Verse. 5178 (AR)

٦٢ - ٱلْجُمُعَة

62 - Al-Jumu'aa (AR)

يُسَـبِّحُ لِلہِ مَا فِي السَّمٰوٰتِ وَمَا فِي الْاَرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوْسِ الْعَزِيْزِ الْحَكِـيْمِ۝۱
Yusabbihu lillahi ma fee alssamawati wama fee alardi almaliki alquddoosi alAAazeezi alhakeemi

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«يسبح لله» ينزهه فاللام زائدة «ما في السماوات وما في الأرض» في ذكر ما تغليب للأكثر «الملك القدوس» المنزه عما لا يليق به «العزيز الحكيم» في ملكه وصنعه.

1

Tafseer

الرازي

تفسير : وجه تعلق هذه السورة بما قبلها هو أنه تعالى قال في أول تلك السورة: {أية : سَبَّحَ للَّهِ } تفسير : [الصف: 1] بلفظ الماضي وذلك لا يدل على التسبيح في المستقبل، فقال في أول هذه السورة بلفظ المستقبل ليدل على التسبيح في زماني الحاضر والمستقبل، وأما تعلق الأول بالآخر، فلأنه تعالى ذكر في آخر تلك السورة أنه كان يؤيد أهل الإيمان حتى صاروا عالين على الكفار،وذلك على وفق الحكمة لا للحاجة إليه إذ هو غني على الإطلاق، ومنزه عما يخطر ببال الجهلة في الآفاق، وفي أول هذه السورة ما يدل على كونه مقدساً ومنزهاً عما لا يليق بحضرته العالية بالاتفاق، ثم إذا كان خلق السموات والأرض بأجمعهم في تسبيح حضرة الله تعال فله الملك، كما قال تعالى: {أية : يُسَبّحُ لِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ لَهُ ٱلْمُلْكُ } تفسير : [التغابن: 1] ولا ملك أعظم من هذا، وهو أنه خالقهم ومالكهم وكلهم في قبضة قدرته وتحت تصرفه، يسبحون له آناء الليل وأطراف النهار بل في سائر الأزمان، كما مر في أول تلك السورة، ولما كان الملك كله له فهو الملك على الإطلاق، ولما كان الكل بخلقه فهو المالك، والمالك والملك أشرف من المملوك، فيكون متصفاً بصفات يحصل منها الشرف، فلا مجال لما ينافيه من الصفات فيكون قدوساً، فلفظ {ٱلْمَلِكِ } إشارة إلى إثبات ما يكون من الصفات العالية، ولفظ {ٱلْقُدُّوسِ } هو إشارة إلى نفي مالا يكون منها، وعن الغزالي {ٱلْقُدُّوسِ } المنزه عما يخطر ببال أوليائه، وقد مر تفسيره وكذلك {ٱلعَزِيزِ ٱلحَكِيمِ } ثم الصفات المذكورة قرئت بالرفع على المدح، أي هو الملك القدوس، ولو قرئت بالنصب لكان وجهاً، كقول العرب: الحمد لله أهل الحمد، كذا ذكره في «الكشاف»، ثم في الآية مباحث: الأول: قال تعالى: {يُسَبّحُ لِلَّهِ } ولم يقل: يسبح الله، فما الفائدة؟ نقول: هذا من جملة ما يجري فيه اللفظان: كشكره وشكر له، ونصحه ونصح له. الثاني: {ٱلْقُدُّوسِ } من الصفات السلبية، وقيل: معناه المبارك. الثالث: لفظ {ٱلْحَكِيمِ } يطلق على الغير أيضاً، كما قيل في لقمان: إنه حكيم، نقول: الحكيم عند أهل التحقيق هو الذي يضع الأشياء (في) مواضعها، والله تعالى حكيم بهذا المعنى. ثم إنه تعالى بعدما فرغ من التوحيد والتنزيه شرع في النبوة فقال:

القرطبي

تفسير : تقدّم الكلام فيه. وقرأ أبو العالية ونصر بن عاصم «ٱلْمَلِكُ ٱلْقُدُّوسُ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ». كلها رفعاً؛ أي هو الملك.

البيضاوي

تفسير : مدنية وآيها إحدى وعشرة آية بسم الله الرحمن الرحيم {يُسَبّحُ لِلَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ ٱلْمَلِكِ ٱلْقُدُّوسِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَكِيمِ} وقد قرىء الصفات الأربع بالرفع على المدح. {هُوَ ٱلَّذِى بَعَثَ فِى ٱلأُمّيّينَ} أي في العرب لأن أكثرهم لا يكتبون ولا يقرؤون. {رَسُولاً مّنْهُمْ } من جملتهم أمياً مثلهم. {يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ ءايَـٰتِهِ} من كونه أمياً مثلهم لم يعهد منه قراءة ولا تعلم. {وَيُزَكّيهِمْ } من خبائث العقائد والأعمال. {وَيُعَلّمُهُمُ ٱلْكِتَـٰبَ وَٱلْحِكْمَةَ } القرآن والشريعة، أو معالم الدين من المنقول والمعقول، ولو لم يكن له سواه معجزة لكفاه. {وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِى ضَلَـٰلٍ مُّبِينٍ } من الشرك وخبث الجاهلية، وهو بيان لشدة احتياجهم إلى نبي يرشدهم، وإزاحة لما يتوهم أن الرسول تعلم ذلك من معلم، و {إن } هي المخففة واللام تدل عليها. {وَءاخَرِينَ مِنْهُمْ } عطف على {ٱلأمّيّينَ }، أو المنصوب في {يَعْلَمُهُمْ } وهم الذين جاؤوا بعد الصحابة إلى يوم الدين، فإن دعوته وتعليمه يعم الجميع. {لَمَّا يَلْحَقُواْ بِهِمْ } لم يلحقوا بهم بعد وسيلحقون. {وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ } في تمكينه من هذا الأمر الخارق للعادة. {ٱلْحَكِيمُ } في اختياره وتعليمه. {ذٰلِكَ فَضْلُ ٱللَّهِ } ذلك الفضل الذي امتاز به عن أقرانه فضله. {يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ } تفضلاً وعطية. {وَٱللَّهُ ذُو ٱلْفَضْلِ ٱلْعَظِيمِ } الذي يستحقر دونه نعيم الدنيا، أو نعيم الآخرة أو نعميهما. {مَثَلُ ٱلَّذِينَ حُمّلُواْ ٱلتَّوْرَاةَ } علموها وكلفوا العمل بها. {ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا } لم يعملوا بها أو لم ينتفعوا بما فيها. {كَمَثَلِ ٱلْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً } كتباً من العلم يتعب في حملها ولا ينتفع بها، ويحمل حال والعامل فيه معنى المثل أو صفة إذ ليس المراد من {ٱلْحِمَارِ } معيناً. {بِئْسَ مَثَلُ ٱلْقَوْمِ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِـئَايَـٰتِ ٱللَّهِ } أي مثل الذين كذبوا وهم اليهود المكذبون بآيات الله الدالة على نبوة محمد عليه الصلاة والسلام، ويجوز أن يكون الذين صفة للقوم والمخصوص بالذم محذوفاً. {وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلظَّـٰلِمِينَ }. {قُلْ يٰ أَيُّهَا ٱلَّذِينَ هَادُواْ } تهودوا. {إِن زَعمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ مِن دُونِ ٱلنَّاسِ } إذ كانوا يقولون نحن أبناء الله وأحباؤه. {فَتَمَنَّوُاْ ٱلْمَوْتَ } فتمنوا من الله أن يميتكم وينقلكم من دار البلية إلى محل الكرامة. {إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ } في زعمكم.

ابن كثير

تفسير : يخبر تعالى أنه يسبح له ما في السموات وما في الأرض، أي: من جميع المخلوقات، ناطقها وجامدها؛ كما قال تعالى: {أية : وَإِن مِّن شَىْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ} تفسير : [الإسراء: 44] ثم قال تعالى: {ٱلْمَلِكِ ٱلْقُدُّوسِ} أي: هو مالك السموات والأرض، المتصرف فيهما بحكمه، وهو المقدس، أي: المنزه عن النقائص، الموصوف بصفات الكمال {ٱلعَزِيزِ ٱلحَكِيمِ} تقدم تفسيرهما غير مرة. وقوله تعالى: {هُوَ ٱلَّذِى بَعَثَ فِى ٱلأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِّنْهُمْ} الأميون: هم العرب، كما قال تعالى: {أية : وَقُلْ لِّلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ وَٱلأُمِّيِّينَ ءَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُواْ فَقَدِ ٱهْتَدَواْ وَّإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ ٱلْبَلَـٰغُ وَٱللَّهُ بَصِيرٌ بِٱلْعِبَادِ} تفسير : [آل عمران: 20] وتخصيص الأميين بالذكر لا ينفي من عداهم، ولكن المنة عليهم أبلغ وأكثر؛ كما قال تعالى في قوله: {أية : وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ} تفسير : [الزخرف: 44] وهو ذكر لغيرهم يتذكرون به، وكذا قال تعالى: {أية : وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ ٱلأَقْرَبِينَ} تفسير : [الشعراء: 214] وهذا وأمثاله لا ينافي قوله تعالى: {أية : قُلْ يَٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنِّى رَسُولُ ٱللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا} تفسير : [الأعراف: 158] وقوله: {أية : لأُنذِرَكُمْ بِهِ وَمَن بَلَغَ} تفسير : [الأنعام: 19] وقوله تعالى إخباراً عن القرآن: {أية : وَمَن يَكْفُرْ بِهِ مِنَ ٱلأَحْزَابِ فَٱلنَّارُ مَوْعِدُهُ} تفسير : [هود: 17] إلى غير ذلك من الآيات الدالة على عموم بعثته، صلوات الله وسلامه عليه، إلى جميع الخلق أحمرهم وأسودهم، وقد قدمنا تفسير ذلك في سورة الأنعام بالآيات والأحاديث الصحيحة، ولله الحمد والمنة. وهذه الآية هي مصداق إجابة الله لخليله إبراهيم، حين دعا لأهل مكة أن يبعث الله فيهم رسولاً منهم، يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة، فبعثه الله سبحانه وتعالى، وله الحمد والمنة، على حين فترة من الرسل، وطموس من السبل، وقد اشتدت الحاجة إليه، وقد مقت الله أهل الأرض عربهم وعجمهم، إلا بقايا من أهل الكتاب، أي: نزراً يسيراً ممن تمسك بما بعث الله به عيسى ابن مريم عليه السلام، ولهذا قال تعالى: {هُوَ ٱلَّذِى بَعَثَ فِى ٱلأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ ءَايَـٰتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ ٱلْكِتَـٰبَ وَٱلْحِكْمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِى ضَلَلٍ مُّبِينٍ} وذلك أن العرب كانوا قديماً متمسكين بدين إبراهيم الخليل عليه السلام، فبدلوه وغيروه وقلبوه وخالفوه واستبدلوا بالتوحيد شركاً، وباليقين شكاً، وابتدعوا أشياء لم يأذن بها الله، وكذلك أهل الكتاب قد بدلوا كتبهم وحرفوها وغيروها وأولوها، فبعث الله محمداً صلوات الله وسلامه عليه بشرع عظيم، كامل شامل لجميع الخلق، فيه هدايتهم، والبيان لجميع ما يحتاجون إليه من أمر معاشهم ومعادهم، والدعوة لهم إلى ما يقربهم إلى الجنة ورضا الله عنهم، والنهي عما يقربهم إلى النار وسخط الله تعالى، حاكم فاصل لجميع الشبهات والشكوك والريب في الأصول والفروع، وجمع له تعالى، وله الحمد والمنة، جميع المحاسن ممن كان قبله، وأعطاه ما لم يعط أحداً من الأولين، ولا يعطيه أحداً من الآخرين، فصلوات الله وسلامه عليه دائماً إلى يوم الدين. وقوله تعالى: { وَءَاخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُواْ بِهِمْ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ} قال الإمام أبو عبد الله البخاري رحمه الله تعالى: حدثنا عبد العزيز بن عبد الله، حدثنا سليمان بن بلال عن ثور عن أبي الغيث عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: كنا جلوساً عند النبي صلى الله عليه وسلم فأنزلت عليه سورة الجمعة: {وَءَاخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُواْ بِهِمْ} قالوا: من هم يا رسول الله؟ فلم يراجعهم حتى سُئل ثلاثاً، وفينا سلمان الفارسي، فوضع رسول الله صلى الله عليه وسلم يده على سلمان الفارسي، ثم قال: «حديث : لو كان الإيمان عند الثريا لناله رجال ــــ أو رجل ــــ من هؤلاء» تفسير : ورواه مسلم، والترمذي، والنسائي وابن أبي حاتم، وابن جرير، من طرق، عن ثور بن زيد الديلي، عن سالم أبي الغيث عن أبي هريرة، به. ففي هذا الحديث دليل على أن هذه السورة مدنية، وعلى عموم بعثته صلى الله عليه وسلم إلى جميع الناس؛ لأنه فسر قوله تعالى: {وَءَاخَرِينَ مِنْهُمْ} بفارس، ولهذا كتب كتبه إلى فارس والروم وغيرهم من الأمم، يدعوهم إلى الله عز وجل، وإلى اتباع ما جاء به، ولهذا قال مجاهد وغير واحد في قوله تعالى: {وَءَاخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُواْ بِهِمْ} قال: هم الأعاجم، وكل من صدق النبي صلى الله عليه وسلم من غير العرب، وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا إبراهيم بن العلاء الزبيدي، حدثنا الوليد بن مسلم، حدثنا أبو محمد عيسى بن موسى عن أبي حازم عن سهل بن سعد الساعدي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : إن في أصلاب أصلاب أصلاب رجال ونساء من أمتي يدخلون الجنة بغير حساب» تفسير : ثم قرأ: {وَءَاخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُواْ بِهِمْ} يعني: بقية من بقي من أمة محمد صلى الله عليه وسلم. وقوله تعالى: {وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ} أي: ذو العزة والحكمة في شرعه وقدره. وقوله تعالى: { ذَلِكَ فَضْلُ ٱللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ وَٱللَّهُ ذُو ٱلْفَضْلِ ٱلْعَظِيمِ} يعني: ما أعطاه الله محمداً صلى الله عليه وسلم من النبوة العظيمة، وما خص به أمته من بعثته صلى الله عليه وسلم إليهم.

المحلي و السيوطي

تفسير : {يُسَبِّحُ لِلَّهِ } ينزهه فاللام زائدة {مَا فِي ٱلسَّمَٰوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ } في ذكر «ما» تغليب للأكثر {ٱلْمَلِكِ ٱلْقُدُّوسِ } المنزه عما لا يليق به {ٱلعَزِيزِ ٱلحَكِيمِ } في ملكه وصنعه.

الشوكاني

تفسير : قوله: {يُسَبّحُ لِلَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَمَا فِي ٱلأرْضِ} قد تقدم تفسير هذا في أوّل سورة الحديد، وما بعدها من المسبحات {ٱلْمَلِكِ ٱلْقُدُّوسِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَكِيمِ } قرأ الجمهور بالجرّ في هذه الصفات الأربع على أنها نعت لـ {لله}، وقيل: على البدل، والأوّل أولى. وقرأ أبو وائل بن محارب، وأبو العالية، ونصر بن عاصم، ورؤبة بالرفع على إضمار مبتدأ. وقرأ الجمهور: {القدوس} بضم القاف، وقرأ زيد بن علي بفتحها، وقد تقدم تفسيره. {هُوَ ٱلَّذِى بَعَثَ فِى ٱلأمّيّينَ رَسُولاً مّنْهُمْ } المراد بالأميين: العرب، من كان يحسن الكتابة منهم ومن لا يحسنها؛ لأنهم لم يكونوا أهل كتاب، والأميّ في الأصل: الذي لا يكتب ولا يقرأ المكتوب، وكان غالب العرب كذلك، وقد مضى بيان معنى الأميّ في سورة البقرة، ومعنى {مِنْهُمْ }: من أنفسهم، ومن جنسهم، ومن جملتهم، وما كان حيّ من أحياء العرب إلاّ ولرسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم قرابة، ووجه الامتنان بكونه منهم أن ذلك أقرب إلى الموافقة؛ لأن الجنس أميل إلى جنسه وأقرب إليه {يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ ءايَـٰتِهِ } يعني: القرآن مع كونه أمياً لا يقرأ ولا يكتب، ولا تعلم ذلك من أحد، والجملة صفة لـ {رسولاً}، وكذا قوله: {وَيُزَكّيهِمْ } قال ابن جريج، ومقاتل: أي: يطهرهم من دنس الكفر والذنوب، وقال السديّ: يأخذ زكاة أموالهم، وقيل: يجعلهم أزكياء القلوب بالإيمان {وَيُعَلّمُهُمُ ٱلْكِتَـٰبَ وَٱلْحِكْمَةَ } هذه صفة ثالثة لـ {رسولاً}، والمراد بالكتاب: القرآن، وبالحكمة: السنة، كذا قال الحسن. وقيل: الكتاب: الخط بالقلم، والحكمة: الفقه في الدين، كذا قال مالك بن أنس {وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِى ضَلَـٰلٍ مُّبِينٍ } أي: وإن كانوا من قبل بعثته فيهم في شرك وذهاب عن الحق. {وَءاخَرِينَ مِنْهُمْ } معطوف على الأميين أي: بعث في الأميين، وبعث في آخرين منهم {لَمَّا يَلْحَقُواْ بِهِمْ } ذلك الوقت، وسيلحقون بهم من بعد، أو هو معطوف على المفعول الأوّل في {يعلمهم}، أي: ويعلم آخرين، أو على مفعول {يزكيهم}، أي: يزكيهم ويزكي آخرين منهم، والمراد بالآخرين: من جاء بعد الصحابة إلى يوم القيامة، وقيل: المراد بهم من أسلم من غير العرب. وقال عكرمة: هم التابعون. وقال مجاهد: هم الناس كلهم، وكذا قال ابن زيد، والسديّ، وجملة: {لَمَّا يَلْحَقُواْ بِهِمْ } صفة لـ {آخرين}، والضمير في "منهم" و"لهم" راجع إلى الأميين، وهذا يؤيد أن المراد بالآخرين هم من يأتي بعد الصحابة من العرب خاصة إلى يوم القيامة، وهو صلى الله عليه وسلم، وإن كان مرسلاً إلى جميع الثقلين، فتخصيص العرب ها هنا لقصد الامتنان عليهم، وذلك لا ينافي عموم الرسالة، ويجوز أن يراد بالآخرين: العجم؛ لأنهم وإن لم يكونوا من العرب فقد صاروا بالإسلام منهم، والمسلمون كلهم أمة واحدة وإن اختلفت أجناسهم {وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ } أي: بليغ العزة والحكمة، والإشارة بقوله: {ذٰلِكَ } إلى ما تقدّم ذكره. وقال الكلبي: يعني: الإسلام. وقال قتادة: يعني: الوحي والنبوّة. وقيل: إلحاق العجم بالعرب، وهو مبتدأ، وخبره {فَضْلُ ٱللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء } أي: يعطيه من يشاء من عباده {وَٱللَّهُ ذُو ٱلْفَضْلِ ٱلْعَظِيمِ } الذي لا يساويه فضل ولا يدانيه. {مَثَلُ ٱلَّذِينَ حُمّلُواْ ٱلتَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا } ضرب سبحانه لليهود الذين تركوا العمل بالتوراة مثلاً فقال: {مَثَلُ ٱلَّذِينَ حُمّلُواْ ٱلتَّوْرَاةَ } أي: كلفوا القيام بها والعمل بما فيها {ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا } أي: لم يعملوا بموجبها، ولا أطاعوا ما أمروا به فيها {كَمَثَلِ ٱلْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً } هي جمع سفر، وهو الكتاب الكبير؛ لأنه يسفر عن المعنى إذا قرىء. قال ميمون بن مهران: الحمار لا يدري أسفر على ظهره أم زبل؟ فهكذا اليهود. وقال الجرجاني: هو يعني: حملوا من الحمالة بمعنى الكفالة أي: ضمنوا أحكام التوراة، وقوله: {يَحْمِلُ } في محلّ نصب على الحال، أو صفة للحمار، إذ ليس المراد به حماراً معيناً، فهو في حكم النكرة، كما في قول الشاعر:شعر : ولقد أمر على اللئيم يسبني فمضيت ثم وقلت لا يعنيني تفسير : {بِئْسَ مَثَلُ ٱلْقَوْمِ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِـئَايَـٰتِ ٱللَّهِ } أي: بئس مثلاً مثل القوم الذين كذبوا بآيات الله، على أن التمييز محذوف، والفاعل المفسر به مضمر، و{مثل القوم} هو المخصوص بالذم، أو {مثل القوم} فاعل {بئس}، والمخصوص بالذمّ الموصول بعده على حذف مضاف، أي: مثل الذين كذبوا، ويجوز أن يكون الموصول صفة للقوم، فيكون في محل جرّ، والمخصوص بالذمّ محذوف، والتقدير: بئس مثل القوم المكذبين مثل هؤلاء {وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلظَّـٰلِمِينَ } يعني: على العموم، فيدخل فيهم اليهود دخولاً أوّلياً. {قُلْ يأيها ٱلَّذِينَ هَادُواْ إِن زَعمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاء لِلَّهِ مِن دُونِ ٱلنَّاسِ } المراد: بالذين هادوا الذين تهوّدوا، وذلك أن اليهود ادّعوا الفضيلة على الناس، وأنهم أولياء الله من دون الناس، كما في قولهم: {أية : نَحْنُ أَبْنَاء ٱللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ }تفسير : [المائدة: 18] وقولهم: {أية : لَن يَدْخُلَ ٱلْجَنَّةَ إِلاَّ مَن كَانَ هُودًا أَوْ نَصَـٰرَىٰ }تفسير : [البقرة: 111] فأمر الله سبحانه رسوله أن يقول لهم لما ادّعوا هذه الدعوى الباطلة {فَتَمَنَّوُاْ ٱلْمَوْتَ } لتصيروا إلى ما تصيرون إليه من الكرامة في زعمكم {إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ } في هذا الزعم، فإن من علم أنه من أهل الجنة أحبّ الخلوص من هذه الدار. قرأ الجمهور: {فتمنوا} بضم الواو، وقرأ ابن السميفع بفتحها تخفيفاً، وحكى الكسائي إبدال الواو همزة، ثم أخبر الله سبحانه أنهم لا يفعلون ذلك أبداً بسبب ذنوبهم فقال: {وَلاَ يَتَمَنَّونَهُ أَبَداً بِمَا قَدَّمَتْ أَيْديهِمْ } أي: بسبب ما عملوا من الكفر والمعاصي، والتحريف والتبديل {وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِٱلظَّـٰلِمينَ } يعني: على العموم، وهؤلاء اليهود داخلون فيهم دخولاً أوّلياً. ثم أمر الله سبحانه رسوله أن يقول لهم بأن الفرار من الموت لا ينجيهم، وأنه نازل بهم، فقال: {قُلْ إِنَّ ٱلْمَوْتَ ٱلَّذِى تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَـٰقِيكُمْ } لا محالة، ونازل بكم بلا شك، والفاء في قوله: "فَإِنَّهُ" داخلة لتضمن الاسم معنى الشرط، قال الزجاج: لا يقال: إن زيداً فمنطلق، وها هنا قال: فإنه ملاقيكم لما في معنى الذي من الشرط والجزاء، أي: إن فررتم منه، فإنه ملاقيكم، ويكون مبالغة في الدلالة على أنه لا ينفع الفرار منه، وقيل: إنها مزيدة، وقيل: إن الكلام قد تمّ عند قوله {تَفِرُّونَ مِنْهُ } ثم ابتدأ فقال {فَإِنَّهُ مُلَـٰقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَىٰ عَـٰلِمِ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَـٰدَةِ } وذلك يوم القيامة {فَيُنَبّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ } من الأعمال القبيحة، ويجازيكم عليها. وقد أخرج ابن المنذر، والحاكم، والبيهقي في الشعب عن عطاء بن السائب عن ميسرة أن هذه الآية مكتوبة في التوراة بسبعمائة آية: {يُسَبّحُ لِلَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَمَا فِي ٱلأرْضِ ٱلْمَلِكِ ٱلْقُدُّوسِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَكِيمِ } أوّل سورة الجمعة. وأخرج البخاري، ومسلم، وغيرهما عن ابن عمر عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إنّا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب»تفسير : . وأخرج البخاري، وغيره عن أبي هريرة قال: كنا جلوساً عند النبي صلى الله عليه وسلم حين نزلت سورة الجمعة، فتلاها، فلما بلغ {وَءاخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُواْ بِهِمْ } قال له رجل: يا رسول الله من هؤلاء الذين لم يلحقوا بنا؟ فوضع يده على سلمان الفارسي، وقال: «حديث : والذي نفسي بيده لو كان الإيمان بالثريا لناله رجال من هؤلاء»تفسير : . وأخرجه أيضاً مسلم من حديثه مرفوعاً بلفظ: «حديث : لو كان الإيمان عند الثريا لذهب به رجال من فارس، - أو قال -: من أبناء فارس»تفسير : . وأخرج سعيد بن منصور، وابن مردويه عن قيس بن سعد بن عبادة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : لو كان الإيمان بالثريا لناله ناس من أهل فارس»تفسير : . وأخرج الطبراني، وابن مردويه، والضياء عن سهل بن سعد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن في أصلاب أصلاب أصلاب رجال من أصحابي رجالاً ونساء من أمتي يدخلون الجنة بغير حساب»تفسير : ، ثم قرأ {وَءاخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُواْ بِهِمْ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ }. وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس في قوله: {ذٰلِكَ فَضْلُ ٱللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء } قال: الدين. وأخرج عبد بن حميد من طريق الكلبي عن أبي صالح عنه {مَثَلُ ٱلَّذِينَ حُمّلُواْ ٱلتَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا } قال: اليهود. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم عنه أيضاً في قوله: {أَسْفَاراً } قال: كتباً.

الماوردي

تفسير : {يسبح لله ما في السموات وما في الأرض الملك القدوس العزيز الحكيم} {هو الذي بعث في الأميين رسولاً منهم يتلوا عليهم ءاياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين}. {بعث في الأميين رسولاً منهم} يعني في العرب، وفي تسميتهم أميين قولان: أحدهما: لأنه لم ينزل عليهم كتاب، قاله ابن زيد. الثاني: لأنهم لم يكونوا يكتبون ولا كان فيهم كاتب، قاله قتادة. ثم فيهم قولان: أحدهما: أنهم قريش خاصة لأنها لم تكن تكتب حتى تعلم بعضها في آخر الجاهلية من أهل الحيرة. الثاني: أنهم جميع العرب لأنه لم يكن لهم كتاب ولا كتب منهم إلا قليل، قاله المفضل. فلو قيل: فما وجه الامتنان بأن بعث نبياً أمياً؟ فالجواب عنه ثلاثة أوجه: احدها: لموافقته ما تقدمت بشارة الأنبياء به. الثاني: لمشاكلة حاله لأحوالهم، فيكون أقرب إلى موافقتهم. الثالث: لينتفي عنه سوء الظن في تعلمه ما دعا إليه من الكتب التي قرأها والحكم التي تلاها. {يتلوا عليهم ءاياته} يعني القرآن. {ويزكيهم} فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: يجعلهم أزكياء القلوب بالإيمان، وهو معنى قول ابن عباس. الثاني: يطهرهم من الكفر والذنوب، قاله ابن جريج ومقاتل. الثالث: يأخذ زكاة أعمالهم، قاله السدي. {ويعلمهم الكتاب} فيه ثلاثة تلأويلات: أحدها: أنه القرآن، قاله الحسن. الثاني: أنه الخط بالقلم، قاله ابن عباس، لأن الخط إنما فشا في العرب بالشرع لما أمروا بتقييده بالخط. الثالث: معرفة الخير والشر كما يعرفونه بالكتاب ليفعلوا الخير ويكفوا عن الشر، وهذا معنى قول محمد بن إسحق. {والحكمة} فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: أن الحكمة السنة، قاله الحسن. الثاني: أنه الفقه في الدين، وهو قول مالك بن أنس. الثالث: أنه الفهم والاتعاظ، قاله الأعمش. {وءاخرين منهم لما يلحقوا بهم}أي ويعلم آخرين ويزكيهم، وفيه أربعة أقاويل: أحدها: أنهم المسلمون بعد الصحابة، قاله ابن زيد. الثاني: أنهم العجم بعد العرب، قاله الضحاك وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "حديث : رأيت في منامي غنماً سوداً تتبعها غنم عفر" تفسير : فقال أبو بكر: يا رسول الله تلك العرب يتبعها العجم، فقال: "حديث : كذلك عبرها لي الملك ". تفسير : الثالث: أنهم الملوك أبناء الأعاجم، قاله مجاهد. الرابع: أنهم الأطفال بعد الرجال. ويحتمل خامساً: أنهم النساء بعد الرجال. {ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء} فيها ثلاثة أقاويل: أحدها: أنها النبوة التي خص الله بها رسوله هي فضل الله يؤتيه من يشاء، قاله مقاتل. الثاني: الإسلام الذي آتاه الله من شاء من عباده، قاله الكلبي. الثالث: ما روي أنه قيل يا رسول الله ذهب أهل الدثور بالأجور، فأمر ذوي الفاقة بالتسبيح والتحميد والتكبير بدلاً من التصدق بالأموال، ففعل الأغنياء مثل ذلك، فقيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "حديث : ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهَ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ" تفسير : قاله أبو صالح. ويحتمل خامساً: أنه انقياد الناس إلى تصديقه صلى الله عليه وسلم ودخولهم في دينه ونصرته.

ابن عطية

تفسير : تقدم القول في لفظ الآية الأولى، واختلفت القراءة في إعراب الصفات في آخرها. فقرأ جمهور الناس: "الملكِ" بالخفض نعتاً {لله}، وكذلك ما بعده، وقرأ أبو وائل شقيق بن سلمة وأبو الدينار: "الملكُ" بالرفع على القطع، وفتح أبو الدينار القاف من "القَدوس"، و {الأميين}: يراد بهم العرب، والأمي في اللغة الذي لا يكتب ولا يقرأ كتاباً، قيل هو منسوب إلى الأم، أي هو على الخلقة الأولى في بطن أمه، وقيل هو منسوب إلى الأمة، أي على سليقة البشر دون تعلم، وقيل منسوب إلى أم القرى وهي مكة وهذا ضعيف، لأن الوصف بـ {الأميين} على هذا يقف على قريش، وإنما المراد جميع العرب، وفيهم قال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : إنا أمة أمية لا نحسب ولا نكتب الشهر هكذا وهكذا ". تفسير : وهذه الآية تعديد نعمة الله عندهم فيما أولاهم، والآية المتلوة: القرآن {يزكيهم} معناه: يطهرهم من الشرك وينمي الخير فيهم، و {الكتاب}: الوحي المتلو، {والحكمة}: السنة التي هي لسانه عليه السلام، ثم أظهر تعالى تأكيد النعمة بذكر حالهم التي كانت في الضد من الهداية، وذلك في قوله تعالى: {وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين}، {وآخرين} في موضع خفض عطفاً على {الأميين} وفي موضع نصب عطفاً على الضمائر المتقدمة. واختلف الناس في المعنيين بقوله: {وآخرين} من هم؟ فقال أبو هريرة وغيره: أراد فارساً، وقد سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم: من الآخرون؟ فأخذ بيد سلمان وقال: "حديث : لو كان الدين في الثريا لناله رجال من هؤلاء". تفسير : أخرجه مسلم. وقال سعيد بن جبير ومجاهد: أراد الروم والعجم، فقوله تعالى: {منهم} على هذين القولين: إنما يريد في البشرية والإيمان كأنه قال: وفي آخرين من الناس: وقال مجاهد وعكرمة ومقاتل: أراد التابعين من أبناء العرب، فقوله: {منهم} يريد به النسب والإيمان، وقال ابن زيد ومجاهد والضحاك وابن حبان: أراد بقوله: {وآخرين} جميع طوائف الناس، ويكون منهم في البشرية والإيمان على ما قلناه وذلك أنا نجد بعثه عليه السلام إلى جميع الخلائق، وقال ابن عمر لأهل اليمن: أنتم هم، وقوله تعالى: {لما يلحقوا} نفي لما قرب من الحال، والمعنى أنهم مزمعون أن يلحقوا فهي "لم" زيدت عليها "ما" تأكيداً. قال سيبويه "لما" نفي قولك قد فعل، و "لن" قولك فعل دون قد، وقوله تعالى: {ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء} الآية، تبيين لموقع النعمة، وتخصيصه إياهم بها.

النسفي

تفسير : {يُسَبّحُ لِلَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوٰتِ وَمَا فِى ٱلأَرْضِ ٱلْمَلِكِ ٱلْقُدُّوسِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَكِيمِ } التسبيح إما أن يكون تسبيح خلقة يعني إذا نظرت إلى كل شيء دلتك خلقته على وحدانية الله تعالى وتنزيهه عن الأشباه، أو تسبيح معرفة بأن يجعل الله بلطفه في كل شيء ما يعرف به الله تعالى وينزهه، ألا ترى إلى قوله {أية : وَإِن مّن شَىْء إِلاَّ يُسَبّحُ بِحَمْدَهِ وَلَـٰكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ }تفسير : [الإسراء: 44] أو تسبيح ضرورة بأن يجري الله التسبيح على كل جوهر من غير معرفة له بذلك {هُوَ ٱلَّذِى بَعَثَ } أرسل {فِى ٱلأُمّيِينَ رَسُولاً مّنْهُمْ } أي بعث رجلاً أمياً في قوم أميين. وقيل {مِنْهُمْ } كقوله {أية : مّنْ أَنفُسِكُمْ }تفسير : [التوبة: 128] يعلمون نسبه وأحواله. والأمي منسوب إلى أمة العرب لأنهم كانوا لا يكتبون ولا يقرؤون من بين الأمم. وقيل: بدئت الكتابة بالطائف وهم أخذوها من أهل الحيرة وأهل الحيرة من أهل الأنبار {يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ ءايَـٰتِهِ } القرآن {وَيُزَكّيهِمْ } ويطهرهم من الشرك وخبائث الجاهلية {وَيُعَلّمُهُمُ ٱلْكِتَـٰبَ } القرآن {وَٱلْحِكْــمَةِ } السنة أو الفقه في الدين {وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلِ } من قبل محمد صلى الله عليه وسلم {لَفِى ضَلَـٰلٍ مُّبِينٍ } كفر وجهالة، و«إن» مخففة من الثقيلة واللام دليل عليها أي كانوا في ضلال لا ترى ضلالاً أعظم منه. {وَءاخَرِينَ مِنْهُمْ } مجرور معطوف على {ٱلأَمّيّينَ } يعني أنه بعثه في الأميين الذين على عهده وفي آخرين من الأميين {لَمَّا يَلْحَقُواْ بِهِمْ } أي لم يلحقوا بهم بعد وسيلحقون بهم وهم الذين بعد الصحابة رضي الله عنهم، أو هم الذين يأتون من بعدهم إلى يوم الدين. وقيل: هم العجم. أو منصوب معطوف على المنصوب في {وَيُعَلّمُهُمُ } أي يعلمهم ويعلم آخرين لأن التعليم إذا تناسق إلى آخر الزمان كان كله مستنداً إلى أوله فكأنه هو الذي تولى كل ما وجد منه {وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ } في تمكينه رجلاً أمياً من ذلك الأمر العظيم وتأييده عليه واختياره إياه من بين كافة البشر {ذٰلِكَ } الفضل الذي أعطاه محمداً وهو أن يكون نبي أبناء عصره ونبي أبناء العصور الغوابر هو {فَضْلُ ٱللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء } إعطاءه وتقتضيه حكمته {وَٱللَّهُ ذُو ٱلْفَضْلِ ٱلْعَظِيمِ مَثَلُ ٱلَّذِينَ حُمّلُواْ ٱلتَّوْرَاةَ } أي كلفوا علمها والعمل بما فيها {ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا } ثم لم يعملوا بها فكأنهم لم يحملوها {كَمَثَلِ ٱلْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً } جمع سفر وهو الكتاب الكبير و{يَحْمِلُ } في محل النصب على الحال أو الجر على الوصف لأن الحمار كاللئيم في قوله: شعر : ولقد أمر على اللئيم يسبني تفسير : شبه اليهود في أنهم حملة التوراة وقراؤها وحفاظ ما فيها ثم لم يعملوا بها ولم ينتفعوا بآياتها، وذلك أن فيها نعت رسول الله صلى الله عليه وسلم والبشارة به فلم يؤمنوا به بالحمار حمل كتباً كباراً من كتب العلم فهو يمشي بها ولا يدري منها إلا ما يمر بجنبيه وظهره من الكد والتعب، وكل من علم ولم يعمل بعلمه فهذا مثله {بِئْسَ مَثَلُ ٱلْقَوْمِ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِـئَايَـٰتِ ٱللَّهِ } أي بئس مثلاً مثل القوم الذين كذبوا بآيات الله، أو بئس مثل القوم المكذبين مثلهم وهم اليهود الذين كذبوا بآيات الله الدالة على صحة نبوة محمد صلى الله عليه وسلم {وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلظَّـٰلِمِينَ } أي وقت اختيارهم الظلم أو لا يهدي من سبق في علمه أنه يكون ظالماً. {قُلْ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ هَادُواْ } هاد يهود إذا تهود {إِن زَعمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاء لِلَّهِ مِن دُونِ ٱلنَّاسِ فَتَمَنَّوُاْ ٱلْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ } كانوا يقولون نحن أبناء الله وأحباؤه أي إن كان قولكم حقاً وكنتم على ثقة فتمنوا على الله أن يميتكم وينقلكم سريعاً إلى دار كرامته التي أعدها لأوليائه، ثم قال {وَلاَ يَتَمَنَّونَهُ أَبَداً بِمَا قَدَّمَتْ أَيْديهِمْ } أي بسبب ما قدموا من الكفر. ولا فرق بين «لا» و«لن» في أن كل واحدة منهما نفي للمستقبل إلا أن في «لن» تأكيداً وتشديداً ليس في «لا» فأتى مرة بلفظ التأكيد و{لَنْ يَتَمَنَّوْهُ } ومرة بغير لفظه و{لا يَتَمَنَّونَهُ } {وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِٱلظَّـٰلِمينَ } وعيد لهم. {قُلْ إِنَّ ٱلْمَوْتَ ٱلَّذِى تَفِرُّونَ مِنْهُ } ولا تجسرون أن تتمنوه خيفة أن تؤخذوا بوبال كفركم {فَإِنَّهُ مُلَـٰقِيكُمْ } لا محالة والجملة خبر «إن» ودخلت الفاء لتضمن الذي معنى الشرط {ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَىٰ عَـٰلِمِ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَـٰدَةِ فَيُنَبّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ } فيجازيكم بما أنتم أهله من العقاب. {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ إِذَا نُودِىَ لِلصَّلَوٰةِ مِن يَوْمِ ٱلْجُمُعَةِ } النداء الأذان و«من» بيان لـ «إذا» وتفسير له، ويوم الجمعة سيد الأيام وفي الحديث: «حديث : من مات يوم الجمعة كتب الله له أجر شهيد ووقى فتنة القبر»تفسير : {فَٱسْعَوْاْ } فامضوا وقرىء بها وقال الفراء: السعي والمضي والذهاب واحد وليس المراد به السرعة في المشي {إِلَىٰ ذِكْرِ ٱللَّهِ } أي إلى الخطبة عند الجمهور وبه استدل أبو حنيفة رضي الله عنه على أن الخطيب إذا اقتصر على الحمد لله جاز {وَذَرُواْ ٱلْبَيْعَ } أراد الأمر بترك ما يذهل عن ذكر الله من شواغل الدنيا. وإنما خص البيع من بينها لأن يوم الجمعة يتكاثر فيه البيع والشراء عند الزوال فقيل له بادروا تجارة الآخرة واتركوا تجارة الدنيا واسعوا إلى ذكر الله الذي لا شيء أنفع منه وأربح، وذروا البيع الذي نفعه يسير {ذٰلِكُمْ } أي السعي إلى ذكر الله {خَيْرٌ لَّكُمْ } من البيع والشراء {إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ فَإِذَا قُضِيَتِ ٱلصَّلَوٰةُ } أي أديت {فَٱنتَشِرُواْ فِى ٱلأَرْضِ } أمر إباحة {وَٱبْتَغُواْ مِن فَضْلِ ٱللَّهِ } الرزق أو طلب العلم أو عيادة المريض أو زيارة أخ في الله {وَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ كَثِيراً } واشكروه على ما وفقكم لأداء فرضه {لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ وَإِذَا رَأَوْاْ تِجَـٰرَةً أَوْ لَهْواً ٱنفَضُّواْ إِلَيْهَا } تفرقوا عنك إليها وتقديره: وإذا رأوا تجارة انفضوا إليها أو لهوا انفضوا إليه فحذف أحدهما لدلالة المذكور عليه خص التجارة لأنها كانت أهم عندهم. رُوي أن أهل المدينة أصابهم جوع وغلاء، فقدم دحية بن خليفة بتجارة من زيت الشأم والنبي صلى الله عليه وسلم يخطب يوم الجمعة فقاموا إليه فما بقي معه إلا ثمانية أو اثنا عشر فقال صلى الله عليه وسلم: «حديث : والذي نفس محمد بيده لو خرجوا جميعاً لأضرم عليهم الوادي ناراً»تفسير : وكانوا إذا أقبلت العير استقبلوها بالطبل والتصفيق فهو المراد باللهو {وَتَرَكُوكَ } على المنبر {قَائِمَاً } تخطب، وفيه دليل على أن الخطيب ينبغي أن يخطب قائماً {قُلْ مَا عِندَ ٱللَّهِ } من الثواب {خَيْرٌ مّنَ ٱللَّهْوِ وَمِنَ ٱلتّجَـٰرَةِ وَٱللَّهُ خَيْرُ ٱلرازِقِينَ } أي لا يفوتهم رزق الله بترك البيع فهو خيرالرازقين، والله أعلم.

الخازن

تفسير : قوله عز وجل: {يسبح له ما في السموات وما في الأرض الملك القدوس العزيز الحكيم هو الذي بعث في الأميين} يعني العرب وكانت العرب أمة أمية لا تكتب ولا تقرأ حتى بعث فيهم نبي الله وقيل الأمي هو الذي على ما خلق عليه كأنه منسوب إلى أمه {رسولاً منهم} يعني محمد صلى الله عليه وسلم يعلمون نسبه وهو من جنسهم وقيل أمياً مثلهم وإنما كان أمياً لأن نعته في كتب الأنبياء النبي الأمي وكونه بهذه الصفة أبعد من توهم الاستعانة بالكتابة على ما أتى به من الوحي والحكمة ولتكون حاله مشاكلة لحال أمته الذين بعث فيهم وذلك أقرب إلى صدقه {يتلوا عليهم آياته} أي التي يبين رسالته وقيل آياته التي يتميز بها الحلال من الحرام والحق من الباطل {ويزكيهم} أي يطهرهم من دنس الشرك {ويعلمهم الكتاب} أي القرآن وقيل الفرائض {والحكمة} قيل هي السنة {وإن كانوا من قبل} أي من قبل إرسال محمد صلى الله عليه وسلم {لفي ضلال مبين وآخرين منهم} أي من المؤمنين الذين ظهروا يدينون بدينهم لأنهم إذا أسلموا صاروا منهم فإن المسلمين كلهم أمة واحدة، وقيل أراد بالآخرين العجم وهو قول ابن عمر وسعيد بن جبير ورواية عن مجاهد يدل عليه ما روي "حديث : عن أبي هريرة رضي الله عنه قال "كنا جلوساً عند النبي صلى الله عليه وسلم إذ نزلت سورة الجمعة فتلاها فلما بلغ وآخرين منهم لما يلحقوا بهم قال له رجل يا رسول الله من هؤلاء الذين لم يلحقوا بنا فلم يكلمه حتى سأله ثلاثاً قال وسلمان الفارسي فينا فوضع رسول الله صلى الله عليه وسلم يده على سلمان وقال والذي نفسي بيده لو كان الإيمان بالثريا لتناوله رجال من هؤلاء"" تفسير : أخرجاه في الصحيحين، وقيل هم جميع من دخل في الإسلام بعد النبي صلى الله عليه وسلم إلى يوم القيامة {لما يلحقوا بهم} لم يدركوهم ولكنهم جاؤوا بعدهم وقيل لم يلحقوا بهم في الفضل والسابقة لأن التابعين لا يدركون شأو الصحابة {وهو العزيز} أي الغالب الذي قهر الجبابرة {الحكيم} أي الذي جعل كل مخلوق يشهد بوحدانيته.

القمي النيسابوري

تفسير : القراءات: {كمثل الحمار} و {التوراة} بالإمالة قد سبق ذكرهما. الوقوف {وما في الأرض} لا {الحكيم} ه {مبين} ه لا للعطف أي وفي آخرين {بهم} ط {الحكيم} ه {من يشاء} ط {العظيم} ه {أسفاراً} ط {بآيات الله} ط {الظالمين} ه {صادقين} ه {أيديهم} ط {بالظالمين} ه {تعملون} ه {البيع} ط {تعلمون} ه {تفلحون} ه {قائماً} ط {للتجارة} ط {الرازقين} ه. التفسير: في الأميين منسوب إلى أمة العرب أو إلى أم القرى. وقد مر سائر الوجوه في " الأعراف " في قوله {أية : النبيّ الأميّ}تفسير : [الآية: 157] وباقي الآية مذكورة في " البقرة " و " آل عمران ". والمراد بآخرين التابعون وحدهم أو مع تبع التابعين إلى يوم القيامة. ثمّ شبه اليهود الطاعنين في نبوّة محمد صلى الله عليه وسلم مع أنهم حاملوا التوراة وحفاظها العارفون بما فيها من نعت نبيّ آخر الزمان بالحمار الحامل للأسفار أي الكتب الكبار لأنه لا يدري منها إلا ما مر بجنبيه من الكدّ والتعب. ومعنى {حملوا} كلفوا العمل بما فيها. ومحل {يحمل} جر صفة للحمار كما في قوله " على اللئيم يسبني " وهذا مثل كل من علم علماً يتعلق بعمل صالح ثم لم يعمل به. ثم قبح مثلهم بقوله {بئس} مثلاً {مثل القوم الذين} وكانوا يقولون نحن أبناء الله وأحباؤه فقيل لهم: إن كان قولكم حقاً {فتمنوا الموت} ليكون وصولكم إلى دار الكرامة أسرع وقد مر مثله في أول " البقرة " إلا أنه قال ههنا {ولا يتمنونه} وهناك ولن يتمنوه وذلك أن كليهما للنفي إلا أن " لن" أبلغ في نفي الاستقبال وكانت دعواهم هناك قاطعة بالغة وهي كون الجنة لهم بصفة الخلوص فخص الأبلغ بتلك السورة. ثم بين أن الموت الذي لا يجترؤن على تمنيه خيفة أن يؤاخذوا بوبال كفرهم فإنه ملاقيهم لا محالة. قال أهل النظم: قد أبطل الله تعالى قول اليهود في ثلاث: زعموا أنهم أولياء لله فكذبهم بقوله {فتمنوا الموت} وافتخروا بأنهم أهل الكتاب والعرب لا كتاب لهم فشبههم بالحمار يحمل أسفاراً، وباهوا بالسبت وأنه ليس للمسلمين مثله فشرع لنا الجمعة. قال جار الله: يوم الجمعة بالسكون الفوج المجموع كضحكة للمضحوك منه، وضمَّ الميم تثقيل لها كما قيل في عسرة عسرة. قلت: ومما يدل على أن أصلها الكسون جمعها على جمع كقدرة وقدر. وفي الكشاف أن {من يوم الجمعة} بيان " إذا " وتفسير له. وأقوال: إن اليوم أعم من وقت النداء والعام. لإبهامه لا يصير بياناً ظاهراً فالأولى أن تكون " من " للتبعيض. والنداء الأذان في أول وقت الظهر، وقد كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم مؤذن واحد فكان إذا جلس على المنبر أذن على باب المسجد فإذا نزل أقام للصلاة، ثم كان أبو بكر وعمر على ذلك، حتى إذا كان عثمان وكثر الناس زاد مؤذناً آخر، مؤذن على داره التي تسمى زوراء فإذا جلس على المنبر أذن المؤذن الثاني، فإذا نزل أقام للصلاة. وعن ابن عباس: إن أول جمعة في الإسلام بعد جمعة رسول الله صلى الله عليه وسلم لجمعة أجتمعت بجواثى قرية من قرى البحرين من قرى عبد القيس وروي أن الأنصار بالمدينة اجتمعوا إلى أسعد بن زرارة. وكنيته أبو إمامة وقالوا: هلموا نجعل لنا يوماً نجتمع فيه فنذكر الله ونصلي فإن لليهود السبت وللنصارى الأحد فاجعلوه يوم العروبة، فصلّى بهم يومئذ ركعتين وذكرهم فسموه يوم الجمعة لاجتمعاهم فيه، وأنزل الله تعالى آية الجمعة فهي أول جمعة كانت في الإسلام قبل مقدم النبي صلى الله عليه وسلم وأول جمعة جمعها رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه لما قدم المدينة مهاجراً نزل قباء على بني عمرو بن عوف وأقام بها يوم الإثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس وأسس مسجدهم، ثم خرج يوم الجمعة عامداً المدينة فأدركته صلاة الجمعة في بني سالم بن عوف في بطن واد لهم فخطب وصلّى الجمعة. وفضيلة صلاة الجمعة كثيرة منها ما ورد في الصحاح عن أبي هريرة "حديث : إذا كان يوم الجمعة وقفت الملائكة على باب المسجد يكتبون الأول فالأول"تفسير : و " حديث : مثل المبكر كمثل الذي يهدي بدنه ثم كالذي يهدي بقرة ثم كبشاً ثم دجاجة ثم بيضة فإذا خرج الإمام طووا صحفهم ويستمعون الذكر" تفسير : وعنه صلى الله عليه وسلم " حديث : من مات يوم الجمعة كتب الله له أجر شهيد ووقى فتنة القبر" تفسير : وكانت الطرقات في أيام السلف وقت السحر وبعد الفجر غاصة بالمبكرين إلى الجمعة يمشون بالسرج. وقيل: أول بدعة أحدثت مع الإسلام ترك البكور إلى الجمعة. ولا تقام الجمعة عند أبي حنيفة إلا في مصر جامع وهو ما أقيمت فيه الحدود ونفذت فيه الأحكام. وقد يقال: ما يكون فيه نهر جار وسوق قائم وملك قاهر وطبيب حاذق. وعنده تنعقد بثلاثة سوى الإمام، وعند الشافعي لا تنعقد إلاّ بأربعين متوطنين. وأعذار الجمعة مشهورة في كتب الفقه. ومعنى السعي القصد دون العدو ومنه قول الحسن: ليس السعي على الأقدام ولكنه على النيات والقلوب. وعن ابن عمر أنه سمع الإقامة وهو بالبقيع فأسرع المشي. قال العلماء: وهذا لا بأس به ما لم يجهد نفسه. قوله {إلى ذكر الله} أي إلى الخطبة والصلاة وهي تسمية الشيء بأشرف أجزائه. ومذهب أبي حنيفة أنه لو اقتصر على كل ما يسمى ذكراً مثل الحمد لله أو سبحان الله جاز. وعند صاحبيه والشافعي لا بد من كلام يسمى خطبة. وعن جابر كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في خطبته: نحمد الله ونثني عليه بما هو أهله ثم يقول: من يهد الله فلا مضل له ومن يضلله فلا هادي له، إن أصدق الحديث كتاب الله وأحسن الهدي هدي محمد، وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار. وعنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان صلاته قصداً وخطبته قصداً. وعن أبي وائل قال: خطبنا عمار فأوجز وأبلغ فلما نزل قال: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "حديث : إن طول الصلاة الرجل وقصر خطبته مئنة من فقهه فأقصر الخطبة وأطل الصلاة " تفسير : وإن من البيان لسحراً. قوله {وذروا البيع} خاص ولكنه عام في الحقيقة لكل ما يذهل عن ذكر الله. وسبب التخصيص أن أهل القرى وقتئذ يجتمعون من كل أوب في السوق وأغلب اجتماعهم على البيع والشراء. ولا خلاف بين العلماء في تحريم البيع وقت النداء. وهل يصح ذلك البيع إن وقع الأكثرون؟ نعم لأن المنع غير متوجه نحو خصوص البيع. وإنما هو متوجه نحو ترك الجمعة حتى لو تركها بسبب آخر فقد ارتكب النهي ولو باع في غير تلك الحالة لم يصادفه نهي. قوله {فانتشروا} وابتغوا إباحة بعد حظر. وعن بعض السلف أنه كان يشغل نفسه بعد الجمعة بشيء من أمور الدنيا امتثالاً للآية. وعن ابن عباس: لم يؤمروا بطلب شيء من الدنيا إنما هو عيادة المرضى وحضور الجنائز وزيارة أخ في الله. وعن الحسن وسعيد بن المسيب: الطلب طلب العلم. وقيل: صلاة التطوع. وفي قوله {واذكروا الله كثيراً} إشارة إلى أن المرء لا ينبغي أن يغفل عن ذكر ربه في كل حال كما قال {أية : رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله} تفسير : [النور: 37] عن جابر قال: بينا نحن نصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم إذا قيل: عير تحمل طعاماً فالتفتوا إليها حتى ما بقي مع النبي صلى الله عليه وسلم إلا اثنا عشر رجلاً فنزلت {وإذا رأوا تجارة أو لهواً انفضوا إليها} أي تفرقوا إليها {وتركوك قائماً} في الصلاة أو في الخطبة أو في الزاوية، وكانوا إذا أقبلت العير استقبلوها بالطبل والتصفيق فهذا هو المراد باللهو والتقدير إذا رأوا تجارة انفضوا إليها أو لهواً انفضوا إليه، فحذف أحدهما لدلالة المذكور عليه. يروى أنه صلى الله عليه وسلم وآله قال: والذي نفس محمد بيده لو خرجوا جميعاً لأضرم الله عليهم الوادي ناراً. ثم حث على تجارة الآخرة وعلى تيقن أن لا رازق بالحقيقة إلا هو سبحانه وقد مر مراراً.

الثعالبي

تفسير : قوله تعالى: {يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ} تقدَّم القولُ في مثلِ ألفاظِ الآيةِ، والمرادُ بالأمِّيِّينَ جميعُ العربِ، واخْتُلِفَ في المَعْنِيِّين بقوله تعالى: {وَءَاخَرِينَ مِنْهُمْ} فقال أبو هريرةَ وغيره: أراد فارس «حديث : وَقَد سُئِلَ رسولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم: مَنِ الآخَرُونَ؟ فَأَخَذَ بيدِ سُلَيْمَانَ، وقال: لَوْ كَانَ الدِّينُ في الثُّرَيَّا لَنَالَهُ رِجَالٌ مِنْ هَؤُلاَءِ» تفسير : خرَّجه مسلم والبخاريّ، وقال ابن زيدٍ ومجاهدٌ والضحاكُ وغيرهم: أرادَ جميعَ طوائِفِ الناس، فقوله: {مِنْهُمْ} على هذين القولين إنما يُرِيدُ في البشريةِ والإيمانِ، وقال مجاهد أيضاً وغيره: أراد التابعين من أبناء العرب، فقوله: {مِنْهُمْ} يُرِيدُ في النَّسَبِ والإيمان. وقوله: {لَمَّا يَلْحَقُواْ} نَفْيٌ لما قَرُبَ مِنَ الحَالِ، والمَعْنَى أنهم مُزْمِعُونَ أنْ يلحقوا، فهي «لَمْ» زِيدَتْ عَلَيْهَا «ما» تأكِيداً. و{ٱلَّذِينَ حُمِّلُواْ ٱلتَّوْرَاةَ} هم بنو إسرائيل الأحبارُ المعاصرون للنبي صلى الله عليه وسلم، و{حُمِّلُواْ} معناه كُلِّفُوا القيامَ بأوامرِها ونواهيها، فهذا كما حُمِّلَ الإنسانُ الأمانَةَ، وذكر تعالى أنهم لم يحملوها، أي: لم يُطِيعُوا أمْرَها ويَقِفُوا عند حدودِها حين كذَّبُوا نبيَّه محمداً صلى الله عليه وسلم، والتوراةُ تنطقُ بنبوتهِ، فكان كلُّ حَبْرٍ لم ينتَفِعْ بما حُمِّلَ كَمَثَلِ حِمَارٍ عليه أسفارٌ، وفي مصحف ابن مسعود «كَمَثَلِ حِمَارٍ» بِغَيْرِ تعريفٍ، والسِّفْرُ الكتَابُ المجتمعُ الأوراقِ منضدة. وقوله: {بِئْسَ مَثَلُ ٱلْقَوْمِ} التقدير: بِئْسَ المثلُ مثلُ القومِ الذين كذبوا بآياتِ اللَّه، * ص *: وَرُدَّ بأَنَّ فيه حدفَ الفاعلِ ولا يجوزُ، والظاهرُ أنَّ {مَثَلُ ٱلْقَوْمِ} فَاعِلُ {بِئْسَ}، و{ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ} هو المخصوصُ بالذَّمِّ على حذف مضافٍ؛ أي: مثَلُ الذينَ كذَّبوا، انتهى.

ابن عادل

تفسير : قوله تعالى: {يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ} تقدم الكلام فيه. وقوله: {ٱلْمَلِكِ ٱلْقُدُّوسِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَكِيمِ}. وجه تعلق هذه السورة بما قبلها، هو أنه تعالى قال في أول تلك السورة: "سبَّحَ للَّهِ" بلفظ الماضي وذلك لا يدل على التسبيح في المستقبل، فقال في أول هذه السورة بلفظ [المستقبل] ليدل على التسبيح في الزمن الحاضر والمستقبل. وأما تعلق الأول بالآخر، فلأنه تعالى ذكر في آخر تلك السورة أنه كان يؤيد أهل الإيمان حتى صاروا غالبين على الكُفَّار وذلك على وفق الحكمة لا للحاجة إليه إذ هو غني على الإطلاق ومنزه عما يخطر ببال الجهلة، وفي أول هذه السورة ذكر على ما يدل على كونه مقدساً، ومنزّهاً عما لا يليق بحضرته العليَّة ثم إذا كان خلق السماوات والأرض بأجمعهم في تسبيح حضرة الله تعالى فله الملك، ولا ملك أعظم من هذا على الإطلاق، ولما كان الملك كله له تعالى فهو الملك على الإطلاق، ولما كان الكل خلقه فهو المالك على الإطلاق. قوله: {ٱلْمَلِكِ ٱلْقُدُّوسِ}. قرأ العامة: بجر "الملكِ" وما بعده نعتاً لله، والبدل ضعيف لاشتقاقهما. وقرأ أبو وائل وسلمة بن محارب ورؤبة بالرفع على إضمار مبتدأ مقتضٍ للمدح. وقال الزمخشري: "ولو قرىء بالنصب على حدّ قولهم: الحمد لله أهل الحمد، لكان وجهاً". وقرأ زيد بن علي: "القَدُّوس" بفتح القاف، وقد تقدم ذلك. و "يُسَبِّحُ" من جملة ما يجري فيه اللفظان، كـ"شكره وشكر له ونصحه ونصح له وسبحه وسبح له". فإن قيل: "الحَكِيمُ" يطلق أيضاً على الغير كما يقال في لقمان: إنه حكيم. فالجواب: أن الحكيم عند أهل التحقيق هو الذي يضع الأشياء مواضعها، والله تعالى حكيم بهذا المعنى. قوله: {هُوَ ٱلَّذِي بَعَثَ فِي ٱلأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِّنْهُمْ}. تقدم الكلام في "الأميّ والأميين" جمعه. و "يَتْلُو" وما بعده صفة لـ"رسول" صلى الله عليه وسلم. قال ابن عبَّاس - رضي الله عنهما -: "الأميّون" العرب كلهم من كتب منهم ومن لم يكتب؛ لأنهم لم يكونوا أهل كتاب. وقيل: الأميّون الذين لا يكتبون، وكذلك كانت قريش. وروى منصور عن إبراهيم قال: "الأمّي" الذي لا يقرأ ولا يكتب. وعن ابن عباس - رضي الله عنهما - الأميون الذين ليس لهم كتاب ولا نبي بعث فيهم، وقيل: الأميون الذين هم على ما خلقوا عليه. وقرىء: "الأمين" بحذف ياء النَّسب. قوله: {رَسُولاً مِنْهُمْ}. يعني محمداً صلى الله عليه وسلم وما من حيّ من العرب إلا ولرسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم قرابة وقد ولدوه. وقال ابن إسحاق: إلا بني تغلب، فإن الله طهَّر نبيه صلى الله عليه وسلم منهم لنصرانيتهم، فلم يجعل لهم عليه ولادة، وكان أميًّا لم يقرأ من كتاب ولم يتعلّم صلى الله عليه وسلم. قال الماورديُّ: فإن قيل: فما وجه الامتنان بأن بعث اللَّهُ نبيًّا أميًّا؟. فالجواب من ثلاثة أوجه: أحدها: لموافقته ما تقدم من بشارة الأنبياء. الثاني: لمشاكلة حاله لأحوالهم فيكون أقرب لموافقتهم. الثالث: لينفي عنه سوء الظن في تعليمه ما دعى إليه من الكتب التي قرأها والحكم التي تلاها. قال القرطبي: "وهذا كله دليل معجزته وصدق نبوته". قوله: {يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ} يعني القرآن "ويُزكِّيهم" أي: يجعلهم أزكياء القلوب بالإيمان. قاله ابن عباس. وقيل: يطهرهم من دنس الكفر والذنوب. قاله ابن جريج ومقاتل. وقال السديُّ: يأخذ زكاة أموالهم، "ويُعَلِّمُهُم الكِتابَ" يعني: القرآن، "والحكمة" يعني السُّنة. قاله الحسن. وقال ابن عباس: "الكتاب" الخط بالقلم، لأن الخط إنما نشأ في العرب بالشَّرع لما أمروا بتقييده بالخط. وقال مالك بن أنسٍ: "الحكمة" الفقه في الدين. وقد تقدم في البقرة. {وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ} أي: من قبله وقبل أن يُرسل إليهم {لَفِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ} أي: في ذهاب عن الحق. فصل في الرد على بعض الشبه قال ابن الخطيب: احتج أهل الكتاب بهذه الآية، فقالوا: قوله تعالى: {بَعَثَ فِي ٱلأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِّنْهُمْ} يدل على أنه - عليه الصلاة والسلام كان رسولاً إلى الأميين وهم العرب خاصَّة، قال: وهذا ضعيف، فإنه [لا] يلزم من تخصيص الشيء بالذكر نفي ما عداه، ألا ترى قوله تعالى: {أية : وَلاَ تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ}تفسير : [العنكبوت: 48] أنه لا يفهم منه أنه لا يخطه بشماله، ولأنه لو كان رسولاً إلى العرب خاصة، كان قوله تعالى {أية : كَآفَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً}تفسير : [سبأ: 28] لا يناسب ذلك، وقد اتفقوا على صدق الرسالة المخصوصة فيكون قوله: {كَآفَّةً لِّلنَّاسِ} دليلاً على أنه - عليه الصلاة والسلام - كان رسولاً إلى الكل. قوله: {وآخرين منهم} فيه وجهان: أحدهما: أنه مجرور عطفاً على "الأميين"، أي: وبعث في آخرين من الأميين و{لَمَّا يَلْحَقُواْ بِهِمْ} صفة لـ"آخرينَ". والثاني: أنه منصوب عطفاً على الضَّمير المنصوب في "يُعلِّمُهُم". أي: ويعلم آخرين لم يلحقوا بهم وسيلحقون، فكلّ من تعلم شريعة محمد صلى الله عليه وسلم إلى آخر الزَّمان فرسول الله صلى الله عليه وسلم معلمه بالقوة؛ لأنه أصل ذلك الخير العظيم والفضل الجسيم. قوله: {لَمَّا يَلْحَقُواْ بِهِمْ}. أي: لم يكونوا في زمانهم وسيجيئون بعدهم. قال ابن عمر وسعيد بن جبير: هم العجم. وفي "صحيح البخاري" ومسلم عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: "حديث : كنا جلوساً عند النبي صلى الله عليه وسلم إذا نزلت عليه سورة الجمعة، فلما قرأ: {وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُواْ بِهِمْ} قال رجل: من هؤلاء يا رسول الله؟ فلم يراجعه رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى سأله مرة أو مرتين أو ثلاثاً قال: وفينا سلمان الفارسي قال: فوضع النبي صلى الله عليه وسلم يده على سلمان ثم قال: "لَوْ كَانَ الإيمانُ عِندَ الثُّريَّا لناله رجالٌ مِنْ هؤلاءِ"تفسير : ، وفي رواية: "حديث : لَوْ كَانَ الدِّينُ عندَ الثُّريَّا لذهب بِهِ رجُلٌ من فارسَ، أو قال: مِنْ أبْناءِ فِارِسَ حتَّى يتناولهُ"تفسير : . لفظ مسلم. وقال عكرمة: هم التابعون. وقال مجاهد: هم الناس كلهم، يعني من بعد العرب الذين بعث فيهم محمد صلى الله عليه وسلم. وقاله ابن زيد ومقاتل بن حيان، قالا: هم من دخل الإسلام بعد النبي صلى الله عليه وسلم إلى يوم القيامة. قال سهل بن سعد الساعدي: إن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : "إنَّ في أصْلاب أمَّتِي رجالاً ونِساءً يدخُلونَ الجنَّة بغيرِ حسابٍ" ثم تلا: {وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُواْ بِهِمْ}" تفسير : والقول الأول أثبتُ. "حديث : وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "رأيتُني أسْقِي غَنَماً سُوداً ثُمَّ أتبعتُهَا غَنَماً عُفْراً أوِّلْها يَا أبا بَكْر"، قال: يا نبِيَّ الله، أما السُّودُ فالعربُ، وأمَّا العُفْرُ فالعجمُ تتبعُك بعد العربِ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "كَذِلكَ أوَّلها الملك يا أبا بكر""تفسير : يعني: جبريل عليه السلام، رواه ابن أبي ليلى عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وهو علي بن أبي طالب - رضي الله عنه -. قوله تعالى: {ذَلِكَ فَضْلُ ٱللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ}. قال ابن عباس: حيث ألحق العجم بقريش. وقيل: يعني: الإسلام فضل الله يؤتيه من يشاء. قاله الكلبي. وقال مقاتل: يعني الوحي والنبوة. وقيل: إنه المال ينفق في الطاعة، لما روى أبو صالح عن أبي هريرة: "حديث : أن فقراء المهاجرين أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: ذهب أهل الدُّثُور بالدَّرجات العلى والنعيم المقيم، فقال: "ومَا ذَاكَ"، فقالوا: يصلون كما نصلي، ويصومون كما نصوم، ويتصدقون ولا نتصدق، ويعتقون ولا نعتق، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أفَلاَ أعلِّمُكُمْ شَيْئاً تُدْركُونَ بِهِ من سَبَقكُمْ وتَسبقُونَ من بَعْدكُمْ ولا يكُونُ أحَدٌ أفضل مِنكُمْ إلاَّ من صَنَعَ مِثْلَ ما صَنَعْتُمْ" قالوا بلى يا رسول الله، قال: "تُسَبِّحُونَ وتُكبِّرُونَ وتحْمدُونَ دُبر كُلِّ صلاةٍ ثلاثاً وثلاثينَ مرَّةً"، قال أبو صالح: فرجع فقراء المهاجرين إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: سمع إخواننا من أهل الأموال بما فعلنا ففعلوا مثله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم {ذَلِكَ فَضْلُ ٱللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ} " تفسير : وقيل: إنه انقياد الناس إلى تصديق النبي صلى الله عليه وسلم ودخولهم في دينه ونصرته.

البقاعي

تفسير : ولما ختمت الصف بالإقبال ببعض بني إسرائيل على جنابه الأقدس بعد أن زاغوا فأزاغ الله قلوبهم كلهم أو الشاذ منهم بما أفهمه إطلاق الضمير عليهم ثم تأييدهم على من استمر منهم على الزيغ، فثبت أن له تمام القدرة المستلزم لشمول العلم اللازم منه التنزه عن كل شائبة نقص، وكان سبحانه قد ذكر التسبيح الذي هو الأعظم الأشهر للتنزيه بلفظ الماضي ثلاث مرات في افتتاح ثلاث سور، وذلك نهاية الإثبات المؤكد، فثبت بذلك أنه وقع تنزيهه من كل ناطق وصامت، أخبر أول هذه السورة أن ذلك التنزيه على وجه التجديد والاستمرار بالتعبير بالمضارع لاستمرار ملكه فقال: {يسبح} أي يوقع التنزيه الأعظم الأبهى الأكمل {لله} أي الملك المحيط بكل شيء قدرة وعلماً، وأكد بذلك لما في التغابن ولم يحتج بعد الإقرار بالوقوع على هذا الوجه إلى التأكيد بأكثر من مرة وجعل بين كل مسبحتين سورة خالية من ذلك ليكون ذلك أدل على قصد التأكيد من حيث شدة الاعتناء بالذكر، وإن وقع فصل ويكون التأكيد أكثر تنبيهاً وأعظم صدعاً وتذكيراً. ولما كان تقريع العاقل الناطق بطاعة الصامت أعظم، قال: {ما في السماوات} وإن كان العاقل يدخل في ذلك ما عليه فيكون تسبيحه تارة طوعاً موافقة للأمر، وتارة كرهاً بالانقياد مع الإرادة، وتسبيح الصامت طوعاً في كل حال. ولما كان الخطاب مع الذين آمنوا، دعا ذلك إلى التأكيد لاحتياجهم إليه فقال: {وما في الأرض} كذلك. ولما ثبت بالسور الثلاث الماضية أن الموجودات أوقعت له التسبيح، وأخبرت هذه باستمرار ذلك على سبيل التجديد، دل ذلك مع التنزيه عن النقائص على إثبات الكمال الذي لا يكون إلا لملك عظيم الشأن مطاع الأمر، وكان الاقتصار على الصامت بالتعبير بما هو ظاهر فيه ربما أوهم شيئاً، قال مصرحاً بما أفهمه السياق: {الملك} أي الذي ثبتت له جميع الكمالات فهو ينصر من يشاء من جنده ولو كان ذليلاً فيصبح ظاهراً {القدوس} الذي انتفت عنه جميع النقائص، فلا يكون شيء إلا بإذنه وتنزه عن إحاطة أحد من الخلق بعلمه أو إدراك كنه ذاته فليس في أيدي الخلق إلا التردد في شهود أفعاله، والتدبر لمفاهيم نعوته وجلاله، وأحقهم بالقرب والعداد في حزبه المتخلق بأوصافه على قدر اجتهاده، فينبغي للمؤمن التنزه عن أن يقول ما لا يفعل أو يبني شيئاً من أموره على غير إحكام، وقد مضى شرح الاسمين الشريفين قريباً وذكر خلاصة شرحهما بما هو خاصة الملك وآية الطهارة للطاهر فقال: {العزيز} أي الذي يغلب كل شيء، لا يغلبه شيء، فلو أراد لجعل العقلاء كلهم أيضاً مع تسبيحهم بالجري تحت مراده طوعاً وكرهاً مسبحين بالموافقة لأمره طوعاً {الحكيم *} الذي يوقع كل ما أراده في أحكم مواقعه وأتمها وأتقنها. وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير: لما ختمت سورة الصف بالثناء على الحواريين في حسن استجابتهم وجميل إيمانهم، وقد أمر المؤمنين بالتشبه بهم في قوله تعالى: {أية : يا أيها الذين آمنوا كونوا أنصار الله كما قال عيسى ابن مريم للحواريين من أنصاري إلى الله}تفسير : [الصف: 14] كان ذلك مما يوهم فضل أتباع عيسى عليه السلام على أتباع محمد صلى الله عليه وسلم فاتبع ذلك بذكر هذه الأمة، والثناء عليها، فافتتحت السورة بالتنزيه عما أشار إليه قوله:{أية : وكفرت طائفة}تفسير : [الصف: 14] فإنهم ارتكبوا العظيمة وقالوا بالنبوة، فنزه سبحانه نفسه عن ذلك ثم قال:{هو الذي بعث في الأميين رسولاً منهم} [الجمعة: 2] إلى قوله:{ذو الفضل العظيم} [الجمعة: 4] ثم أعلم تعالى بحال طائفة لاح لهم نور الهدى ووضح لها سبيل الحق فعميت عن ذلك وارتبكت في ظلمات جهلها ولم تزدد بما حملت إلا حيرة وضلالة فقال تعالى:{أية : مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار يحمل أسفاراً}تفسير : [الجمعة: 5] الآيات وهي في معرض التنبيه لمن تقدم الثناء عليه ورحمه الله إياه لئلا يكونوا فيما يتلو عليهم نبيهم من الآيات ويعلمهم من الكتاب والحكمة مثل أولئك الممتحنين، فإنهم مقتوا ولعنوا بعد حملهم التوراة، وزعموا أنهم التزموا حمله والوفاء به فوعظ هؤلاء بمثالهم لطفاً من الله لهذه الأمة {وما يذكر إلا أولوا الألباب} انتهى. ولما كانت القدرة على تزكية الجلف الجافي بحمله على التنزيه أدل على القدرة على غيره، وكان قد أسلف عن بني إسرائيل أنهم لم يقبلوا التزكية بل زاغوا، دل على قدرته في عزته وحكمته وملكه وقدسه على تزكية جميع العقلاء بقوله: {هو} أي وحده {الذي بعث} أي من حضرة غيب غيبه بشرع أوامره ونواهيه {في الأميين} أي العرب لأنهم كانوا معروفين من بين سائر الأمم لا يكتبون بل هم على الخلقة الأولى حين الخروج من بطن الأم، وذكر ظرف البعث وإهمال غايته دال على أنها كل من يتأتى البعث إليه وهم جميع الخلق، ويجوز أن تطلق الأمية على جميع أهل الأرض لأن بعثه صلى الله عليه وسلم كان حين ذهب العلم من الناس، ولأن العرب أصل فجميع الباقين تبع لهم، فلا بدع أن يحمل عليهم وصفهم {رسولاً} ولما كان تقويم الشيء بمثله أعجب قال: {منهم} بل الأمية بمعنى عدم الكتابة والتجرد عن كل تكلف وصف لازم له دائماً وعلمه لما يكن يعلم من غير تطلب، فكانت آثار البشرية عند مندرسة، وأنوار الحقائق عليه لائحة، وذلك يتوهم الافتقار إلى الاستعانة بالكتب لأن منشأ مشاكلته لحال من بعث فيهم أقرب إلى مساواتهم له لو أمكنهم، فيكون عدم إمكان المساواة أدل على الإعجاز، وذكر بعثه منهم إن خص الوصف بالعرب لا ينفي بعثه إلى غيرهم ولا سيما مع ما ورد فيه من الصرائح وأثبته من الدلائل القواطع، فذكر موضع البعث وابتداءه فتكون الغاية مطلقة تقديرها: إلى عامة الخلق. ولما كان كونه منهم مفهماً لأنه لا يزيد عليهم من حيث كونه منهم وإن زاد فبشيء يسير، عجب من أمره ونبه على معجزة عظيمة له بقوله مستأنفاً: {يتلوا} أي يقرأ قراءة يتبع بعضها بعضاً على وجه الكثرة والعلو والرفعة {عليهم} مع كونه أمياً مثلهم {آياته} أي يأتيهم بها على سبيل التجدد والمواصلة آية بينة على صدقه لأنه أمي مثلهم بل فيهم الكاتب والعالم وإن كانوا معمورين في كثرتهم فما خصه عنهم بذلك إلا القادر على كل شيء. ولما كان المقام للتنزيه ولتأديب من وقع في موادة الكفار ونحو ذلك، قدم التزكية فقال: {ويزكيهم} أي عن الأخلاق الرذيلة والعقائد الزائغة، فكانت تزكيته لهم مدة حياته بنظره الشريف إليهم وتعليمه لهم وتلاوته عليهم، فربما نظر إلى الإنسان نظرة محبة فزكاه الله بها، وربما سرت تلك النظرة إلى ثان فأشرقت أنوارها عليه على حسب القابليات كما وقع لعمير بن وهب ثم صفوان بن أمية وكذا ذو النور الطفيل بن عامر الدوسي رضي الله عنه ثم قومه، فأما عمير فكان من أعظم المؤذين للنبي صلى الله عليه وسلم ولمن آمن به فتذاكر مع صفوان وقعة بدر في الحجر ومن فقدوا من صناديدهم وأنه ليس في العيش بعدهم خير، ثم تمنوا رجلاً بقتال النبي صلى الله عليه وسلم، فقال عمير: لولا فقري وبنات لي وعيال أخشى عليهم الضيعة من بعدي لأتيته بغلة أسيري عندهم فقتلته، فاغتنمها صفوان فعاهده أن يكفي عياله إن مات وأن يواسيه إن عاش، فقال: اكتم عني ثلاثاً، ثم ذهب إلى النبي صلى الله عليه وسلم فهداه الله فحلف صفوان أن لا يكلمه أبداً، فلما فتحت مكة فر صفوان ليركب البحر من جدة، فاستأذن عمير النبي صلى الله عليه وسلم ثم ذهب إليه فلحقه فلم يزل به حتى رجع ثم أسلم فكان من خيار الصحابة رضي الله عنه، وأما ذو النور فحين دعاه النبي صلى الله عليه وسلم ثم سأل آية يعينه الله بها على قومه فآتاه الله نوراً حين أشرف على الحي الذي هو منه، ثم دعا أباه وأمه فأسلما، ثم صاحبته فكذلك ثم قومه، فما تخلف منهم أحد، وأما غير الصحابة رضي الله عنهم فتزكيته لهم بآثاره بحسب القابليات والأمور التي قضى الله أن يكون مهيأ، فمن كان له أعشق كان لاتباعه ألزم، فكان في كتاب الله وسنته أرسخ من سيرة وغيرها علماً وعملاً فكان أشد زكاء. ولما كانوا بعد التزكية التي هي تخلية عن الرذائل أحوج ما يكون إلى تحلية بالفضائل قال: {ويعلمهم الكتاب} أي المنزل عليه الجامع لكل خير ديني ودنيوي في الأولى والأخرى {والحكمة} وهي غاية الكتاب في قوة فهمه والعمل به، فهي العلم المزين بالعمل والعمل المتقن بالعلم معقوله ومنقوله ليضعوا كل شيء منه في أحكم مواضعه فلا يزيغوا عن الكتاب كما زاغ بنو إسرائيل، فيكون مثلهم كمثل الحمار يحمل أسفاراً ولو لم يكن له صلى الله عليه وسلم معجزة إلا هذه لكانت غاية. ولما كان الوصف بالأمية مفهماً للضلال، وكان كثير منهم حال إنزال هذه السورة يعتقد أنهم على دين متين وحال جليل مبين، وكانوا بعد هدايته لهم بعد الأمية سيضلون لأن الإرسال من حضرة غيب الغيب في العلوم المنافية للأمية إلى ما لم تصل إليه أمة من الأمم قبلهم، وكان ذلك موجباً للتوقف في كونهم كانوا أميين، أكد هذا المفهوم بقوله: {وإن} أي والحال أنهم {كانوا} أي كوناً هو كالجبلة لهم. ولما كان كونهم ذلك في بعض الزمن الماضي، أدخل الجار فقال: {من قبل} أي قبل إرساله إليهم من حين غيروا دين أبيهم إسماعيل عليه الصلاة والسلام وعبدوا الأصنام {لفي ضلال} أي بعد عن المقصود {مبين *} أي ظاهر في نفسه مناد لغيره أنه ضلال باعتقادهم الأباطيل الظاهرة وظنهم أنهم على شيء وعموم الجهل لهم ورضاهم به واختيارهم له وعيبهم من يميل إلى التعلم وينحو نحو التبصر كما وقع لهم مع زيد بن عمرو بن نفيل وغيره، فوصفهم بهذا غاية في نفي التعلم من مخلوق عن نبيهم إعظاماً لما جاء به من الإعجاز وتقريراً لشدة احتياجهم إلى نبي يرشدهم إلى الهدى، وينقذهم مما كانوا فيه من العمى والردى. ولما كانت تزكيته لهم مع أميتهم وغباوتهم لوصف الأمية في الجهل أمراً باهراً في دلالته على تمام القدرة، زاد في الدلالة على ذلك بإلحاق كثير ممن في غيرهم من الأمم مثلهم في الأمية بهم فقال: {وآخرين} أي وبعثه في آخرين {منهم} في الأمية لا في العربية {لما يلحقوا بهم} أي في وقت من الأوقات الماضية في صفة من الصفات، بل هم أجلف الناس كعوام المجوس واليهود والنصارى والبرابر ونحوهم من طوائف العجم الذين هم ألكن الناس لساناً وأجمدهم أذهاناً وأكثفهم طبعاً وشأناً، وسيلحقهم الله بهم في العلم والتزكية. ولما كان عدم إلحاقهم بهم في الماضي ربما أوهم شيئاً في القدرة، وإلحاقهم بهم في المستقبل في غاية الدلالة على القدرة، قال: {وهو} أي والحال أنه وحده {العزيز} الذي يقدر على كل شيء ولا يغلبه شيء فهو يزكي من يشاء ويعلمه ما أراد من أيّ طائفة كان، ولو كان أجمد أهل تلك الطائفة لأن الأشياء كلها بيده {الحكيم *} فهو إذا أراد شيئاً موافقاً لشرعه وأمره جعله على أتقن الوجوه وأوثقها فلا يستطاع نقضه، ومهما أراده كيف كان فلا بد من إنفاذه فلا يطلق رده بوجه، ويكون المراد بالآخرين العجم، وأن الله تعالى سيلحقهم بالعرب، قال ابن عمر رضي الله عنهما وسعيد بن جبير أيضاً رضي الله عنه وهو رواية ليث عن مجاهد ويؤيده ما:حديث : روي عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رجلاً سأل عنهم لما نزلت سورة الجمعة فوضع رسول الله صلى الله عليه وسلم يده على سلمان رضي الله عنه وقال: "لو كان الإيمان عند الثريا لناله رجال من هؤلاء" . تفسير : ولما كان هذا أمراً باهراً، عظمه بقوله على وجه الاستثمار من قدرته: {ذلك} أي الأمر العظيم الرتبة من تفضيل الرسول وقومه وجعلهم متبوعين بعد أن كان العرب أتباعاً لا وزن لهم عند غيرهم من الطوائف {فضل الله} أي الذي له جميع صفات الكمال، والفضل ما لم يكن مستحقاً بخلاف الفرض {يؤتيه من يشاء} بحوله وقوته بأن يهيئه له ولو كان أبعد الناس منه {والله} أي الملك الأعظم {ذو الفضل} ولما كانت "آل" دالة على الكمال دل على ذلك بقوله: {العظيم *} أي الذي يحقر دونه كل عطاء من غيره.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن المنذر والحاكم والبيهقي في شعب الإِيمان عن عطاء بن السائب عن ميسرة أن هذه الآية مكتوبة في التوراة بسبعمائة آية ‏ {‏يسبح لله ما في السماوات وما في الأرض الملك القدوس العزيز الحكيم‏}‏ أول سورة الجمعة‏. قوله تعالى‏:‏ ‏ {‏هو الذي بعث في الأميين رسولاً منهم‏}‏ الآية‏.‏ أخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة في قوله‏:‏ ‏{‏هو الذي بعث في الأميين رسولاً منهم‏} ‏ الآية، قال‏:‏ كان هذا الحي من العرب أمة أمية ليس فيها كتاب يقرأونه فبعث الله فيهم محمداً رحمة وهدى يهديهم به‏. وأخرج البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي وابن المنذر وابن مردويه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏حديث : إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن المنذر عن الضحاك في قوله‏:‏ ‏ {‏هو الذي بعث في الأميين رسولاً منهم‏} ‏ قال‏:‏ هو محمد صلى الله عليه وسلم ‏ {‏يتلوا عليهم آياته‏}‏ قال‏:‏ القرآن ‏ {‏وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين‏} ‏ قال‏:‏ هو الشرك‏. وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله‏:‏ ‏ {‏هو الذي بعث في الأميين رسولاً منهم‏} ‏ قال‏:‏ العرب ‏ {‏وآخرين منهم لم يلحقوا بهم‏}‏ قال‏:‏ العجم‏. وأخرج سعيد بن منصور والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه وأبو نعيم والبيهقي معاً في الدلائل عن أبي هريرة قال‏:‏حديث : كنا جلوساً عند النبي صلى الله عليه وسلم حين أنزلت سورة الجمعة فتلاها، فلما بلغ ‏{‏وآخرين منهم لما يلحقوا بهم‏} ‏ قال، له رجل‏:‏ يا رسول الله من هؤلاء الذين لم يلحقوا بنا‏؟‏ فوضع يده على رأس سلمان الفارسي وقال‏: "والذي نفسي بيده لو كان الإِيمان بالثريا لناله رجال من هؤلاء" ‏‏‏.‏ تفسير : وأخرج سعيد بن منصور وابن مردويه عن قيس بن سعد بن عبادة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏حديث : لو أن الإِيمان بالثريا لناله رجال من أهل فارس ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج الطبراني وابن مردويه عن سهل بن سعد قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏حديث : إن في أصلاب أصلاب أصلاب رجال من أصحابي رجالاً ونساء يدخلون الجنة بغير حساب‏"‏تفسير : ثم قرأ ‏{‏وآخرين منهم لما يلحقوا بهم وهو العزيز الحكيم‏}‏‏ . وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد في قوله‏:‏ ‏{‏وآخرين منهم لما يلحقوا بهم‏} ‏ قال‏:‏ من ردف الإِسلام من الناس كلهم‏.‏ وأخرج عبد الزراق وعبد بن حميد وابن المنذر عن عكرمة في قوله‏:‏ ‏{‏وآخرين منهم لما يلحقوا بهم‏} ‏ قال‏:‏ هم التابعون‏.‏ وأخرج ابن المنذر عن الضحاك في قوله‏:‏ ‏ {‏وآخرين منهم لما يلحقوا بهم‏} ‏ يعني من أسلم من الناس وعمل صالحاً من عربي وعجمي إلى يوم القيامة‏. وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏{‏ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء‏} ‏ قال‏:‏ الدين‏.

ابو السعود

تفسير : مدنية، وآيُها إحدى عشرة [سورة الصف، الآية 10] {يُسَبّحُ لِلَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ} تسبـيحاً مُستمِرَّاً {ٱلْمَلِكِ ٱلْقُدُّوسِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَكِيمِ} وَقَدْ قُرِىءَ الصفاتُ الأربعُ بالرَّفعِ عَلَى المدحِ {هُوَ ٱلَّذِى بَعَثَ فِى ٱلأُمّيّينَ} أيْ في العربِ لأنَّ أكثرَهُمْ لا يكتبونَ ولا يقرأونَ قيلَ بدئتْ الكتابةُ بالطَّائفِ أخذُوها منْ أهلِ الحيرةِ وهُمْ من أهلِ الأنبارِ {رَسُولاً مّنْهُمْ} أيْ كائناً منْ جُملتِهِم أمياً مثلَهُم {يَتْلُو عَلَيْهِمْ ءايَـٰتِهِ} مَعَ كونِهِ أمياً مثلَهُم لَم يُعهدْ منْهُ قراءةٌ ولا تعلمٌ {وَيُزَكّيهِمْ} صفةٌ أُخرى لرسولاً معطوفةٌ عَلَى يتلُوا أيْ يحملُهُم عَلى ما يصيرُونَ به أزكياءَ مِن خبائثِ العقائدِ والأعمالِ {وَيُعَلّمُهُمُ ٱلْكِتَـٰبَ وَٱلْحِكْمَةَ} صفةٌ أُخْرَى لرسولاً مترتبةٌ في الوجودِ عَلَى التِّلاوةِ وإنَّما وَسَّطَ بـينَهُما التزكيةَ التي هيَ عبارةٌ عنْ تكميلِ النفسِ بحسبِ قوتِهَا العمليةِ وتهذيبِهَا المتفرعِ عَلَى تكميلِهَا بحسبِ القوةِ النظريةِ الحاصلِ بالتعليمِ المترتبِ على التلاوةِ للإيذانِ بأنَّ كلاً منَ الأمورِ المترتبةِ نعمةٌ جليلةٌ على حيالِهَا مستوجبةٌ للشكرِ فَلَو رُوعِي ترتيبَ الوجودِ لتبادرَ إلى الفهمِ كونُ الكُلِّ نعمةً واحدةً كمَا مَرَّ في سورةِ البقرةِ وهُوَ السِرُّ في التعبـيرِ عن القرآنِ تارةً بالآياتِ وَأُخْرَى بالكتابِ والحكمةِ رمزاً إلى أنَّه باعتبارِ كُلِّ عنوانٍ نعمةٌ عَلى حدةٍ ولا يقدحُ فيهِ شمولُ الحكمةِ لِمَا في تضاعيفِ الأحاديثِ النبويةِ منَ الأحكامِ والشرائعِ {وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِى ضَلَـٰلٍ مُّبِينٍ} منَ الشركِ وخبث الجاهليةِ وهو بـيانٌ لشدةِ افتقارِهِم إلى مَنْ يرشدهُم وإزاحةٌ لِمَا عَسَى يتوهمُ منْ تعلُّمِهِ عليهِ الصلاةُ والسلامُ منَ الغيرِ، وإنْ هيَ المخفقةُ واللامُ هيَ الفارقةُ {وَءاخَرِينَ مِنْهُمْ} عطفٌ على الأميـينَ أوْ عَلى المنصوبِ في يعلِّمُهُم أيْ يعلِّمُهُم ويعلِّمُ آخرينَ منهُم أيْ من الأميـينَ وهُم الذينَ جَاءُوا بعدَ الصحابةِ إلى يومِ الدِّينِ فإنَّ دعوتَهُ عليهِ الصلاةُ والسلامُ وتعليمَهُ يعمُّ الجميعَ {لَمَّا يَلْحَقُواْ بِهِمْ} صفةٌ لآخرينَ أيْ لمْ يلحقُوا بهمْ بعدُ وسيلحقونَ {وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ} المبالغُ في العزةِ والحكمةِ ولذلكَ مكَّنَ رجلاً أمياً منْ ذلكَ الأمرِ العظيمِ واصطفاهُ منْ بـينِ كافةِ البشرِ.

القشيري

تفسير : قوله جل ذكره: {يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ}. تَسْبَحُ في بحارِ توحيد الحقِّ أسرارُ أهلِ التحقيق، وبَحْرُهم بلا شاطىء؛ فبعد ما حصلوا فيها فلا خروجَ ولا براحَ، فحازت أيديهم جواهرَ التفريد فرصَّعوها في تاج العرفان كي يَلْبَسُوه يومَ اللِّقاء. {ٱلْمَلِكِ ٱلْقُدُّوسِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَكِيمِ}. {ٱلْمَلِكِ}: الملك المتفرِّد باستحقاق الجبروت. {ٱلْقُدُّوسِ}: المُنزَّهُ عن الدرك والوصول: فليس بيد الخَلْقِ إلاَّ عرفان الحقائق بنعت التعالي، والتأمل في شهود أفعاله، فأمَّا الوقوف على حقيقة أنِّيته - فقد جَلَّتْ الصمديةُ عن إشرافٍ عليه، أو طمعِ إدراكٍ في حالِ رؤيته، أو جواز إحاطةٍ في العِلْم به.. فليس إلا قالة بلسانٍ مُسْتَنْطقٍ، وحالة بشهودِ حقِّ مستغرق. شعر : وقُلْنَ بنــا: نحــن الأهِـــلَّــة إنمـــا نُضـــيءُ لِمَـــنْ يَسْــــرِي بليــــلٍ ولا نَقْـــــرِي

البقلي

تفسير : {يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ} عجزها عن حمل وارد قهره حيث تسخرت لامر القدم بوجودها وهى كلها السنة افعاله بقدسه عن محل التهمة لذلك وصف نفسه بقوله {ٱلْمَلِكِ ٱلْقُدُّوسِ} قال الاستاذ تسبح فى بحار توحيد الحق اسرار اهل التحقيق بحرهم بلا شاطئ فبعد ما حصلوا فيها فلا خروج ولا براح فحازت ايديهم جواهر التفريد فوضعوها فى تاج العرفان ولبسوه يوم اللقاء.

اسماعيل حقي

تفسير : {يسبح لله مافى السموات ومافى الارض} جميعا من حى وجامد تسبيحات مستمرة فما فى السموات هى البدائع العلوية وما فى الارض هو الكوآئن السفلية فللكل نسبة الى الله تعالى بالحياة والتسبيح {الملك} بادشاهى كه ملك او دائمست وبى زوال {القدوس} باك از سمت عيب وصفت اختلال {العزيز} الغالب على كل ما أراد {الحكيم} صاحب الحكمة البديعة البالغة وقد سبق معانى هذه الاسماء فى سورة الحشر والجمهور على جر الملك وما بعده على انها صفات لاسم الله عز وجل. يقول الفقير بدأ الله تعالى هذه السورة بالتسبيح لما فيها من ذكر البعثة اذا خلاء العالم من المرشد معاف للحكمة ويجب تنزيه الله عنه ولما اشتملت عليه من بيان ادعاء اليهود كونهم ابناء الله واحباءه ولما ختمت به من ذكر ترك الذكر واستماع الخطبة المشتملة على الدعاء والحمد والتسبيح ونحو ذلك وفى التأويلات النجمية يعنى ينزه ذاته المقدسة مافى سموات المفهوم من مفهومات العامة ومفهومات الخاصة ومفهومات اخص الخاصة وما فى ارض المعلوم من معلومات العامة ومعلومات الخاصة ومعلومات اخص الخاصة وانما أضفنا السموات الى المفهوم واضفنا الارض الى المعلوم لفوقية رتبة الفهم على ربتة العلم وذلك قوله {أية : ففهمناها سليمان وكلا آتينا حكما وعلما}تفسير : ويدل على ذلك اصابة سليمان حقيقة المسألة المخصوصة بحسب نور الفهم لابحسب قوة العلم وهو العزيز الذى يعز من يشاء بخلعة نور الفهم الحكيم الذى يشرف من يشاء بحكمته بلبسه ضياء العلم

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {يُسَبِّحُ لله ما في السموات وما في الأرض}، وهذا التسبيح إمّا أن يكون: تسبيح خِلقة، يعني: أنك إذا نظرت إلى شيء دلتك خِلقتُه على وحدانيته تعالى، وتنزيهِه عما لا يليق به، وإمّا أن يكون تسبيح معرفة؛ بأن يخلق في كل شيء ما يعرفه به تعالى وينزّهه، ألا ترى إلى قوله تعالى: {أية : وَإِن مِن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِحُ بحَمدِهِ وَلَكِن لاَّ تَفْقَهُون تَسْبِيحَهُمْ }تفسير : [الإسراء:44]، أو: تسبيح ضرورة، بأن يُجري اللهُ التسبيحَ على كل جوهر, من غير معرفةٍ له بذلك. قاله النسفي. {الملكِ القُدُّسِ} أي: المنزَّه عما لا يليق به من الكمالات. ولا يُقال: المنزّه عن النقائص؛ إذ لا يصح اتصافه بها حتى تُنفى عنه، وربما يكون نقصاً في حقه، كما يُقال: الملِك ليس بجزار. {العزيزِ الحكيمِ}, وقرئت هذه الصفات الأربع بالرفع على المدح. {هو الذي بَعَثَ في الأميين رسولاً منهم} أي: بعث رجلاً أُميًّا في قوم أميين، وقيل: {منهم}: من أنفسهم، يعلمون نَسَبه وأحواله وصِدْقَه. والأُمي: منسوب إلى أميّة العرب؛ لأنهم لايقرؤون ولا يكتبون من بين الأمم. قيل. بُدئت الكتابة في العرب بالطائف, وهم أخذوها من أهل الحيرة، وأهل الحيرة من أهل الأنبار. {يتلو عليهم آياته}؛ القرآن {ويُزكِّيهم}؛ يطهرهم من الشرك وخبائث الجاهلية، {ويُعَلّمهم الكتابَ}؛ القرآن {والحكمةَ}؛ السُنَّة، أو الفقه في الدين، أو إتقان العلم والعمل، {وإِن كانوا من قبلُ لفي ضلالٍ مبين}؛ كفر وجهالة. و"إن" مخففة، أي: وإن الشأن كانوا في ضلال فظيع، وهو بيان لشدة افتقارهم لمَن يرشدهم، وإزاحة لِمَا عسى أن يتوهم مِن تعلُّمه صلى الله عليه وسلم مِن الغير؛ إذ كلهم كانوا مغروقين في الجهل والضلال، ليس فيهم مَن يعلم شيئاً. {وآخرين منهم}: عطف على "الأميين" أي: بعث في الأميين، الذين في عصره، وفي آخرين من الأميين {لَمَّا يلحقوا بهم} أي: لم يلحقوا بهم بعدُ، وسيلحقون، وهم الذين يأتون بعد الصحابة إلى يوم القيامة، وقيل: هم العجم، أي: وآخرين من جنسهم، وقيل: عطف على "يُعلّمهم" أي: يُعلّم أخرين منهم، وعلى كلِّ فدعوته صلى الله عليه وسلم عامة. {وهو العزيزُ الحكيم}؛ المبالغ في العزة والحكمة، ولذلك مكَّن رجلاً أميًّا من ذلك الأمر العظيم، واصطفاه من بين كافة البشر. {ذلك} الذي امتاز به محمد صلى الله عليه وسلم من بين سائر البشر {فضلُ الله} وإحسانه، أو: ذلك التوفيق حتى يؤمنوا من فضل الله، لا باستحقاق، أو الاعتناء بالبعث وعدم الإهمال، مع ما حصل منه من النتائج المذكورة، فضل من الله، وقطع الأسباب في الجملة في استحقاق الفضل؛ إذ علقه بالمشيئة في قوله: {يؤتيه مَن يشاء} تفضُّلاً وعطية، {والله ذو الفضل العظيم} الذي يُستحقر دونه نِعم الدنيا والآخرة. الإشارة: كل مَن لم يعرف الله معرفةَ العيان، فهو من الأميين، فكما مَنَّ الله تعالى على عباده ببعثه الرسول، بعد أن كانوا في ضلالٍ مبين، كذلك مَنَّ على أمته بعده، فبَعَثَ مشايخَ التربية يتلو عليهم آياته الدالة على شهوده وظهوره، ويزكيهم من الرذائل التي تحجبهم عن الله، ويُعلّمهم أسرارَ الكتاب، وأسرارَ الحكمة، وهي الشريعة، إذ لا يوقف على أسرارهما إلاّ بعد تطهير القلوب، وتزكية النفوس، وإن كانوا من قبل ملاقاة المشايخ لفي ضلال مبين، حائدين عن طريق الشهود، وبعث أيضاً في آخرين منهم من يُذكِّرهم ويُعرفهم بالله، وهكذا لا ينقطع الداعي إلى يوم القيامة، لكن لا يصل إليه إلاّ مَن أراد الله أن يوصله إليه، ولذلك قال: {ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء...} الآية. ولمَّا خَصَّ اللهُ العربَ بهذه المزية العظمى، قالت اليهود: نحن أهل الكتاب، وفينا العلم قبلكم، فأنزل الله تعالى: {مَثَلُ ٱلَّذِينَ حُمِّلُواْ ٱلتَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا}.

الطوسي

تفسير : لا خلاف بين القراء في هذه السورة إلا ما روي عن الأعمش انه قرأ {الجمعة} بسكون الميم. الباقون بضمها. وقد بينا معنى قوله {يسبح لله ما في السماوات وما في الأرض} وبينا وجه التكرار فيه. وإنما جاء - ها هنا - على لفظ المضارعة. وقوله {الملك} يعني المالك للاشياء كلها ليس لاحد منعه منها {القدوس} المستحق للتعظيم بتطهير صفاته من كل صفة نقص {العزيز} معناه القادر الذي لا يقهر ولا يغلب {الحكيم} فى جميع افعاله. وقوله {هو الذي بعث} يعني الله الذي وصفه بالصفات المذكورة هو الذي أرسل {في الأميين} قال قتادة ومجاهد: الاميون العرب. وقال قوم: هم أهل مكة، لانها تسمى أم القرى، والامي منسوب إلى انه ولد من أمه لا يحسن الكتابة. ووجه النعمة فى جعل النبوة في أمي موافقة ما تقدمت البشارة به في كتب الأنبياء السالفة، ولما فيه من انه أبعد من توهم الاستعانة على ما أتى به من الحكمة. وقوله {رسولا} مفعول {بعث} و {منهم} يعني من سميتهم الأميين ومن جملتهم {يتلو عليهم} أي يقرأ عليهم "آياته" أي حججه وبيناته من القرآن وغيرها "ويزكيهم" أي ويطهرهم من دنس الشرك بما يهد بهم إلى الايمان فيجعلهم أزكياء. وإنما يجعلهم كذلك بأن يدعوهم إلى طاعة الله التي يقع فيها الاجابة لانه لو دعاهم ولم يجيبوا لما قيل: إنه زكاهم، {ويعلمهم الكتاب والحكمة} قال قتادة: يعلمهم القرآن والسنة، والحكمة نعم الكتاب والسنة، وكل ما أراده الله، فان الحكمة هي العلم الذي يعمل عليه فيما يخشى او يحبب من أمر الدين والدنيا {وإن كانوا من قبل} يعني من قبل أن يبعث فيهم ويتلو عليهم القرآن {لفي ضلال مبين} أي في عدول عن الحق جائرين عن الصراط المستقيم مبين أي ظاهر. وقوله {وآخرين منهم لما يلحقوا بهم} قال ابن زيد ومجاهد: هم كل من بعد الصحابة إلى يوم القيامة، فان الله بعث النبي منهم وشريعته تلزمهم، وإن لم يلحقوا بزمان الصحابة. {وآخرين} نصب على تقدير ويزكي آخرين منهم، لما يلحقوا بهم. ويجوز ان يكون جرّاً، وتقديره هو الذي بعث في الأميين وفي آخرين، {وهو العزيز} الذي لا يغالب {الحكيم} في جميع أفعاله وما يأمر به. وقوله {ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء} {ذلك} إشارة إلى بعث الرسول بين الله تعالى ان إرساله الرسول {فضل} من {الله} ونعمة {يؤتيه} أي يعطيه {من يشاء} بحسب ما يعلمه من صلاحه مبعثة، وتحمل أعباء الرسالة {والله ذو الفضل العظيم} على عباده بما يفعل بهم من التفضل والاحسان ساعة بعد ساعة. وقوله {مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها} معنا {مثل الذين حملوا التوراة} يعني العمل بها وبما فيها، فحفظوها ودوّنوها في كتبهم ثم لم يعملوا بما فيها {كمثل الحمار يحمل أسفاراً} قال ابن عباس: الاسفار الكتب واحدها سفر، لانها تكشف عن المعنى باظهار حاله، يقال: سفر الرجل عن عمامته إذا كشف، وسفرت المرأة عن وجهها. وهي سافرة، وإنما مثلهم بالحمار لأن الحمار الذي يحمل كتب الحكمة على ظهره لا يدري بما فيها، ولا يحس بها كمثل من يحفظ الكتاب ولا يعمل به، وعلى هذا من تلا القرآن ولم يفهم معناه وأعرض عن ذلك اعراض من لا يحتاج اليه كان هذا المثل لاحقاً به. وإن من حفظه وهو طالب لمعناه وقد تقدم حفظه فليس من أهل هذا المثل. وقوله {بئس مثل القوم الذين كذبوا بآيات الله} معناه بئس القوم قوم هذا مثلهم، وهم الذين كذبوا بحجج الله وبيناته. ثم قال {والله لا يهدي القوم الظالمين} يعني الذين يظلمون نفوسهم بارتكاب المعاصي لا يحكم بهدايتهم، ولا يرشدهم إلى طريق الجنة.

صدر المتألهين الشيرازي

تفسير : جرّ هذه النعوت لأنها تابعة للاسم المجرور. وفي الكشّاف: قرئت صفات الله تعالى بالرفع على المدح، كأنّه قيل: "هو الملك القدّوس"، ولو قرئت منصوبة لكان وجهاً، كما قيل: "الحمد لله أهل الحمد". أي: يقدّس الله وينزّهه ويمجّده كلّ ما في العلو والسفل والملكوت الأعلى والأسفل. وإنّما قال مرّة: {سَبِّحُ لِلَّهِ} بصيغة الماضي، ومرّة: {يُسَبِّحُ لِلَّهِ} بصيغة المضارع ليكون تنبيهاً للناظر الخبير والأديب الأريب على دوام وقوع تنزيهه عن صفات الموجودات المتغيّرات، وعن سمات الممكنات الثابتات فيما سبق وفيما لحق، أي: سبّح له سوابق الممكنات، ويُسبّح له لواحق الكائنات ممّا في الأرض والسموات من جهة أسبابها وعللها السابقة، وعوارضها ونتايجها اللاحقة. إشراق الأسماء الحسنى في الآية الشريفة قد مر تفسير لفظ الجلالة في تفسيرنا لآية الكرسي. والملك الحقّ: ما له وجود كلّ شيء ويفتقر إليه كلّ شيء. فإنّ مَن لا يكون موجداً الكلّ ما سواه لم يكن له التصرّف في شيء واحد من الأشياء حيث شاء ومتى شاء وبأيّ وجه شاء، فلم يكن ملكاً حقّا لشيء، بل مع شركة من الغير وافتقار له إلى الغير، فكلّ ملك حقّ يجب أن يكون موجد الكلّ وإله الجميع. و "القدّوس": هو المجرّد المستغني في وجوده وحقيقته عن التعلقّ والارتباط بغيره سواء كان ذلك الغير فاعلاً له، أو غاية، أو مادّة، أو صورة أو موضوعا أو عَرَضاً، أو جزءً مطلقاً، وسواء كان التعلّق في الخارج، أو في العقل، كتعلّق وجود الشيء ذي الماهيّة بماهيّته، وكتعلّق النور بجنسه أو فصله، أو تعلّق أحدهما بالآخر، فالله سبحانه مقدّس عن التعلّق بشيء من المبادئ المقوّمة بسبب من الأسباب المحصّلة، لا سبب به يحصل، ولا سبب له يوجد، ولا منه ولا عنه ولا فيه ولا مَعَهُ، لأنّ كلاًّ من هذه الأمور تسقط أوّليّته وتصادم تقدّمه وإلهيّته، وهو مبدأ للأشياء ومنتهاها، وأوّلها وآخرها وظاهرها وباطنها. و "العزيز": بالحقيقة هو المتبّرئ عن كل نقص وآفة، والمتمجّد عن كلّ قصور وشَين، والممتنع عن أن تصل إلى نيل جلاله أفهام العاقلين فضلاً عن الغافلين، أو أن تدرك كنه جماله أنظار الموحّدين فضلاً عن أوهام الملحدين والمعطّلين. و "الحكيم": العالِم الذي يعلم نظام الخير في الأشياء ويضع الأشياء على وجه يوّدي إلى غاياتها الذاتيّة وتترتّب عليها وجوه المنافع وتتخلّى عن الشرور والآفات بقدر الإمكان، وبالجملة، على وجه يؤدّي المجموع إلى الخير المحض والاجمال المطلق والكمال الأتمّ والجلال الأرفع. فالحكمة مفهومها متحصّل من علم تامّ وقدرة بالغة. إذ القدرة صفة تؤثّر وفق العلم والإرادة، وهي فينا من الكيفيّات النفسانيّة مصحّحة للفعل وتركه، وقوّة على الشيء وضده، وتعلّقها بالطرفين على السويّة، فلا تكون تامّة لأنّها فينا إمكان صِرْف وقوّة محضة لأنّ مبادي أفاعلينا الاختياريّة واردة علينا من خارج - كالعلم بالفائدة أو ما في حكمه -، ثمّ الشوق، ثمّ الإجماع المسمّى بالإرادة والكراهة. وفيه تعالى هي الفعل مطلقاً إذ لا جهة إمكانيّة فيه سبحانه، وليست قدرته مندرجة تحت إحدى المقولات، بل هي نفس وجود ذاته وكونه بحيث تصدر عنه الموجودات لأجل علمه بنظام الخير الذي هو عين ذاته، فإذا نسبت إليه الممكنات من حيث إنّها صادرة عن علمه، كان علمه بهذا الاعتبار قدرة، وإذا نسبت إليه من حيث أن علمه كافٍ في صدورها، كان علمه بهذا الاعتبار إرادة، وإذا كانت الأشياء الصادرة عن علمه على غاية الإحكام والاتقان وخيريّة النظام، كان علمه بهذا الاعتبار حكمة. حكمة إشراقية عرشية سريان التسبيح إنّ في القرآن نصوصاً قاطعة على سريان تسبيح الحقّ كسريان نور الوجود والشهود في جميع المجودات، حتّى الجماد والنبات، وعليه دلائل وشواهد عقليّة وكشفيّة، وأمارات وإشارات نقليّة وسمعيّة. فمن الطريق الأوّل مسلكان: الأوّل: أنّ كلّ موجود من الموجودات العالميّة دالّ - لمن نظر وتأمّل فيه - على وجود صانعه ووحدانيته وعلمه وإرادته وقدرته وحكمته، دلالة عقليّة واضحة، فهي كلّها مسبّحة مهلّلة محمّدة مكبّرة، إذ حقيقة التسبيح والتهليل والتكبير والتحميد، هي الشهادة على وحدانيّة الصانع وتنزيهه عن النقائص، وإظهار عظمته وكبريائه، والدلالة على إلهيّته وقدرته، سواء كانت بالألفاظ أو بالذوات أو بالصفات، وسواء كانت الدلالة بوضع واضع وجَعْل جاعل، أو يكون وجود الدالّ عين كونه دالاً بلا تخلّل وضع واضع وجعل جاعل، فكلّ موجود بمنزلة كلام ناطق دالّ على تنزيهه تعالى وتقديسه، إذ يفهم منه وحدانيّته تعالى، واتّصافه بصفات الكمال، وتقدّسه عن سمات النقص والزوال، وأعلى المراتب في الشهادة والدلالة؛ دلالة ذاته لذاته، وشهادة صفاته على ذاته وصفاته وأفعاله، ثمّ دلالة أفعاله عليها، وهم الملائكة المقرّبون، ثمّ النفوس الصالحون المقدّسون، ثمّ سائر المكوّنات، كما قال تعالى: {أية : شَهِدَ ٱللَّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ وَٱلْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ ٱلْعِلْمِ قَآئِمَاً بِٱلْقِسْطِ} تفسير : [آل عمران:18]. قوله: {أية : وَيُسَبِّحُ ٱلرَّعْدُ بِحَمْدِهِ} تفسير : [الرعد:13]. المسلك الثاني: أنّ للحقّ تعالى معيّةً ثابتة مع جميع الموجودات، وظهوراً خاصّاً منه في كلّ الهويّات، ليس كمعيّة جوهر مع جوهر، أو جوهر مع عَرَض، أو عَرَض مع أحدهما، بل أشد من جميع المعيّات حتّى معيّة الوجود مع الماهيّة، فلا يكون ممازجاً ولا مواصلاً ولا مغايراً ولا مفاصلاً ولا متّحداً كاتّحاد موجود بموجود، ولا كاتّحاد ماهيّة متحصّلة بماهيّة متحصّلة، بل كما قال إمام الموحْدين ومقتدى العارفين أمير المؤمنين (ع): "مع كلّ شيء لا ببمازجة، وغير كلّ شيء لا بمزايلة". فكلّ موجود من الموجودات كقطرة في بحر وجوده، وذرّة متواصلة في إشراق ظهوره وشعاع نوره، فإذا كان الحقّ بجميع صفاته الكماليّة ونعوته الجماليّة والجلالية متجلياً على جميع الأشياء، فلكل من الموجودات عين شاهدة لأوصاف جماله، ولسان ملكوتيّ مسبّحٍ مقدّس لنعوت كماله، فكل ما في السموات وما في الأرض يسبّحه ويهلّله ويمجّده ويكبّره بجميع ألسنة ذاتها وقواها ومشاعرها وضمائرها وأسرارها وظواهرها وأطوارها قولاً وفعلاً وضميراً واعتقاداً. إشارة حِكَمية قد تقرّر في أنظارنا الحِكَميّة، وأسفارنا الإلهيّة، أنّ جميع الموجودات متوجّهة نحو الحقّ تعالى طبعاً وإرادة وعقلاً، وهذا المعنى مشاهَد في أكثر المحسوسات الجوهريّة، مثل بذر النبات في حركاته نحو الكمال، ونطفة الحيوان في تطوّراته من حال إلى حال، وخلقة الإنسان في شؤوناته من لدن كونه عقلاً هولانيّاً مهيّأً للاستكمال شيئاً فشيئاً إلى أن يبلغ مراتب الرجال الواصلين إلى درجة العقل المستفاد - بل الفعّال -، ثمّ يترقّى في طور الولاية والقرب إلى أن يصل إلى الله العزيز المتعال. وإذا ثبت هذا وتقرّر، ظهر أنّ كلّ موجود على حسب وجوده عارف بربّه المتّصف بصفات الجمال، المنزّه عن نقائص الإمكان والزوال، ومن عرف الله فلا محالة يسبّحه ويقدّسه وينزّهه بلسان الحال أو المقال أو الفِعال، فكلّ موجود يسبّح بحمده إلاّ من غلب عليه الوهم المغيّر لخلق الله. هذا من سوانح هذا المقام فافهم واغتنم. وأمّا الطريق الثاني: وهو طريق الذين لا يصدقّون بالأشياء إلاّ بمباشرة الحواسّ، لا ببرهان وقياس، فالمنقول من الآيات والأحاديث الدالّة على تسبيح الموجودات - حتّى الجمادات - كثيرة غير محصورة، فمنها ما أفصح الله عنه بقوله: {أية : أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَن فِي ٱلأَرْضِ وَٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ وَٱلنُّجُومُ وَٱلْجِبَالُ وَٱلشَّجَرُ وَٱلدَّوَآبُّ وَكَثِيرٌ مِّنَ ٱلنَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ ٱلْعَذَابُ} تفسير : [الحج:18]. ومنها قوله:{أية : أَوَ لَمْ يَرَوْاْ إِلَىٰ مَا خَلَقَ ٱللَّهُ مِن شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلاَلُهُ عَنِ ٱلْيَمِينِ وَٱلْشَّمَآئِلِ سُجَّداً لِلَّهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ} تفسير : [النحل:48]. فقد بيّن سبحانه أنّ ذلك التفيّؤ يميناً وشمالاً سجود لله وعبوديّة وخضوع وصغار وذلّة لجلاله وجماله. ومنها قوله تعالى متمّماً لهذا المعنى: {أية : وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ مِن دَآبَّةٍ وَٱلْمَلاۤئِكَةُ وَهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ * يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِّن فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} تفسير : [النحل:49 - 50] أي ممّن يدبّ عليها ثمّ قال: {وَهُمْ} يعني أهل السموات والملائكة، يعني التي ليست في سماء ولا في أرض {لاَ يَسْتَكْبِرُونَ} عن عبادة ربّهم، ثمّ وصفهم بالخوف ليعلّمنا أنّهم عالمون بمَن سجدوا له، ثمّ وصف المأمورين منهم أنّهم {وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ}. ثمّ قال في حقّ الذين هم عند ربّهم: {أية : يُسَبِّحُونَ لَهُ بِٱللَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ وَهُمْ لاَ يَسْأَمُونَ} تفسير : [فصلت:38] أي لا يملّون ولا يفترون، كل ذلك للدلالة على أنّ العالَم كلّه في مقام الشهود والعبادة والعلم والشهادة، إلاّ كلّ مخلوق له قوّة التفكّر، وليس إلاّ النفوس الوهمانيّة الشيطانيّة والحيوانيّة خاصّة من أعيان نفوسهم لا من حيث هياكلهم وظلالهم فإنّ هياكلهم وظلالهم كساير أعيان نفوسهم لا من حيث هياكلهم وظلالهم فإنّ هياكلهم وظلالهم كساير أعيان العالَم في التسبيح والتقديس والسجود، فأعضاء البدن كلّها مسبحة ألا تراها تشهد على النفوس المسخّرة لها يوم القيامة من الجلود والأيدي والألسن والسمع والبصر وجميع القوى، فالحكم لله العليّ الكبير. وأمّا النفوس الوهميّة فهي مؤتمرة للشيطان، مغيّرة خلق الله عمّا فطر عليه، مبتكة آذان الأنعام. ومنها: ما في الأدعية النبويّة - على الداعي وآله أفضل الصوات ولهم أجزل الدعوات -: "إلهي أنت الذي سجد لك السماء والأرض وسجد لك سواد الليل ونور النهار. وضوء القمر وشعاع الشمس، وحفيف الشجر ودويّ الماء". وإنّما ذكر هذه الأمور الضعيفة الوجود استظهاراً لتحقّق السجود والعبوديّة والشهادة والشهود لمباديها الجوهريّة الصوريّة ومقوّماتها النوعيّة النورية - فافهم واغتنم -. إشراق عرشيّ حقيقة التسبيح ومراتبها حقيقة التسبيح وروحه تجريد الذات الإلهيّة عن علائق الأكوان وشوائب الحدثان والإمكان، وهذا لا يتحصّل إلا ممّن كان له نحو من التجرّد والطهارة، فكلّ من كان أشدّ تجّرداً وأقوى براءة عن الموادّ الكونيّة، وأتمّ تخلّصاً عن الغواشي الدنيويّة، فهو أتمّ تسبيحاً للحق، لأنّ كل أحد لا يعتقد شيئاً إلاّ بما في جوهره وذاته. وهذه الحقيقة لها مراتب: إحداها: مرتبة الذات الأحديّة الإلهيّة، سبّوح قدّوس ربُّ الملائكة والروح. وثانيها: تسبيح الملائكة المقرّبين والعقول المهيّمين، ولكلّ واحد منهم تسبيح واحد مشتمل على أعداد تسبيحات التي دونه. وثالثها: تسبيح الملائكة السماويّة، ولكلّ منهم تسبيحات متعدّدة حسب أعداد الدورات الأكريّة الفلكيّة الكوكبيّة وأعداد الارتباطات والقرانات والأنظار والاتّصالات، وبالجملة حسب تكرّر الحوادث الماضية والآتية التي وقعت لكل كرة من الكرات، منسلكة كالسبحة في مسلك امتداد الأزمنة والأوقات. ورابعها: تسبيح الملائكة الأرضيّة والنفوس النطقيّة مع طبائعها وقواها الطبيعيّة السفليّة. وخامسها: ذكر الأبدان والأبعاد مع أعضائها وأجزائها، وكلّ واحد منها مسبّح وذاكر لربّه بلسان يخصّه، بل كلّ واحد لسان لذكر الحقّ وتسبيحه بوجه، كما ذكره صاحب فصوص الحكم بقوله: "فالكلّ ألسنة الحقّ ناطقة بالثناء عليه، بل إن شئت قلت: كلّ واحد تسبيح وذكر لربّه". والعالَم كلّه أيضاً من جهة الوحدة الطبيعيّة له كما أثبتها المحقّقون، تسبيح واحد وذكر مفرد لوصف جماله تعالى وجلاله، وسبحة واحدة بوجه آخر يوصف بها كماله تعالى وربوبيّته، وشخص مسبّح بوجه آخر، ولسان ذاكر له بوجه آخر. هذا باعتبار وحدته وإجماله، وأمّا باعتبار كثرته وتفصيله، فألسْنة متعدّدة وتسبيحات كثيرة أو مُثْنيات ومسبّحات حسب تعدّد الموجودات وتكثّر الممكنات، فإنّ كلّ طبيعة نوعية لها أفراد غير متناهية، فله مثال عقليّ هو ربّ أصنافها الشخصيّة، ونور ظلال أفرادها الماديّة، وهو الملك الهادي الملهِم لها طريق الخير والكمال، الصارف عنها الآفة والشرّ والوبال، وذلك الملك المدبّر المربي لها يسبّح الحقّ بألْسِنة تلك الأفراد كلّها، كما أشير إليه في الإشارات النبويّة والرموز الوَلَويّة. وبهذا يتضح ويستكشف تسبيح الجمادات والنباتات بلا مِرْيَة، حيث لكلّ نوع منها وجه إلى الحقّ لأوّل، وهو طباعة التامّ وحقيقته الأصليّة، وهو المقوّم لأفراده المتمّم لآحاده، بحيث يكون فعلها فعله، وذاتها ذاته لأنّ نسبة أفراد كلّ نوع طبيعيّ متكثّر الأجسام متخالف الأصنام إلى ما يدبّر أجسامها ويربّي أصنامها، نسبة البدن بما فيه من الأجزاء والقوى إلى النفس الناطقة، إلاّ أنّه لا ينفعل ولا يتأثر بها كما تنفعل نفوسنا عن أبداننا وقواها ما دُمنا في هذا العالَم. فكما أنّ وجود البدن وقواه متّحد مع وجود النفس وأفعاله، مستهلك في أفعالها، فكذلك الحكم فيما أشرنا إليه. وهذا الوجه في تسبيح هذه الموجودات قريب المأخذ ممّا ذكره بعض العارفين في تأويل هذه الآية وهو قوله: "المسبِّح": هو الروح المنبَثّ في سائر الأرواح، والقائم بالصور والأشباح، وهو وجه الوجوه إلى الحقّ، وسرّ الذوات المتنوعّة بتنوّعات الخلْق، قال الله تعالى: {أية : كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ}تفسير : [القصص:88]. فـ "الهاء" في "وجهه" عائدة إلى الشيء الهالك الذي لا يفنى حقيقة بفناء قالبه الحسّي وصورته الحسّية، والروح هي المسبّحة الطائعة والمشاهدة السامعة مستمرّة الحكم بذلك في الوجود، منها التسبيح والسجود حين الصَعق اللاحق بها في الآخرة، حين يقول الله سبحانه: {أية : لِّمَنِ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ} تفسير : [غافر:16]، فلا يجيبه أحد لخمودها بالصعق الأخروي، فيجيب نفسه بنفسه: {أية : لِلَّهِ ٱلْوَاحِدِ ٱلْقَهَّارِ} تفسير : [غافر:16].

الجنابذي

تفسير : {يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ} قد مضى وجه الاداء بالماضى فى السّور السّابقة، والاتيان بالمضارع فى هذه السّورة وفى التّغابن {ٱلْمَلِكِ ٱلْقُدُّوسِ} قد مضى بيان قدسه تعالى والفرق بينه وبين تسبيحه فى البقرة عند قوله تعالى: ونحن نسبّح بحمدك ونقدّس لك {ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَكِيمِ} التّوصيف بهذه الاوصاف لبيان علّة تسبيح الاشياء تماماً له، وقرئ الكلّ بالرّفع على المدح.

الأعقم

تفسير : {يسبح لله ما في السماوات وما في الأرض} أي ينزهه كل شيء ويشهد بالوحدانية والربوبيَّة بما ركب فيه من التدابير العجيبة والصنيع البديع الدال على أنه عالمٌ حيٌ سميعٌ بصيرٌ لا يشبهه شيء وإنه حكيم، وأما قوله مرة سبَّح ومرة يسبّح إشارة إلى دوام تنزيهه بالماضي والمستقبل {الملك} القادر على جميع الأشياء {القدوس} الطاهر المنزه عن المثل والشبه والأفعال القبيحة {العزيز} القادر الذي لا يمتنع عليه شيء {الحكيم} العالم {هو الذي بعث في الأميين رسولاً} الأمي منسوب إلى أم القرى لأنهم كانوا لا يكتبون ولا يقرون من بين الأمم، وقيل: {منهم} كقوله: من أنفسكم {يتلو عليهم آياته} يقرؤها عليهم مع كونه أميَّاً لم يعهد منه قراءة {ويزكيهم} ويطهرهم من الشرك {ويعلمهم الكتاب والحكمة} القرآن والسنة {وإن كانوا من قبل} أي قبل مبعثه {لفي ضلال مبين} عن الحق وذهاب عن الدين لا يرى ضلالاً أعظم منه {وآخرين منهم}، قيل: ويعلم آخرين من المؤمنين، قيل: كل من بعد الصحابة، وقيل: هم العجم التابعين، وقيل: جميع من يدخل في الاسلام إلى يوم القيامة، وقيل: لما نزلت قيل: حديث : من هم يا رسول الله؟ فوضع يده على سلمان وقال: "لو كان الإِيمان عند الثريا لناله رجال من هؤلاء" تفسير : وقوله: {لمّا يلحقوا بهم} أي لم يلحقوا بالعرب {وهو العزيز الحكيم} في تمكينه رجلاً أميناً من ذلك الأمر العظيم من بين كافة البشر {ذلك فضل الله} الذي أعطاه محمداً {يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم}.

الهواري

تفسير : تفسير سورة الجمعة، وهي مدنية كلها {بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} قوله عز وجل: {يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ الْمَلِكِ القُدُّوسِ} أي المبارك في تفسير الحسن. وقال الكلبي: القدوس: الطاهر {الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ} في تفسير الحسن: لعزته ذلّ من دونه، وفي تفسير بعضهم: العزيز في نقمته، الحكيم في أمره. قوله: {هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ} العرب {رَسُولاً مِّنْهُمْ} أي: كانوا أميين ليس عندهم كتاب من عند الله كما كان لأهل الكتاب، وقد كانوا يخطون بأيديهم. قال عز وجل: {يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ} يعني القرآن {وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ} قال بعضهم: الكتاب: القرآن، والحكمة: السنة، والزكاة: العمل الصالح. قال عز وجل: {وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ} أي: كانوا قبل أن يأتيهم محمد صلى الله عليه وسلم بالكتاب والحكمة {لَفِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ} أي: بيّن. قال عز وجل: {وَءَاخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُواْ بِهِمْ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} أي: بعث في الأميين رسولاً منهم وفي آخرين لما يلحقوا بهم بعد. في تفسير الحسن: إنهم الذين اتبعوا أصحاب النبي عليه السلام. وقال مجاهد: وآخرين منهم لما يلحقوا بهم: أي: إخوانهم من العجم. ذكروا عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : بينما أنا في غنم لي سوداء إذ خَالطها غنم عفراء، قال انس قال: هم قوم يأتون بعدكم فيكون بهم مال وجمال وإخوان . تفسير : ذكروا عن الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : أنا سابق العرب، وسلمان سابق الفرس، وبلال سابق الحبشة وصهيب سابق الروم .

اطفيش

تفسير : {يُسَبِّحُ للهِ مَافِى السَّمَٰوَاتِ وَمَا فِى الأَرْضِ المَلِكِ القُدُّوسِ العَزِيزِ الحَكِيمِ} فصل بين النعت والمنعوت بالفاعل وقرىء برفع الملك وما بعده على القطع مدحاً.

اطفيش

تفسير : {بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. يُسَبَّحُ للهِ} تسبيحاً مستمراً فالمضارع للتجدد {مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ} الظروف فيهما وأجزاؤهما {الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ} مر تفسير ذلك {هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ} العرب القرويين والبدويين نسب إِلى الأُم الوالدة كأَنهم بعد ما بلغوا وتقووا ولدوا فى الحين بحيث لا يعرفون الكتابة لا يقرءُون المكتوب ولا يكتبون ولا يعرفون الحساب إِلا قليلا، وكذلك من استغرق فى العلوم العربية يعالج الحساب علاجا ولو كان عجميا. قال ابن عمر قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "حديث : إِنا أُمة لا نكتب ولا نحسب"تفسير : . رواه البخارى ومسلم وغيرهما وقيل نسب إِلى أُمة العرب أى بعث فى الأُمة المعهودة بأَنها لا تكتب ولا تحسب فهو أنسب بقومه الذين بعث هو منهم فلا يقال يأخذ من الكتب ما يقول أنه أوحى إِليه أو يستعين بها وكذا يسمى أُميا فى كتب الأَنبياء وقيل إِلى أُم القرى وهى مكة، والصحيح الأَول المشهور واقتصر بعضهم فى تفسيره على أنه الذى لا يكتب ويقال بدأت كتابة العرب وهى قليلة أخذوها من أهل الحيرة، وأهل الحيرة أخذوها من الأَنبار وأشكال حروفهم أحسن الأَشكال، وأقبح الخط حروف النصارى ومن معهم إِلا حروف كتبهم فأَشكالها حسنة وقيل الأُميون من ليس من أهل الكتاب، كما عم الكتابيون فى قولهم ليس علينا فى الأُميين سبيل كل من ليس منهم ووجهه أنه من ليس له كتاب لا يعتنى بالكتابة، فشملت الآية العرب والفرس وسائر العجم. {رَسُولاً مِّنْهُمْ} هو متعلق بمحذوف نعت لرسولا أو يبعث وعلى كل حال يفيد أنه - صلى الله عليه وسلم - أُمى سواء جعلنا من للابتداء كما يتبادر من تعليقها ببعث أو للتبعيض فإِن من كان مبعوثا من الأُميين أُمى، ومن ثبتت رسالته منهم أُمى، وذلك أن هاء منهم عائدة إِلى الأُميين، لا كما قيل إِن جعلت تبعيضية والبعضية باعتبار الجنس فلا تدل الآية على أنه أُمى، وباعتبار الخاصة المشتركة تدل لأَنا نقول الجنس موصوف بالأُمية. {يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ} مع كونه أُميا مثلهم لم يعاشر من يكتب من العجم أو غيرهم، ولم تعهد قراءته ولا تعلمه ومع ذلك أخبرهم بما فى التوراة والإِنجيل فبان أنه نبى - صلى الله عليه وسلم - وآياته ما نزل إِليه من القرآن الدال على الحلال والحرام والمواعظ والقصص، وقيل دلائل نبوته والهاء لله تعالى أو له - صلى الله عليه وسلم - {وَيُزَكِّيهِمْ} يسعى فى تحصيل طهارتهم من خبائث الاعتقاد والقول والفعل {وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ} ألفاظ القرآن ويتبعها ما يفهمون من معانيها وقيل الكتاب الفرائض. {وَالْحِكْمَةَ} السنة الموحاة وما يؤدى إِليه اجتهاده - صلى الله عليه وسلم - المستند إِليهما على الصحيح وهو أنه قد يجتهد أو الحكمة معانى القرآن وغيرها ووسط بين التلاوة وبينهما ذكر التزكية مع تقدمهم فى الوجود إِشعارا بأَن كلا من التلاوة والحكمة وتعليم الكتاب نعمة على حدة ولو لم يوسط التزكية لربما توهم أنهن نعمة واحدة، ولا تكرير بين التلاوة وتعليم الكتاب لأَنها مجرد التبليغ والتعليم معالجة أن يحفظوا ألفاظ القرآن والتعليم مترتب فى الوجود على التلاوة والتزكية عبارة عن تكميل النفس بحسب قوتها العلمية وتهذيبها يتفرع على تكميلها بحسب القوة النظرية ويعتبر تارة بالقرآن وتارة بالكتاب وتارة بالآيات وتارة بالذكر مراعاة لمفهوماتها وجوز كون الكتاب كناية عن جميع النقليات والحكمة كناية عن جميع العقليات كالتعبير بالسماوات والأَرض عن جميع الموجودات وبالمهاجرين والأَنصار عن جميع الصحابة كما تذكر أئمة الصلاة فى مضاب فى أدعيتهم المهاجرين والأَنصار ويحصل فى أذهانهم العموم فيما أظن. {وَإِنْ كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ} من خبث الإِشراك وما دونه من المعاصى والمكروهات الكراهة الشديدة وسوء الأَدب فهم محتاجون جدا إِلى ما يزيل عنهم ذلك الخبث والكلام فى أصحاب الشرك فلا حاجة إِلى أن نقول المراد فى الآية الأَكثر وأنه لا يرد إِسلام ورقة ابن نوفل ونحوه على قول إِسلامه، وإِن مخففة من الثقيلة واللام للفرق بين النفى والإِثبات.

الالوسي

تفسير : {يُسَبّحُ لِلَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ } تسبيحاً متجدداً على سبيل الاستمرار / {ٱلْمَلِكِ ٱلْقُدُّوسِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَكِيمِ } صفات للاسم الجليل، وقد تقدم معناها. وقرأ أبو وائل ومسلمة بن محارب ورؤبة وأبو الدينار والأعرابـي برفعها على المدح، وحسن ذلك الفصل الذي فيه نوع طول بين الصفة والموصوف، وجاء كذلك عن يعقوب، وقرأ أبو الدينار وزيد بن علي {ٱلْقدوس} بفتح القاف.

سيد قطب

تفسير : نزلت هذه السورة بعد سورة "الصف" السابقة. وهي تعالج الموضوع الذي عالجته سورة الصف، ولكن من جانب آخر، وبأسلوب آخر، وبمؤثرات جديدة. إنها تعالج أن تقر في أخلاد الجماعة المسلمة في المدينة أنها هي المختارة أخيراً لحمل أمانة العقيدة الإيمانية؛ وأن هذا فضل من الله عليها؛ وأن بعثة الرسول الأخير في الأميين ـ وهم العرب ـ منة كبرى تستحق الالتفات والشكر، وتقتضي كذلك تكاليف تنهض بها المجموعة التي استجابت للرسول، واحتملت الأمانة؛ وأنها موصولة على الزمان غير مقطوعة ولا منبتة، فقد قدر الله أن تنمو هذه البذرة وتمتد. بعدما نكل بنو إسرائيل عن حمل هذه الأمانة وانقطعت صلتهم بأمانة السماء؛ وأصبحوا يحملون التوراة كالحمار يحمل أسفاراً، ولا وظيفة له في إدراكها، ولا مشاركة له في أمرها! تلك هي الحقيقة الرئيسية التي تعالج السورة إقرارها في قلوب المسلمين. من كان منهم في المدينة يومذاك على وجه الخصوص، وهم الذين ناط الله بهم تحقيق المنهج الإسلامي في صورة واقعة. ومن يأتي بعدهم ممن أشارت إليهم السورة، وضمتهم إلى السلسلة الممتدة على الزمان. وفي الوقت ذاته تعالج السورة بعض الحالات الواقعة في تلك الجماعة الأولى؛ في أثناء عملية البناء النفسي العسيرة المتطاولة الدقيقة. وتخلصها من الجواذب المعوقة من الحرص والرغبة العاجلة في الربح، وموروثات البيئة والعرف. وبخاصة حب المال وأسبابه الملهية عن الأمانة الكبرى، والاستعداد النفسي لها. وتشير إلى حادث معين. حيث كان رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يخطبهم في المسجد للجمعة حين حضرت قافلة من قوافلهم التجارية؛ فما إن أعلن نبأ قدومها حتى انفض المستمعون منصرفين إلى التجارة واللهو الذي كانت القافلة تحاط به - على عادة الجاهلية - من ضرب بالدفوف وحداء وهيصة!وتركوا رسول الله صلى الله عليه وسلم قائماً. فيما عدا اثني عشر من الراسخين فيهم أبو بكر وعمر بقوا يستمعون! كما تذكر الروايات، التي قد لا تكون دقيقة من حيث العدد، ولكنها ثابتة من حيث وقوع هذه الحركة من عدد من الحاضرين اقتضى التنبيه إليها في القرآن الكريم. وهي حادثة تكشف بذاتها عن مدى الجهد الذي بذل في تربية تلك الجماعة الأولى حتى انتهت إلى ما انتهت إليه؛ وحتى صارت ذلك النموذج الفريد في تاريخ الإسلام وفي تاريخ البشرية جميعاً. وتلهمنا الصبر على مشقة بناء النفوس في أي جيل من الأجيال، لتكوين الجماعة المسلمة التي تنهض بحمل أمانة هذه العقيدة، وتحاول تحقيقها في عالم الواقع كما حققتها الجماعة الأولى. وفي السورة مباهلة مع اليهود، بدعوتهم إلى تمني الموت للمبطلين من الفريقين وذلك رداً على دعواهم أنهم أولياء الله من دون الناس، وأنهم شعب الله المختار، وأن بعثة الرسول في غيرهم لا تكون! كما كانوا يدعون! مع جزم القرآن بأنهم لن يقبلوا هذه المباهلة التي دعوا إليها فنكلوا عنها لشعورهم ببطلان دعواهم. وتعقب السورة على هذا بتقرير حقيقة الموت الذي يفرون منه، وأنه ملاقيهم مهما فروا، وأنهم مردودون إلى عالم الغيب والشهادة فمنبئهم بما كانوا يعملون.. وهو تقرير لا يخص اليهود وحدهم، إنما يلقيه القرآن ويدعه يفعل فعله في نفوس المؤمنين كذلك. فهذه الحقيقة لا بد أن تستقر في نفوس حملة أمانة الله في الأرض، لينهضوا بتكاليفها وهم يعرفون الطريق! هذا هو اتجاه السورة، وهو قريب من اتجاه سورة الصف قبلها، مع تميز كل منهما بالجانب الذي تعالجه، وبالأسلوب الذي تأخذ القلوب به، والظلال التي تلقيها هذه وتلك في الاتجاه الواحد العام. فلننظر كيف يتناول الأسلوب القرآني هذا الاتجاه.. {يسبح لله ما في السماوات وما في الأرض، الملك القدوس العزيز الحكيم}.. هذا المطلع يقرر حقيقة التسبيح المستمرة من كل ما في الوجود لله؛ ويصفه ـ سبحانه ـ بصفات ذات علاقة لطيفة بموضوع السورة. السورة التي اسمها "الجمعة" وفيها تعليم عن صلاة الجمعة، وعن التفرغ لذكر الله في وقتها، وترك اللهو والتجارة، وابتغاء ما عند الله وهو خير من اللهو ومن التجارة. ومن ثم تذكر: {الملك}.. الذي يملك كل شيء بمناسبة التجارة التي يسارعون إليها ابتغاء الكسب. وتذكر {القدوس} الذي يتقدس ويتنزه ويتوجه إليه بالتقديس والتنزيه كل ما في السماوات والأرض، بمناسبة اللهو الذي ينصرفون إليه عن ذكره. وتذكر {العزيز}.. بمناسبة المباهلة التي يدعى إليها اليهود والموت الذي لا بد أن يلاقي الناس جميعاً والرجعة إليه والحساب. وتذكر {الحكيم}.. بمناسبة اختياره الأميين ليبعث فيهم رسولاً يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة.. وكلها مناسبات لطيفة المدخل والاتصال. ثم يبدأ في موضوع السورة الرئيسي: {هو الذي بعث في الأميين رسولاً منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم، ويعلمهم الكتاب والحكمة، وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين. وآخرين منهم لما يلحقوا بهم، وهو العزيز الحكيم}.. قيل إن العرب سموا الأميين لأنهم كانوا لا يقرأون ولا يكتبون ـ في الأعم الأغلب ـ وروي عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أنه قال: "حديث : الشهر هكذا وهكذا وهكذا وأشار بأصابعه"تفسير : وقال: "حديث : إنا نحن أمة أمية لا نحسب ولا نكتب"تفسير : .. وقيل: إنما سمي من لا يكتب أمياً لأنه نسب إلى حال ولادته من الأم، لأن الكتابة إنما تكون بالإستفادة والتعلم. وربما سموا كذلك كما كان اليهود يقولون عن غيرهم من الأمم: إنهم "جوييم" باللغة العبرية أي أمميون. نسبة إلى الأمم ـ بوصفهم هم شعب الله المختار وغيرهم هم الأمم! ـ والنسبة في العربية إلى المفرد.. أمة.. أميون.. وربما كان هذا أقرب بالنسبة إلى موضوع السورة. ولقد كان اليهود ينتظرون مبعث الرسول الأخير منهم، فيجمعهم بعد فرقة، وينصرهم بعد هزيمة، ويعزهم بعد ذل. وكانوا يستفتحون بهذا على العرب، أي يطلبون الفتح بذلك النبي الأخير. ولكن حكمة الله اقتضت أن يكون هذا النبي من العرب، من الأميين غير اليهود؛ فقد علم الله أن يهود قد فرغ عنصرها من مؤهلات القيادة الجديدة الكاملة للبشرية ـ كما سيجيء في المقطع التالي في السورة ـ وأنها زاغت وضلت كما جاء في سورة الصف. وأنها لا تصلح لحمل الأمانة بعدما كان منها في تاريخها الطويل! وكانت هناك دعوة إبراهيم خليل الرحمن ـ عليه الصلاة والسلام ـ تلك الدعوة التي أطلقها في ظل البيت هو وإسماعيل عليه السلام: {أية : وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل.. ربنا تقبل منآ إنك أنت السميع العليم، ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنآ أمة مسلمة لك وأرنا مناسكنا وتب علينآ إنك أنت التواب الرحيم. ربنا وابعث فيهم رسولاً منهم يتلوا عليهم آياتك، ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم. إنك أنت العزيز الحكيم }.. تفسير : كانت هناك هذه الدعوة من وراء الغيب، ومن وراء القرون، محفوظة عند الله لا تضيع، حتى يجيء موعدها المقدور في علم الله، وفق حكمته؛ وحتى تتحقق في وقتها المناسب في قدر الله وتنسقيه، حتى تؤدي دورها في الكون حسب التدبير الإلهي الذي لا يستقدم معه شيء، ولا يستأخر عن موعده المرسوم. وتحققت هذه الدعوة ـ وفق قدر الله وتدبيره ـ بنصها الذي تعيده السورة هنا لتذكر بحكاية ألفاظ إبراهيم.. {رسولاً منهم يتلوا عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة}.. كما قال إبراهيم! حتى صفة الله في دعاء إبراهيم: {أية : إنك أنت العزيز الحكيم}تفسير : هي ذاتها التي تعقب على التذكير بمنة الله وفضله هنا: {وهو العزيز الحكيم}. وقد سئل رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ عن نفسه فقال: "حديث : دعوة أبي إبراهيم. وبشرى عيسى. ورأت أمي حين حملت بي كأنه خرج منها نور أضاءت له قصور بصرى من أرض الشام ". تفسير : {هو الذي بعث في الأميين رسولاً منهم يتلوا عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين}.. والمنة ظاهرة في اختيار الله للأميين ليجعلهم أهل الكتاب المبين؛ وليرسل فيهم رسولاً منهم، يرتفعون باختياره منهم إلى مقام كريم؛ ويخرجهم من أميتهم أو من أمميتهم بتلاوة آيات الله عليهم، وتغيير ما بهم، وتمييزهم على العالمين.. {ويزكيهم}.. وإنها لتزكية وإنه لتطهير ذلك الذي كان يأخذهم به الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ تطهير للضمير والشعور، تطهير للعمل والسلوك، وتطهير للحياة الزوجية، وتطهير للحياة الاجتماعية. تطهير ترتفع به النفوس من عقائد الشرك إلى عقيدة التوحيد؛ ومن التصورات الباطلة إلى الاعتقاد الصحيح، ومن الأساطير الغامضة إلى اليقين الواضح. وترتفع به من رجس الفوضى الأخلاقية إلى نظافة الخلق الإيماني. ومن دنس الربا والسحت إلى طهارة الكسب الحلال.. إنها تزكية شاملة للفرد والجماعة ولحياة السريرة وحياة الواقع. تزكية ترتفع بالإنسان وتصوراته عن الحياة كلها وعن نفسه ونشأته إلى آفاق النور التي يتصل فيها بربه، ويتعامل مع الملأ الأعلى؛ ويحسب في شعوره وعمله حساب ذلك الملأ العلوي الكريم. {ويعلمهم الكتاب والحكمة}.. يعلمهم الكتاب فيصبحون أهل الكتاب. ويعلمهم الحكمة فيدركون حقائق الأمور، ويحسنون التقدير، وتلهم أرواحهم صواب الحكم وصواب العمل وهو خير كثير. {وأن كانوا من قبل لفي ضلال مبين}.. ضلال الجاهلية التي وصفها جعفر بن أبي طالب لنجاشي الحبشة حين بعثت قريش إليه عمرو بن العاص وعبد الله بن أبي ربيعة ليكرّهاه في المهاجرين من المسلمين، ويشوها موقفهم عنده، فيخرجهم من ضيافته وجيرته.. فقال جعفر: "أيها الملك. كنا قوماً أهل جاهلية. نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام، ونسيء الجوار، ويأكل القوي منا الضعيف.. فكنا على ذلك حتى بعث الله إلينا رسولاً منا، نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه. فدعانا إلى الله لنوحده ولنعبده ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان؛ وأمرنا بصدق الحديث، وأداء الأمانة، وصلة الرحم، وحسن الجوار، والكف عن المحارم والدماء. ونهانا عن الفواحش وقول الزور، وأكل مال اليتيم، وقذف المحصنات، وأمرنا أن نعبد الله ولا نشرك به شيئاً، وأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام".. ومع كل ما كانوا عليه في الجاهلية من ضلال فقد علم الله أنهم هم حملة هذه العقيدة الأمناء عليها، بما علم في نفوسهم من استعداد للخير والصلاح؛ ومن رصيد مذخور للدعوة الجديدة؛ وقد فرغت منه نفوس اليهود التي أفسدها الذل الطويل في مصر، فامتلأت بالعقد والالتواءات والانحرافات، ومن ثم لم تستقم أبداً بعد ذلك، لا في حياة موسى عليه السلام، ولا من بعده. حتى كتب الله عليهم لعنته وغضبه، وانتزع من أيديهم أمانة القيام على دينه في الأرض إلى يوم القيامة. وعلم الله أن الجزيرة في ذلك الأوان هي خير مهد للدعوة التي جاءت لتحرير العالم كله من ضلال الجاهلية، ومن انحلال الحضارة في الإمبراطوريات الكبيرة، التي كان سوس الانحلال قد نخر فيها حتى اللباب! هذه الحالة التي يصفها كاتب أوربي حديث فيقول: "ففي القرنين الخامس والسادس كان العالم المتمدين على شفا جرف هار من الفوضى. لأن العقائد التي كانت تعين على إقامة الحضارة كانت قد انهارت، ولم يك ثم ما يعتد به مما يقوم مقامها. وكان يبدو إذ ذاك أن المدنية الكبرى التي تكلف بناؤها أربعة آلاف سنة، مشرفة على التفكك والانحلال؛ وأن البشرية توشك أن ترجع ثانية إلى ما كانت عليه من الهمجية، إذ القبائل تتحارب وتتناحر، لا قانون ولا نظام. أما النظم التي خلقتها المسيحية فكانت تعمل على الفرقة والانهيار بدلاً من الاتحاد والنظام. وكانت المدنية، كشجرة ضخمة متفرعة امتد ظلها إلى العالم كله، واقفة تترنح وقد تسرب إليها العطب حتى اللباب.. وبين مظاهر هذا الفساد الشامل ولد الرجل الذي وحد العالم جميعه".. وهذه الصورة مأخوذة من زاوية النظر لكاتب أوربي. وهي من زاوية النظر الإسلامية أشد عتاماً وظلاماً! وقد اختار الله ـ سبحانه ـ تلك الأمة البدوية في شبه الجزيرة الصحراوية لتحمل هذا الدين، بما علم في نفوسها وفي ظروفها من قابلية للاستصلاح وذخيرة مرصودة للبذل والعطاء. فأرسل فيهم الرسول يتلو عليهم آيات الله ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة. وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين. {وآخرين منهم لما يلحقوا بهم، وهو العزيز الحكيم}.. وهؤلاء الآخرون وردت فيهم روايات متعددة.. قال الإمام البخاري ـ رحمه الله تعالى ـ: حدثنا عبد العزيز بن عبد الله، حدثنا سليمان بن بلال، عن ثور، عن أبي الغيث، عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ قال: "حديث : كنا جلوساً عند النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فأنزلت عليه سورة الجمعة {وآخرين منهم لما يلحقوا بهم} قالوا: من هم يا رسول الله؟ فلم يراجعهم حتى سئل ثلاثاً، وفينا سلمان الفارسي، فوضع رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يده على سلمان الفارسي ثم قال: لو كان الإيمان عند الثريا لناله رجال أو رجل من هؤلاء"تفسير : . فهذا يشير إلى أن هذا النص يشمل أهل فارس. ولهذا قال مجاهد في هذه الآية: هم الأعاجم وكل من صدق النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ من غير العرب. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا إبراهيم بن العلاء الزبيدي، حدثنا الوليد بن مسلم. حدثنا أبو محمد عيسى بن موسى عن أبي حازم، عن سهل بن سعد الساعدي. قال: قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم -: "حديث : إن في أصلاب أصلاب أصلاب رجال ونساء من أمتي يدخلون الجنة بغير حساب"تفسير : . ثم قرأ: {وآخرين منهم لما يلحقوا بهم}.. يعني بقية من بقي من أمة محمد صلى الله عليه وسلم. وكلا القولين يدخل في مدلول الآية. فهي تدل على آخرين غير العرب. وعلى آخرين غير الجيل الذي نزل فيه القرآن. وتشير إلى أن هذه الأمة موصولة الحلقات ممتدة في شعاب الأرض وفي شعاب الزمان، تحمل هذه الأمانة الكبرى، وتقوم على دين الله الأخير. {وهو العزيز الحكيم}.. القوي القادر على الاختيار. الحكيم العليم بمواضع الاختيار.. واختياره للمتقدمين والمتأخرين فضل وتكريم: {ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم}.. وإن اختيار الله لأمة أو جماعة أو فرد ليحمل هذه الأمانة الكبرى، وليكون مستودع نور الله وموضع تلقي فيضه، والمركز الذي تتصل فيه السماء بالأرض.. إن اختيار الله هذا لفضلٌ لا يعدله فضل. فضل عظيم يربى على كل ما يبذله المؤمن من نفسه وماله وحياته؛ ويربى على متاعب الطريق وآلام الكفاح وشدائد الجهاد. والله يذكر الجماعة المسلمة في المدينة، والذين يأتون بعدها الموصولين بها والذين لم يحلقوا بها. يذكرهم هذا الفضل في اختيارهم لهذه الأمانة، ولبعث الرسول فيهم يتلو عليهم الكتاب ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة. ويترك للآتين في أطواء الزمان ذلك الرصيد الضخم من الزاد الإلهي، ومن الأمثلة الواقعية في حياة الجماعة الأولى. يذكرهم هذا الفضل العظيم الذي تصغر إلى جانبه جميع القيم، وجميع النعم؛ كما تصغر إلى جانبه جميع التضحيات والآلام.. بعد ذلك يذكر ما يفيد أن اليهود قد انتهى دورهم في حمل أمانة الله؛ فلم تعد لهم قلوب تحمل هذه الأمانة التي لا تحملها إلا القلوب الحية الفاقهة المدركة الواعية المتجردة العاملة بما تحمل: {مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار يحمل أسفاراً. بئس مثل القوم الذين كذبوا بآيات الله والله لا يهدي القوم الظالمين}.. فبنو إسرائيل حملوا التوراة، وكلفوا أمانة العقيدة والشريعة.. {ثم لم يحملوها}.. فحملها يبدأ بالإدراك والفهم والفقه، وينتهي بالعمل لتحقيق مدلولها في عالم الضمير وعالم الواقع. ولكن سيرة بني إسرائيل كما عرضها القرآن الكريم ـ وكما هي في حقيقتها ـ لا تدل على أنهم قدروا هذه الأمانة. ولا أنهم فقهوا حقيقتها، ولا أنهم عملوا بها. ومن ثم كانوا كالحمار يحمل الكتب الضخام، وليس له منها إلا ثقلها. فهو ليس صاحبها. وليس شريكاً في الغاية منها! وهي صورة زرية بائسة، ومثل سيِّئ شائن، ولكنها صورة معبرة عن حقيقة صادقة {بئس مثل القوم الذين كذبوا بآيات الله والله لا يهدي القوم الظالمين}.. ومِثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها.. كل الذين حملوا أمانة العقيدة ثم لم يحملوها. والمسلمون الذين غبرت بهم أجيال كثيرة، والذين يعيشون في هذا الزمان، وهم يحملون أسماء المسلمين ولا يعملون عمل المسلمين. بخاصة أولئك الذين يقرأون القرآن والكتب، وهم لا ينهضون بما فيها.. أولئك كلهم، كالحمار يحمل أسفاراً. وهم كثيرون كثيرون! فليست المسألة كتب تحمل وتدرس. إنما هي مسألة فقه وعمل بما في الكتب. وكان اليهود يزعمون ـ كما يزعمون حتى اليوم ـ أنهم شعب الله المختار، وأنهم هم أولياؤه من دون الناس وأن غيرهم هم "الجوييم" أو الأمميون أو الأميون. وأنهم من ثم غير مطالبين بمراعاة أحكام دينهم مع غيرهم من الأميين: {قالوا ليس علينا في الأميين سبيل}.. إلى آخر هذه الدعاوى التي تفتري الكذب على الله بلا دليل! فهنا دعوة لهم إلى المباهلة التي تكررت معهم ومع النصارى ومع المشركين: {قل: يا أيها الذين هادوا إن زعمتم أنكم أوليآء لله من دون الناس فتمنوا الموت إن كنتم صادقين. ولا يتمنونه أبدا بما قدمت أيديهم والله عليم بالظالمين. قل: إن الموت الذي تفرون منه فإنه ملاقيكم، ثم تردون إلى عالم الغيب والشهادة، فينبئكم بما كنتم تعملون}.. والمباهلة معناها وقوف الفريقين المتنازعين وجهاً لوجه، ودعاؤهما معاً إلى الله أن ينكل بالمبطل منهما.. وقد خاف كل من دعاهم رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ إلى هذه المباهلة ونكلوا عنها، ولم يقبلوا التحدي فيها. مما يدل على أنهم في قرارة نفوسهم كانوا يعرفون صدق رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وحقية هذا الدين. وقد قال الإمام أحمد: حدثنا إسماعيل بن يزيد الزرقي، حدثنا أبو يزيد، حدثنا فرات، عن عبد الكريم ابن مالك الجزري، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: "حديث : قال أبو جهل ـ لعنه الله ـ إن رأيت محمداً عند الكعبة لآتينه حتى أطأ على عنقه. قال: فقال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: لو فعل لأخذته الملائكة عياناً. ولو أن اليهود تمنوا الموت لماتوا ورأوا مقاعدهم من النار. ولو خرج الذين يباهلون رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ لرجعوا لا يجدون أهلاً ولا مالا ". تفسير : وقد لا تكون هذه مباهلة ولكن مجرد تحد لهم، بما أنهم يزعمون أنهم أولياء لله من دون الناس. فما يخيفهم إذن من الموت، ويجعلهم أجبن خلق الله؟ وهم حين يموتون ينالون ما عند الله مما يلقاه الأولياء والمقربون؟! ثم عقب على هذا التحدي بما يفيد أنهم غير صادقين فيما يدعون، وأنهم يعرفون أنهم لم يقدموا بين أيديهم ما يطمئنون إليه، وما يرجون الثواب والقربى عليه، إنما قدموا المعصية التي تخيفهم من الموت وما وراءه. والذي لم يقدم الزاد يجفل من ارتياد الطريق: {ولا يتمنونه أبداً بما قدمت أيديهم والله عليم بالظالمين}.. وفي نهاية الجولة يقرر حقيقة الموت وما بعده، ويكشف لهم عن قلة الجدوى في فرارهم من الموت، فهو حتم لا مهرب منه، وما بعده من رجعة إلى الله، وحساب على العمل حتم كذلك لا ريب فيه: {قل: إن الموت الذي تفرون منه فإنه ملاقيكم. ثم تردون إلى عالم الغيب والشهادة، فينبئكم بما كنتم تعملون}.. وهي لفتة من اللفتات القرآنية الموحية للمخاطبين بها وغير المخاطبين. تقر في الأخلاد حقيقة ينساها الناس، وهي تلاحقهم أينما كانوا.. فهذه الحياة إلى انتهاء. والبعد عن الله فيها ينتهي للرجعة إليه، فلا ملجأ منه إلا إليه. والحساب والجزاء بعد الرجعة كائنان لا محالة. فلا مهرب ولا فكاك. روى الطبري في معجمه من حديث معاذ بن محمد الهذلي عن يونس عن الحسن عن سمرة مرفوعاً: "مثل الذي يفر من الموت كمثل الثعلب، تطلبه الأرض بديْن، فجاء يسعى، حتى إذا أعيا وأنهر دخل جحره، فقالت له الأرض: يا ثعلب! ديْني. فخرج له حصاص. فلم يزل كذلك حتى تقطعت عنقه فمات".. وهي صورة متحركة موحية عميقة الإيحاء.. والآن يجيء المقطع الأخير في السورة خاصاً بتعليم يتعلق بالجمعة، بمناسبة ذلك الحادث الذي وقع ربما أكثر من مرة، لأن الصيغة تفيد التكرار: {يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع. ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون. فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله واذكروا الله كثيراً لعلكم تفلحون}. {وإذا رأوا تجارة أو لهواً انفضوا إليها وتركوك قآئماً. قل: ما عند الله خير من اللهو ومن التجارة. والله خير الرازقين}.. وصلاة الجمعة هي الصلاة الجامعة، التي لا تصح إلا جماعة.. وهي صلاة أسبوعية يتحتم أن يتجمع فيها المسلمون ويلتقوا ويستمعوا إلى خطبة تذكرهم بالله. وهي عبادة تنظيمية على طريقة الإسلام في الإعداد للدنيا والآخرة في التنظيم الواحد وفي العبادة الواحدة؛ وكلاهما عبادة. وهي ذات دلالة خاصة على طبيعة العقيدة الإسلامية الجماعية التي تحدثنا عنها في ظلال سورة الصف. وقد وردت الأحاديث الكثيرة في فضل هذه الصلاة والحث عليها والاستعداد لها بالغسل والثياب والطيب. جاء في الصحيحين عن ابن عمر ـ رضي الله عنهما ـ قال: "حديث : قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم -: إذا جاء أحدكم إلى الجمعة فليغتسل ".. تفسير : وروى أصحاب السنة الأربعة من حديث أوس بن أوس الثقفي قال: "حديث : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم - يقول: من غسل واغتسل يوم الجمعة، وبكر وابتكر، ومشى ولم يركب، ودنا من الإمام واستمع ولم يلغ، كان له بكل خطوة أجر سنة صيامها وقيامها ".. تفسير : وروى الإمام أحمد من حديث كعب بن مالك عن أبي أيوب الأنصاري قال: "حديث : سمعت رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقول: من اغتسل يوم الجمعة ومس من طيب أهله إن كان عنده، ولبس من أحسن ثيابه، ثم خرج يأتي المسجد، فيركع إن بدا له، ولم يؤذ أحداً، ثم أنصت إذا خرج إمامه حتى يصلي، كانت كفارة لما بينها وبين الجمعة الأخرى ".. تفسير : والآية الأولى في هذا المقطع تأمر المسلمين أن يتركوا البيع ـ وسائر نشاط المعاش ـ بمجرد سماعهم للأذان: {يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع}.. وترغبهم في هذا الانخلاع من شؤون المعاش والدخول في الذكر في هذا الوقت: {ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون}.. مما يوحي بأن الانخلاع من شؤون التجارة والمعاش كان يقتضي هذا الترغيب والتحبيب. وهو في الوقت ذاته تعليم دائم للنفوس؛ فلا بد من فترات ينخلع فيها القلب من شواغل المعاش وجواذب الأرض، ليخلو إلى ربه، ويتجرد لذكره، ويتذوق هذا الطعم الخاص للتجرد والاتصال بالملأ الأعلى، ويملأ قلبه وصدره، من ذلك الهواء النقي الخالص العطر ويستروح شذاه! ثم يعود إلى مشاغل العيش مع ذكر الله: {فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله واذكروا الله كثيراً لعلكم تفلحون}.. وهذا هو التوازن الذي يتسم به المنهج الإسلامي. والتوازن بين مقتضيات الحياة في الأرض، من عمل وكد ونشاط وكسب. وبين عزلة الروح فترة عن هذا الجو وانقطاع القلب وتجرده للذكر. وهي ضرورة لحياة القلب لا يصلح بدونها للاتصال والتلقي والنهوض بتكاليف الأمانة الكبرى. وذكر الله لا بد منه في أثناء ابتغاء المعاش، والشعور بالله فيه هو الذي يحول نشاط المعاش إلى عبادة. ولكنه ـ مع هذا ـ لا بد من فترة للذكر الخالص، والانقطاع الكامل، والتجرد الممحض. كما توحي هاتان الآيتان. وكان عراك بن مالك ـ رضي الله عنه ـ إذا صلى الجمعة انصرف فوقف على باب المسجد فقال: "اللهم إني أجبت دعوتك، وصليت فريضتك، وانتشرت كما أمرتني. فارزقني من فضلك وأنت خير الرازقين".. (رواه ابن أبي حاتم).. هذه الصورة تمثل لنا كيف كان يأخذ الأمر جداً، في بساطة تامة، فهو أمر للتنفيذ فور سماعه بحرفيته وبحقيقته كذلك! ولعل هذا الإدراك الجاد الصريح البسيط هو الذي ارتقى بتلك المجموعة إلى مستواها الذي بلغت إليه، مع كل ما كان فيها من جواذب الجاهلية. مما تصوره الآية الأخيرة في السورة: {وإذا رأوا تجارة أو لهواً انفضوا إليها وتركوك قآئما. قل: ما عند الله خير من اللهو ومن التجارة والله خير الرازقين}.. عن جابر ـ رضي الله عنه ـ قال: "بينا نحن نصلي مع النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ إذ أقبلت عير تحمل طعاماً، فالتفتوا إليها حتى ما بقي مع النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ إلا اثنا عشر رجلاً، منهم أبو بكر وعمر رضي الله عنهما. فنزلت: {وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها وتركوك قائماً}.. وفي الآية تلويح لهم بما عند الله وأنه خير من اللهو ومن التجارة. وتذكير لهم بأن الرزق من عند الله {والله خير الرازقين}.. وهذا الحادث كما أسلفنا يكشف عن مدى الجهد الذي بذل في التربية وبناء النفوس حتى انتهت إلى إنشاء تلك الجماعة الفريدة في التاريخ. ويمنح القائمين على دعوة الله في كل زمان رصيداً من الصبر على ما يجدونه من ضعف ونقص وتخلف وتعثر في الطريق. فهذه هي النفس البشرية بخيرها وشرها. وهي قابلة أن تصعد مراقي العقيدة والتطهر والتزكي بلا حدود، مع الصبر والفهم والإدراك والثبات والمثابرة، وعدم النكوص من منتصف الطريق. والله المستعان.

ابن عاشور

تفسير : افتتاح السورة بالإِخبار عن تسبيح أهل السماوات والأرض لله تعالى براعة استهلال لأن الغرض الأول من السورة التحريض على شهود الجمعة والنهي عن الأشغال التي تشغل عن شهودها وزجر فريق من المسلمين انصرفوا عن صلاة الجمعة حِرصاً على الابتياع من عِيرٍ وردت المدينة في وقت حضورهم لصلاة الجمعة. وللتنبيه على أن أهل السماوات والأرض يجددون تسبيح الله ولا يفترون عنه أوثر المضارع في قوله: {يسبح}. ومعاني هذه الآية تقدمت مفرقة في أوائل سورة الحديد وسورة الحشر. سوى أن هذه السورة جاء فيها فعل التسبيح مُضارعاً وجيء به في سواها ماضياً لمناسبةٍ فيها وهي: أن الغرض منها التنويه بصلاة الجمعة والتنديد على نفر قطعوا عن صلاتهم وخرجوا لتجارة أو لهو فمناسب أن يحكى تسبيح أهل السماوات والأرض بما فيه دلالة على استمرار تسبيحهم وتجدده تعريضاً بالذين لم يتموا صلاة الجمعة. ومعاني صفات الله تعالى المذكورة هنا تقدمت في خواتم سورة الحشر. ومناسبة الجمع بين هذه الصفات هنا أن العظيم لا يَنصرِف عن مجلس من كان عنده إلا عند انفضاض مجلسه أو إيذانه بانصرافهم. و{القُدوس}: المنزَّه عن النقص وهو يُرغب في حضرته. و{العزيز}: يَعتز الملتفون حوله. فمفارقتهم حضرته تفريط في العزة. وكذلك {الحكيم} إذا فارق أحد حضرته فاته في كل آن شيء من الحكمة كما فات الذين انفضوا إلى العِير مَا خطب به النبي صلى الله عليه وسلم إذْ تركوه قائماً في الخطبة.

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 1- يُسبح لله وينزِّهه عما لا يليق به كل ما فى السموات وما فى الأرض. المالك لكل شئ. المتصرف فيه بلا منازع، المنزه تنزيهاً كاملاً عن كل نقص، الغالب على كل شئ، ذى الحكمة البالغة. 2- الله هو الذى أرسل فى العرب الذين لا يعرفون الكتابة رسولاً منهم. يقرأ عليهم آياته ويُطهرهم من خبائث العقائد والأخلاق، ويُعلمهم القرآن والتَّفقه فى الدين، وأنهم كانوا قبل بعثته لفى انحراف عن الحق شديد الوضوح.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: يسبح لله ما في السماوات وما في الأرض: أي ينزه الله تعالى عما لا يليق به ما في السماوات وما في الأرض من سائر الكائنات بلسان القال والحال، ولم يقل (من) بدل (ما) تغليباً لغير العاقل لكثرته علي العاقل. في الأميين: أي العرب لندرة من كان يقرأ منهم ويكتب. رسولاً منهم: أي محمداً صلى الله عليه وسلم إذ هو عربي قرشي هاشمي. ويزكيهم: أي يطهرهم أرواحاً وأخلاقاً. ويعلمهم الكتاب والحكمة: أي هدى الكتاب وأسرار هدايته. وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين: أي وإن كانوا من قبل بعثة الرسول في ضلال الشرك والجاهلية. وآخرين منهم لما يلحقوا بهم: أي وآخرين مؤمنين صالحين لما يلحقوا أي لم يحضروا حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يُعلْم الكتابَ والحكمة، وسيلحقون بهم وهم كل من لم يحضر حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم من العرب والعجم. ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء: أي كون الصحابة حازوا فضل السبق هذا فضل يؤتيه من يشاء فلا اعتراض ولكن الرضا وسؤال الله من فضله فإنه ذو فضل عظيم. معنى الآيات: قوله تعالى: {يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ} يخبر تعالى عن نفسه أنه يسبحه بمعنى ينزهه عن كل ما لا يليق بجلاله وكماله من سائر مظاهر العجز والنقص ويقدسه كذلك وذلك بلسان الحال والقال وهذا كقوله من سورة الإِسراء وإن من شيء إلا يسبح بحمده، ولكن لا تفقهون تسبيحهم. ومع هذا شرع لنا ذكره وتسبيحه وتعبدنا به، وجعله عونا لنا على تحمل المشاق واجتياز الصعاب فكم أرشد رسوله له في مثل قوله: سبح اسم ربك، وسبحه بكرة وأصيلا، وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل الغروب، ومن الليل فاسجد له وسبحه ليلاً طويلاً. وواعد على لسانه رسوله بالجزاء العظيم على التسبيح في مثل قوله صلى الله عليه وسلم "حديث : من قال سبحان الله وبحمده مائة مرة غفرت ذنوبه ولو كانت مثل زبد البحر" تفسير : ورغب فيه في مثل قوله: "حديث : كلمتان ثقيلتان في الميزان خفيفتان على اللسان حبيبتان إلى الرحمن سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم ". تفسير : وقوله {ٱلْمَلِكِ ٱلْقُدُّوسِ} أي المالك الحاكم المتصرف في سائر خلقه لا حكم إلا له. ومرد الأمور كلها إليه المنزه عن كل ما لا يليق بجلاله وكماله من سائر النقائص والحوادث. وقوله تعالى {ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَكِيمِ} أي كل خلقه ينزهه ويقدسه وهو العزيز الغالب على أمره الذي لا يُحال بينه وبين مراده الحكيم في صنعه وتدبيره لأوليائه وفي ملكه وملكوته. وقوله تعالى: {هُوَ ٱلَّذِي بَعَثَ فِي ٱلأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِّنْهُمْ} أي بعث في الأمة العربية الأمية رسولا منهم هو محمد صلى الله عليه وسلم إذ هو عربي قرشي هاشمي معروف النسب إلى جده الأعلى عدنان من ولد إسماعيل بن إبراهيم الخليل. وقوله: {يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ} أي آيات الله التي تضمنها كتابه القرآن الكريم وذلك لهدايتهم وإصلاحهم، وقوله ويزكيهم أي ويطهرهم أرواحاً وأخلاقاً وأجساماً من كل ما يدنس الجسم ويدنس النفس ويفسد الخلق. وقوله ويعلمهم الكتاب والحكمة. أي يعلمهم الكتاب الكريم يعلمهم معانيه وما حواه من شرائع وأحكام، ويعلمهم الحكمة في كل أمورهم والإِصابة والسداد في كل شؤونهم، يفقههم في أسرار الشرع وحكمه في أحكامه. وقوله {وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ} أي والحال والشأن أنهم كانوا من قبل بعثته فيهم لفي ضلال مبين ضلال في العقائد ضلال في الآداب والأخلاق ضلال في الحكم والقضاء في السياسة، وإدارة الأمور العامة والخاصة. وقوله تعالى: وآخرين منهم لما يلحقوا بهم أي وآخرين من العرب والعجم جاءوا من بعدهم وهم التابعون وتابعوا التابعين إلى يوم القيامة آمنوا وتعلموا الكتاب والحكمة التي ورثها رسول الله فيهم لما يلحقوا بهم في الفضل لأنهم فازوا بالسبق إلى الإِيمان وبصحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- تقرير التوحيد. 2- تقرير النبوة المحمدية. 3- بيان فضل الصحابة على غيرهم. 4- شرف الإِيمان والمتابعة للرسول وأصحابه رضي الله عنهم.

القطان

تفسير : القدّوس: صفة من صفات الله ومعناها: المنزه عن النقائص. الأُميون: هم العرب، لأنهم كانوا لا يعرفون القراءة والكتابة إلا نسبة قليلة منهم. يزكيهم: يطهّرهم من الشرك وآخرين لمّا يلحقوا بهم: وغيرهم من الناس سيأتون بعدهم. يسبّح لله وينزّهه عما لا يليق به كلُّ ما في هذا الوجود من بشرٍ وحيوان وشجر وجماد، هو الملكُ القُدّوس المنزه عن النقائص، المتصفُ بالكمال، {ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ}. والله تعالى هو الذي ارسلَ رسولَه محمداً صلى الله عليه وسلم من العرب الأميين الذين لا يقرأون ولا يكتبون، كي يتلو عليهم القرآن، ويزكّيهم بالاخلاق الفاضلة ويطهرهم من الشرك وعبادة الاوثان، ويعلّمهم الشرائع والعلم النافع ليقودوا العالم وينشروا القِيَم الفاضلة في الشرق والغرب.. وقد كان ذلك من أولئك الأميين بفضل الاسلام وتحت راية القرآن. {وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ} وأي ضلالٍ اكبر من عبادة الاصنام وإتيان الفواحش، كما قال جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه يخاطب النجاشيّ ملكَ الحبشة لما هاجروا اليه: "أيها الملك كنّا قوماً أهلَ جاهلية، نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام، ونسيء الجِوار، ويأكل القويُّ منا الضعيف، فكنا على ذلك حتى بعث الله إلينا رسولاً منا، نعرف نسبه وصِدقه وأمانته وعفافه. فدعانا الى الله لنوحّده ولنعبده، ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان. وأمرَنا بصدق الحديث، وأداء الامانة وصلة الرحم، وحُسن الجوار، والكفّ عن المحارم والدماء، ونهانا عن الفواحش وقول الزور، وأكْل مال اليتيم، وقذف المحصنات. وأمَرَنا ان نعبد الله ولا نشرك به شيئا، وأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام." {وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُواْ بِهِمْ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ} وبعثه الله تعالى الى جماعات آخرين من العرب وغيرِهم من جميع العالم لم يجيئوا بعد، سيأتون ويحملون مِشعلَ الهداية وينشرون نور الاسلام في مشارق الارض ومغاربها. وهذا يعني أن هذه الأمة المباركة موصولةُ الحلقات ممتدة في جميع اطراف الأرض على مدى الزمان، تحمل هذه الأمانةَ وتُخرج الناس من الظلمات الى النور. والتاريخُ شاهد على ذلك، وهذه الآية من دلائل النبوة، ومن الأدلّة على ان القرآن من عند الله. {وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ} والله ذو العزة والسلطان. {ذَلِكَ فَضْلُ ٱللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ وَٱللَّهُ ذُو ٱلْفَضْلِ ٱلْعَظِيمِ} إن ذلك الاختيارَ من الله، اختيارَ رسوله الكريم في هذه الأمة التي هي خير أمةٍ أُخرجت للناس - فضلٌ كبير من الله لا يَعدِله فضل، وتكريم كبير لأمة الاسلام السابقين واللاحقين منهم. نسأل الله تعالى ان يرد زعماء هذه الأمة الى دينهم، ويبصّرهم شئون أمتهم ويهديهم سواء السبيل.

د. أسعد حومد

تفسير : {ٱلسَّمَاوَاتِ} (1) - يُخْبِرُ اللهُ تَعَالَى عِبَادَهُ أَنَّهُ يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ، وَمَا فِي الأَرْضِ مِنْ مَخْلُوقَاتٍ، وَهُوَ تَعَالَى المَالِكُ المُتَصَرِّفُ فِي السَّمَاوَاتِ والأَرْضِ، بِقُدْرَتِهِ وَحِكْمَتِهِ، وَهُوَ المُنَزَّهُ عَنْ صِفَاتِ النَّقْصِ التِي لاَ تَلِيقُ بِجَلاَلِهِ، وَهُوَ العَزِيزُ الذِي لاَ يُغَالَبُ، الحَكِيمُ فِي شَرْعِهِ وَتَدْبِيرِهِ. سَبَّحَ - نَزَّهَ وَمَجَّدَ. المَلِكِ - مَالكِ الأَشْيَاءِ كُلّهَا. القُدُّوسِ - المُنَزَّهِ عَنِ النَّقَائِصِ. العَزِيزِ - القَادِرِ الذِي لاَ يُغَالَبُ.

الثعلبي

تفسير : {يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ ٱلْمَلِكِ ٱلْقُدُّوسِ} قال أهل اللغة: كل أسم على فعّول بتشديد للعين فالفاء منه منصوبة، نحو سفّود وكلّوب وسمّور وشبّوط وهو ضرب من السمك إلاّ أحرف: سبّوح وقدّوس، ومردوح لواحد المراديح، وحكى الفراء عن الكسائي قال: سمعت أبا الدنيا وكان إعرابياً فصيحاً يقرأ القدوس بفتح القاف ولعلها لغة. {ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَكِيمِ} وقرأ أبو وائل الملك القدوس بالرفع على معنى هو الملك القدوس. أخبرني عبد الله بن حامد قال: أخبرنا أحمد بن عبد الله قال: حدّثنا محمد بن عبد الله ابن سليمان قال: حدّثنا محمد بن إسحاق الرازي قال: حدّثنا إسحاق بن سليمان قال: سمعت عمرو بن أبي قيس عن عطاء بن السائب عن ميسرة قال: هذه الآية {يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ ٱلْمَلِكِ ٱلْقُدُّوسِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَكِيمِ} في التوراة سبعمائة آية. {هُوَ ٱلَّذِي بَعَثَ فِي ٱلأُمِّيِّينَ} يعني العرب {رَسُولاً مِّنْهُمْ} محمداً صلى الله عليه وسلم {يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ ٱلْكِتَابَ وَٱلْحِكْمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ * وَآخَرِينَ مِنْهُمْ} في {وَآخَرِينَ} وجهان من الأعراب: أحدهما الخفض على الرد الى الأميين، مجازه: وفي آخرين، والثاني: النصب على الردّ الى الهاء والميم من قوله {وَيُعَلِّمُهُمُ} أي ويعلم آخرين منهم أي من المؤمنين الذين يدينون بدينه. {لَمَّا يَلْحَقُواْ بِهِمْ} أي لم يدركوهم ولكنهم يكونون بعدهم. وأختلف العلماء فيهم فقال ابن عمرو سعيد بن جبير: هم العجم، وهي رواية ليث عن مجاهد يدلّ عليه كما روى ثور بن يزيد عن أبي العتب عن أبي هريرة قال: "حديث : لما نزلت هذه الآية {وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُواْ بِهِمْ} كلّمه فيها الناس فأقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم على سلمان فقال: لو كان (الدين)عند الثريا لناله رجال من هؤلاء ". تفسير : وأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا محمد بن خلف قال: حدّثنا إسحاق بن محمد قال: حدّثنا أبي قال: حدّثنا إبراهيم بن عيسى قال: حدّثنا علي بن علي قال: حدّثني أبو حمزة الثمالي قال: حدّثني حُصين بن عبد الرحمن عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم "حديث : رأيتني تبعني غنم سود ثم أتبعتها غنم سود ثم اتبعتها غنم عفر" أوّلها أبا بكر قال: أمّا السود فالعرب، وأما العفر فالعجم تبايعك بعد العرب، قال: "كذلك عبّرها الملك سحر"تفسير : يعني وقت السحر. وبه عن أبي حمزة قال: حدّثني السدي قال: كان عبد الرحمن بن أبي ليلى إذا قال: رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فأنه يعني به علياً، وإذا قال: رجل من أهل بدر فأنما يعني به علياً، فكان أصحابه لا يسألونه عن أسمه، وقال: عكرمة ومقاتل: هم التابعون، وقال ابن زيد وابن حيان: هم جميع من دخل في الإسلام بعد النبي صلى الله عليه وسلم الى يوم القيامة وهي رواية ابن أبي نحيح عن مجاهد. وروى سهل بن سعد الساعدي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : وأن في أصلاب أصلاب أصلاب رجال (أمتي) رجالا ونساء يدخلون الجنة بغير حساب" تفسير : ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم {وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُواْ بِهِمْ} {وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ * ذَلِكَ فَضْلُ ٱللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ وَٱللَّهُ ذُو ٱلْفَضْلِ ٱلْعَظِيمِ * مَثَلُ ٱلَّذِينَ حُمِّلُواْ ٱلتَّوْرَاةَ} أي كلّفوا العمل بها {ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا} ولم يعملوا بما فيها ولم يؤدّوا حقّها {كَمَثَلِ ٱلْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً} كتباً من العلم والحكمة. قال الفراء: هي الكتب العظام واحدها سفر، ونظيرها في الكلام شبر وأشبار وجلد وأجلاد فكما أن الحمار يحملها ولا يدري ما فيها ولاينتفع بها كذلك اليهود يقرؤون التوراة ولا ينتفعون به، لأنهم خالفوا ما فيه. أنشدنا أبو القاسم بن أبي بكر المكتب قال: أنشدنا أبو بكر محمد بن المنذر قال: أنشدنا أبو محمد العشائي المؤدب قال: أنشدنا أبو سعيد الضرير: شعر : زوامل للأسفار لا علم عندهم بجيّدها إلا كعلم الأباعر لعمرك ما يدري المطي إذا غدا بأسفاره إذ راح ما في الغرائز تفسير : {بِئْسَ مَثَلُ ٱلْقَوْمِ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِ ٱللَّهِ وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلظَّالِمِينَ * قُلْ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ هَادُوۤاْ إِن زَعمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَآءُ لِلَّهِ مِن دُونِ ٱلنَّاسِ} محمد وأصحابه {فَتَمَنَّوُاْ ٱلْمَوْتَ} فادعوا على أنفسكم بالموت {إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} أنكم أبناء الله وأحباؤه فإن الموت هو الذي يوصلكم إليه. {وَلاَ يَتَمَنَّونَهُ أَبَداً بِمَا قَدَّمَتْ أَيْديهِمْ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِٱلظَّالِمِينَ} . أخبرنا الحسن قال: حدّثنا السني قال: حدّثنا النسائي قال: أخبرني عمرو بن عثمان قال: حدّثنا بقية بن الوليد قال: حدّثنا الزبيدي قال: حدّثني الزهري عن أبي عبيد أنه سمع أبا هريرة يقول قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : لا يتمن أحدكم الموت أما محسن فإن يعش يزدد خيراً فهو خيرٌ له وأما مسيئاً فلعلّه أن يستعتب ".

الصابوني

تفسير : اللغَة: {ٱلأُمِّيِّينَ} العرب المعاصرين للنبي صلى الله عليه وسلم سُمُّوا بذلك لاشتهارهم بالأمية وهي عدم القراءة والكتابة {يُزَكِّيهِمْ} من التزكية وهي التطهير من دنس الشرك والمعاصي {أَسْفَاراً} جمع سفر وهو الكتاب الكبير قال الشاعر: شعر : زوامل للأسفار لا علم عندهم بجيِّدها إِلا كعلم الأباعر لعمرك ما يدري البعيرُ إِذا غدا بأوساقه أو راحَ ما في الغرائر تفسير : {هَادُوۤاْ} تدينوا باليهودية {ٱنفَضُّوۤاْ} تفرقوا وانصرفوا. سَبَبُ النّزول: عن جابر رضي الله عنه قال: "بينما النبي صلى الله عليه وسلم يخطب يوم الجمعة قائماً، إذْ قدمت عيرٌ من المدينة، فابتدرها أصحابُ رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى لم يبق منهم إلا اثنا عشر رجلاً أنا فيهم وأبو بكر وعمر، فأنزل الله تعالى: {وَإِذَا رَأَوْاْ تِجَارَةً أَوْ لَهْواً ٱنفَضُّوۤاْ إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَآئِماً..} الآية. التفسِير: {يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ} أي ينزِّه الله ويمجده ويقدِّسه كلُّ شيء في الكون من إنسانٍ، وحيوان، ونبات، وجماد، وصيغةُ المضارع {يُسَبِّحُ} لإِفادة التجدد والاستمرار، فهو تسبيحٌ دائم على الدوام {ٱلْمَلِكِ} أي هو الإِله المالك لكل شيء، المتصرف في خلقه بالإِيجاد والإِعدام {ٱلْقُدُّوسِ} أي المقدَّس والمنزَّه عن النقائص، المتصف بصفات الكمال {ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَكِيمِ} أي العزيز في ملكه، الحكيم في صنعه {هُوَ ٱلَّذِي بَعَثَ فِي ٱلأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِّنْهُمْ} أي هو جل وعلا برحمته وحكمته الذي بعث في العرب رسولاً من جملتهم، أمياً مثلهم لا يقرأ ولا يكتب قال المفسرون: سُمي العرب أميّين لأنهم لا يقرأون ولا يكتبون، فقد اشتهرت فيهم الأمية كما قال عليه الصلاة والسلام "حديث : نحن أمةٌ أمية، لا نكتب ولا نحسب"تفسير : الحديث والحكمةُ في اقتصاره على ذكر الأميين، مع أنه رسولٌ إِلى كافة الخلق، تشريفُ العرب حيث أُضيف صلوات الله عليه إِليهم، وكفى بذلك شرفاً للعرب {يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ} أي يقرأ عليهم آيات القرآن {وَيُزَكِّيهِمْ} أي ويطهرهم من دنس الكفر والذنوب قال ابن عباس: أي يجعلهم أزكياء القلوب بالإِيمان {وَيُعَلِّمُهُمُ ٱلْكِتَابَ وَٱلْحِكْمَةَ} أي ويعلمهم ما يتلى من الآيات والسنة النبوية المطهرة {وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ} أي وإِنَّ الحال والشأن أنهم كانوا من قبل إِرسال محمد صلى الله عليه وسلم إِليهم لفي ضلالٍ واضح، عن النهج القويم، والصراط المستقيم قال ابن كثير: بعث الله محمداً صلى الله عليه وسلم على حين فترةٍ من الرسل، وطموسٍ من السُّبُل، وقد اشتدت الحاجة إِليه، فقد كان العرب متمسكين بدين إِبراهيم الخليل فبدلوه وغيَّروه، واستبدلوا بالتوحيد شركاً، وباليقين شكاً، وابتدعوا أشياء لم يأذن بها اللهُ، وكذلك كان أهل الكتاب قد بدَّلوا كتبهم وحرفوها، فبعث الله محمداً صلى الله عليه وسلم بشرع عظيم، شامل كامل، فيه الهداية والبيان لكل ما يحتاج الناس إِليه من أمر معاشهم ومعادهم، وجمع له تعالى جميع المحاسن، وأعطاه ما لم يعط أحداً من الأولين والآخرين {وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُواْ بِهِمْ} أي وبعث الرسول إِلى قومٍ آخرين، لم يكونوا في زمانهم وسيجيئون بعدهم، وهم جميع من أسلم إِلى يوم القيامة، قال الصاوي: والمعنى أنه بعث إِلى المؤمنين الموجودين في زمانه، وإِلى الآتين منهم بعدهم، فليست رسالته خاصة بمن كان موجوداً في زمانه، بل هي عامة لهم ولغيرهم إِلى يوم القيامة، وفي الحديث عن أبي هريرة قال: حديث : كنا جلوساً عند النبي صلى الله عليه وسلم فأنزلت عليه سورة الجمعة {وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُواْ بِهِمْ} قالوا: من هم يا رسول الله؟ قال: وفينا سلمان الفارسي، فوضع رسول الله صلى الله عليه وسلم يده على سلمان ثم قال: "لو كان الإِيمان عند الثريا لناله رجالٌ من هؤلاء"تفسير : قال مجاهد: في تفسير الآية: هم الأعاجم وكلُّ من صدَّق النبي صلى الله عليه وسلم من غير العرب {وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ} أي القويُ الغالب في ملكه، الحكيم، في صنعه {ذَلِكَ فَضْلُ ٱللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ} أي ذلك الشرف الذي امتاز به سيد البشر، وهو كونه مبعوثاً إِلى كافة الناس، وما شرَّف الله به العرب من نزول القرآن بلغتهم، وإِرسال خاتم الرسل إِليهم، هو فضلُ اللهِ يعطيه لمن يشاء من خلقه {وَٱللَّهُ ذُو ٱلْفَضْلِ ٱلْعَظِيمِ} أي هو جل وعلا ذو الفضل الواسع على جميع خلقه في الدنيا والآخرة.. ثم شرع تعالى في ذم اليهود الذين أكرمهم الله بالتوراة، فلم ينتفعوا بها ولم يطبقوها، وشبَّههم بالحمار الذي يحمل الأسفار فقال {مَثَلُ ٱلَّذِينَ حُمِّلُواْ ٱلتَّوْرَاةَ} أي مثل اليهود الذين أعطوا التوراة، وكُلفوا العمل بما فيها {ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا} أي ثم لم يعملوا بها، ولم ينتفعوا بهديها ونورها {كَمَثَلِ ٱلْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً} أي مثلهم كمثل الحمار الذي يحمل الكتب النافعة الضخمة، ولا يناله منها إِلا التعب والعناء قال القرطبي: شبههم تعالى - والتوراة في أيديهم وهم لا يعملون بها - بالحمار يحمل كتباً، وليس له إِلاّ ثقل الحمل من غير فائدة، فهو يتعب في حملها ولا ينتفع بما فيها وقال في حاشية البيضاوي: ذمَّ تعالى اليهود بأنهم قراءُ التوراة، عالمون بما فيها، وفيها آياتٌ دالة على صحة نبوة محمد صلى الله عليه وسلم ووجوب الإِيمان به، ولكنهم لم ينتفعوا بها مما ينجيهم من شقاوة الدارين، وشبههم بالحمار الذي يحمل أسفار العلم والحكمة ولا ينتفع بها، ووجه التشبيه حرمان الانتفاع بما هو أبلغ شيء في الانتفاع، مع الكدِّ والتعب {بِئْسَ مَثَلُ ٱلْقَوْمِ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِ ٱللَّهِ} أي بئس هذا المثل الذي ضربناه لليهود، مثلاً للقوم الذين كذبوا بآيات الله، الدالة على نبوة محمد عليه الصلاة والسلا م {وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلظَّالِمِينَ} أي لا يوفق للخير، ولا يرشد للإِيمان من كان ظالماً فاسقاً قال عطاء: هم الذين ظلموا أنفسهم بتكذيبهم للأنبياء، ثم كذَّب تعالى اليهود في دعوى أنهم أحبابُ الله فقال {قُلْ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ هَادُوۤاْ} أي قل يا محمد لهؤلاء الذين تهودوا وتمسكوا بملة اليهودية {إِن زَعمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَآءُ لِلَّهِ مِن دُونِ ٱلنَّاسِ} أي إن كنتم أولياء الله وأحباءه حقاً كما تدَّعون {فَتَمَنَّوُاْ ٱلْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} أي فتمنوا من الله أن يميتكم، لتنقلوا سريعاً إِلى دار كرامته المعدَّة لأوليائه، إِن كنتم صادقين في هذه الدعوى قال أبو السعود: كان اليهود يقولون: {أية : نَحْنُ أَبْنَاءُ ٱللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ}تفسير : [المائدة: 18] ويدَّعون أن الدار الآخرة لهم عند الله خالصة، ويقولون {أية : لَن يَدْخُلَ ٱلْجَنَّةَ إِلاَّ مَن كَانَ هُوداً}تفسير : [البقرة: 111] فأمر الله رسوله أن يقول لهم إِظهاراً لكذبهم: إِن زعمتم ذلك فتمنوا الموت، لتنقلوا من داء البلاء إِلى دار الكرامة، فإِنَّ من أيقن بأنه من أهل الجنة، أحبَّ أن يتخلص إِليها من هذه الدار التي هي مقرُّ الأكدار، قال تعالى فاضحاً لهم، ومبيناً كذبهم {وَلاَ يَتَمَنَّونَهُ أَبَداً بِمَا قَدَّمَتْ أَيْديهِمْ} أي ولا يتمنون الموت بحالٍ من الأحوال، بسبب ما أسلفوه من الكفر والمعاصي وتكذيب محمد عليه السلام وفي الحديث "حديث : والذي نفسي بيده، لو تمنوا الموتَ ما بقي على ظهرها يهودي إِلا مات"تفسير : قال الألوسي: لم يتمنَّ أحدٌ الموت منهم، لأنهم كانوا موقنين بصدقه عليه السلام، فعلموا أنهم لو تمنوه لماتوا من ساعتهم، وهذه إِحدى المعجزات، وجاء في سورة البقرة نفيُ هذا التمني بلفظ {ولن} وهو من باب التفنن على القول المشهور {وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِٱلظَّالِمِينَ} أي عالمٌ بهم وما صدر عنهم من فنون الظلم والمعاصي، وإِنما وضع الظاهر موضع الضمير "عليمٌ بهم" ذماً لهم، وتسجيلاً عليهم بأنهم ظالمون {قُلْ إِنَّ ٱلْمَوْتَ ٱلَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ} أي قل لهم يا محمدٍ: إن هذا الموت الذي تهربون منه، وتخافون أن تتمنوه حتى بلسانكم {فَإِنَّهُ مُلاَقِيكُمْ} أي فإِنه آتيكم لا محالة، لا ينفعكم الفرار منه كقوله تعالى {أية : أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِككُّمُ ٱلْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ}تفسير : [النساء: 78] لأنه قدرٌ محتوم، ولا يغني حذرٌ عن قدر {ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَىٰ عَالِمِ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَادَةِ} أي ثم ترجعون إِلى الله الذي لا تخفى عليه خافية {فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} أي فيجازيكم على أعمالكم، وفيه وعيدٌ وتهديد.. ثم شرع تعالى في بيان أحكام الجمعة فقال {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاَةِ مِن يَوْمِ ٱلْجُمُعَةِ} أي يا معشر المؤمنين المصدّقين بالله ورسوله، إِذا سمعتم المؤذن ينادي لصلاة الجمعة ويؤذن لها {فَٱسْعَوْاْ إِلَىٰ ذِكْرِ ٱللَّهِ وَذَرُواْ ٱلْبَيْعَ} أي فامضوا إِلى سماع خطبة الجمعة وأداء الصلاة، واتركوا البيع والشراء، اتركوا التجارة الخاسرة واسعوا إِلى التجارة الرابحة قال في التسهيل: والسعيُ في الآية بمعنى المشي لا بمعنى الجري لحديث "حديث : إِذا أقيمت الصلاة فلا تأتوها وأنتم تسعون، وأتوها وأنتم تمشون وعليكم السكينة"تفسير : .. وقال الحسن: واللهِ ما هو بالسعي على الأقدام، ولقد نهُوا أن يأتوا الصلاة إِلا وعليهم السكينة والوقار، ولكنه سعيٌ بالقلوب، والنية، والخشوع {ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ} أي ذلك السعي إِلى مرضاة الله، وتركُ البيع والشراء، خيرٌ لكم وأنفع من تجارة الدنيا، فإِن نفع الآخرة أجلُّ وأبقى {إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} أي إن كنتم من أهل العلم القويم، والفهم السليم {فَإِذَا قُضِيَتِ ٱلصَّلاَةُ} أي فإِذا أديتم الصلاة وفرغتم منها {فَٱنتَشِرُواْ فِي ٱلأَرْضِ} أي فتفرقوا في الأرض وانبثوا فيها للتجارة وقضاء مصالحكم {وَٱبْتَغُواْ مِن فَضْلِ ٱللَّهِ} أي واطلبوا من فضل الله وإِنعامه، فإِن الرزق بيده جلَّ وعلا وهو المنعم المتفضل، الذي لا يُضيع عمل العامل، ولا يخيّب أمل السائل {وَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ كَثِيراً} أي واذكروا ربكم ذكراً كثيراً، باللسان والجنان، لا وقت الصلاة فحسب {لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} أي كي تفوزوا بخير الدارين قال سعيد بن جبير: ذكرُ الله طاعته، فمن أطاع اللهَ فقد ذكره، ومن لم يطعه فليس بذاكرٍ ولو كان كثير التسبيح.. ثم أخبر تعالى أنَّ فريقاً من الناس يؤثرون الدنيا الفانية على الآخرة الباقية، ويفضلون العاجل على الآجل فقال {وَإِذَا رَأَوْاْ تِجَارَةً أَوْ لَهْواً ٱنفَضُّوۤاْ إِلَيْهَا} هذا عتابٌ لبعض الصحابة الذين انصرفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وتركوه قائماً يخطب يوم الجمعة، والمعنى: إِذا سمعوا بتجارة رابحة، أو صفقةٍ قادمة، أو شيء من لهو الدنيا وزينتها، تفرقوا عنك يا محمد وانصرفوا إِليها، وأعاد الضمير إِلى التجارة دون اللهو {ٱنفَضُّوۤاْ إِلَيْهَا} لأنها الأهم المقصود {وَتَرَكُوكَ قَآئِماً} أي وتركوا الرسول قائماً على المنبر يخطب قال المفسرون: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قائماً على المنبر يخطب يوم الجمعة، فأقبلت عيرٌ من الشام بطعام قدم بها "دحية الكلبي" - و كان أصاب أهل المدينة جوعٌ وغلاء سعر - وكانت عادتهم أن تدخل العير المدينة بالطبل والصياح سروراً بها، فلما دخلت العير كذلك انفضَّ أهل المسجد إِليها، وتركوا رسول الله صلى الله عليه وسلم قائماً على المنبر، ولم يبق معه إِلا اثني عشر رجلاً قال جابر بن عبد الله: أنا أحدهم فنزلت الآية قال ابن كثير: وينبغي أن يعلم أن هذه القصة كانت لمَّا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقدم الصلاة يوم الجمعة على الخطبة كما هو الحال في العيدين، كما روى ذلك أبو داود {قُلْ مَا عِندَ ٱللَّهِ خَيْرٌ مِّنَ ٱللَّهْوِ وَمِنَ ٱلتِّجَارَةِ} أي قل لهم يا محمد: إِنَّ ما عند الله من الثواب والنعيم، خير مما أصبتموه من اللهو والتجارة {وَٱللَّهُ خَيْرُ ٱلرَّازِقِينَ} أي خير من رزق وأعطى، فاطلبوا منه الرزق، وبه استعينوا لنيل فضله وإِنعامه. البَلاَغَة: تضمنت السورة الكريمة وجوهاً من البيان والبديع نوجزها فيما يلي: 1- التشبيه التمثيلي {مَثَلُ ٱلَّذِينَ حُمِّلُواْ ٱلتَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ ٱلْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً} لأن وجه الشبه منتزع من متعدد أي مثلهم في عدم الانتفاع بالتوراة، كمثل الحمار الذي يحمل على ظهره الكتب العظيمة ولا يكون له منها إِلا التعب والعناء. 2- طباق السلب {فَتَمَنَّوُاْ ٱلْمَوْتَ .. وَلاَ يَتَمَنَّونَهُ أَبَداً}. 3- الطباق بين {ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَادَةِ} وهو من المحسنات البديعية. 4- التفنن بتقديم الأهم في الذكر {وَإِذَا رَأَوْاْ تِجَارَةً أَوْ لَهْواً} لأن المقصود الأساسي هو التجارة فقدمها ثم قال {قُلْ مَا عِندَ ٱللَّهِ خَيْرٌ مِّنَ ٱللَّهْوِ وَمِنَ ٱلتِّجَارَةِ} فقدَّم اللهو على التجارة لأن الخسارة بما لا نفع فيه أعظم، فقدَّم ما هو أهم في الموضعين. 5- المجاز المرسل {وَذَرُواْ ٱلْبَيْعَ} أطلق البيع وقصد جميع أنواع المعاملة من بيع وشراء وإِجارة وغيرها. تنبيه: يوم الجمعة سمي بذلك لاجتماع المسلمين فيه للصلاة، وقد كان يسمى في الجاهلية "يوم العروبة" ومعناه الرحمة كما قال السهيلي، وأول من سمَّاه جمعة "كعب بن لؤي" وأول من صلى بالمسلمين الجمعة "أسعد بن زرارة" صلى بهم ركعتين وذكَّرهم، فسميت الجمعة حين اجتمعوا إِليه، فهي أول جمعة في الإِسلام. فَائِدَة: كان "عراك بن مالك" إِذا صلى الجمعة انصرف فوقف على باب المسجد فقال: "اللهم إني أجبتُ دعوتك، وصليتُ فريضتك، وانتشرت كما أمرتني، فارزقني من فضلك وأنت خير الرازقين". لطيفَة: التعبير بقوله تعالى {فَٱسْعَوْاْ إِلَىٰ ذِكْرِ ٱللَّهِ} فيه لطيفة، وهي أنه ينبغي للمسلم أن يقوم إِلى صلاة الجمعة بعزيمة وهمة، وجد ونشاط، لأن لفظ السعي يفيد الجد والعزم، ولهذا قال الحسن البصري: والله ما هو سعيٌ على الأقدام، ولكنه سعيٌ بالنيبة والقلوب.

الأندلسي

تفسير : {بِسمِ ٱلله الرَّحْمٰنِ الرَّحِيـمِ * يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ} الآية هذه السورة مدنية ومناسبتها لما قبلها أنه تعالى لما ذكر تأييد من آمن على أعدائهم اتبعه بذكر التنزيه لله تعالى وسعة ملكه وتقديسه وذكر ما أنعم به على أمة محمد صلى الله عليه وسلم من بعثته إليه وتلاوته عليهم كتابه وتزكيتهم فصارت أمته غالبة سائر الأمم قاهرة لها منتشرة الدعوى كما انتشرت دعوة الحواريين في زمانهم. {وَآخَرِينَ} الظاهر أنه معطوف على في الأميين أي وفي آخرين من الأميين لم يلحقوا بهم بعد وسيلحقون وذلك إشارة إلى بعثته عليه السلام. {مَثَلُ ٱلَّذِينَ حُمِّلُواْ ٱلتَّوْرَاةَ} هم اليهود المعاصرون له عليه السلام كلفوا القيام بأوامرها ونواهيها فلم يطيقوا القيام بها حين كذبوا الرسول وهي ناطقة بنبوته عليه السلام شبه صفتهم بصفة الحمار الذي يحمل كتباً فهو لا يدري ما عليه أكتب هي أم صخر أو غير ذلك وإنما يدرك من ذلك ما يلحقه من التعب. {بِئْسَ مَثَلُ ٱلْقَوْمِ} قال الزمخشري: بئس مثلاً مثل القوم "انتهى". فخرجه على أن يكون التمييز محذوفاً وفي بئس ضمير يفسره مثلاً الذي ادعى حذفه وقد نص سيبويه على أن التمييز الذي يفسر المضمر المستكن في نعم وبئس ما أجرى مجراهما لا يجوز حذفه والمخصوص بالذم محذوف التقدير بئس مثل القوم المكذبين مثلهم روي أنه لما ظهر رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب يهود المدينة ليهود خيبر إن اتبعتموه أطعناكم وإن خالفتموه خالفنا فقالوا لهم نحن أبناء خليل الرحمٰن ومنا عزيز ابن الله والأنبياء ومتى كانت النبوة في العرب نحن أحق بها من محمد ولا سبيل إلى اتباعه فنزلت: قل يا أيها الذين هادوا وكانوا يقولون نحن أبناء الله وأحبائه. أي إن كان قولكم حقاً فتمنوا أن تنقلوا سريعاً إلى دار كرامته المعدة لأوليائه وتقدم تفسير بقية الآية في البقرة. {إِذَا نُودِيَ} أي أذن وكان الأذان عند قعود الإِمام على المنبر وكذلك كان في زمان الرسول عليه السلام كان إذا صعد المنبر أذن على باب المسجد فإِذا نزل بعد الخطبة أقيمت الصلاة وكذا كان في زمن أبي بكر وعمر إلى زمن عثمان كثر الناس وتباعدت المنازل فزاد مؤذناً آخر على داره التي تسمى الزوراء فإِذا جلس على المنبر أذن الثاني فإِذا نزل من المنبر أقيمت الصلاة ولم يعب أحد ذلك على عثمان رضي الله عنه والظاهر وجوب السعي لقوله: {فَٱسْعَوْاْ إِلَىٰ ذِكْرِ ٱللَّهِ} وانه يكون المشي خفة والظاهر أن الخطاب بالأمر بالسعي للمؤمنين عموماً وأنها فرض على الأعيان وعن بعض الشافعية أنها فرض كفاية وعن مالك رواية شاذة أنها سنة وإنما ذكر البيع من بين سائر المحرمات لأنه أكثر ما يشتغل به أصحاب الأسواق إذ يكثر الوافدون الأمصار من القرى ويجتمعون للتجارة إذا تعالى النهار فأمروا بالبدار إلى تجارة الآخرة ونهوا عن تجارة الدنيا ووقت التحريم من الزوال إلى الفراغ من الصلاة والإِشارة بذلكم إشارة إلى السعي وترك البيع والأمر بالانتشار والابتغاء أمر إباحة وفضل الله هو ما يهيئه من حالة حسنة كعيادة مريض وصلة صديق واتباع جنازة وأخذ في بيع وشراء وتصرفات دينية ودنيوية وأمر مع ذلك بإِكثار ذكر الله تعالى: {وَإِذَا رَأَوْاْ تِجَارَةً أَوْ لَهْواً} الآية روي أنه كان أصحاب أهل المدينة جوع وغلاء سعر فقدم دحية بعير تحمل ميرة قال مجاهد: وكان من عرفهم أن يدخل بالطبل والمعازف والصياح فدخلت بها سروراً بها ورسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب فانفضوا إلى رؤية ذلك وسماعه وتركوه عليه السلام قائماً على المنبر في اثني عشر رجلاً قال جابر: أنا أحدهم وقال أبو بكر غالب بن عطية هم العشرة المشهود لهم بالجنة فنزلت وإذا رأوا تجارة. وقال ابن عطية: قال إليها ولم يقل إليهما تهمما بالأهم إذا كانت هي سبب اللهو ولم يكن اللهو سببها وتأمل إن تقدمت التجارة على اللهو في الرؤية لأنها أهم وأخرت مع التفصيل لتقع النفس أولاً على الأبين "انتهى". وقوله: وقال إليها ولم يقل إليهما ليس بشىء لأن العطف بأولاً يثنى فيه الضمير بل يفرد وفي قوله قائماً دلالة على مشروعية القيام في الخطبة وأول من استراح في الخطبة عثمان وأول من خطب جالساً معاوية وناسب ختمها بقوله: {خَيْرُ ٱلرَّازِقِينَ} لأنهم كانوا قد مسهم شىء من غلاء الأسعار كما تقدم في سبب النزول وما مبتدأ وخير خبره.

الجيلاني

تفسير : لذلك {يُسَبِّحُ} ويقدس {لِلَّهِ} الواحد الأحد، المنزَّه عن مطلق التحديد مظاهر {مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ} تسبيحاً وتقديساً، مقروناً بكمال التذلل والخضوع إلى الملك {ٱلْمَلِكِ} المتسلط بالاستيلاء التام، والسلطنة القاهرة الغالبة على مملكة الوجود {ٱلْقُدُّوسِ} المنزَّه الطاهر ذاته عن سمة الحدوث، ووصمة الإمكان {ٱلْعَزِيزِ} الغالب على عموم المقدورات بكمال الاستيلاء والاستقلال {ٱلْحَكِيمِ} [الجمعة: 1] المقتن في مطلق التدابير الجارية في عالم التصاوير بلا فتور وقصور. {هُوَ ٱلَّذِي بَعَثَ} بمقتضى كمال قدرته وحكمته {فِي ٱلأُمِّيِّينَ} المنسلخين عن مطلق الإملاء والإنشاء المشعر بالتدبر والتفكر بمقتضى العقل الفطري الموهب لهم من حضرة العليم الحكيم {رَسُولاً} أمياً أمثالهم، ناشئاً {مِّنْهُمْ} وأيده بروح القدس بعدما أصفاه من دنس الجهل، واصطفاه من بين الملل، وفضَّله على جميع أرباب النحل، وجعله في كمال المعارف والحقائق الإلهية، بحيث {يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ} عموم {آيَاتِهِ} الدالة على وحدة ذاته، وعلى كمال أسمائه وصفاته {وَيُزَكِّيهِمْ} عن مطلق النقائض والآثام المنافية لدين الإسلام، المبين للتوحيد الذاتي. {وَ} بالجملة: {يُعَلِّمُهُمُ} بمقتضى الوحي الإلهي {ٱلْكِتَابَ} أي: القرآن الجامع لما في الكتب السالفة من الحكم والأحكام على أبلغ بيان، وأبدع نظام {وَٱلْحِكْمَةَ} أي: الأحكام الشرعية المنزلة من عند العليم الحكيم العلاَّم {وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ} أي: وإنهم كانوا قبل بعثته صلى الله عليه وسلم {لَفِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ} [الجمعة: 2] وغواية ظاهرة؛ لأنهم كانوا على فترة من الرسل. {وَ} لم يختص بعثته صلى الله عليه وسلم بالأميين من الأعراب الموجودين عند بعثته صلى الله عليه وسلم بل يعم {آخَرِينَ مِنْهُمْ} أي: من عموم المكلفين {لَمَّا يَلْحَقُواْ بِهِمْ} أي: حين يتبعوا بالأولين إلى يوم القيامة؛ إذ خُتم ببعثته صلى الله عليه وسلم أمر البعثة ، وكمل عند ظهوره صلى الله عليه وسلم بنيان الدين القويم الذي هو صراط التوحيد الذاتي {وَهُوَ} سبحانه {ٱلْعَزِيزُ} الغالب على عموم التقادير {ٱلْحَكِيمُ} [الجمعة: 3] المطلق في جميع الأفعال والتدابير. {ذَلِكَ} أي: التوحيد الذايت الذي ظهر به صلى الله عليه وسلم رحمةً للعالمين {فَضْلُ ٱللَّهِ} العزيز الحكيم {يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ} من عباده بلا سبق الوسائل والأسباب العادية {وَٱللَّهُ} المتعزز برداء العظمة والكبرياء {ذُو ٱلْفَضْلِ ٱلْعَظِيمِ} [الجمعة: 4] الذي لا يُكتنه وصف فضله وطوله أصلاً. ثمَّ قال سبحانه تعريضاً على الكفرة المنكرين لنبوة محمد صلى الله عليه وسلم، مع أنه قد ورد في كتبهم المنزلة عليهم بعثته وحليته صلى الله عليه وسلم، وهم مؤمنون بها، مصدقون بجميع ما فيها سوى بعثته صلى الله عليه وسلم، وما جاء فيها من أوصافه صلى الله عليه وسلم الدالة على علو شأنه، ورفعة قدره ومكانه، وبالجملة: {مَثَلُ} القوم {ٱلَّذِينَ حُمِّلُواْ ٱلتَّوْرَاةَ} أي: علموها وكلِّفوا بما فيها من الأوامر والنواهي، ومطلق الأحكام {ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا} ولم ينتفعوا، ولم يصدقوا بما فيها، سيما نعوت الحضرة الختمية المحمدية صلى الله عليه وسلم، مثلهم في حمل التوراة عليهم، وتكليفاً لهم {كَمَثَلِ ٱلْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً} كتباً من العلم يحمل عليه، ويتعب بثقلها، ولا ينتفع بها {بِئْسَ} المثل {مَثَلُ ٱلْقَوْمِ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِ ٱللَّهِ} الدالة على عظمة ذاته، ومتانة حكمه وحكمته في عموم مأموراته ومنهياته {وَ} بالجملة: {ٱللَّهُ} العليم الحكيم، المتقن في أفعاله {لاَ يَهْدِي} إلى توحيد {ٱلْقَوْمَ ٱلظَّالِمِينَ} [الجمعة: 5] الخارجين عن مقتضى عبوديته بمتابعة شياطين أمّاراتهم بسوء.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : يا من تدعي أنك تسبح لله ما فهمت من قوله تعالى حيث قال: {يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ ٱلْمَلِكِ ٱلْقُدُّوسِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَكِيمِ} [الجمعة: 1] وإن لم تكن من أهل الفهم من عند نفسك بالكشف فألق سمعك إلي وكن شهيداً حتى أفسره لك بإذن الله تعالى. واعلم أن التسبيح لا يصدق من أحد من رؤية وجوده، فينبغي للمسبح أن يعرف الله بصفة الملكية والقدوسية والعزيزية والحكيمية، ومعرفته صفة ملكه لا يصدق ما دام يتلجئ إلى أحد غيره، ويرى الملك لغيره متصرفاً، ولا يأتمر بأمره، ولا ينتهي من نهيه، ويشتغل بنهر طبعه، ومعرفة يصفة قدسه لا يحصل إلا بعد علمه بأن كل ما يخطر بباله وحسه وذكره، فالله خالق تلك الخواطر وكل ما رأى من صور صفاته في الغيب والشهادة يتيقن بأن الله مصورها، ومعرفته صفة عزيزية منوطة بأنه يعرف أنه غالب على أمره، خلق الشيطان لعزته، وخلق النفس قرينة لغيرته على أن يعرفه غيره، ومعرفته حكيمية متعلقة بمعرفته النقطة المتقنة الواهية صور الأشياء بعد ظهور [الصفات] الثلاثة: العلمية والإدارية والقدرية؛ ليعلم حقيقة ظهور القالب الإنساني على شكل قامة الألف، ويعلم قواها السوداية، وقواها البيانية، وكيفية تداخل الحروف بعضها في البعض، وأخذ النقطات البيانية حظوظها من النقطات السوادية، وأخذ النقطات السوادية حقوقها من النقطات البياضية؛ ليظهر عليه حكمة صدور هذا الفعل من ذات سبب صفاته الملكية والقدسية والعزيزية والحكيمية وإن الملك اسم للسر الذي أودعه الله في النقطة العلمية، والقدوس اسم للذي أودعه الله في النقطة الإرادية، والعزيز اسم للسر الذي أودعه الله في النقطة القدرية، ويطلع على ينبوع الحياة في النقطة العلمية، وعلى نهر السمع في النقطة الإرادية، وعلى بحر البصر في النقطة القدرية، وعلى مد الكلام وجوزه في النقطة المتقنة الحكيمة ليجتني من شجرة روحانيته المغروسة في أرض بشريته إثمار الكلمات الطيبات في بستان بلدته الطيبة، ويضعها على طبق اللطائف ويتحف بها على يدي اللطيفة الأنانية إلى حضرة ربه الغيور، والمبالغة في هذا التقرير في هذه الآية فرعت باب مطلع القرآن، فعطفت عنان البيان عنه {هُوَ ٱلَّذِي بَعَثَ فِي ٱلأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِّنْهُمْ} [الجمعة: 2] يعني: بعث اللطائف المرسلة إلى كل الأمم منهم، وبعث اللطيفة الخفية إلى جميع الحقوق المودعة في القوى السلفية والعلوية، وهي أمة أمية؛ لأنها وهبية لا كسبية {يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ} [الجمعة: 2] يعني: يقرأ عليهم آيات الحق في أنفسهم {وَيُزَكِّيهِمْ} [الجمعة: 2] من غبار الأخلاق الرذيلة التي علقت بأذيال القوى الحقوقية في أرض البشرية من تراب الطبيعة {وَيُعَلِّمُهُمُ ٱلْكِتَابَ} [الجمعة: 2] بالوارد الوهبي الخفي لا من العلم الكسبي الخلقي العسكري {وَٱلْحِكْمَةَ} [الجمعة: 2] بالنور الحكمي المخصوص بالخفي، والمراد من الكتاب: الأحكام التي تتعلق بملك السالك، وبالحكمة الأحكام التي بملكوت السالك يعني: تزكي بالكتاب قوى سفليته، وبالحكمة تزكي علويته {وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ} [الجمعة: 2] بعبادتهم أوثان الهوى، ومتابعتهم القوى الجاهلية القالبية، والظالمة النفسية {وَآخَرِينَ مِنْهُمْ} [الجمعة: 3] يعني: يعلمهم ويعلم آخرين منهم من القوى التي تحدث من [.....] بعد المُخْلِلات {لَمَّا يَلْحَقُواْ بِهِمْ} [الجمعة: 3] يعني: القوى الحادثة للقوى التابعة الزكية العارفة بالكتاب والحكمة لم تدركوهم، ولكنهم يحدثونهم بعدهم {وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ} [الجمعة: 3] بقدرته أرسل اللطيفة الخفية إلى الأميين من القوى الحقوقية الأمية الأصلية؛ ليعلمهم الكتاب والحكمة بعد أن غابوا عن الحضرة من وقت التخمير، وصاروا ضالين في أودية البشرية، ويبدأوا الشكوك والظنون مشتغلين بعمارة وكر قالبهم وتربية بيضتهم غافلين عن ذكر الله بالحكمة البالغة؛ ليتم الوكر وتنتج البيضة والفرخ، ولولا غفلتهم عن الذكر ما اشتغلوا بعمارة الوكر وتربية البيضة، والمراد من إيجاد الذكر والأنثى والعلو والسفل، وعمارة الوكر وتربية البيضة هو: الفرخ الذي يحصل فيه؛ فيطير في سوء المحبة، وبأخذ طيور المعرفة ليفرح السلطان في طيرانه، وعلمه بكيفية الأخذ ورجوعه إلى يد السلطان {ذَلِكَ فَضْلُ ٱللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ} [الجمعة: 4] يعني: من ذلك العلم والطيران والرجوع من فضل الله ووجهه لامن كسب أحد وتعلمه يؤتيه من يشاءه {وَٱللَّهُ ذُو ٱلْفَضْلِ ٱلْعَظِيمِ}[الجمعة: 4]؛ ليعطيهم الاستعداد ويهب لهم العلم اللدني، ويرسل إليهم الوارد القدسي، ويدعوهم بلطيفة إليه، ثم يجزيهم الجزاء الأوفى، ويثني عليهم ويشكر سعيهم ويجعلهم المقربين.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : أي: يسبح لله، وينقاد لأمره، ويتألهه، ويعبده، جميع ما في السماوات والأرض، لأنه الكامل الملك، الذي له ملك العالم العلوي والسفلي، فالجميع مماليكه، وتحت تدبيره، { الْقُدُّوسُ } المعظم، المنزه عن كل آفة ونقص، { الْعَزِيزُ } القاهر للأشياء كلها، { الْحَكِيمُ } في خلقه وأمره. فهذه الأوصاف العظيمة مما تدعو إلى عبادة الله وحده لا شريك له.