شخصه، وفي ما جاء به فبرأه الله مما قالوا في آية الأحزاب وعاقبهم على إيذائه فيما أرسل به إليهم بزيغ قلوبهم، والعلم عند الله تعالى. وقوله: {فَلَمَّا زَاغُوۤاْ أَزَاغَ ٱللَّهُ قُلُوبَهُمْ}، تقدم كلام الشيخ رحمة الله تعالى عليه على هذا المعنى في سورة الروم، عند الكلام على قوله تعالى:{أية : ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ ٱلَّذِينَ أَسَاءُواْ ٱلسُّوۤءَىٰ أَن كَذَّبُواْ بِآيَاتِ ٱللَّهِ}تفسير : [الروم: 10] الآية. وقال: إن الكفر والتكذيب قد يؤدي شؤمه إلى شقاء صاحبه، وسارق هذه الآية {فَلَمَّا زَاغُوۤاْ أَزَاغَ ٱللَّهُ قُلُوبَهُمْ} وقوله:{أية : فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ ٱللَّهُ مَرَضاً}تفسير : [البقرة: 10]. وأحال على سورة بني إسرائيل على قوله:{أية : وَجَعَلْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِيۤ آذَانِهِمْ وَقْراً}تفسير : [الإسراء: 46]. وعلى سورة الأعراف على قوله:{أية : فَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ بِمَا كَذَّبُواْ مِن قَبْلُ كَذَلِكَ يَطْبَعُ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِ ٱلْكَافِرِينَ}تفسير : [الأعراف: 101]. ومما يشهد لهذا المعنى العام بقياس العكس قوله تعالى:{أية : وَٱلَّذِينَ ٱهْتَدَوْاْ زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقُوَاهُمْ}تفسير : [محمد: 17] وأمثالها. ومما يلفت النظر هنا إسناد الزيغ للقلوب في قوله تعالى:{فَلَمَّا زَاغُوۤاْ أَزَاغَ ٱللَّهُ قُلُوبَهُمْ}. وأن والهداية أيضاً للقلب كما في قوله تعالى:{أية : وَمَن يُؤْمِن بِٱللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ}تفسير : [التغابن: 11]. ولذا حرص المؤمنين على هذا الدعاء:{أية : رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا}تفسير : [آل عمران: 8] فتضمن المعنيين، والعلم عند الله تعالى.
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 5- واذكر - يا محمد - حين قال موسى لقومه، لِمَ تؤذوننى وأنتم تعلمون أنى رسول الله إليكم؟. فلما أصروا على الانحراف عن الحق أمال الله قلوبهم عن قبول الهداية، والله لا يهدى القوم الخارجين عن طاعته. 6- واذكر حين قال عيسى ابن مريم: يا بنى إسرائيل إنى رسول الله إليكم مُصدقاً لما تقدم من التوراة، ومُبشراً برسول يأتى من بعدى اسمه أحمد، فلما جاءهم الرسول المبشَّر به بالآيات الواضحات قالوا: هذا الذى جئتنا به سحر بيِّن. 7- ومَنْ أشَدُّ ظلماً ممن اختلق على الله الكذب وهو يُدعى إلى الإسلام دين الحق والخير، والله لا يهدى القوم المصرين على الظلم. 8- يفترى بنو إسرائيل الكذب على الله، لكى يُطفئوا نور دينه بأفواههم، كمن يريد إطفاء نور الشمس بنفخة من فيه، والله مكمل نوره بإتمام دينه ولو كره الجاحدون. 9- الله الذى أرسل رسوله - محمداً - بالقرآن هدى للناس وبالإسلام دين الحق، ليعليه على كل الأديان ولو كره المشركون. 10- يا أيها الذين آمنوا: هل أرشدكم إلى تجارة عظيمة تُنجيكم من عذاب شديد الألم؟.
د. أسعد حومد
تفسير : {يٰقَوْمِ} {ٱلْفَاسِقِينَ} (5) - وَيُسَلِّي اللهُ تَعَالَى عَبْدَهُ مُحَمَّداً عَمَّا يُلاَقِيهِ مِنْ تَكذِيبِ قَوْمِهِ وَإِيذَائِهِمْ، فَذَكَّرَهُ رَبُّهُ بِمَا لاَقَاهُ مُوسَى، عَلَيهِ السَّلاَمُ، مِنْ قَوْمِهِ، إِذْ قَالَ لَهُمْ: لِمَاذَا تُؤْذُونَنِي وَتُخَالِفُونَ أَمْرِي، وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ صِدْقِي، فِيمَا جِئْتُكُمْ بِهِ مِنْ رِسَالَةِ رَبِّي، فَلَمَّا عَدَلُوا عَنِ اتِّبَاعِ الحَقِّ مَعَ عِلْمِهِمْ بِهِ، وَأَصَرُّوا عَلَى ذَلِكَ، صَرَفَ اللهُ قُلُوبَهُمْ عَنِ الهُدَى، وَاللهُ لاَ يَهْدِي القَوْمَ الفَاسِقِينَ الخَارِجِينَ عَنْ طَاعَتِهِ. زَاغُوا - تَنَكَّبُوا طَرِيقَ الحَقِّ عَمْداً. أَزَاغَ اللهُ قُلُوبَهُمْ - صَرَفَهُمْ عَنِ التَّوْفِيقِ لاتِّبَاعِ الحَقِّ.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {فَلَمَّا زَاغُوۤاْ} معناه عَدَلُوا.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : [أي:] { وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ } موبخا لهم على صنيعهم، ومقرعا لهم على أذيته، وهم يعلمون أنه رسول الله: { لِمَ تُؤْذُونَنِي } بالأقوال والأفعال { وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ } . والرسول من حقه الإكرام والإعظام، والانقياد بأوامره، والابتدار لحكمه. وأما أذية الرسول الذي إحسانه إلى الخلق فوق كل إحسان بعد إحسان الله، ففي غاية الوقاحة والجراءة والزيغ عن الصراط المستقيم، الذي قد علموه وتركوه، ولهذا قال: { فَلَمَّا زَاغُوا } أي: انصرفوا عن الحق بقصدهم { أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ } عقوبة لهم على زيغهم الذي اختاروه لأنفسهم ورضوه لها، ولم يوفقهم الله للهدى، لأنهم لا يليق بهم الخير، ولا يصلحون إلا للشر، { وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ } أي: الذين لم يزل الفسق وصفا لهم، لا لهم قصد في الهدى، وهذه الآية الكريمة تفيد أن إضلال الله لعباده، ليس ظلما منه، ولا حجة لهم عليه، وإنما ذلك بسبب منهم، فإنهم الذين أغلقوا على أنفسهم باب الهدى بعد ما عرفوه، فيجازيهم بعد ذلك بالإضلال والزيغ الذي لا حيلة لهم في دفعه وتقليب القلوب [عقوبة لهم وعدلا منه بهم] كما قال تعالى: {أية : وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ }.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):