٦١ - ٱلصَّفّ
61 - As-Saff (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
12
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أن قوله تعالى: {غَفَرَ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ } جواب قوله: {أية : تُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَـٰهِدُونَ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ } تفسير : [الصف: 11] لما أنه في معنى الأمر، كما مر فكأنه قال: آمنوا بالله وجاهدوا في سبيل الله يغفر لكم، وقيل جوابه: {أية : ذَٰلِكم خَيْرٌ لَّكُمْ } تفسير : [الصف: 11] وجزم: {يَغْفِرْ لَكُمْ } لما أنه ترجمة: {ذٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ } ومحله جزم، كقوله تعالى: {أية : لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن } تفسير : [المنافقون: 10] لأن محل {فَأَصَّدَّقَ } جزم على قوله: {لَوْلا أَخَّرْتَنِي } وقيل: جزم {يَغْفِرْ لَكُمْ } بهل، لأنه في معنى الأمر، وقوله تعالى: {وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّـٰتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَـٰرُ } إلى آخر الآية، من جملة ما قدم بيانه في التوراة، ولا يبعد أن يقال: إن الله تعالى رغبهم في هذه الآية إلى مفارقة مساكنهم وإنفاق أموالهم والجهاد، وهو قوله: {يَغْفِرْ لَكُمْ } وقوله تعالى: {ذٰلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ } يعني ذلك الجزاء الدائم هو الفوز العظيم، وقد مر، وقوله تعالى: {وَأُخْرَىٰ تُحِبُّونَهَا } أي تجارة أخرى في العاجل مع ثواب الآجل، قال الفراء: وخصلة أخرى تحبونها في الدنيا مع ثواب الآخرة، وقوله تعالى: {نَصْرٌ مّن ٱللَّهِ } هو مفسر للأخرى، لأنه يحسن أن يكون: {نَصْرٌ مّن ٱللَّهِ } مفسراً للتجارة إذ النصر لا يكون تجارة لنا بل هو ريح للتجارة، وقوله تعالى: {وَفَتْحٌ قَرِيبٌ } أي عاجل وهو فتح مكة، وقال الحسن: هو فتح فارس والروم، وفي {تُحِبُّونَهَا } شيء من التوبيخ على محبة العاجل، ثم في الآية مباحث: الأول: قوله تعالى: {وَبَشّرِ ٱلْمُؤْمِنِينَ } عطف على {أية : تؤمنون} تفسير : [الصف: 11] لأنه في معنى الأمر، كأنه قيل: آمنوا وجاهدوا يثبكم الله وينصركم، وبشر يا رسول الله المؤمنين بذلك. ويقال أيضاً: بم نصب من قرأ: {نَصْراً مِنَ ٱللَّهِ وفتحاً قَرِيبًا}، فيقال: على الاختصاص، أو على تنصرون نصراً، ويفتح لكم فتحاً، أو على يغفر لكم، ويدخلكم ويؤتكم خيراً، ويرى نصراً وفتحاً، هكذا ذكر في الكشاف.
المحلي و السيوطي
تفسير : {يَغْفِرُ } جواب شرط مقدّر، أي إن تفعلوه يغفر {لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّٰتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَٰرُ وَمَسَٰكِنَ طَيّبَةً فِى جَنَّٰتِ عَدْنٍ } إقامة {ذٰلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ }.
البقاعي
تفسير : ولما كان معنى "تؤمنون": فالأمر كما تقدم، لكنه حول عن ذلك لما ذكر، وكان أهم ما إلى الإنسان خوفه مما هدد عليه، أمن سبحانه من ذلك دالاً على أصل الفعل بجزم ما هو في موضع الجواب فقال: {يغفر لكم} أي خاصة دون من لم يفعل ذلك {ذنوبكم} أي بمحو أعيانها وآثارها كلها. ولما قرع القلوب من كدر العقاب والعتاب، لذذها بطيب الثواب فقال: {ويدخلكم} أي بعد التزكية بالمغفرة رحمة لكم {جنات تجري} ودل على قرب الجاري وتخلله الأراضي بالجار فقال: {من تحتها} أي تحت أشجارها وغرفها وكل متنزه فيها {الأنهار} فهي لا تزال غضة زهراء، ولم يحتج هذا الأسلوب إلى ذكر الخلود لإغناء ما بعده عنه، دل على الكثرة المفرطة في الدور بقوله بصيغة منتهى الجموع: {ومساكن} ولما كانت المساكن لا تروق إلا بما يقارنها من المعاني الحسنة قال: {طيبة} أي في الاتساع واختلاف أنواع الملاذ وعلو الأبنية والأسرة مع سهولة الوصول إليها وفي بهجة المناظر وتيسر مجاري الريح بانفساح الأبنية مع طيب الغرف، لم يفسد الماء الجاري تحتها شيئاً من ريحها ولا في اعتدالها في شيء مما يراد منها. ولما كانت لا يرغب فيها إلا بدوام الإقامة، بين صلاحيتها لذلك بقوله: {في جنات عدن} أي بساتين هي أهل للإقامة بها لا يحتاج في إصلاحها إلى شيء خارج يحتاج في تحصيله إلى الخروج عنها له، ولا آخر لتلك الإقامة، قال حمزة الكرماني في كتابه جوامع التفسير: هي قصبة الجنان ومدينة الجنة أقربها إلى العرش. ولما كان هذا أمراً شريفاً لا يوجد في غيرها قال: {ذلك} أي الأمر العظيم جداً وحده {الفوز العظيم *}. ولما ذكر ما أنعم عليه به في الأخرى لأنه أهم لدوامها، كان التقدير بما دل عليه العطف: هذا لكم، عطف عليه ما جعل لهم في الدنيا فقال: {وأخرى} أي ولكم نعمة، أو يعطيكم، أو يزيدكم نعمة أخرى. ولما كان الإنسان أحب في العاجل وأفرح بالناجز قال: {تحبونها} أي محبة كثيرة متجددة متزايدة، ففي ظاهر هذه البشرى تشويق إلى الجهاد وتحبيب، وفي باطنها حث على حب الشهادة بما يشير إليه من التوبيخ أيضاً على حل العاجل والتقريع: {نصر من الله} أي الذي أحاطت عظمته بكل شيء لكم وعلى قدر إحاطته تكون نصرته {وفتح قريب} أي تدخلون منه إلى كل ما كان متعسراً عليكم من حصون أعدائكم وغيرها من أمورهم في حياة نبيكم صلى الله عليه وسلم أعظمه فتح مكة الذي كتب حاطب رضي الله عنه بسببه، وبعد مماته، وفيه شهادة لحاطب رضي الله عنه بأنه يحب نصرة النبي صلى الله عليه وسلم والفتح عليه مكة وغيرها لصحة إيمانه كما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم الذي لا ينطق عن الهوى. ولما كان ما تقدم من المعاتبة إنذاراً لمن خالف فعله قوله من الذين آمنوا، وكان المقام قد أخذ حظه من الإنذار والتوبيخ، طوى ما تقديره: فأنذر من لم يكن راسخاً في الدين من المنافقين، ومن خالف فعله قوله من المؤمنين: عطف عليه دلالة عليه ليكون أوقع في النفس لمن يشير إليه طيه من الاستعطاف قوله: {وبشر المؤمنين *} أي الذين صار الإيمان لهم وصفاً راسخاً كحاطب بن أبي بلتعة رضي الله عنه بأن الله يفتح لك البلاد شرقاً وغرباً، وأول ذلك مكة المشرفة ولا يحوجهم إلى أن يدرؤوا عن عشائرهم وأموالهم ولا أن يكون شيء من أفعالهم يخالف شيئاً من أقوالهم. ولما هز سبحانه إلى الجهاد وشوق إليه بأنه متجر رابح، ولوح إلى النذارة بالتنشيط بالبشارة، فتهيأت النفوس إلى الإقبال عليه وانبعثت أي انبعاث، حض عليه بالإيجاب المقتضي للثواب أو العقاب، فقال منادياً بأداة البعد والتعبير بما يدل على أدنى الأسنان تأنيباً على أنه لا يعدم الوصف بالإيمان إلا مقرون بالحرمان تشويقاً وتحبباً: {يأيها الذين آمنوا} أي أقروا بذلك فأذعنوا بهذا الوعظ غاية الإذعان أني أمرت رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقول لكم: {كونوا} أي بغاية جهدكم {أنصار الله} أي راسخين في وصف النصرة وفي الذروة العليا من ثبات الأقدام في تأييد الذي له الغنى المطلق لتكونوا - بما أشارت إليه قراءة الجماعة بالإضافة - بالاجتهاد في ذلك كأنكم جميع أنصاره، فإنكم أشرف من قوم عيسى عليه الصلاة والسلام، وما ندبكم سبحانه لنصرته إلا لتشريفكم بمصاحبة رسله الذين هم خلاصة خلقه عليهم الصلاة والسلام فقولوا سمعنا وأطعنا نحن أنصار الله وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو بالتنوين ولام الجر على معنى: كونوا بعض أنصاره، ويشبه أن يكون المأمور به في هذه القراءة الثبات على الإيمان ولو في أدنى الدرجات، وفي قراءة الجمهور الرسوخ فيه. ولما كان التقدير على صفة هي من الثبات والسرعة على صفة الحواريين، عبر عن ذلك بقوله: {كما} أي كونوا لأجل أني أنا ندبتكم بقولي من غير واسطة ولذذتكم بخطابي مثل ما كان الحواريون أنصار الله حين {قال عيسى ابن مريم} حين أرسلته إلى بني إسرائيل ناسخاً لشريعة موسى عليه الصلاة والسلام {للحواريين} أي خلص أصحابه وخاصته منهم: {من أنصاري} حال كونهم سائرين في منازل السلوك والمعاملات ومراحل المجاهدات والمنازلات {إلى الله} أي المحيط بكل شيء فنحن إليه راجعون كما كنا به مبدوئين. ولما اشتد تشوف السامع إلى جوابهم، أبان ذلك بقوله: {قال الحواريون} معلمين أنه جادون في ذلك جداً لا مزيد عليه عاملين فيما دعاهم إليه عمل الواصل لا السائر لعلمهم أنه إجابته إجابة الله لأنه لا ينطق عن الهوى فليس كلامه إلا عن الله: {نحن} أي بأجمعنا {أنصار الله} أي الملك الأعلى الذي هو غني عنا وقادر على تمام نصرنا، ولو كان عدونا كل أهل الأرض ننصره الآن بالفعل، لا نحتاج إلى تدريب يسير ولا نظر إلى غير، لاستحضارنا لجميع ما يقدر عليه الآدمي من صفات جلاله وجماله وكماله، ولذلك أظهروا ولم يضمروا. ولما كان التقدير: ثم دعوا من خالفهم من بني إسرائيل وبارزوهم، سبب عنه قوله: {فآمنت} أي به {طائفة} أي ناس فيهم أهلية الاستدارة لما لهم من الكثرة {من بني إسرائيل} أي قومه {وكفرت طائفة} أي منهم، وأصل الطائفة: القطعة من الشيء {فأيدنا} أي قوينا بعد رفع عيسى عليه الصلاة والسلام {الذين آمنوا} أي الذين أقروا بالإيمان المخلص منهم وغيره في القول والفعل وشددنا قلوبهم {على عدوهم} الذين عادوهم لأجل إيمانهم. ولما كان الظفر بالمحبوب أحب ما يكون إذا كان أول النهار، تسبب عن تأييده قوله: {فأصبحوا} أي صاروا بعد ما كانوا فيه من الذل {ظاهرين *} أي عالين غالبين قاهرين في أقوالهم وأفعالهم لا يخافون أحداً إلا الله ولا يستخفون منه، فالتأييد تارة يكون بالعلم وتارة بالفعل{أية : علمه شديد القوى}تفسير : [النجم: 5] فصار علمه في غاية الإحكام وتبعته قوة هي في منتهى التمام، لأنه ناشىء عن علم مستفاد من قوة، وإلا لقال: علمه كثير العلم.{أية : قال الذي عنده علم من الكتاب أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك}تفسير : [النمل: 40] قوة مستفادة من علم، والظاهر كما هو ظاهر قوله تعالى: {أية : جاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة}تفسير : [آل عمران: 55] وغيرها أن تأييد المؤمنين به كان بعد رفعه بيسير حين ظهر الحواريون وانبثوا في البلاد يدعون إلى الله بما آتاهم من الآيات، فاتبعهم الناس، فلما تمادى الزمان ومات الحواريون رضي الله عنهم افترق الناس ودب إليهم الفساد، فغلب أهل الباطل وضعف أهل الحق حتى كانوا عند بعث النبي صلى الله عليه وسلم عدماً أو في حكم العدم، - كما دلت عليه قصة سلمان الفارسي رضي الله عنه، فقد رجع آخر السورة كما ترى بما وقع من التنزه عما يوهمه علو الكفرة من النقص بنصر أوليائه وقسر أعدائه، ومن الأمر مما أخبر أولها أنه يحبه من القتال في سبيله حثاً عليه وتشويقاً إليه - على أولها، واتصل بما بشر به من آمن ولو على أدنى وجوه الإيمان من العز موصلها بمفصلها، بما أزيل من الأسباب الحاملة له على المداراة، والأمور التي أوقعته في المماشاة مع الكفار والمجاراة، فأوجب ذلك رسوخ الإيمان، وحصول الإتقان، المقتضي للتنزيه بالفعل عن كل شوب نقصان، والله الموفق للصواب وعليه التكلان.
البقلي
تفسير : قوله تعالى {وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً} المساكن الطيبة مواضع كشف مشاهدة الجمال وقلوب العارفين مساكن الارواح العاشقة طابت وتطيبت بتجلى الحق سبحانه قال سهل اطيب المساكن ما ازال عنهم جميع الاحزان واقر اعينهم بمحاورة رب العالمين وقال بعضهم طيبة بلقاء الله عز وجل قال الاستاذ تطيب تلك المساكن برؤية الحق سبحانه.
اسماعيل حقي
تفسير : {يغفر لكم ذنوبكم} فى الدنيا وهو جواب الامر المدلول عليه بفلظ الخبر ويجوز أن يكون جوابا لشرط او لاستفهام دل عليه الكلام تقديره أن تؤمنوا وتجاهدوا او هل تقبلون وتفعلون مادللتكم عليه يغفر لكم وجعله جوابا لهل أدلكم بعيد لان مجرد الدلالة لايوجب المغفرة {ويدخلكم} فى الآخرة {جنات} اى كل واحد منكم جنة ولابعد من لطفه تعالى أن يدخله جنات بأن يجعلها خاصة له داخلة تحت تصرفه والجنة فى اللغة البستان الذى فيه اشجار متكاثفة مظلة تستر ماتحتها {تجرى من تحتها} أى من تحت اشجارها بمعنى تحت اغصان اشجارها فى اصولها على عروقها او من تحت قصورها وغرفها {الانهار} من اللبن والعسل والخمر والماء الصافى {ومساكن طيبة} اى ويدخلكم مساكن طيبة ومنازل نزهته كائنة {فى جنات عدن} اى اقامة الخلود بحيث لايخرج منها من دخلها بعارض من العوارض وهذا الظرف صفة مختصة بمساكن وهى جميع مسكن بمعنى المقام والسكون ثبوت الشىء بعد تحرك ويستعمل فى الاستيطان يقال سكن فلان فى مكان كذا استوطنه واسم المكان مسكن فمن الاول يقال سكنت ومن الثانى يقال سكنته قال الراغب اصل الطيب مايستلذه الحواس وقوله ومساكن طيبة فى جنات عدن اى طاهرة زكية مستلذة وقال بعضهم طيبتها سعتها ودوام امرها وسئل رسول الله عليه السلام عن هذه المساكن الطيبة فقال "حديث : قصر من لؤلؤ فى الجنة فى ذلك القصر سبعون دارا من ياقوته حمراء فى كل دار سبعون بيتا من زمردة خضراء فى كل بيت سبعون وصيفا ووصيفة قال فيعطى الله المؤمن من القوة فى غداة واحدة مايأتى على ذلك كله"تفسير : قال فى الكبير أراد بالجنات البساتين التى يتناولها الناظر لانه تعالى قال بعده {ومساكن طيبة فى جنات عدن} والمعطوف يجب أن يكون مغايرا للمعطوف عليه فتكون مساكنهم فى جنات عدن ومناظرهم الجنات التى هى البساتين ويكون فائدة وصفها بأنها عدن انها تجرى مجرى الدار التى يسكنها الانسان واما الجنات الأخر فهى جارية مجرى البساتين التى قد يذهب الانسان اليها لاجل التنزه وملاقاة الاحباب وفى بعض التفاسير تسمية دار الثواب كلها بالجنات التى هى بمعنى البساتين لاشتمالها على جنات كثيرة مترتبة على مراتب بحسب استحاقاقات العالمين من الناقصين والكاملين ولذلك أتى بجنات جمعا منكرا ثم اختلفوا فى عدد الجنات المشتملة على جنات متعددة فالمروى عن ابن عباس رضى الله عنهما انها سبع جنة الفردوس وجنة عدن وجنة النعيم ودار الخلد وجنة المأوى ودار السلام وعليون فى كل واحدة منها مراتب ودرجات متفاوتة على تفاوت الاعمال والعمال (وروى) عنه انها ثمان دار الجلال ودار القرار ودار السلام وجنة عدن وجنة المأوى وجنة الخلد وجنة الفردوس وجنة النعيم وقال ابو الليث الجنان اربع كما قال تعالى {أية : ولمن خاف مقام ربه جنتان}تفسير : ثم قال {أية : ومن دونهما جنتان}تفسير : فذلك جنان اربع احداهن جنة الخلد والثانية جنة الفردوس والثالثة جنة المأوى والرابعة جنة عدن وابو ابها ثمانية بالخبر وخازن الجنة يقال له رضوان وقد ألبسه الله الرأفة والرحمة كما ان خازن النار ويقال له مالك قد ألبسه الله الغضب والهيبة وميل الامام الغزالى رحه الله الى كون الجنان اربعا فلعل الجنات فى الآية باعتبار الافراد لا باعتبار الاسماء ومايستفاد من قلتها بحسب ان الجمع السالم من جموع القلة ليس بمراد فانها من الوجود الانسانى اربع جنان فالغالب فى الجنة الاولى التنعم بمقتضى الطبيعة من الاكل والشرب والوقاع وفى الثانية التلذذ بمقتضى النفس كالتصرفات وفى الثالثة التلذذ بالاذواق الروحانية كالمعارف الالهية وفى الرابعة التلذذ بالمشاهدات وذلك على أعلى اللذات لانها من الخالق وغيرها من المخلوق ان قلت لم لم تذكر ابواب الجنة فى القرءآن وانها ثمانية كما ذكرت ابواب النار كما قال تعالى {أية : لها سبعة أبواب}تفسير : قلت ان الله سبحانه انما يذكر من اوصاف الجنة مافيه تشويق اليها وترغيب فيها وتنبيه على عظم نعميها وليس فى كونها ثمانية او اكثر من ذلك او اقل زيادة فى معنى نعيمها بل لو دخلوا من باب واحد او من ألف باب لكان ذلك سواء فى حكم السرور بالدخول ولذلك لم يذكر اسم خازن الجنة اذ لا ترغيب فى ان يخبر عن اهل الجنة انهم عند فلان من الملائكة او فى كرامة فلان وقد قال {أية : وسقاهم ربهم شرابا طهورا}تفسير : ولا شك أن من حدثت عنه انه عند الملك يسقيه ابلغ من الكرامة من أن يقال هو عند خادم من خدام الملك او فى كرامة ولى من اوليائه بخلاف ذكر ابواب النار وذكر مالك فان فيه زيادة ترهيب قال سهل قدس سره اطيب المساكن ماازال عنهم جميع الاحزان واقر أعينهم بمجاورته فهذا الجوار فوق سائر الجوار وقال بعضهم ومساكن طيبة برؤية الحق تعالى فان المساكن انما تطيب بملاقاة الاحباب ورؤية العاشق جمال المعشوق ووصول المحب الى صحبة المحبوب وكذا مساكن القلوب انما تطيب بتجلى الحق ولقاء جماله جعلنا الله واياكم من اهل الوصول واللقاء والبقاء {ذلك} اى ماذكر من المغفرة وادخال الجنات المذكورة بما ذكر من الاوصاف الجميلة {الفوز العظيم} الذى لافوز ورآءه قال بعض المفسرين الفوز يكون بمعنى النجاة من المكروه وبمعنى الظفر بالبغية والاول يحصل بالمغفرة والثانى بادخال الجنة والتنعيم فيها وعظمه باعتبار انه نجاة لا ألم بعده وظفر لا نقصان فيه شانا وزمانا ومكانا لانه فى غاية الكمال على الدوام فى مقام النعيم علم ان الآية الكريمة أفادت ان التجارة دنيوية واخروية فالدنيا موسم التجارة والعمر مدتها والاعضاء والقوى رأس المال والعبد هو المشترى من وجه والبائع من وجه فمن صرف رأس ماله الى المنافع الدنيوية التى تنقطع عند الموت فتجارته دنيوية كاسدة خاسرة وان كان بتحصيل علم دينى او كسب عمل صالح فضلا عن غيرهما "حديث : فانما الاعمال بالنيات ولكل امرىء مانوى"تفسير : ومن صرفه الى المقاصد الأخروية التى لاتنقطع ابدا فتجارته رآئجة رابحة حرية بأن يقال {أية : فاستبشروا ببيعكم الذى بايعتم به وذلك هو الفوز العظيم}تفسير : ولعل المراد من التجارة هنا بذل المال والنفس فى سبيل الله وذكر الايمان لكونه اصلا فى الاعمال ووسيلة فى قبول الآمال وتوصيف التجارة بالانجاء لان النجاة يتوقف عليها الانتفاع فيكون قوله تعالى {يغفر لكم} بيان سبب الانجاء وقوله {يدخلكم} بما يتعلق به بيان المنفعة الحاصلة من التجارة مع ان التجارة الدنيوية تكون سببا للنجاة من الفقر المنقطع والتجارة الأخروية تكون سببا للنجاة من الفقر الغير المنقطع قال عليه السلام "حديث : نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس الصحة والفراغ"تفسير : يعنى ان نعمتى الصحة والفراغ كرأس المال للمكلف فينبغى أن يعامل الله الايمان به وبرسوله ويجاهد مع النفس لئلا يغبن ويربح فى الدنيا والآخرة ويجتنب معاملة الشيطان لئلا يضيع رأس ماله مع الربح (قال الحافظ) شعر : كارى كنيم ورنه خجالت براورد روزى كه رخت جان بجهان دكر كشيم تفسير : (وقال أيضا) شعر : كوهر معرفت اندوز كه ياخود ببرى كه نصيب دكر انست نصاب زروسيم تفسير : (وقال أيضا) شعر : دلا دلالت خيرى كنم براه نجات مكن بفسق مباهات زهدهم مفروش تفسير : (وقال المولى الجامى) شعر : از كسب معارف شده مشغوف زخارف در هاى ثمين داده وخر مهره خريده تفسير : (وقال) شعر : جان فداى دوست كن جامى كه هست كمترين كارى درين ره بذل روح
الجنابذي
تفسير : {يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ} مجزومٌ فى جواب الشّرط يعنى ان كنتم تعلمون ذلك يغفر لكم لانّ العلم يجذب الى العمل واختيار المعلوم، واختيار المعلوم مورثٌ لمغفرتكم، او فى جواب تؤمنون فانّه فى معنى آمنوا، او فى جواب الاستفهام والمعنى هل ادلّكم ان ادلّكم يغفر لكم فانّ دلالتى ليست الاّ بتوجّهى والتفاتى اليكم، وتوجّهى والتفاتى اليكم مورثٌ لتغيير احوالكم ورغبتكم الى العمل والآخرة وهى تورث مغفرتكم {وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ} اى جنّات الاقامة وهى اخرى الجنّات {ذَلِكَ} المذكور من المغفرة وادخال الجنّات او ادخال جنّات عدنٍ {ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ وَأُخْرَىٰ تُحِبُّونَهَا} اى لكم خصلة اخرى تحبّونها، او تعطون نعمة اخرى، او هل ادلّكم على تجارةٍ اخرى ويكون المعنى هل ادلّكم على ربحٍ آخر لتجارتكم، او اخرى مبتدءٌ وخبره {نَصْرٌ مِّن ٱللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ} فى الدّنيا بظهور القائم (ع) كما عن القمّىّ ولمّا كان جُلُّ اصحاب الرّسول (ص) طالبين للظّفر والغنيمة واعلاء الكلمة قال: اخرى تحبّونها {وَبَشِّرِ ٱلْمُؤْمِنِينَ} بالظّفر على جنود النّفس بظهور القائم (ع) ونصرة الله فانّ الايمان يقتضى النّصرة لا محالة بمنطوق: {أية : وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ مِنْكُمْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي ٱلأَرْضِ} تفسير : [النور:55] (الآية).
اطفيش
تفسير : {يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ} وعن بعضهم مجزوم في جواب شرط محذوف لا باعتبار تؤمنون أي ان تفعلوه أو في جواب استفهام مقدر أي هل تقبلون ان ادلكم، يغفر لكم ويبعد جعله جوابا لهل أدلكم لان مجرد دلالته لا يوجب المغفرة. {وَيُدْخِلكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِى جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الفَوْزُ العَظِيمُ} والاشارة الى ما ذكر من المغفرة وادخال الجنة وأدنى اهل الجنة ينظر مسيرة خمسمائة عام ليس في ذلك موضع شبر إلا وهو عامر قصور ذهب وفضة وخيام اللؤلؤ والياقوت وروي ان ادناهم من له سبعة قصور ذهبا وفضة وياقوتاً ودراً لكل قصر الف مصراع ووصيف بابواب واغلاق.
الالوسي
تفسير : {يَغْفرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ} جواب للأمر المدلول عليه بلفظ الخبر كما في قولهم: اتقى الله تعالى امرؤ وفعل خيراً يثب عليه؛ أو جواب لشرط، أو استفهام دل عليه الكلام، والتقدير إن تؤمنوا وتجاهدوا يغفر لكم، أو هل تقبلون أن أدلكم؟ أو هل تتجرون بالإيمان والجهاد يغفر لكم؟ وقال الفراء: جواب للاستفهام المذكور أي هل أدلكم؟ وتعقب بأن مجرد الدلالة لا يوجب المغفرة، وأجيب بأنه كقوله تعالى: { أية : قُل لِّعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ يُقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ } تفسير : [إبراهيم: 31] وقد قالوا فيه: إن القول لما كان للمؤمن الراسخ الإيمان كان مظنة لحصول الامتثال فجعل كالمحقق وقوعه فيقال هٰهنا: لما كانت الدلالة مظنة لذلك نزلت منزلة المحقق، ويؤيده { أية : إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ } تفسير : [الصف: 11] لأن من له عقل إذا دله سيده على ما هو خير له لا يتركه، وادعاء الفرق بما ثمة من الإضافة التشريفية وما هنا من المعاتبة قيل: غير ظاهر فتدبر، والإنصاف أن تخريج الفراء لا يخلو / عن بعد، وأما ما قيل: من أن الجملة مستأنفة لبيان أن ذلك خير لهم، و {يغفر} مرفوع سكن آخره كما سكن آخر أشرب في قوله : شعر : فاليوم (أشرب) غير مستحقب إثماً من الله ولا واغل تفسير : فليس بشيء لما صرحوا به من أن ذلك ضرورة. {وَيُدْخلْكُمْ حَنَّـٰت تَجْري مِنْ تَحْتهَا الأَنْهَـٰرُ وَمَسـٰكنَ طَيِّبَةً} أي طاهرة زكية مستلذة، وهذا إشارة إلى حسنها بذاتها، وقوله تعالى: {في جَنَّـٰت عَدْن} إشارة إلى حسنها باعتبار محلها {ذٰلكَ} أي ما ذكر من المغفرة وما عطف عليها {الفَوْزُ العَظيمُ} الذي لا فوز وراءه.
د. أسعد حومد
تفسير : {جَنَّاتٍ} {ٱلأَنْهَارُ} {وَمَسَاكِنَ} {جَنَّاتِ} (12) - وَإِنْ فَعَلْتُمْ ذَلِكَ سَتَرَ اللهُ ذُنُوبَكُمْ وَمَحَاهَا، وَأَدْخَلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي الأَنْهَارُ فِي جَنَبَاتِهَا، وَأَسْكَنَكُمْ مَسَاكِنَ طَيِبةً تَقَرُّ بِهَا العُيُونَ، وَهَذا هُوَ مُنْتَهَى ما تَصْبُوا إِليهِ النُّفُوسُ، وَهُوَ الفَوْزُ الذِي لاَ فَوْزَ أَعْظَمَ مِنْهُ.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):