Verse. 5177 (AR)

٦١ - ٱلصَّفّ

61 - As-Saff (AR)

يٰۗاَيُّہَا الَّذِيْنَ اٰمَنُوْا كُوْنُوْۗا اَنْصَارَ اللہِ كَـمَا قَالَ عِيْسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيّٖنَ مَنْ اَنْصَارِيْۗ اِلَى اؘ۝۰ۭ قَالَ الْحَــوَارِيُّوْنَ نَحْنُ اَنْصَارُ اللہِ فَاٰمَنَتْ طَّاۗىِٕفَۃٌ مِّنْۢ بَنِيْۗ اِسْرَاۗءِيْلَ وَكَفَرَتْ طَّاۗىِٕفَۃٌ۝۰ۚ فَاَيَّدْنَا الَّذِيْنَ اٰمَنُوْا عَلٰي عَدُوِّہِمْ فَاَصْبَحُوْا ظٰہِرِيْنَ۝۱۴ۧ
Ya ayyuha allatheena amanoo koonoo ansara Allahi kama qala AAeesa ibnu maryama lilhawariyyeena man ansaree ila Allahi qala alhawariyyoona nahnu ansaru Allahi faamanat taifatun min banee israeela wakafarat taifatun faayyadna allatheena amanoo AAala AAaduwwihim faasbahoo thahireena

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«يا أيها الذين آمنوا كونوا أنصارا لله» لدينه وفي قراءة بالإضافة «كما قال» الخ المعنى: كما كان الحواريون كذلك الدال عليه قال «عيسى ابن مريم للحواريين من أنصاري إلى الله» أي من الأنصار الذين يكونون معي متوجها إلى نصرة الله «قال الحواريون نحن أنصار الله» والحواريون أصفياء عيسى وهم أول من آمن به وكانوا اثني عشر رجلا من الحور وهو البياض الخالص وقيل كانوا قصارين يحورون الثياب، أي يبيضونها «فآمنت طائفة من بني إسرائيل» بعيسى وقالوا إنه عبد الله رُفِع إلى السماء «وكفرت طائفة» لقولهم إنه ابن الله رفعه إليه فاقتتلت الطائفتان «فأيدنا» قوينا «الذين آمنوا» من الطائفتين «على عدوهم» الطائفة الكافرة «فأصبحوا ظاهرين» غالبين.

14

Tafseer

الرازي

تفسير : ثم قال تعالى: {يأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ كُونُواْ أَنصَـارَ ٱللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيّينَ مَنْ أَنَّصَـارِي إِلَى ٱللَّهِ قَالَ ٱلْحَوٰرِيُّونَ نَحْنُ أَنصَـٰرُ ٱللَّهِ }. قوله: {كُونُواْ أَنصَـارَ ٱللَّهِ } أمر بإدامة النصرة والثبات عليه، أي ودوموا على ما أنتم عليه من النصرة، ويدل عليه قراءة ابن مسعود: كونوا أنتم أنصار الله فأخبر عنهم بذلك، أي أنصار دين الله وقوله: {كَمَا قَالَ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيّينَ } أي انصروا دين الله مثل نصرة الحواريين لما قال لهم: {مَنْ أَنصَارِي إِلَى ٱللَّهِ } قال مقاتل، يعني من يمنعني من الله، وقال عطاء: من ينصر دين الله، ومنهم من قال: أمر الله المؤمنين أن ينصروا محمداً صلى الله عليه وسلم كما نصر الحواريون عيسى عليه السلام، وفيه إشارة إلى أن النصر بالجهاد لا يكون مخصوصاً بهذه الأمة، والحواريون أصفياؤه، وأول من آمن به، وكانوا اثني عشر رجلاً، وحواري الرجل صفيه وخلصاؤه من الحور، وهو البياض الخالص، وقيل: كانوا قصارين يحورون الثياب، أي يبيضونها، وأما الأنصار فعن قتادة: أن الأنصار كلهم من قريش: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وحمزة، وجعفر، وأبو عبيدة ابن الجراح، وعثمان بن مظعون، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص، وعثمان بن عوف، وطلحة بن عبيد الله، والزبير بن العوام، ثم في الآية مباحث: البحث الأول: التشبيه محمول على المعنى والمراد كونوا كما كان الحواريون. الثاني: ما معنى قوله: {مَنْ أَنصَارِي إِلَى ٱللَّهِ }؟ نقول: يجب أن يكون معناه مطابقاً لجواب الحواريين والذي يطابقه أن يكون المعنى: من عسكري متوجهاً إلى نصرة الله، وإضافة {أَنصَارِي } خلاف إضافة {أَنْصَارُ ٱللَّهِ } لما أن المعنى في الأول: الذين ينصرون الله، وفي الثاني: الذين يختصون بي ويكونون معي في نصرة الله. الثالث: أصحاب عيسى قالوا: {نَحْنُ أَنْصَارُ ٱللَّهِ } وأصحاب محمد لم يقولوا هكذا، نقول: خطاب عيسى عليه السلام بطريق السؤال فالجواب لازم، وخطاب محمد صلى الله عليه وسلم بطريق الإلزام، فالجواب غير لازم، بل اللازم هو امتثال هذا الأمر، وهو قوله تعالى: {كُونُواْ أَنصَـارَ ٱللَّهِ }. ثم قال تعالى: {فآمنت طائفة من بني إسرائيل وكفرت طائفة فأيدنا الذين آمنوا على عدوهم فأصبحوا ظاهرين }. قال ابن عباس يعني الذين آمنوا في زمن عيسى عليه السلام، والذين كفروا كذلك، وذلك لأن عيسى عليه السلام لما رفع إلى السماء تفرقوا ثلاث فرق، فرقة قالوا: كان الله فارتفع، وفرقة قالوا: كان ابن الله فرفعه إليه، وفرقة قالوا: كان عبد الله ورسوله فرفعه إليه، وهم المسلمون، واتبع كل فرقة منهم طائفة من الناس، واجتمعت الطائفتان الكافرتان على الطائفة المسلمة فقتلوهم وطردوهم في الأرض، فكانت الحالة هذه حتى بعث الله محمداً صلى الله عليه وسلم، فظهرت المؤمنة على الكافرة فذلك قوله تعالى: {فأيدنا الذين آمنوا على عدوهم }، وقال مجاهد: {فَأَصْبَحُواْ ظَـٰهِرِينَ } يعني من اتبع عيسى، وهو قول المقاتلين، وعلى هذا القول معنى الآية: أن من آمن بعيسى ظهروا على من كفروا به فأصبحوا غالبين على أهل الأديان، وقال إبراهيم: أصبحت حجة من آمن بعيسى ظاهرة بتصديق محمد صلى الله عليه وسلم وأن عيسى كلمة الله وروحه، قال الكلبي: ظاهرين بالحجة، والظهور بالحجة هو قول زيد بن علي رضي الله عنه، والله أعلم بالصواب والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين.

القرطبي

تفسير : أكّد أمر الجهاد؛ أي كونوا حوارِيّ نبيِّكم ليظهركم الله على من خالفكم كما أظهر حواريّ عيسى على من خالفهم. وقرأ ابن كثِير وأبو عمرو ونافع «أنصاراً لله» بالتنوين. قالوا: لأن معناه اثبتوا وكونوا أعواناً لله بالسيف على أعدائه. وقرأ الباقون من أهل البصرة والكوفة والشام «أنصار الله» بلا تنوين؛ وحذفوا لام الإضافة من اسم الله تعالى. واختاره أبو عبيد لقوله: «نحنُ أَنْصَارُ الله» ولم ينوّن؛ ومعناه كونوا أنصاراً لدين الله. ثم قيل: في الكلام إضمار؛ أي قل لهم يا محمد كونوا أنصار الله. وقيل: هو ابتداء خطاب من الله؛ أي كونوا أنصاراً كما فعل أصحاب عيسى فكانوا بحمد الله أنصاراً وكانوا حواريّين. والحوَاريُّون خواصّ الرسل. قال مَعْمَر: كان ذلك بحمد الله؛ أي نصروه وهم سبعون رجلاً، وهم الذين بايعوه ليلة العَقَبة. وقيل: هم من قريش. وسمّاهم قتادة: أبا بكر وعمر وعليّ وطلحة والزبير وسعد بن مالك وأبا عبيدة ـ واسمه عامر ـ وعثمان بن مَظْعُون وحمزة بن عبد المطلب؛ ولم يذكر سعيداً فيهم، وذكر جعفر بن أبي طالب رضي الله عنهم أجمعين. {كَمَا قَالَ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ} وهم أصفياؤه اثنا عشر رجلاً، وقد مضت اسماؤهم في «آل عمران»، وهم أوّل من آمن به من بني إسرائيل، قاله ابن عباس. وقال مقاتل: قال الله لعيسى إذا دخلت القرية فأت النهر الذي عليه القَصَّارون فاسألهم النُّصرة، فأتاهم عيسى وقال: من أنصاري إلى الله؟ قالوا: نحن ننصرك. فصدّقوه ونصروه. ومعنى «مَنْ أَنْصَارِي إلىَ الله» أي من أنصاري مع الله، كما تقول: الذَّوْد إلى الذَّوْد إبل، أي مع الذَّوْد. وقيل: أي من أنصاري فيما يقرّب إلى الله. وقد مضى هذا في «آل عمران». {فَآمَنَت طَّآئِفَةٌ مِّن بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَت طَّآئِفَةٌ} والطائفتان في زمن عيسى افترقوا بعد رفعه إلى السماء، على ما تقدم في «آل عمران» بيانه. {فَأَيَّدْنَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ عَلَىٰ عَدُوِّهِمْ} الذين كفروا بعيسى. {فَأَصْبَحُواْ ظَاهِرِينَ} أي غالبين. قال ابن عباس: أيّد الله الذين آمنوا في زمن عيسى بإظهار محمد على دين الكفار. وقال مجاهد: أيدوا في زمانهم على من كفر بعيسى. وقيل أيّدنا الآن المسلمين على الفرقتين الضالتين، من قال كان الله فارتفع، ومن قال كان ابن الله فرفعه الله إليه؛ لأن عيسى ابن مريم لم يقاتل أحداً ولم يكن في دين أصحابه بعده قتال. وقال زيد بن عليّ وقتادة: {فَأَصْبَحُواْ ظَاهِرِينَ} غالبين بالحجة والبرهان؛ لأنهم قالوا فيما روي: ألستم تعلمون أن عيسى كان ينام والله لا ينام، وأن عيسى كان يأكل والله تعالى لا يأكل!. وقيل: نزلت هذه الآية في رسل عيسى عليه الصلاة والسلام. قال ابن إسحاق: وكان الذي بعثهم عيسى من الحوارِيّين والأتباع فطرس وبولس إلى رُومِيَة، واندراييس ومثى إلى الأرض التي يأكل أهلها الناس. وتوماس إلى ارض بابل من أرض المشرق. وفيلبس إلى قُرْطَاجَنّة وهي أفريقية. ويحنّس إلى دقسوس قرية أهل الكهف. ويعقوبس الى أورشليم وهي بيت المقدس. وابن تلما إلى العرابية وهي أرض الحجاز. وسمين إلى أرض البربر. ويهودا وبردس إلى الإسكندرية وما حولها. فأيدهم الله بالحجة. {فَأَصْبَحُواْ ظَاهِرِينَ} أي عالين؛ من قولك: ظهرت على الحائط أي عَلَوْت عليه. (والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب).

ابن كثير

تفسير : يقول تعالى آمراً عباده المؤمنين أن يكونوا أنصار الله في جميع أحوالهم بأقوالهم وأفعالهم، وأنفسهم وأموالهم، وأن يستجيبوا لله ولرسوله كما استجاب الحواريون لعيسى حين قال: {مَنْ أَنصَارِىۤ إِلَى ٱللَّهِ}؟ أي: من معيني في الدعوة إلى الله عز وجل؟ {قَالَ ٱلْحَوَارِيُّونَ} وهم أتباع عيسى عليه السلام: {نَحْنُ أَنْصَارُ ٱللَّهِ} أي: نحن أنصارك على ما أرسلت به، وموازروك على ذلك، ولهذا بعثهم دعاة إلى الناس في بلاد الشام في الإسرائيلين واليونانيين، وهكذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في أيام الحج: «حديث : من رجل يؤويني حتى أبلغ رسالة ربي؟ فإن قريشاً قد منعوني أن أبلغ رسالة ربي» تفسير : حتى قيض الله عز وجل له الأوس والخزرج من أهل المدينة، فبايعوه ووازروه، وشارطوه أن يمنعوه من الأسود والأحمر إن هو هاجر إليهم، فلما هاجر إليهم بمن معه من أصحابه، وفوا له بما عاهدوا الله عليه، ولهذا سماهم الله ورسوله: الأنصار، وصار ذلك علماً عليهم، رضي الله عنهم وأرضاهم. وقوله تعالى: {فَـآمَنَت طَّآئِفَةٌ مِّن بَنِىۤ إِسْرَٰءِيلَ وَكَفَرَت طَّآئِفَةٌ} أي: لما بلغ عيسى بن مريم عليه الصلاة والسلام رسالة ربه إلى قومه، وآزره من وازره من الحواريين، اهتدت طائفة من بني إسرائيل بما جاءهم به، وضلت طائفة، فخرجت عما جاءهم به، وجحدوا نبوته، ورموه وأمه بالعظائم، وهم اليهود عليهم لعائن الله المتتابعة إلى يوم القيامة، وغلت فيه طائفة ممن اتبعه حتى رفعوه فوق ما أعطاه الله من النبوة، وافترقوا فرقاً وشيعاً، فمن قائل منهم: إنه ابن الله، وقائل: إنه ثالث ثلاثة: الأب والابن وروح القدس، ومن قائل: إنه الله، وكل هذه الأقوال مفصلة في سورة النساء. وقوله تعالى: {فَأَيَّدْنَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ عَلَىٰ عَدُوِّهِمْ} أي: نصرناهم على من عاداهم من فرق النصارى، {فَأَصْبَحُواْ ظَـٰهِرِينَ} أي: عليهم، وذلك ببعثة محمد صلى الله عليه وسلم، كما قال الإمام أبو جعفر بن جرير رحمه الله: حدثني أبو السائب، حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن المنهال، يعني: ابن عمرو، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: لما أراد الله عز وجل أن يرفع عيسى إلى السماء، خرج إلى أصحابه، وهم في بيت اثنا عشر رجلاً، من عين في البيت، ورأسه يقطر ماء، فقال: إن منكم من يكفر بي اثنتي عشرة مرة بعد أن آمن بي، قال: ثم قال: أيكم يلقى عليه شبهي، فيقتل مكاني، ويكون معي في درجتي؟ قال: فقام شاب من أحدثهم سناً، فقال: أنا. فقال له: اجلس. ثم عاد عليهم فقام الشاب فقال: أنا، فقال له: اجلس ثم أعاد عليهم فقام الشاب فقال أنا، فقال: نعم أنت ذاك. قال: فألقي عليه شبه عيسى، ورفع عيسى عليه السلام من روزنة في البيت إلى السماء. قال: وجاء الطلب من اليهود، فأخذوا شبيهه فقتلوه وصلبوه، وكفر به بعضهم اثنتي عشرة مرة بعد أن آمنوا به، فتفرقوا فيه ثلاث فرق، فقالت فرقة: كان الله فينا ما شاء، ثم صعد إلى السماء، وهؤلاء اليعقوبية، وقالت فرقة: كان فينا ابن الله ما شاء الله، ثم رفعه إليه، وهؤلاء النسطورية، وقالت فرقة: كان فينا عبد الله ورسوله ما شاء الله، ثم رفعه الله إليه، وهؤلاء المسلمون، فتظاهرت الكافرتان على المسلمة فقتلوها، فلم يزل الإسلام طامساً حتى بعث الله محمداً صلى الله عليه وسلم {فَـآمَنَت طَّآئِفَةٌ مِّن بَنِىۤ إِسْرَٰءِيلَ وَكَفَرَت طَّآئِفَةٌ} يعني: الطائفة التي كفرت من بني إسرائيل في زمن عيسى، والطائفة التي آمنت في زمن عيسى، {فَأَيَّدْنَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ عَلَىٰ عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُواْ ظَـٰهِرِينَ} بإظهار محمد صلى الله عليه وسلم دينهم على دين الكفار {فَأَصْبَحُواْ ظَاهِرِينَ}. هذا لفظه في كتابه عند تفسير هذه الآية الكريمة، وهكذا رواه النسائي عند تفسير هذه الآية من سننه، عن أبي كريب محمد بن العلاء عن أبي معاوية، بمثله سواء. فأمة محمد صلى الله عليه وسلم لا يزالون ظاهرين على الحق حتى يأتي أمر الله وهم كذلك، وحتى يقاتل آخرهم الدجال مع المسيح عيسى بن مريم عليه السلام؛ كما وردت بذلك الأحاديث الصحاح، والله أعلم.

المحلي و السيوطي

تفسير : {يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ كُونُواْ أَنصَارَ ٱللَّهِ} لدينه وفي قراءة بالإِضافة {كَمَا } كان الحواريون كذلك، الدال عليه {قَالَعِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيّينَ مَنْ أَنَّصَٰرِى إِلَى ٱللَّهِ } أي من الأنصار الذين يكونون معي متوجهاً إلى نصرة الله؟ {قَالَ ٱلْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ ٱللَّهِ } والحواريون أصفياء عيسى وهم أوّل من آمن به وكانوا اثني عشر رجلاً من الحور وهو البياض الخالص وقيل كانوا قصارين يحورون الثياب أي يبيضونها {فَئَامَنَت طَّائِفَةٌ مِّنَ بَنِى إسْرَٰءِيلَ} بعيسى ابن مريم، وقالوا إنه عبد الله رُفِعَ إلى السماء {وَكَفَرَت طَّائِفَةٌ } لقولهم إنه ابن الله رفعه إليه فاقتتلت الطائفتان {فَأَيَّدْنَا } قوّينا {ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ } من الطائفتين {عَلَىٰ عَدُوّهِمْ } الطائفة الكافرة {فَأَصْبَحُواْ ظَٰهِرِينَ } غالبين.

ابن عادل

تفسير : أي: كونوا حواريِّي نبيكم ليظهركم الله على من خالفكم كما أظهر حواريِّي عيسى على من خالفهم. قوله: {أَنصَارَ ٱللَّهِ}. قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو: "أنصاراً"، منوناً "لله" جاراً ومجروراً. والباقون: "أنصار" غير مُنوَّنٍ، بل مضافاً للجلالة الكريمة. والرسم يحتمل القراءتين معاً، واللام يحتمل أن تكون مزيدة في المفعول للتقوية لكون العامل فرعاً، إذ الأصل "أنصار اللَّهِ" وأن تكون غير مزيدة، ويكون الجار والمجرور نعتاً لـ"أنصار". والأول أظهر. وأما القراءة على الإضافة ففرع الأصل المذكور، ويؤيد قراءة الإضافة الإجماع عليها في قوله تعالى: {نَحْنُ أَنصَارُ ٱللَّهِ} ولم يتصور جريان الخلاف هنا، لأنه مرسوم بالألف. قال القرطبي: قيل: في الكلام إضمار، أي: قل لهم يا محمد: كونوا أنصار الله. وقيل: هو ابتداء خطاب من الله، أي: كونوا أنصار الله كما فعل أنصار عيسى، فكانوا بحمد الله أنصاراً وكانوا حواريين. فصل في الحواريين قال القرطبيُّ: "الحواريون: خواص الرسل. قال معمر: كان ذلك بحمد الله تعالى، أي نصروه سبعون رجلاً، وهم الذين بايعوه ليلة العقبة، وقيل هم من قريش، وسماهم قتادة: أبو بكر، وعمر، وعلي، وطلحة، والزبير، وسعد بن أبي وقاص، وأبو عبيدة واسمه عامر، وعثمان بن مظعون، وحمزة بن عبد المطلب، وعثمان بن عفان، وعبد الرحمن بن عوف، ولم يذكر سعيداً فيهم، وذكر جعفر بن أبي طالب - رضي الله عنهم - أجمعين". قوله: {كَمَا قَالَ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ}. وهم أصفياؤه اثنا عشر رجلاً، وقد مضت أسماؤهم في "آل عمران". وهم أول من آمن به من بني إٍسرائيل. قاله ابن عباس. وقال مقاتل: قال الله لعيسى: إذا دخلت القرية فأتِ النهر الذي عليه القصارون فاسألهم النصرة؛ فأتاهم عيسى وقال لهم: من أنصاري إلى الله؟ فقالوا: نحن ننصرك، فصدقوه ونصروه. قوله: "كَمَا". فيه أوجه: أحدها: أن الكاف في موضع نصب على إضمار القول، أي: قلنا لهم ذلك كما قال عيسى. الثاني: أنه نعت لمصدر محذوف تقدير: كونوا كوناً. قاله مكي. وفيه نظرٌ؛ إذ لا يؤمروا بأن يكونوا كوناً. الثالث: أنه كلام محمول على معناه دون لفظه. وإليه نحا الزمخشري، قال: "فإن قلت: ما وجه صحة التشبيه وظاهره تشبيه كونهم أنصاراً بقول عيسى صلى الله عليه وسلم من أنصاري؟ قلت: التشبيه محمُول على المعنى، وعليه يصح، والمراد: كونوا أنصار الله كما كان الحواريون أنصار عيسى حين قال لهم: مَنْ أنصَاري إلى اللَّهِ"؟. وتقدم في "آل عمران" تعدي أنصار بـ"إلى" واختلاف الناس في ذلك. وقال الزمخشري هنا: "فإن قيل: ما معنى قوله: {مَنْ أَنْصَارِيۤ إِلَى ٱللَّهِ}؟ فالجواب: يجب أن يكون معناه مطابقاً لجواب الحواريين {نَحْنُ أَنصَارُ ٱللَّهِ} والذي يطابقه أن يكون المعنى من جندي متوجهاً إلى نصرة الله، وإضافة أنصاري خلاف إضافة "أنصَار اللَّهِ" فإن معنى {نَحْنُ أَنصَارُ ٱللَّهِ} نحن الذين ينصرون الله، ومعنى "مَنْ أنصَارِي" من الأنصار الذين يختصون بي ويكونون معي في نصرة الله، ولا يصح أن يكون معناه: من ينصرني مع الله لأنه لا يطابق الجواب، والدليل عليه قراءة من قرأ: مَنْ أنَصارُ اللَّهِ". انتهى. يعني: أن بعضهم يدعى أن "إلى" بمعنى "مع" أي من أنصاري مع الله؟‍!. وقوله: قراءة من قرأ "أنصَار اللَّهِ"، أي: لو كانت بمعنى "مع" لما صح سقوطها في هذه القراءة. قال شهاب الدين: "وهذا غير لازم، لأن كل قراءة لها معنى يخصها إلا أن الأولى توافق القراءتين". قوله: {فَآمَنَت طَّآئِفَةٌ مِّن بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَت طَّآئِفَةٌ}. قال ابن عباس - رضي الله عنهما -: يعني في زمن عيسى - عليه الصلاة والسلام - وذلك أنه لما رفع تفرق قومه ثلاث فرق: فرقة قالوا كان الله فارتفع، وفرقة قالوا: كان ابن الله فرفعه الله إليه، وفرقة قالوا: كان عبد الله ورسوله فرفعه إليه، وهم المؤمنون، واتبع كل فرقة طائفة من الناس فاقتتلوا فظهرت الفرقتان الكافرتان على المؤمنين حتى بعث الله محمداً صلى الله عليه وسلم فظهرت فرقة المؤمنين على الكافرين، فذلك قوله تعالى: {فَأَيَّدْنَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ عَلَىٰ عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُواْ ظَاهِرِينَ}، غالبين. وقال مجاهد: أيدوا في زمانهم على من كفر بعيسى؛ والأول أظهر؛ لأن عيسى لم يقاتل أحداً، ولم يكن في دين أصحابه بعده قتال. وقال زيد بن علي، وقتادة: "فأصْبَحُوا ظاهِرينَ" غالبين بالحُجَّة، والبرهان، لأنهم قالوا فيما روي: ألستم تعلمون أن عيسى كان ينام، والله لا ينام، وأن عيسى كان يأكل، والله تعالى لا يأكل. وقيل: نزلت هذه الآية، في رسل عيسى - عليه الصلاة والسلام - قال ابن إسحاق: وكان الذي بعثهم عيسى من الحواريين والأتباع بطريس وبولس إلى "رومية"، واندراييس ومتى إلى الأرض التي يأكل أهلها الناس، وتوماس إلى أرض بابل من أرض المشرق، وفيلبس إلى "قرطاجنة"، وهي "إفريقية"، ويحنّس إلى دقسوس قرية أهل "الكهف"، ويعقوبس إلى أورشليم، وهي "بيت المقدس"، وابن تلما إلى العرابية، وهي أرض الحجاز، وسيمن إلى أرض البربر، ويهودا وبروس إلى "الإسكندرية" وما حولها فأيَّدهم الله تعالى بالحجة فأصبحوا "ظاهرين" أي: عالين، من قولك: ظهرت على الحائط أي علوت عليه. قوله: {فَأَيَّدْنَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ عَلَىٰ عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُواْ ظَاهِرِينَ}. من إيقاع الظاهر موقع المضمر مبهماً تنبيهاً على عداوة الكافر للمؤمن، إذ الأصل فأيدناهم عليهم، أي: أيدنا المؤمنين على الكافرين من الطائفتين المذكورتين. روى الثعلبي في تفسيره عن أبيِّ بن كعب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : مَنْ قَرَأ سُورةَ الصَّف كَان عيسَى مُسْتغفِراً لَهُ مَا دَامَ فِي الدُّنْيَا، ويَوْمَ القِيَامَةِ هُوَ رَفِيقه ".

ابو السعود

تفسير : {يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ كُونُواْ أَنصَـٰرَ ٱللَّهِ} وقُرِىءَ أنصاراً لله بلاَ إضافةٍ لأن المَعْنَى كونُوا بعضَ أنصارِ الله. وقُرِىءَ كونُوا أنتُم أنصارَ الله {كَمَا قَالَ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيّينَ مَنْ أَنَّصَـٰرِى إِلَى ٱللَّهِ} أي مَنْ جُندي متوجهاً إلى نصرة الله كما يقتضيهِ قولُهُ تعالى: {قَالَ ٱلْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ ٱللَّهِ} والإضافةُ الأُولى إضافةُ أحدِ المتشاركينِ إلى الآخرِ لما بـينهُما من الاختصاصِ، والثانيةُ إضافةُ الفاعلِ إلى المفعولِ، والتشبـيهُ باعتبارِ المَعْنَى أي كونُوا أنصارَ الله كما كانَ الحواريونَ أنصارَهُ حينَ قال لهُم عيسى مَن أنصارِي إلى الله أو قُل لَهُم كونُوا كما قالَ عيسى للحواريـينَ. والحواريونَ أصفياؤُه وهم أولُ من آمنَ به وكانوا إثني عشرَ رجلاً {فَئَامَنَت طَّآئِفَةٌ مِّن بَنِى إِسْرَٰءِيلَ} أي بعِيسَى وأطاعُوه فيما أمرَهُم به من نصرة الدين {وَكَفَرَت طَّائِفَةٌ} أُخرى به وقاتلوهم {فَأَيَّدْنَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ عَلَىٰ عَدُوِّهِمْ} أي قوَّيناهُم بالحجة أو بالسيفِ وذلكَ بعد رفعِ عيسى عليهِ السلامُ {فَأَصْبَحُواْ ظَـٰهِرِينَ} غالبـينَ. عن النبـيِّ صلى الله عليه وسلم " حديث : منْ قرأ سورةَ الصفِّ كانَ عيسى مصلياً عليهِ مستغفراً له ما دامَ في الدُّنيا وهُو يومَ القيامةِ رفيقُه".

التستري

تفسير : قوله تعالى: {كُونُوۤاْ أَنصَارَ ٱللَّهِ}[14] قال: يعني بالقبول منه، والاستماع إليه بطاعته فيما يأمركم به وينهاكم عنه، والله سبحانه وتعالى أعلم.

القشيري

تفسير : أي كونوا أنصاراً لدينه ورسوله كما أنَّ عيسى لمَّا استعانَ واستنصرَ الحواريين نصروه. فانصروا محمداً إذا استنصركم. ثم أخبر انَّ طائفةً من بني إسرائيل آمنوا بعيسى فأُكْرِموا، وطائفةً كفروا فأُذِلُّوا، وأظفرَ أولياءَه على أعدائه.. لكي يعرف الرسول صلى الله عليه وسلم أنَّ الله سبحانه يُظْفِرُ أولياءَه على أعدائه.

البقلي

تفسير : قوله تعالى {فَأَيَّدْنَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ عَلَىٰ عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُواْ ظَاهِرِينَ} هل الايمان القلب والعدو هو النفس ظفر القلب عليها بتاييد كوشف انوار سلطان مشاهدة الحق فصار غالبا عليا فى صباح كشفه وطلوع انوار قربه فزالت ظلمها وبقى نوره لانه تعالى متمم نوره ومؤيده.

اسماعيل حقي

تفسير : {يا أيها الذين آمنوا كونوا انصار الله} اى انصار دينه جمع نصير كشريف واشراف {كما قال عيسى ابن مريم للحواريين} سيأتى بيانهم {من} كيستند {انصارى الى الله} قال بعض المفسرين من يحتمل ان يكون استفهاما حقيقة ليعلم وجود الانصار ويتسلى به ويحتمل العرض والحث على النصرة وفيه دلالة على ان غير الله تعالى لايخلو عن الاحتياج والاستنصار وانه فى وقته جائز حسن اذا كان لله فى الله والمعنى من جندى متوجها الى نصرة الله كما يقتضيه قوله تعالى {قال الحواريون نحن انصار الله} فان قوله عيسى لا يطابق جواب الحواريين بحسب الظاهر فان ظاهر قول عيسى يدل على انه يسأل من ينصره فكيف يطابقه جواب الحواريين بانهم ينصرون لله ايضا لاوجه لبقاء قول عيسى على ظاهره لان النصرة لاتتعدى بالى فحمل الانصار على الجند لانهم ينصرون ملكهم ويعينونه فى مراده ومراده عليه السلام نصرة دين الله فسأل من يتبعه ويعينه فى ذلك المراد ويشاركه فيه فقوله متوجها حال من ياء المتكلم فى جندى والى متعلق به لا بالنصرة والاضافة الاولى اضافة احد المتشاركين الىالآخر لما بينهما من الاختصاص يعنى الملابسة المضححة للاضافة المجازية لظهور ان الاختصاص الذى تقتضيه الاضافة حقيقة غير متحقق فى اضافة انصارى والاضافة الثانية اضافة الفاعل الى المفعول والتشبيه باعتبار المعنى ان كونوا انصار الله كما كان الحواريون انصاره حين قال لهم عيسى من انصارى الى الله او قل لهم كونوا كما قال عيسى للحواريين والحواريون اصفياؤه وخلصانه من الحور وهو البياض الخالص وهم اول من آمن به وكانوا اثنى عشر رجلا قال مقاتل قال الله لعيسى اذا دخلت القرية فائت النهر الذى عليه القاصرون فاسألهم النصرة فأتاهم عيسى وقال من انصارى الى الله فقالوا نحن ننصرك فصدقوه ونصروه (وقال الكاشفى) وفى الواقع نصرت كردند دين عيسى رابعد از رفع وى وخلق را بخدا دعوت نمودند، فالحواريون كانوا قصارين وقيل كانوا صيادين قال بعض العلماء انما سموا حواريين لصفاء عقائدهم عن التردد والتلوين او لانهم كانوا يطهرون نفوس الناس بافادتهم الدين والعلم المشار اليه بقوله تعالى {أية : انما يريد الله ليذهب عنكم الرجس اهل البيت ويطهركم تطهيرا}تفسير : وانما قيل كانوا قصارين على التمثيل والتشبيه وانما قيل كانوا صيادين لاصطيادهم نفوس الناس وقودهم الى الحق وقوله عليه السلام "حديث : الزبير ابن عمتى وحواريى"تفسير : وقوله يوم الاحزاب "حديث : من يأتينى بخبر القوم"تفسير : فقال الزبير انا فقال عليه السلام "حديث : ان لكل نبى حواريا وحواريى الزبير"تفسير : فشبهه بهم فى النصرة وقال بعض المفسرين دل الحديث على ان الحواريين ليسوا بمختصين بعيسى اذ هو فى معنى الاصحاب الاصفياء وقال معمر رضى الله عنه كان يحمد الله لنبينا عليه السلام حواريون نصروه حسب طاقتهم وهم سبعون رجلا وهم الذين بايعوه ليلة العقبة وقال السهيلى كونوا انصار الله فكانوا انصارا وكانوا حواريين والانصار الاوس الخزرج ولم يكن هذا الاسم قبل الاسلام حتى سماهم الله به وكان له عليه السلام حواريون ايضا من قريش مثل الخلفاء الاربعة والزبير وعثمان بن مظعون وحمزة بن عبد المطلب وجعفر بن ابى طالب ونحوهم {فآمنت طائفة} اى جماعة وهى اقل من الفرقة لقوله تعالى {أية : فلولا نفر من كل فرقه منهم طائفة}تفسير : {من بنى اسرائيل} اى آمنوا بعيسى واطاعوه فيما امرهم به من نصرة الدين {وكفرت طائفة} اخرى به وقاتلوه {فايدنا الذين آمنوا} اى قوينا مؤمنى قومه بالحجة او بالسيف وذلك بعد رفع عيسى {على عدوهم} اىعلى الذين كفروا وهو الظاهر فايراد العدو اعلام منه ان الكافرون عدو للمؤمنين عداوة دينية وقيل لما رفع عيسى عليه السلام تفرق القوم ثلاث فرق فرقة قالوا كان الله فارتفع وفرقة قالوا كان ابن الله فرفعه الله اليه وفرقة قالوا كان عبدا لله ورسوله فرفعه الله وهم المؤمنون واتبع كل فرقة منهم طائفة من الناس فاقتتلوا وظهرت الفرقتان الكافرتان على الفرقة المؤمنة حتى بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم فظهرت الفرقة المؤمنة على الكافرة فذلك قوله تعالى {فايدنا الذين آمنوا على عدوهم} {فأصبحوا} صاروا {ظاهرين} غالبيين عالين يقال ظهرت على الحائط علوته وقال قتادة فأصبحوا ظاهرين بالحجة والبرهان كما سبق لأنهم قالوا فيما روى ألستم تعلمون ان عيسى عليه السلام كان ينام والله تعالى لاينام وانه يأكل ويشرب والله منزه عن ذلك وفى الآية اشارة الى غلبة القوى الروحانية على القوى النفسانية لان القوى الروحانية مؤمنون متنورون بنور الله متقون عما سوى الله تعالى والقوى النفسانية كافورن مظلمون بظلمة الاكوان متلوثون بالعلاقات المختلفة ولاشك ان الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون فبنور الاسلام والايمان والتقوى والهدى يزيل ظلمة الشرك والكفر والتعلق والهوى مع ان اهل الايمان وان كانوا اقل من اهل الكفر فى الظاهر لكنهم اكثر منهم فى الباطن فهم السواد الاعظم والمظاهر الجمالية، واعلم ان الجهاد دآئم ماض الى يوم القيامة انفسا وآفاقا لان الدنيا مشتملة على اهل الجمال والجلال وكذا الوجود الانسانى مادام فى هذا الوطن فاذا صار الى الموطن الآخر فما اهل جمال فقط وهو فى الجنة واما اهل جلال فقط وهو فى النار والله يحفظنا واياكم تمت سورة الصف بعون الله تعالى فى اواسط ذى الحجة من شهور سنة خمس عشرة ومائة وألف.

الجنابذي

تفسير : {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} بالبيعة الخاصّة الولويّة {كُونُوۤاْ أَنصَارَ ٱللَّهِ} لمّا كان اللّطيفة الانسانيّة الفطريّة واللّطيفة الولويّة الّتى هى انسانيّة اختياريّة مظهر الله تعالى، ونصرته بالعلوم الاخرويّة والاعمال الصّالحة تكون نصرة لله وكان خليفة الله ايضاً مظهراً لله ونصرته تكون نصرة لله اراد بنصرة الله نصرة تلك اللّطيفة وذلك الخليفة، وأدّاه بنصرة الله للاشعار بانّ نصرتهما نصرة لله فى الحقيقة {كَمَا قَالَ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ} يعنى قلنا لكم كونوا انصار الله كما قال عيسى (ع)، او المعنى قل يا محمّد (ص): يا ايّها الّذين آمنوا كونوا انصار الله كما قال عيسى (ع)، او كما قال عيسى متعلّق بكونوا انصار الله ويكون المشبّه به كون الحواريّين انصار الله {لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنَّصَارِيۤ إِلَى ٱللَّهِ قَالَ ٱلْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ ٱللَّهِ} قد مضت هذه الآية فى سورة آل عمران مع بيانٍ لها {فَآمَنَت} بعد قول عيسى بن مريم (ع) {طَّآئِفَةٌ مِّن بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَت طَّآئِفَةٌ} يعنى بالله بواسطة عيسى او بعيسى (ع) بعد قوله هذا {فَأَيَّدْنَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ عَلَىٰ عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُواْ ظَاهِرِينَ} يعنى غالبين وهذه تسلية للرّسول (ص) وتبشير وتسلية للمؤمنين وتهديدٌ للكافرين من امّة محمّدٍ (ص).

فرات الكوفي

تفسير : {يا أيُّها الذين آمَنوا كونوا أنْصارَ اللّهِ كما قال عيسى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوارِّيينَ: مَنْ أنْصاري إلى اللّهِ؟ قالَ الحَوارِيّونَ: نَحْنُ أنْصارُ اللّهِ، فآمَنَتْ طائفةٌ مِنْ بَنى إسْرائيل وَكَفَرتْ طائفَةٌ 14} قال: حدثنا أبو القاسم الحسني [قال: حدثنا فرات] معنعناً: عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن حواري عيسى كانوا شيعته وإن شيعتنا حوارينا، وما كان حواري عيسى بأطوع له من حوارينا لنا، و {قال عيسى للحواريين: من أنصاري إلى الله قال الحواريون: نحن أنصار الله} ولا والله ما نصروه عن [ر: من] اليهود ولا قاتلوهم دونه، وشيعتنا والله لم يزلوا منذ قبض الله رسوله ينصرونا ويقاتلون دوننا و يحرقون ويعذبون ويشردون في البلدان جزاهم الله عنا خيراً وقد قال أمير المؤمنين [عليه السلام. أ، ر]: والله لو ضربت خيشوم محبينا [أهل البيت. ب] بالسيف ما أبغضونا والله لو دنوت إلى مبغضنا وحبوت له من المال حبواً ما أحبنا.

اطفيش

تفسير : {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنصَارَ اللهِ} لدين الله ونبيه أي بعض ناصريه وقرأ غير نافع وابن كثير وابي عمرو بالاضافة وقرأ ابن مسعود كونوا انتم انصار الله {كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّنَ مَنْ أَنْصَارِى} وقرىء بالاسكان. {إِلَى اللهِ قَالَ الحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ اللهِ} والحواريون الاصفياء وهم أول من آمن بعيسى وكانوا اثنى عشر من الحور وهو البياض الخالص وقيل كانوا قصارين يحورون الثياب أي يبيضونها وفي الحديث: "حديث : ان لكل نبي حواري وحواري أبو بكر وعمر وسعد وعثمان ابن مظعون"تفسير : ووجه التشبيه ان المراد كانوا انصار الله كما كان الحواريون انصار عيسى حين قال من انصاري الى الله ومعنى من انصاري الى الله من جندي متوجها الى نصرة الله عز وعلا ليطابق جوابهم وهو قوله نحن انصار الله وليس معناه من ينصرني مع الله لانه لا يطابق الجواب وبدليل قراءة بعضهم من نصار الله. ومعنى من انصاري من يختص بي ويكون معي في نصر الله فالاضافة احد المشاركين للاخر ومعنى نحن انصار الله نحن الذين ينصرون الله فاضافته اضافة الوصف المجموع الى مفعوله وقيل الى معنى مع. {فَأَمَنَت طَّائفَةٌ مِّن بَنِى إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَت طَّائِفَةٌ} بعيسى عليه الصلاة والسلام من آمن قال انه عبد الله رفعه الى السماء ومن كفر قال هو ابن الله رفعه اليه وبعض من كفر قال هو ارتفع فاقتتلت الطائفتان الكافرتان مع المؤمنة فغلبتاها حتى بُعث سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم غلبتهما المؤمنة كما قال {فَأَيَّدْنَا} قوينا {الَّذِينَ آمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ} غالبين بغلبة محمد من زاغ منهم وقيل: هذه الغلبة عقب رفع عيسى وقال زيد بن علي: اصبحت حجة من امن به ظاهرة بتصديق محمد صلى الله عليه وسلم ان عيسى روح الله وكلمته وعبده والاصباح الصيروره وقال ابن عباس قاتلوا ليلا فاصبحوا ظاهرين عليهم. اللهم بحق السورة ونبينا محمد صلى الله عليه وسلم علينا وبركتهما اخز النصارى واكسر شوكتهم واهنهم وغلب المسلمين والموحدين عليهم صلى الله على سيدنا محمد وآله وصبحه وسلم.

اطفيش

تفسير : {يَا أيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أنصَارَ اللهِ} لدين الله عز وجل ولرسوله - صلى الله عليه وسلم -، وأنصارا ولو كان نكرة فى الإِثبات لا دلالة لها على التبعيض بل تحصل العموم لها بكونوا، أى كونوا كلكم أنصار الله وأى تبعيض فى مطيعين من قولك: يا أيها المكلفون كونوا مطيعين لله عز وجل، وإِذا كانت للتبعيض كما قيل فأَين البعض الآخر؟ فإِن قيل من يأتى من المؤمنين بعد نزول الآية، قلنا من يأتى شملته الآية وإِن قيل البعض الآخر من تعنى لنصره من الملائكة بأَمر الله، ومن الجن قلنا أى حاجة إِلى ذلك مع عدم تبادره اللهم إِلا أن يقال لذلك حكمة هى تعظيمه بأَن له - صلى الله عليه وسلم - أنصارا وربما تقوى التبعيض بالتشبيه فى قوله عز وجل: {كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أنصَارِي إِلَى اللهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أنصَارُ اللهِ} فإِنه ظاهر فى التبعيض ولو غير راغب عن الكل، والحواريون من مادة الحوار وهو البياض، سموا لأَنهم كانوا يغسلون ثياب الناس ويبيضونها أو للبسهم البياض، وقيل لنقاء قلوبهم وجوارحهم من الذنوب أو لأَنهم يغسلون نفوس الناس بالعلم وقيل الحواريون المجاهدون، وقيل الحوارى الخاصة الناصر من الأَصحاب. كما قيل فى قوله - صلى الله عليه وسلم - "حديث : لكل نبي حواري وحواريي الزبيرتفسير : ، وقيل الحوارى الذى أخلص ونقى من كل عيب". وفى بعض الأَخبار لقومنا أن الحواريين كلهم من قريش: أبو بكر وعمر وعلى وحمزة وجعفر وأبو عبيدة بن الجراح وعثمان بن مظعون وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبى وقاص وعثمان بن عفان وطلحة ابن عبيد الله والزبير، والكاف تدل على تقدير القول قبل يا أيها الذين آمنوا. أى قل يا محمد لقومك الذين آمنوا يا أيها الذين آمنوا كونوا أنصار الله كما قال عيسى، ويجوز أن لا يقدر القول فيكون مستأنفا من الله عز وجل، ويبحث بأَن الظاهر تشبيه القول بالقول كما مر من تقدير القول، ويجاب بأَنه لا بأس بتشبيه الكون أنصار الله بقول عيسى لتضمن قوله طلب النصرة ويجوز تقدير قول من الله عز وجل لا مِنَ النبى - صلى الله عليه وسلم. أى قلنا للمؤمنين من أُمة محمد يا أيها الذين آمنوا كونوا أنصار الله كما قال عيسى للحواريين: من أنصارى إِلى الله، فإِما أن يكون هذا القول المقدر عن الله إِنشاء، وإِما أن يكون إِخبارا عن قول متقدم وهو كل كلام فيه أمر باتباع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - و (ما) مصدرية أما على عدم تقدير القول فالمعنى كونوا أنصار الله كونا ثابتا كمضمون قول عيسى من أنصارى وعلى تقديره: قل يا محمد أو قلنا قولا ثابتا كقول عيسى، وتكلف من جعل (ما) مصدرية والمصدر ظرف وجعل الآية على الحذف هكذا كونوا أنصار الله وقت قولى لكم ككون الحواريين أنصارا وقت قول عيسى لهم واختصره الله عز وجل بقولك كونوا أنصاره كوقت قول عيسى. والآية احتباك بحذف من كل كلام ما ثبت فى الآخر، أى كونوا أنصار الله حين قال لكم النبى من أنصارى إِلى الله كما كان الحواريون أنصار الله حين قال لهم عيسى من أنصارى إِلى الله، وهذا ولو كان حسنا لا دليل عليه فلا يفسر به لتكلف الحذف وصحة الكلام بدونه ولا سيما وقد تغير معنى الآية فإِنه ليس فيها أن الحواريين كانوا أنصارا، بل فيها دعواهم أنهم أنصار، ولو ذكر بعد ذلك أن طائفة آمنت وإِيمانها نصره عليه السلام، كما قال الله عز وجل {فَآمَنَت طَّائِفَةٌ} بعيسى {مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَت} به {طَّائِفَةٌ} أُخرى منهم {فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا} به {عَلَى عَدُوِّهِمْ} وهم من كفر به، قيل إِلى متعلق بحال محذوفة جوازا كون خاص، أى متوجها إِلى نصرة الله بتقدير مضاف كما رأيت فيناسب قوله نحن أنصار الله، وصح الحال من المضاف إِليه لأَن المضاف وصف يصلح للعمل فإِن أنصار جمع ناصر أو إِلى بمعنى مع فيقدر مضاف أى نحن أنصار نبى الله فحصل التناسب أيضا {فَأَصْبَحُوا} أى الذين أيدهم الله أى نصرهم {ظَاهِرِينَ} غالبين بالحجة والبرهان وهم اثنا عشر رجلا وقيل أتباعهم بعدهم كما يدل له قوله من بنى إِسرائيل أرسل بعضا إِلى رومية وبعضا إِلى بابل وبعضا إِلى أفريقية وبعضا إِلى أفسس وبعضا إِلى بيت المقدس وبعضا إِلى الحجاز وبعضا إِلى البربر وما حولها، وقيل غالبين بالسيف. وعلى هذا المراد الأَتباع فإِن الطائفة المحقة بعد رفعه إلى السماء داموا على قولهم أنه عبد الله ورسوله والطائفة الكافرة قال بعضها إِنه الله رجع إِلى السماء بعد هبوطه منها، وبعضها أنه ابن الله رفعه الله إِليه وقاتلتها الطائفة المؤمنة وغلبتها، والقتال ولو لم يكن فى دين عيسى لكن بدأت الكافرتان القتال فقاتلتهما المؤمنة دفعا عن نفسها وقيل غلبتها الكافرتان بالسيف إِلى زمان بعثه - صلى الله عليه وسلم - فغلبتهما المؤمنة وقيل آمنت طائفة بالنبى - صلى الله عليه وسلم - إِذ بعث وكفرت به أُخرى فأَيدنا المؤمنة على الكافرة به بتصديقهم على لسان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن عيسى عبد الله ورسوله وهو خلاف الظاهر والله أعلم.

الالوسي

تفسير : {يَا أَيُّهَا ٱلَّذينَ ءَامَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ الله} / أي نصرة دينه سبحانه وعونة رسوله عليه الصلاة والسلام. وقرأ الأعرج وعيسى وأبو عمرو والحرميان ـ أنصاراً لله ـ بالتنوين وهو للتبعيض فالمعنى كونوا بعض أنصاره عز وجل. وقرأ ابن مسعود ـ على ما في «الكشاف» ـ (كونوا أنتم أنصار الله)، وفي «موضح الأهوازي» والكواشي ـ أنتم ـ دون {كُونُوا } {كَمَا قَالَ عيسَى ابْنُ مَرْيَمَ للْحَوَارَيِّـٰنَ مَنْ أَنْصَارىۤ إلَى الله} أي من جندي متوجهاً إلى نصرة الله تعالى ليطابق قوله سبحانه: {قَالَ الْحَوَاريُّونَ نَحْن أَنْصَارُ الله} وقيل: {إلى} بمعنى مع و {نَحْن أَنْصَارُ الله} بتقدير نحن أنصار نبـي الله فيحصل التطابق، والأول أولى. والإضافة في {أَنْصَارىۤ} إضافة أحد المتشاركين إلى الآخر لأنهما لما اشتركا في نصرة الله عز وجل كان بينهما ملابسة تصحح إضافة أحدهما للآخر والإضافة في {أَنْصَارُ الله} إضافة الفاعل إلى المفعول والتشبيه باعتبار المعنى إذ المراد قل لهم ذلك كما قال عيسى، وقال أبو حيان: هو على معنى قلنا لكم كما قال عيسى. وقال الزمخشري: هو على معنى كونوا أنصار الله كما كان الحواريون أنصار عيسى حين قال لهم: {مَنْ أَنْصَارىۤ إلَى الله} وخلاصته على ما قيل: إن ما مصدرية وهي مع صلتها ظرف أي كونوا أنصار الله وقت قولي لكم ككون الحواريين أنصاره وقت قول عيسى، ثم قيل: كونوا أنصاره كوقت قول عيسى هذه المقالة، وجيء بحديث سؤاله عن الناصر وجوابهم فهو نظير كاليوم في قولهم: كاليوم رجل أي كرجل رأيته اليوم فحذف الموصوف مع صفته، واكتفي بالظرف عنهما لدلالته على الفعل الدال على موصوفه، وهذا من توسعاتهم في الظروف، وقد جعلت الآية من الاحتباك، والأصل كونوا أنصار الله حين قال لكم النبـي صلى الله عليه وسلم: {مَنْ أَنْصَارىۤ إلَى الله} كما كان الحواريون أنصار الله حين قال لهم عيسى عليه السلام {مَنْ أَنْصَارىۤ إلَى الله} فحذف من كل منهما ما دل عليه المذكور في الآخر، وهو لا يخلو عن حسن. و {الْحَوَاريُّونَ } أصفياؤه عليه السلام، والعدول عن ضميرهم إلى الظاهر للاعتناء بشأنهم، وهم أول من آمن به وكانوا اثني عشر رجلاً فَرَّقَهُم ـ على ما في «البحر» ـ عيسى عليه السلام في البلاد، فمنهم من أرسله إلى رومية، ومنهم من أرسله إلى بابل، ومنهم من أرسله إلى أفريقية، ومنهم من أرسله إلى أفسس، ومنهم من أرسله إلى بيت المقدس، ومنهم من أرسله إلى الحجاز، ومنهم من أرسله إلى أرض البربر وما حولها وتعيين المرسل إلى كل فيه، ولست على ثقة من صحة ذلك ولا من ضبط أسمائهم، وقد ذكرها السيوطي أيضاً في «الإتقان» فليلتمس ضبط ذلك من مظانه. واشتقاق الحواريين من الحور ـ وهو البياض ـ وسموا بذلك لأنهم كانوا قصارين، وقيل: للبسهم البياض، وقيل: لنقاء ظاهرهم وباطنهم، وزعم بعضهم أن ما قيل: من أنهم كانوا قصارين إشارة إلى أنهم كانوا يطهرون نفوس الناس بإفادتهم الدين والعلم، وما قيل: من أنهم كانوا صيادين إشارة إلى أنهم كانوا يصطادون نفوس الناس من الحيرة ويقودونهم إلى الحق. وقيل: الحواريون المجاهدون، وفي الحديث « حديث : لكل نبـي حواري وحواريـي الزبير » تفسير : وفسر بالخاصة من الأصحاب والناصر، وقال الأزهري: الذي أخلص ونقي من كل عيب، وعن قتادة إطلاق الحواري على غيره رضي الله تعالى عنه أيضاً، فقد قال: إن الحواريين كلهم من قريش أبو بكر وعمر وعلي وحمزة وجعفر وأبو عبيدة بن الجراح وعثمان بن مظعون وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبـي وقاص وعثمان بن عفان وطلحة بن عبيد الله والزبير بن العوام رضي الله تعالى عنهم أجمعين. / {فَئَامَنَتْ طَائفَةٌ مِّنْ بَني إسْرَاءيلَ} أي بعيسى عليه السلام {وَكَفَرَتْ طَائفَةٌ} أخرى. {فَأيَّدْنَا ٱلَّذينَ ءَامَنُوا عَلَى عَدُوِّهمْ} وهم الذين كفروا {فأَصْبَحُوا ظَـٰهرينَ} فصاروا غالبين؛ قال زيد بن علي وقتادة: بالحجة والبرهان، وقيل: إن عيسى عليه السلام حين رفع إلى السماء قالت طائفة من قومه: إنه الله سبحانه، وقالت أخرى: إنه ابن الله ـ تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً ـ رفعه الله عز وجل إليه، وقالت طائفة: إنه عبد الله ورسوله فاقتتلوا فظهرت الفرقتان الكافرتان على الفرقة المؤمنة حتى بعث النبـي صلى الله عليه وسلم فظهرت المؤمنة على الكافرتين، وروي ذلك عن ابن عباس، وقيل: اقتتل المؤمنون والكفرة بعد رفعه عليه السلام فظهر المؤمنون على الكفرة بالسيف، والمشهور أن القتال ليس من شريعته عليه السلام، وقيل: المراد فآمنت طائفة من بني إسرائيل بمحمد عليه الصلاة والسلام وكفرت أخرى به صلى الله عليه وسلم فأيدنا المؤمنين على الكفرة فصاروا غالبين، وهو خلاف الظاهر، والله تعالى أعلم.

ابن عاشور

تفسير : هذا خطاب آخر للمؤمنين تكملة لما تضمنه الخطاب بقوله تعالى: { أية : يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة}تفسير : [الصف: 10] إلى قوله: {أية : وتجاهدون في سبيل الله}تفسير : [الصف: 11] الآية الذي هو المقصود من ذلك الخطاب، فجاء هذا الخطاب الثاني تذكيراً بأسوة عظيمة من أحوال المخلصين من المؤمنين السابقين وهم أصحاب عيسى عليه السلام مع قلة عددهم وضعفهم. فأمر الله المؤمنين بنصر الدين وهو نصر غير النصر الذي بالجهاد لأن ذلك تقدم التحريض عليه في قوله: {أية : وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم}تفسير : [الصف: 11] الآية ووَعَدهم عليه بأن ينصرهم الله، فهذا النصر المأمور به هنا نصر دِين الله الذي آمنوا به بأن يبثّوه ويَثْبُتوا على الأخذ به دون اكتراث بما يلاقونه من أذى من المشركين وأهلِ الكتاب، قال تعالى: {أية : لَتُبْلَوُنَّ في أموالكم وأنفسكم ولتَسْمَعُنَّ من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيراً وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عَزم الأمور}تفسير : [آل عمران: 186] وهذا هو الذي شبه بنصر الحواريين دين الله الذي جاء به عيسى عليه السّلام، فإن عيسى لم يجاهد من عاندوه، ولا كان الحواريون ممن جاهدوا ولكنه صبر وصبروا حتى أظهر الله دين النصرانية وانتشر في الأرض ثم دبّ إليه التغيير حتى جاء الإسلام فنسخه من أصله. والأنصار: جمع نصير، وهو الناصر الشديد النصر. وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وأبو جعفر {كُونوا أنصاراً لله} بتنوين {أنصاراً} وقرن اسم الجلالة باللام الجارة فيكون {أنصاراً} مراداً به دلالة اسم الفاعل المفيد للإِحداث، أي محدثين النصر، واللام للأجْل، أي لأجل الله، أي ناصرين له كما قال تعالى: {أية : فلا ناصر لهم}تفسير : [محمد: 13]. وقرأه الباقون بإضافة {أنصار} إلى اسم الجلالة بدون لام على اعتبار أنصار كاللقب على نحو قوله: {من أنصاري}. والتشبيه بدعوة عيسى ابن مريم للحواريين وجواب الحواريين تشبيهُ تمثيل، أي كونوا عند ما يدعوكم محمد صلى الله عليه وسلم إلى نصر الله كحالة قول عيسى ابن مريم للحواريين واستجابتهم له. والتشبيه لقصد التنظير والتأسّي فقد صدق الحواريون وعدهم وثبتوا على الدّين ولم تزعزعهم الفتن والتعذيب. و(ما) مصدرية، أي كقول عيسى وقول الحواريين. وفيه حذف مضاف تقديره: لكونِ قولِ عيسى وقول الحواريين. فالتشبيه بمجموع الأمرين قول عيسى وجواب الحواريين لأن جواب الحواريين بمنزلة الكلام المفرع على دعوة عيسى وإنما تحذف الفاء في مثله من المقاولات والمحاورات للاختصار، كما تقدم في قوله تعالى: {أية : قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها}تفسير : في سورة [البقرة: 30]. وقول عيسى {من أنصاري إلى الله} استفهام لاختبار انتدَابهم إلى نصر دين الله معه نظير قول طرفة: شعر : إذا القوم قالوا مَن فتىً خلت إنني عُنيت فلم أكسَل ولم أتبلد تفسير : وإضافة {أنصار} إلى ياء المتكلم وهو عيسى باعتبارهم أنصارَ دعوته. و{إلى الله} متعلق بـ{أنصاري}. ومعنى {إلى} الانتهاء المجازي، أي متوجهين إلى الله، شبه دعاؤهم إلى الدين وتعليمهم الناس ما يرضاه الله لهم بسعي ساعين إلى الله لينصروه كما يسعى المستنجَد بهم إلى مكان مستنجِدهم لينصروه على من غلبه. ففي حرف {إلى} استعارة تبعية، ولذلك كان الجواب المحكي عن الحواريين مطابقاً للاستفهام إذ قالوا: نحن أنصار الله، أي نحن ننصر الله على من حادّه وشاقَّه، أي ننصر دينه. و{الحواريون}: جمع حواري بفتح الحاء وتخفيف الواو وهي كلمة معربَة عن الحبشية (حَواريا) وهو الصاحب الصفي، وليست عربية الأصل ولا مشتقة من مادة عربية، وقد عدها الضحاك في جملة الألفاظ المعرّبة لكنه قال: إنها نبطية. ومعنى الحواري: الغسّال، كذا في "الإِتقان". و{الحواريون}: اسم أطلقه القرآن على أصحاب عيسى الاثني عشر، ولا شك أنه كان معروفاً عند نصارى العرب أخذوه من نصارى الحبشة. ولا يعرف هذا الاسم في الأناجيل. وقد سمى النبي صلى الله عليه وسلم الزبير بن العوام حواريَّهُ على التشبيه بأحد الحواريين فقال: «حديث : لكل نبي حواري وحواريَّ الزبير»تفسير : . وقد تقدم ذكر الحواريين في قوله تعالى: {أية : قال الحواريون نحن أنصار الله }تفسير : في سورة [آل عمران: 52]. واعلم أن مقالة عيسى عليه السّلام المحكية في هذه الآية غير مقالته المحكية في آية آل عمران فإن تلك موجهة إلى جماعة بني إسرائيل الذين أحسّ منهم الكفر لمَّا دعاهم إلى الإِيمان به. أمّا مقالته المحكية هنا فهي موجهة للذين آمنوا به طالباً منهم نصرته لقوله تعالى: {كما قال عيسى ابن مريم للحواريين} الآية، فلذلك تعين اختلاف مقتضى الكلامين المتماثلين. وعلى حسب اختلاف المقامين يجرى اختلاف اعتبار الخصوصيات في الكلامين وإن كانا متشابهين فقد جعلنا هنالك إضافة {أية : أنصارُ الله}تفسير : [آل عمران: 52] إضافة لفظية وبذلك لم يكن قولهم: {نحن أنصار الله} مفيداً للقصر لانعدام تعريف المسند. فأما هنَا فالأظهر أن كلمة {أنصار الله} اعتبرت لقباً للحواريين عَرَّفوا أنفسهم به وخلعوه على أنفسهم فلذلك أرادوا الاستدلال به على أنهم أحق الناس بتحقيق معناه، ولذلك تكون إضافة {أنصار} إلى اسم الجلالة هنا إضافة معنوية مفيدة تعريفاً فصارت جملة {نحن أنصار الله} هنا مشتملة على صيغة قصر على خلاف نظيرتها التي في سورة آل عمران. ففي حكاية جواب الحواريين هنا خصوصية صيغة القصر بتعريف المسند إليه والمسند. وخصوصيةُ التعريف بالإِضافة. فكان إيجازاً في حكاية جوابهم بأنهم أجابوا بالانتداب إلى نصر الرسول وبجعل أنفسهم محقوقين بهذا النصر لأنهم محضوا أنفسهم لنصر الدين وعُرِفوا بذلك وبحصر نصر الدين فيهم حصراً يفيد المبالغة في تمحضهم له حتى كأنه لا ناصر للدين غيرهم مع قلتهم وإفادته التعريض بكفر بقيّة قومهم من بني إسرائيل. وفرع على قول الحواريين {نحن أنصار} الإخبار بأن بني إسرائيل افترقوا طائفتين طائفة آمنت بعيسى وما جاء به، وطائفة كفرت بذلك وهذا التفريع يقتضي كلاماً مقدراً وهو فَنصروا الله بالدعوة والمصابرة عليها فاستجاب بعض بني إسرائيل وكفر بعض وإنما استجاب لهم من بني إسرائيل عدد قليل فقد جاء في إنجيل (لُوقَا) أن أتباع عيسى كانوا أكثر من سبعين. والمقصود من قوله: {فآمنت طائفة من بني إسرائيل وكفرت طائفة} التوطئة لقوله: {فأيدنا الذين آمنوا على عدوهم فأصبحوا ظاهرين} والتأييد النصر والتقوية، أيد الله أهل النصرانية بكثير ممن اتبع النصرانية بدعوة الحواريين وأتباعهم مثل بولس. وإنما قال: {فأيدنا الذين آمنوا} ولم يقل: فأيدناهم لأن التأييد كان لمجموع المؤمنين بعيسى لا لكل فرد منهم إذ قد قتل من أتباعه خلق كثير ومُثِّل بهم وأُلْقوا إلى السباع في المشاهد العامة تفترسهم، وكان ممن قُتل من الحواريين الحواري الأكبر الذي سماه عيسى بطرس، أي الصخرة في ثباته في الله. ويزعمون أن جثته في الكنيسة العظمى في رومة المعروفة بكنيسة القدِّيس بطرس والحكمُ على المجموع في مثل هذا شائع كما تقول: نصر الله المسلمين يوم بدر مع أن منهم من قتل. والمقصود نصر الدين. والمقصود من هذا الخبر وعد المسلمين الذين أُمروا أن يكونوا أنصاراً لله بأن الله مؤيدهم على عدوّهم. والعدوّ يطلق على الواحد والجمع، قال تعالى: {أية : وهم لكم عدو}تفسير : [الكهف: 50] وتقدم عند قوله تعالى: {أية : يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء}تفسير : في سورة [الممتحنة: 1]. والظاهرُ: هو الغالب، يقال: ظهر عليه، أي غلبه، وظهَر به أي غلب بسببه، أي بإعانته وأصل فعله مشتق من الاسم الجامد. وهو الظَهْر الذي هو العمود الوسط من جسد الإِنسان والدَّواب لأن بالظهر قوة الحيوان. وهذا مثل فعل (عَضَد) مشتقاً من العضُد. و (أيد) مشتقاً من اليد ومن تصاريفه ظاهرَ عليه واستظهر وظَهير له قال تعالى: {أية : والملائكة بعد ذلك ظهير}تفسير : [التحريم: 4]. فمعنى {ظاهرين} أنهم منصورون لأن عاقبة النصر كانت لهم فتمكنوا من الحكم في اليهود الكافرين بعيسى ومزقوهم كل ممزق.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ كُونُوۤاْ أَنصَارَ ٱللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ} الآية. في هذه الآية أيضاً إشعار المسلمين بالنصر في قوله تعالى:{أية : فَأَيَّدْنَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ عَلَىٰ عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُواْ ظَاهِرِينَ}تفسير : [الصف: 14] ولكن لم يبين فيها هل كانوا أنصار الله كما كان الحواريون أنصار الله أم لا؟ وقد جاء ما يدل على أنهم بالفعل أنصار الله كما تقدم في سورة الحشر في قوله تعالى: {أية : لِلْفُقَرَآءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُواْ مِن دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ ٱللَّهِ وَرِضْوَاناً وَيَنصُرُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ}تفسير : [الحشر: 8]. وكذلك الأنصار في قوله تعالى:{أية : وَٱلسَّابِقُونَ ٱلأَوَّلُونَ مِنَ ٱلْمُهَاجِرِينَ وَٱلأَنْصَارِ}تفسير : [التوبة: 100] وكقوله تعالى:{أية : مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ ٱللَّهِ وَٱلَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّآءُ عَلَى ٱلْكُفَّارِ رُحَمَآءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ ٱللَّهِ وَرِضْوَاناً}تفسير : [الفتح: 29] فأشداء على الكفار هو معنى ينصرون الله ورسوله، ثم جاء المثل المضروب لهم بالتآزر والتعاون في قوله تعالى:{أية : وَمَثَلُهُمْ فِي ٱلإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَٱسْتَغْلَظَ فَٱسْتَوَىٰ عَلَىٰ سُوقِهِ يُعْجِبُ ٱلزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ ٱلْكُفَّارَ}تفسير : [الفتح: 29] فسماهم أنصاراً، وبين نصرتهم سواء من المهاجرين والأنصار رضوان الله تعالى عليهم أجمعين. والعلم عند الله تعالى.

د. أسعد حومد

تفسير : {يٰأَيُّهَا} {آمَنُواْ} {لِلْحَوَارِيِّينَ} {فَآمَنَت} {طَّآئِفَةٌ} {ۤ إِسْرَائِيلَ} {آمَنُواْ} {ظَاهِرِينَ} (14) - يَأْمُرُ اللهُ تَعَالَى عِبَادَهُ المُؤْمِنينَ بِأَنْ يَكُونُوا أَنْصَاراً للهِ فِي جَمِيعِ أَحْوَالِهِمْ: بِأَقْوالِهِمْ وَأَفْعَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ، وَأَنْ يَسْتَجِيبُوا للهِ وَلِلرَّسُولِ، كَمَا اسْتَجَابَ الحَوَارِيُّونَ لِعِيسَى حِينَمَا سَأَلَهُمْ: مَنْ يُعِينُنِي فِي الدُّعْوَةِ إِلَى اللهِ؟ فَقَالَ لَهُ الحُوَارِيُّونَ: إِنَّهُمْ أَنْصَارُ اللهِ، وَإِنَّهُمْ سَيُعِينُونَهُ وَسَيُؤَازِرُونَهُ فِيمَا يَقُومُ بِهِ مِنْ إِبْلاَغِ رِسَالَةِ رَبِّهِ، فَآمَنَتْ طَائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ بِرِسَالَةِ عِيسَى، وَكَفَرَتْ طَائِفَةٌ فَجَحَدَتْ نُبُوَّتَهُ، وَرَمَتْهُ وَأَمَّهُ بِالبُهْتَانِ، وَغَلَتْ فِرَقٌ مِنْهُمْ فِي عِيسَى، فَقَالُوا: إِنَّهُ اللهُ، أَوْ إِنَّهُ ابْنُ اللهِ، أَوْ إِنَّهُ ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ، وَرَفَعُوهُ فَوْقَ مَرْتَبةِ النُّبُوَّةِ. فَأَيَّدَ اللهُ المُؤْمِنينَ المُخْلِصِينَ بِرِسَالَةِ عِيسَى بِنَصْرِهِ، وَأَظْهََرَهُمْ عَلَى مَنْ عَادَاهُمْ، وَتِلْكَ سُنَّةُ اللهِ فِي خَلْقِهِ. الحَوَارِيُونَ - أَصْفِيَاءُ عِيسَى وَخَوَاصُّهُ. فَأَيَّدْنَا - فَقَوَّيْنَا المُخْلِصِينَ بِالإِيْمَانِ. ظَاهِرِينَ - غَالِبينَ بِالحُجَجِ وَالبَيِّنَاتِ.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {كَمَا قَالَ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ} الحَواريونَ: هُم صَفوةُ الأَنبياءِ عليهم السّلامُ. وقوله تعالى: {فَأَيَّدْنَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ عَلَىٰ عَدُوِّهِمْ} معناه قَويناهُم عَليهِم {فَأَصْبَحُواْ ظَاهِرِينَ} معناه قَاهرونَ.

الجيلاني

تفسير : ثمَّ قال سبحانه: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} مقتضى إيمانكم: نصرة دين الله، وتقوية رسوله {كُونُوۤاْ} بأموالكم وأنفسكم {أَنصَارَ ٱللَّهِ} وأنصار رسوله، وقولوا في مقابلة نبيكم ما قال الحواريون في مقابلة عيسى عليه السلام {كَمَا قَالَ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ} مختبراً إخلاصهم ومحبتهم، ونهاية مرتبتهم في اليقين، ودرجتهم في أعلى عليين: {مَنْ أَنَّصَارِيۤ} وأعواني في توجهي {إِلَى ٱللَّهِ} وانتشار توحيده بين أظلاله المستمدين من أظلال أوصافه وأسمائه؟. وبعدما سمعوا منه ما سمعوا {قَالَ ٱلْحَوَارِيُّونَ} من كمال انكشافهم بالله وتوحيده، وتحققهم في مقام الشهود، وتمكنهم فيه: {نَحْنُ} الفانون في الله، الباقون ببقائه، المستغرقون بمطالعة لقائه {أَنصَارُ ٱللَّهِ} وأحباؤه؛ إذ لا مرجع لنا سواه، ولا مقصد إلا إياه. والحواريون هم أول من آمن بعيسى عليه السلام من الحور، وهو البياض، وهم اثنا عشر، سُموا به؛ لصفاء عقائدهم عن التردد والتلوين، وبعدما أظهر عيسى عليه السلام دعوته بين الأنام {فَآمَنَت} به عليه السلام {طَّآئِفَةٌ مِّن بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَت} به عليه السلام {طَّآئِفَةٌ} أخرى منهم، وبعد وقوع الخلاف والاختلاف {فَأَيَّدْنَا} وغلَّبنا الطائفة {ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} منهم {عَلَىٰ عَدُوِّهِمْ} يعني: الطائفة الذين كفروا به عليه السلام {فَأَصْبَحُواْ} وصاروا؛ أي: المؤمنون {ظَاهِرِينَ} [الصف: 14] غالبين على الكفرة بالحراب والحجة، ألا إن {أية : حِزْبَ ٱللَّهِ هُمُ ٱلْغَالِبُونَ}تفسير : [المائدة: 56]؟! جعلنا الله وعموم عباده من محبيهم، ومقتفي أثرهم بمنِّه وجوده. خاتمة السورة عليك أيها الموحد المحمدي، المنجذب نحو الحق، المنخرط في سلوك أرباب التوحيد الملقَّبين بأنصار الله، المهاجرين عن كورة بقعة الناسوت نحو مدينة الوحدة اللاهوتية، وسواد أعظم الفقر - أعانك الله إلى أن تصل أقصى مرامك، وأعلى مقامك من المعرفة والتوحيد - أن تجمع همك، وتشمر ذيلك لسلوط سبيل الفناء من طريق الموت الإرادي المثمَّر للفناء المطلق عن الفناء أيضاً؛ لتفوز بالبقاء الأزلي السرمدي، ألا وهي طريقة الحضرة الختمية المحمدية، المبعوث إلى كافة البرية؛ لبيان طريق التوحيد الذاتي، المسقط لجميع الكثرات؟! فلك أن تصفي سرك وضميرك عن نقوش مطلق المعتقدات، وصور عموم الرسوم والعادات المنافية لصرافة الوحدة الذاتية، وتقتفي أثر نبيك صلى الله عليه وسلم أمثال الحواريين أثر نبيهم بلا شوب وريب؛ لينكشف لك طريق المعرفة واليقين بعد توفيق الله، وجذب من جانبه، وطول خدمته الشريفة النبوية، والنواميس المصطفوية، وإياك إياك الالتفات إلى الدنيا وما فهيا، ليمكن لك التصفية والتخلية التي هي مقدمة الكشف والشهود. هدانا الله إلى سبيل توحيده بفضله وطوله.

النسائي

تفسير : قوله تعالى: {فَآمَنَت طَّآئِفَةٌ مِّن بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَت طَّآئِفَةٌ فَأَيَّدْنَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ عَلَىٰ عَدُوِّهِمْ} [14] 611 - أنا محمد بن العلاءِ، قال: حدثنا أبو مُعاوية، عن الأعمشِ، عن المِنهالِ بن عمرو، عن سعيد بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ قال: لما أراد اللهُ (عزَّ وجلَّ) أن يرفع عيسى، عليه السَّلامُ/ إلى السماء، خرج على أصحابه وهم في بيتٍ، أثنا عشر رجلاً، ورأسه يقطر ماءً، فقال: أيكم يُلقى شبهي عليه، فيقتلُ مكاني فيكون معي في درجتي؟ فقام شابٌ من أحدثهم سِناً، فقال: أنا: فقال: اجلس. ثم أعاد عليهم. فقام الشابُّ فقال: أنا. فقال: اجلس، ثم أعاد عليهم الثالثة. فقال الشابُّ: أنا. فقال عيسى (عليه السلام): نعم أنت، فأُلقي عليه شبهُ عيسى (عليه السلامُ)، ثم رفع عيسى من روزنةٍ كانت في البيتِ إلى/ السَّماءِ، وجاء الطَّلبُ من اليهودِ فأخذوا الشَّابَّ للشَّبهِ. فقتلوه ثم صلبوه. فتفرقوا ثلاث فرقٍ. فقالت فرقةٌ: كان فينا اللهُ (عزَّ وجلَّ) ما شاء ثم صعد إلى السَّماءِ، وهؤُلاءِ اليعقوبيةُ. وقالت فرقةٌ: كان فينا ابنُ اللهِ ما شاء [الله] ثم رفعه اللهُ إليه وهؤلاءِ النّسطوريَّة. وقالت طائفةٌ: كان فينا عبد اللهِ ورسوله ما شاء [الله] ثم رفَعَهُ اللهُ [فَـ]ـهؤلاءِ المُسلمون. فتظاهرتِ الكافرتانِ على المُسلمة فقتلوها، فلم يزل الإسلامُ طامساً حتى بعث اللهُ محمداً صلى الله عليه وسلم فأنزل اللهِ عزَّ وجلَّ {فَآمَنَت طَّآئِفَةٌ مِّن بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَت طَّآئِفَةٌ} يعني: الطَّائفة التي كفرت في زمان عيسى، عليه السلامُ. والطَّائفة التي آمنت في زمانِ عيسى {فَأَيَّدْنَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ عَلَىٰ عَدُوِّهِمْ} بإِظهار محمدٍ صلى الله عليه وسلم دينهم على دين الكُفَّارِ {فَأَصْبَحُواْ ظَاهِرِينَ}.

همام الصنعاني

تفسير : 3212- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، قال: تلا قتادة: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ كُونُوۤاْ أَنصَارَ ٱللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنَّصَارِيۤ إِلَى ٱللَّهِ}: [الآية: 14]، فقال: فقد كان ذلك بحمد الله قد جاءه سبعون رَجُلاً، فبايعوه عند العقبة، ونصروه وأووه حتى أظهر الله دينه، ولم يسم حي من السَّماءِ قط بسام لم يكن لَهُمْ قبل ذَلِكَ غيرهم. 3213- عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة: أنَّ الحواريين كلهم مِنْ قريش: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وحمزة، وجعفر، وأبو عبيدة بن الجراح، وعثمان بن معظعون، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص، وطلحة بن عبيد الله، والزبير بن العوَّام.