٦١ - ٱلصَّفّ
61 - As-Saff (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
6
Tafseer
الرازي
تفسير : قوله: {إِنّى رَسُولُ ٱللَّهِ } أي اذكروا أني رسول الله أرسلت إليكم بالوصف الذي وصفت به في التوراة ومصدقاً بالتوراة وبكتب الله وبأنبيائه جميعاً ممن تقدم وتأخر {وَمُبَشّراً بِرَسُولٍ } يصدق بالتوراة على مثل تصديقي، فكأنه قيل له: ما اسمه؟ فقال: اسمه أحمد، فقوله: {يَأْتِي مِن بَعْدِي ٱسْمُهُ أَحْمَدُ } جملتان في موضع الجر لأنهما صفتان للنكرة التي هي رسول، وفي {بَعْدِي ٱسْمُهُ } قراءتان تحريك الياء بالفتح على الأصل، وهو الاختيار عند الخليل وسيبويه في كل موضع تذهب فيه الياء لالتقاء ساكنين وإسكانها، كما في قوله تعالى: {أية : وَلِمَن دَخَلَ بَيْتِيَ } تفسير : [نوح: 28] فمن أسكن في قوله: {مِن بَعْدِي ٱسْمُهُ } حذف الياء من اللفظ لالتقاء الساكنين، وهما الياء والسين من اسمه، قاله المبرد وأبو علي، وقوله تعالى: {أَحْمَدُ } يحتمل معنيين أحدهما: المبالغة في الفاعل، يعني أنه أكثر حمداً لله من غيره وثانيهما: المبالغة من المفعول، يعني أنه يحمد بما فيه من الإخلاص والأخلاق الحسنة أكثر ما يحمد غيره. ولنذكر الآن بعض ما جاء به عيسى عليه السلام، بمقدم سيدنا محمد عليه السلام في الإنجيل في عدة مواضع أولها: في الإصحاح الرابع عشر من إنجيل يوحنا هكذا: «وأنا أطلب لكم إلى أبي حتى يمنحكم، ويعطيكم الفارقليط حتى يكون معكم إلى الأبد، والفارقليط هو روح الحق اليقين» هذا لفظ الإنجيل المنقول إلى العربي، وذكر في الإصحاح الخامس عشر هذا اللفظ: «وأما الفارقليط روح القدس يرسله أبي باسمي، ويعلمكم ويمنحكم جميع الأشياء، وهو يذكركم ما قلت لكم» ثم ذكر بعد ذلك بقليل: «وإني قد خبرتكم بهذا قبل أن يكون حتى إذا كان ذلك تؤمنون»، وثانيها: ذكر في الإصحاح السادس عشر هكذا: «ولكن أقول لكم الآن حقاً يقيناً انطلاقي عنكم خير لكم، فإن لم أنطلق عنكم إلى أبي لم يأتكم الفارقليط، وإن انطلقت أرسلته إليكم، فإذا جاء هو يفيد أهل العالم، ويدينهم ويمنحهم ويوقفهم على الخطيئة والبر والدين» وثالثها: ذكر بعد ذلك بقليل هكذا: «فإن لي كلاماً كثيراً أريد أن أقوله لكم، ولكن لا تقدرون على قبوله والاحتفاظ به، ولكن إذا جاء روح الحق إليكم يلهمكم ويؤيدكم بجميع الحق، لأنه ليس يتكلم بدعة من تلقاء نفسه» هذا ما في الإنجيل، فإن قيل: المراد بفارقليط إذا جاء يرشدهم إلى الحق ويعلمهم الشريعة، وهو عيسى يجيء بعد الصلب؟ نقول: ذكر الحواريون في آخر الإنجيل أن عيسى لما جاء بعد الصلب ما ذكر شيئاً من الشريعة، وما علمهم شيئاً من الأحكام، وما لبث عندهم إلا لحظة، وما تكلم إلا قليلاً، مثل أنه قال: «أنا المسيح فلا تظنوني ميتاً، بل أنا ناج عند الله ناظر إليكم، وإني ما أوحي بعد ذلك إليكم» فهذا تمام الكلام، وقوله تعالى: {فَلَمَّا جَاءهُم بِٱلْبَيّنَـٰتِ } قيل: هو عيسى، وقيل: هو محمد، ويدل على أن الذي جاءهم بالبينات جاءهم بالمعجزات والبينات التي تبين أن الذي جاء به إنما جاء به من عند الله، وقوله تعالى: {هَـٰذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ } أي ساحر مبين. وقوله: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ } أي من أقبح ظلماً ممن بلغ افتراؤه المبلغ الذي يفتري على الله الكذب وأنهم قد علموا أن ما نالوه من نعمة وكرامة فإنما نالوه من الله تعالى، ثم كفروا به وكذبوا على الله وعلى رسوله: {وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلظَّـٰلِمِينَ } أي لا يوافقهم الله للطاعة عقوبة لهم. وفي الآية بحث: وهو أن يقال: بم انتصب {مُصَدّقاً } و {مُبَشّرًا } أبما في الرسول من معنى الإرسال أم {إِلَيْكُمْ }؟ نقول: بل بمعنى الإرسال لأن إليكم صلة للرسول.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {وَإِذْ قَالَ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ} أي واذكر لهم هذه القصة أيضاً. وقال: {يٰبَنِي إِسْرَائِيلَ} ولم يقل «يا قوم» كما قال موسى؛ لأنه لا نسب له فيهم فيكونون قومه {إِنِّي رَسُولُ ٱللَّهِ إِلَيْكُم} أي بالإنجيل. {مُّصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ ٱلتَّوْرَاةِ} لأن في التوراة صفتي، وأني لم آتكم بشيء يخالف التوراة فتنفروا عني. {وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ} مصدقاً. «ومبشّراً» نصب على الحال؛ والعامل فيها معنى الإرسال. و «إليكم» صلة الرسول. {يَأْتِي مِن بَعْدِي ٱسْمُهُ أَحْمَدُ} قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو «مِنْ بَعْدِيَ» بفتح الياء. وهي قراءة السُّلَمِي وزِرّ بن حُبَيش وأبي بكر عن عاصم. واختاره أبو حاتم لأنه اسم؛ مثل الكاف من بعدك، والتاء من قمت. الباقون بالإسكان. وقرىء «من بعدى اسمه أحمد» بحذف الياء من اللفظ. و «أحمد» اسم نبيّنا صلى الله عليه وسلم. وهو اسم عَلَمٍ منقول من صفة لا من فعل؛ فتلك الصفة أفعل التي يراد بها التفضيل. فمعنى «أحمد» أي أَحْمَدُ الحامدين لربِّه. والأنبياء صلوات الله عليهم كلهم حامدون الله، ونبِيُّنا أحمد أكثرهم حمداً. وأما محمد فمنقول من صفة أيضاً، وهي في معنى محمود؛ ولكن فيه معنى المبالغة والتكرار. فالمحمَّد هو الذي حُمِد مَرّةً بعد مرةً. كما أن المُكَرَّم من الكرم مرة بعد مرة. وكذلك الممدَّح ونحو ذلك. فاسم محمد مطابق لمعناه، والله سبحانه سمّاه قبل أن يُسَمِّيَ به نفسه. فهذا عَلَمٌ من أعلام نبوّته، إذ كان اسمه صادقاً عليه؛ فهو محمود في الدنيا لما هدى إليه ونفع به من العلم والحكمة. وهو محمود في الآخرة بالشفاعة. فقد تكرر معنى الحمد كما يقتضي اللفظ. ثم إنه لم يكن مُحَمَّداً حتى كان أحمدَ، حَمِد ربَّه فَنّبأه وشرّفه؛ فلذلك تقدّم اسم أحمد على الاسم الذي هو محمد فذكره عيسى عليه السلام فقال: «اسمُهُ أَحمَدُ». وذكره موسى عليه السلام حين قال له ربه: تلك أمة أحمد، فقال: اللَّهُمَّ اجعلني من أمة أحمد. فبأحمد ذَكره قبل أن يذكره بمحمد، لأن حَمْدَه لربّه كان قبل حمد الناس له. فلما وُجد وبُعث كان محمداً بالفعل. وكذلك في الشفاعة يحمد ربّه بالمحامد التي يفتحها عليه، فيكون أحمد الناس لربه ثم يشفع فيحمد على شفاعته. وروي أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : اسمي في التوراة أحيد لأني أحيد أمتي عن النار واسمي في الزبور الماحي محا الله بي عَبَدة الأوثان واسمي في الإنجيل أحمد واسمي في القرآن محمد لأني محمود في أهل السماء والأرض»تفسير : . وفي الصحيح: «حديث : لي خمسة أسماء أنا محمد وأحمد وأنا الماحي الذي يمحو الله بي الكفر وأنا الحاشر الذي تحشر الناس على قَدَمي وأنا العاقب»تفسير : . وقد تقدّم. {فَلَمَّا جَاءَهُم بِٱلْبَيِّنَاتِ} قيل عيسى. وقيل محمد صلى الله عليه وسلم. {قَالُواْ هَـٰذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ} قرأ الكسائي وحمزة «ساحر» نعتاً للرجل. وروي أنها قراءة ابن مسعود. الباقون «سِحر» نعتا لما جاء به الرسول.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَ} اذكر {إِذْ قَالَ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ يٰبَنِى إِسْرٰءِيلَ } لم يقل: يا قوم لأنه لم يكن له فيهم قرابة {إِنّى رَسُولُ ٱللَّهِ إِلَيْكُم مُّصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَىَّ } قبلي {مِنَ ٱلْتَّوْرَٰةِ وَمُبَشّراً بِرَسُولٍ يَأْتِى مِن بَعْدِى ٱسْمُهُ أَحْمَدُ } قال تعالى: {فَلَمَّا جَاءَهُمُ } جاء أحمد الكفار {بِٱلْبَيِّنَٰتِ } الآيات والعلامات {قَالُواْ هَٰذَا } أي المجيء به {سِحْرٌ } وفي قراءة «ساحر» أي الجائي به (مُبينٌ) بيّن.
ابن عطية
تفسير : المعنى: "واذكر يا محمد إذ قال عيسى"، وهذا مثل آخر ضربه الله تعالى لكفار قريش، وحكي عن موسى أنه قال: {أية : يا قوم}تفسير : [الصف: 5] وعن عيسى أنه قال: {يا بني إسرائيل} من حيث لم يكن له فيهم أب، و {مصدقاً}، حال مؤكدة، {ومبشراً} عطف عليه، وقوله تعالى: {يأتي من بعدي}، وقوله: {اسمه أحمد} جملتان كل واحدة منهما في موضع خفض على الصفة لرسول، و {أحمد} فعل سمي به، ويحتمل أن يكون أفعل كأسود، وهو في هذه الآية الكلمة لا الشخص، وليست على حد قولك جاءنا أحمد لأنك ها هنا أوقعت الاسم على مسماه، وفي الآية إنما أراد: اسمه هذه الكلمة، وذكر أبو علي هذا الغرض ومنه ينفك إعراب قوله تعالى {أية : يقال له إبراهيم} تفسير : [الأنبياء: 60]، وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وعاصم في رواية أبي بكر: "بعديَ" بفتح الياء، وقوله تعالى: {فلما جاءهم بالبينات}، الآية يحتمل أن يريد {عيسى}، وتكون الآية وما بعدها تمثيلاً بأولئك لهؤلاء المعاصرين لمحمد صلى الله عليه وسلم، ويحتمل أن يكون التمثيل قد فرغ عند قوله: {اسمه أحمد}، ثم خرج إلى ذكر {أحمد} لما تطرق ذكره، فقال مخاطبة للمؤمنين، {فلما جاء} أحمد هؤلاء الكفار {قالوا هذا سحر مبين}، و "البينات" هي الآيات والعلامات، وقرأ جمهور الناس: "هذا ساحر" إشارة إلى ما جاء به، وقرأ ابن مسعود وطلحة والأعمش وابن وثاب: "هذا سحر" إشارة إليه بنفسه، وقوله تعالى: {ومن أظلم} تعجيب وتقرير أي لا أحد أظلم منه، و "افتراء الكذب" هو قولهم: {هذا سحر}، وما جرى مجرى هذا من الأقوال التي هي اختلاق وبغير دليل، وقرأ الجمهور: "يُدعى" على بناء الفعل للمفعول، وقرأ طلحة بن مصرف "يدعي" بمعنى ينتمي وينتسب ومن ذلك قول الشاعر [ساعدة بن عجلان الهذلي]: [الكامل] شعر : فرميت فوق ملاءة محبوكة وأبنت للأشهاد حزة أدعي تفسير : والمعنى على هذه القراءة إنما هو إشارة إلى الأنبياء عليهم السلام لما حكي عن الكفار أنهم قالوا: "هذا ساحر"، بين بعد ذلك أن العقل لا يقبله، أي وهل أظلم من هذا الذي يزعم أنه نبي ويدعي إلى الإسلام وهو مع ذلك مفتر على ربه وهذا دليل واضح لأن مسالك أهل الافتراء والمخرقة إنما هي دون هذا وفي أمور خسيسة، وضبط النقاش هذه القراءة "يُدَّعى" بضم الياء وفتح الدال المشددة على ما لم يسم فاعله، والضمير في {يريدون} للكفار، واللام في قوله: {ليطفئوا} لام مؤكدة، دخلت على المفعول لأن التقدير: "يريدون أن يطفئوا" وأن مع الفعل بتأويل المصدر فكأنه قال: يريدون إطفاء، وأكثر ما تلتزم هذه اللام المفعول إذا تقدم تقول لزيد: ضربت ولرؤيتك قصدت، و {نور الله} هو شرعه وبراهينه. وقوله تعالى: {بأفواههم} إشارة إلى الأقوال أي بقولهم: سحر وشعر وتكهن وغير ذلك، وقرأ نافع وأبو عمرو وابن عامر وأبو بكر عن عاصم وابن محيصن والحسن وطلحة والأعرج: "والله متمٌّ" بالتنوين، "نورَه" "نورَه" بالنصب، وقرأ ابن كثير وحمزة والكسائي وحفص عن عاصم والأعمش: "متمُ نورِه" بالإضافة وهي في معنى الانفصال وفي هذا نظر.
ابن عبد السلام
تفسير : {وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ} بشرهم به ليؤمنوا به عند مجيئه أو ليكون مجيئه معجزة مصدقة لعيسى {أَحْمَدُ} اسم للرسول صلى الله عليه وسلم كمحمد أو اشتق من اسم الله تعالى المحمود قال حسان: شعر : وشق له من اسمه ليجله فذو العرش محمود وهذا محمد
ابو السعود
تفسير : وقولُهُ تعالَى: {وَإِذْ قَالَ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ} إمَّا معطوفٌ على إذ الأُولى معمولٌ لعاملِهَا، وإما معمولٌ لمضمرٍ معطوفٍ على عاملِها {بَنِى إِسْرٰءيلَ} ناداهُم بذلكَ استمالةً لقلوبِهِم إلى تصديقه في قولِهِ تعالى: {إِنّى رَسُولُ ٱللَّهِ إِلَيْكُم مُّصَدّقاً لّمَا بَيْنَ يَدَىَّ مِنَ ٱلتَّوْرَاةِ} فإنَّ تصديقَهُ عليهِ الصلاةُ والسلامُ إيِّاها من أَقْوى الدَّواعِي إلى تصديقِهِم إيَّاه. وقولُهُ تعالَى: {وَمُبَشّراً بِرَسُولٍ يَأْتِى مِن بَعْدِى} معطوفٌ على مصدقاً أي داعٍ إلى تصديقِه عليهِ الصلاةُ والسلامُ مثلَه من حيثُ إن البشارةَ بهِ واقعةٌ في التوارةِ والعاملُ فيهما ما في الرسولِ من مَعْنَى الإرسالِ لا الجارُّ فإنَّه صلةٌ للرسولِ والصلاتُ بمعزلٍ من تضمنِ معنى الفعلِ وعليهِ يدورُ العملُ أي أرسلتُ إليكم حالَ كونِي مصدقاً لما تقدمنِي من التوارةِ ومبشراً بمنْ يأتي من بعدِي من رسولٍ {ٱسْمُهُ أَحْمَدُ} أي محمدٌ صلى الله عليه وسلم، يريدُ أنَّ دينيَ التصديقُ بكتبِ الله وأنبـيائِهِ جميعاً ممن تقدمَ وتأخَّر. وقُرِىءَ منْ بعديَ بفتحِ الياءِ {فَلَمَّا جَاءهُم بِٱلْبَيّنَـٰتِ} أي بالمعجزاتِ الظاهرةِ {قَالُواْ هَـٰذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ} مشيرينَ إلى ما جاءَ به أو إليهِ عليهِ الصلاةُ والسلامُ وتسميتُه سحراً للمبالغةِ ويؤيدُه قراءةُ منْ قرأَ هَذا ساحرٌ {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ وَهُوَ يُدْعَىٰ إِلَى ٱلإسْلاَمِ} أيْ أيُّ الناسِ أشدُّ ظُلماً ممن يُدعى إلى الإسلامِ الذي يوصله إلى سعادةِ الدارينِ فيضعَ موضعَ الإجابةِ الافتراءَ على الله عزَّ وجلَّ بقولِهِ لكلامِهِ الذي هو دعاءُ عبادِهِ إلى الحقِّ هذا سحرٌ. أيْ هُو أظلمُ منْ كلِّ ظالمٍ وإنْ لم يتعرضْ ظاهرُ الكلامِ لنفي المُساوِي وقد مرَّ بـيانُهُ غيرَ مرةٍ. وقُرِىءَ يُدّعى يقال دَعَاهُ وادَّعاهُ مثلُ لمسَهُ والتمسَهُ {وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلظَّـٰلِمِينَ} أي لا يرشدهُم إلى ما فيهِ فلاحُهم لعدمِ توجههم إليهِ {يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُواْ نُورَ ٱللَّهِ} أي يريدونَ أنْ يطفئُوا دينَهُ أو كتابَهُ أو حجتَهُ النيرةَ. واللامُ مزيدةٌ لما فيهَا من مَعْنَى الإرادةِ تأكيداً لها، كما زيدَتْ لِما فيها من مَعْنَى الإضافةِ تأكيداً لها في لاَ أبا لكَ أو يريدونَ الافتراءَ ليطفئُوا نورَ الله {بِأَفْوٰهِهِم} بطعنِهِم فيه، مثلتْ حالهُم بحالِ من ينفخُ في نورِ الشمسِ بفيهِ ليطفئَهُ {وَٱللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ} أي مبلِغُهُ إلى غايتِه بنشرِه في الآفاقِ وإعلائِهِ وقُرِىءَ متمٌّ نورَهُ بلا إضافة {وَلَوْ كَرِهَ ٱلْكَـٰفِرُونَ} أي إرغاماً لهم والجملةُ في حيزِ الحالِ على ما بُـينَ مراراً.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي ٱسْمُهُ أَحْمَدُ} [الآية: 6]. سمعت منصور بن عبد الله يقول: سمعت أبا القاسم البزاز يقول: قال ابن عطاء فى قوله: {ٱسْمُهُ أَحْمَدُ} قال: أحمد الحامدين له حمداً وأحمد المطيعين له طاعة وأحمد العارفين له معرفة وأحمد المشتاقين إليه شوقاً على نسق قوله أحمد.
القشيري
تفسير : بَشَّرَ كلُّ نبيٍّ قومَه بنَبِيِّنا صلى الله عليه وسلم، وأفرد الله - سبحانه - عيسى بالذِّكْرِ في هذا الموضع لأنه آخِرُ نبيٍّ قبل نبيِّنا صلى الله عليه وسلم: فبيَّن بذلك أن البشارة به عَمَّتْ جميعَ الأنبياء واحداً بعد واحد حتى انتهت بعيسى عليه السلام.
البقلي
تفسير : قوله تعالى {وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي ٱسْمُهُ أَحْمَدُ} بشرهم برؤية احمد صلى الله عليه وسلم وقدومه لان فى وجهه شروق انوار الازل وبقدومه ظهر سواطع نور الابد كان احمد فى علم ما كان بحمد الله سماء احمد بعد ان جعله محمود بحمده ومصباحا منورا بنوره حمده محمود بلسان الحق وثنائه وذلك اصطفائية خاصة ازلية منتهاه المقام المحمود وذلك المقام دنوا الدنو والاتصاف بالحق والنظر الى وجهه بحد الاستقامة بلا تغيير ولا تبديل وهناك مقام الشفاعة الخاصة الشاملة تشمل الكل بلا سبب ولا علة وهو خاص له دون غيره من العرش الى الثرى لذلك بشر عيسى عليه السّلام قومه بقدومه المبارك قال ابن عطا فى قوله اسمه احمد قال احمد الحامدين له حمد او احمد المطيعين له طاعة واحمد العارفين به معرفة واحمد المشتاقين اليه شوقا على نسق قوله احمد.
اسماعيل حقي
تفسير : {واذ قال عيسى ابن مريم} اما معطوف على اذ الاولى معمول لعاملها واما معمول لمضمر معطوف على عاملها وابن هنا وفى عزيز ابن الله باثبات الالف خطا لندرة وقوعه بين رب وعبد وذكر وانثى {يابنى اسرآئيل} اى فر زندان يعقوب، ناداهم بذلك استمالة لقلوبهم الى تصديقه فى قوله {انى رسول الله اليكم مصدقا لما بين يدى من التوراة} فان تصديقه عليه السلام اياها من اقوى الدواعى الى تصديقهم اياه اى ارسلت اليكم لتبليغ احكامه التى لابد منها فى صلاح اموركم الدينية، والدنيوية در حالتى كه باور دارنده ام من آنجيز را كه بيش منسب ازكتاب تورات يعنى قبل ازمن نازل شده ومن تصديق كرده م كه آن ازنزد خداست، وقال ابو الليث يعنى اقرأ عليكم الانجيل موافقا للتوراة فى التوحيد وبعض الشرآئع قال القاضى فى تفسيره ولعله لم يقل ياقوم كما قال موسى لانه لانسب له فيهم اذ النسب الى الآباء والا فمريم من بنى اسرآئيل لان اسرآئيل لقب يعقوب ومريم من نسله ثم ان هذا دل على ان تصديق المتقدم من الانبياء والكتب من شعائر اهل الصدق ففيه مدح لامة محمد عليه السلام حيث صدقوا الكل {ومبشرا} التبشير مرده دادن {برسول يأتى من بعدى} معطوف على مصدقا داع الى تصديقه عليه السلام من حيث ان البشارة به واقعة فى التوراة والعامل فيهما ما فى الرسول من معنى الارسل لا الجار فانه صلة للرسول والصلاة بمعزل عن تضمن معنى الفعل وعليه يدور العمل اى ارسلت اليكم حال كونى مصدقا لما تقدمنى من التوراة ومبشرا بمن يأتى من بعدى من رسول وكان بين مولده وبين الهجرة ستمائة وثلاثون سنة وقال بعضهم بشرهم به ليؤمنوا به عند مجيئه او ليكون معجزة لعيسى عند ظهوره والتبشير به تبشير بالقرءآن ايضا وتصديق له كالتوراة {اسمه احمد} اى محمد صلى الله عليه وسلم يريد أن دينى التصديق بكتب الله وانبيائه جميعا ممن تقدم وتأخر فذكر اول الكتب المشهورة الذى يحكم به النبيون والنبى الذى هو خاتم النبيين وعن اصحاب رسول الله انهم قالوا اخبرنا يارسول الله عن نفسك قال انا دعوة ابراهيم وبشرى عيسى ورأت امى رؤيا حين حملتنى انه خرج منها نور اضاء لها قصور بصرى فى ارض الشأم وبصرى كحبلى بلد بالشام وكذا بشر كل نبى قومه بنبينا محمد عليه السلام والله تعالى افرد عيسى عليه السلام بالذكر فى هذا الموضع لانه آخر نبى قبل نبينا فبين ان البشارة به عمت جميع الانبياء واحدا بعد واحد حتى انتهت الى عيسى كما فى كشف الاسرار وقال بعضهم كان بين رفع المسيح ومولد النبى عليه السلام خمسمائة وخمس واربعون سنة تقريبا وعاش المسيح الى ان رفع ثلاثا وثلاثين سنة وبين رفعه والهجرة الشريفة خمسمائة وثمان وتسعون سنة ونزل عليه جبريل عشر مرات وامته امة مرحومة جامعة لجميع الملكات الفاضلة قيل قال الحواريون لعيسى ياروح الله هل بعدنا امة قال نعم امة محمد حكماء وعلماء ابرار واتقياء كأنهم من الفقه انبياء يرضون من الله باليسير من الرزق ويرضى الله منهم باليسير من العمل واحمد اسم نبينا صلى الله عليه وسلم قال حضرة الشيخ الاكبر قدس سره الاطهر فى كتاب تلقيح الاذهان سمى من حيث تكرر حمده محمدا ومن حيث كونه حامل لوآء الحمد احمد انتهى قال الراغب احمد اشارة للنبى عليه السلام باسمه تنبيها على انه كما وجد اسمه احمد يوجد جسمه وهو محمود فى اخلاقه وافعاله واقواله وخص لفظ احمد فيما بشر به عيسى تنبيها انه احمد منه ومن الذين قبله انتهى ويوافقه مافى كشف الاسرار من ان الالف فيه للمبالغة فى الحمد وله وجهان احدهما انه مبالغة من الفاعل اى الانبياء كلهم محمودون لما فيهم من الخصال الحميدة وهو اكثر مناقب واجمع للفضائل والمحاسن التى يحمد بها انتهى شعر : زصد هزار محمد كه در جهان آيد يكى بمزلت وفضل مصطفى ترسد تفسير : قال ابن الشيخ فى حواشيه يحتمل أن يكون احمد منقولا من الفعل المضارع وأن يكون منقولا من صفة وهى افعل التفضيل وهو الظاهر وكذا محمد فانه منقول من الصفة ايضا وهو فى معنى محمود ولكن فيه معنى المبالغة والتكرار فانه محمود فى الدنيا بما هدى اليه ونفع به من العلم والحكمة ومحمود فى الآخرة بالشفاعة وقال الامام السهيلى فى كتاب التعريف والاعلام احمد اسم علم منقول من صفة لا من فعل وتلك الصفة افعل التى يراد بها التفضيل فمعنى احمد الحامدين لربه عز وجل وكذلك قال هو فى المعنى لانه يفتح عليه فى المقام المحمود بمحامد لم تفتح على احد قبله فيحمد ربه بها وكذلك يعقد لوآء الحمد واما محمد فمنقول من صفة ايضا وهو فى معنى محمود ولكن فيه معنى المبالغة والتكرار فمحمد هو الذى حمد مرة بعد مرة كما ان المكرم من اكرم مرة بعد مرة وكذلك الممدح ونحو ذلك فاسم محمد مطابق لمعناه والله تعالى سماه به قبل أن يسمى به نفسه فهذا علم من اعلام نبوته اذ كان اسمه صادقا عليه فهو محمود فى الدنيا بما هدى اليه ونفع به من العلم والحكمة وهو محمود فى الآخرة بالشفاعة فقد تكرر معنى الحمد كما يقتضى اللفظ ثم انه لم يكن محمدا حتى كان حمد ربه فنبأه وشرفه ولذلك تقدم اسم احمد على الاسم الذى هو محمد فذكره عيسى عليه السلام فقال اسمه احمد ذكره موسى عليه السلام حين قال له ربه تلك امة احمد فقال اللهم اجعلنى من امة احمد فبأحمد ذكره قبل أن يذكره بمحمد لان حمده لربه كان قبل حمد الناس فلما وجد بعث كان محمدا بالفعل وكذلك فى الشفاعة يحمد ربه بالمحامد التى يفتحها عليه فيكون احمد الناس لربه ثم يشفع فيحمد على شفاعته فانظر كيف كان ترتيب هذا الاسم قبل الاسم الآخر فى الذكر وفى الوجود وفى الدنيا وفى الآخرة تلح لك الحكمة الالهية فى تخصيصه بهذين الاسمين وانظر كيف انزلت عليه سورة الحمد وخص بها دون سائر الانبياء وخص بلوآء الحمد وخص بالمقام المحمود وانظر كيف شرع له سنة وقرءآنا أن يقول عند اختتام الافعال وانقضاء الامور الحمد لله رب العالمين قال الله تعالى {أية : وقضى بينهم بالحق}تفسير : وقيل {أية : الحمد لله رب العالمين}تفسير : وقال ايضا {أية : وآخر دعواهم ان الحمد لله رب العالمين}تفسير : تنبيها لنا على ان الحمد مشروع عند انقضاء الامور وسن عليه السلام الحمد بعد الاكل والشرب وقال عند انقضاء السفر آئبون تائبون لربنا حامدون ثم انظر لكونه عليه السلام خاتم الانبياء ومؤذنا بانفصال الرسالة وانقطاع الوحى ونذيرا بقرب الساعة وتمام الدنيا مع ان الحمد كما قدمنا مقرون بانقضاء الامور مشروع عندها تجد معانى اسمه جميعا وما خص به من الحمد والمحامد مشاكلا لمعناه مطابقا لصفته وفى ذكره برهان عظيم وعلم واضح على نبوته وتخصيص الله له بكرامته وانه قدم له هذه المقامات قبل وجوده تكرمة له وتصديقا لامره عليه السلام انتهى كلام السيهلى. يقول الفقير الذى يلوح بالبال ان تقدم الاسم احمد على الاسم محمد من حيث انه عليه السلام كان اذ ذاك فى عالم الارواح متميزا عن الاحد بميم الامكان فدل قلة حروف اسمه على تجرده التام الذى يقتضيه موطن عالم الارواح ثم انه لما تشرف بالظهور فى عالم العين الخارج وخلع الله عليه من الحكمة خلعة اخرى زآئدة على الخلع التى قبلها ضوعف حروف اسمه الشريف فقيل محمد على ما يقتضيه موطن العين ونشأة الوجود الخارجى ولا نهاية للاسرار والحمد لله تعالى قال حضرة الشيخ الاكبر قدس سره الاطهر فى كتاب مواقع النجوم ماانتظم من الوجود شىء بشىء ولا انضاف منه شىء الى شىء الا لمناسبة بينهما ظاهرة او باطنة فالمناسبة موجودة فى كل الاشياء حتى بين الاسم والمسمى ولقد أشار أبو يزيد السهيلى وان كان اجنبيا عن اهل هذه الطريقة الى هذا المقام فى كتاب المعارف والاعلام له فى اسم النبى عليه السلام محمد واحمد وتكلم على المناسبة التى بين افعال النبى عليه السلام واخلاقه وبين معانى اسميه محمد واحمد انتهى كلام الشيخ أشار رضى الله عنه الى ماقدمناه من كلام السهيلى وقال بعض العارفين سمى عليه السلام بأحمد لكون حمده اتم واشتمل من حمد سائر الانبياء والرسل اذ محامدهم لله انما هى بمقتضى توحيد الصفات والافعال وحمده عليه السلام انما هو بحسب توحيد الذات المستوعب لتوحيد الصفات والافعال انتهى. قال فى فتح الرحمن لم يسم بأحمد أحد غيره ولا دعى به مدعو قبله وكذلك محمد ايضا لم يسم به احد من العرب ولاغيرهم الى أن شاع قبيل وجود عليه السلام وميلاده اى الكهان والاحبار ان نبيا يبعث اسمه محمد فسمى قوم قليل من العرب ابناءهم بذلك رجاء أن يكون احدهم هو وهم محمد بن احيحة بن الجلاح الاوسى ومحمد بن مسلمة الانصارى محمد بن البرآء البكرى محمد بن سفيان بن مجاشع ومحمد بن حمدان الجعفى ومحمد بن خزاعة السلمى فهم ستة لاسابع لهم ثم حمى الله كل من تسمى به ان يدعى النبوة او يدعيها احد له او يظهر عليه سبب يشكك احدا فى امره حتى تحققت السمتان له عليه السلام ولم ينازع فيهما انتهى. واختلف فى عدد اسماء النبى عليه السلام فقيل له عليه السلام ألف اسم كما ان لله تعالى ألف اسم وذلك فانه عليه السلام مظهر تام له تعالى فكما ان اسماءه تعالى اسماء له عليه السلام من جهة الجمع فله عليه السلام اسماء أخر من جهة الفرق على ماتقتضيه الحكمة فىهذا الموطن فمن اسمائه محمد اى كثير الحمد لان اهل السماء والارض حمدوه فى الدنيا والآخرة ومنها احمد اى اعظم حمدا من غيره لانه حمد الله تعالى بمحامد لم يحمد بها غيره ومنها المقفى بتشديد الفاء وكسره لانه أتى عقيب الانبياء وفى قفاهم وفى التكملة هو الذى قفى على اثر الانبياء اى اتبع آثارهم ومنه نبى التوبة لانه كثير الاستغفار والرجوع الى الله او لان التوبة فى امته صارت اسهل الا ترى ان توبة عبدة العجل كانت بقتل النفس او لان توبة امته كانت ابلغ من غيرهم حتى يكون التائب منهم كمن لا ذنب له لايؤاخذه به فى الدنيا ولا فى الآخرة وغيرهم يؤاخذ فى الدنيا لا فى الآخرة ومنها نبى الرحمة لانه كان سبب الرحمة وهو الوجود لقوله تعالى "حديث : لولاك لما خلقت الافلاك"تفسير : فى كتاب البرهان للكرمانى لولاك يا محمد لما خلقت الكائنات خاطب الله النبى عليه السلام بهذا القول انتهى قيل الاولى ان يحترز عن القول بأنه لولا النبى عليه السلام لان لما خلق الله آدم وان كان هذا شيأ يذكره الوعاظ على رؤوس المنابر يرون به تعظيم محمد عليه السلام لان النبى عليه السلام وان كان عظيم المرتبة عند الله لكن لكل نبى من الانبياء مرتبة ومنزلة وخاصية ليست لغيره فيكون كل نبى اصلا لنفسه كما فى التاتار خانية. يقول الفقير كان عليه السلام نبى الرحمة لانه هو الأمان الاعظم ماعاش و مادامت سنته باقية على وجه الزمان قال تعالى {أية : وما كان الله ليعذبهم وانت فيهم وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون}تفسير : قال امير المؤمنين على رضى الله عنه كان فى الارض امانان فرفع احدهما وبقى الآخر فاما الذى رفع فهو رسول الله عليه السلام واما الذى بقى فالاستغفار وقرأ بعد هذه الآية ومنها نبى الملحمة اى الحرب لانه بعث بالقتال فان قلت المبعوث بالقتال كيف يكون رحمة قلت كان امم الانبياء يهلكون فى الدنيا اذا لم يؤمنوا بهم بعد المعجزات ونبينا عليه السلام بعث بالسيف ليرتدعوا به عن الكفر ولا يستأصلوا وفى كونه عليه السلام نبى الحرب رحمة ومنها الماحى وهو الذى محا الله به الكفر او سيئات من اتبعه ومنه الحاشر وهو الذى يحشر الناس على قدمه اى على اثره ويجوز أن يراد بقدمه عهده وزمانه فيكون المعنى ان الناس يحشرون فى عهده اى فى دعوته من غير أن تنسخ ولا تبدل ومنها العاقب وهو الذى ليس بعده نبى لا مشرعا ولا متابعا اى قد عقب الانبياء فانقطعت النبوة قال عليه السلام "حديث : ياعلى أنت منى بمنزلة هرون من موسى الا انه لانبى بعدى"تفسير : اى بالنبوة العرفية بخلاف النبوة التحقيقية التى هى الانباء عن الله فانها باقية الى يوم القيامة الا انه لايجوز أن يطلق على أهلها النبى لايهامه النبوة العرفية الحاصلة بمجيىء الوحى بواسطة جبرآئيل عليه السلام ومنها الفاتح فان الله فتح به الاسلام ومنها الكاف قيل معناه الذى ارسل الى الناس كافة وليس هذا بصحيح لان كافة لايتصرف منه فعل فيكون منه اسم فاعل وانما معناه الى كف الناس عن المعاصى كذا فى التكملة. يقول الفقير هذا اذا كان الكاف مشددا واما اذا كان مخففا فيجوز أن يشاربه الى المعنى الاول كما قال تعالى {أية : يس}تفسير : أى يا سيد البشر ومنها صاحب الساعة لانه بعث مع الساعة نذيرا للناس بين يدى عذاب شديد ومنه الرؤف والرحيم والشاهد والمبشر والسراج المنير وطه ويس والمزمل والمدثر وعبد الله وقثم اى الجامع للخير ومنها، ن، اشارة الى اسم النور والناصر ومنها المتوكل والمختار والمحمود والمصطفى واذا اشتقت اسماؤه من صفاته كثرت جدا ومنها الخاتم بفتح التاء اى احسن الانبياء خلقا وخلقا فكأنه جمال الانبياء كالخاتم الذى يتجمل به اى لما اتقنت به النبوة وكملت كان كالخاتم فكأنه الذى يختم به الكتاب عند الفراغ منه واما الخاتم بكسر التاء فمعناه انه آخر الانبياء فهو اسم فاعل من ختم ومنها راكب الجمل سماه به شعيا النبى عليه السلام فان قلت لم خص بركوب الجمل وقد كان يركب غيره كالفرس والحمار قلت كان عليه السلام من العرب لامن غيرهم كما قال احب العرب لثلاث لانى عربى والقرءآن عربى ولسان اهل الجنة عربى والجمل مركب العرب مختص بهم لاينسب الى غيرهم من الامم ولايضاف لسواهم ومنها صاحب الهرواة سماه به سطيح الكاهن والهراوة بالكسر العصا فان قلت لم خص بالعصا وقد كان غيره من الانبياء يمسكها قلت العصا كثيرا ماتستعمل فى ضرب الابل وتخص بذلك كما قال به فى صفة البعير شعر : ينوخ ثم يضرب بالهراوى فلا عرف لديه و لانكير تفسير : فركوبه الجمل وكونه صاحب هراوة كناية عن كونه عربيا وقيل هذا اشارة الى قوله فى الحديث فى صفة الحوض اذ ود الناس عنه بعصاى ومنه روح الحق سماه به عيسى عليه السلام فى الانجيل وسماه ايضا المنخنا بمعنى محمد ياخود آنكه خداى بفرستد اورا بعد ازمسيح، وفى التكملة هو بالسريانية ومنها حمياطى بالعبرانية وبر قليطس بالرومية بمعنى محمد وماذ ماذ بمعنى طيب طيب وفار قليطا مقصورا بمعنى احمد وروى فار قلبط بالباء وقيل معناه الذى يفرق بين الحق والباطل وروى ان معناه بلغة النصارى ابن الحمد فكأنه محمد واحمد (وروى) انه عليه السلام قال "حديث : اسمى فى التوراة احيد لانى احيد امتى عن النار واسمى فى الزبور الماحى محا الله بى عبدة الاوثان واسمى فى الانجيل احمد وفى القرءآن محمد لانى محمود فى اهل السماء والارض"تفسير : فان قلت قال رسول الله عليه السلام "حديث : لى خمسة اسماء"تفسير : فذكر محمدا واحمد والماحى والحاشر والعاقب وقد بلغت اكثر من ذلك قلت تخصيص الوارد لاينافى ماسواه فقد خص الخمسة اما لعلم السامع بما سواها فكأنه قال لى خمسة زائدة على ما تعلم او لفضل فيها كأنه قال لى خمسة اسماء فاضلة معظمة او لشهرتها كأنه قال لى خمسة اسماء مشهورة او لغير ذلك مما يحتمله اللفظ من المعانى وقيل لان الموحى اليه فى ذلك الوقت كان هذه الاسماء وقيل كانت هذه الاسماء معروفة عند الامم السالفة ومكتوبة فى الكتب المتقدمة وفيه ان اسماءه الموجودة فى الكتب المتقدمة تزيد على الخمسة كما فى التكملة لابن عسكر {فلما جاءهم} اى الرسول المبشر به الذى اسمه احمد كما يدل عليه الآيات اللاحقة واما ارجاعه الى عيسى كما فعله بعض المفسرين فبعيد جدا وكون ضمير الجمع راجعا الى بنى اسرآئيل لاينافى ماذكرنا لان نبينا عليه السلام مبعوث الى الناس كافة {بالبينات} اى بالمعجزات الظاهرة كالقرءآن ونحوه والباء للتعدية ويجوز أن تكون للملابسة {قالوا هذا} مشيرين الى ماجاء به او اليه عليه السلام {سحر مبين} ظاهر سحريته بلا مرية وتسميته عليه السلام سحرا للمبالغة ويؤيده قرآءة من قرأ هذه ساحر وفى الآية اشارة الى عيسى القلب واسرآئيل الروح وبنية النفس والهوى وسائر القوى الشريرة فانها متولدة من الروح والقالب منسلخة عن حكم ابيها فدعاها عيسى القلب لعلو مرتبته عليه فلما جاءها بصور التجليات الصفاتية والاسمائية قالت هذا امر وهمى متخيل لا وجود له ظاهر البطلان وهكذا براهين اهل الحق مع المنكرين
الطوسي
تفسير : قرأ ابن كثير وحمزة والكسائي وحفص عن عاصم وخلف {متم نوره} مضافاً. وقرأ الباقون {متم نوره} منصوباً. والقراءتان متقاربتان إلا أن اسم الفاعل إذا كان لما مضى لا يعمل ولا يجوز إلا الاضافة، وإذا كان للحال والاستقبال جاز فيه التنوين والاضافة. يقول الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وآله إذكر يا محمد {إذ قال عيسى ابن مريم} لقومه الذين بعث اليهم {يا بني إسرائيل إني رسول الله إليكم مصدقا} نصب على الحال {لما بين يدي من التوراة} إنما سماه لما بين يديه وهو قد تقدمه وهو خلفه بمضيها لانها متقدمة. وهو متوجه اليها بالأخذ بها، فلها جهتان: جهة المضي وجهة التقدم {ومبشراً برسول} عطف على قوله {مصدقاً} وهو ايضاً نصب على الحال {يأتي من بعدي اسمه أحمد} يعنى نبينا محمد صلى الله عليه وآله. وقوله {اسمه أحمد} فأحمد عبارة عن الشخص. والاسم قول، والقول لا يكون الشخص. وخبر المبتدأ ينبغي ان يكون هو المبتدأ إذا كان مفرداً. والوجه فيه ان يقدر فيه (قول) فكأنه قال إسمه قول أحمد، كما تقول: الليلة الهلال، وانت تريد الليلة طلوع الهلال فتحذف المضاف وتقيم المضاف اليه مقامه. وقوله {فلما جاءهم بالبينات قالوا هذا سحر مبين} قيل فيه قولان: احدهما - إن محمداً لما جاء كفار قومه بالبينات أي المعجزات، قالوا هذا سحر واضح بين. وقال قوم: معناه فلما جاء عيسى قومه بالبينات والمعجزات قالوا له هذا القول. ومن نسب الحق إلى السحر فقد جرى فى ذلك مجرى الجحد لنعم الله فى أنه قد كفر، فان كان دون ذلك كان جاهلا وفاسقاً، لو لم يكفر. والسحر حيلة توهم امراً ليس له حقيقة كايهام انقلاب الحبل حية. وقوله {ومن أظلم ممن افترى على الله الكذب وهو يدعى إلى الإسلام} صورته صورة الاستفهام والمراد به التبكيت. ومعناه لا أحد أظلم لنفسه ممن افترى على الله الكذب وخرص عليه، وهو يدعى إلى الاسلام يعني الاستسلام لأمره والانقياد لطاعته، وهو متوجه إلى كفار قريش وسائر فى جميع الكفار. ثم قال {والله لا يهدي القوم الظالمين} ومعناه لا يحكم بهداية القوم الظالمين الذين هم الكفار. وقيل: معناه لا يهدي الكفار إلى الثواب، لانهم كفار ظالمون لأنفسهم بفعل الكفر والمعاصي التي يستحق بها العقاب، وكل كافر ظالم لانه أضر نفسه بفعل معصية استحق بها العقاب من الله تعالى، فكفره ضرر قبيح. ثم وصف الكافرين الذين عناهم بالآية فقال {يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم} ومعناه إنهم يريدون إذهاب نور الاسلام والايمان بفاسد الكلام الذي يجري مجرى تراكم الظلام. وقيل: معناه هم كمن أراد اطفاء نور الشمس بفيه. وقوله {والله متم نوره ولو كره الكافرون} معناه إن الله يتم نور الاسلام ويبلغ غايته وإن كره ذلك الكفار الجاحدون لنعم الله. ثم قال {هو الذي} يعني الله الذي اخبر عنه بأنه يتم نوره {أرسل رسوله} يعني محمد صلى الله عليه وآله {بالهدى ودين الحق} من التوحيد وإخلاص العبادة لله ودين الاسلام وما تعبد فيه الخلق {ليظهره على الدين كله} بالحجج القاهرة والدلائل الباهرة {ولو كره المشركون} ذلك. وفى الآية دلالة على صحة النبوة، لأنه تعالى قد أظهر دينه على الاديان كلها بالاستعلاء والقهر، كما وعد فى حال القلة والضعف.
الجنابذي
تفسير : {وَإِذْ قَالَ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ} يعنى ذكّرهم حتّى يتذكّروا بحقّيّتك ولا يخرجوا من طاعتك {يٰبَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ ٱللَّهِ إِلَيْكُم مُّصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ ٱلتَّوْرَاةِ وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي ٱسْمُهُ أَحْمَدُ} والاخبار فى تبشير الانبياء (ع) واخبارهم بظهور محمّدٍ (ص) وبعثته اكثر من ان تحصى، ونسب الى الباقر (ع) انّ اسم النّبىّ (ص) فى صحف ابراهيم (ع) الماحى وفى توراة موسى (ع) الحادّ، وفى انجيل عيسى (ع) احمد (ص)، وفى القرآن محمّد (ص)، ونقل انّه سأل بعض اليهود رسول الله: لم سمّيت احمد؟ - قال: لانّى فى السّماء احمد منّى فى الارض {فَلَمَّا جَاءَهُم بِٱلْبَيِّنَاتِ قَالُواْ هَـٰذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ وَهُوَ يُدْعَىٰ إِلَى ٱلإِسْلاَمِ} ظاهره منزل فى منكرى محمّدٍ (ص) ورسالته ومعجزاته وقولهم: انّ الانبياء (ع) اوصوا ان لا نؤمن برسولٍ حتّى يكون كذا وكذا، او قالوا لنا: لا نبىّ بعدنا لكنّ التّعريض بمن ادّعى الخلافة بعد الرّسول (ص) وادّعوا ذلك من الرّسول (ص) او من الله {وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلظَّالِمِينَ} بوضع الولاية غير موضعها وبادّعاء الخلافة من غير استحقاقٍ، ويدلّ على انّ المراد بها التّعريض بمدّعى الخلافة ومنكرى علىٍّ (ع) قوله تعالى {يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُواْ نُورَ ٱللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ}.
اطفيش
تفسير : {وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَابَنِى إِسْرَائِيلَ} لم يقل يا قوم لانه لا نسب له فيهم {إِنِّى رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ مُّصَدَِّقاً} حال من رسول أو من ضميره {لِّمَا بَيْنَ يَدَىَّ مِنَ التَّورَاةِ} واحكامها. {وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِى مِن بَعْدِى} وقرىء باسكان الياء وتحذف للساكن وهو قراءة ابن عامر وحفص وحمزة والكسائي والفتح اختيار الخليل وسيبويه وليس قوله اليكم استقراريا حتى تكون الحالية من الضمير المستتر فيه فانه لغو لا ضمير فيه. {أسْمُهُ أَحْمَدُ} هو سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وذكر اول الكتب المشهورة التي حكم به النبيون وآخر الانبياء اشارة الى ان دينه التصديق بجميع الانبياء وكتبهم وايمانه بالتوراة بما فيها قال الحواريون لعيسى: يا روح الله هل من بعدنا من امة قال: نعم امة احمد حكماء علماء ابرار اتقياء كأنهم من الفقه انبياء يرضون من الله باليسير من الرزق ويرضى الله منهم باليسير من العمل وفي الحديث:"حديث : أنا أحمد وأنا محمد وأنا الماحي وأنا الحاشر وأنا الهادي وأنا العاقب وأنا الخاتم"تفسير : معنى الماحي الذي يمحو الله بدينه الكفر، ومعنى العاقب أنه لا نبي بعده، والحاشر الذي لا يحشر الناس يوم القيامة على عقبه. قال ابو موسى: سمعت النجاشي يقول أشهد ان محمداً رسول الله وانه الذي بشر به عيسى ولولا ما انا فيه من الملك وما تحملت من أمر الناس لاتيته حتى أحمل نعليه قال عبد الله بن سلام مكتوبة في التوراة صفة محمد وعيسى بن مريم يدفن معه انتهى. قالوا وقد بقي في البيت موضع قبر هو قبر عيسى عليه السلام، وأحمد منقول من الفعل المضارع او من اسم التفضيل من المبني للفاعل أي اكثر حمدا لله من غيره أو من المبني للمفعول أي يحمده الناس اكثر من غيره وهذا مرجوح وسميت امته في كتب الانبياء الحمادين ولم يسم احد به قبله وأما محمد فقد سمي به ستة رجال حين شاع انه قرب مبعث نبي اسمه محمد، قاله عياض في الشفاء وقال ابن خالوية والسهيلي ثلاثة قلت بل خمسة عشر محمد ابن عدي بن ربيعة ومحمد بن أُحيحة بهمزة مضمومة فحاء مهملة مفتوحة فياء مثناة تحت ساكنة فحاء مهملة، ومحمد بن اسامة، ومحمد بن البراء، ومحمد بن الحارث، ومحمد بن حرماز،ومحمد بن حمران، ومحمد بن خزاعة، ومحمد بن يحمد، ومحمد بن خولى،ومحمد بن سفيان، ومحمد بن اليحمدي، ومحمد بن يزيد، ومحمد بن الاسيدي، ومحمد بن المقيمني ولم يظهر على يد واحد منهم ما يشكك الناس ولم يدركوا الاسلام إلا الاول فقيل ادركه والا الرابع فهو صحابي جزماً وذكر عياض محمد بن مسلمة الانصاري وليس شيء فإنه ولد بعد النبي صلى الله عليه وسلم بأزيد من عشرين سنة وعن انس عن النبي صلى الله عليه وسلم "حديث : لاتسموا اولادكم محمداً ثم تلعنونهم"تفسير : رواه الحاكم في المستدرك. {فَلَمَّا جَآءَهُم} جاء أحمد الكفار أو اليهود وقيل: جاءهم عيسى وهو اظهر {بِالبَيِّنَاتِ} بالقرآن أو بالانجيل {قَالُوا هَذَا} الذي جئت به {سِحْرٌ} أو الاشارة الى احد الرسولين سموه سحرا مبالغة ويقويه قراءة حمزة والكسائي ساحر بالالف وكسر الحاء. {مُّبِينٌ.وَمَن أَظْلَمَ} استفهام انكار واظلم بمعنى اشد ظلما {مِمَّن افْتَرَى عَلَى اللهِ الكَذِبَ} نسبة التشريك والولد اليه ووصف اياته بالسحر {وَهُوَ يَدْعَى إِلَى الإِسْلآمِ} حال من ضمير افترى وقرأ طلحة بن مصرف يدعي بتشديد الدال يفتعل من الدعاء وعنه وهو يدعو أي الله يدعو. {وَاللهُ لا يَهْدِى القَوْمَ الظَّالِمينَ} لا يرشد الكافرين الذين سبقت لهم الشقوة.
اطفيش
تفسير : {وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابنُ مَرْيَمَ} عطف على إِذ الأولى بلا خفاء إِذا قدرنا فى الأُولى اذكر ولا حاجة إِلى تقدير اذكر مع قرب إِذ الأُولى وظهور المعنى فلو قدر أحد عاملا لعمرو فى قولك أكرم زيداً فإِنه أهل لأَن يكرم عمرا لكان كالعبث نعم إِن نصب إِذ الأُولى بزاغوا أو نحوه محذوفا قدر لهذا اذكر {يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ} لم يقل يا قومى كموسى عليهما السلام لأَن نسبه فى بنى إِسرائيل من أمه فقط لا من أب ولا أب له بل هو خلق من الله عز وجل والنسب يعتبر بالأَب فى العادة وفى الأَصالة وللإِشارة إِلى أنه عامل بالتوراة وأنه مثلهم فى أنه من بنى إِسرائيل لأَن أمه منهم هضماً لنفسه بأَنه لا أتباع له ولا قوم، وفى ذلك استعطاف بالخضوع واستعطاف إِليهم بأَنه مثلهم فى العظمة بأَنه من أولاد إِسرائيل، وكانوا يتعاظمون بكونهم من بنى إِسرائيل. {إِنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ} بالإِنجيل واتباع التوراة والزبور والصحف كما قال الله عز وجل {مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ} لما حضرنى من التوراة وخصها بالذكر لعظمها ومصدقا حال من المستتر فى رسول لأَنه فعول بمعنى مفعول كحلوب بمعنى محلوبة إِلا أنه فى الوصف من الثلاثى لمعنى الرباعى كاسم المصدر من الثلاثى لمعنى المزيد عليه كاغتسل غسلا والرباعى أرسل وذكر تصديقه بالتوراة ليجلبهم إِلى الإِيمان به {وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي} تبشيراً تضمنته التوراة وقد بسطت أدلة نبوءة سيدنا محمد - صلى الله عليه وسلم - ورسالته من الكتب المتقدمة فى رد الشرود إِلى الحوض المورود فمن ذلك ما فى الفصل العشرين من السفر الخامس منها أقبل الله من سيناء وتجلى من ساعير بالراء أو النون روايتان. وإِقبال الله إِقبال وحيه ومن هو على يده وظهر من جبال فاران أى مكة ومعه آلاف من الصالحين، وفى لفظ معه الربوات الأَطهار عن يمينه، وفى الفصل الحادى عشر من هذا السفر: يا موسى إِنى سأَقيم لبنى إِسرائيل نبياً من إِخوتهم مثلك، أجعل كلامى فى فمه ويقول لهم ما أمره به ومن لا يقبل قول ذلك النبى الذى يتكلم باسمى أنتقم منه ومن سبطه أى أتباعه وقال من إِخوتهم لأَنه من ولد إِسماعيل عليه السلام أخى اسحاق لا من أولاد إِسرائيل وهو يعقوب {اسْمُهُ أحْمَدُ} أصله اسم تفضيل من المبنى للفاعل أى أعظم الخلق حمداً لله تعالى أو أكثرهم حمداً لله تعالى، وإِمّا أن يكون اسم تفضيل من المبنى للمفعول، أى حمده الله تعالى أكثر من حمد غيره أو حمده الخلق أكثر مما حمدوا غيره، والخلق يشمل الملك والجماد والحيوانات أو الله تعالى وخلقه بفضله أو أعظم الله و خلقه حمده فلا دليل عليه لأَن بناء اسم التفضيل من المبنى للمفعول غير مقيس ولا دليل عليه هنا ولو ورد فى قوله فالعود يا أحمد أحمد، وقبح الله النصارى أنكروا رسالة سيدنا محمد - صلى الله عليه وسلم - وحرفوا الإِنجيل ليقولوا للناس ما وجدناه فيه، عن كعب الأَحبار أن الحواريين قالوا لعيسى عليه السلام يا روح الله هل بعدنا من أمة؟ قال: نعم، يأْتى بعدكم أمة أحمد حكماء علماء أبرار أتقياء كأَنهم فى الفقه أنبياء يرضون من الله باليسير من الرزق ويرضى عنهم باليسير من العمل. وفى البخارى ومسلم عن جبير بن مطعم قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: حديث : لي خمسة أسماء، أنا محمد وأنا أحمد وأنا الماحي الذي يمحو الله بي الباطل ويروي الكفر وأنا الحاشر الذي يحشر الناس تحت قدمي يوم القيامة وأنا العاقب الذي ليس بعدي شيءتفسير : . وقد ذكرت أحاديث الإِنجيل وكتب أشعيا وغيرها على رسالته فى رد الشرود، ومن ذلك ما ذكر فى الفصل الخامس عشر من إِنجيل يوحنا. قال المسيح من يحبنى يحفظ كلمتى وأبى يحب الفارقليط روح الحق الذى يرسله أى بعلمكم كل شئ وإِليه يأْتى وعنده يتخذ المنزلة. وقلت لكم لتحفظوا فإِنى لا أُقيم فيكم فبلغوه سلامى وإِنى إِن لم أذهب إِلى أى لم يأْتكم الفارقليط ويعلمكم ما للأَب وعندهم فى الإِنجيل وغيره استعمال الأَب بمعنى الرب والعظيم كما تقول المغاربة البربرية بابه ربى، وما زال اليهود والنصارى إِلى الآن يزيدون كذباً وتحريفا لعنهم الله عز وجل ولعن من يعينهم لما سمعوا بنزول الوحى عليه فى الجبل قالوا علمه فيه بشر، قال أبو موسى سمعت النجاشى يقول أشهد أن محمداً رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأنه الذى بشر به عيسى ولولا ما أنا فيه من الملك وما تحملت فيه من أمر الناس لأَتيته حتى أحمل نعليه، أخرجه أبو داود. ويروى أنه قال لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إِن أمرتنى أن آتيك آتك. وعن عبد الله بن سلام مكتوب فى التوراة أن صفة محمد وعيسى ابن مريم يدفن معه وفى البيت قيل موضع غير عيسى عليه السلام {فَلَمَّا جَاءَهُم} عيسى {بِالْبَيِّنَاتِ} كإِحياء الموتى بإِذن الله وإِبراء الأَكمه والأَبرص. {قَالُوا هَذَا} أى ما أتى به من البينات {سَحْرٌ} أو الإِشارة لعيسى وسحر بمعنى ساحر أو ذو سحر أو مبالغة ويؤيد التفسير بساحر قراءة يحيى بن وثاب هذا ساحر والإِضمار فى جاء لعيسى وهو المحدث عنه أو ضمير جاء للنبى - صلى الله عليه وسلم - بشرهم به عيسى وكفروا به وكفروا بعيسى وقبل بعثته - صلى الله عليه وسلم - آمنوا به {وَمَنْ أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللهِ الْكَذِبَ وَهُوَ يُدعَى إِلَى الإِسْلاَمِ} لا أظلم ممن يدعى إِلى الإِسلام وهو دين الله الحق الذى به النجاة والفوز ويضع موضع الإِيمان الافتراء على الله بإِثبات ما نفى ونفى ما أثبت وهم اليهود وكذا النصارى ومن آمن منهم ولم يكفر سمى مسلما وليس اسم الإِسلام مختصاً بهذه الأمة {وَاللهُ لاَ يَهدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} هداية توفيق بل هداية بيان، ويجوز أن نقول هداية إِرشاد بمعنى هداية تبيين تقول أرشدته أى بينت له الرشاد ولم يرتشد ويقال أرشدته صيرته راشدا وهذا هو المنفى عنهم، {يُرِيدُونَ لِيُطْفِئوا نُورَ اللهِ بِأَفْوَاهِهِمْ} مفعول يريد محذوف واللام التعليل أى يريدون الافتراء ليطفئوا أو يريدون إِبطال القرآن بالتكذيب أو يريدون إِبطال حجج الله تعالى أو يريدون إِهلاك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالأَراجيف أو إِبطال شأنه - صلى الله عليه وسلم - أو إِبطال ظهوره، وما صدق ذلك كله واحد، وكل ذلك غير إِطفاء النور على أن إِطفاءه هو إِزالة ما يتولد من شهرة الدلائل والحجج وما ذكر والعمل به، وإِن شئت فاللام صلة ومصدر يطفئ مفعول يريد وحرف المصدر محذوف هو أن وبعض جعل اللام حرف مصدر فالمصدر مفعول. أبطأَ الوحى على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أربعين يوماً فقال كعب ابن الأشرف - لعنه الله - لليهود أبشروا أطفأَ الله نور محمد فيما كان ينزل عليه وما كان ليتم نوره، فحزن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فنزل قوله تعالى: يريدون ليطفئوا نور الله بأَفواههم. وتسمية ذلك نوراً على الاستعارة التصريحية. ويجوز أن يكون الكلام استعارة تمثيلية {وَاللهُ مُتِمُّ نُورِهِ} إِبطالا لدعواهم وتهكما بهم كما تقول فلان يطفئ نور الشمس بمعنى يجحد ما لا يخفى {وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ} إِتمامه، {هُوَ الَّذِي أرْسَلَ رَسُولَهُ} محمداً - صلى الله عليه وسلم - {بِالْهُدَى} بالبيان والإِرشاد وهذا معنى مصدرى وتلاوة القرآن إِرشاد وبيان لسامعه ولا مبالغة فى ذلك وكذا إِيقاع المعجزة بيان وإِرشاد، وهى داخلة فى الهدى، وإِن جعلنا الهدى بمعنى الاهتداء أو بمعنى نفس القرآن لا يفيد تلاوته أو نفس المعجزة لا يفيد إِيقاعها، فإِطلاق الهدى عليها مبالغة {وَدِينِ الْحَقِّ} معانى القرآن والعمل بها {لِيُظْهِرُوهُ} يعليه {عَلَى الدِّينِ} (الـ) للاستغراق ونص عليه بقوله تعالى: {كُلِّهِ} أديان الكفرة {وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ} وهذا وعد أنجزه الله تعالى بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولا دين شرك إِلا مقهور بدين الإِسلام كما فى زمان هارون الرشيد، ويسمى عرس الإِسلام. وعن مجاهد أن هذا فى زمان عيسى عليه السلام لا يكون فى الأَرض إِلا دين الإِسلام ولو تقدم قبله زمان لم يبق للإِسلام فيه إِلا اسمه، وقيل المراد بإِظهاره على الدين كله الإِعلاء بالدلائل والبراهين وهذا فى كل وقت لا ينقطع ومن العجيب جعلهم ولو كره الخ فى الموضعين حالا مع أنه خارج عن أن يكون مفردا وعن أن يكون كلاماً تاماً وإِن جعلنا الواو عاطفة على محذوف والمحذوف حالا صح، أى لو لم يكره الكافرون ولو كره الكافرون أو لو لم يكره المشركون ولو كره المشركون ومع هذا ما صح إِلا بتأْويل بقولك مطلقاً، وعبر أولا بالكافرون لظهور أن النور نعمة عند كل أحد تستحق الشكر وهم كفروها بخلاف ما يقول الشارع إِنه هدى ولم يذكره باسم النور فإِن منكريه لم يقروا أنه نور ولا أن الله سماه باسم النور. {يَا أيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} بأَلسنتهم دون قلوبهم، أو إِيماناً ضعيفاً ناداهم ليخلصوا إِيمانهم ويجاهدوا فى سبيل الله بإِخلاص فتحصل لهم بذلك المغفرة وإِدخال الجنة وإِن أريد المؤمنون الخلص فعلى طريق التهييج والإِلهاب بالدوام على ما هم عليه من الإِيمان والجهاد والزيادة وجمع الجهاد إِلى الإِيمان إِن لم يقع قبل ويقوى هذا قوله تعالى: وأُخرى تحبونها نصر الخ لأَن المنافقين ومن ضعف إِيمانه لا رغبة لهم فى نصر دين الله والفتح بل للمنافقين رغبة فى نصر الشرك إِلا أن يقال وأُخرى تحبونها إِن أسلمتم وأخلصتم {هَلْ أدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ} عظيمة {تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ} يوم القيامة وتوصلكم إِلى دائم النعيم يوم الندامة {تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأنْفُسِكُمْ} جواب سؤال كأَنه قيل ما هذه التجارة؟ فقيل تؤمنون والمعنى الأَمر، أى آمنوا وجاهدوا بدليل جزم يغفر ويدخل فى الجواب ويدل لذلك أيضاً قراءة ابن مسعود: آمنوا بالله ورسوله وجاهدوا بصورة الأَمر. وقراءة زيد بن على: تؤمنوا وتجاهدوا بحذف النون على تقدير لام الأَمر وفيها دخول للام الأَمر على مضارع المخاطب وهو ضعيف وإِنما جئ به بصيغة الإِخبار إِيذاناً بوجوب الامتثال حتى كأَنه قد وقع الإِيمان أو إِخلاصه فهو تعالى يخبر بهما واقعين فى الحال مستمرين أو مستقبلين لا يتخلفان. وقال الأَخفش المضارعان خبران لفظاً ومعنى مصدرهما بدل من تجارة، إِما على حذف حرف المصدر ورفع المضارع بعد حذفه كما هو وجه فى قوله تعالى: {أية : ومن آياته يريكم} تفسير : [الروم: 24] وكقوله: شعر : "ألا أيهذا الزاجري أحضر الوغى" تفسير : أى الذى يزجرنى أن أحضر الوغى لئلا أموت، وأما على تقدير حرف مصدر غير ناصب كما، وكلاهما خلاف الأَصل وأما على تنزيل المضارع منزلة الاسم كما هو وجه فى تسمع بالمعيدى {ذلِكُمْ} ذلكم الإِيمان والجهاد {خَيْرٌ لَّكُمْ} نفع لكم وهو مقابل المضرة أو أفضل لكم من أموالكم الممسكة وأنفسكم وأولادكم أو أفضل لكم على الإِطلاق. {إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} إِن كنتم من أهل الإِدراك للمصالح وجواب إِن أغنى عنه ما قبله أو يقدر إِن كنتم تعلمون مصالحكم ظهر لكم أنه خير لكم. {يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ وَمَسَاكِنُ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ} إِن لم يجز ما فى جواب الأَمر كما إِذا قيل تؤمنون وتجاهدون إِخبار لفظا ومعنى فالجزم بإِن محذوفة، أى إِن آمنتم وجاهدتم يغفر لكم إِلخ. أو جواب استفهام محذوف، أى هل تؤمنون وتجاهدون أو هل تتجرون بالإِيمان والجهاد أو هل تقبلون أن أدلكم على تجارة يغفر ويجوز جزمه فى جواب الاستفهام المذكور فى الآية باعتبار أن دلالته - صلى الله عليه وسلم - على التجارة مظنة لحصول الامتثال فنزلت منزلة المحقق فلا يعترض بأَن مجرد الدلالة لا يوجب المغفرة وإِدخال الجنة وهذا الوجه إِنما يتم بشرط أن الخطاب للمؤمنين المخلصين الراسخين، فهم الذين تتأَثر فيهم الدلالة ومعنى طيب المساكن حسنها فى ذاتها بحيث تستلذ فى النفس فكيف وهى فى جنات عدن والمراد بالجنات هنا الشجر والنخل والنبات لا الدار المضادة لدار الأَشقياء بدليل مقابلتها بالمساكن لكن تلك الأَشجار والنخل والنبات فى دار السعداء، فلهم فيها أجنة ومساكن، والمراد بجنات عدن طبقات دار السعداء وهن ثمان كما أن طبقات دار الأَشقياء سبع {ذَلِكَ} المذكور من المغفرة وإِدخال الجنات والمساكن الطيبة {الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} أى المفوز به أو موجب الفوز العظيم أو حاصل الفوز العظيم أو يقدر المضاف أولا أى نيل ذلك هو الفوز العظيم الذى لا فوز فوقه إِلا كون أهله قد رضى الله عنهم فإِنه فوق كل خير. {وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا} مبتدأ خبره محذوف أى ولكم نعمة أُخرى مع تلك المغفرة وذلك الإِدخال أو مع ذلك الفوز، وتحبونها نعت لأُخرى ولو كان وصفا لأَن وصفيته ليست غير المغايرة أو نعت لمنعوته المحذوف وهو النعمة. {نَصْرٌ مِنَ اللهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ} بدل من أُخرى أو عطف بيان على جوازه فى النكرات أو خبر لمحذوف أى هى نصر والأَصل عدم الحذف، أو أُخرى مبتدأ خبره نصر وليس فيه أن لهم الأُخرى لكن تلويح، أو أُخرى مفعول لمعطوف على يغفر محذوف أى ويعطيكم أُخرى هى نصر أو منصوب بتحب محذوف على الاشتغال، وليس فيه أنها لهم إِلا بالتلويح والفتح القريب فتح مكة أو مطلق فتوح الإِسلام أو نزول مطلق الخير والنعم. {وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ} معطوف على محذوف أى أبشر يا محمد وبشر المؤمنين، أو فأَبشر يا محمد بالفاء التفريعية أو يقدر قل قبل قوله عز وجل يا أيها الذين آمنوا ويعطف عليه بشر ويصح عطفه على تؤمنون لأَنه بمعنى الأَمر أى آمنوا وجاهدوا وبشر يا محمد المؤمنين، وفيه أنَّ تؤمنون وتجاهدون لأُمته والأَمر بالتبشير هو له وأيضا تؤمنون فى جواب سؤال عن التجارة وليس بشر فى ذلك فيجاب بأَنه وأُمته كواحد حتى أنه داخل فى يا أيها الذين آمنوا وأن الزيادة فى الجواب على السؤال جائزة كقوله تعالى، {أية : هي عصاي أتوكأُ عليها وأهش بها على غنمي ولي فيها مآرب أُخرى} تفسير : [طه: 18].
الالوسي
تفسير : {وَإِذْ قَالَ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ } إما معطوف على { أية : إذ } تفسير : [الصف: 5] الأولى معمول لعاملها، وإما معمول لمضمر معطوف على عاملها {يٰبَنِى إِسْرٰءيلَ } ولعله عليه السلام لم يقل يا قومي كما قال موسى عليه السلام بل قال: {يٰبَنِى إِسْرٰءيلَ } لأنه ليس له النسب المعتاد وهو ما كان من قبل الأب فيهم، أو إشارة إلى أنه عامل بالتوراة وأنه مثلهم في أنه من قوم موسى عليه السلام هضماً لنفسه بأنه لا أتباع له ولا قوم، وفيه من الاستعطاف ما فيه، وقيل: إن الاستعطاف / بما ذكر لما فيه من التعظيم، وقد كانوا يفتخرون بنسبتهم إلى إسرائيل عليه السلام. {إِنِّي رَسُولُ ٱللَّهِ إِلَيْكُم مُّصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ ٱلتَّوْرَاةِ} أي مرسل منه تعالى إليكم حال كوني مصدقاً، فنصب {مُصَدّقاً } على الحال من الضمير المستتر في {رَّسُولٍ } وهو العامل فيه، و {إِلَيْكُمْ } متعلق به، وهو ظرف لغو لا ضمير فيه ليكون صاحب حال، وذكر هذا الحال لأنه من أقوى الدواعي إلى تصديقهم إياه عليه السلام. وقوله تعالى: {وَمُبَشّراً بِرَسُولٍ يَأْتِى مِن بَعْدِى } معطوف على {مُصَدّقاً }، وهو داع أيضاً إلى تصديقه عليه السلام من حيث إن البشارة بهذا الرسول صلى الله عليه وسلم واقعة في التوراة كقوله تعالى في الفصل العشرين من السفر الخامس منها: أقبل الله من سينا وتجلى من ساعير وظهر من جبال فاران معه الربوات الأطهار عن يمينه، وقوله سبحانه في الفصل الحادي عشر من هذا السفر: يا موسى إني سأقيم لبني إسرائيل نبياً من إخوتهم مثلك أجعل كلامي في فيه، ويقول لهم ما آمره فيه، والذي لا يقبل قول ذلك النبـي الذي يتكلم باسمي أنا أنتقم منه ومن سبطه إلى غير ذلك، ويتضمن كلامه عليه السلام أن دينه التصديق بكتب الله تعالى وأنبيائه عليهم السلام جيمعاً من تقدم ومن تأخر. وجملة {يَأْتِىَ } الخ في موضع الصفة ـ لرسول ـ وكذا جملة قوله تعالى: {ٱسْمُهُ أَحْمَدُ } وهذا الاسم الجليل علم لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وعليه قول حسان: شعر : صلى الإلٰه ومن يحف بعرشه والطيبون على المبارك أحمد تفسير : وصح من رواية مالك والبخاري ومسلم والدارمي والترمذي والنسائي عن جبير بن مطعم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « حديث : إن لي أسماء أنا محمد وأنا أحمد وأنا الحاشر الذي يحشر الناس على قدمي وأنا الماحي الذي يمحو الله بـي الكفر وأنا العاقب » تفسير : والعاقب الذي ليس بعده نبـي وهو منقول من المضارع للمتكلم أو من أفعل التفضيل من الحامدية، وجوز أن يكون من المحمودية بناءاً على أنه قد سمع أحمد اسم تفضيل منها نحو العود أحمد، وإلا فأفعل من المبني للمفعول ليس بقياسي. وقرىء {من بعدى } بفتح الياء. هذا وبشارته عليه السلام بنبينا صلى الله عليه وسلم مما نطق به القرآن المعجز، فإنكار النصارى ذلك ضرب من الهذيان، وقولهم: لو وقعت لذكرت في الإنجيل الملازمة فيه ممنوعة، وإذا سلمت قلنا: بوقوعها في الإنجيل إلا أن جامعيه بعد رفع عيسى عليه السلام أهملوها اكتفاءاً بما في التوراة ومزامير داود عليه السلام وكتب شعياء وحبقوق وأرمياء وغيرهم من الأنبياء عليهم السلام. ويجوز أن يكونوا قد ذكروها إلا أن علماء النصارى بعد ـ حباً لدينهم أو لأمر ما غير ذلك ـ أسقطوها كذا قيل. وأنا أقول: الأناجيل التي عند النصارى أربعة: إنجيل متى من الاثني عشر الحواريين جمعه باللغة السريانية بأرض فلسطين بعد رفع عيسى عليه السلام بثماني سنين وعدة إصحاحاته ثمانية وستون إصحاحاً، وإنجيل مرقص وهو من السبعين جمعه باللغة الفرنجية بمدينة رومية بعد الرفع باثنتي عشرة سنة وعدة إصحاحاته ثمانية وأربعون إصحاحاً، وإنجيل لوقا وهو من السبعين أيضاً جمعه بالإسكندرية باللغة اليونانية وعدة إصحاحاته ثلاثة وثمانون إصحاحاً، وإنجيل يوحنا وهو حبيب المسيح جمعه بمدينة إفسس من بلاد رومية بعد الرفع بثلاثين سنة وعدة إصحاحاته في النسخ القبطية ثلاثة وثلاثون إصحاحاً وهي مختلفة، وفيها ما يشهد الإنصاف بأنه ليس كلام الله عز وجل ولا كلام عيسى عليه السلام كقصة صلبه الذي يزعمونه ودفنه ورفعه من قبره إلى السماء فما هي / إلا كتواريخ وتراجم فيها شرح بعض أحوال عيسى عليه السلام ولادة ورفعاً ونحو ذلك، وبعض كلمات له عليه السلام على نحو بعض الكتب المؤلفة في بعض الأكابر والصالحين فلا يضر إهمالها بعض الأحوال، والكلمات التي نطق القرآن العظيم بها ككلامه عليه السلام في المهد وبشارته بنبينا صلى الله عليه وسلم على أن في إنجيل يوحنا ما هو بشارة بذلك عند من أنصف وسلك الصراط السوي وما تعسف، ففي الفصل الخامس عشر منه قال يسوع المسيح: إن الفارقليط روح الحق الذي يرسله أبـي يعلمكم كل شيء، وقال يوحنا أيضاً: قال المسيح: من يحبني يحفظ كلمتي وأبـي يحبه وإليه يأتي وعنده يتخذ المنزلة كلمتكم بهذا لأني لست عندكم بمقيم، والفارقليط روح القدس الذي يرسله أبـي هو يعلمكم كل شيء وهو يذكركم كل ما قلت لكم أستودعكم سلامي لا تقلق قلوبكم ولا تجزع فإني منطلق وعائد إليكم لو كنتم تحبوني كنتم تفرحون بمضيى إلى الأب، وقال أيضاً: إن خيراً لكم أن أنطلق لأبـي إن لم أذهب لم يأتكم الفارقليط فإذا انطلقت أرسلته إليكم فإذا جاء فهو يوبخ العالم على الخطيئة وإن لي كلاماً كثيراً أريد قوله ولكنكم لا تستطيعون حمله لكن إذا جاء روح الحق ذاك الذي يرشدكم إلى جميع الحق لأنه ليس ينطق من عنده بل يتكلم بما يسمع ويخبركم بكل ما يأتي ويعرفكم جميع ما للأب، وقال أيضاً: إن كنتم تحبوني فاحفظوا وصاياي وأنا أطلب من الأب أن يعطيكم فارقليطاً آخر يثبت معكم إلى الأبد روح الحق الذي لم يطق العالم أن يقبلوه لأنهم لم يعرفوه ولست أدعكم أيتاماً لأني سآتيكم من قريب. والفارقليط لفظ يؤذن بالحمد، وتعين إرادته صلى الله عليه وسلم من كلامه عليه السلام مما لا غبار عليه لمن كشف الله تعالى غشاوة التعصب عن عينيه، وقد فسره بعض النصارى بالحماد، وبعضهم بالحامد فيكون في مدلوله إشارة إلى اسمه عليه الصلاة والسلام أحمد، وفسره بعضهم بالمخلص لقوله عيسى عليه السلام: فالله يرسل مخلصاً آخر فلا يكون ما ذكر بشارة به صلى الله عليه وسلم بعنوان الحمد لكنه بشارة به صلى الله عليه وسلم بعنوان التخليص، فيستدل به على ثبوت رسالته صلى الله عليه وسلم، وإن لم يستدل به على ما في الآية هنا، وزعم بعضهم أن الفارقليط إشارة إلى ألسن نارية نزلت من السماء على التلاميذ ففعلوا الآيات والعجائب، ولا يخفى أن وصفه بآخر يأبـى ذلك إذ لم يتقدم لهم غيره. {فَلَمَّا جَاءَهُمْ} أي عيسى عليه السلام {بالبَيِّنَات} أي بالمعجزات الظاهرة. {قَالُوا هَذَا سحْرٌ مُّبينٌ} مشيرين إلى ما جاء به عليه السلام، فالتذكير بهذا الاعتبار، وقيل: مشيرين إليه عليه السلام وتسميته سحراً للمبالغة، ويؤيده قراءة عبد الله وطلحة والأعمش وابن وثاب ـ هذا ساحر ـ وكون فاعل {جاءهم} ضمير عيسى عليه السلام هو الظاهر لأنه المحدث عنه، وقيل: هو ضمير {أحمد} عليه الصلاة والسلام لما فرغ من كلام عيسى تطرق إلى الإخبار عن أحمد صلى الله عليه وسلم أي فلما جاء أحمد هؤلاء الكفار بالبينات قالوا الخ.
ابن عاشور
تفسير : عطف على جملة {أية : وإذ قال موسىٰ لقومه}تفسير : [الصف: 5] فعلى الوجه الأول في موقع التي قبلها فموقع هذه مساوٍ له. وأما على الوجه الثاني في الآية السابقة فإن هذه مسوقة مساق التتميم لقصة موسى بذكر مثال آخر لقوم حادُوا عن طاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم من غير إفادة تحذير للمخاطبين من المسلمين، وللتخلص إلى ذكر أخبار عيسى بالرسول الذي يجيء بعده. ونادى عيسى قومه بعنوان {بني إسرائيل} دون {أية : يا قوم}تفسير : [الصف: 5] لأن بني إسرائيل بعد موسى اشتهروا بعنوان «بني إسرائيل» ولم يطلق عليهم عنوان: قوم موسى، إلا في مدة حياة موسى خاصة فإنهم إنما صاروا أمة وقوماً بسببه وشريعته. فأما عيسى فإنما كان مرسلاً بتأييد شريعة موسى، والتذكير بها وتغيير بعض أحكامها، ولأن عيسى حين خاطبهم لم يكونوا قد اتبعوه ولا صدّقوه فلم يكونوا قوماً له خالصين. وتقدم القول في معنى {أية : مصدقاً لما بين يدي من التوراة} تفسير : في أوائل سورة [آل عمران: 50] وفي أثناء سورة العقود. والمقصود من تنبيههم على هذا التصديق حين ابتدأهم بالدعوة تقريب إجابتهم واستنزال طائرهم لشدة تمسكهم بالتوراة واعتقادهم أن أحكامها لا تقبل النسخ، وأنها دائمة. ولذلك لما ابتدأهم بهذه الدعوة لم يزد عليها ما حكي عنه في سورة [آل عمران: 50] من قوله:{أية : ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم}تفسير : ، فيحمل ما هنالك على أنه خطاب واقع بعد أول الدعوة فإن الله لم يوح إليه أوّل مرّة بنسخ بعض أحكام التوراة ثم أوحاه إليه بعد ذلك. فحينئذٍ أخبرهم بما أوحي إليه. وكذلك شأن التشريع أن يُلقَى إلى الأمة تدريجاً كما في حديث عائشة في صحيح البخاري} أنها قالت: «إنما أُنزل أوّل ما أُنزل منه (أي القرآن) سورة من المفصل فيها ذكر الجنة والنار حتى إذا ثاب الناس إلى الإِسلام نزل الحلال والحرام، ولو أنزل أولَ شيء: لا تشربوا الخمر، لقالوا: لا نترك الخمر أبداً، ولو نزل: لا تزنوا: لقالوا: لا ندع الزنا أبداً. لقد نزل بمكة على محمد صلى الله عليه وسلم وإني لجاريةٌ ألعَب {أية : بل الساعةُ موعدهم والساعة أدهى وأمرّ}تفسير : [القمر: 46]، وما نزلت سورة البقرة والنساء إلا وأنا عنده» اهـ. فمعنى قوله: {مصدقاً لما بين يدي من التوراة} في كلتا الآيتين هو التصديق بمعنى التقرير والأعمال على وجه الجملة، أي أعمال مجموعها وجمهرة أحكامها ولا ينافي ذلك أنه قد تغير بعض أحكامها بوحي من الله في أحوال قليلة. والتبشير: الإِخبار بحادث يسُرّ، وأطلق هنا على الإِخبار بأمر عظيم النفع لهم لأنه يلزمه السرور الحق فإن مجيء الرسول إلى الناس نعمة عظيمة. ووجه إيثار هذا اللفظ الإِشارة إلى ما وقع في الإِنجيل من وصف رسالة الرسول الموعود به بأنها بشارة الملكوت. وإنما أخبرهم بمجيء رسول من بعده لأن بني إسرائيل لم يزالوا ينتظرون مجيء رسول من الله يخلصهم من براثن المتسلطين عليهم وهذا الانتظار ديدنهم، وهم موعودون لهذا المخلّص لهم على لسان أنبيائهم بعد موسى. فكان وعد عيسى به كوعد من سبقه من أنبيائهم، وفاتحهم به في أول الدعوة اعتناء بهذه الوصية. وفي الابتداء بها تنبيه على أن ليس عيسى هو المخلص المنتظر وأن المنتظر رسول يأتي من بعده وهو محمد صلى الله عليه وسلم. ولعظم شأن هذا الرسول الموعود به أراد الله أن يقيم للأمم التي يظهر فيها علامات ودلائل ليتبينوا بها شخصه فيكون انطباقها فاتحة لإِقبالهم على تلقّي دعوته، وإنما يعرفها حقّ معرفتها الراسخون في الدين من أهل الكتاب لأنهم الذين يرجع إليهم الدهماء من أهل ملتهم قال تعالى: { أية : الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم وإن فريقاً منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون}تفسير : [البقرة: 146]. وقال: {أية : قل كفى بالله شهيداً بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب}تفسير : [الرعد: 43]. وقد وصف الله بعض صفات هذا الرسول لموسى عليه السلام في قوله تعالى حكاية عن إجابته دعاء موسى {أية : ورحمتي وَسِعَتْ كل شيء فسأكتبها للذين يتقون} تفسير : [الأعراف: 156] إلى قوله: {أية : الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويُحلّ لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم}تفسير : [الأعراف: 157]. فلما أراد الله تعالى إعداد البشر لقبول رسالة هذا الرسول العظيم الموعود به صلى الله عليه وسلم استودعهم أشراطه وعلاماته على لسان كل رسول أرسله إلى الناس. قال تعالى: {أية : وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه قال أأقررتم وأخذتم على ذلكم إصري قالوا أقررنا قال فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين فمن تولى بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون}تفسير : [آل عمران: 81 - 82] أي أأخذتم إصري من أُممكم على الإِيمان بالرسول الذي يجيء مصدقاً للرسل. وقوله: {أية : فاشهدوا}تفسير : [آل عمران: 81]، أي على أُممكم وسيجيء من حكاية كلام عيسى في الإِنجيل ما يشرح هذه الشهادة. وقال تعالى في خصوص ما لَقّنه إبراهيمَ عليه السلام {أية : ربنا وابعث فيهم رسولاً منهم يتلوا عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة}تفسير : [البقرة: 129] الآية. وأوصى به عيسى عليه السلام في هذه الآية وصية جامعة لما تقدمها من وصايا الأنبياء وأجملها إجمالاً على طريق الرمز. وهو أسلوب من أساليب أهل الحكمة والرسالة في غير بيان الشريعة، قال السّهروردي: في تلك حكمة الإِشراق «وكلمات الأوَّلين مرموزة» فقال قطب الدين الشيرازي في «شرحه»: «كانوا يرمزون في كلامهم إما تشحيذاً للخاطر باستكداد الفكر أو تشبهاً بالباري تعالى وأصحابِ النواميس فيما أتوا به من الكتب المنزلة المرموزة لتكون أقرب إلى فهم الجمهور فينتفع الخواصّ بباطنها والعوام بظاهرها. ا هـ»، أي ليتوسمها أهل العلم من أهل الكتاب فيتحصل لهم من مجموع تفصيلها شمائل الرسول الموعود به ولا يلتبس عليهم بغيره ممن يدّعي ذلك كذباً. أو يدّعيه له طائفة من الناس كذباً أو اشتباهاً. ولا يحمل قوله: {اسمه أحمد} على ما يتبادر من لفظ اسم من أنه العلَم المجهول للدلالة على ذات معيَّنة لتميزه من بين من لا يشاركها في ذلك الاسم لأن هذا الحمل يمنع منه وأنه ليس بمطابق للواقع لأن الرسول الموعود به لم يدعه الناسُ أحمد فلم يكن أحد يدعو النبي محمداً صلى الله عليه وسلم باسم أحمد لا قبل نبوته ولا بعدها ولا يعْرف ذلك. وأما ما وقع في «الموطأ» و «الصحيحين» عن محمّد بن جبير بن مطعم عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : لي خمسة أسماء: أنا محمد، وأنا أحمد، وأنا الماحي الذي يمحو الله به الكفر، وأنا الحاشر الذي يحشر الناس على قدمي وأنا العاقب» تفسير : فتأويله أنه أطلق الأسماء على ما يشمل الاسم العَلَم والصفة الخاصة به على طريقة التغليب. وقد رويت له أسماء غيرها استقصاها أبو بكر ابن العربي في «العارضة» و«القَبس». فالذي نُوقِن به أن محمل قوله: {اسمه أحمد} يجري على جميع ما تحمله جُزْءاً هذه الجملة من المعاني. فأما لفظ «اسم» فأشهر استعماله في كلام العرب ثلاثة استعمالات: أحدها: أن يكون بمعنى المسمّى. قال أبو عبيدة: الاسم هو المسمّى. ونَسب ثعلب إلى سيبويه أن الاسم غير المسمّى (أي إذا أطلق لفظ اسم في الكلام فالمعنى به مسمّى ذلك الاسم) لكن جَزم ابن السيد البَطَلْيَوسي في كتابه الذي جعله في معاني الاسم هَل هو عين المسمى، أنه وقع في بعض مواضع من كتاب سيبويه أن الاسم هو المسمّى، ووقع في بعضها أنه غير المسمّى، فحمَله ابن السيد البطليوسي على أنهما إطلاقان، وليس ذلك باختلاف في كلام سيبويه، وتوقف أبو العباس ثعلب في ذلك فقال: ليس لي فيه قول. ولما في هذا الاستعمال من الاحتمال بطل الاستدلال به. الاستعمال الثاني: أن يكون الاسم بمعنى شهرة في الخير وأنشد ثعلب: شعر : لأعظِمها قدراً وأكرمِها أباً وأحسنِها وجْهاً وأعلَنها سُمَى تفسير : سُمىً لغة في اسم. الاستعمال الثالث: أن يطلق على لفظ جُعل دالاً على ذات لتميَّز من كثير من أمثالها، وهذا هو العَلَم. ونحن نجري على أصلنا في حمل ألفاظ القرآن على جميع المعاني التي يسمح بها الاستعمال الفصيح كما في المقدمة التاسعة من مقدمات هذا التفسير، فنحمل الاسم في قوله: {اسمه أحمد} على ما يجمع بين هذه الاستعمالات الثلاثة، أي مسماه أحمد، وِذكْره أحْمد، وعَلَمه أحمَد، ولنحمل لفظ أحمد على ما لا يأباه واحد من استعمالاتِ اسم الثلاثةِ إذا قُرن به وهو أن أَحْمد اسم تفضيل يجوز أن يكون مسلوب المفاضلة معنياً به القوةُ فيم هو مشتق منه، أي الحمدِ وهو الثناء، فيكون أحمد هنا مستعملاً في قوةِ مفعولية الحَمد، أي حَمْد الناس إياه، وهذا مثل قولهم. «العَود أحمد»، أي محمود كثيراً. فالوصف بـ{أحمد} بالنسبة للمعنى الأول في اسم أن مسمّى هذا الرسول ونفسه موصوفة بأقوى ما يحمد عليه محمود فيشمل ذلك جميع صفات الكمال النفسانية والخُلقية والخَلقية والنسبية والقومية وغير ذلك مما هو معدود من الكمالات الذاتية والغرضية. ويصح اعتبار {أحمد} تفضيلاً حقيقياً في كلام عيسى عليه السّلام، أي مسماه أحمد مني، أي أفضل، أي في رسالته وشريعته. وعبارات الإِنجيل تشعر بهذا التفضيل، ففي إنجيل يوحنا في الإصحاح الرابع عشر «وأنا أطلب من الأب (أي من ربنا) فيعطيكم (فارقليط) آخر ليثبت معكم إلى الأبد روح الحق الذي لا يستطيع العالم أن يقبله لأنه لا يراه ولا يعرفه. ثم قال: وأما الفارقليط الروح القدس الذي سيرسله الأب (الله) باسمي فهو يعلِّمكم كل شيء ويذكركم بكل ما قلته لكم»، أي في جملة ما يعلِّمكم أن يذكركم بكل ما قلته لكم. وهذا يفيد تفضيله على عيسى بفضيلة دوام شريعة المعبر عنها بقول الإِنجيل «ليثبت معكم إلى الأبد» وبفضيلة عموم شرعه للأحكام المعبر عنه بقوله: «يُعلِّمكم كل شيء». والوصف بـ{أحمد} على المعنى الثاني في الاسم. أن سُمعتَه وذِكره في جيله والأجيال بعده موصوف بأنه أشدُّ ذكرٍ محمود وسمعةٍ محمودة. وهذا معنى قوله في الحديث «حديث : أنا حامل لواء الحمد يوم القيامة»تفسير : وأن الله يبعثه مقاماً محموداً. ووصف {أحمد} بالنسبة إلى المعنى الثالث في الاسم رمز إلى أنه اسمه العَلَم يكون بمعنى: أحمد، فإن لفظ محمَّد اسم مفعول من حَمَّد المضاعف الدال على كثرة حَمد الحامدين إياه كما قالوا: فلان ممَدَّح، إذا تكرر مدحُه من مادحين كثيرين. فاسم «محمّد» يفيد معنى: المحمود حمداً كثيراً ورمز إليه بأحمد. وهذه الكلمة الجامعة التي أوحى الله بها إلى عيسى عليه السّلام أراد الله بها أن تكون شعاراً لجماع صفات الرسول الموعود به صلى الله عليه وسلم، صيغت بأقصى صيغة تدل على ذلك إجمالاً بحسب ما تسمح اللغة بجمعه من معاني. ووُكل تفصيلها إلى ما يظهر من شمائله قبل بعثته وبعدها ليتوسمها المتوسمون ويتدبر مطاويها الراسخون عند المشاهدة والتجربة. جاء في إنجيل متَّى في الإِصحاح الرابع والعشرين قول عيسى «ويقوم أنبياء كَذَبَةٌ كثيرون ويضلون كثيراً ولكن الذي يصبر إلى المنتهى فهذا يخلص ويكرز ببشارة الملكوت هذه في كل المسكونة شهادة لجميع الأمم ثم يكون المنتهى»، ومعنى يكرز يدعو وينبىء، ومعنى يصير إلى المنتهى يتأخر إلى قرب الساعة. وفي إنجيل يوحنّا في الإِصحاح الرابع عشر «إن كنتم تحبونني فاحفظوا وصاياي وأنا أطلب من الأب فيعطيكم فارقليط آخر يثبت معكم إلى الأبد». و (فارقليط) كلمة رومية، أي بوانية تطلق بمعنى المُدافع أو المسلي، أي الذي يأتي بما يدفع الأحزان والمصائب، أي يأتي رحمة، أي رسول مبشر، وكلمة آخر صريحة في أنه رسول مثل عيسى. وفي الإصحاح الرابع عشر «والكلام الذي تسمعونه ليس لي بل الذي أرسلني. وبهذا كَلّمتُكم وأنا عندكم (أي مدة وجودي بينكم)، وأما (الفارقليط) الروح القدسي الذي سيرسله الأب باسمي فهو يعلمكم كل شيء ويذكركم بكل ما قلته» (ومعنى «باسمي» أي بصفة الرسالة) لا أتكلم معكم كثيراً لأن رئيس هذا العالم يأتي وليس له فِيَّ شيء ولكن ليفهم العالم أني أحبّ الأب وكما أوصاني الأبُ أفعل». وفي الإِصحاح الخامس عشر منه «ومتى جاء الفارقليط الذي سأرسله أنا إليكم من الأب روحُ الحق الذي من عند الأب ينبثق فهو يشهد لي». وفي هذه الأخبار إثبات أن هذا الرسول المبشر به تعمّ رسالته جميع الأمم في جميع الأرض، وأنه الخاتم، وأن لشريعته مُلكاً لقول إنجيل متَّى «هو يكرز ببشارة الملكوت» والملكوت هو الملك، وأن تعاليمه تتعلق بجميع الأشياء العارضة للناس، أي شريعته تتعلق أحكامها بجميع الأحوال البشرية، وجميعها مما تشمله الكلمة التي جاءت على لسان عيسى عليه السلام وهي كلمة {اسمه أحمد} فكانت من الرموز الإِلهية ولكونها مرادة لذلك ذكرها الله تعالى في القرآن تذكيراً وإعلاناً. وذِكر القرآن تبشيرَ عيسى بمحمدٍ عليهما الصلاة والسّلام إدماج في خلال المقصود الذي هو تنظير ما أوذي به موسى من قومه وما أوذي به عيسى من قومه إدماجاً يؤيد به النبي صلى الله عليه وسلم ويثبّت فؤاده ويزيده تسلية. وفيها تخلص إلى أن ما لقيه من قومه نظيرَ ما لقيه عيسى من بني إسرائيل. وقوله: {فلما جاءهم بالبينات قالوا هذا سحر مبين} هو مناط الأذى. فإن المتبادر أن يعود ضمير الرفع في قوله: {جاءهم} إلى عيسى، وأن يعود ضمير النصب إلى الذين خاطبهم عيسى. والتقدير: فكذبوه، فلما جاءهم بالمعجزات قالوا هذا سحر أو هُو ساحر. ويحتمل أن يكون ضمير الرفع عائداً إلى رسول يأتي من بعدي. وضمير النصب عائداً إلى لفظ بني إسرائيل، أي بني إسرائيل غير الذين دعاهم عيسى عليه السلام من باب: عندي درهم ونصفه، أي نصف ما يسمّى بدرهم، أي فلما جاءهم الرسول الذي دعاه عيسى باسم أحمد بالبينات، أي دلائل انطباق الصفات الموعود بها قالوا هذا سحر أو هذا ساحر مبين فيكون هذا التركيب مبين من قبيل الكلام الموجه. وحصل أذاهم بهذا القول لكلا الرسولين. فالجملة على هذا الاحتمال تُحمل على أنها اعتراض بين المتعاطفات وممهدة للتخلص إلى مذمة المشركين وغيرهم ممن لم يقبل دعوة محمد صلى الله عليه وسلم. وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وأبو بكر عن عاصم بفتح الياء من قوله: «بعديَ». وقرأه الباقون بسكونها. قال في «الكشاف»: واختار الخليل وسيبويه الفتح. وقرأ الجمهور «هذا سِحر» بكسر السين. وقرأه حمزة والكسائي وخلف «هذا ساحر» فعلى الأولى الإِشارة للبنات، وعلى الثانية الإِشارة إلى عيسى أو إلى الرسول.
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {وَإِذْ قَالَ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ يٰبَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ ٱللَّهِ إِلَيْكُم مُّصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ ٱلتَّوْرَاةِ وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي ٱسْمُهُ أَحْمَدُ}. ذكر موسى ولم يذكر معه البشرى بالنَّبي صلى الله عليه وسلم، وذكر عيسى فذكرها معه، مما يدل بمفهومه أنه لم يبشر به إلا عيسى عيه السلام، ولكن لفظ عيسى مفهوم لقب ولا عمل عليه عند الأصوليين، وقد بشرت به صلى الله عليه وسلم جميع الأنبياء، ومنهم موسى عليه السلام ومما يشير إلى أن موسى مبشراً به قول عيسى عليه السلام في هذه الآية: مصدقاً لما بين يدي، والذي بين يديه هي التوراة أنزلت على موسى. وقد جاء صريحاً التعريف به صلى الله عليه وسلم وبالذين معه في التوراة في قوله تعالى:{أية : مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ ٱللَّهِ وَٱلَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّآءُ عَلَى ٱلْكُفَّارِ رُحَمَآءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً }تفسير : [الفتح: 29] إلى قوله تعالى: {أية : ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي ٱلتَّوْرَاةِ}تفسير : [الفتح: 29]. كما جاء وصفهم في الإنجيل في نفس السياق، في قوله تعالى:{أية : وَمَثَلُهُمْ فِي ٱلإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَٱسْتَغْلَظَ فَٱسْتَوَىٰ عَلَىٰ سُوقِهِ}تفسير : [الفتح: 29] إلى آخر السورة. وجاء النص في حق جميع الأنبياء في قوله تعالى: {أية : وَإِذْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَاقَ ٱلنَّبِيِّيْنَ لَمَآ آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَىٰ ذٰلِكُمْ إِصْرِي قَالُوۤاْ أَقْرَرْنَا قَالَ فَٱشْهَدُواْ وَأَنَاْ مَعَكُمْ مِّنَ ٱلشَّاهِدِينَ}تفسير : [آل عمران: 81]. قال ابن كثير: قال ابن عباس ما بعث الله نبياً إلا أخذ عليه العهد لئن بعث وهو حيي ليتبعنه، وأخذ عليه أن يأخذ على أمته لئن بعث محمد وهم أحياء ليتبعنه وينصرنه. اهـ. وجاء مصداق ذلك في قصة النجاشي لما سمع من جعفر عنه صلى الله عليه وسلم: فقال: "أشهد أن رسول الله وأن الذي نجد في الإنجيل، وأنه الذي بشر به عيسى ابن مريم، وما قاله أيضاً: والله لولا ما أنا فيه من الملك لأتيته حتى أكون أنا أحمل نعليه وأوضئه. في حديث طويل ساقه ابن كثير، وعزاه إلى أحمد رحمه الله. وكذلك دعوة نبي الله إبراهيم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام:{أية : رَبَّنَا وَٱبْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْهُمْ}تفسير : [البقرة: 129]. ولذا قال صلى الله عليه وسلم:"حديث : أنا دعوة أبي إبراهيم وبشرى عيسى ورؤيا أمي التي رأت " تفسير : وقد خص عيسى بالنص على البشرى به صلى الله عليه وسلم أنه آخر أنبياء بني إسرائيل، فهو ناقل تلك البشرى لقومه عما قبله. كما قال: {مُّصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ ٱلتَّوْرَاةِ} ومن قبله ناقل عمن قبله، وهكذا حتى صرح بها عيسى عليه السلام وأداها إلى قومه. وقوله تعالى: {ٱسْمُهُ أَحْمَدُ} جاء النص أنه صلى الله عليه وسلم له عدة أسماء، وفي الصحيح قوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : أن لي أسماء أنا محمد، وأنا أحمد، وأنا الماحي الذي يمحو الله به الكفر، وأنا الحاشر الذي يحشر الناس على قدمي وأنا العاقب " تفسير : وبهذه المناسبة فقد ذكر صلى الله عليه وسلم باسمه أحمد هنا. وباسمه محمد في سورة محمد صلى الله عليه وسلم. كما ذكر صلى الله عليه وسلم بصفات عديدة أجمعها ما يعد ترجمة ذاتية من الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى:{أية : لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِٱلْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ}تفسير : [التوبة: 128]. وسيأتي المزيد من بيان ذلك عند قوله تعالى:{أية : وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ}تفسير : [القلم: 4] إن شاء الله تعالى.
د. أسعد حومد
تفسير : {يٰبَنِي} {إِسْرَائِيلَ} {ٱلتَّوْرَاةِ} {بِٱلْبَيِّنَاتِ} (6) - وَاذْكُرْ لِقَوْمِكَ إِذْ قَالَ عِيسَى بْنُ مَرْيَمَ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ: إِنَّهُ رَسُولُ اللهِ إِليْهِمْ، وَإِنَّهُ مُصَدِّقٌ بِالتَّوْرَاةِ وَبِكُتُبِ اللهِ وَأَنْبِيَائِهِ جَمِيعاً، وَإِنَّهُ جَاءَ مُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي بَعْدَهُ اسْمُهُ أَحْمَدُ، وَدَاعِياً إِلَى التَّصْدِيقِ بِهَذَا الرَّسُولِ. فَلَمَّا جَاءَهُمْ أَحْمَدُ المُبَشَّرُ بِهِ بِالأَدِلةِ الوَاضِحَةِ، وَالمُعْجِزَاتِ البَاهِرَةِ كَذَّبُوهُ، وَقَالُوا عَمَّا جَاءَهُمْ: إِنَّ هَذَا لَسِحْرٌ وَاضِحٌ بَيِّنٌ. (وَقَدْ جَاءَ فِي الفَصْلِ الثَّامِنَ عَشَرَ مِنَ السَّفْرِ الخَامِسِ مِنَ التَّورَاةِ البِشَارَةُ بِمُحَمَّدٍ عَلَيهِ السَّلاَمُ عَلَى الشَّكْلِ التَّالِي: (يَا مُوسَى إِنِّي سَأُقِيمُ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ نَبِيّاًَ مِنَ إِخْوَتِهِمْ مِثْلَكَ أَجْعَلُ كَلاَمِي فِي فَمِهِ، وَيَقُولُ لَهُمْ مَا آمُرُهُ بِهِ، وَالذِي لاَ يَقْبَلُ ذَلِكَ النَّبِيَّ الذِي يَتَكَلَّمُ بِاسْمِي، أَنَا أَنْتَقِمُ مِنْهُ وَمِنْ سِبْطِهِ). وَجَاءَ فِي الإِصْحَاحِ 21 مِنْ سِفَرِ أَشْعِيا بِشَارَةٌ بِمُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم عَلَى الشَّكْلِ التَّالِي: "وَحْيٌ مِنْ جِهَةَ بِلاَدِ العَرَبِ: فِي الوَعْر مِنْ بِلاَدِ العَرَبِ تَبَيتينَ يَا قَوَافِلَ الدَّدَانِيِّينَ. هَاتُوا مَاءً لِمُلاَقَاةِ العَطْشَانِ يَا سُكَّانَ أَرْضِ تِيمَاءَ وَافُوا الهَارِبَ بِخُبْزِهِ. فَإِنَّهُمْ مِنْ أَمَامِ السُّيُوفِ قَدْ هَرَبُوا، مِنْ أَمَامِ السَّيْفِ المَسْلُولِ وَمِنْ أَمَامِ القَوْسِ المَشْدُودَةِ وَمِنْ أَمَامِ شِدَّةِ الحَرْبِ. فَإِنَّهُ هَكَذَا قَالَ السَّيِّدُ فِي مُدَّةِ سَنَةٍ كَسَنَةِ الأَجِيرِ يَفْنَى كُلُّ مَجْدِ قِيدَارٍ وَبَقِيَّةُ عَدَدِ قِسيِّ أَبْطَالِ بَنِي قِيدَارٍ تَقِلُّ لأَِنَّ الرَّبَّ إِلَهَ إِسْرَائِيلَ قَدْ تَكَلَّمَ". "وَهَذِهِ النُّبُوءَةُ إِشَارَةٌ وَاضِحَةٌ إِلَى هِجْرَةِ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم مِنْ مَكَّةَ إِلَى يَثْرِبَ، بَعْدَ أَنْ تَزَايَدَ إِيذَاءُ قُرَيشٍ لَهُ وَلِلمُسْلِمِينَ. ثُمَّ إِنَّهَا إِشَارَةٌ إِلَى نَصْرِ رَسُولِ اللهِ وَأَصْحَابِهِ مِنَ المُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ فِي مَعْرَكَةِ بَدْرٍ عَلَى قُرَيشٍ أَحْفَادِ عَدْنَانَ بْنِ إِسْمَاعِيلَ (وَعَدْنَانُ هُوَ قِيدَارُ) وَتَحْطِيمِ جَبَرُوتِ قُرَيشٍ وَسُلْطَانِهَا بِقْتَلِ كُبَرَائِهَا، وَأَسْرِ أَعْدَادٍ مِنْهُمْ، وَقَدْ جَرَتْ مَعْرَكَةُ بَدْرٍ بَعْدَ عَامٍ مِنْ هِجْرَةِ رَسُولِ اللهِ إِلَى يَثْرِبَ". وَجَاءَتِ البِشَارَةُ بِمُحَمَّدٍ فِي الإِنْجِيلِ عَلَى الشَّكْلِ التَّالِي: (قَالَ يَسُوعُ: إِنَّ الفَارْقَليط رُوحَ الحَقِّ الذِي يُرْسِلُهُ أَبِي يَعْلِّمُكُمْ كُلَّ شَيءٍ) (إِنْجِيلُ يُوحَنَّا - الفَصْلُ 15 - وَالفَارْقَلِيط لَفْظٌ يَعْنِي الحَمْدَ، وَقَدْ فَسَّرَهُ بَعْضُهُمْ بِالحَامِدِ وَالحَمَّادِ).
الجيلاني
تفسير : {وَ} اذكر لهم يا أكمل الرسل أيضً وقت {إِذْ قَالَ} أخوك {عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ} منادياً لقومه {يٰبَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ ٱللَّهِ إِلَيْكُم} أرسلني؛ لإرشادكم إلى طريق الحق وصراط توحيده؛ لأكون {مُّصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ ٱلتَّوْرَاةِ} المنزلة من عنده سبحانه؛ لضبط ظواهر الأحكام والأخلاق المستتبعة لتهذيب الباطن عن مطلق الزيغ والضلال، المنافية لصفاء مشرب التوحيد {وَمُبَشِّراً} أيضاً، أبشركم {بِرَسُولٍ} كامل في الرسالة، متمم لمكارم الأخلاق {يَأْتِي مِن بَعْدِي} مظهر لتوحيد الذات، خاتم لأمر الرسالة والتشريع {ٱسْمُهُ أَحْمَدُ} سُمِّي به صلى الله عليه وسلم؛ لكون حمده أتم وأشمل من حمد سائر الأنبياء والرسل؛ إذ محامدهم لله إنما هو بمقتضى توحيد الصفات والأفعال، وحمده صلى الله عليه وسلم بحسب توحيد الذات المستوعب لتوحيد الأفعال والصفات. وبعدما أظهر عيسى - صلوات الله عليه - دعوته طالبوه بالبينة الدالة على صدقه {فَلَمَّا جَاءَهُم بِٱلْبَيِّنَاتِ} الواضحات، والمعجزات الساطعات التي هي أكثر من معجزات موسى؛ وبعدما رأوا منه ما رأوا من الخوارق التي ما ظهر مثلها من الأنبياء بادروا إلى تكذيبه مكابرةً وعناداً، حيث {قَالُواْ هَـٰذَا} أي: عيسى عليه السلام، أو ما جاء به من المعجزات {سِحْرٌ مُّبِينٌ} [الصف: 6] ظاهر كونه سحراً، أو كماله في السحر إلى حيث كأنه تجسم منه، وليس تكذيبهم إياه - صلوات الله عليه - بعد وضوح البرهان، ونسبته إلى شيء لا يليق بشأنه إلاَّ خروج عن مقتضى الحدود الإلهية الموضوعة؛ لأداء حقوق العبودية. {وَمَنْ أَظْلَمُ} وأشد خروجاً عن مقتضى الحدود الإلهية {مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ} الحكيم المتقن في أفعاله {ٱلْكَذِبَ} ونسب ما أنزله سبحانه من المعجزات الدالة على صدق رسوله المؤيد من عنده بالنفس القدسية، والمبعوث إلى الناس؛ ليرشدهم إلى طريق توحيده {وَ} الحال أنه {هُوَ} أي: المفتري الظالم {يُدْعَىٰ إِلَى ٱلإِسْلاَمِ} المتقدس عن جميع الآثام لو قَبِلَه وصدَّقه، وامتثل بما فيه من الأوامر والنواهي، وهو من غاية عتوه وعناده في موضع الإجابة والقبول يرده ويكذبه، ونيسب معجزات الداعي إلى السحر والشعبذة مراءً وافتراءً {وَ} بالجملة: {ٱللَّهُ} المطلع على ما في استعدادات عباده {لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلظَّالِمِينَ} [الصف: 7] الخارجين عن مقتضى الفطرة الأصلية الإلهية التي فطر الناس عليها، ذلك الدين القيم، ولكن أكثر الناس لا يعلمون؛ لذلك يخرجون. وليس غرضهم من هذا الافتراء والتكذيب بعد وضوح ظهور الحجج الواضحة، والبراهين الساطعة إلاَّ أنهم {يُرِيدُونَ} بفتنتهم هذه {لِيُطْفِئُواْ نُورَ ٱللَّهِ} الواحد الأحد الصمد، المتشعشع من مطالع عموم الكائنات، ومشارق جميع الذرات، ألا وهو دين الإسلام المنزل على خير الأنام؛ لتبيين توحيد الذات {بِأَفْوَٰهِهِمْ} أي: بمرجد قولهم الباطل، الزاهق الزائل بلا مستند عقلي أو نقلي، فكيف عن كشفي وشهودي {وَٱللَّهُ} المتعزز برداء العظمة والكبرياء {مُتِمُّ نُورِهِ} مبالغ في إشاعته وإشراقه غايتها {وَلَوْ كَرِهَ ٱلْكَٰفِرُونَ} [الصف: 8] ظهوره وشيوعه إرغاماً لهم وإذلالاً؟! وكيف لا يتم سبحانه شيوع نور وحدته الذاتية {هُوَ ٱلَّذِيۤ أَرْسَلَ رَسُولَهُ} محمداً صلى الله عليه وسلم ولمصلحة هذا التتميم والتكميل، وأيده {بِٱلْهُدَىٰ} والقرآن العظيم {وَدِينِ ٱلْحَقِّ} والملة الحنيفية السمحة البيضاء المورودة له من جده إبراهيم {لِيُظْهِرَهُ} ويغلبه؛ أي: الدين القويم، المبين لصراط الحق وطرق توحيده الذاتي {عَلَى ٱلدِّينِ كُلِّهِ} أي: على عموم الملل والأديان الواردة؛ لبيان توحيد الصفات والأفعال {وَلَوْ كَرِهَ ٱلْمُشْرِكُونَ} [الصف: 9] ظهور توحيد الحق؛ لما فيه من طقع عرق الشرك جلياً كان أو خفياً؟!
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : {وَإِذْ قَالَ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ} [الصف: 6] يعني: اللطيفة الخفية {يٰبَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ ٱللَّهِ إِلَيْكُم مُّصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ ٱلتَّوْرَاةِ وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي ٱسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُم بِٱلْبَيِّنَاتِ} [الصف: 6] الخفية التي شاهدتها القوى النفسية والقالبية المؤمنة باللطيفة السرية {قَالُواْ هَـٰذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ} [الصف: 6] أنكرتها وقالت: هذا يسحر بأعيننا وليس لهذه الآيات حقيقة وهذه الأحوال تظهر للسالك بعد عبوره على الحَجْبَات القالبية والنفسية والقلبية والروحية ووقوفه في تلك المواطن حتى يرسل الله اللطيفة الخفية لترقيها من ذلك المقام، ويدخلها في عالم الخفي ودعتها اللطيفة الخفية إلى الحق بالصحيفة الخفية التي هي مصدقة للصحف الروحية والسرية والقلبية والنفسية والقالبية، ويبشرهم باللطيفة الخفية التي هي أحمد اللطائف لحقها، وأشكرهم على نعم الحق، وأعظمهم قدراً، وأحسنهم خلقاً، وأكرمهم على الله وأحبهم عنده، وهي اللطيفة المقصودة التي لولاها لما خلق الدنيا والعقبى، فأنكرت القوى النفسية والقالبية اللطيفة الخفية؛ لوقوفهم على ترك شهواتهم التي هي صارت عادتهم إذا صدقوا اللطيفة الخفية، واستدلوا بالسلوك؛ لأن العبادة ترك العادة، فالواجب على السالك في هذا المقام أن يترك جميع عباداته النافلة بأمر مسلكه؛ ليسهل عليه التجاوز عن هذه المرتبة {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ وَهُوَ يُدْعَىٰ إِلَى ٱلإِسْلاَمِ} [الصف: 7] يعني: من أظلم ممن ادعى التسليم لأوامر اللطيفة المرسلة، وترك عاداته للترقي من مقامه، يفتري علي الكذب، ويقول للطيفة المرسله ما أنت برسول صادق؛ بل أنت ساحر كذاب تريد أن تصدنا عن طريقتنا، وتخرجنا عن ملتنا، وملة آبائنا وأمهاتنا السفليات {وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلظَّالِمِينَ} [الصف: 7] الذين ظلموا أنفسهم بالافتراء على رسلهم والاستهزاء بالوارد الذي ورد على اللطيفة المرسلة {يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُواْ نُورَ ٱللَّهِ} [الصف: 8] يعني: القوى التابعة للشهوات على وفق الهوى يريدون أن يطفئوا نور الله اللطيفة الخفية لئلا يظهر {بِأَفْوَٰهِهِمْ} [الصف: 8] يعني: بافترائهم وكذبهم وأكلهم الشهوات على وفق هواهم {وَٱللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ} [الصف: 8] يعني: مظهر نور اللطيفة الخفية {وَلَوْ كَرِهَ ٱلْكَٰفِرُونَ} [الصف: 8] من القوى التابعة للطائف ثم الهادية عن الجهاد البالغة للشهوات المشتغلة بالحظوظ العاجلة الغافلة عن ذكر الرب الكافرة نعم مشاهدة الآيات الأنفسية {هُوَ ٱلَّذِيۤ أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِٱلْهُدَىٰ وَدِينِ ٱلْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى ٱلدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ ٱلْمُشْرِكُونَ} [الصف: 9] يعني: هو الذي خلقكم وهداكم إلى السلوك بأمر اللطائف المرسلة إليكم يرسل رسوله الكريم، وهو اللطيفة الخفية الداعية إلى الحق المعلمة أمر التقويم والتصقيل والتوجيه للمرأة التي هي منظورة الحق على وجه يمكن إكمال المرأة به، ويجعلها مستحقة لأن ينظر إليها الله تعالى بنظر جلاله وجماله ويشاهد فيها ذاته وصفاته وأفعاله وآثاره على وجه التفضيل؛ ولهذا السر أظهر هذا الدين على الأديان كلها، وسنحت الشرائع بشريعتها الزهري، ولو كره المشركون الذين أشركوا بالله بإثباتهم اللطائف بالنبوة والقوى القابلة والفاعلة بالشركاء لله، تعالى عما يقول المشركون والكافرون علواً كبيراً هو الله الواحد الأحد الصمد لم يتخذ صاحبة ولا ولداً خلق القوى القابلة بنظر ربوبيته، وخلق القوى الفاعلة بنظر ألوهيته وأزوج بينهما بحكمته، وأخرج من بينهما ذريته ليكونوا مظاهر لطفه وقهره، وهو الغالب على أمره بفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد في ملكوته.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : يقول تعالى مخبرا عن عناد بني إسرائيل المتقدمين، الذين دعاهم عيسى ابن مريم، وقال لهم: { يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ } أي: أرسلني الله لأدعوكم إلى الخير وأنهاكم عن الشر، [وأيدني بالبراهين الظاهرة]، ومما يدل على صدقي، كوني، { مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ } أي: جئت بما جاء به موسى من التوراة والشرائع السماوية، ولو كنت مدعيا للنبوة، لجئت بغير ما جاءت به المرسلون، ومصدقا لما بين يدي من التوارة أيضا، أنها أخبرت بي وبشرت، فجئت وبعثت مصداقا لها { ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد } وهو: محمد بن عبد الله بن عبد المطلب النبي الهاشمي. فعيسى عليه الصلاة والسلام، كالأنبياء يصدق بالنبي السابق، ويبشر بالنبي اللاحق، بخلاف الكذابين، فإنهم يناقضون الأنبياء أشد مناقضة، ويخالفونهم في الأوصاف والأخلاق، والأمر والنهي { فَلَمَّا جَاءَهُمْ } محمد صلى الله عليه وسلم الذي بشر به عيسى { بِالْبَيِّنَاتِ } أي: الأدلة الواضحة، الدالة على أنه هو، وأنه رسول الله [حقا]. { قَالُوا } معاندين للحق مكذبين له { هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ } وهذا من أعجب العجائب، الرسول الذي [قد] وضحت رسالته، وصارت أبين من شمس النهار، يجعل ساحرا بينا سحره، فهل في الخذلان أعظم من هذا؟ وهل في الافتراء أعظم من هذا الافتراء، الذي نفى عنه ما كان معلوما من رسالته، وأثبت له ما كان أبعد الناس منه؟ { وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ } بهذا وغيره، والحال أنه لا عذر له، وقد انقطعت حجته، لأنه { يُدْعَى إِلَى الإسْلامِ } ويبين له ببراهينه وبيناته، { وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ } الذين لا يزالون على ظلمهم مستقيمين، لا تردهم عنه موعظة، ولا يزجرهم بيان ولا برهان، خصوصا هؤلاء الظلمة القائمين بمقابلة الحق ليردوه، ولينصروا الباطل، ولهذا قال الله عنهم: { يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ } أي: بما يصدر منهم من المقالات الفاسدة، التي يردون بها الحق، وهي لا حقيقة لها، بل تزيد البصير معرفة بما هم عليه من الباطل، { وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ } أي: قد تكفل الله بنصر دينه، وإتمام الحق الذي أرسل به رسله، وإشاعة نوره على سائر الأقطار، ولو كره الكافرون، وبذلوا بسبب كراهتهم كل سبب يتوصلون به إلى إطفاء نور الله فإنهم مغلوبون. وصاروا بمنزلة من ينفخ عين الشمس بفيه ليطفئها، فلا على مرادهم حصلوا، ولا سلمت عقولهم من النقص والقدح فيها. ثم ذكر سبب الظهور والانتصار للدين الإسلامي، الحسي والمعنوي، فقال: { هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ } أي: بالعلم النافع والعمل الصالح. بالعلم الذي يهدي إلى الله وإلى دار كرامته، ويهدي لأحسن الأعمال والأخلاق، ويهدي إلى مصالح الدنيا والآخرة. { وَدِينِ الْحَقِّ } أي: الدين الذي يدان به، ويتعبد لرب العالمين الذي هو حق وصدق، لا نقص فيه، ولا خلل يعتريه، بل أوامره غذاء القلوب والأرواح، وراحة الأبدان، وترك نواهيه سلامة من الشر والفساد فما بعث به النبي صلى الله عليه وسلم من الهدى ودين الحق، أكبر دليل وبرهان على صدقه، وهو برهان باق ما بقي الدهر، كلما ازداد العاقل تفكرا، ازداد به فرحا وتبصرا. { لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ } أي: ليعليه على سائر الأديان، بالحجة والبرهان، ويظهر أهله القائمين به بالسيف والسنان، فأما نفس الدين، فهذا الوصف ملازم له في كل وقت، فلا يمكن أن يغالبه مغالب، أو يخاصمه مخاصم إلا فلجه وبلسه، وصار له الظهور والقهر، وأما المنتسبون إليه، فإنهم إذا قاموا به، واستناروا بنوره، واهتدوا بهديه، في مصالح دينهم ودنياهم، فكذلك لا يقوم لهم أحد، ولا بد أن يظهروا على أهل الأديان، وإذا ضيعوه واكتفوا منه بمجرد الانتساب إليه، لم ينفعهم ذلك، وصار إهمالهم له سبب تسليط الأعداء عليهم، ويعرف هذا، من استقرأ الأحوال ونظر في أول المسلمين وآخرهم.
النسائي
تفسير : بسم الله الرحمن الرحيم سورة الصف قولهُ: {وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي ٱسْمُهُ أَحْمَدُ} [6] 610 - أخبرنا عليُّ بنُ شعيبٍ قال: حدَّثنا مالِكٌ، عن الزُّهري، عن محمد بن جُبير بن مُطعمٍ، عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لي خمسةُ أسماءٍ، أنا محمدٌ وأحمدُ وأنا الحاشرُ؛ الذي يُحشرُ الناسُ على قدمي، وأنا الماحي الذي يمحو اللهُ بي الكفر، وأنا العاقبُ" [صلى الله عليه وسلم] .
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):