٦١ - ٱلصَّفّ
61 - As-Saff (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
10
Tafseer
الرازي
تفسير : إعلم أن قوله تعالى: {هَلْ أَدُلُّكُمْ } في معنى الأمر عند الفراء، يقال: هل أنت ساكت أي اسكت وبيانه: أن هل، بمعنى الاستفهام، ثم يتدرج إلى أن يصير عرضاً وحثاً، والحث كالإغراء، والإغراء أمر، وقوله تعالى: {عَلَىٰ تِجَـٰرَةٍ } هي التجارة بين أهل الإيمان وحضرة الله تعالى، كما قال تعالى: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ ٱشْتَرَىٰ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوٰلَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ ٱلّجَنَّةَ } تفسير : [التوبة: 111] دل عليه {تُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ } والتجارة عبارة عن معاوضة الشيء بالشيء، وكما أن التجارة تنجي التاجر من محنة الفقر، ورحمة الصير على ما هو من لوازمه، فكذلك هذه التجارة وهي التصديق بالجنان والإقرار باللسان، كما قيل في تعريف الإيمان فلهذا قال: بلفظ التجارة، وكما أن التجارة في الربح والخسران، فكذلك في هذا، فإن من آمن وعمل صالحاً فله الأجر، والربح الوافر، واليسار المبين، ومن أعرض عن العمل الصالح فله التحسر والخسران المبين، وقوله تعالى: {تُنجِيكُم مّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ } قرىء مخففاً ومثقلاً، {وَتُؤْمِنُونَ } استئناف، كأنهم قالوا: كيف نعمل؟ فقال: {تُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ } وهو خبر في معنى الأمر، ولهذا أجيب بقوله: {يَغْفِرْ لَكُمْ } وقوله تعالى: {وَتُجَـٰهِدُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ } والجهاد بعد هذين الوجهين ثلاثة، جهاد فيما بينه وبين نفسه، وهو قهر النفس، ومنعها عن اللذات والشهوات، وجهاد فيما بينه وبين الخلق، وهو أن يدع الطمع منهم، ويشفق عليهم ويرحمهم وجهاد فيما بينه بين الدنيا وهو أن يتخذها زاداً لمعاده فتكون على خمسة أوجه، وقوله تعالى: {ذٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ } يعني الذي أمرتم به من الإيمان بالله تعالى والجهاد في سبيله خير لكم من أن تتبعوا أهواءكم {إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ } أي إن كنتم تنتفعون بما علمتم فهو خير لكم، وفي الآية مباحث: الأول: لم قال: {تُؤْمِنُونَ } بلفظ الخبر؟ نقول: للإيذان بوجوب الامتثال، عن ابن عباس قالوا: لو نعلم أحب الأعمال إلى الله تعالى لعملنا، فنزلت هذه الآية، فمكثوا ما شاء الله يقولون: يا ليتنا نعلم ما هي؟ فدلهم الله عليها بقوله: {تُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ }. الثاني: ما معنى: {إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ } نقول: {إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ } أنه خير لكم كان خيراً لكم، وهذه الوجوه للكشاف، وأما الغير فقال: الخوف من نفس العذاب لا من العذاب الأليم، إذ العذاب الأليم هو نفس العذاب مع غيره، والخوف من اللوازم كقوله تعالى: {أية : وَخَافُونِ إِن كُنتُمْ مُّؤْمِنِينَ } تفسير : [آل عمران: 175] ومنها أن الأمر بالإيمان كيف هو بعد قوله: {يا أيها الذين آمنوا } فنقول: يمكن أن يكون المراد من هذه الآية المنافقين، وهم الذين آمنوا في الظاهر، ويمكن أن يكون أهل الكتاب وهم اليهود والنصارى فإنهم آمنوا بالكتب المتقدمة فكأنه قال: يا أيها الذين آمنوا بالكتب المتقدمة آمنوا بالله وبمحمد رسول الله، ويمكن أن يكون أهل الإيمان كقوله: {أية : فَزَادَتْهُمْ إِيمَـٰناً } تفسير : [التوبة: 124]، {أية : لِيَزْدَادُواْ إِيمَـٰناً } تفسير : [الفتح: 4] وهو الأمر بالثبات كقوله: {أية : يُثَبّتُ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ } تفسير : [إبراهيم: 27] وهو الأمر بالتجدد كقوله: {أية : يَـأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ءَامِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ } تفسير : [النساء: 136] وفي قوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : من جدد وضوءه فكأنما جدد إيمانه»تفسير : ، ومنها: أن رجاء النجاة كيف هو إذا آمن بالله ورسوله، ولم يجاهد في سبيل الله، وقد علق بالمجموع، ومنها أن هذا المجموع وهو الإيمان بالله ورسوله والجهاد بالنفس والمال في سبيل الله خبر في نفس الأمر.
القرطبي
تفسير : فيه خمس مسائل: الأولى ـ: قوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ هَلْ أَدُلُّكمْ عَلَىٰ تِجَارَةٍ} قال مقاتل: نزلت في عثمان بن مظعون؛ وذلك أنه قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: لو أذِنت لي فطلّقتُ خَوْلة، وَتَرهَّبْتُ واخْتَصَيْتُ وَحرَّمْتُ اللّحم، ولا أنام بليل أبداً، ولا أُفطر بنهار أبداً! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : «إنّ مِن سُنَّتي النكاح ولا رَهْبَانِية في الإسلام إنما رهبانِيةُ أمتي الجهادُ في سبيل الله وخِصاءُ أُمتي الصومُ ولا تُحَرِّموا طيبات ما أحلّ الله لكم. ومِنْ سُنَّتي أنام وأقوم وأفْطِر وأصوم فمن رَغِب عن سُنَّتي فليس مني». فقال عثمان: والله لَوددْتُ يا نبي الله أي التجارات أحبّ إلى الله فأتّجر فيهاتفسير : ؛ فنزلت. وقيل: {أَدُلُّكمْ} أي سأدلكم. والتجارة الجهاد؛ قال الله تعالى: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ ٱشْتَرَىٰ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ} تفسير : [التوبة:111] الآية. وهذا خطاب لجميع المؤمنين. وقيل: لأهل الكتاب. الثانية ـ: قوله تعالى: {تُنجِيكُم} أي تخلصكم {مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ} أي مؤلم. وقد تقدّم. وقراءة العامة {تُنْجِيكُم} بإسكان النون من الإنجاء. وقرأ الحسن وابن عامر وأبو حيوة «تُنَجيّكم» مشدّدا من التنّجية. ثم بين التجارة وهي المسألة: ـ الثالثة ـ: فقال: {تُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ} ذكر الأموال أوّلا لأنها التي يبدأ بها في الإنفاق. {ذَلِكُمْ} أي هذا الفعل {خَيْرٌ لَّكُمْ} من أموالكم وأنفسكم {إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ}. و «تُؤمِنُونَ» عند المبرد والزجاج في معنى آمنوا؛ ولذلك جاء {يَغْفِرْ لَكُمْ} مجزوماً على أنه جواب الأمر. وفي قراءة عبد الله «آمنوا بالله» وقال الفراء {يَغْفِرْ لَكُمْ} جواب الاستفهام؛ وهذا إنما يصح على الحمل على المعنى؛ وذلك أن يكون «تُؤْمِنُونَ بِالله،وَتُجَاهِدُونَ» عطف بيان على قوله: {هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَىٰ تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ} كأن التجارة لم يدر ما هي؛ فبُيّنت بالإيمان والجهاد؛ فهي هما في المعنى. فكأنه قال: هل تؤمنون بالله وتجاهدون يغفر لكم. الزَّمَخْشريّ: وجه قول الفراء أن متعلق الدلالة هو التجارة والتجارة مفسَّرة بالإيمان (والجهاد). كأنه قيل: هل تتجرون بالإيمان والجهاد يغفر لكم. قال المهدوِيّ: فإن لم تقدر هذا التقدير لم تصح المسألة؛ لأن التقدير يصير إن دُللتم يغفر لكم؛ والغفران إنما نُعت بالقبول والإيمان لا بالدلالة. قال الزجاج: ليس إذا دلهم على ما ينفعهم يغفر لهم؛ إنما يغفر لهم إذا آمنوا وجاهدوا. وقرأ زيد بن علي «تؤمنوا»، «وتجاهدوا» على إضمار لام الأمر؛ كقوله:شعر : محمّدُ تَفْدِ نَفْسَكَ كلُّ نفسٍ إذا ما خِفْتَ من شيء تَبَالا تفسير : أراد لِتَفْدِ. وأدغم بعضهم فقال: «يغفر لكم» والأحسن ترك الإدغام؛ لأن الراء حرف متكرر قويّ فلا يحسن إدغامه في اللام؛ لأن الأقوى لا يدغم في الأضعف. الرابعة ـ: قوله تعالى: {وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً} خرّج أبو الحسين الآجرّي حديث : عن الحسن قال: سألت عمران بن الحُصَين وأبا هريرة عن تفسير هذه الآية {وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً} فقالا: على الخبير سقطت: سألنا رسول الله صلى الله عليه وسلم عنها فقال:«قَصْرٌ من لؤلؤة في الجنة فيه سبعون دارا من ياقوتة حمراء في كل دار سبعون بيتاً من زَبَرجْدة خضراء في كل بيت سبعون سريراً على كل سرير سبعون فراشاً من كل لَونْ على كلّ فراش سبعون امرأةً من الحُور العِين في كل بيت سبعون مائدة على كل مائدة سبعون لوناً من الطعام في كل بيت سبعون وَصِيفاً ووصِيفة فيعطى الله تبارك وتعالى المؤمن من القُوّة في غداة واحدة ما يأتي على ذلك كله»تفسير : . {فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ} أي إقامة. {ذَلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ} أي السعادة الدائمة الكبيرة. وأصل الفوز الظفَر بالمطلوب. الخامسة ـ: قوله تعالى: {وَأُخْرَىٰ تُحِبُّونَهَا} قال الفرّاء والأخفش: «أُخْرَى» معطوفة على «تِجَارَةٍ» فهي في محل خفض. وقيل: محلها رفع؛ أي ولكم خصلة أخرى وتجارة أخرى تحبونها {نَصْرٌ مِّن ٱللَّهِ} أي هو نصر من الله؛ فـ «نصر» على هذا تفسير «وأخْرَى». وقيل: رفع على البدل من «أُخْرَى» أي ولكم نصر من الله. {وَفَتْحٌ قَرِيبٌ} أي غنيمة في عاجل الدنيا؛ وقيل فتح مكة. وقال ابن عباس: يريد فتح فارس والروم. {وَبَشِّرِ ٱلْمُؤْمِنِينَ} برضا الله عنهم.
ابن كثير
تفسير : تقدم في حديث عبد الله بن سلام: أن الصحابة رضي الله عنهم أرادوا أن يسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أحب الأعمال إلى الله عز وجل ليفعلوه، فأنزل الله تعالى هذه السورة، ومن جملتها هذه الآية: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ هَلْ أَدُلُّكمْ عَلَىٰ تِجَـٰرَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ}؟ ثم فسر هذه التجارة العظيمة التي لا تبور، التي هي محصلة للمقصود، ومزيلة للمحذور، فقال تعالى: { تُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَـٰهِدُونَ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ بِأَمْوَٰلِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} أي: من تجارة الدنيا، والكد لها، والتصدي لها وحدها. ثم قال تعالى: {يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ} أي: إن فعلتم ما أمرتكم به ودللتكم عليه، غفرت لكم الزلات، وأدخلتكم الجنات، والمساكن الطيبات، والدرجات العاليات، ولهذا قال تعالى: {وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّـٰتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَـٰرُ وَمَسَـٰكِنَ طَيِّبَةً فِى جَنَّـٰتِ عَدْنٍ ذَلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ}. ثم قال تعالى: {وَأُخْرَىٰ تُحِبُّونَهَا} أي: وأزيدكم على ذلك زيادة تحبونها، وهي {نَصْرٌ مِّن ٱللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ} أي: إذا قاتلتم في سبيله، ونصرتم دينه، تكفل الله بنصركم، قال الله تعالى: { أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوۤاْ إِن تَنصُرُواْ ٱللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ} تفسير : [محمد: 7] وقال تعالى: {أية : وَلَيَنصُرَنَّ ٱللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ ٱللَّهَ لَقَوِىٌّ عَزِيزٌ} تفسير : [الحج: 40] وقوله تعالى: {وَفَتْحٌ قَرِيبٌ} أي: عاجل، فهذه الزيادة هي خير الدنيا موصول بنعيم الآخرة لمن أطاع الله ورسوله، ونصر الله ودينه، ولهذا قال تعالى: {وَبَشِّرِ ٱلْمُؤْمِنِينَ}.
المحلي و السيوطي
تفسير : {يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَىٰ تِجَٰرَةٍ تُنجِيكُم } بالتخفيف والتشديد {مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ } مؤلم، فكأنهم قالوا نعم فقال:
الشوكاني
تفسير : قوله: {يأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ هَلْ أَدُلُّكمْ عَلَىٰ تِجَـٰرَةٍ تُنجِيكُم مّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ } جعل العمل المذكور بمنزلة التجارة؛ لأنهم يربحون فيه، كما يربحون فيها، وذلك بدخولهم الجنة، ونجاتهم من النار. قرأ الجمهور {تنجيكم} بالتخفيف من الإنجاء. وقرأ الحسن، وابن عامر، وأبو حيوة بالتشديد من التنجية. ثم بيّن سبحانه هذه التجارة التي دلّ عليها فقال: {تُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَـٰهِدُونَ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ بِأَمْوٰلِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ } وهو خبر في معنى الأمر للإيذان بوجوب الامتثال، فكأنه قد وقع، فأخبر بوقوعه، وقدّم ذكر الأموال على الأنفس؛ لأنها هي التي يبدأ بها في الإنفاق والتجهز إلى الجهاد. قرأ الجمهور: {تؤمنون} وقرأ ابن مسعود: (آمنوا، وجاهدوا) على الأمر. قال الأخفش: {تؤمنون} عطف بيان لـ {تجارة}، والأولى أن تكون الجملة مستأنفة مبينة لما قبلها، والإشارة بقوله: {ذٰلِكُمْ } إلى ما ذكر من الإيمان والجهاد، وهو مبتدأ، وخبره: {خَيْرٌ لَّكُمْ } أي: هذا الفعل خير لكم من أموالكم وأنفسكم {إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ } أي: إن كنتم ممن يعلم، فإنكم تعلمون أنه خير لكم، لا إذا كنتم من أهل الجهل، فإنكم لا تعلمون ذلك. {يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ } هذا جواب الأمر المدلول عليه بلفظ الخبر، ولهذا جزم. قال الزجاج، والمبرد: قوله: {تُؤْمِنُونَ } في معنى آمنوا، ولذلك جاء {يغفر لكم} مجزوماً. وقال الفرّاء: {يغفر لكم} جواب الاستفهام، فجعله مجزوماً لكونه جواب الاستفهام، وقد غلطه بعض أهل العلم. قال الزجاج: ليسوا إذا دلّهم على ما ينفعهم يغفر لهم إنما يغفر لهم إذا آمنوا وجاهدوا. وقال الرازي في توجيه قول الفراء: إن {هَلْ أَدُلُّكُمْ } في معنى الأمر عنده، يقال: هل أنت ساكت، أي: اسكت، وبيانه أن "هل" بمعنى الاستفهام، ثم يتدرّج إلى أن يصير عرضاً وحثاً، والحثّ كالإغراء، والإغراء أمر. وقرأ زيد بن عليّ: (تؤمنوا، وتجاهدوا) على إضمار لام الأمر. وقيل: إن {يغفر لكم} مجزوم بشرط مقدّر، أي: إن تؤمنوا يغفر لكم، وقرأ بعضهم بالإدغام في يغفر لكم، والأولى ترك الإدغام؛ لأن الراء حرف متكرّر، فلا يحسن إدغامه في اللام {وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّـٰتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلأنْهَـٰرُ } قد تقدّم بيان كيفية جري الأنهار من تحت الجنات {وَمَسَـٰكِنَ طَيّبَةً فِى جَنَّاتِ عَدْنٍ } أي: في جنات إقامة {ذٰلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ } أي: ذلك المذكور من المغفرة، وإدخال الجنات الموصوفة بما ذكر هو الفوز الذي لا فوز بعده، والظفر الذي لا ظفر يماثله. {وَأُخْرَىٰ تُحِبُّونَهَا } قال الأخفش، والفرّاء: {أخرى} معطوفة على {تجارة} فهي في محل خفض، أي: وهل أدلكم على خصلة أخرى تحبونها في العاجل مع ثواب الآخرة، وقيل: هي في محل رفع، أي: ولكم خصلة أخرى، وقيل: في محل نصب، أي: ويعطيكم خصلة أخرى. ثم بيّن سبحانه هذه الأخرى فقال: {نَصْرٌ مّن ٱللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ } أي: هي نصر من الله لكم، وفتح قريب يفتحه عليكم، وقيل: {نصر} بدل من {أخرى} على تقدير كونها في محلّ رفع، وقيل: التقدير ولكم نصر وفتح قريب. قال الكلبي: يعني النصر على قريش وفتح مكة. وقال عطاء: يريد فتح فارس والروم {وَبَشّرِ ٱلْمُؤْمِنِينَ } معطوف على محذوف، أي: قل يا أيها الذين آمنوا، وبشر، أو على {تؤمنون}؛ لأنه في معنى الأمر، والمعنى: وبشّر يا محمد المؤمنين بالنصر والفتح، أو، وبشّرهم بالنصر في الدنيا والفتح، وبالجنة في الآخرة، أو وبشّرهم بالجنة في الآخرة. ثم حضّ سبحانه المؤمنين على نصرة دينه فقال: {يأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ كُونُواْ أَنصَـٰرَ ٱللَّهِ } أي: دوموا على ما أنتم عليه من نصرة الدين. قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، ونافع: (أنصاراً لله) بالتنوين، وترك الإضافة. وقرأ الباقون بالإضافة، والرسم يحتمل القراءتين معاً، واختار أبو عبيدة قراءة الإضافة لقوله: {نَحْنُ أَنْصَارُ ٱللَّهِ } بالإضافة {كَمَا قَالَ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيّينَ مَنْ أَنَّصَـٰرِى إِلَى ٱللَّهِ } أي: انصروا دين الله مثل نصرة الحواريين لما قال لهم عيسى: {مَنْ أَنصَارِى إِلَى ٱللَّهِ } فقالوا: {نَحْنُ أَنْصَارُ ٱللَّهِ } والكاف في {كَمَا قَالَ } نعت مصدر محذوف تقديره: كونوا كوناً، كما قال، وقيل: الكاف في محل نصب على إضمار الفعل، وقيل: هو كلام محمول على معناه دون لفظه، والمعنى: كونوا أنصار الله، كما كان الحواريون أنصار عيسى حين قال لهم من أنصاري إلى الله، وقوله: {إِلَى ٱللَّهِ } قيل: إلى بمعنى: مع، أي: من أنصاري مع الله، وقيل: التقدير: من أنصاري فيما يقرّب إلى الله، وقيل التقدير: من أنصاري متوجهاً إلى نصرة الله، وقد تقدّم الكلام على هذا في سورة آل عمران. والحواريون هم أنصار المسيح وخلص أصحابه، وأوّل من آمن به، وقد تقدّم بيانهم {فآمنت طائفة من بني اسرائيل وكفرت طائفة} أي: آمنت طائفة بعيسى وكفرت به طائفة، وذلك لأنهم لما اختلفوا بعد رفعه تفرّقوا وتقاتلوا {فأيدنا الذين آمنوا على عدوهم} أي: قوينا المحقين منهم على المبطلين {فَأَصْبَحُواْ ظَـٰهِرِينَ } أي: عالين غالبين، وقيل المعنى: فأيدنا الآن المسلمين على الفرقتين جميعاً. وقد أخرج ابن مردويه عن أبي هريرة قال: قالوا: لو كنا نعلم أيّ الأعمال أحبّ إلى الله؟ فنزلت {ٱلْمُشْرِكُونَ يأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ هَلْ أَدُلُّكمْ عَلَىٰ تِجَـٰرَةٍ تُنجِيكُم مّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ } فكرهوا، فنزلت: {ٱلْحَكِيمُ يأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ لِمَ تَقُولُونَ مَا لاَ تَفْعَلُونَ } إلى قوله: {أية : بُنْيَـٰنٌ مَّرْصُوصٌ } تفسير : . وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن المنذر عن قتادة في قوله: {يأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ كُونُواْ أَنصَـٰرَ ٱللَّهِ } قال: قد كان ذلك بحمد الله جاءه سبعون رجلاً، فبايعوه عند العقبة وآووه ونصروه حتى أظهر الله دينه. وأخرج ابن إسحاق، وابن سعد عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم للنفر الذين لقوه بالعقبة: «حديث : أخرجوا إليّ اثني عشر منكم يكونون كفلاء على قومهم، كما كفلت الحواريون لعيسى ابن مريم»تفسير : . وأخرج ابن سعد عن محمود بن لبيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم للنقباء: «حديث : إنكم كفلاء على قومكم ككفالة الحواريين لعيسى ابن مريم، وأنا كفيل قومي»تفسير : ، قالوا: نعم. وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس {فأيدنا الذين ءامنوا} قال: فقوينا الذين آمنوا. وأخرج ابن أبي حاتم عنه، فأيدنا الذين آمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم وأمته على عدوّهم، فأصبحوا اليوم ظاهرين.
الماوردي
تفسير : {وأخرى تحبونها نصر من الله وفتح قريب} وهذا من الله لزيادة الترغيب، لأنه لما وعدهم بالجنة على طاعته وطاعة رسوله علم أن منهم من يريد عاجل النصر لقاء رغبة في الدنيا ولقاء تأييد الدين فوعدهم بما يقوي به الرغبة فقال: {وأخرى تحبونها نصر من الله وفتح قريب} يعني فتح البلاد عليه وعليهم، وقد أنجز الله وعده في كلا الأمرين من النصر والفتح. وفي قوله: {قريب} وجهان: أحدهما: أنه راجع إلى ما يحبونه أنه نصر من الله وفتح قريب. الثاني: أنه إخبار من الله بأن ما يحبونه من ذلك سيكون قريباً، فكان كما أخبر لأنه عجل لهم الفتح والنصر.
الثعالبي
تفسير : وقوله سبحانه: {يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ هَلْ أَدُلُّكمْ عَلَىٰ تِجَـٰرَةٍ تُنجِيكُم...} الآية: نَدْبٌ وَحَضٌّ على الجِهادِ بهذهِ التجارةِ التي بَيَّنَهَا سبحانه، وهي أن يبذلَ المرءُ نفسَه ومالَه، ويأخذ ثمناً جنةَ الخلدِ، وقرأ ابن عامر وحده: «تُنَجِّيكُمْ» ـــ بفتحِ النونَ وَشَدِّ الجيم ـــ. وقوله: {تُؤْمِنُونَ} معناه: الأمر، أي: آمنوا، قال الأخفش: ولذلكَ جاء «يَغْفِرْ» مجزُوماً، وفي مصحفِ ابن مسعودٍ: «آمِنُوا باللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجَاهِدُوا». وقوله: {ذٰلِكُمْ} إشارةٌ إلى الجهاد والإيمان، و{خَيْرٌ} هنا يحتملُ أَن يكونَ للتفضِيل، فالمَعْنَى: من كل عمل، ويحتملُ أن يكون إخباراً أنَّ هذا خيرٌ في ذاتهِ، {وَمَسَـٰكِنِ} عَطْفٌ عَلَى {جَنَّـٰتِ} وَطِيبُ المسَاكِنِ: سِعَتُها وجمالُها، وقيل: طِيبُها المعرفةُ بدوام أمرِها.
ابن عادل
تفسير : قوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَىٰ تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ} الآية. قال مقاتلٌ: حديث : نزلت في عثمان بن مظعون، قال: يا رسول الله، لو أذنت لي فطلقت خولة، وترهبت واختصيت، وحرمت اللحم، ولا أنام بليل أبداً، ولا أفطر بنهار أبداً، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "إنَّ من سُنَّتِي النَّكاحَ فلا رهْبانِيَةَ في الإسْلامِ وإنَّما رَهْبانِيةُ أمَّتِي الجهادُ في سبيلِ اللَّهِ، وخصاء أمَّتِي الصَّومُ، فلا تُحرِّمُوا طَيِّباتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لكُم، ومِنْ سُنَّتِي أنَامُ وأقُومُ وأفْطِرُ وأصُومُ، فمنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فليْسَ منِّي"، فقال عثمان: لوددت يا نبي الله، أي التجارات أحب إلى الله فأتجر فيهاتفسير : ، فنزلت. وقيل: "أدُلُّكُمْ" أي: سأدلكم، والتجارة: الجهاد، قال الله تعالى: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ ٱشْتَرَىٰ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ ٱلّجَنَّةَ}تفسير : [التوبة: 111]: الآية، وهذا خطاب لجميع المؤمنين. وقيل: لأهل الكتاب. وقيل: نزل هذا حين قالوا: لو نعلم أي الأعمال أحب إلى الله لعملنا. قال البغويُّ: وجعل ذلك بمنزلة التجارة؛ لأنهم يرجون بها رضا الله عز وجل، ونيل جنته والنجاة من النار. والتجارة عبارة عن معاوضة الشيء بالشيء، كما أن التجارة تنجي التاجر من الفقر فكذا هذه التجارة، وكما أن في التجارة الربح والخسران، فكذلك هذه التجارة، فمن آمن وعمل صالحاً، فله الأجر الوافر، ومن أعرض عن الإيمان والعمل الصالح، فله الخسران المبين. قوله: {تُنجِيكُم}. هذه الجملة صفة لـ"تجارة". وقرأ ابن عامر: {تُنجّيكُم مِن عَذَابٍ أَلِيمٍ} بالتشديد. والباقون: بالتخفيف، من "أنْجَى"، وهما بمعنى واحد؛ لأن التضعيف والهمزة متعديان. والمعنى: يخلصكم من عذاب أليم، أي مؤلم. قوله: {تُؤْمِنُونَ}. لا محلّ له لأنه تفسير لـ"تجارة". ويجوز أن يكون محلها الرفع خبراً لمبتدأ مضمر، أي تلك التجارة تؤمنون، والخبر نفس المبتدأ، فلا حاجة إلى رابط. وأن تكون منصوبة المحل بإضمار فعل، أي "أعني تؤمنون"، وجاز ذلك على تقدير "أن" وفيه تعسف. والعامة على: "تؤمنون" خبراً لفظياً ثابت النون. وعبد الله: "آمنُوا، وجاهدُوا" أمرين. وزيد بن علي: "تؤمنوا، وتجاهدوا" بحذف نون الرفع. فأما قراءة العامة، فالخبر بمعنى الأمر، يدل عليه القراءتان الشاذتان فإن قراءة زيد: على حذف لام الأمر، أي: "لتؤمنوا، ولتجاهدوا". كقوله: [الوافر] شعر : 4765 - مُحَمَّدُ تَفْدِ نفسكَ كُلُّ نَفْسٍ .................................. تفسير : وقوله تعالى: {أية : قُل لِّعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ يُقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ}تفسير : [إبراهيم: 31] في وجه، أي: لتَفْدِ ولتقيموا، ولذلك جزم الفعل في محل جوابه في قوله: "يتقي". وكذلك قولهم: "اتقى الله امرؤ فعل خيراً يثب عليه"، تقديره: ليتق الله. وقال الأخفش: أن "تؤمنون": عطف بيان لـ"تجارة". وهذا لا يتخيل إلا بتأويل أن يكون الأصل: أن تؤمنوا، فلما حذفت ارتفع الفعل كقوله: [الطويل] شعر : 4766 - ألاَ أيُّهَذا الزَّاجِرِي أحْضُرَ الوَغَى تفسير : الأصل: أن أحضر الوغى. وكأنه قيل: هل أدلّكم على تجارة منجية: إيمان وجهاد، وهو معنى حسن، لولا ما فيه من التأويل، وعلى هذا يجوز أن يكون بدلاً من "تِجارةٍ". وقال الفراء: هو مجزوم على جواب الاستفهام، وهو قوله: "هل أدلكم". واختلف الناس في تصحيح هذا القول. فبعضهم غلطه. قال الزجاج: ليسوا إذا دلهم على ما ينفعهم يغفر لهم، إنما يغفر لهم إذا آمنوا وجاهدوا. يعني: أنه ليس مرتباً على مجرد الاستفهام ولا على مجرد الدلالة. قال القرطبي: و"تُؤمِنُونَ" عند المبرد والزجاج في معنى "آمِنُوا" ولذلك جاء "يَغْفِر لَكُمْ" مجزوماً على أنه جواب الأمر. قال ابن الخطيب: "هَلْ أدلكُمْ" في معنى الأمر عند الفرَّاء، يقال: هل أنت ساكت أي: اسكت، وبيانه أن "هَلْ" بمعنى الاستفهام ثم يندرج إلى أن يصير عرضاً وحثًّا، والحث كالإغراء، والإغراء أمر. وقال المهدوي: إنما يصح حمله على المعنى، وهو أن يكون "تُؤمِنُونَ، وتجاهدون": عطف بيان على قوله: "هل أدلكم". كأن التجارة لم يدر ما هي فبينت بالإيمان والجهاد، فهي هما في المعنى، فكأنه قيل: هل تؤمنون وتجاهدون؟. قال: فإن لم يقدر هذا التقدير لم يصح، لأنه يصير إن دُللتم يغفر لكم والغفران إنما يجب بالقبول والإيمان لا بالدلالة. وقال الزمشخري قريباً منه أيضاً. وقال أيضاً: إن "تؤمنون" استئناف كأنهم قالوا: كيف نعمل؟ فقال: تؤمنون. وقال ابن عطيَّة: "تُؤمِنُونَ": فعل مرفوع، تقديره: ذلك أنه تؤمنون. فجعله خبراً، وهي وما في حيّزها خبر لمبتدأ محذوف، وهذا محمول على تفسير المعنى لا تفسير الإعراب فإنه لا حاجة إليه. فصل قال ابن الخطيب: فإن قيل: كيف أمرهم بالإيمان بعد قوله: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ}؟. فالجواب: يمكن أن يكون المراد من هذه الآية المنافقين وهم الذين آمنوا في الظاهر، ويمكن أن يكون أهل الكتاب، وهم اليهود والنصارى فإنهم آمنوا بالكتب المتقدمة. فكأنه قال: يا أيها الذين آمنوا بالكتب المتقدمة آمنوا بالله وبمحمد، ويمكن أن يكون أهل الإيمان كقوله تعالى: {أية : فَزَادَتْهُمْ إِيمَاناً}تفسير : [التوبة: 124]، أو يكون المراد الأمر بالثبات على الإيمان، كقوله: {أية : يُثَبِّتُ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ بِٱلْقَوْلِ ٱلثَّابِتِ} تفسير : [إبراهيم: 27]. فإن قيل: كيف ترجى النجاة إذا آمن بالله ورسوله ولم يجاهد في سبيل الله وقد علق بالمجموع؟. فالجواب: أن هذا المجموع هو الإيمان بالله ورسوله والجهاد بالنفس والمال في سبيل الله خير في نفس الأمر. قوله: {بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ}. قال القرطبي: ذكر الأموال أولاً، لأنها التي يبدأ بها في الإنفاق، "ذَلِكُمْ" أي: هذا الفعل {خَيْرٌ لَّكُمْ} من أموالكم وأنفسكم، {إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} أنه خير لكم. قوله: {يَغْفِرُ لَكُمْ} فيه أوجه: أحدها: أنه مجزوم على جواب الخبر بمعنى الأمر، كما تقدم. والثاني: أنه مجزوم على جواب الاستفهام، كما قاله الفراء. الثالث: أنه مجزوم بشرط مقدر، أي: إن تؤمنوا يغفر لكم. قال القرطبي: "وأدغم بعضهم، فقرأ: "يَغْفر لَكُمْ"، والأحسن ترك الإدغام لأن الراء حرف متكرر قويّ فلا يحسن الإدغام في اللام؛ لأن الأقوى لا يدغم في الأضعف". قوله: {وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً}. روى الحسنُ قال: حديث : سألت عمران بن حصينٍ وأبا هريرة عن قوله تعالى: {وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً}، فقالا: على الخبير [سقطت]، سألنا رسول الله صلى الله عليه وسلم عنها فقال: "قَصْرٌ مِن لُؤلُؤة في الجنَّةِ، في ذلِكَ القصْرِ سَبْعُونَ داراً من ياقُوتةٍ حَمْراءَ، فِي كُل دَار سَبْعُونَ بَيْتاً من زَبرْجدة خَضْراءَ، فِي كُلِّ بَيْتٍ سَبْعُونَ سَرِيراً، عَلَى كُلِّ سَريرٍ سَبْعُونَ فِرَاشاً من كُلِّ لَوْنٍ على كُلِّ فِراشٍ سَبعُونَ امْرَأةً، من الحُورِ العِينِ، فِي كُلِّ بيتٍ سَبْعُونَ مَائدةً، عَلى كُلِّ مائدةٍ سَبْعُون لوْناً من الطَّعام، فِي كُلِّ بَيْتٍ سبعُون وصيفاً ووصيفَةً، فيُعْطِي اللَّهُ تعالى المُؤمِنَ القُوَّة في غَدَاةٍ واحدةٍ مَا يَأتِي ذَلِكَ كُلِّهِ ". تفسير : قوله: {فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ}. أي دار إقامة. {ذلك الفوزُ العظيمُ} أي: السعادة الدائمة الكبيرة، وأصل الفوز الظفر بالمطلوب. قوله: {وَأُخْرَىٰ تُحِبُّونَهَا}. فيها أوجه: أحدها: أنها في موضع رفع على الابتداء وخبرها مقدر، أي: ولكم أو وثمَّ أو عنده خصلة أخرى أو مثوبة أخرى، و"تُحِبُّونهَا": نعت له. الثاني: أن الخبر جملة حذف مبتدؤها، تقديره: هي نصر، والجملة خبر "أخرى". قاله أبو البقاء. الثالث: أنها منصوبة بفعل محذوف للدلالة عليه بالسِّياق، أي: ويعطكم، أو يمنحكم مثوبة أخرى، و "تُحِبُّونهَا" نعت لها أيضاً. الرابع: أنها منصوبة بفعل مضمر يفسره "تُحِبُّونهَا" فيكون من الاشتغال، وحينئذ لا يكون "تحبونها" نعتاً لأنه مفسر للعامل فيه. الخامس: أنها مجرورة عطفاً على "تجارة". وضعف هذا بأنها ليست مما دلَّ عليه إنما هي ثواب من عند الله. قال القرطبي: "هذا الوجه منقول عن الأخفش والفراء". قوله: {نَصْرٌ مِّنَ ٱللَّهِ}. خبر مبتدأ مضمر، أي: تلك النعمة، أو الخلة الأخرى نصر، "من الله" نعت له أو متعلق به، أي: ابتداؤه منه. ورفع "نَصْرٌ، وفَتْحٌ" قراءة العامة. ونصب ابن أبي عبلة الثلاثة. وفيه أوجه ذكرها الزمخشري. أحدها: أنها منصوبة على الاختصاص. الثاني: أن ينتصبن على المصدرية، أي: ينصرون نصراً، ويفتح لهم فتحاً قريباً. الثالث: أن ينتصبن على البدل من "أخْرَى"، و"أخرى" منصوبة بمقدر كما تقدم، أي يغفر لكم ويدخلكم جنات ويؤتكم أخرى، ثم أبدل منها نصراً وفتحاً قريباً. فصل في معنى الآية ومعنى الآية أي: ولكم نصر من الله {وَفَتْحٌ قَرِيبٌ}، أي: غنيمة في عاجل الدنيا قبل فتح مكة. وقال ابن عباس - رضي الله عنهما - يريد فتح فارس والروم {وَبَشِّرِ ٱلْمُؤْمِنِينَ} برضا الله عنهم. وقال البغوي: "وبشر المؤمنين" يا محمد بالنصر في الدنيا والجنة في الآخرة. ثم حضهم على نصر المؤمنين وجهاد المخالفين، فقال: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ كُونُوۤاْ أَنصَارَ ٱللَّهِ....}
البقاعي
تفسير : ولما أنتج هذا كله نصر رسول الله صلى الله عليه وسلم على كل حال ودمار من يخالف أمره، أنتج قطعاً أن الجهاد معه متجر رابح لأن النصر مضمون، والموت منهل لا بد من وروده سواء خاض الإنسان الحتوف أو احترس في القصور المشيدة، فقال تعالى في أسلوب النداء والاستفهام لأنه أفخم وأشد تشويقاً بالأداة التي لا يكون ما بعدها إلا بالغاً في العظم إلى النهاية: {يا أيها الذين آمنوا} أي قالوا في إقرارهم بالإيمان ما عليهم أن يفعلوا بمقتضاه {هل أدلكم} وأنا المحيط علماً وقدرة، فهي إيجاب في المعنى ذكر بلفظ الاستفهام تشويقاً ليكون أوقع في النفس فتكون له أشد تقبلاً، والآية أيضاً نتيجة ما مضى باعتبار آخر لأنه لما وبخ على انحلال العزائم واخبر بما يجب من القتال، وبكت على أذى الرسول صلى الله عليه وسلم بالمخالفة، وأخبر أن من خالفه لا يضر إلا نفسه، كان موضع الاستباق في طاعته فرتب عليه الاشتياق إلى ذكر ثمرته فذكرها، ولما كان فعل حاطب رضي الله عنه لأجل أنه لا نجاح أهله الذين كانوا بمكة في أنفسهم ولا في شيء من مالهم، وكان هذا في معنى التجارة قال: {على تجارة} وقراءة ابن عامر {تنجيكم} بالتشديد أنسب لهذا المقام من قراءة الجماعة بالتخفيف، وقراءة الجماعة أنسب لمقصود حاطب رضي الله عنه {من عذاب أليم *} بالإجاحة في النفس أو المال. ولما كان الاتجار إجهاد النفس في تحصيل الربح النافع، وكان الإيمان والجهاد أعظم إجهاد النفس في تحصين - الجنة الباقية التي لا ريح توازيها، فاستعار لهما اسمها، وكان جواب النداء الإقبال وجواب الاستفهام نعم، عدوا كأنهم أقبلوا وأنعموا تنبيهاً على ما هو الأليق بهم، فاستأنف لهم بيان التجارة بأنه الجمع بين الإيمان الذي هو أساس الأعمال كلها، والجهاد بنوعيه المكمل للنفس والمكمل للغير فقال: {تؤمنون} أي آمنوا بشرط تجديد الإيمان على سبيل الاستمرار {بالله} الذي له جميع صفات الكمال {ورسوله} الذي تصديقه آية الإذعان المعنوية والخضوع لكونه ملكاً {وتجاهدون} أي وجاهدوا بياناً لصحة إيمانكم على سبيل التجديد والاستمرار. ويدل على أنهما بمعنى الأمر ما أرشد إليه جزم ما أقيم في موضع الجواب مع قراءة عبد الله رضي الله عنه: آمنوا وجاهدوا - بصيغة الأمر {في سبيل الله} أي بسبب تسهيل طريق الملك الأعظم الموصل إليه الذي لا أمر لغيره بحيث يكون ظرفاً لكم في جميع هذا الفعل فلا شيء يكون منه خارجاً عنه ليكون خالصاً بفتح بلد الحج ليسهل الوصول إليه من كل من أراده وغير ذلك من شرائعه فتكونوا ممن يصدق فعله قوله، وهذا المعنى لا وقفة فيه لأنه فرق بين قولنا: فلان فعل كذا - الصادق بمرة، وبين قولنا بفعله الدال على أن فعله قد صار ديدناً له، فالمعنى: يا من فعل الإيمان إن أردتم النجاة فكونوا عريقين في وصف الإيمان حقيقين به ثابتي الإقدام فيه وأديموا الجهاد دلالة على ذلك فإن الجهاد لما فيه من الخطر والمشقة والضرر أعظم دليل على صدق الإيمان، ويؤيد ذلك أن السياق لقصة حاطب رضي الله عنه المفهمة في الظاهر لعدم الثبات في الإيمان وإرادة الجهاد الدال على المصدق فيه، ولذلك قال عمر رضي الله عنه ما قال - والله الهادي. ولما كان الجمع بين الروح وعديلها المال على وجه الرضى والرغبة أدل على صحة الإيمان، قال: {بأموالكم} وقدمها لعزتها في ذلك الزمان ولأنها قوام الأنفس والأبدان، فمن بذل ماله كله لم يبخل بنفسه لأن المال قوامها. ولما قدم القوام أتبعه القائم به فقال: {وأنفسكم} ولما أمر بهذا في صيغة الخبر اهتماماً به وتأييداً لشأنه، أشار إلى عظمته بمدحه قبل ذكر جزائه، فقال: {ذلكم} أي الأمر العظيم من الإيمان وتصديقه بالجهاد {خير لكم} أي خاصة مما تريدون من الذبذبة بمناصحة الكفار {إن كنتم} أي بالجبلات الصالحة {تعلمون *} أي إن كان يمكن أن يتجدد لكم علم في وقت من الأوقات فأنتم تعلمون أن ذلك خير لكم، فإذا علمتم، أنه خير أقبلتم عليه فكان لكم به أمر عظيم، وإن كانت قلوبكم قد طمست طمساً لا رجاء لصلاحها فصلوا على أنفسكم صلاة الموت.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله: {يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة} الآية، قال: لما نزلت قال المسلمون: لو علمنا ما هذه التجارة لأعطينا فيها الأموال والأهلين، فبين لهم التجارة، فقال: {تؤمنون بالله ورسوله} . وأخرج عبد بن حميد عن قتادة {يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة} الآية قال: فلولا أن الله بينها ودل عليها للهف الرجال أن يكونوا يعلمونها حتى يطلبوها، ثم دلهم الله عليها فقال: {تؤمنون بالله ورسوله} الآية. وأخرج عبد بن حميد عن عاصم أنه قرأ {على تجارة تنجيكم} خفيفة. قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا كونوا أنصار الله} . أخرج عبد بن حميد عن عاصم أنه قرأ {كونوا أنصار الله} مضاف. وأخرج عبد بن حميد وعبد الرزاق وابن المنذر عن قتادة في قوله: {يا أيها الذين آمنوا كونوا أنصار الله} قال: قد كان ذلك بحمد الله جاءه سبعون رجلاً فبايعوه عند العقبة، فنصروه وآووه حتى أظهر الله دينه ولم يسمّ حيّ من السماء قط باسم لم يكن لهم قبل ذلك غيرهم، وذكر لنا أن بعضهم قال: هل تدرون ما تبايعون هذا الرجل؟ إنكم تبايعونه على محاربة العرب كلها أو يسلموا،حديث : وذكر لنا أن رجلاً قال: يا نبي الله اشترط لربك ولنفسك ما شئت، فقال: أشترط لربي أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئاً وأشترط لنفسي أن تمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم وأبناءكم، قالوا: فإذا فعلنا ذلك فما لنا يا نبي الله؟ قال: "لكم النصر في الدنيا والجنة في الآخرة" ففعلوا، ففعل اللهتفسير : . قال: والحواريون كلهم من قريش أبو بكر وعمر وعلي وحمزة وجعفر وأبو عبيدة بن الجراح وعثمان بن مظعون وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص وعثمان بن عفان وطلحة بن عبيد الله والزبير بن العوّام. وأخرج ابن إسحق وابن سعد عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم للنفر الذين لاقوه بالعقبة: "حديث : اخرجوا إليّ اثني عشر رجلاً منكم يكونوا كفلاء على قومهم كما كفلت الحواريون لعيسى ابن مريم ". تفسير : وأخرج ابن سعد عن محمد بن لبيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم للنقباء: "حديث : أنتم كفلاء على قومكم ككفالة الحواريين لعيسى ابن مريم وأنا كفيل قومي"تفسير : قالوا: نعم. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد في قوله: {من أنصاري إلى الله} قال: من يتبعني إلى الله، وفي قوله: {فأصبحوا ظاهرين} قال: من آمن مع عيسى من قومه. وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس {فأيدنا الذين آمنوا} قال: فقوّينا الذين آمنوا. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن إبراهيم النخعي {فأصبحوا ظاهرين} قال: أصبحت حجة من آمن بعيسى ظاهرة بتصديق محمد أن عيسى كلمة الله وروحه. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس {فأيدنا الذين آمنوا} بمحمد صلى الله عليه وسلم {فأصبحوا} اليوم {ظاهرين} والله أعلم.
القشيري
تفسير : قوله جل ذكره: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ هَلْ أَدُلُّكمْ عَلَىٰ تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ تُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ}. سمَّى الإيمانَ والجهادَ تجارةً لِمَا في التجارة من الرِّبح والخسران ونوعٍ تَكسُّب من التاجر - وكذلك: في الإيمان والجهاد رِبْحُ الجنَّة وفي ذلك يجتهد العبد، وخسرانها إذا كان الأمرُ بالضِّدِّ. وقوله: {تُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ} أي في ذلك جهادُكم وإيمانُكم واجتهادُكم، وهو خيرٌ لكم. ثم بَيَّن الربحَ على تلك التجارة ما هو فقال: {يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ}. قدَّم ذِكْرَ أهمِّ الأشياء - وهو المغفرة. ثم إذا فرغَتْ القلوبُ عن العقوبة قال: {وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ} فبعد ما ذَكَرَ الجنَّةَ ونعيمَهَا قال: {وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً}، وبماذا تطيب تلك المساكن؟ لا تطيب إلاَّ برؤية الحقِّ سبحانه، ولذلك قالوا: شعر : أجيرانَنَا ما أوحشَ الدارَ بعدكم إذا غِبْتُمو عنها ونحن حضورُ نحن في أكمل السرورِ ولكنْ ليس إلا بكم يتمُّ السرورُ عيبُ ما نحن فيه يا أهلَ ودِّي أنكم غُيَّبٌ ونحن حضورُ تفسير : قوله جل ذكره: {وَأُخْرَىٰ تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِّن ٱللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ ٱلْمُؤْمِنِينَ}. أي ولكم نعمة أخرى تحبونها: نصرٌ من الله؛ اليومَ حِفْظُ الإيمان وتثبيتُ الأقدام على صراط الاستقامة، وغداً على صراط القيامة. {وَفَتْحٌ قَرِيبٌ}: الرؤية والزلفة. ويقال الشهود. ويقال: الوجود أبدَ الأبَد. {وَبَشِّرِ ٱلْمُؤْمِنِينَ}: بأنهم لا يبقون عنك في هذا التواصل.
اسماعيل حقي
تفسير : {يا أيها الذين آمنوا هل ادلكم} آيا دلالت كنم شمارا {على تجارة} سيأتى بيان معناها {تنجيكم} ان تكون سببا لانجاء الله اياكم وتخليصه وافادت الصفة المقيدة ان من التجارة مايكون على عكسها كما أشار اليها قوله تعالى {أية : يرجون تجارة لن تبور}تفسير : فان بوار التجارة وكسادها يكون لصاحبها عذابا أليما كجمع المال وحفظه ومنع حقوقه فانه وبال فى الآخرة فهى تجارة خاسرة وكذا الاعمال التى لم تكن على وجه الشرع والسنة او أريد بها غير الله {من عذاب اليم} اى مؤلم جسمانى وهو ظاهر وروحانى وهو التحسر والتضجر كأنهم قالوا كيف نعمل او ماذا نصنع فقيل {تؤمنون بالله ورسوله} مراد آنست كه ثابت باشيد برايمان كه دارين {وتجاهدون فى سبيل الله بأموالكم} بما لهاى خودكه زاد وسلاح مجاهدان خربد {وانفسكم} وبنفسهاى خود كه متعرض قتل وحرب شويد، قدم الاموال لتقدمها فى الجهاد او للترقى من الأدنى الى الأعلى وقال بعضهم قدم ذكر المال لان الانسان ربما يضن بنفسه ولانه اذا كان له مال فانه يؤخذ به النفس لتغزو وهذا خبر فى معنى الامر جيىء به للايذان بوجوب الامتثال فكأنه وقع فأخبر بوقوعه كما تقول غفر الله لهم جعلت المغفرة لقوة الرجاء كأنها كانت ووجدت وقس عليه نحو سلمكم الله وعافاكم الله واعاذكم الله وفى الحديث "حديث : جاهدوا المشركين باموالكم وأنفسكم وألسنتكم"تفسير : ومعنى الجهاد بالألسنة اسماعهم مايكرهونه ويشق عليهم سماعه من هجو وكلام غليظ ونحو ذلك وأخر الجهاد بالألسنة لانه اضعف الجهاد وأدناه ويجوز أن يقال ان اللسان احد وأشد تأثيرا من السيف والسنان قال على رضى الله عنه، جراحات السنان لها التئام، ولا يلتام ماجرح اللسان فيكون من باب الترقى من الأدنى الى الأعلى وكان حسان رضى الله عنه يجلس على المنبر فيهجوا قريشا باذن رسول الله عليه السلام ثم ان التجارة التصرف فى راس المال طلبا للربح والتاجر الذى يبيع ويشترى وليس فى كلام العرب تاء بعدها جيم غير هذه اللفظة واما تجاه فاصلها وجاه وتجوب وهى قبيلة من حمير فالتاء للمضارعة طمعا لنيل الفضل والزيادة فان التجارة هى معاوضة المال بالمال لطمع الربح والايمان والجهاد شبها بها من حيث ان فيهما بذل النفس والمال طمعا لنيل رضى الله تعالى والنجاة من عذابه (قال الحافظ) شعر : فداى دوست نكرديم عمر مال دريغ كه كار عشق زما اين قدر نمى آيد تفسير : {ذلكم} اى ماذكر من الايمان والجهاد بقسميه {خير لكم} على الاطلاق او من اموالكم وانفسكم {ان كنتم تعلمون} اى ان كنتم من اهل العلم فان الجهلة لايعتد بافعالهم او ان كنتم تعلمون انه خير لكم حيئنذ لانكم اذا علمتم ذلك واعتقدتموه احببتم الايمان والجهاد فوق ماتحبون أنفسكم وأموالكم فتخلصون وتفلحون فعلى العاقل تبديل الفانى بالباقى فانه خير له وجاء رجل بناقة مخطومة وقال هذه فى سبيل الله فقال عليه السلام "حديث : لك بها يوم القيامة سبعمائة ناقة كلها مخطومة"تفسير : . بزركى فرموده كه اصل مرابحه درين تجارت اينست كه غير حق رابدهى وحق را بستانى ودر نفحات ازابى عبد الله اليسرى قدس سره نقل ميكندكه بسروى آمد وكفت سبوى روغن داشتم كه سرمايه من بود ازخانه بيرون مى آوردم بيفتادوبشكست وسرمايه من ضايع شد كفت اى فرزند سرمايه خود آن سازكه سرمايه بدرتست والله كه بدر ترا هيج نيست دردنيا وآخرت غير الله شيخ الاسلام عبد الله الانصارى قدس سره فرمودكه سود تمام آن بودكه بدرش هم نبودى اشارت بمرتبه فناست درباختن سود وسرمايه در بازار شوق لقا شعر : تاجند ببازار خودى بست شوى بشتاب كه از جام فنامست شوى ازمايه سود دوجهان دست بشوى سود توهمان به كه تهى دست شوى تفسير : ودخل فى الآية جهاد أهل البدعة وهم ثنتان وسبعون فرقة ضالة آن كافر خرابى حصن اسلام خواهد اين مبتدع ويرانى حصار سنت جويد آن شيطان در تشويش ولايت دل كوشد اين هواى نفس زيرو زبرىء دين توخواهد حق تعالى ترابر هريكى ازين دشمنان سلاحى داده تا اورابدان قهر كنى قتال باكافران بشمشيرسياست است وبامبتدعان بتيغ زبان وحجت وبا شيطان بمداومت ذكر حق وتحقيق كلمه وبا هواى نفس بتير مجاهدة وسنان رياضت اينست بهين اعمال بنده وكريده طاعات رونده جنانجه رب العزة كفت ذلكم خير لكم ان كنتم تعلمون وقال بعض الكبار يا أيها الذين آمنوا بالايمان التقليدى هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم تؤمنون بالله رسوله اى تحقيقا ويقينا استدلاليا وبعد صحة الاستدلال تجاهدون فى سبيل الله بأموالكم وانفسكم لان بذل المال والنفس فى سبيل الله لايكون الا بعد اليقين. واعلم ان التوحيد اما لسانى واما عيانى اما التوحيد اللسانى المقترن بالاعتقاد الصحيح فأهله قسمان قسم بقوا فى التقليد الصرف ولم يصلوا الى حد التحقيق فهم عوام المؤمنين وقسم تشبثوا بذيل الحجيج والبراهين النقلية والعقلية فهؤلاء وان خرجوا عن حد التقليد الصرف لكنهم لم يصلوا الى نور الكشف والعيان كما وصل اهل الشهود والعرفان واما التوحيد العيانى فعلى مراتب المرتبة الاولى توحيد الافعال والثانية توحيد الصفات والثالثة توحيد الذات فمن تجلى له الافعال توكل واعتصم ومن تجلى له الصفات رضى وسلم ومن وصل الى تجلى الذات فنى فى الذات بالمحو والعدم
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {يا أيها الذين آمنوا هل أَدُلُّكُمْ على تجارةٍ تُنجِيكم من عذابٍ أليم}، وكأنهم قالوا: وما هذه التجارة، أو: ماذا نصنع؟ فقال: {تؤمنون بالله ورسوله وتُجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفُسِكم}، وهو خبر بمعنى الأمر، أي: وجاهِدوا، وجيء به بصيغة الخبر للإيذان بوجوب الامتثال، فكأنه قد وقع، فأخبر بوقوعه، وقرىء "تؤمنوا" و "تجاهدوا" على إضمار لام الأمر. {ذالكم خير لكم}، الإشارة إلى الإيمان والجهاد بقِسْميه، أي: هو خير لكم من أموالكم وأنفسكم {إن كنتم تعلمون} أنه خير لكم، وقد قلتم: لو نعلم أيّ الأعمال أحب إلى الله لسارعنا، فهذا هو أحب الأعمال إلى الله، أو: إن كنتم من أهل العلم؛ فإنَّ الجهلة لا يعتد بأفعالهم. {يَغفر لكم ذنوبكم}: جواب للأمر المدلول بلفظ الخبر، على قول، أو شرط مقدّر، أي: إن تُؤمنوا وتُجاهدوا يغفر لكم ذنوبكم {ويُدْخِلْكم جناتٍ تجري مِن تحتها الأنهارُ ومساكنَ طيبةً} ولا تطيب إلاّ بشهود الحبيب {في جناتِ عَدْن} أي: إقامة لا انتقال عنها. وجنة عدن هي مدينة الجنة ووسطها، يسكنها الصالحون الأبرار من العلماء والشهداء، وفوقها الفردوس، هي مسكن الأنبياء والصدِّيقين من المقربين، هذا هو المشهور، كما في الصحيح، {ذلك الفوزُ العظيمُ} أي: ما ذكر من المغفرة وإدخال الجنة الموصوفة بما ذكر من الأوصاف الجليلة هو الفوز الذي لا فوز وراءه. {وأُخرى} أي: ولكم إلى هذه النعمة العظيمة نعمةٌُ أخرى عاجلة {تُحبونها} وترغبون فيها، وفيه شيء من التوبيخ على محبة العاجل. ثم فسَّرها بقوله: {نصرٌ من الله وفتحٌ قريبٌ} أي: عاجِل، وهو فتح مكة، والنصر على قريش، أو فتح فارس والروم، أو: هل أَدُلكم على تجارةٍ تُنجيكم، وعلى تجارةٍ تُحبونها، وهي نصر وفتح قريب، {وبَشِّر المؤمنين}: عطف على "تؤمنوا" لأنه في معنى الأمر, كأنه قيل لهم: آمنوا وجاهِدوا يُثبكم الله وينصركم, وبشر أيها الرسول بذلك المؤمنين. {يا أيها الذين آمنوا كونوا أنصارَ الله} أي: أنصار دينه {كما قال عيسى ابنُ مريمَ للحواريين مَنْ أنصاري إِلى الله}؟ أي: مَن يكون مِن جندي ومختصاً بي، متوجهاً إلى الله. ظاهره تشبيه كونهم أنصاراً بقول عيسى: {مَن أنصاري إلى الله} ولكنه محمول على المعنى، أي: كونوا أنصارَ الله، كما كان الحواريون أنصارَ عيسى، حينما قال لهم: مَن أنصاري إلى الله؟ {قال الحواريون نحن أنصارُ الله} أي: نحن الذين ينصرون دينه، والحواريون: أصفياؤه، وهم أول مَن آمن به من بني إسرائيل، قاله ابن عباس، وقيل: كانوا اثني عشر رجلاً. وحواري الرجل: صفوته وخاصته, من الحَور، وهو البياض الخالص، وقيل: كانوا قصّارين يُحوِّرون الثياب، أي: يُبيّضونها، وقيل: إنما سُمُّوا حواريين لأنهم كانوا يُطهرون النفوس بإقامتهم الدين والعلم، ولمَّا كفرت اليهود بعيسى عليه السلام، وهَمُّوا بقتله، فرَّ مع الحواريين إلى النصارى بقرية يُقال لها: نصرى، فنصوره، فقاتل اليهودَ بهم مع الحواريين، وهذا معنى قوله تعالى: {فآمنت طائفةٌ من بني إسرائيل وكفرت طائفةٌ} به، فقاتلوهم {فإيَّدنا الذين آمنوا} بعيسى عليه السلام {على عدوهم} أي: قوّيناهم {فأصبحوا ظاهِرين}؛ غالبين عليهم. الإشارة: هل أّدلُكم على تجارةٍ، وهي سلوك طريق التربية، على أيدي الرجال، تُنجيكم من عذاب أليم، وهو غم الحجاب على الدوام؛ تؤمنون بالله ورسوله أولاً، وتجاهدون هواكم وسائرَ العلائق بأموالكم وأنفسكم ثانياً, فالأموال تدفعونها لمن يدلكم على ربكم، والأنفس تُقدمونها لمَن يُربيكم، يَتحكم فيها بما يشاء {في سبيل الله} في الطريق الموصلة إلى حضرته، {ذالكم خير لكم إن كنتم تعلمون} أي: إن كان لكم علم وعقل، فهذا خير لكم، يغفر لكم ذنوبكم، أي: يُغطي مساوئكم، فيُغطي وصفكم بصوفه، ونعتكم بنعته، فيُوصلكم بما منه إليكم، لا بما منكم إليه، ويُدخلكم جنات المعارف، تجري من تحتها أنهار العلوم، ومساكن طيبة, هي السكنى والأطمئنان في مقامات اليقين، مع شهود رب العالمين، أو روح الرضا وريحان التسليم، أو الإقامة في حضرة القدس، مع التنزُّه في المقامات، في جنات عدن، وهي الرسوخ والإقامة في جنات المعارف ذلك الفوز العظيم. {وأُخرى تحبونها} عاجلة، {نصر من الله}: عِزٌّ دائم، {وفتح قريب} هو دخول بلاد المعاني. وقال القشيري: الفتح القريب: الرؤية والزلفة، ويقال: الشهود، ويقال: الوجود أبد الأبد. هـ. {وبَشِّر} بأنهم ظافرون بهذا، إن فعلوا ما أُمروا به. وقال الورتجبي: نصر الله: تأييده الأزلي، الذي سبق للعارفين والموحِّدين، والفتح القريب: كشف نقابه وفتح أبواب وِصاله، بنصره ظهروا على نفوسهم، فقهروها, وبفتحه أبواب الغيب شاهَدوا كل مغيب مستور من أحكام الربوبية وأنوار الألوهية. هـ. وباقي الآية يُرغب في القيام في نصر الدين، وإرشاد العباد إلى الله، حتى تظهر أنوار الدين، وتخمد ظلمة المعاصي والبِدَع من أقطار البلاد، وبالله التوفيق، وصلّى الله على سيدنا محمد وآله وسلّم.
الطوسي
تفسير : قرأ ابن عامر {تنجيكم من عذاب أليم} مشددة الجيم. الباقون بالتخفيف وقرأ ابن كثير ونافع وابو عمرو وابو جعفر {أنصاراً لله} منوناً. الباقون بالاضافة لقولهم فى الجواب {نحن أنصار الله} وقرأ نافع وحده {أنصاري إلى الله} بفتح الياء. الباقون باسكانها وهما جميعاً جيدان. يقول الله تعالى مخاطباً للمؤمنين {يا أيها الذين آمنوا} بالله واعترفوا بتوحيده وإخلاص عبادته وصدقوا رسوله {هل أدلكم على تجارة} صورته صورة العرض والمراد به الامر. والتجارة طلب الربح فى شراء المتاع. وقيل لطلب الثواب بعمل الطاعة تجارة تشبيهاً بذلك، لما بينهما من المقاربة {تنجيكم} أي تخلصكم {من عذاب أليم} أي مؤلم، وهو عذاب النار. ثم فسر تلك التجارة فقال {تؤمنون بالله ورسوله} أي تعترفون بتوحيد الله وتخلصون العبادة له وتصدقون رسوله فيما يؤديه اليكم عن الله. وإنما قال {تؤمنون} مع أنه قال {يا أيها الذين آمنوا} لان ذلك جار مجرى قوله {أية : يا أيها الذين آمنوا آمنوا}تفسير : وقد بيناه فيما مضى {وتجاهدون في سبيل الله} يعني قتال اعدائه الكفار {بأموالكم} فتنفقونها فى ذلك {وأنفسكم} فتحاربون بنفوسكم. ثم قال {ذلكم خير لكم} أي ما ذكرته لكم ووصفته أنفع لكم وخير عاقبة إن علمتم ذلك واعترفتم بصحته. وإنما قال {ذلكم خير لكم} مع أن تركه قبيح ومعصية لله، لان المعنى ذلكم خير لكم من رفعه عنكم، لان ما أدى إلى الثواب خير من رفعه إلى نعيم ليس بثواب من الله تعالى. والتكليف خير من رفعه إلى الابتداء بالنعم لكل من عمل بموجبه، وقيل: إيمانكم بالله خير لكم من تضييعه بالمشتهى من أفعالكم {إن كنتم تعلمون} مضار الاشياء ومنافعها وإنما جاز {تؤمنون بالله} مع أنه محمول على التجارة وخبر عنها، ولا يصلح أن يقال التجارة تؤمنون. وإنما يقال التجارة أن تؤمنوا بالله، لانه على طريق ما يدل على خبر التجارة لا على نفس الخبر إذ الفعل يدل على مصدره وانعقاده بالتجارة فى المعنى لا في اللفظ. وفى ذلك توطئة لما بنى على المعنى من الايجاز. والعرب تقول: هل لك فى خير تقدم إلى فلان، فتعوده وأن تقدم اليه. وقوله {يغفر لكم ذنوبكم} أي متى فعلتم ذلك ستر عليكم ذنوبكم، وجزمه لانه جواب {تؤمنون} لأنه فى معنى آمنوا يغفر لكم. وقال الفراء: هو جواب (هل) وإنما جاز جزم {يغفر لكم} لانه جواب الاستفهام. والمعنى هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم يعلمكم بها، فانكم إن عملتم بها يغفر لكم ذنوبكم وكان ابو عمرو يدغم الراء فى اللام فى قوله {يغفر لكم} ولا يجوز ذلك عند الخليل وسيبويه، لان فى الراء تكرار، ولذلك غلبت المستعلي فى طارد. {ويدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار} عطف على قوله {يغفر لكم} فلذلك جزمه {خالدين فيها} أي مؤبدين {ومساكن طيبة} أي ولهم فى الجنة مساكن طيبة مستلذة {في جنات عدن} أي في بساتين إقامة مؤبدة. ثم قال {ذلك الفوز العظيم} يعني الذي وصفه من النعيم هو الفلاح العظيم الذي لا يوازيه نعمة. وقيل: الفوز النجاة من الهلاك الى النعيم. وقوله {وأخرى تحبونها} معناه ولكم خصلة أخرى مع ثواب الآخرة {نصر من الله} في الدنيا عليهم {وفتح قريب} لبلادهم. ثم قال {وبشر المؤمنين} بذلك أي بما ذكرته من النعيم والنصر في الدنيا والفتح القريب. ثم خاطب المؤمنين فقال {يا أيها الذين آمنوا كونوا أنصار الله} ومعناه كونوا أنصار دين الله الذي هو الاسلام بأن تدفعوا اعداءه عنه وعن دينه الذي جاء به {كما قال عيسى ابن مريم للحواريين} أى مثلكم مثل قول عيسى للحواريين، وهم خاصته، وسمي خاصة الانبياء حواريين، لانهم أخلصوا من كل عيب - في قول الزجاج - وقيل: سموا حواريين لبياض ثيابهم. وقال ابن عباس: كانوا صيادين للسمك. وقال الضحاك: كانوا غسالين. وقوله {من أنصاري إلى الله} يعني من أنصاري مع الله، و (إلى) تكون بمعنى (مع) ومثله {أية : ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم} تفسير : يعني مع أموالكم. وقيل سمي النصارى نصارى لقولهم {نحن أنصار الله} وقيل: لانهم كانوا من الناصرة وهي قرية في بلاد الروم، فأجابه الحواريون بأن قالوا {نحن أنصار الله} وإنما قيل لهم {كونوا أنصار الله} مع أن المراد به دين الله، تعظيماً للدين وتشريفاً له. كما يقال الكعبة بيت الله، وحمزة اسد الله، وما أشبه ذلك {فآمنت طائفة من بني إسرائيل} يعني صدقت بعيسى عليه السلام طائفة من بني اسرائيل {وكفرت} به {طائفة} اخرى {فأيدنا الذين آمنوا على عدوهم} أى قوينا المؤمنين على عدوهم {فأصبحوا ظاهرين} أى غالبين لهم وقال ابراهيم: معناه أيد الذين آمنوا بعيسى بمحمد، فاصبحوا ظاهرين عليهم. وقال مجاهد: بل أيدوا في زمانهم على من كفر بعيسى عليه السلام وقال بعضهم الم يكن من المسيح قتال. والتأويل أنهم أصبحوا ظاهرين على مخالفيهم بالحجة. وقال قوم: كانت الحرب بعد المسيح لما اختلف أصحابه اقتتلوا فظفر أهل الحق، وهذا ضعيف، لأنه لم يكن من دينهم بعده القتال. وقال ابن عباس قاتلوا ليلا فاصبحوا ظاهرين.
الجنابذي
تفسير : {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} اى اسلموا بالبيعة العامّة، ولمّا اراد ان يأمرهم بالايمان والبيعة الثّانية وكان ذلك شاقّاً على بعضٍ تلطّف بهم وناداهم جبراناً لكلفة هذا الامر ولذلك أدّى الامر بصورة الاستفهام والدّلالة على التّجارة المنجية من العذاب الاليم ليتهيّؤا لسماعه ويستعدّوا لقبوله {هَلْ أَدُلُّكمْ عَلَىٰ تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ تُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ} بالايمان الخاص والبيعة الايمانيّة الولويّة {وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ} ببذل الاموال الّتى هى كلّ ما ينسب الى الانسان {وَأَنفُسِكُمْ} ببذلها بحيث لا يبقى لكم انفسٌ ولا ما ينسب الى انفسكم وتؤمنون جوابٌ لسؤالٍ مقدّرٍ لبيان التّجارة {ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} يعنى ان كنتم من اهل العلم علمتم ذلك، او ان كنتم تعلمون ذلك اخترتم ذلك.
اطفيش
تفسير : {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارةٍ تُنَجِيكُم} وقرأ ابن عامر بالتشديد {مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ} كأنهم قالوا نعم فقال:
الالوسي
تفسير : {يَا أَيُّهَا ٱلَّذينَ ءَامَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تجَارَة} جليلة الشأن {تُنْجيكُمْ مِنْ عَذَاب أَليم} يوم القيامة. وقرأ الحسن وابن أبـي إسحٰق والأعرج وابن عامر {تنجيكم} بالتشديد.
ابن عاشور
تفسير : هذا تخلص إلى الغرض الذي افتتحت به السورة من قوله: {أية : يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون}تفسير : [الصف: 2] إلى قوله: {أية : كأنهم بنيان مرصوص}تفسير : [الصف: 4]. فبعد أن ضربت لهم الأمثال، وانتقل الكلام من مجال إلى مجال، أعيد خطابهم هنا بمثل ما خوطبوا به بقوله: {أية : يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون}تفسير : [الصف: 2]، أي هل أدلكم على أحب العمل إلى الله لتعملوا به كما طلبتم إذْ قلتم لو نعلم أيَّ الأعمال أحبّ إلى الله لعملنا به فجاءت السورة في أُسلوب الخطابة. والظاهر أن الضمير المستتر في {أدلكم} عائد إلى الله تعالى لأن ظاهر الخطاب أنه موجه من الله تعالى إلى المؤمنين. ويجوز أن يجعل الضمير إلى النبي صلى الله عليه وسلم على تقدير قول محذوف وعلى اختلاف الاحتمال يختلف موقع قوله الآتي {أية : وبشر المؤمنين}تفسير : [الصف: 13]. والاستفهام مستعمل في العَرض مجازاً لأن العارض قد يسأل المعروضَ عليه ليعلم رغبته في الأمر المعروض كما يقال: هل لك في كذا؟ أو هل لك إلى كذا؟ والعرض هنا كناية عن التشويق إلى الأمر المعروض، وهو دلالته إياهم على تجارة نافعة. وألفاظ الاستفهام تخرج عنه إلى معان كثيرة هي من ملازمات الاستفهام كما نبه عليه السكّاكي في «المفتاح»، وهي غير منحصرة فيما ذكره. وجيء بفعل {أدلكم} لإِفادة ما يذكر بعده من الأشياء التي لا يهتدى إليها بسهولة. وأطلق على العمل الصالح لفظُ التجارة على سبيل الاستعارة لمشابهة العمل الصالح التجارةَ في طلب النفع من ذلك العمل ومزاولته والكد فيه، وقد تقدم في قوله تعالى: {أية : فما ربحت تجارتهم}تفسير : في سورة [البقرة: 16]. ووصف التجارة بأنها تنجي من عذاب أليم، تجريد للاستعارة لقصد الصراحة بهذه الفائدة لأهميتها وليس الإِنجاء من العذاب من شأن التجارة فهو من مناسبات المعنى الحقيقي للعمل الصالح. وجملة {تؤمنون بالله ورسوله} مستأنفة استئنافاً بيانياً لأن ذكر الدلالة مجمل والتشويقُ الذي سبقها مما يثير في أنفس السامعين التساؤل عن هذا الذي تدلنا عليه وعن هذه التجارة. وإذ قد كان الخطاب لقوم مؤمنين فإن فِعْل {تؤمنون بالله} مع {وتجاهدون} مراد به تجمعون بين الإِيمان بالله ورسوله وبين الجهاد في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم تنويهاً بشأن الجهاد. وفي التعبير بالمضارع إفادة الأمر بالدوام على الإِيمان وتجديده في كل آن، وذلك تعريض بالمنافقين وتحذير من التغافل عن ملازمة الإِيمان وشؤونه. وأما {وتجاهدون} فإنه لإِرادة تجدّد الجهاد إذا استُنفِروا إليه. ومجيء {يغفر} مجْزوماً تنبيه على أن {تؤمنون} {وتجاهدون} وإن جاءا في صيغة الخبر فالمراد الأمرُ لأن الجزم إنما يكون في جواب الطلب لا في جواب الخبر. قاله المبرد والزمخشري. وقال الفراء: جزم {يغفرْ} لأنه جواب {هل أدلكم}، أي لأن متعلق {أدلكم} هو التجارة المفسرة بالإِيمان والجهاد، فكأنه قيل: هل تتَّجرون بالإِيمان والجهاد يَغفرْ لكم ذنوبكم. وإنما جيء بالفعلين الأولين على لفظ الخبر للإِيذان بوجوب الامتثال حتى يفرض المأمور كأنه سمع الأمر وامتثله. وقرأ الجمهور {تنجيكم} بسكون النون وتخفيف الجيم. وقرأه ابن عامر بفتح النون وتشديد الجيم، يقال: أنجاه ونَجّاه. والإِشارة بـ{ذلكم} إلى الإِيمان والجهاد بتأويل المذكور: خير. و{خير} هذا ليس اسم تفضيل الذي أصله: أخير ووزنُه: أَفْعَل، بل هو اسم لضد الشر، ووزنه: فَعْل. وجَمَع قولُه: {خير} ما هو خيرُ الدنيا وخيرُ الآخرة. وقوله: {إن كنتم تعلمون} تعريض لهم بالعتاب على تولّيهم يوم أُحُد بعد أن قالوا: لو نعلم أيَّ الأعمال أحب إلى الله لَعَمِلْنَاه، فندبوا إلى الجهاد فكان ما كان منهم يوم أُحُد، كما تقدم في أول السورة، فنزلوا منزلة من يُشَك في عملهم بأنه خير لعدم جريهم على موجَب العلم. والمساكن الطيبة: هي القصور التي في الجنة، قال تعالى: {أية : ويجعل لك قصوراً}تفسير : [الفرقان: 10]. وإنما خُصّت المساكن بالذكر هنا لأن في الجهاد مفارقة مساكنهم، فوعدوا على تلك المفارقة الموقتة بمساكن أبدية. قال تعالى: {قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم} إلى قوله: {أية : ومساكن ترضونها أحبَّ إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله}تفسير : [التوبة: 24] الآية.
الشنقيطي
تفسير : فسرت التجارة بقوله تعالى: {أية : تُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ}تفسير : [الصف: 11]. التجارة: هي التصرف في رأس المال طلباً للربح كما قال تعالى: {أية : إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ}تفسير : [البقرة: 282]. وقال تعالى:{أية : وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا}تفسير : [التوبة: 24]. والتجارة هنا فسرت بالإيمان بالله ورسوله، وبذل المال والنفس في سبيل الله، فما هي المعارضة الموجودة في تلك التجارة الهامة، بينها تعالى في قوله تعالى:{أية : إِنَّ ٱللَّهَ ٱشْتَرَىٰ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ ٱلّجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً فِي ٱلتَّوْرَاةِ وَٱلإِنْجِيلِ وَٱلْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَىٰ بِعَهْدِهِ مِنَ ٱللَّهِ فَٱسْتَبْشِرُواْ بِبَيْعِكُمُ ٱلَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ}تفسير : [التوبة: 111]، فهنا مبايعة، وهنا بشرى وهنا فوز عظيم. وكذلك في هذه الآية: {أية : يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ وَأُخْرَىٰ تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِّن ٱللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيب}تفسير : [الصف: 12-13]. وقد دل القرآن على أنه من فاتته هذه الصفقة الرابحة فهو لا محالة خاسر، كما في قوله تعالى: {أية : أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ ٱشْتَرُواْ ٱلضَّلاَلَةَ بِٱلْهُدَىٰ فَمَا رَبِحَتْ تِّجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ}تفسير : [البقرة: 16]. حقيقة هذه التجارة أن رأس مال الإنسان حياته ومنتهاه مماته. وقد قال صلى الله عليه وسلم:"حديث : كل الناس يغدو فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها"تفسير : والعرب تعرف هذا البيع في المبادلة كما قول الشاعر: شعر : فإن تزعميني كنت أجهل فيكم إن شربت الحلم بعدك بالجهل تفسير : وقول الآخر: شعر : بدلت بالجمة رأساً أزعرا وبالثنايا الواضحات الدردرا كما اشبرى المسلم إذ تنصرا تفسير : فأطلق الشراء على الاستبدال. تنبيه في هذه الآية الكريمة تقديم الجهاد بالمال على الجهاد بالنفس في قوله تعالى: {أية : وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ}تفسير : [الصف: 11]. وفي آية إن الله اشترى من المؤمنين، قدم النفس عن المال فقال {أية : ٱشْتَرَىٰ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم}تفسير : [التوبة: 111]، وفي ذلك سر لطيف. أما في آية الصف، فإن المقام مقام تفسير وبيان لمعنى التجارة الرابحة بالجهاد في سبيل الله. وحقيقة الجهاد بذل الجهد والطاقة، والمال هو عصب الحرب وهو مدد الجيش. وهو أهم من الجهاد بالسلاح، فبالمال يشترى السلاح، وقد تستأجر الرجال كما في الجيوش الحديثة من الفرق الأجنبية، وبالمال يجهز الجيش، ولذا لما جاء الإذن بالجهاد أعذر الله المرضى والضعفاء، وأعذر معهم الفقراء الذين لا يستطيعون تجهيز أنفسهم، وأعذر معهم الرسول صلى الله عليه وسلم إذ لم يوجد عنده ما يجهزهم به كما في قوله تعالى: {أية : لَّيْسَ عَلَى ٱلضُّعَفَآءِ وَلاَ عَلَىٰ ٱلْمَرْضَىٰ}تفسير : [التوبة: 91] إلى قوله:{أية : وَلاَ عَلَى ٱلَّذِينَ إِذَا مَآ أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لاَ أَجِدُ مَآ أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَّأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ ٱلدَّمْعِ حَزَناً أَلاَّ يَجِدُواْ مَا يُنْفِقُونَ}تفسير : [التوبة: 92]. وكذلك من جانب آخر، قد يجاهد بالمال من لا يستطيع بالسلاح كالنساء والضعفاء، كما قال صلى الله عليه وسلم:"حديث : من جهز غازياً فقد غزا " تفسير : أما الآية الثانية، فهي في معرض الاستبدال والعرض والطلب أو ما يسمى بالمساومة، فقدم النفس لأنها أعز ما يملك الحي، وجعل في مقابلها الجنة وهي أعز ما يوهب، وأحسن ما قيل في ذلك. شعر : أثامن بالنفس النفيسة ربها وليس لها في الخلق كلهم ثمن بها تملك الأخرى فإن أنا بعتها بشيء من الدنيا فذاك هو الغبن لئن ذهبت نفسي بدنيا أصيبها لقد ذهبت نفسي وقد ذهب الثمن تفسير : فالتجارة هنا معاملة مع الله إيماناً بالله وبرسوله وجهاد بالمال والنفس، والعمل الصالح، كما قيل أيضاً. شعر : فاعمل لنفسك قبل الموت مجتهداً فإنما الربح والخسران في العمل تفسير : وفي آية {أية : إِنَّ اللَّهَ ٱشْتَرَى}تفسير : [التوبة: 111] تقديم بشرى خفية لطيفة بالنصر لمن جاهد في سبيل الله وهي تقديم قوله: {فَيَقْتُلُونَ} بالبناء للفاعل أي فيقتلون عدوهم {وَيُقْتَلُونَ} بالبناء للمجهول، لأن التقديم هنا يشعر بأنهم يقتلون العدو قبل أن يقتلهم ويصيبون منه قبل أن يصيب منهم، ومثل هذا يكون في موقف القوة والنصر والعلم عند الله تعالى.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: هل أدلكم على تجارة: أي أرشدكم إلى تجارة رابحة. تنجيكم من عذاب أليم: أي الربح فيها هو نجاتكم من عذاب مؤلم يتوقع لكم. تؤمنون بالله ورسوله: أي تصدقون بالله ربّاً وإلهاً وبمحمد نبياً ورسولاً لله تعالى. وتجاهدون في سبيل الله: أي وتبذلون أموالكم وأرواحكم جهاداً في سبيل الله تعالى. ذلك خير لكم إن كنتم تعلمون: أي الدخول في هذه الصفقة التجارية الرابحة خير لكم من تركها حرصاً على بقائكم وبقاء أموالكم مع أنه لا بقاء لشيء في هذه الدار. يغفر لكم ذنوبكم ويدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار ومساكن طيبة في جنات عدن: أي هذا هو الربح الصافي مقابل ذلك الثمن الذاهب الزائل الذي هو المال والنفس مع أن الكل لله تعالى واهبكم أنفسكم وأموالكم. ذلك الفوز العظيم: أي النجاة من عذاب النار الأليم ثم دخول الجنة والظفر بما فيها من النعيم المقيم هو حقاً الفوز العظيم. وأخرى تحبونها نصر من الله وفتح قريب: أي وعلاوة أخرى تحبونها قطعاً إنها نصر من الله لكم وليدنكم وفتح قريب للأمصار والمدن، وما يتبع ذلك من رفعة وسعادة وهناء. وبشر المؤمنين: أي وبشر يا رسولنا المؤمنين الصادقين بذاك الفوز وهذه العلاوة. كونوا أنصار الله: أي لتنصروا دينه ونبيه وأولياءه. كما قال عيسى بن مريم : أي فكونوا أنتم أيها المؤمنون مثل الحواريين، والحواريون للحواريين من أنصاري إلى الله أصحاب عيسى وهم أول من آمن به وكانوا اثني عشر رجلاً. قال الحواريون نحن أنصار الله فآمنت طائفة من بني إسرائيل: أي بعيسى عليه السلام، وقالوا إنه عبد الله رفع إلى السماء. وكفرت طائفة: أي من بني إسرائيل فقالوا إنه ابن الله رفعه إليه. فأيدنا الذين آمنوا على عدوهم: فاقتتلت الطائفتان: فنصرنا وقوينا الذين آمنوا. فأصبحوا ظاهرين: أي غالبين عالين. معنى الآيات: قوله تعالى {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ هَلْ أَدُلُّكمْ عَلَىٰ تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ} أي يا من صدقتم الله ورسوله هل لنا أن ندلكم على تجارة عظيمة الربح ثمرتها النجاة من عذاب أليم في الدنيا والآخرة. وقوله {تُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ} هذا هو رأس المال الذي تقدمونه. إيمان بالله ورسوله حق الإِيمان، جهاد في سبيل الله بالنفس والمال وأُنبه إلى أن هذ الصفقة التجارية خير لكم من عدمها إن كنتم تعلمون ربحها وفائدتها. {يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ} إنها النجاة من العذاب الدنيوي والأخروي أولاً، ثم مغفرة ذنوبكم وإدخالكم جنات تجري من تحتها الأنهار، أي من تحت قصورها وأشجارها، ومساكن طيبة في جنات عدن أي إقامة دائمة. ثانياً ثم زاد الحق في ترغيبهم فقال {ذَلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ} إنه النجاة من النار، ودخول الجنة، فلا فوز أعظم منه قط هذا ولكم علاوة على ذلك الربح العظيم وهي ما أخبر تعالى عنها بقوله: {وَأُخْرَىٰ تُحِبُّونَهَا} أي وفائدة أخرى تحبونها: نصر من الله أي لكم على أعدائكم ولدينكم على سائر الأديان وفتح قريب لمكة ولباقي المدن والقرى في الجزيرة وما وراءها. وقوله تعالى {وَبَشِّرِ ٱلْمُؤْمِنِينَ} أي وبشر يا رسولنا الذين آمنوا بنا وبرسولنا وبوعدنا ووعيدنا بحصول ما ذكرناه كاملا، وقد تم لهم كاملاً ولله الحمد والمنة. وقوله تعالى {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} هذا نداء ثانٍ في هذا السياق الكريم ناداهم بعنوان الإِيمان أيضاً إذ الإِيمان وهو الطاقة المحركة الدافعة فقال {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ كُونُوۤاْ أَنصَارَ ٱللَّهِ} أي التزموا بنصرة ربكم وإلهكم الحق في دينه ونبيه وأوليائه المؤمنين. قولوا كما قال الحواريون لما دعاهم عيسى نبيهم لنصرته قائلاً من أنصاري إلى الله أي من ينصرني في حال كوني متوجهاً إلى الله انصر دينه وأولياءه، فأجابوه قائلين نحن أنصار الله. فكونوا أنتم أيها المسلمون مثلهم، وقد كانوا رضي الله عنهم كما طلب منهم. وقوله تعالى {فَآمَنَت طَّآئِفَةٌ مِّن بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَت طَّآئِفَةٌ فَأَيَّدْنَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} أي فاقتتلوا فأيدنا أي قوينا ونصرنا الذين آمنوا وهم الذين قالوا عيسى عبدالله ورسوله رفعه ربه تعالى إلى السماء، على عدوهم وهم الطائفة الكافرة التي قالت عيسى ابن الله رفعه إليه تعالى الله أن يكون له ولد. وقوله تعالى {فَأَصْبَحُواْ ظَاهِرِينَ} أي غالبين عالين إلى أن احتال اليهود على إفساد الدين الذي جاء به عيسى وهو الإِسلام أي عبادة الله وحده بما شرع أن يعبد به فحينئذ لم يبق من المؤيدين إلا أنصار قليلون هنا وهناك وعلا الكفر والتثليث واستمر الوضع كذلك إلى أن بعث الله رسوله محمداً صلى الله عليه وسلم فانضم إلى الإِسلام من انضم من النصارى فأصبحوا بالإِسلام ظاهرين على عدوهم من المشركين المؤلهين لعيسى والحيارى في تقويمه مرة يقولون هو الله، ومرة يقولون: هو ابن الله، ومرة يقولون: ثالث ثلاثة هو الله. وضللهم وتركهم في هذه المتاهات الانتفاعيون من الرؤساء والجاهلون المقلدون من المرءوسين كما فعل نظراؤهم في الإِسلام فحولوه إلى طوائف وشيع إلا أن الإِسلام تعهد الله بحفظه إلى يوم القيامة فمن أراده وجده صافياً كما نزل في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ومن لم يرده وأراد الضلالة وجدها في كل عصر ومصر. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- فضل الجهاد بالمال والنفس وأنه أعظم تجارة رابحة. 2- تحقيق بشرى المؤمنين التي أمر الله رسوله أن يبشرهم بها فكان هذا برهاناً على صحة الإِسلام وسلامة دعوته. 3- بيان استجابة المؤمنين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لما طلب منهم من نصرة رسول الله صلى الله عليه وسلم ودينه والمؤمنين معه. وهي نصرة الله تعالى المطلوبة.
د. أسعد حومد
تفسير : {يٰأَيُّهَا} {آمَنُواْ} {تِجَارَةٍ} (10) - يَا أَيُّهَا المُؤْمِنُونَ بِاللهِ، وَالمُصَدِّقُونَ بِرُسُلِهِ وَكُتُبِهِ وَآيَاتِهِ، أَلاَ تُرِيدُونَ أَنْ أَدُلِّكُمْ عَلَى صَفَقَةٍ رَابِحَةٍ، وَتِجَارَةٍ نَافِعَةٍ، تَفُوزُونَ فِيهَا بِالرِّبْحِ العَظِيمِ، وَتُنْقِذُكُمْ مِنْ عَذَابِ اللهِ الأَلِيمِ يَوْمَ القِيَامَةِ؟.
مجاهد بن جبر المخزومي
تفسير : أَنبا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {هَلْ أَدُلُّكمْ عَلَىٰ تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ} [الآية: 10]. قال: قال نفر من الأَنصار، في مجلس لهم، وفيهم عبد الله بن رواحة: لو نعلم أَي العمل أَحب إِلى الله، لعملنا به حتى نموت. فأَنزل الله، عز وجل {هَلْ أَدُلُّكمْ عَلَىٰ تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ} إِلى قوله: {وَبَشِّرِ ٱلْمُؤْمِنِينَ} [الآية: 13]. قال ابن رواحة: لا أَزال حبيسا في سبيل الله، حتى أَموت. فقتل شهيداً. أَنبا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: ثنا آدم، قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {مَنْ أَنَّصَارِيۤ إِلَى ٱللَّهِ} [الآية: 14]. يقول: من يتبعني إِلىالله، عز وجل. أَخبرنا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: ثنا آدم، قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {فَأَصْبَحُواْ ظَاهِرِينَ} [الآية: 14]. يعني: من آمن مع عيسى، عليه السلام، وقومه.
الصابوني
تفسير : المنَاسَبَة: لما بيَّن تعالى أن المشركين يريدون إِطفاء نور الله، أمر المؤمنين بمجاهدة أعداء الدين، ودعاهم إِلى التضحية بالمال والنفس والجهاد في سبيل الله، وبيَّن لهم أنها التجارة الرابحة لمن أراد سعادة الدارين. اللغَة: {تُنجِيكُم} تخلّصكم وتنقذكم {ٱلْحَوَارِيُّونَ} الأصفياء والخواص من أتباع عيسى، وهم الذين ناصروا المسيح عليه السلام {أَيَّدْنَا} قوَّينا وساندنا {ظَاهِرِينَ} غالبين بالحجة والبرهان. سَبَبُ النّزول: روي أن بعض الصحابة قالوا يا نبيَّ الله: لوددنا أن نعلم أيَّ التجارات أحبَّ إِلى الله فنتجر فيها!! فنزلت {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ هَلْ أَدُلُّكمْ عَلَىٰ تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ}؟ الآيات. التفسِير: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ هَلْ أَدُلُّكمْ عَلَىٰ تِجَارَةٍ} أي يا من صدقتم الله ورسوله وآمنتم بربكم حقَّ الإِيمان، هل أدلكم على تجارة رابحة جليلة الشأن؟ والاستفهام للتشويق {تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ} أي تخلِّصكم وتنقذكم من عذاب شديد مؤلم.. ثم بيَّن تلك التجارة ووضحها فقال {تُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ} إيماناً صادقاً، لا يشوبه شكٌ ولا نفاق {وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ} أي وتجاهدون أعداء الدين بالمال والنفس، لإِعلاء كلمة الله قال المفسرون: جعل الإِيمان والجهاد في سبيله "تجارة" تشبيهاً لهما بالتجارة، فإِنها عبارة عن مبادلة شيء بشيء، طمعاً في الربح، ومن آمن وجاهد بماله ونفسه فقد بذل ما عنده وما في وسعه، لنيل ما عند ربه من جزيل ثوابه، والنجاة من أليم عقابه، فشبَّه هذا الثواب والنجاة من العذاب بالتجارة لقوله تعالى {أية : إِنَّ ٱللَّهَ ٱشْتَرَىٰ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ ٱلّجَنَّةَ}تفسير : [التوبة: 111] قال الإِمام الفخر: والجهاد ثلاثةُ أنواع: 1- جهادٌ فيما بينه وبين نفسه، وهو قهرُ النفس ومنعُها عن اللذات والشهوات. 2- وجهادٌ فيما بينه وبين الخلق، وهو أن يدع الطمع منهم ويشفق عليهم ويرحمهم 3- وجهادُ أعداء الله بالنفس والمال نصرةً لدين الله {ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} أي ما أمرتكم به من الإِيمان والجهاد في سبيل الله، خيرٌ لكم من كل شيء في هذه الحياة، إن كان عندكم فهمٌ وعلم {يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ} هذا جواب الجملة الخبرية {تُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ} لأن معناها معنى الأمر أي آمنوا بالله وجاهدوا في سبيله فإِذا فعلتم ذلك يغفر لكم ذنوبكم اي يسترها عليكم، ويمحها بفضله عنكم {وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ} أي ويدخلكم حدائق وبساتين، تجري من تحت قصورها أنهار الجنة {وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ} أي ويسكنكم في قصور رفيعة في جنات الإِقامة {ذَلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ} أي ذلك الجزاء المذكور هو الفوز العظيم الذي لا فوز وراءه، والسعادة الدائمة الكبيرة التي لا سعادة بعدها {وَأُخْرَىٰ تُحِبُّونَهَا} أي ويمنُّ عليكم بخصلةٍ أُخرى تحبونها وهي {نَصْرٌ مِّن ٱللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ} أي أن ينصركم على أعدائكم، ويفتح لكم مكة وقال ابن عباس: يريد فتح فارس والروم {وَبَشِّرِ ٱلْمُؤْمِنِينَ} أي وبشِّر يا محمد المؤمنين، بهذا الفضل المبين قال في البحر: لما ذكر تعالى ما يمنحهم من الثواب في الآخرة، ذكر لهم ما يسرُّهم في العاجلة، وهي ما يفتح الله عليهم من البلاد، فهذه هي خير الدنيا موصولٌ بنعيم الآخرة {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ كُونُوۤاْ أَنصَارَ ٱللَّهِ} أي انصروا دين الله وأعلوا مناره {كَمَا قَالَ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ} أي كما نصر الحواريون دين الله حين قال لهم عيسى بن مريم {مَنْ أَنَّصَارِيۤ إِلَى ٱللَّهِ} أي من ينصرني ويكون عوني لتبليغ دعوة الله، ونصرة دينه؟ {قَالَ ٱلْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ ٱللَّهِ} أي قال أتباع عيسى - وهم المؤمنون الخُلُّص من خاصته المستجيبون لدعوته - نحن أنصار دين الله قال البيضاوي: والحواريون أصفياؤه وهم أول من آمن به، مشتقٌ من الحور وهو البياض، وكانوا اثني عشر رجلاً وقال الرازي: والتشبيه في الآية محمول على المعنى أي كونوا أنصار الله كما كان الحواريون أنصار الله {فَآمَنَت طَّآئِفَةٌ مِّن بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَت طَّآئِفَةٌ} أي فانقسم بنو إِسرائيل إِلى جماعتين: جماعةٌ آمنت به وصدَّقته، وجماعةٌ كفرت وكذبت برسالة عيسى {فَأَيَّدْنَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ عَلَىٰ عَدُوِّهِمْ} أي فقوينا المؤمنين على أعدائهم الكافرين {فَأَصْبَحُواْ ظَاهِرِينَ} أي حتى صاروا غالبين عليهم بالحجة والبرهان قال ابن كثير: لما بلَّغ عيسى بن مريم رسالة ربه، اهتدت طائفة من بني إِسرائيل بما جاءهم به، وضلَّت طائفة فجحدوا نبوته، ورموه وأُمه بالعظائم، وهم اليهود عليهم لعنة الله، وغلت فيه طائفةٌ من أتباعه حتى رفعوه فوق ما أعطاه الله من النبوة، وافترقوا فيه فرقاً وشيعاً، فمنهم من زعم أنه ابنُ الله، ومنهم من قال إِنه ثالث ثلاثة "الأب والابن وروح القدس" ومنهم من قال: إِنه اللهُ - تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً - فنصر الله المؤمنين على من عاداهم من فرق النصارى. البَلاَغَة: تضمنت السورة الكريمة وجوهاً من البيان والبديع نوجزها فيما يأتي: 1- أسلوب التوبيخ {أية : لِمَ تَقُولُونَ مَا لاَ تَفْعَلُونَ}تفسير : [الصف: 2] وهي "ما" الاستفهامية حذفت ألفها تخفيفاً، والغرض من الاستفهام التوبيخ. 2- الإِطناب بتكرار ذكر اللفظ لبيان غاية قبح ما فعلوه {أية : كَبُرَ مَقْتاً عِندَ ٱللَّهِ أَن تَقُولُواْ مَا لاَ تَفْعَلُونَ}تفسير : [الصف: 3] وبين {تَقُولُواْ.. وتفعلوا} طباقٌ. 3- التشبيه المرسل المفصَّل {أية : كَأَنَّهُم بُنْيَانٌ مَّرْصُوصٌ}تفسير : [الصف: 4] أي في المتانة والتراص. 4- الاستعارة اللطيفة {أية : يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُواْ نُورَ ٱللَّهِ}تفسير : [الصف: 8] استعار نور الله لدينه وشرعه المنير، وشبَّه من أراد إِبطال الدين بمن أراد إِطفاء الشمس بفمه الحقير، على طريق الاستعارة التمثيلية، وهذا من لطيف الاستعارات. 5- الاستفهام للترغيب والتشويق {هَلْ أَدُلُّكمْ عَلَىٰ تِجَارَةٍ}؟. 6- الطباق {فَآمَنَت طَّآئِفَةٌ.. وَكَفَرَت طَّآئِفَةٌ}. 7- السجع المرصَّع كأنه حبات در منظومة في سلك واحد مثل {أية : وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلْفَاسِقِينَ}تفسير : [الصف: 5] {أية : قَالُواْ هَـٰذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ}تفسير : [الصف: 6] {وَبَشِّرِ ٱلْمُؤْمِنِينَ} وهو من المحسنات البديعية. تنبيه: إِنما قرنت قصة موسى وعيسى في هذه السورة لأنهما من أنبياء بني إِسرائيل، وهما من أعظم أنبيائهم ومن أولي العزم الذين ذكرهم الله في كتابه العزيز بالثناء والتبجيل.
الجيلاني
تفسير : ثمَّ قال سبحاه بعدما أشار إلى ظهور دين الإسلام، وإعلاء كلمة التوحيد حثاً على المؤمنين، وترغيباً لهم إلى ترويج الدين القويم الذي هو الصراط المستقيم، الموصل إلى مرتبة حق اليقين: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ هَلْ أَدُلُّكمْ عَلَىٰ تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ} [الصف: 10] كأنه قيل: ما التجارة المنقذة المنجية؟. قال سبحانه: {تُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ} لترويج دينه، وإعلاء كلمة توحيده {بِأَمْوَالِكُمْ} ببذلها في الخطوب {وَأَنفُسِكُمْ} بالاقتحام على الحروب {ذَلِكُمْ} الذي ذُكر من الإيمان والجهاد {خَيْرٌ لَّكُمْ} ونفعه عائد إليكم {إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} [الصف: 11] ما هو أصلح لكم، وأنفع في نشأتكم الأولى والأخرى. وإن تؤمنوا بالله، وتصدقوا رسوله، وتجاهدوا في سبيله {يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ} التي أتيتم بها قبل ذلك {وَ} بعدما نغفر ذنوبكم {يُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ} منتزهات العلم والعين والحق {تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ} أي: أنهار المعارف والحقائق المترشحة من بحر الحياة التي هي حضرة العلم الإلهي {وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً} من الحالات والمقامات السنيَّة، والدرجات العليَّة {فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ} التي هي المعرفة واليقين مصونة عن شوب الشرك، وريب الحسبان والتخمين {ذَلِكَ} الستر والإدخال هو {ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ} [الصف: 12] والفضل الكريم على أرباب المعرفة واليقين من الله العزيز العليم. {وَ} لكم أيها المعتبرون المجاهدون عنده سبحانه نعمة {أُخْرَىٰ} من النعم التي {تُحِبُّونَهَا} وهي {نَصْرٌ} نازل {مِّن ٱللَّهِ} العزيز الحكيم عليكم، إلى حيث يغلبكم على عموم أعدائكم {وَفَتْحٌ قَرِيبٌ} في العاجل {وَ} بالجملة: {بَشِّرِ ٱلْمُؤْمِنِينَ} [الصف: 13] المجاهدين يا أكمل الرسل بأنواع البشارات الدنيوية والأخروية.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ هَلْ أَدُلُّكمْ عَلَىٰ تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ} [الصف: 10] يعني: أيتها القوى المؤمنة باللطائف هل أدلكم على كسب إن اشتغلتم به ينجيكم من عذاب الآخرة، وهو أسهل مما تواظبون عليه من الأوزار والأغلال؛ لأني بعثت بالملة الحنيفية السمحة السهلة، وهو أن {تُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ} [الصف: 11] يعني: وحدانيته {وَرَسُولِهِ}، يعني: اللطيفة الخفية المرسلة التي هي خاتم الأنبياء وسيد المرسلين {وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ} [الصف: 11] يعني: باستعدادكم الحاصل من سلوككم بأمر اللطائف المرسلة من قبيل ترك اختيار أنفسكم وعادتكم {ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ} [الصف: 11] من كثرة مجاهدتكم وتعبكم ورياضتكم الشاقة على أنفسكم {إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} [الصف: 11] أن حقيقة العبادة ترك الهوى، والائتمار بما يأمر به المولى، والانتهاء عما ينهى عنه لا تعذيب النفس، وقلة الأكل والنوم على وفق الهوى؛ ولأجل هذا السر قال المشايخ: لو يأكل المريد بأمر شيخه كل يوم دجاجة مسمنة، وحلوى من سكر خير له من أن يأكل في كل أسبوع قرصاً من شعير على وفق أمر نفسه وهواه، وإن شاهدنا وجربنا في أنفسنا، وفيمن سلكناه أن الإفطار على وفق أمر الشيخ خير له من الصوم باختيار نفسه، وإن ترك العبادات النافلة من الصلاة والحج والصدقة والتلاوة بأمر شيخه؛ أنفع له من الإتيان بها على وفق اختيار نفسه، وفي هذا السر لطيفة إفشاؤها حرام على المسلك من قبل أن يطلع الله السالك عليها، فإذا أطلع الله السالك عليها، ويحكيها السالك للمسلك، فيجوز للمسلك أن يخبره عن هذه اللطيفة، فمن يؤمن بالله أيتها القوى المؤمنة باللطائف المرسلة من قبل باللطيفة الخفية منكم {يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ} [الصف: 12] بإثبات الولد والصاحبة لله، وبإثبات الشركاء له {وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ} [الصف: 12] يعني: جنات القلب تجري من تحتها أنهار المعرفة تكون تحت تصرفكم متى شئتم شربتم منها {وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ} [الصف: 12]، وهي مساكن قوى معدنية السالك إذا صارت طيبة يكون بعد خراب البدن لصاحبه مساكن طيبة في جنات عدن، وهو القوى النباتية المزكية عن الخبائث المطهرة عن الأباطيل، وإذا خرج صاحب هذه القوى من دار الكسب؛ يكون له في دار الجزاء مساكن طيبة بتطهير قوى معدنية، وجنات عدن بتزكية قوى نباتية {ذَلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ} [الصف: 12].
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : هذه وصية ودلالة وإرشاد من أرحم الراحمين لعباده المؤمنين، لأعظم تجارة، وأجل مطلوب، وأعلى مرغوب، يحصل بها النجاة من العذاب الأليم، والفوز بالنعيم المقيم. وأتى بأداة العرض الدالة على أن هذا أمر يرغب فيه كل متبصر، ويسمو إليه كل لبيب، فكأنه قيل: ما هذه التجارة التي هذا قدرها؟ فقال { تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ } . ومن المعلوم أن الإيمان التام هو التصديق الجازم بما أمر الله بالتصديق به، المستلزم لأعمال الجوارح، ومن أجل أعمال الجوارح الجهاد في سبيل الله فلهذا قال: { وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ } بأن تبذلوا نفوسكم ومهجكم، لمصادمة أعداء الإسلام، والقصد نصر دين الله وإعلاء كلمته، وتنفقون ما تيسر من أموالكم في ذلك المطلوب، فإن ذلك، ولو كان كريها للنفوس شاقا عليها، فإنه { خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ } فإن فيه الخير الدنيوي، من النصر على الأعداء، والعز المنافي للذل والرزق الواسع، وسعة الصدر وانشراحه. وفي الآخرة الفوز بثواب الله والنجاة من عقابه، ولهذا ذكر الجزاء في الآخرة، فقال: { يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ } وهذا شامل للصغائر والكبائر، فإن الإيمان بالله والجهاد في سبيله، مكفر للذنوب، ولو كانت كبائر. { وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ } أي: من تحت مساكنها [وقصورها] وغرفها وأشجارها، أنهار من ماء غير آسن، وأنهار من لبن لم يتغير طعمه، وأنهار من خمر لذة للشاربين، وأنهار من عسل مصفى، ولهم فيها من كل الثمرات، { وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ } أي: جمعت كل طيب، من علو وارتفاع، وحسن بناء وزخرفة، حتى إن أهل الغرف من أهل عليين، يتراءاهم أهل الجنة كما يتراءى الكوكب الدري في الأفق الشرقي أو الغربي، وحتى إن بناء الجنة بعضه من لبن ذهب [وبعضه من] لبن فضة، وخيامها من اللؤلؤ والمرجان، وبعض المنازل من الزمرد والجواهر الملونة بأحسن الألوان، حتى إنها من صفائها يرى ظاهرها من باطنها، وباطنها من ظاهرها، وفيها من الطيب والحسن ما لا يأتي عليه وصف الواصفين، ولا خطر على قلب أحد من العالمين، لا يمكن أن يدركوه حتى يروه، ويتمتعوا بحسنه وتقر أعينهم به، ففي تلك الحالة، لولا أن الله خلق أهل الجنة، وأنشأهم نشأة كاملة لا تقبل العدم، لأوشك أن يموتوا من الفرح، فسبحان من لا يحصي أحد من خلقه ثناء عليه، بل هو كما أثنى على نفسه وفوق ما يثني عليه عباده وتبارك الجليل الجميل، الذي أنشأ دار النعيم، وجعل فيها من الجلال والجمال ما يبهر عقول الخلق ويأخذ بأفئدتهم. وتعالى من له الحكمة التامة، التي من جملتها، أنه الله لو أرى الخلائق الجنة حين خلقها ونظروا إلى ما فيها من النعيم لما تخلف عنها أحد، ولما هناهم العيش في هذه الدار المنغصة، المشوب نعيمها بألمها، وسرورها بترحها. وسميت الجنة جنة عدن، لأن أهلها مقيمون فيها، لا يخرجون منها أبدا، ولا يبغون عنها حولا ذلك الثواب الجزيل، والأجر الجميل، الفوز العظيم، الذي لا فوز مثله، فهذا الثواب الأخروي. وأما الثواب الدنيوي لهذه التجارة، فذكره بقوله: { وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا } أي: ويحصل لكم خصلة أخرى تحبونها وهي: { نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ } [لكم] على الأعداء، يحصل به العز والفرح، { وَفَتْحٌ قَرِيبٌ } تتسع به دائرة الإسلام، ويحصل به الرزق الواسع، فهذا جزاء المؤمنين المجاهدين، وأما المؤمنون من غير أهل الجهاد، [إذا قام غيرهم بالجهاد] فلم يؤيسهم الله تعالى من فضله وإحسانه، بل قال: { وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ } أي: بالثواب العاجل والآجل، كل على حسب إيمانه، وإن كانوا لا يبلغون مبلغ المجاهدين في سبيل الله، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن في الجنة مائة درجة ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض، أعدها الله للمجاهدين في سبيله ". تفسير : ثم قال تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ } [أي:] بالأقوال والأفعال، وذلك بالقيام بدين الله، والحرص على إقامته على الغير، وجهاد من عانده ونابذه، بالأبدان والأموال، ومن نصر الباطل بما يزعمه من العلم ورد الحق، بدحض حجته، وإقامة الحجة عليه، والتحذير منه. ومن نصر دين الله، تعلم كتاب الله وسنة رسوله، والحث على ذلك، [والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر]. ثم هيج الله المؤمنين بالاقتداء بمن قبلهم من الصالحين بقوله: { كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ } أي: قال لهم عارضا ومنهضا من يعاونني ويقوم معي في نصرتي لدين الله، ويدخل مدخلي، ويخرج مخرجي؟ فابتدر الحواريون، فقالوا: { نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ } فمضى عيسى عليه السلام على أمر الله ونصر دينه، هو ومن معه من الحواريين، { فَآمَنَتْ طَائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ } بسبب دعوة عيسى والحواريين، { وَكَفَرَتْ طَائِفَةٌ } منهم، فلم ينقادوا لدعوتهم، فجاهد المؤمنون الكافرين، { فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ } أي: قويناهم ونصرناهم عليهم. { فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ } عليهم وقاهرين [لهم]، فأنتم يا أمة محمد، كونوا أنصار الله ودعاة دينه، ينصركم الله كما نصر من قبلكم، ويظهركم على عدوكم. تمت ولله الحمد
همام الصنعاني
تفسير : 3211- معمر قال، تلا قتادة: {هَلْ أَدُلُّكمْ عَلَىٰ تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * تُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ}: [الآية: 10-11]، فقال: الحمد لله الذي بيَّنها.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):